د0057_نور على الدرب_010_001.docx
السؤال: كثير من الناس يتهاون في الصلاة ويستدلون على أن الإيمان مقره القلب، وأخطر من ذلك يقولون: هل أنت أحسن مالاً وجمالاً وسعادة من الناس الذين لا يُصلون, ويقولون أيضًا: ما فائدة الصلاة إن لم تحقق أهدافي في الحياة ؟
الجواب: هؤلاء الذين يتهاونون في الصلاة؛ هذا التهاون يتفاوت من تهاوُن بفعلها وتركها، أو التهاون بفعلها مع الجماعة، أو التهاون بفعلها مع جماعة المسلمين في المسجد.
أولا: صلاة الجماعة واجبة كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة، كحديث ابن أم مكتوم وفيه: "أتسمع النداء"؟ قال: نعم. قال: "أجب، لا أجد لك رخصة"(1)، وحديث الهَمّ بالتحريق؛ حيث همَّ النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يحرق على الذين يتخلفون عن الصلاة بيوتَهم (2)، هذا نوع من التهاون، ومن تهاون بصلاة الجماعة فهو آثم، وهناك أيضا التهاون بفعل الصلاة، وهذا ينقسم إلى قسمين: تهاون بفعلها في وقتها، فمن يؤخرها عن وقتها إذا نام عنها أو نسيها بعد أن بذل الأسباب ونفى الموانع، "فمن نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك"(3)، فهذا إذا كان بعذر، وبَذَل الأسباب فلا إشكال، لكن إذا أخرها عن وقتها متعمدًا بدون عذر وخرج وقتها، ففيه الوعيد بالويل:ﭧ ﭨ ﭽ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭼ الماعون: ٤ - ٥
ومن أهل العلم من يُشدِّد في هذه المسألة حتى أنه يحكم عليه بحكم تارك الصلاة ويقول: إنه لا يقضيها، فالأمر شديد؛ لأن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا، يعني: محددة الأوقات، فكما أنه لا يجوز فعلها قبل الوقت ولا تجزئ قبل الوقت، كذلك لا تجزئ بعده عند جمع من أهل العلم، بل نقل عليه ابن حزم الإجماع، مع أن المعروف عند جمهور أهل العلم أنها صحيحة ومجزية ومسقطة للطلب ويطالب بقضائها, لكن عليه إثم عظيم، نسأل الله العافية، فتأخيرها عن وقتها عمدًا موبقة من الموبقات، نسأل الله السلامة والعافية. وفيه القول الشديد لأهل العلم أنه كالتارك.
وأما من يتهاون بها فيتركها بالكلية فهذا جاءت فيه النصوص الشديدة: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر"(4)، و"بين العبد وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة"(5)، فهذا أمر عظيم، حتى ذكر بعض علماء المغرب في القرن السابع -وهذا من غرائب العلم- قالوا: إن الخلاف في حكم تارك الصلاة نظري ليس بحقيقي. لماذا؟ قال: لأنه لا يتصور –افتراضي- مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ويترك الصلاة، فتكون المسألة والخلاف فيها افتراضية، كما يُقال في الفرائض: توفي، هلك هالك عن ألف جَدة –افتراض-، فَتَرْكُ الصلاة في تلك الأوقات أشبه ما يكون بالمسائل المفترضة، قد يوجد، لكنه نادر، بخلاف ما يوجد في العصور المتأخرة، حيث كثر بين المسلمين من يترك الصلاة بالكلية. -نسأل الله السلامة والعافية-، وهذه هفوة وزلة عظيمة، على خطر عظيم؛ ففيه الأحاديث: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" هذا النوع من التهاون وهو أشدها.
يقول: كثير من الناس يتهاونون في الصلاة، والسؤال يشمل التهاون بترك الجماعة، التهاون بتأخيرها عن وقتها، التهاون بتركها بالكلية أحيانًا أو مطلقًا، هؤلاء الذين يتهاونون بالصلاة ويبرّرون لأنفسهم، ويستدلون على أن الإيمان مقره القلب؛ النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: "التقوى ها هنا ويشير إلى قلبه"(6)، التقوى مقرها القلب، لكن ما الدليل على هذه التقوى؟.
أولا: ما حقيقة التقوى؟ حقيقة التقوى: فعل الأوامر واجتناب النواهي. فالذي يتهاون في الصلاة حقق التقوى أو لم يحقق؟ لم يحقق التقوى لا ظاهرًا ولا باطنًا، فكيف يقول: التقوى هاهنا وهو يرتكب المحرمات ويترك الواجبات، يشير إلى أي شيء في قلبه، ليس هناك تقوى ما دام لم يحقق حد التقوى الذي هو فعل الأوامر واجتناب النواهي، كون الرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: "التقوى ها هنا" صحيح؛ لأنه إمام المتقين -عليه الصلاة والسلام-، لكن يأتي شخص يرتكب المحرمات ويبارز بها ويترك الواجبات، ويقول: "التقوى ها هنا"، أين التقوى؟ أين حقيقة التقوى؟.
يستدلون على أن الإيمان مقره القلب، نعم مقره القلب، لكن كون الإنسان يَدَّعِي الإيمان بدون عمل لا بد أن يكون هناك دليلٌ وبرهان على صدق دعواه، فالإيمان ما وقر في القلوب وصدقه العمل.
يقول: والخطير من ذلك –يعني: والأخطر- يقولون: هل أنت أحسن حالاً ومالاً وجمالاً وسعادة من الناس الذين لا يصلون، ينظر إلى المظاهر وبهرج الدنيا، يعني كون الكفار سبقونا في كثير من ميادين الحياة وعرفوا ما لم نعرفه منها، الله جل وعلا يقول:ﭽ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭼ الروم: ٧ ؛ ظاهرا من الحياة الدنيا حتى حقيقة الدنيا ما يعلمونها، إن الذي يعلم حقيقة الدنيا هو الذي يحقق الهدف الذي من أجله خُلِقَ، وأن الدنيا هي مجرد مُعين على تحقيق الهدف، هذا الذي يعرف حقيقة الدنيا، أما الذي يجعل هدفه الدنيا هذا لا يعلم حقيقة الدنيا، وأنها ظِلٌ زائلٌ، ولو عرفوا حقيقة الدنيا لأسلموا، إنما يعرفون الظاهر، وأما الباطن فلا يعرفه إلا من يحقق الهدف الذي من أجله خُلِقَ وهو تحقيق العبودية، أما بالنسبة للدنيا فليست هدفًا وليست مقرًّا، نعم جاء النهي عن النسيان، ويتضمن الأمر بطلب شيء من الدنيا يعينه على تحقيق الهدف، ﭽ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﭼ القصص: ٧٧
نعم من أجل أن تُحقق الهدف الذي من أجله خُلِقت، وليست الدنيا هدفًا، " كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" يقول ابن عمر راوي الحديث: "إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح"(7).
"الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تزن عند الله جناح بعوضة لما سقى كافرا منها شربة ماء"(8)، فالذين يعرفون حقيقة الدنيا هم الذين يأخذون منها ما يُبلّغهم، ويحقق لهم الهدف، ويغنيهم عن التكفف وسؤال الناس.
هذا الذي نظر إلى هذا التطور الهائل والتقدم عند الكفار في الحياة المادية، هذا نظرته قاصرة, وبَعُدَ عن نصوص الكتاب والسنة، يقول: ما فائدة الصلاة إن لم تحقق أهدافي في الحياة، نقول:
أولا: ما أهدافك في الحياة؟ هل هدفك في الحياة تحقيق الهدف الذي من أجله خُلقت؟ إذا لم تحقق ذلك فانظر إلى صلاتك فهي تحقق من الأهداف الشرعية بقدر موافقتها للنبي -عليه الصلاة والسلام- كما يــقول: "صـــلوا كما رأيتموني أصلي"(9)، وﭽ ﯠ ﯡﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨﯩ ﯪ ﯫ ﯬﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﭼ العنكبوت: ٤٥
يقول: نعم فلان يصلي لكن يرتكب المنكرات، نقول: الخلل في صلاته، ولو كانت صلاته على مراد الله ومراد رسوله -عليه الصلاة والسلام- على ضوء ما جاء عنه من قوله وفعله -عليه الصلاة والسلام- لنَهته عن الفحشاء والمنكر، يقول: ما فائدة صلاتي إن لم تحقق أهدافي في الحياة؟ نقول: انظر إلى هدفك؛ فإن كان الهدف الشرعي الذي من أجله خُلقت, فإنها إذا لم تحقق هذا الهدف فالخلل في الصلاة، وإن كان هدفك من الصلاة أهداف مادية تصلي من أجل كذا أو كذا، كما قال بعضهم:
صلّى المُصَلِّي لأمر كان يطلبه |
|
فلمَّا انقضى الأمر لا صلّى ولا صام |
نسأل الله العافية والسلامة.
والجواب يحتاج إلى مزيد من التفصيل ولعله يتاح فرصة أخرى نُفَصِّلُ القول فيه؛ لأن جميع العبادات لها أهداف كبرى، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر, لكن متى؟ إذا أُدِّيت وأُقِيمت على ضوء ما جاء عن الله وعن رسوله، الصوم من أجل تحقيق التقوى لكن أي صوم؟! وقل مثل ذلك في الحج قال تعالى:
ﭽ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﭼ البقرة: ٢١ - ٢٢.
لا بد من تحقيق التقوى لتصاحب هذه العبادات، ويراقَب الرب -جل وعلا- في هذه العبادات؛ لتترتب عليها آثارها(10).
1() أخرجه مسلم في صحيحه، (255)،(653)، (1/452)، من حديث أبي هريرة- رضي الله عنه- .
2()أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة-رضي الله عنه-: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب، فيحطب، ثم آمر بالصلاة، فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال، فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم، أنه يجد عرقا سمينا، أو مرماتين حسنتين، لشهد العشاء»،(466)، (1/ 131) .
3() أخرجه البخاري في صحيحه، (597)، (1/122)، من حديث أنس- رضي الله عنه- .
4()أخرجه الترمذي في سننه، (2621)، من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه- رضي الله عنه-.
5() أخرجه الترمذي في سننه، (2619) من حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر-رضي الله عنه- .
6() أخرجه مسلم في صحيحه، (32)، (2564)، (4/1986)، من حديث أبي هريرة- رضي الله عنه- .
7() أخرجه البخاري في صحيحه، (6416)، (8/89)، من حديث ابن عمر- رضي الله عنهما-
8() أخرجه الترمذي في سننه، (2320)، من حديث سهل بن سعد- رضي الله عنه- .
9() أخرجه البخاري في صحيحه، (631)، (1/128)، من حديث مالك بن الحويرث- رضي الله عنه- .
10() برنامج فتاوى نور على الدرب، الحلقة العاشرة، 9/10/1431.