د0057_نور على الدرب_009_002.docx
السؤال: ما صحة حديث: "لا تنتفوا الشيب فإنه نور المؤمن"؟
الجواب: هذا الحديث مخرج في سنن أبي داود والترمذي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إلا أنه بلفظ: " لا تنتفوا الشيب فإنه نور المسلم يوم القيامة"(1) والذي في السؤال: "فإنه نور المؤمن"، وعلى كل حال إذا أطلق على هذا دخل فيه هذا، وما جاء من طريق هذه السلسلة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده محل خلاف بين أهل العلم, فمنهم من يرى ردّ جميع ما جاء في هذه السلسلة؛ بناء على أن المراد بالجد: جد عمرو, عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص, فإذا كان الضمير في جده يعود على عمرو كالضمير في أبيه, فإن محمدًا الذي هو جد عمرو، تابعي, وحينئذٍ يكون الخبر مرسلاً, وهو من أقسام الضعيف, فيُرَد ما جاء بهذه السلسلة، وهذا قول معروف عند أهل العلم, وإذا كان الضمير في جده يعود على الأب الذي هو شعيب فجده عبد الله بن عمرو بن العاص, فيكون الخبر موصولاً وليس بمرسل، إلا أنه يُنظر في سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو, والمرجّح أنه سمع منه, وجاء التصريح في عدة أحاديث بالجد, ففيها عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو, وعلى كل حال هذه السلسلة الخلاف فيها عند أهل العلم معروف مشهور, والذي يرجحه جمع من أهل التحقيق والتحرير أن ما يُروى بهذه السلسلة إذا صح السند إلى عمرو أنه يتوسط فيه، فيكون من قبيل الحسن؛ للخلاف الذي أشرنا إليه.
وعلى كل حال هذا الحديث حسنّه الترمذي؛ لعله للخلاف المذكور فتوسط فيه، كما هو قول جمع من أهل العلم وأنه يتوسط فيها، لا تكون من درجة الصحيح؛ لأن الخلاف مُعتبَر ولا ينزل به عن درجة الحسن؛ لأن القول الثاني له وجاهته، لا سيما وقد جاء التصريح بالجد في عدة أحاديث.
نعود إلى تحسين الترمذي -رحمه الله-، فقد حَسَّن هذا الحديث؛ ولا شك أن الترمذي قد يُحسّن ما في سنده انقطاع, وقد يُحسّن ما في سنده راوٍ ضعيف, لكن ضعفه ليس بشديد, حتى قال بعضهم: ما يُحْكَمُ عليه بالحسن فقط دون الصحة أنه لا يرتقي لدرجة الحسن المصطلح عليه، المندرج في حيز القبول, وعلى كل حال الإمام الترمذي إمام من أئمة هذا الشأن، ولا شك أن له قيمته ووزنه بين أهل العلم، إلا أن بعضهم يرميه بالتساهل, وفي حده للحديث الحسن ما يفيد أنه لا يخرج منه ما ضَعْفهُ محتمل؛ إما لضعفٍ يسير في راويه أو الانقطاع؛ ولذا حد الترمذي الحسن كما يقول الحافظ العراقي :
وَقَالَ (التّرمِـــذِيُّ): مَا سَـــلِمْ |
|
مِـنَ الشُّذُوْذِ مَــعَ رَاوٍ مَا اتُّهِمْ |
بِكَـذِبٍ وَلَـمْ يَكُنْ فَـــرْداً وَرَدْ |
|
................................. |
ولعل الترمذي حينما حد الحسن - في علل جامعه - بما اشتمل على الشروط الثلاثة, أنه يقصد الحسن لغيره، وأن يُروى من غير وجه، ولا يقصد بذلك الحسن لذاته, إنما يُروى من أكثر من وجه, يعضد بعضها بعضًا, وإلا فكون الراوي الذي يشترطه الترمذي للحسن لايكون متهما بالكذب, لا ينفي ما دون الاتهام بالكذب من أسباب الضعف, مع أنه لم ينص على الاتصال, وواقع كتابه يشهد بأنه حَسَّنَ أحاديث فيها انقطاع.
على كل حال المسألة معروفة عند أهل العلم, فَجَمْعٌ من أهل العلم يرون الترمذي متساهلاً، وأنه لا بد أن يتُعقب ويحكم على كل حديث حكم عليه مما يليق به, ومنهم من يرى أنه معتبر, وبالغ الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله تعالى- فقال: إن تصحيح الترمذي معتبر, وتوثيق لرجاله, فإذا صحّح حديثًا فإن رواة هذا الحديث كلهم ثقات ولو من وجهة نظر الترمذي, وكونه معتبرًا عند الشيخ أحمد شاكر يعنى أنه يرى أنهم ثقات حتى عند الشيخ أحمد, وأحمد هو الآخر معروف بتساهله، وقد وَثَّقَ جمعًا من الرواة جماهير أهل العلم على تضعيفهم, وعلى كل حال لهم عناية بهذا الشأن ولهم جهودهم المميزة, لا سيما الإمام الترمذي الذي في مصافّ الكبار, والشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- له جهود يُشكر عليها(2) ..
1() أخرجه أبوداود في سننه،(4202)، والترمذي في سننه، (2821) من حديث عمر بن شعيب .
2() برنامج فتاوى نور على الدرب, الحلقة التاسعة, 2/10/1431.