د0057_نور على الدرب_004_006.docx
السؤال: أمي سمعها ضعيف ولا تسمعني إلا إذا رفعت صوتي، هل آثم برفع صوتي عليها؟
الجواب: على كل حال الأمور بمقاصدها، فمن رفع صوته على أمه أو أبيه أو من له حق عليه لا شك أنه يأثم بذلك؛ لأنه خلاف الأدب وخلاف البر، وأما إذا كان رفع صوته لحاجة تقتضي ذلك وتستدعيه فإنه لا يأثم بذلك؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك، وقد لا يتحقق الغرض من الكلام إلا مع رفع الصوت، ولما نزل قول الله -جل وعلا-: ﭽ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﭼ الحجرات: ٢ كان ثَابِتُ بْنُ قَيْس بْنِ شَمَّاس خطيبًا للنبي -عليه الصلاة والسلام-، من الخطباء، ومن مقتضى الخطبة أن يرفع الصوت، فلما نزلت هذه الآية عمد ثابت إلى نفسه فقيدها في بيته، وقال: لا يحل القيد إلا رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، أنا رفعت صوتي بين يديه، فأخشى أن يكون حبط عملي، فلما علم النبي -عليه الصلاة والسلام- بعد أن افتقده وسأل عنه، قالوا: هذا شأنه، فقال: "أخبروه أنه ليس من هذا بشيء وبشروه بالجنة"(1).
فمثل هذا يجوز عند الحاجة، والخطبة تقتضي رفع الصوت؛ فقد كان النبي -عليه الصلاة والسلام- إذا خطب علا صوته واحمّر وجهه، حتى أنه كأنه مُنذر جيش يقول: صبّحكم ومسّاكم, فمن مقتضى الخطبة رفع الصوت، لكن يبقى أن رفع الصوت ينبغي أن يكون أيضًا بقدر الحاجة، وبقدر ما يحتاجه الحاضر أو الحضور؛ لأن بعض الناس يكون عنده في المسجد نفر يسير ومسجده صغير والمكبرات مرفوعة على أعلى شيء، ويرفع صوته بحيث يصدّع السامعين، مثل هذا لا يطلب، إنما يكون رفع الصوت بقدر الحاجة، فالوضع يختلف عما كان قبل وجود هذه المكبرات وعما وجد بعدها، فإذا كان هذا هو القصد وبقدر الحاجة لا إثم ولا شيء عليها.
توجيهكم فضيلة الشيخ، وهذه السائلة تسأل هذا السؤال وأمها تحتاج إلى رفع صوتها ومع هذا تتحسس من رفع الصوت، مع وجود من يرفع الصوت على والديه ولا يجد في ذلك غضاضة؟
كما يوجد مثل هذه السائلة يوجد من هو أشد منها في البر والتحسس لحاجة الوالدين ومعرفة النَّفَس بالنسبة للوالدين فيما يريدان وما يحبانه وما يكرهانه، وهذا موجود في الأمة، والأمة فيها خير إلى قيام الساعة، ويوجد في المقابل أيضًا خلاف ذلك، يوجد من يَعُق والديه ويرفع صوته على والديه، بل وجد من يَمُد يده على والديه، نسأل الله السلامة والعــــافية على كل حال كما قـــال الله –جــل وعلا-: ﭽ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﭼ الليل: ٤، فيوجد مثل هذه السائلة التي تسأل عن شيء، مع أن الحاجة داعية إليه؛ خشية أن تقع في الإثم، يوجد من لا مبرر لرفع صوته، وإنما يدعوه إلى ذلك إما رِقّةٌ في الدين أو حمق أو ضعف في الرأي، بعض الناس ظاهره الصلاح، لكن إذا أكثر عليه: هات لنا كذا، هات لنا كذا، من قِبَلِ الأب أو الأم في أمور لا تشق عليه، تجده يرفع صوته، ويقول: أنا تعبت وأنا مللت وأنا كذا وأنا كذا وعطلت مصالحي، هذا يسمع -مع الأسف- من بعض المنتسبين للإسلام.
مع أن النص جاء بمنع "أف" أقل كلمة، يعني أقل كلمة ممنوعة: ﭽ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﭼ الإسراء: ٢٣
هذه لا تقال، فكيف بما فوقها؟! لا شك أن هذا أشد منعًا وتحريمًا، نسأل الله -جل وعلا- أن يهدي ضالّ المسلمين، وأن يصلح النيات والذريات (2).
1() عن أنس بن مالك، أنه قال لما نزلت هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} [الحجرات: 2] إلى آخر الآية، جلس ثابت بن قيس في بيته، وقال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ، فقال: «يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ اشتكى؟» قال سعد: إنه لجاري، وما علمت له بشكوى، قال: فأتاه سعد، فذكر له قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ثابت: أنزلت هذه الآية، ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل هو من أهل الجنة» صحيح مسلم،(187)،(119)،(1/110)
__________
2() برنامج فتاوى نور على الدرب، الحلقة الرابعة، 26/8/1431.