د0057_نور على الدرب_006_001.docx
السؤال: ما المقدم في الهوي إلى السجود: اليدين أم الركبتين؟
الجواب : في الباب حديثان أحدهما حديث أبي هريرة: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير, وليضع يديه قبل ركبتيه"(1) ، وفيه أيضا حديث وائل بن حَجر: " كان النبي إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه" (2).
هذان الحديثان يدل أحدهما على تقديم الركبتين وهو حديث وائل، والثاني يدل على تقديم اليدين وهو حديث أبي هريرة, والحافظ ابن حجر في البلوغ رَجَّح حديث أبي هريرة على حديث وائل، وهو أمثل منه, لكن في حديث أبي هريرة كلام لابن القيم -رحمه الله- فابن القيم يرى أن الحديث مقلوب, وأن آخره يعارض أوله ويناقضه, فمن المعلوم أن البعير يقدم يديه قبل ركبتية إذا برك, والحديث فيه: "وليضع يديه قبل ركبتيه"، النهي عن مشابهة البعير، وفيه أيضا الأمر بوضع اليدين قبل الركبتين.
يقول ابن القيم: إن هذا تناقض, وفي هذا قلب على الراوي, فالحديث مقلوب، وإلا فالأصل وليضع ركبتيه قبل يديه؛ ليوافق آخر الحديث أوله, والحديث الثاني من فعله -عليه الصلاة والسلام-، وإن كان من أهل العلم من يُضَعِّف الحديثين، وحينئذ يستوي عنده الأمران؛ إن شاء قدم اليدين وإن شاء قدم الركبتين، وهذا كأنه اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، فالذي يضعف الحديثين أو يصحح الحديثين يكون الأمران عنده على السواء، قدم هذا أو قدم ذاك لا إشكال, لكن من يرجح حديث أبي هريرة -كما فعل الحافظ- يرد عليه كلام ابن القيم أنه مقلوب, والذي يرجح حديث وائل يقول: يقدم الركبتين، والحديث سليم من القلب لا إشكال فيه، ومعارضه قيل فيه: إنه مقلوب، والذي عندي أن حديث أبي هريرة أرجح من حديث وائل, والسُّنة في هذا أن تُقدَّم اليدان على الركبتين، وحديث أبي هريرة ليس فيه قلب البتة.
كيف لا يكون فيه قلب والبعير يقدم يديه قبل ركبتيه؟
نقول: لا يبرك كما يبرك البعير، فالمنهي عنه هو البروك كما يبرك البعير، ومن وضع يديه قبل ركبتيه هل يصح أن يقال: إنه برك كما يبرك البعير؟
متى يقال: برك البعير؟ يقال: برك البعير، وحصحص البعير إذا نزل على الأرض بقوة، وأثار الغبار، وفرق الحصى.
ومن نزل بيديه على الأرض بقوة - كما نسمع من بعض الناس حينما ينزل سواء على يديه أو على ركبتية بشدة وقوة-, يخلخل البلاط الذي تحته، فهذا هو الذي يقال فيه : إنه برك كما يبرك البعير، وإذا قدَّم ركبتيه بقوة أشبه حيونات كثيرة كالحمار مثلا, والمصلي منهي عن مشابهة الحيوانات, فالحديث في تقديري ليس فيه قلبا، وأن أول الحديث يشهد لآخره، وأنه لا يبرك كما يبرك البعير فينزل على الأرض بقوة، وإنما يضع يديه قبل ركبتيه, والوضع غير البروك، كما أنهم يفرقون بين مَن وضع المصحف على الأرض وبين من ألقى المصحف على الأرض, وهذا الذي ينزل على الأرض بقوة فيشبه البعير إذا قدم يديه, أو يشبه غيره من الحيوانات إذا قدم ركبتيه, هذا الفعل منهي عنه في الصورتين, سواء قدَّم اليدين أو قدم الركبتين، لكن من وضع يديه وضعا مجردا فلم يبرك كما يبرك البعير، فقد وافق الحديث, وامتثل الأمر في قوله: "وليضع يديه قبل ركبتيه" ولا إشكال في هذا.
والذين تكلموا على الحديث ومن صححه من الأئمة ما أشاروا إلى هذا القلب, ولو كان مقلوبًا لأشاروا إليه, والقلب علة من العلل التي يُعل بها الحديث, لكن الذي عندي وفي تقديري أن الحديث ليس فيه قلبا, وأنه يمكن أن يطبق من غير تناقض, بل هو أولى ما يفعله المصلي فيقدم يديه قبل ركبتيه برفق, ومجرد وضع وليس بروك ولا نزول بقوة، النزول بقوة مخالف للخشوع في الصلاة, وفيه مشابهة للحيوانات، وقد جاء النهي عن مشابهة الحيوانات في الصلاة (3).
1() أخرجه أبوداود في سننه، (840)، والنسائي في المجتبى، (1091) من حديث أبي هريرة-رضي الله عنه-
2()أخرجه أبودود في سننه،(838)، والنسائي في المجتبى،(1089)من حديث وائل بن حجر-رضي الله عنه-
3() برنامج فتاوى نور على الدرب، الحلقة السادسة، 11/9/1431.