الموسوعة الطبية الفقهية.rtf
المَوْســُـــوعـــَــةُ الطِّبـِّيــَّــةُ الفقْهيــَّــةُ
مَوْسُوعَةٌ جامعَةٌ للأحْكام الفقْهيَّة في الصّحَّة والمَرَض والمُمَارَسَات الطّبـّـيـَّة
الدكتور
أحمـَـد محمــَّـد كَـنــْـعـَـان
تقـديـم
د . محمَّـد هَيْثَم الخَيـَّـاط
عضو مجامع اللغة العربية بدمشق وبغداد وعمّان والقاهرة وعليكرة وأكاديمية نيويورك للعلوم
نائب المديـر الإقليمي لمنظمـة الصحـة العالميـة لشـرق المتوسط
جميـع الحقـوق محفوظـة
الطبــعـة الأولــــى
1420هـ / 1999م
د. أحمــَد مُحَمـَّدكـَنــْـعـَـان
المَوْســـــــُــوعـــَــةُ
الطِّبـِّيــَّةُ الفِقْهِـيــَّةُ
بـِسـْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(وإِذا مـَرِضـْتُ فَهـُوَ يَشـْـفِيـنِ)
سـورة الشـعراء 80
قـالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم
( مَـن تطبَّـبَ ولـم يُعْلــَمْ منــهُ طـِـبٌّ فَهـوَ ضَــامنٌ)
أخرجه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجة ، والدارقطني ، والحاكم ، والبيهقي
أهـــــدي هـــــذِهِ المَوْسـُـــوعــــَــةَ
إلـــى كلِّ مـن علَّمَني حرفــاً ..
وإلـى كلِّ من كان لـه فضلٌ في إخراج هذه الموسـوعـة ..
وإلـى كلِّ من ساهم بخدمـة الفقـه الإسلاميِّ بعامـَّة ، والفقـه الطبيِّ بخاصـَّة
وإلـى كلِّ الحريصـيـن على معرفـــة أحكام دينـهم فـــي الصِّحـَّــة والمــرض
وإلـى كلِّ الذيــن يـراعــون أحكامَ دينـهم فــــــي ممـارســـــاتـهم الطبـيــَّــة
وإلـى حديقتـي الوارفــــة : أمّ مــالــك ومـالــك ورضــــوان وهنــــد وبـــلال
داعياً الله عزَّ وجلَّ أن تنفعنـا عنـده يــوم القيـامـة .. يـومَ لا ظِـلَّ إلا ظِـلـُّه
أحمــد ..
(( شـكر وتقديـر ))
بمناسـبة صدور هذه الموسوعة يسعدني أن أتوجه بالشُّكر الجزيل إلى جميع الفقهـاء والعلمـاء والزُّملاء الأفاضل الذين كان لهم الفضل بمراجعة هـذا العمـل ، أو إبـداء ملاحظاتهم القيـِّمة عليـه ، أو توجيـه النُّصح والإرشـاد .. وأخصُّ بالذِّكـر منهم السـَّادة :
* فضيلة الشيخ مروان عبد الرحمن القادري : المستشار في كليـَّات البنـات بالدمـام
* فضيلة الشيخ إبـراهيـم يوســــف المنصـور : أستاذ التربية الإسـلامية ، الدمام
* فضيلة الشيخ أحمـد شــهاب الدين حيـدر : أستاذ التربية الإسلامية ، الخبر
* د.محمَّد هيثم الخيـّـاط : عضو مجامع اللغة العربية في دمشق وبغداد وعمـَّان والقاهرة وعليكرة وأكاديميـة العلـوم بنيويـورك ، نـائـب المديـر الإقليمي لمنظمــة الصحـة العالميـة لشــرق المتوســــط
* د. توفيق محمَّد تميم التميمي : رئيس قسم الجراحة ، أسـتاذ جراحة الصدر والقلب والأوعية الدموية ، عميد كلية الطب سابقاً بجامعة الملك فيصل بالخبر
* د. حســن بـَلـَّه الأميـن : أستاذ طب الأسـرة والمجتمع ، جامعـة الملـك فيصـل بالخبر
* د. هانـــي المنيــــاوي : استشـاري بجراحة المخ والأعصاب ، مستشفى الدمام المركزي
* د. حســـــن حتـاحــت : استشاري بأمراض الغدد ، مجمع الملك فهد الطبي العسكري بالظهران
* د. نـضــــال جـابـــــــر : استشاري بجراحـة المسالك البولية ، مستشفى الدمام المركزي
* د. محمــود إبراهيـــم : استشاري بأمراض النساء والولادة ، مستشفى الولادة والأطفال بالدمام
* د. حَكَم يـاســــــــــيـن : استشاري بأمراض الأطفال ، مستشفى الملك فهد الجامعي بالخبر
* د. خلـــدون خـوجـــه : استشاري بالطب النفسـي ، مستشفى الدمام المركزي
* د. معـن الطَّيـِّب : استشاري بجراحـة الأطفــال ، مستشفى الولادة والأطفال بالدمام
* د. محمد سيف الدين السباعي : أخصائي بطب المجتمع ، إدارة المستشفيات بصحة الشرقية
* د. غيــداء محمـود كـردمســتـو : أخصائية بالأمراض الباطنية ، مستشفى الولادة والأطفال بالدمام
* د.محمــد عمــر الـزعيـــم : مستشفى تداوي العام بالدمام
* أ. عبد المطلب عبد الله الضويحي : أستاذ اللغة العربية .
* أ. محمـد هيثم أبـــو صـــالح : أسـتاذ اللغـة العربـيـة .
تقديــم 13
المقدمـة 17
أجـرة 29
إجهاض 33
احتلام 40
إذن طبي 42
إرث 47
استحاضة 52
استشارة طبية 58
إسـراف 61
إسـعاف 64
إعاقــة 66
إعـدام 68
أعضاء تناسلية 70
إغمـاء 76
ألــم 79
انتحار 83
أنثى 87
إنسـان 93
إنعاش 103
أهلية 107
بحث علمي 109
بــراز 120
بصـر 123
بصيرة 129
بكاء 131
بكارة 133
بَكَم 137
بلــوغ 139
بــول 144
بيئـة 148
بيطرة 154
تثاؤب 159
تثقيف صحي 160
تخدير 163
تـداوي 166
تدخين 172
ترجمة طبية 175
تشريح 177
تصوير 182
تطور 186
تقرير طبي 192
تمـر 195
تمريض 198
تـوأم 202
تيمم 205
جبيرة 207
جراحة 209
جَرَّاح 215
جروح 217
جريح 220
جِلـْد 222
جَلـْد 228
جماع 230
جمال 241
جنابة 245
جناية 248
جنس 250
جنّ 263
جنون 267
جنين 272
حبّ 283
حجاب 294
حجامة 297
حجّ 299
حَجْر 303
حدث 306
حدّ 309
حرب 313
حرق 319
حرير 322
حزن 324
حسد 327
حضانة 330
حقن 332
حلال وحرام 334
حمـام 338
حمـل 340
حمـى 352
حميـة 355
حيــاء 357
حيـاة 360
حيض 369
خبرة 376
ختان 380
خلـق 386
خلـوة 388
خمـر 392
خنثى 396
خنزير 400
خوارق طبية 403
خـوف 408
دُبـُـر 411
دعـاء 414
دمّ 418
ديــة 424
ذكـر 427
رحم 430
رخصة 433
رضـى 436
رضاعة 438
رعاف 444
رفع الحرج 446
رقيـة 450
روح 455
رؤيـــا 463
رياضة 469
زنــى 472
زواج 481
زينـة 490
سجن 496
سحاق 500
سحر 502
سـرّ طبي 506
سفـر 510
سلس 512
سمع 513
سـُمّ 516
سـنّ 518
سن الإياس 521
سـواك 523
شحم 525
شـذوذ 527
شــعر 529
شــفاء 535
شهوة 542
شيخوخة 545
صبـر 549
صحة 552
صـلاة 558
صـوم 561
صيدلة 572
ضحك 578
ضرورة 580
طـبّ 583
طبيب 589
طبيعة 595
طعام 599
طلاق 610
طهارة 616
ظفر 621
عادة 623
عبادة 627
عجز 629
عـدة 631
عدوى 634
عسل 640
عضو 643
عطاس 652
عظـم 654
عقـل 657
عقـم 663
عمـر 665
عـورة 673
عيادة 679
غـرق 682
غُسل 684
غضب 687
فحص طبي 691
فراسـة 694
فَـرْج 689
فصادة 699
فطـرة 701
فقه طبي 704
قبلـة 708
قتـل 710
قَسَم طبي 716
قصاص 718
قضاء الحاجة 720
قلـب 723
قلق 728
قـيء 731
كلب 733
كـيّ 737
لباس 739
لحـم 742
لــذة 744
لسـان 747
لعـاب 750
لقـاح 752
لمـس 755
لـواط 758
مـــاء 760
مختبر 764
مخدر 766
مرض 770
مريض 776
مستشفى 779
مسـخ 774
مسؤولية طبية 784
ملف طبي 787
منـي 789
مـوت 793
مـوت الدماغ 804
مولــود 811
نجاسة 815
نسيان 820
نفـاس 823
نفـس 825
نــوم 835
هديـة 841
هندسة وراثية 844
وسـواس 849
وصفـة طبيـة 852
وصية 855
وضـوء 859
وقايـة 862
ولادة 866
يـأس 869
المصــادر والمراجـع 871
مسرد الأحاديث النبوية 881
م . المصطلحات الأجنبية 891
الكشـــاف العـــام 895
المؤلــف في سـطور 903
تقـديـم
تقـديـم
الدكتور محمـّد هيثم الخيـّاط
عضو مجامع اللغة العربية بدمشق وبغداد وعمّان والقاهرة وعليكرة وأكاديمية نيويورك للعلوم
نائب المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط
كان ينبغي لهذا الكتابِ النَّفيسِ أن يَصْدُرَ منذ زمن بـعيد ..
فالمسلمونَ الملتزمونَ ـــ وَهُمْ بحمدِ الله كثيرٌ ـــ حِراصٌ على معرفةِ الحُكْمِ الشَّرعيّ في كلّ أمرٍ من أمور حياتهم ، وليسَ يخفى أنَّ شؤونَ الصحَّةِ والمرضِ هي من أمَسّ أحوالِ الإنسانِ بهِ ، وألصَقِها بحياتهِ اليوميـَّة ، وأكثرها مواجهةً لـه في جميع أحيانـِهِ ، ولذلك كانَ العلمُ بحكمِها الشَّرعيّ أدْعى وأوجب .
ولقد عالجَ فقهاؤنـا ــــ رحمهم اللهُ ورضي عنهم ــــ كثيراً مـن هـذه الأمـور في مواضعَ متفرّقةٍ من كتبِ الفقهِ ، معتمدينَ في الجزءِ الطبيّ منها على ما أتيحَ لهم في عصورهم من معارف ، كما تناولَ عددٌ من فقهائنا المعاصرين ــ جزاهم الله خيراً ــ طائفةً أخرى مما اسْتجدَّ من هذه المسائلِ في فتاوى لهم متفرقة أو مجموعة ، بما أنه يَجـِدُّ للناس من الأقضية بقدر ما يَجـِدُّ لهم من القضايا ، على أنَّ هذه الفتاوى والأحكام والأقضية قد بقيتْ جميعاً مبثوثةً هنا وهنالك متفرّقةً لا يكاد يجمع بينها جامعٌ ، فكان من العسيرِ على أيِّ امريءٍ يريدُ أن يتعرَّفَ على حكم الشَّرع أنْ يجدَ بينَ يديهِ مرجعاً سَهْلَ المتناولِ يسيرَ المنالِ ، يجمعُ لـهُ شَمْلَ ما تفرَّق من هذه الأحكام ، ويلخصُها لـه في لغةٍ واضحةٍ لا صعوبةَ فيها ولا تـَوَعـُّرَ ويعرضُ لـه مختلفَ الآراءِ ــ إن اختلفت الآراءُ ــ تاركاً له أن يأخذ بما يطمئنُّ إليه فؤادُهُ ، أو مرجّحاً له ما ظنَّه أقوى حجةً وأقومَ سنداً .
ولقد اضطلعَ الأخُ الفاضلُ الدكتور أحمد كنـعان بتلبية هذه الحاجة ، وسدّ هذه الثغرة ، والقيام بفرضٍ كفائيّ لم ينهض بـه غيرُهُ ، فجمعَ شَتاتَ هذه المسائـلِ جمعاً يكادُ يكونُ مستوعباً ، واعتمدَ على معارفِ العصرِ في تصحيحِ بعضِ ما كانَ مبنيـَّاً على معارف تبيَّن عدمُ صلاحِها ، وفي توضيحِ الحُكْمِ بلغةٍ يفهمُها أبناءُ العصرِ ، بعيداً عن تعابير قد تبدو غريبةً أو مُسْتَغْلِقَةً على الأفهامِ في أيامنا هذه ، وأكثـَرَ من التَّعَرُّضِ إلى ما استجدَّ من مشكلاتٍ ، محاولاً أن يتخيَّر من اجتهاداتِ فقهاءِ العصرِ ما رآهُ أقربَ إلى روحِ الحنيفيَّةِ السَّمْحَةِ .
ولقد أعانهُ على جمع هذه الأحكام المستجـِدَّة أنَّ عدداً من الهيئاتِ المباركةِ في عصرنا الحاضر ولاسيما ( المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية ) منفردةً أو مشتركةً مع ( المجمع الفقهيّ التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ) و ( منظمة الصحة العالمية ) إلى جانب عدد من المجامع الأخرى ، قد جَنَحَتْ إلى الاجتهادِ الجماعيّ ، وذلك بأنْ تدعو إلى ندواتها ومؤتمراتها نخبةً من الفقهـاءِ والأطباءِ وغيرهم من الخبراءِ في القضيةِ المبحوثةِ ، بحيث يقومُ الأطباءُ وسائرُ الخبراءِ بعَرْضِ الجانبِ الطبيّ من الموضوعِ عرضاً مفصَّلاً ، ويجيبون عن أسئلةِ السَّادةِ الفقهاءِ مهما تفرَّعتْ وتشعَّبَتْ ، بحيث تتضحُ الصُّورةُ ، وينبلجُ الحقُّ ، ويكون الحكمُ أقربَ إلى الصَّوابِ إنْ شاءَ اللهُ .
وقد كانَ من فضلِ الله عليَّ أنْ شهدتُ كثيراً من هذه الندواتِ والمؤتمراتِ ، وأشهدُ لقد كان الإخوةُ الفقهاءُ أوسعَ صَدْراً من إخوانهم الأطباء ، وأرحبَ فكراً ، وكانوا في غالبِ الأمرِ دعاةَ تيسيرٍ وسماحةٍ ، وهذه سجيَّةُ الفقيهِ الحقّ الذي يلتزم بمنهج الرحمن الرحيم الذي لو شاء لأعْنَتَ الناسَ ، ولكنه أرادَ بهم اليُسْرَ ولم يُرِدْ بهم العُسْرَ ، ولم يجعل عليهم في الدّين من حَرَجٍ .
على أنني وأنا أتحمَّسُ للاجتهادِ الجماعيّ وأدعو إليه ، لستُ من القائلينَ بسَدّ بابِ الاجتهادِ الفرديّ أو العُدولِ عنه ، فكم من فردٍ أجرى اللهُ الحقَّ على قلبهِ ولسانهِ ، وكأيّ من مجتهدٍ أصابَ كبدَ الحقيقةِ أكثرَ مما أصابـَها طائفةٌ من العلماءِ ، ولـو شـاءَ ربـُّكَ لجعلَ الناسَ أمَّةً واحدةً ، وإذا كان الأخُ الكريمُ قد آثــَرَ ما استطاع أنْ يرجعَ إلى آراءِ جمهرةِ الفقهاءِ ، فقد كان لـه في مواضعَ عديدةٍ من اجتهادِهِ ما يَشْرَحُ الصَّدْرَ ويقرُّ العينَ ، وهو في ذلك كله متقلّبٌ بين الأجْرِ الواحدِ والأجْرين إن شاء الله .
ثمَّ إنَّ غايةَ هذا الكتابِ تبيانُ الحكمِ الشَّرعيّ في مختلف الأمور ، فلا يتوقعنَّ قارئه أنْ يجد فيه كثيراً مما اصطلح على تسميته بـــ ( الطبِّ النبويِّ ) من أحاديث تصف بعض الأدوية لبعض الأمراض ، وهي في حقيقةِ الأمرِ مما عَرَفَتــْهُ العربُ من خبرتها وتجاربها ، وأشارَ إليه النبيُّ بقوله في الحديث المتفق عليه عن جابر : ( إنْ كان في شيءٍ من أدويتِكُم خيرٌ ــ أو قال شفـاءٌ ــ ففي شـَرْطَةِ مِحْجَمٍ ، أو شـربـةِ عسلٍ ، أو لدغـةٍ بنار تُوافِقُ الدَّاءَ ، وما أحبُّ أن أكتوي )(1) فقد قال : ( أدويتكم ) أي أدوية العرب في عصره كما ترى ، ومنها ما يليق ببيئة معينة ، ولا يمكن أنْ يُحمـل على العمـوم لكلّ البشر ، ورسولُ اللهِ كما يقول الإمامُ ابنُ القيم في زاد المعـاد : ( إنمـا بُعث هاديـاً وداعيـاً إلى الله وإلى جنَّتـه ، ومعرِّفـاً بالله ، ومبيِّناً للأمـة مواقـعَ رضـاه وآمـراً لهم بـها ، ومواقع سخطـه وناهياً لهم عنـها .. وأمـا طبُّ الأبـدانِ فجـاءَ مـن تكميل شـريعتـه ، ومقصـوداً لغيره .. )(2)
ولا يسعني أنْ أختتمَ هذه الكلماتِ دون أن أذكـرَ بالإعجابِ والتَّقديرِ المستوى المتميّز الذي يطبع بطابعه عَرْضَ الأخِ المؤلف للمادَّة العلميَّة التي استند إليها في معالجة كلّ بندٍ من بنودِ موسوعتهِ القيّمةِ ، وأنْ أعربَ عن سعادتي البالغة باستعماله الموفَّق للغة التنزيل العزيز في الحديث عن هذه الموضوعات الطبيَّة ، فهذه اللغةُ الشَّريفةُ التي بقيتْ لغةَ العلمِ في العالم قروناً طوالاً ، أصابـَها من عُقوقِ بَنيها في هذا العصر ما أصابـَها ، لولا أنْ قيَّض اللهُ لها جنداً من جُنـْدِهِ ، شرَّفهم بحمل رايتها ، والبرهنة على أنَّ هذه اللغة التي لم تعجز أن تعبّر عن مُعجـِز الكلامِ وآياتِ اللهِ الخالداتِ ، لن تعجزَ ـــ وحاشاها أن تعجز ـــ أن تعبّر عن جزءٍ متواضعٍ من أفكار الناس في حقبة متواضعة من الزمان ! هذه اللغة هي الصّلةُ التي تصلُ أبناءَ هذه الأمة بماضيهم ، وتربطُهم بإسلامِهم ، وبها يستطيعون أن يفقهوا دينَهم ، ويتفهَّموا نصوصَهُ ، ويستوعبوا أحكامَهُ ، وللأخِ الكريمِ فضلُ وشرفُ الانضمامِ إلى هذا الرَّعيلِ الطيبِ الذي يؤمن بأهميَّةِ هذه اللغةِ ، ويعمل على تبوئتها ما تستحقُّه من مكانـةٍ .
وبعدُ ، فإني أرى في هذا الكتاب القيّم عملاً من أجَلّ الأعمال التي صدرت في هذا العصر ، وأنا أدعو الله سبحانه أن يُجزل النفعَ به ، وأن يجعله زُلـفى لمؤلفه يـومَ تــَزِلُّ الأقدامُ ] ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ ممَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفيهِمْ أعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [
الدكتور محمـد هيثـم الخيـّـاط
الإسـكندرية ـ رمضان 1419هـ
كانون الثاني ( يناير ) 1999م
المُقـَدِّمـَـة
المُقــَدِّمــَـة
الحمـدُ للهِ الـذي بِنعمتِـهِ تـَتِـمُّ الصـَّالحـاتُ ، وبفضلـه تتعافَى الأَرواحُ والأَجسَـادُ مـن كلِّ الأمراضِ والآفـــاتِ
والصَّـلاةُ والسَّـلامُ على خـاتم المُرْسَلينَ محمد بن عبد الله ، الذي جـاءَ بالـدَّواءِ الشَّـافي ، والبَـلْسَـمِ المُعـافي
أمـَّا بَعْدُ .. فإنَّ الحالة الثقافية في بلداننا الإسلامية تعيش اليومَ حالةً من التناقض بين ما يـوجبه علينا الإسلامُ من أخلاقٍ وضَوابطَ شرعيَّةٍ ، وبين مناهج التعليم التي استوردناها من الآخرين ، في عصورنا المتأخرة ، فراحت تنتج مسلمينَ متخصّصينَ ، يعرفون أدق التفاصيل في شتى المعارفِ الإنسانيـَّةِ ، ولكنَّهم يجهلونَ أبسطَ الضَّوابطِ الشَّرعيَّة التي تتعلق باختصاصاتهم ! وهذه بلا ريب حالةٌ غريبةٌ على الإسلام ، لأنَّ الإسلامَ بمنهجه المتكامل لا يَفْصِلُ بين ما هو دينيٌّ وما هو دنيويٌّ ، بـل هو يمزجُ بطريقةٍ فريدةٍ بين الدين والدنيا ، لتكون الثمرةُ إنسانــاً ربانيـاً يـؤمن بالعلم ولكنه يتعامل معه على هدي الشريعة وقواعدها وضوابطها وأحكامها ، وهذا هو سرُّ نجاحِ حضارتنِا الإسلاميَّةِ الأولى التي نشَرَتْ على الدُّنيا جناحَ عَدْلها ، ومنحت الآخرين من علمها وأخلاقها الربَّانـيَّة ما نقل البشريَّةَ نقلةً متميزةً لم يشهد التاريخُ لها مثيلاً من قبل ! على النَّقيض من حالِ الحضاراتِ الأخرى التي تعاقبتْ على الأرض ، وآخرها الحضارة الغربية المعاصرة التي أنجزت إنجازات علمية مادية باهرة ، ولكنها لم تتورَّع عن تسخير تلكَ الإنجازات في أحطّ الأغراض وأبعدها عن مصالح العباد !
وإذا كان المسلمونَ اليومَ مُقَصّرينَ في حقولِ الإنجازاتِ الماديـَّةِ ، فليسَ لهم العذرُ أنْ يُقَصّروا في الجانب الأخلاقيّ الذي يُمكن أنْ يُصَحّحَ المسارَ ، ويحققَ التوازنَ المنشودَ بيـن الدّين والدُّنيا ، ويُعيد للبشريَّة سَكِينَتها وطمأنينتها ، وينتشلَها من حالةِ الضَّياعِ التي تتخبَّطُ اليومَ فيها على غير هدى !
وما هذه الموسوعةُ إلا محاولةٌ متواضعةٌ لإعادةِ شيءٍ من التوازن المنشودِ في حقلٍ إنسانيّ هام هو حقل ( الطبِّ ) وقد دفعني لهذه المحاولـة مـا لمسـْتـه خلالَ ممارستي للطبّ على مدى سنواتٍ طويلةٍ من جهلٍ بالأحكامِ الشَّرعيـَّةِ عند كثيرٍ من الأطباءِ المسلمين ، وكثرة الاستفسار من المرضى عن الأحكام الشَّرعيَّة التي تتعلَّقُ بأمراضهم ، وذلك في غيابِ المراجعِ الطبيَّةِ الفقهيَّةِ الوافيةِ ، وهذا ما يُوقعُ الطبيبَ والمريضَ معاً في حَيْرَةٍ وحَرَجٍ ، وكثيراً ما يـُوقع في مخالفاتٍ شرعيَّةٍ عن جهلٍ حيناً ، وعن تقصيرٍ في تحرّي الحكم الشَّرعيّ في معظم الأحيان ! وأغتنم الفرصة هنا فأدعو أصحابَ الشَّأنِ في بلادنا العربيَّةِ والإسلاميَّةِ لإعادةِ النَّظر بمناهج تدريس الطبّ ، وإدخال مادة ( الفقـه الطبّي ) في مناهج كلـيّات الطبّ والمعاهد الصحية المختلفة لكي يتعلَّم الطبيبُ والممرضُ وفنيُّ المختبرات وغيرهم ممن يشتغلون في حقل الطبّ الأحكامَ الفقهيـَّةَ الطبيـَّةَ جنبـاً لجنبٍ مع المواد الطبية ، كلٌّ في مجال اختصاصه .
ومن المعلوم أنَّ الأحكامَ الفقهية التي تتعلق بالصّحَّة والمرض كانت موضعَ اهتمامٍ خاصّ من القرآنِ الكريمِ الذي حَفِلَ بآياتٍ كثيراتٍ تحضُّ على الممارساتِ الصّحيَّةِ السَّليمةِ ، وتدعو للعِفَّة والطَّهارة ، وتُحَرّم الخبائثَ المختلفة التي تضرُّ بالصحة وتُورث المرض ، كما حفلت السُّنـَّةُ النبويـَّةُ المطهـَّرةُ بالكثير من الأحاديث التي تحضُّ على التزام السُّلوك الصّحيّ السَّليم ، وتدعو للوقاية من المرض ، وتجنُّب كلّ ما يضرُّ بالصحة ، حتى صار للطبّ أبوابٌ مفردةٌ في معظم كتب السُّنـَّة ، وهذا ما جعل فقهاءنـا الأوائل يعتنون عناية كبيرة بالفقه الطبّي ، فبلغ بعضُهم في الطبّ مثلما بلغ في الفقه أو أكثر ! وعلى سبيل المثال فقد روى أحــدُ الأطبــاء الذيــن عاصَـروا الإمـــامَ الشافـعي(1)رحمــه الله تعــالى فقـــال : ( ورد الشــافعيُّ مصـرَ
فذاكَرَني بالطبِّ حتى ظننتُ أنــَّه لا يُحسن غيرَه ! ) وقال عنه الإمام موفق الدين البغدادي رحمه الله تعالى : ( كان مع عظمتـه في علم الشـريعـة وبراعتـه فـي العربـيــَّـة بصيراً بالطبّ )(2) ، وقد حكى ابــنُ الأبــَّار مثـلَ ذلــك عــن العـلامـــة الفقيـه الأنـدلـسي ابــن رُشْــد(3)، فقـال : ( كان يُفزع إلى فتواهُ في الطبِّ كما يُفـزع إلى فتواه فـي الفقـه )(4)
أما الكتب والرسائل التي صنفت في الطب الإسلامي قديماً فهي أكثر من أن تحصى ، وعلى سبيل المثال يذكر المؤرخون أن الفقهاء والأطباء قد صنفوا في ( الطبّ النبوي ) أكثر من خمسين كتابـاً ، لعل من أشهرها كتاب الإمام ابن القيـّم(5)رحمه الله تعالى ، الذي انتشر في البلدان الإسلامية انتشاراً واسعـاً في العصر الحديث ، وهو في الحقيقة جزء من كتابه الأشهر ( زاد المعاد في هدي خير العباد ) ومـن الفقهـاء الذيـن صنفـوا في هـذا الباب أيضاً نذكر على سبيل المثال لا الحصر : الإمـام الذهبي(6)، وابن الجوزي(7)، والسيوطي(8)، والقليوبي(9)، وابن رشد ، وغيرهم كثير .. وإنه لمما يؤسف له حقاً أن معظم هذه الكنوز من التراث الطبي مازالت مخطوطات هاجعة في المتاحف تنتظر من يزيح عنها الغبار ويخرجها إلى النـور(10).
أما في العصر الحديث ، وبعد التطورات الواسعة التي شهدتهـا فنونُ الطبّ المختلفة ، فقد عاد الاهتمامُ بالطب الإسلامي لدى الكثيرين من أطبَّائنا وعلمائنا الذين صَنَّفوا فيه كتباً قيّمةً ، نذكر منها كتاب ( الطـبُّ النبـويُّ والعصـرُ الحديثُ ) للدكتور محمود ناظم النسيمي ، وكتاب ( إعجاز الطــبِّ النـَّبـويِّ ) للـدكتـور سيـّد الجميـلي ، وكتـاب ( معجزات في الطبِّ للنبيِّ العـربيِّ محمـد ) للدكتور محمد سعيد السّيـوطي ، وكتاب ( الطبيب المسلم وأخلاقيات المهنة ) للدكتـور هشــام الخطيب وزمـلائـه ، وكتاب ( الطبيب : أدبه وفقهه ) للدكتورين السباعي والبار ، وكتاب ( الأحكام الشرعية للأعمال الطبية ) للدكتور أحمد شرف الدين ، وغيرهم كثير(11)، إلى جانب سلسلة طويلة من الكتب والدراسات القيّمة التي صدرت عن بعض المؤسَّسات المهتمَّة بالطبّ الإسلاميّ ، منها سلسلة من الكتب التي صدرت عن ( منظمة الصحة العالمية بإقليم شرق المتوسط ) تحت عنوان ( الهدي الصحي ) ، وسلسلةُ الكتبٍ التي ضمَّت بحوث المؤتمرات الطبية الإسلامية التي عقدت بصورة دورية من مطلع القرن الهجري الخامس عشر ( = أوائـل الثمانينات الميلادية ) برعاية ( المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية ) و ( مؤسسة الكويت للتقدم العلمي )
ولكن لابد أن نلاحظ هنا أن معظم هذه الإسهامات القديمة والحديثة قد توجهت لتحقيق إحدى غايتين : إمـا بيـان مـا ورد عن النبي من وصفات علاجية وإرشادات صحية ، وإما بيان أوجه الإعجاز الإلهي في خلق الإنسان ، ولم يحفل إلا القليل منها بالأحكام الطبية الفقهية ، أضف إلى هذا أن التقدم العلمي الحديثَ قـد تجاوَزَ الكثيرَ من الآراء الفقهية القديمة المقررة في هذا الحقل ، كما أن إسهامات المعاصرين قد عُنيت بالمسائل الطبية المستجدة بصورة خاصة ، ولم تحفل كثيراً بمراجعة الأحكام الطبية الفقهية القديمة المقررة في كتب الفقه ، وعلى مـا أعلـم فليـس هناك حتى الآن مرجعٌ علميٌّ قديمٌ ولا معاصرٌ يجمع الأحكامَ الطبية الفقهية في سِفْرٍ واحـدٍ ، على الرغم من أنَّ هـذا المطلـب قـد أصبح اليومَ مُلِحَّاً أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى ، بسبب ما حصل من تطوراتٍ واكتشافاتٍ علميةٍ واسعةٍ تتطلب دون ريب إعادة النظر في كثير من الأحكام الطبية الفقهية المقررة في كتب الفقه ، إلى جانب ما أفرزته هذه التطوراتُ والاكتشافات العلمية من مسائلَ وممارسات طبية جديدةٍ لـم تكن معروفةً من قبل ، ومنهـا على سبيل المثال لا الحصر : زراعـة الأعضاء ، مـوت الدمـاغ ، الهندسـة الوراثيـة ، الاستنساخ ، بنـوك الحليب ، بنـوك النُّطَف ، طفل الأنابيب .. وغيرها كثير من المسائـل الطبية الشائكة التي نعتقد أنها مازالت بحاجة للمزيد من الدراسات الفقهية المتعمقة ، ولا يغير من مطلبنا هذا صدور الكثير من الفتاوى حول هذه القضايا ، لاعتقادنا بأن المسألة باتت تتطلب تأهيل جيل جديد من ( الأطبـاء الفقهـاء ) المتخصصين في هذا الجانب الهام من الفقـه !
وانطلاقاً من هذه الأسباب والحقائق التي قدمتها فقد رأيـتُ أن أقـوم بواجبي في سدِّ جزء من النقص الحاصل حاليـاً في هذا الحقل ، فعزمت ــ متوكلاً على الله عزَّ وجلَّ ــ أن أجمعَ في سِفْرٍ واحد كلَّ ما وفَّقني اللهُ عزَّ وجلَّ أن أجمعه من الأحكام الفقهيـَّة التي تتعلَّق بالصّحَّة والمرض والممارسات الطبية ، وهكذا ولدت فكرة هذه الموسوعة التي أردت بــهـا أن تكـون عونـاً للطبيب ولغيره ممن يمارسون فنون الطبّ المختلفة لمواجهة ما يَعْرِضُ لهم من مسائلَ شرعية أثناءَ الممارسة ، ولتكون عوناً كذلك للمرضى الحريصين على معرفةِ الأحكامِ الشَّرعيةِ المتعلقةِ بأمراضهم ، ولتكون أيضاً مرجعاً للعلماء والباحثين وكل من أراد معرفة الأحكام الشرعية المتعلقة بالطب والصحة والمرض .
تاريخ فكرة هذه الموسوعـة :
يعود تفكيري بإنجاز هذه الموسوعة إلى أيام ممارستي الأولى للطبّ في العام 1393هـ ( 1973م ) حين بـدأتُ أواجهُ تساؤلاتٍ متكررةً من مرضايَ عن الحكم الشَّرعيّ فيما يَعْرِضُ لهم من أحوالٍ مرضيَّةٍ ، مثل السؤال عن أحكام الحيض والحمل والنفاس ؟ أو السؤال عن كيفية أداء المريض لبعض العبادات كالصَّلاة والصّيام والحجّ وغيره ؟ فكنت أقف حائراً ، بل عاجزاً ، لا أدري بمَ أجيبُ ؟ والسبب أنَّ ما تعلَّمتُه في كليـَّة الطـبّ كان محصوراً في العلـوم الطبيـة الخالصة التي لا تتطرق للفقه والأحكام الشَّرعيـَّة من قريبٍ ولا بعيدٍ!
ولكثرة ما وقعتُ فيه من مواقفَ محرجةٍ مع مرضايَ ، ولإحساسي بالواجب الشَّرعيّ تجاههم فقد بـدأتُ أفكّرُ بمخرَجٍ من هذه الورطة ، وأخذتُ أرجعُ للمصادر الفقهيَّة أو أسأل أهل العلم كلَّما اعترضتني قضيةٌ طبيةٌ تحتاج رأيَ الشَّرع فيها، حتى أصبح لديَّ رصيدٌ لا بأس به من الأحكام الفقهية الطبية ، وكانت رحلةً شاقّةً أخَذَتِ الكثيرَ من وقتي وجهدي ، وجعلتني أفكر جدّياً بتصنيف موسوعةٍ تجمع هذه الأحكامَ ، لأوفّر على زملائي مغبَّة التعب والجهد والوقت الذي قضيته بتحصيل هذا العلم !
وقد ظلَّت الفكرةُ تُلِحُّ عليَّ لسنواتٍ طويلةٍ ، وأنا أتهيَّبُ الخوضَ فيها ، لقناعتي بأنَّ إنجازَ مثل هذه الموسوعة يحتاجُ لفريقٍ من الأطباءِ وعلماءِ الشَّريعةِ لتغطية جانبيها : الطبّيّ والفقهيّ ، وَمَرَّتْ بي سنواتٌ أخرى فَترَتْ فيها همَّتي عن تنفيذ الفكرة ، ثمَّ قَدَّر اللهُ عزَّ وجلَّ لي أن أغادر دمشق في صيف عام 1399هـ ( 1979م ) لأعمل في المملكة العربية السعودية حيث التقيتُ بنخبةٍ من الزملاء الأفاضل الذين وجدتهم منشغلين بالفكرة نفسها، فعادت لي الهِمَّةُ من جديدٍ ، وبعد حوارٍ ومداولاتٍ اتفقنا على إخراج مصنَّفٍ بعنوان ( خـُلـُقُ الطبيبِ المسلمِ ) نجمع فيه الضوابط الشَّرعيَّة التي يجدر بالطبيب المسلم أن يراعيَها خلال ممارسته للمهنة ، وقضينا عدة سنوات في لقاءاتٍ دوريـَّةٍ ونحن نعدُّ العدَّةَ لإخراج ذلك المصنَّف ، ودارت بيننا حواراتٌ مطوَّلةٌ ، واطَّلعنا على الكثير من المؤلَّفات التي تتحدَّثُ عن أدب الطبّ وأخلاقيَّات المهنة ، وانتهينا إلى وضع الهيكل العام للمشروع ، ووزعنا بعض المواضيع بيننا، واستكتبنا نخبة من المتخصصين في شتى الاختصاصات الفقهية والطبية ، غير أنَّ بعض العوائق اعترضت تنفيذ المشروع فيما بعدُ ، فلـم يُقَدَّر لـه أن يَرى النـُّورَ !
واستمرَّت الفكرةُ تلحُّ عليَّ ، وازدادت إلحاحاً بعد فشل المشروع الجماعي الذي أخَذَ منَّا الكثيرَ من الجهد والإعداد والتحضير ، فعزمتُ آخر الأمر على تنفيذ الفكرة بجهودي الفرديَّة ، مستعيناً بالله عزَّ وجلَّ ، مستفيداً من خبراتي العملية في ممارسة الطبّ ، ومن الندوات والمحاضرات واللقاءات العلميـة التي يسَّر الله عزَّ وجلَّ لي أن أشهدهـا ، وقد بدأتُ تحريرَ هذه الموسوعة في شهرِ رمضانَ المبارك من العام 1415هـ ( 1995م ) فاستغرق التحريرُ مني ما يزيد عن ثلاثَ سنوات ، ثمَّ قضيت سنة ونيفاً في مراجعات ومناقشات مع عدد كبير من علماء الشَّريعة والزملاء المتخصصين في فروع الطب المختلفة ، حتى انتهيتُ بفضل الله عزَّ وجلَّ من جميع التعديلات والإضافات والمراجعات في أوائلَ عام 1420هـ ( ربيع 1999م )
منهـجي في هذه الموسوعـة :
1 ــ إن الهدف الأول من هذه الموسوعة هو بيانُ الأحكامِ الفقهيَّةِ الطبية المتعلقة بالصحة والمرض والممارسات الطبية ، إلى جانب الأحكام التي تتعلق بالأحوال شبه المَرَضيَّة التي تطرأ على الجسم ، كالحيض والحمل والنفاس وغيره ، وبعض الأحكام الفقهية العامة التي رأيتُ أنَّ على الطبيب المسلم أنْ يُلـِمَّ بهـا إلماماً مجملاً ، لأنـه كثيراً ما يُسأل عنها خلال ممارسته للطبّ ، فالناس ينظرون للطبيب نظرةَ إكبارٍ ، ويطلقون عليه اسم ( الحكيم ) لأنهم يتوقعون أن يجدوا عنده بغيتهم ، ليس في الطب وحده ، بل في بقية شؤون الحياة أيضاً ، وبخاصة حين يكون سَمْتـُهُ إسلامياً ، ولهذا فقد أدرجتُ في الموسوعة بعض المواضيع التي ليست طبية خالصة مما اعتاد المرضى أن يـسألوا عنه أطباءهم .
2 ــ وبمـا أنَّ الهدف الأول لهذه الموسوعة هو بيان الأحكام الفقهية ، فإنني لم أتوسع ببيان التفاصيل الطبية ، ولـم أتعرَّض لذكر العلاج إلا بحدود ما يخدم في بيـان الحكم الشرعي ، ولكن هذا لم يمنعني من الوقوف أحياناً لبيان بعض جوانب الحكمة الإلهية في خلق الإنسان ، أو بيان بعض الحقائق الطبية التي تزيـد المسائـل وضوحـاً ، أو تلقي المزيـد مـن الأضواء على الأحكام الفقهية موضوع البحث .
3 ــ بدأتُ الحديثَ عن كلَّ موضوع بتعريفه اللغويّ ، ثم تعريفه الشَّرعيّ ، ثم نبذة طبية عنه ، وبعد ذلك أورد الأحكام المتعلقة بـه ، وإذا كانت هناك مواضيع فرعية ذات صلة بالموضوع الأصلي ذَكَرتـُهـا تحت العنوان نفسه ، ففي موضوع ( بصر ) مثلاً تجد مواضيع : عمى ، حَوَل ، عَوَر ، وهكذا في بقية المواضيع
4 ــ رتبتُ عناوين المواضيع ترتيباً أبجديـاً ، دون الرجوع لأصلها الثلاثي ، لأنها اشتهرت في كتب الطب وكتب الفقه على هذه الصورة غالباً ، ولأني وجدت هذه الطريقة أسهل في الرجوع للموضوع المطلوب ، وقد سِرْتُ على هذا المنوال في الفهرسة أيضاً.
5 ــ أوردتُ آراءَ المذاهبِ الفقهيَّةِ المختلفةِ في المسألةِ الواحدةِ ليكونَ في ذلك مُتسع أكبر للتعامل مع الحالة المرَضِيـَّة ، يدفعني لهذا أنَّ المرض يمثلُ حالةَ ضعفٍ وَوَهَنٍ ، ومعظم المرضى ــ تحت وطأة أوجاعهم وضعف قدراتهم البدنية والنفسية ـــ يميلون للأخـذ بالرُّخصة ، كما أنَّ الحالات المرضية ليست سواء ، بـل تتفاوت ما بين حالة وأخرى ، كما تتفاوت ما بين مريض ومريض .
6 ــ إلى جانب الأحكام المعتمَدة في المذاهب الفقهيَّة القديمة ، أوردتُ الفتاوى المـعاصِرة التي صَدَرَتْ عن بعض المجامع الفقهية أو بعض أهل العلم بشـأن القضايـا الطبية المستجـِدَّة .
7 ــ لم أتدخَّل برأيي الشَّخصيّ ، ولم أصدر حكماً فقهياً من عندي إلا حيث وجدت ضرورةً لذلك ، يدفعني لهذا ما استجدَّ على الساحة الطبية من مسائل لم تكن معروفةً عند أصحاب المذاهب الفقهية القديمة ، أو أن بعض الأحكامَ التي ذهبوا إليها لـم تعد تتوافق مع ما استجدَّ اليوم من حقائق علمية ، فإذا وجدتُ في مثل هذه الوقائع فتاوى معاصرة معتمدة من قبل المجامع الفقهية أو من بعض أهل العلم اكتفيتُ بـها، وإن لم أجد أعطيتُ فيها رأيي مستعملاً عباراتٍ تفيد أنَّ هذا الرأي مني ، وذلك بعد الرجوع لأحدث المصادر الطبية المعتمدة للأخذ بآخر مـا استقرَّ عليه رأيُ الطبّ في هذه المسائـل .
8 ــ تجنباً لتكرار الأحكام المشتركة بين أكثر من موضوع فإنني أحيلُ ــ عند الضرورة ــ إلى الموضوع الأصل هكذا ( انظر : .. ) ولهذا أنصح من أراد أن يحيط بموضوع ما أن يراجع كلَّ المواضيع ذات الصلـة .
9 ــ لـم أتعرَّض للقوانين الوضعيَّة التي تنظم المهنَ الطبيةَ إلا بحدود ما يتماشى مع الأحكام الشرعيَّة ، واكتفيتُ من تلك القوانين بما هو متفق عليه في الأنظمة الطبية العالمية ، ولا يتعارض مع القواعد الشرعية
10 ــ اعتمدت التأريخَ الهجريَّ حيث اقتضى السّياق ذكرَ التـاريخِ ، ثم أوردتُ التاريخ الميلادي بعده زيـادة في التوثيق .
11 ــ المصـادر : أشرت لمصادر الأحكام التي أوردتها في الموسوعة كلٌّ في موضعه ، وفق ما يقتضيه منهج البحث العلمي ، وإذا كان المصدرُ الذي اقتبستُ منه قد أخَذَ عن مصدر آخر لـم أتمكَّن من الحصول عليه ذكرتُ المصدرَ الذي اقتبستُ منه وأشرتُ للمصدر الأصليّ بين معترضتين [ ] لما وجدت في هذه الطريقة من زيادة في التوثيق ، ولما فيها من فائدة للدارسين بإرشادهم إلى المصادر المختلفة للأحكام ، وقد أوردتُّ هذه المصادرَ في نهاية الموسوعة إلى جانب بقية المصادر والمراجع الطبية المتخصصة ، واكتفيت من كل مصدر بطبعة واحدة غالباً ، إلا في الحالات التي تطلبت مني العودة للشروح ، كما هي الحال مثلاً في كتب الحديث ، فقد آخذ حيناً من الكتاب الأصل ، وقد آخذ من أحد الكتب الشارحة لـه .
12 ـــ المصطلحات الطبيـة : أوردت المرادفات الأجنبية ( بالإنكليزية ) للمصطلحات الطبية معتمداً على ( المعجم الطبي الموحَّد ) الصادر عن ( مجلس وزراء الصحة العرب ، واتحاد الأطباء العرب ، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، ومنظمة الصحة العالمية ) فإن لم أجد المصطلح المطلوب في هذا المعجم رجعت إلى بقية المعاجم الطبية المتخصصة الأخرى ، وقد حرصتُ في هذه الموسوعة على ذكر المرادفات الأجنبية للمصطلحات العربية للأسباب الآتيـة :
( أ ) لتحديـد المصطلح تحديداً دقيقاً ، ودفع الالتباس الذي قد يحصل بين المصطلحات المتقاربــة .
( ب ) هذه المرادفات الأجنبية تُشَكّل ذخيرة لغوية لطلاب كليات الطب والمعاهد والكليات الصحية ..
( ج ) لأن معظم جامعاتنا العربية ـــ للأسف الشديد ـــ مازالت حتى الآن تُدَرّسُ العلوم الطبيَّة باللغـات الأجنبية ( الإنكليزية غالباً ) وهذا ما يجعل بعض المصطلحات العربية غريبة على أسماع أطبائنا العرب الذين اضطروا لدراسة الطب بغير لغتهم الأم ، لغة القرآن الكريم ، وهذه القضية تدعونا مجدداً للمناداة بتعريب الطب وبقية العلـوم في جامعاتنا ومعاهدنا العربية ، فنحن أولى بهذا من بقية أمم الأرض التي لا تكاد تجد اليومَ منها أمةً تُدَرّس الطبَّ ولا غيره من العلوم بغير لغتها الأم(12).
13 ــ الفهارس : وضعت فهرساً في بداية الموسوعة يضمُّ المحتويات الأساسية التي وردت فيها ، ووضعت في ختام الموسوعة كشافاً عاماً بالمواضيع والمصطلحات والأعلام التي وردت فيها ، فمن لـم يجد الموضوع أو المصطلح أو العَلَمَ الذي يريد في الفهرس الأول وجدَهُ في الكشاف العـام .
14 ــ الملاحق : ألحقتُ بالموسوعـة مسرداً ألفبـائيـاً بالأحاديث النبويـة ، مرتباً على الأبجدية ، بادئاً بطرف الحديث ، ومسرداً آخر بالمصطلحات الأجنبية ( عربي ــ إنكليزي )
وقبل الختام .. يطيب لي أن أعبّر عن شكري وامتناني ودعواتي المخلصة لكل الذيـن ساهموا في رفد الفقه الطبيّ الإسلاميّ قديماً وحديثاً ، من خلال اجتهاداتهم وكتبهم وأبحاثهم التي ساعدتني في إعداد هذه الموسوعة وأخصُّ بالذكــر منهم :
* منظمة الصحة العالمية لإقليم شرق المتوسط : التي تبنَّتْ منذ سنوات طويلة ترجمة العديد من الكتب والنشرات والدوريـَّات الطبية الأجنبية إلى اللغة العربية لتكون في متناول الناطقين بالضاد ، وكان لها أيضاً مساهمات مشكورة في توحيد المصطلحات الطبية العربية من خلال المشاركة بإصدار القاموس الطبي الموحد ، كما كان لهذه المنظمة اهتمام كبير بالقضايا الطبية الفقهية ، وعقدت من أجل ذلك العديد من المؤتمرات العالمية ، وأصدرت الكثير من الكتب والنشرات العلمية .
* المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية ، ومؤسسة الكويت للتقدم العلمي : على جهودهما الطيبة الحثيثة في خدمة الفقه الطبي الإسلامي على مدى السنوات الماضية ، ابتداءً من مطلع القرن الهجري الخامس عشر ( أوائـل الثمانينات من القرن العشرين الميلادي ) من خلال المؤتمرات العالمية التي نظمت من قبلهما ، والمطبوعات العلمية القيّمة التي نُشرت بدعمٍ منهما مما أثـرى المكتبة الطبية الإسلامية إثـراءً طيباً .
* وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت ولجنة الموسوعة الفقهية : على جهودهم الطيبة الحثيثة في إنجاز ( الموسوعة الفقهيَّة ) التي تعدُّ أولَ موسوعةٍ علميةٍ متكاملةٍ في تاريخ الفقه الإسلامي ، وقد أفادتني كثيراً في الوصول إلى الأحكام التي اعتمدتها في موسوعتي هذه ، ووفَّرتْ عليَّ الكثيرَ من عنـاءِ البحثِ عن المصادر الفقهيَّة المعتمَدة في المذاهب المختلفة .
وأخيراً .. لابدَّ من التنويه بأنَّ العمود الفقريَّ في موسوعتي هذه يتشكل من النُّصوص والآثار والاجتهادات الفقهية المختلفة التي وردت في ميدان الصحة والمرض والممارسات الطبية ، وهي نصوصٌ وآثارٌ واجتهاداتٌ مازالت بحاجةٍ ماسَّةٍ للمزيد من الاستقصاء والبحث والدراسة والتمحيص والتجارب العملية ، للتحقق من صحَّةِ فَهْمِنا لها إن كانت نصوصاً من الكتاب والسُّنــَّة ، والتحقق من موافقتها لما استجدَّ من حقائـق علمية في ميدان الطب إن كانت اجتهـادات فقهية ، لنأخذ بما هو صواب منها ، أو ما هو أقرب للصَّواب .
وغنيٌّ عن البيان أنَّ عملي هذا يبقى عملاً بشريـاً يعتريه ما يعتري العملَ البشريَّ عادةً من نقصٍ أو قصورٍ أو خطأ ، فما أصَبْتُ فيه فمن اللهِ تعالى وحدَه ، وما أخطأتُ فيه فمن نفسي ، واللهَ أسألُ الإخلاصَ في النيّاتِ ، والسَّدادَ في الأقوال والأفعال ، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين .
د. أحمــــد كـنـــعـان
1420هـ / 1999م
أجرة
الأُجْرَةُ : أو الإجارة ، هي المبلغ من المال الذي يدفع عوضاً عن عمل معين أو منفعة معينة ، وقد عرَّفها الفقهاء بأنها عقدُ مُعاوَضَةٍ على تمليكِ منفعةٍ مقابل عِوَضٍ معلومٍ .
أحكام الأجرة :
1 ـ مشروعية الأجرة : الأجرة جائزة بنصوص الكتاب والسنة ، ومنها قوله تعالى : (( فإن أرضَعْنَ لكم فآتوهـُنَّ أجورَهـُنَّ )) الطلاق 6 ، وقول النبيِّ : ( أعطوا الأجيرَ أجْرَهُ قبلَ أنْ يَجِفَّ عَرَقـُهُ )(1)، وعقد الإجارة ينعقد باللفظ أو ما يقوم مقامه ، ويشترط فيه الإيجاب والقبول ، كأن يأتي المريض إلى عيادة الطبيب فيقول له : أريد العلاج من كذا وكذا ، فإذا قبل الطبيبُ وأجرى له الفحصَ كان ذلك بمثابة العقـد النافذ ، واسـتحقَّ الطبيب الأجرةَ المقدَّرة على عمله ، وقـد يقـوم الفعل مقـام اللفظ ، فإن مجيء المريض إلى عيادة الطبيب وفحصه من قبل الطبيب يقوم مقام العقد ، حتى وإن لم يتلفظ المريض بطلب العلاج .
وعقد الإجارة لازم للمتعاقدين ( المريض والطبيب ) لقوله تعالى : (( يا أيُّها الذينَ آمَنُوا أوْفُوا بالعُقُودِ )) المائدة 1 ، فلا يملك أحد المتعاقدين الانفراد بفسخ العقد إلا لسبب مُعتبر تنفسخ به العقود اللازمة عادةً ، مثل عدم وفاء أحد الطرفين بشروط العقد ، أو زوال أحد مبررات العقد مثل زوال الألم أو شفاء المريض أو موته ، أو موت الطبيب ، أما إذا امتنع المريضُ من العلاج الذي أوصى به الطبيب مع بقاء المرض فإن الطبيبَ يستحقُّ الأجرةَ المتفق عليها ما دام قد كرَّس نفسه لعلاج المريض ومضى زمن المعالجة ، لأن الإجارة عقد لازم والطبيبُ بَذَلَ ما عليه .
وينتهي عقد الإجارة بانتهاء مدته ، كأن يتفق المريض مع الطبيب على عدد محدد من جلسات العلاج الطبيعي ( Physiotherapy ) فإذا انتهت تلك الجلسات انتهت مدة العقد .
2 ـ تقنين الأجرة في الطب : إن معظم القوانين الطبية تلزم الطبيب ومن في حكمه ممن يزاولون المهن الطبية بلوائح تحدد فيها أجور الخدمات الطبية المختلفة ، سواء منها التشخيص أو العلاج ، فيجدر بالطبيب ومن في حكمه الالتزام بهذه اللوائح ، وعدم تحصيل أية أجرة إضافية من المرضى ، ولا يجوز له بالمقابل أن يخفِّض الطبيب الأجرة المقررة في تلك اللوائح إلا لمبرِّر معتبَر شرعاً ، كأن يتساهل في مقدار الأجرة التي يحصلها من المرضى الفقراء مثلاً ، وأما تخفيض الأجرة بقصد منافسة زملائه والإضرار بهم فلا يجوز ، لما يؤدي إليه من مفاسد .
وقد جرت العادة على أن توضع لائحة بالأجور في مكان بارز من العيادة أو المرفق الصحي ، وهي سُنَّة حسنة لأنها تجعل المرضى على بيِّنة مسبقة بالأجور المحددة لكل نوع من أنواع الخدمة الطبية ، فتحول بذلك دون النزاع .. فإذا حصل المريضُ على الخدمة المطلوبة قبل أن يطلع على لائحة الأجور فقد وجب عليه دفـع الأجرة المقـدَّرة للخدمـة الطبية التي تلقاها ، وإذا لم يكن لتلك الخدمة قيمة مقدَّرة في اللائحة ، واختلف مع الطبيب على مقدارها ، وجبت عليه الأجرة التي يقدرها أهل الخبرة .
3 ـ إجارة الطبيب : يجوز استئجار خبرة الطبيب وعلمه من أجل العلاج ، كما أن أخذ الطبيب للأجرة على عمله مباح ، وقد اشترط الشافعية أن يكون خطؤه نادراً وإلا لم يصحَّ العقدُ ، ويضمن الطبيبُ عواقبَ فعلهِ ويتحمل مسؤوليةَ الأضرار التي نتجت عنه ، فإذا زالت الآفة أو شفي المريض أو مات قبل مباشرة الطبيب بمداواته فإن الأجرة لا تستحقُّ للطبيب كما ذكرنا .. وهناك بعض الفوارق التي تتعلق بأجرة الطبيب بحسب مكان عمله ، على التفصيل الآتي :
* الطبيب العامل لحسابه الخاص : ينبغي للطبيب ومن في حكمه ممن يزاولون المهن الطبية لحسابهم الخاص أن يعتدلوا في تحصيل الأجرة ، وبخاصة من المرضى المُعْوَزين والفقراء والمساكين ولهم بذلك الأجر والمثوبة عند الله عزَّ وجلَّ ، وقد روى يعلى بن مرة أن النبي رقى ولداً ( فأهـدت أمه له كبشين وشيئاً من أقط وسمن ، فقال رسول الله : يا يعلى ، خُذِ الأقط والسمن وخذ أحد الكبشين ، وَرُدَّ عليها الآخر )(2) ، فالنبي لم يَرْضَ أن يأخذ كلَّ ما قدمته له المرأة بالرغم من أنه كان هديـة ، وبهـذا الخُلُق الرفيع يعلمنا النبي الاعتدال في الأخذ حتى وإن كان على سبيل الهديـة ، فأما إن كان أجرةً فإن الاعتدال فيه أولى .
ويحسن بالطبيب أن يصرف لمرضاه المعوزين من الأدوية المجانية التي تعطى له من شركات الأدوية ، وأن يخصص يوماً أو فترة معينة لعلاج هؤلاء المرضى مجاناً ، ولا بأس أن يخصص لهم ملفات خاصة يعرفهم من خلالها وأن يستعين على معرفتهم بأهل الحي مثلاً ، حتى إذا جاءه واحد منهم تساهل معه بالأجرة أو أعفاه منها دون أن يشعر المريض بذلك كيلا يجرح كرامته ، وحتى لا يمتنع المريض عن مراجعة الطبيب مرة أخرى بسبب الحياء .
* الطبيب العامل في مرفق صحي عام : يخصص في العادة راتب محدد للطبيب الذي يعمل في مرفق صحي عام ، كالمستشفى الحكومي أو المركز الصحي أو نحوه ، ففي مثل هذه الحال لا يجوز للطبيب أن يتقاضى أيَّ أجرٍ آخر من المرضى ، سواء قُدِّمَ له على سبيل الهدية أو غيرها ، فإن النبيَّ عنَّف عامله على الصدقات الذي قال بعد أن سلَّم الصدقات : ( هذا لكم ، وهـذا أهدي إليَّ . قال : فهلا جلسَ في بيتِ أبيهِ أو بيتِ أمِّهِ فَيَنْظُرَ يُهدى لَهُ أم لا ! والذي نفسي بيدِهِ لا يأخذُ أحدٌ منه شيئاً إلا جاءَ به يومَ القيامةِ يحملُهُ على رَقَبَتِهِ ، إنْ كانَ بعيراً له رُغاء ، أو شاةً تَيْعَرُ ، ثم رفع بيدِهِ حتَّى رأينا عفرةَ إبطيهِ : اللهم هل بلَّغتُ ، اللهم هل بلَّغتُ ، اللهم هـل بلَّغـتُ ، ثلاثـاً )(3) ( انظر:هدية )
4 ـ الأجرة في المرافق الصحية : يندب أن يكون العـلاج في المرافـق الصحيـة العامة مجانياً بتمويل من الدولة ، وأن توضع ضوابط معتدلة للعلاج في هذه المرافق لكي يستفيد من خدماتها الفئات المحرومة من المعوزين والفقراء والمساكين ، وإذا كانت هناك بعض الرسوم المالية التي يدفعها المريض مقابل تلقيه العلاج في هذه المرافق ، فيحسن أن تكون رسوماً زهيدة أو رمزية .
أما المؤسسات الصحية الخاصة التي تكون رسوم العلاج فيها باهظة في الغالب ، فيجب أن تتدخل الدولة في تحديد رسومها منعاً للاستغلال أو الاحتكار ، وأن تشرف الدولة على أنشطة هذه المؤسسات للتأكد من التزامها بالمعايير العلمية ، وعدم استغلالها للمرضى بإجراء فحوص غير لازمة لهم مثلاً ، أو طلب فحوص وهمية لتحصيل المزيد من المال منهم !
أما الطبيب الذي يعمل في المرافق الصحية الحكومية أو المؤسسات الصحية الخاصة فإن عليه واجب مساعدة المرضى المعوزين والفقراء والمساكين ، سواء بالمساعدة المباشرة من ماله الخاص إن كان قادراً ، أو بالتوسُّط لهم عند المحاسب أو الإدارة للتخفيف من الرسوم المستحقة عليهم ، أو بأن يتحرى الدقة فلا يطلب إلا ما هو ضروري فعلاً من الفحوص والتحاليل والصور الشعاعية ونحوها مما يحتاجه في تشخيص المرض ، كيلا يحمِّلهم مصروفات إضافية ، وللطبيب بهذا أجر عظيم ومثوبة طيبة من الله عزَّ وجلَّ .
5 ـ الأجرة في الحالات الطارئـة : تنصُّ معظم القوانين الطبية الوضعية على تقديم الإسعافات الأولية مجاناً دون مقابل في الحالات الطارئة ، وذلك مراعاة لحال المصاب والتخفيف من مصابه الطارئ ، ولا ريب في أن الطبيب المسلم أولى من غيره في الأخذ بهذا الخُلُق الإنساني النبيل ، وله على ذلك الأجر والمثوبة من الله عزَّ وجلَّ .. ولنتذكر أن المصاب في مثل هذه الحالات الطارئة يدخل في مسمى المضطر الذي قال عنه تعالى : (( أمَّنْ يُجيبُ المضْطَرَّ إذا دعاه )) النمل 62 ، ودعـوة المضطر مستجابة بإذن الله تعالى ( انظر : دعاء ) ، وقد رأينا في الممارسة العملية كثرة دعاء هؤلاء المصابين للطبيب وللطاقم الطبي الذي قدَّم له المساعدة ، فيجدر بالطبيب المسلم الحريص على الأجر من الله عزَّ وجلَّ أن يسدي المعروف لهؤلاء المرضى بقدر استطاعته ، وأن يحتسب الأجر عند الله عزَّ وجلَّ .
6 ـ اشتراط الشفـاء لدفع الأجرة : ذهب أكثرُ الفقهاء إلى أنَّه لا يجوز أن يشترط المريضُ لدفع الأجرة حصول الشفاء أو ضمان السلامة ، لأن الشفاء بيد الله تعالى وحده ، والشفـاء غير معلوم ، كما أن طبيعة العمل الطبي إجمالاً تأبى مثل هذا الشَّرط ، لما يعتري العملَ الطبيَّ من احتمالات ليس في وسع الطبيب تلافيها مهما كان حريصاً أو خبيراً ، وبناءً عليه فإنَّ التزامَ الطبيب تجاه المريض إنما هو التزامٌ ببذل العناية المعتادة من مثله وليس التزاماً بتحقيق الشفاء ، فإذا داوى الطبيبُ مريضه بالمداواة المعتادة للحالة المرضية المتفق عليها استحقَّ الطبيب الأجرة من مريضه وإن لم يشفَ المريضُ ، لأن الطبيب وفَّى بالعمل .. علماً بأن بعض الفقهاء ومنهم الإمام مالك رحمه الله تعالى قد أجازوا اشتراط الشفاء والسلامة وحينئذ تكون الأجرة من قبيل الجَعالة(4) التي تجوز على عمل مجهول بخلاف الأجرة ، ولكنهم اشترطوا أن ينصَّ المريضُ على هذا الشرط وأن يوافق الطبيبُ عليه(5) ( انظر : شفاء )
إجهاض
الإِجْهَاضُ ( Abortion ) : إلقاءُ الحَمْلِ ناقصَ الخَلْقِ أو ناقصَ المُدَّة ، ويسمى أيضاً الإسقاط ، أو الطَّرح ، أو الإملاص .. فإذا نَزَلَ قبل أن يكون قابلاً للحياة سمي سَقْطاً ( Abortus ) أي قبل أن يتمَّ من عمره ( 20 أسبوعاً ) أو كان وزنه مع المشيمة والأغشية أقلَّ من ( 500 غ ) أما إذا نزل في الفترة التي يصبح فيها قابلاً للحياة ، أي ما بين ( 24 – 36 أسبوعاً ) من عمره الرحمي فيسمَّى خديجاً ( Premature ) وهو في هذه الحال يحتاج لعناية طبية جيدة .
وقد يَلْتَبِسُ الإجهاضُ بالحيضِ ، كأن يحصل الإجهاضُ في الأسبوعين الأوَّلين من الحمل فتظنُّهُ المرأةُ حيضاً ، أو يتأخَّر الحيضُ لسببٍ ما غير الحمل فتظنُّهُ المرأةُ حملاً ، فإذا جاءها الحيضُ بعد ذلك ظنَّتْهُ إجهاضاً ! ( انظر : حمل ، حيض )
وأسبابُ الإجهاضِ كثيرةٌ ، منها ما يتعلَّقُ بالحامل نفسها ( تشوهات الرحم ، الاضطرابات الهرمونية ، قصور القلب Heart Failure ، الآفات العصبية ، الاضطرابات النفسية ، الأمراض العامة كالدّاء السُّكَّريِّ Diabetes ، قُصور الغدَّة الدَّرَقِيَّة Hypothyroidism ، الذَّأَبُ الحُماميّ SLE ، الأمراض الفيروسية كالحصبة الألمانيَّة Rubella وداء المُقَوَّسات Toxoplasmosis وغيرها .. ) ومنها أسباب تتعلق بالجنين نفسه ، كأن يكون مصاباً بتشوهات خَلْقيَّة Congenital Malformations أو غيرها(1).
ومعظم حالات الإجهاض تحصل بصورة عَفْويَّةSpontaneous Abortion دون تحريض خارجي وسببها في الغالب وجود تشوُّهاتٍ خَلْقِيَّة في الجنين(2) ، وبهذا يكون الإجهاضُ العفويُّ رحمةً كبيرةً من الخالق عزَّ وجلَّ ، لأن الجنين المشوَّه إذا وُلِدَ حيَّاً كان عالةً على أهله وعلى المجتمع !
وقد يحصل الإجهاضُ عَمداً ( Artificial A. ) باستعمال الأدوية أو بعض المواد المجهِضة أو بالضرب على البطن أو نحوه من الوسائل البدائية التي يغلب أن تستخدم في البيئات الفقيرة التي لا تمتلك وسائـل طبية مأمونة للإجهاض ، والإجهاض المتعمَّد منتشر جـداً في البلـدان الصناعيـة التي تبيح الإجهاض أو تتساهل به(3) ، بينما تتدنى نسبته في البيئات التي تحرِّم الإجهاض لأسباب دينية مثل معظم البلدان الإسـلامية .
ودوافع الإجهاض المتعمَّد قد تكون مشروعةً تستهدف سلامةَ الأمِّ وحمايتها من الخطر الذي يسببه بقاء الحمل في بطنها ، وقـد تكون دوافـع الإجهاض غير قانـونيــة ( Illegal A. ) أو جنائية ( Criminal A. ) كأن ينتج عن ضرب الحامل ، أو يكون لستر جريمة الزنى ، أو غير ذلك من الأغراض غير المشروعة !
وتذكر الإحصائياتُ الرسميةُ أرقاماً مرعبةً عن حالات الإجهاض التي تجرى سنوياً في غفلةٍ عن أعين القانون ، فقد بلغت حالات الإجهاض في العام 1974م أكثر من ( 13 مليون إجهاض سنوياً ) في البلدان النامية وحدها(4) ، ناهيـك عن البلدان الصناعية الكبرى التي تُبيح الإجهاضَ من الزنى ولا تَعُدُّهُ جنائيـاً ، وارتفـع هــذا الرقـم خـلال عقـد واحـد مـن الزمـان ( 1974 ـ 1984م ) إلى أكثر مـن ( 50 مليون إجهاض سنوياً )(5) ، ثم ارتفع ارتفاعاً حاداً آخر في أواخر القرن العشرين الميلادي فتجاوز ( 70 مليون إجهاض سنوياً ) وفق إحصائيات منظَّمة الصِّحَّة العالميَّة ( WHO )
وبما أن الإجهاض غير القانونيّ يجري عادةً على أيدي نساء غير مؤهلات أو جاهلات ، وتستخدم فيه وسائل بدائية ، أو مواد سامَّة وبخاصة في البلدان المتخلِّفة ، فإنـه كثيراً ما يؤدي لمضاعفات خطيرة جداً ، إذ يموت من جـراء هـذا النـوع مـــن الإجهـاض أكثـر مـن ( 2 مليون امرأة سنوياً ) وتصاب ملايين أخرى لا تُحصى بأمراضٍ وعاهاتٍ مختلفةٍ من جملتها العُقْم الدائم(6) !
أحكام الإجهاض :
1 ـ الإجهاض بلا عُذْر : عندما جاء الإسلام لم يكن الإجهاضُ المُتَعَمَّدُ شائعاً في المجتمع كما هو شائع اليوم ، بل كانت عندهم في أيام الجاهلية عادة قتلِ الأولاد الصغار بعد ولادتهم وهو ما يعرف باسم ( = الوَأد ) فكانوا يئدون صبيانهم للتخفف من نفقاتهم وخشية الفقر ، كما كانوا يئدون بناتهم خوفاً من السَّبي والفضيحة ، وقد جاء ذكر الوأد في عدة آيات منها قوله تعالى : (( وإذا المَوْؤدةُ سُئِلَتْ * بأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ )) سورة التكوير 8 - 9 ، فلما جاء الإسلام حرَّم هذه العادةَ الجاهليَّةَ وَعَنفَ فاعليها واعتبر قتل الأولاد من الكبائر ، فقال تعالى:(( ولا تقتلوا أولادَكُمْ خشيـةَ إمـلاقٍ ، نحنُ نرزقُهم وإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كان خِطْـأً كبيراً )) سـورة الإسـراء 31 ، وقـد سُئل النبيُّ : ( أيُّ الذَّنْبِ أعظمُ ؟ قالَ : أنْ تجعلَ للهِ نِـداً وهو خلقَكَ . قلتُ : ثم أيُّ ؟ قال : أنْ تقتلَ ولدَكَ خشيةَ أنْ يَطْعَمَ معكَ )(7) ، وهكذا اختفت عادةُ الوأد من المجتمع الإسلاميِّ الأول ثم عادت في العصور المتأخِّرة بصورة الإجهاض غير المشروع ، بعد أن ضَعُفَ وازعُ الدِّين في القلوب ، وأصبحت وسائل الإجهاض المختلفة ميسورةً بين أيدي الناس ، ولهذا راح بعضُ العلماء يطلق على الإجهاض غير المشروع وَصْفَ ( الوأد الأصغر ) !
ونظراً لما ينطوي عليه الإجهاضُ المتعمَّد من أضرار بالغة على الأم والجنين ، ولأنَّ الجنينَ يعدُّ حياً من بداية الحمل ، وحياتُهُ محترمةٌ في كافَّةِ أدوارها وبخاصة بعد نفخ الروح ( نهاية الشهر الرابع ) فقد ذهب معظمُ الفقهاءِ إلى حُرْمَةِ الإجهاض المتعمد إلا لعذر شرعيِّ ، سواء قبل نفخ الروح في الجنين أو بعد نفخ الروح ، ورأى قلَّةٌ منهم جوازَ الإجهاض قبـل نفخ الروح ، وأجازه آخرون فقط قبل الأربعين يوماً من عمر الجنين اعتماداً على بعض الأحاديث التي ورد فيها أن نفخ الروح في الجنين يكون بعد الأربعين يوماً ( انظر : روح ، جنين )
2 ـ الإجهاض بعذر : إذا ما دعت ضرورةٌ معتبَرةٌ شرعاً لإجهاض الجنين ، كأن يكون في بقائه خطر محقق على حياة الأم ، جازَ إجهاضُه أخذاً بحكم الضرورة ( انظر: ضرورة ) سواء قبل نفخ الروح أو بعده(8) ، وقد جاء في فتوى هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية ، رقم 140 وتاريخ 20/6/1407هـ ما يأتي : (( لا يجوز إسقاطُ الحملِ في مختلف مراحله إلا لمبرِّر شرعيٍّ ، وفي حدود ضيقة جداً .
إن كان الحمل في الطَّور الأول وهي مدة الأربعين ، وكان في إسقاطه مصلحةٌ شرعيةٌ ، أو دفعُ ضرر متوقَّعٍ ، جازَ إسقاطُهُ ، أما إسقاطه في هذه المدة خشيةَ المشقَّة في تربية أولادٍ أو خوفاً من العجز عن تكاليف معيشتهم أو تعليمهم أو من أجل مستقبلهم أو اكتفاءً بما لدى الزوجين من أولادٍ فغير جائز * لا يجوز إسقاطُ الحملِ إن كان علقةً أو مضغةً ، إلا إذا قرِرَّت لجنةٌ طبيةٌ موثوقةٌ أنَّ استمراره خطرٌ على سلامة أمِّه بأنْ يُخشى عليها الهلاكُ من استمراره جازَ إسقاطُهُ بعد استنفاد كافة الوسائل لتلافي تلك الأخطار .
* بعد الطور الثالث ، وبعد إكمال أربعة أشهرٍ للحمل ، لا يَحِلُّ إسقاطُهُ حتى يُقَرِّر جمعٌ من المختصين الموثوقين أنَّ بقاء الجنين في بطن أمه يسبِّب موتـَها ، وذلك بعد استنفاد كافة الوسائل لإنقاذ حياته ))(9)
أما الإجهاض الطبي لأسباب تتعلق بالجنين نفسه فهو جائزٌ أيضاً إذا كان له مبرِّرٌ شرعيٌّ ، كأن يثبت للأطباء أنَّ الجنينَ مصابٌ بتشوُّهاتٍ خَلْقيَّةٍ واسعةٍ تؤدي في الغالب إلى موته ولو بعد فترة من ولادته وقد أصدر المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي قراراً في دورته الثانية عشرة 1410هـ 1990م أباح فيه إجهاضَ الجنينِ المشوَّه تشويهاً شديداً ، واشترط أنْ يكون ذلك بقرار لجنةٍ من الأطباء المختصِّين ، وأن يجرى الإجهاض قبل مرور ( 120 يوماً ) محسوبة من لحظة التلقيح(10) أي قبل نفخ الروح فيه .
وقد اشترطوا للإجهاض الطبي المشروع ثلاثة شروط هي :
* موافقة الزوجين : لأن للزوجين حقوقاً وواجبات تتعلق بالإجهاض ، ولأن الإذن الطبي أساسٌ في عقد الإجارة بين الطبيب والمريض ( انظر : إذن طبي ، طب )
* عدم تعريض الحامل لخطر أشدّ : عملاً بقاعدة ( اتقاء أشد الضَرَرَيْن بارتكاب أخفِّهما ضَرَراً ) فإن كان خطرُ الحملِ أكبرَ من خطرِ الإجهاضِ جازَ الإجهاضُ .
* شهادة طبيبين عَدْلَيْن : يتفقان على ضرورة الإجهاض ، وأنه لا يترتب على الحامل خطر أشدّ من خطر الإجهاض .
ويشترط قبل الشروع بالإجهاض أخذُ ( الموافقة الخطية ) بإجراء الإجهاض من الحامل نفسها ومن زوجها أو وليّ أمرها ، فإذا رفضت الإجهاضَ وجب الامتثالُ لرغبتها ، وإثباتُ ذلك في ملفِّها الطبي ، وأخذ توقيعها وتوقيع زوجها أو وليِّ أمرها بالرفض بعد إعلامهم بخطورة استمرار الحمل .
3 ـ إجهاض المرأة التي تحمل سفاحاً : المرأة التي تحمل من زنى يجب تقديم الرعاية الطبية اللازمة لها ، ولا يجوز إجهاضُها إلا إذا دعت ضرورة معتبرة لذلـك ، لأنَّ الجنين لا جريرةَ لـه ، وحياتُهُ مصونةٌ شرعاً في جميع أدوارها ، وقد ذهب بعض الفقهاء إلى وجوب التفريق ما بين الحمل الذي يحصل نتيجة الزنى والحمل الذي يحصل نتيجة الاغتصاب ( Rape ) وذهب معظمهم إلى عدم إباحة الإجهاض إن كان الحمل ناتجاً عن زنى ، لأن الزنى يحصل عادةً بتراضي الطرفين ، وفي منع الإجهاض هنا ردعٌ عن الزنى ، أما إن كان الحمل ناتجاً عن اغتصاب فقد أجازوا إجهاضَه لدفعٌ المفسدة عن المرأة التي اغتُصِبَتْ كرهاً عنها ، واشترطوا فيه أن يجرى الإجهاضُ قبل نفخ الروح في الجنين ، أي قبل مرور ( 120 يوماً ) عليه داخل الرحم ( انظر : زنى )
4 ـ عقوبة الإجهاض الجنائي : إذا ما وقعت جنايةٌ على الحامل أدَّت لإجهاض الجنين أو موته في بطنها استحقَّ الجاني العقوبةَ ، ويشترط لاستحقاق العقوبة نزولُ الجنين من رحم أمه ميتاً أو التيقُّن من موته في بطن أمه نتيجةَ الجناية ، واشترط الحنفية والمالكية أن ينفصل الجنين ميتاً قبلَ موتِ أمِّهِ ، أما إذا خَرَجَ ميتاً بعدَ موتِ أمِّهِ فلا شيءَ فيه لأنَّ موتَ أمِّهِ سببٌ ظاهرٌ لموتِهِ .. أما الشافعية والحنابلة فيوجبون العقوبةَ إذا نَزَلَ الجنينُ ميتاً سواء في حياة الأم أو بعد موتها .. وأضاف الحنفية والحنابلة أن العقوبة لا تقع على الجاني إلا إذا استبانت في الجنين بعض علاماتُ التَّخَلُّقِ كالظفر والشعر وغيره ، واشترط الشافعية أن يكون قد استبانت فيه صورة الآدمي ، أما المالكية فقد أوجبوا العقوبةَ حتى لو لم يَسْتَبنْ شيءٌ مــن خلقــه وإن ألقته دمـاً مجتمعاً(11) . ( انظر : جنين )
والعقوبة التي تجب في الجناية على الجنين هي الغرَّة ( = نصف عُشْر الدِّيَة ، أي 5% من الدِّيَة ) حتى وإن كانت الجناية من الحامل نفسها أو من زوجِها والدِ الجنينِ ، وسواء كانت الجناية عن عمدٍ أو خطأ ، وتتعدد العقوبةُ المالية من غرة أو دية بتعدُّد الأجنَّة المَجْني عليها لأنها ضمانٌ للآدمي ( انظر : جنين ) ولا تتعدد الغرَّة أو الدية بتعدد الجنـاة لأنهـا بـدلٌ عـن الجنين(12) ، وعنـد الشافعية والحنابلة تجب مع الغرة كفارةٌ ( = صيام شهرين متتابعين ، أو إطعام ستين مسكيناً )(13) وإذا ما اشتركَ أكثرُ من واحدٍ في جنايةِ الإجهاضِ وَجَبَ على كلِّ شريكٍ كفارةٌ ، لأنَّ الغايةَ من الكفارة الزَّجْرُ وهو لازمٌ لكلٍّ منهم ، أما الحنفية والمالكية فقد ذهبوا إلى أن الكفارة مندوبة وليست واجبة(14).
5 ـ آثار الإجهاض قبل نفخ الروح بالجنين :
* النفاس : المالكية والشافعية يعتبرون الأمَّ نفساءَ ولو بإلقاء مُضْغَةٍ أو عَلَقَةٍ لأنها أصل الآدمي أما الحنفية والحنابلة فعندهم إن لم يظهر شيءٌ من علامات تَخَلُّقِ الجنين لا تصير المرأةُ نفساءَ ، ومن ثمَّ فلا غُسْلَ عليها بل يكفيها الوضوء(15).
* العدَّة والطَّلاق : نظراً لأن الإجهاض قد يحصل في أية مرحلة من مراحل الحمل ، فقد اختلف الفقهاء في أحكام العدة والطلاق المعلَّقين على الولادة ، فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن إسقاط العلقة والمضغة التي ليس فيها صورة آدمي لا تنقضي بها العدة المعلَّقة على الولادة لأنه لم يثبت أنه ولدٌ لا بالمشاهدة ولا بالبيِّنة ، أما المضغة المُخَلَّقة التي لها صورةُ آدَمِيٍّ ولو خَفِيَّةٌ وشَهِدَ الطبيبُ أو القوابلُ الثقات بأنها لو بَقِيَتِ لَتَصَوَّرَتْ جنيناً فإنها عند الحنفية والحنابلة تنقضي بها العدة لأنه عُلِمَ بها بَراءةُ الرَّحِمِ ، وذهب الشافعية إلى أن العدة المعلَّقة على الولادة لا تنقضي في هذه الحال لأنَّها لا تعدُّ ولادة عندهم ، أما المالكية فقد ذهبوا إلى أن العدة تنقضي بانفصال الحمل ولو كان عَلَقَةً(16).
أما من الوجهة الطبية فأرى أن يُرجع في هذا الأمر إلى أهل الخبرة من الأطباء أو القوابل الخبيرات ، أي الذين يمكنهم تمييز الحمل من غيره ، وتمييز أجزاء الجنين أو ما يُشتَبَهُ بأنه جنين من جلطات الدم ( Clot ) التي تراها النساءُ عادةً في الحيض أو في غيره من الأحوال المرضية التي قد تشتبه بالحمل ، فقد ينقطع الحيض لسبب آخر غير الحمل فتظنه المرأة حملاً ، فإذا رأت جلطات من الدم بعد ذلك ظنته إجهاضاً ، وبَنَتْ عليه أحكام الحمل والولادة ، وهذا خطأ لا ريب فيه !
6ـ آثار الإجهاض بعد نفخ الروح بالجنين : إن استحقاقات الجنين من إرثٍ أو وصيَّةٍ أو وَقْفٍ أو نحوها تتوقَّف على تَحَقُّقِ الحياةِ في الجنين وانفصاله عن أمِّه حيَّاً ، أما الإجهاضَ الذي ينفصل فيه الجنين عن أمه ميتاً فإنه يمنع عنه تلك الاستحقاقات ( انظر : وصيَّة ) وتترتب على الإجهاض بعد تمام الخلقِ الأحكامُ ذاتها التي تترتب على الولادة ، ومنها الأحكام المتعلقة بالنفاس ، وأحكام العدة والطلاق المعلَّقَيْنِ على الولادة(17). ( انظر : نفاس ، عدة ، طلاق )
احتـلام
الاحْتِلامُ ( Semination Dormientum ) : أو الحُلـُم ، رُؤْيَةُ المباشـَرة أو الجماع في المنام ، وهو يحصل بعد البلوغ للرجل وللمرأة ، ولهذا يطلق اسم الاحتلامُ على البلوغ ، كما جاء في قوله تعالى : (( وإذا بلغَ الأطفالُ منكمُ الحُلُمَ فليستأْذنوا كما استأْذَنَ الذين مِنْ قبلهم ، كذلكَ يُبَيِّنُ اللهُ لكم آياتِهِ ، واللهُ عليمٌ حكيمٌ )) سورة النور 59
ومن الوجهة الطبية فإن الاحتلام يمثل نوعاً من التنفيس ( Discharge ) العضوي والنفسي للطاقات الجنسية والعاطفية ، وهو يحقِّق الرغبات ( Wishes ) التي يتعذَّر على المـرءِ تحقيقُها في اليقظة ، وهذه بلا ريب نعمةٌ إلهيَّةٌ كبيرةٌ ، لأنها تخفِّفُ من غلواء الاندفاع وراء الشهوة المُحَرَّمةِ ، وتشبع تلك الرغباتِ دون أن يترتَّـب عليـها أيُّ حَرَجٍ شــرعـيٍّ . ( انظر : رؤيـا )
أحكام الاحتلام :
1 ـ علامات الاحتلام : احتلامُ الرجل معروف وعلامته ظاهرة بيِّنة وهي نزول المني ، أما احتلام المرأة فهو أقل ظهوراً لأن ماء المرأة رقيق وقد يلتبس بالمفرزات الأخرى التي تنزل من الفرج ، ويتحقق احتلام المرأة بنزول الماء إلى ظاهر الفرج ، أي إلى ما يظهر من الفرج عند قضاء الحاجة(1) ، وقد وردت الإشارة لاحتلام المرأة في حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها حيث قالت : ( جاءتْ أمُّ سليم ـ امـرأةُ أبي طلحة ـ إلى رسولِ اللهِ فقالت : يا رسولَ اللهِ ، إنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيي من الحقِّ ، فهل على المرأةِ من غُسْلٍ إذا احتلمت ؟ قال النبيُّ : إذا رأت الماء . فغطَّتْ أمُّ سلمة ـ تعني وجهَها ـ وقالتْ : يا رسولَ اللهِ ، أَوَتَحْتَلِمُ المرأةُ ؟! قال : نعم ، تَرِبَتْ يمينُكِ ، فَبِمَ يُشْبِهُها ولـدُها )(2)
علماً بأن المادَّةَ الأساسيَّةَ في مني الرجل هي عناصر الإلقاح أو النطف التي يوجد منها في الدفقة الواحدة عشرات الملايين ، وأما ماء المـرأة فيتكون مــن مفرزات الغـدد التناسـليـة ( انظر : مني ، أعضاء تناسلية )
2 ـ بالاحتلام المصحوب بالإنزال يثبت بلوغُ الصبيِّ ، ويصبح مكلفاً شرعاً ، وينقطع اليُتْمُ فلا يعدُّ مَنْ بَلَغَ الحلمَ يتيماً .. أما البنت فإن الدليل على بلوغها هو حصول الحيض لأنَّهُ أظْهَرُ من الاحتلام في الدلالة على بلوغ البنت ( انظر : حيض )
3 ـ الاحتلام يوجب الغُسْلَ ، على التفصيل الآتي(3) :
* من احتلم فوجد المنيَّ عندما يصحو وجب عليه الغسل ، فإن لم يجد المنيَّ فلا غسل عليه
* من استيقظ فوجد المنيَّ ولم يذكر احتلاماً ، وجب عليه الغسل .
* من استيقظ فوجد شيئاً شكَّ في كونه منياً أو غير منيٍّ فالجمهور على أنه يجب بحقه الغسل ، ويتأكد الغسلُ إنْ تَذَكَّرَ احتلاماً ، أما الشافعيَّةُ فلا يوجبون الغسلَ ، والمشهور عندهم التخييرُ بين الغسل وعدم الغسل .
إذا وُجد المنيُّ في فراش الزوجين ونَسَبَهُ كلٌّ منهما لصاحبه ، فعند الشافعية والحنابلة يُستحبُّ الغُسل لكليهما ، وعند الحنفية يجب الغُسل على كليهما ، وعند المالكية يجب الغُسل على الزوج لا الزوجة لأن الغالب خروج المني منه .
4 ـ الاحتلام والصوم : بما أن الاحتلامَ حَدَثٌ غيرُ إراديٍّ فإنـه لا يُفسـد الصَّـومَ ، لقول النبيِّ : ( ثلاثٌ لا يُفطِّرنَ الصائمَ : الحجامةُ ، والقيءُ ، والاحتلامُ )(4) ، ولا أثر للاحتلام في الحجِّ أيضاً ، ولا يَبْطُلُ به الاعتكافُ .
إِذْن طبّي
الإذْنُ الطِّبِّيُّ ( Medical Consent ) : هو إقرار المريض بالموافقةَ على إجراء ما يراه الطبيبُ مناسباً له من كشف سريري وتحاليل مخبرية ووصف الدواء وغيره من الإجراءات الطبية التي تلزم لتشخيص المرض وعلاجه .
أحكام الإذن الطبي :
1 ـ مشروعية الإذن الطبي : الإذن الطبي عقدٌ بين الطبيب والمريض ، يتعهَّد الطبيبُ بموجبه أن يعالج المريضَ وفق الأصول المتعارف عليها عند أهل الطب ، وبعض القوانين الطبية في العالم تعتبر مجيء المريض إلى العيادة بإرادته ، أو موافقته على دخول المستشفى ، إذناً منه يحقُّ للطبيب بموجبه أن يجري عليه ما يراه مناسباً من الأعمال الطبية كالتشخيص والعلاج وغيره ، وفق الأعراف الطبية المتَّفَق عليها .
والإذنُ الطبيُّ يرجع بأصله لإذن الشَّرع الذي لم يطلق للإنسان الحرية في التصرف بجسده وحياتــه ، بـل وَضَـعَ ضوابطَ لهــذا التصرف ( انظر : حياة ) ولا يعدو إذنُ المريض أن يكونَ العاملَ المباشرَ الذي يُمكِّنُ الطبيبَ من العمل بالرُّخْصَةِ التي خوَّلها له الشَّرْعُ على جسم المريض لاختيار طريقة العلاج التي تناسب مَرَضَه(1) ، ولهذا يجب على الطبيب أن يحسن استخدام هذا الإذن ، وأن يستشعر بالأمانة الملقاة على عاتقه ، وأنه يتعامل مع نفسٍ بشرية مكفولة الحقّ من قبل الله عزَّ وجلَّ ولا يظننَّ بأن إعطاء الإذن له من قبل المريض يعني إطلاق الحرية له ليفعل به ما يشاء ! بل يحرص على منفعة المريض ، وعدم تعريضه لأية أضرار ، ويتوجه بكل ما آتاه الله من علم لتحقيق مصلحة المريض ، وصيانة حياته ، وعلى الطبيب قبل الحصول على الإذن الطبي من المريض أن يشرح له بوضوح كلَّ الإجراءات الطبية التي سوف يجريها له ، ليكون المريض على بيِّنة من أمره ، ويعطي الإذنَ عن فهمٍ واقتناعٍ .
2 ـ موقف المريض من الإذن الطبي : الإذن الطبي ليس بواجب على المريض في الأحوال المَرَضيَّة التي لا يَقْطَعُ أهلُ الطِّبِّ بأنَّ العلاجَ يشفيها ( وإذا امتنعَ المريضُ عن الإذن وماتَ بسبب المرض لا يُعَدُّ قاتلاً لنفسه ، لأن الشِّفاءَ في هذه الحالات أمرٌ غيرُ مقطوعٍ به ، بخلاف مَنْ تَرَكَ الطعامَ والشَّرابَ حتى يهلك ، قال الإمام الحنفي ابن عابدين : فإن تَرَكَ الأكلَ والشُّربَ حتى هلك فقد عصى لأن فيه إلقاءَ النفس إلى التَّهْلُكَةِ ، وأنَّهُ مَنْهِيٌّ عنه في مُحْكَمِ التَّنْزيلِ ، بخلاف مَنِ امتنعَ مِنَ التداوي حتى مات ، إذ لا يتيقَّنُ بأنه يشفيه )(2)
وأما الأمراض التي يغلب الهلاك بسببها ، أو تلف عضوٍ من الأعضاء ، كالجريح جرحاً بليغاً أو المصاب بمرض يغلب فيه الهلاك ، فإنَّ الإذنَ فيها واجبٌ على المريض ، وإذا امتنعَ كان آثماً لعموم قوله تعالى : (( ولا تُلْقُوا بأَيديكُمْ إِلى التَّهْلُكَةِ )) سورة البقرة 195
وبالإجمال يستحبُّ للمريض إذا طَلَبَ الطبيبُ منه الإذنَ بالتَّداوي أو الجراحة أن يأْذَنَ لَهُ ، لما ثبت من دعوة النبيِّ للتَّداوي ، ولأن التداويَ سببٌ من الأسباب التي نَصَبَها اللهُ عزَّ وجلَّ لدفع المرض ( انظر : تداوي ) وهذا بطبيعة الحال بعد أن يكون المريض قد تخيَّر الطبيب الذي يثق بدينه وعلمه وخبرته .
3 ـ صحة الإذن الطبيِّ : يشترط لصحة الإذن الطبي أن يكون المريض كامل الأهلية ، وإلا انتقل حقُّ الإذْنِ لوليِّهِ على الترتيب المعتبر في الإرث بحسب قوة القرابة ( والأبناءُ أحقُّ القرابةِ كما هو معلومٌ من أصولِ الشَّرع ، ويليهم الوالدان ، والأب أقوى ولايةً من الأم ، ويقوم مقامَ الأبِ الجَدُّ وإنْ عَلا ، ثُمَّ الإخوةُ الأشِقَّاءُ ، ثُمَّ الإخوةُ لأبٍ ، ثُمَّ بَنُو الإخوةِ الأشِقَّاء ، ثُمَّ بَنُو الإخوةِ لأبٍ ، ثمَّ الأعمامُ الأشِقَّاءُ ، ثم الأعمامُ لأبٍ )(3) ( انظر : إرث )
ولا يجوز الحصول على الإذن الطبي بالإكراه ، ولا بإغراءٍ ماديّ ، فلا يجوز مثلاً استغلال حال بعض الأشخاص ـ كالمساجين مثلاً ـ فيُكْرَهون على فعلٍ طبي ما ، ولا يجوز استغلالُ حالةِ العِوَز عند بعض الأشخاص كالمساكين والفقراء والمشردين فيغرون مثلاً ببعض المال لإجراء البحوث والتجارب العلمية عليهم !
ويجب أن يكون المأذونُ به مشروعاً وإلا لم يصحَّ الإذنُ به ، كأنْ يأذَنَ المريضُ للطبيب بجراحةٍ مُحَرَّمَةٍ فإنَّ الإذن فيها باطلٌ ، يقول ابن القيم رحمه الله : ( لا يَجوزُ له ـ أي للطبيب ـ الإقدامُ على قطعِ عضوٍ لم يأمرْ اللهُ ورسولُهُ بقطعه ولا أوجبَ قَطْعَهُ ، كما لو أذن له بقطع أذُنِهِ ، أو إصبعه فإنه لا يجوز له ذلك ، ولا يسقط الإثم عنه بالإذن )(4) ، وهذا ـ بطبيعة الحال ـ إن كان العضو سليماً ولا مُبَرِّرَ لقطعه ، أما إن كان فيه مرضٌ يستدعي البَتْرَ فإنه يجوز ( انظر : عضو )
4 ـ يستثنى من الإذن الطبيِّ الحالاتُ الآتيةُ :
* الحالات الخطرة التي تُهَدِّدُ حياةَ المريضِ بالموت ، أو تُهَدِّدُ بتلف عضوٍ من أعضائه ، ويكون فيها فاقداً للوعي ، أو أن حالته لنفسية لا تسمح بأخذ إذنه ، ولا يكون وليُّهُ حاضراً لأخذ الإذن منه . ( انظر : إسعاف )
* الحالات التي تقتضيها المصلحةُ العامَّةُ ، كالأمراض المعدية التي تهدد المجتمعَ بانتشار الوباء ، فيجوز فيها للسلطات الصحية أن تُجبر فرداً أو جماعةً مـن النـاس على العلاج أو تعاطى وسيلـة من وسائل الوقـايـة كالتحصين ونحوه ، مادام في ذلك مصلحة مشروعة ( انظر : عدوى ، لقاح ، وقاية )
ففي مثل هذه الحالات ، يجب على الطبيب أن يباشِرَ العلاجَ دونَ انتظار الإذن ، إنقاذاً للمريض ومنعاً للتلف عنه ، أو درءاً للمفسدة عن المجتمع ، لأنَّ ( إذن الشرع هو الأساس الصحيح لإباحة عمل الطبيب ـ كما بينا آنفاً ـ ولأن حقَّ اللهِ تعالى في سلامَةِ حياةِ المريضِ وجَسَده يرجح على حقِّ المريضِ وإذا كنَّا قد راعينا حقَّ المريض واشترطنا إذْنَهُ لممارسةِ الرُّخصةِ التي خوَّلها الشرع للطبيب فإن الإباحة للطبيب بأن يمارسَ العلاجَ دون إذنِ المريضِ تستبقى لحالات الضرورة التي يتعذر فيها أخْذُ إذنِ المريضِ أو إذنِ وليِّهِ )(5) ، وعمل الطبيب في هذه الحالات الطارئة فرضَ عَيْنٍ عليه مادام قادراً على علاج المصاب واستنقاذه ، ولو امتنع الطبيبُ عن علاجه فقد أثِـم .
5 ـ اشتراط الشفاء مع الإذن الطبي : ذهب بعضُ الفقهاء إلى أنَّه لا يجوز مع الإذن أن يشترط المريضُ على طبيبه الشفاءَ أو ضمانَ السلامة ، لأن طبيعة العمل الطبي إجمالاً تأبى مثل هذا الشَّرط ، لما يعتري العملَ الطبيَّ من احتمالات ليس في وسع الطبيب تلافيها مهما كان حريصاً أو خبيراً ، وبناءً عليه فإنَّ التزامَ الطبيب تجاه المريض إنما هو التزامٌ ببذل العناية المعتادة من مثله وليس التزاماً بتحقيق الشفاء ، وذهب آخرون إلى جواز اشتراط الشفاء والسلامة ، على أنها من قبيل الجَعالة(6) التي تجوز على عمل مجهول ، لكنهم اشترطوا أن ينصَّ المريضُ على هذا الشرط ، وأن يوافق الطبيبُ عليه(7) . ( انظر : أجرة ، شـفاء )
6 ـ أنواع الإذن الطبي : الإذنُ الطبيُّ إما أن يكون إذناً خاصاً يفوِّض المريضُ فيه الطبيبَ بإجراءٍ طبيٍّ محددٍ كالختان ( Circumcision ) أو استئصال اللوزتين ( Tonsillectomy ) أو علاج التهاب ما في بدنه ، وإما أن يكون إذناً عاماً يفوِّض المريضُ فيه الطبيبَ بالإجراء الطبي الذي يراه مناسباً .. وبالإجمال يفضل أن يكون الإذن في العمليات الجراحية إذناً عاماً ، إذ ليس من النادر أن يفاجأ الجرَّاحُ ـ بعد شُروعِهِ بالعملية ـ بحالة غير متوقعة ، فيضطر لإجراءٍ جراحيٍّ لم يأذن به المريض إن كان الإذن محدداً كأن يكون بصدد استئصال الزائدة الدودية (Appendectomy ) مثلاً فيجد نفسه أمام سرطان في البطن ( Cancer Abdominal ) أو حَمْلٍ خارج الرحم ( Ectopic Pregnancy )
وإذا ما بدأ الجرَّاحُ العمليةَ بإذنٍ خاص ، ثم وجد نفسَهُ مضطراً لإجراءٍ جراحي آخر ، فإن كان وليُّ أمر المريض حاضراً أخَذَ الإذنَ منه ، وإلا نَظَرَ الجرَّاحُ في الحالة : فإن كانت لا تحتمل التأجيلَ ، أو كان في تركها خطرٌ على حياة المريض ، جازَ له إتمامُ الجراحَةِ بما يراهُ مناسباً دون انتظار الإذن عملاً بأحكام الضرورة ( انظر : ضرورة )
وفي هذه الحال يجب على الطبيب أن يسجِّلَ في تقرير العملية الأسبابَ التي دعته لهذا الإجراء الجراحي غير المأذون بـه ، أما إذا وجدَ الطبيبُ أنَّ الحالةَ تحتملُ التأجيلَ فهو مخيَّر بتأجيلها أو إتمامها ، فإن أتمَّها فليس عليه شيءٌ مادام لها مُسَوِّغٌ طبيٌّ ، وبخاصة إن كان إتمامها أصلح للمريض أو كان تأجيلها يُعرِّض المريـضَ لبعض المضاعفات المحتمَلة ، أو يعرضه لأخطار التخدير والجراحة مرة أخرى !
ونورد فيما يلي أنموذجاً للإذن الطبي ( لاحظ صيغة الإقرار الذي يفوِّض به المريضُ طبيبَه بالإجراء الطبي الذي يراه ضرورياً ، ولاحظ أيضاً صيغة إقرار الطبيب بأنه شرح للمريض طبيعة هذا الإجراء ) :
بسم الله الرحمن الرحيم
وزارة الصحة (( إقـرار طبي ))
مستشفى …...….…….
رقم الملف الطبي : القسم ( الوحـدة ) : تاريخ الدخول : / /
أنا الموقِّع أدناه ……………………………… بالأصالة عن نفسي / بالنيابة عن المريض …………….…………
أفوّض الطبيب المعالج بإجراء العملية / الإجراء الطبي ….……………..….……………………………………
وقد شرح لي طبيعةَ هذا الإجراء ، دون تعهُّد أو ضمان للنتيجة أو الشفاء ، وللطبيب المعالج الحقّ باتخاذ ما يراه ضرورياً من الإجراءات العلاجية ، كاستخدام التخدير والأشعة والفحص المخبري ونحوه أو استئصال أي جزء يكون من الضروري استئصاله أثناء العملية . كذلك فإنني أفوِّض المستشفى بالتخلص من أي عضو أو نسيج استأصلوه مني بسبب تلفه .
توقيع المريض / أو ولّي الأمر ………………………… الوقــت والتـاريــخ …………….........………………
شـاهـد …..……………..………………………..شـاهــد …………………..………………...………
التوقيع……………..……………………...…… التوقيع ……..….……..…………............…...……
اطَّلعتُ على هـذا الإقـرار قبـل إجراء العمل الطبي / الجراحي ، وشـرحتـه للمريـض / لولـيِّ أمـره
الطبيب …….........….….....…… التوقيع ………..……………. الوقت والتاريخ ………..………………
7 ـ انتهاء الإذن الطبي : ينتهي الإذن الطبي بانتهاء مدته ، أو بالشفاء ، أو بالموت ، أو بانتفاء الأهلية عن صاحب الإذن كالجنون المطبق الذي لا يرجى بُرؤه .
8 ـ مسؤولية الطبيب تجاه الإذن الطبي : إذا كان الطبيبُ قد طبَّب مريضَه بإذنٍ معتبَرٍ شرعاً ونتج عن تطبيبه أضرار أو مضاعفات ( Complications ) فإن الطبيب لا يتحمل المسؤولية عنها ، إن كان قد طبَّبه على الوجه المتعارف عليه عند أهل الصنعة ، إلا إن كان المريضُ قد اشترط سلامةَ العاقبةِ ، فإن الطبيب يتحمل المسؤوليةَ في حال حدوث مضاعفات أو أضرار(8) ، أما إذا كان الطبيب قد طبَّبه بغير إذنٍ فإنه يتحمل مسؤولية تطبيبه ، حتى وإن لم يؤدِّ تطبيبُه إلى ضرر أو تلف ، كأن يجري لـه عملاً جراحياً يفيـده ، ولكنه غير ضروري ( انظر : طبيب )
إرث
الإرث ( Heredity ) : في اللغة الأمر القديم الذي يتوارثه اللاحق عن السابق ، والإرث انتقال الشيء من قوم لقوم آخرين ، والوراثة في الطب تعني انتقال الصفات الجسدية وربما النفسية من الوالدين إلى الأولاد .
ولعلَّ أول من كشف الأسس العلمية التي تتحكم بالوراثة في المخلوقات الحيَّة وأجرى تـجارب عليها هو النمساوي جريجوري مندل ( 1822ـ 1884م ) الذي لاحظ أن صفات نبات البازلاء تنتقل إلى النباتات المتولِّدة منه بنظام ثابت ، وبناءً على تلك الملاحظات وضع مندل القوانينَ التي عُرفت باسمه ( قوانين مندل ) ثم تعمَّق علماءُ آخرون في دراسة الظاهرة فكشفوا المزيد من الحقائق حول طبيعة الوراثة والقوانين التي تتحكم فيها ، ومع التقدم العلمي الذي حصل في حقل دراسة الخلية ( Cell ) تُوِّجَتْ بحوثُ الوراثة باكتشاف الجسيمات التي تحمل عوامل الوراثة وهي الصبغيات ( Chromrsomes ) التي تتوضع في نواة الخلية ( Nucleus ) ويختلف عددها في الخلية الواحدة من مخلوق لآخر ، فهي في الإنســـان ( 46 صبغيــاً ) مركبـــة مـــن الحمض النـــــووي منـزوع الأكسجيــن ( Deoxyribonucleic Acid , DNA ) الذي أميط اللثام عن تركيبه في العام 1953م من قِبَل العالِمين ( جيمس واطسون ، فرانسيس كريك ) وقد تبين أن الصفات الوراثية تتوضع في الصـبغيــات على هيئــة مورِّثـات أو جينـات ( Genes ) يقـــدر عددهــا في الإنســان بنحو ( 3 مليارات مورثة ) كل منها تمثل صفة من صفات الإنسان ، أو هي الأبجدية التي يتركب وفقها جسمُ الإنسان(1) !
وقد تمكن العلماء حتى الآن من اكتشاف الكثير من أسرار الشيفرة الوراثية ( Genetic Code ) لبعض الحيوانات والنباتات والإنسان ، وأصبحوا قادرين ـ بفضل الله عزَّ وجلَّ ـ على إحداث بعض التغييرات في الصفات الوراثيـة ( انظر : هندسة وراثية )
ولئن كان العلم قد أماط اللثام عن طبيعة الوراثة في العصر الحديث ، فإنَّ النبيَّ ـ بما أُوحى إليه ربُّه ـ قد أشار إلى اشتراك الوالدين بالتشكيل الوراثي للولد قبل أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان ، فقد سأل عبدُ الله بن سلام النبيَّ : ( مِنْ أيِّ شيءٍ يَنْزِعُ الولدُ إلى أبيهِ ؟ ومِنْ أيِّ شيءٍ ينزعُ إلى أخوالهِ ؟ فقال : وأما الشَّبَهُ في الولدِ فإنَّ الرجلَ إذا غَشي المرأةَ فسبقَها ماؤه كان الشَّبَهُ له ، وإذا سبقتْ كان الشَّبَهُ لها )(2)
بل ذهب النبيُّ إلى أبعد من هذا ففسر سبب اختلاف صفات الولد أحياناً عن صفات والديه ، وذلك في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه ، حيث قال : ( جاءَ رجلٌ من بني فَزارة إلى النبي فقالَ : إنَّ امرأتي وَلَدَتْ غلاماً أسودَ . فقالَ النبيُّ : هل لكَ مِن إبِلٍ ؟ قال : نعم . قال : فما ألوانُها ؟ قال : حُمْر قال : هل فيها مِنْ أَوْرَق ؟ قال : إنَّ فيها لَوُرْقَـاً . قــال : فأَنَّى أتاها ذلك ؟ قـال : عسى أن يكونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ . قال : وهذا عسى أن يكونَ نَزَعَهُ عرقٌ )(3) ، وفي هذا دليلٌ آخر على نبوَّته ، وهو شاهدٌ دامغٌ على أنه لا ينطق إلا عن وحي وتوجيه رباني حكيم ! ويفسر العلم الحديث هذا الاختلاف في الصفات الوراثية بتبادل المورثات بين الصبغيات خلال عملية الانقسام الخلوي ، فينتج عن ذلك صفات جديدة لم تكن موجودة في أي من الوالدين !
أحكام الإرث :
لقد عُني الإسلام عناية كبيرة بموضوع الإرث والوراثة ، لما يترتب عليه من حقوق للعباد ، وسوف نستعرض هنا أهم الأحكام التي تتعلق بهذا الموضوع ، مع التركيز على الأحكام التي لها علاقة بالممارسات الطبية ، وأما بقية الأحكام فيرجع إليها من أراد في مظانها من كتب الفقه :
1 ـ استحقاق الورثة للإرث : اتفق الفقهاء على أن الأبناء هم أحقُّ القرابة بالإرث ، ويليهم الوالدان ( والأب أقوى ولايـة من الأم ، ويقوم مقامَ الأبِ الجدُّ وإن عَلا ) ثم الإخوة الأشقاء ، ثم الإخوة لأب ، ثم بنو الإخوة الأشقاء ، ثم بنو الإخوة لأب ، ثم الأعمام الأشقاء ثم الأعمام لأب(4) ( انظر : أهلية )
ومن شروط استحقاق الإرث للورثة تحققُ موتِ الموروث ، ولهذا يجب على الطبيب أن يسجل وقت الوفاة بدقة ، وإذا كان يشرف على مريض يُحْتَضَر فعليه أن يُدَقِّق بملاحظة علامات الموت حتى إذا تيقَّن من الوفاة سجَّل التاريخ والوقت ( باليوم والساعة والدقيقة ) وذلك بالأرقام ثم بالأحرف زيادة في الاحتياط ، والهدف من هذه الاحتياطات هو حفظ حقوق الورثة ، لأنَّ الإرث كما قدمنـا ينتقل بموت الموروث إلى وارثه ، وليس من النادر أن يموت الوارث والموروث في وقت متقارب ، كما يحصل في حوادث السيارات والكوارث الجماعية ، وهذا يتطلب التدقيق لمعرفة من مات أولاً لأنَّ الذي مات ثانياً هو الذي يرث الأول ، ومن الثاني تنتقل التركة إلى ورثته لا إلى ورثة الأول .
2 ـ الإرث في الوفيات الجماعية : إذا مات جمع من الناس في وقت متقارب ولم يُعلم أيهم مات أولاً ؟ كما يحدث مثلاً في الكوارث وحوادث السيارات ونحوها ، فلا يرث بعضُهم من بعض وإنما يُجعل ميراثُ كلٍّ منهم لورثته الأحياء ، وذلك بناء على القاعدة التي تقول : ( إن الاستحقاق لا يثبت بالشك )(5)، وأما الذين عُرف زمن وفاتهم فإن المتوفى لاحقاً منهم يرث الذي مات قبله ، كما قدمنا .
3 ـ إرث الخنثى : بمــا أن الشـارع الحكيم جعل (( للذَّكَرِ مثلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن )) النساء 11 وبما أن الخنثى حالة مشتبهة بين الذكورة والأنوثة ، فقد يقع الإشكال في مقدار ما يورَّث للخنثى ، وخروجاً من الخلاف نرى أن يرجع في تقرير جنس الخنثى ( ذكر أم أنثى ؟ ) للمختصين من أهل الطب ، وبناء عليـه يحـدد نصيـب الخنثى مـــن الميـراث . ( انظر : خنثى )
4 ـ إرث الجنين : إذا مات الأبُ فإنَّ الجنينَ يعدُّ من جملة الورثة ، ولهذا يجب التوقف عن توزيع التركة حتى تضع الحامل حملها ، فإن وضعته حياً أخذ نصيبه من الميراث بحسب جنسه ( ذكر أم أنثى ) لقول النبي : ( إذا استهلَّ المولودُ وَرِث )(6) ، وفي روايـة : ( لا يرثُ الصبيُّ حتى يستهلّ صارخاً ، قال : واستهلاله أن يبكي ويصيح أو يعطس )(7) ، فإذا وُلِدَ ميتاً بغير جناية على أمه ، ولم يكن هناك دليل على حياته حين موت الأب ، فإنه لا يرث لأنَّ من شروط الميراث أن تتحقق حياةُ الوارثِ عند موت المورِّث .
وكذلك إذا نَزَلَ من بطن أمه بجناية عليها فلا يرث أيضاً عند جمهور الفقهاء لعدم وجود دليل على حياته حين الجناية ، وذهب الحنفية إلى أنَّه يرثُ لأنَّ الشَّارعَ اعتبره حياً قبـل الجنايــة إذ أوجب على الجاني الغرة . ( انظر : جنين ، حمل )
5 ـ إرث المفقود : وهو الذي انقطعت أخباره فإنه يعدُّ حياً في حقِّ مالِه فلا يوزع شيء من ماله ولا يرثه أحدٌ حتى يتبيَّن موتُه أو تمضي عليه مدة لا يحيا إلى مثلها ، بينما يعدُّ المفقودُ ميتاً في مال غيره فلا يرث هو من أحد(8) .
6 ـ إرث الأسير : إذا علم أنَّ الأسيرَ حيٌّ فإنَّه يرث وإن كان مايزال في أيدي الأعداء ، فإذا لم تُعلم حياتُه من مماته كان حكمه حكم المفقود(9).
7 ـ إرث ولد الزنى : الولد الذي يولد من الزنى يرث مـن جهة أمه ، ولا يرث من الزاني ، لأن نَسَبَهُ لأمِّهِ ثابتٌ ، أما نَسَبُهُ للزَّاني فلا يثبت حتى وإنْ أقرَّ الزاني ببُنُوَّتِهِ من الزنى ، لأن النسب نعمة فلا يترتب على الزنى الذي هو جريمة ، فإنْ لم يصرِّح بأنَّه ابنه من الزنى ، وكانت أم الولد غير متزوجة وتحققت شروط الإقرار ، ثبت نسبه منه ، حملاً لحال الرجل على الصلاح ، وعملاً بالظاهر ، وإذا مات أحدهما ( الأب أو الإبن ) ورثه الآخر ، وذهب إسحاق بن راهويه(10) ، وابن تيمية ، وغيرهما إلى ثبوت نسب ولد الزنى من الزاني كيلا يضيع نسب الولد أو يصيبه الضرر والعار بسبب جريمة لم يرتكبها هو ، والله تعالى يقرر في محكم تنزيله : (( ولا تَزِرُ وازرةٌ وِزْرَ أخرى )) سورة فاطر 18 ، وعليه يثبت التوارث بينهما ، واتفق الفقهاء على أن ولد اللعان لا توارث بينه وبين المُلاعِن(11).
8 ـ الهندسة الوراثية : إن البحوث والتجارب والتطبيقات العملية التي تجرى في حقل الهندسة الوراثية وما شابهها من علوم تتعلق بالوراثة يجب أن تخضع للضوابط الشرعية ، وأن تكون تحت إشراف هيئة شرعية علمية متخصصة ، لما تنطوي عليه من محاذير صحية ، ولما يترتب عليها من أحكام شرعية عديدة ( انظر : بحث علمي ، هندسة وراثية )
9 ـ البصمة الوراثية ( Genetic Print ) : لقد كشفت تقنية الهندسة الوراثية أن لكل إنسان بصمة وراثية مميزة لا تشبه أية بصمة وراثية لأي مخلوق بشري آخر ، وأن هذه البصمة أكثر دقة من بصمة الإصبع ( Fingerprint ) التي تُعتمد عادة في القضايا الجنائية ونحوها ، لأن البصمة الوراثية لا تدلُّ على الشخص نفسه فحسب ، بل تدل أيضاً على صلته الوراثية بوالديه ، وبهذا تكون البصمة الوراثية أكثر فائدة في قضايا الطب الشرعي ، ولاسيما منها قضايا النَّسَب ونحوها مما يتعلق بالوراثـة .. وبما أن البصمة الوراثية قد أصبحت إحدى العلامات اليقينية للدلالة على شخصية الإنسـان ، فلا نرى مانعاً من الوجهة الشرعية لاعتمادها في القضايا التي تتعلق بالوراثة ، باعتبارها قرينة قوية يُعتدُّ بها .
10 ـ الوراثة والأمراض النفسية : مازالت علاقة الوراثة بالتكوين النفسيِّ للإنسان مَحَلَّ دراسة ونظر من قبل الباحثين ، ويعتقد بعضُهم أنَّ الإنسان كما يُبَرْمَجُ جسديَّاً منذ لحظة التقاء نطفة الأب مع بييضة الأم داخل الرحم فإنه كذلك يبرمج نفسياً ، وذلك من خلال الصيغة الصبغية التي يكتسبها من أبويه ، وهذا يعني ـ بزعم هؤلاء ـ أنَّ سلوكَ الإنسانِ محكومٌ بعوامل وراثيَّة مفروضة عليه منذ بداية خلقه ، ومادام لا حيله له بتغيير هذه التركيبة الوراثية فكيف إذن يحاسب على ما يفعل ؟ فنقول لهؤلاء : إنَّ هذا الاعتقاد لم يثبت علمياً بعدُ ، وجميع النظريات التي طرحت حوله مـازال يعوزها الدليـل العلميُّ القاطـع ، وهي في الغالـب نظريــات منحـازة ذات صبغـة ذاتية ( Subjective ) بـل هي بعيدة كل البعد عـن الموضوعية ( Objective ) وكثيراً ما توظَّف لمناصرة بعض المذاهب الفكرية أو العنصرية المخالفة للشرع ! وهذا يتطلب من الباحثين المسلمين المزيد من البحث والدراسة لما يترتب عليه من أمور تتعلق بحرية الإنسان في الاختيار بين الخير والشر ، ومدى مسؤوليته الدنيوية والأخروية ؟ ( انظر : بحث علمي ، نفس )
استحاضـة
الاسْتِحاضَةُ : سـَيلان الدَّمِ من المرأة في غير أوقاته المعتادة ، فهو دَمُ غير دم الحيض الذي يعاودُ المرأة مرةً واحدةً في كلِّ شهرٍ قمريٍّ ، وهو أيضاً غير دم النفاس الذي تراهُ المرأةُ بعد الولادة ( انظر : حيض ، نفاس ) وقد يتَّصل دمُ الاستحاضة بالحيض أو بالنفاس وقد لا يتصل بهما ، ويتميز دَمُ الاستحاضة من دم الحيض بالصفات المبينة في الجدول أدناه .. وبما أنَّ دمَ الاستحاضةِ ينتج غالباً عن علَّةٍ مَرَضِيَّــةٍ ، كاضطـراب الهرمونـات أو الأورام ( Tumors ) أو غيرها من الآفات التي قد يكون بعضها خطيراً ، فإننا ننصح المرأة باستشارة طبيبتها عند رؤيتها لأيِّ دمٍ غير معتاد ، من أجل تحديد منشأ هذا الدم ، وهل هو دمُ حيضٍ أم دمُ استحاضةٍ ؟ ومعالجة الأسباب المرضيَّة إن وجدت ، وبيان الحكم الشرعي في الحالة .
دم الاستحاضـة دم الحيـض
- ليس لـه وقـتٌ معلومٌ . - أحمر ، رقيق ، لا رائحـة له ، قابلٌ للتخثُّر ( Coagulation ) - يَصْدُرُ عن الرحم أو عن غيره من الأعضاء التناسلية في المـرأة . - يسميه الفقهاء دماً فاسداً لأنه ينتجُ عن علَّةٍ مَرَضِيَّةٍ غالباً . - يُعاود المرأةَ بصورة دوريَّة في أوقاتٍ معلومةٍ ما بين البلوغ إلى سنِّ الإياس . - أســود ، ثخيـن ، منتـن الرائحـة ، لا يتخثَّـر . - يصـدر عـن بطانـة الرحـم . - يسمِّيه الفقهاء دمـاً صحيحاً ، لأنـه ظاهرةٌ فِطْرِيَّةٌ طبيعية تصيب النساء .
أحكام الاستحاضة :
نظراً لكثرةِ الالتِباسِ الذي يحصل لدى النساء في التمييز ما بين دَمِ الاستحاضةِ ودَمِ الحيضِ وكثرة ما يعتري الحيضَ من اضطرابات وتفاوتٍ في المدة والمقدار والطبيعة من امرأة لأخرى ، فإنَّ أحكامَ الاستحاضةِ تُبنى على الاحتياط ، ونورد فيما يأتي هذه الأحكامَ مجملةً ، مقتصرين على الأحوال الأكثر شيوعاً التي يكثر السؤالُ عنها فقهياً وطبياً من قبل النساء :
1 ـ استحاضة المبتدئة بالحيض : وهي المرأة التي تحيض للمرة الأولى في حياتها ويستمرُّ الدَّمُ بها على غير عادة النساء ، وفيه أقوال(1) :
* مذهب الحنفية : يقدرُ حيضُها من أول الدَّم ( 10 أيام ) وطهرها ( 20 يوماً ) ثم ذلك دأبها ، إلى أن ترى دماً وطُهراً صحيحين كعادةِ أكثر النساء .
* مذهب المالكية : إذا استمر الدم بالمبتدئة فإنها تتربَّص بنفسها ( 15 يوماً ) تعتبرها حيضاً ثم تُعتبر مستحاضةً بعد ذلك فتغتسل وتصلي وتصوم .
* مذهب الشافعية : إن كانت المبتدئةُ مُمَيِّزَةً لما تراه ، بأن ترى في بعض الأيام دماً قوياً وفي بعضها دماً ضعيفاً ، أو في بعضها دماً أسودَ وفي بعضها دماً أحمرَ ، فالدمُ القويُّ أو الأسود حكمه حكم الحيض والدمُ الضعيف أو الأحمر حكمه حكم الاستحاضة ، بشرط أن لا تنقص مدَّةُ الدَّمِ الأسود أو القويِّ عـن أقـلِّ مدَّة للحيض ( يوم وليلة ) ولا تتجاوز أطول مدة للحيض ( 15 يوماً ) حتى لو رأت يوماً وليلة دماً أسود ثم اتصل به الضعيف وتمادى سنين كان طهراً حتى وإن رأت الدمَ دائماً ، لأن أكثر الطهر لا حدَّ له عندهم .. أما إن كانت المبتدئة غير مميِّزة بأن كانت ترى الدَّم بصفة واحدة أو بصفات مختلفة ، فحكمُها حكمُ المُتَحَيِّرة الذي سيأتي بيانه بعد قليل ، أما إذا استطاعت أن تميِّزه فالأظهر أنَّ حيضَها يومٌ وليلةٌ من أول الدَّم إن كان ضعيفاً لأن ذلك هو المتيقن وما زاد فهو مشكوك فيه لا يحكم بأنَّه حيض ، وطهرها في هذه الحال ( 29 يوماً ) تتمة الشهر
* مذهب الحنابلة : إذا كانت المبتدئةُ مميزةً لما تراه من الدَّمِ عَمِلَتْ بتمييزها ، علماً بأن مدة الحيض عندهم لا تنقص عن يوم وليلة ولا تزيد عن خمسة عشر يوماً ، أما إن كانت غير مميزة فإنها في الشـهر الأول والثاني والثالث تعتبر حيضَها يوماً وليلة ثم تغتسل وتفعل ما تفعله الطاهرات ، أما في الشهر الرابع فتنتقل إلى غالب مدة الحيض في النساء ، وهو ستة أيام أو سبعة باجتهادها وتحرِّيها .
2 ـ استحاضة المبتدئة بالحمل : والمبتدئة بالحمل هي المرأة التي حملت قبل أن تحيض الحيضةَ الأولى في حياتها ، فهي لا تعرف بعدُ مدة حيضها ولا صفات دم الحيض ، ولذلك ذهب الحنفيـة والحنابلـة إلى أنها إذا مـا ولدت واستمر بها دم النفاس فلم تَرَ طُهْراً صحيحاً بعد ولادتها بأربعينَ يوماً فيكون طهرها بعد الأربعين ( 20 يوماً ) ثم يكون حيضها ( 10 أيام ) وطهرها ( 20 يوماً ) ويبقى هذا هو دأبُها مادامت ترى الدم .. أما عند الشافعية والمالكية فما زاد عن ( 60 يوماً ) بعد الولادة فهو استحاضة ، وفرَّقوا بين المميزة لما ترى وغير المميزة كما في الحيض ( انظر : حيض ، نفاس ) وأما من الوجهة الطبية فننصح بمراجعة الطبيب المختص في كل حالة يستمر فيها الدم أطول من المعتاد ، لأنه ينتج في الغالب عن أسباب مرضية .
3 ـ استحاضة المعتادة : وهي المرأة التي تعرف مدَّةَ عادتها الشَّهريَّة ، ووقْتَ حيضها وعددَ أيامها ، وفيه أقوال(2) :
* مذهب الحنفية : إذا رأت المرأةُ ما يوافق عادتَها من حيث المدَّة وأوصاف الدَّم ، فإنَّ ما تراه في أيام عادتها يعدُّ حيضاً ، وما جاوَزَهُ فهو استحاضة .
* مذهب المالكية : إذا رأت المرأةُ دماً على صفةٍ غير ما اعتادته في حيضها ، فإنها تبقى أيامَها المعتادة وتحتاط بثلاثة أيام ، ثم تكون مستحاضة بعد ذلك ، أما إنْ رأت دماً تستطيع تمييزه إن كان دم حيض أم لا ، فإنها تعمل بتمييزها ، وإذا انقطع عنها الدَّمُ ثمَّ عاودها قبل طهرٍ تامٍّ فإنها تكمل مدَّةَ عادتها .
* مذهب الشافعية : وفيه قولان ، الأول أنها إن رأت دماً لا تستطيع تمييزه ، وسبق لها حيضٌ وطهرٌ وتعلم أيَّامَ حيضها وطهرها قَدْراً ووقتاً فإنَّها تُرَدُّ إليهما ، والعادة عندهم تثبت بمرَّةٍ واحدةٍ ، أما المعتادة المميِّزة فتعمل بالتمييز لا بالعادة ، فلو كانت عادتُها خمسةَ أيَّامٍ ثمَّ استحيضتْ فرأت عشرةَ أيَّامٍ دماً أسودَ ثمَّ استمرَّ بها دمٌ أحمرُ ، فحيضُها العشرة وما يليه استحاضة . والقول الثاني أنها تعمل حسب عادتها ، فيكون حيضُها خمسةَ أيَّامٍ في هذا المثال .
* مذهب الحنابلة : المميـِّزة التي تعرف أوصاف دمِ الحيض ولكنها لم تعتد عادةً محدَّدةً ، فإنَّ حيضَها هو زمنُ الدَّمِ الأسود أو الثَّخين أو المنتن ، فإذا تغيَّرتْ أوصافُهُ وعاد دماً طبيعياً فهي مستحاضة .. أما التي لها عادة معروفة ولكنَّها لا تميِّز مابين دم الحيض وغيره ، فإنها تجلس أيـامَ عادتـها ثمَّ تعدُّ مستحاضة بعد ذلك ، وأما التي لها عادة وتمييز فتعمل بهما .
4 ـ استحاضة من ليست لها عادة معروفـة : وهي المرأة التي لم يكن لها عادةٌ معروفةٌ في الحيض بأن كانت ترى مثلاً : شهراً ستَّةَ أيَّامٍ وشهراً سبعةَ أيَّامٍ ، ثمَّ استمرَّ بها الدَّمُ ، فإنَّها تأخذ في حقِّ الصَّلاةِ والصَّومِ بالأقلّ ( أي يكون حيضُها ستَّةَ أيَّامٍ وما زاد عليه فهو استحاضة ) وتأخذ في حقِّ انقضاء العِدَّة وجواز الوطء بالأكثر احتياطاً ( أي يكون حيضُها سبعةَ أيامٍ وما زادَ عليه فهو استحاضةٌ )
5 ـ استحاضة المُتَحَيِّرة : وهي التي نسيت عادتـَها قدراً ووقتاً ، وقد تحصل الحيرة للمرأة في الحيض أو في النفاس ( انظر : حيض ، نفاس ) واستحاضة المتحيرة في الحيض ترجع إلى استمرار الدم بالمرأة بعد أن تكون قد نسيت عادتها فيه ، وكذلك استحاضة النفساء .. وللمتحيرة صور كثيرة جداً ، وجميع أحكامها تُبنى على الاحتياط ، ولهذا يجدر بالمرأة المسلمة أنْ تحفظ عادتَها زمناً وعدداً كيلا تقع في مثل هذا الحَرَج ، وبالإجمال إذا استطاعت المتحيرة تمييز صفات الدم كما قدمنا من أقوال الفقهاء فإنها تعمل بتمييزها ، وإذا لم تستطع فعليها أن ترجع إلى أهل العلم من الفقهاء والأطباء للسؤال عن حالتها .
6 ـ استحاضة الحامل : من المعلوم طبياً أن المرأة الحامل لا تحيض طوال مدة الحمل ، وذلك بسبب التغيرات الهرمونية التي تحصل في جسمها من جرَّاء الحمل ، إلا أنَّ بعض النسـاء قد يرين بعض الدَّمِ خلال فترة الحمل أو قُبيل المخاض والولادة ، لأسباب عارضة ، أو أسباب مرضية ، كأن تكون المشيمة منزاحة ( Placenta Praevia ) أي متوضعة في الأسفل عند عنق الرحم ، ففي مثل هذه الحالات تصاب الحامل غالباً بنزيف متكرر خلال الحمل فيلتبس عليها أمره ، فإذا نزفت في البداية قبـل أن تظهر علامـات الحمل عليهـا ظنته حيضـاً ، وإذا نزفت في أواخر الحمل ظنته من علامات المخاض أو النفاس .. وقد ذهب الفقهاءُ في الحكم على الدَّمِ الذي تراه المرأة أثناء الحمل إلى ما يأتي(3) :
* مذهب الحنفية: أنَّ الدَّمَ الذي تراهُ الحاملُ هو دم استحاضة ، وكذلك الدم الذي تراه حال المخاض وقبل خروج أكثر الولد .
* مذهب الحنابلة : أن الدم الذي تراه الحامل خلال فترة حملها هو دم استحاضة ، وأما الدَّمَ الذي تراه قبل الولادة بيومين أو ثلاثة فهو دم نفاس ، ولكنه لا يعدُّ من مدة النفاس ، لأن النفاس عندهم يبدأ من خروج الولد ( انظر : نفاس )
* مذهب الشافعية : أن ما تراه الحامل من دمٍ أثناء حملها هو حيضٌ في حقِّ تَرْكِ الصَّلاةِ والصَّومِ وحُرْمَةِ القُرُبات ، لا في حقِّ العِدَّةِ لأنَّ عِدَّةَ الحامل لا تنقضي إلا أنْ تَضَعَ حملَها .
* مذهب المالكية : أن الدم الذي تراه الحاملُ أثناء حملها يعتبر حيضاً ، ويترتب عليه ما يترتب على الحيض من أحكام ، وإذا ما اســتمرَّ الـدَّمُ نـازلاً منـها كان أكثـرُ حيضــها ( 20 يوماً ) وما زاد فهو استحاضة ، وأما الدَّم الذي تراه بعد الشهر الخامس من الحمل فيعدُّ حيضاً حتى ( 30 يوماً ) وما زاد عن ذلك فهو استحاضة .
ونرى من الوجهة الطبية أن يُجرى للمرأة اختبارُ الحملِ ( Pregnancy Test ) الذي يمكن أن يكشف عن وجود الحمل في وقتٍ مبكِّرٍ من الحمل ، وبهذا يزول اللَّبْسُ ، ويتبيَّن حالُ المرأة إن كانت حاملاً أم لا ، فإن كانت حاملاً فعلاً فالأصحُّ أن ما تراه من دمٍ أثناء الحمل هو دم استحاضة وليس دم حيض لأن الحامل لا تحيض كما قدمنا ، وأما ما تراه الحامل قبيل الولادة بيوم أو يومين فهو أيضاً دم استحاضة وليس دم نفاس ، لأن النفاس يبدأ بعد الولادة لا قبلها ( انظر : حمل ، نفاس )
7 ـ استحاضة النفساء : عند الحنفية إذا كانت عادة المرأة في النفـاس ( 40 يوماً ) فالزيادة استحاضة وإن كانت عادتها في النفاس دون الأربعين ثمَّ استمرَّ بها الدَّمُ فما زاد عن عادتها فهو نفاسٌ أيضاً حتى الأربعين ، وما زاد عن الأربعين فهو استحاضة ، وعند المالكية والشافعية النفاس ( 60 يوماً ) وما زاد عليه فهو استحاضة .. وعند الحنابلة إذا زاد دمُ النفاسِ عن ( 40 يومـاً ) وأمكن اعتباره حيضاً من حيث صفاته المعروفة فهو حيضٌ ، وإلا فهو استحاضة(4).
وأما من الوجهة الطبية فالأرجح أن أقصى مدة سوية للنفاس ( 6 أسابيع ) وما زاد عليها فهو استحاضة ، ويغلب أن يكون سببه احتباس بقايا المشيمة والأغشية داخل الرحم ، أو نتيجة وهن الرحم عن الانقباض الكافي لحبس الدم ، أو غير ذلك مما يستدعي مراجعة الطبيب لتشخيص أسبابه وعلاجه(5). ( انظر : نفاس )
8 ـ الاستثفـار : أو التَّعصيب ، هو الاحتياطُ لمنع انتشار الدَّم ، ويكون باستعمال رباطٍ أو حَشْوَةٍ أو خرقة أو نحوها من الأنواع التي باتت منتشرة في الأسواق هذه الأيام ، فإذا نفذت البلَّةُ أو ظَهَرَ الدَّمُ على جوانبها أو أُخرجت المرأةُ الحشوةَ المبتلَّة انتقض وضوؤها ، وعليها أن تغسل الموضعَ وتشدَّه أو تحشوه ثمَّ تجدِّد وضوءها ، ويستثنى من وجوب الحشو أن تتضرَّر منه ، أو أن تكون صائمةً فتترك الاحتشاءَ نهاراً من باب الاحتياط لئلا يفسد صومُها ، هذا عند الذين قالوا بفساد الصوم من دخول شيء في الفرج ( انظر : صوم ) وإذا ما احتاطت المستحاضةُ وتَعَذَّرَ عليها ردُّ الدَّمِ واستمرَّ وقتَ صلاةٍ كاملٍ فهي معذورةٌ ، مادامت لا تستطيع ردَّهُ حتى وإن تَلَوَّثَ لباسُها(6).
9 ـ طهارة المستحاضـة : الاستحاضةُ حَدَثٌ أصغر كالرعافِ أو السَّلَسِ ، وحكم المستحاضة حكم الطاهرات في وجوب العبادات من صوم وصلاة وغيرها ، فإذا انقضى حيض المرأة أو نفاسها وحُكِم بأنها مستحاضة وجب عليها أن تغتسل غُسلها للحدث الأكبر ، ثم تتوضأ لكل فرض مادامت مستحاضة ، ويجوز لها أن تصلي بذلك الوضوء ما شاءت من الفروض والنوافل ( انظر : صلاة ، غُسل )
فإذا انقطع دمُ المستحاضة انقطاعاً محقَّقاً زالت عنها حالةُ الاستحاضة .. وعند الشافعية : إذا حصل هذا بعد صلاتها فصلاتُها صحيحة ، لكن تبطل طهارتها فلا يجوز لها أن تصلي إلا أن تجدِّد وضوءها أما إذا زالت عنها حالةُ الاستحاضة قبلَ الصَّلاة وكانت متوضئةً فإنَّ طهارتها تبطل وعليها أن تجدِّد الوضوء ، وأما إذا زالتُ عنها حالةُ الاستحاضة وهي في صلاتها فإنَّ طهارتها وصلاتها تبطلان وللحنابلة أقوال قريبة من هذا .. أما الحنفية فلم يُفَصِّلوا هذا التفصيلَ لأنهم يعدُّونَها معذورةً لوجود العذر في الوقت ولو للحظة .. وعند المالكية هي طاهرةٌ حقيقةً فلا عبرة عندهم لزوال حالة الاستحاضة عنها(7).
10 ـ وطء المستحاضة : ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز الجماع في الاستحاضة ، لما رواه عكرمة عن حمنة بنت جحش رضي الله تعالى عنهـا : ( أنَّها كانـتْ مُستحاضـةً وكانَ زوجُها يجامعُها )(8) ، أما الحنابلة فلم يروا إباحته إلا إذا كان يخاف العَنَتَ من الامتناع عن الجماع(9)، وقد وردت بعض الآثار التي تنفِّر من الوطء في الاستحاضة ، منها ما رواه وهيب عن خالد قال : ( كان محمد يكره أن يغشى الرجلُ امرأتـَه وهي مستحاضة )(10)
ونحن نميل من الوجهة الطبية لرأي الحنابلة في هـذه المسألة ، لأن دم الاستحاضة ينتج في أغلب الحالات عـن علَّةٍ مرضـيَّةٍ ، مثل الخَمَج ( Infection ) أو الورم ( Tumor ) أو غيره ، ولا يخلو الوطء في هذه الحالات من أضرار صحية للزوجة ، وربما للزوج أيضاً ! كما أن وجود الدم يجعل الوسط داخل المهبل والرحم أكثر ملائمة لنمو الجراثيم المرضية وتكاثرها ، مما يُعرِّض المرأة لمخاطر الالتهابات !
ولهذا ننصح بتجنب الوطء في الاستحاضة ، وبخاصة أن اللَّبس ما بين الحيض والاستحاضة كثيراً ما يحصل ، وهذا ما يجعل اجتناب الوطء أولى .. والله تعالى أعلم .
استشارة طبيـة
الاسْتِشَارَةُ الطِّبِّيَّةُ( Consultation Medical ) : هي ما يحصل من تشاور بين الأطباء ، بهدف استجلاء التشخيص للحالة المرضيَّة المعروضة عليهم ، أو الوصول إلى أفضل خطة لعلاجها .
أحكام الاستشارة الطبية :
1 ـ مشروعية الاستشارة : الاستشارةُ مندوبةٌ في كلِّ الأمور ، لعموم قوله تعالى : (( وشاورْهُم في الأمْرِ فإذا عَزَمْتَ فتوكَّلْ على اللهِ إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلينَ )) سورة آل عمران 159 ، وقد كان النبيُّ كثيرَ المشاورة لأصحابه على الرغم مما هو عليه من فِطْنَةٍ وحكمةٍ ورجاحةٍ في العقل ، فوق أنه يُوحى إليه ، وذلك لأنَّ المشاوَرَةَ كثيراً ما تُنير جوانبَ جديدة من المسألة المعروضة للمناقشة لم تكن معلومة من قبل ، أو لم تخطر على البال !
2 ـ الاستشارة والاستخارة : والاستخارة هي طلب الاختيار ، أي طلب صرف الهمة لما هو مختار وما هو أولى عند الله عزَّ وجلَّ(1) ، والاستخارة سنة مستحبة ، وتكون بالصلاة والدعاء ، لما ورد عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه ، حيث قال : ( كان النبي يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن ، يقول : إذا هَمَّ أحدُكم بالأمرِ فليركعْ ركعتين من غير الفريضة ، ثم ليقلْ : اللهمَّ إنِّي أستخيرُك بعلمك ، وأستقدرُك بقدرتك ، وأسأَلُك من فضلك العظيم ، فإنَّك تقدرُ ولا أقدرُ وتعلمُ ولا أعلمُ ، وأنتَ عـلامُ الغيوب . اللهمَّ إنْ كنتَ تعلمُ أنَّ هـذا الأمرَ خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ، أو قال في عاجل أمري وآجله ، فاقدره ويسره لي ، ثم بارك لي فيه . اللهمَّ وإن كنتَ تعلمُ أن هذا الأمرَ شرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ، أو قـال في عاجـل أمـري وآجله ، فاصرفه عني ، واصرفني عنه ، واقدرْ لي الخيرَ حيث كان ثم رضِّني بـه ، ويُسَمِّي حاجته )(2) ، وتجوز الاستخارة بالدعاء فقط من غير صلاة .. والحكمة من الاستخارة أنها تعبر عن تسليم المؤمن أمره لله عزَّ وجلَّ ، وقد اتفق الفقهاء على أن الاسـتخارة تكون في الأمـور التي لا يدري العبدُ الصوابَ فيها ، كالإقدام على إجراء عملية جراحية مثلاً ، أو الإقدام على إجراء تجربة طبية ، وغيرها .
ويستحبُّ للعبد قبل الاستخارة أن يستشير فيما عزم عليه أهل العلم والخبرة ، لأن الطمأنينة إلى قول المستشار أقوى منها إلى النفس لغلبة حظوظها وفساد خواطرها ، وأما لو كانت نفسه مطمئنة صادقة ، إرادتها متخلية عن حظوظها ، قدَّم الاستخارة .
وأما علامات قبول الاستخارة فهي انشراح الصدر ، لقول النبي يا أنس ، إذا هممتَ بأمرٍ فاستخر ربَّكَ فيه سبع مرات ، ثم انظر إلى الذي يسبق إلى قلبك فإنَّ الخيرَ فيه )(3) ، وأما علامات عدم القبول فهي أن يُصرف الإنسانُ عن الأمر ، لنصِّ الحديث المتقدم عن جابر ، أي أن لا يبقى قلبه بعد صرف الأمر عنه معلقاً بـه(4).
3 ـ الاستشارة الطبيـة : الاستشارة في الطب أمرٌ لا غنىً عنه في كثير من الحالات ، لأنَّ الطبيب مهما كان خبيراً في اختصاصه فإنَّه لا يستطيع الاستغناء عن استشارة زملائه ، سواء كانوا من الاختصاص نفسه أو من اختصاصات أخرى ، وذلك بسبب التَّنَوُّع الكبير في الحالات المرضية ، وما استجدَّ في الطب من اختصاصات عديدة جداً ، ولأن العلوم الطبية قد توسَّعتْ توسُّعاً هائلاً حتى أصبح الطبيب غير قادر أن يقطع برأيه منفرداً في كثير من الحالات ، وقد كان أطباؤنا الأوائل حريصين على الاستشارة الطبية حتى إنهم كانوا ينصون عليها في التراخيص ( License ) التي كانوا يمنحونها للأطباء بعد تأهيلهم لمزاولة الطب ، ومن ذلك مثلاً هذه الصيغة التي كانت سائدة في العصر العباسي(5)، ونورد نصها فيما يلي :
بسم الله الرحمن الرحيم
(( بإذن الباري العظيم نسمح لـ …………… بممارسة فن الجراحة ، لما يعلمه حقَّ العلم ، ويتقنه حقَّ الإتقان ، حتى يبقى ناجحاً وموفقـاً في عمله ، وبناءً علـى ذلـك فـإن بإمكانـه معالجة الجراحات حتى تشـــفى ، وفتـح الشـرايين واسـتئصال البواسـير ، وخلع الأسـنـان ، وخياطة الجروح ، وخـتان الأطـفال ، وعلـيه أن يتشاور دومـاً مع رؤســائـه ، ويأخـذ النُّصـح مـن معلميه الموثوق بهـم وبخبرتهـم ))
2 ـ آداب الاستشارة الطبية : على الطبيب الذي يُستشار في قضية طبية أن يكون ناصحاً أميناً لمرضاه لقول النبيِّ : ( الدِّينُ النَّصيحَةُ ، قالوا : لِمَنْ ؟ قالَ : للهِ ولكتابِهِ ولرسولِهِ ولأَئِمَّةِ المسلمينَ وعامَّتِهم )(6) ، وقوله أيضاً : ( المُسْتَشارُ مُؤْتَمَنٌ )(7)
ويجب على الطبيب المعالِج استشارة أهل الاختصاصِ إذا رأى ضرورة لذلك ، حرصاً على مصلحة المريض ، وحمايةً لنفسه من المساءَلة على التَّقصير إذا كانت الحالة تحتاج فعلاً لاستشارة طبية من طبيب آخر صاحب اختصاص أو خبرة لا تتوفر في الطبيب الأول .
ولا يجوز للطبيب المعالِج أن يمنع المريضَ من استشارة زميل آخر ، لأنَّ مشورة الطبيب الأول غيرُ مُلْزِمَةٍ للمريض لا شرعاً ولا قانوناً ، وإذا ما اقتنع الطبيبُ بضرورة هذه الاستشارة وَجَبَ عليه أن يختار للمريض أفضل الزُّملاء ليستشيره ، أما إذا قَدَّر الطبيبُ الأول أنَّ الاستشارة غير ضرورية ، أو اختلف مع الطبيب الآخر في الرأي ، فإنَّ من حقِّ الطبيب الأول أن يعتذر عن متابعة علاج المريض ، لأن الطبيب ـ بالمقابل ـ غير مُلْزَمٍ باستشارة الطبيب الآخر ، وغير ملزم أيضاً باتِّباع مشورته(8) ، ويحسن أن يتشاور الأطباءُ بعيداً عن المريض وعن ذويه ، لأنَّ تبادل الرأي والاختلاف الذي يحصل عادةً عند التشاور قد يوقع الشكَّ أو سوءَ الظَّنِّ في نفس المريض أو ذويه ، وقد يدفعهم إلى رفض نتائج الاستشارة .
إسراف
الإسْرافُ : هو تَجاوُزُ حَدِّ الاعتدالِ ، أو صـَرْفُ الشَّيءِ زيادةً على ما ينبغي ، كأن يُسْرِفَ الإنسانُ بالأكل حتى يُصاب بالتُّخْمَةِ وعُسْرِ الهضم .. والإسراف قريب من التَّبذير ، إلا أنَّ التَّبذير هو صَرْفُ الشَّيءِ فيما لا ينبغي ، كأن يصرف الإنسانُ مالَهُ في الحرام . وقد رأينا أن نتناول هذا الموضوع هنا لأن للإنسان بعض الممارسات التي يؤدي الإسراف فيها إلى أضرار بليغة على صحته .
أحكام الإسراف :
1 ـ الإسراف في الحلال : الإسراف مذموم حتى وإن كان في الحلال ، وقد ورد ذمُّ الإسرافِ والنَّهْي عنه في العديد من الآيات والأحاديث ، منها قوله تعالى : (( وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفينَ )) سورة الأعراف 31 ، ومنها ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه : ( أنَّ رسولَ اللهِ مرَّ بسعدٍ وهو يتوضَّأُ ، فقال : ما هذا السَّرَفُ ؟! فقالَ : أفي الوضـوء إسراف ؟! قـالَ : نعم ، وإن كنتَ على نهرٍ جار )(1) ، ونظراً لما ينطوي عليه الإسراف من تفريط بالنعمة ، ولما قد ينجم عنه من أضرار صحية وغير صحية ، فقد نهى الشارع عنه ، وأمر بالاعتدال في كل الأمور ، فلا إسراف ولا تقتير حتى في الطاعات ، لقوله تعالـى فـي صـفـات المؤمنيـن المتقيـن : (( والذينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفوا وَلَمْ يَقْتُروا وكانَ بينَ ذلكَ قَواماً )) سورة الفرقان 67 ، ولما رواه أنس رضي الله تعالى عنه : ( جاءَ ثلاثةُ رهطٍ إلى بيوتِ أزواجِ النبيِّ يَسألونَ عن عبادةِ النبيِّ ، فلما أُخبروا كأنَّهم تَقَالُّوها فقالوا : وأينَ نحنُ مِنْ النبيِّ ؟ فقد غَفَرَ اللهُ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وما تأخَّرَ . قالَ أحدُهم : أمَّا أنا فأنا أُصَلّي الليلَ أبداً . وقالَ الآخرُ : أنا أصومُ الدَّهْرَ ولا أُفطِرُ . وقالَ آخرُ : أنا أعتزلُ النِّساءَ فلا أتزوَّجُ أبداً . فجاءَ رسولُ الله فقالَ : أنتم الذين قلتُم كذا وكذا ؟ أما واللهِ إنّي لأخشاكمْ لله ، وأتقاكم له ، لكنّي أصومُ وأُفطرُ ، وأُصلّي وأَرقُدُ ، وأَتزوَّجُ النساءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عن سنَّتي فليسَ منّي )(2) ، ففي هذه النصوص من الكتاب والسنة نهيٌ صريحٌ عن الإسراف حتى في الطاعات والمباحات ، وفيه أيضاً توجيه حكيم للاقتصاد والاعتدال ، فإنَّ النبيَّ كان يدرك ـ بما حَبَاهُ اللهُ عزَّ وجلَّ مـن حكمة ـ أن الإسراف وإن كان في الطاعات فإنَّهُ قـد يُفضي بصاحبـه إلى المَلَلِ ولـو بعد حينٍ ، وربَّما تَرَكَ الطَّاعَةَ من أصلها ! وجاء في الحديث الآخر الذي يرويه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه : ( قال لي النبيُّ ألم أخْبَرْ أنَّكَ تقومُ الليلَ ، وتصومُ النَّهارَ ؟ قلتُ : إنّي أفعلُ ذلك ! قالَ : فإنَّكَ إذا فعلتَ ذلك هَجَمَتْ عينُكَ وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ ، وإنَّ لِنَفْسِكَ حَقَّاً ، ولأهلكَ حَقَّاً فَصُمْ وأفْطِرْ ، وَقُمْ وَنَمْ )(3) ، هجمت عينك : غارَتْ . ونفهت نفسك : تعبت وكَلَّت . وفي رواية أخرى قال : ( .. فإنَّ لزوجِكَ عليكَ حَقَّاً ، ولزَوْرِكَ عليكَ حَقَّاً ، وَلِجَسَدِكَ عليكَ حَقَّاً )(4) زورك : أي الضيوف الذين يزورونك .
2 ـ الإسراف في الحرام : ومـن الإسـراف ارتكابُ المُحَرَّماتِ قليلها وكثيرها ، لأنه تجاوز لما أمر الله بـه ، وهو نوع من الجَوْر ضريبتُهُ باهظةٌ ، ويكفي أن نتذكر هنا ما يجرُّه الزنى مثلاً على الأفراد والمجتمعات من كوارث ، وخرابٍ للبيوت ، وانتشار رهيب للأمراض الجنسية ، لكي ندرك الحكمة من اعتبار هذه المحرمات إسرافاً ، سواءٌ قَلَّتْ أم كَثُرت ! ( انظر : جنس ، زنى ، لواط ، سحاق ، مخدر .. )
وقد استثنى الفقهاءُ ارتكابَ المحرَّم في حال الاضطرار أو الإكراه فلم يعدُّوه من الإسراف المنهيِّ عنه ، كأن يضطرَّ الإنسانُ للأكل من طعام محرَّم ، أو يُكْرَهُ على فعلٍ محرَّم ، لكنهم اشترطوا في حال الضرورة أن يكون بمقدار الحاجة ودون إسراف ، وفي حال الإكراه وضعوا شروطاً عـدة ( انظر : رخصة رفع ، الحرج ، ضرورة )
3 ـ الإسراف بالعقوبـات : لا يجوز الإسراف في العقوبات ، من قصاصٍ أو حدٍّ أو ديات ، لأنها عقوبات مُقَدَّرة في الشَّرع فلا يصحُّ تجاوزها ( انظر : حدّ ، دية )
4 ـ الإسراف المفضي للمرض : هناك أمور كثيرة من المباحات التي يؤدي الإسراف فيها إلى الضرر أو المرض أو الضعف ، وربما أفضى للموت في بعض الحالات ، ومن ذلك :
* الإسـراف في الأكل والشــرب : وهـو منهيٌّ عنـه ، لمـا يسببه مـن التخمـة ، وعسـرة في الهضـم ، وغلظة في الطبع ( انظر : طعام )
* الإسراف في الجماع : لما يورثه من ضعفٍ بالبدن ، واستنفادٍ للطاقة ، وربما أدى في بعض الحالات إلى عسر الجماع(Dyspareunia ) أو عدم الاستمتاع بالجماع ، أو الجماع المؤلم ، وكلها أعراض تفضي للنُّفور بين الزوجين ( انظر : جماع )
* الإسراف في تعاطي الـدواء : بعض الناس مولعون بالدواء إلى درجة الإسراف ، فنراهم يسارعون إلى تجرُّع الأدويـة لأقـلِّ وعكة تصيبهم ، وغالباً ما يفعلون ذلك دون الرجوع إلى الطبيب ، والأحرى بهؤلاء أن يتذكروا بأن لكل دواء تأثيرات جانبية ( Side Effects ) تضرُّ بالصحة ، وأن عليهم استشارة الطبيب قبل تناول أيِّ دواء ، وأن يلتزموا بالجرعات الموصوفة لهم دون تجاوز لكي يتفادوا الأضرار التي لا يكاد يخلو منها أي دواء ( انظر : تداوي ، صيدلة ، وصفة طبية )
* الإسراف في العمل : فالإنسان يحتاج إلى فترات من الراحة ، ليريح بدنه ونفْسه ، ويستردَّ قواه البدنية والعقلية ، ويستعيد نشاطه الذهني ، وقـد بيـَّن النبيُّ ذلـك بقولـه : ( لبدنـك عليك حقـاً .. ) كما مرَّ معنا في الحديث السالف ، ومن المعلوم أن الجهد الزائد عن طاقة الإنسان يؤدي مع مرور الوقت إلى ضعف البدن ، ويولِّد الكآبةَ والملل ، وقد تنجم عنه أضرار بدنية أو نفسية تجبر الشخص على ترك العمل مكرهاً ، ولهذا يجدر بالمرء أن ينظم أوقات عمله وفترات راحته بما يتناسب مع قدراته النفسية والبدنية .
إسعاف
الإسْعَافُ ( First Aid ) : هو المساعدة الطبية الأولية التي تقدَّم للمصابين والمرضى الذين تتطلب حالاتهم التَّدخلَ الطبيَّ العاجل ، كالمصابين في حوادث السير والكوارث ، والمرضى بأمراض حادة تهدد حياتهم مثل : احتشاء عضلة القلب ، والنزيف الهضمي ، ونزيف الدماغ وغيره ..
أحكام الإسعاف :
1 ـ مشروعية الإسعاف : يجب على مَنْ وَجَدَ شخصاً بحالةٍ تتطلب الإسعافَ العاجلَ ، ولم يوجد غيره للقيام بهذه المهمة ، أن يقدِّم له ما يستطيع من مساعدةٍ إن كان قادراً عليها ، أو ينقله إلى أقرب طبيب أو مستشفى أو مركز صحي أو عيادة لكي يتلقى الإسعاف اللازم ، ولا يمنعه من ذلك قيامه ببعض العبادات لأن العبادة يمكن تأجيلها أو قضاؤها ، أما التَّواني عن إسعاف المصاب فقد يسبب تفاقم علَّته أو ينتهي بـه إلى الهـلاك ! قـال ابن عابديـن : ( المصلي متى سمع أحداً يستغيثُ وإنْ لم يقصدْهُ بالنِّداءِ ، أو كانَ أجنبيَّاً وإنْ لم يَعْلَمْ ما حَلَّ بهِ ، أو عَلِمَ وكانَ لَهُ قُدْرَةٌ على إغاثتِهِ وتخليصِهِ ، وَجَبَ عليه إغاثتُهُ وقَطْعُ الصَّلاةِ ، فرضاً كانت أو غيره )(1) ، فإن كان هناك عدَّةُ أشخاصٍ ووجدوا شخصاً يحتاج إلى إسعافٍ ، وَجَبَ إسعافُهُ على قَدْر الكفايـة منهم ، ويسقط عن الباقين ، فإذا امتنعوا جميعاً عن إسعافه أثِموا كلُّهم .
ويأثم من امتنع عن إسعاف المصاب أو إغاثة الملهوف إن كان يقدر على ذلك ، لكنه لا يتحمل المسؤولية عن امتناعه ، وهذا هو مذهب جمهور الفقهاء ، لأن امتناعه لم يكن سبباً في الحادث ، وقد ذهب شُرَّاح القانون الوضعي لمثل هذا أيضاً ، فقالوا : ( إن الجريمةَ الإيجابيَّةَ ، كالقتل مثلاً لا تقع بالترك ، كترك المريض يموت مثلاً ، إلا إذا كان هناك التزامٌ قانونيٌّ أو تَعاقُديٌّ يقع على عاتِقِ فاعلِ التَرْكِ يَفْرِضُ عليهِ القيامَ بالعمل )(2) ، أما المالكية وأبو الخطاب من الحنابلة فقد ذهبوا إلى أنه يتحمل المسؤوليةَ ، لأنه لم يسعف المصاب مع إمكانه أن يسعفه(3) ، فإذا ما نظرنا إلى المسألة بميزان الثواب والعقاب كان حَرِيَّاً بالمسلم ( والطبيب بخاصة ) أن لا يتوانى عن مساعدة الآخرين ، وعليه أن يبذل غايةَ ما يستطيع في ذلك ، ليسَ خوفاً من العقوبة ، بل طمعاً بمثوبة الله تعالى ( انظر : إنعاش )
2 ـ الإسعاف مجانـاً : إن معظم القوانين الطبية في العالم توجب على الطبيب ومَنْ في حكمه بَذْلَ المساعدة الطبية مجاناً ( أي دون مقابل ) للمصابين الذين يحتاجون للإسعاف العاجل ، مراعاةً لظروفهم القاهرة ولا ريب في أنَّ الطبيب المسلم أولى من غيره أن يتحلَّى بهذا الخُلُقِ النَّبيلِ ، ويحتسب أجره عند الله تعالى الذي يكافئ على الحسنة بأضعاف مضاعفة !
3 ـ صيدلية الإسعافات الأولية : يحسن تخصيص صيدلية صغيرة في كل منزل أو مصنع أو مدرسة ونحوها ، توضع فيها الأدوية والأدوات التي تلزم عادة لإسعاف الإصابات التي تقع في هذه الأماكن فقد تنقذ هذه الصيدلية من كوارث محققة أو مضاعفات خطيرة ، كأن تساعد في وقف النزيف ، أو تخفيف الآثار السيئة للحروق ، وما شابه ذلك من إصابات تحتاج إلى إسعاف سريع .. ويستحسن أن تتوفر في هذه الصيدلية المواد الآتية :
* ميزان حرارة ( زئبقي ، كهربائي ، شريط جلدي .. ) لقياس درجة الحرارة عند الإحساس بارتفاع الحرارة .
* مواد وأدوات للضماد ( مقص ، ملقط ، قطن شاش ، أربطة ضاغطة ، لاصق طبي ، محاليل مطهرة .. ) من أجل تضميد الجروح والحروق والالتهابات
* مراهم مضادة للحروق والالتهاب والحساسية ( Allergy ) ومراهم وبخاخات مخدرة موضعية لتسكين الألم موضعياً في حال الرضوض أو التشنج العضلي ، ومراهم منفرة للحشرات ..
* أشربة وحبوب مضادة للحساسية ( Anti histamines ) لمعالجة الاندفاعات الجلدية والحكة ولدغ الحشرات وغيرها من أعراض الحساسية
* مسكنات الألم وخافضات حرارة ( أسبرين أو باراسيتامول .. )
ويجب الحذر من وضع هذه المواد بين يدي الصغار الذين قد يسيئون استعمالها ، بل يجب أن توضع في خزانة بعيدة عن متناول أيديهم ، ولكنها في الوقت نفسه سهلة التناول من قبل الكبار ، ويحسن تدريب أفراد الأسرة وعمال المصانع والتلاميذ وغيرهم على استعمال هذه المواد ، وتدريبهم على الإسعافات الأولية لكي تحقق هذه الصيدلية الهدف الذي وضعت من أجله .
إعـاقــة
الإعاقَـةُ ( Handicap ) : العجز ، كأن يعجزَ الإنسانُ عن النُّطْقِ أو الرؤيةِ أو المشيِ ونحوه .. وأسباب الإعاقة كثيرة متنوعة ، منها ما هو خَلْقيّ أو ولاديّ ، ومنها ما ينتج عن الأمراض والإصابات المختلفة ، وهي تتفاوت ما بين الخفيفة والشديدة ، فبعض الناس يشكون من إعاقات يسيرة في الكلام مثلاً ، وآخرون لا يستطيعون الكلام إطلاقاً ، وكذلك البصر فقد تكون الإعاقة ضعفاً يسيراً في الرؤية ، وقد تصل إلى حدِّ العمى .
والإعاقة بأنواعها المختلفة ودرجاتها المتفاوتة منتشرة في جميع المجتمعات البشرية ، حتى المتقدمة منها صحياً ، لكن نسبة الإعاقات وأشكالها تتفاوت من مجتمع إلى آخر ، فهي لا تزيد في أوروبا مثلاً عن ( 10% ) من إجمالي السكان ، بينما تتجاوز ( 40% ) في بعض المجتمعات التي تفتقر إلى الرعايةَ الصحيَّةَ ، ويُقَدَّرُ عددُ المعاقين ( Disabled ) اليوم في أنحاء العالم بأكثر من ( 500 مليون معاق )(1) وهي إعاقات منوعة ، ومتفاوتة بدرجاتها وشدتها .
أحكام الإعاقـة :
1 ـ الابتلاء بالإعاقة : الإعاقة نوع من المرض يبتلي اللهُ عزَّ وجلَّ به عبادَهُ ، وهم مأجورون ـ بإذن الله تعالى ـ إن هم صبروا على هذا الابتلاء الشديد ، بل إنَّ أجرَ الصبر على بعض الإعاقات أعظمُ من الأجر على أيِّ مرض آخر فقد ورد عن النبي : ( إِنَّ اللهَ قالَ : إِذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيه فصَبَرَ عَوَّضْتُهُ منهما الجنَّةَ . يريدُ عينيه )(2)
والإعاقة غير ممتنعة على أحدٍ مِنْ خَلْقِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، حتى على صَفْوَتِهِم ، وهم الأنبياء عليهم السلام فإن نبيَّ الله موسى عليه السلام كان مصاباً بشيءٍ من الإعاقة في النطق ، ولهذا عندما أمره الله عزَّ وجلَّ بالتوجُّه إلى فرعونَ لتبليغه بالرسالة ، طَلَبَ من ربِّهِ أن يشفيه من تلك الإعاقة فقال : (( واحْلُلْ عُقـْدَةً مِنْ لِسَاني يَفْقَهُوا قَوْلي )) سورة طه 27-28 ، ونبيُّ اللهِ يعقوب عليه السلام لما اشتدَّ به الحزن والأسى لفقد ولده الغالي يوسف عليه السلام ، أصيب بإعاقة في بصره (( وتولَّى عنهم وقالَ يا أَسَفَى على يُوسفَ وابْيَضَّتْ عيناهُ من الحُزْنِ فهُو كظيم )) سورة يوسف 84
وقد أصيب بعض الأنبياء عليهم السلام بإعاقات مؤقتة على سبيل المعجزة ، ومنهم نبيُّ الله ( زكريا ) عليه السلام ، فإنه حين عاودته القدرة على الإنجاب ـ بقدرة الله ـ بعد أن طَعَنَ في السِّنِّ واشتعل رأسُهُ شيباً ، وكانت امرأتُهُ عاقراً ، طلب من ربه آيةً على أن هذا الحمل العجيب كان بقدرة الله تعالى وفضله ، فكانت آيته أنـه حُبِسَ عـن الكلام ثلاثةَ أيامٍ (( قـالَ ربِّ اجعلْ لي آيَةً ، قالَ آيتُكَ ألا تُكلِّمَ النَّاسَ ثلاثـةَ أيامٍ إلا رمـزاً واذكـُرْ رَبـَّكَ كثيراً وسبِّحْ بالعَشِّي والإِبْكارِ )) سورة آل عمران 41
وإصابة الأنبياء عليهم السلام بالإعاقة البدنية لا تتعارض مع عصمتهم ، لأن عصمتهم تتعلق بتبليغ الرسالة ، وأما أحوالهم الصحية فإنها تتعرض لما يتعرَّض له بقيةُ الخَلْقِ من المرض ونحوه ، بل إنَّ الأنبياء عليهم السلام أشدُّ ابتلاءً بالمرض من بقية خلق الله ، كما ورد عن مصعب بن سعد عن أبيه رضي الله تعالى عنه حيث قال : ( قلتُ : يا رسولَ اللهِ ، أيُّ الناسِ أشدُّ بلاءً ؟ قال : الأنبياءُ ، ثمَّ الأمثلُ فالأمثلُ ، يُبتلى الرجلُ على حسب دينهِ ، فإنْ كانَ دينُه صلباً اشتدَّ بلاؤُه وإنْ كانَ في دينه رقَّةٌ ابتُلي على حسب دينه ، فما يبرحُ البلاءُ بالعبدِ حتى يتركَه يمشي على الأرضِ ما عليهِ خطيئةٌ )(3)
2 ـ رعايةُ المعاقِ : فرضُ كفايةٍ على المجتمع ويحسن بالدولة الإسلامية تخصيص دُور لرعاية المعاقين تتوفر فيها وسائل العلاج والتأهيل ، لمساعدة المعاق على ممارسة حياته بصورة أقرب ما تكون إلى الطبيعي ، ومساعدته ليعود عضواً فعالاً في المجتمع ، وتخليصه من الآثار النفسية القاسية التي تنشأ عن إحساسه بالنقص إن هو تُرك بلا رعاية ، أو بقي معزولاً عن المجتمع .
3 ـ الإعاقة عـذر شرعي : فهي من الأعذار المخففة للتكاليف الشرعيـة ، لقولـه تعـالى : (( ليسَ على الأعمى حَرَجٌ ولا على الأَعْرَجِ حرجٌ ولا على المريضِ حرجٌ ، ومَن يُّطِعِ اللهَ ورسولـَهُ يُدْخِلـْهُ جنَّاتٍ تجري من تحتها الأنهارُ ومن يَتَوَلَّ يعذِّبـْهُ عذاباً أليماً )) سورة الفتح 16 وقد خفف الشارعُ عن المعاق تخفيفات تتناسب مع نوع إعاقته ودرجتها ، فأباح لمن به إعاقةٌ تمنعه عن الحركة كالمشلول ونحوه أن يصلي على الهيئة التي يستطيعها ، وأعفى الأعمى والأعرج والأقطع والأشلّ من بعض التكاليف التي تتطلب السَّعي والحركة كالجهاد وغيـره ( انظر : صلاة ، عجز .. )
إعـدام
الإعْـدامُ ( Capital Punishment ) : إزهاقُ الرُّوحِ عُقوبَةً ، وقد عُرِفَ الإعدامُ منذ أقدم العصور ، ووجدت في بعض البلدان آثارٌ تدلُّ على أن الإنسان البدائي كان يمارس هذا النوع من القصاص ، ومنذ القرن الثامن عشر الميلادي توقَّفت بعض البلدان عن تنفيذ عقوبة الإعدام واستبدلتها بالسجن المؤبَّد غالباً ، وأول ما ألغي الإعدام سنة 1798م في( ليشتنشتاين )(1) وذلك تحت ضغط الدعوات التي نادى بها بعض المفكرين والمؤسسات التي تدَّعي الدفاعَ عن حقوق الإنسان ، بحجَّة أنَّ الإعدام يشكِّل انتهاكاً لحرمة النفس البشرية ( !؟ ) غير أنَّ معظم الدول التي استجابت لتلك الدعوات البرَّاقة عادت بعد حين فأقَرَّت عقوبةَ الإعدام من جديد ، حين لاحظت تفاقم الجرائم في المجتمع ، لأنَّ المجرمين حين أمِنوا على أنفسهم من الإعدام تمادوا في إجرامهم !
أحكام الإعـدام :
1 ـ مشروعية الإعدام : لقد شرع الإسلام بعض الحدود التي تصل إلى حد الإعدام ، وذلك عقوبةَ لمن يرتكب إحدى الجرائم التي تهدد أمن المجتمع ، كالقتل والزنى والحرابة وغيرها ( انظر : حد ) وقد أثبتت شواهد التاريخ أن في عقوبة الإعدام ردعاً قويَّاً عن الجريمة لا يساويه أيُّ ردعٍ آخر ، وفيـه أيضاً ( إصلاحُ حالِ البشر ، وحمايتُهم من المفاسد واستنقاذُهم من الجهالة ، وإرشادهم من الضلالة ، وكفُّهم عن المعاصي ، وبعثُهم على الطاعة )(2) ، وفيه إحياء للنفوس لأنه يردع عن الجرائم المدمِّرة للمجتمع ، كما جاء في محكم التنزيل : (( وَلَكُمْ في القِصَاصِ حياةٌ يا أُولي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )) البقرة 179 ، ولهذا السبب عادت كثير من الدول إلى تنفيذ عقوبة الإعدام بعد أن ألغتها ، كما ذكرنا !
2 ـ تنفيذ الإعدام ( Execution ) : تختلف طريقة تنفيذ الإعدام من بلد إلى آخر ، ففي معظم البلدان العربية وفي كثير من بلدان العالم ينفَّذ الإعدام بالشنق ( Hanging ) وفي فرنسا ينفـَّذ بالمقصلة(3) ، وفي الولايات المتحدة ينفـَّذ بالكرسي الكهربائيِّ أو بالغاز السَّام أو بالحُقنة السَّامَّة ، وفي بعض البلدان الإسلامية كالمملكة العربية السعودية ينفَّذ بالسَّيف ، وفي بلدان أخرى ينفَّذ رمياً بالرَّصاص .. وكل هذه الطرق جائزة مادامت تحقق المطلوب ، وإن كان الأولى تنفيذ الإعدام بالسيف ، وعلى ملأ من الناس ، لأنه أبلغ في الردع !
ويجب على منفذي الإعدام أن يُحسنوا القِتْلَةَ ، فينفِّذوا الإعدامَ دون أن يعرِّضوا المحكوم عليه بالإعدام لأيِّ نوعٍ من التعذيب أو التخويف أو الإرهاب ، سـواءٌ قبل التنفيذ أو أثناءه ، لمـا ورد عن النبي : ( إنَّ اللهَ كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ ، فإذا قَتَلْتُمْ فأحسنوا القِتْلَةَ وإذا ذَبَحْتُمْ فأحسنوا الذَّبْحَ ، وليحدَّ أحدُكم شفرتَهُ ، فَلْيُرِحْ ذبيحَتَهُ )(4)
3 ـ إجراء التجارب على المحكوم بالإعدام : لا يجوز إجراء التجارب على المحكوم عليه بالإعدام ، ولا يجوز اقتطاع شيء من أعضائه ليزرع في شخص آخر ، لأن ذلك تجاوزٌ للحدِّ المقرر عليه شرعاً ، ولا يجوز أيضاً دَرْءُ حدِّ القتل عنه مقابل شيء من ذلك حتى وإن وافق هو على إجراء التجربة أو التبرع بشيء من أعضائه ، لأنَّ المحكوم عليه بالإعدام مُتَّهَمٌ في أهليَّتِهِ بسبب وضعه النفسيِّ ، ولأن الحَدَّ متى وَجَبَ لَزِمَ إنفاذُهُ ، ولأنَّ مثل هذه الأفعال تنطوي على استغلال غير مشروع لأوضاع هؤلاء المحكومين ( انظر : حد ، سجن )
4 ـ مهمة الطبيب في الإعدام : إن إشراف الطبيب على تنفيذ عملية الإعدام جائز شرعاً ، بل مندوب إليه ، لما فيه من إقامةٍ للحدود ، ولكن لا يجوز للطبيب المشاركة في التنفيذ الذي هو من اختصاص المكلفين به ، ولأن الطبيب مسخَّر للعلاج فلا يجوز أن يشوبَ مهنتَهُ فعلٌ يؤدي إلى إزهاق الأرواح ( انظر : طبيب ) ولا بأس أن يُساعِدَ الطبيبُ في تهدئة المحكوم عليه بالإعدام قبيل تنفيذ الحكم عليه وذلك بإعطائـه بعض المهدئات ( Tranquilizers ) التي لا تفقـده وعيه ، وتساعد في تنفيذ الإعدام بهدوء ، وعلى الطبيب أن يحتاط بالأدوية والأجهزة اللازمة لإنعاش من يصاب بالإغماء أو الهَلَع ممن يشهدون تنفيذَ الإعدامِ ، وهي ظاهرةٌ مألوفةٌ في مثل هذه الظروف .
وعلى الطبيب أن يتيقن من حصول وفاة المحكوم عليه بالإعدام قبل نقله من موقع التنفيذ ، خشيةَ أن يُنقل إلى ثلاجة الموتى أو الدفن وفيه رَمَقٌ من الحياة .
أعضـاء تناسليـة
الأعضاء التَّناسُليَّة ( Genital Organs ) : هي الأعضاء التي تنتج عناصر الإخصاب من بييضات ونطـف ، وهي أيضاً محلُّ الجِماع ، وتختلف الأعضاء التناسلية عند الذَّكَر عن أعضاء الأنثى على التفصيل الآتي :
* الأعضاء التناسلية عند الذَّكَر : تتألف من الخصيتين ( Testis ) اللتين تسكنان كيس الصَّفَن ( Scrotum ) خارج البطن وتولدان النطف ( Spermatozoon ) ثم القنوات الناقلة التي تنقل النطف من الخصيتين إلى الخارج ، ثم القضيب ( Penis ) الذي يقوم بمهمة الجماع .. يبدأ إنتاج النطف في الخصيتين مع البلوغ ، ويستمر طوال حياة الرجل ، فليس للرجل سنُّ للإياس كما هي حال المرأة التي يتوقف عندها المبيضان عن تكوين البييضات في عمر ( 45 سنة ) تقريباً ، وتنتج كل خصية خلال حياة الرجل أعداداً هائلة من النطف ، ويحتـوي كل سنتمتـر مكعـب مـن دفقـــــــة ( Ejaculation ) المني ما بين ( 35 – 200 مليون نطفة ) علماً بأن نطفـة واحـدة تكفي لتلقيح بييضة المرأة وتكوين الجنين ، أما بقية النطف فيهلك أكثرها في الطريق إلى البييضة ، وبعضها الآخر يذهـب غـذاءً للبييضة ( انظر : بلوغ ، مني )
* الأعضاء التناسلية عند الأنثى : تتألف من المبيضين ( Ovaries ) اللذين ينتجان البييضات ( Ovum ) ثم بوقَيْ الرَّحِم ( Salpinx ) اللذين ينقلان البييضات إلى الرحم ، والرحـــــــــم ( Uterus ) الذي يحضن الجنين ، ثم المِهْبـلُ ( Vagina ) و الفـَرج ( Pudendum ) اللذان هما محلُّ الجماع ، وعندما تولد البنت يكون في مبيضيها أكثر من ( نصف مليون بييضة ) وهذه البيوض تبقى هاجعة حتى البلوغ ، فإذا بلغت البنتُ بدأ المبيضان بالتَّناوب في إطلاق بييضة ناضجة واحدة قابلة للإلقاح في كلِّ شهرٍ قمريٍّ إلى أن تبلغ المرأة سنَّ الإياس فيتوقَّف المبيضان عن إنتاج البيوض ، وهذا يعني أن المرأة تنتج خلال فترة الإخصاب نحو ( 400 بييضة ) ( انظر : بلوغ ، سن الإياس )
أحكام الأعضاء التناسلية :
1 ـ ستر الأعضاء التناسلية : تعدُّ الأعضاء التناسلية من أكثر أعضاء البدن إثارة للشهوة وتهييجاً للغريزة الجنسية ، ولذلك اعتبرها الشارع عوراتٍ مغلَّظة وشدَّد بوجوب سَتْرها وعدم إظهار شيءٍ منها للأجانب والمَحارم ، إلا إذا دعت ضرورةٌ شرعيَّةٌ لكشفها ، كالكشف عليها من قبل الطبيب أو الطبيبة من أجل التشخيص والعلاج ، وفي هذه الحال يجب أن يكون كشفها بحدود الضرورة ، ودون تجاوز ، عملاً بقاعـدة ( الضـرورات تقدَّر بقدرها ) أما الزوج والزوجة فيحلُّ لكلٍّ منهما النظرُ للأعضاء التناسـلية مـن الآخر ، ويجوز لـه مسُّـها ولكن التَّرْكُ أولى تأدُّبــاً ، ويـروي الفقيــه الأندلسي ( ابن حزم )(1) قصة طريفة بهذا الصدد تبين العاقبة الوخيمة للتعري حتى بيـن الزوجيـن ، فيقول رحمه الله : ( حدثني أبو بكر محمد بن بقّى الحجري ، وكان حكيم الطبع ، عاقلاً فهيماً ، عن رجل من شيوخنا لا يمكن ذكره ، أنه كان ببغدادَ في خانٍ من خاناتها ، فرأى ابنةً لوكيلةِ الخان فأحبها وتزوجها ، فلما خلا بها نظرت إليه ، وكانت بكراً ، وهو قد تكشَّف لبعض حاجته ، فراعها كِبَرُ .. ففرَّت إلى أمها وتفادت منه ، فرام بها كلَّ من حواليها أن تُردَّ إليه ، فأبت وكادت أن تموت ففارقها ثم ندم ورام أن يراجعها فلم يمكنه ، واستعان بالأبهري وغيره فلم يقدر أحد منهم على حيلة من أمره ، فاختلط عقله وأقام في المارستان .. وكان إذا ذكرها يتنفس الصعداء)(2) ( انظر : عورة )
ولأن الأعضاء التناسلية أيضاً تثير الشهوة واللذة فإنه يحرم تلاصق شخصين بالغين بأعضائهما التناسلية بغير حائل سواء قصدا اللذة أم لا ، وأما التلاصق بحائل فيحرم إن كان بقصد اللذة ويكره إن لم يقصد اللذة(3) ، وذهب الفقهاء إلى عدم جواز نوم الرجلين أو المرأتين في فراش واحد درءاً للفتنة التي قد تنتج عن تماسّ العورتين ، وذهبوا كذلك إلى التفريق بين الصغار في المضاجع ( انظر : نوم )
2 ـ استئصال الأعضاء التناسلية : في الذَّكَر يجوز استئصال أجزاء ضئيلة من الأعضاء التناسلية الظاهرة كما يحصل في الختــان مثلاً ( انظر : ختان ) أما استئصال الأعضاء التناسلية من الذَّكَر أو الأنثى بهدف منع الإنجاب أو قطع القدرة على الجماع فهو حرامٌ إلا إذا دعت له ضرورةٌ شرعيَّةٌ ( انظر : عقم ) وتبنى على استئصال أجزاء من الأعضاء التناسلية عدة أحكام ، على التفصيل الآتي :
* استئصال الخصيتيـن : أو ما يسمى الخِصاء ( Castration ) وهو حرامٌ إذا أجري دون سبب طبي مشروع ، لما ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه : ( كُنَّا نغزو مع النبيِّ ليسَ لنا نساءٌ فقلنا : يا رسول الله ألا نستخصي ؟ فنهانا عن ذلك )(4) ، والحكمة من النهي عن استئصال الأعضاء التناسلية واضحةٌ جليَّةٌ ، فهو يقطع النسل ، ويُشوِّه الخِلقة ، ويُضعف الدافع الجنسي ، ويؤدي إلى آثار نفسية مدمِّرة عند المخصيِّ بسبب إحساسه بالعقم ، وشعوره الحاد بالنقص ! وأما إذا دعت ضرورةٌ طبيَّةٌ معتبَرةٌ شرعاً لاستئصال الخصيتين أو إحداهما كحدوث ورم خبيث فيهما مثلاً أو نحوه مما يخشى معه الهلاك جاز الخصاء .
وقـد ذهـب الحنفية إلى أنَّ الزَّوجةَ إذا كانت عالمةً بخصاء زوجها قبل عقد النكاح فلا خيـارَ لهـا في فَسْخِهِ بعد ذلك ، وأما إن كانت غير عالمةٍ به فلها المطالبةُ بالفسخ إذا أرادت ، وعند المالكية لها الخيارُ إذا كان الرجلُ لا يُمني أما إذا كان يُمني فلا خيار لها ، لأن الخيار إنما كان لعدم تمام اللذَّة وهي موجودة مع الإنزال(5)، علماً بأن الرجل ـ من الوجهة الطبية ـ يمكن أن يُمني حتى بعد قطع الخصيتين لأنَّ تكوينَ المنيِّ لا يتوقَّف على الخصيتين فحسب ، بل هو يتكون من إفـرازات الخصيتين والغـدد التناسلية الأخرى ( انظر : مني )
وللشافعية في هذه الحال قولان أحدهما : أن للزوجة الخيار إن كان زوجها مخصياً لأن النفس تَعافُهُ . والثاني : أنه لا خيار لها لأنها تقدر على الاستمتاع به ، وقال الحنابلة : الخصيُّ إذا كان يَصِلُ إليها ـ أي يقدر على جماعها ـ فلا خيارَ لها ، لأن الوطء ممكن مع الخصاء والاستمتاع حاصل(6) ، وهذا صحيح من الوجهة الطبية ، لأن لذة الزوجة يمكن أن تتحقق ما دام الذكر سليماً قادراً على الجماع .
* الجـَبُّ : ويعني قطع الذَّكَر كله أو بعضه بحيث يتعذَّر معه الجماع ، والجب قد يحصل من جراء حادث عارض ، وقد يحصل بسبب المرض كأن يكون في الذَّكر ورم يستدعي استئصاله ، وكذلك استئصال فَرْجِ المرأة أو شيء منه ، وأما الجب المتعمَّد من الشخص نفسه بحجة الزهد وكبت الشهوة فإنه حرام باتفاق الفقهاء لمخالفته فطرة الله عزَّ وجلَّ ، ولما له من آثار نفسية مدمرة على المجبوب .. وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنَّ الجَبَّ ـ عند الزوج أو الزوجة ـ يعدُّ عيباً من العيوب التي تثبت للزوج المتضرِّر حقَّ الفَسْخِ متى علم بذلك في الطرف الآخر ، لأنَّ الجَبَّ يمنع المقصودَ من عقد النكاح وهو الـوطء(7) ، وفي هذا تفصيل : إذ يرى الحنابلة والحنفية والمالكية في أحد الوجهين أنَّ الجَبَّ إذا حصل بعد الدخول بالزوجة فإنه ليس للزوجة الخيار أو طلب فسخ النكاح ، لأن حقَّ الزوجة هو وطأة واحدة فقط لحصول المقصود بها مـن تأكـد المهر والإحصان وما زاد عليها لا يجب على الزوج حكماً بل يجب عليه ديانةً ، وذهب الشافعية والحنابلة في وجه آخر إلى تخيير الزوجة(8) ، ونحن نميل إلى هذا الرأي لأنه يراعي هذه الفطرة ، ونخشى أن يؤدي حرمان الزوجة من الجماع إلى الإعنات الذي قد يدفعها لارتكاب الحرام !
* استئصال المبيضين ( Spay ) : وهو لا يؤثر على استمتاع الزوج ، لكنه يجعل المرأة عقيماً وبهذا يكون للزوج حقُّ الخيار إن لم يكن يعلم به قبل الزواج ، أما إن كان يعلم به فلا خيار لـه .
3 ـ الجناية على الأعضاء التناسلية : في الجناية الخطأ على الخصيتين دون الذَّكَر ديةٌ كاملةٌ لأنَّها تقطع النَّسْلَ نهائياً ، وفي الجناية على إحداهما نصف الدية ، وأما الجنايةُ العَمْدُ على الخصيتين ففيها القصاص عند الشافعية والحنابلة والمالكية .. أما قطع الخصيتين مع الذَّكَر ففيهما ديتان باتفاق الفقهـاء ، لأن الجاني فَوَّت بهذه الجناية منفعةَ الجماع بقطع الذكر ، ومنفعةَ الإنزال والإنجاب بقطع الخصيتين(9) ، وكذلك الحكم في الجناية على المبيضين ، إلا أن المبيضين نادراً ما يتعرضان معاً للأذى المباشر لأنهما يسكنان متباعدين داخل البطن ، أما إصابة أحد المبيضين فقد تقع من جراء بعض الجنايات التي تصيب البطن ( انظر : قصاص )
4 ـ تشوهات الأعضاء التناسلية : قد تكون الأعضاء التناسلية مصابةً بتشوُّهاتٍ خَلْقيَّة ولاديَّة ، وقد تصاب ببعض التَّشَوُّهات المرضيَّة فيما بعدُ كالأُدْرَة ( Hydrocele ) أو انتفاخ الخصية عند الرجل ، والعَفَلة ( Vaginocele ) عند المرأة وهي ورم ينبت في قُبُل المرأة ، أو غير ذلك من التشوهات التي تُوَلِّدُ في النَّفْس شيئـاً من النُّفور أو تَعُوقُ الجماعَ ، وقد اختلف الفقهاء في الحكم عليها ، فعدَّها بعضهم عيباً يثبت بها الخيارُ في النكاح ، ولم يعدَّها آخرون من العيوب التي يثبت بها الخيار .
وقد أصبح الطبُّ في العصر الحاضر قادراً ـ بفضل الله تعالى ـ على إصلاح كثير من هذه العيوب ، فإنْ كان العيب من النوع القابل للإصلاح انتفتْ العلَّةُ التي تبيح الخيارَ .. هذا مع التذكير بأن الشرع قد أباح للزوج الزواجَ من أخرى مع الاحتفاظ بزوجته المبتلاة وفي هذا أجر كبير ، كما أن في صبر الزوجة على مُصاب زوجها أجراً كبيراً أيضاً ، وليتذكَّر الزوجان أنَّ ميزان المؤمن ليس ميزاناً مادّياً في كلِّ حال والعلاقة بين الزَّوجَيْن المؤمنَيْن أغلى وأشرفُ من أن تخضع لضرورات المادَّة في كلِّ حين !
5 ـ زراعة الأعضاء التناسلية : مع تطور العلوم الطبية في العصر الحاضر ، والتقدم الكبير الذي أحرزه العلماء في زراعة الأعضاء ، فقد أمكن في أواخر التسعينات من القرن العشرين زراعة الأعضاء التناسلية المأخوذة من متبرع حيٍّ أو من متوفى ، في رجل أو امرأة عقيم .. أما من الوجهة الشرعية فإنَّ نقل بعض الأعضاء التناسلية وزراعتها في شخص آخر ينطوي على محاذير خطيرة منها اختلاط الأنساب ، فالخصية والمبيض كما هو معلوم يحملان المخزون الوراثي في النطاف والبيوض التي يحملانها ، ولهذا فقد صدرت فتاوى عديدة تحرم زراعة الخصية أو المبيض ، ومن ذلك ما صدر عن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدَّة من 17 ـ 23 شعبان 1410هـ الموافق 14 ـ 20 آذار / مارس 1990م ، بالقرار رقم 59/8/6 الذي جاء فيه : (( بمـا أن الخصـيـة والمبيض يسـتمران في حمـل وإفراز الصفات الوراثية ـ الشيفرة الوراثية ـ للمنقول منه حتى بعد زرعهما في متلقٍّ جديد ، فإن زرعهما محرَّم شرعاً . أما زرع بعض أعضاء الجهاز التناسلي التي لا تنقل الصفات الوراثية ـ ما عدا العورات المغلَّظة ـ فهو جائز لضرورة مشروعة ، ووفق الضوابط والمعايير الشرعية المبينة في القرار رقم 1 للدورة الرابعة لهذا المجمع ))(10) ، وأما بقية الأعضاء التناسلية التي ليست لها هـذه الصفات الوراثيـة ، مثل ( الرحم ، وقناة فالوب ، والحبل المنوي ، وغدة البروستاة .. ) فلا بأس من زراعتها أسوة ببقية أعضاء البدن ( انظر : عضو )
6 ـ حفظ النطف والبيوض : لقد أتاحت لنا وسائل التقنية الحديثة إمكان الاحتفاظ بالنطف المأخوذة مـن الرجل والبيوض المأخوذة مـن المرأة ، من أجل استخدامها في الدراسات والبحوث أو من أجل التلقيح خارج الرحم ، كما هي الحال مثلاً فيما يعرف باسم طفل الأنابيب ( انظر : حمل ) وقد لا تدعو الحاجة لاستخدام هذه النطف والبيوض فنتلفها ونتخلص منها ، فإذا كنا قد لقحنا بعضها ببعض فعندئذ يصبح لها وضعٌ خاصٌّ لأنَّها أصبحت جاهزة للبدء بتشكيل الجنين ، ولهذا فقد أصدر مجلس مجمع الفقـه الإسـلامي فـي دورة مؤتمره السادس بجدَّة ( 1410هـ ، 1990م ) القــرار ( رقم 57/6/6 ) بشأن البيوض الملقَّحة الزائدة عن الحاجة ، وقد جاء فيه :
(( 1 ـ في ضوء ما تحقق علمياً من إمكان حفظ البييضات غير ملقَّحة للسحب منها ، يجب عند تلقيح البييضات الاقتصار على العدد المطلوب للزرع في كل مرة ، تفادياً لوجود فائض من البييضات الملقَّحة .
2 ـ إذا حصل فائض من البييضات الملقَّحة بأيِّ وجهٍ من الوجوه تترك دون عناية طبية إلى أن تنتهي حياة ذلك الفائض على الوجه الطبيعي .
3 ـ يحرم استخدام البييضة الملقَّحة في امرأة أخرى ، ويجب اتخاذ الاحتياطات الكفيلة بالحيلولة دون استعمال البييضة الملقَّحة في حملٍ غير مشروع ))(11)
إغمـاء
الإغْمَاءُ ( Faintness ) : الغيبوبة ، أو فقدان الوعي ( Unconsciousness ) لفترة قد تطول وقد تقصر ، وأسباب الإغماء كثيرة جداً ، فقد يحصل نتيجة بعض الأمراض كالداء السكري والصَّرع وغيره من الأمراض ، وقد يحصل نتيجة الرَّضِّ الشَّديد كالضَّرب على الرَّأس ، وقد يحصل بسبب الرُّعْبِ الشديد أو بسبب الأزمات العاطفية ، كالفجيعة بموتِ شخصٍ عزيزٍ ، ونحوها !
أحكام الإغمـاء :
1 ـ الإغماء يرفع التكليف : لا تختلف أحكامُ الإغماءِ وإن اختلفت أسبابُه ، لأن المُعَوَّلَ عليه في هذه الأحكام هو فقدانُ الوعي الذي يحصل من الإغماء ، وبما أن العقل هو آلة الوعي ، وهو المعوَّل عليه في التكاليف الشَّرعيَّة ، فإنَّ التَّكليفَ يُرْفَعُ عن المغمى عليه حالَ إغمائه ، لقول النبيِّ : ( رُفِعَ القلمُ عـن ثلاثـةٍ : عـن النائمِ حتى يستيقظَ ، وعــن الصَّـبيِّ حتَّى يحتلمَ ، وعـن المجنونِ حتَّى يعقل )(1)
2 ـ عبادات المغمى عليه : تجوز بعض العبادات من المغمى عليه إن كان قد نَوى القيامَ بها قبل إغمائه على التفصيل الآتي :
* في الوضوء والصلاة : أجمع الفقهاءُ على أن الإغمـاء ينقض الوضـوءَ والتيممَ قياسـاً على النوم ، وذهب المالكية والشافعية وهو قول عند الحنابلة إلى أن المغمى عليه لا يَلْزَمُهُ قضاءُ الصلاة التي أغمي عليه خلال وقتها إلا أن يفيق في جزء من وقتها .. وقال أبو حنيفة(2) ، وأبو يوسف : إن أغمي عليه خمس صلوات وجب عليه قضاؤها ، فإن زادت عن خمس سقط القضاء في الكل ، لأن ذلك يدخل في التكرار فأُسـقط القضاءُ كما هي الحال في الجنون ، وذهب الحنابلة إلى أن المغمى عليه يقضي جميع الصلوات التي فاتته حالَ إغمائه
* في الصوم : إذا نوى الصيامَ من الليل ثم طرأ عليه الإغماءُ فلم يفق إلا بعد الغروب لم يصحَّ صومُه عند الجمهور ، لأنهم اشترطوا لصحة الصوم مواصلة النية .. أما الحنفية فذهبوا إلى صحة صومه لأنه نوى الصوم ابتداءً ، وزوال الاستشعار بعد ذلك لا يمنع صحة صومه ، قياساً على النَّوم الذي لا يُفْسِدُ الصَّومَ .. فإن أفاق من إغمائه أثناء النَّهار فصومه صحيح على رأي الجمهور واشترط الحنفية تجديد النيَّة إذا أفاق ، وأما المالكية فقد ذهبوا إلى عدم صحة صومه(3).
* في الحج : بما أن المغمى عليه لا يستطيع القيامَ بأعمالِ الحجِّ ، فقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز أن يُحرِم عنه غيرُهُ لأنَّ صَحْوَهُ من الإغماء متوقَّعٌ في مدَّةٍ وجيزةٍ ، بينما أجاز أبو حنيفة أن يُحْرِمَ عنه رفقاؤه ، فإن أفاق في زمنٍ يُدْركُ فيه الوقوفَ بعرفة أحرم حيث هو ، ولا دَمَ عليه في عدم إحرامه من الميقات .. أما الوقوف بعرفة فقد أجمعوا على أنَّه لو أفاق في زمن الوقوف ولو لحظة أجزأه ذلك ، أما إذا لم يفق من إغمائه إلا بعد الوقوف فمذهب المالكية والحنابلة أنَّ الحجَّ قد فاتَهُ في ذلك العام ولا عِبْرة بإحرام أصحابه عنه ووقوفهم به في عرفة(4) ، وللشافعية قولان في هذا ، ويكتفي الحنفية بوجوده في محلِّ الوقوف وزمنه مع سَبْقِ إحرامه قبل الإغمـاء .
3 ـ العنايـة بالمريض المغمى عليه : غالباً ما يكون الإغماء عابراً ، فيصحو الشخص خلال ثوان أو دقائق معدودات ، إلا أنَّ الإغماء في بعض الحالات المرضية قد يستمر عدة ساعات أو أيام ، وبالإجمال فإن المرضى المغمى عليهم يحتاجون عنايةً طبيَّةً مركَّزة( Intensive Care ) ويحتاجون ـ من الناحية الشرعية ـ إلى العناية بسَتْرِ عوراتِهم لأنَّهم لا يقدرون على سترها ، ويجب على المسؤولين عن تطبيب هؤلاء المرضى وضعُ ضوابطَ مشددة للحيلولة دون الخلوة المحرَّمة بهم ، لما فيها من محاذير بسبب إغمائهم وعدم إدراكهم لما يُفعل بهم ، واحتمال وقوع الاعتداء الجنسي عليهم ، أو كشف عوراتهم ولمسها والنظر إليها والعبث بها من قِبَلِ بعض ضعاف الإيمان ! ولهذا يحسن ألا يترك المريض المغمى عليه في غرفة منفردة ، وأن يكون تحت رقابة جماعية مستمرة لمنع أية تجاوزات للأعراف الشَّرعيَّة والطبية ( انظر : عورة )
4 ـ الإغمـاء المـديـد : قلنا إن الإغماء في الغالب يكون عابراً فلا يستمر سوى ثوان معدودات أو دقائق ولكن هناك حالات من الإغماء قد تدوم زمناً طويلاً بسبب بعض إصابات الدماغ وغيرها من الأسباب ، ونذكر من حالات الإغماء المديد النادرة حالة الأمريكية ( ألين إسبو زيتو ) التي أجريت لها عملية استئصال للزائدة الدوديـة في 6/8/1941م دخلت على إثرهـا في حالـة إغمـاء لـم تستفق منها إلى أن توفيت في يوم 25/11/1978م ، أي إن إغماءها استمر نحو 38 عاماً !
ومن الناحية الشرعية يترتب على حالات الإغماء المديد بعض الضرر على الشخص أو الأشخاص ذوي العلاقة بالمريض كالزوج أو الزوجة و بقية الورثة ، ولهذا تترتب على الإغماء المديد بعض الأحكام التي تضاف إلى ما سبق بيانه من أحكام الإغماء العامة ، وهي على التفصيل الآتي :
* إذا كان هناك أملٌ في شفاء المغمى عليه إغماءً مديداً فلا خيارَ للزوجة أو الزوج بالتفريق حتى وإن طالت مدة الإغماء ، لأنه لا يدرى متى يفيق ؟
* أما إذا قَطَعَ الأطباءُ بأنَّه لا يُرجى بُرْؤُهُ ، كأن يصل إلى ما يُعرف طبياً باسم حالة الحياة الإنباتية ( Vegetative Life )(5) ، فيجوز للزوجة أن تطلب التفريق لأنَّه يُعَدُّ ميتاً في حقِّها ، فتعتدُّ له عدةَ الوفاة ثمَّ تتزوج إن أرادت ، ولعل الأولى بها أن تصبر وتحتسب أجرها عند الله عزَّ وجلَّ إلى أن يحكم الله عزَّ وجلَّ في مرضه .. وإذا كانت الزوجة هي المصابةُ فالأولى بالزوج أيضاً أن يبقيها على عِصْمَتِهِ ، وأن يستمر في رعايتها والنفقة عليها حتى يحكم اللهُ عزَّ وجلَّ فيها .
* وأما أحكام الوفاة الأخرى كالإرث وغيره فلا تنفَّذ إلا إذا قَطَعَ الأطبـاءُ يقيناً بوفاة المغمى عليه ، ولا يجوز إنهاءُ حياةِ المغمى عليه إغماءً مديداً حتى وإن قَطَعَ الأطبَّاءُ أنَّه لا أملَ في شفائه ، لأنه يعدُّ حياً مادام يتنفس تلقائياً وقلبه ينبض دون مساعدة الأجهزة ، ومادام لم يصل بعدُ إلى مرحلة موت الدمـاغ ، ويجب على الأطباء أن يبذلوا له العناية الطبية اللازمة حتى يفيق من إغمائه ، أو تتحقق وفاته يقيناً ( انظر : إنعاش ، حياة ، موت ، موت الدماغ )
ألــَم
الألـَمُ ( Pain ) : الوجَعُ ، وهو إما أن يكون بدنيَّاً ( Somatic ) نتيجة مرض عضوي ، وإما يكون نفسياً ( Psychic ) دون أسباب عضوية ظاهرة ، وقد يكون مزيجاً من الألم الجسدي والنفسي ( نَفْسَجِسْميَّPsychosomatic ) تشترك فيه عوامل عضوية ونفسية .. وينتقل حسُّ الألم من الجلد وبقية أعضاء الجسم عبر الأعصاب الحسيَّة ( Sensory Nerves ) إلى الجملة العصبية المركزية ( Central Nervous System ) حيث يترجم إلى إحساسٍ مزعجٍ يدفع الشَّخصَ للبحث عن مُسَكِّنٍ ! ولهذا فالألم نعمة ربانية عظيمة لأنَّه يُنْذِر ( Warn ) المريضَ وينبَّهه لوجود خَلَلِ ما في جسمه فيسارع لمعالجته ، وإذا ما فَقَدَ الإنسانُ حسَّ الألم أمست حياتُهُ في خطرٍ محقَّقٍ ، وقد سجَّل تاريخُ الطب عدَّة حالات نادرة لأطفالٍ وُلِدوا فاقدين لحسِّ الألم مما انتهى بهم إلى الموت المبكر ، لأنهم كانوا يصابون بأمراض خطيرة أو إصابات شديدة كالحروق أو الجروح فلا يتألمون ولا ينتبه الأهل لما أصابهم ، فيكون مصيرهم الموت(1).
أما الوجه الآخر للألم فهو المعاناة الشديدة التي قد لا يحتملها كثير من البشر ، وقد يؤدي الألمُ العنيف ( Sever Pain ) إلى توقف القلب فالموت !
أحكام الألـم :
1 ـ ثواب الصبر على آلام المرض : كثيراً ما يُبتلى الإنسانُ بالآلام الجسدية نتيجة المرض ، أو يبتلى بالآلام النفسية نتيجة الأحزان والهموم والكُرُبات ، فإذا نزل به شيءٌ من هذه الآلام وجب عليه أن يصبر ليفوز بالخير الذي أخبر عنه النبيُّ حين قال : ( عجباً لأَمرِ المؤمن ، إن أمره كله خير ، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن ، إن أَصابته سرَّاء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيراً لـه )(2) ففي الصبر على ألم المرض تكفيرٌ لسيئاته وإعلاءٌ لدرجاته ، ولا ينافي الصَّبْرُ على الألم أن نأخذَ بالأسباب التي وضعها الله تعالى لدفع البلاء ، ومن تلك الأسباب : الدعاء والدواء والوقاية ، فهي من الأسباب المشروعة لدفع الألم وتسكينه ( انظر : دعاء ، دواء ، صبر ، وقاية )
2 ـ تسكين الألم ( Sedation ) : لقد شرع النبيُّ الرُّقيةَ لتسكين الألم ، فقد شكا إليه رجل وجعاً في بدنه فقال له : ( ضَعْ يدك على الذي تَأْلَم من جسدك وقل : بسم الله ، ثلاثاً . وقل سبع مرات : أعوذ باللهِ وقدرته من شرِّ ما أجدُ وأُحاذِر )(3) ، وإلى جانب الرقية الشرعية فقد حثَّ النبيُّ على التداوي من الأمراض عامَّةً ، ومنه تسكين الآلام المختلفة ، واليوم أصبح لدينا أدويةٌ عديدةٌ لتسكين الألم ، منها الخفيفة التي تخفف الإحساس بالألم كالأسبرين ونحوه(4) ، ومنها القويَّة التي تقضي على الألم قضاءً تاماً كالمخدرات (Narcotics ) ونحوها ، ويجوز تسكين الألم بالمسكنات المختلفة الخفيفة منها والقوية ، ولكن لا يُلجأ إلى القوية كالمخدرات ونحوها إلا في الآلام العنيفة التي لا يقدر المريضُ على تحملها ، ويجب في هذه الحالات أن تعطى تحت إشراف طبيبٍ عَدْلٍ خبيرٍ ، وبمقدار الحاجة منها فلا يتجاوز حدَّ الضرورة ، عملاً بقاعدة : الضروراتُ تُقَـدَّرُ بِقَدَرهـا ، وحـذراً مـن الإدمـان عليها ( انظر : ضرورة ، مخدِّر )
ويمكن في بعض الحالات المؤلمة أن نقضي على الألم بقطع بعض الأعصاب ، مثل قطع بعض الأعصاب الودِّية ( Sympathectomy ) أو قطع عصب السنّ ، وهو جائز إذا لم يترتب عليه ضرر أشد من ضرر المرض المسبب للألم ، مراعاةً للقاعدة التي تقول : الضرر لا يُزال بالضرر ( انظر : ضرورة )
3 ـ العـذاب : هو ما يحلُّ بالإنسان من ألم على جهة العقوبة غالباً ، والعذاب يقع عقوبةً من قبل الله عزَّ وجلَّ على الذين يخالفون عن أمره من الكفار والعُصاة ، وهذا العذاب يقع عليهم في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معاً ، كما ورد في آيات كثيرات من القرآن الكريم ، وقد يقع العذاب من بعض البشر على بعض ويسمى : تعذيباً ، ومنه المباح ، ومنه المحرَّم على التفصيل التالي :
* التعذيب المباح : كالتعذيب الذي يحصل في القصاص(5) ، والحد(6) ، والتعزير(7) ، ليحصل به الرَّدعُ ولهذا ذهب الفقهاء إلى وجوب نَزْعِ الحَشْو والفَرْو عن المجلود حتى يصل الألم إلى بدنه ويحصل المقصود من الجلد ( انظر: حدّ ، قصاص ) ومن التعذيب المباح كذلك تأديب الأولاد بالضرب المؤلم أو نحوه مما يحصل به التأديب المقصود ، ولكن بشرط عدم إحداث ضرر بدنيّ ودون إهدار لكرامة المضروب كأن يُضرب مثلاً على الوجه أو على المَذاكير ، ومنه أيضاً بعض أشكال التَّداوي التي قد يصاحبها إيلام كالجراحات الصغرى ( Minor Surgery ) والأفضل في مثل هذه المعالجات استخدام التخدير لتخفيف الألم ( انظر : تخدير )
* التعذيب المحرَّم : هو إيلام الآخرين بغير حقٍّ ، وهو حرام ، لقول النبيِّ : ( إنَّ اللهَ يُعذِّبُ الذينَ يعذِّبونَ النَّاسَ في الدنيا )(8) ، ويجب فيه التعزير أو التعويض المالي أو القصاص بحسب الحـال .
4 ـ الاستمتاع بالألـم : لقد فطر الخالقُ عزَّ وجلَّ خلقَه على الانزعاج والنفور من الألم ، لكي يسارعوا لمعالجة أسبابه ! ولكنْ هناك حالاتٌ غريبةٌ شاذَّةٌ نجد فيها الشخصَ يستمتع بالألم الذي يحلُّ به أو يستمتع بالألم الذي يُنزله هو بالآخرين ، ونذكر من هذه الحالات حالتين معروفتين جيداً في الطب هما السَّادية والمازوخية :
* السـادية ( Sadism ) : هي انحراف جنسي ( Aberration Sexual ) يرتبط فيه الرضى الجنسي بإيقاع الألم بالآخرين(9) ويُنسَبُ اسمُ السَّاديَّةِ للروائي الفرنسي ( المركيز دي ساد ) الذي تميَّزت شخصِّياتُهُ الروائيَّة بالاندفاع القَهْري لتحقيق اللَّذَّة بتعذيب الآخرين وإنزال الألم بهم ويمثل هذا الانحراف في نظر التحليل النفسي اتجاهاً تدميرياً نحو الآخرين ، فكثيراً ما يُوقِعُ السَّاديِّ الأذى بالآخرين من جراء هذه النزعة المنحرفة ، وقد يصل به الأمرُ إلى حدِّ القتل !
* المازوخيـة ( Masochism ) : وهي على النقيض من السادية ، انحراف جنسي يتلذَّذ فيه الشخص بالألم الذي يلحق به من قِبَلِ الآخرين ، أو هي الاستمتاع بالألم والنزوع إلى البحث عن فُرَصٍ يُهان فيها أو يَلْحَقُ به الأذى وهي في التحليل النفسي نزعةٌ تخريبيَّةٌ نحو الذات(10) ويُنسب اصطلاح ( المازوخية ) إلى الروائي النمساوي ( زاخر مازوخ ) الذي وَصَفَ هذا الضَّرْبَ من الانحراف في العديد من قصصه !
والسَّاديَّةُ والمازوخِيَّةُ كلاهما انحراف عن الفطرة السوية التي تأبى تعذيبَ الآخرين لمجرَّد التَّعذيب ، وتأبى الرِّضى بالعذاب لمجرد التلذذ والمتعة ! والمصاب بمثل هذه الانحرافات النفسية يحتاج إلى تأهيلٍ نفسيٍّ واجتماعيٍّ ، وإذا ما وقع منه إضرارٌ بالآخرين أجريت عليه الأحكام الشرعية التي تناسب الضَّرَرَ الذي نتج من فعله ، فيعزَّر أو يحدُّ أو يقتصُّ منه بحسب الحال ، لأنه يكون ـ في الغالب ـ كامل الأهليَّة إلا فيما ندر من الحالات التي تصل إلى درجة الجنون ( انظر : أهلية ، جنون )
انتحـار
الانتحار ( Suicide ) : أن يقتل الإنسانُ نفسـَهُ ، وقد يكون الانتحار متعمداً بقتل النفس بالسكين أو بالسُّمِّ أو بغيره ، أو يكون خطأً كأن يريد صيداً فيصيب نفسه فيموت ، أو يكون بالامتناع عن الفعل كالإضراب عن الطعام والشراب كما يفعل بعض المساجين ، أو عدم الحركة في الماء حتى يغرق ..
وتدلُّ الإحصائياتُ على أن الانتحار يأتي في مرتبةٍ متقدِّمةٍ بين أسباب الوفاة في كثير من الدول الصناعية ( Industrial ) التي توصف عادةً بأنها ( بلدان متقدمة )(1) ، وتقدَّر محاولات الانتحار التي تجري يومياً في أنحاء العالم بعشرات الآلاف ، لكن هذه المحاولات لا تنتهي كلها بالموت ، بل يموت منها حوالي ( 10% ) بينما يصاب البقية بعاهات وإصابات بدنية ونفسية متفاوتة ! وتُشير الإحصائيات إلى أن ( 10 ـ 20% ) من الذين يحاولون الانتحار يكررون المحاولة في غضون سنتين أو أقلّ بعد المحاولة الأولى ، وتبلغ نسبة محاولات الانتحار بين النساء ( 3 أضعاف ) ما هي عليه بين الرجال(2) ، وهذه من الفوارق ذات الدلالة بين الجنسين ( انظر : جِنْس )
وتختلف دوافع الانتحار من مجتمع لآخر ، وتتوقف على عوامل عدة ، في مقدمتها ضعف الوازع الديني ، وتفشي الفواحش والانحرافات الأخلاقية من زنا وخمر ومخدرات وغيرها .. ولهذا نجد أن حالات الانتحار تُسجِّلُ أرقاماً مذهلةً في المجتمعات التي حادَتْ عن فطرة الله عزَّ وجلَّ ، وأطلقت العنان لشهواتها ونزواتها الشيطانية ، وعلى سبيل المثال فقد سجلت هنغاريا أعلى نسبة انتحار في العالم سنة 1977م فبلغت فيها نسبة المنتحرين ( 42.6 من كل مائة ألف من السكان ) بينما سجل الأردن في عام 1970م أقلَّ نسبة ( 0.04 من كل مائة ألف من السكان )(3) ، أي إن كل حالة انتحار في الأردن وقع مقابلها أكثر من ألف حالة في هنغاريا ! وهذا بلاريب مؤشر واضح على التفاوت الكبير في معدلات الانتحار بين الأمم المسلمة والأمم غير المسلمة !
أحكام الانتحار :
1 ـ حرمـة الانتحارُ : الانتحار حرامٌ ، لعموم قوله تعالى في تحريم قتل النفس : (( ولا تَقْتُلوا أَنفسَكم إنَّ اللهَ كانَ بكمْ رحيماً )) سورة النساء 29 ، والانتحار من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله تعالى ويقع على فاعله وزْرٌ أعظم من وزر الذي يقتل غيره دون حقٍّ ، حتى قال بعض الفقهاء فيه : المنتحر لا يُغَسَّل ولا يصلَّى عليه ، وقيل لا تُقبل توبتُهُ تغليظاً عليه(4) ، ويدلُّ ظاهرُ بعض الأحاديث على خلود المنتحر في النار ، ومنها قول النبيِّ : ( مَنْ تَرَدَّى من جبلٍ فقتـلَ نفسَهُ فهو في نـارِ جهنَّم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً ، ومـَنْ تَحَسَّا سُمَّاً فَقَتَلَ نفسَه فَسُمُّهُ في يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ في نار جَهَنَّمَ خالداً مُخَلَّداً فيها أبداً ، ومَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بحديدةٍ فحديدَتُهُ في يَدِهِ يَجَأ بها في بَطْنِهِ في نار جَهَنَّمَ خالداً مُخَلَّداً فيها أبداً )(5) ولكن لم يقـُل بكفرِ المنتحرِ أحدٌ من العلماء ، لأنَّ الكفر هـو الإنكار والخروج عن ديـن الإسلام ، أما صاحب الكبيرة ـ كالانتحار وغيره مما ليس شركاً بالله تعالى ـ فلا يخرج عن الإسلام ، وقد صَحَّتِ الرواياتُ أن العُصاة من أهل التوحيد يُعذَّبون في النار ثم يُخْرَجُون منها(6) ، ولهذا فإن المنتحر إذا ماتَ غُسِّل وكفِّن ، وصُلّي عليه ، ودُفن في مقابر المسلمين
2 ـ الفشل بالانتحار : من حاول الانتحار ولم يَمُتْ ، يعاقب تعزيراً على محاولته الانتحار ، لأنـه حاوَلَ قَتْلَ النفس التي حَرَّم الله إلا بالحقِّ ، وفي العقوبة لمن حاول الانتحار رَدْعٌ لَهُ أن يعود لمثلها مرة أخرى ، وفيه أيضاً ردع لغيره عن هذا الفعل المحرَّم ، ولكن لابد إلى جانب العقوبة من معالجته نفسياً واجتماعياً ، والبحث في الأسباب التي دعته لمحاولة الانتحار ومساعدته للتغلب عليها ، مع تذكيره بالعقاب الشديد الذي ينتظر المنتحر في الآخرة وحضِّهِ على العبادة والذِّكر وما شابه ذلك من الوسائل التي تعيد تأهيله نفسياً واجتماعياً لكي يكفَّ عن المحاولة مرةً أخرى !
3 ـ الانتحار بالامتناع : من امتنع عن المباح كالطعام والشراب حتى مات كان قاتلاً لنفسه متلفاً لها(7) ، وهذا ما يفعله غالباً السجناء احتجاجــاً على أوضاع سـيـاســيـة سـيئة ، أو احتجاجاً على تعذيبهم أو ســوء معاملتهـم ( انظر: سجن ) أما من امتنع عن التداوي حتى ماتَ أو تَرَكَ علاجَ جُرْحِهِ فماتَ ، فلا يعدُّ منتحراً ، لأنَّ البُرْءَ غير موثوق به حتى وإن عولج(8) ، ولكنه يكون قــد عَرَّضَ نفسَهُ للتَّهْلُكَةِ المنهيِّ عنهـا شرعاً ( انظر : تداوي )
4 ـ الانتحار لضرورة : قد يتعرَّض المسلم لظروف معينة يرى فيها ضرورة الانتحار لمصلحة يراها راجحة ، كأن يقع أسيراً في أيدي الأعداء ، وتكون لديه معلومات مهمة جداً يخشى أن يجبره الأعداء على إفشائها ، وقد جرت العادة في معظم جيوش العالم أن يعطى قادة الجيوش الكبار الذين في حوزتهم معلومات سرية خطيرة حبوباً سامَّة سريعة المفعول يؤمرون بابتلاعها إذا ما وقعوا بالأسر ! وقد ذهب بعض العلماء إلى جواز الانتحار في مثل هذه الظروف لما فيه من دفع ضرر أكبر بضرر أقل(9).
5 ـ الانتحار للخلاص من آلام المرض : قد تصل شدة الألم الناتج عن المرض إلى درجة لا يعود المريض قادراً على تحملها ، وبخاصة إذا لم تتوفر له المسكنات أو المخدرات التي تخفف من آلامه ، أو قد يصاب المريض بداء عُضال لا أمل في شفائه ، فيفكر بالانتحار ، أو يطلب من طبيبه إنهاء حياته بوسيلة طبية ما ، وكلا الفعلين حرام لا يجوز الإقدام عليه ، فالمريض إذا أقدم على الانتحار للخلاص من الألم أو المرض يعدُّ قاتلاً لنفسه ، والطبيب الذي يُنهي حياة المريض أو يقدِّم له وسيلة لينتحر بها يعدُّ قاتلاً للمريض أيضاً ( انظر : قتل ، مرض )
6 ـ الوقايـة من الانتحار : إذا لاحظ الطبيب ( وبخاصة الطبيب النفسي ) عوارض الميل للانتحار عند المريض يجب عليه اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحمايته ، وعليه إعلامُ ذويـهِ ، ويحسن في مثل هذه الحالات الحَجْر ( Quarantine ) على المريض في المستشفى أو المصحّة( Sanatorium ) خلال تأهيله ومعالجته مع اتخاذ الاحتياطات اللازمة للحيلولة دون إقدامـه على الانتحار في غفلة عـن أعين الممرضين أو المشرفين على مراقبته ( انظر : حَجْر ) ولا ننس تأثير التوعية وتحذير الناس من الإقدام على الانتحار ، لما يترتب عليه من خراب للبيوت في الدنيا ، وعذاب أليم في الآخرة ، كما أن للتأهيل النفسي والاجتماعي تأثيراً طيباً في الذين يميلون للانتحار يجعلهم يتراجعوا في الغالب عن هذا السلوك المدمِّر !
أنثـى
الأنثى ( Female ) : ما يقابل الذَّكر ( Male ) من المخلوقات الحية ، سواء منها النبات والحيوان والإنسـان ، والقاعـدة الغالبـة في النباتات أن تجتمع أعضـاء الذكـورة والأنوثـة في النبات نفسه ، أما في الحيوانات فالقاعدة أن يفترق الذكر عن الأنثى ، وكذلك الإنسان ، وهناك بعض حالات الخنوثة التي يجتمع فيها جهازا التناسل الذكري والأنثوي في الشخص نفسه وهو ما يسمى بالخنثى ( انظر : خنثى )
ومن المعلوم أن جنس الجنين ذكراً أو أنثى يتحدَّد من لحظة اندماج نطفة الأب مع بييضة الأم لتكوين الجنين ، ويتوقف جنس الجنين على جنس النطفة الآتية من الأب ، لا على جنس البييضة الآتية من الأم ، لأن كل واحدة مــن بييضـات الأنثى تحمل الصبغي الجنسي ( X ) أما النطف فمنها ما يحمل الصبغي الجنسي (Y ) الذي إذا لَقَّحَ البييضةَ كان الجنين ذكراً بإذن الله تعالى ، ومنها ما يحمل الصبغي الجنسي (X ) الذي إذا لقح البييضة كان الجنين أنثى بإذن الله تعالى ( انظر : جنس ، جنين )
أحكام الأنثى :
1 ـ إكرام الإسلام للأنثى : لقد أعطى الإسلام للمرأة مكانة لم تُعْطَ لها في أي من الأزمنة التي سبقته فقد ساوى بينها وبين الذكر في كل التكاليف والواجبات والحقوق إلا ما كان منها لا يتوافق مع طبيعتها ، كما حثَّ على حُسْنِ استقبالِ البنتِ عند ولادتها ، ونهى أن يتبرَّم بها أهلها ، وأمر أن يتقبَّلوها بالرضى والحمد ولا يُفضِّلوا عليها إخوانَها الصبيان ، وجعل لها حقَّ الرعاية في طفولتها من تربية وتعليم ونحوه .
وأوجب على الزوج إحسانَ المعاشرة للزوجة ، كما جاء في قوله تعالى : (( وعاشروهُنَّ بالمعروفِ )) سورة النساء 19 ، وقـول النبيِّ : ( خيْرُكُم خَيْرُكُم لأهلهِ ، وأنا خيرُكم لأهلي )(1) ، وقوله أيضاً : ( .. استوصوا بالنساء خيراً فإنهنَّ خُلِقْنَ من ضلعٍ ، وإنَّ أعوجَ شيءٍ في الضلعِ أعلاهُ ، فإنْ ذَهَبْتَ تُقيمُهُ كَسَرْتَهُ ، وإن تركتَهُ لم يَزَلْ أعوجَ ، فاستوصوا بالنساءِ خيراً )(2) ، ودعاه أن يصبر عليها حتى وإن كره منها بعضَ الأخلاق أو التصرفات ، وعَلَّمَـهُ أن يُصلحهـا بالمعـروف ، دون عنف ولا غلظة .. وقد قدَّم لنا النبيُّ القدوةَ الحسنةَ في تعامله مع نسائه رضي الله تعالى عنهنَّ جميعاً ، فقد كان جميلَ العِشْرة لهنَّ ، دائمَ البِشْر عندهنَّ ، يداعبهنَّ ويتلطَّف بهنَّ ، ويوسِّع عليهنَّ بالنفقة ، وكان يضاحِكهنَّ بيـن الحيـن والآخـر ، حتى إنـه سـابَقَ أم المؤمنين عائشةَ رضي الله تعالى عنها يتودَّد إليها بذلك(3) ( انظر : زواج )
2 ـ الفوارق بين الأنثى والذَّكر : لقد أشار القرآن الكريم إلى وجود بعض الفوارق بين الجنسين فيما ورد على لسان أمِّ مريمَ عليهما السلام ، التي نَذَرَتْ ما في بطنها مُحَرَّراً لله تعالى : (( فلمَّا وضعتْها قالتْ رَبِّ إنِّي وضعتُها أُنثى ، واللهُ أعلمُ بِما وَضَعَتْ ، وليسَ الذَّكرُ كالأنثى )) آل عمران 36 ، ولا تنحصر الفوارق بين الجنسين في التكوين البدني فحسب ، بل هي تمتد لتشمل التكوينَ النفسيَّ والعقليَّ والعاطفيَّ أيضاً ، وهذه الفوارق تتعلق بمجمل الطُرز البنيويَّة( Constitutional Types ) التي فطر اللهُ عزَّ وجلَّ عليها كلاً من الذَّكَر والأنثى ، إلا أن هذه الفوارق لا تعني الاختلاف الجذري بين الجنسين ، فإن ما بينهما من أواصر التشابه أكبر بكثير من ملامح الاختلاف ولهذا طالَبَ الشارعُ المرأةَ بكافة التكاليف الشرعية التي طالب بها الرجلَ مع اختلافات يسيرة جداً نعرضها بعد قليل .
وبالجملة : فإنَّ النساء أطول أعماراً من الرجال ( 68 عاماً للمرأة مقابل 64 عاماً للرجل )(4) ، وهنَّ أسرع تعرفاً على الأشياء المتشابهة ، وأفضل في الطَّلاقة اللفظيَّة ، وفي إنجاز العمليات الحسابية ، وفي أداء بعض الأعمال اليدوية الدقيقة(5).
وربما كانت الطاقة العقلية هي من أكثر الاختلافات بين الجنسين إثارة للجدل ، وقد أثبتت كل الدراسات المحايدة التي جرت حتى الآن تفوق الذكور على الإنـاث بالقـدرات العقليـة ، وتفوقهم عليهنَّ أيضـاً بمستويـات الذكاء ( انظر : عقل )
3 ـ القوامـة : وتعني ولايةَ أمرِ الزَّوجةِ من قِبَلِ الزَّوج ، والمحافظة عليها ، وتدبير شؤونها ، ورعاية مصالحها .. وبناءً على الفوارق التي جعلها الخالقُ عزَّ وجلَّ بين الجنسين كانت القوامة للرجال على النساء ، كما بيَّن الحقُّ تبارك وتعالى فقال : (( الرِّجالُ قوَّامون على النِّساءِ بما فَضَّلَ اللهُ بعضَهم على بعضٍ وبمـــا أَنفقـوا مـــن أموالِـهم )) النساء 34 ولاسيما من تلك الفوارق تفضيل الرجال على النساء في البنية الجسدية التي تجعل الرجل أقدر من المرأة على الكَدِّ والسعي والكسب ، بينما المرأة تعتريها ظروف مختلفة تُضعف قواها البدنية والعقلية والنفسية والعاطفية ، كالحيض والحمل والنفاس والرضاعة ، وهذه الظروف تستغرق فترات طويلة من عمر المرأة كما هو موضح في الجدول التالي :
(( فترات الضعف الوظيفي التي تعتري المرأة خلال سنوات نشاطها مـن البلـوغ إلى الإيـاس ))
نوع الضعف فترة الضعف ( سنوات ) النسبة المئوية مـن سنوات النشـاط
الحمل ( 5 مرات ) 4 13.3%
الحيض 6 20%
النفـاس 0.5 1.7%
الرضاعة 5 16.6%
المجموع 15.5 51.6%
وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن التفضيل الوارد في الآية المتقدمة إنما هو تفضيل الرجال على النساء بالعقل والتمييز والرأي والتدبير(6) ويؤيد هذا الرأي أن الرجال كانوا على مرِّ العصـور هـم أصحاب القـرار في توجيه الأحداث ، ويؤيده أيضاً أن الله عزَّ وجلَّ قد حصر النبوَّةَ والرسالة في الرجال دون النساء(7) كما قال تعالى في محكم التنزيل : (( ومـا أرسَـلنا قَبْلَكَ إلا رجالاً نُوحي إليهم )) الأنبياء 7 ، لأن الرجال أقدر على تبليغ الرسالة للناس والقيام بهذه المهمة الصعبة ، ولا يعني جَعْلُ القوامةِ للرجال على النساء أن الرجالَ أفضلُ درجاتٍ عند الله عزَّ وجلَّ من النِّساء ، فإنَّ للتفاضل في الدرجات عند الله معايير أخرى غير القوامة وغير اختلاف الجنس ( انظر : ذكر ، عقل )
4 ـ اسـتقلاليـة الأنثى : للأنثى في الإسلام هويتُها المستقلَّة التي تبقى من حقِّها طوال حياتها ، فهي مثلاً لا تُلحق بنَسَبِ زوجِها ولا يُلغى نَسَبُها ، وقد جعلَ لها الشارعُ إذا رَشَدَتْ ذمَّتَها المالية المستقلة ، وجعلَ لها حريَّةَ التعبير عن إرادتها ، كأن تُستأذن في الزواج إن كانت بكراً ، وتُستأمر إن كانت ثيباً ، وبهذا كان تكريم الإسلام للمرأة كبيراً ومتميِّزاً عما تفعله كثير من الأمم التي تطمس شخصيَّةَ الأنثى وتلغي الكثير من حقوقها ، حتى إن بعض الأمم تلغي اسمها وتلحقها باسم زوجها وتجعلها تابعة له بمجرد الزواج !
5 ـ عورة الأنثى : نظراً لطبيعة الأنثى التي تميل للرِّقـَّة والجمال فقد جعل الشارعُ جميع بدنها عورةً على الأجانب ، وطالبَها بالمحافظة على أنوثتها ، فحرَّم عليها التشبُّهَ بالرجال ، وأباح لها أن تتزين بزينة لم يبحها للذَّكر ، وطالبها بالتستر والحجاب ، وعدم الاختلاط بالرجال الأجانب أو الخلوة بهم من غير ضرورة مشروعة ، وذلك صيانة لها من التحرُّش والأذى من قبل بعض الأشخاص ضعاف الإيمان ( انظر : حجاب ، زينة ، عورة )
6 ـ العلوم الواجبة على الأنثى : يجب على الأنثى أن تتعلم ما تحتاج إليه من أحكام الحيض والنفاس والوطء والعدة ونحوها من الأمور التي تَعْرِضُ للأنثى وتترتب عليها أحكام خاصة بها دون الذكور ، وأوجب على زوجها أو وليّها أن يساعدها في هذا التعلم ، وحرَّم عليه منعَها منه ، وأجاز لها إذا منعها من ذلك أنْ تخرج بغير إذنه لتتعلم ما يجب عليها أن تتعلَّمه شرعاً ، لأنَّ هذا التعلم ضروريٌّ لصحة عباداتها وتصرفاتها .
7 ـ إعفـاء الأنثى من بعض التكاليف : نظراً لما يعتري المرأة من ظروف لا تعتري الرجل ، كالحيض والحمل والولادة والنفاس ، فقد خفَّف الشارع عنها بعض التكاليف الشرعية في هذه الأحوال ، فأسقط عنها الصلاة في الحيض والنفاس ، ورخَّص للحامل والمرضع الفطر في رمضان ( انظر : رخصة ) وأعفى النساء من بعض الأعمال التي تحتاج إلى جهدٍ جسديٍّ وذهنيٍّ لا يتوفر فيهن غالباً ، مثل تولِّي الإمارة العامة ، والجهاد ، وجعل شهادتَها في الوقائع على النصف مـن شهادة الرجل .. ونظراً لأن المرأة أكثر حناناً وشفقةً من الرجل فقد قَدَّم حقَّها في الحضانة على حقِّ الأب .
8 ـ نفقة الأنثى : بما أنَّ الأصل في عمل المرأة هو رعاية بيتها وزوجها وأولادهـا ، فقد جعل نفقتها على زوجها أو وليِّ أمرها حتى وإنْ كانت غنيَّةً ، وجعل له بالمقابل القوامةَ عليها كما ذكرنا آنفاً .
9 ـ حقوق المرأة ( Woman Rights ) : إن كل ما قدمناه يدلُّ دلالة واضحة على عناية الإسلام بالأنثى ، ورعايته لها ، وإعطائها كافة الحقوق التي تكفل لها حياة كريمة ، وتجعلها على قدم المساواة مع الرجل ، إلا في جزئيات محدودة خصَّها الإسلامُ بها ، لا لأنها أقل شأنا في ميزان الإسلام من الرجل ، ولكن مراعاة لطبيعتها كما بيَّنا .. بينما كانت المرأة قبل الإسلام هَمَلاً لا قيمة لها ولا رأي ولا حقوق ، ولم تكد البشرية البعيدة عن الهدي السماوي تهتدي للعناية بالمرأة وإعطائها حقوقها إلا منذ فترة قريبة جداً ، فقد ظلَّ الناس في أوروبا يَشُكُّون بإنسانية المرأة حتى منتصف القرن السادس عشر الميلادي ، إلى أن عقد اجتماع في فرنسا عام 1586م قرر فيه المجتمعون بعد جدال طويل أن المرأة إنسان ولكنها مخلوقة لخدمة الرجل !
أما أول حركة للمطالبة بحقوق المرأة السياسية فقد قامت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي ، وأول مؤتمر عقد لذلك كان في الولايات المتحدة عام 1848م ، أما في إنكلترا فقد بدأت الحركة للمطالبة بهذا الحق في العام 1851م ، وكان المفكر ( ستيوارت مل ) بكتابه ( استعباد المرأة ) الذي نشره في العام 1869م أكثر من هيأ الأذهان لهذه القضية ، وبعد الحرب العالمية الأولى ( 1914 ـ 1918م ) بدأت الدول الأوروبية تباعاً تعترف بهذا الحق للمرأة .. ولم تُساوي جامعة أكسفورد العريقة بين الطلاب والطالبات في الحقوق ( في الأندية واتحاد الطلبة ونحوها ) إلا في العام 1964م !
وأما الحقوق الكاملة للمرأة فلم تقرر عالمياً إلا في العام 1979م حين تبنَّت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية ( القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ) المعروفـة باسـم اتفاقيــــة ( CEDAW ) التي دخلت حيِّز التنفيذ في العام 1981م ، وهي تركز على مبادئ حقوق الإنسان التي أكد عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، والعهـــد الدولـي لحقـوق الإنسـان ( انظر : إنسان ) مع التأكيد على استقلالية المرأة اجتماعياً وقانونياً .. إلا أن بعض بنود هذه الاتفاقية تخالف في تفصيلاتها بعض التشريعات الإسلامية ، وهذا ما جعل معظم الدول الإسلامية تمتنع عـن توقيع هذه الاتفاقية ، أو تتحفظ على بعض بنودها(8) ، وهذا ما يجعل الحاجة ملحة لوضع ( شرعة إسلامية لحقوق المرأة ) لبيان حقوقها الكاملة كما قررها الخالق عزَّ وجلَّ ، ولبيان ما في المواثيق الدوليـة المعاصرة من أحكام يُقِرُّها الشَّرع ، وما فيها أيضاً من مخالفات لا يقرُّها .
إنســان
الإنسـان ( Human ) : الواحد مـن أفراد الجنس البشري ، ولفظ ( الإنسـان ) يطلق على المفرد والجمع ، وعلى الذَّكَر والأنثى ، وذهب الكوفيون من أهل اللغة إلى أن الإنسان مأخوذ من النسيان وهمزته زائدة ، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : إنما سُمي إنساناً لأنـه عُهِدَ إليه فَنَسِيَ ، كما قال تعالى : (( ولقـد عَهِدنـا إلى آدمَ من قَبْلُ فَنَسيَ ولم نجـد لـه عزمـاً )) طه 115 .
أحكام الإنســان :
1 ـ تاريخ خلق الإنسان : يعود نسل البشر كلهم إلى نَفْسٍ واحدةٍ كما بيَّن الله عزَّ وجلَّ حيث قال : (( يـا أَيُّها النَّاسُ اتَّقُوا ربَّكم الذي خلقَكم من نفسٍ واحدةٍ وخلقَ منها زوجَها وبثَّ منهمـا رجالاً كثيراً ونساءً ، واتَّقُوا اللهَ الذي تَساءلون بـهِ والأرحامَ ، إِنَّ اللهَ كانَ عليكُم رقيباً )) سورة النساء 1 ، وقد ذكر النبيُّ هذا المعنى بقوله:( النَّاسُ كلُّهم بنو آدم ، وآدم خُلِقَ من تُراب )(1) ، ولم يحدد القرآنُ الكريمُ بدايةَ تاريخ الإنسان في هذا الوجود ، واكتفى بخبر مجمل عن ابتداء ذلك التاريخ بخلق آدم عليه السلام ، في قوله تعالى : (( وإِذْ قالَ ربُّكَ للملئكةِ إِنِّي جاعلٌ في الأرضِ خليفـةً ، قالوا أتجعلُ فيها مَنْ يُفسِدُ فيها ويسفكُ الدماءَ ونحنُ نسبِّحُ بحَمْدِكَ ونقدِّسُ لكَ ، قالَ إنِّي أعلمُ ما لا تعلمون )) البقرة 30 ، والظاهر من بعض الآيات أن الإنسان لم يكن أول المخلوقات الحية التي ظهرت على سطح الأرض ، وهذا ما نستشفُّه من قول الملائكة عليهم السلام في الآية المتقدمة : (( .. أَتجعلُ فيها من يُفسِدُ فيها ويسفِـكُ الدمـاءَ ونحنُ نسبِّحُ بحمدكَ ونُقَدِّسُ لَكَ )) فكأن الملائكة كانوا يرون في الأرض قبل الإنسان مخلوقاتٍ تُفْسِدُ وتَسْفـِكُ الدماءَ ، وبما أن الدماء لا تكون إلا في الأحياء ، فإنَّ هذا يدلُّ على ظهور أحياء أخرى في الأرض قبل ظهور الإنسان ( ؟ ) وقد ورد في الصحيح ما يؤكد هذا المعنى فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه حيث قال : ( أخذَ رسولُ اللهِ بيدي فقالَ : خَلَقَ اللهُ عزَّ وجلَّ التربةَ يومَ السبت ، وخلقَ فيها الجبالَ يومَ الأحد ، وخلقَ الشَّجرَ يومَ الاثنين ، وخلقَ المكروهَ يومَ الثلاثاء ، وخلقَ النّورَ يومَ الأربعاء ، وبثَّ فيها الدوابَّ يوم الخميس ، وخلقَ آدمَ عليه السلام بعدَ العصرِ من يومِ الجمعة ، في آخر الخلق ، في آخر ساعةٍ من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل )(2) فهذا الترتيب الذي ذكـره النبيُّ يدلُّ أيضاً على أن مخلوقات حية قد سبقت الإنسان في الظهور ، وأن ظهوره قد تأخر عن بداية ظهور تلك المخلوقات مدة طويلة جداً ، فالأيام المشار إليها في الحديث الذي تقدم ليست كأيامنا نحن أهلَ الأرض ، بل قد يعدل اليوم الواحد عند الله عزَّ وجلَّ ألف سنة من سنوات الأرض (( .. وإنَّ يوماً عند ربِّكَ كألفِ سنةٍ مما تَعُدُّون )) الحج 47 ، وقد يعدل اليوم عنده خمسين ألف سـنة كما قال تعالى : (( تَعْرُجُ الملائكـةُ والرُّوحُ إليه في يـومٍ كان مِقـْدارُهُ خمسين ألـفَ سـنـةٍ )) المعارج 4 ، وربما يعـدل أكثـر مـن هـذا بآماد سحيقة ، والله تعالى أعلـم .
وقد أكدت البحوثُ والدراساتُ العلميةُ الحديثةُ هذه الحقائقَ ، وأثبتت أنَّ ظهورَ الأحياء في الأرض قد حصل وفق الترتيب الذي ذكره النبيُّ ، وأنَّ الإنسانَ قد ظهـر في آخر قائمة المخلوقات الحية ، فإنَّ أقدم المستحاثات أو الأحافير ( Fossils ) التي عثر عليها العلمـاء لهياكلَ تُشبـه البشـرَ لا يزيـد عمرهـا عن ( 3 ملايين سنة ) أما الأحافير التي وجد فيها العلماءُ صفاتِ الإنسان كما نعرفه اليوم فلا يزيد عمرها عن ( 100 ألف ـ 140 ألف سنة ) وهذا يعني أن تاريخ الإنسان في هذا الوجود حديثٌ جداً إذا ما قُورن مثلاً بعمـر الكون الذي قدَّره العلماء بأكثر من ( 15 مليار سنة ) أو عمر المجموعة الشمسية ( 5 مليارات سنة ) أو عمر الأرض ( 4.5 مليار سنة ) أو ظهور أول بوادر الحياة في الأرض ( 4 مليارات سنة ) أو ظهور الفقاريات ( 450 مليون سنة ) التي دَرَجَ العلماءُ على تصنيف الإنسان في زمرتها(3) ، ولـو أننا مثَّلنا عمرَ المجموعة الشمسية بسنة واحدة ، لوجدنا أنَّ أول ظهور للإنسان على مسرح الوجود كان في صباح آخر يوم من أيام هذه السنة ، عند الساعة الرابعة وخمس عشرة دقيقة فجراً(4) ، فالجنس البشري على هذه الحال ما يزال في مرحلة الطفولة الأولى ، إذا ما قارنَّا تاريخه بتاريخ بقية المخلوقات الحية التي يحفل بها سطح الأرض ( انظر : حيـاة )
2 ـ تركيب الإنسـان : لقد بيَّن اللهُ عزَّ وجلَّ في كتابه الكريم أنَّ الإنسان مثله مثل بقية الأحياء قد خُلق من ( مـاء + تراب ) كما قال تعالى : (( وجعلنا من الماءِ كلَّ شيءٍ حـيٍّ )) الأنبياء 30 ، وقال تعالى : (( يا أيها النَّاسُ إنْ كنتُم في ريبٍ مـن البعثِ فإِنَّا خلقْناكُم من تُرابٍ )) الحج 5 ، وقد أثبـت العلم أن المـاءَ يشكل ثلثي جسـم الإنسـان ، بينما يشكل التراب الثلـث الآخـر ( 35 % ) وهـو خليط مـن عناصر مختلفة أهمها : الكربون ، النتروجين ، الحديد ، الكالسيوم،الفوسفات ، المغنزيوم ، المنغنيز وبعض العناصر الثمينة والنادرة كالذهب والفضة وغيرهـا .. وقد أثبت التحليلُ الكيميائيُّ لجسم الإنسان هذه الحقائق التي ذكرها القرآن الكريم قبل قرون طويلة ( انظر : جنين ، خَلْق )
وإذا ما تأملنا هذا التركيب المادي للإنسان وجدناه لا يزيد عن حفنة من التراب وبضعة لترات من الماء ، ولكنه بالرغم من بساطة هذا التركيب فقد أصبح سيد المخلوقات بلا منازع ، وذلك بما وهبه خالقُه عزَّ وجلَّ من طاقات عقلية جبارة لم توهب لغيره من المخلوقات ، وبما أودع فيه من الاستعدادات البدنية والطموحات النفسية التي جعلته في زمن قصير جداً يغيِّر وجه الأرض ، وينجز الكثير من الإنجازات الرائعة التي عجزت عنها كل المخلوقات التي سبقته إلى الوجود بملايين السنين ، والتي منها مخلوقات أكثر منه عدداً وأقوى منه بما لا يقاس !
ولم يكتف الإنسان بهذا كله ، بل راح يتطلع لارتياد الفضاء ، وإعمار الكواكب والمجرات ، ولهذا وصفه خالقه فقال : (( لَقَدْ خَلَقْنا الإنسانَ في أحْسَنِ تَقْويمٍ )) سورة التين 4 ، قال ابن العربي في معرض تفسيره لهذه الآية الكريمة : ( فليس لله تعالى خلقٌ أحسن من الإنسان ، فإنَّ اللهَ خَلَقَهُ حيَّاً عالماً ، قادراً مُريداً متكلِّماً ، سميعاً بصيراً ، مدبِّراً حكيماً ، وهـذه صفـات الربِّ سبحانه ، وعنها عبَّر بعض العلماء ، ووقع البيان بقوله : إنَّ اللهَ خَلَقَ آدمَ على صورتـه . يعني على صفاته التي قدمنـا ذكرهـا ، وفي رواية : على صورة الرحمن . ومن أين تكون للرحمن صورة متشخصة ؟! فلـم يبـقَ إلا أن تكون معاني )(5) أي إن الخالق عزَّ وجلَّ قد مَنَّ على الإنسان من بين سـائر مخلوقاتـه ، فأضفى عليه مـن الصِّفـات العُليـا في تكوينه البدني والعقلي والنفسي ، وعلَّمه ما لم يعلِّمه لأحد من مخلوقاته الأخرى (( وعلَّمَ آدمَ الأسماء كلَّها )) البقرة 31 ، فجعله بذلك التكوين المتفرِّد وبهذا العلم الذي اختصه به سيَّدَ المخلوقات بلا منازع وفتح له الباب على مصراعيه فسخر لـه مـا في السمـاوات ومـا في الأرض ! ( انظر : بحث علمي )
3 ـ عمر الإنسان : وعمر الإنسان وسط بين بقية المخلوقات ، فهو لا يبلغ عمر بعض الأشجار المعمِّرة التي يعمِّر بعضها ( عشرة آلاف عام ) ولا يتدنى عمر الإنسان إلى عمر المخلوقات البدائية كالجراثيم والفيروسات التي لا تعمر سوى دقائق معدودات ! والظاهر من تتبع تاريخ الإنسان أن متوسط عمره آخذ بالارتفاع مع تحسن مستوى المعيشة ، وتوافر الوسائل الطبية التي تساعد على مقاومة الأمراض ، ويقدر حالياً أن متوسط العمر يتراوح ما بين ( 63 ـ 75 عاماً ) مع تفاوت ما بين البلدان المختلفة بحسب مستوى المعيشة في كل منها ( انظر : عمر )
4 ـ النمـوُّ البشري : قلنا إن البشرية بدأت بخلق آدم عليه السلام ، ثم أخذت تتكاثر وتنتشر في الأرض ، ببطء أولاً ، ثم بتسارع مطَّرد ، وتقول الإحصائيات إنه في العصر الزراعي الأول ، أي قبل حوالي 8000 سنة من ميـلاد السيـد المسيح عليـه السلام لم يكن تعـداد البشـر الذين يعيشون في الأرض يتجاوز ( 5 ملايين نسمة ) فقط ! وفي مطلع الميـلاد وصـل التعداد إلى ( 200 مليـــون نسـمــة ) وفي مطلع القـرن العشريـن الميـلادي وصـل إلى ( 1.7 مليار نسمة ) وفي منتصف القرن العشرين بدأت معدلات النمو تتزايد بصورة ملحوظة ليصل التعداد إلى ( 6 مليارات نسمة ) في نهاية القرن العشرين(6)، ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الرقم عدة مرات في غضون القرن القادم ( انظر الرسم أدناه )(7) :
ويتوقع الباحثون أن يسبب هذا التسارع المطَّرد مشكلات اجتماعية شتى ، منـها : ارتفـاع معدلات البطالة ، وانتشار الفقر ، وتفشي الأمراض ، وكثرة الجرائم ، وهـذا مـا دفـع بعض الباحثين والسَّاسـة للدعوة إلى تحديد النسل ( Birth Limitation) بحجة أن تحديد النسل كفيل بالحد من تلك المشكلات ( !؟ ) لكننا نعتقد أن القضية لا تنحصر بارتفاع معدلات النمو في بعض الأمم ، بل لها عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية أخرى تساهم ـ إلى جانب النمـو البشري المطرد ـ في تفاقم الأزمة ، فإذا ما تأملنا مثلاً خريطة العالم الاقتصادية والاجتماعية اليوم فإننـا نرى بوضوح سوء توزيع الثروات بين الأمم ، وتسلط الدول القويـة على مقـدَّرات الشـعوب المستضعفة ، والإساءة في إنفاق هذه الدول المتجبِّرة على حساب تلك الدول .. وعلى سبيل المثال فإنَّ الأمريكيين والأوروبيين الذين مازال أكثرهم يعيش على نهب ثروات الآخرين ينفقون على اقتنـاء الروائح والعطـور ومستحضرات التجميل(20 مليار دولار سنوياً ) وهو مبلغ يكفي ( 3 مرات ) لتغطيـة نفقـات التعليـم الأسـاسـي لكل شـخص يحتاج إليـه في شـتى بقـاع العالـم ! كما ينفق الأوروبيون وحدهم ( 17 مليار دولار سنوياً ) على شراء غـذاء لحيواناتهم المنزليـة المدللة ، بينما يفتقر ( 4.4مليـار نسـمة ) مـن سكان الـدول الناميـة للغـذاء الكافي والسكن الصحي ! وينفق طفل واحد في الدول الصناعية المتقدمة ما يعادل إنفاق ( 30 طفلاً ) مـن الدول النامية ، وتتناول الدول الصناعية من اللحم ( 11 مِثـْلاً ) مما تتناوله الدول النامية ، ويمتلك ( 225 شـخصاً ) فقط مـن أغنياء العالم ما يقابل دخل ( 2.5 مليار شخص ) من سكان العالم النامي(8)، وهذه فقط عينة محدودة جداً تدلُّ بوضوح على أنَّ الأسباب التي تزيد من وطأة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية في العالم لا تنحصر في النمو البشري المطرد ، بل تتعداه لعوامل أخرى أدهى وأمرّ !
ولا ريب في أن هذه الحقائق المُرَّة تتطلب من الباحثين والساسة المسلمين أن يبذلوا المزيد من الجهد لبيان الأبعاد الحقيقة لأزمة النمو البشري ، وبخاصة أن النبيَّ يدعونا للتكاثر : ( تَزَوَّجوا الوَدودَ الوَلود فإِنِّي مُكاثِرٌ بِكُم الأممَ )(9) ، وهـذا لا يتعارض مع تنظيم الإنجاب الذي أقرَّته المجامع الفقهية المختلفة لما فيه من مصلحة لكل من الأم والأولاد ، بـل للأسـرة كلها ( انظر : حمل ، زواج ، ولادة )
5 ـ تكريم الإنسـان : لقد خلق الله عزَّ وجلَّ السماوات والأرض وبثَّ فيها أنواعاً لا تُعد ولا تحصى من المخلوقات الحية التي يزيد عدد أنواعها ـ وليس أفرادها ـ عن (30 مليون نوع ) وفق بعض التقديرات العلمية الحديثة(10)، ولكنه سبحانه وتعالى ـ لحكمة هو أعلم بها ـ قد اختار الإنسان من بين كل هذه المخلوقات ليحمل الأمانة ، ويقوم بواجب الخلافة ، ويكون أكرم المخلوقات : (( ولقد كَرَّمْنا بني آدمَ وحملناهم في البَرِّ والبحرِ ، ورزقناهم من الطَّيِّباتِ ، وفضَّلناهم على كثير ممَّن خلقنا تفضيلاً )) الإسراء 70 ، ومن دلائل إكرامه تعالى للإنسان أنه أسجد له ملائكته المكرمين (( وإذ قال ربُّكَ للملئكة إنِّي خالقٌ بشراً من صلصال من حَمَأ مسنون * فإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فيه من روحي فَقَعوا لـه ساجدين )) الحجر 28 ـ 29 ، وسخَّر له كل المخلوقـات الأخـرى لتكـون في متنـاول يده : (( وسَخَّرَ لكم ما في السَّموات وما في الأرضِ جميعاً منهُ )) الجاثية 13 ، وآتاه من أصناف النِّعَم كل مـا تشتهيه نفسه : (( وآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَألتُموه ، وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحصوها )) إبراهيم 34 ، وأكرمـه فخلقـه على هيئـة بديعـة مُحْكَمـَةٍ لا مثيـل لهـا فـي بقيـة المخلوقـات : (( لقد خَلَقنا الإنسانَ في أحسنِ تَقْويم )) التين 4 ، وشرَّفه فمنحه ( العقل ) من دون سائر المخلوقات وأهَّله به للعلم والمعرفة والتدبير وفنون العلم المختلفة ، وأقدره به على تسخير بقية المخلوقات حتى جعله السيَّدَ فيها ، وقد برهنت شواهد الأيام على حكمة الله تعالى في تكريم الإنسان الذي ظنت الملائكة عندما علموا بخبر خلقه أنه سيُفسد في الأرض ويسفك الدماء شـأن بقية المخلوقـات التي سـبقته إلى هذا الوجود ، فبيَّن الله عزَّ وجلَّ لهم خطأ ظنهم ذاك ، وقال لهم قولة العليم الخبير :(( إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعلمون )) البقرة 30 ، فهذا المخلوق الذي تظنون به الظنون سوف يكون له شأن عظيم ، وسوف يحقق مـن الإنجازات والأعمال الباهرة مـا لا يخطر بالبال .. وهكذا كان .. فإن الإنسان على الرغم من حداثة عهده في هذا الوجود بالمقارنة مع بقية المخلوقات التي سبقته في الظهور بملايين السنين قد حقق من الإنجازات الباهرة ما لم يستطع أحد من المخلوقات أن يحققه ، فقد استطاع في سنوات قليلة من عمر الزمان أن يسيطر على البر والبحر كما أشارت الآية الكريمة التي أوردناها آنفاً .. ولم يلبث أن فجَّر الذَّرة فاستخرج منها طاقة هائلة مرعبة تذكِّرنا بقدرة الجن والعفاريت .. ثم ارتاد الفضاء وحلَّق في الآفاق البعيدة فتحرَّر من أسر الأرض وحطَّت قدماه فوق سطح القمر في لحظة تاريخية نادرة ، بدت كالأساطير للملايين الذين شاهدوها على شاشات التلفزيون لحظةَ وقوعها .. وقد أنجز الإنسان خلال عمره الوجيز من الاختراعات والآلات والأجهزة والأدوات ما مكَّنه من سماع ما لم يكن يسمع ، ورؤية ما لم يكن يرى ! وهو اليوم على أعتـاب فتوحـات جديـدة لا يعلم مداها إلا الله عزَّ وجل(11)، وهـذه كلها شواهد دامغة على حكمة الخالق عزَّ وجلَّ باختيار الإنسان للخلافة ، وتكريمه بحمل الأمانـة !
6 ـ طبيعة الإنسـان : وتكريم الإنسان بالصورة التي قدمناها لا يعني أن الإنسان كاملٌ في كلِّ شيء أو بريء من النواقص والعيوب ، فإن كل مخلوق مهمـا علا شأنه لابد أن ينطوي على نوع مـن النقص والعيب ، والكمال لا يكون إلا لله عزَّ وجلَّ وحده .. وعلى الرغم مما امتاز به الإنسان عن سائر المخلوقات من خلقة حسنة بديعة ، وعقل وتدبير وحكمة ، فإنه شأن بقية المخلوقات الأخرى لا يخلو من الضعف كما وصفه خالقه فقال : (( .. وخُلِقَ الإنسانُ ضعيفـاً )) سورة النساء 28 ، وقد بين الخالق عزَّ وجلَّ في كتابه العزيز جوانب الضعف البدني والنفسي والعاطفي والعقلي في الإنسان ، وهي جوانب تؤكدها الشواهد اليومية أيضاً ، فالإنسان على سبيل المثال أضعف بدنياً من كثير من المخلوقات الحية التي تشاطره العيش في الأرض ، كالحصان والفيل والسِّباع ونحوها ، كما أنه ضعيف نفسياً وعاطفياً ، فإن ( هـواهُ يَستميلُهُ ، وشَهْوَتـُهُ وغَضَبُهُ يستخفَّانه )(12) ، والإنسان فوق هذا وذاك يفتقد للرَّويَّة وحسن التدبير ، ويستعجل الأمور بلا مبرِّر : (( خُلِقَ الإنسـانُ مـن عَجَلٍ )) سـورة الأنبيـاء 37 ، وأيضــاً : (( وكانَ الإنسانُ عَجُولاً )) الإسراء 11 ، وهو سريع الخوف يفزع لأقل طارئ يصيبه : (( إنَّ الإنســـانَ خُلِقَ هَلوعــاً )) المعارج 19 ، وإذا مــا أنعم اللهُ عليه أعرض عن ربه ونسي فضله : (( وإذا أنْعَمْنـا على الإنسـانِ أعْرَضَ وَنـَأى بجانبهِ )) الإسراء 83 ، وهو لا يكتفي بالإعراض بل يتمادى ويستكبر ويطغى ويتجبَّر : (( كلا إنَّ الإنسانَ لَيَطغى أنْ رآهُ استغنى )) العلق 6 ، حتى إذا فقـد النعمـة انقلبت حالـه من سيء إلى أسوأ ، فاستبدُّ به اليأس ، وكفر بربِّهِ وأنكر النعمة : (( ولَئِنْ أذَقْنـا الإنسـانَ منَّا رحمةً ثمَّ نزعناها منه إنه ليئوسٌ كفور )) هود 9 .
وليس هذا كل شيء ، فالإنسان أيضاً ميال للجدال والمخاصمة والنزاع ، بحقٍّ أحياناً ، وبغير حقٍّ في أغلب الأحيان : (( وكان الإنسانُ أكثَرَ شيءٍ جَدَلاً )) الكهف 54 ، وهكذا تمضي الآيـات الكريمـات لتبين للإنسـان جوانـب الضعف البشري التي رُكِّبت فيـه ، لا لتصيبه بالإحباط واليأس ، بل ليعرف الإنسان طبيعة نفسه ، وما فيه من نقائص وعيوب ، فيعمل على تجاوزها ، ويجاهد نفسه وهواه وشـهواتـه ليرتفع بإيمانه وتقواه إلى أعلى علِّيين ، أو يساير هواه وشهواته ويترك الحبل على الغارب لهذه النقائص والعيوب فيهوي إلى أسفل سافلين !
وليس هناك أبلغ مـن وصف الخالق عزَّ وجلَّ لهذه الطبيعة البشريـة التي تنطوي على الاسـتعداد للسمـو ، والاسـتعداد للانتكاس : (( ونفسٍ ومـا سـوَّاهـا * فألهمها فُجورَهـا وتَقْواهـا * قــد أفلح مــن زكَّاهـا * وقـد خاب مـن دسَّاهـا )) الشمس 7 ـ 10 .
7 ـ حقـوق الإنســان ( Human Rights ) : لقد قرر الإسلام للإنسان حقوقه الكاملة في شتى جوانب حياته ونشاطه ومعاشه منذ أن يكون جنيناً في بطن أمه وحتى وفاته ، ولم يفرق الإسلام بين الذكر والأنثى في هذه الحقوق إلا في حدود ضيقة جداً مراعاة للاختلافات العضويـة والوظيفية بيـنهما ( انظر : أهلية ، ذكر ، أنثى ، زوج .. ) ولعل أول شِرْعَةٍ لحقوق الإنســـان هي تلك التي بينها النبيُّ فـي ( خطبة الوداع ) حيـث قـال : ( يا أيها الناس ، ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ، ألا لا فضـل لعربـي علـى أعجمي ، ولا لعجمي على عربي ، ولا لأحمر على أسـود ، ولا أسـود على أحمـر إلا بالتقوى .. )(13) ، ففي هذا الإعلان النبوي بيان صريح لتساوي البشر في الإنسانية ، وأنه لا فرق بينهم ولا تفاضـل إلا بالتقوى التي هي ميزان إلهي محض .
وبهذا كان الإسلام سباقاً في تقريره لحقوق الإنسان قبل أمم الأرض بزمن بعيد ، فإن أول وثيقة وضعيَّة تحدثت صراحة عن حقوق الإنسان هي التي وضعها الفرنسي ( سييس ) إبان الثورة الفرنسية الشهيرة ، وقد وافقت عليها الجمعية التأسيسية الفرنسية في 26 آب ( أغسطس ) 1781م ، لكنها لم تدرج في الدستور الفرنسي إلا في العام 1791م ، وقد استمدت هذه الوثيقة موادَّها من نظريات المفكر الفرنسي ( جان جاك روسو ) وإعلان الاستقلال الأمريكي ، ونصَّت على حقوق الإنسان التي لا يجوز التصرف بها ( الحرية والمُلكية والأمن ) وأكدت على المساواة بين المواطنين ، وأن الشعب هو مصدر السلطات ، وكان لها تأثير قويٌّ على حريَّة الرأي في القرن التاسع عشر الميلادي(14)، وقد استغرق الأمر نحو قرنين من الزمان قبل أن تصدر الجمعية العامة للأمم المتحدة ( الإعلان الدولـي لحقوق الإنسان ) في العام 1948م الذي استهدف أن يتمتع كل إنسان بأقصى درجات الحرية والكرامة ، ثم كان العام 1976م نقطة تحول في مجال حقوق الإنسان بعد أن وضعت الأمم المتحدة موضع التنفيذ ثلاثة صكوك هامة هي : العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ، والبروتوكول الاختياري .. وقد كان لهذا الإعلان تأثير واسع في مختلف أنحاء العالم ، وأصبح مصـدر وحي للدساتيـر والقوانين الوطنية ، كما دفع لانبثاق منظمات عالمية وإقليمية ووطنية مهمتها المراقبة والدعوة للحفاظ على حقوق الإنسان(15).
إلا أن هناك عدداً من البنود التي وردت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تخالف في تفصيلاتها بعض الأحكام الشرعية ، وهذا ما حدا بمؤتمر القمة الإسلامي لإصدار ( شرعة حقوق الإنسـان في الإسلام ) في العام 1401هـ / 1980م التي حدَّدت مختلف الحقوق والحريات والواجبات الإنسانية على ضوء الشريعة الإسلامية ، وأكدت على أن كل هذه الحقوق والحريات والواجبات مقيدة بأحكام الشريعة الإسـلامية ومقاصدها ، وأن الشريعة الإسلامية بمصادرها الأساسية المعتمَدة هي المرجع الوحيد لتفسير أو توضيح أي مادة من مواد هذه الوثيقة(16).
8 ـ مصير الإنسـان : لقد رأينا فيما قدمناه أن الله عزَّ وجلَّ قد فضَّل الإنسان على سائر المخلوقات ، وسخَّر لـه مـا في السماوات والأرض ، وأعطاه مـن القدرات العقلية والبدنية مـا أهَّله لحمل الأمانة والاستخلاف دون سائر المخلوقات الأخرى .. فما الـذي سـوف يفعله الإنسان في حياته ؟ وما هو مصيره في آخر المطاف ؟
إن الدلائل التي نستشفها من آيات القرآن الكريم أن الإنسان سوف يفعل الكثير في هذه الحياة الدنيا ، وأن رحلته في هذا الوجود سوف تسفر عن إنجازات عظيمة ، كما قدمنا عند الحديث عن تكريم الإنسان ، وكما نستشفُّ من قول الحق تبارك وتعالى لملائكته حين أخبرهم عن حقيقة الإنسان وأفعاله ومصيره : (( إنِّي أعلمُ ما لا تَعلمون ))
ومن خلال تأمل الآيات التي تحدثت عن خلق الإنسان ، والتفكر في تاريخ هذا الوجود ، والتدبر في حكمة الخالق عزَّ وجلَّ من خلق الإنسان وخلق هذا الوجود ، فإننا نميل للاعتقاد بأن الإنسان ما يزال حتى الآن عند البدايات ، وأن الأرض ليست سوى رحم عابرة حملت الإنسان حيناً من الدهر ، لتدفع به بعد ذلك لارتياد العوالم الأخرى في هذا الكون الشاسع ! ويبدو أن الإنسان قد استكمل فترة حمله في هـذه الرحم ، وبـدأ منذ قليل مرحلة المخاض والولادة التي شاهدنا أول علاماتها حين تحرر الإنسان مـن الرحم ، وخرج منهـا ليدور خارج الغلاف الجوي للأرض ، ثم حطَّ على سطح القمر ، معلناً على الملأ ، وعبر شاشات التلفزيون ، خبر ولادته رسمياً في العام 1969م !
وما يحملنا على الاعتقاد بأن الإنسان ما يزال عند البدايات ، هو تفكرنا في ذلك الزمن الطويل الذي مرَّ على الكون قبل أن يظهر فيه الإنسانُ ، فإن تاريخ الجنس البشري في هذا الوجود لا يعد شيئاً مذكوراً إذا ما قارنَّاه بعمر الكون كما قدمنا ، فهل يعقل أن يكون الإنسان قد جاء في آخر المهرجان ليقول كلمة الختام ثم يمضي ؟! إن التفكر بالمسألة على هذا النحو يجعلنا نميل للاعتقاد بأن حياة الإنسان في هـذا الوجود سوف تكون أطول بكثير مما يعتقد أغلب الناس ، وأطول مما يوحي ظاهر النصوص والآثـار التي تعرَّضت لهذه المسألـة ، والله تعالى أعلم .
ولكن ، هل يعني هذا أن الجنس البشري سوف يخلد في هذه الدنيا ؟ لا .. أبداً .. فإن الآيات والنصوص صريحة بأن البشر جميعاً سوف يموتون ، ثم يُبعثون يوم القيامة ، كما قال تعالى : (( قُلِ اللهُ يُحييكم ثم يُميتُكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يَعلمون )) سورة الجاثية 26 ، وأن الإنسان سوف يواصل حياته في الدار الآخرة ، وأنه سوف يعيش هناك حياة لا انتهاء لها ، إما في نعيم مقيم إن كان من أهل الإيمان ، وإما في عذاب مقيم إن كان غير ذلك ، فيا سعد من كان مصيره إلى (( جنة عرضها عرض السماوات والأرض أعدت للمتقين )) سورة آل عمران 32 ويا شـقاء مـن انتهى مصيره إلى (( نار جَهَنَّمَ خالداً فيها )) سورة التوبة 63 ، وبئس المصير !
إنعـاش
الإنْعاشُ ( Resuscitation ) : عودةُ النَّشاطِ بعد الفُتور ، أو هو المعالجة الطبية المركَّزة لإعادةُ الوظائفِ الحَيَويَّةِ ( القلب والتنفس ) لمباشرة عملها من جديد بعد أن تكون قد توقفت أو على وشك التوقف ، وهذا التوقف يحصل إما بسبب المرض أو بسبب بعض الحوادث التي تصيب المراكزَ الحيويَّةَ بعَطَبٍ مُؤقَّتٍ .. وقد أتاحت التقنياتُ الطبيةُ الحديثةُ وسائلَ وأجهزة وأدوات متطوِّرَة للإنعاش ، بعضها يفيد في إنعاش القلب بعد توقفه ، وبعضها يُنظِّم ضربات القلب ، وبعضها يقوم بوظيفة التنفس بدلاً عن الرئتين في حال فشل التنفس ، وبعضها يقوم بوظائف الكلية المصابة بالفشل ، وهذه التقنيات المتطورة تساعد يومياً في إنعاش آلاف المرضى والمصابين وتنقذهم من موت شبه محقق !
أحكام الإنعاش :
1 ـ مشروعيـة الإنعاش : الإنعاش نوع من أنواع التداوي المشروع ، والأصل فيه الإباحة ، وقد يأخذ حكمَ الوجوبِ إذا تعيَّن لإنقاذ حياة المريض أو المصاب وغلب على الظن أنَّ تَرْكَه بلا إنعاش يؤدي لوفاته غالباً ، ولهذا يجب على من يحسن الإنعاش أن يبذل ما في وسعه ويواصل محاولة الإنعاش حتى يستردَّ الشخص عافيته أو يتيقن موته ، وفي هذا أجر كبير لعموم قوله تعالى : (( منْ قَتَلَ نفساً بغيرِ نفسٍ أو فسادٍ في الأرضِ فكأنَّما قَتَلَ الناسَ جميعاً ، وَمَنْ أحْيَاها فكأنَّما أحْيَا النَّاسَ جميعاً )) سورة آل عمران 32 ، فإن عمليات الإنعاش في شتى أنحاء العالم تنقذ يومياً آلاف المرضى والمصابين مـن مـوت محقق .. علماً بأن الإنعاش ينفعُ فقط الأحياءَ الذين تُرجى لهم الحياة بإذن الله تعالى ، أي الذين تعطَّلت عندهم بعض الوظائف الحيوية بصورة مؤقَّتة ، مثل توقف القلب وتوقف التنفس ، بشرط أن تكون هذه الوظائف قد تعطلت تعطلاً قابلاً للإنعاش من جديد ولم تصل إلى مرحلة الموت الفعلي بعد .
2 ـ إنعاش الموتى : الإنعاشُ لا ينفعُ الأمواتَ ولا يُعيدُ الحياةَ لمن فَقَدَها ، ولهذا فقد ذهبت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية إلى أنه ( إذا وصل المريض المحتضر إلى المستشفى وهو متوفى ، فإنه لا حاجة لاستعمال جهاز الإنعاش الصناعي .. وإذا كانت حالة المريض غير صالحة تماماً للإنعاش الصناعي فإنه لا حاجة شرعاً لاستعمال جهاز الإنعاش إذا قرر ثلاثة من الأطباء المختصين الثقات ذلك ، ولا يُلتفت إلى رأي أولياء المريض في وضع أجهزة الإنعاش أو رفعها لكون ذلك ليس من اختصاصهم )(1) ، وبناء عليه فإنه لا يجوز إبقاء الميت على أجهزة الإنعاش إلا لضرورة معتبرة شرعاً ، مثل إبقاء المصاب بموت الدماغ الذي هو في حكم الميت طبياً وشرعياً وقانونياً ، وذلك بقصد المحافظة على حياة أعضائه للاستفادة منها وزراعتها في مريض بحاجة إليها ( انظر : حياة ، موت الدماغ )
ولابد من التنبيه هنا إلى ما يشاع بين الحين والآخر من الأخبار عن إنعاش بعض الموتى ، فهي أخبار غير صحيحة على الإطلاق ، لأن الذي يموت يقيناً لا يمكن أن تعود له الحياة في هذه الدنيا أبداً إلى يوم القيامة كما ثبت في الكتاب والسنة ، وما هذه الحوادث المزعومة إلا حالات يعتقد فيها خطأ أن الشخص قد مات ، وما هو في الحقيقة بميت ، ولهذا يمكن إنعاشه لأن الحياة لم تفارقه بعد ( انظر : موت )
3 ـ وقف أجهزة الإنعاش : إذا كان هناك أملٌ بإنعاش المريض والمحافظة على حياته ، فلا يجوزُ إيقافُ أجهزةِ الإنعاشِ عنه لأيِّ سبب كان ، مثل عدم قدرة ذوي المريض على دفع التكاليف الباهظة لأجهزة الإنعاش ، ففي مثل هذه الحالات على السلطات الصحية أن تتحمَّل التكاليفَ صيانةً للحياة الآدمية .
أما إذا ثبت يقيناً لأهل الاختصاص الثقات بأن المريض قد فَقَدَ إلى غيرِ رجعةٍ وظائفَهُ الحيويَّةَ التي عليها تقومُ حياتُهُ ، ولم تكن هناك مصلحة تُرجى من إبقائـه على أجهزة الإنعـاش ( كالرغبة مثلاً في استقطاع بعض أعضائه وزراعتها في مريض بحاجة إليها ) فيجوز عندئذ إيقاف أجهزة الإنعاش ، وقد صدر بهذا الشأن ( القرار رقم 5 ) عن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمّان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من 8 ـ 13 صَفَر 1407هـ ( 11 ـ 16 أكتوبر 1086م ) وقد جـاء فيـه : (( يعتبر شرعاً أنَّ الشخصَ قد ماتَ ، وتترتب جميعُ الأحكام المقرَّرة شرعاً للوفاة عند ذلك إذا تبيَّنتْ فيه إحدى العلامتين التاليتين : 1ـ إذا توقَّف قلبه وتنفُّسه توقفاً تاماً ، وحكم الأطباء بأن هذا التوقف لا رجعة فيه . 2ـ إذا تعطَّلت جميع وظائف دماغه تعطُّلاً نهائياً ، وحكم الأطباءُ الاختصاصيون الخبراء بأن هذا التعطُّلَ لا رجعة فيه ، وأخذ دماغه في التحلل .. وفي هذه الحالة يسوغ رفعُ أجهزة الإنعاش المركَّبة على الشخص ، وإن كان بعض الأعضاء كالقلب مثلاً لا يزال يعمل آلياً بفعل الأجهزة المركَّبة ))(2)
ولكن قبل إيقاف أجهزة الإنعاش ، ينبغي أن يشترك في التحقُّق من موت الشخص فريقٌ طبيٌّ متخصِّصٌ ، ولا ينفرد بالقرار طبيب واحد ، لما يترتب على إيقاف الأجهزة من مصالح متداخلة : للمرضى ولذويهم ولغيرهم ممن لهم مصالح ترتبط بإيقاف الأجهزة وإعلان الوفاة ، وحرصاً على حياة المريض أو المصاب وصوناً لها من العبث أو التلاعب أو المتاجرة ، وبخاصة في الحالات المرشحة لأخذ بعض الأعضاء منها لزراعتها في شخص آخر(3).
ويجب أن ينتظر الأطباء بعد وقف أجهزة الإنعاش مدة مناسبة للتأكد من توقف قلبه وجهازه التنفسي قبل إعلان وفاته(4).
وبما أن الإنعاش يعدُّ عملاً حيوياً ، ويساعد بإذن الله تعالى على استمرار الحياة ، فإن إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي يُعدُّ قتلاً عمداً إذا تم قبل موت الجهاز العصبي للمريض موتاً كاملاً ونهائياً ، وبالمقابل لا يعدُّ ذلك قتلاً إذا ما رُكِّبت الأجهزة بعد موت خلايا المخ ، لأن حياته هنا غير متحققة(5).
4 ـ الأولوية في الإنعاش : إذا كان هناك مريضان أو أكثر وكلٌّ منهم يحتاج حاجة أكيدة لجهاز الإنعاش ، ولا يوجد سوى جهاز إنعاش واحد ، فيجب في هذه الحال ترجيح المصلحة في أيِّهما يستفيد من هذا الجهاز الوحيد : فإذا ما وصل أحدُ المريضين فعلاً إلى مرحلة موت الدماغ ، وأصبح في حكم الميت ، جاز حينئذ رفع أجهزة الإنعاش عنه لاستخدامها في إنعاش المرضى الآخرين ، وهكذا في الحالات المشابهة ، على أن يكون القرارُ بمشورةِ فريقٍ طبيٍّ كما ذكرنا ( وأن يقوم الاختيار على معايير موضوعية ، واعتبارات اجتماعية ، تتصل بمدى نفع الشخص للمجتمع ، وإمكان إنقاذ حياته ، وليس على اعتبارات شخصية تعتمد على المال أو النَّسَب أو السُّلطة أو غيرها )(6) ، أما إذا تعذر الترجيح بين المرضى أيهم أولى بالإنعاش من غيره ، فلا بأس عندئذ من القُرْعة(7) ، والقرعة جائزة شرعاً لورود ذكرها في الكتاب والسنة ، وقد عدَّ الفقهاء القرعةَ أصلاً تُبنى عليه الأحكام الشرعية لإزاحة تهمة المَيْل وتطييب القلوب ، وقد أقرها الفقهاء بالجملة(8).
5 ـ الامتناع عن الإنعاش : لقد ذكرنا عند الحديث عن ( الإسعاف ) أن إسعاف الشخص الذي يحتاج للإسعاف واجب على من حضر الحالة وكان يستطيع إسعافه ، وكذلك حكم الإنعـاش ، فهو عمل إسعافي لا يحتمل التأجيل ، وقد تكون الحدود الفاصلة ما بين الحياة والموت ثوان معدودات ، ولهذا لا يجوز التردد أبداً أمام المصاب الذي هو بحاجة للإنعاش ، مادامت حالته تحتمل الإنعاش ، ومادام المُسْعِف قادراً على إنعاشه ( انظر : إسعاف )
أهليَّـة
الأَهْلِيَّةُ ( Aptitude ) : في اللغة هي الاستعداد للأمر والصَّلاحية له ، وفي الشرع هي صـَلاحِيـَةُ الإنسانِ لوجوب الحقوق له أو عليه
أحكام الأهلية :
1 ـ أنـواع الأهليـة : يميِّز الفقهاءُ بين نوعين من الأهلية هما أهلية الوجوب وأهلية الأداء :
أ) أهلية الوجوب : وتعني صلاحية الإنسان لما يجب له أو عليه من حقوق مشروعة ، وتُبنى أهلية الوجوب على الذمَّة ، ولهذا حدد الشارع للإنسان حقوقاً منذ أن يكون جنيناً في بطن أمه ، لأن له ذمةً مستقلةً عن ذمتها باعتباره نفساً مستقلة عن نفسها(1) ، ومن تلك الحقوق حقُّه في النسب والإرث والوصية والوقف ، إلا أن أهلية الوجوب التي تتعلق بالجنين هي أهليةٌ ناقصةٌ لأنَّهُ لا يُعَدُّ نفساً مستقلةً عن أمه من كل وجه ، ولا تكتمل أهلية الوجوب للجنين إلا بعد ولادته ، فإذا وُلِدَ حياً أو ظهرت عليه بوادر الحياة كالاستهلال بالبكاء ونحوه ولو لمدة وجيزة ثم مات ثبتتْ له الذِّمَّةُ الكاملةُ ، وصارَ أهلاً لاستحقاق ما يجب له ، وأهلاً لأداء ما يجب عليه مثل زكاة الفطر والغُرم والعِوض ، وفي هذه الأحوال يؤدي عنه وليه مادام لم يرشد بعد ( انظر : جنين ، وصية )
ب) أهلية الأداء : وتعني صلاحيةَ الإنسان لصدور الفعل منه على وجه يُعتدُّ به شرعاً ، وهي لا تتم للشخص إلا حين يبلغ سن التمييز ويصبح قادراً على فهم الخطاب ولو على سبيل الإجمال ، فإنْ لم يكتمل نموه الجسمي والعقلي ثبتت له أهلية الأداء القاصرة التي تُناسب نموَّه الجسمي والعقلي أما إذا اكتمل نموُّه ببلوغه ورُشده فحينئذٍ تثبت له أهلية الأداء الكاملة ، ويصبح أهلاً للتحمل والأداء ، على التفصيل الآتي :
(1) مرحلة التمييز : هي السـِّن التي يصبح فيها الطفل مميزاً لما يضرُّه وما ينفعه ، وتبدأ ببلوغ الصبي ( 7 سنين ) وتنتهي بالبلوغ على رأي الجمهور ، وفيها تثبت للصبي أهليـة الأداء القاصرة ، لأن نموه الجسمي والعقلي لم يكتمل بعد .
(2) مرحلة الرشد : والرشد هو الصلاح وإصابة الصواب ، أو هو انتقال الصبي من حال الطفولة إلى حال الرجولة باكتمال نموِّه البدني والعقلي ، وحينها تكتمل أهليتـه لأداء الواجبات وتحمُّل التبعات وترتفع عنه الولايةُ وبهذا يتضح الفرق ما بين الرشد والبلوغ ، إذ بالبلوغ يصبح الصبي أهلاً لأداء الواجبات ولكنه يظلُّ ناقص الأهلية لتحمل التبعات فلا يؤاخذ كما يؤاخذ الراشد ، وبما أنَّ تَحَقُّقَ الرُّشْدِ يختلف من شخص لآخر لأسباب عضوية ونفسية واجتماعية ، فقد اختلف الفقهاء في تحديد سنِّ الرشد ، فقدَّره أبو حنيفة بـ ( 18 سنة للذكر ، 17 سنة للأنثى ) وقدَّره الشافعي وأحمد والصاحبان بـ ( 15 سنة للذكر والأنثى ) وقدره المالكية بـ ( 18 سنة للذكر والأنثى)(2) ( انظر: البلوغ )
2 ـ عوارض الأهليـة : قد تطرأ على الإنسان بعـد اكتمال أهليته عوارض تؤثر في هـذه الأهلية ، ومن هذه العوارض عوارض سماوية ليس للعبد اختيار فيها ، كالجنون والعَتَه والنسيان والنوم والإغماء والمرض والحيض والنفاس والموت .. وقد تكون العوارض مكتسبة ( Acquired ) يجترحها الإنسانُ بمحض إرادتـه : كالجهل والسُّـكْر والهزل والسَّفه والإفلاس والخطأ المتعمَّد ، وهذه يُسأل الإنسانُ عنهـا ، ويتحمَّل تبعاتها .
بحث علمي
البَحْثُ العلميُّ ( Scientific Research ) : هو مجموعة من الطرائق المنهجية التي تواضع عليها العلماء مـن أجل دراسـة الظواهـر المختلفـة فـي هــذا الوجــود ، ومعرفـة السنن ( = القوانين ) الإلهية التي تحكمهـا .
أحكام البحث العلمي :
1 ـ أهمية البحث العلمي : لقد اقتضت حكمة الله عزَّ وجلَّ أن تخضع الظواهر الكونية المختلفة لمجموعة من السنن الثابتة المطَّردة التي لا تتبدل ولا تتحول ، وقدر سبحانه أن يكون تعامل البشر مع هذه الظواهر من خلال تلك السنن التي سخرها الله عزَّ وجلَّ للإنسان كما بيَّن في كتابه العزيز ، حيث قال تعـالى : (( وسخَّر لكُم ما في السَّمواتِ وما في الأرضِ جميعـاً منه ، إنَّ في ذلكَ لآيــاتٍ لقـومٍ يتفكَّرون )) سـورة الجاثية 13 ، والتسخير لغةً هـو التذليل ، كما ورد في قولـه تعالى : (( هو الـذي جَعـَلَ لَكُمُ الأرضَ ذَلولاً .. )) سـورة الملـك 15 ، وإلى جانب تذليل تلك السنن للإنسان فقد منحه اللهُ عزَّ وجلَّ مَلَكَةً عقليةً تُمَكِّنُهُ من اكتشاف تلك السنن ، وقدرات بدنيَّة تمكِّنه من تسخير تلك المخلوقات والظواهر ، ويبقى على الإنسان أن يتفكَّر ويبحث ويدرس ليكتشف تلك السنن ، ويعرف الطرق العلمية والعملية لتسخيرها على الوجه الصحيح .
وقد ظل الإنسان في مطلع حياته فوق هذا الكوكب يجهل كيفية التعامل الصحيح مع الظواهر الكونية بسبب جهله بتلك السنن ، ثم بدأ شيئاً فشيئاً يتعرف على تلك السنن ، ويكتشف أسرارها ، ويتعلم كيفية تسخيرها ، فاكتسب بالتدريج قدرات أكبر على التعامل الصحيح مع تلك الظواهر ، لكنه لم يكن يتبع في ذلك كله منهجـاً علمياً محـدداً ، وظـل الأمـر كذلك إلى وقـت قريـب حين قـدَّر الله عزَّ وجلَّ للإنسـان أن يهتدي إلى منهج البحث العلمي الذي ساعده كثيراً في التعرُّف على تلك السنن ، وأعانه على تحقيق الإنجازات العلمية العظيمة التي يسرت له حياته ، وجعلته أكثر قـدرة على تسخير مـا حولـه وتحقيق أغراضه(1) ، ومن هنا ندرك أهمية البحث العلمي في حياتنا ، فهو يوصلنا إلى اكتشاف السنن الكونية ، ويمنحنا قدرة أكبر على تسخير ما حولنا مـن مخلوقـات وظواهـر ، ويساعدنا على مواجهة المشكلات التي تعترض حياتنا بطريقة علمية صحيحة ، ويزيد مساحة تمكيننا في الأرض ، ويكفي أن ننظر اليوم حولنا لنرى أن الأمم التي تفرض وجودها وسيطرتها وتتصدر قيادة البشرية هي الأمم التي تولي اهتمامها للبحث العلمي بما يوفره لها من وسائل السيطرة والقيادة ! وحري بالأمة الإسلامية أن تولي المزيد من اهتمامها للبحث العلمي لاستعادة واجبها في قيادة البشرية والشهادة على العالمين : (( وكذلكَ جعلناكم أمـةً وسطاً لتكونوا شهداءَ على الناسِ ويكونَ الرسولُ عليكم شهيداً )) سورة البقرة 143
2 ـ مشروعية البحث العلمي : يحفل القرآن الكريم والسنة بالدعوة للبحث العلمي في حقول المعرفة المختلفة ، سواء كان البحث بهدف الكشف عن سنن الله في خلقه وبيان الحكمة الإلهية فيها ، أم كان بهدف التوصل إلى حلول عملية لمشكلة ما من المشكلات التي تواجهنا في هذه الحياة .. وقد حضَّ القرآن الكريم في آيات كثيرات على البحث في الظواهر الكونية ودراستها واكتشاف أسرارها ، ومن ذلك قوله تعالى : (( قـل سيروا في الأرضِ فانْظُـروا كيــفَ بـَـدَأَ الخلق )) ســورة العنكبوت 20 ، ونلاحظ أن هذه الآية الكريمة لا تدعونا فقط للنظر في خلق الإنسان كما ذهب بعض المفسرين ، بل هي تدعو للنظر في خلق مختلف المخلوقات والظواهر الكونية ، أي النظر فيها كيف ظهرت إلى الوجود ؟ وكيف بدأت سيرتها ؟ وكيف سلكت حتى صارت إلى ما صارت إليه الآن ؟ وكيف يمكن تسخيرها في القيام بأمانة الاستخلاف وعمارة الأرض .. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى : (( قُلْ انظـروا ماذا فـي السمواتِ والأرضِ )) سورة يونس 101 ، وفي هذه الآية الكريمة أيضاً دعوة صريحة ملحَّة للبحث والتأمل والتفكر والتدبر في شتى المخلوقات والظواهر ، ليس في الأرض وحدها ، بل أيضاً في السماوات التي تحفل بأعداد لا تحصى من المجرات والنجوم والكواكب ، وربما كان فيها مخلوقات حية من أمثالنا لها حضارات ( !؟ ) ( انظر : حياة )
ولم تكن السنة النبوية المطهرة أقل اهتماماً من القرآن بالدعوة إلى العلم والبحث ، فقد حضَّ النبيُّ على البحث وطلب العلم في أحاديث كثيرة جداً ، حتى كاد يجعله بمرتبة الفريضة ، فقال : ( طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ )(2) ، كما رغب بالأجر في طلب العلم فقال : ( مَنْ سَلَكَ طريقاً يلتمسُ فيه علماً سهَّل اللهُ له بـه طريقاً إلى الجنة )(3) وقال : ( مـَن طَلَبَ العلمَ كان كفَّارةً لما مضى )(4) ، وقال: ( مـَن خرجَ في طلبِ العلمِ كان في سبيلِ اللهِ حتى يَرْجِعَ )(5) ، وقد فقه المسلمون في عصرهم الزاهر هذه الدعوة لاكتساب العلم ، فانطلقوا في الأرض ينظرون ويتفكرون ويبحثون ويستقصون ، فاكتشفوا الكثير من الحقائق الكونية ، واهتدوا إلى تأسيس قواعد ( البحث العلمي التجريبي ) ووضعوا له ضوابط وقواعد راسخة أسفرت عن اكتشافات كثيرة جداً في شتى حقول المعرفة مما دفع عجلة العلم مراحل واسعة إلى الأمام ، وبهذا سبق المسلمون أوروبا بعدة قرون قبل أن تصبح ملامح المنهج العلمي هناك واضحة(6).
ومن المؤسف أن هذا الوضع قد تبدل اليوم ، فأمسى المسلمون أقل اهتماماً بالبحوث العلمية من بقية أمم الأرض ، فعلى مشارف القرن الحادي والعشرين الميلادي الذي بلغ فيه التقدم العلمي في كثير من دول الأرض شأواً عظيماً نجد الأقطار العربية وقد باتت في آخر القائمة ، فهي لا تنفق على البحث والتطوير سوى ( 0.2% ) من إنتاجها القومي ، أي سُبُع المتوسط العالمي الذي يعادل ( 1.4% ) وفي مجال نشر الإنتاج العلمي يتدنى نصيب البلدان العربية أيضاً إلى ( 0.7% ) أي أقل من سُدُس المعدل العالمي ، وفي مجال براءات الاختراع والعلامات التجارية فإن بيانات مكتب العلامات التجارية الأمريكي ـ وهو الأهم في هذا المجال ـ يشير إلى أن البلاد العربية تسجل كل عام ( 24 علامة تجارية ) فقط ، أي بمعدل عُشْر العلامة تقريباً لكل مليون نسمة من السكان ، وهي نسبة أدنى بكثير من مثيلاتها في البلدان المتقدمة(7) ، وقد دفع هذا الوضع المتردّي بالأمة المسلمة إلى آخر الركب ، ليس في حقول العلم وحدها ، بل في شتى الحقول ، لأن العلم ـ كما قلنا ـ هو من أسباب التمكين في الأرض ، وهذا ما يجعل الحاجة ماسَّة اليوم لدعم برامج البحث العلمي في بلداننا الإسلامية للخروج من حالة التخلف هذه ، واستعادة مكانتنا في الشهادة على العالمين !
3 ـ حدود البحث العلمي : البحث العلمي مباح ، بل مندوب إليه كما أسلفنا ، ولا حَجْرَ في الإسلام على حرية البحث العلمي في شتى المجالات ، لكن هذا لا يعني أن يبحث من يشاء ، فيما يشاء وكيفما يشاء ! فهناك ضوابط لابد منها في البحث العلمي حتى لا يساء استخدامه ، أو يساء تطبيق نتائجه .. ومن الوجهة الشرعية ( ينبغي أن تُعرض البحوث ونتائجها على مصفاة الشريعة لتمرير المباح منها وحجز الحرام ، ففي الإسلام لا يصح تنفيذ شيء لمجرد أنه قابل للتنفيذ ، بل لابد أن يكون غير مخالف للشرع ، وأن يكون خالياً من الضرر )(8) ، ولهذا يجب أن تخضع جميع مراكز البحث العلمي في بلادنا الإسلامية للضوابط الشرعية ، إلى جانب الضوابط العلمية المعتبرة ، وأن تسنَّ التشريعات القانونية اللازمة لحماية البحوث العلمية من العبث أو ارتكاب المحرَّمات ، وضبط هذه المسألة من الناحيتين : العلمية والشرعية .
ومادامت الضوابط الشرعية والعلمية مطلوبة وضرورية في البحوث العلمية فإنها في البحوث الطبية أولى وأشد ضرورة ، نظراً لما للبحوث الطبية من مساسٍ مباشر بحياة الإنسان ، ولما يترتب عليها من مخاطر بدنية ونفسية لا تنحصر آثارها في الأفراد الذين يخضعون للبحث ، بل قد تمتد آثارها لتصيب الجنس البشري كله ، وهذا ما يتخوف منه معظم العلماء تجاه بعض البحوث الطبية الحديثة ، مثل : الهندسة الوراثية ، والاستنساخ ، والتلقيح ، والاستيلاد ، ونحوه ..
وقد جرت العادة في معظم دول العالم على تكليف لجان وهيئات علمية للإشراف على مراكز البحث العلمي ، ويجدر بنا نحن المسلمين أن لا تنحصر مهمة هذه اللجان في بلداننا الإسلامية في الجانب العلمي فحسب ، بل تمتد مهمتها إلى الجانب الشرعي أيضاً ، بأن تضم نخبة من علماء الشريعة إلى جانب أهل الاختصاص في العلوم ذات الصلة ، ويكون من مهامها أيضاً سنُّ التشريعات العلمية والشرعية المتعلقة بالبحث العلمي لضبط الجانبين العلمي والشرعي في مختلف البحوث
4 ـ أخـلاق الباحـث : إن أول الأخلاق التي ينبغي للباحث المسلم أن يتحلى بها استشعاره مراقبةَ الله عزَّ وجلَّ له في جميع دراساته وبحوثـه وتجاربـه ، وأن يحسَّ بأنه مسؤول عن ذلك كله أمام قانون السماء قبل قانون الأرض .. وقد كان علماؤنا الأوائل يحسون عظمة الأمانة المنوطة بهم ، فكانوا لا يُقْدِمونَ على بحثٍ أو تأليفٍ أو دراسة أو نحوها إلا وهم على طهارة تامة ، لإحساسهم بأنَّهم وهم يفعلون ذلك فإنما هم في عبادة لله عزَّ وجلَّ ! وكان طلبهم للعلم خالصاً لوجه الله تعالى ، وكانوا شديدي الخشية أن يدخلوا في الوعيد الذي ذكره النبيُّ حيث قال : ( منْ طَلَبَ العلمَ لِيُجاريَ بِهِ العلماءَ ، أو ليُماريَ به السُّفهاءَ ، أو يَصْرِفَ به وجوهَ النَّاسِ إليه أدخلَهُ اللهُ النَّارَ )(9)
وينبغي للباحث أيضاً أن يكون منصفاً وموضوعياً في بحثه ، بعيداً عن الظَّنِّ والهوى وسائر الآفات النفسية الذميمة ، امتثالاً لقوله تعالى : (( وإنَّ الظَنَّ لا يُغني مِنَ الحَقِّ شـيئاً )) سورة النجم 28 ، فإنَّ هذه الآفات تَحْرِفُ البحثَ عن الحقيقة ، وتزوِّر النتائجَ وتَحُول دون الاستفادة منها ، وربما كان لها أضرار بالغة على الفرد والمجتمع !
ويجب على الباحث أن يسجل الملاحظات والنتائج التي توصَّل إليها من خلال بحثه بأمانة تامة ، كما رصدها في الواقع ، من غير تدليس ولا تلبيس ولا تزوير ، وأن يلتزم بالمنهج العلمي المقرر من أهل العلم ، وأن يشير إلى مصادره التي اقتبس منها ، فإن كل ذلك مـن الأمانـة المطلوبة في مختلف البحوث .
5 ـ ضوابط البحث العلمي : يشترط لجواز البحث العلمي عدة شروط علمية ، وضوابط شرعية ، بعضها يتعلق بطبيعة البحث نفسه والتجارب التي تصاحبه ، وبعضها يتعلق بالباحثين الذين يقومون بالبحث والتجارب ، وبعضها يتعلق بالأشخاص الذين يشملهم البحث وتجرى التجارب عليهم ، ونورد فيما يأتي أهم هذه الضوابط :
1) إجازة البحث : لا يجاز أي بحث علمي إلا أن يكون القائمون به من أهل الاختصاص ، ومن أهل الخبرة والدراية بأساليب البحث العلمي وضوابطه العلمية والشرعية .. وينبغي قبـل البـدء بالبحث العلمي أو التجربـة وضع تقرير مفصَّل عن مراحل البحث والتجارب المتعلقة بـه ، ويجب الحصول على موافقة مسبقة من قبل الهيئـة الطبيـة الشرعية المختصَّة لإجازة البحث ، وذلك منعاً لاستغلال البحوث في أغراض مخالفة للشرع ، أو منافية للأعراف العلمية المعتبرة .
2) جدوى البحث : ينبغي أن يكونَ للبحثِ جدوى وفائدةٌ مرجوَّة(10)، وألا يكون مجرد عبث لا طائل منه ، وأن تسبقَهُ الاحتياطات الكافية التي تحول دون العبث فيه ، أو توظيف نتائجه توظيفاً شريراً مخالفاً لقواعد الشرع ، أو منافياً للاعتبارات العلمية المقررة من أهل الاختصاص !
3) البحوث المتعلقة بالكتاب والسنة : يجوز البحث في الأمور المبينة بنصوص قطعية من الكتاب والسنة ، وهذا لا يتعارض مع القاعدة الأصولية التي تقول : ( لا اجتهاد في مَوْردِ النَّصِ ) لأن البحث في تلك النصوص قد يبين جوانب الحكمة فيها ، وقد يبين أبعاداً جديدة فيها لم نكن ندركها من قبل ، ومادام البحث في النصوص القطعية جائزاً فإن البحث في النصوص الظنية أولى ، ومن ذلك مثلاً : البحث في الفوائد الصحية للصيام ، والبحث في الآثار الوراثية للرضاعة ، وغيرها من البحوث التي تعود على البشرية بالنفع العام .
وبالمقابل لا يجوز إجراءُ أيِّ بحثٍ علميٍّ فيه مخالفةٌ شرعيَّةٌ ، فلا يجوز مثلاً تجريع الخمرة لإنسان بقصد معرفة أضرارها ، لأن الخمرة محرمة بنصوص قطعية ، ونحن متعبدون باجتنابها سواء أدركنا أضرارها أم لم ندركها ، فإن كان لابد من دراسة تأثيراتها الضـارة فيمكن أن نجري الدراسة على الحيوان ، أو على الأقوام الذين يبيحون استعمالها ( علماً بأنها محرَّمة في شتى الشرائع السماوية ) وهكذا غيرها من المحرمات التي وردت فيها نصوص قطعية .
ولا يجوز أيضاً إجراء أي بحث أو تجربة تؤدي لاختلاط الأنساب ، بناء على القواعد الكلية التي أقرها الشرع في هذا ، ومنها أنه حرم الزنى وكل الممارسات الجنسية التي تؤدي إلى اختلاط الأنساب ، فلا يجوز مثلاً تلقيح بيضة امرأة بنطفة مأخوذة من غير زوجها ، ولا يجوز زراعة الخصية أو المبيض في شخص آخر ، ولا يجوز زراعة الجنين في غير رحم أمه .. وهكذا ( انظر : عضو ، خصية .. )
4) حماية المتطوعين للتجارب : لا يجوز إجراءُ أيِّ بحثٍ علميٍّ أو تجربة على الإنسان بالإكراه ، بل ينبغي أن يتطوع لذلك عن رضى وطواعية ، وأن يقرَّ بذلك خطياً ( انظر : إذن طبي ) ولا يجوز أيضاً استغلالُ حاجته المادية كالفقراء والمساكين والمعوزين ، ولا استغلال وضعه النفسي أو الاجتماعي كالمتخلفين عقلياً والمجانين والمساجين .. ويجب أن تكون له الحرية الكاملة للانسحاب من البحث متى شـاء .. ويجب تعريف المتطوع للتجربة بمراحل البحث ، وطبيعة التجارب التي سيخضع لها ، وما تنطوي عليه من مخاطر بدنية أو نفسية محتملة ..
وينبغي أن تكون مصلحةُ الشَّخص الذي هو محلُّ البحث أو التجربة فوقَ أيَّةِ منفعةٍ ماديَّةٍ قد يعود بها البحث على القائمين به ، ويجب وقف التجربة إذا ما تبين أن الاستمرار فيها ينطوي على مخاطر بدنية أو نفسية ستلحق بالشخص الذي تُجرى عليه .
ويجب أيضاً مراعاة أحكام السِّرِّ الطبيِّ في جميع مراحل البحث ، فلا يجوز التشهير بالهيئات ولا الأشخاص الذين يتعلق بهم البحث ، وأن تنشر النتائج دون المساس بأسرار أو حقوق الذين شملهم البحث . ( انظر : سر طبي )
5) البحوث المتعلقة بالبيئة والجنس البشري لا يجوز إجراء التجارب التي تُعرِّض بيئةَ الأرض أو الجنس البشري أو الحياة على سطح الأرض للخطر ، ومن ذلك مثلاً التجارب على القنابل الذرية ، والأسلحة الكيميائية والبيولوجية ، ونحوها مـن التجارب التي لها آثار سيئة واسعة قد يمتـد أذاها فيشمـل جميع أشكال الحيـاة فـوق هـذا الكوكب ( انظر : بيئة ، حرب ، حياة )
6) التجارب على الحيوان : في التجارب التي تجرى على الحيوانات يجب الرفق بالحيوان قدر المستطاع ، ولا يجوز تعريضه للتعذيب ، وإذا اقتضت مراحل التجربة قتله جاز قتلـه . ( انظر: بيطرة )
7) الإشراف على البحوث : نظراً لما قد يترتب على البحوث العلمية من نتائج عملية قد تضر بالمجتمع أو بالأفراد أو بالبيئة ، فإنه ينبغي أن تخضع كل البحوث العلمية لإشراف علمي وشرعي دقيق ، تتولاه هيئات متخصصة تضم علماء وفقهاء من شتى الاختصاصات ، من أجل تحديد أولويات البحوث التي تفيد المجتمع ، وأيضاً من أجل ضمان نزاهـة البحوث والتأكد من صحة نتائجها ، وضبط تطبيقاتها العملية .
أما البحوث التي تجريها أو تموُّلها الشركات التي تصنع الأدوية أو الأجهزة الطبية أو غيرها من الجهات التي لها مصالح خاصة من وراء البحث ، فيجب ألا تترك لتقوم بالبحث وحدها ، بل يجب أن تشاركها جهات علمية محايدة في مراحل البحث المختلفة ، لضمان نزاهة البحث ، وعدم التحيز في نتائجه !
8) اعتماد نتائج البحث العلمي : لا تعدُّ نتائج البحث الطبي مرجعاً معتمداً شرعاً إلا أن يكون صادراً عن جهة علمية معتبرة مثل مراكز البحث الطبي المتخصِّصة بالبحوث والدراسات الطبية ، وأن يشهد أهل الخبرة بكفاءة البحث وصلاحيته(11).. وندعو هنا للتَّرَوِّي قبل إصدار الأحكام حول البحوث التي تمسُّ حقائق التشريع أو تبدو متعارضة معها ، فقد يكون البحث قاصراً ويحتاج المزيد من التجارب والرصد للظاهرة المدروسة ، وقد تكون النتائج المستخلصة من البحث غير دقيقة أو لا تتوافق مع طبيعة البحث ، أو غير ذلك من صور القصور أو النقص أو الخطأ التي قد تعتري البحوث العلمية .
9) نشـر البحـوث العلميـة : يجب مراعاة أصول الكتابة العلمية عند نشر البحوث العلمية لكي تكون سهلة الفهم ، واضحة النتائج ، ويستفاد منها بصورة صحيحة .. وتشترط معظم المطبوعات العلمية في حقل الطب التقيد بالنمط المسمى نمط فانكوفر ( Vancouver Style )(12) الذي أقرَّته الجمعية العالمية لمحرري المطبوعات الطبية في عام 1979م بمدينة فانكوفر الكندية ، وهو بإيجاز كما يلي :
( أ ) هيكل البحث : يجب أن يشتمل البحث على المحاور الرئيسة الآتية :
1ـ المقدمة ( Introduction ) : وفيها تعرض المشكلة والأسئلة التي يحاول البحث الإجابة عليها .
2ـ طريقة البحث ( Methods of Study ) : أي الأسلوب المستخدم بتنفيذ البحث ، والمجموعة البشرية التي أجري عليها البحث ، والوسائل المخبرية والتعريفات العلمية التي استخدمت فيه .
3ـ النتائج ( Results ) : تعرض النتائج النهائية التي توصَّل لها البحث ، مع الجداول والرسوم التوضيحية والأدلة المستقاة من المراجع والمصادر التي استند إليها الباحث والتي تدعم هذه النتائج .
4ـ المناقشة ( Discussion ) : أي تفسير نتائج البحث ، ومدى قابليتها للتطبيق العملي ، والاستفادة منها في البحوث والتطبيقات العملية .
( ب ) المراجع ( Bibliography ) : تذكر المراجع التي استند البحث لها مرتبةً ترتيباً رقمياً متسلسلاً حسب ورودها في البحث ، وفي حال اقتباس بعض الجداول والصور يجب ذكر مصادرها أيضاً ، وتذكر المراجع عادةً كما يلي :
1ـ اسم مؤلف الكتاب المقتبس منه ، أو اسم المجلة ورقم العدد ، أو اسم النشرة العلمية .
2ـ عنوان الكتاب أو عنوان البحث المقتبس من المجلة أو النشرة العلمية .
3ـ المدينة التي نشر فيها الكتاب أو المجلة أو النشرة ، وسنة النشر ، ودار النشر أو الجهة التي صدر عنها المرجع .
4ـ أرقام الصفحات التي استخدمت مرجعاً للبحث .
( ج ) الأشكال والرسوم التوضيحية ( Illustrations ) : إذا كانت مقتبسة عن بحث آخر ولم تكن من عمل الباحث نفسه يجب الإشارة إلى مصادرها الأصلية .
( د ) الجداول ( Tables ) : يجب التحقق من صحة البيانات الواردة فيها ، ومطابقتها لما ورد في النص الأصلي للبحث ، مع ذكر المراجع التي أخذت منها إذا لم تكن من عمل الباحث نفسه .
( هـ ) وحدات القياس ( Measurement Units ) : يجب استخدام وحدات القياس المقررة في النظام الدولي للقياس ( SI , International Unit System )
( و ) المؤلفون ( Authors) : يجب ذكر اسم المؤلف أو المؤلفين للبحث تحت عنوان البحث ، مع ذكر أعلى شهادة حصل عليها كلٌّ منهم واللقب العلمي أو الوظيفة التي كان يشغلها عند قيامه بالبحث ، ويعدُّ المؤلف أو المؤلفون مسؤولين مسؤولية تامة عن دقة البيانات الواردة في البحث ، وهم مسؤولون أيضاً عن دقة البيانات المتعلقة بالمراجع التي اقتبسوا منها ، ويجب عليهم الحصول على موافقة مسبقة من المؤلفين والناشرين للمراجع التي استندوا لها في البحث .
10) الحقوقُ المعنويَّةُ للبحث العلميِّ : هي حقوقٌ مَصُونةٌ شرعاً للجهة التي أجرت البحثَ فلا يجوز استغلالُها من قِبَل أحدٍ آخر إلا بموافقة رسمية من الجهة صاحبة الحقِّ ، وقد صدر بهذا الشأنِ القرارُ ( رقم 5 ) د 5/09/88 عن مجمع الفقه الإسلامي بمنظمة المؤتمر الإسلامي ، ومما جاء فيه : (( الاسم التجاري ، والعنوان التجاري ، والعلامة التجارية ، والتأليف والاختراع أو الابتكار هي حقوق خاصَّة لأصحابها ، أصبح لها في العُرْفِ المعاصِرِ قيمة مالية معتبرة لتمويل الناس لها ، وهذه الحقوق يُعتدُّ بها شرعاً ، فلا يجوز الاعتداءُ عليها ))(13)
6 ـ فلسفة البحوث العلمية : ينبغي الحذر من ( فلسفة العلوم ) بصورة عامة ، وفلسفة العلوم الإنسانية بصورة خاصة ، لأنَّ أصحاب الأغراض الشريرة لا يتورعون عادةً عن توظيف الحقائق العلمية توظيفاً فلسفياً خبيثاً يرمي لهدم أسس التدين ، كما فعلوا من قبل في مناسبات عديدة على مدار التاريخ ! وعلى سبيل المثال فقد استغلوا نظرية النشوء والارتقاء ( أو نظرية التطور ) فزعموا أن المخلوقات الحية مادامت قد تطورت بعضها عن بعض فإن الخلق إذن يحصل مصادفة من دون خالق مدبِّر ، وهذا افتراءٌ ظاهِرُ البُطلان ( انظر : تطور ) والأمثلة على مثل هذا التوظيف الفلسفي الخبيث للعلم أكثر من أن تحصى !
7 ـ قضـايا طبيـة مطروحـة للبحث العلمي : مازال في حقول الطب المختلفة الكثيرُ من المسائل التي تحتاج للبحث الدقيق من وجهة النَّظر الإسلامية ، وقد ألمحنا إلى العديد من هذه المسائل في ثنايا هذه الموسوعة تحت العناوين ذات الصلة ، لهذا نكتفي هنا بذكرها موجزةً :
أ ـ دراسة ما ورد في الطب النبوي من وصفات علاجية وتوجيهات نبوية في حقل الصحة والمرض والممارسات الطبية ، وذلك للتفريق ما بين التوجيهات والوصفات النبوية التي هي بمنزلة الوحي ، وهذه يجب الأخذ بها تعبداً لله تعالى ، وبين التوجيهات والوصفات النبوية التي كانت من اجتهاد النبي ، أو كانت شائعة في زمانه ، أو كانت هي المعالجات الوحيدة التي كانت متاحة في ذلك الوقت ، وهذا النوع من العلاج يمكن العدول عنه إلى ما هو أحدث أو أكثر جدوى مما أصبح متاحاً في عصرنا الراهن ، لأنه يدخل في عموم قول النبيِّ :( أنتُم أَعْلَمُ بأُمورِ دُنْياكُم )(14) ( انظر : طب )
ب ـ نظراً لوجود تداخل كبير في معاني بعض الجـوارح ، مثل النفس والروح والعقل والقلب والفؤاد واللب ، فإن دراسة هذه الجوارح والظواهر ضرورية لتحديد طبيعة كل منها إن أمكن ، من أجل بعض المشكلات الطبية الشائكة التي برزت على الساحة مؤخراً نتيجة التقدم الكبير الذي حصل في حقول الطب المختلفـة ، ومنها على سبيل المثال : موت الدماغ ، زراعة الأعضاء ، الاستنساخ ، الاستيلاد .. ونعتقد أن دراسة هـذه الظواهـر ، وبيـان حقيقتها وتحديد الأعضاء المتعلقة بها سوف يحل لنا الكثير من الإشكاليات الطبية والشرعية والقانونيـة التي مازالت بيـن أخـذ ورد بيـن العلمـاء والفقهاء وأهل القانون ( ؟ ) ( انظر : روح ، قلب ، نفس ، عقل ، موت الدماغ .. )
ج ـ البحث في حقيقة القلب ووظائفه ؟ وما هي علاقته بالوعي والإدراك ؟ لأن القرآن الكريم ينسب للقلب مثل هذه الوظائف ، بينما الأطباء يعتبرونه مجرد مضخة توزع الدم على سائر البدن ، وينفون عنه ما أثبته القرآن الكريم من وظائف ( ؟!) ( انظر : قلب )
د ـ وضـع ضوابـط علمية دقيقـة في الهندسة الوراثية ( Genetic Engineering ) والاستنساخ ( Cloning ) وما شابه ذلك من القضايا الطبية الدقيقة التي تُعدَّ ـ من بعض الوجوه ـ نوعاً من التغيير في الخلق الذي تعهَّد إبليسُ بغواية بني آدم به ، والذي ورد النصُّ عليه في قول الحق تبارك وتعالى : (( إِنْ يَدْعُونَ من دونـِه إلا إِناثـاً وإِنْ يدعون إلا شيطاناً مَريداً * لعنَه اللهُ ، وقال لأَتخذَنَّ من عبادِكَ نصيباً مفروضاً * ولأُضلنَّهم ولأُمنِّينَّهم ولآمرنَّهم فليُبتِّكُنَّ آذانَ الأنعامِ ولآمرنَّهم فليغيِّـرُنَّ خلق الله ، ومن يتَّخِذ الشيطانَ وليـاً من دونِ اللهِ فقد خسر خسراناً مبيناً )) سورة النساء 117 ـ 119 ، لاسيما وأن العبث في مثل هذه المسائل سهل بسبب دقة هذه العلوم وخفائها ، وصعوبة الإشراف الدقيق عليها ، في مقابل النتائج الخطيرة التي قد تنجم عنها ( انظر : هندسة وراثية )
هـ ـ إعادة النظر في بعض الأحكام الفقهية القديمة التي تتعلق بالطب ، والتي ذهب إليها بعض الفقهاء وبنوا آراءهم فيـها على معـارف قديمـة أثبتت العلوم المعاصرة بطلانها ..
و ـ البحث في علاقة التكوين النفسي للإنسان بالوراثة ، والإجابة عما إذا كان للوراثة تأثير مباشر على تشكيل شخصية الإنسان وسلوكه ؟ فالنظريات التي طُرحت حتى الآن بهذا الصدد مازال يعوزها الدليل العلمي القاطع ، وهي في الغالب نظريات ذات صبغة ذاتية Subjective غير موضـوعيـة Objective ، وكثيراً ما توظَّف توظيفاً خبيثاً ـ كما ذكرنا ـ من أجل مناصرة مذاهب سياسية أو فكرية أو عنصرية مخالفة للديـن والأخلاق والأعـراف الإنسانيـة النبيـلة ( انظر : نفس ، إرث )
ز ـ إعادة النظر في نصوص الكتاب والسنة ذات العلاقة بـ ( نظريات التطور العضوي ) على ضوء المعطيات والشواهد العلمية الجديدة التي مازالت تتواتر يوماً بعد يوم من مراكز علمية عديدة مؤكدة حصول هذا التطور في المخلوقات الحية ( ؟ ) ( انظر : تطور )
ح ـ إعـادة النظـر في نصـوص الكتاب والسنة التي حددت مواصفات الخوارق الخارجة عن مألوف البشر ، والظروف الخاصــة بكل منها ( الإرهاصات ، المعجزات ، الكرامات ، السحر .. ) وذلك من أجل التمييز بوضوح ما بين الخوارق الحقيقية الخارقة للسنن الكونية والظواهر الخارقة للعادة التي ليس فيـها خرق للسنن ، ولكنها بسـبب الجهل بالسنن التي تحكمها تبدو للعيان وكأنها خوارق للسنن ، وما هي في الحقيقة خارقة للسنة ، بل تخضع لقوانين محددة يستطيع من يعرفها أن يفعل مثلها ! والهدف من هذا التمييز هو بيان الموقف العلمي والشرعي الصحيح تجاه ما يدعيه بعض المشعوذين من قدرات طبية خارقة للعادة يستطيعون بها إجراء العمليات الجراحية بدون تخدير ولا جراحة ! أو يدعون أنهم يعالجون بالطب الروحي ، أو يستحضرون أرواح الموتى ، أو نحو ذلك من أساليب الدجل الطبي الذي لا يقره العلم ولا الشرع ( انظر : خوارق طبية ، سحر ، جن )
ط ـ البحث في طبيعة الأحلام أو الرؤى ، لمعرفة وظائفها النفسية والعضوية ، ومحاولة تفسيرها تفسيراً علمياً يستفاد منه في العلاج ، وفي التنبؤ بالأحـداث المستقبليـــــة إذا أمكـن ( انظر : رؤيا )
بـراز
البراز ( Stool ) : الغائط ، وهو يفرز من القناة الهضمية بمعدل ( 200 سم مكعب / يومياً ) عند الشخص البالغ ، ويتكون من فضلات الطعام والشراب ، ويحتوي على كمية كبيرة جداً من الجراثيم التي تُشَكِّل أكثر من ربع وزنه ، ففي كل ( 1 غ ) من البراز يوجد ( 100 مليون ـ 10 مليارات جرثومة ) وهذه الجراثيم بعضها غير ضارّ ، وهو الذي يشكِّل النَّبيتَ الجرثومي الطبيعي ( Natural Flora ) في القناة الهضمية ، ويساعد هذا النوع من الجراثيم بهضم الأليـاف التي تكون فـي الغـذاء ويصنع بعض الفيتامينـات الضرورية للبدن مثل الفيتامين ( ( Kأما الجراثيم الأخرى التي تشكل نسبة كبيرة من كتلة البراز فهي ضارةٌ ، وبعضها يسبب أمراضاً خطيرة للإنسان ، ولا يكاد يخلو البراز من نوع أو أكثر من هذه الجراثيم الممرضة ، وبكميات هائلة ، وهنا تكمن الخطورة ، وربما لهذا السبب اعتبر البرازُ نجاسةً ، وشُرع الاحتراز والتطهر منه ، فهو ليس مجرد فضلات لا فائدة فيها بل هو أيضاً مصدرٌ خطيرٌ جداً من مصادر العدوى بالمرض ، ومن هنا ندرك لماذا حرَّم الشارع أكلَ لحومِ الحيوانات التي تأكل البراز والفضلات ، وهي المعروفة باسم : الجلالة ( انظر: عدوى )
أحكام التبرز :
1 ـ نعمـة التغوط : إن خروج الأذى وعدم احتباسه في الجسم نعمةٌ كبيرةٌ تستحقُّ الشكرَ ولهذا كان من دعاء النبيِّ إذا أكل أو شرب : ( الحمدُ لله الذي أَطعمَ وسقى وسَوَّغَهُ وجعلَ له مخرجاً )(1) ويروى عن بعض الصالحين أنه ( كان بحضرة أحد الخلفاء حين طلب الخليفة كأساً من الماء ليشرب ، فلما جيء به إليه أمسك الرجلُ الكأسَ عن الخليفة وقال له : يا أمير المؤمنين ، كم تدفع لو مُنِعَ عنك هذا الماءُ ؟ فقال الخليفة : نصف مُلكي . فأعطاه الكأس حتى شرب ثم قال له : يا أمير المؤمنين فكم تدفع لو امتنع خروجه منك ؟ قال الخليفة : نصف مُلكي . فقال الرجل الصالح: تباً لِمُلْكٍ لا يساوي شربة ماء وبولة ! ) والشاهد هنا أن خروجَ الأذى من الجسم نعمةٌ كبيرةٌ لا يُقَدِّرُها الإنسانُ حقَّ قدرها إلا حين يفقدَها ، فعندئذٍ تراه مستعداً ليدفع الغالي والنفيس في سبيل أن تعود له هذه النعمة المفقودة !
2 ـ مدافعـة البـراز : إن الدافع للتبرز يحصل للإنسان وفق نظام دقيق يتعلق بعوامل عديدة ، وقد يضطر الإنسان في بعض الظروف ألا يلبّي هذا الدافع ، فيدافع البراز ويحبس نفسه عن التبرز ، وهو يسمى ( الحاقب ) ، وقد وردت عدة أحاديث تدعو لتكر هذا الفعل ، منها قول النبي : ( لا صلاةَ بحضرةِ الطَّعامِ ، ولا وَهُـوَ يُدافعـُهُ الأَخبثان )(2) وقوله أيضاً : ( لا يقومُ أحدُكم إلى الصَّلاةِ وبـِهِ أذىً )(3) ، ومن المعلوم لدى أهل الطب أن مدافعة البراز وعدم تلبية هذا الدافع الفطري في وقته يمكن أن تترتب عليه ـ إذا ما تكرر ـ آثارٌ جسديةٌ ضارَّةٌ ، منها : استرخاء عضلات المستقيم وتكاسل الأمعاء الذي يؤدي مع مرور الوقت إلى الإمساك المزمن ( Chronic Constipation ) ومضاعفاته الخطيرة ، مثل البواسيـر ( Hemorrhoids ) والشُّقاق ( Fissure ) وغيرها من المضاعفات ..
3 ـ الاستبراء من الغائـط : يندب أن لا يستعجل المرء نفسَه ، وأن يعطي الجسم حقَّه والوقت الكافي حتى يحسَّ أنه لم يبق شيء من البراز في المخرج بصدد الخروج ، فإذا أحسَّ أنه قد استبرأ غسل الموضع بالماء ، ولا يجوز إزالة النجاسة من البدن أو من الثوب بسوائل أخرى غير الماء ، كالخلِّ وماء الورد وغيره من السوائل ، لأن الطهارة من النجاسة لا تحصل إلا بما تحصل به الطهارة من الحدث ، وإذا لم يجد الماء جاز له أن يتطهر بالورق أو بالحجارة أو نحوهما مما هو طاهر وهذا ما يعرف بالاستجمار ( انظر : حدث ، طهارة ، نجاسة )
4 ـ استطلاق البطن : هو استمرار خروج ما في البطن بلا إرادة ، وهو يشبه سلس البول ، واستطلاق البطن من الأعذار التي تبيح أداء العبادة مع وجود العذر ، واشترط الجمهور أن يستوعب كل وقت الصلاة المفروضة ، واشترطوا أيضاً الوضوء لوقت كل صلاة لأن الوضوء عندهم في هذه الحالة ينتقض بخروج الوقت ، أما المالكية فيعتبرونه عذراً إذا لازم كل الوقت أو أغلبه أو نصفه ، ولا يشترطون الوضوء لكل وقت ، لكنهم استحبوه لمن لازمه الحدث أكثر الوقت أو نصفه ( انظر : سلس )
5 ـ الشرج المضـاد للطبيعة ( Preternatural Anus ) : هو شرج اصطناعي يُفتح جراحياً في جدار البطن عوضـاً عـن الشَّرج الطبيعي ، لمعالجة بعض الحالات المرضيـَّة ، مثـل سرطان القولون وغيره ، أو بعض التشوهات الخَلْقيَّة التي يولد الطفل مصاباً فيها بانسداد تام في فتحة الشرج .. والشرج المضاد للطبيعة حالة مرضية لا يستطيع المريض فيها أن يتحكم بإخراج الغائط ، بل يخرج الغائط عبر فتحة الشرج المصطنعة على هيئة سلس مستمر ، وحكمه حكم من به سلس دائم ( انظر: سلس )
بَصـَـر
البصر ( Vision ) : حاسة الرؤية ، وأداتها العين ( Eye )
أحكام البصر :
1 ـ نعمـة البصـر : وهي من أكبر نعـَمِ الخالقِ عزَّ وجلَّ على عباده ، وقد امتنَّ عليهم بها في الكثير مـن آياته ، مثـل قولـه تعالى : (( واللهُ أخرجَكم مِنْ بطونِ أُمَّهاتِكم لا تَعلمون شيئاً وجعلَ لكُم السَّمعَ والأَبصارَ والأَفئدةَ لعلكم تَشْكُرون )) سورة النحل 78 ، ويحصل الإنسان على معظم معلوماته ويكتسب معظم خبراته عن العالم المحيط به عن طريق حاسة البصر .. وشبكية العين ( Retina ) هي الطبقة الحساسة للضوء والرؤية ، وتضم حوالي ( 140 مليون خلية عصبية بصرية ) كل منها تعمل عمل آلة تصـويـر تلفزيونيـة ، فتلتقـط جـزءاً مــن الصورة المعروضـة أمـام العيـن ثـم تنقلها إلى العصب البصري ( Optic Nerve ) الذي ينقلها إلى الدماغ ليعيد تجميعَها في صورةٍ واحدةٍ !
ولوجود عينين في الإنسان فضل كبير في رؤية الصور مجسَّمةً بثلاثة أبعاد ( Stereograph ) وهذا ما يساعد في تحديد مواضع الأشياء وأحجامها وأبعادها عن موقع الناظر ! وللعين البشرية قدرة باهرة على التمييز بين الأشكال والألـوان والصـور ، فهي تستطيع التمييز بين ( 10 ملايين لون مختلف ) علماً بأنَّ أدقَّ آلات التصوير التي اخترعها الإنسان حتى الآن لا يمكنها الوصول إلى ( 40 % ) من هذه القـدرة(1) ، فتبارك الله أحسن الخالقين !
وقــد أحـاط الله عزَّ وجلَّ العينين بالأجفـــان ( Eyelids ) التي هي بوابات للعين تفتح عند الحاجة للرؤية ، وتغمض عند النوم وعند التعرض للأذى من الغبار وغيره ( ولما كان المقصود من الأشفار جمال العين والوجه ، جعل شعرَها على قدر لا يزيد زيادة تضرُّ بالعين ، ولا ينقص نقصاً يضرُّ بها ، وخلق في مائها ملوحة لتقطيع ما يقع فيها ، وجعل طرفيها منخفضين عن وسطيهما قليلاً لينصرف ما يقع في العين لأحد الجانبين ، وجعل الحاجبين جمالاً للوجه ، وستراً للعينين ، وشعرهما يشبه الأهـداب في عدم الزيادة المشوِّهة )(2)
2 ـ غَضُّ البصـر : لقد أمر الخالق عزَّ وجلَّ عباده المؤمنين والمؤمنات أن يغضوا أبصارهم عن المحرمـات وعـن كل مـا قـد يـؤدي للفتنة : (( قـُل للمؤمنين يغضُّوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ، ذلك أزكى لهم إنَّ اللهَ خبيرٌ بمـا يصنعون * وقـل للمؤمنـات يغضضنَ مـن أبصـارهنَّ ويحفظنَ فروجهـنَّ .. )) ســـورة النور 30 - 31 ، ولا عجب ، فالبصر هو بريد القلب ، وأغلب الفواحش تبدأ شرارتها من النظرة وفي هذا قال الشاعر أحمد شوقي :
نظــرة ، فابتسـامـة ، فسـلامٌ
فكلامٌ ، فموعـــدٌ ، فلقـــــاءُ
وإرسالُ البصر إلى ما حرَّم اللهُ ـ على ما فيه من إثم ـ فإنه أيضاً يولد في النفس الحسرة والندامـة ، لأن الناظر قد يرى ما تتوق نفسه إليه ولكنه لا يستطيع الوصول إليه ، كما قال الشاعر الآخر :
وكنتَ متى أرسلتَ طَرْفَكَ رائداً
لقلبـكَ دومـاً أتعبـتـكَ المنـاظـرُ
رأيتَ الذي لا كلَّهُ أنــتَ قــادرٌ
عليهِ ، ولا عن بعضه أنتَ صابرُ
وقد حذَّر اللهُ عزَّ وجلَّ من النَّظر إلى ما لا يَحِلُّ فقال تعالى : (( ولا تمدَّنَّ عينيكَ إلى ما متَّعنا به أزواجاً منهم زهرةَ الحياةِ الدنيا لنفتنهم فيه ، ورزقُ ربكِ خيرٌ وأبقى )) سورة طه 131 ، وحذر أيضاً من تتبع ما لا يجب تتبعه ، لأن البصر من جملة الجوارح المسؤولة عـن نتائج ذلك فقال تعالى : (( ولا تَقْـفُ ما ليسَ لكَ بِهِ علمٌ إِنَّ السَّمعَ والبصرَ والفؤادَ كلُّ أُولئكَ كانَ عنهُ مسؤولاً )) سورة الإسراء 36 ، كما أن البصر من الجوارح التي تشهد على العباد يوم القيامة : (( حتى إذا ما جاءوهـا شَهِـدَ عليهم سـمعُهم وأبصارُهم وجلودُهم بمــا كانوا يعملون )) سورة فصلت 20
وقد توعَّد النبيُّ من يسترق البصر إلى عورات الآخرين فقال : ( من كشفَ ستراً فأَدخلَ بصرَه في البيت قبل أن يؤذن له فرأى عورة أهله فقد أتى حداً لا يحلُّ له أن يأتيه ، لو أنه حين أدخل بصره استقبله رجل ففقأ عينيه ما عيرت عليه )(3) ، وجاء في حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه : (( أن رجلاً اطَّلع على رسولِ اللهِ مِنْ جُحْرٍ في دارِ النبيِّ ، والنبيُّ يَحُكُّ رأسَهْ بالمـِدْرى ، فقــالَ : لَـوْ علمـتُ أنَّـكَ تنظـرُ لَطَعَنْتُ بها في عينِكَ ، إنَّما جُعِلَ الاستئذانُ مِنْ قِبَلِ البَصَر ))(4)
3 ـ الجنايـة على البصر : إذا كانت الجناية عن عمد وجب فيها القصاص من الجاني أو الدية ، أما الجناية خطأً فلا قصاص فيها بل دية ، ويختلف مقدار الدية بحسب ما تنتهي إليه الجناية من العمى أو العَوَر أو الحَوَل أو غيره كما نبين بعد قليل ( انظر : جناية ، قصاص ، دية )
4 ـ بنـك العيـون : أنشئت في العقود الأخيرة من القرن العشرين الميلادي مراكز تحفظ فيها عيون المتوفين للاستفادة من القرنية وزراعتها لبعض الأشخاص الذين يعانون من مشكلات في الرؤية ، وقد أجازت الفتاوى التي صدرت بهذا الشأن إنشاء هذه البنوك ، وأجازت زراعة القرنية عملاً بالقواعد العامة في جواز زراعة الأعضاء ( انظر : عضو ) ومن ذلك فتوى دار الإفتاء المصرية التي جاء فيها:(( إن الاستيلاء على عين الميت لتحقيق مصلحة للحي الذي حرم نعمة البصر عقب وفاته وحفظها في بنك يسمى : بنك العيون ، لاستعمالها في ترقيع قرنية المكفوفين الأحياء الذين حرموا نعمة النظر ، ليس فيه اعتداءٌ على حرمة الميت ، وهو جائز شرعاً ))(5)
5 ـ العمى ( Blind ) : ذهاب البصر(6) ، وقد يطلق مجازاً على فقدان البصيرة كما نبين بعد قليل ، والعمى قد يكون ولادياً ، وقد يحصل بسبب الرضوض أو بعض الأمراض ، وقد ينتج العمى عن جناية ، وقد اتفق الفقهاء على أن الجناية التي تؤدي للعمى التام فيها القصاص أو الدية الكاملة ، أمـا إن كانت عـن خطأ ففيها الدية ( انظر : دية )
والعمى الحقيقي يعدُّ نقصاً جزئيّاً لا تزول بـه الأهليـة ، فالأعمى كالبصيـر في مجمـل الأحكام إلا مـا يسقط منها بسبب العمى ، وذلك على التفصيل الآتي(7) :
1) يجب على الأعمى حضور الجُمُعَة والجماعة إذا كان يهتدي إلى المسجد بنفسه أو يجد من يقوده ولو بأجرة ، هذا عند الجمهور أما الحنفية فلم يوجبوها عليه .
2) كره بعض الفقهاء أذانَ الأعمى للصَّلاة إلا إذا كان هناك من يُعْلِمُهُ بالوقت الصحيح ، وقد كره بعضُهم إمامتَه ، وأجازها بعضهم إذا كان الأعمى هو أعلمَ القوم .
3) لا تصح شهادة الأعمى في المرئيات لعدم تمكنه من الرؤية ، وتصح شهادته في غيرها مما يدرك بالحواس الأخرى كالسمع وغيره .
6 ـ العـَوَر : ذهاب البصر من إحدى العينين وقد يكون ظاهراً بتشوه العين ، وقد يكون غير ظاهر فتبدو العين وكأنها سليمة ، ومن أحكام العور(8) :
1) يحقُّ لأحد الزوجين طلبُ الفَسْخِ إذا تبيَّن له أنَّ صاحبه أعور ولم يعلم به قبل العقد .
2) الجناية التي تؤدي للعور في إحدى العينين دون أن تذهب العين نفسها ( أي دون أن يفقأها ) فيها حكومة عدل(9) .
3) إذا قَلَعَ الجاني العينَ المبصرةَ من رجل أعور ، فيرى المالكية أنَّ المجنيَّ عليه مخيَّر بين القصاص من الجاني أو أخذ دية كاملة ، لأنَّ الجناية قضت على ما تبقى له من بصره ، وعند الحنابلة فيها القصاص من مثلها ، ويأخذ المجنيُّ عليه نصفَ الدية ، وعند الحنفية والشافعية يجب فيها نصف الدية .
4) إذا جنى الأعورُ على عينِ شخصٍ آخر ، فعند الحنفية والشافعية يقتصُّ من الأعور ، أما عند المالكية فيخيَّر المجني عليه بين القصاص من الجاني أو أخذ الدية .
5) إذا فقأ الأعورُ عن عمد العينَيْن السالمتين من رجلٍ آخر ، جاز للمجني عليه القصاصُ من عينِ الأعور السالمة ويأخذ نصف الدية .
6) إذا قلع الأعورُ العينَ السالمةَ من أعور مثله ففيه عند الجمهور القصاصُ من الجاني أو ديةٌ كاملةٌ ، أما عند الحنابلة ففيه ديةٌ كاملةٌ ولا يقتصُّ من الجاني ، وإذا فقأ العينَ العوراءَ فعليه نصفُ الدية
7 ـ الحَوَل ( Squint ) : هو انحراف في إحدى العينين أو فيهما معاً ، يؤدي إلى تشويش في البصر .. وقد ذهب الجمهور إلى أنَّ الحول في العين ليس عيباً يثبت به حق فسخ النكاح لأحد الزوجين إلا إذا اشترط مسبقاً السلامةَ منه ، لأنَّ الحول لا يفوت به مقصود النكاح ، والحول في الغالب عيبٌ ظاهرٌ لا يخفى ، أما الجناية التي تسبب الحَوَل ففيها حكومةُ عدل .
8 ـ الإصابـة بالعَيْن : وتعني النظـر بحسدٍ شـديدٍ ، فيتولد عن ذلك أثرٌ بدنيٌّ أو نفسيٌّ يضرُّ بالمحسود ، وهذا ثابت بالسنة النبوية ، لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهمـا يرفعه : ( العينُ حقٌ ، ولو كان شيءٌ سابقٌ القــَدَرَ سَبَقَتْهُ العينُ ، وإذا استُغْسِلْتم فاغسـلوا )(10) ، ولاجتناب هذا الأثر الضارَّ الناجم عن العين فقد أرشَدَنا النبيُّ فقال : ( مَنْ رأى شيئاً فأعجبَه فقالَ: ما شاءَ اللهُ ، لا قوةَ إلا بالله لم يَضُرَّه )(11) ، كما أن قراءة القرآن والأدعية المأثورة تدفع ضرر العين بإذن الله تعالى ، وكان رسول الله يعوذ أهلـه فيقـول : ( أعوذُ بكلماتِ اللهِ التامَّة مِنْ كلِّ شـيطانٍ وهـامـَة ومـــن كلِّ عيـنٍ لامـَّـة )(12) ( انظر : حسد ، رقية )
9 ـ العيـان ( Intuition ) : هو الرؤية المباشرة أو الإدراك المباشر لحقيقة أو واقعة ما ، ويمكن التمييز بين أشكال عديدة من العيان ، منها العيان الحسي (Intuition Sensible ) وهو الإدراك المباشر للمحسوسات ، مثل إدراك اللون والطعم والرائحة .. والعيـــان التجريبي ( Empiric Intuition ) وهو الإدراك المباشر الناشئ عن الممارسة المستمرة ، مثل إدراك الطبيب الماهـر لـداء المريض مـن مجرد مشاهدته ، وقبل إجراء فحوص وتحاليل عليه ( وهذه هي الفراسة كما نبين بعد قليل ) والعيان العقلي ( Intellectual Intuition ) وهو الإدراك المباشر دون براهين للمعاني العقلية المجردة التي لا يمكن إجراء تجارب عملية عليها ، مثل إدراك أن العدد لا متناهٍ ( وهذه هي البصيرة ، كما نبين بعد قليل ) ثم العيان التنبؤي أو الحدس وهو يحدث أحياناً في الاكتشافات العلمية التي تكون نتيجة لمحة لامعـة تطـرأ على ذهن العالم بعد طول التجارب ، أو في المسائل الرياضية حيث يخطر الحل المطلوب على البال فجأة بعد محاولات عديدة غير مثمرة(13) ، وهناك درجات متفاوتة من التداخل بين هذه الأشكال من العيان ، وسوف نفصل فيما يأتي في بيان شكلين من أشكال العيان هما : البصيرة والفراسة ، لما ورد فيهما من نصوص في الكتاب والسنة .
10 ـ البصيرة ( Lucidity ) : مشتقَّة من البصر ، فهي شكل من أشكال الرؤية ، ولكنها رؤية عقلية باطنية وليست مادية كالرؤية بالعين المجرَّدة ، وينسب القرآنُ الكريمُ عَمَلَ البصيرةِ إلى القلب لا إلى الدماغ ، فهي حاسَّة متميزة عـن بقيـة الحواس المتعلقــة بالدمـــاغ ( انظر : قلب ) ، والبصيــرة شيء آخر غيـر ( المُكاشَفة ) التي يقول بها أهل التَّصَوِّف الذين يدَّعون أن الحقَّ تبارك وتعالى يكشف لهم من الغيب ما لا يكشفه لأحد غيرهم ( انظر : بصيرة )
11 ـ الفراسـة ( Physiognomy ) : شكل من أشكال الرؤية الباطنية التي تحصل بقرائن ظاهرة ، وبخاصة منها التَّفَرُّس بوجوه الناس وإدراك دخائلهم ، وهي قريبة الشبه بالبصيرة إلا أن البصيرة تحصل دون قرائن خارجية ، بينمـا الفراسة تقوم على بعض القرائن ( انظر : فراسة )
بصيرة
البَصيرة ( Lucidity ) : شكل من أشكال الرؤية العقلية لا الرؤية المادية ، فأهل اللغة يعرِّفون البصيرة بأنها العقل ، أو ما يستدلُّ به المرءُ من رأيه وعقله على ما يغيب عنه ، والبصيرةُ أيضاً البيانُ والحُجَّةُ الواضحةُ ، كما قال تعالى : (( قـل هـذهِ سبيلي أَدْعُو إلى اللهِ على بصيرةٍ ، أَنَا ومَن اتَّبَعَني ، وسُبْحانَ اللهِ وما أَنَا مِنَ المُشْركين )) سورة يوسف 108 .
أحكام البصيرة :
1 ـ نعمـة البصيرة : يبين الله عزَّ وجلَّ في كتابه الكريم أن على الإنسان من جوارحه بصيرةٌ تشهد له أو عليه يوم القيامة ، كما قال تعالى : (( بـَلِ الإِنسـانُ على نفسـِهِ بَصيرةُ * وَلَوْ أَلقى معاذيرَهُ )) سورة القيامة 14 ـ 15 ، فالبصيرة حاسَّة أودعها الخالق عزَّ وجلَّ في البشر لتعينهم على تمييز الحقِّ من الباطل ، كما قال تعالى : (( قَـدْ جاءكُمْ بصائـِرُ من ربِّكم فمَنْ أَبْصَرَ فلنفْسِهِ ، ومـن عَمِيَ فعليها ، ومـا أَنا عليكم بحفيظ )) سورة الأنعام 104
2 ـ عمى البصيرة : ومَنْ عَمِيَتْ بصيرتُه في هذه الدنيا عن رؤية الحق واتِّباعِهِ فهو في الآخرة أشدّ عمىً كما قال تعالى : (( ومَنْ كانَ في هذه أَعمى فهُوَ في الآخرةِ أَعمى وأَضَلُّ سبيلاً )) سورة الإسراء 72 ، بل إنَّ من عميت بصيرتُهُ في الدنيا عن رؤية الحقِّ كان العمى الحقيقيُّ عقوبته في الآخرة ، كما بيَّن الله عزَّ وجلَّ في كتابه الكريم : (( قالَ اهْبِطا منها جميعاً ، بعضُكم لبعضٍ عدوٌّ ، فإمَّا يأْتينَّكم منِّي هـُدىً فمن اتَّبَعَ هـُدايَ فلا يَضُلُّ ولا يَشْقى * ومن أعرضَ عن ذِكْري فإنَّ لَهُ مَعيشةً ضَنْكاً ونحشرُه يـومَ القيـامـةِ أعمى * قالَ ربِّ لـِمَ حشرتَني أَعمى وقد كنتُ بصيراً * قالَ كذلك أتتكَ آياتُنا فنسيتَها ، وكذلك اليومَ تُنْسى )) سورة طه 123ـ 126
3 ـ البصيرة والقلـب : ينسب القرآنُ الكريمُ عَمَلَ البصيرةِ إلى القلب وذلك في قوله تعالى : (( أَفَلَمْ يسيروا في الأَرضِ فتكونَ لَهُمْ قلوبٌ يعقِلونَ بها أو آذانٌ يَسْمعونَ بها ، فإِنَّها لا تعمى الأبصـــــارُ ولكنْ تعمى القلوبُ التي في الصُّـدور )) سورة الحج 46 ، وهذه مسألةٌ تحتاج إلى الكثير من البحث والدراسة لبيان علاقة القلب بالبصيرة النافذة ، أو بالوعي والفكر والسلوك ( انظر : قلب )
4 ـ البصيرة والمكاشـفة الصوفيـة : ولابد هنا من التنبيه إلى أن البصيرة هي شـيء آخر غيـر ( المُكاشَفة ) التي يقول بها ( أهل التَّصَوِّف ) إذ يدَّعون أن ( الذي للناس غَيْبٌ فهو لهم ظُهُورٌ ، والذي للخَلْقِ من المعارف مقصودٌ ، فَلَهُمْ من الحَقِّ سبحانه موجودٌ ، فَهُمْ أهلُ الوِصال ، والنَّاسُ أهلُ الاستدلال )(1) ، فهم يدعون أن الإنسان إذا مارس بعض الرياضات النفسيـة اتَّصـل بالمـلأ الأعلى ، وصـــار مــن ( العارفيـن ) وعندئذ تتكشَّف له الحقائق سـافـرة من غير حجاب ( حتى يُظْهِرَ الحَقُّ لهم ما لم يُظْهِره لأحدٍ مـن العالمين )(2) ، ويصبح العارفُ قادراً على أن يخرق العادات ، وأن يقلب طبائع الأشياء ! وبهذه النظرة إلى العالم فإن المتصوفةُ يلغون السنن الإلهية ، ويجعلون المستحيل ممكناً ، وهذه بلا ريب من البدع التي لا تقوم على دليل ، ولا أصل لها في دين الله عزَّ وجلَّ .
بكاء
البُكاء ( Crying ) : ضد الضَّحك ، وهو سَيَلان الدَّمع عن حزن أو عَويل ، ويقترن بانقباض عضلات الوجه والتَّكشير والعُبوس ، وهو فعل غريزي يحصل من الإنسان في حالات الانفعال الشديد كالحزن والأزمات النفسية والعاطفية والألـم ، وقد يحصل البكاء من شدة الفرح فتسمى دموعه عندئذ ( دموع الفـرح ) ويتفاوت الناس بميلهم للبكاء ، كما يتفاوتون بدرجات انفعالهم حين البكاء ، فمنهم من لا يبكي مهما تعرَّض للضغط أو الكَرْب ، ومنهم من يبكي لأقلِّ كرب يصيبه ، ومنهم من يقتصر بكاؤه على ذرف الدموع ، ومنهم من يجهش بالبكاء وينفعل بشدة ويفقد السيطرة على أعصابه ويأتي بحركات تدلُّ على الفزع والهلع ( Panic ) !
أحكام البكاء :
1 ـ نعمة البكاءُ : البكاء نعمةٌ ربَّانيَّةٌ كبيرةٌ ، لأنه يساعد في تفريج الكَرْب ( Stress ) ويخفف الضغطَ النَّفسيَّ الذي يولِّده السبب المثير للبكاء ، وبما أن البكاء فعل غريزي لا يملك الإنسان دفعه غالباً فإنه مباح بشرط أن لا يصاحبه ما يدلُّ على التسخُّط من قضاء الله وقدره ، لقول النبي : ( إنَّ اللهَ لا يُعذِّبُ بدمعِ العينِ ولا بحزنِ القلبِ ، ولكن يُعَذِّبُ بهذا ـ وأشار إلى لسانه ـ أو يرحمُ )(1)
2 ـ البكاء من خشية الله عزَّ وجلَّ : وهو دليل على تمكُّنِ الإيمانِ من القلب ، كما وصف الله عزَّ وجلَّ عباده المؤمنين فقال تعالى: (( .. إنَّ الذين أوتُوا العلمَ مِنْ قبلِهِ إذا يُتلى عليهم يَخِرّونَ للأذقانِ سُجَّداً * ويقولونَ سُبْحانَ ربِّنا إنْ كانَ وَعْدُ ربِّنا لمفعولاً * ويخرّونَ للأذقانِ يبكونَ ويزيدُهم خُشوعاً )) سورة الإسراء 107 ـ 108 ، وقال تعالى : (( أولئكَ الذين أنعمَ اللهُ عليهم من النبيينَ من ذريَّةِ آدمَ وممنْ حملنا مع نوحٍ ومن ذُريَّةِ إبراهيمَ وإسرائيلَ وممنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا ، إذا تُتْلى عليهم آياتُ الرَّحمنِ خَرُّوا سُجَّدَاً وبُكيَّاً )) سورة مريم 58 ، وقوله تعالى : (( وإذا سَمِعوا ما أُنْزلَ إلى الرَّسُولِ تَرَى أعينَهم تفيضُ من الدَّمْعِ مما عَرَفُوا من الحقِّ ، يقولونَ ربَّنا آمنَّا فاكتُبنا مع الشَّاهدين )) سورة المائدة 83 ، وقد كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يبكون إذا ما سمعوا موعظة من رسول الله ، كما روى العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه ، فقال : ( وعَظَنا رسولُ اللهِ موعظةً بليغةً ذَرَفَـتْ منـها العيـونُ ووَجِلـتْ منـها القلــوبُ )(2) ، وقد بشر النبيُّ البكَّائين مـن خشـية الله عزَّ وجلَّ ، فقال : ( عينان لا تَمَسُّهما النَّارُ : عينٌ بَكَتْ من خشيـةِ اللهِ ، وعيـنٌ باتَتْ تحرسُ فـي سبيلِ اللهِ )(3) ، وقال : ( لا يلجُ النارَ رجلٌ بكى من خشيةِ اللهِ تعالى حتى يعودَ اللبنُ في الضِّرْع )(4)
3 ـ البكاء في الصلاة : لا يفسدها ، سواء كان من خشية الله عزَّ وجلَّ ، أو كان من شدة الألم بسبب المرض ونحوه مما لا يستطيع المصلي دفعه ، ولكن يحسن به أن لا يصدر صوتاً حين البكاء .
4 ـ البكاء على الميت : جائز ، لما ورد عن عائشة رضي الله تعالى عنها : ( أن النبي دخل على عثمان بن مظعون وهو ميت فكشف عن وجهه ، ثم أكبَّ عليه فقبله وبكى حتى رأيت الدموع تسيل على وجنتيه )(5) ، ولا شيء عليه إن غلبه البكاء بصوت ولم يقدر على رده ، أما النَّدْب والنِّياحة وشقُّ الجيوب ولطم الخدود ومـا شـابه ذلك مـن علامـات التسخُّط على قضــاء الله تعالى وقـدره فــلا تجــوز(6) . ( انظر : موت )
5 ـ بكاء المولود : يسمى بكاء المولود فور ولادته ( الاستهلال ) وهو دليلٌ على تحقُّقِ حياتِهِ ، وعندئذ تجب له الحقوق التي للأحياء كالإرثُ والوصية ونحوها ، وإذا ما قُتل فإن قاتله يستحقُّ القصاص أو دفع الدية ، وإذا مات المولود بعد استهلاله بالبكاء والتحقق من حياته وجب تغسيلُه ويُكَفَّنُ ويُصَلَّى عليه ويدفن كبقية الأحياء ( انظر : مولود )
6 ـ حجِّيَّة البكاء : البكاء قد يكون دليلاً على صدق الباكي ، وقد لا يكون ، وقد ذكر القرآن الكريم قصة إخوة يوسف عليه السلام ، وكيف تباكوا على أخيهم كذبـــــاً ، فقـال تعـالى : (( وجــاؤوا أبـاهُمْ عِشـَـاءً يَبْكونَ )) سورة يوسف 16 ، وعلى هذا فإن بكاء أحد المتخاصمين في القضاء ليس دليلاً يُعتدُّ به ، وكذلك البكاء في الطب في بعض الحالات قد يكون محاولةً من الشخص ليوهم الطبيب بأنه مريض وما هو بمريض ، وذلك لتحقيق أغراض شخصية كالتهرُّب من بعض المسؤوليات أو الوظائف غير المحببة وهذا ما ندعوه بالتمارض ( Malingering ) ( انظر : مرض )
بَكَارة
البكارة ( Virginity ) : العـَذارة ، والبـِكْـرُ أوَّلُ كلِّ شيءٍ ، وكلُّ فعلةٍ لم يتقدَّمها مثلُها . والمرأة البكر أو العذراء ( Virgin ) في الاصطلاحِ هي المرأةُ التي لم تُجامَع بنكاحٍ ولا غيره ، وعلامتها غشاءُ البكارة الذي يكون في القُبُل ، ومَنْ زالتْ بكارتُها بغير جماعٍ كالوَثْبِ أو الجراحةِ فهي بكرٌ حقيقةً وحكماً ، ومَنْ زالتْ بكارتُها بجماعٍ سُمِّيَتْ ثـَيِّباً . ويقال للرجل بِكْرٌ إذا لم يَقـْرَب النساءَ بعدُ .
أحكام البكارة :
1 ـ عناية الإسلام بمفهوم البكارة : لقد عُني الإسلام بمفهوم البكارة عناية خاصة ، لأنها دليل مادّي يُعبِّر في الغالب عن عِفَّةِ البنتِ التي لم تتزوج بعد ، وقد أدت هذه العناية إلى الحدِّ من حالات الزنى بين الأبكار في المجتمعات المسلمة عامة ، على النقيض مما يجري اليوم في المجتمعات غير المسلمة التي لا تقيم وزناً لمفهوم البكارة ، بل إن بعض تلك المجتمعات باتت تنظر إلى البنت البكر نظرة احتقار ، وقد يعيِّرونها بأن بقاءها على بكارتها دليل على نقصٍ عندها ، أو ضعف في شخصيتها ، أو عدم رغبة الرجال بها ، أو غير ذلك من الحجج الواهية ، وهذا ما جعل البنات هناك ـ حتى القاصرات منهنَّ ـ يتجرَّأنَ على الزنى ، وجعل تلك المجتمعات تغصُّ بأولاد الزنى ! ( انظر : زنى )
2 ـ زوال البكارة بالجمــاع : إن زوال البكارة ليس دوماً دليلاً على الجماع ، فقد تزول البكارة بغير الجماع وبخاصة بسبب الرضوض التي تصيب الفرج ، كما أن بعض البنات يولدنَ دون غشـاء بكارة مثلمـا يولد بعض الصبيان دون قلفة ( انظر : ختان ) ، وفي بعض البنات تكون فتحة غشاء البكارة واسعة خِلْقَةً فيظن الأهل أن بنتهم ليست عذراء ! وكثيراً ما أدَّى الجهل بهذه الحقائق إلى مآسٍ مفجعة ، وليس من النادر أن تُقتل البنت من قبل أهلها ( غَسلاً للعار ! ) ظناً منهم بأنها قد زَنَتْ ، وما هي بزانية ! ولهذا يحسن بالأهل الترويّ والالتزام بالقواعد الشرعية في هـذا الأمـر ، فحتى لو ثبت أن البنت قد زنت فعلاً فليس من حقِّ أهلها أن يقيموا عليها الحدَّ ، لأن الحدَّ منوط بوليِّ أمر المسلمين وليس بوليِّ أمر البنت ( انظر : حدّ ) وقد فصَّل الفقهاء كثيراً في زوال البكارة لما له من اعتبارات شرعية وأخلاقية هامَّة ، وننقل هنا خلاصة مذاهبهم في هذه المسألة(1) :
* مذهب الحنفية : إذا تزوج الرجلُ امرأةً على أنَّها بكرٌ ، ثم تبين بعد الدخول بها أنها ليست بكراً وجب عليه دفعُ المهر كاملاً ، لأن المهر شُرع لمجرد الاستمتاع دون البكارة ، وحملاً لأمر المرأة على الصلاح بأن زالت بكارتها بوثبة أو ما شابـه من الأسباب العارضة ، فإن كان قد تزوجها بأَزيدَ من مهر مثيلاتها على أنها بكرٌ فوجدها غير بكر ، سقط عنه دفع الزيادة ، والعقد صحيح .
* مذهب المالكية : إذا تزوج الرجلُ امرأةً ظانّاً أنَّها بكرٌ ، ثمَّ تبيَّن أنَّها ثيِّب ، فلا ردّ للزوج بذلك ، أمَّا إذا اشْتَرَطَ البكارةَ ثمَّ وجدها قد ثيبت بنكاح فله أن يردَّها .
* مذهب الشافعية : إذا تزوَّج الرجلُ امرأةً بشرط بكارتها ثمَّ تبيَّن أنَّها ليست بكراً صحَّ النكاحُ في الأظهر ، وقال بعضهم ببطلانه .
* مذهب الحنابلة : إذا اشترط الزوجُ أن تكون بكراً ثمَّ وجدها ثيباً بالزِّنى فله فَسْخُ العقدِ ، أما إذا وجدها ثيباً بنكاح ففيه قولان : أحدهما لا خيار له ، والآخر له الخيار .
3 ـ إزالة البكارة بغير جماع : وإذا تعمَّد الزوج إزالةَ بكارة زوجته بغير الجماع ، كأن يزيلها بالإصبع أو نحوها فلا شيء عليه عند الجمهور ، لأنه لا فرق بين وسيلة ووسيلة في هـذه الإزالـة ، أما المالكية فيرون حرمة ذلك بل يؤدَّبُ الزوجُ عليه .. ويرى الحنفية أنَّ الزوج إذا أزال بكارةِ زوجته بغير جماع ثم طلَّقها قبلَ أن يمسَّها فقد وجب لها جميع مهرها ، وقال المالكية : يلزمه أرش(2) البكارة مع نصف الصَّداق ، وعند الشافعية والحنابلة يحكم لها بنصف صداقها .
4 ـ رتق غشـاء البكارة : بما أن تمزق غشاء البكارة يحصل من أسباب مختلفة ، وقد تكون له دوافع مختلفة ، فقد اختلف الحكم فيه ، على التفصيل الآتي :
* إذا كان سببُ التمزق حادثةً أو فعلاً لا يعدُّ في الشرع معصيةً ولا جماعاً في عقد نكاح ، ينظر : فإن غلب على الظنِّ أنَّ الفتاة ستلاقي عَنَتاً وظلماً بسبب الأعراف والتقاليد السائدة ، كان إجراءُ الرَّتْق واجباً ، لما فيه من دفع مفاسد يغلب على الظنِّ وقوعها ، فإنَّ المفسدة المتوقعة بأغلبية الظن تعتبر في حكم الناجزة المحققة ، فإنْ غلب وقوع المفسدة ولو في المآل جُعلتْ كالمفسدة الواقعة ، وإذا لم يغلب ذلك على الظَّنِّ كان إصلاحُ الغشاء مندوباً ، ولكنه غير واجب ، لما فيه من دفع مفاسد محتملة ، والذي يحدد ما تقدَّم هو طبيعة المجتمع الذي تعيش فيه الفتاة .
* إذا كان التمزُّقُ قد حصل بوطءٍ من عقدِ نكاحٍ صحيحٍ فإنه يَحْرُم رتقه ، سواء كانت المرأة متزوجة أم مطلَّقة أم أرملة ، لأنه لا مصلحة فيه ، بل هو عندئذ نوع من العبث الذي لا يُقرُّه الشرع .
* إذا كان سبب التمزق زنى اشتهر بين الناس سواء كان اشتهاره نتيجة صدور حكم قضائي على الفتاة بالزنى ، أم كان نتيجة تكرار الزنى من الفتاة وإعلانها لذلك واشتهارها بالبغاء ، ففي هذه الحالة يحرم على الطبيب رتق غشاء البكارة لعدم وجود مصلحة ، ولأن فعله هذا لا يخلو من المفسدة .
* إذا كان سبب التمزق زنى لم يشتهر بين الناس بالمعنى السابق ، كان الطبيب مخيَّراً في إجراء عملية الرتق أو عدم إجرائها ، لأنَّ فعله هذا من باب السَّتْر كما تقدَّم ، والسَّتْر على العُصاة تتناوبه أحكام عدة : فقد يكون حراماً إذا ترتب عليه تضييع حقٍّ من حقوق العباد .. وقد يكون واجباً إذا ترتَّب على الإظهار وقوع مفسدة أو معصية ، كما لو كان الشخص وحيداً عندما رأى حادثة الزنى ، فإن بلَّغ ولم يُقِرَّ المتَّهمُ كان ذلك منه قذفاً ، وقد يكون الستر مندوباً إذا تبين أن الـذي وقع في المعصية قد ندم عليها ولـم يكررها ، وقد يكون الرتق مكروهاً إذا تبين من العاصي الإصرار وعدم التوبة ( ونحن نرى أنه حرام وليس مكروهاً في هذه الحال لأنه يشجع على تمادي المرأة بالمعصية ) فإذا جهلنا حال العاصي من حيث التوبة وعدمها فمقتضى ما تقدَّم أن يكون السترُ عليه جائزاً وبناء على هذا ينبغي للطبيب إذا جاءته فتاةٌ تطلب رتق بكارتها المتمزقة أن يحمل أمرها على الصلاح ، وأنْ يفترض أن ما وقعت فيه كان بسببٍ ليس فيه معصيةٌ لله عزَّ وجلَّ ولا يحقِّق بالموضوع بأكثر مما ذكرنا من الأمارات الظاهرة ، ولا يجوز أن يبني موقفَهُ على سوء الظَّنِّ بها(3) .
* إذا تمزق غشـــاء البكارة نتيجة الاغتصاب ( Rape ) جازَ رَتْقـُهُ دفعاً للمفسدة عن البنت التي اغتصبت كُرهاً عنها ، وقد صدرت فتوى بهذا الشـأن عـن مفتى مصـر العربيـة ، يوم 26 جمادى الثانية 1419هـ ( 16 تشرين الأول / أكتوبر 1998م ) جاء فيها : (( إنـه لا مانع شرعاً من العمليات الجراحية التي تجرى للأنثى التي اختُطفتْ وأكرهَتْ على مواقعتها جنسياً لإعادة بكارتها )) وقد طالَبَ الأمين العام المساعد للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية وغيره من أهل العلم وأهل القضاء بوضع الضوابط اللازمة لسدِّ الباب أمام المُنْحَرِفات لعدم استغلال هذه الفتوى للغشِّ والخداع ، وطالب أيضاً أنْ يُجَرَّم الطبيبُ الذي يُقْدِم على إجراء مثل هذه العمليات للسيدات غير المغتصَبات(4) ، هذا مع مراعاة ما قدمناه من أحكام .
5 ـ الشهادة في البكارة : بما أنَّ البكارة جزء من العورة المغلَّظة فقد أجاز الفقهاء فيها شهادة النساء دون الرجال ، على غير القاعدة في الشهادات عامَّةً والتي تشترط شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ، لأنَّ اطِّلاعَ النساء على عورات النساء أقلُّ حرجاً من اطِّلاع الرجال ، وذهب بعض الفقهاء إلى مدى أبعد في الحيطة فقالوا يكفي في البكارة شهادةُ امرأةٍ واحدةٍ ثِقَةٍ صيانةً للعورات ( انظر : عورة )
6 ـ استئذان البكر في النكاح : يرى الجمهور أن البكر لا يجوز لها أن تُزوِّج نفسها ، بل يزوجها وليُّها ، سواء كانت صغيرة أم كبيرة ، لكنها تُستأذن ، واعتبروا سُكُوتَ البكر البالغة عند استئذانها في النكاح إذناً منها ، لحديث النبي : ( .. البكرُ تُسْتأْذنُ في نَفْسِها ، وإِذْنُها صماتُها )(5) ، وذهب نفرٌ من الفقهاء إلى أن الكبيرة لها أن تزوج نفسها ، لكننا نرى أنَّ الأولى ما ذهب إليه الجمهور في هذه المسألة من اشتراط رأي الولي مع استئذان البنت ، سواء كانت صغيرة أم كبيرة ، بكراً أم ثيِّباً ، لأنَّه يَدْرَأ مفاسدَ عظيمةً ، فإنَّ تزويج البنت لنفسها مـن غير اعتبار لرأي وليّها فيـه إضعافٌ للرابطة الأسرية ، وفيه تحريض للبنت ضد وليّها ، وامتهان لرأيه ، وفيه أيضاً إتاحة الفرصة للتغرير بالبنت وإيقاعها في حبائل الغواية والشهوة ، ولكي ندرك الحكمة من اشتراط رأي الولي في هذه المسألة يكفي أن نلقي نظرة على ما يحصل اليوم من تفكك الأُسر وشيوع الفاحشة والجريمة في البلدان التي تجاوزت هذا العُرْف ( Convention ) ولم تعد تحفل برأي الولي في هذه المسألة ولا في مثيلاتها من المسائل الاجتماعية الحساسة !
بَكـَم
البَكَمُ ( Mutism ) : الخَرَس ، وهو فقدان القدرة على البيان باللسان ، وقد يكون البكم ولادياً فيولد الطفل أبكمَ خِلْقَةً ، وقد يكون مكتسباً نتيجة رضٍّ أو مرض ، وقد يحصل البكم أيضاً من جرّاء الصَّمَم ( Deafness ) الولادي ، لأن الطفل لا يستطيع سماعَ الأصوات فلا يستطيع أن يقلِّدها ، وهذا ما يزيد من معاناة المصاب بهذه العاهة !
أحكام البكم :
1 ـ أجر الصبر على البكم : البكم ابتلاء شديد لأنه يحول دون التواصل بالكلام ما بين الأبكم ومن حوله من الناس ، وإذا ما اجتمع الصَّممُ مع البَكَم كان الابتلاء أعظم ، فإن كان الأبكم لا يُحسن التفهيم بالإشارة كانت حاله أصعب وأشدّ ، واحتاج للمزيد من الرعاية الصحية والاجتماعية ، ووجب تأهيله حتى يتمكن من البيان بالإشارة ، ويتجاوز حاجز الصمت الذي بينه وبين الناس ، علماً بأن التطور الحديث في حقول الطب قد أتاح علاج الكثير من حالات البكم .. ويَحْسُنُ بمن يشرف على تعليم الأبكم ورعايته أن يصبِّره ، وأن يذكِّره بالأجر الكبير إن هو صبر على هذا الابتلاء ( انظر:لسان )
2 ـ البكم والعبادات : يكفي من الأبكم النية وتحريك اللسان أو التمتمة في العبادات القولية كالصـلاة وقـراءة القرآن والتلبية في الحج والعمرة ، وعند المالكية يصح الاكتفاء بالنية ، ولا يجوز اقتداء الناطق بالأبكم ولو كان الناطق أمياً لقدرة الأمي على التحريمة وعَجْزِ الأبكم عنها وعن القراءة ، ولكن يجوز اقتداء الأبكم بأبكم مثله عند الحنفية والمالكية ، ولم يجوزه الشافعية والحنابلة لاحتمال أن يحسن أحدهما ما لا يحسنه الآخر(1).
3 ـ تصرفات الأبكم : إنْ كان الأبكم يحسن الإشارة فإنها تقوم مقام العبارة في تصرفاته كالبيع والنكاح والطلاق ونحوه ، كما تقوم كتابة الأبكم مقام العبارة في التصرفات لأن الكتابةَ زيادةُ بيانٍ وقد اتفق الفقهاء على الأخذ بإشارة الأبكم فيما يُقِرُّ به من حقوق العباد ، أما ما يُقِرُّ به مما يتعلق بالقصاصِ أو الحدِّ فيثبت عند جمهور الفقهاء ، ولا يثبت عند الحنفية(2).
4 ـ شهادة الأبكم : ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن شهادة الأبكم لا تُقبل ، لأن مراعاة لفظ الشهادة شرط في صحة أدائها ، لكن إذا أدَّاها كتابةً قُبلت عند الحنابلة .. أما المالكية والشافعية فقد ذهبوا إلى قبول الشهادة منه سواء كانت بالإشارة المُفَهِّمة أو بالكتابـة .
5 ـ تولي الأبكم للقضاء : لا يجوز تولي الأبكم للقضاء ، لأن النطق صفة يجب توافرها في القاضي لكي يستنطق المتخاصمين ، ويفهم منهم ويفهموا منه ، ولا تكفي منه الإشارة لأن الناس قد لا يفهمون إشاراته(3).
بُلوغ
البلوغ ( Puberty ) : الحُلُم ، أو الاحتلام ، أو إدراك سن التكليف الشرعي ، وله علامات ظاهـرة تـدلُّ عليـه كما نبين بعد قليل ، وتسبق البلوغَ عادةً مرحلة تسمى مرحلة المراهقة ( Adolescence ) تظهر فيها على الصبي والبنت علامـات تدلُّ على اقتراب البلوغ .
أحكام البلوغ :
1 ـ المراهقـة : هي الفترة التي تسبق البلوغ ، يقال في اللغة : راهق الغلام مراهقة إذا قارب الاحتلام ولـم يحتلم بعـد(1) ، وتتضمن المراهقة أيضاً معنى العَنَت والمكابدة والمعاناة ، كما ورد في محكم التنزيل : (( قال لا تُؤاخذني بما نسيتُ ولا تُرهِقني من أمري عُسْراً )) سورة الكهف 73 ، وإذا تكلم الفقهاء على المراهقـة قصدوا هـذه الفتـرة التي تسبق البلـوغ ، أمــا علماء النفس وعلمـاء التربيـة فإنهم يوسعون فترة المراهقة لتشمل مـا قبـل البلـوغ إلى سـن الرشـد ، ويقدرونها بالفترة ما بين ( 12 ـ 21 سنة ) للبنات لأنهن ينضجن عادة أبكر من الصبيان ، بينما يقدرونها للصبيان بالفترة ما بين ( 13 ـ 22 سنة )(2)
وعلى الرغم مـن أن الإنسان ـ ذكراً كان أم أنثى ـ يصبح مكلفاً شرعاً بالبلوغ ، فإن الفقهاء ميزوا الفترة التي تلي البلوغ إلى سـن الرشـد وجعلوا لها أحكاماً خاصة بها ، فلم يعتبروا الشخص كامل الأهلية من كل الوجوه حتى يبلغ سن الرشد كما نبين بعد قليل ، وبهذا يلتقي الفقهاء مع علماء النفس والتربية في أن الإنسان يظل مراهقاً في بعض أموره حتى يصل إلى سن الرشد فيصبح كامل الأهلية ( انظر : أهلية )
ومما لا ريب فيه أن فترة المراهقة فترة عصيبة وحساسة في نشأة المراهقين ، لأنهم في هذا العمر يتفتحون على الدنيا ، ويبدؤون باكتشاف العالم من حولهم ، ويصبحون قادرين بدنياً على ممارسة الجنس ، وتتنازعهم الرغبات والميول الجنسية الجامحة ، وربما الشاذة ، فيقع بعضهم من جرائها فريسة لصراع نفسي عنيف ! ويميل أكثرهم للتحرر من قيود الأسرة لإحساسهم بأنهم قد كبروا وأصبحوا قادرين على اتخاذ القرارات بأنفسهم ! ويسترسل معظمهم بأحلام اليقظة فيبنون في الخيال مستقبلاً زاهراً لا يمتُّ للواقع بأية صلة ! وكل هذه التطورات والمشاعر والأحاسيس تحتاج لاهتمام خاص من الوالدين والمربِّين والموجِّهِين لحماية المراهقين من الانحرافات النفسية والسلوكية التي تترسخ غالباً في هذه الفترة الحرجة من عمر الإنسان !
أما الأحكام الخاصة بالمراهق في الفترة التي تسبق البلوغ ، أي قبل أن يبلغ سن التكليف الشرعي ، فقد اتفق أكثر العلماء على أن عورته مثل عورة البالغ ، ويجب عليه سترها ، كما ذهبوا إلى عدم جواز النظر إلى عورة المراهق ، ونصَّ بعضهم على أن المراهق في نظره للأجنبية كالبالغ ، وأجاز بعضهم اعتبار المراهق مَحْرَماً للمرأة في السفر ونحوه من الحالات التي تتطلب وجود محرم مع المرأة(3). ( انظر : عورة ، بصر ، سفر )
2 ـ علامات البلوغ : بالبلوغ يبدأ النَّشاطُ الجنسيُّ عند الذَّكر والأنثى ، وأول علامات هذا النشاط الاحتلام ، أو نزول المني ، في اليقظة أو في المنام ، وتظهر الصفات الجنسية الثانوية ( Secondary Sexual Characters ) التي منها صفات مشتركة بين الذَّكر والأنثى ، وصفات أخرى يتفرد بها كل منهما ، على التفصيل الآتي :
* علامات البلوغ في الذكر : يخشن الصوت ، وينبت الشعر في منطقة العانة ( Pubis ) على هيئة معين يغطي كيس الصفن ويمتد إلى الأعلى حتى السرة ، كما ينبت شعر اللحية والشاربين والإبطين ، وتظهر عند كثير من البالغين حبوب في الوجه والجسم تدعى العُدّ أو حَبَّ الشباب ( Acne ) لأنها تظهر في بدايــة مرحلة الشبـاب !
* علامات البلوغ في الأنثى : إن الحيض هو أبـرز علامـة مــن علامــات البلوغ عند الأنثى ( انظر : حيض ) ، وبما أن الحمل قد يحصل في بعض النساء دون أن يسبقه حيض صريح فإن الحمل أيضاً يعد علامة مؤكدة على بلوغ المرأة ويصاحب بلوغ البنت أيضاً علامات ظاهرة أخرى منها : نهود الثديين ، ونبات شعر الإبطين ، ونبات شعر العانة على هيئة مثلث رأسه في الأسفل وقاعدته عند حدود العانة فلا يصل إلى السرة كما هي الحال في الذكور ، وهذه من العلامات الظاهرة للتمييز ما بين الذكر والأنثى في بعض الحالات ، مثل تمييز جنس الخنثى ، أو بعض الحالات الجنائية التي تتطلب معرفة جنس الجثة مثلاً .
3 ـ البلوغ والتكليف الشرعي : البلوغ هو سن التكليف الشرعي ، لأنه قرينةٌ تدلُّ على أوَّلِ كمالِ العقلِ ، لأن معرفة أول كمال العقل متعذِّر ، فأقيم البلوغُ مقامه(4)، وقد وردت آيات وأحاديث عديدة تدلُّ على أن الشارع الحكيم قد ربط التكليف بالبلوغ ، ومنها قوله تعالى : (( وإذا بَلَغَ الأطفالُ منكمُ الحُلُمَ فليستأذنوا كما استأذنَ الذين مِنْ قبلِهم )) سورة النور 59 ، ومنها قول النبيِّ : (غـُسْلُ يومِ الجُمُعةِ واجبٌ على كلِّ مُحْتَلِم)(5) وهذا لا يعني أن نترك الولد دون تكليف حتى يبلغ ، فقد أرشدنا النبيُّ أن نعوِّد أولادنا على القيام ببعض التكاليف الشرعية في سن مبكرة ، قبل البلوغ ، لكي يعتادوا على أدائها حين تجب عليهم بعد البلوغ ، ومـن ذلك قولـه : ( مُروا أَولادَكم بالصَّلاةِ وهُمْ أبناءُ سـبعِ سنين ، واضربوهُمْ عليها وهُمْ أبناءُ عَشْـرٍ ، وفَرِّقوا بينَهم في المضاجعِ )(6)
ويلاحظ أن الإنسان يصبح مميزاً لما يضرُّه وما ينفعه قبل البلوغ ، ولكنه لا يكون في هذه الفتـرة مــن حياتــه أهــلاً لتحمل المسؤوليــة ( انظر : أهلية ) فإذا بلغ فقد وصل إلى درجة أعلى في التمييز ، ولكنها تبقى غير مكتملة ، ويظـل في بعض شؤونه مراهقاً ( Adolescent ) لا يُحسن التصرف ، ولا يبلغ رشده في الغالب إلا بعد البلوغ بسنوات ، ولهذا فرق الفقهاء بين مراحل ثلاث من عمر الإنسان :
أ ـ سنُّ التَّمييز : هي السن التي إذا انتهى إليها الصغير عَرَفَ مضارَّه ومنافعَه ، وتكون في الغالب عندما يكمل الصغيرُ السَّنةَ السَّابعةَ من عمره ، وفي هذه السن لا يجب عليه شيءٌ من الواجبات ولا يُعاقب على ترك شيءٍ منها ، ولا يُؤاخذ على فعل شيءٍ من المحرَّمات في الأرجح ، لقول النبي: ( إنَّ القلمَ رُفِعَ عن ثلاثةٍ : عن المجنون حتى يفيقَ وعن الصَّبيِّ حتى يُدركَ ، وعـن النَّائمِ حتى يستيقظَ )(7) ، لأن مناط التكليف في الإنسان هو البلوغ كما نرى بعد قليل ، وتترتب على مـن وصل إلى سنَّ التمييز عدة أحكام ، منها(8) :
* لا يجوز أن ينظر المميِّزُ ( صبياً كان أم بنتاً ) إلى مـا بين السُّرَّة والرُّكبة من الأجانب والمحارم ، واختلفوا في حدود ما يباح للصبي النظر إليه مـن المـرأة غير مـا بين السرة والركبة ، فأجازه بعضُهم ، وقيَّده بعضُهم بأن يكون بلا شهـوة ، وأن يكون الصبي دون عشر سنين ، أي لم يناهز البلوغَ بعد .
ويرى الجمهورُ عدمَ جواز إمامة المميز للبالغ في الفرض ، إلا الشافعية فإنهم يرون صحتها .
* ويرى الجمهورُ عدمَ قبول شهادة المميز الذي لم يبلغ ، إلا الحنفية فيرون أنها تصحُّ ولكن لا يجوز منه أداء الشهادة حتى يبلغ ، واستثنى المالكية وهو رواية عن أحمد أيضاً شهادة الصبيان بعضهم على بعض إذا شهدوا قبل الافتراق عن الحالة التي يشهدون عليها .
* في الحضانة ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا أتمَّ الطفلُ سبعَ سنين من عمره ، أي وصل إلى سنَّ التمييز ، خُيِّر بين أبويه فكان مع من يختار منهما ، ولا تخيير عند الحنفية والمالكية للمميز ذكراً كان أو أنثى ( انظر : حضانة )
ب ـ سنُّ البلوغ : وهو يتفاوت قليلاً ما بين شخص وآخر ، كما يتفاوت من بيئة لأخرى ، وتتدخل فيه عوامل عديدة ، منها : التغذية والرياضة والرعاية الصحية والتربية الاجتماعية والنفسية السائدة في المجتمع ، وطبيعة العلاقات المسموح بها بين الجنسين .. ولهذا يحصل البلوغ في بعض البلدان مبكراً ، بينما يتأخَّر في بلدان أخرى ، وهو يتراوح غالباً ما بين ( 12 – 16 سنة ) ونعتقد أن هذا هو سبب الاختلاف قديماً بين الفقهاء في تعيين سن البلوغ ، فالظاهر أن كلاً منهم قد قاسَ سنَّ البلوغ على ما شاهده في كل مِصْرٍ من الأمصار التي عاشوا فيها .. وبما أن علامات البلوغ تكون واضحةً في الغالب على الصِّفة التي ذكرناها ، فتكون هي المعوَّل عليه في تحديد سنِّ البلوغ لكلِّ شخص ، فإذا لم تظهر تلك العلامات في السن المتوقع فإن البلوغُ يُقدَّر بسنِّ البلوغ عند الأقران في البيئة نفسها ، علماً بأنَّ البلوغ قد يتأخر أو لا يحصل مطلقاً عند بعض الأشخاص لأسباب عديدة مرضية أو وراثية ..
ج ـ سـنُّ الرُّشــْد : هو السن الذي يكتمل فيه إدراك الشخص ويصبح فيه أهلاً للتصرُّف وتحمُّل المسؤولية ، ويذهب معظم العلماء إلى أن الإنسان يبلغ سن الرشد في عمر ( 18 سنة ) ويرجع الاختلاف ما بين سنِّ الرشد وسنِّ البلوغ ، إلى أنَّ رشدَ الإنسان أو اكتمالَ ملكاته العقلية يتأخر قليلاً عن البلوغ الفيزيولوجي أو العضوي ، ولهذا نجد أنَّ الأحكام الجنائية والعقوبات والحدود تتوقـف على سـن الرشـد لا على البلوغ(9)، وقد رأى بعض الفقهاء أن يُجرَّب الصبيُّ لمعرفة رشده ، وذلك بتفويضه بالتصرفات التي يتصرف فيها أمثاله عادةً ، فإذا وجدنا أنه لم يبلغ رشدَه واصلنا تجريبه حتى الخامسـة والعشرين من عمره ، ثم يكون حكمُه حكمَ الراشدِ ما لم يكن مجنوناً أو معتوهاً ( انظر : أهلية ، جنون )
ونورد فيما يأتي جدولاً يوضح الفروق ما بين مراحل النضوح طبياً وشرعياً وقانونياً ، مع التذكير بالفوارق اليسيرة ما بين الفقهاء بتحديد سن البلوغ وسن الرشد :
العمر بالسنوات 0 ـ 7 7 ـ 10 10 ـ 14 12 ـ 16 18 فما فوق
شــرعــاً طفولـة تمييز مراهقـــة بلــــوغ رشــــــد
طبيــــاً طفـولــــــــــــــــــــة مراهقــــــــــــــ بلــــوغ ـــــــة ـ رشــــد
قانونيـاً طفـولـــــــــــــــــــــــــــــــــــة بلــــوغ رشـــــد
4 ـ يشترط البلوغُ في كل ما يشترط له تمام الأهلية ، مثل : الولايات والإمارة والقضاء والشهادات والطلاق ونحوه .. فلا تجوز هذه التصرفات إلى ممن بلغ ( انظر : أهلية ، والمواضيع ذات الصلة )
5 ـ بالبلوغ تثبت أحكام كثيرة جداً يتعذَّر حصرها ، ولكن نذكر منها على سبيل المثال(10):
* إذا طرأ البلوغ في أي وقت من النهار أو الليل فقد وجبت على من بلغ الصلاةُ التي بلغ في وقتها .
* إذا طرأ البلوغ في نهار رمضان فقد وجب على البالغ إتمام الصوم إن كان قـد بيَّـت الصومَ ، أما إن أصبح مفطراً ثم طرأ عليه البلوغ فيستحب له أن يمسك بقية اليوم ، والراجح أنه لا يجب عليه قضاء ذلك اليوم ، لكن بعضهم أوجبه .
* من حجَّ قبل البلوغ فإن حجه هذا لا يجزئه عن حج الفريضة ، بل عليه حجة أخرى إذا بلغ ، أما من تجاوز الميقات قبل أن يبلغ ثم بلغ قبل الوقوف بعرفة ، أو بلغ وهو واقف بعرفة ، أو بلغ بعد الوقوف ولكن كان هناك متسع من الوقت فرجع ووقف بعرفة قبل الفجر من ليلة يوم النحر ، فالجمهور على أن حجه هذا يجزئه عن حج الفريضة .
* بالبلوغ تنتهي الولاية والحضانة على الغلام إذا عقل واستغنى برأيه ، ويجوز له أن ينفرد بنفسه إذا لم يكن يُخشى عليه الفساد ، وكذلك البنـت ، ولكن ليس لها الانفراد بنفسها ، ولوليها أن يمنعها من ذلك ، لأنه لا يؤمن عليها الفساد غالباً ( انظر : أنثى ، أهلية ، خلوة )
بـَوْل
البول ( Urine ) : هو السائل الذي تستخلصه الكليتان من الدم وتفرزانه عبر الإحليل إلى خارج البدن ، ويبـول الإنســان البالغ وسطيـاً ( 1 – 1.5 ل/يومياً ) في الأحوال العادية ، ويتكون البول مـن : المـــاء ( أكثر من 95% ) والبولـة Urea ( 3% ) وبعض الفضلات ( 2% ) التي تتكون من كريات دموية وخلايا ميتة وبروتينات ، وربما احتوى البول على فضلات أخرى كالجراثيم والفيروسات والطفيليات التي تفرز في بول الأشخاص المصابين بالتهابات في الجهاز البولي ، وهي تُشكِّل خطراً كبيراً من ملامسة البول .. وربما لهذه الأسباب مجتمعة اعتبر البولُ نجساً ، ووجب الاحتراز والتطهر منه ، فهو مركب من فضلات لا فائدة منها ، وهو أيضاً مصدر خطير من مصادر العدوى ببعض الأمراض !
أحكام البول :
1 ـ هيـئة التبول : يجوز التبول قائماً وقاعداً لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من فعل النبيِّ ، أما ما روته أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها : ( مَنْ حَدَّثَكَ أنَّ رسولَ الله كان يبولُ قائماً فلا تُصَدِّقوهُ ) فإنما هو باعتبار علمها هي ، وأما النهي عن التبول قائماً فلم يصحَّ فيه حديث(1) ، إلا أن التَّبَوُّل قاعداً أولى لأنه أسترُ للعورة ، ويَدرأ تطايرَ البول والتلوث بالنجاسة ، أما التبول قائماً فنرى أن يكون لعذر فقط ، لا أن يصبح عادةً .
ويجوز لمن لا يستطيع التبول المعتاد أن يتبول في أية وضعية يستطيعها ، كالمريض المقعد ، والمعاق ، والسجين المربوط ونحوه ، ويجوز التبول في المبولة ( Urinal ) التي جرت العادة على استخدامها للمرضى المقعديـن في المستشفيات ، وقـد ( كان للنَّبيِّ قَدَحٌ من عِيدانٍ تحتَ سريره يَبول فيه بالليل )(2)
2 ـ لا يجوز التبول في الأماكن التي ينتفع الناس بها ، كالظلٍّ والشارع ومصادر المياه ونحوها ، لقول النبيِّ : ( اتَّقوا الملاعِنَ الثَّلاثَ : البرازُ في المواردِ ، وقارعةِ الطَّريقِ ، والظلِّ )(3) ، ولا يجوز التبول في مكان الاستحمام لأن النَّبيَّ نهى عنه ، فقال : ( لا يبولنَّ أحدُكم في الماءِ الدائمِ الذي لا يجري ثـمَّ يغتسلُ فيــه )(4) ، وقال أيضاً : ( لا يبولَنَّ أحدُكم في مُستحمـِّه ثـمَّ يغتسلُ فيـه )(5) وفي هذا وقاية من تلويث المكان الذي يفضي إلى نشر العدوى !
ويُكره التبول في المـاء ، لحديـث جابـر رضي الله عنه عـن النبي أنـه ( نهى أن يبال في الماء الراكد )(6) ، وأيضاً : ( نهى أن يبال في الماء الجاري )(7) ، وواضح ما في هذا النهي من حكمة ، فالماءُ نعمةٌ كبيرةٌ يحسن بالعبد أن يحفظها من النجاسات ، وبخاصة أن الماء وسـط ملائـم جداً لنموِّ الجراثيم والطفيليات وتكاثرها ، وإذا ما تلوَّث كان مصدراً لانتشار الأمراض والأوبئة ! ومن الجدير بالذكر أن مرض البلهرسية ( Bilharzia ) أو داء المُنْشـَقَّات ( Schistosomiasis ) يأتي في مقدمة الأمراض التي تنتقل إلى الإنسان من جراء استحمامه في مياه الأنهار ، ويقدَّر أن في العالم اليوم أكثر من ( 200 مليون مصاب بالبلهرسية ) يموت منهم في كل عام عدة ملايين ! وسبب انتشار هذا المرض هو تبول المصابين به في المياه ، ووصول طفيليات المرض إلى القواقع التي تعيش في مياه الأنهار ، وهي المضيف الوسيط لهذه الطفيليات التي تعود من جديد لتصيب الإنسان السليم عندما يخوض في المياه الملوثة(8).
3 ـ التطهر من البول : بما أن البول نجسٌ ويحمل فضلات ضارَّة ، وقد يحمل الجراثيم والطفيليات الممرضة الخطيرة كما بينَّا ، فقـد وجـب الاسـتبراء منـه والتطهُّر من آثاره ، وقـد ورد أنَّ النبيَّ : ( مرَّ على قبرين فقال : أما إنهما لَيُعذَّبان ، وما يعذبان في كبير ، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة ، وأما الآخر فكان لا يستبرئُ مـن بوله )(9) ، والاستبراء من البول يكون بأن يحسَّ المرء من نفسه أنه لم يبقَ شيءٌ في المخرج مما هو بصدد الخروج ، ويندب للرجل بعد التبول تمرير ظهر إبهام يــده اليسـرى مــن منطقـة الدُّبـُـر ( العِجان Perineum ) إلى نهاية مجرى البول حتى يستبرئ من بوله ، فقد يتبقى شيء من البول في المجاري البولية فيخرج عند الحركة فيخلُّ بطهارة الجسم والثوب ، أو يخرج عند الشروع بالوضوء أو الصلاة فيفسدهما !
والتطهر من البول يكون بالماء ، ويجوز التطهر بالاستجمار أي باستعمال الحجارة وما في حكمها من ورق ونحوه ، ولا يجوز التطهر من البول الذي يصيب الثوبَ أو البدنَ بسوائل أخرى غير الماء ، كالخل وماء الورد وغيره ، لأن الطهارة من النجاسة لا تحصل إلا بما تحصل به الطهارة من الحدث ( انظر : طهارة ، نجاسة ، ماء )
4 ـ الاحتقـان : هو إمساك النفس عن التبول عند الشعور بالحاجة إليه ، وهي عادة سيئة جداً ، تؤدي مع التكرار إلى تضخُّم غدة الموثة ( Prostatomegaly ) وهي غدة صغيرة عند الرجال تحيط بعنق المثانة من أسفل ، وتعمل عمـل الصمَّام ( Valve ) فتمنع البول مـن النزول ، ويستطيع الإنسان أن يتحكم بعمل الموثة فيمنع نفسه من التبول فترة من الزمن ، أي يحقن بوله ، ولكن حين يتكرر الاحتقان منه تتضخم الموثة ، وتسترخي المثانة ، فيصاب الشخص بعُسْرَ التبول ( Dysuria ) مع ألم مزعج عند التبول ( Urodynia ) وقد وردت عدة أحاديث تدعو إلى عدم الاحتقان ، وتحضُّ على تلبية هذا الدافع الغريزي للتبوُّل دون تأخير ، ومن ذلك قول النبيِّ : ( لا صلاةَ بحضرةِ الطَّعامِ ، ولا وَهـُوَ يُدافعـُـهُ الأَخبثــان )(10) ، وقوله : ( لا يقوم أحدكُم إلى الصَّلاةِ وبه أذى )(11) ، لما يترتب على الاحتقان من عَنَتٍ نفسي وجسدي ، ولأنه يشغل الإنسان عن الخشوع في صلاته .
5 ـ البول من نواقض الوضوء لأنه خارج من أحد السبيلين ، والمريض المصاب بسَلَسِ البول ( Incontinence ) أي استرسال البول من غير إرادة منه ، عليه أن يتوضأ لكلِّ وقت صلاة ، أي يتوضأ عند دخول وقت صلاة الظهر مثلاً ، ويصلي بذلك الوضوء ما شاء من الفرائض والنوافل حتى يدخل وقت صلاة العصر فيجدد وضوءه ويصلي بالوضوء الجديد ما شاء من الفرائض والنوافل حتى دخول وقت المغرب .. وهكذا في سائر الأوقات ، وكذلك المريض الذي وُضع له قثطار ( Catheter ) في مجرى البول فإنَّ حكمه حكم من به سلس دائم ، لأن البول يستمر عادة بالسيلان عبر القثطار بصورة شبه دائمة دون إرادة من المريض ( انظر : سلس ، وضوء )
6 ـ بـول الرضيـع وبول الرضيعة : يفرَّق الفقهاء بين بول الرضيع وبول الرضيعة ، وقد ذهب أكثرهم إلى أنه يُغسل من بول البنت ، وينضح على بول الصبيّ ، لأنَّ بولَ البنت أكثر انتشاراً وتلويثاً من بول الصبي بسبب الاختلاف التكويني للجهاز البولي عند كلٍّ منهما ، وكذلك قرب فتحة البول عند البنت إلى فتحة المهبل والشرج مما يجعل بولها أكثر عرضةً للتلوث !
واختلفت أحكام الفقهاء أيضاً فيما إذا كان الرضيع أو الرضيعة يتغذيان على الرضاعة فقط أو كانا يتناولان طعاماً آخر غير الرضاعة .. إلا أننا نرى ـ من الوجهة الطبية ـ ضرورة الاحتراز من البول من أيِّ مصدر كان ، مع مراعاة ما ذهب إليه بعضُ الفقهاء من أنه لكثرة تعرُّض الأم أو المرضع أو المربية للتلوث ببول الأطفال فإنه يُعفى عمَّا يُصيب ثوبَها أو جسمَها من أثر البول ، إلا إذا كَثُرَ فيُندب غَسْلُهُ وعليها أن تجتهد فـي درء النجاسة عن نفسها(12).
بيئـة
البيئة ( Environment ) : هي كل ما يحيط بالإنسان من نبات وحيوان وماء وهواء وغيره ، وتتأثر صحة الإنسان تأثراً كبيراً بصحة البيئة التي يعيش فيها ، كما أن للبيئة تأثيراً نفسياً واجتماعياً لا يُنكر ، نجده مثلاً في اختلاف طبيعة أهل البادية عن طبيعة أهل الجبال وأهل المدن .. وتعدُّ البيئة مصدراً رئيساً من مصادر الإصابة بكثير من الأمراض ، ولهذا نشأ في حقل الصحة العامة فرع جديد يسمى التَّصْحاح البيئي( Environmental Sanitation ) وهو يُعنى بمكافحة جميع العوامل البيئية التي تؤثر تأثيراً سيئاً على عُذْريَّة البيئة وصحتها وما فيها من توازن حيويّ ! ويرى علماء الصحة العامَّة أنَّ الوقاية من الأمراض لا يمكن أن تتحقق في المجتمع من غير الاهتمام بصحة البيئة ، وبخاصَّة منها : توفير المياه النقية الصالحـة للشـرب ، وحماية الهواء من الملوِّثات ، وتصميم شبكات مجاري صحية للتخلص من الفضلات ، وغير ذلك من الوسائل التي تحافظ على صحة البيئة .
وقد كان للإسلام اهتمام كبير بصحة البيئة ، فقد ورد الكثير من الآيات والأحاديث والآثار التي توصي بالمحافظة على طهارة البيئة ونظافتها ، وحمايتها من أسباب التلوث ، والمحافظة عليها من الأضرار ومراعاة أسباب السلامة فيها .. وقد أصبحنا في العصر الحاضر أكثر إدراكاً لعظمة هذه التوجيهات الإسلامية بعد أن أصبحت قضية ( التلوث البيئي ) في طليعة القضايا التي تقضُّ مضاجع المسؤولين عن الصحة العامة في شتى أنحاء العالم ، وبعد أن أصاب التلوث كل ما حولنا من ماء وهواء ونبات وحيوان ، وتفاقمت الأضرار الناجمة عن ذلك حتى باتت تهدد بالقضاء على شتى أشكال الحياة في الأرض ! فالتلوث الإشعاعي من جراء النفايات المشعة التي تطرحها المفاعلات الذرية أصبح يشكل خطراً حقيقياً على كثير من بلدان العالم ، كما أن ارتفاع معدل درجات الحرارة في الأرض بسبب ارتفاع نسبة غاز الكربون في الغلاف الجوي ( ظاهرة البيوت الخضراء Green House Effect ) بات يهدد بذوبان الجليد في القطبين وإغراق مئات المدن الساحلية(1) ، وقد أدَّى تدمير الغابات المدارية إلى زيادة هذا التأثير وسبَّب أيضاً ظاهرة التصحُّر ( Desertification ) التي قضت على مساحات شاسعة من الغابات التي تحوَّلت إلى صحارى قاحلة(2) ، كما أحدث خللاً فادحاً في التوازن الحيوي على سطح الأرض فأدَّى لانقراض أنواع عديدة من الحيوانات النادرة ! وهذا غَيْضٌ من فَيْضٍ من المشكلات البيئية التي بدأنا ندفع ضريبتها من صحتنا بسبب إساءتنا إلى عُذْريَّة البيئة التي نعيش فيها(3).
وبسبب تخوُّف المسؤولين عن الصحة العامة في شتى أنحاء العالم من تفاقم الأضرار التي بدأت تلحق ببيئة الأرض والجو المحيط بها فقد نادت منظمة الصحة العالمية لتخصيص ( يوم عالمي للبيئة ) وهـو يصـادف يوم 15 حزيران ( يونيو ) من كل عام ، لتطرح فيه كل سنة قضية من قضايا البيئة ، لتعريف الناس بهذه القضية ، وحثِّ المسؤولين عن الصحة العامة في العالم والجهات ذات العلاقة على اتخاذ الإجراءات التي من شأنها حماية البيئة والمحافظة على عُذْريَّتها !
أحكام البيئة :
1 ـ نظافة البيئة وشروط السلامة فيها : لقد وردت نصوص عديدة في الكتاب والسنة تحضُّ على العناية بنظافة البيئة ومراعاة شروط السلامة فيها ، وأول هـذه النصوص قولـه تعـالى : (( كُلُوا واشْرَبُوا من رِزْقِ اللهِ ولا تعثوا في الأرضِ مُفْسدينَ )) سورة البقرة 60 ، وفي هذا نهيٌ إلهيٌّ صريحٌ عن الفساد في الأرض ، ومنه العبث ببيئة الأرض وإفسادها .. ومن ذلك أيضاً ما ورد عن العناية ببيئة الإنسان في داره التي يقضي فيها شطراً كبيراً من حياته ، وتتأثر صحته بمستوى النظافة والطهارة فيها ، فقد قال النبي : ( طهِّروا أفنيتكم فإنَّ اليهود لا تطهر أفنيتها )(4) ، والأفنية : هي ساحات الدار .. وغني عن البيان أن تطهير الدار ، وتخليصها من القمامة يقي أهل الدار ـ بإذن الله تعالى ـ من خطر العدوى ، فالقمامة تشكل مصدراً رئيسياً من مصادر التلوث وانتشار الأمراض في البيئة إذا لم نتخلص منها بطريقة صحيحة ، في الأوقات المناسبة ودون تأخير .
كما دعا النبي لمراعاة شروط السلامة في الدور لحمايتها من الأخطار التي تتعرَّض لها عادةً ، ومن ذلك قوله : ( لا تتركوا النَّارَ في بيوتكم حينَ تنامون )(5) ، وقد أصبحت السلامة ( Safety ) في عصرنا الحاضر فنَّاً قائماً بذاته ، له وسائله العلمية ، وأجهزته الخاصة المصممة لتحقيق السلامة في البيت والمصنع والمتجر وشتى أنواع الأنشطة البشرية ( انظر : حرق )
ومن الجدير بالذكر هنا أن علماءنا المسلمين الأوائل كانت لهم مساهمات علمية عظيمة في هذا الحقل المهم من حقول الصحة العامة قبل أن يلتفت العلم المعاصر إليه بمئات السنين ، نذكر منهم : عبد الرحمن بـن نصـر الشـيـزري(6) ، المتوفــى حوالـي سـنة 589هـ ( 1193م ) الذي تناول في كتابه ( نهاية الرتبـة في طلب الحسبـة ) شروط السلامة في بيئة العمل وفي الطرقات والأسواق فكان رائداً في هذا الباب ، ومما جاء في كتابه مثلاً عن السلامـة المهنية ( Occupational Safety ) قولـه : ( ويجعل لأهل كل صناعة منهم سوقاً يختص بهم .. ومن كانت صناعته تحتاج إلى وقود نار كالخباز والطباخ والحداد فالمستحب أن يبعــد حوانيتهم عـن العطارين والبزازين ـ الخياطين ـ لعدم المجانسة بينهم وحصول الأضرار )
وعن سـلامـة المخابز وشروط الخبازين يقول : ( ينبغي أن ترفع سقائف حوانيتهم ، وتفتح أبوابها ، ويجعل في سقوف الأفران منافس واسعة يخرج منها الدخـان ، لئلا يتضرر الناس .. )
وعن السلامة في الأسواق ، يقول : ( ويكون من جانبي السوق إفريزان يمشي عليهما الناس في زمـن الشـتاء إذا لم يكن السوق مبلطاً .. ولا يجوز لأحد من السوقة إخراج مصطبة دكانه عن سمت أركان السقائف إلى الممر الأصلي لأنه عدوان على المارة ، ويجب على المحتسب إزالته والمنع من فعله لما في ذلك من لحوق الضرر بالناس .. وينبغي أن يمنع أحمال الحطب وأعمال التبن وروايا الماء وشرائج السرجين والرماد وأشباه ذلك من الدخول إلى الأسواق ، لما فيه من الضرر بلباس الناس .. ويأمر أهل الأسواق بكنسها وتنظيفها من الأوساخ والطين المجتمِع ، وغير ذلك مما يضرُّ بالناس .. )
وعن السلامة في الطرقات ، يقول : ( وأما الطرقات ودروب المحلات فلا يجوز لأحد إخراج جدار داره ولا دكانه فيها إلى الممر المعهود ، وكذلك كل ما فيه أذية وإضرار على السالكين ، كالميازيب الظاهرة من الحيطان في زمن الشتاء ، ومجاري الأوساخ الخارجة من الدور في زمن الصيف إلى وسط الطريق ، ويأمر المحتسب أصحاب الميازيب أن يجعلوا عوضها مسيلاً محفوراً في الحائط مسلكاً يجري فيه ماء السطح ، وكل من كان في داره مخرج للوسخ إلى الطريق فإنه يكلفه سده في الصيف ، ويحفر له في الدار حفرة يجتمع إليها .. )
وعن سلامة الطعام والغذاء ، يقول : ( ويؤمر الطباخون بتغطية أوانيهم ، وحفظها من الذباب وهوام الأرض بعد غسلها بالماء الحار والأشنان .... ولا يعجن العجان بقدميه ولا بركبتيه ولا بمرفقيه ، وربما قطر في العجين شيء من عرق إبطيه وبدنه فلا يعجن إلا وعليه معلبـة ـ ثـوب مـن غير كُمٍّ ـ أو بشت مقطوع الأكمام ، ويكون ملثَّماً أيضاً لأنه ربما عطس أو تكلم فقطر شيء من بصاقه أو مخاطه في العجين ، ويشد على جبينه عصابة بيضاء لئلا يعرق فيقطر منه شيء في العجين ويحلق شـعر ذراعيـه لئـلا يسقط منه شيء في العجين .. ويلزم الدقاقين ـ الطحانين ـ غربلة الغلة من التراب ، وتنظيفها من الغبار قبل طحنها ويأمر المحتسب الفرانين بتنظيف بلاط الفرن في كل ساعة من اللباب المحترق والشرر المتطاير والرماد المتناثر لئلا يلتصق في أسفل الخبز شيء منه ، ويجعل الفران بين يديه إجانة ـ وعاء ـ نظيفة للماء ، فإذا فرغ من الخبز أراق ما بقي فيها ، لأنه إذا بقي فيها تغيرت رائحته .. ويؤمر قلائي السمك كل يوم بغسل قفافهم وأطباقهم التي يحملون فيها السمك ، وكذلك يفعلون بموازينهم الخوص ، لأنهم إذا غفلوا عن غسلها فاح نتنها وكثر وسخها ، فإذا وضع فيها السمك الطري تغير ريحه وفسد طعمه ، ويبالغون في غسل السمك بعد شقه وتنظيفه وتنقيته من جلده وفلوسه ، ولا يقلونـه بالزيـت المعاد إذا كان متغير الرائحة .. ومتى مذر السمك ـ أي فسد ـ المكسود والطريح وجب أن يرمى على المزابل خارج البلد .. )(7)
2 ـ حماية مصادر المياه من التلوث : يولي المسؤولون عن الصحة العامة في شتى أنحاء العالم عنايةً خاصة بمصادر المياه ، وبالخزانات والشبكات التي تمدُّ المجتمع بالماء ، لحمايتها من التلوث ، ويكفي التذكير بأن المجتمعات التي تفتقر إلى المياه النقيَّة تعاني معاناة حادة من شتى أنواع الأمراض ، وبخاصة منها الأمراض التي تنتقل عن طريق الطعام والشراب ( انظر : ماء ) ومن هنا ندرك سبق الإسلام للعناية بمصادر الماء وحمايتها من التلوث ، حيث قال النبيُّ : ( غطُّوا الإناءَ ، وأَوكوا السِّقاءَ ، وأغلقوا البابَ ، وأطفئوا السِّراجَ ، فإنَّ الشيطانَ لا يحلُّ سقاءً ، ولا يفتح باباً ، ولا يكشف إناءً ، فإنْ لم يجدْ أحدُكم إلا أنْ يعرِضَ على إنائه عوداً ويذكر اسم الله عليه فليفعل فإنَّ الفويسقةَ تُضرمُ على أهلِ البيتِ بيتَهم )(8) ، أوكوا السقاء : أي أغلقوه . والفويسقة : الفـأرة .
3 ـ التخلص من الفضلات : تشكل الفضلات مصدر خطير جداً من مصادر تلويث البيئة وانتشار الأمراض فيها ، وقد أكَّد الإسلام على نجاسة الفضلات ، وحضَّ على التخلص منها والتطهر من آثارها ، ولأنه لم يكن في زمن النبيِّ شبكات للمجاري كما هو الحال اليوم في معظم أنحاء العالم ، فقد أوصى ألا تكون المراحيض داخل الدور ، وحذَّر من قضاء الحاجة في الماء الراكد والجاري حفاظاً على الماء من التلوث ، كما نهى عن قضائها في الظل أو قارعـة الطريق حماية للبيئة من التلوث ، ونهى عن التبول في مكان الاستحمام تحسباً مــن انتقـال المرض عــن طريـق المـــاء ( انظر : براز ، بول ، قضاء الحاجة )
ويجدر بنا أن ننبه هنا لخطر النفايات الطبية ( Healthcare Waste ) على صحة البيئة ، وهي تشمل جميع النفايات الناتجة عن المنشآت الصحية ، مثل : بقايا الأعضاء والأجزاء البشرية والحيوانية ، المفرزات والسوائل المختلفة كالدم والبول والقيح وغيره ، الملابس الملوثة ، المسحات ( Swabes ) المحاقن والأدوات الحادة كالإبر والمشارط ، الأدوية التي انتهت صلاحيتها ويلزم إتلافها والتخلص منها ، المواد الكيماوية ، المواد المشعَّة .. وهذه النفايات تشكل خطراً كبيراً على العاملين الصحيين وعلى المجتمع وعلى البيئة أيضاً إذا لم نتخلص منها بطريقة علمية صحيحة ، وهي تتطلب من العاملين الصحيين اتخاذ جانب الحيطة والحذر لحماية أنفسهم وحماية المرضى من أضرارها ، وذلك باستعمال وسائل الوقاية كالقفازات والأقنعة الطبية الخاصة ، ومراعاة شروط التطهير والتعقيم ، ووضع هذه النفايات في الأوعية والأكياس المخصصة لكلِّ نـوع منـها تمهيداً للتخلص منها .. ويجب على السلطات الصحية وضع الخطط الكفيلة بالتخلص من هذه النفايات وفق الأساليب العلمية الصحيحة ، وتخصيص أمكنة مناسبة لهذه الغاية ، حمايةً للبيئة من التلوث .
4 ـ المحافظة على البيئة الزراعية : ونظراً لما للشجر والنبات من أثر كبير في تحقيق البيئة الصحية فقد أمر الإسلام بزراعة الشجر ، ونهى عن قطعه بغير ضرورة ، ومن ذلك قول النبيِّ : ( إذا قامت الساعةُ ، وبِيَدِ أحدِكُمْ فسيلةٌ ، فإنْ استطاعَ أنْ لا تقومَ حتى يغرسَها فليفعل )(9) ، والفسيلة : النخلة الصغيرة . وقوله أيضاً : ( ما مِنْ مسلمٍ يغرسُ غرساً ، أو يزرعُ زرعاً ، فيأكلُ منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ ، إلا كانَ لَهُ بهِ صَدَقَةٌ )(10) ، ومعلوم ما للتشجير من أثر نفسي طيب على الإنسان ، فالشجر يجمِّل البيئة ، ويحسِّن منظرها ، فيريح النظر ، ويبهج النفس ، كما أن التشجير ينقّي الهواءَ من الملوثات ، ويجدد الأكسجين فيه ، ناهيك عن أن الأشجار تعدُّ مصانع حيوية ، فهي تحول الفضلات إلى ثمار يانعة ، وبهذا تُخَلِّصُ النباتاتُ البيئةَ من المواد الضَّارَّة ، وتمدُّ البشر بالغذاء ، فتبارك الله أحسن الخالقين !
وقد دعا الإسلام إلى الإصلاح الزراعيِّ ، وإحياء الأرض الموات ، ومن ذلك ما ورد عن النبيِّ : ( من أحيا أرضاً ميتة له بها أجرٌ وما أكلتْ منه العافيةُ فله به أجر )(11) ، وفي هذا تحسين للبيئة ومنافع للناس ، علماً بأن إحياء الأرض الموات يشمل تجفيف المستنقعات ونحوها من مصادر التلوث البيئي ، وبهذا تتحقق البيئة الصحية التي تقي المجتمع من أمراض كثيرة بإذن الله تعالى .
بَيْطَرة
البيطرة ( Veterinary ):تطبيب الحيوانات ، وقد عـُرفـَتْ البيطرةُ منذ القدم بسبب حاجة الإنسان لمعالجة دوابّه وماشيته التي كان يستخدمها في معاشه وركوبه وطعامه ، غير أنَّ البيطرة في القديم كانت مجرد معارف عامة مثل بقية علوم الطب في ذلك الزمان ، ولم تصبح البيطرة علماً إلا في القرن التاسع عشر الميلادي ، ذلك القرن الذي تحولت فيه كثير من الممارسات إلى علوم تقوم على أسس وأصول علمية صحيحة ، ولعلَّ أول مدرسة أسست للطب البيطري هي المدرسة التي افتتحت عام 1861م في مدينة ليون الفرنسية ، ثم تبعتها مدارس مماثلة في أجزاء عديدة من أوروبا .
وقد كان لتطور علم الحيوان ( Zoology ) أثر كبير في تطوير بقية العلوم الطبية ، لأن الأدوية وبقية صنوف العلاج الدوائي والجراحي أصبحت تُجَرَّب على الحيوان قبل تجريبها في الإنسان ، كما كان للطب البيطري تأثير كبير في حفظ الثروة الحيوانية وتحسين فصائلها .
أحكام البيطرة :
1 ـ الرفق بالحيوان : لقد عني الإسلام عناية خاصة بالحيوانات ، ودعا للرفق بها ، لما لها من فوائد في حياة الإنسان ، ولأنها أرواح من خلق الله عزَّ وجلَّ ، وقد حفلت السنة النبوية المطهَّرة بالعديد من الأحاديث التي تدعو للرفق بالحيوانات ورعايتها وعدم تعذيبها ، منها : ( أنَّ النبيَّ مَرَّ ببعيرٍ قـد لَحِقَ ظهرُهُ ببطنِهِ ، فقـالَ : اتَّقوا اللهَ في هـذه البهائمِ المُعْجَمَة فاركَبوها صالحةً وكِلوها صالحةً )(1) كلوها : أي دعوها . وفي رواية : كُلوها ، من الأكل ، أي وإن أردتم أن تنحروها وتأكلوها فكلوها حال كونها سمينة صالحة للأكل(2).
وأيضاً : ( مـَرَّ النبيُّ بجَمَلٍ فلما رأى النبيَّ حـَنَّ وذَرَفَتْ عيناهُ ، فأتاهُ النبيُّ فَمَسَحَ سَراتَهُ إلى سَنَامِهِ وذَفْراهُ فَسَكَنَ ، فقالَ : مَنْ رَبُّ هذا الجملِ ؟ لِمَنْ هذا الجَمَلُ ؟ فجاءَ فتىً مِنَ الأنْصارِ فقالَ : لي يا رسولَ الله ! فقالَ : أَفَلا تَتَّقي اللهَ في هذهِ البهيمةِ التي مَلَّكَكَ اللهُ إيَّاها ، فإنَّهُ شَكا إليَّ أنَّكَ تُجيعُهُ وَتُدْئِبُهُ )(3) ، تدئبه : تكده وتتعبه !
وأيضاً قوله : ( اركبوا هـذهِ الدَّوابَ سالمـةً ، وايْتَدَعوها سالمةً ، ولا تَتَّخِذُوها كَرَاسِيَ )(4) ، وأيضاً قوله : ( إياكم أن تتخذوا ظهورَ دوابِكم منابِرَ ، فإنَّ اللهَ تعالى إنَّما سَخَّرَها لكم لِتُبَلِّغَكُم إلى بلدٍ لم تكونوا بالغيهِ إلا بِشِقِّ الأنْفُسِ وجَعَلَ لَكُمْ الأرضَ فعليها فاقْضُوا حاجتَكم )(5)
وأيضاً قوله : ( مرَّ رسولُ اللهِ على رجلٍ واضعٍ رِجْلَهُ على صَفْحَةِ شاةٍ وهو يُحِدُّ شَفْرَتَهُ وهي تَلْحَظُ إليه ببصرِها . فقالَ : أفلا قَبْلَ هذا ؟ أتريدُ أن تُميتَها مَوْتَتَيْن ؟! )(6)
وأيضاً : ( كنا مع رسول الله في سفرٍ ، فانطلقَ لحاجةٍ ، فرأينا حُمَّرةً معها فَرْخانِ ، فأخذنا فرخيها ، فجاءَتْ الحمرةُ فجعلتْ تَفَرَّشُ ، فجاء النبيُّ فقالَ : مَنْ فَجَعَ هذه بولدِها ؟ رُدّوا وَلَدَها إليها )(7) ، الحمـّرة : طائر صغير أحمر اللون . تفرش : أي ترفرف بجناحيها وتقترب من الأرض . وزاد فيـــه : ( ورأى قريةَ نملٍ قد حرقناها ، فقال : مَنْ حرق هذه ؟ قلنا : نحن ! قال : إنَّهُ لا ينبغي أن يُعَذِّبَ بالنَّارِ إلا رَبُّ النَّار )(8)
وأيضاً قوله : ( والشـَّاةُ إنْ رَحِمْتَها رَحِمَكَ اللهُ )(9) ، وقوله أيضاً : ( مـَنْ رَحِمَ ولو ذبيحةَ عصفور رَحِمَهُ اللهُ يومَ القيامةِ )(10)
والأحاديث في هذا الباب كثيرة لا تكاد تحصى ( وفي هذا بيان واضح أنَّ الإسلامَ هو الذي وضعَ للنَّاسِ مبدأ الرِّفْقِ بالحيوان ، خلافاً لما يظنُّهُ بعضُ الجُهَّال بالإسلام أنَّهُ مِنْ وَضْعِ الكفَّار الأوروبيين ، بل ذلك من الآداب التي تلقَّوْها عن المسلمين الأوَّلين ، ثم توسَّعوا فيها ، ونظَّموها تنظيماً دقيقاً ، وتبنَّتْها دولُهم حتى صار الرفق بالحيوان من مزاياهم اليوم ، حتى تَوَهَّمَ الجُّهالُ أنه من خصوصياتهم ، وغرَّهم في ذلك أنه لا يكاد يُرى هذا النظامُ مطبقاً في دولة مـن دول الإسـلام وكانوا هـم أحقَّ بهـا وأهلــها )(11)
وقد جعل الإسلام لمن يترفَّق بالحيوان ويعتني به أجراً كبيراً ، ووردت أحاديث عديدة في فضل من يرعى البهائم ويسقيها ويعلفها وينفق عليها ، سواء كانت من الأنعام التي ينتفع الناس بها أم كانت من غيرها ، ومن ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال : ( بينما رجلٌ يمشي بطريقٍ اشتدَّ عليه العطشُ ، فوجدَ بئراً فنزلَ فيها فشرب ثم خرج فإذا كلبٌ يلهثُ يأكلُ الثرى من العطش ، فقال الرجلُ : لقد بلغَ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغَ بي فنزلَ البئرَ فملأَ خُفَّهُ ثمَّ أمسكَهُ بفيهِ فسقى الكلبَ فشكرَ اللهُ لـه فغفرَ له ، فقـالوا : يا رسولَ الله ، وإنَّ لنا في البهائمِ أجراً ؟ فقال : في كلِّ ذاتِ كبدٍ رطبةٍ أجرٌ )(12)
2 ـ تعذيب الحيـــوان : يحرم تعذيب الحيوان ، أو حبسه حياً ، أو رميه بالنبال في غير الصيد ، وغير ذلك من صنوف التعذيب أو الاستهانة بالحيوان ، لما رواه جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه : ( نهى رسولُ اللهِ أنْ يُقْتَلَ شَيءٌ من الدَّوابِّ صبراً )(13) ، وما رواه أنس رضي الله تعالى عنه أنَّ رسول الله قال : ( عُذِّبَـت امرأةٌ في هرَّةٍ سَجَنَتْها حتَّى ماتَتْ ، فَدَخَلَتْ فيها النَّارَ ، لا هِيَ أطْعَمَتْها وَسَقَتْها إذْ هِيَ حَبَسَتْها ولا هِيَ تَرَكَتْها تَأْكُلُ مِنْ خَشاشِ الأرضِ )(14) ، ولهذا يجب أن يكون الجزار متعلماً أصول الذبح كيلا يعذِّب الحيوان أثناء الذبح ، وأن يحدَّ شفرته لما ورد عن النبي : ( إنَّ اللهَ كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ ، فإذا قَتَلْتُمْ فأحسنوا القِتْلَةَ وإذا ذَبَحْتُمْ فأحسنوا الذَّبْحَ ، وليحدَّ أحدُكم شفرتَهُ ، فَلْيُرِحْ ذبيحَتَهُ )(15) ، وعليه بعد الذبح أن يتريَّث حتى يتيقن من موت الحيوان قبل أن يسلخ جلده لأنه يحرم سلخ جلد الحيوان وهو حيٌّ لما فيه من التعذيب ، ويحرم على مالك الدابة أن يُحمِّلها ما لا تطيق ، ويحرم عليه أن يحلب مـن لبنها ما يضرُّ بولدها ، ويسن للحالب أن يقص أظافره لئلا يعذبها أو يجرح ضرعها ويؤذيها .
3 ـ الانتفاع بأعضاء الحيوان لزراعتها في الإنسان : ذهب معظم الفقهاء إلى جواز الانتفاع والتداوي ببعض أعضاء الحيوان ، كالعظم وغيره(16).
كما أن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدَّة من 17 ـ 23 شعبان 1410هـ ( 14 ـ 20 آذار ، مارس 1990م ) في قراره رقم 56/5/6 قد أجاز زراعة الأعضاء المأخوذة من الحيوان في الإنسان إذا لم يترتب على ذلك محاذير شرعية(17).
4 ـ تطبيب البهائم : جائز إن كان اقتناء الحيوان لغرض مشروع ، وتجري على تطبيب البهائم نفس الأحكام التي تجري على التــداوي عامـة ، فتشترط المعرفة بالبيطرة لمن أراد أن يمارس هـذا العلـم ، وإذا كان البيطري ( Veterinary ) من أهل الخبرة وراعى أصولها ولم يتجاوز فلا ضمان عليه إذا نتج عـن علاجـه أضرار للحيوان ، أما إذا تجاوز ما أذن له به ، أو أهمل ، أو كان جاهلاً بالصنعة ، فإنه يتحمل مسؤولية فعله ويضمن ( انظر : تداوي )
ويجب أن تكون مداواة الحيوان بقدر الحاجة فلا يزيد الإنفاق عليها إلى حد الإسراف ، كما يفعل بعضهم فيعمد إلى عمليات خصي الحيوان أو استئصال مبايضه أو رحمه أو قطع ذيله أو ما شابه ذلك من العمليات التي لا حاجة إليها فإنها تحرم ، لأنها تغيير لخلق الله وتمثيل بالحيوان ، وهذا من عمل الشيطان ، وقد ورد في الصحيح أن النبي مرَّ بحمار قد وُسِم في وجهه ، فقال : ( لعن اللهُ الـذي وَسمهُ )(18)
3 ـ وطء البهائم ( Zooerasty ) : أي جماعها وهو فعل شنيع لا يفعله إلا من كان دنيء الطبع ، جاهلاً بما ينطوي عليه هذا الفعل القبيح من أضرار ، فإذا استثنينا الأذى الذي قد يلحق بالمرء من جراء دفاع الحيوان عن نفسه ( ! ) بالعضِّ أو الرفس أو الخدش ، فإن الحيوانات كما نعلم هي مستودعات للأمراض الخطيرة ، فمن وطئها لا يكاد ينجو مـن المرض ! ناهيك عن أن مضاجعة الحيوانات تورث الكآبة والحزن ، وتجعل المرء يحتقر نفسه على هذا الدرك الذي انتهى إليه !
وقـد اتفق الفقهـاء على أن وطء الحيوانات حرام ، وذهب بعضهم إلى أن الزنى بالبهيمة يوجب الحدَّ على الفاعل تغليظاً لهذا الفعل الشنيع ، وذهب بعضهم أيضاً إلى أن المرأة إذا مَكَّنـَتْ حيوانـــاً مـن وطئـها فإنـها تُعـَـزَّر ! ( انظر : زنى )
تثـاؤب
التثاؤب ( Yawning ) : فتحُ الفمِ واسعاً من غير إرادة ، وهو ظاهرةٌ فطريَّةٌ تعتري الإنسان عن كسلٍ أو نُعاسٍ ، ونعتقد أن للتثاؤب بعض الفوائد ، فهو يجبر المرء على استنشاق كمية إضافية من الهواء فيتفتَّح المزيد من الحويصلات الرئوية ( Pulmonary Vesicula ) التي لا تتفتح بالتنفس العادي ، وبهذا يجدد الهواء في تلك الحويصلات وينشط عملها .. كما أن التثاؤب يعصر كيسي الدمع الملحقين بالعينين عصراً قوياً فيجدد ما فيهما من مفرزات ، ويطرد ما قد يكون تراكم فيهما من أملاح ، وبهذا يمنع انسداد قنوات الدمع .. وربما كانت للتثاؤب فوائد أخرى مازلنا نجهلها !؟
أحكام التثاؤب :
1 - التثاؤب حركة منفِّرة للآخرين في الغالب وبعضهم يصدر أصواتاً غير مستحبة عند التثاؤب وقد يتمطى أو يتلوى ، لهذا يستحب خفض الصوت عند التثاؤب ، والإمساك عن التمطي والتلوي ما استطاع ، ويستحب كتمان التثاؤب قدر الاستطاعة ، لقول النبي : ( إنَّ اللهَ يُحِبُّ العطاسَ ، ويكرهُ التثاؤبَ ، فإِذا عَطَسَ أحدُكم وحَمِدَ اللهَ كان حقاً على كلِّ مسلمٍ سَمِعَهُ أنْ يقولَ له : يرحمك الله ، وأمَّا التثاؤبُ فإنِّما هو من الشَّيطانِ ، فإذا تثاءَبَ أحدُكم فليرُدَّهُ ما استطاع فـإنَّ أحدَكُـم إذا تثـاءبَ ضحكَ منـه الشـيطان )(1) ، فإن لم يستطع ردَّه سَتَرَ فمَه بيده أو بمنديل .
2 ـ التثاؤب في الصلاة مكروه ، ويستحبُّ دفعه إن استطاع .
3 ـ ومن غلبه التثاؤبُ وهو يقرأ القرآن فمن الأدب مع كتاب الله الكريم أن يمسك عن التلاوة حتى ينقضي تثاؤبـه ثم يعـود إلى التـلاوة .
تثـقيـف صحّـي
التثقيف الصحي ( Health Education ) : هو عملية إعلامية هدفها حثُّ الناس على تبنّي نمط حياة وممارسات صحية سليمة(1) ، من أجل رفع المستوى الصحي للمجتمع ، والحدّ من انتشار الأمراض ، والتثقيف الصحي يحقق هذا الهدف بنشر المفاهيم الصحية السليمة في المجتمع ، وتعريف الناس بأخطار الأمراض ، وإرشادهم إلى وسائل الوقاية منها ، ويُستعان على ذلك بوسائل مختلفة ، مثل : اللقاءات المفتوحة مع الناس ، والمحاضرات والندوات ، وعرض الأفلام التلفزيونية والسينمائية ، وتوزيع النشرات الصحية والكتيبات والصحف والمجلات وغيرها من وسائل الإعلام .
أحكام التثقيف الصحي :
1 ـ لقد اهتم الإسلام اهتماماً خاصاً بالتثقيف الصحي ، ويمكن القول إن جميع ما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهَّرة حول الصحة يندرج في إطار التثقيف الصحي ، وهو يشكل أساساً قوياً للطبيب المسلم يعينه في أنشطة التثقيف الصحي ، وقد أوردنا في هذه الموسوعة الكثير من الآيات والأحاديث والتوجيهات التي تساعد في التثقيف الصحي على أساس شرعي متين ، وغنيٌّ عن البيان أنَّ التثقيف الصحي يكون أجدى وأكثر وقعاً في نفوس الناس عندما نستعين فيه ببعض التوجيهات الدينية ، فالناس أكثر تقبُّلاً للإرشادات الصحية عندما يعلمون أنها جزء من تعاليم دينهم .
2 ـ يدخل في إطار التثقيف الصحي : تعريف الناس بالعادات الحسنة ، وآداب المأكل والمشرب والملبس والطهارة والأغسال المفروضة والمسنونة ، وما يتعلق بصحة البيئة ، كما يدخل في التثقيف الصحي تحذير الناس من أضـرار الممارسـات المحرمة كالتدخين ، والزنى ، واللواط ، وشرب الخمر والمخدِّرات ، وغير ذلك مما لـه علاقـة بصحة الفرد والمجتمع ، وقد فصلنا الحديث في هذه الأمور في مواضعها من هذه الموسوعة ، ويمكن الاستفادة مما أوردناه حولها من أحكام في أنشطة التثقيف الصحي .
3 ـ التثقيف الصحي واجب على الطبيب ، وعلى بقية العاملين في حقول الصحة ، وعلى كل من لديه علم أو دراية بالصحة ، لدخوله في عموم قول النبي : ( مَنْ كَتَمَ علماً يعلمُـه جـاءَ يـومَ القيامـةِ مُلجماً بلجامٍ من نار )(2) ، ويدخل التثقيف الصحي في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو من أشرف المهام ، ومن يقوم به من طبيب أو ممرض أو غيره مأجورٌ عليه إذا نوى فيه نيَّةً صالحة ، لما فيه من نفع للمريض ودرء لخطر المرض عن المجتمع بإذن الله تعالى .. كما أن التثقيف الصحي يندرج تحت قول النبي : ( الدِّينُ النَّصيحَةُ ، قلنا : لِمَنْ ؟ قالَ : للهِ ، ولكتابِهِ ، ولرسولِهِ ، ولأَئِمَّةِ المسلمينَ وعامَّتِهم )(3) ، فيجب على الطبيب ومن في حكمه أن يكون ناصحاً لمرضاه بتثقيفهم وتحذيرهم مما يضرُّهم ، وأن لا يبخل عليهم بعلمه ، وأن يعطي كل مريض ما يناسب حالته من معارف تعينه على مواجهة المرض .
4 ـ التثقيف الصحي عمل سهل ، لا يحتاج سوى بضع كلمات تُوجَّه للمريض أثناء الكشف عليه ، أو عند كتابة الوصفة له ، أو عند أخذ عينة منه ، أو عند صرف الدواء له ، وهذا يعني مشاركة جميع العاملين الصحيين بأنشطة التثقيف الصحي ، كلٌّ في مجال عمله .
5 ـ ويجدر بمن يقوم بمهمة التثقيف الصحي أن يختار الأسلوب الملائم لنشر الوعي الصحي بين الناس وأن يكون أسلوبه سهلاً قريباً إلى أفهامهم لكي تحقق الرسالة الصحية هدفها ، وفي هذا ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قوله :( ما أنتَ بِمُحَدِّثٍ قوماً حديثاً لا تبلغُهُ عقولُهم إلا كانَ لبعضهم فتنةً )(4) ، وجاء في بعض الآثار : ( خاطبوا الناسَ على قـَدْرِ عُقولِهم )
6 ـ ولعلَّ من أوجب واجبات الطبيب وبقية العاملين في حقول الصحة تثقيف الناس ضدَّ الدجل الطبي الذي يمارسه بعض الدجالين والمشعوذين ( Quacks ) الذين يستغلون جهل الناس فيلجؤون لأساليب ومعالجات لا تستند إلى أساس علمي ( انظر : طب ) وقـد نبـَّه النبيُّ إلى خطورة هذه الممارسات ، وحذَّر من أن يمارس الطبَّ مَنْ لا يعرف أصول التطبيب ، فقال : ( مَنْ تَطَبَّبَ ولم يـُعلـَمْ منهُ طِبٌّ قبلَ ذلك فهو ضامنٌ )(5)
7 ـ يحسن بالمؤسسات الصحية المختلفة ، كالمستشفيات والمستوصفات والمراكز الصحية والعيادات وضع ملصقات ( Posters ) للتوعية الصحية في أماكن مناسبة ، وتوزيع نشرات أو كتيبات على المرضى ، تبين فيها وسائل الوقاية ، وتُعَرِّف المرضى بالأحكام الشرعية التي تتعلق بأحوالهم المرضية ، والحالات التي تجوز فيها الرخصة ، وكيفية أداء العبادات ، وغير ذلك من الأحكام التي يحتاجها المرضى .
تخديـر
التخدير ( Anesthesia ) : وسيلة طبّية لتعطيل حسَّ الألم بصورة مؤقَّتة ، ويستخدم التخدير في العمليات الجراحية ، أو عند أخذ خزعة ( Biopsy ) من أحد الأعضاء ، أو عند إجراء بعض الفحوص ، وتستخدم في التخدير أنواع مختلفة من المواد المخدِّرة ، وله طرق عديدة منها :
* التخدير العام ( General An. ) : وفيه يفقـِدُ المريضُ حسَّ الألم ، ويفقد وعيَه ، ويستخدم هذا النوع من التخدير في العمليات الجراحية العامَّة غالباً .
* التخدير الجزئي : وفيه يفقد المريضُ حسَّ الألم في موضع معيَّن من جسمه ، دون أن يفقد وعيَهُ وهذا النوع من التخدير قد يكون موضعياً ( Local An. ) مثل تخدير منطقة محددة من الجلد أو يكون تخديراً لناحية معينة من الجسم ( Regional An. ) مثل تخدير النصف السفلي من الجسم من أجل بعض العمليات التي تجرى في الحوض ( Pelvis )
والتطور الذي حصل في علم التخدير خلال القرن العشرين الميلادي ساهم كثيراً في تطوير شتى فنون الجراحة ، وأتاح للجرَّاح أن يتدخَّل جراحياً على أيِّ عضو من أعضاء الجسم بأمان ويسر ، بينما المريض راقد لا يحسُّ بشيءٍ من ذلك ! على العكس مما كان يحصل في الماضي قبل تطور علم التخدير حيث كانت تستخدم في التخدير كميات غير مضبوطة من المخدر ، أو تستخدم طرق شديدة القسوة لإفقاد المريض وعيه ، فكان بعض المرضى يقضون نحبهم بسبب تلك الطرق غير العلمية ، حتى من قبل أن يمسَّهم الجراحُ !
ولا يفوتنا هنا أن نسجل الريادة في التخدير للأطباء المسلمين ، فهم أول من استعمل التخدير في الجراحة باختراعهم ( الإسفنجة المخدِّرة ) وهي قطعة من الإسفنج كانوا ينقعونها في العصير المستخلص من نباتات لها خاصِّيَّة التَّخدير ، وهي :
* الحشيشة Cannabis ، التي تستخرج من نبات القنب الهندي .
* الخشخاش Papaver ، الذي يفرز مادة الأفيون Opium ذات المفعول المخدِّر القوي .
* الزُّؤان Comedo ، وهو نباتٌ حَبّاته كحبات الحنطة لكنها أصغر منها ، وهو ينبت بين الحنطة متولداً من حَبِّها الضعيف إذا أكله الإنسان استرخى ومالَ للنوم .
* ستِّ الحُسن Bella donna ، وهو نبات له خاصية مخدِّرة .
وبعد أن تنقع الإسفنجة في هذا المحلول تجفف بالشمس ، وعندما يراد استعمالها للتخدير تُرَطَّب بالماء من جديد وتوضع على أنف المريض فيتخدَّر(1) !
أحكام التخدير :
1 ـ مشروعية التخدير : الأصل في تعاطي المخدرات عامَّةً هو الحرمة ( انظر : مُخدِّر ) أما استخدامها بقصد التداوي فهو جائز(2) ، عملاً بقاعدة ( الضرورات تبيح المحظورات ) وبما أنَّ الضرورات تقدر بقدرها فإنه لا يجوز اللجوء للتخدير إلا في الحالات التي يقرر أهل الطب ضرورتها ، كما أن على الطبيب المخدِّر أن يتقيد بجرعات المخدِّر المقرَّرة من قِبَل أهل هذا العلم ( انظر : ضرورة )
2 ـ مسؤولية المخدِّر : الطبيب المخدِّر عضوٌ أساسيٌّ من أعضاء الفريق الجراحي ، وهو المسـؤول الأول عـن إجراءات التخديـر والإنعاش ، ويبدأ عمله قبل العملية ، فعليه أن يراجع ملف المريض ، ويدرس حالته ، ويعرف طبيعة علته ، ليقدر إن كان المريض يتحمل التخدير أم لا ؟ وليختار نوع المخدر المناسب للحالة ، وطريقة التخدير المناسبة لنوع العملية ، ولا تقف مهمة الطبيب المخدِّر عند التخدير وحده بل هو مسؤول عن إنعاش المريض من أثر التخدير بعد العملية ، ويبقى مسـؤولاً عن المريض حتى زوال أثر التخدير عنه .
ويتحمَّل الطبيبُ المخدِّر مع الفريق الطبي المساعد له مسؤوليةَ رعاية حُرْمَةِ المريض أثناء فقدانه للوعي ، فعليه أن يحول دون كشف عورة المريض أو مسِّها دون ضرورة ، أو الخلوة المحرَّمة بالمريض أو المريضة ونحو ذلك من الأمور التي هي من حقوق المريض أو من حُرُماته ( انظر : خلوة ، عورة )
وعلى الطبيب المخدِّر مراقبة المريض طوال فترة العملية ، ليحول دون حصول أية أضرار ، وتلافي أية مضاعفات ( Complications ) قد تحصل من جراء التخدير ، وعليه إخبار الجراح بالتطورات التي قد تطرأ على المريض أثناء العملية ، فتهدد حياته بالهلاك أو تهدد بحصول مضاعفات سيئة ، ليتخذ الجراح الإجراء اللازم في الوقت المناسب ، حسب الأعراف الطبية .
والمسؤولية الطبية التي تقع على عاتق الطبيب المخدِّر لا تختلف عن مسؤولية الطبيب عامة ، فإنه إذا بذل جهده وسخَّر علمه حسب الأعراف الطبية فهو غير ضامن لأي ضرر أو تلف أو موت قد ينتج عن تخديره للمريض ، أما إذا قصَّر أو أهمل أو أقدم على عمل طبي غير مأذون فيه ، هو أو أيُّ فرد من فريق التخدير المساعد له ، فإنه يتحمل المسؤولية ويضمن مــا يترتــب على فعلـه مـن أضـرار . ( انظر : طبيب ، إذن طبي )
3 ـ حقوق المريض خلال فترة التخدير : يجب مراعاة حرمة المريض أثناء فقدانه الوعي بالتخدير ، وعدم كشف عورته إلا بمقدار الضرورة التي تتطلبها العملية ، ونظراً لأن التخدير في مراحله الأولى أو في فترة الإفاقة قد يدفع المريض للتلفظ ببعض الكلام ، فقد وجب على الطبيب المخدر وبقية الفريق الطبي ممن يسمع ذلك الكلام أن يكتمه ولا يفشيه ، لأنه سرٌّ من أسرار المهنة التي تجب المحافظة عليها ( انظر : سر طبي ) علماً بأنه لا يعتدُّ شرعاً بإقرار المريض خلال فترة تخديره ، أو فترة إنعاشه وإفاقته من التخدير ، لأن شرط صحة الإقـرار أن يكون المقرُّ عاقلاً واعياً لما يقـول ، والمريض المخـدَّر فاقـدٌ للإدراك والشعور ، فلا صحة لإقراره ولا يُقبل منه(3) ، فلو تلفَّظ بالطلاق ، أو أقرَّ بشيء من الحقوق له أو عليه ، فلا عبرة لما تلفظ به أو أقرَّ به .
4 ـ التخدير والعبادات : بالإجمال لا تختلف الأحكام التي تتعلق بالتخدير الجراحي العام عن أحكام الإغماء المتعلقة بالعبادات كالوضوء والصلاة والصوم والحج وغيره ، وذلك لأن التخدير الجراحي العام يؤدي إلى غياب الوعي والإدراك ، ومـن ثـمَّ فـإن حكمه حكم الإغماء ( انظر : إغمـاء )
تـَدَاوي
التـَّداوي ( Treatment ) : العِلاج ، وهو تعاطي الدواء بقصد معالجة المرض أو الوقاية منه ، وقد أصبح للتداوي في العصر الحاضر أشكال ووسائل عديدة جداً ، منها : العلاج بالأدوية ( Drugs ) والعلاج بالجراحــة ، والعــلاج النفســــي ، والعــــلاج الفيزيائــي ( Physiotherapy ) وغيرها كثير من الوسائـل العلاجية المستجدَّة .
أحكام التـداوي :
1 ـ مشروعية التداوي : لقد كان النبيُّ يتداوى ، وكان يأمر بالتداوي لمن أصابه مرض مـن أهلـه أو أصحابــــه ، وكان يقول : ( إنَّ اللهَ أنزل الداءَ والدواءَ ، وجعل لكلِّ داءٍ دواءً ، فتداووا ولا تتداووا بالحرام )(1) ، قـال الإمام ابـن القيم رحمه الله تعالى : ( وهذا يعمُّ أدواءَ القلبِ والرُّوحِ والبَدَنِ وأدويتَها )(2)
إلا أنَّ بعض أهل العلم ذهبوا إلى عدم وجوب التداوي ، لمـا ورد في القرآن الكريم على لسان أبي الأنبيـاء إبراهيم الخليـل عليـه السـلام : (( وإذا مـَرِضْـتُ فَهـُو يَشْـفينِ )) سورة الشعراء 80 ، وقول النبيِّ : ( يدخل الجنـَّةَ مـن أمَّتي سبعونَ ألفاً بغيرِ حسابٍ ، هُمُ الذين لا يَسْتَرْقُونَ ، ولا يتطيَّرون ، ولا يكتَوون ، وعلى ربِّهم يَتَوَكَّلون )(3) ، حتى صرح الحنفية بأن المجني عليه إنْ لم يداو جُرْحَهُ وماتَ بسبب الجرح كان الضَّمان على الجاني لأنَّ التــداوي عندهم ليس بواجـب على المريض !
غير أنَّ الإمام ابن القيِّم رحمه الله تعالى ردَّ على الذين قالوا بترك التداوي توكلاً على الله ، فقال : ( إن التداوي لا ينافي التوكل ، كما لا ينافيه دفعُ الجوعِ والعطشِ والحَرِّ والبردِ بأضْدادها ، بل لا تتمُّ حقيقةُ التوحيدِ إلا بمباشرة الأسباب التي نصبَها اللهُ تعالى مقتضياتٍ لمسبَّباتها قدراً وشرعاً ، وإنَّ تعطيلها يَقْدَحُ في نفس التوكل ، كما يقدح في الأمر والحكمة ، ويضعفه من حيث يظنُّ مُعَطِّلُها أنَّ تَرْكَها أقوى في التوكل ، فإنَّ تَرْكَها عجزٌ ينافي التوكُّلَ الذي حقيقتُهُ اعتمادُ القلب على الله في حصول ما ينفع العبدَ في دينه ودنياه ، ودفع ما يضرُّه في دينه ودنياه ، ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب ، وإلا كان معطِّلاً للحكمة والشَّرع ، فلا يجعل العبدُ عجزَه توكلاً ولا توكله عجزاً )(4) ، وبناءً عليه ذهب بعض الفقهاء إلى وجوب التداوي في الحالات التي يغلب على الظنِّ الهلاكُ بسببها ، لعموم قوله تعالى : (( ولا تُلقوا بأَيديكُمْ إلى التَّهْلُكَة )) سورة البقرة 195 ، أما مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدَّة من 12 ـ 17 ذو القعدة 1412هـ الموافق 9 ـ 14 مايو 1992م ، فقد أصدر القرار رقم 68/5/7 الذي فصَّل القولَ في مشروعية التداوي على النحو الآتي :
(( الأصل في حكم التداوي أنه مشروعٌ ، لما ورد بشأنه في القرآن الكريم والسُّنَّة القولية والفعليـة ، ولمـا فيـه مـن حفظ النفس الذي هو أحدُ المقاصدِ الكُلِّيَّة من التشريع ، وتختلف أحكام التداوي باختلاف الأحوال والأشخاص :
ـ فيكون واجباً على الشخص إنْ كان تركُه يفضي إلى تَلَف نَفْسه أو أحد أعضائه أو عجزه أو كان المرض ينتقل ضررُه إلى غيره كالأمراض المعدية .
ـ ويكون مندوباً إنْ كان تركُه يؤدي إلى ضعف البدن ، ولا يترتَّب عليه ما سبق في الحالة الأولى .
ـ ويكون مباحاً إنْ لم يندرج في الحالتين السابقتين .
ـ ويكون مكروهاً إنْ كان بفعلٍ يُخاف منه حدوثُ مضاعفـات أشـدّ من العلَّة المراد إزالتها ))(5)
2 ـ مـا يجـوز التـداوي بـه : يجوز التداوي بكل دواء يرى أهل الطب نفعـَه وموافقتـَه للعلـَّة ، ومن القواعد الجوهرية في التداوي أنه إن أمكن العدول عن الدواء إلى الغذاء أو الحمية فهو أفضل ، وإن أمكن الاكتفاء بدواء واحد فلا حاجة لأخذ دواءين ، وإن أمكن الاكتفاء بالأدوية البسيطة فلا حاجة للأدوية المركبة .. وهكذا .. وبما أن لمعظم الأدوية تأثيرات جانبية ( Side Effects ) ضارة ، ولا يكاد يخلو دواءٌ من بعض هذه التأثيرات مهما ادعت الشركات المنتجة له أنه مأمون العواقب ، فإننا ننصح بعـدم تنـاول أيِّ دواء إلا بمشورة الطبيب ، مع التقيُّد بطريقة الاستعمال ، وكمية الجرعة ، ومواعيد تناولها ، وكم شاهدنا ـ نحن الأطبـاء ـ حالات يُساء فيها استعمالُ الدواء فإذا بها تنتهي بكارثـة !
وتدلُّ المشاهدات السريرية ( Clinical Observations ) على أن الانتفاع بالدواء يكون أفضل إذا ما اقتنع المريض به ، وأيقن أنه يشفى به بإذن الله تعالى ، وقد أشار ابن القيم إلى هذه الحقيقة فقال : ( إنَّ من شَرْطِ انتفاعِ العليلِ بالدَّواءِ قبولُهُ واعتقادُهُ النَّفْعَ به ، فتقبله الطبيعةُ وتستعين به على دفع العلَّة ، حتى إنَّ كثيراً من المعالجات تنفع بالاعتقاد وحُسْنِ القبول وكمال التَّلقِّي ، وقد شاهد الناسُ من ذلك عجائبَ )(6)
3 ـ مـا يَحْرُم التـداوي بـه : يحرم التداوي بجميع المحرَّمات وذلك لعموم النهي عن المحرَّمات ، إلا في حال الضرورة فيجوز استعمال المحرَّم للتداوي إذا تعين علاجاً للمرض ولم يكن عنه بديل من الحلال ، على أن يكون ذلك بمشورة طبيب عدل ثقة صاحب خبرة ، ويشترط في هذه الأحوال أن يستعمل الدواء بقدر الحاجة ودون تجاوز عملاً بقاعدة ( الضرورات تقدر بقدرها )
وأما حديث النبي : ( إِنَّ اللهَ لَمْ يجعلْ شفاءكُم فيما حرَّم عليكم )(7) ، فقد ذكر العلماء أنه يتضمن نفي الحُرمة عند العلم بالشفاء فصار معنى الحديث : إن الله تعالى أذن لكم بالتداوي وجعل لكل داءٍ دواءً ، فإن كان في ذلك الدواء شيء محرم وعلمتم أن فيه الشفاء فقد زالت حرمة استعماله ، هذا مع الحذر الشديد عند تداول الأدوية المحرمة ، لأن النفوس بطبعها تميل إلى بعض الأدوية المحرمة الجالبة للذة كالمخدرات ونحوها ، وفي هـذا يقول الإمـام ابـن القيم رحمه الله تعالى : ( إن في إباحة التداوي بـه ، ولاسيما إذا كانت النفوس تميل إليه ذريعة إلى تناوله للشهوة واللذة ، لاسيما إذا عرفت النفوس أنه نافع لها ، مزيل لأسقامها ، جالب لشفائها ، فهذا أحبُّ شيءٍ إليها ، والشارع سد الذريعة إلى تناوله بكل ممكن ، ولا ريب في أن بين سد الذريعة إلى تناوله وفتح الذريعـة إلى تناوله تناقضاً وتعارضاً )(8) ، ولهذا ننصح باجتناب التداوي بالمحرم إلا لضرورة مشروعة يقررها طبيب عدل ثقـة ( انظر : ضرورة ، خمر ، خنزير )
4 ـ التـداوي بالاعتمـاد على الله تعالى : وقد بين الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى دور التوكل على الله تعالى في دفع المرض بأحسن مما تدفعه الأدوية ، وذكر منـها : ( اعتماد القلب على الله ، والتوكل عليه ، والالتجاء إليه والانطراح والانكسار بين يديه ، والتذلل له ، والصدقة ، والدعاء والتوبة والاستغفار ، والإحسان إلى الخلق ، وإغاثة الملهوف ، والتفريج عن المكروب .. فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها ، فوجدوا لها من التأثير في الشفاء ما لا يصل إليه علم الأطباء .. وقد جربنا نحن وغيرنا من هذا أموراً كثيرة ، ورأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية الحسِّيَّة ) ثم قال رحمه الله : ( فإنَّ القلبَ إذا اتَّصل بربِّ العالمين ، وخالقِ الدَّاءِ والدَّواءِ ، ومُدَبِّرِ الطبيعةِ ومصرِّفِها على ما يشاء ، كانت له أدويةٌ أخرى غيرُ الأدوية التي يعانيها القلبُ البعيدُ منه ، المُعْرِضُ عنه .. وقد علم أنَّ الأرواحَ متى قَوِيَتْ وقويت النَّفْسُ والطبيعةُ تعاونا على دفع الداء وقهره ، فكيف يُنكر لمن قويتْ طبيعتُهُ ونفسُهُ وفرحتْ بقربها من بارئها وأنْسِها به وتوكُّلِها عليه أن يكون ذلك لها من أكبر الأدوية ، وتوجـب لها هذه القوةُ دفعَ الألم بالكلية ؟! ولا ينكر هذا إلا أجهلُ الناس ، وأعظمُهم حجاباً ، وأكثفُهم نفساً ، وأبعدُهم عن الله وعن حقيقة الإنسان )(9)
5 ـ التـداوي بالرقيـة : والرقية هي ما يقرأ على المريض أو المكروب من أدعية وأذكار وآيات طلباً للشفاء ، وقد أجمع الفقهاء على جواز التداوي بالرقية ، بشروط ( انظر: رقية )
6 ـ الأدويـة النبويـة : وهي مجموعة من الأدوية التي تعاطاها النبيُّ لنفسه ، أو وصفها لأهله وأصحابه لعلاج بعض الآفات والأمراض ، وقد قرر أهل العلم أن النبيَّ النبيُّ قد وصف بعض الأدوية بناءً على وَحْيٍ له من ربِّه ، كالرقية مثلاً والاستشفاء بالعسل ونحوه ، فهذه الأدوية يندب استعمالها تعبداً لله عزَّ وجلَّ وتأسِّياً برسول الله ، ولا بأس في أن يستعمل معها أدوية أخرى ، وبعض تلك الأدوية التي وصفها النبيُّ كان مما هو شائع الاستعمال في زمانه ، فهذه الأدوية يجوز استعمال غيرها من الأدوية التي يرى أهل الطب نفعها وموافقتها للعلة ، لأن هذه الأدوية تتغير مع تغير الزمان وتقدم العلم ( انظر : طب )
7 ـ الأدويـة الغُفْل ( Placebo ) : والدواء الغفل هو في الحقيقة دواء وهمي أو مزيَّف يُحضَّر من مواد غير فعالة ( Inactive Substances ) ، ويعطى مثل بقية أشكال الدواء ( حبوب محضرة من السكر أو الدقيق أو النشاء أو حقن محضرة من سائل ملحي Saline ، أو غيره ) ويستخدم غالباً في التجارب التي تُجرى لاختبار فعالية بعض الأدوية ، فيعطى الدواء الأصلي لمجموعة من المرضى ، ويعطى الدواء الغفل لمجموعة الأخرى ، بهدف معرفة التأثيرات الوهمية التي تحدث عادةً عند بعض المرضى من مجرد تعاطيهم للدواء ، سواء كان فعالاً أم غير فعال ! وقد يستخدم الدواء الغفل أيضاً للعلاج ـ على الرغم من أنه خامل دوائياً ـ في بعض الحالات التي يرى الطبيب أن التأثير الوهمي للدواء يكفي لشفاء المريض .. ومن الطريف أن اسم ( بلاسيبو ) مشتق من اللغة اللاتينية وهو يعني : أستطيع أن أجعلك سعيداً !
وقد يبدو للوهلة الأولى أن استخدام الأدوية الغفل هو نوع من الغشِّ المحرَّم ، وهذا غير صحيح ، فمن الثابت علمياً أن لاستخدام العلاج الغفل فائدة كبيرة في تقويم فعالية الأدوية الجديدة ، وقد أصبح هذا الاستخدام للأدوية الغفل قاعدة متفقاً عليها عند أهل الطب في حقل التجارب الدوائية .. كما ثبت طبياً أن للأدوية الغفل تأثيراً علاجياً لا يُنكر في كثير من الحالات ، مثل بعض الأمراض النفسية ، والمرضى الذين يميلون للشكوى الدائمة دون علة مرضية حقيقية ، إلى جانب أن استخدام الأدوية الغفل في الحالات المختارة يحدُّ من استعمال الأدوية النفسية المهدئة وغيرها من الأدوية التي لا تخلو من الآثار الجانبية السيئة(10).
وبناء عليه نرى جواز استعمال الأدوية الغفل ، في حقل التجارب الدوائية وفق الضوابط المقررة علمياً في هذا الحقل ، كما يجوز استعمال الأدوية الغفل في بعض الحالات المرضية المختارة التي يقرر أهل الطب فائدة هذه الأدوية فيها ، ولا يشترط إعلام المريض بأنه يُعطى دواء غفلاً لأن إخباره بذلك يُفشل تأثير الدواء ، ولكن على الطبيب إذا رأى ضرورة لاستعمال دواء غفل لأحد مرضاه أن يُدَوِّن ذلك في الملف الطبي للمريض ، وأن يذكر مبررات وصفه لذلك الدواء .
8 ـ الخبرة في التداوي : ويجب الرجوع في طلب التداوي إلى الطبيب المعروف بالخبرة (Experience ) والأمانة ، وأن يكون من أهل الثقة ، أميناً على العورات ، حريصاً على كتمان السر ( انظر : طبيب )
9 ـ الاستعانة بالوسائل الحديثة في التداوي : لقد شهد العصر الحاضر الكثير من الإنجازات الطبية المفيدة التي دفعت أساليب التداوي دفعة قوية إلى الأمام ، وبالإجمال يندب استخدام هذه الوسائل وفق الطرق العلمية المقررة من أهل الطب ، ومنها على سبيل المثال التداوي بالنظائر المشعة ( Isotops ) والعلاج بالليزر وغيرها من طرق التداوي المستحدثة .. كما أصبح هناك الكثير من الأجهزة المستحدثة التي تستخدم في التشخيص والتداوي ، ومنها على سبيل المثـال الاستخدامات الحديثة للحاسب الآلي ( الكومبيوتر ) حيث يغذى بالمعلومات ويطلب منه تشخيص الحالة المرضية واقتراح العلاج المناسب .. ونحو ذلك من الوسائل التي ثبتت فائدتها وكفاءتها ، فإنه يباح استخدامها لما فيه من خدمة جليلة للمريض ، ولكن بشرط أن تستخدم من قبل الأطباء والفنيين المؤهلين علمياً وعملياً كلٌّ في مجال اختصاصه .
تدخين
التدخين ( Smoking ) : هو تعاطــي التبـــغ ( Tobacco ) ويتم بطرق مختلفة أكثرها شيوعاً السجائر والشيشة وغيرها .. والتبغ نبات من الفصيلة الباذنجانية ، يستعمل تدخيناً وسعوطاً ومضغاً ، من أسـمائـه : الدخـان ، والتتن ، والتنباك ، ولعلَّ مستكشف القـارة الأمريكيـة كريستوفـر كولـومبــوس ( 1451 – 1506م ) ورجاله هم أول من جلب التبغ من القارة الجديدة إلى القارة أوروبية التي انتشر منها إلى بقية أنحاء المعمورة !
ونظراً للأضرار الفادحة التي عرفت للتدخين من أول عهده فقد مُنع في أوروبا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين بقرارات بابوية وأوامر ملكية ، لكن ذلك لم يمنع انتشاره(1).
وقد بلغ عدد المدخنين في أواخر القرن العشرين الميلادي أكثر من ( مليـار رجل + 200 مليون امرأة ) أي مـا يعـادل ربـع سكان الأرض تقريباً ! وتقدَّر الخسائر المادية التي تدفعها البشرية نتيجة التدخين بأكثر من ( 200 مليار دولار / سنوياً )(2) ، وتذكر الإحصائيات الصادرة عن منظمـة الصحـة العالميـة أن تدخيـن التبـغ كان السبب المباشر في وفـــــاة ( 60 مليون شخص ) خلال النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي ، وأن التدخين يأتي في مقدمة أسباب الوفاة في الكثير من دول العالـم ، ولا يتوقف تأثير التدخين على المدخن نفسه ، بل يتعداه إلى المجتمع من حوله ، فمن بين كل ( 6 سيكارات ) يدخنـها المدخـِّن في غرفــة مغلقــة ينـال كل واحـد مـمن حـولـه تأثيـر سـيكارة كاملـة ، وهو ما يدعى ( التدخين بالإكراه ) أو التدخين السلبي ، وقد ذكرت بعض الدراسات أن معدل إصابة زوجة المدخِّن بسرطان الرئة يزيد( 6 أضعاف ) عن معدل إصابة الزوجات اللواتي أزواجهنَّ لا يدخنون ! كما أن تدخين المرأة الحامل يضرُّ ضرراً بليغاً بجنينها ، فإنَّ نسبة الإجهاض عند المدخنات أعلى مما عند غيرهنَّ ، وأولاد المدخنات يولدون أقلَّ وزناً من المعتاد ، ومعدل وفياتهم أعلى ، وكذلك معدلات إصابة الأجنَّة بالتشوهات الخَلْقيَّة(3).
وبسبب هـذه الأخطـار الفادحة التي تنجم عـن التدخين فقـد نادت منظمـة الصحة العالمية بتخصيص ( يوم عالمي لمكافحة التدخين ) في 31 أيار ( مايو ) من كل عام ، لتعريف الناس بأضرار التدخين ، وحثِّ المسؤولين عن الصحة العامة في شتى أنحاء العالم على سنِّ القوانين الصارمة للحَدِّ من انتشار التدخين !
أحكام التدخين :
1 ـ مشروعية التدخين : لقد ذهب الفقهاء في حكم تدخين التبغ مذاهب شتى لأنه لا نصَّ فيه ، وذلك على النحو الآتي :
* تحريم التدخين : ذهب بعضهم إلى تحريمه لأنه يُسكِر في ابتداء تعاطيه إسكاراً سريعاً ، ثم لا يزال في كل مرة ينقص شيئاً فشيئاً حتى يطول الأمد جداً فيصير لا يحسُّ به ، لكنه يجد نشوةً وطرباً أحسن عنده من السُّكْر ، وأنه يترتب على شربه الإضرار بالبدن ، وأن الأطباء أجمعوا على ضرره وثبت عندهم أنه يسبب الكثير من الأمراض مثل سرطانات الرئة والحنجرة واللسان والشفتين والمثانة ، كما يسبب الضعف الجنسي ، وفيه إضاعة للمال وتبذير منهيّ عنه .. وقد نصَّ المالكيةُ على تحريمه(4) ، وكذلك فعل المؤتمرُ العالميُّ الإسلاميُّ لمكافحة المسكرات والمخدرات ، الذي عقد في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في 30/5/1402هـ حيث أصدر فتوى بحرمة استعمال التبغ للأضرار التي ذكرناها(5).
* إباحة التدخين : وذهب بعضهم إلى إباحته لأنه لم يثبت إسكاره ولا تخديره ، مع أن الذي يشربه في البداية يصيبه شيءٌ من الغشي لكنه لا يوجب التحريم ، لأنَّ الأصل في الأشياء الإباحة حتى يَرِدَ نصٌّ بالتحريم فيكون التبغ مباحاً جرياً على قواعد الشرع وعمومياته(6).
* كراهة التدخين : وذهب أكثرهم إلى كراهته لعدم ثبوت أدلَّة التحريم ، وكرهوه لكراهة رائحته قياساً على البصل النيء والثوم ونحوه .
أما من الوجهة الطبية فإننا نميل إلى كراهته كراهةَ تحريمٍ لما ثبت من أضراره الشديدة على صحة الفرد والمجتمع ، وجرياً على قاعدة : لا ضرر ولا ضرار ، ولأنه لم يثبت أن له أية فوائد صحية ، وأما ما يدَّعيه المدخنون من فوائد نفسية للتدخين وأنه يريح الأعصاب ويبهج النفس وغير ذلك من الدعاوى الباطلة فلا تعدو أن تكون أوهاماً وتزييناً من الشيطان الذي لا يكفُّ عن الكيد لبني آدم ليُرديهم ويوقعهم في الإثم والضرر !
2 ـ التدخين في الصوم : إن التدخين يُفسد الصيامَ ، وكذلك استنشاق الدخان عمداً حتى يدخل الحلق ، أو مضغه ونشوقه ، فإن كل ذلك يفسد الصوم ويوجب القضـاء والكفــارة عند الحنفية والمالكية ، أما عند الشافعية والحنابلة فيوجب القضاء دون الكفارة ، إذ الكفارة عندهم تجب فقط بالجماع في نهار رمضان ( انظر : صوم )
3 ـ التدخين في المسجد : لا يجوز التدخينُ في المساجد ، قياساً على منع أكل الثوم والبصل في المساجد ومنع آكلهما من دخول المساجد حتى تزول رائحته ، لما فيه من تأذّي المصلين والملائكة .
4 ـ التدخين في المنزل : ذهب جمهور الفقهاء إلى أن للزوج منعَ زوجته من التدخين ، لأنَّ تدخينَها يمنع كمالَ الاستمتاع وخصوصاً إنْ كان الزوج لا يدخِّن ، وفي رأي آخر للشافعية والحنابلة أنه لا يجوز له منعُها لأنَّ التدخين لا يمنع الوطءَ ، ولم أجد رأياً مقابلاً بمنع الزوجة لزوجها المدخن ، لكنني أميل إلى المعاملة بالمثل في هذه المسألة لأن المرأة تتأذى مما يتأذى منه الرجل أيضاً ، بل إن أذى الزوجة محقَّق كما تذكر التقارير العلمية لأن ( التدخين السلبي ) كما ذكرنا يصل أذاه إلى غير المدخن الذي يعاشر المدخنين ، وقد يصل الأذى إلى الجنين الذي في بطن الزوجة فيكون الضرر مضاعفاً !
ترجمة طبيـة
الترجمة الطبية : الترجمة هي نقل لغة ما إلى لغة أخرى ، والترجمة الطبية هي ما يجري من ترجمات في الحقل الطبي ، ومنها ترجمة المواضيع الطبية المنشورة من لغتها الأصلية إلى اللغات الأخرى ، ومنها أيضاً الترجمة التي تجري ما بين المريض والطبيب في حال اختلاف اللغة بين الطرفين .
أحكام الترجمـة :
1 ـ المترجم : ليس من النادر أن يكشف الطبيب على مريض يتكلم بلغة لا يعرفها الطبيب ، فيضطر للاستعانة بمترجم ليكون وسيطاً بينه وبين المريض ، وفي هذه الحال يجب أن يكون المترجم ملمَّاً إلماماً جيداً بكل من لغة المريض ولغة الطبيب ، مع إلمامه بالمصطلحات الطبية ، لكي يكون وسيطاً دقيقاً في نقل المعلومات ما بين الطبيب ومريضه ، وعلى المترجم أن يكون متيقظاً لتلافي سوء الفهم من أحد الطرفين مما قد يؤدي إلى نتائج خطيرة لا تحمد عقباها ، وعليه لتلافي ذلك أن يسأل الطبيب بالتفصيل إذا ما سمع منه مثلاً مصطلحاً طبياً غامضاً ، وبخاصة أن الكثير من المصطلحات الطبية قد لا توجد حتى في المعاجم الطبية .
ويندب أن يوقع المترجم إلى جانب توقيع الطبيب على المعلومات التي دونها الطبيب في ملف المريض والتي حصل عليها من طريق المترجم ، لكي يكون توقيع المترجم مستنداً للطبيب في حال المساءلة إن حصلت ، وكذلك سائر التقارير الطبية والشهادات ( شهادة وفاة مثلاً ) ومحاضر الطب الشرعي في الجنايات مثلاً ، وما شابه ذلك من الحالات التي يكون المترجم وسيطاً فيها .. وما قلناه عن علاقة المترجم بالطبيب يسري أيضاً على علاقة المترجم ببقية المهن الطبية كالصيدلة والمختبرات وغيرها ..
2 ـ إلمام الطبيب باللغات الأجنبية : يندب للطبيب أن يكون ملماً بلغة واحدة على الأقل غير لغته الأصلية ، ولاسيما اللغات واسعة الاستخدام كاللغة الإنكليزية مثلاً التي تكاد اليوم أن تصبح لغة عالمية لسعة انتشارها في أنحاء العالم ، وذلك يفيد الطبيب في أمور عدة ، منها : مواصلة التعلم من خلال اطلاعه على أحدث الكتب والمنشورات والدوريات الطبية التي تصدر في أنحاء العالم ، ولاسيما في البلدان المتقدمة طبياً .. كما أن إلمام الطبيب باللغات الأجنبية يعينه على التفاهم مع مرضاه دون الحاجة للاستعانة بالمترجم ، ويجنبه مشكلات الترجمة التي قد تصدر عن المترجم كما ذكرنا .
3 ـ ضرورة الترجمة الطبية : نظراً لما تعانيه معظم بلداننا الإسلامية اليوم من تخلف مجالات البحث الطبي ، فإنه يجب على المسؤولين عن التعليم الطبي وأصحاب القرار السياسي أن يولوا مسألة الترجمة عناية كبيرة فيعملوا على إنشاء مراكز متخصصة للترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية وبقية اللغات المحلية المتداولة في البلدان الإسلامية ، ليس في ميدان الطب وحده ، بل في شتى ميادين المعرفة الإنسانية ، في سبيل مواكبة العلوم المعاصرة ، والاستفادة مما ينشر في تلك الحقول من علوم ومعارف واكتشافات واختراعات جديدة(1) .
تشريح
التشريح ( Anatomy ) : هو العلم الذي يهتم بدراسة تركيب أجسام المخلوقات الحية وعلاقـة أعضائها بعضها مع بعض ، وتشريح الجثة ( Autopsy ) يجرى عادة بعـد الوفـاة ، وهو بالإجمال نوعان :
1) التشريح الطبي : وهو يجرى لدراسة تركيب جسم الإنسان ، وعلاقة أعضائه بعضها ببعض ، وكيفية أدائها لوظائفها ، ودراسة المظاهر النسيجية للعلل المرضية المختلفة .
2) التشريح الجنائي : وهو يجرى عادة لمعرفة أسباب وملابسات الوفاة في الحوادث الجنائية .
وقـد عرفـت البشريـةُ التشريحَ منذ آلاف السنين ، وربَّما كان الفراعنة مـن أوائـل الذين اشتغلوا بهذا العلم ، يشهد على هذا تحنيطهم للجثث ، وما كشفته بعض البحوث من أنهم كانوا يجرون بعض الجراحات لمرضاهم !
وقد كان لأطبائنا المسلمين الأوائل إسهامات مهمة في علم التشريح ، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر : ابن سـينا(1) الذي برع في الطب براعة نادرة حتى لُقِّب باسم ( الشيخ الرئيس ) وكانت له مساهمات هامة جداً في الجراحـة والتشـريـح دوَّنها في كتابـه الأشـهر ( القانون في الطب ) ، ومنهم أيضاً ابن النفيس(2) الذي اكتشف الدورة الدموية الصغرى قبـل أقرانـه مـن الأوروبيين بعدة قرون ، والزهراوي(3) رائد علم الجراحة بين المسلمين ، وابن الهيثم(4) رائد علم البصريات وغيرهم كثير .. وذلك على الرغم من أن تشريح جثث البشر لم يكن مألوفاً لديهم ، والظاهر أنهم اكتسبوا معارفهم بالتشريح من خلال ملاحظتهم لأعضاء الحيوانات أو أعضاء البشر الذين يموتون في الحروب والحوادث !
أحكام التشريح :
1 ـ مشروعيـة التشريـح : لم يعهد عند فقهائنا القدامى الحديث عن تشريح جثث الموتى بالمعنى الذي أصبح معروفاً اليوم ، ولم يُفتوا فيه ، لأنهم كانوا يرون أنَّ حُرْمَةَ الميتِ كحُرْمَةِ الحيِّ ، لقـول النبيِّ : ( كَسْرُ عظمِ الميِّتِ ككسرِه حيَّاً )(5) ، إلا أنهم أجازوا بعض الإجراءات الجراحية التي يمكن اعتبارها ضرباً من ضروب التشريح ، مثل شـَقَّ بطنِ المرأة الحامل لاستخراج الولد من بطنها إذا ماتت وكان يُرجى لجنينها الحياة ، كما أجازوا شق بطن الميت الذي بلع مالَ غيره قبل موته ، ونستخلص من هذا أن فقهاءنا الأوائل قد أجازوا التشريحَ ولكن في حالات مخصوصة ولمصالح شرعية معتبَرة ( انظر:حمل ، جنين ، موت )
أما تشريح الجثث لأهداف طبية فلم يعرف في فقهنا الإسلامي القديم ، ولعل أول من كتب وأجاز علم التشريح من فقهائنا في العصر الحديث هو شيخ الأزهر في القرن الثامن عشر الميلادي ، وهو العلامة أحمد بن عبد المنعم الدمنهوري المتوفى سنة 1192هـ ( 1778م ) ثم صدرت من بعده فتاوى عديدة من علماء ومجامع فقهية مختلفة تبيح تشريح جثث الموتى لمثل هذه الأغراض ، منها : فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكـة العربية السعوديــة في 21/7/1396هـ ( 1976م ) وفتوى هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية ( الدورة التاسعة ، القرار رقم 47 في 20/8/1396هـ ) وفتوى المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي ( الدورة العاشرة 1408هـ ) وقد أباحت هذه الفتاوى تشريح الجثث لأحد الأغراض التالية :
* التحقيق في دعوى جنائية لمعرفة أسباب الموت أو الجريمة المرتكبة ، وذلك عندما يُشْكل على القاضي معرفة أسباب الوفاة ، ويتبين أن التشريح هو السبيل لمعرفة هذه الأسباب .
* التحقق من الأمراض التي تستدعي التشريح ليتخذ على ضوئه الاحتياطات الواقية والعلاجات المناسبة لتلك الأمراض .
* تعليم الطب ، وتعلمه ، كما هو الحال في كليات الطب(6).
والدليل الذي استندت إليه هذه الفتاوى في إباحة التشريح أنه : ( إذا جاز شقُّ الجثة حفاظاً على حياة الجنين وهو فرد واحد ، فإنه يجوز بالأولى إذا تحققت به مصلحةٌ عامَّةٌ للناس ، ونظراً لأن التشريح من الحاجات التي تتعلق بها المصلحة العامة للناس ، ففيه إحياء لنفوسهم وعلاج لأمراضهم وتحديد لأسباب الحوادث لإقامة مقتضى العدالة ، فإن رعاية هذه المصالح تقتضي القول بشرعية التشريح ، ولاشك في أن الموازنة بين مفسدة التشريح المتمثلة في هتك حرمة الميت وبين المصالح المترتبة عليه تفيد رجحان هذه المصالح على تلك المفسدة ، وإذا كان التشريح يعتبر هكذا من الحاجات العامة وكانت الحاجة عامة أو خاصة ، تنزل منزلة الضرورة ، وكانت الضرورات تبيح المحظورات ، فينبغي اعتبار التشريح من الأمور المباحة ، ويؤيد ذلك أن الضرر الخاصّ يتحمل لدفع الضرر العامّ ، والضرر الذي يلحق بالجماعة من عدم القيام بالتشريح أشد من الضرر المترتب على تشريح الجثة )(7)
2 ـ شـروط التشريـح : لا يجوز التشريح إلا بعد تحقق جملة من الشروط ، هي :
* التيقن من موت الشخص قبل إجراء التشريح عليه .
* وجود ضرورة معتبرة تبرر التشريح ، كالتشريح للتعليم ، أو لدراسة الأمراض ، أو لأسباب جنائية .
* موافقة الشخص قبل موته على تشريح جثته إذا مات ، أو موافقة ذويه بعد موته ، إلا في الحالات الجنائية فلا تشترط الموافقة على التشريح لما فيه من مصلحة راجحة بكشف أسباب الجريمة وملابساتها ، ولأن ممانعة الأهل قد تفوِّت حقاً من الحقوق العامة أو الخاصة ، علماً بأن معظم كليات الطب تعتمد في تدريسها للتشريح على جثث المتوفين مجهولي الهوية ( Unknown ) والأشخاص المعروفين ولكن ليس لهم أهل تؤخذ موافقتهم ، وقد أجازت معظم الفتاوى التي صدرت بهذا الشأن تشريح جثث هؤلاء المتوفين ، ومن ذلك مثلاً فتوى دار الإفتاء المصرية التي جاء فيها : (( يجوز شـرعاً الحصول على جثث بعض المتوفين ممن لا أهل لهم للإفادة العلمية من تشريحهم ، مراعـاة للمصلحة العامة ، على أن يقتصر في ذلك على ما تقضي به الضرورة القصوى ))(8) ، وليس في هذا إهانة لهؤلاء المتوفين ، لأنه يحقق مصلحة راجحة فيها منفعة للأحياء ، ولا جدال في أن الحي أفضل من الميت الذي مصير جسده التحلل والعودة للتراب .
* عدم التمثيل بالجثة ولا العبث بها ولا إهانتها ، لأن كرامة الإنسان مصونة حياً وميتاً ما ورد معنا في الحديث المتقدم عن النبي ولهذا ينبغي أن يكون درس التشريح في كليات الطب درساً جاداً ، في جو من الخشوع أمام عظمة خلق الله عزَّ وجلَّ ، وأن يبين المدرس لطلابه خلال التشريح قدرة الله تعالى في الخلق وحكمته من خلق الإنسان في أحسن تقويم .
* تجميع أجزاء الجثة بعد الفراغ من تشريحها ودفنها وفق الأعراف الشرعية ، عملاً بالقاعدة العامـة التي تقضي بدفن الميت ( انظر: موت ) وقد جاء في فتوى دار الإفتاء المصرية آنفة الذكر (( المحافظة على الجثة بعـد تشريحها بحيث تجمع أجزاؤها وتدفن في المقابر كما تدفن الجثث قبل التشريح )) وهذا ما ذهبت إليه أيضاً هيئة كبار العلماء بالسعودية في الفتوى رقم 47 بتاريخ 20/8/1396هـ ، وأيضاً قرار المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته العاشرة المنعقدة في مكة المكرمة عام 1407هـ / 1987م
تصويــر
التَّصْويرُ : صنع الصورة ، والصورة هي الشكل الـذي يميز الأشياء بعضها عن بعض ، والصورة قد تكون غير حقيقية أو مجرد خيال ( Shadow ) كالصور التي نراها بالمرآة ، وقد تكون حقيقية ولكن ليس لها ظلَّ كالصور الضوئيـة ( Photography ) وقد تكون مُجَسَّمَةً ( Steriography ) كالصور النافرة والتماثيل وغيرها .
أحكام التصوير :
1 ـ مشروعية التصوير في الطب : يفرق الفقهاء عند الحديث عن التصوير بين الصور التي ليس لها ظلَّ ، والصور المجسمة التي لها ظل ، وقد ذهب معظم العلماء إلى جواز الصور التي لا ظلَّ لها إن كانت للجماد أو النبات ، أما صور ما له روح كالحيوان والإنسان فقد اختلفوا فيه ، وأما الصور المجسمة فقد ذهب الجمهور إلى تحريمها ، إلا ما كان منها للعب الأطفال ، أو كان ممتهناً ، أو كان لمصلحة معتبرة كالتعليم ونحوه ، فإنه يجوز(1).
وبناء عليه ، وبما أنه أصبح للتصوير في عصرنا الراهن فوائد عملية كثيرة جداً في شتى حقول المعرفة الإنسانية ، ومنها حقل الطب ، فإن التصوير الطبي جائز إن كان لغرض طبي مشروع ، مثل تصوير أعضاء الجسم لتعليم الطلاب تشريح الجسم ، أو التصوير لتشخيص المرض ، أو غير ذلك من الأغراض المشروعة ، ولا فرق في الإباحة بين جميع أنواع التصوير ما دام فيها مصلحة طبية راجحة .
2 ـ استطبابات التصوير الطبي : نظراً لأن أغلب أنواع التصوير الطبي لها آثار جانبية ضارة ، وبخاصة منها التصوير بالأشعة السينية ( X - Ray ) والنظائر المشعة ( Radioactive Isotopes ) وأشعة الليزر ونحوها ، وبما أن الاتجاه الفقهي في مسألة التصوير يميل إلى حصر التصوير بحالات الضرورة المؤكدة ، فيستحسن عدم التوسع بالتصوير ، بل يقتصر فقط على الحالات التي يكون للتصوير فيها استطباب ( Indication ) واضح ، مع اتخاذ الاحتياطات اللازمة لمنع أو تخفيف الضرر الذي قد ينتج عن بعض وسائل التصوير !
3 ـ آداب التصوير الطبي : عند التصوير لأغراض طبية يجب مراعاة الآداب الشرعية المعلومة من الدين بالضرورة ، ومراعاة الاحتياطات العامة المتبعة في الطب أيضاً ، وبخاصة منها :
* مراعاة أحكام العورة : يجب أن تراعى في التصوير أحكام العورات ، فلا يكشف عن العورة للتصوير إلا لضرورة طبية مؤكدة ، ولا يصوَّر من العورة إلا ما يلزم تصويره طبياً دون تجاوز للحد المطلوب ، ويجب عند تصوير العورات المغلظة أو تنظيرها اتخاذ المزيد من الحيطة صيانةً للحرمات وتجنباً للعبث بالعورات أو لمسها دون ضرورة ، ويراعى أن لا يحضر عملية التصوير إلا الأشخاص الذين يلزم حضورهم فعلاً ( انظر : عورة )
* مراعاة أحكام الخلوة : يجب أن تراعى أحكام الخلوة أثناء التصوير ، وبخاصة منه التصوير الشعاعي ( Radiography ) الذي جرى العرف الطبي أن لا يتواجد في غرفة التصوير أحد مع المريض لتجنب إصابته بالأشعة ، كما جرى العرف بأن تغلق الغرفة أثناء التصوير ، ولتجنب الخلوة المحرمة يحسن أن تقوم النساء بتصوير النساء ، وأن يقوم الرجال بتصوير الرجال ، فإذا اضطر الرجال لتصوير النساء لزم حضور مَحْرَم للمريضة أثناء التصوير أو حضور ممرضة أو غيرها مما يمنع الخلوة المحرَّمة ، وكذلك إذا اضطرت النساء لتصوير الرجال لزم أن يتواجد في غرفـة التصويـر مـا يمنع الخلوة المحرمة . ( انظر : خلوة )
* تصوير وجوه المرضى : قد يلزم في بعض الحالات تصوير وجوه المرضى لإظهار بعض العلامـات المرضيـة التي تظهر عادة على الوجوه ، وبما أن الوجه يدلُّ على هوية الشخص ، فينبغي الاكتفاء بتصوير جزء من الوجه يكفي لإظهـار العلامـات المرضية المطلوبة ، حفاظاً على سر المريض وطمس هويته كيلا يكون في نشر صورته تشهير به ، وإذا تطلب الأمر تصوير الوجه كله وجب حجب العينين لطمس هوية المريض ، وإذا كانت الأعراض المطلوبة تظهر في العينين فيكفي تصوير العينين دون بقية الوجه ، وهكذا .. بحيث لا تدل الصورة على هوية المريض ، إلا إذا أذِن المريض نفسُه بنشر صورته الصريحة فإنه يجوز نشرها .
* تصوير العورات : ينبغي ما أمكن تجنب تصوير العورات المغلظة ، كالأعضاء التناسلية والثديين ونحو ذلك من الأعضاء التي تثير الشهوة ، إلا لضرورة طبية مؤكدة ، مع اتخاذ كافة الاحتياطات الواجبة كيلا يطلع على العورات أثناء التصوير إلا من يلزم اطلاعه عليها فعـلاً ، ومراعاة الآداب المتعلقة بالعورات ، وإذا كانت هناك حاجة مؤكدة لعرض صور العورات لأغراض تعليمية مثلاً ، فلا تعرض إلا على من يلزمهم فعلاً رؤيتها ، وإذا كانت هناك حاجة لنشرها في الكتب والمجلات والمنشورات الطبية ، فيجب أن يقتصر نشرها على المطبوعات الموجهة للأطباء وللعاملين في حقول الطب ، وأن يقتصر في هذه الصور على نشر الجزء المطلوب من العورة دون تجاوز ، مع الحرص على إظهار الصورة بشكل علمي بعيد عن الإثارة ، ولا يجوز نشر مثل هذه الصور في الكتب المعدة للقراء غير المتخصصين ، ولا المجلات غير الطبية ، تجنباً لسوء استخدامها .
* نشر الصور في الأبحاث الطبية : يجب أن تكون الحاجة لنشر الصور مبررة طبياً ، كأن تكون لغرض تعليمي مثلاً ، ويجب عند نشرها مراعاة ما قدمناه عن حفظ أسرار المريض ، وعدم نشر الصور التي تدل على هويته ، فإذا لزم إظهار الوجه كله فينبغي أخذ الموافقة الخطية على نشر الصورة ، من المريض نفسه إن كان كامل الأهلية ، أو من وليه إن كان المريض قاصراً ، وإذا لزم اقتباس صورة من إحدى المطبوعات الطبية أو غيرها فينبغي الإشـارة إلى مصدر الصورة ، وأخذ موافقة الجهة صاحبة الحق فيها مراعاة للحقوق المعنوية ( انظر : إذن طبي ، سر طبي ، بحث علمي )
4 ـ التأكد من هوية المريض قبل تصويره : يجب على أخصائي التصوير التأكد من هوية الشخص قبل تصويره ، لمنع التلاعب الذي قد يعمد إليه بعض المرضى ضعيفي النفوس فينتحلون شخصية غيرهم من الأصحاء لتزويدهم بصور يستغلُّونها لأغراض غير مشروعة ! وعلى الطبيب المعالج بالمقابل أن يتأكد من هوية مريضه وأنه هو فعلاً صاحب الصورة منعاً لمثل هذا التلاعب ، فقد يُحضر الشخصُ صورةً ليست صورته ويستغل فرصة انشغال الطبيب أو ضغط المراجعين عنده فيوهمه بأن الصورة له بقصد تحقيق مآرب غير مشروعة !
5 ـ تداول الصور الطبية وحفظها : بما أن الصور الطبية تعد وثائق رسمية فقد وجب تداولها بنظام دقيق ، وأن تحفظ مع الملف الطبي للمريض للرجوع إليها عند الحاجة ، وذلك بعد أن يكتب عليها تاريخ التصوير ، واسم المريض ، ورقم الملف الطبي للمريض ، وغير ذلك من المعلومات التي تحول دون اختلاط صور المرضى بعضها مع بعض ، لما قد يترتب على ذلك من أخطاء فادحة بحق بعض المرضى !
6 ـ أخطاء التصوير الطبي : إذا ما ارتكب أخصائي التصوير خطأ في التصوير ، أو في تدوين المعلومات الشخصية للمريض على الصورة ، أو أي خطأ يتعلق بالتصوير ، ونتج عن خطئه أضرار للمريض ، فإنه يتحمل مسؤولية هذه الأضرار ، وهذا لا ينفي مسؤولية الطبيب المعالج لأن عليه التأكد من نسبة الصورة للمريض قبل تقرير العلاج ، وبخاصة قبل إجراء أي عمل جراحي ، وذلك بقراءة اسم صاحب الصورة ورقم ملفه الطبي ، ومن المفيد أن يقارن الطبيب العلامات المرضية التي يراها في الصورة مع شكوى المريض نفسه ، فإذا وجد تناقضاً وجب عليه أن يطلب إعادة التصوير تجنباً لمثل هذه الأخطاء التي قد تكون نتائجها مأساوية ، فليس من النادر مثلاً أن تُجرى العملية الجراحية في الطرف الأيمن بدل الأيسر بسبب الخطأ في وضع العلامات المميزة على الصورة ! وليس من النادر أيضاً إجراء عملية جراحية على عضو سليم يبدو مريضاً في الصورة التي تعود لمريض آخر ! وقد يقع الخطأ بوصف علاج للمريض بناء على ما يراه الطبيب في الصـورة التي تعـود لمريض آخر أيضاً ! إن مثل هذه الأخطاء غير النادرة توجب على الطبيب وعلى فني التصوير أن يتثبَّت من نسبة الصورة إلى صاحبها قبل أي إجراء طبي يجريه عليه .
تطَـوُّر
التَّطَوُّر ( Evolution ) : هو التحوُّل من طَوْر إلى طَـوْر .
أحكام التطـور :
1 ـ نظريـة التَّطـور العضـوي : أو نظرية النشوء والارتقاء ، هي النظرية التي حاولت تفسيـر كيفيـة نُشـوء المخلوقات الحية في الأرض ، وقد زعمت هذه النظرية أنَّ كلَّ نوع من أنواع النبات والحيوان والإنسان قد أتى إلى الوجود من نوع آخر كان يعيش قبله ، عبر عمليات التطور العضوي !
والتطور ـ وفق هذه النظرية ـ يبدأ بحصول بعض التغيُّرات العضويَّة في الآباء ، ثم تنتقل هذه التغيرات إلى الذَّراري ، ومع مرور الزمن وتراكم هذه التغيرات تزداد الفوارق وضوحاً ، وتتشكل مخلوقات أعلى تطوراً مما سبقها في سلم التطور .. وهكذا تظهر الأنواع الجديدة من المخلوقات الحية(1).
ويذهب كثير من العلماء المتخصِّصين بعلم البَشَرِيَّات ( Anthropologist ) إلى أن التطور هو من خصائص عالم الحياة ، وأن المخلوقات الحية جميعها من نبات وحيوان وإنسان قد نشأت من أصل واحد عبر أزمنة طويلة ، غير أن هؤلاء العلماء مازالوا مختلفين حول الكيفية ( Mode ) التي حصل بها هذا التطور ( ؟ ) وقد طُرحت نظريات عدة لتفسير هذه الكيفية لعلَّ من أشهرها تلك النظرية التي طرحها داروين في القرن الماضي وعرفت فيما بعد باسمه ( الداروينية Darwinism ) وخلاصة هذه النظرية ( أن هناك صراعاً من أجل البقاء بين أفراد النوع الواحد ، وأكد وجود تغير فردي داخل النوع نفسه ، وأن الأفراد الذين يحظون بتغيُّر أكثر ملاءمةً يكون لهم حظٌّ أوفر بالبقاء ، وأن بعض هذه التغيرات ينتقل للخلف من السَّلف ويحتفظ بها في الأجيال التالية ، وهذا هو مبدأ الانتخاب الطبيعي ( Natural Selection ) وقد لقيت هذه النظرية انتقادات حادة لعدم تفريقها ما بين التغيرات المكتسبة التي لا تورث والصفات الوراثية التي تورَّث ، ولهذا ظهرت بعدها نظرية الداروينية الحديثة ( Neo – Darwinism ) التي أطلق عليها هذا الاسم لأول مرة العالم الألماني ( وايزمان ) في العام 1876م وهي نظرية ليست من عمل عالم واحد ، ولم تظهر على الساحة العلمية بصورة متكاملة بل تطورت ببطء عبر أجيال عديدة من العلماء ، ومازالت إلى الآن تخضع للتعديل والإضافة بين الحين والآخر ، ولعل الإضافة الأساسية التي أضافتها هذه النظرية إلى الداروينية القديمة هي حصول ما يدعى بظاهرة التطفُّر ( Mutation ) أي ظهور تغيرات طارئة على التركيب الوراثي للمخلوق الحي بين الحين والآخر ، وهذه التغيرات تتراكم وتنتقل إلى الأجيال اللاحقة فتؤدي مع مرور الزمن لظهور مخلوقات جديدة وفق قوانين ماندل في الوراثة(2).
وخلاصة القول : إن معظم العلماء المشتغلين بعلم البشريات يعتقدون أن المخلوقات الحية على اختلافها قد نشأت عن أصل واحد مشترك ، عبر عمليات التطور العضوي ، لكن النظريات التي طرحوها حتى الآن لتفسير كيفية حصول هذا التطور مازالت بين أخذ وردٍّ ولم يقل العلم فيها كلمته القاطعة بعد ، ونعتقد أنـه سيمضي وقت طويل قبل الوصول إلى كلمة الفصل في هـذه القضيـة .
2 ـ موقف الإسـلام مـن التطوّر : يوحي ظاهرُ الكثير مـن الآيات والأحاديث أن التطوُّر ـ بمعنى التدرج ـ هو سُنَّةٌ من سنن الله في خلقه فهناك آيات عديدة تشير إلى أنَّ خَلْقَ السماوات والأرض لم يحصل دفعةً واحدةً بـل حصل في أطوار متلاحقة استغرقت ستَّةَ أيامٍ كما جاء في قوله تعالى: (( اللهُ الذي خَلَقَ السَّمواتِ والأرضَ وما بينَهُما في ستَّةِ أيامٍ)) السجدة 4 ، علماً بأن اليوم عند الله عزَّ وجلَّ ليس كأيامنا نحن أهلَ الأرض ، فقد يَعْدِلُ اليومُ عنده سبحانه ألفَ سنةٍ ، وقد يعدل خمسين ألفَ سنةٍ كما ورد في بعض الآيات ، وقد سلَّم علماءُ الفلك أخيراً بهذه الحقيقة التي بيَّنها اللهُ عزَّ وجلَّ في كتابه الكريم قبل أربعة عشر قرناً من الزمان ، وأقرُّوا بأنَّ الكونَ مرَّ بمراحل طويلة جداً حتى صار إلى ما هو عليه اليوم ، وقـدَّروا عمر الكـون منـذ نَشْأتـه الأولى وحتى الآن بحوالي ( 15 ـ 20 مليار سنة ) من سنوات كوكبنا الأرضي(3) ، وهكذا التقى العلم مع الحقيقة القرآنية في أن السماوات والأرض قد مرَّت بأطوار متلاحقة ، حصلـت فيها تطـورات كونية هائلة ، حتى انتهت إلى الصورة التي هي عليها اليوم .
وهناك أحاديث نبوية عديـدة تشيـر أيضاً إلى أنَّ الكونَ وما فيه من مخلوقات حية وغير حية لم يظهر إلى الوجود دفعةً واحدةً ، بل ظهر في أطـوار متلاحقة ، ومن ذلك قول النبيِّ : ( خَلَقَ اللهُ عزَّ وجلَّ التربةَ يومَ السبت ، وخلق فيها الجبالَ يومَ الأحد ، وخلق الشَّجَرَ يومَ الاثنين ، وخلق المكروهَ يومَ الثلاثاء ، وخلق النُّورَ يومَ الأربعاء ، وبثَّ فيها الدوابَّ يومَ الخميس ، وخلق آدمَ عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة ، في آخر الخلق ، في آخر ساعة من ساعات الجمعة ، فيما بين العصر إلى الليل )(4)
كما أشار بعض علمائنا القدامى إلى ظاهرة التطور إشارات واضحة ، ومن ذلك مثلاً ما ذكره العلامة الأندلسي ابن خلدون في كتابه الأشهر ( المقـدمــة ) حيث قال : ( اعلم أرشدَنا اللهُ وإياك ، أنَّا نُشاهِدُ هذا العالمَ بما فيه من المخلوقات كلِّها على هيئةٍ من الترتيب والإحكام ، ورَبْطِ الأسبابِ بالمسبَّباتِ ، واتِّصـالِ الأكوانِ بالأكوان واستحالة بعض الموجودات إلى بعض ، لا تنقضي عجائبُهُ في ذلك ، ولا تنتهي غاياتُهُ وأبدأ من ذلك بالعالم المحسوس الجثماني ، وأولاً عالم العناصر المشاهدة كيف تدرج صاعداً من الأرض إلى الماء ثم إلى الهواء ثم إلى النار ، متصلاً بعضها ببعض ، وكلُّ واحدٍ منها مستعدٌّ إلى أن يستحيل إلى مـا يليهِ صاعداً وهابطاً ، والصَّاعِدُ منها ألطفُ مما قبله ، إلى أن ينتهي إلى عالم الأفلاك وهو ألطف من الكلِّ ، على طبقاتٍ اتَّصَلَ بعضُها ببعض على هيئةٍ لا يُدْركُ الحِسُّ منها إلا الحركاتِ فقط ، وبها يهتدي بعضُهم إلى معرفة مقاديرها وأوضاعها ، وما بعد ذلك من وجودِ الذَّواتِ التي لها هذه الآثارُ فيها ، ثم انظر إلى عالم التكوين كيف ابتدأ من المعادن ثُمَّ النبات ثم الحيوان ، على هيئةٍ بديعةٍ من التَّدريجِ ، آخرُ أفُقِ المعادنِ مُتَّصِلٌ بأول أفق النبات مثل الحشائش وما لابـِذْرَ لَهُ ، وآخرُ أفقِ النَّباتِ مثل النَّخْل والكَرْم مُتَّصِلٌ بأوَّلِ أفق الحيوان مثل الحَلَزون والصَّدَفِ ، ولم يوجد لهما إلا قوَّةُ اللمسِ فقط ، ومعنى الاتِّصال في هذه المكونات أنَّ آخرَ أفقٍ منها مستعدٌّ بالاستعداد الغريب لأن يصير أولَّ أفقِ الذي بعـدَهُ ، واتَّسَعَ عالمُ الحيوان ، وتعدَّدَتْ أنواعُهُ ، وانتهى في تدريج التكوين إلى الإنسان صاحب الفكر والرَّويـَّة .. )(5)
فهذه الآيات والأحاديث والآثار توحي بأنَّ التَّطَوُّرَ في الخلق هو سُنَّةٌ من سنن الله الجارية في الكون ، وهذا لا ينفي قدرةَ اللهِ عزَّ وجلَّ كما قد يتوهَّم بعض الناس الذين ربما يرون في ظاهرة التطور دليلاً على الضعف أو عدم القدرة على الخلق السويِّ من أول مرة ! فالله عزَّ وجلَّ كما أنه قادرٌ على خلق السماوات والأرض وما فيهن دفعةً واحدةً بكلمة : (( كُنْ )) فتكون كما يريد سبحانه ، فإنه قادر على خلق المخلوقات بالتدريج ، على نهج من التطور ، وهـذا ما توحي بـه نصوص الكتاب والسنة ، وهذا أيضاً ما تؤكده آيات الآفاق والأنفس !
أما ما يدعيه الملحدون من أنَّ الكون قد تطور على هذه الصورة مصادفةً من تلقاء نفسه ، فتلك مسـألة أخرى ، وذلك ادعاء ظاهر البطلان .. فمن أين لمادة الكون الصماء أن تفكر أو تخطط لهذا البرنامج الكوني العظيم الذي انتهي إلى هذا التنوع المُعْجِز في المخلوقات ؟! وكيـف يمكن للـذرات التائهـة في عُباب اليَمِّ أن تتجمع من تلقـاء نفسها فتشكل الخلية الأولى ؟! ومن الذي قاد الخلايا بعد ذلك لتتجمع في مجموعات ، فيعطي بعضها نباتاً ، ويعطي بعضها حيوانـاً ، ويعطي بعضها إنسانـاً ؟! وقبل هذا وذاك .. من الذي وضع في الذرات تلك القوانين والاستعدادات لكي تتفاعل بعضها مع بعض ؟! ومن الذي جعل صفات الهيدروجين غير صفات الأكسجين ، وجعل في هذين العنصرين تلك القابلية لتشكيل المـاء الـذي هو أصل الحيـاة ؟!
تلك هي بعض الأسئلة التي لا يملك العقل السليم حيالها إلا التسليم بوجود خالق لهذا الكون ، هو الذي خلقه من العدم ، وهو الذي قدَّر له أن يسير وفق هذا البرنامج الدقيق من التدرج في الخلق ، وهو الذي هدى كل مخلوق فيه إلى طريقه الصحيح ليؤدي الوظيفة المنوطة بـه مـن أجل عمارة الكون ، فسبحان (( الذي خَلَقَ فسوَّى * والذي قــَدَّر فَهـَدى )) سورة الأعلى 2 ـ 3 ، ( انظر : خلق ، إنسان )
3 ـ تطوُّر الإنسـان : إذا ما سلَّمنا بأن التطور سُنَّة من سنن الله الجارية في خلقه ، فهل يعني هذا أن الإنسان قد ظهر إلى الوجود وفق هذه السنة ، وأنه قد تطوَّر عن مخلوقاتٍ أخرى سَبَقَتـْهُ إلى الوجود ؟ أم إن الإنسان يشكل استثناءً من هذه السُّنة ، وأنه خُلِقَ خلقاً مستقلاً على صورته التي نعرفها اليوم ؟
يوحي ظاهر الآيات الكريمة والأحاديث النبوية التي تحدثت عن خلق الإنسان أنه قد خُلق خلقاً مستقلاً ، ومن ذلك قوله تعالى : (( إِذْ قالَ ربُّكَ للملئكةِ إِنِّي خالـقٌ بَشَراً من طينٍ * فإِذا سَوَّيْتُه ونفخـتُ فيهِ من روحي فَقَعُوا لَهُ ساجدينَ )) سورة ص 71 ـ 72 ، فإن ظاهر هذه الآية يوحي بأنَّ خلق الإنسان قد بدأ من الطين وليس من مخلوقاتٍ حيَّةٍ أخرى سابقة عليه ، وكذلك توحي بقية الآيات التي تحدثت عن خلق الإنسان ، وهي كثيرة في القرآن الكريم ، كما وردت أحاديث نبوية عديدة تؤكد هذا المعنى .
أما النَّظريَّاتُ العلميَّةُ الرَّائجةُ اليومَ حولَ خلقِ الإنسانِ فتذهب إلى أنَّ الإنسان لا يخرج عن سُنَّة التطور العضوي التي تحدثنا عنها آنفاً ، وأنَّه نشأ عن مخلوقات أخرى سابقة عليه ، وأنه جاء في قمَّةِ سُلَّمِ التطور ليتوِّج المملكة الحيوانية .. غير أن هذه النظريات على اختلافها لم تستطع حتى الآن أن تقدم الدليل العلمي القاطع على أنَّ الإنسان قد تطوَّر من مخلوقات أخرى(6) ، لكن المسألة لا تنتهي عند هذا الحد ، فمازال علماء البشريات بين الحين والآخر يقدمون الأدلة التي يدعون من خلالها أن الإنسـان قـد تطور فعلاً عن مخلوقات أخرى ، فيثيرون بهذه الأدلة الشكوك في نفوس الناس ، ولا ريب في أن تفنيد مثل هذه الأدلة ( أو التسليم بها إن صحَّت ) يحتاج إلى جهد كبير من قبل العلماء المسلمين ، فلا يكفي للردِّ على أولئك العلماء أن نواجههم بنصوص الكتاب والسنة ، بل يحتاج الأمر إلى علماء مسلمين يتخصصون في علم البشريات والعلوم ذات العلاقة ، لمقارعة الحجة بالحجة ، والاستفادة أيضاً من نتائج تلك العلوم في إلقاء الضوء على نصوص الكتاب والسنة التي تتحدث عن الظواهر الكونية المختلفة .. ومنها ظاهرة التطور ( انظر : إنسـان )
تقريـر طبّي
التقرير الطبّي ( Medical Report ) : هو التقرير الذي يحرره الطبيبُ بعد دراسته لحالة المريض دراسة وافية ، وتشخيص المرض الذي يشكو منه ، أو بعد انتهاء فترة العلاج ، أو بعد الجراحة .
ويشتمل التقرير الطبي عادة على عدة أمور ، منها : وصف شكوى المريض ( Complaint ) الأعراض والعلامات ( Symptoms & signs ) التي ظهرت عليه ، نتائج ( Results ) الفحوص السريرية والمخبرية والصور الشعاعية وغيرها ، تشخيص المرض ( Diagnosis ) العلاج الذي أُعطي للمريض ( Treatment ) ومدى استجابته له ، حالة المريض الصحية عند كتابة التقرير الطبي ، التوصيات ببرنامج علاجي محدد أو اتباع تمارين محددة أو حمية غذائية أو غيرها من التوصيات ، تحديد برنامج ومواعيـد المتابعـة المستقبليـة للمريض إذا لـزم الأمـر المتابعـة ، تحديد فترة النقاهـة ( Convalescent ) والراحة ( Rest ) اللازمة للمريض ريثما يتماثل للشفاء ( انظر أنموذج التقرير الطبي المستخدم في أحد المستشفيات , و لاحظ في هذا الأنموذج تفاصيل الهويـة الشخصيـة للمريض ، ورقـم ملفه الطبي ، وتاريخ دخوله وخروجـه مـن المستشفى ، وتفاصيل الإجراءات الطبية التي أجريت له بما فيها العلاج ، ثم التوصيات التي يوصي بها الطبيب ، ولاحظ أيضاً المصادقة على التقرير من قبل المدير الطبي والختم الرسمي للمستشفى
أحكام التقرير الطبي :
1 ـ مشروعيـة التقريـر الطبي : التقرير الطبي شكل من أشكال الشهادة ( witness ) التي أمرنا شرعاً بأدائها وعدم كتمانها ، لقول الله عزَّ وجلَّ : (( ولا تكتُموا الشَّهادةَ ، ومَنْ يكتُمْها فإنَّهُ آثمٌ قلبُه )) سورة البقرة 283 ، لهذا لا يجوز للطبيب أن يمتنع عن إعطاء تقرير طبي عندما يُطلب منه ذلك ، وفق الشروط التي نبينها بعد قليل .. وبما أن التقرير الطبي نوع من الشهادة ، والشهادة يجب أن تكون صادقة خالصة لله عزَّ وجلَّ كما قال تعالى : (( وأَقيموا الشَّهادةَ للهِ )) سورة الطلاق 2 ، فإن التقرير الطبي يجب أن يحتوي على المعلومات الصحيحة التي توصل إليها الطبيب من خلال الفحص السريري والفحوص المخبرية وبقية الوسائل المساعدة ، أما تحرير التقرير الطبي من غير تحري الحالة جيداً ، أو تضمين التقرير معلومات غير صحيحة عن عمد أو إهمال أو جهل ، فهو نوع من شهادة الزور المنهيِّ عنها شرعاً والتي حذَّر منها النبيُّ أشـد التحذيـر ، حيث قال :
بسم الله الرحمن الرحيم
( تقرير طبي )
وزارة الصحـة رقــــم التقرير :
مديرية الشؤون الصحية تاريخ التقريـر : / /
مستشفى ……….……
رقم الملف الطبي : القسم ( الوحـدة ) : تـاريخ الدخـول : / / تـاريــخ الـخروج : / /
الاسم ………………….…………… الجنس ( ذكر / أنثى ) مكان وتاريخ الميلاد …. .. / /
رقم الهوية ……………..… الحالة الاجتماعية ( أعزب / متزوج ) الديانة ………..……… المهنة ……………
العنوان ………………………………………...……….……………………………...……………….……
* التاريخ المرضي ……………………………………..………….…….…………………….……….………
………………………………...………………..…………………………………………...……………..
* نتائج الفحوص المخبرية والشعاعية : ………………………………..………….……………………………… ……………………..……………….…………...……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..…………
* التشخيص النهائي : ……………………..……………………..………...…..…….....……………………
* العـلاج : …………………………………………………………………….…….……………………. * التوصيات : …………………………… ويمنح إجازة مرضية لمدة ( …..… يومـاً ) اعتباراً من تاريخ : / /
الطبيـب المعـالــج ……….....……………… التوقيع …………………… التاريخ / /
المدير الطبي للمستشفى …………….……… التوقيع …………….……… التاريخ / /
( الختم الرسمي )
( ألا أنبئُكم بأكبرِ الكبائر ـ ثلاثاً ـ قالوا : بلى يا رسولَ اللهِ . قالَ : الإشراكُ باللهِ ، وعقوقُ الوالدين ـ وجلسَ وكان متكئاً ـ فقال : ألا وقولُ الزُّورِ وشَهادةُ الزُّور . قال : فمازال يكررُها حتى قلنا : ليتَه سكت )(1)
2 ـ توقيـع التقرير الطبي : وبما أن التقرير الطبي نوع من الشهادة ، فالأصل فيه أن يوقَّع من طبيبين اثنين كما هي الحال في الشهادات عموماً ، لكن لما في هذا من حرج فإنه يجوز الاكتفاء بتوقيع طبيب واحد في الحالات العادية والمألوفة ، وهذا ما ذهب إليه المالكية والحنابلة مثلاً في الشجاج وفي بعض أحكام البيطرة مثل عيوب الدواب ، لكن قيَّده المالكية بأن يكون بتكليف من الإمام ، وقيده الحنابلة بأن لا يوجد طبيب غيره(2) ، وقد ذهبت معظم القوانين الطبية المعمول بها في العالم إلى الاكتفاء بتوقيع طبيب واحد على التقرير الطبي ، إلا في حالات مرضية محددة توجب فيها تلك القوانين توقيع التقرير من قبل طبيبين أو من قبل لجنة طبية ، نظراً لما لتلك الحالات من خصوصية ، أو لما يترتب عليها من حقوق للمريض ، أو لغيره ممن لهم علاقة بالحالة ، مثل الورثة أو المؤسسة التي يعمل المريض فيها أو غير ذلك من الاعتبارات القانونية أو الشرعية التي تتفاوت من بلد إلى آخر .
وفي الحالات التي يتوجب فيها توقيع التقرير الطبي من قبل طبيبين أو من قبل لجنة طبية ، لا يجوز للطبيب أن يوقع على التقرير اعتماداً على ثقته بالطبيب الآخر أو ببقية الزملاء في اللجنة بل عليه أن يطلع بنفسه على الحالة قبل التوقيع ، ليكون توقيعه عن علم ويقين ، وإلا فإنه يتحمل مسؤوليةَ توقيعه ، ولا يعفيه من المسؤولية اعترافه بأنه وقَّع التقرير بناء على ثقته بالزملاء
3 ـ يحسن بالطبيب أن يضع تقريراً طبياً مفصلاً عن كل مريض يعالجه ، وأن يحفظ التقرير في الملفِّ الطبِّي ( Medical Record ) للمريض ، من أجل متابعة حالته مستقبلاً ، وليكون التقرير وثيقة يرجع إليها عند الضرورة ( انظر : ملف طبي )
4 ـ من حق المريض الحصول على نسخة من التقرير الطبي الخاص بحالته .
5 ـ ما يتضمنه التقرير من معلومات عن حالة المريض يعدُّ من الأسرار التي تجب صيانتها وعدم إفشائها لغير المريض ، إلا بشروط ، وهذا ما يوجب على الطبيب حفظ تقاريره بصورة جيدة كيلا تقع في أيدي من لا يحقُّ لهم الاطلاع عليها ( انظر : سر طبي )
6 ـ التقرير الطبي وثيقة معتمدة شرعاً وقانوناً ، يمكن أن يستخدمها المريض لتحقيق أغراض مختلفة ، حتى ضد الطبيب أحياناً ! ولهذا يجب على الطبيب أن يُضمِّن تقريره بالمعلومات الصحيحة ، وفاءً بالأمانة الشرعية التي يأثم إن فرَّط بها كما بيَّنا آنفاً ، وتجنباً للمساءلة القانونية التي قد تُعرِّضُه للعقوبة الدنيوية قبل العقوبة الأخروية !
7 ـ في حال الوفاة لا يجوز للطبيب إصدار تقرير طبي أو شهادة وفاة عن الحالة ما لم يكن قد شهدها بنفسه ، أو اطلع على الأعراض والأسباب التي أدت إلى الوفاة ، وليس من النادر أن يستغلَّ بعض أصحاب النفوس الضعيفة طيبة الطبيب أو انشغاله في عمله ، فيطلبون منه تقريراً أو شهادة وفاة عن حالة لم يشهدها فعلاً ، بحجة الإسراع بدفن الميت وكثيراً ما يؤدي مثل هذا التهاون إلى مساءلة الطبيب ، وبخاصة في الحالات الجنائية !
تـَمـْر
التمر ( Dates ) : ثمر النخيل ( Palm ) ومنه أنواع عديدة جداً تقدَّر بالآلاف ، وهي تتفاوت في الطعم والحلاوة ، ولكنها كلها تمتاز بأنها تحتوي على نسب متوازنة من المواد الغذائية ، ولهذا يعتبر التمر غذاء كاملاً ، فتبارك الله أحسن الخالقين !
أحكام التمر :
1 ـ مكانة النخلة في الإسلام : نظراً لكثرة منافع التمر فقد شبَّهَ النبيُّ المؤمنَ بالنخلة فيما ورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، حيث قال : ( قالَ رسولُ اللهِ: أخبروني بشجرةٍ مَثَلُها مثلُ المسلمِ ، تُؤتي أكلَها كلَّ حينٍ بإذنِ ربِّها ، ولا تحُتُّ ورقَها ؟ فوقعَ في نفسي أنَّها النخلةُ ، فكرهتُ أن أتكلمَ ، وثمَّ أبو بكر وعمر ، فلما لم يتكلما ، قال النبيُّ : هي النخلـةُ . فلما خرجْتُ مع أبي قلتُ : يا أبتاه ، وقعَ في نفسي أنها النخلة . قال : ما مَنَعَكَ أنْ تقولَها ، لو كنتَ قلتَها كان أحبَّ إليَّ من كذا وكذا . قال:ما منعني إلا أنِّي لـم أرَكَ ولا أبا بكرٍ تكلمتُمـا فكَرِهْتُ )(1) أي كره أن يتكلم احتراماً وإجلالاً للصحابيين الجليلين رضي الله تعالى عنهما !
وقـد كان النبيُّ يُكثر مـن أكل التمـر ، حتى قالت عنه أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها : ( ما أكل آل محمد أكلتين في يومٍ إلا إحداهما تمر )(2) ، وإذا لم يجد ما يأكله اكتفى بالتمر والماء كما روت عنه عائشة أيضاً فقالت : ( إنْ كُنَّا لننظرُ إلى الهلال ، ثم الهلال ، ثم الهلال ، ثلاثةَ أهلَّةٍ في شهرين وما أوقِدَتْ في أبياتِ رسولِ اللهِ نـارٌ . فقلـتُ : يــا خالـة ، ما كان يعيشكم ؟! قالت : الأسودان ، التمرُ والماءُ ، إلا أنه قـد كان لرسول الله جيرانٌ من الأنصار كانت لهم منائح ، وكانوا يمنحون رسول الله من ألبانهم فيُسقينا )(3) ، وكان إذا أراد الصـوم تسحر تمراً وقال : ( نِعْمَ سحورُ المؤمنِ التَّمرُ )(4) ، وكان يفضل الفطر على التمر أيضاً كما أخبر أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه : ( كان رسول الله يُفطر على رُطباتٍ قبل أن يصلَّي فإن لم تكن رطبات فتمراتٌ ، فإنْ لم تكنْ تمراتٍ حَسَا حُسْواتٍ مـن مـاء)(5) ، وقد أشار إلى أن وجود التمر في البيت دليل على البركة والخير والسَّعة فقال : ( بيتٌ لا تمرَ فيه جياعٌ أهلُه )(6)
2 ـ تغذيـة النفسـاء بالتمر : يعدُّ التمر غذاء كاملاً لاحتوائه على جميع العناصر الغذائية الأساسية بنسب متوازنة ، ولذلك فقد أرشد اللهُ عزَّ وجلَّ السيدةَ مريمَ عليها السلام إلى أكل التمر حين حملت بعيسى عليه السلام ، في قوله تعالى : (( وهُزِّي إليكِ بجِذْعِ النَّخلةِ تُساقِطْ عليكِ رُطَباً جنيَّاً * فَكُلي واشْربي وقَرِّي عيناً )) سورة مريم 25 ، ومعلوم أن المرأة بعد الولادة تحتاج غذاءً غنياً لتعويضها عما تفقده من دم أثناء الولادة وفي فترة النفاس ، ولتوفير كمية كافية من اللبن من أجل إرضاع وليدها ، ولهذا كان في دعوة الله عزَّ وجلَّ للسيدة مريم عليها السلام لتناول التمر عقب الولادة ما يشير إلى غنى التمر بالعناصر الغذائية ، ولهذا يسنُّ للمرأة أكل التمر عقب الوضع تأسياً بالسيدة مريم عليها السلام .
3 ـ تحنيـك المولـود بالتمر : وهو من السنن التي كان النبي حريصاً عليها ، والتحنيك يعني تليين شيء من التمر وتدليك فم الطفل الوليد به عقب ولادته حتى يمصها ويستفيد جسمه من موادها المغذية ، ولاسيما منها المواد السكرية ، فقد وجد طبياً أن نسبة السكر في دم الوليد تهبط كثيراً في أعقاب الولادة بسبب الشدة التي يتعرض لها أثناء المخاض ، وبخاصـة إن كان ناقص الوزن أو كان خديجاً ( Premature ) وهكذا فإن التحنيك بالتمر يساهم بتعديل نسبة السكر في دمه خلال هذه الفترة الحرجة من حياته ( انظر : مولود )
3 ـ الفوائـد الطبيـة للتمـر : إلى جانب ما ذكرناه من فوائد التمر ، فإن التمر يدفع ـ بإذن الله تعالى ـ ضَرَرَ السُّمِّ والسِّحر كما بيَّن النبيُّ : ( مَـنْ تَصَبَّحَ بسبعِ تمراتٍ ، لم يضرَّهُ ذلك اليومَ سُمٌّ ولا سِحْرٌ )(7) وفي رواية قال : ( مَنْ أكلَ سَبْعَ تمراتٍ مما بين لابَتَيْها حينَ يُصبح ، لم يضرَّه سمٌّ حتى يُمسي )(8) ، لابتيها : يعني المدينة المنورة . واللابة الأرض ذات الحجارة السود البركانية ، وتسمى أيضاً الحَرَّة .
والتمر يؤكل مفرداً ، ويؤكل مع بقية أنواع الطعام ، وقد أكله النبيُّ مفرداً ، وأكله مع القثاء والبطيخ ، فيما ورد عن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنه ، قال : ( رأيتُ رسولَ الله يأكل الرُّطَبَ بالقثاء )(9) ، وأكله مع البطيخ : ( كان رسولُ اللهِ يأكلُ البطيخَ بالرُّطَبِ ، فيقولُ : نكسرُ حرَّ هذا ببردِ هذا ، وبردَ هذا بحرِّ هذا )(10) ، وفي هذا الحديث مقابلة لطيفة تدل على حكمته ، وأنه موفقٌ من الله عزَّ وجلَّ في كل أمر ففي التمر يغلب السُّكَّر ( 20% ماء + 65% سكريات ) أما البطيخ فيغلب فيـه المــاء ( 90% ماء + 9% سكريات ) أي إن النسبة معكوسة ، وإشارة النبي إلى الحر يمكن ردُّها إلى ما في هذين الطعامين من سكريات لأن السكريات تعدُّ من أهم مصادر الحرارة في الجسم ، وإشارته إلى البرد تدل على ما فيهما مـن مـاء !
تمريض
التمريض ( Nursing ) : العناية بالمريض ، وهو إجراء مكمِّل لعمل الطبيب ، وقد أصبح التمريض في العصر الحديث مهنة تُدرَّس فنونها في الكليات والمعاهد المتخصصة ، وأصبح وجود الممرضين والممرضات أمراً لا مندوحة عنه في العيادات والمستشفيات والمستوصفات وغيرها من المرافق الصحية .
وقد كان للمسلمين قصب السبق في ممارسة فنِّ التمريض ، وتخصيص أناس من ذوي الخبرة للقيام به ، فقد ضَرَبَ النبيُّ خيمةً لسعدِ بن معاذ رضي الله تعالى عنه عندما أصيب في أكحله في معركة الخندق ، وأقام عليه رُفيدة الأنصارية رضي الله تعالى عنها لتمريضه والعناية بجرحه(1) ، ولعلَّ هذه البادرة من النبيِّ كانت أول بادرة في تاريخنا الإسلامي لتعيين ممرضة متفرغة للعناية بالمرضى !
كما خصَّص النبيُّ عدداً من النساء الخبيرات لتمريض المصابين في الغزوات ، فقد أخبر أنس رضي الله تعالى عنه ، قال : ( كان رسول الله يغزو بأمِّ سُلَيْم ونسوةٍ من الأنصارِ معَهُ إذا غزا ، فيسقينَ الماءَ ، ويداوينَ الجرحى )(2) ، وروت الرُّبَيِّع بنتِ مُعَوِّذ رضي الله تعالى عنها ، قالت : ( كُنَّا نغزو مع النبيِّ فنسقي القومَ ونخدمُهم ، ونَرُدُّ الجرحى والقتلى إلى المدينة )(3) ، وروت أمِّ عطيَّة الأنصارية رضي الله تعالى عنها مثل ذلك فقالت : ( غَزَوْتُ مع رسول الله سبعَ غزواتٍ أخلفهم في رحالهم ، فأصنع لهم الطعامَ ، وأداوي الجرحى ، وأقوم على المرضى )(4)
وأما إنشاء المدارس لتعليم التمريض فقد تأخر عن ذلك وقتاً طويلاً ، ولعل أول من نادى بإنشاء مثل هذه المدارس هو القديس ( فنسنت دي بول ) في القرن السابع عشر الميلادي ، ولكن لم تنشأ أول مدرسة لتدريب الممرضات إلا في العام 1836م ، وكان ذلك في ولاية كايزرزورث بألمانيا ، وفي هذه المدرسة نالت الممرضة الشهيرة ( فلورنس نايتنجيل ) تدريبها على التمريض لتنشئ بعد ذلك أول مدرسة للتمريض في مستشفى سانت توماس ، عام 1910م ، وبعد ذلك انتشرت مدارس التمريض في أنحاء العالم ، وصدرت التشريعات التي تنظم مزاولة هذه المهنة(5).
أحكام التمريض :
1 ـ مشروعية التمريض : التمريض عمل جائز بل مندوب إليه لما فيه من رعاية للمرضى ، ولأن الكثير من الحالات المرضية يحتاج فيها الطبيب إلى ممرضين مساعدين ، ولأن هناك الكثير من الأعمال الطبية التي لا تحتاج إلى خبرة الطبيب ، بل يكفي أن يقوم بها شخص مؤهل مدرَّب كالممرض أو الممرضة ، ومنها على سبيل المثال : سحب العينات من المرضى ، وإعطاء الحقن ، والضماد ، والعناية بنظافة المريض ، وتغذيته ، وغير ذلك من الأعمال التي أصبحت من صميم اختصاص التمريض .. كما أن قيام الممرضين بهذه الأعمال يتيح للطبيب أن يستفيد من وقته وجهده في الأعمال التي هي من اختصاصه .
2 ـ آداب التمريض : على من يقوم بالتمريض أن يتحلى بالأخلاق الإسلامية الفاضلة ، وأن يكون واسع الصدر ، متحلياً بالصبر والأناة ، لأنه يتعامل مع أناس ليسوا بحالة صحية سوية ، بل يعانون في الغالب من الألم والتعب الجسدي والنفسي ، فعليه أن يبذل غاية جهده في مساعدتهم ، وتلبية رغباتهم المشروعة بما لا يتعارض مع البرنامج العلاجي المقرر لهم وأن يبث فيهم روح الأمل والتوكل على الله عزَّ وجلَّ ، والتعلق به سبحانه لأنه هو وحده الشافي .
وعليه أيضاً أن يراعي حرمة المرضى ، ويحفظ أسرارهم ، ويحرص على ستر عوراتهم ، فلا ينظر إليها إلا لحاجة معتبرة ، ويكون نظره بقدر الحاجـة ودون تجاوز ، علماً بأن الأصل في التطبيب عامة أن يعمل الرجالُ بتمريض الرجال ، وأن تعمل النساءُ بتمريض النساء ، منعاً للاختلاط وتجنباً للخلوة المحرَّمة ، ولمنع انكشاف عورات النساء للرجال وعورات الرجال للنساء ، إلا في حال الضرورة فإنه يجوز للرجال تمريضُ النساء ، ويجوز للنساء تمريضُ الرجال ، لفعل النبيِّ الذي أجازَ للنساء مـداواةَ الرجـال كمـا مرَّ معنا ، وعملاً بحكم الضـرورات التي يجب أن تقدَّر بقدرهـا ( انظر : ضرورة ) ولا يجوز للممرِّض أن يختليَ بالمريضة الأجنبية ، ولا الممرِّضة أن تختلي بالمريض الأجنبي إلا بوجود محرم ، أو وجود أشخاص آخرين كالأطباء أو غيرهم لمنع الخلوة ( والمَحْرَمُ : هو زوج المرأة أو من تحرم عليه تحريماً مؤبداً ، كأبيها وابنها وأخيها ، أو أخيها من الرضاع أو زوج أمها أو ابن زوجها ) هذا إلى جانب الحرص على عدم الخلوة بين الطبيب والممرضة ، أو الطبيبة والممرض التي قد تحصل في العيادات في الأوقات التي تخلو فيها العيادة من المراجعين ( انظر : خلوة ، عورة ، عيادة )
وكثيراً ما يواجه الممرض أو الممرضة حالات تتطلب تنظيف فضلات المريض ونحوها مما ينفر منه الطبع البشري عادة ، فيتوجب على من يقوم بالتمريض أن يتحلى بالصبر وأن يحتسب الأجر عند الله تعالى وأن يراعي مشاعر المريض فلا يشعره بالنفور ، لأن ذلك يجرح مشاعره ، ويزيد أوجاعه !
3 ـ مسؤوليـة التمريـض : عمل التمريض مرتبط مباشرة بتوجيهات الطبيب المعالج ، ولذا يجب على الممرض أن يأتمر بأوامر الطبيب ويتقيَّد بها ، لما في ذلك من مصلحة للمريض ، وعلى الممرض أن يخبر الطبيب بالتطورات غير الطبيعية التي قد تطرأ على المريض لكي يستطيع معالجتها في الوقت المناسب .. علماً بأن القواعد العامة التي تحكم مسؤولية الممرض تجاه المريض هي القواعد ذاتـها التي تحكم ممارســة المهن الطبية عامَّة ( انظر : طبيب ) ، فإذا فعل الممرض أو الممرضة أو القابلة فعلاً مأذوناً به ، وفق قواعد التمريض المعروفة لأهل هذا العلم ، ودون تجاوز ، فإنه لا يُسأل عما قد ينتج عن فعله من مضاعفات أو أضرار للمريض ، أما إذا ارتكب الممرض أو من في حكمه فعلاً غير مأذون به أو أخطأ أو أهمل أو تجاهل توجيهات الطبيب المعالج ، أو ارتكب فعلاً يأباه علم التمريض فإنه يتحمل مسؤولية ما قد ينتج عن فعله من مضاعفات أو أضرار .
أما في الحالات التي ينتج فيها الضَّرَرُ عن توجيهات الطبيب للممرضين ، فإنَّ المسؤولية تقع أولاً على الطبيب ، ما لم يكن الفعلُ الذي أمر بـه الطبيبُ مما لا يجوز للممرض فعله أصلاً ، كأن يكون مخالفاً لقاعدة شرعية معلومة ، أو يكون مخالفاً لأصول التمريض والتطبيب ، فعندئذٍ لا تنتفي مسؤولية الممرض بل يشترك مع الطبيب في المسؤولية ، ويضمن وإياه ما نتج عن الخطأ من أضرار .. ويجدر بالممرض إذا ما وجد خطأً في توجيهات الطبيب أنْ يلفت نظر الطبيب لهذا الخطأ من أجل تصحيحه ، فإنْ أصرَّ الطبيبُ على الفعل وجب على الممرض تسجيل ذلك في سجل الملاحظات ليرفع عن نفسه المسؤولية ، علماً بأن الممرض لا يُبَرَّأ من المسؤولية إذا كان الفعلُ محرَّماً شرعاً ، أو كان مخالفاً مخالفةً صريحةً لأصول التمريض والتطبيب كما ذكرنا !
4 ـ التمريض في المنزل : كثيراً ما يحتاج المريض إلى شيء من التمريض حتى في بيته ، ولهذا صرح كثير من الفقهاء بأن التمريض فرض كفاية على أهل المريض أولاً ، ثم على أقربائه الأقرب فالأقرب ، ثم الصاحب ، ثم الجار ، ثم سائر الناس(6).
5 ـ التمريض والصلاة : إذا كان المريض في المستشفى ، وكان بحاجة إلى رعاية متواصلة من قبل الممرض ، جاز للممرض أن يتخلف عن صلاة الجماعة(7) ، فإذا وجدت ممرضة تقوم بعمل الممرض لم تسقط صلاة الجماعة عنه .. أما إذا كان المريض في بيته ولا خطر عليه إن تَرَكَهُ الممرِّضُ مدَّةَ الصلاة ، فلا تسقط الجماعة عن الممرض .
تــَوأم
التَّوأم ( Twin ) : الولد يكون معه ولدٌ آخر في بطنٍ واحدٍ ، ويقال للأنثى توأمة ، والولدان توأمان ، وإذا وضعت المرأةُ توأمين من حملٍ واحدٍ فهي مُتْئِمٌ .
وفي الاصطلاح الشرعي : التوأمان ولدان من بطنٍ واحدٍ بين ولادتهما أقل من ستَّة أشهرٍ ، أي أقل من أقصر مدة للحمل ( انظر : حمل ) والواقع أن الفترة بين ولادة التوائم لا تزيد في الغالب عن بضع دقائق أو ساعات ، لأن ولادة التوأم الأول تحرِّض الرحمَ على ولادة التوأم أو التوائم الأخرى ، وإذا ما تأخرت ولادة التوأم الآخر ساعات طويلة أمست حياته في خطر ، فإن تأخرت كثيراً قضى نحبه ونزل ميتاً في غالب الأحوال .. أما ما ذكره الفقهاء في القديم من أن الفترة بين ولادة التوأمين قد تطول إلى عدة شهور ، فهو أمر لا يثبت علمياً(1).
وتتفاوت معدَّلاتُ ولادةِ التَّوائم من بلد لآخر ، وتتراوح عالمياً ما بين ( 65 ـ 145 لكل عشرة آلاف ولادة ) أما ولادة توائم ثلاثة فلا تزيد عن ( 1 لكل عشرة آلاف ولادة ) أما ولادة أربعة توائم فهي أكثر ندرةً ، وكلما زاد العدد انخفض المعدل .. وتدل الشواهدُ السَّريريَّةُ على أنَّ المرأةَ إذا ما بَكَّرَتْ بولادة التوائم فإنَّ فرصة حملها مرة أخرى بالتوائم تتضاعف خمس مرات عن المرأة التي تُبَكِّر بولد واحد(2) !
أحكام التوائم :
إن الأحكام التي تترتب على ولادة التوائم لا تختلف عن أحكام الولادات المفردة ( انظر : ولادة ) ولكن تضاف إليها بعض الأحكام الخاصة بوضع التوائم ، نجملها فيما يأتي :
1 ـ النفاس في التوائم : حدد الحنفية والحنابلة مدة النفاس في الولادات المفردة بأربعين يوماً ، وحدده المالكية والشافعية بستين يوماً ( انظر : نفاس ) أما النفاس في التوائم فقد فصَّلوه على النحو الآتـي(3) :
* ذهب الحنفية والمالكية وهو الراجح عند الحنابلة إلى أنَّ نفاسَ أمِّ التوأمين أو التوائم يبدأ من ولادة التوأم الأول ، لأنَّ الدم الذي تراه الأم بعد ولادته هو دمُ ما بعد الولادة فهو نفاس .
* وذهب بعض الحنابلة إلى أنَّ بداية النفاس تكون من وقت ولادة التوأم الأول ونهايته تكون من الثاني أي تعدُّ المرأة نفساء من ولادة الولد الأول ، ولكن مدة النفاس ( الأربعين يوماً ) تحسب من ولادة الولد الثاني ، وعلى هذا تزيد مدة النفاس على الأربعين في حقِّ من وَلَدت توأمين أو أكثر ، هذا على فرض أن يكون بين ولادة التوأم يوم أو أكثر ، وهو أمر فيه نظر كما ذكرنا !
* أما عند الشافعية فإنَّ الدَّمَ الخارج بين التوأمين أو التوائم حكمه حكم الحيض ، ويبدأ حساب مدة النفاس من وقت ولادة التوأم الأخير .
أما من الوجهة الطبية فإنَّ حالة النفاس تبدأ من ولادة الولد الأول ، لأن العبرة في النفاس هي حصول الولادة وما يتبعها من نزيف وتغيرات وظيفية في الرحم وبقية الجسم ، وهذه تحصل منذ ولادة الولد الأول ، وأما انتهاء فترة النفـاس فتتوقـف على التيقن من انقطاع الدم ( انظر : نفاس )
2 ـ العـدة في التوائـم : الحامل التي تحمل ولداً واحداً تنقضي عدتها بولادة هذا الولد ، أما الحامل بتوأمين أو أكثر فالجمهور على أن عدتها لا تنقضي إلا بوضع آخر التوائم ، لأن العبرة بانقضـــــاء العــدة هي براءة الرحم(4). ( انظر : رحم ، عدة )
3 ـ الجنايـة على التوائـم : إذا ما جنى شخصٌ عمداً على امرأة حامل فألقت جنيناً أو أكثر فإن الجاني يستحقَّ العقوبة ، وهذه العقوبة تختلف بحسب حال الأجنة وعددها على التفصيل الآتي(5) :
* إذا أدَّت الجنايةُ على الحامل إلى سقوط جنين أو أكثر ، وجب على الجاني كفَّارةٌ واحدةٌ ( = صيام شهرين متتابعين ، أو إطعام ستين مسكيناً ) مهما كان عدد الأجنة ، لأن الجناية واحدة ، ومع الكفارة تجب عليه غرَّةٌ ( = نصف عشر الدية أو 5% من الدية ) عن كلِّ واحدٍ من الأجنة التي نزلت حيَّةً ، لأن الغرة ضمان عن كل آدمي ، فتعددت العقوبة المالية بتعدد الأجنة .
* فإن ألقتهم أحياء في وقت يعيشون في مثله ، ففي كل جنين سقط بسبب الجناية غرَّةٌ ، فإن مات بعضهم ففي كل واحدٍ ماتَ ديةٌ كاملةٌ ، وعلى الجاني فوق ذلك كفارة واحدة ( = صيام شهرين متتابعين ، أو إطعام ستين مسكيناً ) سواء أدت جنايته إلى إسقاط جنين أو أكثر .
* فإن ألقت بعضهم ميتاً وبعضهم حياً ، فإن فيمن سقط منهم ميتاً غرة ، وفيمن سقط منهم حيّاً ثم مات دية ، مع كفارة واحدة .
* فإذا ماتت الحامل نتيجةَ الجناية عليها ، ثم خرج منها الجنين ميتاً بعد موتها : فقد ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه لا يجب في الجنين شيءٌ لأنه يجري مجرى أعضائها ، والعقوبة التي يستحقها الجاني نتيجة قتله لها تشمل جميع أعضائها .. أما الشافعية والحنابلة وبعض المالكية فقد ذهبوا إلى وجوب الغرة في الجنين لأنه خرج بجناية ، فوجب ضمانه كالذي خرج قبل موت الحامل ، ولأنه آدمي موروث فلا يدخل في ضمان أمه .
تيمُّم
التيمم : مسح الوجه واليدين بصعيدٍ طاهِرٍ ، بدلاً عن الوضوء أو الغُسْلِ .. والصعيد هو التراب أو وجه الأرض .
أحكام التيمم :
1 ـ مشروعية التيمم : لقد شُرع التيمُّمُ بقوله تعالى : (( وإنْ كنتُمْ مرضى أو على سَفـرٍ أو جاءَ أحدٌ منكم من الغائط أو لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فلمْ تَجـِدوا ماءً فتيمَّموا صَعيداً طيِّباً فاْمسَحوا بوجوهِكم وأَيديكم منـه .. )) سورة المائدة 6 ، فيباح التيمُّمُ عند العجز عن استعمال الماء ، إما لفقدانه ، وإما لعدم القدرة على استعماله بسبب المرض ، أو خشية البرد أن يسبب له ضرراً أو يزيد من علته إن كان مريضاً ..
2 ـ بمَ يكون التيمم : يجوز التيمم بكل ما هو من جنس الأرض كالتراب والحصى ونحوها ، ولا يجوز التيمم بالرَّماد وإن كان طاهراً ، ولا بالخشب والحشيش لأنهما ليسا من أجزاء الأرض ، وفي هذه المسألة خلاف وتفصيل عند المالكية(1) ، ويستحسن في المستشفيات توفير أوعية خاصة للمرضى فيها تراب طاهر ، لاستخدامها في التيمم لمن كانت حالته الصحية لا تسمح له بمغادرة السرير للوضوء ، أو كان لا يستطيع الوضوء أصلاً .
3 ـ أركان التيمم : هي مسح الوجه واليدين بأن يضرب بكفيه على الصعيد الطاهر ثم يمسح بهما وجهه ويديه إلى المرفقين . والمفروض عند الحنفية والشافعية ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين ، وذهب المالكية والحنابلة إلى أن الضربة الأولى فرض ، والثانية سنة ، والأكمل عندهم ضربتان واحدة للوجه والأخرى لليدين إلى المرفقين(2).
وفي الأحوال الطبيعية يجب إزالةُ كلِّ ما يَحُولُ دونَ وصولِ التُّرابِ إلى العضو الممسوح ، أما إن كان في الجسم كسورٌ أو جروحٌ أو قروحٌ عليها جبائــر أو ضمـادات فيجوز لـه المسـحُ عليـها ( انظر : جبيرة ، صلاة )
4 ـ نقض التيمم : ينقض التيمم ما ينقض الوضوء والغُسل ، كما ينقض التيممَ انتفاء الأعذار التي أباحته كأن يتوافر المـاء ، أو تعود للشخص قدرتـه على استعمال المـاء(3).
5 ـ فاقـدُ الطَّهوريـن : وهو الذي لا يجد الماءَ ولا الصَّعيدَ الطَّيِّبَ من أجل التطهر بأحدهما ، كأن يكون محبوساً في مكان ليس فيه واحد منهما ، أو في موضع نجس ليس فيه ما يتيمَّمُ به ، أو كان محتاجاً للماء الذي معه ، أو كان المريضُ لا يستطيع الوضوء ولا التيمم ، فقد اتفق الجمهور على أن الصلاة واجبة عليه لحرمة الوقت ، وفصَّلوا في حكم إعادتها أو قضائها(4) :
* فذهب الحنفية والشافعية إلى أنه إذا توافر له الماء أو قدر على التيمم خلال وقت الصلاة فعليه أن يتوضأ أو يتيمم بحسب ما يتوافر له ثم يؤدي الصلاةَ إذا لم يكن قد صلاها ، فإن كان قد صلاها بلا وضوءٍ ولا تيمم ثم قدر على أحدهما خلال وقت الصلاة فعليه إعادتها .
* وذهب الحنابلة إلى أن إعادتها غير واجبة إذا كان قد صلاها .. أما المالكية فيسقطونها عنه أداءً وقضاءً ، على المعتمد في مذهبهم .
جبيرة
الجبيرة ( Splint ) : هي ما يُشَدُّ على العضو بقصد العلاج ، ومنها الجبائر الجبسية التي تجبَّر بها الكسور ، والضمادDressing الذي يُغطى به الجرح ، واللزقة Emplastrum التي تلصق على الجلد لعلاجه من بعض الآفــــــات ، والعصـابــة Bandage التي تُشدُّ على الرأس ، ونحوها .
أحكام الجبيرة :
1 ـ مشروعية المسح على الجبيرة : يجوز المسح على الجبيرة وما في حكمها ، نيابةً عن الغُسل أو الوضوء أو التيمم ، إذا كانت قد وُضعت لعُذْر ، كأن تكون لتجبير الكسر أو تضميد الجرح ونحوه ، والمسحُ على الجبيرة وما في حكمها كالعصابة والضماد واللزقة واجبٌ للطهارة ، ومَنْ تَرَكَ المسحَ أثم بالترك ، ولم تصحَّ طهارته .. ويشترط لجواز المسح على الجبيرة أن يتضرر المريضُ بغَسْلِ موضعها ، أو يخشى حدوث ضرر بنزعها ، فإذا لم يكن في نـَزْعِها ضَرَرٌ لم يَجُز المسحُ عليها .. ولا يشترط تقدم الطهارة على وضع الجبيرة ، فمن وضع جبيرة على غير طهارة جاز له أن يمسح عليها بعد ذلك ، ولا حاجة لنزعها لما في ذلك مـن مشقة أو ضرر .. وإذا كان غَسْلُ الأعضاءِ الصحيحةِ يضرُّ بالأعضاء التي عليها الجبيرة أجزأه التيممُ بَدَلَ الوضوء والغُسل .
2 ـ كيفية المسح على الجبيرة : بعد أن يغسل الصحيح من أعضائه يمسح على الجبيرة بحيث يستوعبها أو يستوعب أكثرها بالمسح ، ويكفي المسحُ على الجبيرة مرة واحدة حتى وإن كانت الجبيرة في محلٍّ يُغسل ثلاثاً .
3 ـ المسح على عصابة الرأس : إن كان قد تبقى من الرأس قدرٌ يكفي للمسح عليه مـُسـِحَ عليه وهذا عند من يقول بأن الفرض هو مسح بعض الرأس كالحنفية والشافعية وبعض الحنابلة ، أما عند من يقول بأن الفرض هو مسح جميع الرأس كالمالكية ، ففي الوضوء يمسح على العصابة وعلى بقية الرأس حتى يستوعبه المسحُ ، أما في الغُسل فيمسح على العصابة التي على الرأس ويغسل ما بقي من الرأس(1) ، إذا لم يكن هناك به ضرر على المريض .
4 ـ سـقوط الجبيرة : إذا سقطت الجبيرة عن مكانها أو نُزعت لبرء الكسر أو الجرح ، ففي انتقاض المسح السابق تفصيل(2) :
* في الحدث الأصغر : إذا سقطت الجبيرة أو رفعها بسبب البرء وكان محدثاً حدثاً أصغر وأراد الصلاة وجب عليه أن يتوضأ ويغسل موضع الجبيرة إن كانت على أعضاء الوضوء .. فإن لم يكن محدثاً عند سقوط الجبيرة فعند الحنفية والمالكية يغسل موضع الجبيرة فقط ، وعند الشافعية يغسل موضع الجبيرة وما بعده من أعضاء الوضوء مراعاةً للترتيب ، وعند الحنابلة يبطل وضوؤه وعليه تجديد الوضوء .
* في الحدث الأكبر : إن كان قد مسح على الجبيرة في غُسل يعمُّ البدن فيكفي بعد سقوط الجبيرة غسل موضعها ولا يحتاج إلى إعادة الغُسل .
* إذا كان المريض على طهارة ، ثم سقطت الجبيرة عن موضعها ، بطلت طهارته عند الحنابلة ويجب عليه استئناف الوضوء أو استكمال الغُسل .. وعند المالكية والشافعية ينتقض مسح الجبيرة فقط فيعيدها إلى موضعها ويعيد المسح عليها فقط .. أما عند الحنفية فلا ينتقض شيء ويمكن أن يعيد الجبيرة إلى موضعها ولا يجب عليه إعادة المسح .
* إذا كان المريض في الصلاة وسقطت الجبيرة عن برء فقد بطلت الصلاة باتفاق الفقهاء ، أما إذا سقطت عن غير بُرء فإن الصلاة تسقط على رأي الجمهور ، أما الحنفية فقد ذهبوا إلى أنه يتابع صلاته ، ولعل هذا هو الأولى والأيسر على المريض .
5 ـ المسح على الخفّ : الخُفُّ ( Boot ) ما يُلبس على القدمين من حذاء أو جورب أو نحوه ، والمسح عليـه جائز كالمسح على الجبيرة ، وهو يغني عن غسل القدمين ، ويبطل المسحُ على الخفِّ إذا ما خرج أكثرُ القَدَمِ من الخُفِّ ، لأن الاحتراز عن خروج القليل متعذر ، وربما حصل دون قصـد .
ويختلف المسح على الخف عن المسح على الجبيرة بأمور(3) :
* المسح على الجبيرة مؤقت بالبرء لا بالأيام ، أما المسح على الخفِّ فإنه مؤقت بيوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر ، إلا عند المالكية فلا توقيت في المسح على الخف عندهم بل يُنْدَبُ نَزْعُهُ كلَّ أسبوع .
* في الغُسْلِ يجوز المسحُ على الجبيرة دون نزعها ، أما الخفُّ فيجب نزعه ولا يجوز المسح عليه في الغُسل .
* يجب أن يستوعب المسحُ الجبيرةَ ، أما الخف فيكفي المسح على ظاهره .
* لا يشترط تقدم الطهارة على وضع الجبيرة لأنها توضع غالباً في ظروف قاهرة طارئة ، أما الخفُّ فيشترط تقدم الطهارة على لبسه لأنه يُلبس غالباً في ظروف عادية غير طارئة ولا قاهـرة .
جراحـة
الجِراحَةُ ( Surgery ) : فنٌّ من فنون الطب يعالج الأمراض بالاستئصال أو الإصلاح أو الزراعة أو غيرها من الطرق التي تعتمد كلها على الجَرْحِ والشَّقِّ والخياطة ، وقد مارس الإنسان منذ القدم بعض أشكال الجراحات البدائية ، بقصد ترميم أو إصلاح الإصابات التي كان يتعرض لها خلال أنشطته اليومية كالصيد ونحوه ، أو المعارك والحروب ، أو اعتداء الحيوانات عليه ، وقد كانت تلك الجراحات تجرى في الغالب للأعضاء الظاهرة كالأسنان ، والأطراف ، والجلد ، دون الأحشاء ( Viscera ) ثم جاء العهد الإسلامي الزاهر فأضيف إلى فن الجراحة الكثير من الأسس العلمية على أيدي الأطباء الفحول من أمثال الرازي(1) وهو أول من ابتكر خيوط الجراحة المصنوعة من أمعاء الحيوانات ، وأول من ميَّز النزيف الشرياني عن النزيف الوريدي وهو أول من استخدم الفتائل الجراحية والأنابيب لتفجير القيح والصديد إلى خارج الجسم(2) ، ومنهم أيضاً ابن زُهْر(3) وهو أولَ من وصف جراحة الجهاز التنفسي في كتابه النفيس ( التيسير في المداواة والتدبير ) وغيرهم كثيرون .. وكانت للأطباء المسلمين الريادة في استعمال التخدير في الجراحة ، فهم أول من استعمل الإسفنجة المخدِّرة ، وكان لهم أيضاً فضل كبير بتطوير الجراحة من خلال إسهاماتهم القيِّمة إلى علم التشريح ( انظر : تخدير ، تشريح )
إلا أن علم الجراحة ـ بالرغم من كل الإسهامات الماضية ـ ظلَّ علماً محدوداً بأنواع من العمليات الجراحية البسيطة ، حتى جاء العصر الحديث الذي شهد تطورات واسعة في شتى حقول الطب ومنها حقل الجراحة ، وكان لبعض الاكتشافات والإنجازات الحديثة شأن كبير في تطوير فن الجراحة ، وبخاصة منها : التقدم الكبير الذي حصل في علم التخدير ( انظر: تخدير ) واكتشاف الزمر الدموية التي يسَّرت نقل الدم بأمان أثناء الجراحة ( انظر : دم ) وغيرها من الاكتشافات والتطورات التقنية التي حصلت في مختلف العلوم الطبية .. وتقسم الجراحات إلى قسمين :
* الجراحات الصغرى ( Minor Surgery ) وهي العمليات البسيطة التي تجرى عادة تحت التخدير الموضعي ، وتقتصر على الأعضاء الظاهرة كالجلد والنسيج الدهني .
* الجراحات الكبرى ( Major Surgery ) وتشمل مختلف أنواع الجراحات التي تجرى على الأعضاء الحيوية ، وتجرى عادة تحت التخدير العام أو التخدير الجزئي ( انظر : تخدير )
أحكام الجراحة :
1 ـ مشروعيـة الجراحـة : الجراحة جائزة إجمالاً لأنها شكل من أشكال التداوي ، وقد تكون واجبة في بعض الحالات إذا غلب الظنُّ بأنَّ ترك الجراحة يؤدي للهلاك ، لعموم قوله تعالى : (( .. ولا تلقوا بأَيديكم إلى التَّهْلُكَة .. )) سورة البقرة 195 ، ومثال ذلك : حالات البطن الحادة كانسداد الأمعاء ، أو انثقاب القرحة الهضمية ، أو انفجار الزائدة الدوديَّة ، ونحوه .. إلا أن جواز الجراحة مقيد بشروط نجملها فيما يأتي(4) :
* أن تكون الجراحةُ مشروعةً ، تتفق مع قواعد الشرع ، وتشهد النصوص بجوازها .
* أن يكون المريضُ محتاجاً إليها ، سواء كانت حاجته إليها ضرورية ، كأن يخاف على نفسه الهلاك أو تلف عضو من أعضائه ، أو كانت حاجته دون ذلك بأن تبلغ مقام الحاجِيات التي يلحقه فيها الضرر بسبب الآلام أو نحوها .. وأما الجراحات الوقائية ، كاستئصال اللوزتين تجنباً لالتهابهما ، أو استئصال الزائدة الدودية خوفاً من التهابها مستقبلاً وانفجارها ، ونحو ذلك من الأوهام ( فهذه الجراحات لا تجوز لعدم الحاجة الداعية لها ، وعدم توافر الأسباب المعتبرة شرعاً للحكم بجواز فعلها ، ولأنَّ الخالق عزَّ وجلَّ لم يخلق هذه الأعضاء عَبَثاً ، بل هناك مصالح مترتبة على وجودها ولذا كان في استئصالها بأعذار موهومة تعطيل لتلك المصالح دون موجب معتبر فكان ضرراً ومفسدةً ، والشرع لا يبيح الإضرار والإفساد )(5)
* أن يأذن المريض بفعلها ( انظر : إذن طبي )
* أن تتوافـــر الأهليـة في الجرَّاح ومسـاعديـه ( انظر : جرّاح ، طبيب )
* أن يغلب على ظنِّ الجرَّاح نجاحُ العملية الجراحيَّة ، أما إذا غلب على ظنِّه هلاكُ المريض من جراء الجراحة فلا يجوز لـه فعلها
* ألا يوجد علاجٌ بديلٌ أخفُّ ضرراً من الجراحة ، كالأدوية والمعالجات الأخرى غير الجراحية قال الإمام الشوكاني : ( قال ابن رسلان : اتفق الأطباء على أنه متى أمكن التداوي بالأخف لا يُنتقل إلى ما فوقه .. ومتى أمكن بالدواء لا يعدل إلى الحجامة ، ومتى أمكن بالحجامة لا يعدل إلى قطع العروق )(6) ( انظر : تداوي )
* ألا يترتب على فعلها ضـرر أكبر مـن ضـرر المرض الداعي للجراحة ، إعمالاً للقاعـدة الشرعيـة ( إذا تعارضَتْ مفسدتان رُوعِيَ أعظمُهمـا ضَـرَراً بارتـكابِ أخفِّهمــــا )(7) . ( انظر : ضرورة )
2 ـ آداب الجراحـة : يجب عند إجراء الجراحة مراعاة الضوابط الشرعية المتعلقة بالعورة والخلوة ، بأن تكون ثياب المريض ساترة لعورته ، ولا يكشف من جسمه إلا ما تدعو الضرورة إلى كشفه ، ويتحرى ألا يطلع على عورات الرجال إلا الرجال ، وعلى عورات النساء إلا النساء ، لأنه أخفّ ، كما يراعى ألا تتاح الفرصة للخلوة بالمريض أو المريضة ، وبخاصة عندما يكون مخدَّراً فاقداً للوعي ، منعاً لمـا قـد يرتكبه بعض ضعاف النفـوس مـن تـجاوزات ومخالفات شرعيـة ، كالاعتـداء الجنسي ، أو النظر إلى العورة أو لمسها أو العبث بها ! ( انظر : تخدير ، خلوة ، عورة )
3 ـ واجبـات المريض قبل الجراحة وبعدها : لا تخلو العمليات الجراحية عموماً من مخاطر تهدد الحياة ، ولهذا يحسن بالمريض الذي يحتاج لإجراء جراحة :
* أن يتخيَّر الجرَّاحَ صاحبَ الخبرةِ الموثوق بعلمه ودينه ، ولا بأس من استشارة أكثر من طبيب ، على ألا يصرف وقتاً طويلاً في التردد على الأطباء ، لأن هذا من الوسوسة المنهي عنها ما دام الأطباء الذين استشارهم ذوي خبرة وقد يضيع الفرصة على نفسه فتتفاقم العلة ولا تعود الجراحة مجدية ، كما هي الحال مثلاً في معظم أنواع السرطان !
* أن يستخير اللهَ تعالى في العملية الجراحيَّة ، وإذا اطمأنَّ لخبرة الطبيب فلا يتردَّد بإعطاء موافقته على إجرائها متوكلاً على الله عزَّ وجلَّ
* أن يكتب وصيته الشَّرعية عندما يقرر إجراء العملية ، تحسُّباً من مضاعفاتها التي قد تنتهي بالموت لا قدَّر الله تعالى ( انظر : وصية )
* أن يكون على طهارة قبل العملية ، فيغتسل من الجنابة إن كان جنباً ، أو يتوضأ ، أو يتيمم ، حسب الحال ، ثمَّ يصلي ركعتين ، ويدعو الله عزَّ وجلَّ ويسأله العافية .
* فإذا انتهت العمليةُ الجراحيَّةُ واستردَّ وعيَهُ تطهَّر وصلى ركعتين شكراً لله تعالى .
4 ـ الجراحـة والعبـادات : بعض العمليات الجراحية تستغرق فترة طويلة تفوت على المريض وقتين للصلاة ، كصلاة الظهر والعصر أو صلاة المغرب والعشاء ، ففي هذه الحال يجوز للمريض أن يجمع الصلوات جمع تقديم إن استطاع ، لما ثبت في الصحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : ( جمعَ النبيُّ بين الظهرِ والعصرِ ، والمغربِ والعشــاءِ ، بالمدينة ، مـن غيرِ خوفٍ ولا مطرٍ . وفي حديث وكيع ، قال : قلتُ لابن عباس : لمَ فعل ذلك ؟ قال : كي لا يحرج أمته )(8) ، فإذا لم يستطع الصلاة قبل العملية ـ بأن تكون العملية عاجلة أو يكون المريض في حالة نزيف ونحوه مما لا يقبل التأجيل ـ فإنه يجري العملية ثم يقضي ما فاته من صلوات عندما يتمكن من القضاء ، ويندب الترتيب في القضاء .
5 ـ الجراحة التجميلية ( Esthetic Surgery ) هي فنٌّ من فنون الجراحة يرمي إلى تصحيحَ التشوهات والعيوب والآفات الظاهرة ، مثل التَّشَوُّهات الولادية ، أو الخَلْقِيَّة ( Congenital Malformations ) كتعديل الحَنَك المشقوق أو الشفة المشقوقة ( Labium Bifidus ) أو ما يعرف عند العامَّة بشفة الأرنب ، أو تعديل عيوب صيوان الأذن ، أو انحراف الأنف أو تصغيره إن كان ضخماً ، ونحوه .. وقد تجرى عمليات التجميل لقلع السِّنِّ الزائدة ، أو قطع الإصبع الزائدة ، أو تصحيح التشوهات الناجمة عن الحوادث المختلفة كالحروق والجروح .. والجراحة التجميلية جائزة إجمالاً ولكن بشروط تضاف إلى الشروط العامة التي ذكرناها في الجراحة وهي :
* الجراحات التجميلية التي تستهدف علاجَ المرض الخَلْقي أو المرض الحادث بعد الولادة بقصد إعادة شكل أو وظيفة العضو السَّويَّة المعهودة له جائزةٌ شرعاً ، ومثلها أيضاً إصلاح العيب أو الدَّمامة التي تسبب للشخص أذىً عضوياً أو نفسياً .
* الجراحة التجميلية التي تستهدف تغيير شكل أو وظيفة العضو السَّويَّة المعهودة حرامٌ لا يجوز إجراؤها ، وذلك لنهي النبيِّ عن مثل هذا الفعل حيث قال : ( لعنَ اللهُ الواشماتِ والمُوتَشِماتِ والمُتَنَمِّصَاتِ ، والمُتَفَلِّجَاتِ للحُسْنِ المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ )(9) ، ومن ذلك مثلاً عمليات تغيير الجنس ( Sex Reversal ) من رجل إلى امرأة أو بالعكس ، التي شاعت في بعض البلدان غير الإسلامية في العقود الأخيرة ، وهي حرام بيِّن لا شـكَّ فيه ( انظر : جنس )
* الجراحات التجميلية التي يقصد بها التنكر للفرار من العدالة ، أو التدليس على الناس ، حرام لا يجوز إجراؤها .
* الجراحات التجميلية التي تجرى لمجرد اتباع الهوى(10) ، أو تحصيل المزيد من الحسن ، حرام ، لا يجوز إجراؤها ، لقول النبي في الحديث المتقدم :( .. المتفلجات للحُسن ) ومن ذلك مثلاً عمليات شـَدِّ الجِلد وما شابهه من العمليات التي تستهدف إزالة آثار الشيخوخة وإعادة مظهر الشباب ( فهذا النوع من الجراحة لا يشتمل على دوافع ضرورية ولا حاجيَّة ، لهذا لا يجوز فعله )(11) لأنـه تغييرٌ للخلقـة ، وعبثٌ بهـا ، واتبـاعٌ للهـوى والشهوة والشيطـان الذي تمرَّد على ربه وقال : (( .. ولآمرنَّهم فليُغيِّرُنَّ خلقَ اللهِ )) سورة النساء 119
ولربَّما احتجَّ الذين يلجأون لمثل هذه العمليات بأنها تزيدهم ثقةً بالنَّفْسِ ، وتزيدهم قدرةً على الإنتاج والعطاء ، وهي حجة واهية ، فالثابت من المشاهدة أن ( عمليات التجميل لا تغيـِّر من شخصيَّةِ الإنسان تغييراً ملحوظاً ، وأن العجز عن بلوغ هدف معين في الحياة لا يتوقف كثيراً على مظهر الشخص ، فالمشكلة في ذلك أعمق كثيراً مما يبدو من ظواهر هذه الأمور ، وعلى هذا فعمليات التجميل الاختيارية غيرُ محقَّقَةِ النتائج ، ومن الخير تَرْكُ الإغراقِ في إجرائها أو المبالغة في التنبؤ بنتائجها )(12) ، ولعلَّ خير وسيلة لعلاج مثل هـذه الأوهـام والوساوس هي ( غرس الإيمان في القلوب ، وغرس الرضى عن الله تعالى فيما قَسَمَهُ من الجمال والصورة ، والمظاهر ليست هي الوسيلة لبلوغ الأهداف النبيلة وإنما يُدرك ذلك بتوفيق الله تعالى ، ثم بالتزام شَرْعِهِ ، والتَّخَلُّق بالآداب ومكارم الأخلاق )(13)
جَـرَّاح
الجَرَّاح ( Surgeon ) : هو الطبيب المتخصص بإجراء العمليات الجراحية Surgical Operations ، وقد سُمِّي جرَّاحاً لاعتماد عمله على إحداث جروح في البدن ، ومعالجة المرض بالمشرط ، ولم ترد كلمة جرّاح في الكتب العربية القديمة لأنهم كانوا يُسمّونه ( الآسي ) وهو وصفٌ كان يطلق أيضاً على الطبيب ، وقد ظهرت كلمة جَرَّاح لأول مرة في النقول العربية خلال القرن الثالث الهجري ( = التاسع الميلادي ) ثم شـاعت في المؤلفـات الطبيـة(1).
أحكام الجرّاح :
تسري على الجراح الأحكامُ العامة نفسها التي تسري على الطبيب ( انظر : طبيب ) ويضاف إليها بعض الأحكام التي تتعلق بعمل الجراح بخاصة ، ونوجزها فيما يأتي :
1 ـ واجب الجراح في ستر عورة المريض : بما أن العمل الجراحي يتطلب كشف جزء واسع مـن جسم المريض ، وبخاصة عند تعقيم ( Sterilization ) الجلد وإعداد موضع العملية من جسم المريض ، فإنَّ على الجراح وبقية أعضاء الفريق الطبي أن يتجنبوا كشف العورة إلا بحدود الضَّرورة ، وأن يجرى التعقيم وإعداد موضع العملية بحضور من يلزم وجوده فقط من الفريق الطبي ، لأنَّ العادة المتبعة حالياً في أغلب مستشفيات العالم أن تجري هذه الخطوة بحضور جميع أفراد الفريق الطبي داخل غرفة العمليات بالرغم من أن أكثرهم لا شأنَ لهم بهذه الخطوة ! فإذا فرغ الجراح من التعقيم وإعداد موضع العملية ، غطَّى جسمَ المريض ، واستدعى بقية الفريق ليقوم كلٌّ منهم بالوظيفة الموكولة إليه .. ونرى من الأنسب أن تجري هذه المرحلة من العمل الجراحي بواسطة طبيبةٌ أو ممرضةٌ مدرَّبةٌ تدريباً جيداً إنْ كانت العملية لامرأة مريضة ، أما إن كانت العملية لمريض فيحسن أن تجرى بواسطة طبيب أو ممرض مـدرَّب تدريبـاً جيـداً ، وذلك صيانـةً للعورات ( انظر : تخدير ، عورة ) وهذا كله في الحالات العادية ، أما في الحالات الإسعافية الطارئة والمستعجلة التي لا تسمح بمثل هذه القيود ، وتتطلب وجود بقية أعضاء الفريق الطبي كالمخدِّرين وغيرهم ، فإنَّ على هؤلاء أن يغضُّوا الطَّرْف ما استطاعوا ، ويأثم منهم من تعمَّد النظر إلى العورات بغير ضرورة ، والإثم أشد إذا نظر عن شهوة !
2 ـ أدب الجراح خلال العملية : يحسن بالجراح أن يستفيد من وقت العملية الجراحية في تعليم الفريق الطبي المساعد له خطوات العملية ، فهذا من نشر العلم الذي يُؤجَر عليه الجراحُ بإذن الله تعالى ، كما يحسن به وهو يقتطع الأعضاء المريضة أو يصلح ما فيها من عطب أن يبين للفريق الطبي مظاهر القدرة الإلهية في خلق الإنسان ، وأن يحدِّثهم عن نعمة الصحة ، ويذكِّرهم بشكر المولى عزَّ وجلَّ على هذه النعمة .. وقد اعتاد بعض الجراحين على سماع الموسيقى الهادئة أثناء العملية بحُجَّة أنها تريح الأعصاب ، واعتاد بعضهم على التمادي في المزاح وتبادل النكات والأحاديث التي لا تخلو في الغالب من مخالفات شرعية ، وبخاصة عند إجراء العمليات الجراحية على الأعضاء التناسلية ! وكلها عادات سيئة يجدر بالجراح أن يتورع عنها حفاظاً على دينه ومكانته بين زملائه ، ومن الأولى بالطبيب المسلم أن يركِّز اهتمامه بالعملية التي يجريها ، وأن يشتغل بالذِّكر والدعاء في نفسه ، فهو أدعى لإدخال الطمأنينة إلى قلبه (( الذينَ آمنوا وتطمئنُّ قلوبُهم بذِكْرِ اللهِ ، ألا بذكْرِ اللهِ تطمئنُّ القلوبُ )) سورة الرعد 28 ، وهو أيضاً أدعى للتوفيق في إنجاز العمل .
3 ـ تصرف الجراح بالأعضـاء المبتورة : على الجراح أن يتعامل مع الأعضاء المبتورة وفق الضوابط الشرعية المعلومة ، فإنَّ حُرْمَةَ هذه الأعضاء من حرمة الآدمي نفسه ، فلا يجوز الاستهانةُ بها ولا رميُها مع النفايات الأخرى التي تنتج عن العمل الجراحي ، كما أن في دفنها وقاية من انتشار بعض الأمراض وحماية للبيئة من خطر التلوُّث البيولوجي ( انظر : بيئة ، عضو ، وقاية )
4 ـ عبـادات الجراح : كثيراً ما يتعرَّض الجرَّاحُ لظروفٍ قاهرةٍ أثناء العمليات الجراحية تضطره للأخذ بأحكام الضرورة ( انظر:ضرورة ) ومنها أنه قد يضطر للصلاة وهو في غرفة العمليات ، ويكون ثوبه في الغالب نجساً بالدم أو بغيره من المنجسات الناتجة عن العمل الجراحي كالقيح أو بعض المفرزات النجسة الأخرى ، ولا يستطيع وقف العملية ريثما يُصلّي ، ويخشى فواتَ الصلاة كصلاة الفجر مثلاً ، فيجوز له عندئذٍ أن يصلي بثوبه ويعفى عما فيه من النجاسة رفعاً للحرج ، وإن شاء أخَّر الصلاة ونوى القضاء ، أو ينوي الجَمْعَ مع الصلاة التالية إن كانت تقبل الجمع كصلاة الظهر والعصر ، وصلاة المغرب والعشاء ، هذا إن كانت العملية تنتهي قبل فوات الصلاة الثانية ، أما إن كان الوقت لا يسمح بالتأخير فإنه يصلي كل صلاة في وقتها على ما هو عليه ولو كان في ثوبه شيءٌ من النجاسة .
جُروح
الجروح ( Wound ) : هي ما يصيب البدن بفعل الآلات الحادة كالسكين ونحوها ، ومنه أيضاً الجروح التي يجريها الجرَّاح في العمليات الجراحية .
أحكام الجروح :
1 ـ درجـــات الجــروح : يطلق الفقهاء اسم ( الجِراح ) على الجنايات عامةً لأنها تترافق في الغالـب بجـروح ، ويستعمـل بعضـهم اسـم ( الجنايـات ) لأنه أعم فيشمل القتل بالجروح وبغيرها كالسم أو الخنق ، وتسمى الجروح التي تصيب الرأس والوجه ( الشِّجاج ) وتقسم الجراح والشجاج إلى درجات ، فمنها جروح سطحية لا يحصل فيها نزيفٌ ، ومنها جروح عميقة تصل إلى الجوف ، وبينها درجات جعل الفقهاء لكلٍّ منها حكماً تبعاً لخطورتها ومقدار الضرر الناجم عنها ( انظر الجدول ـ1 ) الذي يوضح درجات الجراح والشجاج ، مع تعريف كل منها )(1)
2 ـ القصـاص في الجـراح : إن الإنسان في الإسلام معصومُ الدَّم ويحرُم جَرْحُهُ بغير حَقٍّ ، وإذا ما وقعت عليه جناية أدَّت إلى جرحه وجب القصاص مـن الجاني ، لقولـه تعالى : (( وكتبْنا عليهم فيها أنَّ النفسَ بالنفسِ والعينَ بالعينِ والأنفَ بالأنفِ والأذنَ بالأذنِ والسنَّ بالسنِّ والجروحَ قصاصٌ ، فمن تصدَّق به فهو كفارةٌ لـه ، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون )) سورة المائدة 45 ، ويترتب على الجروح في الجنايات أحكامٌ تختلف باختلاف درجات هذه الجروح ومواضعها ، وما إذا كانت الجناية خطأً أم عمداً ، على التفصيل الآتي(1):
* الجنايـة خطـأً : فيها قبل ( الموضحة ) حكومة عدل لأنه ليس فيها أرش مقدَّر ، وأما الخطأ في الموضحة وما بعدها ففيه أرش مقدَّر ، وهو نصف عُشْر الدية ، أو خَمسة من الإبل .
الجنايـة عمـداً : يجب القصاص في الموضحة باتفاق الفقهاء ، لأنه يمكن الاستيفاء فيها بغير حَيْف ولا زيادة ، ولها حَدٌّ تنتهي إليه السكين وهو العظم ، أما إذا تجاوزت الشجةُ الموضحةَ فكانت منقلة أو آمة فلا قصاص فيها ، لأنه لا يؤمن الزيادة والنقصان فيها ، وقال بعضهم إنه يجوز للمجني عليه جناية أكثر من الموضحة أن يقتصَّ موضحةً ويُعطى أرش ما زاد عليها .. وإذا امتنع القصاصُ لسبب من الأسباب وجبت الديةُ على التفصيل الموضح في (الجدول رقم 2)الجدول ( 1 ) درجات الجروح وتعريفها
الـدرجـــة التعريــــــف
الحارصة ( أو الخارصة ) تحرص الجلد ، أي تخدشه ولا تخرج الدم
الدامعـة تخرج الدم ولا تسيله كالدمع في العين
الداميـة يسيل منها الدم
الباضعة تشق اللحم بعد الجلد شقاً خفيفاً
المتلاحمة تغوص في اللحم فتذهب فيه أكثر مما تذهب الباضعة ولا تبلغ السمحاق
السمحاق تصل إلى سمحاق العظم Periostum وهو الجلدة الرقيقة التي تغطيه
الموضِّحة توضح العظم وتكشفـه
الهاشمة تهشم العظم وتكسره
المنقلـة تنقل العظم بعد كسره ، أي تحوله من موضع إلى موضع
الآمـَّة ( المأمومة ) تصل إلى أم الدماغ وهي الجلدة الرقيقة التي تجمع الدماغ ( = السحايا )
الدامغـة تخرق الجلدة التي تجمع الدماغ وتصل إلى الدماغ
الجائفـة الجرح النافذ الذي يصل إلى جوف البطن أو جوف الصدر ونحوه
الجدول (2) درجات الجراح ، والدية المقررة في كل منها
درجات الجراح والشجاج الـديـــــــــة
الحارصة ـ السمحاق حكومـة عـدل
الموضحة نصف عُشر الدية ( = 5 أبعرة )
الهاشـمة عُشر الدية ( = 10 أبعرة )
المنقلـة عشر الدية ونصف العشر ( = 15 بعيراً )
الآمـة ثلث الدية ( وعند بعضهم ثلث الدية وحكومة عدل )
الدامغــة ثلث الدية ( عند بعضهم الثلث وحكومة ، وعند آخرين حكومة فقط )
الجائفـة ثلث الدية
3 ـ القصـاص في الجـروح : اتفق الفقهاء على أنه لا يُقتصُّ من الجاني إذا أحدث جُرحاً في شخص آخر إلا بعد التأكد من برء المجني عليه ، لأن الجرح يحتمل السِّرايَةَ فيؤدي إلى بعض المضاعفات ، كأن ينتج عنه عاهة دائمة مثل العمى أو الشـلل أو العقـم ، وقـد ينتهي الجرح بموت الجريح فيصير قتلاً ( انظر:قتل )
4 ـ الجـائـفـــــة : وهي الجرح النـافــــــذ ( Perforating Wound ) الذي يصل إلى جوف داخل الجسم ( جوف البطن ، جوف الصدر ، ثغرة النحر ، ونحوه ) وكذا لو أدخل من الشرج أو المهبل شيئاً فخرق به حتى وصل إلى البطن فهي جائفة ، ولو نفذت الطعنة أو الجرح في جوف وخرجت من محلٍّ آخر فهما جائفتان ، وتترتب على الجائفة بعض الأحكام الإضافية الخاصة بها إلى جانب ما ذكرناه من أحكام الجروح ، وهذه الأحكام هي(3) :
* لا فرق في الحكم بين أن يجيف بحديدة أو خشبة محددة ، ولا فرق بين الجائفة الواسعة والجائفة الضيقة ولو قدر إبرة .
* لا قصاص في الجائفة بل فيها ثلث الدية سواء كانت عمداً أو خطأً ، لحديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما : ( وفي الجائِفَـةِ ثُلُثُ الدِّيَة ) واتفقوا على أنَّ الجائفة إذا نفذت من جانب لآخر أنها جائفتان في كل منهما ثلث الدية ، فإن أصابت الجائفة عضواً داخل الجوف فأتلفته ففيها مع الدية حكومة عـدل ، ومـن مات بجائفة فحكمه حكم القتل ( انظر : قتل )
* الجائفـة في الصيـام : ذهب بعض الفقهاء إلى أن من داوى جائفة بدواء فوصل الدواء إلى جوفه فإنه يفسد صومه ، وعليه القضاء ، حتى وإن لم يصل الدواء إلى الأمعاء ، وذهب بعضهم إلى أنه لا يفسد الصوم .. ونحن نميل إلى الرأي الأخير لأن الجائفة ليست مدخلاً معتاداً للطعام والشراب ، والدواء ليس أكلاً ولا شرباً ، ومن أراد الخروج من الخلاف أفطر ثم قضى ما أفطره من أيام ( انظر : صوم )
* إرضاع الطفل عبر الجائفة : إن تقطير لبن امرأة للطفل عبر الجائفة لا تثبت به الحرمة التي تثبت عادة بالرضاع ، ما لم يصل اللبن إلى المعـدة عبـر الجائفـة فـإن الحُرْمـــة تثبت ( انظر: رضاعة )
جَريـح
الجَريـح : هو الذي يصاب بآلةٍ حادَّةٍ أو شبه حادة أو غيرها فيُجرح .
أحكام الجريح :
1 ـ طهـارة الجريـح : وفيها بعض الاختلاف بين الفقهاء بحسب الحالة ، على التفصيل الآتي(1) :
* مذهب الحنفية : أنه يجوز للجريح الذي يتضرر من غسل جراحه أن يمسح على مواضعها إذا كان المسح لا يضرُّه ، وإلا مسح على الضماد أو الجبيرة ( انظر : جبيرة ) إذا كان أكثرُ البدن أو نصفُه جريحاً فالواجب في الجنابة التيمم ، وإن كان أكثره صحيحاً غسل الصحيح ومسح الجريح ، فإن كان المسح يضرُّه جاز له تركُه ، ولا يُجمع عندهم بين الغُسل والتيمم إذ لا نظير له في الشرع لأنه جمع بين البدل والمبدل .
* مذهب المالكية : يجوز للجريح الذي يتضرر من غسل جراحه أن يمسح على مواضعها إذا كان المسح لا يضرُّه ، وإلا مسح على الضماد أو الجبيرة ، وللجريح عندهم حالتان : فإن كان المريض لا يتضرَّر من غَسْلِ الجزء الصحيح المحيط بالجرح ، ويخاف إن هو غَسَلَ جرحه اشتداد الألم أو الضرر ، أو يخاف على نفسه الهلاك ، فإنه يكفيه غسل الجزء الصحيح والمسح على الجرح .. أما إن كان يتضرَّر من غسل الصحيح المحيط بالجرح فيكفيه التيمُّمُ ، سواء أكان الصحيح هو الأكثر أو الأقل ، فإن تَعَذَّر أو شَقَّ عليه مَسُّ الجرح بالماء وكانت الجراحة واقعة في أعضاء التيمم فإنه يتركها بلا غسل ولا مسح لأنه يتعذر مَسُّها ، ويتوضأ وضوءاً ناقصاً بأن يغسل أو يمسح ما عداها من أعضاء الوضوء ، أما إن كانت الجراح في غير أعضاء التيمم ولكنها في بعض أعضاء الوضوء فله خيارات :
1) يتيمم ليأتي بطهارة ترابية كاملة ، لأنه لو توضأ لكانت طهارته ناقصة لعدم إمكانه غسل الجرح .
2) يكتفي بغسل ما صحَّ من أعضاء الوضوء ويترك محل الجراح ، ولا يتيمم لأن التيمم إنما يكون عند عدم وجود الماء أو عدم القدرة على استعماله .
3) يتيمم إن كانت الجراحة أكثر من الصحيح لأن الأقل تابع للأكثر .
4) يجمع بين الغَسْل والتيمم ، فيغسل الصحيح ويتيمم للجريح ، ويقدم الغَسْل .
* مذهب الشافعية والحنابلة : أن الجريح المحدث إذا أراد الوضوء أو الغُسل وخاف من استعمال الماء الخوف الذي يبيح له التيمم ، بأن كان يتضرر من غسل الجروح أو مسحها ، لزمه غسل الصحيح والتيمم عن الجريح ، وهو مخيَّر في غسل الجنابة ، فإن شاء غسل الصحيح ثم تيمم عـن الجريح ، وإن شــاء تيمم عـن الجريح ، وإن شـاء تيمَّم ثـُمَّ غَسَلَ ، إذ لا ترتيب في طهارته ، إلا في الوضوء فإن الترتيب واجب ، فلا ينتقل من عضو إلى آخر حتى يكمل طهارته ، فإذا كانت الجراحة في الوجـه مثلاً وجـب تكميل طهارة الوجه أولاً ، فإن شاء غَسَلَ الصَّحيحَ ثمَّ تيمَّمَ عن الجريح ، وإن شاء تيمَّم أولاً ثمَّ غَسَلَ ، لأن الوجه عضوٌ واحدٌ لا يراعى فيه الترتيب ، والأولى عند الشافعية تقديم التيمم .. ونصَّ الحنابلةُ على أنَّه إذا أمكنه المسح بالماء على الجرح وجب عليه مسحه ، فإن كان الجرح نجساً بأن كان ينزف أو ينضح بالصديد ( Pus ) مثلاً فيكفي التيمم دون مسح الجرح ، وإن كانت نجاسة الجرح بمقدار معفوٍّ عنه فتكفيه نية رفع الحدث ، أما إن كانت غير معفوٍّ عنها فينوى رفع الحدث والنجاسة ، أما الجريح الذي به جرح ينزف باستمرار ولا يمكنه تغيير ملابسه الملوثة بالدم فإنه يصلي فيها ولا حرج عليه ، لعموم قوله تعالى : (( لا يُكَلـِّفُ اللهُ نفـساً إلا وُسْعَهـا )) سـورة البقـرة 286 ، وقوله تعالى : (( .. فاتَّقُوا اللهَ ما استطعتم )) سورة التغابن 16 ( انظر : سلس )
2 ـ موت الجريـح : إذا أمكن تغسيل الجريح على الوجه المعروف في تغسيل الميت وجب تغسيله على ذلك الوجه ، أما إن كان مصاباً بجروح بليغة تعوق تغسيله فيكفي صُبَّ الماء عليه صبَّاً ، فإن زاد أمره على ذلك أو خشي من صب الماء تشقق جلده أو تقطعه فيكفيه التيمم بلا غسل .
3 ـ جريـح المعركـة : من مات في المعركة فحكمه حكم الشهيد فلا يغسل ، أما إذا جرح في المعركة ورفع منها حياً ، فأكل أو شرب أو تداوى ثم مات ، فقد ذهب الجمهور إلى أنه يُغسَّل ويصلى عليه ، ولا تسقط عنه الشهادة بل هو شهيد عند الله تعالى ، وأجاز الفقهاء الإجهاز ( التذفيف ) على جرحى الأعداء أثناء المعركة ، أما بعد المعركة فحكمهم حكم الأسرى ، فلا يجوز قتلهم إلا لمصلحة راجحة(2). ( انظر : أسرى )
جِلـْد
الجِلْدُ ( Skin ) : الإهاب ، أو ظاهر البَشَرَة ، واسم الجلد مشتق من الجَلَد ، أي الصلابة ، لأنه أصلب من اللحم ، ويتكون الجلد من طبقتين : طبقة باطنة تسمى الأدَمَة( Dermis ) تضم الأعصاب والأوعية الدموية وحويصلات الشعر ، وطبقة ظاهرة هي البَشَرة(Epidermis ) تتكون مـن عـدة طبقات متراكبة قابلة للتوسف ( Desquamation ) من أجل تجدد الجلد باستمرار .
ويغطي الجلد جسم الإنسان كله فيشكل بذلك غطاءً محكماً يحميه من العوامل الخارجية المؤذية ، وتبلغ مساحة الجلد في الشخص البالغ نحو ( 1.5متراً مربعاً ) وتنتشر فيه ملايين لا تُحصى من المستقبلات العصبية الحسِّيَّة ( Neuroreceptors ) التي تؤمن حاسة اللمس ( Taction ) ولذا يمتاز الجلد عن بقية أعضاء البدن بالحساسية المفرطة للمنبهات المؤلمة ، كالحروق والجروح ونحوها ، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الخاصية في الجلد حين تحدث عن تعذيب الكفار في جهنم ، فقال تعالى : (( إنَّ الذينَ كَفَروا بآياتِنا سوفَ نُصْليهِم ناراً ، كُلَّما نـضِجَتْ جُلودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلوداً غيرَها لِيَذُوقُوا العَذَابَ ، إنَّ اللهَ كانَ عزيزاً حكيماً )) سورة النساء 56
وللجلد وظيفة مهمة جداً في التوازن الحراري للجسم ، فالحرارة التي تتولد داخل الجسم وتفيض عن حاجته يتسرَّب جزء كبير منها عبر الجلد بطريقة الإشعاع ، أو عن طريق الغدد العرقية المنتشرة في الجلد ، ولهذا يعدُّ الجلد عضواً حيوياً عظيم الأهمية ، فإذا ما تعطلت وظيفة مساحة واسعة منه ( كما يحصل في الحروق مثلاً ، أو في تَصَلُّب الجلد Scleroderma ) فإنَّ حياة الشخص تمسي في خطر محقق وقد تودي بحياته !
وتتفاوت ألوان الجلد في البشر تفاوتاً كبيراً ، فنجد فيهم الزنوج ( Negro ) أصحاب البشرة السوداء الفاحمة ، كما نجد فيهم أصحاب البشرة البيضاء الناصعة ، وما بين هؤلاء وأولئك درجات متفاوتة من الألوان ! ويرجع اصطباغ الجلد إلى عوامل وراثية وعوامل أخرى تتعلق بالسلالة البشرية ( Race ) وينتج اصطباغ الجلد عن مادة تسمى القتامين ( Melanin ) توجـد بكميـة زهيـدة جـداً لا تزيد حتى في أشـد الزنــوج سـواداً عن بضعـة ميكروغرامات ( الميكروغرام = جزء من مليون جزء من الغرام ) وهذه المادة تحمي الجسم من الإشعاعات الشمسية الضَّارَّة ، ولهذا تكون نسبة القتامين عالية في جلود البشر الذين يعيشون في المناطق الحارة ، ولاسيما حول خط الاستواء ، لحمايتهم من أشعة الشمس الملتهبة ، وهذه نعمة كبيرة تستحق الشُّكر !
أحكام الجِلد :
1 ـ الجلـد شـاهـد على الإنسـان : الجلدُ واحد من الجوارح التي تشهد على الإنسان يوم القيامة ، كما قال تعالى : (( ويومَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللهِ إلى النَّار فَهُمْ يُوزَعُونَ * حتَّى إذا ما جاؤوها شَهِدَ عليهم سمعُهم وأبصارُهم وجُلودُهم بما كانوا يعملونَ * وقالوا لجلودِهم لِمَ شـهدتُم علينـا ، قـالـوا أنْطَقَنـا اللهُ الذي أنْطَقَ كلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُم أوَّلَ مَرَّةٍ وإليهِ تُرجَعونَ )) سورة فصلت 19 ـ 21 ، ولهذا وجب على المؤمن أن يُنَزِّه جلدَهُ عن أن يمسَّ الحرامَ ، كأن يمسَّ امرأةً لا يحلُّ له مسُّها ، وبخاصة أنَّ الجلد هو موضع حاسَّة اللمس ، وفيه تتولد اللذة ، ومنه تنتشر إلى بقية الجوارح ، وقد جاء في الصحيح أن النبيِّ قُبِض ولم تمسَّ يده يد امرأة قطّ ، كما أخبرت زوجُهُ أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها فقالت : ( ما مَسَّتْ يَدُ رسولِ اللهِ يَدَ امرأةٍ إلا امرأةً يملِكُها )(1)
2 ـ الجلـد والوضـوء : ذهب الشافعية إلى أنَّ الرجل إذا مسَّ جلدَ زوجته أو جلد المرأة الأجنبية انتقض وضوؤه ووضوؤها لقوله تعالى : (( .. أو لامَسْتُمُ النِّساءَ فلم تَجِدوا ماءً فتيمَّموا .. الآية )) سورة المائدة 6 ، ولكن الجمهور على أن اللمس لا ينقض الوضوء لأنهم حملوا معنى اللمس الوارد في هذه الآية الكريمة على أنه الجماع .
وإذا كان استعمال الماء يضرُّ بالجلد لوجود مرض فيه أو جرح ونحوه جاز التيمم بدل الوضوء . ( انظر : تيمُّم ، وضوء )
3 ـ تعرق الجلـد : يرشح من الجلد كمية وفيرة من العَرَق ( Sweat ) الذي يساهم مساهمة كبيرة في تنظيم حرارة الجسم كما ذكرنا ، وقد ذهب الفقهاء إلى طهارة عرق الإنسان مطلقاً ، لا فرق في ذلك بين المسلم والكافر ، الطاهر والجُنُب والحائض ، الصاحي والسَّكران .. واختلفوا في حكم طهارة عرق الحيوان على النحو الآتي(2) :
* المالكية ذهبوا إلى طهارة عرق كل حيوان حيّ ، بحرياً كان أو برياً ، ولو كلباً أو خنزيراً
* الشافعية ذهبوا إلى أن العرق له حكم حيوانه طهارةً ونجاسةً ، فعندهم أن كل الحيوانات طاهرة ما عدا الكلب والخنزير وما تفرع منهما .
* الحنابلة ذهبوا أيضاً إلى أن العرق له حكم حيوانه طهارةً ونجاسةً ، فعندهم أن النجس من الحيوان هو ما لا يؤكل .
* الحنفية قسموا عرق الحيوان أربعة أنواع : طاهر ( عرق ما يؤكل لحمه ) ونجس ( عرق الكلب والخنزير وسباع البهائم ) ومكروه ( عرق الهرَّة والدجاجة المخلاة وسباع الطير وسواكن البيوت ) ومشكوك فيه ( عرق الحمار والبغل )
ومن الوجهة الطبية نرى ضرورة التنزُّه عن عرق الحيوانات كافة ، ما أمكن ذلك ، لأن الحيوانات تعدُّ طبياً مستودعات ( Reservoir ) لمعظم الأمراض المُعدية والسارية ، وعرقها في الغالب يكون محمَّلاً بعوامل المرض الخطيرة ! ( انظر : كلب ، خنزير ، عدوى )
4 ـ العنايـة بالجلـد : الجلد زينة للإنسان ، وحماية له من العوامل الخارجية ، وله وظائف حيوية عديدة كما ذكرنا ، وهي جميعاً تستحق شكر المولى عزَّ وجلَّ ، ونظراً لأهمية الجلد وما له من وظائف حيوية فإنَّ على الإنسان أن يتعاهد جلده بالنظافة ، وأن يـداوم على الوضوء والأغسال المشروعة لحماية جلده مـن الآفات المرضية الكثيرة التي تصيب الجلد عادة بسبب الإهمال ، كالجرب ( Scabies ) ، والقمـَّل ( Phtheriasis ) وغيره ..
5 ـ الحكة الجلدية : والحكة ( Pruritus ) قد تحصل لأسباب كثيرة جداً ، منها أسباب عارضة ، ومنها أسـباب مرضية مثل الإكزيمة ( Eczema ) ، والشرى ( Urticaria ) الذي يحصل من جراء الحساسية لبعض الأدوية أو الأطعمة .. وهذه الأمراض تعالج بالأدوية والوسـائل الطبية المناسبة حسب مشورة الطبيب ، والذي يهمنا هنا من الوجهة الشرعية أن النبيقد رخص في حال الإصابة بالحكة بلبس الحرير للرجال على الرغم من حرمته لهم ، فقد ورد عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي : ( رخَّصَ لعبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ والزُّبَيْرِ في قميصٍ من حريرٍ من حَكَّةٍ كانت بهما )(3)، وهذا لا يعني أن الحرير علاج للحكة ، بل هو يفيد في تخفيفها لما فيه من نعومة ورقَّة ، واستعماله لا يغني عن استشارة الطبيب المتخصص بأمراض الجلد ، لأن أسباب الحكة كثيرة ومنوعة كما ذكرنا ، ولكل منـها علاج خاص بـه حســب منشئه . ( انظر : حرير )
6 ـ تخضيب الجلـد للزينـة : والتخضيب زينـــة مستحبَّة للنســاء ، وهو يُعمل بالحنَّاء ( Henna ) ونحوها من المواد التي تصبغ الجلد ببعض الألوان المحبَّبة للنفس ، وأكثر ما يعمل في جلد اليدين والرجلين ، وقد يعمل في أنحاء أخرى من الجسم ، وبما أن الاختضاب زينة فإنه يحرُم كشفه للأجانب ، حتى وإن كان في المواضع التي أجاز بعض العلماء كشفها كالوجه واليدين لأنه زينة تثير الفتنة . ( انظر: حجاب )
7 ـ وشـم الجلـد ( Tattoo ): هـو نـوع مـن الزينة الدائمة التي تقوم على رسم صور على الجلد ، وهو يُعمل بأن يغرز الجلد بالإبرة حتى يخرج الدمُ ثمَّ يُذَرّ عليه كحلٌ أو نيلةٌ أو صبغات خاصَّة ليخضرَّ أو يزرقَّ حسب الصورة المطلوبة ، وهـو حرامٌ ، لما ورد في الصحيح : ( نهى رسولُ اللهِ عن الواشِمَةِ والمُسْتَوْشِـمَةِ .. )(4) ، والواشـمة : هي التي تجعل الخيلان ( ج . خال Mole ) في وجهها بكحلٍ أو مـِدادٍ ، والمستوشمة : هي التي يعمل بها . أما مـن كان بـه وشم قبل علمه بحرمته فلا شيءَ عليه ، ووضوءه وغسله صحيح لأنه يشقُّ عليه إزالة الوشـم .. علماً بأنه توافرت في العصر الحديث وسائل وأجهزة خاصة لإزالة الوشم ، فيحسن بمن فيه وشم في جلده ـ سواء قبل علمه بالحرمة أو بعد علمه بها ـ أن يزيل الوشـم .
8 ـ ترقيـع الجلـد : وهي طريقة مستحدثة للتداوي من بعض الأمراض والإصابات ، فهو يستخدم مثلاً في كثير من الجراحات التجميلية ويُعمل بأخذ شريحةٍ رقيقةٍ من الجلد السَّليم للمريض نفسه ويُرَقَّع بها الجلد المشوَّه أو المحترق ، وفي بعض الحالات يؤخذ الجلد من شخص ميت أو من حيوان ، وكل هذه الصور من ترقيع الجلد جائزة ، جرياً على القواعد العامة في جواز زراعة الأعضاء البشرية والحيوانية ، بشروطها ( انظر : عضو )
وقد أجازت ترقيع الجلد فتوى دار الإفتاء المصرية التي جاء فيها : (( إن كان أخذ الطبقات السطحية من جلد المتوفين بعد وفاتهم لعلاج الحروق الجسيمة والعميقة في الأحياء يحقق مصلحةً ترجح مصلحةَ المحافظة على الميت ، جاز ذلك شرعـاً ، لأن الضرر الذي يلحق بالحي المضطر لهذا العلاج أشد من الضرر الذي يلحق بالميت الذي تؤخذ الطبقات السطحية من جلده ، وليس في هذا ابتذال للميت ، ولا اعتداء على حرمته المنهي عنه شرعاً ، لأن النهي إنما يكون إذا كان التعدي لغير مصلحة راجحة أو لغير حاجة ماسَّـة ))(5)
كما أجيز ترقيع الجلد في الندوة الثامنة للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت ، المنعقدة من 22ـ 24/12/1415هـ الموافق 22ـ24/5/1995م التي جاء في توصياتها :
(( 1 - الرقعة الجلدية المأخوذة من مصدر آدميٍّ حيٍّ أو ميت ، ذاتية ( من الشخص لنفسه ) أو مثلية ( من آدمي لآدمي ) طاهرة شرعاً .
2 - يتوقف جواز عمليات الترقيع الجلدي برقعة من مصدر آدميٍّ على توافر الشروط التالية :
أ ـ أن يكون الترقيع الجلدي هو الوسيلة الطبية الوحيدة الممكنة لعلاج المريض .
ب ـ ألا يتسبب نزع الجلد في حالة التبرع من الحيِّ في ضرر يماثل ضرر المتبرَّع له أو يفوقه
ج ـ أن يبلغ نجاحُ عمليةِ الترقيعِ حدَّ غَلَبَةِ الظَّنِّ .
د ـ أن يكون الحصول على الجلد الآدمي عن غير طريق البيع أو الإكراه أو التغرير ، ولا مانع من بذل المال من قبل المحتاج من أجل الحصول على الجلد اللازم إذا لم يجد متبرعاً
3 - الرقع الجلدية المأخوذة من حيوان طاهر مُذَكَّى حسب الشروط الشرعية مصدرٌ يبيحُهُ الشَّرعُ .
4 - الرقع الجلدية المأخوذة من حيوان غير مأكول ( باستثناء الكلب والخنزير ) يجوز الترقيع بها إنْ ذُكِّيَ ذكاةً شرعية .
5 - الرقع الجلدية المأخوذة من الميتة أو من حيوان حيِّ ، نجسةٌ لا يجوز استخدامها إلا عند الضرورة .
6 - الرقع الجلدية المأخوذة من الكلب أو الخنزير لا يجوز استخدامها إلا عند عدم وجود البديل الجائز شرعاً ، وعند الضرورة شريطة أن تكون مؤقتة .
7 - يجوز إنشاء بنك لحفظ الجلد الآدمي مع مراعاة ما يلي :
أ ـ أن يكون البنك بيد الدولة ، أو هيئة مؤتَمَنَة تحت إشراف الدولة .
ب ـ أن يكون الاختزان للجلود الآدمية على قدر الحاجة الواقعية والمتوقعة .
ج ـ أن تُحترم قطعُ الجلدِ التي يُستغنى عنها فتُدْفَن ولا تُلقى في مصبّ الفضلات ))(6)
9 ـ الجنايـة على جلـد الآدمي : إذا اعتدى الجاني على المجني عليـه فجَلَده ، ففيه عند الحنفية حكومة عدل ، وإذا أدَّت الجنايةُ إلى سلخ الجلد فعند الشافعية يجب فيه من الدية بمقدار ما سلخ من الجلد ، لأن في الجلد جمالاً ومنفعة ظاهرة(7).
10 ـ جلـد الحيـوان : وفيه عدة أحكام(8):
* لا يجوز سلخ جلد الحيوان الحيِّ مادام فيه رمق من الحياة ، وذلك لنهي النبي عن التعذيب عامَّةً ( انظر : بيطرة )
* اتفق الفقهاء على أنَّ جلد الحيوان الذي يؤكل لحمه يطهر بالذَّكاة الشَّرعية لأنه جلد طاهر من حيوان طاهر مأكول ، أما الحيوان الذي لا يؤكل لحمه فإنَّ جلده لا يطهر بالذكاة على رأي الجمهور ، أما عند الحنفية فإنَّه يطهر بالذكاة إلا جلد الخنزير فإنه لا يطهر ، وعلى هذا فإنه يجوز أكل جلد الحيوان الذي يحلُّ أكل لحمه ، ويجوز أيضاً استعمال الجلد الطاهر في اللباس والصَّلاة عليه وغير ذلك من الأغراض .
* ذهب الحنفية والشافعية إلى أنَّ جلد ميتة الحيوان يطهر بالدباغة ، أما المالكية والحنابلة في المشهور عندهم فإنَّ جلد الميتة لا يطهر بالدباغة .