ج 02.doc

شرح الوقاية

(عَلَى الفَوْر) وهو قول أَبي يوسف، ومذهب مالك، وأَصح الروايتين عن أَبي حنيفة. وقال محمد، وهو رواية عن أَبي يوسف وقول الشافعي: إِنه على التراخي، إِلاَّ أَنْ يَظُنَّ فَوَاتَه إِنْ أَخَّرَه، لأَنَّ الحجَّ وقته العمر نَظَراً إِلى ظاهر الحال في بقاء الإِنسان، فكان كالصلاة في وقتها، فيجوز تأْخيره إِلى آخر العمر كما يجوز تأْخيرها إِلى آخر وقتها، إِلاَّ أَنَّ جواز تأْخيره مشروط عند محمد بأَنْ لا يفوت، حتى لو مات ولم يحج أَثِم، وعليه الإِجماع. ولأَبي يوسف أَنَّ الحج في وقت معين من السنة، والموت فيها ليس بنادر فيتضيق عليه الاحتياط لا لانقطاع التوسع بالكلية، فلو حَجَّ في العام الثاني كان مؤدياً باتفاقهما، ولو مات قبل العام الثاني كان آثماً باتفاقهما.

وثمرة الخلاف بينهما إِنَّما تظهر في حق تَفْسِيقِ المُؤَخِّر وَرَدِّ شهادتِهِ عند مَنْ يقول بالفور، وعدم ذلك عند مَنْ يقول بالتراخي. وفي «السِّرَاجِ الوهَّاج»: أَنَّ الخلاف فيما إِذا كان غالب ظَنِّه السلامة، وأَمَّا إِذا كان غالب ظَنِّه الموت بسبب مرض أَوْ هَرَم، فإِنه يتضيق عليه بالوجوب إِجماعاً، فلو مات يأْثم بتركه عن ذلك الوقت. ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم «مَنْ أَرادَ الحجَّ فَلْيَتَعَجَّل، فإِنه يَمْرَضُ المريضُ، وتَضِلُّ الضَالَّةُ، وتَعْرِض الحَاجَةُ». رواه أَحمد، وابن ماجه، والبيهقي.

وأَما ما استدل به الشافعي ومَنْ تَبِعَهُ من القول بالتراخي، أَنَّ الحج فُرِضَ في سنة خَمْس أَوْ سِت أَوْ تِسْع، وحجّ عليه الصلاة والسلام في سنة عشر، ولو كان على الفور لم يؤخر، فأُجيب عنه بأَنه صلى الله عليه وسلم قد عَلِمَ بالوَحْي أَنه يعيش إِلى أَنْ يؤديه ويُعَلِّمَ الناس مناسكهم تكميلاً للتبليغ، فكان آمِناً من فواته، أَوْ لأَنه كان لعذر من نزول الآية بعد فوات الوقت، أَوْ لِخَوْفٍ من المشركين على أَهل المدينة، أَوْ لغير ذلك مِن أَمر النبيّ صلى الله عليه وسلم واختلاط المشركين بالمؤمنين ونحوها من جواز الحج النفل للضرورة كما قلنا.
ومما يدل على أَنه فُرِض سنة خمس، ما رواه أَحمد في «مسنده» من طريق محمد ابن إِسحاق: حدّثني محمد بن الوليد بن نُوَيْفِع، عن كُرَيْب، عن ابن عباس قال: بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ بنِ بكر ضِمَامَ بنَ ثعلبةَ وافداً إِلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَذَكَر له فرائض الإِسلام: الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، بعد أَنْ ذَكَرَ التوحيد. قال: وقد رواه شُرَيك بن أَبي نَمِر عن كُرَيب فقال فيه: بَعَثَتْ بنو سعد ضِماماً في رجب سنة خمس. ومما يؤيد وجه الفورية حديث الحجاج بن عمرو الأَنصاري: «مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فقد حلَّ، وعليه الحج من قابل». وهذا بناء على أَنَّ لفظ «قابل» متعارف في السَّنَّة الآتية التي تلي هذه السَّنَّة.
والحاصل: أَن حقيقة دليل وجوب الفور هو الاحتياط، فلا يدفعه أَنَّ مقتضى الأَمر المطلق جواز التأْخير بشرط عدم التفويت.

(ولو أَحْرَمَ صَبِيٌّ فَبَلَغَ، أَوْ عَبْدٌ فعَتَقَ) فمضى الصبي أَوْ العبد (لم يُؤَدِّ فَرْضَه) لأَن إِحرامه انعقد للنفل فلا يَسْقُطُ به الفرض. فإِنْ قيل: الإِحرام، شرط في الحج، والوضوء، شرط في الصلاة، فكان ينبغي أَن يجوز أَداء فرض الحج بإِحرام قبل البلوغ، كما يجوز أَداء فرض الصلاة بوضوء قبله، فالجواب أَنَّ الإِحرام إِنَّما يتحقق بنية الحج، وبها يصير شارعاً في أَفعاله من غير تجديد نيّة له، بخلاف الوضوء، فإِنه يتحقق قبل الشروع في الصلاة، وقد يُجَابُ بِأَنَّ الإِحرام شرط يشبه الركن من حيث إِمكانُ اتصال الأَداء به، فاعتبرنا شَبَهَ الركن فيما نحن فيه احتياطاً للعبادة.

(
ولَوْ جَدَّدَ الصَّبِيُّ) بعد البلوغ (إِحْرَامَهُ للفَرْضِ) قبل مُضِيّ وقت الوقوف بعرفة (صَحَّ،) إِحْرَامُه (لا لِلْعَبْدِ)، أَي لا يَصِحُّ تجديد إِحرامه له بعد العتق. والفَرْق أَنَّ إِحرام الصبي غير لازم لعدم أَهليته، ولذا لو أُحْصِر الصبي وتَحَلَّلَ لا دَمَ عليه ولا قضاء، وكذا لا جزاء عليه لارتكاب المحظورات كما صرّح به ابن الهُمَام، فيمكنه الخروج عن الإِحرام بالشروع في غيره، وإِحرام العبد لازم فلا يمكنه الخروج إِلاَّ بالإِتمام. وفي «المبسوط»: ولو أَحرم صبي وهو يعقل، أَو أَحرم عنه أَبوه صار مُحْرِماً، يعني فينبغي أَن يُجَرِّدَه ويُلبِسه إِزاراً ورداء.

(
فُروض الحَجِّ)
(
وفَرْضُهُ) أَي فرض الحج، وهو ما لا بُدَّ منه شرطاً أَو ركناً (الإِحْرَامُ) بإِجماع الأُمّة، ولأَن كل عبادة لها تحليل فلها إِحرام كالصلاة، وهو عندنا شرط الأَداء لا ركنٌ، كما قال مالك والشافعي، لأَنه يدوم إِلى الحَلْقِ، ولا يَنْتَقِلُ عنه إِلى غيره، ويجامع كلَّ ركن في الجملة، ولو كان ركناً، لما كان كذلك.

(والوُقُوفُ بِعَرَفة) أَي الحضور بها ـ ولو ساعةً ـ من زوال عرفة إِلى طلوع فجر النحر، بِشَرْطِ تقَدُّمِ الإِحرام.
(
وطَوَافُ الزِّيَارَة) أَي أَكثرُه مقروناً بالنية، وفرضيتهما بإِجماع الأُمة، وهما رُكنان اتفاقاً، لقوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُم مِن عَرَفَاتٍ}، وقوله: {ثُمَّ أَفِيضُوا من حيثُ أَفاضَ النَّاسُ}، ولقول رسولِ الله صلى الله عليه وسلم «الحَجُّ عَرَفَةَ».
رواه أَحمد، والأَربعة. أَي معظم أَركانه الذي لا يفوت بعد وجوده وقوفَها، ولقوله صلى الله عليه وسلم «الحج عرفة، فَمَنْ وقف بعرفة ساعة من ليل أَو نهار فقد تمّ حجّه». روى بمعناه أَبو داود وغيرُه، وصححه الترمذي، ولقول عائشةَ: حاضتَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيَ بعدما أَفاضت فقال صلى الله عليه وسلم «أَحَابِسَتُنَا هي؟» قالوا: يا رسولَ الله، إِنّها أَفَاضَتْ، وطَافَتْ بالبيتِ، ثُمَّ حَاضَتْ بعد الإِفاضة، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم «فَلاَ إِذاً». رواه الشيخان، ولقوله تعالى: {وليَطَّوَّفُوا بالبَيْتِ العَتِيقِ} فإِنَّه مُفَسَّرٌ بِطَواف الإِفاضة، ويَدُلُّ عليه ما قَبْلَهُ مِنْ قوله: {ثُمَّ ليَقْضُوا تَفَثَهُم}.

(
واجبات الحج)

(وَوَاجِبُهُ وُقُوفُ جَمْع) أَي مُزْدَلِفَة ـ ولو ساعةً ـ من بعد فجر النحر إِلى ما قبل طلوع الشمس، لقول النبيّ صلى الله عليه وسلم «من شَهِدَ صَلاَتَنَا هذه، وَوَقَفَ معنا حتى نَدْفَع، وقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذلك ليلاً أَو نهاراً، فَقَدْ تَمَّ حَجُّه، وقَضَى تفثه». رواه أَصحاب السنن، والطحاوي من حديث عُرْوَة بن مُضَرِّس، علَّق به تمام الحج. وبهذا ثبت الوجوب لا الركنية، لأَنه خبر الواحد، ولأَنه صلى الله عليه وسلم قدَّم ضَعَفَة أَهْلِه بليل، كما في الصحيحين عن عائشةَ قالت: كانت سَوْدةُ امرأَةً ضخمة ثَبِطة، فاسْتَأْذَنَتْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ تَفِيضَ من جَمْعٍ بِلَيْلٍ فَأَذِنَ لها، قالت عائشةُ: فليتني كُنْتُ استأْذنْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنت سودةُ، وكانَتْ عائِشةُ لا تَفِيضُ إِلاَّ مع الإِمام.
وعن ابن عباس قال: «أَنَا مِمَّنْ قدَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة مزدلفة في ضعفه أَهله مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ». ولو كان الوقوف بِمُزْدَلِفة بعد الفجر ركناً، لما جاز تَرْكُه كالوقوف بِعَرَفَة، فاندفع به قول الليث بن سعد: أَنَّ الوقوف به رُكْنٌ لقوله تعالى: {فإِذا أَفَضْتُم مِنْ عَرَفَاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ}، ولأَن المأْمور به في الآية الذّكْر، وهو ليس بركن بالإِجماع، فلا شيء على مَنْ تَرَكَهُ بِعُذْرٍ لما قدّمنا.
وقال الشافعي: الوقوف بِجَمْعٍ سنَّة، وله في المَبِيت به قولان: الوجوب والسُّنِّية، وهو مذهبنا. وأَما ما ذكره العيني في «شرح تُحْفَةُ الملوك »
مِن أَنَّ الوقوف بِمُزْدَلِفة رُكْن عند الشافعي ـ وتَبِع فيه «الهداية» ـ فغيرُ صحيح، بل وَهْمٌ صَريح.

وسُمِّي جَمْعاً لاجتماعِ آدم مع حَوَّاء فيه. وسُمّي مُزْدَلِفة لأَن آدم ازدلف فيه من حواء، أَي دنا منها بعد بُعْدِه عنها، أَوْ لاقتراب الناس إِلى مِنى، أَوْ لأَن الوَاقِفِينَ فيه يَزْدَلِفُون إِلى الله تعالى: أَي يَتَقَرَّبُونَ إِليه.
(
والسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ)، وقال مالك، والشافعي: وهو ركن لقوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا والمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ}، وما كان من الشعائر كان ركناً، ولقوله صلى الله عليه وسلم «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عليكم السَّعْيَ فَاسْعَوْا»، رواه ابن أَبي شَيبةَ. وروى الدَّارَقُطْنِيّ بإِسنادٍ صحيح: «أَنَّ نِسْوَةً مِن بَنِي عبد الدَّار اللاتي أَدْرَكْنَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قُلْنَ: دَخَلْنَا دار أَبي حسين، فَرَأَيْنَا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفا والمروة، والنَّاسُ بين يديه، وهو مِن ورائِهِم، وهو يَسْعَى حَتَّى نَرى رُكْبَتَيْهِ مِن شِدَّةِ السَّعي، وهو يقول: اسْعَوا فإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عليكمُ السَّعْيَ».

والجواب عن الآية بأَنَّ المُزْدَلِفَةَ مِنَ الشعائر، ولذا سُمِّي بالمَشْعَر الحرام، مع أَنَّ الوقوف بها وكذا المبيت فيها ليس بركن اتفاقاً، على أَنَّ قوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عليه أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} ينفي الركنية والوجوب جميعاً، إِلاَّ أَنَّا تركنا الظاهر في الإِيجاب للإِجماع، وأَما ورود النَّص بِنَفْي الحرج لأَنَّ الصحابة كانوا يَحْتَرِزُونَ عن الطوافِ بهما لمكان الصنمين: «إِساف»، و «نائلة» حيث كانا عليهما في الجاهلية. ورُوِي عن أَنَس، وابن عباس، وابن الزبير أَنَّهُم عملوا بظاهر الآية ولم يُوجِبُوا بِتَرْك السَّعْي شيئاً، وقالوا: بأَنه تَطَّوُّع، وعن الحديث بأَنَّه آحاد، فلا: يثبت به الفَرْضية، وإِنما يثبت به الوجوب، وقد قلنا به.

(ورَمْيُ الجِمَار) لقول عبد الرحمن بن مُعَاذ التَّيْمِي: «خَطَبَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بِمِنىً، ففتحنا أَسماعنا، حتى كنَّا نَسْمَعُ ما يقول ونَحْنُ في منازلنا، فَطَفِقَ يُعَلِّمُهُم مَنَاسِكَهِم حتى بلغ الجِمار، فَوَضَع أُصْبَعَيْه السَّبَّابَتَيْنِ ثم قال: بحصَى الخَذْف». رواه أَبو داود.
(
وطَوافُ الصَّدَرِ) ـ بفتحتين ـ وهو طواف الوداع (للآفاقِي) من الحاج دون المعتمر، لما في الصحيحين من حديث ابن عباس قال: «أُمِر النَّاسُ أَنْ يكون آخر عَهْدِهم بالبيت، إِلاَّ أَنَّه خُفِّفَ عن المرأَة الحائض». أَي سَقَطَ، وفي لفظ لمسلم، وأَحمد قال: «كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لا يَنْفِرَنَّ أَحَدُكُم حتى يكونَ آخِرُ عَهْدِهِ الطوافَ بالبيت». وقال مالك والشافعي: هو سُنَّة.
قَيَّدَ بالآفاقي، لأَن المكي ومَنْ في حُكْمِهِ مِمَّنْ هو دون الميقات لا يجب عليه طواف الصَّدَر بالاتفاق. ولو نوى الآفاقي الاستيطان قبل النَّفْر الأَول صار من أَهل مكة، ولو نواها بعده لَزِمه طواف الصَّدَر.
(
والحَلْقُ) وكان حَقُّه أَنْ يُقَدَّم على طواف الصَّدَر، والمراد به هو، أَو ما يقوم مقامه: من تقصير وإِمرار موسى، وإِنَّما يجبُ لأَمر النبيّ صلى الله عليه وسلم به، ودعائه للمُحَلِّقين ثلاثاً، وللمُقَصِّرِينَ واحدةً، ولما رُوِي عن أَنس: «أَنه صلى الله عليه وسلم أَتى منى، فأَتى الجَمْرة فرماها، ثم أَتى منزله بمنى ونَحَرَ وقال للحلاق: خُذ ـ وأَشَارَ إِلى جَانِبه الأَيمن، ثم الأَيسر ـ، ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيه النَّاسَ». رواه مسلم، وأَبو داود، وأَحمد. ويتعين التقصير للمرأَة لقوله صلى الله عليه وسلم «ليس على النساء الحَلْقُ، إِنَّما على النساءِ التَّقْصِيرُ». رواه أَبو داود.

(وغَيْرُهَا) أَي غير هذه المذكورات من الفرائض والواجبات (سُنَنٌ) مؤكَدَةٌ كالرَّمَلِ في الطواف، والهرولة في السَّعْيِ، والمبيت بِمِنىً لياليها، لما رُوي: «أَنه صلى الله عليه وسلم بات بها». رواه أَبو داود (وآدَابٌ) مستحبَّة كما سيأتي. والأَصل في ذلك كله فِعله صلى الله عليه وسلم مع قوله: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم»، ولا يخفى أَنَّ قوله: «وغَيْرُهَا سُنن وآداب»، إِنْ أُرِيدَ أَنَّ كل ما هو غير المفروض والواجبات مطلقاً، فَسُنَنٌ وآداب، فليس بِمُفيد، وإِنْ أُرِيدَ أَنَّ كُلَّ ما هو غير هذه الفرائض الثلاثة وهذه الواجبات الخمسة سُنَنٌ وآداب، فمَمْنُوعٌ بِأَنَّ كثيراً من الواجبات غَيْرُ مذكور هنا: منها الإِحرام من الميقات، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تُجَاوِزُوا الوقت إِلاَّ بإِحرام»، رواه ابن أَبي شيبةَ، والطبراني من حديث ابن عباس. وروى الشافعي في «مسنده» عن أَبي الشعثاء: «أَنَّه رأَى ابن عباس يَرُدُّ مَنْ جَاوَزَ الميقاتَ غَيْرَ مُحْرِم». وروى إِسحاق بن رَاهُويه في «مسنده»: أَخبرنا فُضَيْلُ بنُ عِياض، عن لَيْث بن أَبي سُلَيم، عن عطاء، عن ابن عباس: «إِذا جاوز الوقتَ فلم يُحْرِم حتى دخل مكة، رَجَعَ إِلى الوقت فأَحرم، فإِنْ خَشِيَ إِنْ رَجَعَ إِلى الوقت فإِنه يُحْرِمُ ـ أَي في الطريق ـ ويهريقُ لذلك دماً».
ومنها مَدُّ الوُقُوفِ بِعَرفة من الزوال إِلى الغروب، لأَن النبي صلى الله عليه وسلم إِنَّما دَفَعَ بعد الغروب، وقد قال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم»، وقال في خطبته: «أَمَّا بَعْدُ، فإِنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ كانوا يدفعون من هذا الموضع، إِذا كانتِ الشمس على رُؤوسِ الجبال مِثْلَ عمائم الرِّجالِ في وجوهها، وإِنَّا نَدْفَعُ بَعْدَ أَنْ تَغِيب». رواهما الحاكم.

وكذا الرَّمْيُ، والحَلْقُ، وطَوَافُ الزِّيارة في أَيام النحر، وتقديم الرمي على الحَلْق ونحر القَارِن، والمتمتع بين الرمي والحلق من الواجبات عند أَبي حنيفة.
وقالا: إِنها سنة لما رواه الطحاوي عن علي رَضِيَ الله عنه قال: «أَتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ فقال: يا رسولَ الله، إِنِّي أَفَضْتُ قَبْلَ أَنْ أَحْلِق قال: احْلِقْ ولا حَرَج، قال: وجاءه آخر فقال: يا رسولَ اللهاِ إِني ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرمي، قال: ارْمِ ولا حرج». وما رواه عن ابن عباس: «أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِل عَمَّنْ يَحْلِق قبل أَنْ يَذْبَحَ، أَوْ ذَبَحَ قبل أَن يَحْلِق، فقال: لا حَرَجَ». وفي لفظ آخر: «أَنَّه قيل له يومَ النَّحْر ـ وهو بِمنَى ـ في النَّحْر والحَلْقِ والرمي والتقديم والتأْخير، فقال: لا حَرَجَ». وفي لفظ آخر: أَنه قال: «ما سُئِل رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَومَئِذٍ عَمَّنْ قَدَّم شيئاً قبل شيءٍ إِلاَّ قال: لا حَرَجَ». ورُوي عن جَابِر بن عبد الله بِمَعْنَاه.

ولأَبي حنيفة أَنَّ ابن عمر كان يرى في تأْخير النُّسُكِ دَماً. وعن ابن عباس: فيمن أَخَّرَ نُسُكاً عَنْ نُسُكٍ أَوْ قَدَّمَ نُسُكاً على نُسُكٍ أَنَّ عليه دَماً. والمرفوع محمول على النسيان كما رُوِي مَشْرُوحاً عن عليَ كرَّم الله وَجْهَهُ: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سَأَلَهُ رجلٌ في حَجَّته فقال: إِني رَمَيْتُ، وأَفَضْتُ، ونَسِيتُ ولم أَحْلِق، قال: فاحْلِق ولا حَرَجَ»، ثم جاءه رجلٌ آخر فقال: رَمَيْتُ وأَفَضْتُ ونَسِيتُ أَنْ أَنْحَر، قال: «فانْحَر ولا حَرَج». وعن عبد الله بن عمر أَنَّه قال: وَقَفَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في حَجَّةِ الوَدَاع للناسِ يَسْأَلُونَه، فجاءه رجلٌ فقال: يا رسولَ اللّهِ لم أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْل أَنْ أَرْمِيَ، قال: «ارْمِ ولا حَرَج»، قال: فَمَا سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن شيءٍ قُدِّم ولا أُخِّر إِلاَّ قال: «افْعَل ولا حَرَج».
فَدَلَّ ما روينا: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إِنَّما أَسْقَطَ الحَرَج عنهم في ذلك للنِّسْيان أَو الجَهْل، لا أَنه أَباح لهم ذلك حتى يصير فِعْله مباحاً في العمل، كيف وابنُ عباس أَحَدُ رواة نَفْي الحَرَجُ يُوجِبُ بالتقديمِ والتأْخيرِ دَماً، فكان معنى ذلك عنده، على أَنَّ الذي فعلوه في حجّة النبي صلى الله عليه وسلم للجهل منهم بالحُكْم فيه كيف هو فَعَذَرَهُم، إِذ كان ابتداء الخطاب بالمناسك على التمام والترتيب، وكان مِمَّن لم يبلغهم الخطاب، لا يلزمهم على ما هو الأَصل في ابتداء الشرع: أَنَّه لا يجب إِلاَّ بعد السَّمَاع، هذا خلاصة ما ذكره الطحاوي والدَّبُوسي.

وكذا الحَلْقُ في الحَرَم واجب (عند أَبي حنيفة ومحمد، وسُنَّةُ) عند أَبي يوسف، وكذا الاستقامة في الطواف: وهي أَنْ يَشْرَعَ على أَيْمَنَ ما يلي الباب. وكذا الطهارة له من الحَدَثَيْن وستر العورة واجبان عندنا لا شرائط كما قال مالك والشافعي، ولا خلاف في رُكْنِيَّة طواف الزيارة، وعدم تمام الحج بدونه، وعَدَم جَبْرِه بشيء دونَ فِعْله، وإِنَّما الخلافُ في شروطه وكيفيته، فقال علماؤنا: طواف المُحْدِث والجُنُب يقع به التحلل عن الحج، وكذا بدون الستر، وبالمنكوس والمعكوس. وعندهما لا يقع به التحلل ويكون كَمَن لم يَطُف.
وجملة الجواب عندنا: أَنَّ مَنْ طَافَ وتَرَكَ واحِداً مما ذكرنا أَنَّهُ يَجِبُ عليه الإِعادة، وإِنْ لم يُعِد حتى خرج إِلى أَهله يَجبر نَقْص الجناية بالبَدَنة، ونقص البواقي بالشاة.

ولهما أَنَّ الطهارة شَرْطُ هذه العبادة قياساً على الصلاة، ولقوله صلى الله عليه وسلم «الطَّوَافُ بالبيتِ صَلاَةٌ إِلاَّ أَنكم تَتَكَلَّمُونَ فيه، فَمَنْ تَكَلَّمَ لا يتكلمُ إِلاَّ بخَيْر»، رواه الترمذي. أَي صَلاَةٌ حُكْماً، لأَنَّه صلى الله عليه وسلم بُعِث لتعليم الأَحكام، ولأَنه استثنى، فَعُلِمَ أَنَّ المستثنى منه أَيضاً حُكْمٌ، فثبت أَنَّ الطهارة شرطُ هذا الركن، بخلاف سائر أَركان الحج، وأَنَّه مُشَبَّه بالصلاةِ في هذا الحُكْم.
ولِعُلمائنا قَوْلُه تعالى: {ولْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيق}، وأَنَّه في اللغة عبارة عن الدوَرَان حول البيت، فَمَنْ شَرَطَ للخروج عن عُهْدَة هذا الأَمر غير هذا الفعل، من طهارةٍ فَقَدْ زَادَ على النص وذلك بِمَنْزِلَةِ النَّسْخِ، فلا يجوز بخبر الواحد، ولا بالقياس.

فإِنْ قيل: فِعْلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم الطوافَ بطهارةٍ كان بياناً للأَمر في حق الطهارة، إِذ النص كان مُجْمَلاً في حقِّ الطهارة، وهذا الفعل ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتواتر. قلنا: إِنَّما يقال: إِنَّه بيان، إِذا كان النص يحتمله بِوَجْهٍ، والأَمر بالطواف لا يحتمل الطهارة، فيصير زيادة لا محالة، والزيادة قد تكون لتعلق أَصل الجواز به، وقد تكون لتعلق الكمال به، فلا يتعلّق به أَصل الجواز بالاحتمال، بل يبقى معه ظاهر النص كما كان، ولأَن الأَصل في (النصوص الظاهرة أَنها لا تتوقفُ) على البيان، وما يوجد من رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون بياناً للكامل منه في حق العمل (وفي حقِّ العلم، أَما في حقِّ العلم، فالطهارة ليست بشرط كسائر أَركان الحج، وفي حق العمل) فالطهارة شرط له كالصلاة.
فعلى هذا أَمْرُ الطواف، أَصله بِقَدْرِ ما تدل عليه الآية واجبٌ عِلْماً وعَمَلاً، وما زِيدَ بالسُّنَّةِ مما لا يمكنُ إِضَافَتُه إِلى الآية واجبٌ عَمَلاً لا عِلْماً، إِما لأَنَّ الخبر خَبَرُ واحدٍ، فلا يُنْسَخُ به الفرضُ الثابت بالكتاب، فَيُحْمَل عليه، حتى لا يكون نسخاً، أَوْ لأَن النسخ لا يُصَارُ إِليه ما أَمكن حَمْلُ فِعْل رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيان الأَكمل به بواجب من قبله لا بالكتاب، فيحمل عليه حتى لا يكون نسخاً. وستجيء سننه وآدابه.
(
وأَشْهُرُهُ شَوّال وذو القِعْدة) ـ بفَتْح القاف وتكسر ـ (وعَشْرُ ذِي الحِجَّة) ـ بكسر الحاء ـ أَي عشرة أَيام منها، فإِنَّه إِذا حُذِف التمييز جاز التذكير، وهو قول العبادلة. وعن أَبي يوسف: عَشْرُ ليالٍ وتسعةُ أَيَّام. وقال مالك: وذو الحِجة بِتَمَامِهِ لقوله تعالى: {أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}، أَي وَقْتُه، والشَّهْرُ يقع على الكامل حقيقةً، وعلى غيره مَجَازاً من باب إِطلاق الكل وإِرَادَة البعض.

ولنا ما أَخرجه الحاكم ـ وقال: على شرط الشيخين، وعَلَّقَهُ البُخَاري ـ عن ابن عمر في قوله تعالى: {الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}، قال: شوال، وذو القِعدة، وعَشْرُ ذي الحِجة، وتَفْسِيرُ الصحابي في حُكْم الرفع. وبهذا يتم الاستدلال. وأَخرج الدَّارَقُطْنِيّ، وابن أَبي شيبة عن ابن عباس وابن الزبير وابن مسعود نحوه. وفائدة توقيت الحج تظهر في أَنَّ شيئاً من أَفعال الحج لا يجزىء إِلاَّ فيه، لا في أَنَّ أَفعال الحج تجزىء في أَي وقت كان منه، فلو أَحرم بالحج في رمضان وسَعَى بعد أَكثر طواف القدوم في شوال أَجزأَه ذلك عن السعي الواجب، وإِن سعى في رمضان لا يجزئه.
(
وكُرِهَ) أَي كراهة تحريم (إِحْرَامُهُ له) أَي الحج (قَبْلَهَا) أَي قبل أَشْهُرِ الحج، لئلا يقع في محظور من محظوراته، فلو أَمِنَ من وُقُوعِ محظورٍ لا يُكْرِه على ما في «المحيط». ولو أَحرم صح، لأَن الإِحرام شرط، فيجوز إِيقاعه قبل وقت المشروط، وفيه خلاف مالك والشافعي لأَنه ركن عندهما، كما تقدّم. ولو أَحرم يوم النحر بالحج للقابل لم يُكْره عند أَبي حنيفة ومحمد، كما في «الذخيرة». ومن فوائد التأَقيت: أَن لو مَلَكَ الزاد والراحلة قبل الأَشهر فاسْتَهْلَكَهُمَا لم يجب الحج، كما في «المحيط».

ولنا ما أَخرجه الحاكم ـ وقال: على شرط الشيخين، وعَلَّقَهُ البُخَاري ـ عن ابن عمر في قوله تعالى: {الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}، قال: شوال، وذو القِعدة، وعَشْرُ ذي الحِجة، وتَفْسِيرُ الصحابي في حُكْم الرفع. وبهذا يتم الاستدلال. وأَخرج الدَّارَقُطْنِيّ، وابن أَبي شيبة عن ابن عباس وابن الزبير وابن مسعود نحوه. وفائدة توقيت الحج تظهر في أَنَّ شيئاً من أَفعال الحج لا يجزىء إِلاَّ فيه، لا في أَنَّ أَفعال الحج تجزىء في أَي وقت كان منه، فلو أَحرم بالحج في رمضان وسَعَى بعد أَكثر طواف القدوم في شوال أَجزأَه ذلك عن السعي الواجب، وإِن سعى في رمضان لا يجزئه.
(
وكُرِهَ) أَي كراهة تحريم (إِحْرَامُهُ له) أَي الحج (قَبْلَهَا) أَي قبل أَشْهُرِ الحج، لئلا يقع في محظور من محظوراته، فلو أَمِنَ من وُقُوعِ محظورٍ لا يُكْرِه على ما في «المحيط». ولو أَحرم صح، لأَن الإِحرام شرط، فيجوز إِيقاعه قبل وقت المشروط، وفيه خلاف مالك والشافعي لأَنه ركن عندهما، كما تقدّم. ولو أَحرم يوم النحر بالحج للقابل لم يُكْره عند أَبي حنيفة ومحمد، كما في «الذخيرة». ومن فوائد التأَقيت: أَن لو مَلَكَ الزاد والراحلة قبل الأَشهر فاسْتَهْلَكَهُمَا لم يجب الحج، كما في «المحيط».

(
أحكام العمرة)
(
والعُمْرَةُ سُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ لِمَنِ استطاع. وقيل: واجبة، وعن بعض أَصحابنا أَنه فرض كفاية كما في «الكافي». ومذهب مالك أَنَّها سنّة. وقال الشافعي ـ في قوله الجديد ـ: إِنها فرض عين لِقِرَانها بالحج في قوله تعالى: {وأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ}، ولما روى الحاكم ـ وقال: على شرط الشيخين ـ عن أَبي رَزِين العُقَيْلي: «أَنَّه قال: يا رسولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبي شَيْخٌ كبيرٌ لا يستطيعُ الحَجَّ ولا العُمْرَةَ ولا الظَّعْنَ، ـ أَي الارتحال ـ فقال: احْجُجْ عن أَبيكَ واعتَمِرْ».

ولنا ما روى الترمذي ـ وقال: حسن صحيح ـ عن جابر بن عبد الله قال: «سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن العُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ؟ قال: لا، وأَنْ تَعْتَمِرُوا هو أَفْضَل». وقد روى ابنُ جُرَيْجٍ، عن محمد بن المُنْكَدِرِ، عن جابر موقوفاً، وروى عبدُ الباقي بنُ قَانِع، عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الحَجُّ جِهَادٌ، والعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ». وروى ابن ماجه عن طَلْحَة بن عبيد اللّه، أَنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الحَجُّ جِهَادٌ والعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ». وأَخْرَجَ ابن أَبي شيبة من حديث أَبي أُسامَةَ، عن سعيد بن أَبي عَرُوبَةَ، وعن أَبي مَعْشَر، عن إِبراهيم قال: قال ابنُ مسعود: «الحَجُّ فَرِيضَةٌ، والعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ»، وكفى بعبد الله قُدْوَةً.
وأُجِيبَ عن الآية: بأَنَّ (قِرَانَها في الذكر) لا يقتضي المساواة في الحكم، ولو سُلِّمَ فقِرَانُها بالحَجِّ في الآية إِنَّما هو في الإِتمام، وذلك إِنَّما يكونُ بَعْدَ الشُّرُوعِ. وعن حديث أَبي رَزِين: بأَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا أَمَرَهُ بِأَنْ يَحُجَّ ويعتمرَ عن أَبيه، وحَجُّهُ واعْتِمَارُه عن أَبِيه ليس بواجب، مع أَنَّ قول أَبي رَزِين: «لا يستطيعُ الحَجَّ ولا العُمْرَةَ» يَقْتَضِي عدم وجوبهما على أَبيه، فيكون الأَمْرُ في حديثه للاستحباب.

وأَما ما روى الحاكم، والدَّارَقُطْنِيّ عن زَيْد بن ثابت قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم «الحَجُّ والعُمْرَةُ فَريضَتَانِ لا يَضُرُّكَ بأَيِّهِما بَدَأْتَ». فقال الحاكم: الصحيح عن زيد بن ثابت من قوله. انتهى. وفيه إِسماعيل بنُ مسلم المَكِّي: ضَعَّفوه. قال البخاري: مُنْكَرُ الحديث. وقال أَحمد: حرقنا حديثه. وأَما ما رواه البَيْهَقِيّ عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين موقوفاً، وهو الصحيح. وعن ابن عمر: «ليس أَحَدٌ من خَلْقِ اللَّهِ تعالى إِلاَّ وعليه حَجَّةٌ وعُمْرَةٌ واجبتان، على من استطاع إِلى ذلك سبيلاً». وعن ابن عباس: «الحَجُّ والعُمْرَةُ فريضتانِ على النَّاسِ كُلِّهم إِلاَّ أَهْلَ مَكَّةَ فإِنَّ عُمْرَتَهُم طَوَافُهُم، فَلْيَخْرُجُوا إِلى التَّنْعِيم ثُمَّ لِيَدْخُلوها...» الحديثَ. رواه الحاكم، وقال: على شرط مسلم. فكلُّ مذهبِ صحابيَ مَعَارَضٌ بمِثْلِهِ أَو بأَعْلَى منه.

ثم اعلم أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر بعد الهجرة أَرْبَعَ عُمَرٍ، كُلُّهُنَّ في ذِي القِعْدَة، إِلاَّ التي مع حَجَّتِهِ. وعن ابن حَزْم: «حَجَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم واعتمر قَبْلَ النبوّة وبعدها قبل الهجرة حِجَجاً وعُمْراً، لا نعرف أَعدادها».
(
وهِيَ) أَي العمرة (طَوَافٌ،) وهو رُكْنٌ بإِجماع الأَمة (وسَعْيٌ) واجب عندنا. وكذا الحَلْقُ أَوْ التقصير في الصحيح. وقيل: إِنه شرط للخروج منها. ويُشْتَرَطُ فيها الإِحرام كما في الحج.
(
وجَازَتْ) مَرَّةً أَوْ أَكْثَر (في كُلِّ السَّنَةِ،) لأَنها غير مُؤقتة (وكُرِهَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ، وأَرْبَعَةً بَعْدَها): وهي يومُ النحر، وثلاثة أَيام التَّشْريق، لما رُوِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّها كانت تَكْرَهُ العُمْرَةَ في الأَيام الخمسة.

ولأَن الله تعالى سَمَّى هذه الأَيامَ أَيَّامَ الحج، فَيَقْتَضِي أَنْ تكون متعينةً للحج، فلا يجوز الاشتغال فيها بغيره. ولكن مع هذه الكراهةِ، لو نَوَاهَا في هذه الأَيام صَحَّ، ويبقى مُحْرِماً بها، فإِنْ أَهَلَّ بالعُمْرَة في هذه الأَيام رَفَضَها، وإِنْ مضى عليها صَحَّ ولَزِمه دمٌ في الوجهين: من الرَّفْضِ، وعَدَمِهِ. أَمَّا في الرفض فظاهر، وأَمَّا في عَدَمِهِ فَلِجَمْعِهِ بينهما إِمَّا في الإِحرام أَو في الأَفعال الباقية.
وقال ابنُ دقيقِ العيد في «الإِمام»: روى إِسماعيل بن عَيَّاش، عن إِبراهيم بن نافع، عن طَاوسِ قال: قال الحَبْرُ ـ يعني ابن عباس ـ: «خمسة أَيام: يوم عرَفَةَ، (و) يوم النَّحْر، وثلاثة أَيام التشريقِ، اعْتَمِر قَبْلَها وبعدَها ما شئت». وفيه دليل على أَنَّ العمرة المفردة لأَهل مكةَ في أَشْهُر الحج غير مكروهة، وإِنَّما الممنوعُ في حَقِّهم القِران والتمتع، كما سيجيء.

(
مواقيت الإحرام)
(
ومِيقَاتُ المَدَنِيِّ) الميقات: الوقت المعين، استُعِير للمكانِ المُعَيَّن، كعكسه في قوله تعالى: {هنالك ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ}، أَي مكان إِحرامه ومَنْ وافقه في مرامه، (ذُو الحُلَيْفَةِ) ـ بالحاء والفاء مصغراً ـ بينه وبين مكة عشرة مراحل، أَو تِسْعٌ، وبينه وبين المدينة ستة أَميال أَو أَقل، وهو أَبعد المواقيت من مكة.
(
والعِرَاقيِّ) وسائر أَهل الشرق (ذَاتُ عِرْقٍ) ـ بِكَسْرِ العين المهملة وسكون الراء ـ بينه وبين مكة ثلاثة أَيام ولياليها، ويقال له العقيق.
(
والشاميِّ جُحْفَة) ـ بِضَم الجيم وسكون الحاء المهملة ـ ويقال لها رَابِغ. وهو على نحو ثلاثة مراحل من مكة على طريق المدينة.
(
والنَجْدِيِّ قَرْنٌ) ـ بفَتْحِ القاف وسكون الراء ـ وهو جبل مشرف على عرفات، بينه وبين مكة نحو مرحلتين.

(واليَمَنِيِّ يَلَمْلَم) ـ بفتح التحتية واللامين ـ وهو من جبال تِهَامة على مرحلتين من مكة. وروى الشيخان من حديث ابن عباس: «أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم وَقَّتَ لأَهل المدينة ذا الحُلَيْفةِ، ولأَهل الشامِ الجُحْفَةَ، ولأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِل، ولأَهل اليمنِ يَلَمْلَمَ: هُنَّ لَهُنَّ، ولِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ من غير أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَراد الحَجَّ والعمرة ـ أَي مكانهما ـ ومَنْ كان دون ذلك، فمن حيثُ أَنشأَ حتى أَهْلُ مكة من مكةَ». أَي أَنشأَوا إِحرامهم منها للحج، وأَمَّا للعمرة فلا بدَّ لهم من الخروج إِلى الحِلِّ من أَرض الحرم. ورُوِي: هنَّ لَهُم، والمشهور الأَول، وَوَجْهُهُ أَنَّه على حذف مضاف، والتقدير: هُنَّ لأَهلهن.
وروى البخاري عن ابن عمر قال: «لما فُتح هذان المصرانِ أَتَوْا عمر فقالوا: يا أَمير المؤمنين، إِنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حَدَّ لأَهل نَجْدٍ قَرْناً وهي جَوْرٌ عن طريقنا ـ أَي مائل ـ وإِنَّا إِذا أَرَدْنَا قَرْناً شَقَّ علينا، قال: انظروا حَذْوَها من طريقِكم، فَحَدَّ لَهُم ذاتَ عِرْق». والمِصْران: هما البصرة والكوفة. وقد ثبت في «صحيح مسلم» عن أَبي الزُّبَيْر عن جابر قال: سمعت، أَحسبه رَفَعَ الحديثَ إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مُهَلُّ أَهْلِ المدينة.... إلى أَن قال: ومُهَلُّ العِرَاقِ من ذَاتِ عِرْق». إِلاَّ أَنَّ الراوي شكَّ في رَفْعِهِ في هذه المرة، ورواه مرةً أُخرى بلا شك على ما في ابن ماجه. ولفظ ابن عمر: «ومُهَلُّ أَهْل الشُّرْق ذَاتُ عِرْق». إِلاَّ أَنَّ في سنده إِبراهيم بن يزيد الجوزي لا يُحتج بحديثه.

وفي «سُنن أَبي داود» عن عائشة: «أَنه صلى الله عليه وسلم وَقَّتَ لأَهل العراق ذاتَ عِرْق». وفيها أَيضاً عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن ابن عباس قال: «وَقَّتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأَهْل المَشْرِقِ العَقِيق». قال البيهقي: تَفَرَّدَ به يزيد بن أَبي زياد، عن محمد بن علي، وقال ابن القطان: أَخافُ أَنْ يكون مُنْقَطِعاً، فإِنَّ محمداً فيما عُهِدَ يَرْوي عن أَبيه، عن جَدِّه. وفي «مُسنَد البَزَّارِ» عن مُسْلم بنِ خالد الزَّنْجِي، عن ابن جُرَيْج، عن عطاء، عن ابن عباس: «وقّت رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لأَهل (المَشْرق) ذَاتَ عِرْق».
وقال الشافعي: أَخبرنا سعيد بن سالم: أَخبرني ابن جُرَيْج: أَخبرني عطاء: أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فذكره مُرْسَلاً بِتَمَامِهِ. وفيه: «لأَهْل المَشْرق ذَاتُ عِرْق». قال ابن جُرَيْج: قلت لعطاء: «إِنَّهم يَزْعُمون أَنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يُوَقِّتْ ذَاتَ عِرْق»، وإِنَّه لم يكن أَهلُ مَشْرِق يَوْمَئِذٍ، فقال: كذلك سَمِعْنا أَنه صلى الله عليه وسلم وَقَّتَ لأَهلِ المَشْرِق ذَاتَ عِرْق». قلت: ولَعَلَّهُ ما بَلَغَ عُمَرَ رَضِيَ الله عنه، فيكون من جملة موافقاتِهِ له صلى الله عليه وسلم
ولو سلك في البَرِّ والبحر بين ميقاتين، اجتهد وأَحرم إِذا حَاذَى واحداً منهما، وإِحْرَامُه مِنْ أَبعدهما أَوْلى. ولو لم يُحْرِم المَدَنِي، ومَنْ بمعناه، من ذي الحُلَيْفَة، وأَحرَمَ من الجُحْفَة، لا شيء عليه وكُرِهَ وفاقاً. وعن أَبي حنيفة يلزمه دَمٌ، وبه قال الشافعي. لكنَّ الظاهر هو الأَول، لما رُوِي في الحديث من قوله عليه الصلاة والسلام: «هُنَّ لَهُنَّ ولِمَنْ أَتى عليهن من غَيْر أَهْلِهِنَّ». فَمَنْ جاوز إِلى الميقات الثاني صار ميقاتاً له.

(وَحَرُمَ تَأْخيرُ الإِحرام عنها) أَي عن هذه المواقيت وعن ما حذاها (لِمَنْ قَصَدَ دُخُولَ مَكَّةَ) أَو الحَرَم، سواء قَصَدَ الحَجَّ أَو العُمْرَة أَو لم يقصد أَحَدَهُمَا، فإِنْ دخل بلا إِحرام فعليه حجة أَوْ عمرة لوجوب الإِحرام منها لأَحَد النُّسُكَيْن، ولزم الدَّمُ بالتأخير، واحترز به عَمَّن قَصَدَ موضعاً دون الحرم، كبُسْتَان بني عامر ونحوه، سواء نوى الإِقامة فيه خمسة عشر يوماً أَوْ لم يَنْوِ فإِنه (يجوز له) مجاوزة الميقات بغير إِحرام، ويصير كأَهْلِ ذلك الموضع. ومذهب مالك: يجوز مجاوزة الميقات بغير إِحرام للذي يكثر تَرْدَادُه إِلى مكة كأَهلها والمقيمين بها، الذين يخرجون للمعاش، دون أَهل الآفاق الذين إِنَّما يَقْصِدُونها لحاجة أَو تجارة.

ومذهب الشافعي على طريقين: أَحدهما يحكِي القَطْع بالاستحباب فيمن يَقْصِدُ مَكَّةَ لحاجة أَو تجارة أَو رسالة، وأَصحهما يحْكي قولين: أَحدهما لزوم الإِحرام، والآخر استحبابه وهو أَظهرهما. لهما ما روى مسلم والنَّسائي من حديث جابر: «أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم فَتْحِ مَكَّةَ، وعليه عِمَامَةٌ سوداءُ، بغير إِحرام».

ولنا ما قدمنا، وما روى ابن أَبي شيبةَ، عن عبد السلام بن حَرْب، عن خُصَيْف، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس: أَن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا تُجَاوِزُوا الميقاتَ إِلاَّ بالإِحرام». وهو لِكَونِهِ منطوقاً أَولى مِن أَخْذِ الشافعي بمفهوم قوله صلى الله عليه وسلم مِمَّن أَراد الحج والعمرة. ودُخُولُه صلى الله عليه وسلم عام الفتحِ بغير إِحرام حُكْمٌ مخصوص له ولأَصحابه بذلك الوقت، ولذا قال صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم: «إِنَّها ـ أَي مكةَ ـ لا تَحِلُّ لأَحَدٍ قَبْلِي ولا تَحِلُّ لأَحَدٍ بعدي، وإِنَّما حَلَّتْ لي ساعةً مِن نهار، ثُمَّ عادَتْ حَرَاماً». يعني في الدخول بغير إِحرام للإِجماع على حِلِّ الدُّخُولِ بعده صلى الله عليه وسلم للقِتال مع الإِحرام.
(
لا التَّقْدِيمُ) أَي لا يَحْرُم تقديمُ الإِحرام على هذه المواقيت، بل هو أَفضل إِذا كان في أَشهر الحج، وأَما فيما قبله فمكروه، لما روى الحاكم من حديث عبد الله بن سَلَمَة المُرَادي قال: «سُئِل علي رَضِيَ الله عنه عن قوله تعالى: {وأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ}، أَي من الإِتمام بمعنى الإِكمال، قال: أَنْ تُحْرِمَ من دُوَيْرَةِ أَهلك». وقال: صحيح على شرط الشيخين. وقد رُوي أَيضاً من حديث أَبي هريرة مرفوعاً، ونُظِرَ فيه. ولكن يَشْهَدُ له قوله صلى الله عليه وسلم «مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَو عُمْرَةٍ من المسجد الأَقصى إِلى المسجد الحرام، غُفِر له ما تَقَدَّم من ذنبه وما تأَخر، وَوَجَبَتْ له الجنةُ». رواه أَحمد، وأَبو داود، وابن ماجه. ولأَنه أَكثر تعظيماً وأَوْفر مشقةً، والأَجْر على قَدْرِ المَشَقَّةِ. ولذا كانوا يستحبون الإِحرام بهما من الأَماكن القاصية، فَرُوي عن ابن عمر أَنَّه أَحْرَم من بيت المقدس، وعِمْران بن حُصَيْن من البصرة، وابن مسعود من القادسية، وابن عباس من الشام.

وأَما قول صاحب «الهداية»: إِن الرواية عن ابن مسعود كعلي في تفسير قوله تعالى، فغير معروف، وإِنَّما رواه البَيْهَقِيُّ عنه، قال: «أَتموا الحج والعمرة لله».

وعن أَبي حنيفة: أَن تقديم الإِحرام على الميقات لا يكون أَفضل إِلا لِمَنْ أَمِنَ على نفسه الوقوع في محظور الإِحرام. وكره مالك تقديم الإِحرام على الميقات، اعتباراً له بتقديمه على أَشْهر الحج. والجواب ما قدمناه في شَبَهِ الإِحرام بالرُّكْن.
(
وحَلَّ لأَهْلِ دَاخِلِهَا) أَي داخل المواقيت، وكذا لِمَنْ هو مَنْزِلُه في نفس الميقات (دُخُولُ مكةَ غَيْرَ مُحْرِمٍ) لأَن دخولهم إِليها يكثر، وفي إِيجاب الإِحرام عليهم كُلَّ مرة حَرَجٌ. ولقول ابن عباس: «إِنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم رَخَّصَ للحطَّابين أَنْ يدخلوا مكَّة بغير إِحرام. والظاهر أَنَّهم لا يجاوزون الميقات، فدل أَنَّ كل مَنْ هو داخل الميقات له أَنْ يدخل مكة بغير إِحرام. وقد خرج ابن عمر من مكة يريد المدينة، فلما انتهى إِلى قُدَيْد بَلَغَتْهُ فتنة المدينة فرجع إِلى مكة ودخلها بغير إِحرام.
وهذا إِذا لم يَقْصِد الداخل منهم الحج والعمرة، وأَمَّا إِذا قَصَدَ أَحدهما فموضع إِحرامه. (ومِيقَاتُهُ الحِلُّ) الذي بين الميقات والحرم، إِلا أَنه يجوز الإِحرام من دُوَيْرَةِ أَهله، بل هو أَفضل، وما بين الميقات والحرم مكان واحد حَدُّه الحَرَم كالميقات في حق الآفاقي، وحَدُّ الحرم من جانب المدينة نحو أَربعة أَميال ينتهي إِلى التَّنْعِيم، ومن جانب العراق ثمانية إِلى المنقطع، ومن جانب عرفات سبعة، ومما يلي اليمن سبعة إِلى أَضاة، ومِنْ جُدَّة عشرة تنتهي إِلى حُدَيبية وهي دون جُدَّة. ويُعْرَفُ الحرم بأَن مسيل الحِلّ إِذا جرى إِليه وقف دونه. كذا ذكره ابن الحاجب.

(ولِمَنْ بِمَكَّةَ) وما حولها من الحرم (لِلْحَجِّ الحَرَمُ) لما روى مُسْلِمٌ من حديث جابر قال: «أَمَرَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لما أَحْلَلْنَا أَنْ نُحْرِم إِذا توجهنا إِلى مِنىً، قال: فَأَحْرَمنا من الأَبْطَح».
(
ولِلعُمْرَةِ الحِلُّ) لما روى البخاري عن عائشةَ رَضِيَ الله عنها أَنها قالت: «يا رسولَ اللّه، اعتمرْتُم ولم أَعتمِر فقال: يا عبدَ الرحمنِ اذهبْ بأُختِكَ فأَعْمِرْهَا من التنعيم، فأَحْقَبَها على راحلة، فاعتمرت». ومعنى أَحْقَبَها: احْتَمَلها. ولما في «صحيح مسلم» عن عائشةَ قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر إِلاَّ الحَجَّ حتى جئنا سَرِفَ فطَمَثْتُ، فدخل عَلَيَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأَنا أَبكِي، فقال: ما يُبْكِيكِ؟ فقلت: واللّهِ لَوَدِدْت أَني لم أَكُنْ خرجْتُ العامَ، فقالَ: ما لَكِ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟ قلت: نعم، قال: هذا شيءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ على بناتِ آدمَ، افعلِي كما يفعلُه الحاجُّ غَيْرَ أَن لا تطوفي بالبيتِ حتى تَطْهُرِي.

قالَتْ: فَلَمَّا قَدِمْتُ مَكَّةَ، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأَصحابه: اجعلوها عُمْرَةً، فَأَحَلَّ الناسُ إِلاَّ مَنْ كان معه الهدي، قالت: وَكَانَتِ الهَدْيُ مَعَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ومع أَبي بكر، وعمرَ وذوي اليسارة، ثُم أَهلُّوا حين راحوا، فلما كان يومُ النَّحْرِ طَهُرْتُ، فأَمرني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَأَفَضْتُ، قَالَتْ: فأَتينا بِلَحْمِ بقرٍ، فَقُلْتُ: ما هذا؟ فقال: أَهْدَى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه البقرة، فلما كانَتْ ليلةُ الحَصْبَة، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللّهِ يَرْجِعُ الناسُ بِحَجَّةٍ وعُمْرَةٍ، وأَرجعُ بِحَجَّةٍ، فأَمَرَ عبدَ الرحمن بن أَبي بكر، فَأَرْدَفَنِي على جَمَلِهِ، قالت: فإِني لأَذكر وأَنَا جَارِيةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ أَنعس فيصيب وجهي مُؤْخِرَة الرحل، حتى جِئْنَا إِلى التنعيم، فأَهْلَلْتُ منها بِعُمْرَةٍ جزاءً بعمرة الناس التي اعتمروا».
وفي قولها: «يَرْجِعُ الناسُ بِحَجَّةٍ وعُمرةٍ، وأَرجع بِحَجةٍ» دليلٌ وَاضِحٌ على أَنَّ الناس: إِمَّا كانوا قارنين، أَوْ متمتعين، لا مُفْرِدين كما عليه المحققون من المجتهدين. ولأَن أَداء الحج في عرفة ـ وهي (في) الحِلِّ ـ فيكونُ إِحْرَامُ المَكِيِّ بالحج مِن الحرم، لِيَتَحَقَّقَ له نوعٌ من السفر (بَتَبَدّل المكان، وأَداءَ العمرةِ في الحرم، فيكون إِحرام المكي بالعُمرة من الحِلِّ ليتحقق له نوعٌ من السفر).

(
سنن وآداب الحج)

(ومَنْ شَاءَ إِحْرَامَهُ بالحَجِّ تَوَضَّأَ) اسْتِحْبَابَاً (وغُسْلُهُ أَحَبُّ) بل سُنَّةٌ، لما في «سنن الترمذي» ـ وحَسَّنَهُ ـ عن خارجةَ بنِ زَيْد، عن أَبيهِ زَيْد بن ثابت، أَنه رأَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم تَجَرَّدَ لإِهلاله واغتسل، وفي رواية الدَّارَقُطْنِيّ: «اغتسل لإِحرامهِ»، والمراد بهذا الغُسْل تحصيلُ النظافة وإِزالة الرائحة لا قَصْدَ الطهارة، حتى تُؤْمَرُ به الحائض والنُّفَسَاء، لما روى ابن عباس أَنه صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ النُّفَسَاءَ والحائِضَ تَغْتَسِلُ وتُحْرِمُ، وتَقْضِي المناسِكَ كُلَّها غَيْرَ أَن لا تطوف بالبيتِ». رواه أَبو داود والترمذي
وفي «مُعْجَم الطبراني» عن عائشة: أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إِذا خَرَجَ إِلى مَكَّةَ اغْتَسَل حين يُرِيدُ أَنْ يُحْرِم ـ أَي بِحج أَو عمرة ـ. ولما روى الحاكم ـ وقال: صحيح الإِسناد ـ من حديث ابن عباس قال: اغتسل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثُم لَبِس ثيابَهُ ـ أَي الإِزَار والرداء ـ، فلما أَتى ذا الحُلَيْفَةَ صَلَّى رَكْعَتين، ثُم قصَد على بعيرِه، فلما استوى به على البَيْداء أَحْرَم ـ أَي جَدَّدَ إِحرامه ـ. فإِنَّ الصحيح أَنه صلى الله عليه وسلم عَقَّبَ صلاتَه بالإِحرام، أَو المعنى: رَفَعَ صَوْتَه بما يَدُل على الإِحرام، وهو التلبية.

ثم هذا الغُسْل للتنظيف حتى تُؤمرُ به الحائض والنفساء والصبي، ولا يقوم التيمم لهم مقامه. ويُستحب له قبل الغُسْل كمَالُ التنظيف: من قَصِّ الأَظفار، ونَتْفِ الإِبْطِ، وحَلْقِ العانة، وقص الشارب، وجِمَاع زوجته إِنْ تيسر، لأَنه يحصل به ارتفاق له أَو لها فيما بعد ذلك. وقد أَسْند أَبو حنيفة عن إِبراهيم بن المُنْتَشِر، عن أَبيه، عن عائشة قالت: كنْتُ أُطَيِّبُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ثُم يَطُوفُ في نسائه، ثُم يُصْبِحُ مُحْرِماً. وفي رواية: «طيَّبْتُ، فَطَافَ، ثُم أَصبح» بصيغة الماضي.
(
ولَبِسَ رِدَاءً وإِزَاراً طَاهِرَيْنِ) أَبْيَضَيْنِ، لحديث: «خَيْرُ ثِيَابِكُم البِيضُ». رواه ابن ماجه. ولأَنهما بمنزلةِ الكفن، ولذا يُستحب أَنْ يكونا جَديدَيْنِ أَوْ غَسِيلين. وفي البخاري عن كُرَيْب، عن ابن عباس قال: انطلقَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم من المدينةِ بَعْدَمَا تَرَجَّلَ وادَّهَنَ، ولَبِسَ إِزَارَهُ ورداءه هو وأَصحابه، فلم يَنْهَ عن شيءٍ من الأَردية، والأُزُر تُلْبَسُ، إِلاَّ المزعفرةَ التي تَرْدَعُ على الجلد، فأَصبح بذي الحُلَيْفَةَ، رَكِبَ راحلته حتى استوى على البيداء، وأَهَلَّ هو وأَصحابُه وقَلَّدَ بَدَنَتَهُ... الحديثَ.

(
وتَطَيَّبَ) بأَيِّ طِيبٍ كان، وكَرِهَ محمدٌ مما يبقى عينه بعد الإِحرام، وهو قول مالك، لما في «الصحيحين» من حديث يَعْلَى بن أُمَيَّةَ قال: أَتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ مُتَضَمِّخٌ وعليه جُبَّةٌ فقال: يا رسولَ اللّهِ، كيف تَرى في رجلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ في جُبَّةٍ بَعْدَما تَضَمَّخَ بطيب؟ فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم «أَمَّا الطيبُ الذي لكَ فاغْسِلْهُ ثلاثَ مراتٍ، وأَمَّا الجُبَّةُ فانْزعْها، ثم اصْنَع في عُمْرَتِكَ ما تَصْنَعُ في حَجَّتِك». ولأَنه يصير منتفِعاً بعد الإِحرام بِعَيْنَ الطِّيب، وهو ممنوع منه.

ولنا ما في «الصحيحين» عن عائشةَ أَنها قالت: كُنْتُ أُطَيِّبُ رسولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم لإِحرامه قبل أَنْ يُحْرِم. ورُوِيَ عن عائشةَ قالت: كُنْتُ أُطَيِّبُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بأَطْيَب ما أَقْدِرُ عليه قبل أَنْ يُحْرِم. وفي رواية مالك في «الموطأ»، والبخاري، وأَبي داود، عن عائشةَ قالت: كُنْتُ أُطَيِّبُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لإِحرامه قَبْل أَنْ يُحْرِم، ولإِحْلاَلِهِ قبل أَنْ يَطُوفَ بالبيتِ. وفي لَفْظٍ لهما: كأَنِّي أَنْظُرُ إِلى وبيص (الطِّيب في مَفْرِق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مُحْرم. وفي لفظ لمسلم: كأَني أَنظر إِلى وبيص) المِسْك في مَفْرِق رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو يُلَبِّي. والوَبِيص: ـ بصاد مُهْمَلة ـ البَرِيق.
والجواب عن حديث يَعْلى: أَنَّه محمول على أَنه كان من زعفران، تدل عليه روايةُ مسلم: وهو مُزَعْفِرٌ لحيته ورأْسه، وقد نُهِيَ الرجل عن الزَّعْفَران. ورواية الطحاوي لحديث يَعْلى بن أُمية: «اخلع عَنْك هذه الجُبَّةَ، واغْسِل هذا الزَّعْفَرانَ، واصْنَع في عمرتِك ما كُنْتَ صَانِعاً في حَجَّتِك». أَو أَنه منسوخ، لأَنه كان في عام الجِعْرانَةِ وهو سَنة ثمانٍ، وحديث عائشةَ في حجة الوداع سنةَ عَشْر.
وكونه مُنْتَفَعَاً به بعد الإِحرام لا يَضُر، لقول عائشةَ: كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إِلى مكةَ فنضمِّد جِبَاهَنَا بالمِسْك المطيب عند الإِحرام، فإِذا عَرِقَتْ إِحْدانا سَالَ على وَجْهِهَا، فَيَراهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فلا يَنْهَانَا. رواه أَبو داود. ورُئِيَ ابن عباس مُحْرِماً وعلى رأْسه مِثْلُ الرُّبّ من الغَالِية. وقال مُسْلم بن صُبَيح: رأَيت ابنَ الزُّبَيْر مُحْرِماً، وعلى رأْسه وفي لحيته من الطيب ما لو كان لرجلٍ أَعْدَمته رأْس ماله. قال المُنْذِري: وعليه أَكْثَرُ الصحابة رَضِيَ الله عنهم.


ويُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَدَهَّنَ أَيضاً، لما رُوِي عن عائشةَ قالت: كان صلى الله عليه وسلم إِذا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ تَطَيَّبَ بأَطْيَب ما يَجِدُ، ثُم يُرَى وبيصُ الدَّهْنِ في رَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ بعد ذلك. رواه مسلم.
(
وصَلَّى شَفْعَاً) أَي ركعتين عند إِحْرَامه، لما رَوَى أَبو داود من حديث ابن عباس: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حَاجّاً، فَلَمَّا صَلَّى في مسجده بِذِي الحُلَيْفَة ركعتيه، أَوجب في مجلسه فَأَهَلَّ حين فَرَغَ من رَكْعَتَيْن.
وأَمَّا ما ذكره في «الهداية» عن جابر: أَنه صلى الله عليه وسلم صَلَّى بِذِي الحُلَيْفَة ركعتين عِند إِحْرَامه، فالمعروف في حديث جابر: أَنَّه صَلَّى بذِي الحُلَيْفَةَ في المسجد من غير ذِكْرِ رَكْعَتَيْنِ.
وأَمَّا ما روى مسلم من حديث ابن عمرَ قال: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَرْكع بذِي الحُلَيْفَة ركعتين، فإِذا استوتْ به الناقةُ قائمةً عِنْد مسجدِ ذي الحُلَيْفَة، أَهَلَّ بهؤلاء الكلماتِ ـ أَي جَدَّدَ إِهْلاَلَهُ بِكَلِمَاتِ التلبية ـ فلا يُعَارِضُ ما قَبْلَه.
ويُستحب أَنْ يقرأَ فيهما (بـ: {قل يا أيها) الكافرون}، وسورة الإِخلاص. وفي رواية أَبي داود عن أَنس: أَنَّه صلى الله عليه وسلم صَلَّى الظهر ثُمَّ رَكِبَ راحِلَتَهُ، فَلَمَّا عَلاَ جَبَلَ البَيْدَاء أَهَلَّ.

(
أحكام المفرد)
(
وقَالَ المُفْرِدُ): وهو الذي يريد إِحرام الحَجِّ فقط، (اللهُمَّ إِنِّي أُريدُ الحَجَّ فَيَسِّرْهُ لي وتَقَبَّلْهُ مِنِّي،) فيطلب تَيْسِيرَهُ، لأَنَّ أَداءه في أَزمنة متفرقة، وأَمْكِنَةٍ متباينة، فلا يخلو عن المشقة عادةً، ويطلب تَقَبُّلَه، لأَن المدَار على حصوله والاقتداء بالخليل وإِسماعيل عليهما السلام في قولهما: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّاً}.

(ثُمَّ لَبَّى، يَنْوي بها) أَي بالتَّلْبِية (الحَجَّ) لأَنَّه عبادة، فلا يَتَأَتَّى إِلاَّ بالنيةِ. والأَوْلى أَنْ يقرأَ الدعاء بعد الصلاة، ثم يقول: نويت الحج، وأَحْرَمْتُ به لِلَّهِ تعالى، ثم يُلَبِّي.
وفي «سنن أَبي داود» من حديث أَبي إِسحاق، عن خُصَيف، عن سعيد بن جُبَيْر قال: قلت لعبد الله بن عباس: عَجِبْتُ لاختلافِ أَصحاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في إِهْلالِه حين أَوْجَبَ، فقال: إِنِّي لأَعْلَمُ النَّاسَ بذلك، إِنَّها إِنَّما كانَتْ مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم حَجَّةً واحدةً، فمن هنالك اختلفوا. خَرَجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حَاجَّاً، فَلَمَّا صلَّى في مسجده بذي الحُلَيْفَة ركعتيه، أَوْجَبَ في مَجْلِسِه، فَأَهَلَّ بالحج حين فَرَغَ مِن ركعتيه، فسمع ذلك منه أَقْوَامٌ فحَفِظَتْهُ عنه، ثُمَّ رَكِبَ فَلمَّا اسْتَقَلَّت به ناقَتُهُ أَهَلَّ، وأَدْرَكَ منه ذلك أَقوامٌ، وذلك أَنَّ الناسَ كانوا يأْتون أَرسالاً فَسَمِعُوه حين استقلت به ناقته يُهِلُّ، فقالوا: إِنَّما أَهَلَّ حين استقلتْ به نَاقَتُه، ثُمَّ مَضَى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمَّا عَلاَ على شَرَف البَيْدَاء، أَهَلَّ، وأَدرك ذلك منه أَقوام، فقالوا: إِنَّما أَهَلَّ حين علا على شرف البيداء، وأَيْمُ الله، لَقَدْ أَوْجَب في مصلاّه، وأَهَلَّ حين استقلتْ به ناقَتُه، وأَهَلَّ حين عَلاَ على شَرَف البيداء. ورواه الحاكم أَيضاً، وقال: صحيح على شرط مسلم.

(وهِي:) أَي التلبية المسنونة (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لك لبيك،) أَي أَجَبْتُ لك إِجَابَةً بعد إِجابةٍ (إِنَّ الحَمْدَ) بِكَسْرِ الهمزة عند محمد والكِسائي والفرَّاء على الاستئناف لزيادة الثناء، وبفتحها عند أَبي حنيفة وآخرين على التعليل. قال الخطابي: الفتح رواية العامة. وأَما ما في «المحيط» مِن أَنَّ الكسر أَصْوَب لأَن النبيّ صلى الله عليه وسلم كَسَرها فغير صحيح (والنِّعْمَةَ لك والمُلْك) أَي لك (ولا شَرِيكَ لك) أَي في الملك ولا في غيره.

وفي الكتب الستة عن ابن عمر: أَن تلبية رسولِ الله صلى الله عليه وسلم «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْك، إلى آخره. وقد أَجمع المسلمون على أَنَّ التلبية بالحج هكذا. وروى الحاكم ـ وقال: صحيح الإِسناد ـ عن ابن عباس قال: لمَّا فَرَغَ إِبراهيمُ عليه السلام من بناء البيت قال: يا رَبّ قَدْ فَرَغْتُ، فقال: أَذِّنْ في الناسِ بالحَجِّ، قال: يا ربّ وما يبلغ صوتي، قال: أَذِّن، وعَلَيَّ البلاغ، قال: يا رَبّ كيف أَقول؟ قال: قل يا أَيَّها الناس، كُتِبَ عليكم الحَجُّ، حج البيت العتيق، فسمع مَنْ بينَ السماء والأَرض، أَلا تَرَى أَنَّهم يُجِيبُون من أَقْصَى الأَرض.
قلت: ولَعَلَّهُ المَرادُ بقوله تعالى: {وإِذْ بَوَّأْنَا لإِبراهيمَ مكانَ البيتِ}، إِلى أَنْ قال: {وأَذِّنْ في النَّاسِ بالحجِّ يأْتُوكَ رِجَالاً وعلى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كل فَجَ عَمِيق}، الآيةَ .

(ولا يُنْقِصُ منها) أَي من التلبية المأْثورة بالروايات المشهورة. وأَمَّا قولُ صاحب «الهداية»: لأَنه هو المنقول باتفاق الرواة فلا ينقص منه، فمنقوض بما روى البخاري في «صحيحه» عن عائشةَ قالت: إِنِّي لأَعْلَمُ كيف كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُلَبِّي: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لك لبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لك ـ وليس فيه: والملك ـ لا شريك لك.
(
وإِنْ زَادَ) عليها (جَازَ). وقال القُدُوري في «شرحه»: إِن زاد عليها استُحِب. والأَظهر أَنْ يُقال: إِن الزيادةَ مُسْتَحَبَّةٌ إِنْ كانت مرويةً عن الصحابة، وجازتْ إِنْ كانت بخلافها، لقول نافع: وكان ابن عمر يزيد في تلبيته: لبيك، لبيك وسَعْدَيْك، والخير بيديك، لبيك والرغباء إِليك والعمل. رواه مسلم والأَربعة. وروى مسلم هذه الزيادة عن عمر أَيضاً: ولبيك إِله الخَلْق لبيك. رواه النَّسائي وابن ماجه وابن حِبَّان والحاكم عن أَبي هريرة. ورُوِي عن ابن مسعود زيادة: لبيك عدد التراب. رواه إِسحاق بن رَاهُوَيه في «مُسْنده». وروى الرَّبِيع عن الشافعي: إِنْ زاد عليها كُرِه.
وإِذا فَرَغَ من تلبيته سأَل اللَّهَ مغفرته ورضوانه واستعتقه من النَّار. رواه الطبراني عن خُزَيْمَةَ بن ثابتِ الأَنصاري فيقول: اللهم إِنِّي أَسْأَلُكَ مَغْفِرَتَكَ ورضاك عني في دار القرار، وأَنْ تُعْتِقَنِي مِنَ النَّار. أَوْ يقول: اللهم إِنِّي أَسأَلك رضاك والجنة، وأَعوذ بك من النار. فللدَّارَقُطْنِيّ عن خُزَيْمَةَ أَيضاً بلفظ: أَنَّه صلى الله عليه وسلم كان إِذا فَرَغَ من التلبية، سأَل رضوانه والجنة، واستعاذ برحمته من النار.

ويُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصوتِ بالتلبية، لقوله صلى الله عليه وسلم «جاءني جبرائيل فقال: يا محمدُ، مُرْ أَصْحابك فَلْيَرْفَعُوا أَصْوَاتَهم بالتلبيةِ، فإِنها من شعائرِ الحجِّ». رواه ابن ماجه. ورُوِي عن القاسم بن محمد بن أَبي بكر أَنَّه قال: كان يَسْتَحِبُّ الصلاة على النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعد التلبية. رواه أَبو داود والدَّارَقُطْنِي.
(
فَصَارَ مُحْرِماً) أَي بالجَمْع بين النيّة والتلبية. وينعقد الإِحرام بمجرد النيّة، ويُسَنُّ بهما عند مالك والشافعي، وهو رواية عن أَبي يوسف قياساً على الصوم.
ولنا أَنَّ التلبية ذِكْرٌ يقوم مقام تكبير التحريمة في الصلاة، ولذا شُرِط في أَولهما، وسُنَّ عند الانتقالات فيهما. وقد رُوِي عن ابن عباس في قوله تعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فيهنَّ الحَجَّ}، قال: فَرْضُ الحَجِّ الإِهْلاَلُ. وقال ابن عمر: التلبية.

(
محظورات الإِحرام)
(
فَيَتَّقِي الرَّفَثَ والفُسُوقَ والجِدَال)، لقوله تعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدَالَ في الحَجِّ}، وهذا نَهْي في صيغة النفي، وهو آكَدُ. والرَّفَثُ: الجِمَاع، لقوله سبحانه: {أُحِلَّ لكم لَيْلَةَ الصِيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسَائِكُم}، أَو ذِكْرُ الجِمَاع ودواعيه بحضرة النساء. ورُوِي أَنَّ ابن عباس أَنْشَدَ شِعْره:
*
وهُنَّ يَمْشِينَ بنا هَمِيساً ** إِنْ يَصْدُقِ الطير نَنِك لَمِيسا

فَقِيل له: أَتَرْفُثُ وأَنْتَ مُحْرِم؟ فقال: إِنَّمَا الرَّفَثُ ذِكْر الجِماع بحضرة النساء. وقيل: الفُحْشُ من الكلام. وقيل: ذِكْرُ الجِماع، ولو في غَيْبَةِ النساء. والفُسُوق: هو الخروج عن حدود الشريعة، وهو في حالة الإِحرام أَشَدُّ وأَقْبَح، لأَنها حالة الإِقبال على الطاعات وهِجْرَان المباحات، فصار كلبس الحرير في الصلاة، والتطريب في القراءة، ونظيرهُ الظلم في الأَشهر الحُرُم في قوله تعالى: {فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ}. وقيل: هو السِّباب، والتنابز بالأَلقاب. والجِدال: المجادلة، وهي المخاصمة مع الرفيق، أَو الخادم، أَو المُكَارِي من غير ضرورة تلجِئُهُ إِليه، وإِلا فمن تمام الحج ضَرْبُ الجَمَّال، وقد ورد أَنَّ الصِّدِّيقَ ضرب جمّاله لتقصيره في الطريق.
ويجوز نِكاح المُحْرم وإِنْكَاحه عندنا خلافاً لِمَالِك والشافعي. لهما قوله صلى الله عليه وسلم «لا يَنْكِح المُحْرِمُ ولا يُنْكَح». رواه عثمان بن عفان رَضِيَ الله عنه. ولنا ما رُوي عن ابن عباس: أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَ ميمونةَ وهو مُحْرِمٌ. وهكذا رُوي عن عائشةَ، واختلفت الروايات في حديث أَبي رَافِع: ففي بعضها: تَزَوَّجَهَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو حلال، وفي بعضها: تَزَوَّجَها وهو مُحْرِم، وبنَى بها وهو حَلال، وكُنْتُ أَنَّا السفير فيما بينهما. وتبين بهذا الحديث أَنَّ المراد من حديث عثمان الوطىءُ دون العقد، فإِنه لِلوطىء حقيقةً، وإِن كان مُسْتَعَاراً للعقد مجازاً. وفي كتاب النكاح لهذا مزيد التحقيق والله ولي التوفيق.
(
وقَتْلَ صَيْدِ البَرِّ) وهو ما كان توالده ومثواه في البر، دون صيد البحر: وهو ما يكون كلاهما في البحر. وأَصل ذلك قوله تعالى: {أُحِلَّ لكُم صَيْدُ البَحْرِ وطَعَامُهُ مَتَاعاً لكم وللسَّيَّارةِ وحُرِّمَ عليكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُم حُرُماً} أَي مُحْرِمين.

(والإِشارةَ إِليه، والدَّلالَةَ عليه) والفرق بينهما: أَن الإِشارة لما يكون بالحضرة، والدَّلالة لما يكون بالغَيْبة، والنوعان ممنوعان لما في الكتب الستة من حديث أَبي قَتَادة: أَنَّهم كانوا في مَسيرٍ لهم، بَعْضُهم مُحْرِمٌ وبَعْضُهُم لَيْس بِمُحْرِم، قال: فَرَأَيْتُ حِمَارَ وَحْشٍ فَرَكِبْتُ فرسي، وأَخَذْتُ الرُّمْحَ واسْتَعَنْتُ بهم، فأَبَوْا أَنْ يُعِينُوني، فاخْتَلَسْتُ سوطاً من بعضهم وشددت على الحمار فأَصَبْتُه، فأَكلوا منه فأَشفقوا ـ وفي نسخة: واستبقوا ـ قال: فَسُئِلَ عن ذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: «أَمِنْكُم أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عليها أَو أَشارَ إِليها؟» قالوا: لا، قال: «فكلوا ما بقي من لَحْمِهَا».
وفي لفظ (لمسلم): «هل أَشرتم؟ هل أَعنتم؟» قالوا: لا، قال: «فكلوا». وفي رواية قال: «هل معكم مِن لَحْمِهِ شيءٌ»؟ قالوا: معنا رِجْلُهُ، فأَخَذَها وأَكَلَهَا. وفي رواية: قالوا: نعم، فَرَفَعْنَا له الذِّراع، فدعا بها وأَكل منها. أَخرجه البخاري.
(
والتَّطَيُّبَ) والتدهُّنَ، والخَضْبَ بالحِنَّاء، وشمَّ الرياحين والثمار الطيبة، لما روى الترمذي، وابن ماجه من حديث ابن عمر قال: قامَ رجلٌ إِلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: مَن الحاجُّ ـ أَي الكامل ـ؟ فقال: «الشَّعِث التَّفِل». والشَّعِث: المنتشر شعر الرأْس. والتفل: التارك الطيب. وقال الشافعي: يجوز له الخِضَاب بالحِنَّاء، لأَنه ليس بِطِيب. ولنا أَنه صلى الله عليه وسلم نهى المُعْتدة عن الكحل والخِضاب والحِنَّاء. وقال: «الحِنَّاءُ طِيبٌ». رواه النسائي.
(
وقَلْمَ الظُّفُرِ) لأَنه من قضاء التَّفَث: أَي إِزالته. والتَّفَثُ: الوسخ، وقد قال تعالى: {ثُمَّ ليَقْضُوا تَفَثَهُم}، أَي بعد التحلل الأَول.
(
وسَتْرَ الوَجْهِ والرَّأْسِ)

لقوله صلى الله عليه وسلم «(إِحرامُ الرجل في رَأْسِهِ و) إِحرامُ المرأَةِ في وَجْهِهَا». رواه الدَّارَقُطْنِيّ، والبيهقي في «سُننهما». ورُوِي عن عائشة أَنها قالت: كان الركبانُ يَمُرُّونَ بنا ونحنُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مُحْرِمَاتٌ، فإِذا حَاذُونا سدلت إِحدَانا جِلْبَابَهَا من رأْسها، فإِذا جاوزونا كشفنا. رواه أَبو داود، وأَحمد وغيرهما.
واقتصر الشافعي، وأَحمد في الرجل على سَتْر الرأْسِ. ورُوي عن مالك جوازُ تغطية الوجه وعدمُه. للشافعي ما رواه هو عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال ـ في الذي وُقِصَ ـ: «خَمِّرُوا وَجْهَهُ، ولا تُخَمِّرُوا رأْسَه»، أَي في حال تكفينه لكونه مُحْرِماً، والوَقْص: كَسْرُ العنق، والتخمير: التغطية.

ولنا ما في «صحيح مسلم»، والنسائي، وابن ماجه عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس: أَنَّ رجُلاً وقصته راحلتُه وهُو مُحْرِمٌ فمات، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم «اغسلوه بماءٍ وسِدْرٍ، وَكَفِّنُوه في ثوبيه، ولا تُمِسُّوهُ طِيباً، ولا تُخَمِّروا رأْسَهُ ولا وَجْهَهُ، فإِنَّه يُبْعَثُ يومَ القيامة مُلَبِّياً». ورواه الباقون ولم يذكروا فيه الوَجْهَ. وفي الجملة أَفاد: أَنَّ للإِحرام أَثراً في عدم تغطية الوجه، وإِنْ كان أَصحابُنا قالوا: لو مات المُحْرِمُ يُصْنَع به ما يُصْنَع بالحلال: من تغطية الرأْس والوجه، بِدَليلٍ آخر ذكره ابن الهُمَام. وقال بعض الأَعلام: يُشْكِلُ بهذا الحديثِ الصحيح تجويزُ مشايخنا تَخْمِيرَ وجه الميت مُحْرماً ورأْسه، لحديث ليس في قوة هذا، أَو لا يتمُّ الاستدلالُ به على عدم جواز تغطية المحرم وجهه.

ورُوِي عن ابن عمر: ما فوقُ الذَّقن من الرأْس فلا تخمروه. وعن ابن عباس أَنه كان لا يجعل للمحرم أَنْ يُخَمِّر وجهه. وما رُوِي بخلاف هذا، حكاياتُ فِعْلٍ، وأَنَّه يباح حال العذر فيحمل عليه. ولو حمَل المُحْرم على رأْسه عِدْلاً أَوْ طبقاً أَوْ إِجَّانة، لا يكون مغطياً رأْسه عادة، ولو حمَل ثياباً كان مغطياً.
(
وغَسْلَ رَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ بِالخِطْمِي): وهو ـ بِكَسْر الخاء المعجمة ـ نَبْتٌ يُغْسَلُ به الرأْس. أَمَّا عند أَبي حنيفة فلأَنه طِيب، وأَمَّا عِنْدَهما فلأَنه يَقْتُل هَوَامَّ الرأْس واللحية، ويُلَيِّن الشعر. وثمرة الخلاف تظهر فيما يجب بسببه: فعند أَبي حنيفة دَمٌ، وعندهما صَدَقَةٌ. وقيد «بالخِطْمِي» لأَنَّ غَسْلَهُمَا بالأُشنان والصابون ونحوهما جائز اتفاقاً. وأَجاز الشافعيُّ بالخِطْمِي أَيضاً خلافاً لِمَالِك.
(
وقَصَّها) أَي قَصّ لحيته، لأَنه في معنى الحلق (وحَلْقَ رَأْسِهِ) لقوله تعالى: {ولا تَحْلِقُوا رُؤوسَكُم} الآيةَ. وفي معناه التقصيرُ، وشَعْرُ بَدَنِهِ ولو بنَتْفٍ أَو غيره من إِزالته.
(
ولُبْسَ مَخِيطٍ) على الوجه المعتاد، فلو ارتدى بقميص أَوِ اتَّزَرَ بِسِرْوال لا شيء عليه، (وعِمَامَةٍ) ـ بالكسر ـ وفي معناه الطاقيةُ، وخُفين إِلا إِذا لم يجد نعلين، فإِنَّه يَلْبَسُ الخُفَّيْن بعد أَنْ يقطعهما أَسْفَلَ من الكعبين ـ أَعني المِفْصَلَيْنِ الذين في وسط القدمين عند مَعْقِدِ الشِّرَاك ـ.

(والمَصْبوغِ بِطِيبٍ) أَي (بشيءٍ) له رائحة مستلذة من زَعْفَرَان، أَو وَرْس، أَو عُصْفُر، وهو قول الثَّوْري. وأَصل ذلك ما في الكتب الستة من حديث ابن عُمرَ: أَنَّ رَجُلاً قال: يا رسولَ الله ما تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ من الثيابِ في الإِحْرَام؟ قال: «لا تَلْبَسُوا القُمُص، ولا السراويلات، ولا العمائم ولا البرَانِس، ولا الخِفَاف إِلاَّ أَنْ يكونَ أَحَدٌ ليس له نَعْلانِ، فَلْيَلْبَس الخُفَّيْنِ، وليَقْطَعْهُمَا أَسْفَل من الكعبين، ولا تَلْبَسُوا شيئاً مَسَّهُ زعفران ولا وَرْس».
وقال مالك والشافعي: لا بأْس بِلُبْس المُعَصْفَر، لما روى مالك في «الموطأ» عن أَسْمَاءَ بنتِ أَبي بكر أَنها كانت تَلْبَسُ المُعَصْفَرَ وهي مُحْرِمةٌ.
ولنا ما روى مالك في «الموطأ» من حديث نَافع أَنَّ عمر بن الخطاب أَنْكَرَ على طَلْحَةَ لُبْسَ المُعَصْفَر حالةَ الإِحرام. ومن المعلوم أَنَّ الرجال والنساء في اجتناب الطيبِ سواء، وإِنَّما يختلفان في لبس المَخِيط، وتغطية الرأْس، فإِنَّ المرأَة تُغَطِّيهِ دون الرجل
قال ابن الهُمَام: في «الموطأ»: «أَنَّ عمر رأَى على طَلْحَةَ بن عُبَيدِ اللَّه ثَوْباً مَصْبُوغاً، وهو مُحْرِمٌ فقال: ما هذا الثوبُ المَصْبوغُ يا طَلْحَةُ؟ فقال: يا أَميرَ المؤمنين، إِنَّما هو (مَدَرٌ)، فقال عمرُ: أَيُّها الرَّهْطُ إِنكُم أَئمةٌ يقتدي الناسُ بِكُمْ، فلو أَنَّ رَجُلاً جاهلاً رأَى هذا الثوبَ لقال: إِنَّ طَلْحَةَ بنَ عُبيد اللَّه كان يَلْبَسُ الثيابَ المُصْبغة في الإِحْرامِ، فلا تَلْبَسُوا أَيها الرَّهْطُ شيئاً مِن هذه الثيابِ المُصْبَغَةِ». فإِنْ صَحَّ كَوْنُه بِمَحْضَرٍ من الصحابة أَفاد مَنْع المتنازع فيه، ثم يخرج منه الأَزرق ونحوه بالإِجماع على جوازه، ويبقى المُتَنَازَعُ فيه في مقام المنع.

(إِلاَّ بَعْدَ زَوَالِهِ) أَي زوال الطِيب بالغسْل، لأَن النهي للطِيب لا للون، بدليل أَنَّ المُحْرِم يجوز له لُبْسُ المَصْبُوغِ بمَغْرَة: وهو طين أَحْمَر، لأَنه لا رائحة له. وقيل: إِلاَّ أَنْ يكون الثوبُ المَصْبوغُ مَغْسولاً لا يَنْفُض ـ أَي لا يَفُوح ـ وقيل: لا يتناثر، والتَّفْسِيرانِ مَرْوِيَّانِ عن محمد. والأَصل في الاستثناء ما روى الطحاوي عن ابنِ عمر قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم «لا تَلْبَسُوا ثَوْباً مَسَّهُ وَرْس أَوْ زعفران إِلاَّ أَنْ يكون غسيلاً». وما رواه ابن أَبي شيبةَ، والبَزَّار، وأَبو يَعْلَى المَوْصِلي في «مسانيدهم» عن ابن عباس، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا بأْسَ أَنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ في ثوبٍ مَصْبُوغٍ بزَعْفَران، وقد غسل وليس له نفض ولا رَدْغ». قال ابن دُرَيْد: والرَّدْغ: ما يبل القدم من المطر أَوْ غيره.

وأَمَّا النساءُ المُحْرِماتُ فَقَدْ أَباح لهنَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم لُبْس السراويل والقُمُص، كما رواه أَبو داود.

(
مباحات الإِحرام)

(لا الاسْتِحْمَامَ) أَي لا يجب أَنْ يتقي المُحْرم استعمال الماء الحار ودخول الحمام، لما في الصحيحين من حديث عبد الله بن حُنَيْن: أَنَّ عبد الله بن عباس والمِسْوَر بنَ مَخْرَمة اختلفا بالأَبواء ـ وهو بفتح الهمزة وسكون الموحدة والمد، جَبَلٌ بين مكة والمدينة وعنده بلد يُنْسَبُ إِليه على ما في «النهاية» ـ فقال ابن عباس: يَغْسِل المُحْرِمُ رأْسَه، وقال المِسْوَرُ: لا يغسله، فَأَرْسَله ابن عباس إِلى أَبي أَيُّوب الأَنصاري فوجده يغتسل بين القرنين، وهو مُسْتَتِر بثوب، قال: فسلمت عليه، فقال: مَنْ هذا؟ قُلْتُ: أَنا عبد الله بن حُنَيْن، أَرسلني إِليك عبد الله بن عباس أَسْأَلُك كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَغْسِلُ رَأْسَه وهو محرم؟ قال: فوضع أَبو أَيُّوب يده على الثوب فطأطأه أَي خفضه حتى بَدَا لي رأْسه ـ ثم قال لإِنسان يَصُبُّ عليه ـ: اصْبُبْ، فَصَبَّ على رأْسه، ثمَّ حَرَّك أَبو أَيوب رأْسه بيديه: فأَقبل بهما وأَدبر، ثم قال: هكذا رأَيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل.
وفي البخاري: قال ابن عباس: يَدْخُلُ المُحْرِمُ الحَمَّامَ. وفي «مُسْنَدِ الشافعيِّ» في كتاب الحج الأَكبر: أَنَّ ابن عباس دخل الحمام بالجُحْفَة فقال: ما يعبأ اللَّهُ من أَوساخنا شيئاً. ورواه ابن أَبي شيبة في «مُصَنَّفِهِ» عن عِكْرمةَ، عن ابن عباس نحوه. «وفي مُسْنَد الشافعي» عن يَعْلَى بن أُميةَ أَنَّه قال: بينما عمر بن الخطاب يَغْتَسِلُ إِلى بعير وأَنَا أَسْتُر عليه بثوبٍ، قال عمر: يا يَعْلَى اصبُب على رأْسي، فَقُلْتُ: أَمير المؤمنين أَعلم، فقال عمر: واللَّهِ ما يزيدُ الماءَ الشَّعر إِلاَّ شَعَثاً فَسَمَّى اللّهَ، ثُمَّ أَفاضَ على رَأْسِهِ. وأَصْلُ القِصَّة عند مالك في «الموطأ»، والشافعي في «مُسْنَدِهِ»، وأَبي بَكْر بن أَبي شَيْبَةَ في «مُصَنَّفِهِ».

وفي «سُنن البيهقي» عن أَيُّوب السِّخْتِياني، عن عِكْرمة، عن ابن عباس قال: المُحْرم يشم الرَّيْحَان، ويدخل الحمام.
وقال ابن الهمام: إِنَّما كَرِه مالك أَنْ يغيب رأْسُه في الماءِ لِتَوَهُّمِ التغطية، وقتل القمل، فإِنْ فَعَل أَطعم.
(
و) لا (الاسْتِظْلالَ بِبَيْتٍ) من حَجَر أَوْ مَدَر أَوْ صوف أَو وَبَر (أَوْ مَحْمِلٍ) ـ بفتح الميم الأُولى وكسر الثانية، وبكسر الأُولى وفتح الثانية ـ لما في حديث جابر الطويل: فأَمَرَ بِقُبَّةٍ من شَعرٍ فضُرِبَت له بِنَمِرَة، فسار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتى أَتى عرفة، فوجد القُبَّة ضربت له بنمرة، فنزَلَها حتى إِذا زاغت الشمس أَمر بالقَصْواء فَرُحِّلَتْ له. وفي «مصنف ابن أَبي شيبة» عن عبد الله بن عَامِر قال: خرجت مع عمر فكان يطرح النِّطْع على الشجرة فيستظل به ـ يعني وهو محرم ـ وفيه أَيضاً عن عُقْبَةَ بن صُهْبَان قال: رأَيت عثمان بالأَبْطَح وأَنَّ فسطاطه مضروبة، وسيفه معلق بالشجرة.

وأَمَّا ما رواه البيهقي عن عامر بن ربيعة قال: رأَيت عثمان بن عفان بالعَرْج وهو محرم في يوم صائف قد غطّى وجهه بقطيفة أرجوان، فمحمول على أَنه كان بِعُذْر أَو بفصل بين الوجه والقطيفة، وهذا هو الوجه فتنبه. وقد استدلّ بعضُ علمائنا في هذا المقام بما رواه مسلم وأَبو داود والنسائي عن أُمِّ الحُصَين قالت: حَجَجْنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حَجَّةَ الوداع فرأَيته في جمرة العقبة، وانصرف وهو على راحلته ومعه بلال وأُسامة أَحدُهما يقود راحلته، والآخر رافع ثوبه على رأْس النبيِّ صلى الله عليه وسلم يظلّله عن الشمس. وفيه أَنه لا دلالة فيه صريح على أَنه كان في حال الإِحرام.

(و) لا (شَدَّ الهِمْيَانِ) ـ بكسر الهاء ـ ما توضع فيه الدراهم والدنانير سواء تحت الإِزار ـ كما هو العادة ـ أَو فوقه، لأَنه لم يرد حفظ الإِزار به، كما ذكره ابن الهُمَام. (في خَصْرِه) ـ بفتح أَوله ـ أَي على وسطه لقول عائشة: أَوْثِق عليك نفقتك بما شئت، حين سُئِلَت عنه. وكره مالك شَدَّهُ بما فيه من نفقة غيره، لعدم الضرورة.
ولنا أَنه ليس في معنى لُبْسِ المَخِيط فاستوت فيه الحالتان. فإِنْ قلت: لو لم يكن الشَّدُّ لُبْساً لما كُرِه شَدُّ الإِزار بحبل ونحوه، مع أَنه مكروهٌ إِجماعاً. قلت: ثَبَتَتْ كراهته بالحديث، وهو: أَنه صلى الله عليه وسلم رأَى رجلاً شَدَّ فوق إِزاره حبلاً فقال: «أَلْقِ ذلك الحَبْلَ». كذا في شرح «المجمع».
(
وأَكْثَرَ التَّلْبِيَةَ) أَي جهراً، لقوله صلى الله عليه وسلم «أَتاني جبرائيلُ عليه السلامُ فأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي ومَنْ معي أَنْ يَرْفَعُوا أَصواتهم بالإِهلال ـ أَو قال: بالتلبية ـ. مُتَّفَقٌ عليه. ولما روى أَبو بكر الصديق: أَنه صلى الله عليه وسلم سُئِل: أَيُّ الحَجِّ أَفْضَل؟ قال: «العَجُّ والثَّجُّ». رواه الترمذي. والعج: رَفْعُ الصوتِ بالتلبية. والثج: إِسالة دم الهَدْي.
(
مَتَى صَلَّى) المكتوبة وغيرها في ظاهر الرواية (أَوْ عَلاَ شَرَفاً) أَي مكاناً عالياً (أَو هَبَطَ وَادِياً) أَي نَزَل مكاناً سُفْلِيَّاً (أَوْ لَقِيَ رُكْبَانَاً) وهو اسْمُ جَمْع، أَو جمع راكب، وتخصيص الركب اتفاقي إِذْ لو لقِيَ مشاةً لكانَ الأَمر كذلك.

(أَوْ أَسْحَرَ) أَي دَخَلَ في السَّحر: وهو سُدس آخر الليل، لما روى ابن أَبي شَيبة عن خَيْثَمَةَ قال: كان السلف يستحبون التلبية في ستة مواضع: في دبر الصلاة، وإِذا استقل الرَّجُلُ راحلته، وإِذا صعد شَرَفاً، وإِذا هَبَط وادياً، وإِذا لَقِيَ بعضُهم بعضاً، وبالأَسحار. وروى البيهقي عن ابن عمر: أَنه كان يُلَبِّي راكباً، ونازلاً، ومُضطجعاً. ورُوِي أَنه عليه الصلاة والسلام كان يُلَبِّي إِذا لَقِي رَكْباً، أَو صعِد أَكَمَةً، أَو هَبط وادياً، وفي أَدبار المكتوبة، وآخر الليل. كذا في «الإمام وفي «الإِمام» عن جابر قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُلَبِّي إِذا لَقِي رَكْباً، أَو صعِد أَكَمةً، أَو هبط (وادياً، وفي) أَدبار المكتوبة وآخر الليل.

قال ابن الهُمَام: ولو رد السلام حال التلبية جاز، ولكن يُكْره لغيره السلام عليه في تلك الحالة.

(
أفعال الحج)
(
وإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ) سُميت بها لأَنها تَمُكُّ الذنوب ـ أَي تذهبها ـ وتُسمى ببكة لأَنها تَبُكُّ أَعناق الجبابرة، ومنه قوله سبحانه: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ للنَّاسِ للَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وهدىً للعَالَمِينَ} أَي قِبْلَةً لهم.

ويُستحب أن يدخلها من كدآء ـ بفتح الكاف والمد ـ وهي الثَّنِية التي بأَعلى مكةَ على درب المُعَلَّى وطريق الأَبطح بجنب الحَجُون، وهي مَقْبُرَة أَهل مكة. ويخرج من كُدَا ـ بالضم والقَصْر ـ وهي الثَّنِية التي بأَسفل مكة على درب اليمن، لما في مُسْلِمٍ وغيره من حديث عائشةَ: أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لما جاء إِلى مكةَ دخل من أَعلاها، وخرج من أَسفلها. قيل: لأَن أَعلاها هو موضع دعا فيه إِبراهيم عليه السلام بقوله كما في التنزيل: {رَبِّ اجْعَل هذا البَلَدَ آمِناً} إِلى أَنْ قال {فاجْعَل أَفْئِدَةً مِن الناسِ تَهْوِي إِليهم}، الآية. قيل في السر في ذلك: أَنَّ نسبة باب البيت إِلى البيت كنسبة وجه الإِنسان إِلى الإِنسان.
والأَدب أَنْ يُقصد الإِنسان من جهة وَجْهِهِ، فكذا تُقصد الكعبةُ من جهة بابِها. قيل: وإِن لم يكن في طريقه ينبغي أَنْ يميل إِليها في الحجِ والعمرة. وقيل: في العمرة يدخل من أَسفل مكةَ. ثُمَّ لا فَرْقَ بين الدخول ليلاً أَو نهاراً لما روى النَّسائي: أَنه عليه الصلاة والسلام دخل مكة ليلاً في عمرته، ونهاراً في حجته. وقيل: نهاراً أَفْضَل، وإِنَّما كَرِه ابنُ عمر الدخول بالليل للخوف من السُّرَّاق.
(
بَدَأَ) بعد حفظ أَثقاله ليكون حاضر القلب مقام إِقباله (بالمَسْجِدِ) لما في الصحيحين من حديث عائشة: إِنَّ أَوَّل شيءٍ بدأَ بهِ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حينَ قَدِمَ مكةَ: أَنْ توضأَ، ثُم طافَ بالبيت.
ويُستحب أَنْ يدخل المسجد من باب السلام، لأَنه صلى الله عليه وسلم دخل منه. ويُقَدِّمُ في دخوله رجلَه اليُمنى، ويقول: بسم الله، والحمد للَّهِ، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهمّ اغْفِر لي ذنوبي، وافتح لي أَبواب رحمتك.

(وحِينَ رَأَى البَيْتَ كَبَّرَ،) اللَّهَ، واسْتَحْضَرَ في قلبه عظمة تلك البُقعة (وهَلَّلَ) تجديداً للتوحيد (ودَعَا) لأَن الدعاء عند رؤيته مستجاب. وروى الشافعيُّ عن سعيد بن جُبَير، عن ابن جُرَيج: أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إِذا رأَى البيت، رفع يَدَيْهِ وقال: «اللهم زِد هذا البيتَ تشريفاً وتَعْظيماً وتَكْرِيماً ومهابةً، وزِد مَنْ شَرَّفَهُ وكَرَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّه أَو اعتمرَهُ تَشْريفاً وتعظيماً وتكريماً وبِرَّاً». وعن عطاء أَنه صلى الله عليه وسلم كان إِذا لَقِي البيتَ يقول: «أَعوذ بِرَبِّ البيتِ مِن الكُفْرِ والفَقْرِ وضِيْقِ الصَّدْرِ وعذابِ القبر». ذكره ابن الهُمَام.

واسْتُحْسِن أَنْ يقول عند دخول المسجد: اللَّهُمَّ أَنت السلام، ومنك السلام، وإِليكَ يَرْجع السلام، حَيِّنَا رَبَّنا بالسلام، وأَدخلنا دارك دار السلام، تباركت رَبَّنا وتعاليت، يا ذا الجلال والإِكرام، لما روى البيهقي بسنده إِلى سعيد بن المُسَيَّب أَنه قال: سَمَعْت عن عمر كلمة، ما بقي أَحدٌ من الناس سَمِعَهَا غيري، سمعتُه يقول: إِذا رأَى البيت: اللّهم أَنت السلامُ، إِلى آخره.
ثُم اعلم أَن أَول ما يَبْدأُ به داخلُ المسجد الحرام الطوافَ مُحْرِماً أَو غير مُحْرم دون الصلاة، إِلاَّ أَنْ يكون عليه فائتة أَو خوف فَوْت الوقتية، أَو الوتر، أَو سنة راتبة، أَو فَوْت الجماعة، فَتُقَدّم الصلاة في هذه الصور على الطواف، فإِنْ لم يكن مُحْرماً فطوافهُ تحيةٌ لقولهم: تحيةُ هذا المسجد الطوافُ. وليس معناه أَنَّ مَنْ لم يَطُف لا يصلّي تحية المسجد كما فَهِم بعضُ العوام. فقد روى عُروةُ عن عائشةَ أَنَّ أَول شيءٍ بَدأَ به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حينَ قَدِم مكةَ أَنْ توضأَ، ثُم طافَ بالبيتِ... الحديث، رواه الشيخان.

(ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الحَجَرَ) الأَسود لِمَا رُوي مِن: «أَنَّ الحجر يَمِينُ اللَّهِ في الأَرض يُصَافِحُ بها عبادَه». رواه الخَطِيب، وابن عَسَاكِر عن جابر. وفي رواية: «الحَجَرُ يمينُ اللَّهِ، فَمَنْ مسَحَهُ فَقَدْ بَايَعَ اللّهَ». ولما في مُسْلم عن جابر قال: لَمَّا قَدِم النبيُّ صلى الله عليه وسلم مكةَ، بَدَأَ بالحجرِ فاسْتَلَمَه، ثُم مَضَى على يمينِه فَرَمَلَ ثلاثاً، ومَشَى أَرْبَعاً. وعن ابن عمر قال: استقبل النبيُّ صلى الله عليه وسلم الحجرَ، ثُم وَضع شَفَتَيْهِ عليه فبكى طويلاً، ثُمَّ الْتَفَتَ فإِذا هو بعمرَ بن الخطاب رَضِيَ الله عنه يَبكي، فقال: «يا عمر ههنا تُسْكَب العَبَرات». رواه ابن ماجه، قال الحاكم: صحيح الإِسناد. وهذا الاستقبال مع الاستلام أَو نحوه في ابتداء الطواف سنة مؤكدة، ومستحبةٌ في أَول كل شوط عندنا لا واجبٌ كما قيل.
(
وكَبَّرَ) فيقول: باسمِ اللّهِ واللّهُ أَكبرُ، لما روى أَحمد، والبخاري عن ابن عباس: أَنه صلى الله عليه وسلم طافَ على بَعيرٍ، كُلَّمَا أَتى على الرُّكْنِ أَشَارَ إِليه بشيءٍ في يده، وكَبَّرَ.
(
وهَلَّلَ، ورَفَعَ يَدَيْهِ) عند التكبير لافتتاح الطواف حِذَاءَ مَنْكِبيه أَو أُذُنَيْهِ مُسْتَقْبِلَ القبلة بباطن كفيه. (كالصلاةِ) أَي ناوياً به، لأَن الطواف كالصلاة على ما ورد.

(واسْتَلَمَهُ) أَي لَمَسَهُ باليد. والقُبْلَةُ من غير صوتٍ. وقيل: وضع كفيه على الحجر وقَبَّله، أَو مَسَحَه بالكف وقَبَّلهُ (إِنْ قَدَرَ غَيْرَ مُؤذٍ لأَحَدٍ) لأَنَّ تَرْكَ الأَذى واجبٌ، والاستلام سُنَّةٌ، ولما روى أَحمد والبيهقي عن عمر أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال له: «يا عمرُ، إِنَّك رجلٌ قويٌّ، لا تُزاحِم على الحجر فتؤذي الضَّعِيفَ، إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فاسْتَلِمْه، وإِلا فاسْتَقْبِلهُ، وكَبِّرْ وهَلِّل». وكذا رواه الشافعي، وإِسحاق بن رَاهُويَه، والطحاوي.
وهل يُستحب السجود على الحجر عَقيبَ التقبيل؟ قال قِوَام الدين الكَاكي: عندنا الأَوْلى أَنْ لا يسجد لعدم الرواية في المشاهير، لكن نَقَل عِزُّ الدين بن جَمَاعة في «مناسكه» السجودَ عن أَصحابنا. ويُؤَيِّدُه ما رُوِي عن ابن عباس: أَنه كان يُقَبِّلُه ويَسْجُدُ عليه بجبهته، وقال: رَأَيْتُ عُمَرَ رَضِيَ الله عنه قَبَّلَهُ، ثُم سجد عليه، ثم قالَ: رَأَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَعَلَ ذلك، فَفَعَلْته. رواه ابن المُنْذِر والحاكم وصَحَّحَه.

وأَمَّا التقبيل فسنّةٌ مُؤَكَّدةٌ، لما في البخاري عن عمر: أَنه سُئِل عن اسْتِلامِ الحَجَرِ فقال: رأَيتُه صلى الله عليه وسلم يَسْتَلِمُه ويُقَبِّلُه. وروى النَّسائي عن ابن عمر: أَنَّ عمر قَبَّله ثلاثاً. ولما في الكُتُبِ الستةِ عن عمرَ بن الخطاب: أَنَّه جاء إِلى الحجر فقَبَّله، وقال: إِني أَعلم أَنَّكَ حَجَرٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولولا أَنِّي رَأَيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُكَ لما قَبَّلْتُكَ. ورواه الحاكم وزاد فيه: فقال عليٌّ: يا أَمير المؤمنين يضر وينفع، ولو عَلِمتَ تأْويلَ ذلك من كتابِ الله لَعَلَمْتَ أَنه كما أَقول، قال الله تعالى: {وإِذ أَخَذَ رَبُّك مِن بَنِي آدَم} الآيةَ، فلما أَقَرُّوا أَنَّه الرَّبُّ عز وجل، وأَنهم العبيدُ، كَتَبَ ميثاقَهُم في رَقَ ـ أَي في جلد رقيق ـ وأَلْقَمَهُ في الحجر، وأَنَّه يُبْعَثُ يوم القيامة وله عينانِ ولسانٌ وشفتانِ، ويَشْهَدُ لِمَنْ وَافاه بالموافةِ، فهو أَمِينُ اللَّهِ في هذا الكتاب، فقال له عمرُ: لا أَبقاني اللَّهُ بأَرضٍ لَسْتَ فيها يا أَبا الحسن. وفي رواية: أَعوذُ بالله مِن أَنْ أَعيش في قوم لَسْتَ منهم. وقال الحاكم: ليس هذا الحديث على شرط الشيخين، فإِنَّهما لم يَحْتَجَّا بأَبي هارونَ العَبْدِي.

وقال ابن الهُمَام: ومن غرائب المتون ما في «مصنف ابن أَبي شيبة» في آخر مُسْند أَبي بكر عن رجلٍ رَأَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم وقف عند الحجر فقال: إِنِّي لأَعلَمُ أَنك حَجَرٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفع، ثُم قَبَّله، ثُم حَجَّ أَبو بكر فوقف عنده فقال: إِنِّي لأَعلمُ أَنك حجرٌ لا تضر ولا تنفع، ولولا أَني رأَيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُكَ ما قَبَّلْتك. فإِنْ صَحَّ، يُحْكَم بِبُطْلان حديث الحاكم لِبُعْد أَنْ يَصْدُر عن عليَ كرّم اللّهُ وجهه قوله: «بل يَضُرُّ ويَنْفَع»، بعدما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم «لا يَضُرُّ ولا يَنفع»، لأَنه صورة معارضة.
لا جَرَم أَنَّ الذهبي قال عن العبدي: إِنه سَاقِطٌ. وعمر إِنما قال ذلك أَو النبيُّ صلى الله عليه وسلم إِزالةً لِوَهْم الجاهلية من اعتقاد الحجارة التي هي الأَصنام. قال البِرْماوي: وما وَرَدَ مِمَّا يَقْتَضِي النفع والضر ما جعلَ اللّهُ في الحجر من الخير والشر، فليس لذات الحجر.
(
وإِلاَّ) أَي وإِن لم يَقْدِر على استلام الحجر، أَوْ قَدَرَ عليه لكن يؤدي إِلى الضرر. (يَمَسُّ شَيْئاً في يَدِهِ) من نحو عصا وغيره (وقَبَّلَهُ) لما روى الجماعة إِلاَّ الترمذيَّ عن ابن عباس أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمِحْجَن معه ـ وهو، بكسر الميم وفتح الجيم: عُودٌ معوج الرأْس ـ.
قيل: إِنما طاف عليه الصلاة والسلام وهو راكبٌ لِبَيان الجواز، والأَصح أَنه لِيراه الناسُ ويأْخذوا عنه، وقد جاء ذلك في «صحيح مسلم» من حديث جابر.

وقيل: كراهية أَنْ يصرف الناس عنه، لما في مسلم عن عائشة قالت: طافَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالبيتِ في حجةِ الوداع على راحلته يستلم الركن، كراهيةَ أَن يصرف عنه الناس. وَرُدَّ هذا القيل باحتمال عود الضمير على الركن، ويدفع بأَن مآله إِلى ذلك القيل. وقال ابن الهُمَام: أَي لو طاف ماشياً لانصرفَ الناسُ عنه، لأَن كل مَنْ رام الوصول إِليه لسؤالٍ، أَو لرُؤيةٍ لاقتداءٍ لا يَقْدِرُ، لكثرةِ الخَلْقِ حَوْلَه، فينصرف من غير تحصيل حاجة.
وقيل: كان به شكاية ـ أَي وجع ـ لما روى محمد في «الآثار» عن أَبي حنيفة عن حَمَّاد: أَنَّه سعى بين الصفا والمروةِ، مع عِكْرِمَةَ فجعل حَمَّادُ يصعد على الصفا والمروة وعِكْرِمة لا يصعد (ويصعد حمّاد المروة، ولا يصعده عِكْرَمة)، فقال حَمَّادُ: يا أَبا عبد الله أَلا تصعد الصفا والمروة؟ فقال: هكذا كان طوافُ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حماد: فلقيتُ سعيدَ بنَ جُبَير، فذكرتُ له ذلك، فقال: إِنما طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته ـ وهو شاكٍ ـ يستلم الرُّكْنَ بِمِحْجَن، فطاف بالصفا والمروة على راحلته، فمن أَجْل ذلك لم يصعد.

قلت: وهذا القول أَظهر لأَنَّ المَشْيَ في الطواف والسعي واجبان، فلا يُتْرَكان إِلاَّ لِعُذْرٍ ظاهرٍ.
ثُمَّ ههنا إِشْكَالٌ حَدِيثِي وهو: أَنَّ الثابت بلا شبهةٍ أَنه صلى الله عليه وسلم رَمَلَ في حجَّة الوداع، وهذا يُنَافِي طوافه راكباً، والجواب: أَنَّ في الحج للآفاقي أَطوفة، والرُّكُوب كان في طواف الزيارة يوم النَّحْر، ومشيه كان في طواف القدوم.
هذا، وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: لم أَرَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يَمَسُّ مِن الأَركان إِلاَّ اليَمَانِيَيْن.
(
وإِنْ عَجَزَ) عن الاستلام (اسْتَقْبَلَهُ) قائماً بحياله، رافعاً يدَيه حِذاءَ مَنْكِبيه أَو أُذنيه، جَاعِلاً بطنهما نَحْوَه، مشيراً بهما إِليه.

(وكَبَّرَ وهَلَّلَ) ويقول: اللَّهُ أَكبرُ الله أَكبرُ، لا إِله إِلاَّ الله (وحَمِدَ اللَّهَ وصَلَّى على النبيِّ
صلى الله عليه وسلم
ويقول: اللهم إِني أَسأَلُكَ إِيماناً بك، وتَصْدِيقاً بكتابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، واتِّباعاً لِسُنَّةِ نبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم
(
وَطَافَ) أَي المُفْرِدُ بالحجِّ (طَوَافَ القُدُوم) ويُسمَّى طوافَ التحية، (ويُسَنُّ هذا) الطوافُ (للآفاقي) أَي غير المكي، وإِلاَّ فَسُنَّ لأَهْلِ المواقيتِ وداخِلِيها أَيضاً. وأَما المُعْتَمِر فليس عليه طواف القدوم، فيطوف طواف العمرة. وأَما القَارِن فيطوف أَولاً طوافَ العمرة، ثُم طوافَ القدوم.
وأَوَّل وقته دخولُ مكةَ، وآخِرُهُ وُقُوفُه بِعَرَفَةَ، وأَوْجَبَ مالك طوافَ القدوم وجوب السُنَنِ لا الفرائضِ، يعني أَنه يجب بتركه الدَّمُ على الآفاقي إِذا تركه والوقت متسع، كذا في «الجوهرة»، لقوله صلى الله عليه وسلم «مَنْ أَتى البيتَ فَلْيُحَيِّهِ بالطواف».
ولنا أَنَّ الله تعالى أَمَرَ بالطواف، والأَمر المطلق لا يقتضي التكرار، وقد تعين طواف الزيارة بالإِجماع، والحديث غريب جداً، وعلى تقدير صحته ففي لفظ التحية دلالة على السنية، والسنية تنافي وجوبَ الدم. والله سبحانه أَعلم.
(
آخِذاً) حال استقباله الحَجَر (عَنْ يَمِينِهِ) أَي يمين الطائف لا يمين الحجر، فقَوْلُه: (مِمَّا يَلِي البابَ) ـ أَي باب الكعبة ـ تأْكيدٌ لقوله: عن يمينه، فيصيرُ البيتُ في الطواف عن يساره ليكون الباب في أَوَّل طوافه، لقوله تعالى: {وأتُوا البيوتَ مِن أَبْوَابِهَا}، أَو لأَن القلب في الجانب الأَيسر. وفي مسلم والنَّسائي عن جابر: لَمَّا قَدِم النبيُّ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ بَدَأَ بالحجر، فاستلمه، ثُمَّ مضى على يمينه، فَرَمَل ثلاثاً ومَشَى أَرْبَعَاً.

(ورَاءَ الحَطِيمِ) ويُسَمَّى حظيرة إِسماعيل، وهو البُقعة التي تحت الميزَاب، عليها حاجز على هيئة نصف دائرة، بينها وبين البيت فُرجة. سُمِّي بالحطيم لأَنه حُطِّم من البيت ـ أَي كُسِر ـ وبالحِجْر لأَنه حُجِرَ منه ـ أَي مُنِع ـ. وإِنَّما يُطَافُ وراءَ الحطيم لأَنه من البيت، والمأمور هو الطواف به لا فيه، قال تعالى: {وليَطَّوَّفُوا بالبيتِ العَتِيقِ}.
وفي الصحيحين ـ واللفظ لمسلم ـ عن عائشةَ قالت: سأَلت رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الحِجْر، أَمِنَ البيتِ هو؟ قال: «نعم»، قلت: فما بالُهم لم يُدْخِلُوه في البيت؟ قال: «إِنَّ قومكِ ـ يعني قريش ـ قصرت بهم النفقة ـ أَي المال ـ حال العِمَارة»، قلت: فما شأْنُ بابه مرتفعاً؟ قال: «فعل ذلك قَوْمُكِ ـ أَي بَنُو شيبةَ من قريش ـ لِيُدْخِلوا مَنْ شاؤوا ويمنعوا مَنْ شاؤوا، ولولا أَنَّ قومَكِ حديث عهدهم بكفر، وأَخاف أَنْ تنكر قلوبُهم، لنظرت أَنْ أَلصق الحِجْرَ بالبيت، وأَنْ أَلزق بابه بالأَرض». انتهى.
وليس الحطيم كله من البيت على الصحيح، بل مقدار ستة أَذرع منه، لحديث عائشة أَنه صلى الله عليه وسلم قال: «سِتَّةُ أَذْرُع من الحِجْرِ من البيتِ، وما زَادَ ليس من البيتِ». رواه مسلم.
ولو طَافَ من الفُرجة التي بين الحطيم والبيت، لا تُجزئه في تحقق الكمال، ولا بد من إِعادة الطواف كله ليتحققه، وإِنْ أَعاد الحطيم وحده أَجزأَه بأَن يأْخذ على يمينه خارج الحِجْرِ حتى ينتهي إِلى آخره، ثُم يدخل الحِجْر من الفرجة، ويخرج من الجانب الآخر، أَو لا يدخل الحِجْر ـ وهو أَفضل ـ بأَنْ يرجع ويبتدىء من أَول الحجر، هكذا يفعل سبع مرات، ويَقْضِي صفته من الرَّمَل وغيره.
ولو لم يُعِد صح طوافه، ووجب عليه الدم.

وفي «سنن أَبي داود»: أَنَّ عائشة قالت: كنت أُحِبُّ أَنْ أَدخل البيت وأُصلّي فيه، فَأَخَذَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يدي فأَدخلني الحِجْر فقال: صَلِّي في الحِجْر إِذا أَردتِ دخول البيت، فإِنما هو قطعةٌ منه، فإِنَّ قومك اقتصروا حين بنوا الكعبة فأَخرجوه من البيت. وفي «المستدرك» عن ابن عباس قال: الحِجْر من البيت، لأَن رسول الله صلى الله عليه وسلم طافَ بالبيتِ من ورائه. قال تعالى: {وليَطَّوَّفُوا بالبَيْتِ العتيقِ}، ثُم وإِنْ ثَبَت بهذا الخبر وغيره أَنه من البيت، لكن لم تجز الصلاة باستقباله وحده، لأَن فَرْضِية الاستقبال ثبتت بنص الكتاب، فلم يُكْتَف بما ثبت بالآحاد أَخْذاً بالاحتياط.

(
سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ) من الحجر الأَسود إِليه نفسه شوط واحد (يَرْمُلُ) ـ بضم الميم ـ أَي يُسْرِع، ويقارب الخطوتين، ويحرِّك في مشيه الكتفين كالمبارز يتبختر بين الصفين (في الثلاث الأُوَل) ـ بضم الهمزة وتخفيف الواوـ جَمْع الأُولى مؤنث، الأُوَل ضد الأُخر. وذلك لما روى مسلم عن ابن عمر قال: رَمَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من الحَجَر إِلى الحَجَر ثلاثاً، ومَشَى أَرْبَعاً.

ولِمَا في الصحيحين عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إِذا طَافَ بالبيتِ الطوافَ الأَوَّل خَبَّ ثلاثاً، ومشى أَرْبَعَاً، وكان يسعى ببطن المسيل إِذا طاف بين الصفا والمروة. وفي حديث جابر الطويل: حتى إِذا أَتينا البيتَ معه استلم الرُّكْنَ فرَمَلَ ثلاثاً، ومشى أَرْبَعَاً. وفي لفظ عنه: قالَ: رَأَيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رَمَلَ من الحجر الأَسود حتى انتهى إِليه ثلاثاً. وقد ثبت في مُسْلم عن ابن عباس: إِنما سعى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ورَمَل بالبيتِ لِيُريَ المشركين قوّته. انتهى. وفي رواية: فأَمرهم النبيّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَرْمُلُوا الأَشواط الثلاث، وأَنْ يمشوا ما بين الركنين، ولم يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهم أَنْ يَرْمُلوا بالأَشواطِ كُلِّها إِلاَّ الإِبقاءُ عليهم. متفق عليه.
وسببُ الرَّمَل إِظهار الجلادةِ للمشركين في عُمْرة القضاء، لقولهم: يَقْدَم غداً قومٌ قد وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فقال المشركون: هؤلاء الذين زَعَمْتُم أَنَّ الحُمَّى وهنَتْهُم أَجْلَدُ من كذا وكذا. ثُم بَقِيَ الحُكْم بعد زوال سببه كالاخفاء في صلاة الظهر والعصر الذي كان تَشْوِيشاً. وفي رواية البخاري عن عمر أَنه رَضِيَ الله عنه قال: واللّهِ أَعلم أَنَّك حَجَرٌ لا تَضُرُّ ولا تنفعُ، ولولا أَني رأَيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم اسْتَلَمَكَ ما اسْتَلَمْتُكَ، ثُم قال: ما لنا وللرَّمَل، إِنَّا كُنَّا رَأَينا به المشركين وقد أَهْلَكَهُم اللَّهُ تعالى، ثُم قال: شيءٌ صَنَعَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فلا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَه.

وفي «سُنن أَبي داود، وابن ماجه»، عن زيد بن أَسْلم، عن أَبيه قال: سمعت عمر يقول: فِيمَ الرَّمَلُ وكَشْفُ المَنَاكِب وقد أَعَزَّ اللَّهُ عز وجلّ الإِسلام ونَفَى الكفر، ومع ذلك فلا نَدَعُ شيئاً كنّا نفعله على عهد رسولِ الله صلى الله عليه وسلم انتهى. ولعل الحكمة في بقائه تُذكّر ذلك الحال والجهد على الانتقال بعون الله الملك المتعال.

ولو زَحَمَهُ الناس في الرَّمَل وَقَف قائماً إِلى أَنْ يَجِدَ فُرْجَةً، لأَنه مِن سُنَّةِ الطواف ولا بُدَّ له، بخلاف استلام الحجر حيث لا يتوقف فيه عند الازدحام، لأَن الإِشارة إِليه بَدَلٌ له. وفي «شرح الطحاوي»: يمشي حتى يَجِدَ وهو الأَظهر، لأَن وقوفه مُخالفٌ للسُّنَّةِ، فما لا يُدْرَك كله لا يترك كله.
(
مُضْطَبعَاً) أَي جَاعِلاً رداءه تحت إِبْطِهِ اليُمنى مُلقياً طرفه على كتفه اليُسرى، لما روى أَبو داود والمُنْذِري ـ وقال: حديث حسن ـ عن ابن عباس: أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الجِعْرَانَة، فَرَمَلُوا بالبيت وجعلوا أَرديَتهم تحتَ إِبَاطِهِم، ثُم قذفوها على عَوَاتِقِهِم اليُسْرى. وقد نقل ذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أَنه طاف مُضْطَبعاً وعليه بُرْدٌ. رواه ابن ماجه، والترمذي، وصححه أَبو داود وقال: بِبُرْدٍ له أَخضر.
وينبغي أَنْ يكونَ الاضطباع قبل الشروع في الطواف بقليلٍ. ذكره ابنُ الهُمَام، يعني لا اضطباع من أَول الإِحرام كما يَفْعَلُه العوام، ولا في السَّعْي، كما صرح به في «البدائع». وكذا في «العناية شرح الهداية»، ثُم الاضطباع سُنَّةٌ في جميع أَشواط الطواف، كما ذكره ابن الضياء، «فمضطبعاً» حال من فاعل طاف، لا مِن ضمير يَرْمُل كما هو المتبادر من المتن. ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الطواف قراءة، بل الذكر، وهو مُتَوَارَثٌ عن السلف، والمُجْمَعُ عليه، فكانَ أَوْلى. ذكره ابن الهُمَام.

وقد يقال: إِنه صلى الله عليه وسلم لم يقرأ فيه لئلا يُتوهَّم أَنَّ القراءة فيه فرضٌ أَو واجبٌ كما في الصلاة خصوصاً في مذهبنا، حيث أَجازوا الطواف للمُحْدِث والجنب فلا بأْس بقراءته في نفسه، كما في «الكافي».
ويُكره رَفْعُ صوتِه به وبغيره من الأَذكار. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أَنه دعا بَيْن الركنين بقوله: {رَبَّنَا آتِنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقِنَا عذابَ النَّارِ} ». رواه أَبو داود، والنَّسائي، وابن حِبَّان، والحاكم، وابن أَبي شيبةَ عن عبد الله ابن السائب مرفوعاً. وكذلك يقول بين الرُّكن والحَجَر كما رواه ابن أَبي شيبةَ عنه. وكذا يقول في الطواف، أَي سائر أَماكنه، كما رواه الحاكم عنه أَيضاً.
وفي رواية ابن أَبي شيبةَ موقوفاً من قول ابن عمر: أَن يقول أَيضاً بين الركْن والمقام. وروى الحاكم مرفوعاً عن ابن عباس، وابن أَبي شيبة من قوله، أَن يقول في الطواف: اللهم ـ وفي رواية ـ ربِّ قَنِّعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلُف على كل غايبة لي بخير. وروى ابن أَبي شيبة عن ابن عمر أَنه كان يقول في الطواف: لا إِله إِلاَّ اللَّهُ، وَحدَهُ لا شريكَ له، له الملكُ وله الحَمْدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ.

ورَوَى ابن ماجه عن أَبي هريرة أَنه سمع النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ طافَ بالبيتِ سَبْعاً ولا يتكلم إِلاَّ بِـ: سُبْحَانَ اللّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إِله إِلاَّ اللّهُ، واللّهُ أَكبرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ العَليِّ العظيم، مُحِيَتْ عنه عَشْرُ سيّئاتٍ، وكُتِبَتْ له عَشْرُ حَسَنَاتٍ ورُفِعَتْ له عَشْر درجاتٍ».

(وكُلَّما مَرَّ بالحَجَرِ) الأَسود (فَعَل ما ذُكِرَ) من الاستلام، لأَن أَشواط الطواف كَرَكْعَاتِ الصلاة، وكما يفتح كلَّ ركعةٍ بالتكبير، يفتح كلَّ شوطٍ بالاستلام، وهذا من جهة المعقول. وأَمَّا من طريق المنقول: فقد وَرَدَ في «مُسْنَد أَحمد»، والبخاري وغيره: أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم طَافَ على بعيرٍ كُلَّمَا أَتى على الرُّكْنِ أَشارَ إِليه بشيءٍ في يَدِهِ وكَبَّرَ.
قال ابنُ الهُمَام: لم يذكر صاحبُ «الهداية» ولا كثيرٌ رفعَ اليدين في كل تكبير يستقبل به في كل مبدأ شَوْط، فإِن لاحظنا ما رواه من قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تُرْفَع الأَيدي إِلاَّ في سَبْعِ مَوَاطِنَ» ينبغي أَنْ تُرْفَع في كل تكبير للعموم في استلام الحجر، وإِنْ لاحظنا عَدَمَ صِحَّةِ هذا اللفظ فيه وعدم تحسينه، بل القياس المتقدم، لم يُفِد ذلك، إِذْ لا رَفْعَ مع ما به الافتتاح فيها إِلاَّلاً الأَول. واعتقادي أَنَّ هذا هو الصواب، ولم أَرَ عنه صلى الله عليه وسلم خِلاَفَه. انتهى. والأَظهر أَنْ يَرفع تارةً ولا يَرفع أُخرى، عملاً بالوجهين (وَفْقَ الدَّلِيلَيْن).
(
واسْتِلاَمُ الرُّكْنِ اليَمَانِي) ـ بتخفيف الياء على الصحيح، لأَنه نِسْبةٌ إِلى اليمن فأَبدل إِحدى يائي النِّسبة أَلِفاً، فلو قيل بالتشديد لزم الجمع بين البدل والمُبْدَل منه، ومَنْ شَدَّدَها قال الأَلف فيها زائدة. ذكره الكِرْماني في «شرح البخاري». (حَسَنٌ) مِن غير تقبيلٍ في قول أَبي حنيفةَ وأَبي يوسف لما رواه مسلم وأَبو داود عن ابن عمر أَنه قال: ما تَرَكْتُ استلامَ هذين الرُّكْنَين: الرُّكْنِ اليماني، والحَجَرِ الأَسودِ، مُنْذُ رأَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَسْتَلِمُهُما.

وقال محمد: السُّنَّةُ أَنْ يفعلَ فيه كما يفعلُ بالحجر الأَسود. كذا ذكره الشارح. وقال صاحبُ «المواهب»: حسنٌ في ظاهر الرواية عن أَبي حنيفة. وقالا: هو سُنَّةٌ، ومما يدل على قول محمد ما رَوَى ابن عباس أَنَّه صلى الله عليه وسلم كان يُقَبِّلُ الرُّكْنَ اليماني ويضع يده عليه. رواه الدارقطني. وعن ابن عباس أَنَّه صلى الله عليه وسلم إِذا استلم الرُّكْنَ اليماني قبَّله. رواه البخاري في «تاريخه».

وأمّا الركن العِراقي والشامي فلا يُستلمان في المذاهب الأَربعة، لمَا روى الجماعةُ إِلاَّ الترمذيَّ عن ابن عمر قال: لم أَرَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ من البيت إِلاَّ الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَيْن. وفي لفظٍ لمسلم: كان لا يستلمُ إِلاَّ الحَجَرَ والرُّكْنَ اليَمَانِي. وعن ابن عباس قال: لم أَرَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يستلم غير الركنين اليمانيين، ولأَن الرُّكن العراقي والشامي ليسا بِرُكْنَيْنِ حقيقةً، وإِنَّما هما من وسط البيت، لأَن بعض الحَطيم من البيت اتفاقاً.
(
وَخَتَم الطَّوَافَ باسْتِلاَمِ الحَجَرِ) ليكونَ ختامَهُ مِسْكٌ، والإِيماء إِلى قوله تعالى: {كما بدأكم تعودون} (ثِمَّ صَلَّى شَفْعَاً، يَجِبُ) عندنا وعند مالك (بَعْدَ كُلِّ طَوَافٍ) فرضاً أَو نَفْلاً، وقول ـ شذوذ مِنَّا ـ ينبغي أَنْ يكون واجباً عقيب الطواف الواجب (لا غير)، ليس بشيءٍ لإِطلاق الأَدلة (منها الآية الآتية، ومنها ما رَوى البخاري عن الزُّهري:) فإِنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يَطُف قَطُّ أُسبوعاً إِلاَّ صلَّى ركعتين. ومنها قول ابن عمر: سَنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لِكُلِّ أُسبوعٍ ركعتين. رواه أَبو القاسم تَمَّامُ بن محمد الرَّازِي في «فوائده».

ومنها قول الحسن البصري: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ مع كل أُسبُوعٍ ركعتين، لا يجزىءُ عنهما تَطوُّعٌ ولا فريضةٌ. رواه ابن أَبي شيبةَ في «مُصَنَّفِهِ». وأَمَّا قول صاحب «الهداية»: لنا قَوْلُه صلى الله عليه وسلم «وليصلِّ الطائفُ لِكُلِّ أُسبوعٍ ركعتين»، فلم يُعْرَفْ هذا الحديثُ كما قال ابن الهُمَام وغيره.
(
عِنْدَ المَقَامِ) أَي مقام إِبراهيم عليه السلام: وهو الحجر الذي عليه أَثَرُ قدَمَيه لقوله تعالى: {واتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبراهيمَ مُصَلَّى} في قراءة الجمهور بكسر الخاء، والأَمر للوجوب، وقد واظب عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم من غير تَرْكٍ أَصلاً. وقال السُّدِّي وقَتَادةُ: أُمِرُوا أَنْ يُصَلُّوا عند المقام، (أَي) ركعتي الطَّواف.
وروى أَحمد ومسلم أَنه صلى الله عليه وسلم لما انتهى إِلى المقام قرأَ: {واتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبراهِيمَ مُصَلَّى}، فَصَلَّى ركعتين وقرأَ فاتحة الكتاب، و {قُلْ يا أَيُّها الكافرون} و {قل هو اللّهُ أَحَد}، ثُمَّ عاد إِلى الرُّكْنِ فاستلَمَه، ثم خرج إِلى الصَّفَا. ورَوَى الترمذي من حديث أَنس أَنَّ عمرَ رَضِيَ الله عنه قال: يا رسولَ الله لو صَلَّينا خَلْفَ المقام ـ يعني ركعتي الطواف ـ فأَنْزَلَ اللهاُ تعالى: {واتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبراهِيمَ مُصَلَّى}، فَعَلَى صيغةِ الأَمر ظاهرٌ، وكذا على صيغةِ الخبر، فتدبر. وعن ابن عمر رَضِيَ الله عنهما: إِذا أَراد أَنْ يركعَ خَلْفَ المقام جَعَلَ بينه وبين المقام صَفَّاً أَو صَفَّيْنِ، أَو رَجُلاً أَوْ رَجُلَيْنِ. رواه عبدُ الرَّزَّاق.

(أَوْ غَيْرِهِ مِنَ المَسْجِدِ) إِنْ لم تُيَسَّر له الصلاة عند المقامِ. والحاصل: أَنَّ أَفضل الأَماكن لأَداءِ صلاة الطواف خلف المقام، وهو ما يصدق عليه ذلك عادةً وعُرْفاً، ثُم في الكعبة، ثُم في الحِجْر تحت المِيزَاب، ثُم كُلَّمَا قَرُبَ مِن البيت، ثُم سائر المسجد، ثُم الحَرَم، ثُم جاز في غَيْرِه.
ولا يُكْرَه الطواف في الأَوقات التي تُكْرَه فيها الصلاة، بخلاف صلاة الطواف فإِنها مكروهةٌ فيها عندنا لما روى الطحاوي عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: طافَ عمرُ بالبيتِ بعد الصُّبْح فلم يَرْكَع، فلما صار بذِي طُوَىً، وطلعت الشمس صلَّى ركعتين. فَلَوْ جَمَع بين الأَطْوِفَة في الأَوقات المكروهة يُصلي بعد الجميع ركعتين لِكُلِّ طواف لما رُوِي أَنَّ عائشة طَافَتْ ثلاثةَ أَسابيع، ثُمَّ صَلَّتْ لكل أُسبوعٍ ركعتين. ويَستوي فيه أَنْ يَنْصَرف عن وترٍ أَو شَفْعٍ اتفاقاً.
وأَمَّا في غيرِ الأَوقاتِ المكروهةِ فلا يَكْرَهُ أَبو يوسف وَصْلَ الأَسابيع في الطواف إِذا صلى عن وِتْر، كثلاثةٍ أَو خَمْسَةٍ أَو سبعةٍ. وفيها أَثَرُ عائشةَ: لا بأْس بذلك إِذا انصرف عن وِتْرٍ. وكَرِهَهُ أَبو حنيفة ومحمد، سواءٌ انصرفَ عن وِتْرٍ أَو شَفْعٍ لقوله صلى الله عليه وسلم «مَنْ طافَ حَوْلَ البيتِ أُسبوعاً فَلْيُصَلِّ ركعتين». وأَمَّا أَثَرُ عائشةَ فَمُعَارَضٌ بقول غيرها من الصحابة.
وفي «النوازل»: يقرأَ في الركعة الأُولى بـ: {قل يا أَيها الكافرون}، وفي الثانية بـ: {}قل هو الله أَحَد، ويدعو بعد فراغه من الصلاة. والمأْثور دعاء آدم عليه السلام: اللهم إِنَّكَ تَعْلَمُ سِرِّي وعلانيتي فاقْبَل مَعْذِرَتي، وتَعْلَمُ حاجتي فأَعطني سُؤلِي، وتَعْلَمُ ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي. اللهم إِني أَسأَلك إِيماناً يُبَاشِرُ قلبي، ويقيناً صَادِقاً حتى أَعلمَ أَنه لا يصيبُني إِلاَّ ما كتبت لي، ورضاءً بما قَسَمْتَ لي.

ويُسْتَحَبُّ أَنْ يأْتي زَمْزَمَ فَيَشْرَبُ منها ويَتَضَلَّعُ، ويقول: اللهم إِني أَسأَلك رِزْقاً واسعاً، وعلماً نافعاً، وشفاءً مِنْ كُلِّ داءٍ. ثُم يأْتي المُلْتَزم ويَتَشَبَّثُ به ويضع صدره وبطنه وخَدَّه عليه، ويضع يديه فوق رأْسه مبسوطتين على الجدار قائمتين. وقيل عليه العمل: يلزم الملتزم قبل الركعتين، ثُم يصليهما، ثُم يأْتي زمزم.

(
ثُمَّ) أَي بعد ذلك إِذا أراد السَّعْي (عَادَ واسْتَلَمَ الحَجَرَ) لما في حديث جابر أَنه صلى الله عليه وسلم فَعَلَ ذلك (وخرَجَ) مِن أَيِّ بابٍ شاء، وإِنما خَرَج النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ باب الصفا لأَنه أَقربُ إِليه (وصَعِدَ الصَّفَا) ـ بكسر العين ـ أَي رَقِيَهَا بقدر ما يَرَى الكعبة.
(
واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ) قائماً (وكَبَّرَ) ثلاثاً مِن غيرِ رَفْعِ يَدٍ (وهَلَّلَ) وقال: لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شريكَ له، له الملكُ وله الحَمْدُ، يُحْيي ويُمِيتُ، وهو حيٌّ لا يموت ، بيده الخيرُ وهو على كُلِّ شيءٍ قديرٌ، لا إِله إِلاَّ اللّهُ، (وَحْدَهُ، صَدَقَ) وعده، ونصر عبده، وأَعَزَّ جنده، وهزم الأَحزاب وَحْدَه، لا إِله إِلاَّ اللّهُ، ولا نعبد إِلاَّ إِيَّاه، مخلصينَ له الدِّينَ ولو كره الكافرون.
(
وصَلَّى على النبيِّ
صلى الله عليه وسلم

في أَوَّلِ دُعَائِهِ وآخره (ورَفَعَ يَدَيْهِ) حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ جاعلاً باطنهما إِلى السماء، لما روى أَبو داود في «سُننه» عن ابن عباس أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «المسألة أَن ترفَعَ يَدَيْكَ حَذْوَ مَنْكِبيك أَو نَحْوَهُما». والاستغفار: أَنْ تشيرَ بأُصْبَعٍ واحدةٍ. والابتهال: أَن تَمُدَّ يَدَيْكَ جميعاً. ورَوى إِسحاق بن رَاهُويه وابن ماجه من حديث ابن عباس أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «سَلُوا اللّهَ بِبِطُون أَكُفِّكُم ولا تَسْأَلُوه بِظُهُورِهَا، فإِذا فرغتم فامسحوا بها وُجُوهَكُمْ».
(
ودَعَا بِمَا شَاءَ) ومِنَ المأْثور: اللهم إِنَّك قلت: ادْعُونِي أَستجب لكم، وإِنك لا تُخْلِفُ الميعاد، وإِني أَسْأَلُكَ كما هديتني للإِسلام أَنْ لا تَنْزِعَه مني حتى تَتَوفَّاني وأَنا مُسْلِمٌ. رواه مالك عن ابن عمر موقوفاً. (ثُمَّ مَشَى) على هِينَتِهِ نازلاً (نَحْوَ المَرْوَةِ) داعياً: اللهم اجْعَلْهُ حَجَّاً مبروراً، وسعياً مَشْكوراً، وذَنْباً مغفوراً، وتجارةً لَنْ تَبُور يا عزيزُ يا غفورُ. وأَمثال ذلك من الأَدعية والأَذكار.
(
سَاعِياً) أَي مُسْرِعاً (بَيْنَ المِيلَيْنِ الأَخْضَرَيْنِ) قائلاً: رَبِّ اغْفِر وارْحَم وتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَم، إِنَّكَ أَنْتَ الأَعَزُّ الأَكْرَمُ. رواه (ابن أَبي شيبةَ من قول) ابن مسعودٍ موقوفاً. وعن جابر أَنَّه صلى الله عليه وسلم نَزَل إِلى المَرْوَةِ حتى إِذا انصبَّتْ قَدَمَاهُ رَمَلَ في بطن الوادي، حتى إِذا صَعِد مَشَى. رواه أَبو داود. (وصَعِدَ فِيها) أَي في المروة (وفَعَلَ ما فَعَلَ علَى الصَّفَا) من الاستقبال، والتكبير، والتهليل والدعاء، وهذا شَوْطٌ من السَّعْي.

(ثُمَّ سَعَى) أَي مَشَى متوجّهاً (إِلى الصَّفَا) وهو شَوْطٌ آخَرُ (فَصَارَ اثْنَينِ) ذَهَابُهُ إِلى المروةِ واحدٌ، وعَوْدُهُ إِلى الصَّفَا آخَرُ (يَفْعَلُ هَكَذا سَبْعاً) أَي ابتداءها من الصفا وخَتْمَهَا بالمروة.
وقال الطحاوي، وبعضُ الشافعية: الذهاب من الصفا إِلى المروة ومنها إِلى الصَّفا، مجموعُ ذلك شَوْطٌ، كما أَنَّ الشَّوْط في الطواف من الحجر إِلى الحجر. ويرده قول جابر: فلما كان آخر طوافه على المروة، لأَن مقتضى قولهم: أَن يكون آخر طوافه على الصفا. والفرق بين السَّعْي والطواف: أَنَّ السَّعْيَ يتم بالمروةِ فيكونُ الرجوعُ تَكْراراً، والطواف لا يتم إِلاَّ بالوصولِ إِلى الحجر. والأَصل في ذلك حديث جابر الطويل، من قوله: ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الباب إِلى الصفا، فَلَمَّا وَلَّى إِلى الصفا قرأَ: {إِنَّ الصَّفَا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} فبدأَ بما بدَأَ اللّهُ به.
وفي أَبي داود: «نبدأُ». وفي النَّسائي، والدَّارَقُطْنِيّ: «ابدؤوا» ـ بصيغة الأَمر ـ، فبدأَ بالصَّفَا فَرَقِيَ عليها حتى رأَى البيت، فاستقبل القِبلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وكبَّره. وقال: «لا إِلهَ إِلاَّ اللّهُ وَحْدَهُ لا شريكَ له، له الملكُ وله الحَمْدُ وهو على كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، لا إِله إِلاَّ اللّهُ وَحْدَه، أَنْجَزَ وعده، ونصر عبده، وهزم الأَحزاب وحده»، ثُم دعا بين ذلك فقال مثل هذا ثلاث مرات، ثُمّ نزل إِلى المروة حتى إِذا انصبَّتْ قَدَمَاه في بطن الوادي رَمَلَ، حتى إِذا كان آخر الطواف على المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا، قال: «لو استقبلت مِنْ أَمري ما استدبرت لم أَسُقِ الهَدْيَ وجَعَلْتُهَا عمرةً، فَمَنْ كان مِنْكُم ليس معه هَدْي فليُحِلَّ وليجعلها عُمْرَةً...» الحديثَ.

وفي روايةٍ لِمُسْلِم، وأَبي داود عن أَبي هريرةَ أَنَّه صلى الله عليه وسلم لَمَّا فَرَغَ من طوافِهِ أَتى الصفا، فَعَلاَ عليها حتى رأَى البيتَ ورَفَعَ يَدَهُ، فجعل يَحْمَدُ اللّهَ تعالى ويدعو ما شاء أَنْ يدعو. ويُسْتَحَبُّ إِذا فَرَغَ من السَّعْي أَنْ يدخل المسجد فيصلّي ركعتين، فإِنه صلى الله عليه وسلم صلّى ركعتين في ـ قيل ـ حاشية المطاف حَذْوَ الرُّكْنِ الأَسود، وقيل: فيما يلي باب العُمْرَة، ذكره ابن الهُمَام.
(
ثُمَّ سَكَنَ بِمَكَّةَ مُحْرِماً) مِنْ غَيْرِ تَحَلُّل، لأَنه مُحْرِمٌ بالحج فلا يتحلل منه حتى يأْتي بِأَفعاله.

وقال ابن عباس: لهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ ويفسخَ الحجَّ إِلى عُمْرَةٍ لما روينا. وأُجيب بأَن ذلك كان مختصاً بأَصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم لِمَا في مسلم وغيره عن أَبي ذرّ أَنه قال: (المتعة كانت) لأَصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خَاصَّةً. ولا يعارضه حديث سُرَاقَةَ حيث قال: أَلِعَامِنَا هذا أَم للأَبد؟ فقال: «للأَبَدِ». لأَن المراد «أَلِعَامِنَا» فِعْلُ العُمْرَةِ في أَشهر الحج أَم للأَبد؟ لا أَنَّ المراد فسخ الحج إِلى العمرة، وذلك لأَن سبب الأَمْر بالفسخ ما كان إِلاَّ تقريراً لِشَرْعِ العُمْرةِ في أَشهر الحج ما لم يكن مانِعُ سَوْقِ الهَدْي، وذلك أَنَّه كان مُسْتَعْظَماً عندهم، حتى كانوا يَعُدُّونَهَا في أَشهر الحج من أَفْجَرِ الفجور، فكَسَرَ سَوْرَةَ ما استحكم في نفوسهم من الجاهلية من إِنكاره، بِحَمْلِهِم عَلَى فِعْلِهِ بأَنفسهم.

(وطَافَ نَفْلاً ما شَاءَ) لأَنه يشبه الصلاة، لقوله صلى الله عليه وسلم «الطَّوافُ بالبيتِ صلاةٌ إِلاَّ أَنَّ اللّهَ تعالى قد أَحلَّ فيه المنطق، فَمَنْ نَطَقَ فيهِ فلا يَنْطِقْ إِلاَّ بِخَيْر». رواه ابن حِبَّان في «صحيحه». ورواية الترمذي والنَّسائي: «الطَّوافُ حولَ البيتِ مثلُ الصلاة، إِلاَّ أَنكم تتكلمون فيه، فَمَنْ تَكَلَّم فيه فلا يتكلمنَّ إِلاَّ بخير». وأَمَّا التَّنَفُّلُ بالسَّعْي فَغَيْرُ مشروعٍ، والرَّمَل والاضطباعُ إِنما يُسنان في كل طوافٍ بَعْدَه سَعْيٌ. ثُم طوافُ النَّفْل أَفضلُ للغريب من صلاة التطوع.
(
وخَطَبَ الإِمَامُ سابع ذِي الحِجَّةِ خُطْبَةً) واحدةً لا جلوس فيها، بعد صلاة الظهر (وعَلَّمَ) الناسَ فيها المناسك، والخروجَ إِلى مِنَى وعرفةَ، والصلاةَ فيها، والوقوفَ، والإِفاضةَ (ثُمَّ) خَطَبَ في اليوم (التَّاسِع) بعرفات خطبتين كالجُمُعَة (ثُمَّ) خطَبَ (في حَادِي عَشَر بِمِنَى) خطبةً واحدةً بعد صلاة الظهر لا يجلس فيها كخطبته يوم السابع، وعَلَّم فيها المناسك المحتاجَ إِليها في كل خطبة.
(
ويَخْرُجُ) أَي الحاج مُلَبياً (غَدَاةَ التَّرْوِيةِ إِلى مِنَى) لقول جابر في الحديث الطويل: فَلَمَّا كان يوم الترويةِ توجّهوا إِلى مِنَى فأَهَلُّوا بالحجِّ، وركِب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَصَلَّى بِمِنَى الظهر، والعصر، والمَغْرب، والعِشاء، والفجر، ثُم مَكَثَ قليلاً حتى طَلَعَتِ الشَّمسُ فأَجَاز رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتى أَتى عرفةَ... الحديثَ.

ويوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحِجة، سُمِّيَ بذلك لأَن إِبراهيم عليه السلام رأَى في المنام ليلةَ هذا اليوم قائلاً يقول: إِنَّ اللّهَ يأْمُرُكَ بِذَبْح ابنك، فلما أَصبح رَوَّى ـ أَي فَكَّرَ ـ أَنَّ ما رآه مِن اللّه فَيَأْتَمِرهُ، أَو لا فيترُكهُ، فسُمِّي يوم التَّرْوِية، فلما أَمسى رأَى مِثْلَ ذلك، فَعَرَف أَنَّه مِن الله تعالى فَسُمِّي يومَ عَرَفَةَ، ثُمَّ رأَى مثل ذلك في الليلة الثالثة فَهَمَّ بِنَحْرِ وَلدِه فَسُمِّي يومَ النَّحْرِ.
وقال ابنُ الأَنْباري: سُمِّي يومَ التروية لأَنَّ الناس يَرْوُونَ (فيه إِبِلَهم) ويحملون الماء (لأَجلهم)، وسُمِّي يوم عَرَفَة لأَنَّ جبرائيل عليه السلام عَلَّم إِبراهيم فيه المناسِكَ، فقال: عرفت. وقيل: لأَن آدم عليه السلام لَمَّا أُهْبِطَ إِلى الأَرض وقع بالهند، ووقعت امرأَته حواء بالسند، وفي رواية: بجدة، فلم يلتقيا إِلاَّ عشيةَ عرفةَ، فسُمِّي يوم عرفة، لمعرفةِ كُلَ منهما الآخر. وقيل: سُمِّي مِنَى بذلك لأَن جبريل لما أَراد أَنْ يفارق آدمَ قال له: ماذا تَتَمنَّى؟ فقال آدم: الجنة.
(
ومَكَثَ) بعد وصوله إِلى مِنَى (إِلى فَجْرِ عَرَفَةَ) وصَلَّى الصبح، ومَكَثَ بعد الفجر إِلى طلوع الشمس على ثَبِير، لما روينا من حديث جابر. (ثُمَّ) دَفَعَ (مِنْها) أَي مِن مِنَى (إِلى عَرَفَات) لما قَدَّمنا، ولِمَا روى ابنُ عُمر: أَنه صلى الله عليه وسلم غدَا مِنْ مِنَى حين طَلَعَ الصُّبحُ في صبيحةِ يَوْمِ عَرَفَةَ حتى أَتى عَرَفَةَ... الحديثَ. رواه أَحمد وأَبو داود.
ويُسْتحبُّ أَنْ يسير إِلى عرفةَ على طريق ضَبّ لا على طريق المَأْزِمَيْن، وينزل في عرفة مع الناس حيث شاء، ويُكْره أَن ينزل في موضع وحده، وقُرْبُ الجبلِ أَفضلُ إِنْ لم يكن هناك مزاحمة ومنكر.

(وكُلُّهَا) أَي جميع أَجزاء عرفة (مَوْقِفٌ) ولذا سُمِّيت عرفات (إِلاَّ بَطْنَ عُرَنَةَ) لما روى الطبراني والحاكم ـ وقال: على شرط مسلم ـ من حديث ابن عباس أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوقِفٌ، وادفَعُوا عن بَطْنِ عُرَنَة. والمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا موقفٌ، وادفعوا عن بَطْنِ مُحَسِّر». زاد ابن ماجه: «وكُلُّ مِنَى مَنْحَرٌ إِلاَّ ما وراء العَقَبَة». ورواه أَحمد عن جُبَيْرِ بنِ مُطْعِم وزاد: «وكُلُّ فِجَاج مِنَى مَنْحَرٌ، وفي كلِّ أَيامِ التشريقِ ذَبْحٌ»

(
وإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ خَطَبَ الإِمَامُ) في مسجد نَمِرَة بعد الزوال قبل الصلاة خطبتين، يَبْتَدِىءُ فيهما إِذا فَرَغَ المؤذن من الأَذان بين يديه، ويجلس بينهما، (كالجُمُعَةِ) ويُعَلِّمُهُم الوقوف بعرفةَ، ومُزْدَلِفَةَ وباقي المناسك، لحديث جابر: «فأَجازَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتى أَتى عرفةَ، فوجد القبة قد ضربت له بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بها، حتى إِذا زَاغَتْ الشمسُ أَمَرَ بالقَصْواء، فرُحِّلت له، فأَتى بطنَ الوادي فخطب الناسَ إِلى أَنْ قال: ثُمَّ أَذَّن ثُم أَقام فصلّى الظهر، ثُم أَقام فَصَلَّى العصر، ولم يُصَلِّ بينهما شيئاً... الحديثَ. رواه مسلم. وهذا معنى قوله (وجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ) زَمَانِيَّاً لما روينا (بأَذَانٍ وإِقَامَتَيْنِ) يؤذن ويقيم للظهر، ثُم يقيم للعصر، وعليه الإِجماع.
(
وشُرِطَ) لهذا الجمع (الجَمَاعَةُ) في الصلاتين مع الخطيب (والإِحْرَامُ) بالحَجِّ (فِيهِمَا، فلا يَجُوزُ العَصْرُ لِفَاقِدِ أَحَدِهِما) واقتصرا على الشرط الثاني: وهو الإِحرام كمالكٍ والشافعيِّ.

(ثُمَّ ذَهَبَ إِلى المَوْقِفِ بِغُسْلٍ سُنَّ) لِمَا ذَكَرْنَا في باب الغُسْل، ويَقِفُ الإِمَامُ بِقُرْب الجبل عند الصخرات السود الكبار التي أَسفل الجبل الذي بِوَسَطِ عرفات، يقال له: إِلاَلَ على وزن هِلاَل، ويقال له أَيضاً: جبلُ الرحمة، بحيث يكون الجبل قُبَالَتَهُ بيمين إِذا استقبل القبلةَ، والبناء المربعِ عن يسارهِ بقليلٍ. فقيل: هو مَوْقِفُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فيكون مستقبلَ القِبْلَةِ، ويدعو الناسُ بما أَحَبُّوا مستقبلين للقِبْلَةِ، لا كَمَا يَفْعَلُه العوامُ من استقبال الإِمام. وتُرْفَعُ الأَيدي بَسْطاً على رواحلهم وهو أَفْضَلُ من الوقوف قائماً، لما في حديث جابر: ثُم ركِب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فجعل بَطْنَ نَاقَتِهِ القَصْواء إِلى الصخرات، وجعل جبلَ المشاة بين يديه، واستقبلَ القبلةَ فلم يزَلْ واقفاً حتى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قليلاً حتى غاب القُرْصُ. رواه مسلم، وأَبو داود، وابن ماجه.
وقد ورد: «خَيْرُ الدُّعاءِ دُعاءُ يومِ عرفةَ، وخَيْرُ ما قلت أَنا والنبيُّون مِنْ قبلي: «لا إِلهَ إِلاَّ اللّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، له الملكُ وله الحَمْدُ وهو على كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ». رواه مالك، والترمذي، وأَحمد وغيرُهم. وعن ابن عباس: رَأَيْتُ النبيَّ عليه الصلاة والسلام يَدْعُو بعرفةَ، ويَدَاهُ إِلى صَدْرِهِ كالمُسْتَطْعِم المِسْكِين. رواه البيهقي في «سُنَنِهِ».

وأَمَّا ما رواه ابنُ ماجه عن عبد الله بن كِنَانَةَ بن عباس بن مِرْدَاسِ السُّلَمِيّ: أَنَّ أَبَاه أَخبره عن أَبِيهِ: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم دَعَا لأُمَّتِهِ عشيةَ عرفةَ بالمَغْفِرة، فأُجيب : أَني قد غَفَرْتُ لهم ما خَلا المظالِمَ فإِني آخِذٌ للمظلومِ منه، قال: «أَي رَبّ، إِنْ شِئت أَعطيتَ المظلوم الجنة وغفرت للظالم، فلم يُجِبْهُ عشيةَ عرفةَ، فَلَمَّا أَصبح بالمُزْدَلِفَةَ أَعادَ الدعاء، فأُجِيبَ إِلى ما سَأَل، فَضَحِكَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ـ أَو قال ـ تَبَسَّم، فقال أَبو بكر وعمر: بأَبي أَنْتَ وأُمّي، إِنَّ هذه الساعةَ ما كُنْتَ تَضْحَكُ فيها، فما الذي أَضْحَكَكَ أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ قال: إِنَّ عَدُوَّ اللّهِ إِبْلِيس لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الله سبحانه قد استجابَ دعائي، وغَفَرَ لأُمّتِي، أَخَذَ الترابَ فَجَعَل يَحْثُوهُ على رأْسِهِ ويدعو بالوَيْلِ والثُّبُورِ، فأَضْحَكَنِي ما رَأَيْتُ مِنّ جَزَعِهِ».
فقد قال البُخاري: كِنَانة بن عباس عن أَبيه لا يصح. وقال ابن حِبَّان: كِنَانة بن عباس بن مِرْدَاس السُّلَمي ـ يَرْوي عن أَبيه وروى عنه ابنه ـ مُنْكَر الحديث جداً، ولا أَدْرِي أَن التخليط منه أَو مِن أَبيه، ومِنْ أَيِّهِمَا كان. فهو سَاقِطُ الاحتجاج. انتهى. وقد بسطت هذه المسأَلة في رسالة مستقلة.
وفي «المحيط»: والليالي كُلُّها تابعة للأَيام المستقبلة لا للأَيام الماضية إِلاَّ في الحج، فإِنها في حُكْم الأَيام الماضية، فَلَيْلَةُ عرفةَ تابعةٌ لِيَوْمِ التروية، ولَيْلَةُ النَّحْر تابعةٌ ليومِ عرفةَ، ولهذا يَصِحُّ الوقوف فيها.

وأَمَّا قَوْلُ صاحب «الهدايةِ»: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم «خَيْرُ المواقِفِ ما اسْتُقْبِلَ به القِبْلَةُ» فَغَيْرُ معروفٌ بهذا اللفظ، نعم وَرَدَ: «خَيْرُ المجالسِ ما اسْتُقْبِلَتْ به القبلةُ» كما ذكره النووي في «التبيان»، إِلاَّ أَنَّه مِن غير عَزْوٍ لأَحد، لكنْ أَخرجَهُ أَبو يَعْلَى، وابن عَدي، والطبراني في «الأَوْسط» ـ وفي سنده متروك ـ بلفظ: «أَكرمُ المجالِسِ ما اسْتُقْبِلَتْ به القبلةُ». وأَورده الحاكم في «صحيحه» من حديث طويل. وقال إِنه صحيح. ورواه العُقَيْلِي عن ابن عباس مرفوعاً بِلَفْظ: «إِنَّ لكلِّ شيءٍ شَرَفاً، وإِنَّ شَرَفَ المَجَالِسِ ما اسْتُقْبِلَتْ به القِبْلَةُ». وفي الجملة لهذا الحديث أَصْلٌ ثَابِتٌ، فقول ابن حِبَّان مَوْضُوعٌ، مَدْفُوعٌ.

(
ويَكْفِي) في الوقوف (حُضُورُ سَاعَةٍ) بشَرْط تَقَدُّم إِحرام (مِنْ زَوَالِ) يومِ (عَرَفَةَ) لأَنه صلى الله عليه وسلم لم يَقِف إِلاَّ بَعْدَمَا جَمَعَ بين الظهر والعصر بعد الزوال، وجَوَّزَ أَحمد الوقوف مِنْ أَوَّل يوم عرفةَ (إِلى فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ) وقد رَوَى أَصحابُ السُّنَن الأَربعة، والحاكم ـ وقال: صحيح الإِسناد على شرط كافَّة أَئمة الحديث ـ عَنْ عُرْوَةَ بن مُضَرِّس قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم «مَنْ شَهِدَ صلاتنا هذه ـ أَي صلاة الصبح بِمُزْدَلِفة ـ وَوَقَفَ معنا حتى نَدْفَعَ، وقد وقف بِعَرَفَة قبل ذلك ليلاً أَو نهاراً، فَقَدْ تَمَّ حَجُّه وقَضَى تَفَثَه ».

فإِن قيل: الطَّوافُ والوقوفُ رُكْنا الحَجِّ، فما الفَرْقُ بينهما، حيث لم تُشْتَرطُ النيةُ في الوقوف، وشُرِطت في الطواف، حتى لو طاف هَارِباً من عَدُوَ، أَو طَالِباً لغريم لا يُجْزِئه؟ أُجِيب بأَنَّ النيةَ عند الإِحرام تضمّنت جميعَ ما يُفْعَلُ فيه، والوقوفُ يُفْعَلُ فيه مِن كُلِّ وجه فاكْتُفِي فيه بتلك النية، والطواف يُفْعَلُ فيه من وَجْهٍ دونَ وَجْهٍ لأَنه يُفْعَلُ بعد التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ، فاشْتُرِط فيه أَصلُ النية دون تعيينها عملاً بالشَبَهَين.
(
وَلَوْ كَانَ نَائِماً أَو مَارَّاً أَوْ مُغْمىً عَلَيْهِ أَوْ أَهَلَّ) أَي أَحرم (عَنْهُ رَفِيقُهُ) بِأَمْرِهِ أَو بِغَيْر أَمْرِهِ، وهو قول أَبي حنيفةَ. وقالا: لا بد أَنْ يكون بأَمْرِه (أَوْ جَهِلَ أَنَّها عَرَفَةُ) وهذا من كمال توسعة الله على عِبَاده. ولم يفرض علماؤنا والشافعي وقوفَ جزءٍ من الليل، وفَرَضَه مالكٌ لقوله: «مَنْ فَاتَهُ الوقوفُ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَه الحَجُّ».
ولنا قوله صلى الله عليه وسلم «الحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ وَقَفَ بعرفةَ سَاعةً مِن ليلٍ أَو نهارٍ، فَقَد تَمَّ حَجُّه». وكلمة «أَو» للتخيير والتنويع، ويُلَبِّي بعرفةَ ساعةً فساعةً. وقال مالك: يَقْطَعُ التلبيةَ كما يَقِفُ بِعرفةَ. ولنا ما رُوي عن الفَضْل: أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ما زَالَ يُلَبي حتى أَتى جَمْرَة العَقَبَة.

(وإِذَا غَرَبَتِ) الشَّمْسُ (أَتى مُزْدَلِفَةَ) على طريق المأْزِمَيْن بين العلمين دون طريق ضَبّ، وذلك لحديثِ عليَ أَنه صلى الله عليه وسلم دَفَعَ حِينَ غَابتِ الشمسُ. رواه أَبو داود وغيره. والأَفضل أَنْ يمشي على هينته، وإِذا وجد فُرْجَةً أَسرع لما روى البخاري من حديث ابن عباس أَنَّه دَفَعَ مَعَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يوم عرفةَ، فَسَمِعَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وراءه زَجْراً شديداً، وضَرْباً للإِبِل، فأَشارَ بِسَوْطِهِ إِليهم، وقال: «أَيُّها النَّاسُ، عَلَيْكُم بالسَّكِينَةِ، فإِنَّ البِرَّ ليس بالإِيضاع ـ أَي الإِسراع ـ».

(
وكُلُّهَا) أَي جميع أَجزاء المزدلفة (مَوْقِفٌ) أَي مبيت، لأَن التبييت بِمُزْدَلِفَة ليلةَ النَّحْر سُنَّةٌ. (إِلاَّ وَادِي مُحَسِّر) لما تَقَدَّم من حديث ابن عباس: «المُزْدَلِفةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وادفعوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّر». رواه البخاري. والأَفضل أَنْ يَنْزِل بِقُرْب قُزَح، لأَنه مَوْقِفُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو المعروف بالمَشْعَرِ الحَرَام، لما رُوِي أَنه صلى الله عليه وسلم لما أَصْبَحَ وقَفَ على قُزَح. رواه أَبو داود. وقُزَح: اسم جبل بالمزدلفة. ولا ينزل على الطريق كيلا يَتَضَرَّرَ، ولا يَضُرُّ بالمَّارةِ.

(وصَلَّى العِشَاءَيْنِ) أَي المغرب والعشاء (في وَقْتِ العِشَاءِ بأَذَانٍ) واحدٍ اتفاقاً (وإِقَامَةٍ) واحدةٍ عندنا، إِلاَّ إِذا فَصَل بينهما: بصلاةٍ كان أَو بغيرها. وقال زُفر: بإِقامَتين مُطْلقاً. واختاره الطحاوي، وهو قول مالك والشافعيِّ، لما في الصحيحين عن أُسَامَة بنِ زَيْدٍ قال: دَفَعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِن عرفَةَ حتى إِذا كان بالشِّعْبِ نَزَل فبال فتوضَّأَ ولم يُسْبِغِ الوضوء، قلت: الصلاة يا رسولَ الله، قال صلى الله عليه وسلم «الصلاةُ أَمامك» ـ أَي مكاناً أَو زَماناً ـ فركب فلما جاءَ المُزْدَلِفَةَ نَزَل فتوضأَ فأَسبغَ الوضوء، ثُم أُقيمت الصلاةُ فصلَّى المغرب، ثُم أَناخ كلُّ إِنسانٍ بَعِيرَهُ في منزله، ثُم أُقيمتِ الصلاة فَصَلاَّها ولم يُصَلِّ بينهما شَيئاً. وفي رواية: فلما جاء المزدلفة فصلى بها والمَغْرِبَ والعِشَاءَ بأَذانٍ واحدٍ وإِقامتين ولم يُسَبِّح بينهما شيئاً... الحديثَ.
وفي البخاري عن ابن عمر قال: جَمَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ المَغْرِب والعِشَاءِ بِجَمْعٍ، كل واحدة منهما بإِقامةٍ ولم يُسَبِّح بينهما، ولا على إِثْرِ واحدةٍ منهما. ولنا ما في مسلم وأَبي داود عن سَعِيد بن جُبَير قال: أَفَضْنَا مَعَ ابن عمر فلما بلغنا جَمْعاً صلَّى بِنَا المَغْرِبَ ثلاثاً، والعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ بإِقامةٍ واحدةٍ، فلما انْصَرَفَ قال ابن عمر: هكذا صَلَّى بِنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في هذا المكانِ. وجعل بعضُ الرواة مكانَ ابنِ عُمَرَ ابنَ عبَّاسٍ. كما أَخرجه أَبو الشيخ الأَصبهاني عن ابن عباس أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى المَغْرِبَ والعِشَاءَ بإِقامةٍ واحدةٍ.

وفي «سُنَنِ أَبي داود» عن أَشْعَثَ بن سُلَيْم عن أَبيه قال: أَقْبَلْتُ مع ابنِ عُمَرَ مِن عرفاتٍ إِلى المُزْدَلِفَة، فلم يكن يَفْتُرُ عن التكبير والتهليلِ حتى أَتَيْنَا المزدلفة، فأَذَّنَ وأَقام أَو أَمَرَ إِنْسانَاً فأَذَّنَ وأَقَامَ، فَصَلَّى بِنَا المَغْرِبَ ثَلاَثَ ركعاتٍ، ثم التَفَتَ إِلَيْنَا فقال: الصلاةَ، فَصَلَّى بِنا العِشَاءَ.
وفي الطحاوي، و«مُصَنَّف ابن أَبي شيبةَ» عن أَبي أَيُّوبٍ الأَنصاري: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم جَمَعَ بَيْن صلاةِ المَغْرِبِ والعشاءِ بالمُزْدَلِفة بأَذانٍ واحدٍ وإِقامةٍ واحدةٍ. وقد رواه البخاري ومسلم عنه وليس فيه ذكر الإِقامة. وفي روايةٍ عن ابن عمر أَنه صلى الله عليه وسلم أَذَّنَ لِلمَغْرِبِ بِجَمْعٍ فأَقام، ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ بالإِقامةِ الأُولى. قال ابن حَزْم: رواه مسلم. قال بعضُ المحققين: فقد علمت ما في هذا من التعارض، فإِنْ لم يَرْجَح ما اتّفق الشيخان على ما انفرد به مسلم وأَبو داود حتى تساقطا، كان الرجوعُ إِلى الأَصل يقتضي تعدد الإِقامة بتعدد الصلاة كما في قضاء الفوائت، بل أَوْلى لأَنَّ الصلاة الثانية ههنا وقتية، فإِذا أُقيم للأُولى المتأَخرة عن وقتها المعهود كانت الحاضرةُ أَوْلى أَنْ يُقَامَ لها بعدها، كما في الجَمْع بعرفة.
ثُمَّ الأَفضل أَنْ يصليهِما مع الإِمام بجماعةٍ، ولو صَلاَّهُما وَحْدَه أَو مع غيرِه أَجْزَأَه. وفي «شَرْح مسلم»: مذهبُ أَبي حنيفة وجماعة أَنه جَمْعٌ بِسَبَبِ النُّسُكِ، فيجوزُ لأَهل مكةَ وغيرهم. والصحيح مِن مذهب الشافعيِّ أَنه جَمْعٌ بِسببِ السَّيْرِ، فلا يجوزُ إِلاَّ لِمُسافِرٍ مسافةَ القَصْر، وقال بعضُ أَصحابه كما قال أَبو حنيفة.

(وإِذَا أَدَّى المَغْرِبَ) في عرفات أَو في الطريق (أَعادَ مَا لَمْ يَطْلُعِ الفَجْرُ) حتى لو طلع الفجر قَبْل الإِعادة عاد إِلى الجواز اتفاقاً، فهو فسادٌ موقوفٌ، وذلك لأَن الفجر إِذا طلعَ فَاتَ وَقْتُ الجَمْعِ، وبه قال الثَّوْرِي. وقال أَبو يوسف: يُجْزِئه المَغْربُ مع الإِساءة، لأَنه أَدَّاها في وَقْتها المعهود، وبه قال مالك والشافعيُّ.
ولنا ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم لأُسامَةَ : «الصلاة أَمَامَكَ»، فإِنَّ معناه زمانها أَو مكانها أَمامك، لا نَفْس الصلاة، لأَنها حركاتٌ توجد مِنْ فِعْل المُصَلِّي فلا تتصف بالقَبْلية قبل وجودها، فإِنْ كان المراد به المكان، فقد ظهر اختصاص هذه الصلاة بالمكان، وهو المزدلفة، فلا يجوز في غيرها، وإِن كان به المراد الزمان، فظهرَ أَن وقت المغرب في وقت الحج لا يدخل بغروب الشمس، وأَداء الصلاة قبل وقتها لا يجوز. إِلاَّ أَنَّ خَبَر الواحد يوجبُ العَملَ لا العِلْمَ، فأَمر بالإِعادة ما بقي الوقت لِيصيرَ جامعاً بين الصلاتين بالمزدَلِفة، إِذِ التأْخيرُ إِنَّما وجب لِيُمْكِنَه الجمع بينهما بالمزدلفة، وبعد طلوع الفجر لا يمكنه الجمع فَسَقَطَتْ الإِعادة.

ولأَنَّا لو أَمرنا بالإِعادة بعد ذهاب الوقت لَحَكَمْنا بفسادِ ما أُدِّيَ وهو من باب العلم، وخبر الواحد لا يوجب العلمَ. فأَما وجوب الإِعادة في الوقت فَمِن باب العَمَل والأَخْذِ بالاحتياط فيعيدُ، كذا حَقَّقَهُ بعضُ علمائنا لكن في ترديده نظر ظاهر إِذ تَحَقُّقُ كُلَ مِن وقتِ العشاءِ وَوُصُولِ المزدلفة شَرْطٌ لهذا الجمع، فلا يجوزُ لِفَاقدِ أَحَدهِما.
(
ثُمَّ صَلَّى الفَجْرَ بِغَلَسٍ) لما في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: ما رأَيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى صلاةً لِغَيْرِ مِيقَاتِها إِلاَّ صَلاَتَيْنِ: صلاةَ المَغْرِب، والعشاء بجَمْعٍ، وصَلَّى الفَجْرَ يَوْمئذٍ قبل ميقاتها.

يعني بعد الفجر قبل ميقاتها المعتاد، ولا يعني أَنه صَلاَّهُمَا قبل الفجر، لما في البخاري: وصَلَّى الفَجْرَ حينَ بَزَغَ ـ أَي طَلَعَ ـ.
(
ثُمَّ وَقَفَ) وكَبَّرَ، وهَلَّلَ، ولبى، وصلّى على النبيِّ صلى الله عليه وسلم (ودَعَا) لِحَاجَتِهِ ما شاء، لما في حديث جابر الطويل: فَصَلَّى الفَجْرَ حين تَبَيَّنَ له الصُّبْحُ بأَذانٍ وإِقَامةٍ، ثُمَّ رَكِبَ القَصْواء حتى أَتى المَشْعَرَ الحَرَامَ فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ فَدَعَاهُ، وكَبَّره، وهَلَّلَه، وَوَحَّدَه، ولم يَزَل واقِفاً حتى أَسْفَرَ جِداً فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشمسُ... الحديثَ. رواه مسلم.
وجملةُ ذلك في «سُنن أَبي داود، والترمذي، وابن ماجه» عن عليَ رَضِيَ الله عنه قال: وَقَفَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بِعَرَفَةَ فقال: «عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ»، ثُم أَفَاضَ حين غربت الشمس وأَرْدَفَ أُسامة بنَ زيدٍ، وجَعَلَ يُشِيرُ بيده على هينةٍ والنَّاسُ يَضْرِبُونَ الإِبِلَ يميناً وشمالاً، يلتفت إِليهم ويقول: «أَيُّهَا الناسُ عليكم بالسَّكِينة»، ثُم أَتى جَمْعَاً فصَلَّى بهم الصلاتين جَمِيعاً، فلما أَصْبَحَ أَتى قُزَحَ فَوَقَفَ.
وفي «المُسْتَدْرَك» عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ قال: خَطَبنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعرفاتٍ، فَحَمِدَ الله وأَثْنَى عليه، ثُم قال: «أَمَّا بَعْدُ: فإِنَّ أَهلَ الشِّرْكِ والأَوثان كانوا يدفعون من هذا الموضع إِذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كأَنَّها عَمَائِمُ الرِّجال (على رؤوسها، وإِنَّا نَدْفَعُ قبل أَنْ تغيب، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام إِذا كانت الشمس) منبسطة». ورواه الشافعي وقال: «وإِنَّا لا نَدْفَعُ مِن عرفةَ حتى تَغْرُبَ الشمسُ، ونَدْفَعُ مِن مُزْدَلِفَة قبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشمسُ، هَدْيُنَا مُخَالِفٌ لِهَدْي أَهْلِ الأَوْثَانِ والشِّرْكِ».

(وإِذَا أَسْفَرَ) أَي صار في وقت الإِسْفار. وأَمَّا ما وَقَعَ في بعض نُسَخ القُدُوري «وإِذَا طَلَعَت» فَخَطأٌ، لأَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم دَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُع الشمسُ كما في حديثِ جابر، (أَتَى مِنىً) أَي تَوَجَّه إِليها. ولو دَفَعَ بِلَيْلٍ لِعُذْرٍ به: مِنْ ضَعْفٍ، أَوْ كِبَرٍ، أَو مَرَضٍ جازَ، ولا شيءَ عليه لما رَوَى ابن عمر أَنه صلى الله عليه وسلم أَذِنَ لضَعفَة النَّاسِ أَنْ يدفعوا بِلَيلٍ. رواه أَحمد: فإِذا بَلَغَ بَطْنَ مُحَسِّر أَسْرَعَ إِنْ كانَ ماشِياً، وحَرَّكَ دابَّتَهُ إِنْ كان رَاكِباً قَدْرَ رميةٍ، ويقول: اللهُمَّ لا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ، ولا تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ، وعَافِنا قَبْل ذلك.
(
ورَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي سَبْعاً) أَي سَبْعَ حَصَيَاتٍ (خَذْفَاً) وهو ـ بالخاء المعجمة ـ الرَّمْيُ برؤوس الأَصابع. يُقَال: الحَذْفُ بالعصا، والخُذْفُ بالحصى، الأَول بالحاء المهملة، والثاني بالمعجمة.
وكيفيتُهُ: أَنْ يضعَ الحصياتِ على ظُفْرِ إِبْهَامِهِ اليمنى ويستعين بالمُسبَحة. وقيل: يَأْخُذُ بِطَرفي إِبهامه ومُسَبِّحَتِهِ، قال ابنُ الهُمَام: وهو الأَصح، لأَنه الأَيسر والمعتاد في الأَكثر. هذا، وقد ورد عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود أَنه رَمَى جمرةَ العَقَبةِ مِن بَطْن الوادي بِسَبْع حصياتٍ يُكَبِّر مع كلِّ حصاةٍ، قال: فَقِيل له: إِنَّ ناساً يَرْمُونها مِن فوقها، فقال: هذا والذي لا إِلهَ غَيْرُه مَقَامُ الذي أُنزلتْ عليه سورةُ البقرة.

(وكَبَّرَ بِكُلَ) أَي مع كلِّ حصاةٍ لحديث جابر: رَكِب القَصْواءَ حتى أَتَى المَشْعَرَ الحَرَامِ فاستقبل القبلةَ، ودَعَا، وكَبَّرَ، وهَلَّلَ، وَوَحَّدَ، فلم يَزَل واقِفَاً حتى أَسْفَرَ جداً، فدفع قَبْلَ أَنْ تطلعَ الشمسُ حتى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّر فَحَرَّك قليلاً ـ أَي ناقته ـ ثُم سلك الطريق الوُسْطى التي تخرج على الجمرة الكُبْرى، حتى أَتَى الجمرةَ التي عند الشجرةِ فَرَمَاها بِسَبْعِ حَصَياتٍ يكبر مع كلِّ حصاة مثل حصى الخذف، رَمَى مِن بطن الوادي ثُم انصرفَ إِلى المنْحَر. رواه مسلم.
وفي «سُنن أَبي داود» عن سليمان بن عمرو بن الأَحوص عن أُمِّه قالتْ: رأَيْتُ رسولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَرْمِي الجمرةَ مِن بَطْنِ الوادي وهو راكبٌ يُكَبِّر مع كُلِّ حصاةٍ، ورجُلٌ مِن خَلْفِهِ يَسْتُره فَسَأَلتُ عن الرجل، فقالوا: الفضل بن عباس، وازدحم الناس، فقال صلى الله عليه وسلم «يا أَيُّها الناس، لا يقتل بعضُكم بعضاً، وإِذا رميتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخَذْفِ». قِيل: هو مقدار الحِمِّصَة. أَو النواة، أَو مقدار الأُنْملة.

ولو رَمَى بأَكبر مِن حصى الخَذف، أَو رمى من أَعلى العَقَبة لا من بطن الوادي جازَ لحصول المقصود وكان تاركاً للأَفضل. ومِقْدارُ الرَّمْي استحباباً أَنْ يكون بين الرامي وبين موضع السقوط خَمْسَةُ أَذرعٍ، فلو، وقعت الحصاة قريباً من الجمرة جاز، ولو وقَعت بعيداً لا. وقَدْرُ القريبِ ثلاثةُ أَذرع، والبعيد ما فوقها. ولو رمى بحصاةٍ أَخَذَها من عند الجمرة أَجزأَه، لأَنَّ الرَّمْيَ لا يُغَيِّرُ صفة الحجر وأَساء، لأَنَّ ما عندها حَصَى مَنْ لم يُقْبَل حَجُّه، لما روى الدَّارَقُطْنِيّ والحاكم ـ وصححه ـ عن أَبي سَعِيدٍ الخُدْري قال: قلتُ: يا رسولَ الله هذه الجمار التي تُرمى بها كل عام فنحسب أَنها تنقص، فقال: «إِنَّه ما يُقبل منها رُفِع، ولولا ذلك لرأَيتها أَمثال الجبال» .
ورَوَى أَحمد في «مُسْنده» والحاكم في «صحيحه» عن ابن عباس قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم غداةَ جَمْع: «القُطْ لي»، فَلَقَطتُ له حصياتٍ له مِنْ حَصَى الخذف، فلما وَضَعْتُهُنَّ في يده قال: «نعم بأَمثال هؤلاء، وإِيَّاكُم والغلوَ في الدِّين، فإِنَّما هَلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكم بالغُلُو في الدِّين».
ويَجُوزُ الرَّمْيُ بِجِنْس الأَرض مِن مَدَر ونَحْوه، لأَن المقصودَ فِعْلُ الرَّمْي، وذلك يحصل بالمَدَر كما يَحْصُل بالحَجَر، بخلاف ما إِذا رَمَى بالذَّهَبِ والفضة لأَنَّه يُسَمَّى نِثَاراً لا رَمْياً. ويختص الرَّمْيُ بالحجر عند مالك والشافعي اتباعاً للمنقول المتوارث بالأَثَر.
ولا يقف عند جَمْرَة العَقَبة للدعاء لما رُوِي عن ابن عمر: أَنَّه كان يَرْمِي جَمْرَة العَقَبة من بطن الوادي ولا يقف عندها، وينصرف ويقول: هكذا رأَيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُه. رواه البخاري.

(وقَطَعَ تَلْبِيَتَهُ) عندنا وعند الشافعي (بِأَوَّلِهَا) أَي بأَوَّلِ حصاةٍ رماها لما في الصحيحين من حديث ابن عباس: أَنَّ أُسامَةَ كان رِدْفَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مِن عرفةَ إِلى المُزْدَلِفَةَ، والفَضْلَ كان رِدْفَهُ مِن مُزْدَلِفَة إِلى مِنَى، وكلاهما قال: فلم يَزَل النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُلَبِّي حتى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَة. ولما في الكتب الستة عن الفضل بن عباس أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لَمْ يَزَل يُلَبِّي حتى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبة. وفي ابن ماجه: فَلَمَّا رَمَاهَا قَطَعَ التَّلْبِيَةَ.

وفي «آثار الطحاوي» بسنده قال: لَبَّى عبدُ الله وهو مُتَوَجِّهٌ إِلى عرفاتٍ فقال أُناسٌ: مَنْ هذا الأَعرابي؟ فالتفت إِلى عبد الله فقال: ضَلَّ الناسُ أَم نَسَوْا؟ والله ما زَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُلَبِّي حتى رَمَى الجَمْرَةَ، إِلاَّ أَنْ يخلط ذلك بتهليلٍ أَو تكبيرٍ. وفي رواية للطحاوي عن ابن عباس قال: ولم يَسْمع الناسَ يُلَبُّونَ عشيةَ عَرفةَ، قال: أَيُّها الناسُ، أَنَسِيتُم، والذي نَفْسي بِيَدِهِ، لقد رأَيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُلَبِّي حتى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبة.

وقَطَعَ مالكٌ التلبيةَ بالرجوعِ من عرفاتٍ، لأَنَّ عمرَ وعليّاً وعائشةَ قطعوا التلبية حين أَفاضوا من عرفة. ولا يَقِفُ بعد رَمْي هذه الجمرةِ لما في البُخاري عن الزُّهْري قال: سَمِعْتُ سَالِماً يحدثُ عن أَبيهِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنه كان إِذا رَمَى الجَمْرَةَ رماها بِسَبْعِ حصياتٍ يُكبرُ مَعَ كلِّ حصاةً، ثُم ينحدرُ أَمامها فيقفُ مستقبلَ القِبلةِ رافعاً يَدَيْهِ يَدْعُو. وكان يُطِيلُ الوقوفَ، ويأْتي الجَمْرَة الثانيةَ فَيَرْمِيهَا بِسَبعِ حصياتٍ يُكبرُ كُلَّما رَمَى بحصاة، ثُم ينحدرُ ذاتَ اليسارِ مما يلي الوادي فيقفُ مستقبلَ البيتَ رافعاً يَدَيْه يَدْعُو، ثُم يأْتي الجَمْرَة عند العَقَبة فَيَرْمِيها بِسَبْع حصياتٍ يُكَبِّرُ كُلَّما رَمَاها بحصاةٍ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ ولا يَقِفُ عندها.
ولا يجوزُ الرَّميُ قبل طلوع الفَجْرِ الثاني عندنا، وهو قول مالك. وأَجازه الشافعيُّ لقولِ ابن عباس: إِنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم رَخَّصَ للرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا لَيلاً. رواه ابن أَبي شيبةَ في «مسنده»، والطبراني في «مُعْجَمه»، ورواه الدارقُطَنِيّ بِسَنَدٍ ضعيفٍ من حديث ابن عُمر وزاد فيه: وأَيَّة ساعةٍ شَاؤوا مِنَ النهارِ.
ولنا ما في السُّنَن الأَربعةِ عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُقَدِّمُ ضُعَفَاءَ أَهلِهِ بِغَلَس، ويَأْمُرُهُم أَنْ لا يَرْمُوا الجَمْرَةَ حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وفي «مُسْنَدِ البَزَّارِ» عن الفَضْلِ بن عباس: أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ ضَعَفَةَ بني هاشم أَنْ يَرْتَحِلُوا مِن جَمْعٍ بِلَيْلٍ ويقول: «أُبَيْنِيَّ، لا تَرْمُوا الجمرةَ حتى تَطْلُعَ الشمسُ».
وفي الطحاوي عن ابن عباس: أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يَأْمرُ نِسَاءه وثَقَله ـ أَي خدَمَهُ ـ صبيحة جَمْعٍ: أَن أَفيضوا من أَوَ

لِ الفَجْرِ بسوادٍ ولا تَرْمُوا الجمرةَ إِلاَّ مُصبحين. فأَثْبَتْنَا الجوازَ بهذا، والفضيلةَ لما قبله. وما رواه على الليلة الثانية والثالثة فَمَخْصُوصٌ بالدُّعاء.
وفي «مَبْسوط» شيخ الإِسلام: أَن ما بعدَ طلوعِ الفَجْرِ من يومِ النَّحْر وقتُ الجواز مع الإِساءة، وما بعد طلوعِ الشمسِ إِلى الزَّوَالِ وقتٌ مسنونٌ، وما بعد الزَّوال إِلى الغروب وَقْتُ الجواز بلا إِساءة، والليل وقتُ الجواز مع الإِساءة.
(
ثُمَّ ذَبَحَ إِنْ شاءَ) لأَنَّ المُفْرِد لا يجبُ عليه دَمٌ، بل يستحب له. وفي حديث جابر: فَنَحَرَ صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وستينَ بَدَنة، ثُم أَعطَى عَلِياً فَنَحَرَ ما غَبَرَ ـ أَي ما بقي من جُمْلَةِ المئة ـ وأَشْرَكَهُ في هَدْيِهِ. وقال ابن حِبَّان: والحِكْمَةُ في أَنَّه صلى الله عليه وسلم نَحَرَ ثلاثاً وستينَ بَدَنة أَنه كان له يَومَئِذٍ ثلاثٌ وستونَ سنةً، فَنَحَرَ لِكُلِّ سَنَةٍ بَدَنةً. ورَوى ابنُ ماجه: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ذَبَحَ بقرةً عَمَّنِ اعْتَمَرَ مِن نسائِهِ في حَجَّةِ الوداع. ورَوى النَّسائي عن عائشةَ قالت: ذَبَحَ عَنَّا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوم حَجِّنَا بقرةً.
(
ثُمَّ قَصَّرَ) بأَنْ أَخَذَ من رُؤوس شَعْر رَأْسِهِ مِقْدَارَ أُنْمُلةٍ، رجلاً كانَ أَوِ امرأَةً (وحَلْقُهُ) أَي الرجل (أَفْضَلُ) لتقديمه في الآية {مُحَلِّقِينَ رُؤوسَكُم ومُقَصِّرينَ}، ولما في الصحيحين من حديث ابن عمر: أَنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «رَحِمَ اللّهُ المُحَلِّقِينَ»، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «رَحِمَ اللّهُ المُحَلِّقِينَ»، قالوا: والمقصّرين يا رسولَ الله؟ قال: «رَحِمَ اللّهُ المُحَلِّقِينَ»، قالوا: والمقصرين يا رسولَ الله؟ قال: «والمُقَصِّرين». ولفظ البخاري فلما كان الرابعة قال: «والمُقَصِّرين».

وأَمَّا قولُ صاحب «الهداية»: ثم يَذبحُ إِنْ أَحبَّ، ثُم يَحلقُ أَو يُقَصِّر لما رُوي عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنه كان يقول: «نُسُكنا هذا أَنْ نَرْمي، ثُم نَذْبحَ، ثُم نَحْلقَ» فغير معروف.
(
وحَلَّ لَهُ) ما كان محظوراً منه (إِلاَّ النِّساءَ) لما في الصحيحين من حديث عائشةَ قالت: «طَيَّبْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَبْلَ أَنْ يُحْرِم، ويومَ النَّحْر قَبْل أَنْ يَطُوفَ بالبيتِ بطيبٍ فيه مِسْكٌ». والرَّمْيُ غَيْرُ مُحَلِّلٍ من الإِحرام عندنا في المشهور، ومُحَلِّلٌ عند مالك والشافعيّ رحمهما اللّهُ تعالى وفي غَيْرِ المشهورِ عندنا، لما في أَبي داود وابن ماجه عن عائشة قالت: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم «إِذا رَمَى أَحَدُكُم جَمرةَ العَقَبَة فَقَد حَلَّ له كُلُّ شيءٍ إِلاَّ النِّساء».

وفي «مُسْنَد أَحمد» عن أُم سَلَمَةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال عشيةَ يومِ النَّحر: «إِنَّ هذا يومٌ رُخِّصَ لَكُم إِذا رَمَيْتُم الجمرةَ أَنْ تَحِلُّوا من كلِّ ما حُرِمْتُم عنه إِلاَّ مِنَ النساءِ». ولقول ابن الزبير: مِنْ سُنَّةِ الحَجِّ إِذَا رَمَى الجمرةَ الكُبْرى حل له كل شيء حرم عليه إِلا النساء والطيب حتى يزور البيت. رواه الحاكم في «المُسْتَدْرَك» ـ وقال: على شَرْط الشيخين ـ. وقول الصحابي: «مِنَ السُّنَة» (له) حُكْم الرَّفْع. ولقول ابن عباس: إِذا رَمَيْتُم الجَمْرَةَ فقد حَلَّ لكم كُلُّ شيءٍ إِلاَّ النِّساءَ، فقال رجلٌ: يا أَبا العباسِ والطيب؟ قال: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي رَأَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُضَمِّخُ رَأْسَه بالمِسْكِ. أَفَطِيبٌ هُو أَمْ لا؟ رواه ابن ماجه، والنَّسائي.

ولنا ما في الطحاوي والدَّارَقُطْنِيّ من حديث الحَجَّاج بن أَرْطَأَة عن أَبي بَكْر بن عمرو بن حزم، عن عَمْرَةَ، عن عائشةَ قالت: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم «إِذا رَمَيْتُم وحَلَقْتُم وذَبَحْتُم، فَقَدْ حَلَّ لَكُم كُلُّ شيءٍ إِلاَّ النِّسَاءَ». وفي الطحاوي والدَّارَقُطْنِيّ من حديث الحَجَّاج: «وقَدْ حَلَّ لَكُم الثِّيابُ والطِّيبُ». ثُم قال الدارقُطْنِي لم يَرْوِهِ غَيْرُ الحَجَّاجِ.
وقد نُصَّ على ما ذَكَرْنَا من حصول التحليل بالرَّمْي عندنا أَيضاً في كتاب المناسك مِن «شرح المبسوط» للشيخ المعروف بخواهِر زَاده. وفي «شرح الجامع الصغير» لقاضي خان بقوله: وبعد الرَّمْي قَبْلَ الحَلْقِ حَلَّ لَهُ كُلُّ شيءٍ إِلاَّ النِّسَاءَ والطِّيبَ. وعن أَبي يوسف أَنه يَحِلُّ له الطِّيبُ أَيضاً. ورَوى ابنُ عباس أَنَّه صلى الله عليه وسلم قال: «لَيْسَ على النِّساءِ الحَلْقُ، إِنَّما على النِّساءِ التِّقْصِيرُ». رواه أَبو داود، وأَحمد، وغيرهما.
(
ثُمَّ طَافَ لِلزِّيارَةِ) وهذا الطواف رُكْنٌ (يَوْماً مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ) لقوله تعالى {ويَذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ في أَيَّامٍ معلومات عَلَى مَا رَزَقَهُم مِنْ بَهِيمَةِ الأَنعام فَكُلُوا مِنْهَا وأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ * ثُمَّ ليَقْضُوا تَفَثَهُم وليُوفُوا نُذُورَهُم وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ} فعطف الطواف على الذبح المؤقت بأَيام النحر فيتوقت هو أَيضاً بها (سَبْعَةً) أَربعة فَرْضٌ، وثلاثة واجبٌ (بلا رَمْيٍ ولا سَعْيٍ إِنْ كَانَ سَعَى قَبْلُ) أَي قبل ذلك بأَنْ كان سَعَى عقيبَ طوافِ القُدُوم.

(وأَوَّلُ وَقْتِهِ) أَي وقت طواف الزيارة (بَعْدَ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ) لأَن ما قَبْلَهُ مِن الليل وقتُ الوقوف بِعَرفة، والطواف مرتبٌ عليه (وهُوَ) أَي طواف الزيارة (فِيهِ) أَي في أَوَّلِ أَيَّام النَّحْر (أَفْضَلُ) لما في مُسْلم عن ابن عمر: أَنَّه صلى الله عليه وسلم أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْر ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظهر بِمِنَى. قال نافع: وكان ابن عمر (يَفْعَلُ ذلك).
وأَمَّا قولُ صاحب «الهداية». وأَفضلُ هذه الأَيام أَوَّلُهَا، قال النبي صلى الله عليه وسلم «أَفْضَلُهَا أَوَّلُهَا» فَغَيْرُ معروف. وفي حديث جابر الطويل: ثُمَّ رَكِبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فأَفَاضَ إِلى البيتِ فَصَلَّى الظهر بِمَكَّةَ. قال بعضُهم: ولا شَكَّ أَنَّ أَحَدَ الخَبَرَيْنِ وَهْمٌ. وحيث لا بدَّ مِن صلاة الظهر في أَحَد المَكَانَيْنِ ففي المسجدِ الحرام أَوْلَى لِثُبوتِ مُضَاعَفَةِ الفرائض فيه، والأَوْلى أَنْ يُدْفَعَ الوَهْمُ ويجمع بأَنه عليه الصلاة والسلام كان يَفِيضُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ النَّحْر كما رُوِي، فالاختلاف مَبْنِيٌّ على تَعَدُّدِه.
(
وَحَلَّ لَهُ النِّسَاءُ) بإِجماع الأُمةِ كذا ذكره الشارح. لكنَّ مَحَلَّهُ إِذا قَدَّم السَّعْي إِذ لاَ يَحِلُّ الجِمَاعُ بل ولا عَقْدُ النِّكَاحِ قبل السعي عند الشافعي، ثُم حِلهن بالحلق السابق (أَو الرَّمْي) بناءً على خِلاَفٍ في ذلك، لا بالطواف إِلاَّ أَنه أَخَّر عَمَلَهُ في حَقِّ النِّساء لصاحب العُذْر.

(فَإِنْ أَخَّرَ) الطواف (عَنْهَا) أَي عن أَيام النَّحر (كُرِهَ) تحريماً، لأَنَّه مؤقت بأَيامِ النَّحْر (ويَجِبُ دَمٌ) عند أَبي حنيفة كما لو أَخَّر رَمْيَ الجِمَار عن وقته، وعندهما لا يجبُ شيءٌ، لأَنه صلى الله عليه وسلم ما سُئِل عَنْ شيءٍ من أَعمال يومِ النَّحْرِ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إِلاَّ قال: «افْعَل ولا حَرَج». وأُجِيبَ بأَنَّ معناه: لا إِثْمَ، ولا يلزمه من عدمه عَدَمُ الكفارة.
(
وبَعْدَ زَوَالِ ثاني يَوْمِ النَّحْرِ رَمَى الجِمَارَ الثلاثَ، يَبْدَأُ بِمَا يَلِي المَسْجِدَ) أَي مِن مَسْجِد الخَيْف (ثُمَّ بِمَا يَلِيه) المسمى بالجَمْرَةِ الوُسْطَى.
(
ثُمَّ بالعَقَبة سَبْعاً وكَبَّرَ بِكُلَ) أَي مع كل حصاةٍ يَرْمِيها، ووقف بعد كل من الأَولين في الموضع الذي يقف فيه النَّاسُ، وحَمِدَ اللَّهَ، وأَثْنَى عليه، وهَلَّلَ وكَبَّر (ودَعَا) واستغفر لأَبويه وأَقاربه ومعارفه لما رَوَى البخاري من حديثِ سالمٍ بن عبد الله، عن أَبيه: أَنَّه كان يرمي الجَمرةَ الدنيا بِسَبْعِ حصياتٍ، يُكَبِّرُ على إِثْرِ كُلِّ حصاةٍ، ثُم يتقدم فَيُسْهِل، ويقومُ مستقبلَ القبلة قياماً طويلاً، فَيَدْعُو ويَرْفَعُ يديه، ثُمَّ يَرْمِي الجمرةَ الوسطى كذلك فيأْخذ ذاتَ الشِّمال فيسهل، ويقومُ مستقبلَ القبلةِ قياماً طويلاً، فيدعو ويرفع يديه، ثُمَّ يَرْمِي الجَمْرَةَ ذاتَ العَقَبة مِن بَطْنَ الوادي ولا يقف عندها، ويقول هكذا رأَيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُ.

وفي روايةٍ لأَبي داود عن عائشةَ أَنها قالت: أَفَاضَ صلى الله عليه وسلم مِنْ يَوْمِهِ حين صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَجَعَ إِلى مِنَى فَمَكَثَ بها لَيَاليَ أَيَّام التَّشْرِيق ويَرْمي الجِمَارَ إِذا زَالَتِ الشَّمْسُ، كُلّ جمرةٍ بِسَبْعِ حَصَياتٍ، يُكَبِّرُ مع كُلِّ حصاةٍ، ويَقِفُ عند الأُولى والثانيةِ فَيُطِيلُ القِيَامَ، ويَرْمي الثالثة ولا يَقِفُ عندها. رواه أَبو داود.
(
ثُمَّ غَدَاً) يَفْعَلُ (كَذَلِكَ، ثُمَّ بَعْدَهُ كَذَلِكَ) يفعل (إِنْ مَكَثَ) قَيَّدَ بذلك لأَنه مُخَيَّرٌ بَيْنَ النَّفْرِ في اليوم الثالث، أَو الرابع لقوله تعالى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ في يومين فَلا إِثْمَ عليه ومَنْ تَأَخَّر فلا إِثْم عليه لِمَنِ اتَّقَى} (وهُوَ) ـ أَي المُكْث ـ إِلى زوال اليوم الرابع (أَحَبُّ) لِتَكْثُرَ العبادةُ وتزيدَ الطاعةُ، ولما رَوَى أَبو داود، وابن ماجه، وابن حِبَّان، والحاكم ـ وقال: على شرط مسلم ـ عن عائشةَ قالت: أَفَاضَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِن آخِر يومٍ حينَ صَلَّى الظُّهْرَ ـ أَي في اليوم الرابعِ من أَيَّام مِنَى ـ. ورَوَى الحاكم عن أَبي هريرة مرفوعاً: «اللهم اغفر للحَاجِّ، ولِمَنْ استغفر له الحَاجُّ». وقال: صحيح على شرط مسلم.
(
ويَسْقُطُ) الرَّمْيُ عنه (بِنَفْرِهِ قَبْلَ طُلُوعِ) فَجْرِ (اليَوْمِ الرَّابِعِ) وعن أَبي حنيفة، وهو قول الشافعي: ليس له النَّفْرُ بَعْدَ غروب الشَّمْسِ من اليوم الثالث، لأَن النَّفْرَ في اليوم لا في الليل لقوله تعالى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ في يَوْمَينِ فلا إِثْمَ عَلَيْهِ}، ولو رَمَى في اليومِ الرَّابعِ قَبْلَ الزَّوال، صَحَّ عند أَبي حنيفةَ مع الكراهةِ، لأَنه خالف السُّنَّةَ، وقالا: لا يصح اعتباراً باليومِ الثاني والثالث، وعليه الجمهور من السَّلَف والخَلَف.

ولأَبي حنيفة قول ابن عباس: إِذا انتفخ النهار مِنْ يومِ النَّفْرِ، فَقَد حَلَّ الرَّمْيُ، والصَّدَرُ. والانتفاخ: الارتفاع. لكنَّ في سنده طلحةَ بن عَمْرو: ضَعَّفَهُ البيهقيُّ، على أَنه إِنْ صَحَّ ليس بِنَصَ في المُدَّعَى كما لا يخفى. وفي قَاضِيخَان: قال أَبو حنيفة ومحمد: الرَّمْيُ كُلُّهُ رَاكِباً أَفْضَلُ. انتهى. لأَنه رُوِي رُكُوبُه صلى الله عليه وسلم فيه كُلِّه. وفي «الظهيرية»: يُسْتَحب المَشْي إِلى الجمار، وإِنْ رَكِبَ إِلَيْهَا فلا بأْسَ به. والمَشْيُ أَفضلُ. فكأَنَّهُ حَمَلَ فِعْلَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم على عُذْرٍ تقدم في الطوافِ والسَّعْي.

ثُم تَرْتِيبُ الرَّمْي كما ذكرنا، والمَبِيتُ بِمِنىً في ليالي الرَّمْي سُنَّتانِ عندنا، لا واجبان كما قال مالك والشافعيُّ. لهما أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم رَتَّبَ الرَّمْي وبات بمنى في لياليه، وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم». وروى ابن أَبي شيبةَ عن عمر: أَنَّه كان يَنْهَى أَنْ يَبِيتَ أَحَدٌ من وراء العَقَبة، وكان يَأْمُرُهُم أَنْ يدخلوا مِنى. وعن ابن عباس نحوه، وعن ابن عمر: أَنَّه كَرِهَ أَنْ يَنامَ أَحدٌ أَيَّامَ مِنىً بِمَكَّةَ.
ولنا أَنَّ ابن عباس استأْذَنَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في البيتوتةِ بمكةَ في ليالي الرَّمْي للسِّقَايَةِ، فأَذِنَ له في ذلك. ولو كان واجباً لَمَا رَخَّصَ له تَرْكَها للسقاية، كذا قالوه. وفيه أَنَّ تَرْكَ الواجب بِعُذْرٍ مُسْقِطٌ للدم اتفاقاً، وقد سَبَقَ الإِذن للضعفة في ترك الوقوف بمزدلفة، على أَنه يَحْتَمِلُ الخصوصيةَ لأَهل السقاية، فافهم. والله تعالى أَعلم.

وكُرِهَ تقديمُ الثَقَل ـ وهو بفتحتين: متاعُ المسافر وحشمه ـ زَمَنَ الإِقَامَةِ بمنى للرمي، لما في «مصنف ابن أَبي شيبةَ» عن عُمَارَة: قال عمرُ: مَنْ قَدَّمَ ثَقَلَهُ مِنْ مِنىً ليلةَ النَّفْرِ فلا حج له. وعن ابن شُرَحْبِيل، عن عمر قال: مَنْ قَدَّم ثَقَلَهُ قَبْلَ النَّفْرِ فلا حَجَّ لَهُ. أَي لا كَمَالَ لِحَجِّه، لأَنه يشتغلُ به قَلْبُه، ورُبَّمَا يَمْنَعُه عن إِتْمَامِ الرَّمْي.
(
وإِذَا نَفَرَ) مِنْ مِنَى (إِلى مَكَّةَ نَزَلَ بالمُحَصَّبِ) ـ بتشديد الصاد المهملة المفتوحة ـ ويقالُ له: الأَبطح، والبطحاء، والخَيْف، والبطحا، وهو ما بين الجبل الذي عنده المَقْبرة والجبل الذي يقابل مصعداً في الجانب الأَيسر وأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلى مِنَى مرتفعاً عن بطن الوادي، وليست المَقْبَرَةُ من المُحَصَّب.

وسُنَّ أَنْ يُصَلِّي فيه الظُّهْرَ، والعَصْرَ، والمَغْرِبَ، والعِشَاءَ، ويَهْجَعُ هَجْعَةً، ثُمَّ يَدْخُل مكةَ، لما في البخاري عن أَنس: أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى الظهرَ والعَصْرَ، والمَغْرِبَ، والعِشَاءَ، ورَقَدَ رقدةً بالمُحَصَّبِ، ثُم رَكِبَ إِلى البيت فَطَافَ به ـ أَي طوافَ الوَدَاع ـ. قال شمس الأَئمة في «مَبْسُوطه»: وكان ابنُ عباس يقول: ليس النزولُ فيه سنة (ولكنّه موضعٌ نَزَلَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إِتفاقاً، وبه قال الشافعي. الأَصح عندنا أَنه سنّة، وأَنه عليه الصلاة والسلام نزله قصداً. له ما في الكتب الستة من حديث عائشة قالت: إِنَّما نزل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المُحَصَّب ليكون أَسمحَ لخروجه، وليس بسُنَّة) فَمَنْ شَاء نزله ومَنْ شاء لم ينزله. وفي مُسْلِمٍ عن أَبي رافع ـ مَوْلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ قال: لم يَأْمُرْني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ أَنْزِلَ الأَبْطَحَ حين خرج مِنْ مِنَىً، ولكن جِئْتُ فَضَربْتُ قُبَّتَه، فَجَاء فنَزَلَ. قال أَبو بكر: وكان عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

ولنا ما في الصحيحين عن أَبي هريرة قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ونحن بِمِنىً: «نَحْنُ نازلون غداً بخَيْفِ بني كِنانَةَ حيثُ تَقَاسَمُوا على الكُفْر». وذلك أَن قريشاً وبني كنانة تَحَالَفَتْ على بني هاشم وبني المطلب: أَن لا يُنْكِحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إِليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ يعني بذلك المُحَصَّب ـ. وفي مسلم من حديث نافع عن ابن عمر: أَنه كان يرى التَّحْصِيبَ سُنَّةً، وكان يُصَلِّي الظُّهرَ يومَ النَّفر بالمحصَّب. قال نافع: قد حَصَّبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده. والأَظهر أَنْ يُقال: إِنه سُنَّةُ كِفاية، لأَن ذلك المَوْضِعَ لا يسع الحاج جميعهم، وينبغي لأُمراء الحاج أَن ينزلوا فيه، وكذا غيرِهم، ولو ساعةً إِظهاراً للطاعة.
(
ثُمَّ طَافَ للصَّدَرِ) عن البيت، وهو طوافُ الوَدَاع، ويُسْتَحب أَنْ يجعله آخِرَ طوافه (سَبْعَةً بِلا رَمَلٍ وسَعْيٍ) وهو واجبٌ على الآفاقي عندنا، وعند الشافعيِّ في الأَصح عنه. وقال مالك: هو سُنَّةٌ، لأَنه بمنزلةِ طواف القُدُوم. ولنا ما في الصحيحين عن طاوس، عن ابن عباس قال: أَمَر الناسَ أَنْ يكونَ آخِرُ عهدِهم بالبيتِ، إِلاَّ أَنه خُفِّفَ على المرأَة الحائض. وفي لفظٍ لِمُسْلم قال: كان الناسُ يَنْصرِفونَ في كُلِّ وَجْهٍ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم «لا ينفرنَّ أَحَدٌ حتى يكونَ آخرَ عهده بالبيت الطوافَ». وفي الترمذي والنَّسائي عن ابن عمر قال: من حجّ فليكن آخر عهده بالبيت إِلاَّ الحُيَّض رخّص لهن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ورواه الشافعي في «مسنده» وزاد فيه: وإِن آخرَ النسك الطوافُ بالبيت.

(ثُمَّ شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ) مُسْتَقْبِلاً متضلعاً، ويستقي بيده إِنْ قدر، لما في حديث جابر: فأَتى ـ يعني النبيَّ صلى الله عليه وسلم ـ بني عبد المطلب وهم يسقون على زَمْزَمَ فقال: «انزعوا بني عبد المطلب فلولا أَنْ يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دَلْواً». ولقول ابن عباس: جاء النبيُّ صلى الله عليه وسلم إِلى زَمْزَمَ فَنَزَعْنَا له دَلْواً فَشَرِبَ، ثُمَّ مَجَّ فيها، ثُمَّ أَفرغناها في زَمْزَمَ، ثُم قال: «ولولا أَن تُغْلَبوا عليها لنزعت بيدي». رواه أَحمد في («مُسْنَدهِ» والطبراني في) «معجمه».
وذكر ابن سَعْد في «الطبقاتِ» بِسَنده عن عطاء، عن النبيَّ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا أَفَاضَ نزع لنفسه بالدلو ـ يعني مِن زمزم ـ لم يَنْزِع معه أَحد، فشرب منها. وعنه: أَنه صلى الله عليه وسلم قال: «خيرُ ماءٍ على وَجْه الأَرض ماءُ زمزم، فيه طعامُ طعمة وشفاءُ سَقَم. وشَرُّ ماءٍ على وجه الأَرض ماءٌ بِوادي بَرَهُوت بقية حَضْرَمَوْت، كرِجْلِ الجَرَاد (من الهوامّ) يصبح يتدفق (ويُمسي) لا بِلاَل فيها». رواه الطبراني في «الكبير» ورواته ثقات. وعنه: أَنه صلى الله عليه وسلم قال: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ له: إِنْ شرِبْتَهُ لتَستشفي شَفَاكَ اللّهُ، وإِنْ شربْتَهُ ليُشْبِعَكَ أَشْبَعَكَ اللّهُ، وإِنْ شَرِبْتَهُ لَيَقْطَع ظمأً قطعه اللّه، وهي هَزْمَة جبرائيل، وسُقْيا اللّهِ إِسماعيلَ». رواه الدَّارَقُطْنِيّ وسكت عنه. وكذا رواه الحاكم مرفوعاً. وكان ابن عباس إِذا شَرِبَ ماءَ زَمْزَمَ قال: اللهم إِنِّي أَسأَلُكَ عِلْماً نَافِعَاً، ورِزْقاً وَاسِعاً، وشِفَاءً مِن كُلِّ داءٍ. رواه الحاكم في «مُسْتَدْرَكِهِ» موقوفاً.

(وقَبَّلَ العَتَبَةَ) المرتفعة عن الأَرض تعظيماً للكعبة (وَوَضَعَ وَجْهَهُ) الشامل بجبهته وخَدَّيْهِ وصَدْرِه (عَلَى المُلْتَزَمِ) وهو ما بين الحجر الأَسود والباب. فقد رَوى البيهقي عن المُثنى بن الصَّبَّاح، عن عمرو بن شُعَيب، عن أَبيه، عن جدّه: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يلزق وَجْهَهُ، وصَدْرَهُ بالمُلْتَزَم. والمُثَنى بن الصَّبَّاح (ضعيف، لكن هذا مِن باب الترغيب. ورواه أَبو داود أَيضاً من جهة المثنى بن الصَّبَّاح) عن عَمْرو بن شُعَيْب، عن أَبيه، عن جَدِّه بِأَطولَ مِن هذا.
(
ويَتَشَبَّثُ) أَي يتعلّقُ (بالأَستَارِ) والتَصَقَ بالجدارِ (وَدَعَا مُجْتَهِداً) في الاعتذار (ويَبْكِي) ويُكْثِرُ الاستغفار، ويتعوّذُ بالمَلِكِ الجَبَّار العزيز الغفّار، لما في «سُنَن أَبي داود» عن عَمْرو بن شُعَيب، عن أَبيه قال: طُفْتُ مَعَ عبدِ الله فَلَمَّا جِئْنَا دُبُرَ الكعبةِ قلتُ: أَلا نَتَعَوَّذُ؟ قال: تَعَوَّذ باللّهِ مِنَ النَّارِ، ثُمَّ مَضَى حتى استلمَ الحجرَ، وقَامَ بين الرُّكِنِ والبابِ، فَوَضَعَ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ وذِرَاعَيْهِ وكَفَّيْهِ هكذا، وبَسَطَهُمَا بَسْطاً، ثُم قال: هكذا رأَيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُه. ورواه ابن ماجه وقال فيه: عن أَبيهِ، عن جَدّه. قال المُنْذِري: فيكونُ شُعَيبٌ وأَبو محمدٌ قَد طَافَا مع عبد الله، وهو مُضَعَّفٌ بالمُثَنى بن الصَّبَّاح.

وكذلك رواه عبد الرزاق: أَخبرنا ابن جُرَيج، عن عَمْرو بن شُعَيب قال: طاف جَدِّي محمد بن عبد الله بن عمرو، مع أَبيه عبد الله بن عمرو، فَلَمَّا كان سَابِعَهَا قال محمد لعبد الله: أَلا نتعوّذُ إِلى آخره. وهذا أَصحُّ إِسناداً من الأَول. وأَمَّا تعيينُ مَحَلِّ المُلْتَزم ففي «شُعَبِ الإِيمان» للبَيْهَقِيّ عن ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما بَيْنَ الرُّكْنِ والبابِ مُلْتَزَمٌ». وأَخرجَ ابنُ عَدِيَ في «الكامل» عن عِكْرِمَةَ، عن ابن عباس مرفوعاً ووقفه عبدُ الرزاق في «مُصنفه» عن ابن عباس. والمُلْتَزَمُ مِنَ الأَماكن التي يُستجابُ فيها الدُّعَاءُ، نُقِلَ ذلك عن ابنِ عباس قال: فَوَاللّهِ مَا دَعَوْتُ قَطُّ إِلاَّ أَجَابَنِي.
(
ويَرْجِعُ القَهْقَرَى) أَي الرجوع إِلى الوراء. وقيل: ينصرفُ ويمشي ويلتفت إِلى البيت كالمُتَحَزِّنِ على فِرَاقه (حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ) أَي مِنْ أَسْفَلِهِ، قيل: من بابِ العُمْرة، وقيل: من باب المروة وهو المشهور بل المأْثور. وفي «النوازل»: يقول إِذا رجع: تَائِبُون عَابِدُونَ لِرَبِّنا حَامِدُون، صَدق اللّهُ وَعْدَه، ونَصَرَ عبدَه، وهزمَ الأَحزابَ وَحْدَهُ، الحمدُ لِلَّهِ الذي هدانا لهذا، وما كُنَّا لِنَهْتَدِي لولا أَنْ هدانا اللّهُ، اللهم فكما هديتنا لذلك فتقبله منّا ولا تجعله آخر العهد بنا، وارزقنا العود إِليه حتى ترضى عنّا بِرَحْمَتك يا أَرْحَمَ الراحمين.

(
أحكام خاصة بالمرأة)

(والمَرْأَةُ كالرَّجُلِ إِلاَّ أَنَّها لا تَكْشِفُ رَأْسَهَا) لأَنه عورةٌ (بَلْ) تكشفُ (وَجْهَهَا) لما رَوى الدَّارَقُطْنِيّ والبيهقي والطبراني عن ابن عمر قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم «ليس على المرأَةِ إِحرَامٌ إِلاَّ في وَجْهِهَا وكَفَّيْهَا». قال الدَّارَقُطْنِيّ: الصوابُ وَقْفُه على ابن عمر. قال ابنُ الهُمام: وقولُ الصحابي حُجَّةٌ عندنا إِذا لم يُخَالف، خُصُوصاً فيما لم يُدْرَك. انتهى. لكن يُشْكِل ما في الفروع أَنَّ للمرأَة أَنْ تلبسَ القُفَّازَيْنِ.
(
وَلَوْ سَدَلَتْ) أَي أَرسلت، وفي نُسخةٍ: أَسْدَلَت (شَيْئاً) أَي أَرْخَتْهُ (عَلَيْهِ) أَي على وجهها (مُجَافِياً) أَي مُبعداً (عَنْهُ) أَي عن وجهها (جَازَ) ذلك السَّدْلُ، لما رَوى أَبو داود، وابن ماجه من حديث عائشةَ رضي الله عنها قالت: كانَ رُكْبَانٌ يَمُرُّونَ بِنا ونَحْنُ مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم محرماتٌ فإِذا حَاذُونا سَدَلَتْ إِحْدَانا جِلْبَابَهَا مِن رأْسِها على وَجْهها، فإِذا جَاوزُونا كَشَفْنَاه.
(
ولا تُلَبِّي جَهْراً) لأَن صوتها عورةٌ وقد يُؤدي إِلى فتنةٍ (ولا تَسْعَى بَيْنَ المِيلَيْنِ) وكذا لا تَرْمُلُ في الطواف، لَئِلاَّ يَنْكَشِفَ شيء مِن بدَنِها (ولا تَحْلِقُ) رأْسَها، لأَن حَلْقَهُ مُثْلَةٌ بِهَا كَحَلْقِ الرجل لِحْيَتَه، ولقول عليَ كرَّم الله وجهه: نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ تَحْلِقَ المرأَةُ رأْسَها. رواه الترمذي والنَّسائي. (بَلْ تُقَصِّرُ) لِقوله صلى الله عليه وسلم «ليس على النِّساءِ الحَلْقُ، إِنَّما على النِّساءِ التَّقْصِيرُ». رواه أَبو داود من حديث ابن عباس.

(وتَلْبَسُ المَخِيطَ) والخُفَّ تَحَرُّزاً عن الكَشْفِ، ولا تقرب الحجرَ الأَسود في الزحام تَحَرّزاً عن مماسَّةِ الرجال. (وحَيْضُهَا) وكذا نِفَاسُها (لا يَمْنَعُ) شيئاً من أَفعال الحج (إِلاَّ الطَّوَاف) لِمَا روى البخاري في حديث جابر: أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لعائِشَةَ حين حَاضَتْ بِسَرِف: «تَنَسَّكِي المَنَاسِكَ كُلَّها غَيْرَ أَن لا تَطُوفي ولا تُصَلِّي حتى تَطْهُري» . وسَرِفُ ـ بكسر الراء ـ: موضعٌ قُرْبَ مكةَ فُوَيق التَّنْعِيم. ولِمَا في الصحيحين عن عائشة قالت: خَرَجْنا لا نَرَى إِلاَّ الحَجَّ فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِف حِضْتُّ، فدخل عليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأَنَا أَبْكِي فقال: «مَا لَكِ أَنَفِسْتِ»؟ قلت: نعم، قال: «إِنَّ هذا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللّهُ على بناتِ آدمَ، فَاقْضِي ما يَقْضِي الحاجُّ غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفي بالبيتِ حتى تَطْهُري».

(
من فاته الوقوف بعرفة)
(
وفَائِتُ الحَجِّ) وهو الذي فاتَهُ الوقوفُ بعَرَفَة حتى يَطْلُعَ الفَجْرُ (طَافَ) وَقَطَعَ التلبيةَ عند استلامِ الحَجَرِ كالعُمْرةِ، لأَنه يَتَحَلَّلُ بأَفْعَالِها (وسَعَى وتَحَلَّلَ) إِنْ حلق أَو قَصَّر. (وقَضَى) بإِحرامٍ جديدٍ (مِنْ قَابِل) ولا دَمَ عليه عندنا.

وقال مالك والشافعيُّ: عليه هَدْيٌ، لما في «الموطأ» عن سُلَيْمَانَ بن يَسَار: «أَنَّ ابن الأَسود جاءَ يومَ النَّحْرِ وعُمَرُ بن الخطاب رَضِيَ الله عنه يَنْحَرُ هَدْيَهُ فقال: يا أَميرَ المؤمنين، أَخطأْنا العدة كنا نرى أَن هذااليوم يوم عرفة، فقال عمر: اذهب إِلى مكة فطف أَنت ومَنْ معك، وانحروا هَدْياً إِنْ كان معكم، ثُم احلِقوا أَو قَصِّروا وارْجِعُوا إِنْ شئتم، فإِنْ جاء عامٌ قَابِلٌ فحجّوا ـ أَي قضاء ـ واهدوا ـ. أي قياساً على المُحْصَر. {فَمَنْ لَمْ يَجِد فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُم}.
ولنا ما رَوى الدَّارَقُطَنِيّ من حديث ابن عباس وابن عمر أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ وَقَف بعرفةَ بليلٍ فقد أَدْرَكَ الحجَّ، ومَنْ فاتَه عرفاتٌ بِلَيلٍ فقد فاتَه الحَجُّ، فَلْيَحِلَّ بِعُمْرةٍ، وعليه الحجُّ مِن قَابِل». ولم يذكر النبيُّ صلى الله عليه وسلم الهَدْيَ، ولو كان واجِباً لَذَكَرَهُ. وما رُوِي عن عمرَ محمولٌ عندنا على الاستحباب.
ثُم عند أَبي حنيفةَ ومحمد أَصْلُ إِحرامه باقٍ ويتحللُ بأَفعالِ العمرةِ. وعند أَبي يوسف ينقلبُ إِحرامُه للعُمرة، لأَن أَفعال العمرةِ بإِحْرامِ غيرها غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ. ولهما أَنَّ قَلْبَ إِحرام الحجِّ للعمرةِ غيرُ مُمْكِن. ولو كان فائتُ الحجِّ قَارِناً طافَ طوافَيْنِ وسَعَى سَعْيَيْنِ إِنْ فاتَه الحَجُّ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّي العمرةَ، وإِلاَّ فهو كالمُفْرِدِ.

هذا، وقال في «الهداية»: ومَنْ قَلَّد بَدَنة تَطَوُّعاً، أَو نَذْراً، أَو جزاءَ صيدٍ، أَو شيئاً مِنَ الأَشياءِ وتوجّه معها يريد الحجّ فقد أَحرم، لقوله صلى الله عليه وسلم «مَنْ قَلَّدَ بدَنَةً فَقَدْ أَحْرَم». وفيه أَنَّ هذا اللفظ رَفْعُه غيرُ مَعْرُوفٍ. ورواه ابن أَبي شَيْبَةَ عن ابنِ عمر مِن قوله: مَنْ قَلَّدَ بَدَنَةً فقد أَحْرَمَ». وعن ابن عباس أَيضاً مِن قوله: مَنْ قَلَّدَ وأَحلل أَو أَشْعَرَ فَقَد أَحْرَمَ. نعم روى الطحاوي بِسندِه عن جابر بن عبد الله قال: كنتُ عندَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم جَالِساً في المسجد فَقَدَّ قَمِيصَهُ مِن جيبه حتى أَخرَجَهُ مِن رِجْلَيْهِ، فنظرَ القومُ إِلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: «إِنِّي أَمَرْتُ بِبُدْني التي بَعَثْتُ بها أَنْ تُقَلَّدَ اليوم (أَو) تُشْعَرَ على كذا وكذا، فلبِسْت قميصي ونسيت، فلم أَكُنْ لأُخْرِجَ قميصي مِن رأْسي». وكان يبعث بُبْدنِهِ وأَقامَ بالمدينة.

والحديث ضعيفٌ باتفاقِ المحققين، ومُعَارِضٌ لِمَا صَحَّ عِنْد المُحَدِّثِينَ، فروى الشيخانِ عن عائشةَ أَنها قالت: (أَنا) فَتَلْتُ قَلاَئِدَ هَدْي النبيِّ صلى الله عليه وسلم فَبَعَثَ بها مع أَبي، فلم يَحْرُمْ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم شيءٌ أَحل اللّهُ له حتى نُحِرَ الهَدْيُ. ذَكَرَتْهُ ردّاً على ابن عباس في قوله: مَنْ أَهْدَى هَدْياً حَرُمَ عليه ما يَحْرُمُ على الحاج حتى يَنْحَرَ هَدْيَه. والله أَعلم.

فصل (في القِرَان)

القران أَفْضَلُ مُطْلَقاً، أَي مِمَّا عَدَاه وهو الإِفْراد والتمتع. وقال مالك والشافعيّ في قولٍ لهما: الإِفْراد أَفْضل مطلقاً. وقال أَحمد: التمتّع أَفْضل مطلقاً، وهو قول مالك، لما في «الصحيحين» عن ابن عمر قال: تَمَتَّعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في حَجَّةِ الوداعِ بالعُمْرةِ إِلى الحج وأَهْدَى، فساقَ معه الهَدْيَ مِن ذي الحُلَيْفَة، وبَدأَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فأَهَلَّ بالعُمْرةِ، ثُم أَهَلَّ بالحجِّ فَتَمَتَّعَ الناسُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بالعُمرةِ إِلى الحج، فكان مِنَ الناسِ مَنْ أَهْدَى فساقَ الهَدْيَ، ومنهم مَنْ لم يَهْدِ، فلما قَدِم النبيُّ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ قال للناسِ: «مَنْ كان مِنْكم أَهْدَى فإِنَّه لا يَحِلُّ مِنْ شيءٍ حَرُمَ عليه حتى يَقْضِيَ حَجَّه، ومَنْ لم يكنْ منكم أَهْدَى فَلْيَطُف بالبيتِ، وبالصفا والمروة، وليُقَصِّر، وليَحْلِل، ثُم ليهل بالحج». وفيهما عن ابن عمر أَيضاً قال: خَرَجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُلَبِّي بالحجِّ ولَبَّيْنَا معه، فَلَمَّا قَدِمَ أَمرَ مَنْ لم يكنْ معه الهَدْيُ أَنْ يَجْعَلُوها عُمْرةً.

وفيهما أَيضاً عن ابن عباس قال: كانوا يَرَوْنَ العمرةَ في أَشْهُرِ الحج مِن أَفْجَرِ الفجورِ في الأَرض، ويَجْعَلونَ المُحَرَّمَ صَفَراً يقولون: أَذا بَرَأَ الدَّبَرُ، وَعَفَا الأَثَرُ، وانْسَلَخَ صَفَرُ، حَلَّتِ العُمرةُ لِمَن اعتمر، فَقَدِمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأَصحابُهُ صبيحةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بالحج، فأَمَرَهم أَنْ يجعلوهَا عُمرةً، فَتَعَاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسولَ اللّهِ: أَيُّ الحِلِّ؟ قال: «الحِلُّ كُلُّه». وفيهما أَيضاً عن عائشةَ قالت: خَرَجنا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ولا نَرَى إِلاَّ أَنَّه الحَجُّ، فلمَّا قَدِمْنَا تَطَوَّفْنَا بالبيتِ، فأَمَر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مَنْ لم يكنْ ساق الهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ، فَحَلَّ مَنْ لم يكنْ ساقَ الهَدْيَ، ونِساؤهُ لم يَسُقْنَ فأَحْلَلْنَ.
وفي مسلمٍ عن سعيد قال: خَرَجنا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَصَرَخَ بالحجِّ صُرَاخاً، حتى إِذا طُفْنَا بالبيتِ قال: اجْعَلُوها عمرةً إِلاَّ مَنْ كان مَعه هَدْيٌ، قال: فجعلنَاهَا عمرةً، فلمَّا كان يومُ الترويةِ خَرَجنا بالحجِّ، فانْطَلَقْنَا إِلى مِنَى. وفي «الصحيحين» من حديث أَبي مُوسى الأَشْعَرِيِّ قال: بَعَثَني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أَرْضَ قَوْمي، فَلَمَّا حَضَر الحَجُّ حَجَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَحَججتُ، فَقَدِمتُ عليه وهو نَازِلٌ بالأَبْطَحِ، فقال: «بِما أَهْلَلْتَ يا عبدَ اللّهِ بنَ قَيْس؟» قال: قلت: لَبَّيْكَ (بِحَجَ كَحَجِّ) رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَحْسَنت»، ثُم قال: «هل سُقْتَ هَدْياً؟» فقلت: ما فعلت، قال: «اذهبْ فَطُفْ بالبيتِ، وبين الصَّفا والمَرْوة، ثُم احْلِل»، فانْطَلقتُ فَفَعلتُ ما أَمَرَنِي وأَتيتُ امرأَة مِن قومي فَغَسَلَتْ رَأْسِي بالخَطْمِيِّ وفَلَّتْهُ، ثُم أَهَلَّت بالحجِّ يومَ التَّرُويةِ.


ولمالك والشافعيِّ ما في «الصحيحين» عن عائشةَ: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أَفْرَدَ بالحجِّ. انتهى بلفظ مُسْلم بِطُوله والبخاري. وفيهما عن ابن عُمَر قال: أَهْلَلْنَا معَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بالحَجِّ مُفْرِداً. وفي لفظٍ: أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أَهَلَّ بالحَجِّ مُفْرِداً. وفي مُسْلم عن جابر قال: أَقبلنا مُهِلِّين مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بالحجِّ مُفْرِداً. وفيهما من حديث جابر قال: أَهْلَلْنَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بالحجِّ خَالِصاً لا يُخَالِطُه شيءٌ. فَقَدِمْنَا مَكَّةَ لأَربعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِن ذي الحجة وطُفْنَا وسَعَيْنَا، ثُم أَمَرَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ نَحِلَّ، وقال: «لولا هَدْيِي لَحَلَلْتُ»، ثُمّ قام سُرَاقةُ بن مالك فقال: يا رسولَ اللّهِ أَرأَيتَ مُتْعَتَنَا هذه، لِعَامِنَا هذا أَمْ للأَبَدِ؟ فقال صلى الله عليه وسلم «بل للأَبدِ».
قال «البِرْمَاوي»: قوله: «لولا هَدْيي لحَلَلْتُ» هذا مُعَلَّلٌ بقوله تعالى: {ولا تَحْلِقُوا رؤوسَكُم حتى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ}، وفَسْخُ الحج إِلى العمرة يَقْتَضِي التَّحْلِيل بالحَلْقِ بعد الفراغِ مِن العُمرة، ولو تَحَلَّل لَحَصَل الحَلْقُ قَبْل بلوغِ الهَدْي مَحلّه ـ وهو مِنىً ـ يومَ النحر. انتهى. والمعنى: بلوغ هَدْي الحج، ومحله أَرض الحَرَم مطلقاً، وإِنَّما ذكر مِنىً، لأَنه أَفْضَلُ أَمَاكِنِهِ في هَدْي (الحَجِّ، كما أَنَّ المروة أَفضلُ أَمَاكِنِ هَدْيِ) العمرة. فتأَمل. ثمَّ قوله: «أَرَأَيت مُتْعَتَنا هذه» أَي إِتيان العمرةِ في أَشهر الحج حتى صار تمتعاً لا فَسْخ الحج إِلى العمرة، لأَنه ليس للأَبد بل خَاصٌّ لأَصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم عند الجمهور خلافاً لأَحمد.

ولنا ما في «الصحيحين» من حديث عبد العزيز بن صُهَيْب عن أَنس قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُلَبِّي بالحج والعُمرةِ يقول: «لَبَّيك حجةً وعمرةً». وفيهما واللفظُ لمُسْلم عن بَكْر بن عبد الله المُزَني، عن أَنس قال: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُلَبِّي بالحجِّ والعُمرة جميعاً. قال بَكْرٌ: فَحَدَّثَهُ بذلك ابنُ عمرَ قال: لَبَّى بالحج وَحْدَه، فلَقيتُ أَنساً فَحَدَّثْتُه بِقَولِ ابن عمر فقال أَنسٌ: ما تعدوننا إِلاَّ صِبْياناً، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لبيك عمرة وحجّاً». وفيهما أَيضاً: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لَبَّيكَ عمرةً وحَجَّاً». وفيهما عن أَنس أَيضاً قال: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعَ عُمَر كلهنَّ في ذي القِعدة إِلاَّ التي مع حجَّته: عُمرة الحديبية في ذي القِعدة، وعمرة من العام المُقْبل في ذي القعدة، وعمرة من الجِعرانة من حيث قسم غنائم حنين في ذي القِعدة، وعمرة مع حجته ـ أَي مقرونة ـ.

وفيهما عن سَعِيد بن المُسَيَّب قال: اختلفَ عليٌّ وعُثْمَانَ وهما بِعُسْفَانَ في المُتْعَةِ، فقالَ له عليٌّ: ما تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَنْهَى عن أَمْرٍ فَعَلَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال له عثمانُ: دَعْنَا مِنْكَ، فلما رَأَى ذلك عَلِيٌّ أَهَلَّ بِهِما جميعاً. هذا لفظ البخاري. ولَفْظُ مُسْلِمٍ: اجتمعَ عليٌّ وعُثمانُ بِعُسْفَانَ، فكانَ عثمانُ يَنْهَى عن المُتْعَةِ، فقال عليٌّ: ما تريد إِلى أَمْرٍ فعلَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم تَنْهَى عنه، فقال عثمانُ: دَعْنَا منك، فقال: إِنّي لا أَستطيعُ أَنْ أَدَعَكَ، فلما رأَى عليٌّ ذلك أَهَلَّ بهما جَمِيعاً.

وفي «سُنن النَّسائي» عن مروان بن الحكم: كنتُ جَالساً عند عثمانَ فسمِعَ عليَّاً يُلبِّي بحجَ وعُمرةٍ فقال: أَلَمْ تكن تنهى عن هذا؟ (فقال:) بلى، ولكنِّي سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُلَبِّي بِهِما جَمِيعاً، فَلَم أَدَعَ فِعْلَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لِقَوْلِكَ. وفي البخاري عن عمرَ بن الخطاب قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول ـ وهو بالعتيق ـ: «أَتانِي الليلةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك وقل: عمرةً في حَجَّةٍ». زاد في لفظٍ: يعني ذَا الحُلَيْفَةِ. وفي الطحاوي عن أُم سَلَمَةَ: سَمِعَتْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أَهِلُّوا يا آلَ محمدٍ بِعُمْرةٍ وحَجَّةٍ».
وفي ابن ماجه عن ابن عباس قال: أَخْبَرني أَبو طلحةَ أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم جَمَعَ بينَ الحَجَّةِ والعُمرةِ. وفي أَبي داود عن مجاهد قال: سُئِل ابنُ عمر: كم اعتمرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: مرتين، فقالت عائشةُ: لقد عَلِم ابن عمر أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قد اعتمرَ ثلاثاً سوى التي (قَرَنَها) بحجةِ الوَدَاع. وفي روايةٍ لأَبي داود والنَّسائي عن عليَ كرَّم اللّهُ وَجْهَه قال: أَتَيْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: «كَيْفَ أَهْلَلْتَ؟» قلتُ: بإِهْلاَلِكَ، فقالَ: «إِنِّي سُقْتُ الهَدْيَ وقَرَنْتُ».

ولنا أَيضاً ظاهرُ قوله تعالى: {وأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرةَ لِلَّه}، فإِنَّ إِتْمَامَهُمَا أَنْ يُحْرِمَ بِهِما مِن دُوَيْرَةِ أَهلِهِ. كذا فَسَّرَهُ الصحابةُ، وهو القِرَان. ورَوى أَحمد، والنَّسائي، وابن ماجه عن صُبَيِّ بن مَعْبَد التَّغْلِبِي قال: كنتُ رجلاً نَصْرانياً فأَسْلَمْتُ، فأَتَيْتُ رجلاً مِن عشيرتي يقال له: هُذَيْم بن ثُرْمُلة فقلت: يا هناه، إِنِّي حريصٌ على الجهادِ، وإِني وجدتُ الحجَّ والعمرةَ مَكْتُوبَينِ عليَّ، فكيف لي بأَنْ أَجمع بينهما؟ فقال: اجْمَعْهُمَا واذبح ما تيسر مِن الهَدْي، فأَهْلَلْتُ بهما، فلما أَتيتُ العُذَيْب لقيني سلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان وأَنا أَهل بهما معاً، فقال أَحدُهما للآخَر: ما هذا بأَفْقَهَ مِن بعيرهِ. ـ وفي روايةٍ: لِهَذا أَضَلُّ مِن بَعِير أَهله ـ قال: فكأَنما حمل عليَّ بِكَلِمَتِهما جبل، فَقَدِمتُ على عمرَ بن الخطاب فأَخْبرتُه، فأَقْبَلَ عليهما فَلاَمَهُمَا، وأَقْبَلَ عَلَيَّ وقال: هُدِيتَ سُنَّةَ نَبِيِّكَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم

ورواه أَبو حنيفةَ عن حَمَّادٍ بن أَبي سُلَيْمَانَ، عن إِبراهيم، عن الصُبَيِّ بن مَعْبَدٍ قال: اقبلت من الجزيرة حَاجَّاً قَارِناً، فمررت بسليمانَ بن ربيعةَ وزيد بن صوحان وهما مُنِيخَان بالعُذَيْب، فسمعاني أَقولُ: لبّيك بعمرةٍ وحجَّةٍ معاً، فقال أَحدهما: هذا أَفْضَلُ مِن بَعيرِه، وقال الآخر: هذا أَضَلُّ مِن كذا وكذا. فَمَضَيتُ حتى إِذا قَضَيْتُ نُسُكِي مررتُ بأَميرِ المؤمنين عمر، فساقه إِلى أَن قال فيه: قال ـ يعني عمر ـ: فصنعت ماذا؟ قال: مضيت فَطُفْتُ طوافاً لِعُمرتي، وسعيتُ سعياً لِعُمرتي، ثُم عدتُ ففعلتُ مثلَ ذلك لِحَجِّي، ثُم بقيتُ حراماً ما أَقمنا أَصنعُ كما يصنعُ الحاجُّ حتى قَضيتُ آخِرَ نُسُكي، قال: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ صلى الله عليه وسلم ولأَن في القِرانِ جَمْعاً بين العبادتين، فكان كالصوم مع الاعتكاف، والجهاد في سبيل الله مع صلاة الليل.
وفي «شَرْحِ مسلم»: اختلفت رواياتُ الصحابةِ في صِفةِ حَجِّه صلى الله عليه وسلم في حجَّةِ الوَدَاع: هل كان قارناً، أَو مُفْرِداً، أَو مُتمتعاً؟ وطريق الجمع أَنه صلى الله عليه وسلم كان أَوَّلاً مُفْرِداً ثُم صار قَارِناً، فَمَن روى الإِفْرَاد رَوى أَولَ الأَمر، ومَنْ رَوى القِرانَ اعتمد آخِرَ الأَمر، ومَنْ رَوى التمتّع أَرادَ التمتعَ اللغويَّ ـ وهو الارتفاق ـ أَي الانتفاع الأُخروي بأَداء النُّسُكَين في سفرٍ واحدٍ. انتهى.
وقد وضع ابنُ حزمَ كِتاباً في أَنه صلى الله عليه وسلم كانَ قَارناً في حجّة الوداع، وتأَول باقي الأَحاديث.

وفي «المبسوط»: وأَهل الحديث جمعوا رواة نُسُك رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فكانوا ثلاثين نَفَراً: عشرة منهم يروون أَنه كان قَارناً، وعشرة أَنه كان مُفْرِداً، وعشرة أَنه كان مُتَمَتّعاً فَنُوَفِّقُ بين هذه الرواياتِ فنقول: لَبَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أَوَّلاً بالعمرةِ فسمَعَهُ بعضُ الناس، ثُم رواه. ثُم لَبَّى بعد ذلك بالحج فظنّوا أَنه كان متمتعاً فنقلوا كما وقع عندهم. ثم لَبَّى بعد ذلك بالحج فسمعَهُ قومٌ آخرون، فظنُّوا أَنه مُفْرِدٌ بالحج. ثُمَّ لَبَّى بهما فسمعه قومٌ آخرون، فعلموا أَنه قارنٌ. فكُلٌّ نقل ما وقع عنده. والله أَعلم. وأَمَّا قولُ صاحِب «الهداية» خلافاً للشافعي لقولِهِ عليه الصلاة والسلام: «القران رخصة» فغيرُ معروفٍ. نعم، أَخرَجه الدَّارَقُطْنِيّ عن عائشةَ أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لها في عمرتِها التي اعتمرَتْها: «إِنَّما أَجْرُك في عُمرتك على قَدْرِ نَصَبك».

(
وهُوَ) أَي القِران لغةً: الجَمْعُ، مَصْدر قَرَنَ (بين) الشيئين نحو كَتَبَ كِتاباً. وشرعاً: (أَنْ يُهِلَّ) أَي يُحْرم (بِحَجَ وعُمْرَةٍ مِنْ ميقَاتٍ) مِن المواقيت، ولم يُرِد به الاحترازَ عن أَنْ يهل بعمرةٍ وحَجَ قبل الميقاتِ أَو بعده، فإِنَّ الآفاقِي إِذا أَهَلَّ بهما قبل الميقات أَو بعده ـ ولو بمكة ـ يكونُ قارناً لكنه مسيءٌ، وإِنما أَراد به بيانَ أَنَّ القارن لا يكون إِلاَّ آفاقياً ولو تقديراً، وكذا لم يُرد بقوله (مَعَاً) الاحتراز، وإِنَّما أَرادَ به بيانَ الأَوْلَى والأَصل، حتى لو أَحْرَمَ بعمرةٍ من الميقات، ثُم أَحْرَمَ بحجَّةٍ قَبْلَ أَنْ يطوفَ أَرْبعةَ أَشواطٍ من العمرةِ، أَو أَحْرَمَ مِن الميقات بِحجةٍ، ثُم أَحْرَمَ بعمرةٍ قَبْلَ أَنْ يطوفَ كانَ قَارِناً، وهو قول الشافعي لِفِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم في حَجَّةِ الوَدَاعِ.

(ويَقُولُ) عَقِيبَ صلاةِ سُنَّةِ الإِحْرامِ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الحَجَّ والعُمْرَةَ) وفي نسخة بتقديم العمرة وهو أَوْلى لِسَبْقِ فعلها (إِلى آخِرِهِ) أَي فَيَسِّرْهُما لي وتقبلهما منِّي. (وطَافَ للعُمْرَةِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ) مُضْطبِعَاً فيها (يَرْمُلُ للثلاَثَةِ الأُوَلِ) ويصلي بعد الطواف ركعتيه (ويَسْعَى) بين الصفا والمروة، ويُهَرْوِلُ بين الميلين.
ومِن شرائط صحَّة القِران أَنْ يطوفَ للعُمرةِ كُلَّهُ أَو أَكْثَرَهُ في أَشْهُر الحج. لا يتحلّلُ القارِنُ بعد عُمرتِهِ. فلو طاف وقَصَّر كان جنايةً على إِحرام الحج وإِحرام العُمرة، فيجب عليه دَمَانِ، لأَن تَحَلُّلَ القَارِنِ مِنَ العمرة إِنَّما هو يومُ النَّحْر.
(
ثُمَّ يَحُجُّ كَمَا مَرَّ) في المُفْرِدِ فيبدأُ بطوافِ القُدوم بلا رَمَلٍ واضطباعٍ إِلاَّ إِذا أَراد تقديمَ سَعْي الحجِّ على وقتِهِ الأَصلي وهو كونهُ بعدَ طوافِ الفَرض. وإِنَّما يُقَدِّمُ القارِنُ أَفعالَ العُمرةِ على أَفعالِ الحج، لأَن الله تعالى ذَكَرهُ في قوله: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بالعُمْرَةِ إِلى الحَجِّ} بعد حَرْف الغاية المُقْتَضِي (لانتهاء) ما قبله بما بعده. فإِن قيل: الآيةُ في التمتع، أُجيب بأَن القِرانَ بمعناه، فأُلْحِقَ به في مقتضاه، لأَن كُلاًّ منهما تَرَفُّقٌ بأَداءِ النُّسُكَيْنِ في سفرٍ واحدٍ.

وقال مالك والشافعي وأَحمد: يطوفُ القارنُ طوافاً واحداً عن عُمرته وقُدوم حَجِّه، ويَسْعى سَعْياً واحداً عن عُمرته وحجّه، لما في حالصحيحينخ عن نَافِع عن ابن عمر: أَنه أَراد الحجَّ عامَ نزل الحَجَّاجُ بابن الزبير فَقِيل له: إِنَّ الناسَ كائن بينهم قِتالٌ وإِنَّا نخافُ أَنْ يَصُدُّوكَ، فقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُم في رسولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}، إِذاً أَصنعُ كما صنعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أُشْهِدُكُم أَني قد أَوْجَبْتُ عُمرةً، ثُم خرجَ حتى إِذا كانَ بظاهرِ البَيْدَاءِ وقال: ما شأْنُ الحجِّ والعُمرةِ إِلاَّ واحدٌ، أُشْهِدُكُم أَنِّي قد أَوْجَبْتُ حَجَّاً مع عُمرتي، وأهْدَى هَدْياً اشتراه بِقُدَيْد: وهو ـ مُصَغر ـ مَوْضِعٌ بينَ مَكَّةَ والمدينةِ، ولم ينحر ولم يحلل مِن شيءٍ حُرم منه، ولم يحلِقْ ولم يُقَصِّر حتى كان يومُ النَّحر، فنحر وحلق ورَأَى أَنْ قد قَضَى طوافَ الحجِّ والعُمرةِ بطوافِهِ الأَول. فقال ابن عمر: كذلك فَعَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم

ولقوله صلى الله عليه وسلم «هذه عمرةٌ اسْتَمْتَعْنَا بها، فَمَنْ لم يَكُنْ عِنْدَهُ هَدْيٌ (فليحل) الحِلَّ كُلَّهُ، وقد دخلت العُمرةُ في الحجِّ إِلى يومِ القيامةِ». رواه مسلم، وأَبو داود، والنَّسائي. ولقوله صلى الله عليه وسلم «مَنْ أَحْرَم بالحجِّ والعُمرةِ أَجزأَه طوافٌ واحدٌ، وسَعْيٌ واحِدٌ». رواه الترمذي وقال: حسن غريب. ولقول ابن عباس: لَمْ يَطُفِ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وأَصحابُهُ بين الصَّفَا والمروةِ إِلاَّ طَوَافاً واحداً لِعُمْرتِهِم وحَجِّهم. رواه ابن ماجه.

ولنا ما رواه النَّسائي في «السُّنن الكبرى» من حديث حَمَّاد بن عبدالرحمن الأَنصاري، عن إِبراهيم بن محمد بن الحَنَفية قال: طُفْتُ مع أَبي وقد جَمع بين الحجِّ والعُمرةِ، فطافَ طوافَيْنِ وسَعَى سَعْيَيْنِ، وحَدَّثني أَنَّ عَلِيَّاً فعل كذلك، وحَدَّثه أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَعَل ذلك. فإِنَّ حمَّاد بن عبد الرحمن هذا ضَعَّفَه الأَزديُّ. أُجِيب بأَنَّ ابن حِبَّان وَثَّقَه، فلا ينزل حديثُه عن الحَسَن. وما أَخْرَجَه الدَّارَقُطْنِيّ عن عِمْران بن حُصَيْن: أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم طافَ طَوَافَيْنِ، وسَعَى سَعْيَيْنِ.
وما في «مصنف ابن أَبي شيبةَ» عن زياد بن مالك أَنَّ عَلِيَّاً وابن مسعود قالا في القارن: يطوفُ طَوَافَيْنِ، ويَسْعَى سَعْيَيْنِ. وما رَوَى محمدُ بن الحسن في «الآثار» عن أَبي حنيفة، عن منصور بن المعتمر، عن إِبراهيم النَّخَعي، عن أَبي نصر السُّلَمِيِّ، عن علي بن أَبي طالب قال: إِذا أَهللت بالحج والعمرة فَطُفْ لهما طَوَافَيْنِ، واسْعَ لهما سَعْيَين بين الصفا والمروة، قال منصور: فلقيتُ مُجَاهِداً وهو يُفْتِي بِطَوافٍ واحدٍ لِمَنْ قَرَن فَحَدَّثْتُه بهذا الحديث فقال: لو كنتُ سمعتهُ لم أَفْتِ إِلاَّ بِطَوافَيْن، وأَمَّا بعد فلا أُفْتِي إِلاَّ بهما. انتهى. وبه قال ابن مسعود، والشَّعْبي، والنَّخَعِي، وجابر بن زيد، وعبد الرحمن بن الأَسود، والثَّوْري، والحسن بن صالح.
وأَمَّا ما رُوِي مِن قوله صلى الله عليه وسلم «دَخَلت العُمرةُ في الحجِّ إِلى يومِ القيامةِ». فمعناه أَنَّ العُمرةَ لا بأْس بها في أَشهرِ الحَجِّ كما قال الترمذي، فمعنى التداخل المذكور في الحديث: الوقت، أَي دَخَلَ وقتُ العُمرةِ في وقتِ الحَجِّ على معنى أَنَّهما يُؤديان في وقتٍ واحدٍ، وأَيضاً لا تَدَاخُلَ في العبادات، وإِنَّما التداخُلُ فيما يَنْدَرىء بالشُّبُهَات.

(وذَبَحَ) وجوباً (للقِرَانِ بَعْدَ رَمْيِ يَوْمِ النَّحْرِ) قبل الحلق في الحرم وأَيام النحر. ويُسَنُّ أَنْ يذبح بمنىً شاةً أَو سُبُعَ بعيرٍ، أو بقرة لقوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بالعُمرَةِ إِلى الحَجِّ فما اسْتَيْسَر مِنَ الهَدْي}، (والهدي ما يُهْدَى) إلى الحَرَمِ من شاةٍ أَو بقرةٍ أَو بعيرٍ، ولما في «الصحيحين» من حديث جابر (قال): حَجَجْنَا معَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَنَحَرْنَا البعيرَ عَنْ سَبْعَةٍ، والبقرةَ عَنْ سبعةٍ. ونَمْنَعُ نحن ومالكٌ ذَبْحَه قَبْلَ يومِ النَّحْرِ لكونه دَمَ شُكْرٍ عندنا، فيختص بيوم النَّحْر كالأُضحية. وأَجَازَهُ الشافعيُّ بناءً على كونِه دَمَ جَبْرٍ عنده.
(
وإِن عَجَزَ القَارِنُ) عن الهَدْي بأَنْ لا يكون في ملكه عن كفافه قَدْرُ ما يشتري به الدَّم ولا هو في ملكه (صَامَ ثلاثةَ أَيَّامٍ) يُستحب تواليها (وَ) أَنْ يكون (آخِرُهَا يَوْمُ عَرَفَةَ) بأَنْ يصومَ السابع والثامن والتاسع، وهذا بيانُ الأَفْضل، لأَنه غاية ما يمكن في التأْخير لاحتمال القدرةِ على الأَصْل وهو الهَدْي، ويجوز أَنْ يصومها قبل السابع إِذا كان قد أَحْرم بالعُمرةِ، ويكون في أَشهر الحَجِّ وينوي مِن الليل. وعند الشافعيِّ لا يجوزُ أَنْ يصومها حتى يُحْرِم بالحَجِّ، وأَمَّا قبل إِحرام العُمرةِ، فلا يجوز بالإِجماع.

(وسَبْعَةً بَعْدَ حَجِّهِ) أَي فراغ أَعماله (أَيْنَ شَاءَ) ولو بمكةَ من غير نيةِ الإِقامَة لقوله تعالى: {وسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُم}، أَي من مِنىً إِلى مكةَ. والصحيح مِن مذهب الشافعيِّ أَنَّ المراد الرجوع إِلى الأَهل. وعن مالك قولان. وقال ابنُ الهُمَام: أَي إِذا فَرَغْتُم مِن أَعمال الحَجِّ، فإِن الفراغ سببُ الرجوع، ففيه ذِكْرُ المُسَبَّبِ وإِرادةُ السَّبَبِ. والدليل على إِرادة المجاز أَنَّ الإِجماع على أَنه لو استمر على السياحة، وجب عليه صومُها بهذا النَّصِّ، ولا يتحقق في حَقِّه سوى الرجوع عن الأَعمال، فَعُلِم أَنَّ المراد الرجوع عنها، سواءٌ قَصَدَ وطنه أَو لا. ثُم لو قَدِرَ القارنُ (على) الهَدْي بعد صوم الثلاثة قَبْل التحلّلِ وجب عليه الذَّبْحُ، ولو قَدِرَ عليه بعد التَّحَلُّلِ لا يجب عليه الذَّبح.
(
فإِنْ فَاتَتِ الثَّلاثَةُ) بأَنْ جاء يومُ النَّحْر ولم يَصُمْها بتمامها (تَعَيَّنَ الدَّمُ) ولم يجزئه الصومُ، لأَنه جُعِل خَلَفاً عن الدَّم على خلاف القياس، فيراعى ما ورد فيه، وهو الوقوعُ قَبْلَ يَوْم النَّحْر.

وأَجازَ الشافعيُّ صومَها بعد أَيام التشريق، لأَنه صومٌ مؤقتٌ فَيُقْضَى. وأَجازه مالك فيها غَيْرَ يوم النَّحر لقوله تعالى: {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ في الحَجِّ} وهذا وقتُه، لأَن طواف الزيارة يَتَأَدَّى فيها، ولقول عائشةَ وابن عمر : لم يُرَخَّص في أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يصومَ إِلاَّ مَنْ لم يَجِدِ الهَدْيَ. رواه البُخاري. وفيه عن ابن عمرَ أَنَّه قال: الصيامُ لِمَنْ تمتَّعَ بالعُمرةِ إِلى الحَجِّ إِلى يومِ عرفةَ، فإِنْ لم يَجِد هَدْياً ولم يَصُم، صَامَ أَيَّامَ مِنىً.

ولنا إِطلاقُ النهي المشهور عن الصيام في هذه الأَيام، وقولُ عمر لِمَنْ قال: إِنِّي تمتعتُ بالعُمرةِ إِلى الحَجِّ: اذْبَح شاةً، قال: ما معي شيءٌ؟ قال: سَلْ أَقارِبَكَ، قال: ما ههنا أَحدٌ منهم، فقال: يا مُغِيثُ أَعْطِهِ قيمةَ شاةٍ. ذَكَرَه في «المبسوط». ولو لَمْ يَقْدِر على الهَدْي تَحَلَّلَ، وعليه دَمَانِ: دَمٌ للقِرَان، ودَمٌ لِتَحَلُّلِهِ قَبْل الذَّبْحِ. هكذا قالوا، وفيه بَحْثٌ، إِذِ الترتيبُ واجبٌ عن من يقول به، وهو يسقط بالعُذْرِ. ولو لم يَدْخُلِ القارنُ مَكَّةَ ووقف بعرفةَ بعد الزوال، فعليه دَمُ جَبْرٍ لِرَفْضِ العمرةِ، سواءٌ نوى رَفْضَها أَم لا، وعليه قضاؤها، وبَطَل عنه دمُ القِران، لأَنه لما ارتفعتِ العُمرةُ لم يُوَفَّق بأَداء النُّسُكَيْنِ، فصارَ كالمُفْردِ لا دَمَ عليه.

(
فصلٌ في التمتع)
(
والتَّمَتُّعُ أَفْضَلُ مِنَ الإِفْرَادِ) لأَنَّ فيه جَمْعاً بين العبادتين، ودَماً للنُّسكِ كما في القِران، فيكون أَفْضَلَ مِن الإِفْرَادِ. وفي أَمْر النبيِّ صلى الله عليه وسلم المُحْرِمين بالحجِّ أَنْ يَتَحَلَّلُوا عنه ويَجْعلوه عمرةً إِشَارَةٌ إِلى أَنَّ التمتّعَ أَفْضَل مِن الإِفْراد. ورَوى الحسن عن أَبي حنيفة: أَنَّ الإِفرادَ أَفْضل مِن التمتُّعِ، لأَن المُتَمَتِّعَ وَقَعَ سَفَرُهُ للعمرة، بدليلِ أَنه بعد الفراغِ منها يصيرُ كالمكِّي في حقِّ الإِحرامِ، والحجّ فَرْض والعمرة سُنَّة، والسَّفَر (الواقع) للفَرْضِ أَعْلَى مِن السفر للسنّة. والظاهر أَنَّ الإِفراد إِنَّما يكونُ أَفْضل مِن التمتعِ، إِذَا أَتى بِعُمرةٍ مُفْرَدةٍ بعده، وإِلاَّ فلا شبهةَ أَنَّ العِبَادَتَيْنِ أَفضل مِن عبادةٍ واحدةٍ، ولِذا قال محمد: حَجَّةٌ كوفية، وعُمرةٌ كوفية أَفْضل عندي مِن القِرَان.
(
وَهُوَ) أَي التمتع لُغةً: الانتفاع، مأْخوذٌ مِن المَتَاع.

وشَرْعاً: (أَنْ يُحْرِمَ) الآفاقي لِيكونَ على الوَجْهِ المَسْنُون (بِعُمْرةٍ مِنَ المِيقَاتِ) وجوباً، أَو مِن مكانٍ قَبْلَه ـ وهو أَفْضل ـ أَو بعده، ويَجِبُ عليه حِينئذٍ دَمٌ (في أَشْهُرِ الحَجِّ) أَو يُحْرِم بِعُمرةٍ قَبْلَ الأَشْهُرِ ، ويَطُوف لها في الأَشهر أَربعة أَشواط أَو أَكثر (ويَطُوفَ، ويَسْعَى، ويَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّر) إِنْ لم يَكُنْ سَاقَ هَدْياً وقد حَلَّ مِن إِحرامه، أَو يَبْقَى على إِحرامه حتى يُحْرِم بالحجِّ يومَ التَّرْوِيةِ، ويَتَحَلَّلُ مِن الإِحْرَامَين بالحلق يوم النَّحْر.
(
ويَقْطَعَ التَّلْبِيَةَ في أَوَّلِ طَوَافِهِ) باستلام الحجر الأَسود، ونَحْوهِ مِن أَنواعِ شُرُوعِهِ، لا عند مُشَاهَدتِهِ للبيتِ كما قال مالك، وهو مرويٌّ عن عُمَرَ رَضِيَ الله عنه. ولنا ما رواه أَبو داود، وصَحَّحَهُ الترمذي من (حديث عطاء عن) ابن عباس: أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يُمْسِكُ عن التلبية في العمرة إِذا اسْتَلَمَ الحَجَر.
(
ثُمَّ أَحْرَمَ بالحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيةِ) مِن الحَرَمِ لأَنه صار مَكِّياً، وميقاتُ المكِّي في الحَجِّ الحَرَم (وقَبْلَهُ) عندنا وعند مالك (أَفْضَلُ) لما فيه مِنَ المسارعةِ إِلى الطاعة. وقال أَصحابُ الشافعيِّ في غَيْر واجدِ الهَدْي: إنَّ المُسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يُحْرِم بالحجِّ قَبْلَ السَّادِس، والأَفْضَل لسائِقِ الهَدْي أَنْ يُحْرِم بالحَجِّ يَوْمَ الترويةِ قَبْل الزَّوال، لما رَوى جابر أَنَّه صلى الله عليه وسلم قال: «إِذا توجّهتم إِلى مِنَى رائحينَ فأَهِلُّوا بالحَجِّ». وذلك يكونُ يومَ التَّرْوية قبل الزَّوال.

(وحَجَّ كالمُفْرِدِ) ورَمَل في طوافِ الزيارة، لأَنه أَوَّلُ طوافٍ في حَجِّه وسَعَى بعده نفلاً وَرَمَلَ وسَعَى. ولو أَحْرم بالحَجِّ وطَافَ (نفلاً ورَمَل وسعى) قَبْلَ رَوَاحِهِ إِلى مِنَى لا يَرْمُلُ في طواف الزيارة ولا يَسْعَى بعده (وذَبَحَ) لِمَا ذكرنا في القِرَان، بَل هُو النَّص في القرآن.
(
وإِنْ عَجَزَ) عن الهَدْي (صَامَ كالقَارِنِ) كمِّيةً وكيفيةً مِن غَيْرِ فَرْقٍ بينهما، إِلاَّ أَنَّه إِنْ صامَ الثلاثةَ بعد إِحرامِ العُمْرة ولو قَبْل الطوافِ لها جاز. ولم يُجز مالك والشافعي صومها قبل أَنْ يُحرم بالحجِّ لظاهرِ قوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِد فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ في الحَجِّ}، ومَنْ صَام قبل أَنْ يُحْرِم بالحج لا يكونُ صومُه في الحج.
ولنا أَنه أَدَّاه بعد انعقادِ سَبَبِهِ، وهو الإِحرامُ بالعُمْرةِ، لأَن تَحَقُّقَ سببِ الهَدْي إِنَّما هو بإِدْخَالِ العُمرةِ على الحَجِّ في أَشْهُره، لا بِشُرُوعِهِ في الحجِّ، فيجوزُ الصَّوْمُ بعد انعقاد السبب، كجواز التَّكْفِير بعد جَرْحِ الصَّيْدِ قَبْلَ مَوْتِه. والمراد بالحج المذكور في النَّص وَقْتُه، لأَن نفسه لا يَصْلُحُ ظَرْفاً، لأَنه عِبارةٌ عن الأَفْعَال، والفِعْل لا يصلُح أَنْ يكونَ ظَرْفاً لِلفِعْلِ. ولو صَامَ ثلاثةً مِنْ شَوَّال ثُم اعتمر لم يَجُز عن الثلاثةِ اتفاقاً، لأَن سبب وجوب هذا الصوم التمتع لأَنه بَدَلٌ عن الهَدْي، وهو في هذه الحالةِ غَيْرُ متمتعٍ لا حقيقةً ولا حُكْمَاً، فلا يجوزُ أَداؤُه قَبْل وجودِ سَبَبِهِ.

(فإِنْ أَحْرَمَ) المُتَمَتِّع (بِسَوْقِ الهَدْي) بأَن قَلَّدَ بَدَنَةَ نَفْلٍ، أَو نَذْرٍ، أَوْ جزاء صيدٍ، أَو جِنايةٍ كانت عليه في السَّنَة الماضية وتوجَّهَ معها يُرِيدُ الحجَّ. والأَظهر أَنَّ لفظَ «بسوق» بالموحدة أَي مُصَاحَباً بِسَوْق الهَدي مُتَلَبِّساً به، ويُحْتَمَل أَنْ يكونَ بالمُثَنَّاةِ التحتيّة أَي حال كَوْنِه يَسُوقُ الهَدْي، والسَّوْقُ أَفْضَلُ مِنَ القَوْدِ إِلاَّ أَنْ لا يُسَاقَ فَيَقُودُهُ.
والتقليد ـ وهو جَعْلُ مَزَادَة: أَي قِطعة من أَدم، أَو نَعْل، أَو لِحَاء شجرةٍ في عُنُقِهِ ـ أَفْضَلُ من التجليل لقوله تعالى: {ولا الهَدْيَ ولا القَلاَئِدَ}، والجَمْع بينهما حسن. وأَمَّا الإِشْعَارُ ـ وهو أَنْ يَطعن بالرُّمح في أَسْفَلِ سَنَام البَدَنَةِ مِن يَسَارِها أَو يَمِينِهَا حتى يَخْرُجَ الدَّمُ، ثُمَّ يُلَطَّخُ به سنَامُهَا ـ فقيل: مَكْرُوهٌ، وقيل: مَسْنُونٌ، لقول ابن عباس: صَلَّى النبيُّ صلى الله عليه وسلم الظُّهْرَ بذي الحُلَيفة، ثُم دعا بِنَاقَةٍ ـ وفي لفظٍ: بِبَدَنَةٍ ـ فأَشْعَرَها في صفحةِ سَنَامها الأَيْمن وسَلَت الدم عنها، وقَلَّدها نَعْلَين. الحديث أَخرجه الجماعةُ إِلاَّ البخاريّ.

(
وهُوَ) أَي إِحرام المتمتع بِسَوْق الهَدْي (أَفْضَلُ) مِنْهُ بِغَيْر سَوْقٍ، لأَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَهْدَى مئة مِن الإِبل. والجملةُ حاليةٌ مُعْتَرِضَةٌ بين الشَّرْطِ وجوابه وهو قوله: (لا يَتَحَلَّلُ) أَي يَبْقَى على إِحرامه للعُمْرةِ حتى يَتَحَلَّل مِنْ حَجِّه وإِنْ حَلَق لم يتحلل مِن إِحْرَامِهِ، ولزمه دَمٌ، وهو قول أَحمد. وقال مالك والشافعيُّ: إِذا طاف وسَعَى وحَلَق، حَلَّ مِن عُمرتِهِ قِيَاساً على مَنْ لم يَسُقِ الهَدْيَ.

ولنا ما في «الصحيحين» مِن حديث ابن عُمر قال: تَمَتَّعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في حجَّةِ الوَدَاعِ بالعُمرةِ إِلى الحَجِّ وأَهْدَى، فساقَ معه الهَدْيَ مِن ذي الحُلَيْفة، وبَدَأَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فأَهَلَّ بالعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بالحَجِّ فَتَمَتَّعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالعُمرةِ إِلى الحَجِّ، فكان مِن النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فساقَ الهَدْي، ومنهم مَنْ لم يَهْدِ. فَلَمَّا قَدِمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ قال للنَّاسِ: «مِنْ كانَ مِنْكُم أَهْدَى فإِنَّه لا يَحْلِل مِنْ شيءٍ حَرُمَ منه حتى يَقْضِي حَجَّه، ومَنْ لم يَكُنْ مِنكم أَهْدَى فَلْيَطُف بالبيتِ وبالصفا والمروة، وليُقَصِّر وليَحْلِل».
(
ثُمَّ يُحْرِمُ) ثانياً (بِالحَجِّ كَمَا مَرَّ) في المتمتع الذي لا يسوقُ الهَدْي.

(
فصلٌ في أحكام المكي ومن بمعناه)
(
والمَكِّيُّ) ومَنْ بِمعناه من أَهل داخل الميقات وإِنْ كانَ مسيرةَ سَفَر. وقد اختلف العلماءُ في حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَام، فقال مالك: هُم أَهّل مَكَّةَ خَاصَّةً. وقال الشافعيُّ: هم أَهْل مكة ومَنْ يكون مَنْزِلُه مِن مكةَ على مسيرةٍ لا يجوزُ فيها قَصْرُ الصلاةِ (يُفْرِدُ فَقَطْ) ولا يَتَمَتعُ ولا يَقْرِن، لما صحَّ عن عُمَرَ: لَيْسَ لأَهْلِ مكةَ تَمَتُّعٌ ولا قِرَانٌ. ومع هذا، فَمَنْ تَمَتَّعَ منهم أَوْ قَرَنَ صَحَّ وكان مُسِيئاً وعليه دَمُ جَبْرٍ لإِساءته، ومِنْ حُكْمِ هذا الدَّم أَنْ لا يقومَ الصَّوْمُ مقامه حال العُسْرةِ.

وقال الشافعيُّ: يتمتعُ المَكِّيُّ ويَقْرِنُ، لأَن قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بالعُمْرَةِ إِلى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْي} يَشْملُ المَكِّيَّ كما يَشْمَل غيره. ولنا أَنَّ هذه الآيةَ مخصوصةٌ بِغَير المَكِّي ومَنْ بمعناه، لأَن الإِشارة فيها للتمتع المفهوم. من قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بالعُمْرَةِ} وليست للهَدْي والصومِ كما قال به الشافعيُّ، وإِلاَّ لقيل «ذلك على مَنْ لم يَكُن أَهْلُه حاضري المَسْجِدِ الحَرَامِ»، لأَن الهَدْيَ وبَدَله ـ أَعْنِي الصَّوْمَ ـ واجبٌ على المتمتع، والواجب يُستعمل فيه «على» لا «اللام».
ولو خَرَجَ المكيُّ إِلى الكوفةِ مَثَلاً فَقَرَنَ صَحَّ، لأَنَّ عُمْرَته وحجّته ميقاتيتان، وصار بمنزلة الآفاقي، ولَزِمَهُ دَمُ شُكْرٍ. ولو تَمَتَّعَ لا يصح، لأَنه إِذا تَحَلَّلَ بالعُمْرةِ صارَ من أَهْلِ مَكَّةَ، فيصيرُ الحَجُّ مِن وطنه ولا يكونُ بناءً على سَفَرٍ سابقٍ. فعُلم أَنَّ عَدَمَ الإِلْمَامِ شَرْطٌ لِصحةِ التمتع، فَيَنْتَفِي بانتفائه. ويؤيدُه ما رَوَى الطحاوي عن سعيد ابن المُسَيَّب، وعطاء، وطَاوُس، ومجاهد، والنَّخَعي: أَنَّ المتمتعَ إِذا رَجَعَ إِلى أَهْله بعد العُمرةِ بَطَلَ تَمَتُّعُهُ. وكذا حكاه الرَّازي في «أَحكام القرآن»، وهو قول مالك والشافعي أَيضاً.

وفي «الأَسرار»: والمكيُّ يعتمر في أَشْهُر الحجّ ولا يُكْرَهُ له، ولكن (لا) يدرك فضيلة التمتع، لأَن الإِلمام يَقْطَعُ مُتْعَتَه كما يقطع متعة الآفاقي إِذا رجع بين النُّسُكَيْنِ إِلى أَهْلِهِ. انتهى. وهذا صريحٌ في أَنَّ المكيَّ لو اقتصر على عُمْرَةٍ مُفْردةٍ في أَشهر الحجِّ ولم يَحُجّ في تلك السنةِ لا تكونُ مكروهةً بلا خِلافٍ، ومَنِ ادَّعَى خلافَ ذلك كابنِ الهُمَام فقد أَبْطَلْناه في غير هذا المقام، وبَيَّنَا أَنَّهُ غيرُ مُوافِقٍ للروايةِ ولا للدِّرَايةِ. ومن الأَدلة على ذلك ما رَوَى البيهقيُّ عن مُعَاذَة العَدَوِيَّة، عن عائشةَ قالت: العمرةُ في السَّنةِ كُلِّهَا إِلا أَرْبَعَةَ أَيَّام: يومَ عَرفةَ، ويوم النَّحر، ويومان بعد ذلك. ورَوى الإِمام الأَعظم رحمه اللّهُ بإِسنادهِ عن عائشةَ قالت: لا بأْس بالعُمْرَة في أَيِّ شَهْر شِئْت ما خلا خمسةَ أَيام: يوم عرفةَ، ويوم النَّحر، وأَيام التَّشْريقِ.

ثُم الآفاقي إِذا أَتى بِعُمْرةٍ في أَشهر الحَجِّ وتَحَلَّلَ منها، ثُم عادَ إِلى وطنه، ثُم حَجَّ في عَامِهِ بطل تمتعه إِنْ لم يكن ساق معه هدياً، فلا يلزمه دم، لأَنه أَلَمَّ بأَهْلِهِ فيما بين النُّسُكَيْن إِلْماماً صَحِيحاً، وبذلك يَبْطُل التمتعُ، كذا رُوي عن عمر وابنه وابن عباس. وقد ذكرنا مَنْ تَبِعَهُم من التابِعِين، وهذا لأَن حَدَّ التمتع ليس بصادقٍ عليه حيث أَنْشَأَ لكل نسك سَفَراً من أَهله، والمتمتع مَنْ يترفق بأَداء النسكين في سَفَرٍ واحدٍ. وإِنْ ساقَ الهدي، أَو أَخَّرَ الحلق، أَوْ ترَكَ أَربعةَ أَشواطٍ من الطواف لم يبطل تمتعه عندنا، خلافاً لمالك والشافعيّ ومحمد، لأَنه لم يجمع بين النسكين في سفرٍ واحدٍ (لانتهاء) سفره الأَول بإِلْمَامِهِ بأَهْله.

ولأَبي حنيفة وأَبي يوسف: أَنَّ إِلْمَامَه بأَهْلِه ليس بإِلْمَامٍ صَحِيحٍ لبقاءِ إِحْرَامه، لأَنَّ سَوْقَ الهَدْي يمنعه من التحلل، والعودُ ليحلِقَ في الحرم وليأْتيَ بالطواف واجبٌ عليه، فجرى وجود هذا السَّفَر مجرى عدمه لعدم استحكامه، فكأَنه لم يزل بمكةَ إِلى أَن حج. وإِنْ أَحْرَمَ بالعمرة قبل أَشهر الحج وطاف أَقل السبعة، ثُم أَتَمها في الأَشهر وحَجَّ، يكونُ متمتعاً عندنا، وهو قول مالك، لأَن الإِحرام بالعُمرةِ وإِنْ حصل قبل الأَشْهر لكنه شرطٌ عندنا، وإِنما يعتبر أَداء الأَركان في أَشهره، وأَكثر أَفعال العمرة باقية مؤداة في أَشهره، وللأَكْثر حُكْم الكلِّ، فكان جَامِعاً بين العبادتين، فكان متمتعاً.
ونفاه الشافعيُّ بناءً على أَنَّ الإِحرام رُكْن عنده. وعلماؤنا والشافعيُّ أَبطلوا التمتع إِنْ طاف الأَكثر قبل الأَشهر، وأَجازه مالك، لأَن تمام العمرة بالتحلل منها، وهو واقعٌ في أَشهره، فيكون جَامِعاً بين النُّسُكَيْن باعتبار تمامِ العمرة.
قلنا: إِنه ليس بِجَامعٍ بينهما في الأَشْهُرِ لا حقيقةً ـ وهو ظاهر ـ، ولا حُكْماً، لأَن الأَكْثر قد وُجِدَ في غير الأَشهر، وللأَكْثر حُكْمِ الكل.
ويَمْضِي المُحْرِمُ فيما أَفْسَدَ مِن حَجَ أَوِ عُمْرةٍ بخلاف الصلاة والصوم، لأَنه لا يمكنه الخروج عن عهدة الإِحرام إِلاَّ بالأَفعال، فإِن كان متمتعاً سقط دَمُ المتعة، لأَنه لم يُوَفَّق بأَداء النُّسُكَين الصحيحين في سَفَرٍ واحدٍ. ولو أَحْرَم شخصٌ بنُسُكين كَحَجَّتَيْن أَو عمرتين لزماه عندنا، وأَلْزَم محمدٌ وزفر بِنُسك واحدٍ كمالك والشافعي، لأَن الإِهلال للشُّروع في الأَداء، وأَداؤهما معاً غَيْرُ ممكنٍ، ثم ارتفاض أَحد الإِحْرَامَين يتأَخّر إِلى زمن التوجه للأَداء عند أَبي حنيفة في ظاهر الرواية، وإِلى زمن الشروع في أَحَد النُّسُكَين في روايةٍ. ويحكم أَبو يوسف بالارتفاض عَقِيب الإِحرام بهما بلا مهلة.


ولو أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ أُخرى يَوْمَ النَّحْرِ قبل الحلق لزمته الحجة اتفاقاً، وعليه دَمٌ عند أَبي حنيفة، قصَّر لأَجل الخروج من الإِحرام الأَول أَو لا، احتراماً للإِحرام الثاني، وخَصَّا لزوم الدمِ بالتقصير، وهذا بناءً على ما قَدَّمنا في أَوَّل الكتاب مِن وجوب التحلل في أَيامِ النَّحْر عنده، وعدمه عندهما.
ولو أَحْرَمَ بِعُمْرةٍ بعد الفراغ من الأُولى قبل التقصير لزمه دَمٌ لإِحْرامِه قبل الوقت، لأَن وقته بعد الحلق عن الأُولى، لأَن الجَمْع بين إِحْرَامي الحج أَو إِحْرامي العمرة بدعة. ولم يذكر محمد دَماً في الجَمْع بين الحجّتين في «الجامع الصغير»، وذكره في الجَمْع بين العمرتين، وأَوجبه في مناسك «المبسوط»، فجعل بعضُ المشايخ فيه روايتين، وذكر بعضُهم أَنَّه لا فَرْقَ بينهما. وسُكُوتُه في «الجامع» ليس نَفْياً بَعْدَ وجودِ المُوجِبِ، لأن الموجب له في العمرتين وهو عَدَمُ المشروعية ثابت في الحَجَّتَين.

فصلٌ في الجنايات
الجنايةُ: فِعْلٌ مُحَرَّمٍ، والمرادُ هنا خاصٌّ مِنْهُ، وهو ما يكون حُرمتُه بسببِ الإِحرام أَوِ الحَرَم. ثُم المُحْرِم إِذا جَنَى عَمداً بلا عذرٍ، يَجِب الجزاءُ والإِثم، فلا بد من التوبة، وإِنْ جَنَى بغيرِ عَمْدٍ أَو بِعُذرٍ، فعليه الجزاء دون الإِثم.
وأَمَّا الواجبات فكلُّها إِنْ تركها لِعُذْرٍ لا شيءَ عليه، كما في «البدائع»، ويَجِب الجزاء عندنا وهو قول مالك على الناسي لإِحرامه، وكذا على الجاهل بالحُرْمةِ، إِذ الإِحرام حالةٌ مُذَكِّرةٌ، فلم يكن النسيانُ ولا الجَهْلُ في دار الإِسلام عُذْراً. ونفاه الشافعيُّ عنهما لأَنهما معذوران، إِلاَّ إِذا قتلا صيداً فإِنه يَجِبُ الجزاءُ على الأَظهر.

ثُم الكَفَّارات كُلُّها واجبةٌ على التراخي، فلا يَأْثم بالتأْخير عن وقت الإِمكان، ويكون مُؤَدِّياً لا قَاضِياً في أَيِّ وقت (أَدَّى، وإِنَّما يتضيّقُ عليه الوجوب في آخِر عُمُره في وقتٍ) يَغْلب على ظَنِّه أَنه لو لم يُؤَدِّه لفات، فإِنَّه إِنْ لم يُؤدِّ فيه حتى ماتَ أَثِمَ، ويَجِب عليه الوصيةُ بالأَداء، ولو لم يُوصِ لم يجب في التَّركةِ ولا على الوَرَثة، ولو تَبَرَّعَ عنه الورثةُ جاز، ولا يصومون عنه. والأَفْضل تعجيلُ الكفارات والمبادرة إِلى الخيرات، فإِنَّ في التأْخيرِ آفاتٍ.
ثُم الجنايات قِسْمَان: مُوجِبٌ للدم، ومُوجِبٌ للصَّدقةِ، فأَشار إِلى الأَوَّلِ بِقَوْلهِ: (إِنْ طَيَّبَ مُحْرِمٌ) مُكَلَّف، ذَكَراً كان أَوْ أُنْثَى (عُضْواً كَامِلاً) كالرأْس والفَخِذ والسَّاق. وقال الفقيه أَبو جعفر: يُعْتَبر كثرةُ الطَّيبِ في نفسه، كَكَفَّين مِن ماءِ الوردِ، وكَفَ من الغالية، وما استكثره الناسُ مِن المسك.
وفي «المحيط»: وإِلى كلِّ قولٍ أَشَار محمدٌ، والصحيح إِنْ كان الطيبُ قَليلاً فالعبرةُ بالعُضْو لا بالطيب، وإِنْ كانَ الطِّيبُ كثيراً فالعبرة بالطيبِ لا بالعضو. ولو طَيَّب في مجلسٍ واحدٍ جميعَ أَعضائه، فعليه دَمٌ وَاحِدٌ لاتحاد المجلس، وإِنْ كان في مجالس، فَلِكل طِيبٍ دَمٌ على حِدَة، كَفَّرَ للأُولى أَوْ لا عندهما. وقال محمد: عليه كفارةٌ واحدةٌ ما لم يُكَفِّر للأُولى.
ولو كان الطِّيبُ في أَكثر مِن عُضْوٍ يُجْمَع، فإِنْ بلغ عُضْواً فعليه دَمٌ. ولو شَمَّ طِيباً، أَو دخل بيتاً مُجَمَّراً فَعَلِقَ بثوبهِ رائحةٌ فلا شيءَ عليه، ويُكْرَهُ له شَمُّه قَصْداً. كما رُوي عن عمر (وجابر): كان ابن عباس لا يرى به بأْساً. وسُئِل عثمانُ عن المُحْرِم يدخل البستان قال: نعم، ويَشَمُّ الريحان. وأَوجب مالك والشافعيُّ الدَّمَ عليه.

ولو أَكل الزَّعفران وحدَه فعليه دَمٌ إِنْ كان كثيراً، وهو بحيث يلتزق به أَكثر فَمِه، وإِلاَّ فَصَدَقَةٌ عند أَبي حنيفةَ. وعندهما لا شيءَ عليه، لأَنَّ الزَّعْفَران يُستعمل في الأَطْعمة فالتَحَقَ بها. ولأَبي حنيفةَ أَنه طِيبٌ حقيقةً، ولا تسقط هذه الحقيقةُ إِلاَّ لضرورة التبعية للطعام، بأَنْ كان في طعام مسّته النار أَو لم تَمَسَّه. ولو طَيَّبَ رُبُعَ عُضْوٍ يَلْزَمُه صدقةٌ في ظاهر الرواية، وقيل: (يلزمه) دمٌ اعتباراً بالحلق.
وفي «الهداية»: فإن خَضَب رأْسه بِحِنَّاء فعليه دَمٌ لقوله صلى الله عليه وسلم «الحِنَّاءُ طِيبٌ». أَخرجه النَّسائي، والطبراني، والبيهقي، ولفظه عن خَوَلَة بنت حَكِيم عن أُمِّها: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تُطَيِّبِي وأَنْتِ مُحْرِمَةٌ، ولا تَمَسِّي الحنّاء فإِنه طِيبٌ».
(
أَوِ ادَّهَنَ) ـ بتشديد الدال ـ أَي تَدَهَّنَ بِدُهْنٍ فيه طِيبٌ، كدُهْن البنفسج والورد والياسمين والبَان، لَزِمه دَمٌ إِجْمَاعَاً. وفي «المحيط»: لو ادَّهَنَ بشحمٍ أَو سمنٍ، فلا شيء عليه إِجماعاً، لأَنه ليس بِطِيبٍ أَصلاً. ولو دهن شقاق رجليه بزيت أَو داوى به جراحة، فلا شيء عليه (إِجماعاً)، لأَن الزيت طِيبٌ من وجه، وليس بطيبٍ حقيقةً، فإِذا استعمل على وجه التَّطيّب لزمه الدَّمُ، ولو استعمل لإِصلاح البدن لا يلزمه شيءٌ، توفيراً على الشَّبَهَيْنِ حقهما.
(
أَوْ لَبِسَ مَخِيطاً) ولو متعدداً في مجلس واحدٍ: بقميصٍ وقَلَنْسُوَة، وعِمَامة، وقَباء وسراويل، لأَن جنس الجناية واحدٌ والمقصود واحدٌ، وهو الاستمتاع بلبسِ المخيط كحلق رأْسه كله، فصارت كجنايةٍ واحدةٍ.

(أَوْ سَتَرَ رَأْسَهُ) أَي غَطَّاه (يَوْماً كَامِلاً) أَوْ ليلةً كاملة، وهو ظرف للفِعْلَين، لأَنَّ الارتفاق الكامل في اللبس وستر الرأْس يدفع الحر والبرد، وذلك بيَوْمٍ كاملٍ. قال أَبو يوسف وهو قول أَبي حنيفة أَولاً: أَكْثرُ اليومِ كاليَوْمِ.
وفي «المحيط»: ولو غطَّى ربع رأسه يوماً أو أكثر، فعليه دمٌ، وفي الأَقل صدقةٌ عندنا، لا دَمٌ كما قال مالك والشافعيُّ، واحتجَّا بأَنه محظورُ الإِحرام وقد ارتكبه، فيجِبُ عليه الدَمُّ بنفسه لا بامتدادِه كسائر محظوراتِ الإِحرامِ.
وفي «شرح الطحاوي»: ولو لبس المُحْرم المَخِيط أَياماً ولم ينزعه ليلاً ونهاراً، فعليه دَمٌ واحِدٌ، فإِنْ ذبح ثُم استمر على اللبس يوماً كاملاً فعليه دَمٌ آخَرُ، لأَن الدوام كالابتداء. ولو اضطر المُحْرم إِلى ثوبٍ واحدٍ فلبس ثوبين: فإِنْ لبسهما على مَوْضع الضرورة لم يجب إِلاَّ دَمٌ واحدٌ على سبيل التخيير، كمَن اضطر إِلى لبس قميصٍ، فلَبِس قميصين أَو قميصاً وجُبَّةً. وإِنْ لَبِس أَحدهما على موضع الضرورة والآخر على غيره، كمَن اضطر إِلى لُبْسِ قَلَنْسُوة، فلبس قَلَنْسُوةً وقميصاً، فعليه دَمٌ (مُحَتَّمٌ) للبسه ما لا يحتاج إِليه. ويُخيَّرُ بَيْن الدَّم، والإِطعام، والصيام لِلبسه ما يحتاج إِليه.

ولو كان يَلْبَسُ المخيط بالنهار ويَنْزِعُه بالليل للنوم من غير أَنْ يعزم على تَرْكه، فعليه دمٌ واحدٌ بالإِجماع. وإِن نَزَعَهُ على عزم الترك ثُم لبسه، فإِنْ كَفَّرَ للأُولى، فعليه كفارةٌ بالإِجماع، وإِلا فعليه كَفَّارَتَان عندهما، وقال محمد: كفارةٌ واحدةٌ، كذا في «السراج» .

وقال ابن الهُمَام: لا فَرْق في لُزُوم الدَّم إِذا أَحْدث اللُّبْس بعد الإِحْرَام، أَو أَحْرَم وهو لاَبِسٌ فَدَامَ يوماً أَوْ لَيلةً عليه، بخلافِ انتفاعِهِ بعد الإِحرام بالطِّيبِ السابق للنص فيه، ولولاه لأَوْجَبْنا فيه أَيْضاً، ولا في كونِه مختاراً في اللُّبْس أَو مُكْرهاً عليه أَو نَائِماً، فَغَطى إِنسانٌ رأْسَه لَيْلَةً أَوْ وجهه حتى يجِبُ الجزاء على النائم، لأَن الارتفاق حصل له، وعدم الاختيار أَسْقَطَ الإِثْمَ عنه لا المُوجَبَ. انتهى.
ولا بأْس للمُحْرم أَن يُغَطي فاه وأُذُنَيه، ويُكْره أَنْ يُغطي أَنْفَه. ولو غَطَّى ما استرسل مِن شعر لِحيتِه لا بأْس به، كذا في «السراج». ويَجُوزُ وضع القَبَاء على مَنكبيه إِذا لم يُدْخِل يديه من كُمَّيه ولا دم عليه، وأَلْزَمه زُفَر ـ كمالك والشافعي ـ بالدَّم، لأَنه ارتفق بِلُبْس القَبَاء ارتفاقاً كاملاً وهو مَخِيط لأَنه قد لَبِسَ هكذا. ولنا أَنه استعمله اسْتِعْمال الرِّداء المطلق للمُحْرم لا المَخِيط، أَلا ترى أَنه يحتاج إِلى التكلف في حِفْظه، والمَخِيط مَلْبوسٌ لا يتكلفُ في حِفْظه، فلم يكن لاَبِساً للمَخِيط، فلم يَجِب عليه شيءٌ.

وفي «المبسوط»: ويتوشح المُحْرِم بالثياب ولا يَعْقِد على عنقه، لأَنه إِذا عَقَدَه لا يحتاج في حِفْظه على نَفْسِه إِلى تَكَلُّف، فكان في معنى المَخِيط. وكذلك قالوا: إِذا اتَّزَر لا يَنْبَغِي له أَنْ يَعْقِدَ إِزَاره على نفسه بِحَبْلٍ أَو غيره، فقد رُوِي أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم رأَى رجلاً قد شَدَّ فوق إِزَارَه حَبْلاً فقال: «أَلْقِ ذلك الحَبْلَ، ويلك». وكذلك يكره أَنْ يُخَلِّل رِدَاءَهُ بخِلاَل، لأَنه لا يحتاجُ إِلى تَكَلُّف في حِفْظه على نفسه، ولكنه مع هذا لو فَعَل، لا شيءَ عليه، لأَن المحظور عليه الاستمتاع بِلُبْس المخيط ولم يوجد ذلك، ولعل الحِكْمة في نفي الاحتياج إِلى التكلّف في حِفْظه على نَفْسِهِ ليكون مُذَكِّراً له حال إِحْرَامه، ولا يصير غَافِلاً عن مَرَامِهِ وكمال مقامه.

هذا، ويجب الدم عندنا على لاَبِس السراويل بلا فتق وإِنْ لم يجد غيره، ونفاه الشافعيُّ، لأَنَّ الستر فَرْضٌ عليه، ولا يسقط هذا الفرض بالإِحرام، والفتق غيرُ واجبٍ لاستلزامه الضرر بتنقيص المال. وهذا بخلافِ الخُفَّيْن حيثُ يَجِب قَطْعُهُمَا أَسْفَلَ من الكعبين إِذا لبسهما، لأَن اللبس ثَمَّةَ غيرُ واجبٍ، وإِنَّما يَلبَسه لِدَفْعِ الأَذى، فَوَجَب القَطْعُ للتمكن من الانتفاع على الوجه المباح، وههنا الستر فَرْضٌ، فكان مُضْطرَّاً إِلى اللُّبْس فلم يَجِب فَتْقُه. ولنا أَنَّ تأْثير الإِحرام في حُرْمةِ لُبْسِ المَخِيط، وتأْثير العُذْر في الإِطلاق، أَمَّا في إِسقاط الحرمة فلا، فُيَنَّزلُ اللُّبْسُ للعُذْرِ منزلةَ الحَلْقِ لِدَفْع الأَذَى.

(أَوْ حَلَقَ رُبْعَ رَأْسِهِ) أَو لحيته طَوْعاً أَو كَرْهاً، لأَنه حصل له ارتفاقٌ كامِل، لأَنَّ مِنَ الناسِ مَنْ يحلق بعض رأْسه، مَنْ يحلِق بعض لحيته. ولو كان مُكْرَهاً لا يرجع على المُكْرِه بشيءٍ، لأَن الدَّم في مقابلةِ ما حصل له مِن الراحة، وصار كالغُرور في العُقْر: ـ وهو بالضم: دية الفَرْج المغصوب، وصَدَاق المرأَة ـ. وصورته: أَن يَغُرَّ رَجُلاً فيقول له: أُزوِّجُ لك هذه فهي حرّةٌ، فيتزوجها ويدخل بها، ثُم استحق مُسْتَحِقٌّ بأَنها أَمَتُه، فإِنَّ المولى يأْخُذ مِن الزوجِ العُقْرَ، ولا يَرْجِعُ به الزوجُ على الغَارِّ، لأَنه قد حصلت له اللذةُ بمقابلةِ العُقْر وهي الوطء، كذا في «السراج».
وقال زُفَر: يرجع به عليه، لأَنه هو الذي أَوْقعه في هذه العهدة، وأَلْزَمه هذه (الغرامة). ولا شيءَ عليه عند الشافعي بناءً على أَصْلِهِ: أَنَّ الإِكراه يُخْرِجُ المُكْرَهَ مِن أَنْ يكونَ مُؤاخَذاً بِحُكْم الفِعْل، والنوم عنده أَبْلغ من الإِكْراه، لأَن الإِكْرَاه يُفْسِدُ قَصْدَه. وبالنوم يَنْعَدم القَصْدُ أَصلاً. وعندنا سَبَبُ النوم والإِكراه ينفي عنه الإِثم، ولكن لا ينفي حُكْم الفِعْل إِذَا تَقَرَّرَ سَبَبُه، والسبب هنا أَنه نال مِن الراحة والزينة بإِزالة التَّفَثِ عن بدنه فيلزمه الدَّمُ، وفي «الجامع الصغير»: عن أَبي حنيفةَ أَنه يَجِب الدمُ بِحَلْق الأَكْثر. انتهى. وهو رواية عن أَبي يوسف، وهو (الأَظْهَر). وذكر شمسُ الأَئمة وقاضى خان: أَنَّ على قولهما في حلق الجميع الدم. وفي الأَقل منه الطعام.
ثُم يَجِب عندنا صدقةٌ بِثَلاثِ شَعَراتٍ لِعَدَمِ كمال الارتفاق. ويجب دَمٌ عند الشافعيّ اعتباراً بنباتِ الحرم. وإِذا حَلَقَ مُحْرِمٌ رَأْسَ محرم عند جواز التحلل يوم النحر لم يكن عليهما شيءٌ، كذا في «السراج»، والظاهر أَنه كذلك عند جواز التَّحَلل في العمرة.

(أَوْ عُضْواً كَامِلاً) بأَنْ حَلَق صدره، أَو ساقَه، أَو رقبته، أَو عانَتَه، أَو إِحدى إِبْطَيْهِ، أَوْ شَعْر مَوْضع حجامته في قول أَبي حنيفة. وقال أَبو يوسف ومحمد: الواجب في حَلْق المحاجم الصدقة، لأَنه صلى الله عليه وسلم احتجم وهو مُحْرِم، ولو كان حَلْقُ المحاجم يُوجِبُ الدَّمَ لما بَاشَرَه صلى الله عليه وسلم (أُجيب بأَنه يُحْتَمل بأَنه عليه الصلاة والسلام احتجم في مَوْضعٍ لا شَعْر فيه، أَو احتجم لعُذْرٍ لأَنه عليه الصلاة والسلام لا يفعل ما يُوجِب الدَّمَ). كما لا يفعل ما يُوجِب الدم لا يفعل ما يُوجِب الصدقة.
وفي «المحيط»: لو حَلق إِبْطَيه فعليه دَمٌ واحِدٌ، لأَنهما جِنَايتان مِن جنْسٍ واحِدٍ، فليكتفى بجزاءٍ واحدٍ. وعلماؤنا أَلْزَموا بأَخْذ شاربٍ ونحوه حكومةَ عَدْلٍ، وتفسيرها: أَن ينظر إِلى هذا المأْخوذ كم يكون من ربع اللحية فيجب عليه من الطعام بِحِسَابِهِ، ويجب دَمٌ عليه عند مالك اعتباراً منه بما يميط الأَذى مِن حَلْقِ العَانَةِ، وموضع الحجامة، ونتف الإِبطِ والأَنف، وأَوجب في شعرةٍ أَو شعراتٍ إِطْعَام حُفْنة بيدٍ واحدةٍ.
(
أَو قَصَّ أَظْفَارَ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ) للارتفاق الكامل (أَو الكُلَّ في مَجْلِسٍ) لأَنها محظوراتٌ مِن نوعٍ واحدٍ فيتداخل، كإِيلاَجَيْن في جِمَاعٍ واحدٍ لا يلزم بها إِلاَّ مَهْرٌ وَاحِدٌ. وعند مالك والشافعيِّ يجب أَربعة دماء بناءً على عدم التداخل عندهما. قَيَّد «بِمَجْلس» لأَنه لو قَصَّ أَظفار كل يدٍ في مجلس، وَجَب لكل يَدَّ دَمٌ عند أَبي حنيفة وأَبي يوسف. وللجميع دَمٌ عند محمد، لأَن الجناياتِ مِنْ جِنْسٍ وَاحدٍ، وهو القَصُّ، في حُرمةٍ واحدة، وهي الارتفاق، فصارِت كجنايةٍ واحدةٍ، إِلاَّ إِذا كَفَّرَ للأَول قبل قَصِّ الثاني، فيلزمه دَمٌ للثاني.

ولهما أَنَّ هذه جناياتٌ متعددةٌ حقيقةً، لكنَّها في المعنى متحدةٌ، وهو حُصولُ الارتفاق مِن جانب القَصِّ، وهو شيءٌ واحدٌ. فعند اتحادِ المَجْلس جعلنا الكُلَّ جنايةً واحدةً. وعلى هذا الاختلاف لو جامع مرةً بعد أُخرى امرأَةً واحدةً، أَو نسوةً، أَلْحَقَ محمدٌ خمسةً متفرقةً فيهما بِمُجْتَمِعَةٍ في محلَ واحدٍ وأَلزم دَمَاً. وأَوجبا عن كل ظُفْر صدقةً إِلاَّ أَن يبلغَ ذلك دماً، فحينئذٍ ينقص منه ما شاء. وعن محمد: في كل ظُفْرٍ خُمْسُ الدَّم. ولا شيءَ بأَخْذِ الظُّفْر المُنْكَسِر وقطعه اتفاقاً، لأَنه لا ينمو بعد الانكسار، فأَشْبَه اليابس مِن شجر الحَرَم.

(
أَوْ طَافَ للفَرْضِ) جميعه أَو أَكثره (مُحْدِثاً) بناءً على أَنَّ الطهارة في الطواف عن الحدث الأَكبر والأَصغر واجبةٌ عندنا. وقال مالك والشافعي: لا يعتد بذلك الطواف بناءً على أَنَّ الطهارة فيه عنهما شرط عنده كما في الصلاة لما رَوى الترمذي من حديث ابن عباس قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم «الطَّوافُ بالبيتِ صلاةٌ، إِلاَّ أَنكم تتكلَّمونَ فيه، فَمَنْ تَكَلَّم لا يتكلَّم إِلاَّ بخَيْر».

وقال ابنُ الهُمَام: ووجه الاستدلال أَنه شَبِيهٌ في الحُكْم، بدليلِ الاستثناء مِن الحُكْم فكأَنه قال: هو مِثْل الصلاة في حُكْمِها إِلاَّ في جواز الكلام، فيصير ما سوى الكلام داخلاً في الصَّدَر، ومنه اشتراط الطهارة. وأَما المشي فقد عُلِم إِخراجه قبل التَّشْبِيه، فإِن الطواف نَفْسُ المشي، فحيث قال صلاة فقد قال المشي الخاص كالصلاة، فَوَجْه الشَّبَه ما سوى المشي. وخُصّ الانحراف أَيضاً بالإِجماع، وباتفاقِ رواةِ مَنَاسِكِه صلى الله عليه وسلم أَنه جَعَل البيتَ عن يَسارهِ حين طاف. والجواب على تسليمِ أَن التشبيه في الحكم أَنه خَبَرٌ واحدٌ، لو لم (يكن) يلزم نَسْخُه لإِطلاق الكتاب لثبتَ به الوجوبُ لا الافتراض، لاستلزامه الإِكْفَار بِجَحْد مقتضاه، وليس ذلك لازمَ مُقْتضاه، بل لازِمُه التَّفْسيق به، على أَنَّا نَمْنَعُ أَنَّ التشبيه في الحُكْمِ لجَوَازِ أَنْ يكونَ في الثواب.
وقوله: «إِلاَّ أَنكم....» إِلى آخره، منقطع، كلام مستأْنف بيانٌ لإِباحة الكلام فيه، ولو كان التشبيه في الحكم لكان مقتضاه وجوب طهارة الثوب والبدن فيه، لكن صرَّحوا بعدم وجوبه. ففي «البدائع»: أَنها ليست بشرطٍ بالإِجماع، فلا يُفترضُ تحصيلها ولا يجب، لكنَّهُ سُنَّةٌ، حتى لو طَافَ وعلى ثَوْبَه نَجَاسَةٌ أَكثر مِن قَدْر الدِّرهم، لا يلزَمُه شيءٌ لكنه يُكْره. انتهى. وهو غايةُ التحقيق والله ولي التوفيق.
ولنا قوله تعالى: {ولَيَطَّوَّفُوا بالبَيْتِ العَتِيقِ} مِن غيرِ قَيْدٍ بالطهارةِ. وفي «الإِمام»: روى أَحمد بن حنبل، عن محمد بن جعفر، عن شُعبةَ قال: سأَلت حَمَّاداً ومنصوراً عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة، فلم يَرَيَا به بأْساً.

(أَو غَيْرِه) أَي غير طوافِ الفَرْض، سواءٌ كان طوافَ قُدومٍ، أَو صَدَرٍ، أَو تَطَوُّعٍ (جُنُباً) لأَن نقص الجنابة في غير الفَرْص كنقض الحَدَث في طواف الفَرْض. (أَو أَفَاضَ قَبْلَ الإِمَامِ) نهاراً، لأَنه لو أَفاض قبل الإِمام ليلاً لا شيء عليه، ولو أَفاض الإِمَامُ نهاراً لَزِمه الدَّمُ، لأَن رواة نُسُكِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم متفقون على أَنه صلى الله عليه وسلم أَفَاضَ مِن عرفاتٍ بعد غروب الشمس وقال: «خُذُوا عنّي مَنَاسِككُم».

وأَمَّا قول صاحب «الهداية»: لقوله صلى الله عليه وسلم «فادْفَعوا بَعْد غروبِ الشمسِ» فليس بمعروف. ولو عاد إِلى عرفةَ بعد غروبِ الشمسِ، لا يسقط عنه الدَّمُ في ظاهر الرواية، لأَنَّ المتروك سُنَّة الدفع مع الإِمام، ولَم يستدرك. وذكر ابن شُجَاع، عن أَبي حنيفة أَنه يسقط. قال القُدُوري: وهو الصحيح، والجمهور على أَنَّ الأَول هو الأَصح. ولو عاد قبل الغروب، قيل: يسقط لأَنه تدارك المتروك في وقته، وقيل: لا يسقط لأَنه لم يتدارك الجزءَ الفائتَ من الوقوف، وهو الأَظْهر، لأَن الاستدامة واجبٌ، فيفوتُ بِفَوْت البَعْض.
(
أَوْ تَرَكَ وَاجِباً) بأَنْ تَرَكَ الوُقُوفَ بالمُزْدَلِفَةِ مِن غير عُذْرٍ، أَو طواف الصَّدَر لِغَيْرِ حَائِضٍ، أَو السعي للحج أَو العمرة، أَو رمي يومٍ (أَوْ أَكْثَرَه) أَي أَكثر واجبٍ، بأَنْ ترك أَربعة أَشواطٍ مِن طوافِ الصَّدَر، أَو من السَّعْي، أَو تَرَك أَربعَ حَصَياتٍ في اليوم الأَول، أَو إِحْدَى عشرةَ حصاةً في يومٍ مِن الأَيامِ الأُخَرِ. والتَّرْكُ يتحققُ بِغُروبِ الشَّمْسِ مِن آخِر أَيَّامِ الرَّمْي. ولو ترك رمي الجمار في الأَيام كُلِّها يلزمه دَمٌ واحِدٌ، كما لو حَلَق جميعَ بَدَنِهِ في مَجْلِسٍ واحدٍ.

(أَوْ قَدَّمَ نُسُكاً) أَي عَمَلاً من أَعمال الحج (عَلَى) نُسُكٍ (آخَرَ) مِمَّا يكونُ مِنْ حَقِّه وجوبُ تَقْدِيمه، بأَن حَلَق قَبْلِ الرَّمْي، أَو نحر القارِنُ أَو المتمتع قبل الرمي، أَو حَلَق قَبْلَ الذَّبْح (أَو أَخَّرَ طَوَافَ الفَرْضِ) أَو الحَلْق أَو الذَّبْح لِمَنْ يَجِبُ عليه، (عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ) أَو أَخَّر رمي اليوم الأَول (إِلى الثاني، أَو رَمْي اليوم الثاني إِلى) الثالثِ، أَو الثالث إِلى الرابع، وهذا كله عند أَبي حنيفة.
وقال أَبو يوسف ومحمد ـ وهو قول الشافعيّ ـ: لا شيء عليه في تقديم نُسُكٍ أَو تأْخيره لما في «الصحيحين» من حديث ابن عباس: أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم سُئِل عن الذبح، والرمي، والحلق، والتقديم والتأخير، فقال: «لا حَرَجَ».
ولأَبي حنيفة ما رَوى ابنُ أَبي شيبةَ والطحاوي من حديث ابن عباس أَنَّه قال: مَنْ قَدَّم شيئاً في حَجِّه أَو أَخَّرَه، فَلْيُهْرِق لذلك دَماً. وقال الطحاوي: فهذا ابن عباس أَحَدُ مَنْ رَوى عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنه ما سُئِل يومئذٍ عنْ شيءٍ قُدِّم أَو أُخِّر مِن أَمْرِ الحَجِّ إِلاَّ قال: «لا حَرَج». فليس عنده مَعْنَى ذلك على الإِباحة في تَقْدِيم ما قَدَّمُوا، ولا في تَأْخِيرِ ما أَخَّرُوا مِمَّا ذَكَرْنا أَنَّ فيه الدَّمَ، ولكن معنى ذلك عنده على أَنَّ الذين فعلوه كان على الجهلِ بالحُكْم فيه كيف هو، فَعَذَرهم وأَمرهم في المُسْتَأْنَفِ أَنْ يَتَعَلَّموا مَنَاسِكَهم.

وتحقيقُ المقام ما ذكره ابن الهُمام أَنَّ لهما ما في «الصحيحين» أَنَّه صلى الله عليه وسلم وقف في حَجَّةِ الودَاع فقال رجلٌ: لَمْ أَشْعُر فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذبح، قال: «اذْبَح ولا حَرَج»، وقال آخَرُ: يا رسولَ اللّهِ لم أَشْعُر فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمي. قال: «ارْمِ ولا حَرَجَ»، فما سُئِل يَوْمئذٍ عن شيءٍ قُدِّمَ أَو أُخِّر إِلاَّ قال: «افْعَل ولا حَرَج». والجواب أَنَّ نَفْي الحَرَج يتحقق بِنَفْي الإِثم والفساد، فَيُحْمل عليه دون نفي الجزاء. فإِنَّ في قول القائل: «لم أَشْعُر فَفَعَلْتُ» (ما) يفيد أَنه ظهر له بَعْدَ فِعْله أَنَّه مَمْنوعٌ من ذلك، فلذا قَدَّم اعتذاره على سؤاله، وإِلاَّ لم يسأَل، أَو لم يعتذر.
ولكن قَد يُقَال يحتمل أَنَّ الذي ظهر له مخالفةُ تَرْتِيبه لترتيبِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَظَنَّ أَنَّ ذلك الترتيب مُتعينٌ، فقدّم ذلك الاعتذار وسأَل عَمَّا يلزمه به، فَبَيَّنَ صلى الله عليه وسلم بالجوابِ عدمَ تَعَيُّنِهِ عليه بِنَفْي الحرج، وأَنَّ ذلك الترتيب مَسْنونٌ لا واجبٌ. والحق أَنَّه يُحْتمل أَنْ يكونَ ذلك، وأَنْ يكون الذي ظهر له كان هو الواقع إِلاَّ أَنه صلى الله عليه وسلم عذَرهم بالجهل فأَمرهم أَنْ يتعلموا مَنَاسِكَهُم. وإِنَّما عذرهم بالجهل لأَنَّ الحال كانَ إِذ ذاك في ابتدائه. وإِذا احتمل كُلاًّ منهما، فالاحتياطُ اعتبارُ التَّعْيين، إِذِ الأَخْذُ بهِ واجبٌ في مَقَام اضْطِّرابٍ فَيَتِمُّ الوَجْهُ لأَبي حنيفةَ.
(
أَوْ تَرَكَ أَقَلَّهُ) أَي أَقل طوافِ الفَرْض، بأَنْ تَرَكَ ثلاثة أَشواط، أَو شَوْطين أَو شَوْطاً، إِلاَّ أَنَّ النقصان بِتَرْكِ الأَقل نقصانٌ يسير فأَشْبه النقصان بالحدث (فَعَلَيْهِ دَمٌ) هذا جواب قوله: «إِنْ طَيَّبٍ مُحْرِمٌ عضواً» وما عطف عليه، وكذا إِنْ طافَ للعُمرة بِغَيْرِ طهارة.

(وبِتَرْكِ أَكْثَرِهِ) أَي أَكْثَرَ طوافِ الفَرْضِ في الحَجِّ وهو أَربعة أَشْوَاط (بَقِيَ مُحْرِماً) أَي في حَقِّ النّساء (حَتَى يَطُوفَ) أَي إِلى أَن يطوف بذلك الإِحرام، لأَن تَرْك أَكثر الطواف كَتَرْك كُلِّه، وتَرْكُ كُلِّ هذا الطواف لا يُجْبَر بالدَّمِ.
(
وإِنْ طَافَهُ) كُلَّه أَو أَكثره (جُنُباً) أَو حائضاً أَو نُفَسَاءَ (فَبَدَنَةٌ) تَجِبُ عليه، أَو فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، كما روى ابن عباس. وهي عندنا بعيرٌ أَو بقرةٌ، لأَن الجنابة أَغْلظُ من الحَدَث، فيجب جَبْرُ نقصانها بالبَدَنة إِظهاراً للتفاوت في الجنايةِ، وللأَكثر حُكْم الكل. ثُم قيل: يجب الإِعادة في الحدث الأَصغر والأَكبر. والأَصح كما في «الهداية» أَنْ يُؤمر مَن بِمكَّة بإِعادته في الحدثِ استحباباً، وفي الجنابة وجوباً. وإِنَّما كان ذلك أَصحَّ لأَن النقص في الحدث يسيرٌ، وفي الجَنَابة كثيرٌ، فينبغي أَنْ يتفاوت بينهما في حُكْم الإِعادة للجبر.

فإِنْ أَعاده وقد طافَ مُحْدِثاً فلا دمَ عليه، سواءٌ أَعاد في أَيام النَّحْرِ أَو بعدها. وإِنْ أَعاده وقد طافه جُنُباً (إِن كان أَيام النَّحْر فلا دم عليه، و) إِنْ كان بَعْدَها فعليه دَمٌ للتأْخيرِ عند أَبي حنيفةَ وسقطت البدنة بالاتفاق. وإِنْ رجع إِلى أَهْله في الحَدَث فالمستحبُّ بَعْثُ الشاةِ لا الإِعادة، لأَنه أَنْفَع للفقراء، وفي نقصانه خِفَّةٌ، وفي الجنابة عليه أَنْ يعود إِلى مكةَ بإِحرامٍ جديدٍ إِنْ جاوز الوقت، فلو لم يَعُدْ وبَعَثَ هَدْياً أَجْزَأَه.

(وإِنْ فَعَلَ أَقَلَّ مِمَّا ذُكِرَ) بأَنْ طَيَّبَ أَقل مِن عُضْو، أَو لَبِسَ مَخِيطاً، أَو ستر رأْسه أَقل مِن يوم، أَو حلق أَقل مِن ربع رأْسه، أَو حلق بعضَ عُضْو غيره، أَو قصَّر أَقل من خَمْسةِ أَظْفارٍ، أَو قَصَّ خَمْسةً متفرقةً. وتقدَّم أَنَّ محمداً أَوجب الدَّمَ في هذه الصورة، كما لو قَصَّ الخمسةَ في يدٍ واحدةٍ.
(
أَوْ طَافَ غَيْرَ الفَرْضِ) أَي فرض الحج (مُحْدِثاً) سواء كان طواف الصَّدَر، أَو القُدُوم، أَو التَّطوّع، أَو طواف العُمرة. ويلزم دمٌ لو طافها جُنُباً، لأَنه نَقْصٌ كثير، ثُم كُلٌّ منها دوْنَ طوافِ الزيارةِ فَيُكْتَفى بالشاة. وهذا كُلُّه على روايةِ القُدُوري، واختارها صاحب «الهداية» ومَنْ تَبِعه. وفي «شَرْح الطحاوي»: إِذا طاف (طواف) اللقاء مُحْدِثاً أَو جُنُباً فإِنَّه يُعِيد، وإِنْ لم يَعِد فلا شيء عليه. وفي «مبسوط» شيخ الإِسلام: ليس لطوافِ التحية مُحْدثاً أَو جُنُباً شيء، لأَنه لو تَرَكَهُ أَصلاً لم يكن عليه شيءٌ، فكذا إِذا تركه من وجه. قلنا: لا يلزم مِن عدم لزوم شيءٍ بِتَرْكِه ـ لكونه سُنَّةً ـ أَنْ لا يلزم شيءٌ بترك الطهارة فيها، لأَنها واجبةٌ في الطواف على الأَصح، فَبِتَرْكها يرتكبُ محظوراً، فيلزمُه الجزاء.
(
أَوْ تَرَكَ القَلِيلَ مِنَ الوَاجِبِ) بأَنْ تَرَكَ ثلاثة أَشواط أَو أَقل من طوافِ الصَّدَر، أَو مِنْ السَّعْي، أَو ترك أَقل مِنْ جمرة العَقَبة في يوم النَّحْر، لأَنها فيه نسك كامل، أَو ترك أَقَلَّ الجِمار الثلاثِ في يوم بعد يوم النَّحر، لأَن الكل نُسُكٌ وَاحِدٌ فيه فكان المتروكُ أَقل.

(أَوْ حَلَقَ رَأْسَ غَيْرِهِ) بأَمرِهِ، أَو بغير أَمْرِه، أَو أَخَذَ شَارِبه، أَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَه، سواء كان ذلك الغير حَلالاً أَوْ مُحْرِماً. ولعله مأْخوذٌ من عموم قوله تعالى: {ولاَ تَحْلِقُوا رُؤوسَكُم} حيث يشمل معنى: لا يحلِق بَعْضُكُم رأْس بعض، كقوله تعالى {ولا تَقْتُلوا أَنْفُسَكم}.

ولو كان الحالق حَلالاً، والمحلوق مُحْرِماً، فعلى الحالق الصدقة لأَنه أَزال ما استحق الأَمْن، كنبات الحَرَم، وعلى المَحْلوق الدَّم. وقيل: ليس على الحالق الحلال شيءٌ. ولا شيء عند الشافعيّ على الحالق المُحْرِم إِذا حلق شخصاً، مُحْرِماً كان أَو حلالاً، لاَّن المُحْرِم ممنوعٌ عن إِزالة ما ينمو مِن بَدَنِ نَفْسه لما فيه مِن معنى الراحة والزينة، ولا يحصل شيءٌ مِن ذلك بِحَلْقِهِ رأْسَ غيره، فلا يلزمه به شيءٌ. ويجب عليه دَمٌ عندنا وبه قال مالك على ما في «مواهب الرحمن».
(
تَصَدَّقَ) جواب قوله: «وإِنْ فعل أَقل مِمَّا ذكر» وما عطف عليه (بِنِصْفِ صَاعٍ
)
مِن بُرَ، أَو بِصَاعٍ مِن تَمْرٍ أَو شعير.
واعلم أَنَّ كُلَّ موضع يجِب فيه الصدقة المطلقة في الحج، أَو العمرة فهي هذه، إِلاَّ ما يجب بِقَتْل جرادةٍ أَو قملةٍ أَو إِزالَة الشَّعَث، فَفِيها يُطْعِم شيئاً يسيراً، وقد وَرَدَ: «تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِن جَرَادة»، وإِنَّ تارك (ثلاثة) أَشواط مِن طوافِ الصَّدَرِ أَو السَّعْي، وتارك أَقل جَمْرَةِ العَقَبة في يوم النَّحْرِ أَو أَقل الجِمار الثلاث في يومٍ بعده، يجب عليه لِكُلِّ شَوْطٍ أَو رميةٍ صَدَقَةٌ، إِلاَّ أَنْ يَصِيرَ مجموعُ الصدقاتِ بمنزلةِ دَمٍ فَيُنْقِصُ منه ما شاء إِنْ شاء.

(وإِنْ طَيَّبَ عُضْواً) كاملاً، أَو قَصَّ أَظْفَارَه، أَو لَبِسَ المَخِيط قَدْر يوم (أَو حَلَقَ بِعُذْرٍ، ذَبَحَ شاةً في الحَرَمِ) فيه إِشارةٌ إِلى أَن الواجب عليه الذَّبْحُ في الحرم لا غيرُ، فلو سُرِقت بعد الذَّبْحِ أَو هلكت بآفةٍ بَعْدَه لا يَجِبُ عليه شيءٌ. (أَوْ تَصَدَّقَ) في أَي مَوْضِع شاء (بِثَلاَثَةِ أَصْوُعِ طَعَامٍ) بإِضافة أَصْوُع، وهو بفتح الهمزة وضم الصاد وسكون الواو، جَمْع صاع (عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ) كل مِسْكين نِصْف صاع من بُرِّ، أَو دقيق. ويُستحب أَنْ يتصدق على مَساكين الحَرَم.
(
أَوْ صام) ولو كان مُوسَراً، لكن بتبييتِ النية وتعيينها (ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ) في أَي موضع شاء ولو مُتَفَرِّقَةً، لقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَرِيضاً أَو بِهِ أَذَىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ}، وكلمة «أَو» للتخيير، وفَسَّرها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ففي «صحيح البخاري» من حديث عبد الرحمن بن أَبي ليلى، عن كَعْب بن عُجْرَة أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال له: «لعلك آذَاك هَوَامُّك»، قال: نعم يا رسولَ الله، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم «احلق رَأْسَكَ، وصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّام، أَو أَطْعِم سِتَّةَ مَسَاكينَ، أَو انْسُك بشاةٍ».

وفي الكتب الستة: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِكَعْبِ بن عُجْرَة بالحُدَيبيةِ وهو يُوقِدُ تحت قدر والقَمْلُ يتهافتُ على وَجْهِهِ فقال: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ هذه»؟ قال: نعم، قال: «فاحلق رَأْسَك وأَطْعِم فَرَقَاً بينَ ستةِ مساكينَ، أَو صُم ثلاثةَ أَيام، أَو انْسُك نَسِيكةً». وفي الصحيحين عن عبد الله بن مُغَفَّل قال: حدثني كَعْب بن عُجْرةَ أَنه خرج مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مُحْرِماً فَقَمِلَ رَأْسُه ولحيته، فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأَرسل إِليه فدعا الحلاَّقَ فحلق رأْسَه، ثُم قال له: «هل عنْدَك نُسُكٌ؟» قال: ما أَقْدِرُ عليه، فأَمَره أَن يصومَ ثلاثةَ أَيَّامٍ، أَو يُطْعِمَ ستةَ مساكينَ، لِكُلِّ مِسْكِينَيْنِ صَاعٌ، فأَنْزَل اللّهُ فيه خاصَّة: {فَمَنْ كانَ مِنْكُم مَرِيضاً أَو بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ} ثُم كانت للمُسْلِمين عَامَّةً.
وفي لَفْظٍ لمُسْلم: فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم «احْلِق ثُم اذْبَح شاةً نُسُكاً، أَو صُم ثلاثةَ أَيَّامٍ، أَو أَطْعِمْ ثلاثةَ آصُعٍ مِن تَمْرٍ على ستةِ مساكينَ». وفي روايةٍ: «لِكُلِّ مِسْكين نِصْفُ صَاعٍ». وفي لفظٍ له: فقال لي: «هل عندك فَرَقٌ تَقْسِمُه بينَ ستةِ مساكينَ، ـ والفَرَقْ: ثلاثة آصُع ـ أَو انْسُك شاةً، أَو صُم ثلاثةَ أَيَّامٍ؟» فقلت: اختر لي يا رَسُولَ اللّهِ، قال: «أَطْعِم ستَّةَ مساكينَ». وفي لفظٍ عن الحسن: أَنه قال له: «فكيف صَنَعْت؟» قال: ذَبَحْت شاةً. فإِنْ قيل: الآيةُ والحديثُ لا يَدُلاَّنِ على الفِدْيةِ في الطِّيبِ واللُّبْسِ وقَصِّ الأَظْفار، فَبِمَ أَثْبَتُّم الفِدْيَةَ فيها؟ أُجيب : بالقياس على الحَلْقِ الثابتِ بالآيةِ والحديثِ لِوُجُودِ الجامِع بينهما وهو العُذْر.

وإِنَّما قُلنا: إِنَّ الذَّبْح يَخْتَصُّ بِالحَرَمِ، والإِطعامُ والصيامُ لا يَخْتَصَّانِ به، لأَنهما عبادةٌ في كُلِّ مكانٍ وزمانٍ، والذَّبْحُ لم يُعْرف شَرْعاً عبادةً وقُربةً إِلاَّ في زمانٍ أَو مكانٍ، وهذا الذَّبْح لا يختص بزمانٍ فتعينَ اختصاصُه بالمَكَانِ. ثُم الإِباحةُ في الإِطعام يجزئه عند أَبي يوسف اعتباراً بِكَفَّارةِ اليمين، بِجَامعِ أَنَّهما كفارةٌ، ولأَن الحديث ورد بلفظ الإِطعام، والإِباحة مجزئةٌ في كل ما ورد بِلَفْظِ الإِطعام. وخالفه محمدٌ وشرَط التمليكَ كالزكاة، بِجَامِعِ أَنهما صدقةٌ، ونَصُّ الكتابِ وَرَدَ بها، فَيُحْملُ الإِطعامُ الوارد في الحديث على وَجْهِ التمليكِ، لأَن الحديث وَرَدَ مَوْرِدَ تفسيرٍ للآيةِ.

(
وَوَطْؤهُ) أَي جِمَاعُه بغيبوبةِ الحَشَفَةِ عامداً أَو نَاسياً، طَائَعاً أَو مُكْرَهَاً، في القُبُل أَو الدُّبُر (قَبْلَ وُقُوفِ عَرَفَةَ) أَي قَبْل وُقُوفه بعرفاتٍ في زمانه (أَفْسَدَ حَجَّهُ) بالإِجماع، لأَن الجِمَاع أَقْوى مَحْظُوراتِ الإِحرام.
(
ومَضَى في حَجِّهِ) لإِجماع الصحابةِ على ذلك (وذَبَحَ) شاةً أَوْ شَارَكَ في سُبُعِ بقرةٍ أَو جَزُورٍ. وقال الشافعي: يجِبُ بَدَنَةٌ اعتباراً بالجِماعِ بعد الوقوف، بل أَوْلى، لأَن الجِمَاعَ قَبْلَه في مُطْلق الإِحرام، بخلافِه بعده. وأُجيبَ بأَنَّه لما وجب القضاءُ في الجِماع قَبْلَ الوقوف خَفَّ معنى الجِناية، فتجِبُ الشاةُ. وقد رَوى البيهقيُّ عن يَزِيد بن نُعَيْم الأَسلمي التابعي: أَنَّ رجلاً جامع امرأَتَهُ وهما مُحْرِمَانِ، فسأَلا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما: «اقْضِيَا نُسُكَكُما، واهْدِيا هَدْياً». واسم الهَدْي يتناول الشاةَ كما يتناولُ البَدَنَة، وفي البَدَنَةِ أَكْمل، والواجب انصرافُ المطلقِ إِلى الكامل في الماهية لا إِلى الأَكمل، وماهية الهَدْي كاملةٌ في الشاة.

ورَوى أَبو داودَ مُرْسَلاً: أَنَّ رجلاً من جُذَام جامع امرأَتَه وهما مُحْرِمَان، فسأَل الرجلُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: «اقْضِيَا حَجَّكُما واهْدِيا هَدْياً». ورَوى ابن وَهْب بسندٍ فيه ابنُ لَهِيعَة عن يزيد بن أَبي حَبِيب: أَنَّ رجلاً من جُذَامٍ... الحديثَ، وفيه: «إِذا كُنْتُما بالمكانِ الذي أَصَبْتُما فيه ما أَصَبْتُمَا، فأَحْرِمَا وتَفَرَّقَا ـ إِلى أَنْ قال: واهْدِيَا ـ». وضُعِّف بابن لَهِيعة. ورُوي بالزيادةِ عن عِدَّةٍ من الصحابةِ، فابنُ أَبي شيبةَ أَسْنَدَهُ إِلى مَنْ سَأَل مُجَاهداً عن المُحْرم يُواقِع امرأَتَه، فقال: كان ذلك على عَهْد عُمَرَ، فقال: يَقْضِيَانِ حَجَّهُما، ثُم يَرْجِعَان حَلاَلاً، فإِذا كانَ مِنْ قابل حَجَّا وأَهْدَيا، وتَفَرَّقَا من المكانِ الذي أَصابَهَا فيه.
وقال مالك في «المُوَطَّأ»: (إِنَّه بلغه) أنَّ عمرَ بنَ الخطاب، وعليّ بنَ أَبي طالب، وأَبا هريرةَ سُئِلوا عن رَجُلٍ أَصَابَ أَهْلَه وهو مُحْرِمٌ بالحَجِّ، فقالوا: يَنْفُذَان لوجههما حتى يَقْضِيَا حَجَّهُما. ثُم عليهِما حَجٌّ مِنْ قابل والهَدْيُ، إِلاَّ أَنَّ عَلِيّاً قال: فإِذا أَهَلاَّ بالحَجِّ مِن قابِل تَفَرَّقَا حتى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا. والدَّارَقُطْنِيّ أَسْنَدَه عن ابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن أَبي شيبةَ عن عليَ أَيضاً قال: على كُلِّ واحد منهما بَدَنَةٌ، فإِذا حَجَّا من قابل تَفَرَّقَا من المكان الذي أَصابها فيه.

(وقَضَى) بإِجماع (ولَمْ يَتَفَرَّقَا في القَضَاءِ) وهو مَرْويٌّ عن الحسن وعطاء إِلاَّ إِذا خَشِيَا المواقعةَ فَيُسْتحب أَنْ يتفرّقا في الإِحرام. والمُرَاد بالفُرْقة: أَنْ يَأْخذ كلٌّ منهما طريقاً غَيْرَ طريقِ الآخَرِ. وقال مالك: يجِب افتراقُهما في الإِحرام عن الموضع الذي وَطِئها فيه، وبه قال الشافعيُّ في القديم: وجوباً، وفي الجديد: اسْتِحْباباً، ومن حينِ الخُرُوجِ مِن مَوْضِع الإِقامة في قَوْل مالك لما رواه في «الموطأ» عن عليَ كَرَّمَ اللّهُ وجهه، ومن حين الإِحرام في قولٍ آخَر، وبه قال زُفَر، لأَن الافتراق نُسُكٌ بِقَوْلِ الصحابة، وأَداء النُّسُكِ بعد الإِحْرَام.
ولنا أَن الافتراق ليس بِنُسُكٍ في الأَداء، فلا يُؤمرُ به في القضاء. فإِنْ قيل: رُوِي عن عمر، وعليِّ، وابن عباس أَنَّهم قالوا: يفترقان، أُجيب: بأَن قولهم مَحْمولٌ على النَّدْب لما قَدَّمناه من الدليل.
(
وبَعْدَهُ) أَي بعد وقوف عرفةَ قَبْل الحَلْق (تَجِبُ بَدَنَةٌ) ولا يَفْسُد حَجُّهُ، سواءٌ جامع عامِداً أَو ناسياً. وفي «الوجيز»: وإِنَّما تجِبُ بَدَنةٌ إِذا جامع عامداً، أَما إِذا جامع ناسياً فعليه شاةٌ، كذا في «السراج». وقال الشافعي ـ وهو أَظْهَرُ القَوْلَيْن في مذهب مالك ـ: يَفْسُد إِذا جامع قبل الرَّمْي اعتباراً بما لو جامع قَبْلَ الوقوف، لأَن كُلاًّ منهما قبل التَّحَلُّل.

ولنا على عدم الفسادِ ما في «السُّنن الأَربعة» ـ وقال الترمذي: حسن صحيح ـ عن عُروةَ بن مُضَرِّس قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم «مْنْ شَهِد صلاتنا هذه ـ أَي صلاة الصبح بالمُزْدَلِفَة ـ ووَقَفَ معنا حتى نَدْفَع وقد وَقَفَ بِعَرفةَ قَبْلَ ذلك ليلاً أَو نَهاراً فَقَد تَمَّ حَجُّهُ، وقَضَى تَفَثُهُ». وفي روايةٍ: «مَنْ أَدْرَكَ معنا هذه الصلاةَ، وأَتَى عرفاتٍ قَبْلَ ذلك ليلاً أَو نهاراً فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وقَضَى تَفَثُهُ». وحقيقةُ التَّمَام غيرُ مُرَادةٍ لبقاءِ طواف الزيارة وهو ركنٌ، فيكونُ المرادُ بِهِ الأَمْنَ مِن الفسادِ. وعلى وجوبِ البَدَنَةِ ما رُوِي عن ابن عباس أَنَّهُ سُئِل عن رجلٍ وقع بأَهْلِهِ وهو بِمِنَى قبل أَنْ يفِيضَ، فأَمَرَه أَنْ يَنْحَرَ بَدَنَةً. رواه مالك في «الموطأ» عن أَبي زبير المكي، عن عطاء، عنه.
وأَسْنَدَهُ ابن أَبي شيبة (عن عطاء) قال: سُئِل ابن عباس عن رَجُلٍ قَضَى المَنَاسِكَ كُلَّها غيرَ أَنه لم يَزُر البيتَ حتى وقع على امرأَتِهِ، قال: عليه بَدَنَةٌ. ولو كان الواطِىءُ قارناً عليه بَدَنَةٌ لِحَجِّه، وشاةٌ لِعُمرَتِهِ، وليس عليه دَمُ القِرَانِ لفسادِ أَحَدِ النُّسُكَيْن. ولو جامع مرةً ثانيةً فعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ شاةٌ مع بَدَنَةٍ، لأَنه وقع في حرمةٍ مهتوكةٍ فصَادَفَ إِحْراماً نَاقِصاً فيجب الدَّمُ.

(وبَعْدَ الحَلْقِ) قبل الطواف (شَاةٌ) أَو سُبُعُ بَدَنَةٍ، لأَن الجناية خَفَّتْ لِوُجودِ الحِلِّ في حَقِّ غَيْرِ النِّساءِ. ولو جامع بعد طواف الزيارة وقبل الحلق فعليه شاةٌ، لوجودِ الجِماع في الإِحرام، كذا في «الهداية» وشروح القُدُورِي. وقيل: يجب بَدَنَةٌ، لإِطْلاَق ظاهر الرواية لزوم البَدَنة بالجِماع بعد الوقوف، مِنْ غير تَفْصِيلٍ بينَ كَونِهِ قبل الحلق أَو بعده. وفي مذهب الشافعي: لو كان ناسياً أَو مُكْرَهاً أَو نائمةً لا يفسد حِجُّهُ، ولا يَلْزَمُهُ شيءٌ. ويلزم عندنا دَمٌ بِقُبلةٍ، أَوْ لَمْسٍ بشهوةٍ وإِنْ لم يُنزل، على روايةِ «الأَصْل».
وفي «الجامع الصغير» يقول: إِذا مَسَّ بشهوةٍ فأَمْنَى. وللشافعيِّ قَوْلٌ إِذا اتصل به الإِنْزَالُ يَفْسُدُ الإِحْرامُ على قياسِ الصيام، فإِنه يَفْسُد بالتقبيلِ عنده إِذا اتصلَ به الإِنْزَالُ، ولكنَّا نقول: فسادُ الإِحرام حُكْمُه متعلّقٌ بالجماعِ فإِنَّه بارتكاب سائرِ المحظوراتِ لا يَفْسُد، وما تعلق بمعنى الجِماع مِن العقوبةِ لا يتعلقُ بالجِماع فيما دونَ الفَرْج كالحَدِّ. وللشافِعِيِّ قولٌ: أَنَّه لا يلزمه شيءٌ إِذا لم يُنْزِل، قياساً على الصوم، فإِنه لا يلزمُه شيءٌ إِذا لم يُنْزِل بالتقبيلِ فكذا في الحج. ولكنَّا نقولُ: الجِماعُ فيما دونَ الفَرْجِ مِنْ جملةِ الرَّفث فكان منهياً عنه بسبب الإِحرام، وبالإِقْدامِ عليه يصيرُ مُرْتَكِباً محظورَ إِحرامِهِ فيلزمُه الدَّمُ.
ولو طاف مكشوفَ العورةِ، أَو مَعْكُوساً بأَنْ يتوجه من عند الحجر الأَسود إِلى جهة الرُّكْن اليماني، أَو راكباً بلا عُذْرٍ يجب عليه دَمٌ، لأَنَّ كل واحد منهما واجب فيحصل النقص بتركه فيلزمه الدم. وجعلها الشافعيُّ شروطاً فأَلغاهُ بِدُونها، ولم يُوجِب بالطوافِ رَاكباً شَيئاً، لأَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم طافَ رَاكِباً، ولم يُنْقَل عُذْر.

ولنا أَنَّ فِعْلَ الدابةِ وإِنْ أُضِيف إِلى الراكِبِ مَعْنىً لكنَّه مُتَخَلِّفٌ عنه صورةً، فيتمكن النقصان فيه باعتبار فوات الصورةِ، فيُجْبرُ بالدَّمِ، وما رواه كانَ لِعُذْرٍ، ففي «صحيح مُسْلمٍ» عن جابر قال: طافَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في حَجَّةِ الوَدَاعِ على راحلتِهِ بالبيتِ يَسْتَلِمُ الحجرَ بِمحْجَنِهِ وبين الصفا والمروة لِيَراهُ الناسُ ويُشْرِفَ ويسأَلوه، فإِنَّ الناسَ غَشُوهُ. وفي «الصحيحين» عن أُمِّ سَلَمَةَ قالت: شَكَوْتُ إِلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أَني أَشتكي، فقال: «طوفي مِن وراءَ الناسِ وأَنْتِ رَاكِبةٌ». فموردُ النَّصِ فيه مُعَلَّلٌ بالمرض، وقَصْد السؤال. والله تعالى أَعلم بحقيقةِ الأَحوال.

(
وإِنْ قَتَلَ مُحْرِمٌ صَيْداً) أَي حيواناً مَأْكولاً أَو غَير مأْكولٍ ذا قوائم، فخرج به مِثْلُ الحيةِ والعَقْرَب، وسائر الهوام، متوحشاً في أَصْلِ الخِلْقة، فدخل الحمام المستأْنس، وخرج الإِبل المستوحش، وكان تَوالُدُه وتَعَيُّشُه في البَرِّ، فخرج به صيد البحر: وهو ما يكون توالُدُه ومثواه في الماء، لأَنَّ التوالدَ هو الأَصل، والكينونةُ بعد ذلك عَارضٌ فاعتبر الأَصل. فالبحريُّ حَلالٌ للحَلالِ والمُحْرِم، والبريُّ حَرَامٌ على المُحْرم إِلاَّ ما استثناه النبيُّ صلى الله عليه وسلم والأَصْل فيه قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُم صَيْدُ البَحْرِ وطعَامُهُ مَتَاعاً لكُم وللسيَّارةِ وحُرِّمَ عَلَيْكُم صيدُ البَرِّ ما دُمْتُم حُرُماً} أَي مُحْرِمين، والمباح والمملوك فيه سواء، لأَن الصَيْدَ عَامٌّ.

(أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ) بالإِشارة أَو غيرها في قَتْله عَمْداً أَو سَهْواً، لأَنه ضمانٌ، فأَشْبَه غَرَاماتِ الأَمْوالِ من حيثُ أَنَّ الضمان يَدُور مع الإِتلافِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بالعمد، والتَّقْييد في الآية به لأَنَّ مَوْرِدَها في المتعمَّد، أَو للتَّنْبِيه على أَنَّ الخاطىءَ بالأَولى، كذا قيل، وبُعْدُه لا يخفى، أَو لأَجْل وعيدٍ لِيَذُوقَ وبَالَ أَمْرِهِ، والنَّاسي لا يستحق الوعيدَ. قال الزُّهْرِي: وَرَد الكتابُ بالعَمْد، ووردَتِ السُّنَّةُ بالخطأ، فيستوي في ذلك العامِدُ والناسي لإِحرامه، وكذا الخاطىء.
(
قاتِلَهُ) المُحْرِم أَو الحَلاَل بشروط منها: أَنْ لا يكون القاتلُ عالِماً بمكانِ الصيْدِ، لأَنه إِذا كان عالماً به يكون قتله بعِلْمِهِ لا بالدلالةِ، وعلى هذا لو أَعارَ المُحْرِمُ قَوْساً لِرَمْي صَيْدٍ، فَعَليهِ جزاءٌ إِنْ لم يَكُن مع المُسْتَعِيرِ قَوْسٌ، وإِنْ كان فلا شيءَ عليه. ومنها: أَنْ يُصَدِّقَه في الدلالة، حتى لو كَذَّبه ولم يتبع الصيدَ حتى دَلَّهُ عليه آخرُ فَصَدَّقَهُ وقتله، فالجزاءُ على الدَّالِّ الثاني، ولو لم يُصدِّقِ الأَول ولم يُكَذِّبه بأَنْ (أَخبره) فلم يَرَهُ حتى دَلَّه آخَرُ فطلبه وقتله، كان على كُلَ منهما جزاء كما على القاتل. ومنها: أَنْ يَبْقَى الدَّالُّ مُحْرِماً إِلى قَتْلِ الصيدِ، فإِنْ دَلَّ ثُمَّ حَلَّ فقتله المدلول، فلا جزاءَ عليه لكنه أَثِم.
(
يَجِبُ جَزَاؤهُ: أَي ما قَوَّمَهُ عَدْلانِ في مَقْتَلِهِ) أَي مكان قَتْله إِنْ كان له فيه قيمةٌ، بأَنْ كان يُباعُ ويُشْتَرى في ذلك الموضع (أَوْ (في) أَقْرَبِ مكانٍ مِنْه) إِنْ لم يكنْ له في مكانِ قَتْله قيمةٌ، وذلك لأَن القيمة تختلف باختلافِ الأَماكن فيعتبر مكان قتله أَو ما قَرُبَ منه.

أَمَّا وجوب الجزاء بالقتل فمجمعٌ عليه، وقد قال تعالى: {يا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأَنْتُم حُرُمٌ ومَنْ قَتَلَهُ مِنْكُم مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ به ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُم هَدْياً بَالِغَ الكَعْبَةِ أَو كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذلك صِياماً لِيَذُوقَ وبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ومَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللّهُ مِنْه واللّهُ عَزِيزٌ ذو انْتِقَامٍ}. وأَمَّا وجوبُه بالدلالة فقال الطحاوي: ولَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِن الصحابةِ خلافُ ذلك.
(
فَيَشْتَرِي) أَي القاتل (بِهِ) أَي بِمَا قَوَّمَه عَدْلانِ إِنْ بَلَغَتْ (هَدْياً) مُجزياً في الأُضْحِيةِ من جَذَعِ الضأْن أَو ثَنِيِّ المَعْزِ، وهذا شرطٌ عند أَبي حنيفةَ حتى لو لم يبلغ قيمةُ الصيدِ إِلاَّ قيمةَ حَمَلٍ أَو عَنَاقٍ يتصدَّقُ بها، ولا يُذْبَح بطريق الهَدْي عنده، لأَن مطلق الهَدْي يَنْصرفُ إِليه، كما في هدي المتعةِ والقِران، فإِنَّه ينصرفُ إِلى ما يجزىء في الأُضحيةِ. ولم يشترط محمدٌ ما يُجزىء فيها لِعُمومِ قوله تعالى: {مِنَ النَّعَمِ} فإِنَّه صادقٌ على الكبير والصغير، ولأَنَّ الصحابةَ أَوجبوا عَنَاقاً وجَفْرَةً. والعَنَاق: الأُنثى مِن أَولادِ المَعْزِ، والجدي: الذكَر، وهما دون الجَذَع. والجَفْر: ما يبلغُ أَربعةَ أَشْهُر، والجَفْرَة: أُنْثى. وَرُوي عن أَبي يوسف الاشتراطُ وعَدَمُه.

(يُذْبَحُ بِمَكَّةَ) أَي في أَرْضِ الحَرَم. ويخرج عن العُهْدةِ بمجرد ذبحه (فيها، حتى) لو أُتْلف، (أَو تُصُرِّف فيه)، أَو سُرِق بعد الذَّبْح لا يجبُ عليه شيء، فلا يلزم أَنْ يتصدَّقَ بقيمةِ لَحْمِهِ عندنا، ولو بعد التَّمَكُّنِ من التصدّقِ به لسقوط التصدق بِفَوَاتِ محله. وأَوجبه مالك والشافعيُّ لتقصيرهِ، وكذا حُكْم دم الجَبْر. وهذا الخلاف كالخلاف في هلاك المال بعد التمكن من أَداء الزكاة، يَسْقُط عندنا خلافاً لهما.
ولو ذَبَح في غيرِ أَرْضِ الحَرَم لا يَخْرجُ عن العُهْدَةِ إِلاَّ إِذا تصدَّق على كل مسكينٍ من اللحم بما يساوي قيمةَ نصفِ صاعٍ مِن بُرَ، وكان فيه وفاء بِمَا قوَّمه عدلان، وإِنْ لَمْ يَفِ يُوَفَّى. وإِنما لا يجوزُ ذَبْحه إِلاَّ في الحَرَمِ لقوله تعالى: {هَدْياً بَالِغَ الكَعْبَةِ}، فلو ذبح شيئاً مِن الدماءِ الواجبةِ في الحَجِّ والعُمْرة خَارِجَ الحَرَمِ لم يسقط عنه وعليه ذَبْحٌ آخَرُ في الحَرَم، وذلك لقوله تعالى: {ولا تَحْلِقُوا رؤسَكُم حَتَى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ}. ويجوزُ أَنْ يتصدقَ بِلَحمِ الهَدْي على مِسْكِينٍ واحدٍ، أَو مَسَاكِينَ، ومساكينُ الحرم أَفْضَل.

(
أَوْ طَعَاماً يَتَصَدَّقُ) به في أَيِّ موضع شاء، لأَن الصدقة قُرْبةٌ غَيْرُ مؤقتةٍ بالمكان (كالفِطْرَةِ) بأَن يُعطِي كلَّ مسكين نصفَ صاع مِن بُرَ أَو صاعاً مِن تَمْرٍ أَو شعيرٍ، لا أَقَلَّ مِن ذلك ولا أَزْيَد. وفي «السراج»: يجوز أنْ يتصدَّقَ بالكُلِّ على مسكينٍ واحدٍ. وفي «اللباب»: ولا يجوزُ أَنْ يُطْعِم لمسكينٍ واحد أَقَلَّ مِن نِصْفِ صاعٍ إِلاَّ أَنْ يَفْصُلَ، أَو يكون الواجب أَقلَّ منه، فيعطيه مسكيناً واحداً.

(أَوْ صَامَ) في أَيِّ موضع شاء (عَنْ) طعام (كُلِّ مِسْكينٍ يَوْماً) بأَنْ يُقَوَّمَ المَقْتُولُ طعاماً ثُم يصوم مكانَ طعامِ كُلِّ مسكينٍ يوماً، فالقاتِلُ بالخيارِ ـ ولو مُوسَراً ـ بين الهَدْي والإِطعام والصيام.
وإِنْ لم يبلغ الهدي فهو بالخِيار بين الطَعام والصيام (ومَا فَضَلَ عَنْه) أَي عنْ طعامِ مِسْكين بأَنْ بقي أَقل مِن نِصْفِ صاعٍ مِنْ بُرَ، أَو كَانَتْ قيمةُ المقتول أَقل من ذلك، بأَنْ قَتَلَ عُصْفُوراً (تَصَدَّقَ بِهِ) على مِسْكِينٍ وَاحِدٍ (أَو صَامَ يَوْماً) كاملاً لأَن صوم بعض اليوم غير مشروع.
ثُم اعْلَم أَنَّ كَوْنَ القتل الخطأ كالعَمْد قولُ عمرَ، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أَبي وَقَّاص، وبه أَخذ علماؤنا. وقال ابن عباس: ليس على المُحْرم في قتلِ خطأٍ جزاءٌ لظاهِرِ الآيةِ، وتقدَّم الجوابُ عنه.
ثُمَّ كونُ العائِدِ كالمُبْتَدِىء قولُ عطاء، وإِبراهيم، وسعيد بن جُبَيْر، والحسن، وبه قُلْنا، وعليه عامَّةُ العلماءِ. وعن ابن عباس وشُرَيْح أَنه لا يَجِبُ الجزاءُ على العائِد، وهو قول داود، ولكن يقال له: اذهب فينتقم اللّهُ مِنْك، لِظاهر قوله تعالى: {ومَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ}. ولنا أَنَّ ضَمَانَ الإِتلاف لا يختلفُ بالابتداءِ والعودِ إِليه، بل جنايةُ العائِد أَظْهَرُ، والمرادُ بالآية ومَنْ عاد (من) بعد العلم بالحُرْمَةِ كما في آيةِ الرِّبا: {فَمَنْ عَادَ فأُولئكَ أَصْحَابُ النَّارِ} أَي ومَنْ عاد (إِلى المباشرة بعد) العلم بالحرمة، لا أَنْ يكون المراد به العودَ إِلى القَتْلِ بعد القَتْل.

ثم لزوم الجزاء بالدلالة استحسانٌ عندنا، وفي القياس لا جزاء، وبه أَخَذ مالك والشافعيُّ، لأَنَّ الجزاءَ واجبٌ بِقَتْلِ الصَّيْدِ بالنَّصِّ. قال اللّهُ تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُم مُتَعَمِّداً} الآيةَ، والدلالة ليست في معنى القَتْل، ولهذا يجِبُ جزاءُ صَيْدِ الحَرَم على القاتِل الحلال، ولا يجِبُ على الدَّال (إِذا كانَ حَلالاً بالاتفاق، ولأَن حرمةَ الصيد في حقِّ المُحْرِم ليس بأَقوى مِن حرمةِ مالِ المُسْلِم ونَفْسِهِ)، ولا يضمن الدَّالُّ على مَالِ المُسْلم ولا على نَفْسِهِ شيئاً بسبب الدلالةِ، فكذلك ههنا، إِلاَّ أَنَّا تَرَكْنا القِياسَ باتفاق الصحابة، فإِنَّ رجلاً سأَل عمرَ فقال: إِني أَشَرْتُ إِلى ظَبْيٍ وأَنَا مُحْرِمٌ فَقَتَلَهُ صاحبي، فقال عمرُ لعبدِ الرحمن: ماذا ترى (عليه) ؟ فقال: أَرَى عليه شاةً، فقال عمرُ: وأَنَا أَرَى عليه ذلك. وإِنَّ عَلِيَّاً وابن عباس سُئِلا عن مُحْرِمٍ دَلَّ على بَيْضِ نَعَامَةٍ فأَخَذَهُ المَدْلُولُ عليه فَشَواهُ، فقالا: على الدَّالِّ جَزَاؤه. وكذلك رُوِي عن عثمانَ.

والقياسُ يُتْرَكُ بِقَوْلِ الفقهاءِ من الصحابةِ، وما نُقِل منهم في هذا كالمَنْقُول عَنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إِذْ لا يُظَنُّ بهم أَنَّهم قالوه جُزَافاً، والقِيَاسُ لا يشهدُ لِقَوْلِهِم حتى نقولَ قالوا ذلك قِياساً، فلم يَبْق إِلاَّ السَّمَاعُ، ثُمَّ ثبتَ باتفاقهم أَنَّ الدلالة على الصيدِ مِن مَحْظُوراتِ الإِحرام، وذلك ثابتٌ بالنَّصِّ عَنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حيثُ قال لأَصحاب أَبي قَتَادَةَ في صيدٍ أَخذه أَبو قَتَادة وكانوا مُحْرِمين: «هل مِنْكم أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عليه، أَو أَشارَ إِليه؟» قالوا: لا، قال: «فَكُلُوا ما بَقِيَ». فَجَعَلَ الإِشارةَ كالإِعانة، فَعَرَفْنَا عنه أَنَّه مِن محظوراتِ الإِحرَامِ وذلك يُوجِب الجزاء، وبه فارق صيدُ الحَرَمِ الدلالةَ على مالِ المُسْلم ونَفْسِه.
ثُمَّ الخِيَارُ للقاتل عندنا على ما قَدَّمنا ككفارةِ اليمينِ والفِدْية لِعُذْرٍ. وجعله محمدٌ لِلعَدْلَين كمالك والشافعي لقوله تعالى: {يَحْكُمُ به ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُم} الآية، وأَوجبوا إِنْ حَكَما بالهَدْي نظيرَ صَيدٍ مِن الحيوان الأَهْلي صورةً، كالشاةِ فجعلوها نظيراً للظَّبْي والضَّبُع، والعَنَاقِ نَظِيراً للأَرْنَبِ، والجَفْرَةِ نظيراً لليَرْبُوع، والجَمَل نظيراً للنَّعَامَةِ، والبَقَرة نظيراً لِحِمَارِ الوَحْش وبقرهِ أَيضاً، وإِنْ لم يَحْكُمَا بالهَدْيِ وحَكَما بالطعامِ أَو الصِّيامِ، أَو لم يكن له نَظِيرٌ مِن الأَهلي، فكما أَطلقَ أَبو حنيفةَ وأَبو يُوسف مِن لزوم قيمته.
والحاصل أَنْ يُقَوَّم الصيدُ بالنظيرِ فيما له نَظِيرٌ، وأَمَّا ما ليس له نَظِيرٌ كَعُصْفُورٍ وحَمَامٍ فعليه قِيمَتُه إِجْماعاً، لأَنه تعالى أَوْجَبَ المِثلَ بِقَيدِ كونِهِ مِنَ النَّعَم. وحقيقةُ المِثْلِ المُمَاثِلُ صورةً ومعنىً، والنظير كذلك، فلا يُعْدل عنه إِلاَّ عِنْدَ عدمه.

ولأَبي حنيفةَ وأَبي يوسف لو اعْتُبر المِثْلُ من حيثُ الصورةُ لما احتِيجَ إِلى العدلين، لأَنه لا يَخْفَى على أَحَدٍ، ولَمَا احْتِيجَ إِلى تَحْكِيمٍ جَدِيدٍ في كُلِّ مَقْتُولٍ، ولكن يُؤَيِّدُهُم أَنَّ الصحابةَ أَوْجَبَتْ المِثْلَ مِن حيثُ الصورةُ، ففي «الموطأ»: أَخْبَرنا أَبو الزبير عن جابر: أَنَّ عمرَ قَضَى في الضَّبُعِ بِكَبْشٍ، وفي الغَزَال بِعَنْزةٍ، وفي الأَرنب بِعَناقٍ، وفي اليَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ. وروى الشافعي حديثاً: أَنَّ عمرَ، وعثمانَ، وعَلِيَّاً، وزيدَ بنَ ثابت، وابن عباس، ومعاوية قالوا: في النَّعَامةِ يَقْتُلُهَا المُحْرِمُ بَدَنَةٌ من الإِبل. وفيه ضَعْفٌ، ولكن أَخرجه البيهقي عن ابن عباس قال: في حَمَامَةِ الحَرَمِ شَاةٌ، وفي البيضتين: درهم، وفي النَّعَامَةِ: جَزُور، وفي البقرة: بقرة، وفي الحِمَار: بقرة.

وفي «سُنن أَبي داود» عن جابر بن عبد الله قال: سأَلتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الضَّبُعِ، أَصَيْدٌ هي؟ قال: «نعم، يُجْعَلُ فيه كَبْشٌ».

والحاصل أَنَّهُم يَنْظرونَ إِلى النَّظِير إِنْ كان الصيدُ مِمَّا له نَظِيرٌ من حيثُ الخِلْقَةُ، سواءٌ كانت قيمةُ نَظِيرهِ مِثْلَ قيمتِهِ أَو أَقل، أَو أَكثر، ولا ينظرون إِلى القيمة. وعندهما لا يَجوزُ النظير إِلاَّ أَنْ تكونَ قيمتُهُ مساويةً لقيمة المقتول، وحَمَلا ما ورد عن الصحابةِ على مثل هذا. وقالا: إِيجاب الصحابة لهذه النظائرِ لا باعتبارِ أَعْيَانِها بل باعتبار القيمة، إِلاَّ أَنَّهم كانوا أَربابَ المواشي فكان ذلك أَيْسرَ عليهم من النقود. وهو نَظِيرُ ما قال عليٌّ كرَّمَ اللّهُ وجهه: في ولد المَغْرُورِ يُفَكّ الغلام بالغلام، والجارية بالجاريةِ». والمرادُ القيمةُ. ثُم الجزاءُ واجِبٌ على التخيير المذكور لأَن حقيقة «أَو» في الآيةِ لأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ بلا ترتيب، فلا يُعْدَل عنه. وحَمَلها زُفَرُ على الترتيبِ، فأَوْجَبَ الهَدْيَ أَوَّلاً، ثُم الإِطعام، ثُم الصِّيام، لأَنَّ الترتيب هو الملائم لحال الجاني إِذْ في التخيير نوعُ تخفيفٍ وهو لا يَسْتَحِقُّ، وكلمة «أَو» لا تَنْفي الترتيب كما في آية قُطَّاع الطريق. والله ولي التوفيق.

(وإِنْ نَقَصَهُ) أَي إِنْ نَقَصَ المُحْرِمُ الصيدَ، بِأَنْ جَرَحَهُ أَوْ قَطَعَ عُضْوَه، أَوْ جَذَّ شَعْره، أَوْ نَتَفَ رِيشَه، ولو لَمْ يُخْرِجْه عن حَيِّزِ الامتناع (يَجِبُ) مِن قيمته (ما نَقَصَ مِنْه) اعتباراً للجُزءِ بالكُلِّ كما في حقوق العباد، وهذا إِذا بَرَأَ الصيدُ وبَقِيَ فيه أَثَرُ الجِنايةِ. وأَمَّا إِذا لم يَبْقَ فيه أَثَرُهَا، فلا ضمانَ عليه لِزَوَالِ المُوجِب. وقال أَبو يوسف: يلزمه الصدقة للأَلم، ولو ماتَ الصَّيْدُ بعدما جَرَحه ضَمِن كُلَّه، لأَن جُرْحه سَببٌ ظَاهِرٌ لِموتِهِ، (فيُحَالُ) به عليه، ولو غاب الصَّيْدُ ولم يُعلم بهِ مَوْتُه أَو بُرْؤُه، ضَمِنَ نُقْصانَه فقط في القياس، لأَن ضمانَ جَمِيعِه مَشْكُوكٌ فيه. وفي الاستحسان يَلْزَمُه جميعُ القيمةِ احتياطاً، كَمَنْ أَخْرَجَ صَيْداً مِن الحَرَمِ ثُمَّ أَرْسله ولا يَعْلَمُ أَدخل الحَرَم أَو لا، يَجِب قِيمَتُه.
(
وإِنْ أَخْرَجَهُ عَنْ حَيِّزِ الامْتِنَاعِ) بأَن نَتَفَ ريشَه كُلَّه أَو قَطع قَوائمه (أَو كَسَرَ البَيْضَ فَقِيمتُهُ) كاملةً تَجِب عليه. أَما إِذا أَخْرجه عن حَيِّز الامتناع وهو بالطيران، أَو بالعدو، أَو بِدُخُول الجُحْر، فلأَنه فَوَّتَ عليه الأَمْنَ بِتَفْويتِ آلةِ الامتناع، فيغرم جزاءه. وأَمَّا إِذا كَسَر بَيْضَه، فلأَنه أَصْلُ الصيد، فيأْخذ حُكْمَه، فعليه قيمةُ البيض لا قيمةُ مَآلِ البيض وهو الصيد، وهو مَرْوِيٌّ عن عليَ وابن عباس. وقد رَوى عبد الرزاق في «مُصَنَّفهِ» عن سفيانَ الثَّوْري، عن عبد الكريم الجَزَري، عن ابن عباس أَنه قال: في بَيْضِ النَّعَامِ يُصِيبُهُ المُحْرِم ثَمَنُه.

ولو كَسَرَ بَيْضَةً، فخرجَ منها فَرْخٌ ميتٌ يجِب قيمةُ الفَرْخِ الحيّ، لأَن الظاهر أَنه ماتَ بسببِ كَسْر البيضةِ، ولا شيءَ عليه في البيض. وقيل: إِنما ضمنه إِذا عَلِم أَنَّه كان حيَّاً، وماتَ بسببِ الكَسْر، وأَمَّا إِنْ عَلِمَ أَنَّه كان ميتاً، فلا شيء عليه، وإِنْ لم يعلم فالقياسُ أَنْ لا يَجِب الجزاء، لأَنه لم يَعْلم حياةَ الفَرْخ قبل الكسر. وفي الاستحسان يجبُ، لأَن البيضَ مُعَدٌّ ليخرجَ منه فَرْخٌ حيٌّ، والتمسك بالأَصْل واجِبٌ حتى يظهرَ خِلاَفُه.
(
وكَذَا إِنْ ذَبَحَ الحَلاَلُ صَيْدَ الحَرَمِ) لزمه قيمتُه ويَهْدِي بها، أَو يطعم، ولا يُجزئه الصوم. وقال زُفَر: يجزئه. (أَوْ حَلَبَهُ) لأَن لَبَنَ الصيدِ جزؤُهُ، فأَخذ حُكْمَ كُلِّه. ولو فَعَل المُحْرمُ ذلك لَزِمَهُ في القياس قيمتان، لوجود الجناية على الإِحرام وعلى الحَرَم، وهو المذهب، وبه قال مالك. وفي الاستحسان قيمةٌ واحدةٌ، لأَن حرمةَ الإِحرام أَقْوى مِنْ حُرْمةِ الحَرَمِ لِحُصُولها في الأَماكِنِ كُلِّها، واعتبارُ الأَقْوى متعينٌ، فَتَدْخُلُ الجِنَايَةُ على الحَرَم في الجناية على الإِحرام، وبه قال الشافعيّ.
والحاصل أَنَّ صَيْدَ الحرم حرام على المُحْرم والحلالِ إِلاَّ ما استثناهُ الشارِعُ. فلو قَتَل مُحْرِمٌ صيداً، فعليه جزاءٌ واحدٌ، وليس عليه لأَجْلِ الحَرَمِ شَيْءٌ للتَّدَاخُلِ، كما لو قَتَله حَلالٌ فعليه جزاءٌ واحِدٌ لأَجْلِ الحَرَمِ، ثُمَّ يَتَعَيَّنُ قيمةُ صيدِ الحرم عندنا فيتصدَّق بها، ولا يجوز الصوم عنه، وأَجازه زُفَرُ كمالك والشافعيّ.

(أَوْ قَطَعَ) حَلاَلٌ أَو مُحْرِمٌ (حَشِيشَهُ) أَي حشيش الحَرَم (أَوْ شَجَرَهُ) لأَنه أَزال عنه الأَمْنَ الذي كان يستحقُّه، بسببِ كونهِ منسوباً إِلى الحَرَمِ على الكمال. وذلك بأَنْ نَبَتَ بنفْسِه ولا يكون من جنس ما يُنْبِتُه الناسُ، فلو أَنْبَتهُ الناس سواء كان مِن جِنْس ما أَنْبَتُوه أَوْ لا، (يحلُّ قطعه، لأنه منسوب إلى مالك، وكذا لو) نبت بنفسه، وهو مما ينبته الناس بأَنْ نبتَ بَذْرٌ وقع فيهِ منهم فلا شيء فيه.
(
إِلاَّ مَمْلُوكاً) للقاطع، قيدنا به لأَنَّه لو (قَطَعَهُ) غيرُ مالكه لزِمه قيمتان: قيمةٌ بحَقِّ الشارِعِ، وقِيمةٌ بِحَقِّ المالك. ولهذا قالوا: لو نَبَت في مِلك رَجُلٍ أُمُّ غَيْلاَن فقطعها إِنْسَانٌ عليه قيمتها لِمَالِكِهِ، وعليه قيمتها لِحَقِّ الشَّرْع، بمنزلةِ ما لو قتل صيداً مملوكاً في الحرم. (أَوْ مُنْبَتاً) ـ بضم الميم وفتح الموحدة ـ سواء كان ما يُنْبِتُه النَّاسُ أَو مِمَّا يَنْبُتُ بنفسه، لأَنَّ نحوه غيرُ مضافٍ إِلى الحَرَمِ بل إِلى المَنْبت (أَو جَافَّاً) ـ بتشديد الفاء ـ أَي يابساً، لأَنه ليس بنامٍ فكان حَطَباً.

(
ولا يُرْعَى الحَشِيشُ) أَي حشيش الحَرَم، وجَوَّزَ أَبو يوسف كمالك والشافعيِّ رَعْيَه لِدَفْع الحَرَج عن الزائرين والمقيمين.
(
ولا يَقْطَع شيئاً منه إِلاَّ الإِذْخِرَ

ـ بالذال والخاء المعجمتين ـ نبتٌ معروفٌ. روى أَصحابُ الكتبِ الستةِ من حديث أَبي هريرةَ قال: «لما فَتَحَ اللّهُ على رسولِهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ، قام فَحَمِدَ اللّهَ وأَثْنَى عليه، ثُم قال: إِنَّ اللَّهَ حَبَس عن مَكَّةَ الفِيل ـ بالفاء، وفي روايةٍ: القتل (أَو الفيل، على الشَّك) ـ وسَلَّطَ عليها رسولَه والمؤمنين، وإِنَّما أُحِلَّتْ لي ساعةً مِنْ نَهار، ثُم هي حَرامٌ إِلى يوم القيامة، لا يُعْضَدُ شجرُها ـ أَي لا يُقْطع ـ ولا يُنفَّر صيدها، ولا يُخْتَلَى خَلاَها، ولا تحل ساقطتها إِلا لمنشد ـ أَي مُعَرِّف ـ فقال العباس: إِلا الإِذْخِرَ، فإِنه لِقُبُورِنا وبيوتنا، فقال صلى الله عليه وسلم إِلاَّ الإِذْخِر» . وفي روايةٍ للبُخَارِيّ: «إِلاَّ الإِذْخِر إِلاَّ الإِذْخِر». مكرراً.
والخلا ـ بالقصر ـ الحشيش الرطب، واختلاؤُه: قَطْعُه. وقوله: «لا تحلّ ساقطتها: أَي ما سقط فيها بغفلة المالك، وهي اللُّقَطَة فقيل: ليس لواجد لقطة مكةَ غير التعريف، ولا يملكها أَبداً، ولا يتصدّقُ بها إِلاَّ أَنْ يظفر بصاحبها بخلاف لقطة سائر البقاع، وهو أَظْهر قولي الشافعي. والأَكْثَرُون على أَنَّه لا فَرْقَ بين لقطة الحرَمِ والحِلِّ. وقالوا معنى: «إِلاَّ لِمُنْشد» أَنه يُعَرِّفُها كما في سائر البقاع حَوْلاً كَامِلاً، حتى لا يتوهم (أَنَّه) إِذا نَادَى عليها وقتَ الموسم، فلم يظْفَرْ بِمَالِكِها، جاز تمَلُّكُها. وقوله: «لِقُبُورِنَا وبُيُوتِنَا» لأَنَّه يُسَدُّ به فُرَجَ اللَّحْد المتخلِّل بين اللَّبِنَات، ويُسقف به البيت فوق الخشب.

فإِنْ قلت: ليس في كلام العباس ما استثني إِلاَّ الإِذْخر منه، فما المستثنى البيت منه؟ قلت: مثله ليس مُسْتَثنىً، بل هو تَلْقِينٌ بالاستثناءِ، كأَنه قال: قل يا رسول الله: لا يُخْتَلَى خَلاها إِلاَّ الإِذْخِر. والواقع في لفظه صلى الله عليه وسلم ظاهرٌ أَنَّه اسْتِثْنَاءٌ مِن كلامهِ السابِقِ، كذا أَفادَهُ الكِرْمَاني في «شَرْح البُخَاري». ورُوِي أَنَّ ابن عمر قَطَعَ دَوْحَةً كانت في موضع الطواف تؤذي الطائفين وتَصَدَّقَ بقيمتها.
والحاصل أَنَّ كلَّ شجر أَنْبَتَه الناسُ وهو مِن جنسِ ما يُنْبِتُونه كالزرع، وما أَنْبَتَهُ النَّاسُ وليس مما يُنبتونه عادةً كالأَرَاك، وما نَبَتَ بِنَفْسه وهو مِن جنس ما ينبتونه، فهذا يَحِلُّ قَطْعُه ولا جزاء فيه، لأَنَّ الناسَ يَزْرَعُونَ ويحصدون في الحرم مِن لَدُن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إِلى يومنا هذا مِن غَيْر نكيرِ مُنْكِر، ولا زَجْر زَاجِرٍ. وكل ما نَبَتَ بِنَفْسِهِ وهو من جِنْس ما لا يُنْبِتُونه كأُم غَيْلاَن، فهذا محظورُ القَطْعِ على المُحْرِم والحَلاَل، مملوكاً أَو غَيْرَ مَمْلُوكٍ، إِلاَّ اليابِسَ، والإِذْخِرَ، وذلك لأَنَّ حُرْمَةَ أَشْجَار الحَرَمِ كَحُرْمَةِ صَيْدِه، فإِنَّ صيده يأْوي إِلى أَشجاره ويستظلُّ بظلها، ويتخذ أَوْكاراً على أَغْصَانِها.

فكما تجب القيمة في صيد الحَرَم على مَنْ أَتْلَفه، فكذلك تجب(القيمة) على مَنْ قطعه. ويجوزُ للمُحْرم أَنْ يقطعَ شجرَ الحِلِّ وحشيشَهُ، رطباً ويابساً. ثُم مُجْمَلُ ما احتجّ به أَبو حنيفةَ ومحمد على تحريمِ رَعْي حشيش الحَرَمِ قولهُ صلى الله عليه وسلم «لا يُخْتَلَى خَلاَها ». وفي رَعْي الدوابِ ارتكابُ المنهيِّ عنه، لأَن مشافر الدواب كالمناجل.

ولهم أَنَّ الذين يدخلون الحَرَمَ للحج والعُمرة يكونون على الدواب لا يمكنُهُم مَنْعها مِن رَعْيها، إِذ في ذلك مِنَ الحرجِ ما لا يَخْفَى، حتى قال ابن أَبي ليلى: لا بأْس بأَنْ يحتشَّ ويَرْعى لأَجل الضرورة والبلوى، فإِنه يَشُقُّ على الناس حَمْلُ العلفِ للدوابِّ من خارج الحَرَم.
ولقائلٍ أَنْ يقول: احتياجُ أَهْلِ مكَّةَ إِلى حشيش الحرم لدوابِّهم فوق احتياجهم الإِذْخِر لعدم انفكاكها عنهم، وأَمْرُهم بِرَعْيها خارجَ الحَرَمِ في غايةِ المشقة، إِذ أَقْرَبُ حِلِّ الحرمِ جهةُ التَّنْعِيم، وهي نحو أَربعة أَميال، والجهات الأُخَر: سبعةً وثمانية وعشرة، كما فصلناها عند ذكر المواقيت. ولو حَرُمَ رَعْيُه لخرج بها الرِّعاء كل يوم مانِعِينَ لها إِلى إِحدى الجهات في زمن، ثُم عادوا في مثله، وقد لا يبقى من النهار وقتٌ تَرْعَى فيه الدوابُّ إِلى أَنْ تشبع، على أَنَّ أَصْلَ جَعْلِ الحرَم إِنَّما كان لِيأْمنَ أَهلُه على أَنفسِهم وأَموالِهم، فلو لم يَجُز لهم رَعْيُ حشيشه لَتُخُطِّفُوا كغيرهم، قال اللّهُ تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً يُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِم}، ذكره في مَعْرِض الامتنانِ عليهم، حيث كانت العرب حول مكةَ يغزو بعضهم بعضاً ويتغارُّون ويتناهبون، وأَهلُ مكةَ قارون آمِنون فيها لا يُغزَوْن ولا يغار عليهم مع قِلَّتِهم.

بل وفي قوله صلى الله عليه وسلم «لا يُخْتَلَى خَلاهَا، ولا يُعْضَدُ شَوْكُها»، وسكوتِه عن نفي الرَّعْي إِشارةٌ إِلى جوازه، إِذ معنى لا يُعْضَدُ ولا يُخْتَلى: لا يقطع، ولو كان الرَّعْيُ مثلَه لَبَيَّنَه، ولا مساواةَ بينهما لِيُلْحَقَ به دلالةً، إِذِ القطعُ فِعْلُ مَنْ يفعل، والرَّعْي فِعْلُ العَجْماءِ وهو جُبَارٌ وعليه عَمَلُ الناس. وليس في النَّصِّ دلالةٌ على نَفْي الرَّعْي لِيلزَم من اعتبار البلوى مَعَارَضَتُه بخلافِ الاحتِشَاشِ الذي قال به ابن أَبي لَيْلَى. هذا، ويجوزُ أَخْذُ كَمْأَةِ الحَرَمِ، لأَنها ليست مِن نبات الأَرض، بل هي مُودَعَةٌ فيها. وكذلك لا بأْس بإخراج حجارةِ الحَرَمِ عندنا، وقد نُقِل عن ابن عباس وابن عمر أَنَّهُما كَرِهَا ذلك، وبه قال الشافعي. قال شمس الأَئمةِ السَّرَخْسِي: ولسنا نأْخذ بهذه العادة الجارية الظاهرة فيما بين الناس بإِخراج القذور ونحوها مِن الحَرَم.

(
وبِقَتْلِ قَمْلَةٍ) أَي مِنْ بَدَنِهِ، فإِنه لو قَتَل قَمْلَةً مِنَ الأَرض أَو مِن غيرِه، لا شيء عليه، وكذا لو قتل محرِمٌ قَمْلَ غيرِه لا شيء عليه. ولو قال مُحْرِمٌ لِحَلالٍ: ارْفَع عني هذه القَمْلَة، أَو أَمَرَهُ بِقَتْلِها، أَو أَشار إِليها فقتلها، فعلى الآمِر الجزاءُ، والدلالةُ فيها موجِبةٌ كما في الصيد.

(أَوْ) قَتْل (جَرَادَةٍ صَدَقَةٌ وإِنْ قَلَّتْ) كَكَفَ من الطعامِ وكسرةٍ من خبزٍ. أَما القَمْلة فلأَنها متولدةٌ من بدنِهِ، فيكون قَتْلُهَا مِن قضاءِ التَّفَثِ، وفي إِزالتها ارتفاقٌ، والقَمْلتانِ والثلاثُ كالواحِدِ. ولو قتل قَمْلاً كثيراً وهو ما زاد على الثلاثِ ـ بالِغاً ما بَلَغ ـ أَطْعَم نِصْفَ صاعٍ مِنْ بُرَ. وإِلْقاؤها على الأَرض كَقَتْلِها. ولو وضَع ثوبَه في الشمس ليقتلَ قَمْلَةً فماتت فعليه الجزاءُ. ولو وضَع ثوبَه في الشمسِ ولم يَقْصد قَتْلَ القَمْلِ لا شيءَ عليه، كما لو غَسَلَ ثوبَه فماتَ القَمْلُ.
وأَمَّا الجرادةُ فلأَنها مِن صَيْد البَرِّ، لما روى مالك في «المُوَطَّأ» من حديث يَحْيَى ابن سعيد: أَنَّ رجلاً سأَلَ عمرَ عن جرادة قتَلها وهو مُحْرِمٌ، فقال عمرُ لكَعْب: تَعَال حتى تَحْكُمَ، فقال كعب: دِرْهَمٌ، فقال عُمَر: إِنَّكَ لَتَجِدُ الدَّرَاهِم، لَتَمْرَةٌ خَيْرٌ مِن جرادةٍ. وعليه كثيرٌ مِن العلماء، لكنْ يُشْكِل عليه ما ورد في «سُنن أَبي داود والترمذي» عن أَبي هريرةَ قال: خَرَجْنا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في حَجَّةٍ أَوْ عُمرةٍ فاسْتَقْبلنا رِجْلٌ مِن جَرَادٍ ـ بكسر الراء، أَي قطعة عظيمةٍ منه ـ فجعلنا نَضْرِبُه بِسِيَاطِنَا وقَسِّيِّنا، فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم «كُلُوه، فإِنه مِن صَيْدِ البَحْرِ».
وعلى هذا لا يكون فيه شيءٌ أَصلاً. وتَبِع عُمَرَ أَصحابُ المذاهبِ، كذا ذكره ابن الهُمامِ، وسكت عن تحقيقِ المرام.

وفي «حياة الحيوان» للعلامة الدَّمِيري: أَنَّ الجراد نوعان: بَرِّي وبِحْري، لما روى ابن ماجه عن أَنس : أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم دَعَا على جرادٍ فقال: «اللَّهُمَّ أَهْلِك كِبَارَهُ، وأَفْسِد صغارَهُ، واقْطَع دَابِرَه، وخُذ بأَفْوَاهِهِ عن معايشِنَا وأَرْزاقِنا فإِنَّك سميعُ الدُّعاءِ»، فقال رجلٌ: يا رسولَ اللّهِ كيف تَدْعُو على جُنْدٍ مِن أَجْنادِ اللَّهِ بِقَطْعِ دَابِره؟ قال: «الجرادُ نَثْرَهُ الحوتِ مفي البَحْر» ـ أَي عَطْسَتُه ـ. والمراد أَنَّ الجرادَ مِن صَيْدِ البحْرِ يَحِلُّ للمُحْرِم صَيْدُه. وبه قال أَبو سعيدٍ الخُدْرِي، فإِنَّه قال: لا جزاءَ فيه. وحكاه ابنُ المُنْذِر عن كعب الأَحبار، وعروةَ بن الزبيرِ، فإِنَّهم قالوا: هو مِنْ صَيْدِ البحرِ لا جزاءَ فيه.

واحتجّ لهم بحديثِ أَبي المُهَزِّم عن أَبي هريرةَ قال: أَصَبْنا ضَرْباً مِنَ الجراد، فكان رَجُلٌ يَضْربُ بسوطٍ وهو مُحْرِمٌ، فقيل: إِنَّ هذا لا يصلح، فَذُكِر للنبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: «إِنَّما هو مِن صَيْدِ البَحْر». رواه أَبو داود والترمذي وغيرهما. واتّفقوا على تَضْعِيفِهِ بِضَعْفِ أَبي المُهَزِّم، ثُم قال: والصحيح أَنَّهُ بَرِّي، لأَن المُحْرِم يجب عليه الجزاءُ إِذا أَتْلَفه عندنا، وبه قال عمرُ، وعثمانُ، وابن عمرَ، وابن عباس، وعطاء. قال العبدي: وهو قول أَهل العِلْم كافةً إِلاَّ أَبا سعيد الخُدْري. فقيل: حديثُ أَبي داود والترمذي مَنْسُوخٌ أَو غَيْرُ ثابتٍ، أَو مُؤَوَّل بأَنه مِثْلُ صيدِ البَحْرِ مِن حيث عدمُ الاحتياج إِلى ذَبْحٍ مِثْلِهِ.

(ولا شَيءَ بِقَتْلِ غُرَابٍ) في الحرم والإِحرام، وهو الغُراب الأَبقع الذي يأْكلُ الجَيفَ دون ما يأْكل الزَّرْع. والأَبْقَع: ما خالط بياضَهُ لونٌ آخَرُ (وحِدَأَةٍ) دُوَيْبَّة على وزن عِنَبَة (وعَقْرَبٍ وحَيَّةٍ وفَأْرَةٍ) سواء كانت أَهليةً أَو وحشيةً (وكَلْبٍ عَقُورٍ) وهو المعروف عند الناس. وبه قال الأَوْزَاعِيُّ، وألحقوا به الذئب.
قال ابن الهُمَام: اسم الكلب يتناول السِّباع بأَسْرِها، يدلُّ عليه أَنَّه صلى الله عليه وسلم قال داعِياً على عُتْبَةَ بن أَبي لَهَب: «اللهم سَلِّط عليه كَلْباً مِن كلابِك، فافْتَرَسه سَبُعٌ ـ أَي أَسد ـ». وقيل: الكَلْبُ العقور: يُقال لِكُلِّ عَاقِر حتى اللصّ المقاتل. وقيل: المراد به الذئب، وقيل: الأَسد. وعن أَبي حنيفةَ أَنَّ العَقُور وغَيْرَ العقورِ والمستأْنس والمتوحش سواءٌ في عَدم لزومِ الجزاء، لأَنَّ المُعْتَبَرَ في ذلك الجِنْسُ لا الوصفُ، إِلاَّ أَنَّ الكلب الأَهْلِي إِذا لم يكن مؤذياً لا يحل قَتْلُه، لأَنَّ الأَمْرَ بِقَتْل الكلاب قد نُسِخ فيقيدُ القَتْل بوجودِ الإِيذاء.

رَوى مسلمٌ والبخاري من حديث عائشةَ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خَمْسُ فَوَاسِق يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَم: الغُرَابُ، والحِدَأةُ، والعَقْرَبُ، والفأْرَةُ، والكَلْبُ العَقُور». وفي لفظٍ لِمُسْلم: «الحَيَّةُ، والغُرابُ الأَبْقَعُ، والفأْرَةُ، والكلبُ العَقُور، والحُدَيّا ـ وهي تصغير الحِدَأَة ـ». وفيهما أَيضاً عن ابن عمرَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم «خَمْسٌ من الدَّواب ليس على محرم في قتلهن جناحٌ: العقرب، والفأْرة، والكلب العقور، والغراب، والحِدَأَة». وفي «سُنن أَبي داود» عن أَبي سعيدٍ الخُدْرِي: سُئِل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَمَّا يَقْتُلُه المُحْرِمُ، قال: «يقتل المحرم: الحية، والعقرب، والفويسقة، والكلب العقور، والحِدَأة، والسَّبُع العادي، ويَرْمي الغُرَابَ ولا يقتله». والمراد به غَيرُ الأَبقع: وهو الذي يأْكلُ الزَّرْعَ، وإِنَّما يرميه لِيَنْفِيهِ عن الزَّرْع. وقال الشافعيُّ وأَحمد والثوري: المرادُ بالكَلْبِ العَقُورِ: كُلُّ عَاقِرٍ، أَي جَارحٍ مُفْتَرسٍ غالباً، كالأَسد، والنَّمِر، والذئب، والفهد.

(
وبَعُوضٍ) أَي بَقَ، ومُفْرَدُه بَعوضةٌ (وبُرْغُوثٍ) بضمتين (وقُرَادٍ) بضم أوله لأَنها مؤذية بطبعها وليست بصيد ولا متولّدة من البَدَن، وكذا النملةُ، مؤذيةٌ أو لا، لا شيءَ في قَتْلِها إِلاَّ أَنَّ النمل الذي لا يؤذي لا يُقتل (وسُلَحْفَاةٍ) بضم ففتح فسكون: حيوانٌ معروف، وليس بصيدٍ لأَنه يُؤخذ مِنْ غير حيلةٍ، ولأَنها مِن الحشراتِ فأَشْبَهَت الخنافس والوَزَغات (وسَبُعٍ صَائِلٍ) أَي مستطيل، أَو وَاثِب مِن الصَّوْلة: وهي الحَمْلة. وقال زفر: يجب فيه القيمةُ، لأَن عِصْمَتَه لا تَزُول بصولته، ولهذا لو صال جَمَلٌ على رجل فقتله يجب فيه القيمةُ.

ولنا ما روى الترمذي من حديث أَبي سعيدٍ الخُدْرِي: أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِل ما يَقْتُلُ المُحْرم، فقال: «العَقْرب، والفُوَيْسِقة ـ وهي الفأْرة تصغير الفاسقة ـ، والغُراب، والكلب العَقُور، والحِدَأَة، والسَّبُع العادي». والفَرْق بين السَّبُع الصَّائِل، والجَمَل الصَّائل: أَنَّ السَّبُع الصائل أَذِنَ مَالِكهُ ـ وهو اللّهُ تعالى ـ في قَتْلِهِ. والجملُ الصائِلُ لم يَأْذَنْ مَالِكُه ـ وهو العبد ـ في قتله.
قال ابنُ الهُمَام: وطُولِب بالفَرْقِ بينه وبين العبدِ إِذا صال بالسَّيْفِ على إِنْسَانٍ فقتله المَصُولُ عليه لا يَضْمَنُه، مع أَنَّه لا إِذْن له أَيْضاً مِن مالكه. وأُجيبَ بأَنَّ العَبْدَ مضمونٌ في الأَصل حقّاً لِنَفْسِهِ بالآدميةِ لا للمولى، لأَنه مُكَلَّفٌ كسائرِ المُكَلَّفِين، أَلاَ تَرَى أَنَّه لو ارتدَّ أَو قَتَل يُقْتَل. وإِذا كان ضمانُ نَفْسه في الأَصل له سَقَطَ بِمُبيح جاء مِنْ قِبَلِه ـ وهو المحاربة ـ وماليةُ المولى فيه وإِنْ كانَتْ مَتَقَوِّمةً مضمونةً له، فهي تَبَعٌ بِضَمَانِ النَّفْس، فيسقط التَّبَعُ في ضِمْن سُقُوطِ الأَصْل. انتهى.

وفي «مواهب الرحمن»: نُوجبُ نَحْنُ ومالك الجَزَاءَ بِقَتْل السِّباع في ظاهر الرواية، إِذ كُلُّها صُيُودٌ. وعن أَبي يُوسُف أَنَّ الأَسَدَ كالكَلْبِ العَقُورِ، وكذا الذئب. وفي «البدائع» تَصْرِيحٌ بِحِلِّ قَتْل الأَسد، والفَهْد، والنَّمِر. أَقول: ويمكنُ الجمع بالحمل على العادي وغَيْرهِ. ولم يُوجِب الشافعيُّ في السِّباع مُطلقاً، لأَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم إِنَّما استثنى الخَمْسَ، لأَن مِنْ طَبْعِها الأَذى، فَكُلُّ ما يكونُ من طبعه الأَذَى فهو بمنزلةِ الخَمْسِ مُسْتَثْنَى مِن نَصِّ التَّحْرِيم. فصار كأَنَّ الله تعالى قال: لا تَقْتُلوا غيرَ المؤذي من الصُّيودِ. وأُجِيب بأَنَّ ما سوى الخمس في معنى الإِيذاء دون الخَمْسِ، لأَنَّ الخَمْسَ مِنْ طَبْعها البدايةُ بالأَذَى، وما سواها لا يؤذي إِلاَّ أَنْ يُؤْذَى، فلم يكن في معنى المنصوص لِيُلْحَقَ به.

ثُم لا يتجاوز جزاءُ غَيْرِ المأْكولِ شاةً، وأَوجبَ زُفَرُ قيمتَهُ ـ بالِغَةً مَا بَلَغَتْ ـ اعتباراً بمأْكولِ اللَّحم، فإِنَّ الواجِبَ لحقِّ اللّهِ تعالى مُعتبرٌ بالواجبِ لِحَقِّ العباد، وهناك لا فرق بين مأْكول اللحم وغيره، فههنا لا فَرْقَ بينهما أَيضاً، فإِمَّا أَنْ يُقالَ تجِب القيمةُ ـ بَالِغةً ما بلغت ـ في الموضعين جَمِيعاً، أَو لا يُجَاوَزُ بالقيمة شاةٌ في المَوْضِعَين. وحُجتُنا في ذلك: أَنَّ فيما لا يُؤكل لحمه وجوبَ الجزاءِ باعتبارِ معنى الصَّيْدِيَّةِ فقط، لا باعتبار عَيْنِهِ فإِنَّه غَيْرُ مَأْكولٍ، وباعتبار معنى الصيديةِ يكونُ مُرْتَكِباً محظورَ إِحرامه، فلا يلزمه أَكْثر من شاة كسائر محظورات الإِحرام.

وأَمَّا في مأْكولِ اللَّحم فوجوبُ الجزاءِ باعتبارِ عينه، لأَنه (مُفْسِدٌ) لِلَحْمهِ بَفْعَله فتجب قيمتُه بالِغَةً ما بَلَغَتْ، وكذلك في حقوق العباد، ووجوبُ الضَّمَانِ ليس باعتبارِ الملكِ بل العينُ، فَيُقَدَّرُ (بِقَدْر) قيمة العين، ثُم زيادة القيمة في الفهد والنَّمِر والأَسد لِمَعْنَى تفاخر الملوك بها، لا لِمَعْنىً في الصَّيْدِية، وذلك غيرُ مُعْتَبَرٍ في (حق) المُحْرم، فلهذا لا يلزمه أَكْثر من شاةٍ إِنْ كان مُفْرداً بالحج أَو العُمرةِ، وإِنْ كان قَارِناً لا يجاوز ما وجب عليه شاتين.
(
ولَهُ ذَبْحُ الحيوانِ الأَهْلِي) إِجماعاً، وهو الشاة، والبقرة، والبعير، والدجاجة، والبط، والأَوز الذي يكون في المَسَاكِن والحِياضِ ولا يطير، لأَن ذلك ليس بصيدٍ لِعَدَمِ التَّوَحُّش. والحَمَام صَيْدٌ ولو كان مُستأْنساً أَو مُسَرْوَلاً، لأَنه متوحشٌ بأَصل الخِلْقَة، والاستئناس عَارض، فلم يُعتبر، كالبعيرِ إِذ نَدَّ لا يأْخذُ حُكْمَ الصيدِ في حَقِّ الحُرْمةِ على المُحْرِم. ويجب الجزاءُ بِقَتْل خِنْزِيرٍ، وقِرْدٍ، وفيلٍ. ونفاه زُفَرُ، لأَنها مِمَّا يُمْسَك في البيوت فهي مُسْتَأْنِسة، فكانت في حُكْم الأَهْلي. ولنا أَنها مُستوحِشَةٌ بِطَبْعِها، مُمْتَنِعَةٌ بقوائمها وأَنْيابِها حسب طاقتها، فكانت صَيْداً فَتَنَاوَلتها الآيةُ، والاستئناسُ العارِض لا يُصَيِّرُها في حُكْم الأَهلي، كالظبي المستأْنس.

(وأَكْلُ ما صَادَه حَلاَلٌ وذَبَحَهُ) ـ بفتح الموحدة، عَطْفٌ على صَادَه ـ أَي وللمُحْرم أَنْ يأْكل ما فعل الحلال فيه مجموع الاصطياد والذبح. سواءٌ صاده لأَجل حَلاَلٍ أَو لأَجل مُحْرِم، فلو صاده حَلاَلٌ فذبح له مُحْرِمٌ أَو عَكْسه، فهو مَيْتَةٌ. وهذا الحكم إِذا صادَه حَلاَلٌ (بِلا دَلاَلَةِ مُحْرِمٍ وأَمْرِهِ) وقال مالك والشافعيُّ: إِذا صادَ حَلاَلٌ صيداً لأَجل مُحْرِم، لا يَحِل للمُحْرم أَكْلُه، لما روى أَبو داود، والترمذي، والنَّسائي من حديث جابر بن عبد الله قال: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «صَيْدُ البَرِّ لكم حَلاَل ما لم تَصِيدُوه أَو يُصَد لَكُم». والخطاب للمُحْرِمين، كذا ذكره الشارح.

وقال ابن الهُمَام: الحديث على ما في «السنن الثلاثة» عن جابر: «لَحْمُ الصَّيْدِ حَلاَلٌ (لَكُمْ) ما لم تَصِيدوه أَو يُصَادُ لَكُم»، هكذا بالأَلف في «يصاد». قلت: العَطْفُ بحسب المعنى، والتقدير: أَو ما لا يصادُ لكم.
ولنا ما رَوَى مُسْلِمٌ من حديث معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان عن أَبيه قال: كُنَّا مع طَلْحَةَ بنِ عبيد الله، ونَحْن حُرُمٌ، فأُهْدِي إِليه طيرٌ، وطَلْحَة رَاقِدٌ، فَمِنَّا مَنْ أَكَل، ومِنَّا مَنْ تَوَرَّع، فَلَمَّا انْتَبَه أُخْبر، فَوَافَقَ مَنْ أَكَلَهُ وقال: أَكَلْناه مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم
لكن قَدْ يُقَال: إِنه ليس فيه نَصُّ على أَنَّ الصيدَ كان لأَجْلِ المُحْرِمين، فلا يَتِمُّ الاستدلال. وفي «المُوَطأ» من حديث هِشَام بن عُرْوَةَ، عن أَبيه: أَنَّ الزُّبَيْرَ بن العَوَّام كان يَتَزَوَّدُ صَفِيفَ الظِّبَاءِ في الإِحْرَام. والصفيف ـ بمعجمتين بينهما مثناة من تحت ـ ما يصف مِن اللَّحْمِ على اللَّفْمِ لينشوي. وهو أَيضاً غَيْرُ تَمامٍ، إِذْ لا دلالةَ فيه على كون الاصطيادِ له وَقَع بَعْدَ إِحْرامه.

قال ابن الهُمَام: وفي «مسند أَبي حنيفةَ»: عن هشام بن عروة (عن أَبيه)، عن جَدِّهِ الزُّبَيْرِ بن العوام قال: كُنَّا نَحْمِلُ الصَّيْدَ صَفِيفاً، وكُنَّا نتزوَّدُهُ ونأْكلُه ونَحْنُ مُحْرِمُونَ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم واختصره مالك.
وحاصله: نُقِل وقائِعُ أَحوالٍ فيه لا عموم لها، فيجوزُ كونُ ما كانوا يِحْمِلون مِن لُحُومِ الصَّيْدِ للتزوّد ومِمَّا لم يُصَد لأَجل المُحْرِمين، بل هو الظاهر، لأَنَّهم يَتَزَوَّدُون مِن الحضر ظاهراً، والإِحْرَام بعد الخروج من الميقات، فالأَوْلى بالاستدلال على أَصل المطلوبِ حديثُ أَبي قَتادَةَ على وجه المُعَارضةِ على ما في «الصحيحين»، فإِنَّهم لَمَّا سأَلوه صلى الله عليه وسلم لَمْ يُجِب بحِلِّهِ لهم حتى سَأَلَهم عن موانعِ الحِلِّ، أَكانت موجودةً أَم لا؟ فقال صلى الله عليه وسلم «أَمِنْكُم أَحَدٌ أَمَرَه أَنْ يَحْمِلَ عليها أَو أَشَارَ إِلَيْهَا؟» قالوا: لا، قال: «فَكُلوا إِذاً». فلو كانَ مِنَ الموانعِ أَنْ يُصَادَ لهم لَنُظِم في سِلْك ما يُسأَل عنه منها في التفحصِ عن الموانع، فيجب ما يحكم عند خلوه عنها. وهذا المعنى كالصريح في نفي كَوْنِ الاصطياد لهم مانِعاً، فَيُعَارِضُ حديثَ جَابِرٍ ويُقَدَّمُ عليه لِقُوَّةِ ثُبوتِه، إِذْ هو في «الصحيحين» وغيرهما من الكتب الستة بخلاف ذلك. انتهى.

وأَجابَ الطحاوي عن حديث جابر: بأَنَّ معناه: أَو يُصَاد لكم بأَمْرِكم ، توفيقاً بين الحديثين: فإِنَّ الغالب في عمل الإِنسان لغيره أَنْ يكون بطلبٍ منه، فليكن محمله هذا دَفْعاً للمعارضة، وبأَنَّ اللام للملك
، والمعنى أَنْ يصاد ويجعل له، فيكون تمليك عين الصيد من المُحْرِم وهو مُمْتَنِعٌ أَنْ يَتملكه، فيأْكل مِن لَحْمِه.

هذا، وفي «آثَارِ محمد بن الحسن»: أَخبرنا أَبو حنيفة، عن محمد بن المُنْكَدر، عن عُثمانَ بن محمد، عن طَلْحَةَ بن عُبَيد الله قال: تَذَاكَرْنا لَحْم الصَّيْدِ يأْكُلُه المُحْرم والنبيُّ صلى الله عليه وسلم نائِمٌ، فارتفعتْ أَصواتُنا فاستيقظَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقَال: «فَبِمَ تنازعون؟» قلنا: في لَحْمِ الصَّيْدِ يأْكُلُهُ المُحْرم، فأَمَرَنا بأْكْلِهِ.
وفي «آثار الطحاوي» عن عُمَير بن سَلَمَةَ (الضَّمْري) قال: بينما نحنُ نسيرُ مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بِبَعْضِ أَفْنَاءِ الروحاء وهُو مُحْرِمٌ، إِذا حمارٌ مَعْقُورٌ فيه سَهْمٌ قد مات، فقال صلى الله عليه وسلم «دَعُوه فيوشك صاحبُه أَنْ يأْتيه». فجاء رجلٌ من بَهْز ـ وهو الذي عَقَرَ الحمارَ ـ فقال: يا رسولَ الله، هذه رميتي فشأْنكم به، فأَمَرَ صلى الله عليه وسلم أَبا بكرٍ أَن يَقْسِمَه بين الرِّفاقِ، وهم مُحْرِمُون.
وفي «سُنن أَبي داود»: أَنَّ الحارثَ بنَ نوفل ـ وكان خليفةَ عثمانَ على الطائف ـ صَنَعَ لعثمانَ طعاماً فيه مِن: الحَجَلِ، واليعاقيب، ولحم الوحش، فَبَعَثَ إِلى عليَ فجاءه الرسول وهو يَخْبِطُ لأَباعرَ له، فجاءه وهو ينْفُضُ الخَبَط عن يديه، فقالوا له: كُلْ، فقال: أَطعموه قوماً حلالاً فأَنَا مُحْرِم، ثُم قال عليٌّ: أَنْشِد مَنْ كان ههنا مِن أَشْجَع: أَتعلمون أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أَهْدَى إِليه رَجُلٌ حِمارَ وَحْشٍ وهو محرم فأَبَى أَنْ يَأْكلَه؟ قالوا: نعم. ورواه الطحاوي في «شرح الآثار» ولم يقل: أَنْشِد مَنْ كان ههنا...إلى آخره، وإِنَّما قال: فقال عليٌّ: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وطَعَامُهُ متاعاً لَكُم وللسَّيَّارَةِ وحُرِّمَ عَلَيْكُم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُم حُرُماً}.

قال الطحاوي وقد خالف عَلِيَّاً في ذلك عُمرُ، وأَبو هريرة، وعائشةُ، وطلحةُ بن عُبَيْد اللّه. ثُم أَخرج عن عليّ بن المبارك: حدثنا يحيى بن أَبي سَلَمَة، عن أَبي هريرةَ: أَنَّ رَجُلاً مِن أَهْلِ الشام استفتاه في لَحْمِ الصَّيْدِ وهو مُحْرِم، فأَمَرَهُ بِأَكْلِهِ، قال: فَلَقِيتُ عُمَرَ فأَخْبَرْتُه بِمَسْأَلة الرجل، فقال: بِمَ أَفْتَيتَهُ؟ قلت: بأَكْلِهِ، قال: والذي نَفْسِي بِيَدِهِ لو أَفْتَيْتَه بغيرِ ذلك لَعَلَوتُك بالدِّرَّةِ، إِنَّما نُهِيتَ أَنْ تَصْطَادَه. وأَخرج عبد الله بن شماس عن عائشةَ قالت ـ في لَحْمِ الصَّيْدِ يَصِيدُه الحَلالُ ثُمَّ يُهْدِيه للمُحْرِم ـ: ما أَرَى به بَأْساً.

قال: وأَمَّا الآيةُ فمعناها: وحُرِّمَ عليكم قَتْلُ صَيْد البَرِّ، بدليل قوله تعالى: {يا أَيُّها الذينَ آمَنُوا لا تَقْتُلوا الصَّيْدَ وأَنْتُم حُرُمٌ} ولم يقل: لا تأْكلوا. انتهى. وقد قدر المضاف، والأَظهر أَنَّ الصيد في الآيةِ الأُولى بمعنى الاصطياد، وفي الثانية بمعنى الصيد، لتفيد الآيتانِ الحُكْمَينِ المُحَرَّمَيْنِ على المُحْرِمين، وهما الاصطياد وقَتْل الصيد، فإِنَّهما مُتَغَايرَان. وأَكْل المُحْرم المضطر ميتة أَوْلى مِن أَكْل الصَّيْد يصيدُه، هو عند أَبي حنيفة، وهو روايةٌ عن أَبي يوسف، وفي أُخْرى: بِعَكْسه، ويلزمه الجزاءُ. وقال زُفر: يتناول من الميتة لا غَيْرُ.

(ومَنْ دَخَلَ الحَرَمَ بِصَيْدٍ أَرْسَلَهُ) فيه، لأَنه بدخولِ الحَرَم صار مِنْ صَيْدِهِ، فلا يجوزُ التعرّضُ (له) كما إِذا دخل بنفسه. وفي المسأَلة خلاف مالك والشافعي: فلو أَدخل الحَجَل واليعاقِيب الحرمَ أَحياءً، يَثْبُتُ الأَمنُ فيها، فلا يَحِلُّ تَنَاولُ شيءٍ منها، وهو مَرْوِيٌّ عن عائشةَ، وابن عمر، والحسين بن علي. فلو ذَبَحها قَبْل أَنْ يُدْخِلَها الحَرَمَ، فلا بأْس بِتَنَاولها في الحَرَم، لأَنه إِنَّما أَدْخَلَ اللَّحْمَ في الحَرَم، واللَّحْمُ ليس بِصَيدٍ، وأَكْلُ القاتل المحرم من الصيد بعد أَداء الجزاء، يوجب قيمة ما أكل عند أَبي حنيفة، ونفيا وجوبها، لأَن صيدَ الحَرَمِ كالميتة، وتناولها لا يُوجِب إِلاَّ الاستغفارَ، وصار كأَكْله قبل أَداءِ الجزاء، وكغير القاتِل في عدَم لزومِه بالأَكل منه مُحْرِماً كان أَوْ حلالاً، وكأَكْل حَلالٍ صَيدَ الحَرَم في عدم لزومه بالأَكْلِ منه.
(
وَرُدَّ بَيْعُهُ) أَي بيع الحلال صيداً أَدخله في الحرم (إِنْ بَقِي) الصيدُ في يدِ المُشتري، سواء بيع في الحَرم أَو الحِلِّ بعد ما أَدخله في الحرم (وإِلاَّ) أَي وإِنْ لم يبق الصيد (جزى) البائع، لأَن البيع فاسِدٌ لاشتماله على التعرض للصيد، فيجب رَدُّهُ وإِرْسَالُ الصيدِ إِنْ كان باقياً، وقيمته إِنْ كان فانياً (كَبَيْعِ المُحْرِم صَيْداً) من مُحْرِمٍ أَو حَلالٍ، حيثُ يُردُّ البيعُ إِنْ كان الصيدُ قائماً، وتلزمُهُ القيمةُ إِنْ كان فَانياً، لأَنَّ البيع فاسِدٌ لاشتماله على تَعَرُّضِ المُحْرمِ للصَّيْد.

(لا صَيْداً) أَي لا يُرْسِل المُحْرم صيداً (مَعَهُ، إِذَا أَحْرَمَ) وهذا إِذا كان الصيد في قفصه أَو رَحْله، أَما إِذا كان في يده فإِنه يرسله اتفاقاً، لأَنَّ الواجب عليه تَرْكُ التعرضُ له، وليس في تَرْكِهِ في القفص تعرضٌ له. غايةُ الأَمر أَنه على مِلْكهِ ولا معتبرَ ببقاءِ الملك، بل ولا يزولُ مِلْكه بالإِرسال، حتى لو أَرسله وأَخَذه إِنسانٌ يستردُّه إِذا تحلَّل مِن إِحرامه. وقيل: إِذا كان القفص في يده لزمه إِرسالهُ، لكن على وجهٍ لا يضيع مِلْكه: بأَن يخليه في بيتِه، وإِنْ لم يرسلْه حتى مات في يده لزمه جزاؤه.

ورَوى ابن أَبي شيبةَ في «مُصَنّفه» عن أَبي بكر بن عَيَّاش، عن يزيد بن أَبي زياد، عن عبد الله بن الحارث قال: كنَّا نحجُّ ونَتْركُ عند أَهلِنا شيئاً مِن الصيد ما نُرْسِلُها. ورُوي أَيضاً عن عبد السلام بن حَرْب، عن لَيْث، عن مجاهد: أَنَّ عَلِيَّاً رأَى مع بعضِ أَصحابهِ داجِناً مِن الصيد وهم محرمون، فلم يَأْمُرْهم بإِرساله. والدَّاجِن ـ بكسر الجيم ـ: الشاة التي يَعْلِفها الناس في منازلهم. وقال الشافعي: بِلزوم إِرْساله، لأَنه متعرضٌ للصيد بإِمساكه في مِلْكِه، وذا حَرُمَ بسبب الإِحْرام، فيلزمه إِرْساله كما كان في يده.
ولنا ما قدَّمنا، وأَنَّ ذلك جرت به العادة الغاشية مِن لدن الصحابة. ومن بعدهم إِلى الآن، يُحْرمون وفي بيوتهم حَمَامٌ في أَبراج، وعندهم دواجنُ وطيورٌ لا يطلقونها، وهي مِن إِحدى الحُجج، فدلتْ على أَنَّ استبقاءها في المِلْك محفوظة بغيرِ اليد ليس هو التعرض المُمْتَنِع. ولم يَأْمُرْهُ مالك بإِرساله مِن يده أَيضاً، كما لو كان في بيته وقفصه.

(ومَنْ أَرْسَل صَيْداً) كائناً (في يَدِ مُحْرِمٍ) ففيه تفصيل: (إِنْ أَخَذَهُ) أَي صاده ذلك المُحْرم حال كونه (حَلاَلاً ضَمِنَ) مُرْسِلُه عند أَبي حنيفة كالمُرسل من قفصه وهو القياس، ونَفَيا الضمانَ عنه كالصيدِ بعد الإِحرام وهو استحسانٌ، لأَنه محسن بأَمْرِه بالمعروف، {ومَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل} وهذا نظيرُ اختلافِهم فيمن أَتلف معازفَ غيره مِن الملاهي: كالمِزْمار والبَرْبَط، فعنده يَضْمن قيمته لغير لَهْوٍ، وعندهما لا يضمن. فلهما أَنه يجب عليه إِرساله، فإِذا فعله غيره حسبةً لم يضمن، لأَنه أَمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر، كمَنْ أَراق خَمْرَ مسلمٍ.
وله أَنه أَتلف مِلْكَه بإِرساله فيضمنه، وهذا لأَن الصيد قبل إِحرامه كان مِلْكاً له متقوماً، ولم يبطل تَقَوُّمُه بإِحرامه، حتى لو أُرسل، ثُم وجده بعد الإِحرام في يد شخصٍ كان له أن يأْخذه منه، فالمرسِل أَتلف عليه مِلكاً متقوِّماً له فيضمنه، بخلاف إِراقة الخَمْر لأَنه ليس بمتقومٍ، والواجب عليه رَفْع يده، ولو رفَعه بنفسه لرفَعَه على وجهٍ لا يفوت مِلْكه بعد ما يحِل مِن إِحرامه، فإِذا فَوَّت المُرْسل مِلْكه فقد زاد عليه ما بِحقِّه فيضمنه. وقيد: «بأَنه أَخذه حال كونه حَلاَلاً» لأَنه لو أَخَذَه حال كونه مُحْرِماً لا يضمن مرسِلُه باتفاقٍ، لأَن المُحْرِم لا يملكه.

(
وإِنْ قَتَلَ مُحْرِمٌ صَيْدَ مُحْرِمٍ) فكلٌ يجزي، لأَن الآخذ متعرّضٌ للصيد بأَخْذه، والقاتلَ متعرّضٌ له بِقَتْله (ورَجَعَ آخِذُهُ) بما ضَمِنَ إِذا كَفَّر بالمال (عَلَى قَاتِلِهِ) وإِنْ كَفَّر بالصوم فلا. وقال زُفَر: لا يرجع، لأَنه في مقابلة صُنْعِه. ولنا أَنَّ القاتل قرر بِقَتْله ما كان على شرف الزوال، لأَن الآخذ كان متمكناً مِن الإِرسال فيضمن، كشُهودِ الطلاقِ قبل الدخول إِذا رجعوا، حيثُ يرجِع الزوج بما ضَمِنه مِن نصفِ المَهْر عليهم.

(وَمَا بِهِ دَمٌ) واحِدٌ (عَلَى المُفْرِدِ) بالحج أَو العمرة (فَعَلَى القَارِنِ دَمَانِ) دمٌ لحجته، ودَمٌ لعمرته، لأَنه متلبّسٌ بإِحرامين وقد جنى عليهما، وكذا ما يقومُ مقَامَ الدَّم من الصدقةِ والصوم (إِلاَّ بِجِوَازِ الوَقْتِ) ـ بكسر الجيم ـ أَي بمجاوزة الميقات المكاني (غَيْرَ مُحْرِم بهما) فإِنَّ القارن يلزمه دَمٌ واحدٌ عندنا، لأَن المستحق عليه عند الميقات إِحرامٌ واحدٌ، وقد فوّته. ولهذا لو أَحْرَمَ مِن الميقات بالعمرةِ ثُم أَحرم داخلَ الميقاتِ بالحج لا يجِب عليه شيءٌ، لكن لو أَحرم بالحج مِن الحلِّ وبالعُمرة من الحرم أَو بهما مِن الحرَم، فعليه دَمَانِ. وهذا كُلُّه إِذا مضى على إِحرامه ذلك ولم يعد، أَما إِذا عاد إِلى الميقاتِ قبل الطوافِ وجدَّد التلبية والإِحرام، سقَط عنه الدَّم خلافاً لزُفر.
وكذا بِقَطْع شجر الحرَم، وترْك الوقوفِ بمُزْدَلِفَةَ، والإِفاضة قبل الإِمام من عرفةَ، والحلْق قَبْل الرَّمي، والحلْق قبل الذَّبْح، وتأْخير الحلق عن أَيَّام النَّحْر، وتأْخير الذَّبْح عنها، وترك الجمار، وترْك أَحد السَّعْيَيْن، وتَرْك طواف الصَّدَر، عليه دَمٌ واحِدٌ في جميع هذه الصُّور، لأَنها لا تتعلّق بإِحْرامَيْهِ. وكذا لو نذَر حجّةً أَو عُمرةً ماشِياً فَقَرَن وركِب فعليه دَمٌ واحِدٌ. وكذا لو طافَ للزيارةِ جُنُباً أَو على غيرِ وضوء أَو للعُمرةِ كذلك، فعليه جزاء واحِدٌ، وإِنْ طافَ لَهُما كذلك، فعليه جَزَاآنِ.

(ويُثَنَّى جزاء صَيْدٍ قَتَلَهُ مُحْرِمانِ) لأَنَّ كلَّ واحِدٍ منهما جَنَى على الصيدِ جنايةً تَفُوقُ الدلالةَ، وهو أَعَمُّ مِن أَنْ يكونَ صيدَ الحرَم أَو الحِلِّ. ولو كانوا عَشرَةً فعلى كل واحدٍ منهم جزاء كامِلٌ. (واتَّحَدَ) الجزاءُ (لَوْ قَتَلَ صَيْدَ الحَرَمِ حَلاَلاَنِ) لأَن الواجب فيه بَدَل المحل لا جزاء الفِعْل، ولهذا لا يتأَدَّى بالصوم. فلا يتعدّدُ الجزاء إِلاَّ بتعدّدِ المحلِّ، ولا تعدُّد هنا. ولو قتل مُحْرِمٌ صيوداً على قَصْد التحلل. بالأَوَّل يكفيه جزاءٌ واحِدٌ عندنا، وأَلْزمه مالِكٌ والشافعيُّ عن كُلِّ صيدٍ جزاءً.

(
بَاعَ المُحْرِمُ صَيْداً أَو شَرَاهُ بَطَل) لأَن في بيعه وشرائه تعرّضاً له، ولأَن المُحْرم لا يملك الصيدَ لا بالشراءِ، ولا بالهبةِ، ولا بالإِرْث، ولا بالوصية، فإِنْ قبضَه بعد الشراء دخَل في ضمانه، فإِنْ هلَك في يده لزِمه الجزاءُ لِحقِّ الله تعالى، والقيمةُ لمَالِكِه. وكذا لو وهَب مُحْرمٌ صيداً مِن محرمٍ فهلَك عنده، فعليه جزاآن، لحقِّ اللّهِ، وضمانٌ لصاحبه، لفسادِ الهبةِ. ولو ردَّه المشتري على البائعِ فعليه جزاءٌ واحِدٌ حقّاً لِلّهِ تعالى، لتعديته بالتسليم.
(
ولَوْ ذَبَحَهُ) أَي المُحْرِم الصَيْدَ (حَرُمَ) على الذابح وعلى غَيْرِهِ، لقوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُم حُرُماً} كذا عَلَّله الشارح، والأَظْهر أَنه لِكَوْنِهِ كالميتةِ أَو كذَبْح المجوسي، وكذا ما ذبَحَه الحَلالُ مِن صيد الحَرَم.

(ولَوْ أَكَلَ) المُحْرِم الذابح من الصيد (غُرِّمَ قِيمَةَ مَا أَكَلَ) عند أَبي حنيفة. وقالا: لا شيء عليه إِلاَّ الاستغفار. وهذا الخلاف إِذا أَكل بعد الجزاء، وأَما إِذا أَكل قَبْلَه فيدخل قيمة ما أَكل في الجزاء اتفاقاً (لا مُحْرِمٌ) أَي لا يُغَرَّم قيمةَ ما أَكل مِن لحم الصيد مُحْرِمٌ (لَمْ يَذْبَح) باتفاقهم. ولو اضطر مُحْرم إِلى أَكْل الميتة فقتل صيداً، فعليه الجزاء، لأن الإذن للمضطر بحلق الرأس مقيد بالكفارة، فكذا هذا. ولو اضطر المحرم إلى أكل الميتة (وَقَتْل الصيد، يأْكل الميتة ولا) يقتل الصيد. ولو وجد المُحْرم المضطر صيداً ومالَ مسلم، يأْكل الصَّيْد، لأَن حُرْمَته لِحَقِّ اللّهِ تعالى وَحْدَه.
(
ولدت ظبية أُخْرِجَت من الحرم) ولم يُؤْدَّ جزاؤها (وماتا) أَي الظبية وَوَلَدُها في الحِلِّ، وكذا إِنْ لم يعلم عودهما إِلى الحرم (غُرَّمَهُمَا) المخرج، سواءٌ كان حَلالاً أَو حَرَاماً، لأَنَّ الصيدَ بعد الإِخراج مِن الحرم مستحقُّ الرَّدِّ إِلى مأْمنه، وهو الحرم، فسرى إِلى الولد كالرِّقِّ والحرية.
(
وإِنْ أَدَّى جَزَاءَها) أَي أَعطى جزاء الظبية (ثُمَّ وَلَدَتْ) ثُم مات (لَمْ يجزه) أَي لم يُعْطَ جزاءَ ولدها، لأَنه صيد حَلَّ لانعدام أَثر الإِخراج في الظبية بالتكفير عنها، حتى لو أَنشَأَ القتل لم يَضْمن، ولو باعها بعد ما أَخرجها من الحرَم جاز، لأَنها مملوكةٌ له، ووجوبُ الإِرسال لا يُنافي الملك كما لو أَخذها وأَدْخَلها الحرَم، إِلاَّ أَنَّه يُكْره، لأَن ابتداء الفِعْل وقع معصيةً، وكذا لو ذَبَحها يَحِل أَكْلُها لأَنها في الحِلِّ.

ويجوز صيد المدينة المشرَّفة عندنا، ونفاه مالك والشافعي. لهما قوله صلى الله عليه وسلم «إِنَّ إِبراهيم عليه السلام حَرَّم مكةَ، وأَنا أُحَرِّم ما بينَ لاَبَتَيْهَا» يعني المدينة، وقال: «مَنْ رأَيتُموه يصطادُ في المدينة فخذوا ثيابه». وحجتنا في ذلك ما رُوي في «الشمائل»: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أَعطى بعضَ الصبيانِ في المدينة طائراً، فَطَارَ مِنْ يدهِ فجعل يَتَأَسَّف في ذلك، ورسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أَبا عُمَير ما فعل النُّغَيْر ـ اسم طائر ـ». وقد بسطتُ الكلام على هذا المرام في «المِرْقاة شرح المشكاة».
ثُم علماؤنا والشافعيُّ فَضَّلوا مكةَ على المدينة، ومالك عَكَس القضيةَ لقوله صلى الله عليه وسلم «اللَّهُم بَارِك لنا في ثمرِنا، (وبارِك لنا في مَدِينَتِنا)، وبارِك لنا في صاعِنَا، وبارِك لنا في مُدِّنا. اللّهمّ إِنَّ إِبراهيم عَبْدُكَ، وخليلُك، ونَبِيُّك، وإِني عبدُك ونبيُّك، وإِنَّه دَعَاك لِمكَّةَ، وأَنَا أَدْعُوك للمدينَةِ بِمِثْلِ ما دَعَاك لمَكَّةَ، ومِثْلِهِ معه». رواه مسلم.
ولنا حديثُ عبد الله بن عَدِيِّ بن الحَمْرَاءِ قال: رأَيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على الحَزْوَرَةِ، فقال: «والله إِنَّكِ لخَيْرُ أَرضِ اللّهِ، وأَحبُّ أَرْضِ اللّهِ إِلى اللَّهِ، ولولا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ ما خَرَجْتُ». رَوَاهُ الترمذي وابن ماجه. وحديث ابن عباس قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لِمكَّة: «مَا أَطْيَبَكِ مِن بلدٍ، وأَحَبَّكِ إِليَّ، ولولا أَنَّ قومي أَخْرَجُوني مِنْكِ ما سَكَنْتُ غَيْرَكِ». رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح غريب إِسناداً. وأَمَّا دعاءُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِ دعاءِ إِبراهيم عليه الصلاة والسلام فإِنَّما كان في الرِّزْقِ مِن الثمراتِ، ولا ريب في أَكثريةِ ثمراتِ المدينة، وليس هذا بسبب لأَفضليتها.

فصلٌ (في الإِحصار)
وهو لغةً: المَنْعُ مطلقاً.
وشرعاً: مَنْعٌ أَو عُذْرٌ شرعي عنِ الوقوف والطواف معاً في الحج، وعن الطواف لا غَيْرُ في العمرة.
(
إِنْ أُحْصِرَ المُحْرِمُ بِعَدُوَ) مسلمٍ أَو كافرٍ (أَوْ مَرَضٍ) أَوْ سَبُع، أَو حَبْس ـ ولو من غَيْرِ سلطان ـ أَو كَسْرٍ، أَو بموتِ مُحرمٍ أَو زَوْجٍ أَو بِعِدَّةِ طلاقٍ، أَو هلاكِ نفقةٍ، أَو راحلةٍ وعَجْزٍ عَنْ مشيٍ، أَو ضلالةِ الطريقِ، أَو مَنْع زَوْجٍ في حجِّ النَّفْلِ إِنْ أَحْرَمَتْ بغيرِ إِذْنه. وقال مالك والشافعي: لا إِحْصار إِلاَّ بالعدو، لأَن آية الإِحصارِ هي قوله تعالى: {فإِنْ أُحْضِرْتُم فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْي} نَزَلَتْ في حقِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأَصْحَابه وكانوا محصورين بالعَدو (بِدَليل) قوله: {فإِذَا أَمِنْتُم}. وفي «الموطأ» عن عبد الله بن عمر أَنَّه قال: مَنْ حُبس دونَ البيتِ بِمَرَض فإِنه لا يَحِل حتى يطوفَ بالبيتِ وبين الصفا والمروة.
ولنا أَن الإِحصار إِنَّما يقال لغةً في المرض خاصَّاً كما قال بعضهم، أَو فيه وفي غيرهِ عامَّاً. والأَول ليس بالإِجماع، فتعينَ الثاني. والعبرةُ لعموم اللفظِ لا لخصوص السبب. وإِن الحَجَّاج بن عمرو الأَنصاري يقول: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم «مَن كُسِر أَو جُرِح فقد حَلَّ وعليه الحجُّ مِنْ قَابِل». قال عِكْرمةُ: فسأَلتُ ابنَ عباس وأَبا هريرة عن ذلك فقالا: صَدَق. رواه أَصحاب السُّنَن والدَّارمِي، وقال الترمذي: حديث حسن، وزاد في رواية لأَبي داود: أَو مرض.

وروى الطحاوي من حديث عبد الرحمن بن يزيد قال: أَهَلَّ رَجُلٌ بعمرةٍ يُقال له : عُمَير بن سعيد فَلُدِغ، فبينا هو صريعٌ في الطريق إِذ طلع عليه رَكْبٌ فيهم ابن مسعود فسأَلوه، فقال: ابعثوا بالهدي، واجعلوا بينكم وبينه يومَ أَمار ـ بفتح الهمزة، أَي وقته ـ فإِذا كان ذلك فليحلل، ثُم عليه عمرة بعد ذلك. وبه عن إِبراهيم، عن علقمة قال: لُدِغ صاحبٌ لنا وهو مُحْرِمٌ بعمرةٍ فذكرناه لابن مسعود فقال: يبعث (بِهَدْي) ويواعد أَصحابَه موعداً، فإِذا نُحِرَ عنه (حَلَّ). وفي الصحيحين عن عائشةَ: دخلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على ضُباعة بنت الزُّبَيْر فقال لها: لعلك أَردت الحجَّ فقالت: والله ما (أَجِدُنِي) إِلاَّ وَجعة، فقال لها: حُجِّي واشترطي وقولي: اللهم: مَحِلِّي (حيث) حَبَسْتَنِي. وفي البخاري: قال عطاء: الإِحْصار مِن كلِّ شيء يحبسه.

(
بَعَثَ المُفْرِدُ) بالحج أَو العمرة (دَماً) أَو قيمته ليُشْتَرى به ويُذْبح. وأَدْنَى ما يُجزىء فيه شاة كالأُضحية لقوله تعالى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ}، ولو بعث دمين يَحِلُّ بأَولهما، والثاني تَطَوُّعٌ (والقَارِنُ دَمَيْنِ) لأَنه مُحْرِمٌ بالحج والعمرة، فلا يتحلل إِلاَّ بعد الذبح عنهما. ولو لم يبين أَيهما للحج وأَيهما بالعمرة لم يضره.
(
وعَيَّنَ يَوْماً يُذْبَحُ فِيهِ) لأَنَّ التَّحَلُّلَ موقوفٌ على الذبح لقوله تعالى: {ولاَ تَحْلِقُوا رُؤوسَكُم حتى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ} أَي حتى يذبح في الحرم، فلا بدّ مِن عِلْم زمانه حتى يقع التحلل بعد، حتى لو ظنَّ المُحْصرُ أَنَّ الهدي قد ذبح في الوقت الذي عَيَّنه ففعل شيئاً من محظوراتِ الإِحرام، ثُم ظهر عدمُ الذبح إِذْ ذاك، لزِمه مُوجَب الجناية، وكذا لو ذبح في الحِلِّ على ظنِّ أَنه الحَرَم.

(ولَوْ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ)، وقالا: لا يجوز ذَبْحُ دم الإِحصار بالحج إِلاَّ في يوم (من أَيَّام) النحر، وهو قول مالك لأَنه دمُ تحلل عن الحج، فصار كالحَلْق فيه. ولأَبي حنيفة قوله تعالى: {فإِنْ أُحْصِرْتُم فَمَا اسْتَيْسَر مِنَ الهَدْي} وهو مطلقٌ في الزمان، ولأَنه دمُ كفارةٍ للتحلل قبل أَوَانِهِ كدم الإِحْصَار بالعُمرة، ولهذا لا يُباح التناول منه، ودمُ الكفَّارة لا يختص بالزَّمان.
(
وفي حِلَ لاَ) أَي ولو ذُبح دمُ الإِحصار في أَرض الحِلِّ لا يُجزىء، لقوله تعالى: {ولا تَحْلِقُوا رُؤوسَكم حتى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَه}، والمراد به الحرَم لقوله تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلى البَيْتِ العَتِيقِ} ، ولما قدّمنا عن ابن مسعود في الملدوغ: يَبْعَثُ بِهَدْي ويواعِدُ أَصْحَابَه موعِداً. وقال مالك والشافعي: محله حيث يَحِل ذبْحُه، وهو مكانٌ أُحْصِر فيه، لحديث ابن عمرَ: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خرَج مُعتمِراً فحال كفَّار قريش بينه وبين البيت، فنَحَر هَدْيَه وحَلَقَ رأْسَه بالحديبية، وقَاضَاهم ـ أَي صالحهم ـ على أَنْ يعتمرَه العام القابل ولا يحملَ سِلاحاً ولا يقيمَ فيها إِلاَّ ما أَحَبُّوا، فاعتمرَ العام المقبل (فَدَخَلَها) كما كان صالحهم، فلمَّا أَقام بها ثلاثاً أَمَرُوه أَنْ يخرجَ، فخرَجَ. رواه البخاري في الشهادات.
وأُجِيبَ بأَنَّ الحديبية (نِصْفُها مِن الحرم) ونصفها من الحل، ومضارب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كانت في الحل، ومُصَلاَّه في الحرم، وإِنما سبق ببعث الهدايا إِلى جانب الحرَمِ منها ونُحِرت في الحرم. وقد قال الوَاقِدي: الحديبيةُ طَرَفٌ للحَرَمِ على تسعةِ أَميال مِن البيتِ. وعن الزُّهْري أَنه صلى الله عليه وسلم نَحَرَ هَدْيَه بالحَرَم. واللّه سبحانه أَعلم.

(وبِذَبْحِهِ) أَي بِذبْح الذي به بَعَثَ المُحْصَر (يَحِلُّ) أَي يَحِلُّ له أَنْ يَحِلَّ من إِحرامه بِفِعْل أَدنى ما يَحْظُرُه الإِحرام، (إِذ لا يخرج مِنَ الإِحرام) بمجردِ الذَّبْح، إِلاَّ أَنه لا حلْق عليه ولا تقصير، وإِنْ حلَق فحسنٌ، وهذا عند أَبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: عليه الحَلْق، وإِنْ لم يحلِق فلا شيءَ عليه، لأَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأَصحابه أُحْصِرُوا بالحديبيةِ فأَمَرَهم بعد بلوغِ الهدَايا مَحِلَّها أَنْ يحلِقوا وحلَق صلى الله عليه وسلم ولحديث المِسْوَر ومروان: أَنه صلى الله عليه وسلم قال لأَصْحَابِهِ: «قُوموا فانْحَرُوا ثُم احْلِقُوا...» إِلى أَنْ قال: فخرجَ فنحرَ بدَنَةً ودعا حلاَّقاً فحلَقه، فلما رَأَوا ذلك قاموا فَنَحَروا وجعل بعضُهم يحلِق بعضاً، (حتى كاد بعضُهم يقتلُ بعضاً غماً... الحديث).
ولهما أَنَّ الحَلْق عُرِفَ قُربةً إِذا كان مرتباً على أَفعالِ النُّسُكِ، ولم يُوجد أَفعالهُ ههنا، وأَمْرُه صلى الله عليه وسلم بالحَلْقِ ليعرِفَ المشركون عَزْمهم على الانصراف، فلا يشتغلون بأَمْرِ الحرب، ويحصُل الأَمْن من كَيْد المشركين.

فإِنْ قيل: كيفَ يَقُولانِ بِجَوازِ التحلُّلِ للمُحْصَر قبل الحلْق مع صريحِ النهيِّ بقوله تعالى: {ولا تَحْلِقُوا رُؤوسكُم حَتَى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه}، والآية نَزَلَتْ في حَقِّ المُحْصَر، وحيثُ كان مَنْهِياً عن الحلقِ قبل الغايةِ كان مَأْمُوراً به بعدَها، لأَنَّ حُكْمَ ما بعدَها يخالفُ حُكْمَ ما قبلَها؟ أُجِيبَ بأَنَّ اللّهَ نَهَى المُحْصَر عنه حتى يبلغَ الهديُ مَحِلَّه بهذه الآية، فذاك دليل الإِباحة بعد بلوغه مَحِلَّه لا دليل الوجوب كما في سائر المحظورات، مع أَن الحلْق واجب عليه للإِحلال، والدَّمُ أُقِيم مُقَامه فيُستغنى به عنه، وفِعْلُه صلى الله عليه وسلم وأَمْرُه بالحلْق إِنما كان لأَنهم كانوا يمتنعونَ عن التحلل طمعاً في دخول مكة (يَرَوْنَ) التحلل بالحلْق، فقطع بالأَمْرِ به أَطماعَهم، تسليماً لأَمْر اللَّهِ، وانقياداً لِحُكْمه، حتى جاء اللّه بالنَّصر والفتح.
هذا، ولا نرى نحنُ الصومَ للمُحْصَر بدلَ دم الإِحصار مجزياً، خلافاً لأَبي يوسف في روايةٍ، وهو أَظْهر أَقوال الشافعيُّ، فيقوَّم الدَّمُ ويتصدق به، وعند عَجْزهِ يصومُ عن كل صاعٍ يوماً ويتحلَّلُ به بمنزلةِ الهَدْي في جزاءِ الصيد، وهذا قول عطَاء. وفي «أَمالي أَبي يوسف»: هذا أَحَبُّ إِلي. وفي قولٍ للشافعي: إِذا عجزَ عن الهَدْي يصومُ مكانَه عشرةَ أَيَّام، عل قياسِ هَدْي المتعة. قلنا: هذا كلُّه قياسُ المنصوصِ على المنصوصِ، وإِنه لا يجوزُ، بل المَرْجِعُ في كُلِّ موضعٍ إِلى ما وقع التنصيص عليه، ولا يجوز العدول عنه إِلى غيره.

(و) يجب (عَلَيْهِ) أَي على المُحْصَر (إِنْ حَلَّ مِنْ حَجَ حَجٌّ) لِلُزُومه بالشروع (وعُمْرَةٌ) لأَنه في معنى فائتِ الحَجِّ، فإِذا لم يأْت بها قضاها، وهو قول ابن مسعود وابن عمر وابن عباس، وهذا إِذا لم يقض الحج (مِن عامه ذلك، وأَمَّا إِذا قضاه فيه، فلا تجب عليه العمرةُ، لأَنه حينئذ لا يكون بمنزلة فائت الحجِّ). (و) إِنْ حَلَّ (مِنْ عُمْرَةٍ) فعليه (عُمْرَةٌ) لقضاءِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأَصْحَابِه عمرةَ الحديبيةِ التي أُحْصِرُوا فيها، وكانت تُسمى عُمْرَةَ القضاء. وقال مالك والشافعي: لا يلزمه القضاء، لأَنه صلى الله عليه وسلم تَحَلَّل بالحديبيةِ، ولم يأْمر بالقضاء. (و) إِنْ حَلَّ (مِنْ قِرَانٍ) فعليه (حَجٌّ وعُمْرَتَانِ) لأَنه صَحَّ شروعُه في الحج والعمرة، فيلزمه بالتحلل قضاؤهما وعمرة أُخرى، لترْكه التحللَ بأَفعال العمرة.
(
وإِذا زَالَ إِحْصَارُهُ) بعد أَنْ بَعَثَ الهدي، أَو ما يُشْترى به (وأَمْكَنَهُ إِدْرَاكَ الهَدْي والحَجِّ) معاً (تَوَجَّهَ) حتماً للحَجِّ لزوال العجز عن الأَداء قبل حصول المقصود بالحلق، وصَنَع بالهَدْي ما شاءَ، لأَنه عَيَّنَهُ لجهةٍ واستَغْنَى عنها.
(
وإِلاَّ) أَي وإِنْ لم يُمْكِنه إِدراك الهَدْي والحج، بأَنْ لم يمكنه إِدراك واحدٍ منهما، أَو أَمكنه إِدراك الهَدْي دون الحج، أَو الحج دون الهَدْي، (فَلَهُ أَنْ يَحِلَّ) بِذَبْح الهَدْي المبعوث، أَما إِذا لم يمكنه إِدراك واحدٍ منهما، أَو أَمكنه إِدراك الهَدْي دون الحج فَلِعَجْزِهِ عن الحج.

وإِذا أَمكنه إِدراك الحج دون الهَدْي فلأَنه لو لم يتحلل يضيعُ هَدْيُه، وحرمةُ المال كحرمةِ النَّفْس، حتى أَباح الشرْع القَتْل دونه فيتحلل، كما إِذا خاف على نَفْسه، لكنَّ الأَفضل أَنْ لا يتحلل لفوات شيء قليلٍ من المال وإِدراك عظيم من الأَعمال، وهذا قول أَبي حنيفة وهو استحسانٌ، والقياسُ قولُ زُفَر، وهو روايةُ الحسن عن أَبي حنيفة: أَنه لا يجُوز التحلُّل لِزَوال العَجْز.
(
ومَنْعُهُ عَنْ رُكْنَي الحَجِّ) أَي الطواف والوقوف (بِمَكَّةَ) أَي ولو فيها (إِحْصَارٌ) لعَجْزِهِ عن أَداء ركنٍ مِنْ أَركان الحج. (و) مَنْعُه (عَنْ أَحدِهِمَا) أَي عن الطواف أَو عن الوقوف (لا) أَي لا يكون إِحْصَاراً. أَما مَنْعه عن الطواف وحدَه، فلأَن الحج يتم بالوقوفِ، وهو باقٍ على إِحرامه إِلى أَنْ يطوف، وأَما مَنْعه عن الوقوف وحدَه، فلأَنه يَتَحَلَّلُ بالطوافِ كفائت الحجِّ، ولا حاجةَ إِلى تَحَلُّله بالهَدْي.

(
فصلٌ في أحكام الحج عن الغير)
(
ومَنْ عَجَزَ) أَي عن حجِّ الفَرْض، فإِنَّ حج النَّفْل لا يشترطِ فيه العَجْزُ، إِذْ بابُ النَّفْل وَاسِعٌ (فأَحَجَّ) غيره، سواءٌ كان ذلك لغير ذكراً أَو أُنثى، حُرَّاً أَو عبْداً مأْذوناً، حجَّ عن نَفْسه أَو لم يحج (صَحَّ) لكن يُكْره إِحجاج الأُنْثَى حرةً أَو أَمَةً عنِ الذَّكَر، وكذا العبد كراهةَ تَنْزيه. وأَمَّا مَنْ لم يَحجَّ عن نَفْسِهِ، فمكرُوهٌ كراهةَ تَحْرِيم.

(ويَقَعُ عَنْهُ) أَي عن العاجز الحجُّ، لما في «الكتب الستة»: أَبو داود عن عبدالله بن عباس، والباقون عن أَخيه الفَضْل: أَنَّ امرأَةً مِن خَثْعَم قالت: يا رسولَ الله، إِنَّ أَبي أَدْرَكَتْهُ فريضةُ اللَّهِ في الحجِّ وهو شَيْخٌ كبيرٌ لا يستطيعُ أَنْ يستويَ على ظهر البعير، قال: «حُجِّي عَنْه». وذلك في حجّة الوَدَاع، ولم يسأَلها صلى الله عليه وسلم هَل حَجَّتْ عَن نَفْسِها أَم لم تحج، ولا هَل هي حرة أَو أَمَة. وفي «السُّنن الأَربعة» عن أَبي رَزِين العُقَيْلي قال: يا رسول الله إِنَّ أَبي شَيْخٌ كبيرٌ لا يستطيع الحجَّ ولا العُمرة ولا الظَّعْن، قال: «احْجُج عَنْ أَبِيكَ واعْتَمِر». قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وفي «معجم الطبراني» بسنده إِلى سَوْدَة أُم المؤمنين: أَنَّ رجلاً قال: يا رسولَ الله، إِنَّ أَبي شَيْخٌ كبيرٌ لا يستطيع الحج، أَفَأَحُجُّ عنه؟ فقال صلى الله عليه وسلم «أَرأَيتَ لو كان على أَبِيكَ دَيْنٌ فقضيته، أَكانَ يُجزىءُ عنه؟» قال: نعم، قال: «فَحَجَّ عَنْه».
وإِذا حجّ المأْمور فأَصْل الحج يقع عن الآمر في ظاهر المذهب. وعن محمد يقع عن المأْمورِ، وللآمرِ ثوابُ النَّفقةِ، لأَن الحج عبادةٌ بدنيةٌ، والمال شَرْطٌ لوجوبها، فلا تُجزىءُ فيها النيابةُ، كالصلاة والصيام، ويَسْقطُ عن الآمرِ الفَرْضُ بالإِجماع، لأَن الانفاق أُقيم مُقام الأَفعال في حَقِّ سقوطها، كالشيخِ الفاني حيثُ أُقِيم الإِطعام في حَقِّه مُقام الصيام. ولا يسقط به عن المأْمور فَرْضُ الحج بالإِجماع، لأَن النية وقعت عن الآمر، سواءٌ أَدَّاه على الموافقةِ أَو المُخَالَفَة، وسواءٌ كان عليه حَجٌّ أَو لا.

وأَمَّا حَجُّ النَّفْل فيقعُ عن المأْمورِ اتفاقاً، وللآمر الثوابُ بأَنْ يصيرَ المأْمور جاعِلاً ثوابَ فِعْلِهِ للآمِر، وهذا جائزٌ عند أَهل السُّنَّةِ، وهو أَنْ يجعلَ الإِنسان ثوابَ عملِهِ لغيره، صلاةً كان أَو صوماً أَو صدقةً أَو غيرها، كقراءةِ القرآنِ والطوافِ والعتاقِ والأَذكار ونحوها، لحديث عائشةَ وأَبي هريرة، رواهما ابن ماجه بسنده عنهما: أَنَّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كان إِذا أَراد أَنْ يُضحي اشترى كَبْشَينِ عَظِيمَيْنِ سَمِينَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوأينِ، يَذْبَحُ أَحدهما عن أُمَّتِهِ مِمَّنْ شهِد لِلَّهِ بالتوحيد، وشهد له بالبلاغ، ويذبح الآخَرَ عن محمد وآل محمد. وفي رواية الحاكم: فقرَّب أَحَدَهما فقال: «بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُم مِنْك ولك، اللهم هذا عَنْ محمدٍ وأَهْل بيتِهِ»، ثُم قَرَّب الآخَرَ فقال: «بِاسْم اللَّهِ، اللَّهُم هذا مِنْك ولك، اللَّهُم هذا عَمَّنْ وَحَّدَكَ مِنْ أُمَّتِي».

ولحديث جابر رواه أَبو داود وقال: ذبح النبيُّ صلى الله عليه وسلم يومَ النَّحْر كَبْشَين أَقْرَنَين أَمْلَحَين مَوْجُوأَين، فلما وَجَّهَهُمَا قال: «{إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ} ـ الآيةَ ـ، اللهم مِنْك ولك عن محمدٍ وأُمَّتِهِ، باسْمِ اللَّهِ واللَّهُ أَكْبر»، ثُم ذَبَح. ولحديث أَبي رافع رواه أَحمد وإِسحاق والطبراني من حديث شَرِيك قال: ضَحَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بِكَبْشَيْن أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوأَين ـ أَي خصيين ـ وقال: أَحَدُهما عَمَّنْ شهِد لِلَّهِ بالتوحيد، وله بالبلاغِ، والآخر عنه وعن أَهْل بَيْتِهِ. ولحديث حذيفةَ رواه الحاكم، ولحديث أَبي طَلْحَةَ وأَنس، رواهما ابن أَبي شَيْبَةَ في «مسنده» بِمَعْنى ما تقدّم.

وقالت المعتزلة: ليس له ذلك، ولا يصِل إِليه ولا يَنْعَقِدُ. وقال مالك والشافعيّ: يجوز ذلك في الصدقة والعبادة المالية كالحج. ولنا ما تقدم وما رُوي: أَنَّ رجلاً سأَل النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: كان لي أَبَوَانِ أَبَرُّهُما حال حياتهما، فكيف لي بِبِرِّهِمَا بَعْد موتِهِما؟ فقال صلى الله عليه وسلم «إِنَّ من البِرِّ بعد المَوْتِ أَنْ تُصلِّيَ لهما مع صلاتِك، وأَنْ تصومَ لهما مع صومِك». رواه الدَّارَقُطْنِيّ. وعن عليَ رَضِيَ الله عنه مرفوعاً: مَنْ مَرَّ على المقابِرِ وقَرَأَ: قُل هو اللَّهُ أَحَدُ، إِحْدى عشر مرةً ثُمَّ وَهَب أَجْرَها للأَموات، أُعْطِي من الأَجْر بِعَدَدِ الأَمواتِ». رواه الدارقطني. وعن مَعْقِل بن يَسَار مرفوعاً: «اقرؤوا على مَوْتَاكُم يس». رواه أَبو داود. والأَصل الحقيقة مع أَنه لا محظور على أَنها تُقْرَأُ على المُحْتصِر لإِشْرَافِهِ على الموت.
(
إِنْ دَامَ عَجْزُهُ إِلى مَوْتِهِ) فلو أَحَجَّ عنْ نَفْسه وهو محبوسٌ أَو مَرِيضٌ، إِنْ ماتَ به أَجزأَه الحج، وإِنْ تَخَلَّص منه بطلَ إِجزاؤه عنه فرضاً، فيبقى نَفْلاً. وذلك لأَن الحج فُرض في العمر مرة فيُعْتبر استمرارُ العَجْز فيما بَقِي مِنْه.
(
ونَوَى عَنْهُ) وَحْدَه على التعيين. حتى لو نوى الحج عن الآمرين على التعيين ضمِن النفقة لكلَ منهما وكان الحج له. ولو نواه عن واحدٍ منهما غير مُعَيّن ولم يعيِّن أَحدهما قبل طواف القدوم والوقوف ضمِن النفقة، وإِنْ عيَّن أَحدهما جاز استحساناً عند أَبي حنيفة ومحمد، كما لو أَهَلَّ الحج عن أَبويه ثُم عيَّنه لأَحدهما، وذلك لأَنَّ الإِبهام واقع في الإِحرام وليس بمقصودٍ، وإِنما المقصود الأَفعال، والتَّعْيين في الانتهاء بمنزلةِ التعيينِ في الابتداء. أَلاَ ترى أَنه لو أَحرم ولا ينوي حجةً ولا عُمرةً بعينها كان له أَنْ يُعَيِّنَ في الانتهاء ويجعل ذلك كتعيينه في الابتداء.


وعند أَبي يوسف وقع الحج عن المأْمور وضمِن النفقة لأَنه مأْمور بتعيين الحج، فإِذا لم يعين فقد خالف فيضمن النفقة. ولو نواه ساكِتاً عن المحجوج عنه، لا نَصَّ فيه، وينبغي أَنْ يصح التعيين باتفاقهم لعدم المخالفة. وهذا كلُّه بطريقِ النيابة. وأَمَّا الاستئجار فلا يجوز عندنا، وإِذا لم يجز بقي أَمره بالحج فيكون له نفقةُ مثلهِ في ماله، وليست بِعَوض،ولكن يستحقُّ كفايتَه لأَنه فرَّغ نفسه لعملٍ ينتفع به فيستحق الكفاية في ماله، كالقاضي والعامل.
ولو حج عن أَبيه أَو أُمه حجة الإِسلام مِنْ غير وصيةٍ أَجزأَه إِنْ شاءَ الله تعالى، لما روينا من حديث الخَثْعَمِيَّة وغيرها. وإِنما قيَّد محمد الجواب بالاستثناء بعد ما صح الحديث فيه، لأَن خبر الواحد لا يوجِب العلم اليقيني. فإِنْ قيل: فقد أُطْلِق الجواب في كثيرٍ من الأَحكام الثابتة بخبر الواحدِ. قلنا: لأَن خبر الواحد موجِبٌ للعَمل، فما طريقُه العمل أُطْلِق الجواب فيه. فأَما سقوط حَجَّةُ الإِسلام عن الميت بأَداء الوَرثة فطريقُه العِلْم، فإِنه أَمْرٌ بَيْنَه وبين الله، فلهذا قَيَّد الجواب بالاستثناء.
ثُم مِن شرائط جواز الإِحجاج: أَنْ يحج بمالِ المحجوج عنه، فإِنْ تبرَّع الحاجُّ عنه بمالِ نَفْسه لم يَجُز، فينفق على نفسه بالمعروف في الطعام، والشراب، والكسوة في الطريق، وثَوْبَي إِحرامه، وما فضَل ردَّه إِلى الورثة أَو الوصي، إِلاَّ أَنْ يوصِي الميت له به. وليس له أَنْ يدعو أَحداً إِلى طعامه، ولا يتصدّق به، ولا يقرِضه، ولا يصرِف الدنانير بالدراهم إِلاَّ لحاجةٍ تدعو إِلى ذلك، ولا يشتري منه ماء لوضوئه، ولا يدخل الحمام، ولا يشتري منها دهناً للسِّراج، ولا ما يدَّهِن به أَو يتداوى به، ولا يعطي منها أُجرة الحَلاق أَو الحجَّام إِلاَّ أَنْ يأْذن له الميت أَو الوارِث، ولا ينفق على مَنْ يَخْدُمه إِلاَّ إِذا كان مِمَّنْ لا يَخْدُم نفسه.

وفي «فتاوى قاضيخان»: له أَن يدخل الحَمَّام بالمتعارَف مِن الزمان، ويعطي أُجرة الحارس مِن مال الآمر، وله أَن يخلط دراهم النفقة مع الرُّفقة، ويُودِع المال، وله أَن يشتري دابةً يركَبها، ومَحْمِلاً وقِرْبة، وأَدواتٍ وسائر الآلات. انتهى. وإِذا تَعَجَّل إِلى مكة مِن رمضان فنفقتُه من مال نفسه إِلى عشر ذي الحِجّة.
ويحج عن المُوصِي بالحج راكِباً من بلده ـ لقيامه مقامه ـ إِنْ كَفَت نفقتُه لذلك، وإِلاَّ فمِنْ حيثُ يبلغه، وهذا استحسانٌ . وفي القياس تَبْطُل هذه الوصية لِعَجْز الوصي عن تنفيذ ما أُمِر به وهو الحج مِنْ منزِلِه، كما لو أَوْصى بعتق نَسمةٍ بأَلفٍ وكان ثلثُ المال دونَها. ووجه الاستحسان أَنَّ المقصود من الحج ابتغاءُ مرضاةِ اللّهِ. ونَيْل الثواب، فيكون بمنزلةِ الوصية بالصَّدقة، وهي تَنْفُذ بِحَسب الإِمكان.

(
ودَمُ الإِحْصَارِ عَلى الآمِرِ) إِنْ كان حَيَّاً وفي ماله مِن ثُلُثهِ، أَو كله إِنْ كانَ ميتاً، لأَنه الذي ورَّطَه فيه، ثُم يجب عليه مِن قابل بمالِ نفسه، لأَنه لم يُتِمَّ الأَفعال بسببِ الإِحصار، وإِنَّما يقع ما هو مسمى الحج عنه ولم يتحقق. ولو فاته الحج لا يضمن النفقة لعدم المخالفة، فهو كالمُحْصَر وعليه الحج مِن قابل بمالِ نفسه. وقال أَبو يوسف: على المأْمور، لأَنه للتَّحَلُّل وصار كدَمِ القِران. وأُجيب بأَن دم الإِحصار مَؤُنة بمنزلة نفقة الرجوع.

(ودَمُ القِرَانِ) ودم الجِناية (عَلَى الحَاجِّ) أَمَّا دم الجناية فلأَن المأْمور هو الجاني، وأَما دم القِران فلأَنه وجب شُكراً للجَمْع بين النُّسُكَيْن، والمأْمور هو المختص بهذه النعمةِ. قالوا: وهذه تشهد لصحَّة المَرْوي عن محمد مِن أَنَّ الحج يقع عن المأْمور، والمراد قِرانٌ أَمَرَه واحدٌ به أَو أَمَرَهُ اثنان: أَحدهما بالحج والآخر بالعمرة وأَذنا له في القِران. أَمَّا لو أَمَره اثنان أَحدهما بالحج والآخر بالعمرة ولم يأَذنا له بالقِران وقرن كان مخالفاً، إِذ المأْمور بالإِفراد مخالِفٌ بالقِران وإِن نواه للآمر عند أَبي حنيفة، كالتمتع للآمر بالإِفراد. وإِنما يصير مخالفاً لأَنه مأْمور بأَن يحج عنه من الميقات، والمتمتع يحج من جوف مكة فكان هذا غير ما أَمره به.
وقالا: هو موافِقٌ، وهذا استحسانٌ لأَنه أَتى بالمأْمور وزاد عليه ما يجانسه فلا يصير به مُخالِفاً، كالوكيل بالبيع إِذا باع بأَكثر مِمَّا سُمِّي له من جنسه. ويوضِّحه أَنَّ القِران أَفضل من الإِفراد، فهو بالقِران زاد خيراً فلا يكون مخالفاً. وأَبو حنيفة يقول: هو مأْمورٌ بإِنفاق المال في سفرٍ مجرَّدٍ للحج، وسفره هذا ما انفرد للحج، بل للحج والعُمرة جميعاً فكان مخالِفاً، كما لو تمتع. ولأَن العُمرة التي زادها لا تقع عن الآمر، لأَنه لم يأْمره بها فلا ولاية عليه للحاج في أَداء النُّسك عنه إِلاَّ بِقَدْر ما أَمَره. أَلا تَرَى أَنه لو لم يأْمره بشيءٍ لم يَجُز أَداؤه عنه، فكذا إِذا لم يأْمره بالعُمرة. وإِذا لم تكن عمرته عن الآمر صار كأَنه نَوَى العُمرة عن نفسه وهناك يصير مخالِفاً فكذا هنا.

(وضَمِنَ النَّفَقَةَ) وعليه القضاء في مال نفسه (إِنْ جَامَعَ قَبْلَ وُقُوفِهِ) لأَن المأْمور به هو الحج الصحيح، والجِماع قبْل الوقوف يُفْسِد الحج. أَمَّا لو جامع بعد الوقوف فلا يَفْسُد حجُّه ولا يَضْمن النفقةَ، ولزِمه الدم لأَنه دمُ جنايةٍ، ودم الجناية على المأْمور بالحج.

(
وإِنْ مَاتَ) المأْمور بالحج عن الميت (في الطَّرِيق) أَو سُرِقت نفقته (يُحَجُّ مِنْ مَنْزِلِ آمِرِهِ) وهو الميت عند أَبي حنيفة (بِثُلُثِ ما بَقِي) من مال الميت على تقدير أَن يكون الحج عنه بوصيةٍ منه (لا مِنْ حَيْثُ مَاتَ) أَو سُرِقت نفقته كما قالا، وهو قول مالك والشافعيّ. وهذا مبنيٌّ على اختلافهم فيمن حجَّ بنفسه ومات في الطريق، فإِنه يوصِي بأَنْ يُحج عنه من منزله عند أَبي حنيفة، وعندهما ـ وهو الاستحسان ـ مِنْ موضع مات فيه، لأَن سفَره لم يبطُل بموته، لقوله تعالى: {ومَنْ يخرُج مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُم يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَد وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}، ولقوله صلى الله عليه وسلم «مَنْ خَرَج حَاجَّاً فمات كتب اللّهُ له أَجْرَ الحاجِّ إِلى يومِ القيامةِ، ومَنْ خَرَجَ مُعْتَمِراً فماتَ كُتِبَ له أَجْرُ المُعتمِر إِلى يومِ القيامةِ، ومَنْ خَرَج غَازِياً في سبيلِ اللَّهِ فمات، كُتِبَ له أَجْرُ الغازي إِلى يومِ القيامةِ». رواه الطبراني في «مُعْجمه»، وأَبو يَعْلَى المَوْصلي في «مَسْنَده».

ورَوى تمَّام في «فوائده» عن عائشةَ قالت: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم «مَنْ مات في طريقِ مكةَ لم يَعْرِضْهُ اللّهُ تعالى، ولم يُحَاسَب». ورَوى الدَّارَقُطْنِي عنها قالت: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم «مَنْ مات في هذا الوجهِ مِنْ حاجَ أَو مُعْتَمِرٍ لم يُعْرض له، ولم يُحَاسَبْ، وقيل له: ادخل الجنة». وأَما ما في «الهداية» مِن قوله صلى الله عليه وسلم «مَنْ ماتَ في طريقِ مكةَ، كتبَ اللّهُ له حجةً مبرورةً في كلِّ سنةٍ»، فغير معروف.
ولأَبي حنيفة أَن الموجود من السفر بطل في حقِّ أَحكام الدنيا، لما روى مسلم وأَبو داود والترمذي والنَّسائي من حديث أَبي هريرة: أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذا مات ابنُ آدمَ انقطَعَ عملُهُ ـ أَي ثوابه ـ إِلاَّ مِنْ ثلاثٍ: صدقةٌ جاريةٌ، أَو علمٌ يُنْتَفَع به، أَو ولدٌ صالح يَدْعُو له».
وحاصله: أَنَّ المراد بالانقطاع في أَحكام الدنيا وبعدَم الانقطاع في أَحكام العُقْبى، والأَول هو الذي يوجِبه هنا، كَمَن صام إِلى نصف النهار في رمضان، ثُم حضَره الموت، يجب أَن يوصِي بِفِدية ذلك اليوم، وإِنْ كان ثواب إِمساك ذلك القدر باقياً، كذا ذكره ابن الهمام. وفي كون الوصية واجبةً بِفِدْية ذلك اليوم نَظَرٌ ظاهرٌ لا يَخْفَى على الأَعلام. وقد صرح صاحب «الهداية» في «التجنيس» أَنَّ مَنْ وجب عليه الحجُّ فحَجَّ مِن عامِه فمات في الطريق، لا يجب عليه الإِيصاء، لأَنه لم يؤخر بعد الإِيجاب.

ولو نوى الصَّرُورة ـ بالصاد المهملة: وهو الذي لم يحج حجَّة الإِسلام ـ (الحجَّ) نفلاً أَو عن غيره صحَّ عمَّا نوى عندنا لا عن فرضه كما قال مالك والشافعيّ. لهما على الأَول أَن بنية النفل تبقى مطلق نيّة الحج، وبمطلقِ النيةِ يتأَدَّى الفَرْضُ، ويدل عليه أَنَّ نية النفل لَغْوٌ لأَنه عبارة عن الزيادة، ولا يتصور قبل الأَصل، وإِذا لغت نية النفل تبقى مطلق نية الحج، وبمطلق النية يتأَدّى الفرض، ويدل عليه أَن نيّة النفل نوعُ سَفَهٍ (منه) قَبْل أَداء حجَّة الإِسلام، والسَّفِيه يستحق الحج، فجعلت نية النفل لغواً تحقيقاً لمعنى الحجة، فبقي مطلق النية. ويجوز أَن تتأَدَّى حجة الإِسلام بغير نيّة، كما في المُغْمَى عليه إِذا أَحْرَم عنه أَصْحَابُه، فبنية النفل أَوْلى. وعلى الثاني ما روى الدَّارَقُطْني عن ابن عباس: أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم سمِع رجُلاً يُلَبِّي عن شُبْرُمَة فقال له: «مَنْ شُبْرُمة؟ قال: أَخٌ لي، قال: هل حَجَجْتَ؟ قال: لا، قال: حُجَّ عن نَفْسِكَ، ثُم احجُج عن شُبْرُمَة».

ولنا على الأَول أَن وقت أَداء الفَرْض في الحجِّ يسع أَداء النفل فلا يتأَدى الفرض فيه بنية النفل، كالصلاة، بخلاف الصوم عندنا فإِنَّ وقت أَدائه لا يسع أَداء النفل. وعلى الثاني ما روينا من حديث الخَثْعَمِيَّة وغيرها أَن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «حجي عنه». وقال لأَبي رَزِين العُقَيلي: «احجُج عن أَبيك واعتمر»، ولم يستفسرهما أَنهما حجّا عن أَنفسهما أَو لا. وحديث الدَّارَقُطني معارَض بما رواه هو أَيضاً عن الحسن بن عُمَارة عن ابن عباس قال: سمِع النبيُّ صلى الله عليه وسلم رجلاً يُلَبِّي عن نُبَيْشَة فقال: «أَيُّها المُلَبّي عن نُبَيْشَة، هل حججت؟ قال: لا، قال: فهذه عن نُبَيْشَة، واحجُج عن نَفْسِك». إِلاَّ أَنَّه قال: هذا وَهْم من الحسن عن ابن عباس، ثُم قال: وقد رجع الحسن بن عُمَارة عن ذلك، وحدَّث به على الصواب موافقاً لرواية غيره، ثُم قال: وعلى كل حال فالحسن بن عُمَارة متروك. وقوله صلى الله عليه وسلم «حُجّ عنْ نَفْسِك ثُم عن شُبْرُمَة» أَمْرٌ باستئناف حجَ آخَر لنفسِه نظراً له، وقد كان قَبْل نَسْخ جواز فَسْخ الإِحرام، لا دالٌّ على وقوع الحج عن نفسه كما هو مذهبهما.
ومن الفروع: لو أَوْصَى أَن يَحُج عنه فلانٌ، فعند محمد يحُج عنه غيرُه إِلاَّ أَنْ يكونَ قد صرَّح بأَن لا يحُج غيره. ولو أَوْصَى بأَنْ يُحَجَّ عنه بثُلُثِ مالِهِ، وثُلُثُ المال يبلغ حِجَجَاً كثيرة، فالوصي بالخِيار إِنْ شاء أَحجَّ عنه في كل سنةٍ حجَّةً واحدةً، وإِنْ شاءَ أَحجَّ عنه مقدارَ ما يبلغ في سنةٍ واحدة، والتعجيل أَفضل. وإِن اجتمع الورثة على أَنْ يحُج واحدٌ منهم عنه جاز.

(ولا يَجُوزُ للهَدْي) وهو ما ينقل للذبح مِن الحِلِّ إِلى الحرم (إِلاَّ جَائِزُ التَّضْحِيَةِ) وهو الثَّنِي فصاعداً من الغنم والبقر والإِبل. والجَذَع من الضأْن فقط، لأَن الجَذَع من الإِبل: وهو ابن أَربع سنين، ومن البقر: ابن سَنة غير جائز، لقوله صلى الله عليه وسلم «ضَحُّوا بالثَّنَايا إِلاَّ أَنْ يَعْسُرَ عليكم، فاذبحوا الجَذَعَ مِن الضَّأْنِ». والهدايا كالضحايا، لأَن كلاً منهما قربة متعلقة بالإِراقة، فيكون في الجواز كذلك، فلا بد من السلامة من العيوب المذكورة في باب الأُضحية. والثَّنِي ـ بالكسر ـ من الإِبل: ما له خمس سنين وطعَن في السادسة، ومن البقر: ما له سنتان وطعن في الثالثة، ومن الغنم ما له سنة وطعن في الثانية. والجَذَع ـ بفتح الجيم والذال المعجمة ـ: ما أَتى عليه أَكثر السَّنة، وإِنَّما يجوز إِذا كان عظيماً. وتفسيره أَنه لو خُلِط بالثنايا اشتبه على النَّاظر أَنَّه منها.
(
وأَكَلَ) استحباباً (مِنْ هَدْي تَطَوُّعٍ ومُتْعَةٍ وقِرَانٍ) لما في حديث جابر: ثُم أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنةٍ بِبَضْعَةٍ فجعلت في قِدْرٍ، فأَكلا ـ أَي النبيّ صلى الله عليه وسلم والولي ـ من لحمها، وشرِبا مِن مَرَقِها، ولأَنها دماءُ نُسُك كالأُضحية (فَقَط) أَي لا يجوزُ أَن يأْكل من غير هذه الهدايا، لأَنها دماء كفَّارَات.

(وخُصَّا) أَي هَدْي المتعة والقِرَان (بِيَوْمِ النَّحْرِ) أَي بأَيَّامه، لقوله تعالى: {فكُلُوا مِنها وأَطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ ثُمَّ ليقضُوا تفَثَهُم وليُوفُوا نُذُورَهُم وليَطَّوَّفُوا بالبَيْتِ العَتِيقِ}، وقضاء التَّفَث والطواف مختصّان بيوم النحر، فيكون الأَكل كذلك، ولأَنهما دما نُسُكٍ فيختصان بيوم النَّحْر كالأُضحيةِ. والمراد بالاختصاص من حيث الوجوبُ على قول أَبي حنيفة، وإِلاَّ لو ذبح بعد أَيام النَّحْر أَجزأَ إِلاَّ أَنه تاركٌ للواجب، وقَبْلَها لا يجزىء بالإِجماع. وعلى قولهما كذلك في القَبْلي، وكونه فيها هو السُّنة السّنية.
(
لا غَيْرُهُمَا) أَي لا يختص هَدْيُ غير المتعة والقِران بيوم النحر، بل يجوز فيه وفي غيره. أَما هديُ الكفارة فلأَنه وجب لجبر النقصان فكان التعجيل به أَولى. وأَما هَدْيُ التَّطوع فلأَن القربة فيه باعتبار أَنه هَدْي، وذلك يتحقق بالبلوغ إِلى الحرم ولا يتوقف على يوم النحر، لكن الأَفضل ذَبْحه فيه، لأَن معنى القربة في إِراقة الدم فيه أَظهر، وهذا هو الذي في «الأَصل». وذكر القُدُورِي أَنَّ دم التطوع يختص بأَيام النحر، كدم المتعة والقِرَان لأَنه نُسُك مثله.

(
والكُلُّ) أَي وخُصَّ ذَبْحُ كُلِّ هدي تَطَوُّعاً أَو غيره (بالحَرَمِ) لقوله تعالى: {هَدْياً بَالِغَ الكَعْبَةِ} في جزاء الصيد، فكان أَصلاً في كلِّ دم وجب كفارةً، وقوله تعالى في دم الإِحصار: {حتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه} مع قوله تعالى في الهدايا مطلقاً: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلى البَيْتِ العَتِيقِ}. (وتَصَدَّقَ بِجُلِّهِ) أَي لِبْسِ الهَدْي (وخِطَامه) ـ بالكسر ـ ما يُجْعَلُ في أَنْف البعير ونحوه.

(ولا يُعْطِي أَجْرَ الجَزَّارِ مِنْهُ) لما رَوى الجماعةُ إِلاَّ الترمذي عن عليَ رَضِيَ الله عنه قال: أَمَرَنِي رَضِيَ الله عنه أَنْ أَقُومَ على بَدَنَةٍ وأَقسِم جلودَها وجلالَها، وأَمَرَنِي أَنْ لا أُعطِي الجزارَ منها شيئاً، وقال: «نَحْنُ نُعْطِيه من عِنْدِنا». ولو تصدق بلحمه على فقير غيرِ الحرم جاز، لأَن الصدقة على كل فقيرٍ قُربةٌ مقصودة، ولإِطلاق قوله تعالى: {وأَطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ} خلافاً لمالك والشافعيّ، لأَن الذبح شُرِع في الحرمِ توسعةً على فقرائه، فلا يُتصَدَّق على غيرهم بأَنْ يُحمل إِلى خارج الحرم، فيتصدق على فقرائه.
(
ولا يُرْكَبُ) الهدي، لأَنه جعله خالصاً لله تعالى، فلا ينبغي أَنْ يصرِف منها شيئاً لمنفعَةِ نفسه (إِلاَّ ضَرُورَةً) وبه قال مالك، لما روى مُسْلِمٌ من حديث ابن جُرَيج قال: أَخبرني أَبو الزبير قال: سمعت جابر بن عبد اللّه يُسْأَلُ عن ركوب الهَدْي فقال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ارْكَبْهَا بالمعروفِ إِذا أُلْجِئْتَ إِليها حتى تجِدَ ظهراً». وأَجاز الشافعي ركوبَها مطلقاً لقوله تعالى: {لَكُم فِيها مَنَافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمَّىً}، ولقوله صلى الله عليه وسلم للذي رآه يَسُوق بَدَنة: «ارْكَبْها وَيْلَك، أَو قال: ويحك ».
ولنا ما قدمنا مِن قوله تعالى: {ومَنْ يُعَظِّمْ شعائِرَ اللَّهِ} والبُدْن منها، قال تعالى: {والبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِنْ شَعَائِرَ اللَّهِ} وليس ركوبها من التعظيم في شيء. وقد رُوِي أَنَّ الرجل كان أَجْهَد نفسه، فأَمَرَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بركوبها إِما مُتَرَحِّماً له بقوله: «ويحك»، أَو مُتَوَعِّداً بقوله: «وَيْلك»، لئلا يُفْضِي عدمُ ركوبه إِلى هلاكه. ولو نَقَصَ الهَدْي بالركوب، أَو حَمَّله متاعاً عليه للضرورة ضَمِن بنقصانه ويتصدق به على الفقراء.

(ولا يُحْلَبُ) لأَن اللبن جزء الهدي، فلا يَنْتَفِعُ به هو ولا الأَغنياء. ولو انتفع به أَو دفعه إِلى غَنِي ضَمِنَه لوجود التعدي. (وما عَطِبَ) ـ بكسر الطاء ـ أَي هلك من الهدي في الطريق أَو قَرُبَ من العَطَب حتى خِيف عليه الموت، أَو امتنع عليه السَّيْر (أَوْ تَعَيَّبَ بِفَاحِشٍ) وهو ما يمنع إِجزاء الأُضحية، كذهاب ثُلُث الأُذن، أَو العين، أَو الذَّنَب (ففي الوَاجِبِ أَبْدَلَهُ) لأَنه في الذِّمة ولا يتأَدَّى بالمَعِيب، (والمَعِيبُ لَهُ) لأَنه لم يخرج بتعينه لتلك الجهة عن ملكه، وقد امتنع صَرْفُه فيها فله صَرْفه في غيرها: من بيعٍو أَو تَصَدُّقٍ بلحمها. وفي التطوع: نَحَرَهُ وصَبَغَ نَعْلَهُ بدمِهِ وضرب به صفحة سَنَامه لما روى أَصحاب «السنن الأَربعة» من حديث نَاجِيةَ بن جُنْدُب الأَسْلَمِي: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ معه هَدْياً وقال: «إِن عَطِبَ فانْحَرْه ثُم اصبغ نَعْلَه في دمِه، ثم خَلِّ بينه وبين النَّاسِ». قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
والمراد بالنَّعْل: القلادة وفائدة ذلك إِعْلامُ الناس أَنه هَدْي فيأْكل منه الفقراء دون الأَغنياء، وليس عليه غيرها، لقوله صلى الله عليه وسلم «مَنْ أَهْدَى بَدَنَةً تَطَوُّعاً فَعَطِبت فليس عليه بَدَلٌ، وإِنْ كانت نَذْراً فعليه البَدَلُ». ذكره الشيخ في «الإِمام» وسكت عنه. ولا يأْكل هو أَيضاً ولا رُفقاؤه منها ولو كانوا فقراء، لما في مسلم وابن ماجه عن ابن عباس: أَنَّ ذُؤَيباً الخُزَاعي حَدَّثه: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يَبْعَثُ بالبُدْن
معه ثُم يقولُ: «إِنْ عَطِب منها شيء فخشيت عليه موتاً فانحرها ثُم اغمس نَعْلَها في دمها، ثُم اضرِب به صفحتها، ولا تطعمها أَنت ولا أَحَدٌ مِن أَهل رفقتك». وفي روايةٍ لمسلم: وبعث معه بست عشرةَ بدَنَةً.

ولما أَسندَهُ الوَاقِدِي في أَول غزوةِ الحُدَيْبيةِ: أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا أَراد الخروج... فذكر القِصة بطولها، وفيها أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم استعمل على هَدْيه نَاجِيةَ بن جُنْدُب وأَمره أَنْ يتقدمه بها، وقال: وكانت سبعينَ بَدَنةً، وفيها قال نَاجِية: عَطِب معي بعيرٌ من الهَدْي فجئت رسولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم بالأَبواء فأَخْبَرْتُه، فقال: «انحرها واصبغ قلائدَها من دمها، ولا تأْكل أَنْت ولا أَحَدٌ من رفقتك منها شيئاً، وخَلِّ بينها وبين النَّاس».

ولما في «مُسْند أَحمد بن حنبل» عن عمرو بن خَارجة الثُّمَالي قال: بَعَثَ النبي صلى الله عليه وسلم معي بهَدْي وقال: «(إِذا عَطِب منها شيءٌ فانْحَرْه، ثم اضْرِب نَعْلَه في دَمِه، ثم اضرب به صَفْحتَه)، ولا تأْكل أَنت ولا أَهلُ رفقتك، وخلِّ بينه وبين النَّاس» ـ أَي الفقراء دون الأَغنياء ـ. وهذا لأَن الإِذن يتناوله مُعَلَّقاً بِشرْط بلوغه محلّه، فينبغي أَنْ لا يَحِلَّ قبل ذلك أَصْلاً، إِلاَّ أَنَّ التصدّق على الفقراء أَفْضَل من أَنْ يتركه جَزَرَاً للسِّباع، إِذْ فيه نَوْعُ تَقَرُّب، والتقرُّب هو مقصودُ الربِّ المعبودِ، وهو الغفور الودود.

(وإِنْ شَهِدُوا بالوُقُوفِ قَبْلَ وَقْتِهِ) أَي قَبْلَ يوم الوقوف: بأَنْ شَهِدُوا أَنهم وقفوا يوم التَّرْوية (قُبِلَتْ) شهادتُهم، وعلى أَهْل عرفةَ إِعادةِ الوقوف، لأَن التدارك ممكن إِذا ظهر خطؤهم. وصورة هذه المسأَلة مُشْكِلَة لأَن هذه الشهادة لا تكون إِلاَّ بِأَن الهلال لم يُرَ ليلة الثلاثين من ذي القِعدة، بل رُئِي بعدها وكان ذو القعدة تَامَّاً، ومثل هذه الشهادة لا تُقبل لاحتمال كونِ ذي القعدة تسعةً وعشرين. فصورتها بحيث لا (يَتَأَتَّى) إِشْكَال فيها: أَنَّ الناس وقفوا ثُم عَلِمُوا بعد الوقوف أَنهم غَلِطوا في الحساب وكان الوقوف يومَ التروية، فإِن هذا المعنى (وهو الغلط في الحساب ـ) قبل الوقت بحيث يمكن التدارك، فالإِمام يأْمر الناس بالوقوف، فإِن علم ذلك في وقت لا يمكن تداركه فينبغي أَنْ يُقَال قد تَمَّ حج الناس.
هذا خلاصة كلام المصنف في «شرح الوقاية»، فتكون الشهادة على هذا بمعنى العِلْم، لكنَّ حَمْلَ العبارة المذكورة على هذا المعنى تَكَلُّفٌ (ظاهرٌ)، وأَيضاً الغلط في الحساب من الجَمْع العظيم في غاية الاستبعاد. فلو قيل: إِنه علم ذلك بأَن رجع شهود رؤية الهلال أَو أَقَرُّوا أَنهم شهدوا زُوراً لم يَبْعُد.
ويحتمل أَن تكون السماء متغيمة في أُفُق مكة في أَول ذي الحجة، وشهد شاهدان أَنهما رَأَيَا الهلال وحُكِم بشهادتهما، ثُم جاءت جماعةٌ كثيرة من موضع آخر كانت السماء مُصْحِيَةً بذلك الموضع، فأَخبروا أَنهم لم يَرَوا الهلال، (وحُكِم بشهادتهما) مع اجتهادهم في طلبه والتفحص عن موضعه، ومثل هذه الشهادة وإِنْ كانت على النفي لكنَّ النفي الذي يمكن أَنْ يحيط به علم الشاهد يقبل.

ومثل هذا قد جَعَلَه المصنف في كتاب الشهادة مما يظهر فيه كذب الشاهد، ويحتمل أَن يشهدوا بأَنَّ ذا القِعْدَة غُرَّتُه يوم الأَحد مثلاً، فكان الناس على أَن الغرة يوم الاثنين، فغرة ذي الحجة في زعم الناس يوم الأَربعاء، وفي زعم الذين يشهدون يوم الثلاثاء، فلا يكون شهادة على النفي كما لا يخفى. ولمكان المناقشة في ذلك ذكر صاحب «الهداية»: أَنهم قالوا: ينبغي للحاكِم أَنْ لا يسمع هذه الشهادة، ويقول: قد تمّ حجّ الناس، انْصَرِفُوا، لأَنه ليس فيها إِلاَّ إِيقاعُ الفتنة.

(
لا بَعْدَهُ) بأَن شهِدوا أَنهم وقفوا يوم النحر، فإِنَّ شهادتهم لا تُقبل ويجزىء أَهل عرفة حجتهم، والقياس أَنْ لا تُجْزِئهم كما لو شهدوا بالوقوف قبله. والفَرق أَنَّ التدارك فيما إِذا شهدوا بالوقوف قبل وقته ممكن وبعده غير ممكن، وفي الأَمْر بالإِعادة حَرَج، وأَيضاً العبادة قبل وقتها لا تَصِحُّ أَصْلاً وبعده تصِح في الجملة.
ولو شهدوا يوم التروية أَنه يوم عرفة: فإِنْ أَمْكَن وقوف الإِمام مع أَكثر الناس قُبِلت شهادتهم، وكذلك إِنْ أَمكن وقوفه معهم ليلاً أَو نهاراً، وإِنْ لم يمكن لا تقبل شهادتهم ويقفون من الغد استحساناً. والشهود كالناس حتى لو لم يقفوا مع الناس ووقفوا بما رَأَوا، فاتهم الحج وعليهم قضاء الحج مِن قابل والإِهْلال بِعُمْرة، وذلك لما رُوي أَنه عليه الصلاة والسلام قال: «صَوْمُكُم يومَ تَصُومون، وفِطْرُكم يومَ تُفْطِرون، وعَرَفَتُكُم يومَ تُعَرِّفون، وأَضْحَاكُم يوم تضحون» أَي وقت الوقوف بعرفة عند الله هو اليوم الذي يقف فيه الناس عن اجتهاد ورأي أَنه يوم عرفة.

(نَذَرَ حَجَّاً مَشْياً مَشَى) من بيته لأَنه هو المراد بالعُرْف، وقيل: من الميقات ولا يركب (حَتَّى يَطُوفَ) طواف (الفَرْضَ) وهذه رواية «الجامع الصغير». وفي «المبسوط»: أَنه مُخَيَّرٌ. وعن أَبي حنيفة رحمه الله تعالى أَنَّ مَشْيَهُ مكروهٌ. ووجه رواية «الجامع» أنه (التَزَمَ) على صفة الكمال، لأَن المشي أَشقُّ على البدن فيلزمه الإِيفاء، وصار كالنَّاذر صوماً متتابعاً. فإِنْ قيل: فقد كَرِه أَبو حنيفةَ الحج ماشِياً، فكيف يكون صفة كمال؟ قلنا: إِنما كَرِهَهُ إِذا كان مِظنَّة سوء خُلُق الفاعل له، كأن يكون صائماً مع المشي، أو ممن لا يطيق المشي، فيكون سبباً للإِثم من مجادلة الرفيق، والخصومة في الطريق وإلا فلا شك أن المشي أفضل في نفسه، لأنه أقرب إلى التواضع، وأدل على التذلل لربه.
وعن ابن عباس أنه قال لمّا كُفَّ بَصَرُهُ: ما أسفتُ على شيءٍ إلا على أن لم أحج ماشياً، فإن الله تعالى قدم المشاة فقال تعالى: {يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر}
وعنه صلى الله عليه وسلم «من حج ماشياً كُتبَ له بكل خطوة حسنة من حسنات الحرم، قيل: ما حسنات الحرم؟ كل حسنة بسبع مئةٍ».
لا يقال: لا نظير للمشي في الواجبات، ومِن شَرْط صحة النذر أن يكون من جنس المنذور واجباً، على ما ذُكِرَ في كتاب الصوم، لأنا نقول: بل له نظير وهو مشي المكي الذي لم يجد راحلة وهو قادر على المشي، فإنه يجب عليه أن يحج ماشياً ولو ركب أكثر المسافة أراق دماً لإدخال النقص فيما التزمه، ولو ركب أقلها وجب عليه من الدم بحسابه. رزقنا الله التوفيق للوقوف بالتحقيق على ما في بابه والله سبحانه وتعالى أعلم .

كتاب النِّكَاحِ
هو في اللغة: حقيقةٌ في الوَطء، مجازٌ في العقد (لأنه يُتَوَصَّل به إلى الوطء، وقيل: مشترَك بينهما). وفي الشرع: حقيقة في العقد الموضوع لمِلك المُتْعَة، فخرج العقد الموضوع لمِلك الرقبة، وإن كان يَثبت به مِلك المتعة ضمناً، كالبيع والهبة، ولهذا يصح البيع والهبة في محل لا يَحِلّ الاستمتاع به.
وادعى الشافعي أن النكاح في الشريعة يتناول العقد فقط، وليس كذلك، قال الله تعالى: {حتى إذا بَلَغوا النِّكاح} أي: الاحتلام، فإن المُحتلِم يرى في منامه صورة الوطء، وقال الله تعالى: {الزاني لا يَنكِح إلا زانيةً} والمراد الوطء، وقال الله تعالى: {فإن طلَّقها فلا تَحِلُّ له من بعدُ حتى تَنْكِحَ زوجاً غيرَه} أي يطأها، لما في «الصحيح»: «حتى تَذُوقي عُسَيْلَتَه». والمراد به الجماع بالإجماع خلافاً لابن المُسَيَّب. والعقد مستفادٌ من قوله: {زوجاً غيره} وفي الموضع الذي حُمِل على العقد إنما هو لدليل اقترن به من ذكرِ العقد، أو خطابِ الأولياء كما في قوله تعالى: {وأَنْكِحُوا الأَيامى منكم}، أو لاشتراط إذن الأهل، كما في قوله تعالى: {فانْكِحُوهُنَّ بإذن أهلِهِنَّ}
.
ثم هو سنَّةٌ حال الاعتدال في أصحّ الأقوال، لقوله صلى الله عليه وسلم «أربعٌ من سُنَنِ المرسَلِين: الحياءُ، والتعطُّر، والسِّواك، والنِّكاحُ». رواه التِّرمِذِيّ وقال: حَسَنٌ غريب، وقوله صلى الله عليه وسلم «النكاحُ سُنَّتي، فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي فليس مِنِّي». أي مِنْ أتْبَاعي في اتِّبَاعي. وقيل: فرض كفاية لقوله تعالى: {فانكِحُوا ما طابَ لكم}.

وتعليق الحكم بالعام لا ينفي كونَه على الكفاية، لأن الوجوب في الكفاية على الكلّ، ولقوله صلى الله عليه وسلم «تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا فإني مُكَاثرٌ بكم الأُمَمَ». رواه عبد الرزاق، عن سعيد بن أبي هلال مرسلاً. وقوله صلى الله عليه وسلم لعَكَّاف بن وَدَاعة الهِلالي: «أَلَكَ زوجةٌ يا عَكَّاف»؟ قال: لا، قال: «ولا جارية»؟ قال: لا، قال: «وأنت صحيح مُوسِرٌ» قال: نعم، والحمد لله، قال: «فأنت إذاً من إخوانِ الشياطين إما أن تكونَ من رُهبان النصاري، فأنت منهم، وإما أن تكونَ مِنَّا، فاصنع كما نَصْنَعُ، وإنَّ من سُنَّتِنا النكاحَ، شِرَارُكم عُزَّابُكُم، وأَرَاذِلُ موتاكم عُزَّابُكُم، ويحك يا عَكَّاف، تَزَوَّجْ». فقال: يارسول الله، لا أتَزَوَّجُ حتى تُزَوِّجَني مَنْ شئتَ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قد زَوَّجْتُكَ على اسم الله والبركةِ كَريمةَ بنتَ كُلْثُومٍ الحِمْيَرِي». رواه أبو يَعْلَى في «مسنده»، من طريق بَقِيَّة.

وقيل: واجبٌ على الكفاية، لما أنَّ الثابت بخبر الواحد الظنُّ، والآية لم تُسَقْ إلا لبيان العدد المُحَلَّل. وعند أصحاب الظواهر: إنه فرض عين على القادر على الوطء، تمسكاً بظاهر الآية والحديث.
والأصح أنه يجب عند التَّوَقَان، ويُكره حال الخوف من الجَور والعدوان، فهو أفضل من التخلِّي للعبادة عندنا، وعَكَسَه مالكٌ والشافعيّ لقوله تعالى: {وسَيِّداً وحَصُوراً}، فقد مُدِح يحيى عليه السلام بأنه كان حَصوراً، والحَصُور: الذي لا يأتي النساء مع القدرة على الإتيان.

وحجتنا التمسك بحال النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه حيث اشتغل بالتزوج حتى انتهى العدد المشروع المباح له، والاستدلال بحال رسولنا أولى من الاستدلال بحال يحيى، مع أنه كان في شريعتهم العُزْلة أفضل من العِشْرَة، وفي شريعتنا العِشْرَة أفضل من العُزْلة، لقوله عليه الصلاة والسلام: «لاَ رهْبَانِيَّة في الإسلام».
هذا، ويستحب مباشرة عقد النكاح في المسجد، وكونه في الجمعة، لِمَا في سنن التِّرْمِذي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أَعْلِنُوا هذا النِّكَاحَ واجعلوه في المساجد، واضرِبوا عليه بالدُّفُوف». أي خارجَه. وفي الترمذي والنَّسائي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «فصل ما بين الحلال والحرام الدُّفُّ والصوت». قال الفقهاء: المراد بالدُّفِّ ما لا جَلاجِل له.
(
يَنْعَقِدُ) أي يرتبط عقد النكاح (بإيجَابٍ) وهو ما يُقَال أوّلاً (وقَبُولٍ) وهو ما يُقال ثانياً (لَفْظُهُمَا) أي صيغة الإيجاب والقبول كلاهما (ماضٍ كـ: زَوَّجْتُ) أو أنكحتُ (وتَزَوَّجْتُ) أو نَكَحت، أو قَبِلتُ، أو رَضِيت. وإنما اختير لفظ الماضي للإنشاء، لأنه أدلّ على الوجود والتحقق، حيث أفاد دخولَ المعنى في الثبوت والوقوع قبل الإخبار.
(
أو) لفظهما (أمرٌ وماضٍ) أي وُضِع أحدهما للإخبار والآخر للإنشاء (كـ: زَوِّجْني) أو زَوِّج ابنتك (فقال) الآخر: (زَوَّجْتُ). وفي «فتاوى قَاضِيخَان»: ولفظ الأمر في النكاح إيجابٌ، وكذا في الطلاق إذا قالت: طَلِّقني على ألف، فطلَّقها كان تاماً.
(
وإنْ لَمْ يَعْلَما) أي العاقدان (مَعْنَاه) أي معنى لفظ ما عقد به من التَّزَوُّج ونحوه.

(وَقولِهِما): أي: وينعقد بقول العاقدين: (دَادُ و صلى الله عليه وسلم يرُفت) بضم الراء (بلا مِيمٍ) أَي ولو بلا ميم (بعد دادي و صلى الله عليه وسلم يرُفتي كَبَيْعٍ وشِرَاءٍ) أي وكما في عقدهما بلفظ الماضي. والفرق بين بعني كذا بكذا، فقال: بِعتُ، لا ينعقد البيع، وبين زَوِّجني فقال: زوجتك حيث ينعقد النكاح، مع أن الأمر ليس فيهما بإيجاب، وإنما هو توكيل، وكلاًّ من: زَوَّجتُ وبِعتُ إيجاب وقبول، أنّ الواحد يتولَّى طرفي عقد النكاح ولا يتولى طرفي عقد البيع، لأن الوكيل في النكاح سفيرٌ محضٌ، وفي البيع أصيلٌ في الحقوق، ولهذا ترجع الحقوق في النكاح إلى الموكِّل، وفي البيع إلى الوكيل. (لا بِقَولِهِما عِنْدَ الشُّهُودِ): أي الشاهدين: (ما زن وشُوييم).

(
ويَصِحُّ) عقد النكاح (بِلَفْظِ نكاحٍ) أو تَزَوّجٍ (وَتَزْوِيجٍ) أو إنكاحٍ إجماعاً، لأنها صريحة، واقتصر الشافعي في جوازه عليهما.
(
وما) أي بلفظ (وُضِعَ لِتَمْلِيكِ العَيْنِ) كُلِّها (حالاً) كالتمليك، والهِبَةِ، والصَّدَقَةِ، والبيع، والشِّرَاء، لأنها سبب لمِلك المُتْعَةِ في محلَ يَقبلها بواسطة مِلك الرقبة، فيكون من إطلاق السبب وإرادة المُسَبَّب لقوله صلى الله عليه وسلم «مَلَّكْتُكَها بما معك من القرآن»، ولقوله تعالى: {وامْرأَةً مُؤْمِنَةً إنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ}، ولأن رجلاً وهب ابنته لعبيد الله بن الحقّ بشهادة شاهدين، فأجازه عليٌّ رضي الله عنه.
قَيَّد الوَضْعَ بتمليك العين، لأن النكاح لا ينعقد بلفظ الإجارة، ولا بلفظ الإعارة على الصحيح. وقَيَّدَ بالحال، لأن النكاح لا ينعقد بلفظ الوصية، لأنها لتمليك العين بعد الموت لا في الحال.

(وشُرِطَ سَمَاعُ كُلٍ مِنْهُما) أي من العاقدين لفظَ الآخر ، لأن عدم سماع أحدهما لفظَ الآخر بمنزلة غَيْبته (وحُضُورُ حُرَّيْنِ، أو حُرَ وحُرَّتَيْنِ) وبه قال مالك خلافاً للشافعي، لأن عنده شهادة النساء في غير المال وتوابعه لا تُقبل، وسيأتي بيان ذلك في الشهادة إن شاء الله تعالى. قال في المبسوط: واعتمادنا حديث عمر رضي الله عنه، حيث أجاز شهادة رجل وامرأتين في النكاح والفُرْقَة.
(
مُكَلَّفَيْنِ مُسْلِمَيْنِ) لأن الشهادة ولاية لنفوذ قول الشاهد على غيره، ولا ولايةَ للعبد والصبي والمجنون على غيره، ولا للكافر على المسلم.
وقال أهل المدينة: يجوز النكاح بغير شهود إذا أعلنوا، لأن ابن عمر زَوَّج ولم يُحْضِر شاهدين، وَزوَّج الحسن بن عليّ وابن الزُّبير وما معهما أحد. كذا قال ابن المُنْذِر.
ولنا ما روى الترمذي من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البغايا اللاَّتي يُنْكِحْنَ أنْفُسَهُنَّ بغير بَيِّنةٍ». ولم يرفعه غير عبد الأعلى في التفسير، ووقفه في الطلاق. وروي أيضاً عنه أنه قال: «لا نكاح إلا بِبَيِّنَة». وروى الدَّارَقُطْنِي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا نكاح إلا بشُهُود»، وقد قال صلى الله عليه وسلم «لا نِكاحَ إلا بِوَليّ وشَاهِدَي عَدْلٍ، وما كان من نكاحٍ على غير ذلك فهو باطلٌ، فإن تشاجَرُوا فالسلطانُ وَليُّ مَن لا وليَّ له». رواه ابن حِبَّان وقال: لا يصح في ذكر شاهِدَينِ غير هذا الحديث.

(سَامِعَيْنِ معاً لَفْظَهُمَا) أي لفظ العاقدَينِ معاً، فلا ينعقد (بحضور أصمَّيْن، ولا بحضور سامعَين متفرقَين: بأن عَقَدا بحضور واحدٍ ثم بعد غَيبته عقدا بحضور آخر، وبأن عُقِد) بحضورهما فسمع أحدهما كلام العاقدين ولم يسمعه الآخر، فأعاد العقد، فسمعه الآخر ولم يسمعه الأول، أو بأن عَقَدا بحضورهما فسمع أحدُهما كلام الزوج والآخر كلاَم المرأة، ثم أعادا فسمع كلامَ المرأةِ الذي كان سمع كلام الزوج، وسمع كلامَ الزوج الذي كان سمع كلامَ المرأة.
ووجه المنع في هذه الصورة أنهما عقدانِ لم يَحضُرْ كلَّ واحدٍ منهما شاهدانِ، وقيل: يصح بحضرة الأصَمَّين وأغْرَبَ من زاد: النَّائِمَينِ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا نكاحَ إلا بشهود»، ولأن السماع هو المقصود من الحضور، ولو سمعا كلاَم العاقدَين ولم يعرِفا تفسيرَه، قيل: يصح، والظاهر خلافه.
(
وصَحَّ) النكاح (عِنْدَ فَاسِقَيْنِ) ولو كانا محدودَيْنِ في قذفٍ، غيرَ تائبَين، لأن الفاسق من أهل الولاية القاصرة بلا خلاف، لأن له أَن يُزَوِّجَ نفسه، وعبدَه، وأمَتَهُ، فيكون من أهل تحمُّل الشهادة، وإن لم يكن من أهل أدائها، لأن كُلاًّ مِن التحمُّل والولاية القاصرة لا إلزام فيه.
(
ولا يَظْهَرُ) أَثَرُ شَهَادَتِهِما الدالّ عليها فحوى الكلام (عِنْدَ الدَّعْوَى) لأن أداء الفاسق مردودٌ، والنكاح موقوف على تحمل الشهادة لا على قبولها، فصار العقد بحضور الفاسقَين كالعقد بحضور الأصَمَّينِ، حيث يَصِحُّ ولا تُفيد شهادتهما عند الدعوى، ولم يُجِزِ الشافعيُّ شهادةَ فاسقَين لما قدَّمنا من قوله صلى الله عليه وسلم «لا نكاحَ إلا بِوَليَ وشَاهِدَي عَدْلٍ»، ولا شهادةَ الأعْمَيَيْنِ في الأصح عنه.

ولنا في انعقاده بشهادة الفاسقَين أصلٌ وهو: أن كلَّ ما يَصْلُح أن يكون قابلاً للعقد بنفسه ينعقد النكاح بشهادته، وكلَّ مَنْ يَصْلُح أن يكون وليًّا في النكاح يَصلح أن يكون شاهداً فيه. وهذا الحديث إِن صحَّ مقيَّداً بالعدالة، فالآخَر وهو قوله: «لا نكاح إلا بشهود» وهو الذي ذكره عند قوله: «مُكَلَّفَينِ مُسْلِمَيْن» مُطلقٌ عنها، ونحن نعمل بالمُطْلَقِ والمقيَّدِ جميعاً، مع أنه ذكر العدالة في موضع الإثبات فتقتضي عدالةً ما، وذلك من حيث الاعتقادُ، وفي الحقيقة إن المسألة مبنيَّةٌ على أن الفاسق من أهل الشهادة عندنا، وإنما لم تُقبل شهادته لتمكُّنِ تُهمةِ الكذب، وفي الحضور والسماع لا تَتَمَكَّنُ هذه التهمة، فكان بمنزلة العدل.

وعنده الفاسق ليس من أهل الشهادة أصلاً لنقصان حاله بسبب الفِسق. قلنا: الفسق لا يُخْرِجُهُ من أن يكونَ أهلاً للإمامة والسلطنة، فإن الأئمةَ بعد الخلفاء الراشدين قلَّ ما خَلَوْا عن الفِسق ، فالقول بخروجه من أن يكون إماماً بفسقٍ ما، يؤدي إلى فسادٍ عظيم، ومن ضرورة كونه أهلاً للإمامة كونه أهلاً للقضاء، لأن تقلُّد القضاء يكون من الإمام، ومن ضرورة كونه أهلاً للقضاء أن يكون أهلاً للشهادة.

(وصَحَّ عِنْدَ ابْنَيْهِمَا) بأنْ وقعتِ الفُرقةُ بين رجلٍ وامرأة، ثم تزوجا بحضور ابنيهما، وبه قال الشافعي في الأصح. (أو) ابْنَي (أحدِهما) أي ابْنَي الزوج، أو ابْنَي الزوجة. قال أبو المكارم: وعطفه على الضمير المجرور بلا إعادة الجار مبنيٌّ على مذهب الكوفيين، وقد ارتكب المصنف ذلك في تصانيفه. قلت: وهو كذلك عند جماعة من البصريين، وهو المذهب المختار عند علماء العربية وعامة القُرّاء كما حُقِّقَ في قوله تعالى: {تَساءَلونَ به وَالأَرْحَامِ} بالخفض على قراءة حمزة. وقيل: التقدير: أو عند ابْنَي أحد العاقدين، بحذف المضاف. وأما جَعْلُ الضَّميرِ راجعًا إلى الابنَيْنِ وإرادةُ أن النكاح يَصِحُّ عند أحد الابنَيْنِ وشاهدٍ آخر، فَتَكَلُّفٌ، بل وتَعَسُّفٌ مخالفٌ لصريح كلام المصنف في «شرح الوقاية».
(
ولا تُقْبَل للقَرِيبِ) لأجل التهمة، فإذا عقدا بحضور ابْنَي الزوج، فإِن كان هو المدعي لم تُقْبَل شهادتهما له، وإن كانت الزوجةُ المدعيةَ قُبِلت شهادتهما لها، وإذا عقدا بحضور ابْنَي الزوجة، فإن كانت المُدَّعِيَةَ لم تُقْبَلْ شهادتهما لها، وإن كان المُدَّعِي قُبِلت شهادتهما. وإذا عقدا بحضور ابنيهما الشقيقين لا تُقْبَلُ، سواءٌ كان المدعي هو أو هي. وصح في بعض النسخ: كنكاح مسلم ذِمِّية عند ذِمِّيَّيْنِ.

(وصَحَّ عِنْد ذِمِّيَّيْنِ) كنكاح مسلمٍ ذميةً (ولا تُقْبَلُ) شهادتهما عند الدَّعْوَى (على المسلم) لعدم صحة شهادة الذمي على مسلم، وتُقْبَلُ على الذِّمِّيَّة. وقال محمد وزُفَر: لا يَصِح العقد، لأنه نكاحٌ لا يَصِحُّ إلا بشهود، ولا يصَح بشهادة الكافِرَين كالعقد بين مسلمين، بخلاف أنكحة الكفار، فإنها تنعقد بغير شهود، ولأنها شهادة الكافر على الزوج المسلم بلزوم المهر، وأُجِيب بمنع ذلك، وإنما هي شهادة الكافر على المرأة الكافرة بتمليك المُتْعَة، لأن الشهادة شرط في النكاح لأجل مِلك المُتعة لا لأجل مِلك المال، لأن ملك المال لا يُشترط فيه الشهادة.

(
والوكيلُ شَاهِدٌ إنْ حَضَرَ مُوَكِّلُهُ) لأنه أمكنَ جعلُ الموكِّلِ مباشراً للعقد، وكل من أمكن جعله مباشراً لشيء يُجعل مباشراً له حكماً، كالزوج يُجعل واطئاً بالخَلوة الصحيحة، وكالجاهل بالأحكام في دار الإسلام عالماً، لتمكُّنه من التعلُّمِ، فإذا وَكَّلَ رجلٌ رجلاً أن يُزَوجه، أو وَكَّلتِ امرأةٌ رجلاً أن يُزَوِّجَها، فعقد الوكيل، بحضرة رجل أو امرأتين، إن كان الموكِّلُ حاضراً صحَّ العقد، لأنه يمكن جعله مباشراً له، فيُجعلُ مباشراً له، ويُجعل الوكيلُ شاهداً، وإن كان الموكِّل غائباً لا يَصِح العقد لعدم صحة جعله مباشراً.
(
كالوَليِّ إِنْ حَضَرَتْ المَوْلِيَّةُ) بفتح الميم، وسكون الواو، وكسر اللام، وتشديد التحتية، اسم مفعول من: وَلِيَ. (بَالِغَةً) أي حال كونها بالغةً، والأولى أن يقول: مُكَلَّفةً، فإن للمجنونة البالغة حكمَ الصبية عند تزويجه لها بحضرة رجل أو امرأتين، حيث ينتقل العقد إليها، ويصير الوَلِيُّ كشاهد.

(وحَرُمَ) في حقِّ التزوج (أَصْلُهُ) أي أصْلُ المتزوِّج، وهي أُمُّهُ، وجدَّته لأمه أو لأبيه وإن علت، إن كان ذكراً، وأبوها وجدُّها لأبيها، أو أمها وإن علا، إن كانت أُنثى. (وفَرْعُهُ) أي بنته وبنت ولده، أعمّ من الذكر والأنثى وإن سَفَل، وابنها وابن ولدها وإن سَفَل، وابن بنتها وإن سَفَلَتْ.
(
وفَرْعُ أصْلِهِ القَرِيبِ، وصُلْبِيَّةُ أَصْلِهِ البَعِيدِ) الأصل القريب: الأب والأم، وفرعه: الإخوة والأخوات وأولادهم وإن سفلوا، والأصل البعيد: الأجداد والجَدّات، وصُلْبِيَّتُه: العمة وإن عَلَتْ، والخالة وإن عَلَتْ، يعني من عمة أبيه وخالته، فيَحِلُّ بناتُ الأعمام، والعمات، والأخوال والخالات. والأصل في حرمة ذلك قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُم أُمَّهَاتُكُم وَبَنَاتُكُم وأَخَوَاتُكُم وعَمَّاتُكُم وخَالاَتُكُم وبَنَاتُ الأخِ وبَنَاتُ الأُخْتِ}، والجَدَّاتُ أُمَّهاتٌ، وبناتُ الأولاد بناتٌ، إذ الأم الأصل، والبنتُ الفرعُ، فكأنه قال: أُصولُكُم وفُرُوعُكُم، فيكون من المجاز المُرْسَل، أو على قول مَن يقول: إن اللفظ الواحد يجوز أن يُرَاد به الحقيقة والمجاز في مَحَلَّين مختلفين، أو نقول: ثبتت حرمة الجدات وبنات الأولاد بالإجماع.
والأخوات أصناف ثلاثة: الأخت لأبوين، ولأب، ولأم. والعمات والخالات تشمل أخوات الأب والأم لأبوين، ولأب ولأم، وبنات الأخ وبنات الأخت يَعمّ بنات الأخ والأخت لأبوين، ولأبٍ، ولأم.

(
وأمُّ زَوْجَتِهِ) سواء دخل بزوجته أو لا، وسواء كانت الأمَّ القُرْبَى أو البُعْدى وهي الجدة، لإطلاق قوله تعالى: {وأُمَّهاتُ نِسَائِكْم}.

(وَبِنْتُها) أي بنت زوجته، حال كون زوجته (مَوْطُوءَةً) وهو شرطٌ إجماعاً، سواء كانت البنت في حِجْرِه: بأن كانت مع أمها في بيته، وهو شرط عند عليِّ، وإليه ذهب داود، وحُكِي عن مالك، أو لم تكن في حِجْرِه لقوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللاّتي في حُجُورِكُم مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُم}. والدخول كنايةٌ على الجِمَاع، وذِكرُ الحِجْر خَرَجَ مَخْرَجَ العادة، أو للتشنيع عليهم لا لتعلّق الحكم به نحو: {أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً} في قوله تعالى: {لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أضْعَافاً مُضَاعَفَةً}، ثم في تحريم البنت على الرجل بعد الخلوة الصحيحة بأُمها من غير الوطء اختلافٌ، فقيل: يثبت، وهو قول أبي يوسف، وهو الأظهر، وعليه الأكثر، وقيل: لا يثبت، وهو قول محمد.
ثم اعلم أنّ حُرْمة أم المرأة والربيبة تثبت بنفس العقد في قول عمر، وابن عباس، ورجع إليه ابن مسعود حين ناظره عمر، وبه أخذ أئمتنا، وفي قول عليَ وزيد بن ثابت لا يثبت إلا بالدخول بالبنت، وبه أخذ محمد بن شُجَاع وبِشْر المَرِيسي، وهو أحد قولي الشافعي، ويستدلون بقوله تعالى: {وأُمَّهاتُ نِسَائِكُم} الآية، إذ الأصل أنّ الشيء إذا عُطِفَ على شيء في حكمٍ، وذُكِر في المعطوف شرطٌ، فذا ينصرف إليهما، (فكذا هنا، ذَكَرَ أُمَّ المرأة ثم عَطَف عليها الربائب، ثم شَرَطَ الدخول، فانصرف إليهما).
قال في «المبسوط»: ولكنا نستدل بحديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ تَزَوَّجَ امرأةً حَرُمَتْ أمُّها، دَخَلَ بها أو لم يَدْخُلْ، وحَرُمَتْ عليه ابنتُها إن دَخَل بها». وكان ابن عباس يقول: أم المرأة مُبْهَمَةٌ فأبْهِموا ما أبهم الله فبَيَّنَ أنّ الشرط المذكور، وهو الدخول، ينصرف إلى الربائب دون الأمهات.

واختلفَ الصحابة في أن الحِجْرَ هل يُنْصَبُ شرطاً لهذه الحرمة أو لا؟ فكان عليٌّ يقول: الحِجْرُ شرطٌ لقوله تعالى: {ورَبَائِبُكُم اللاَّتي فِي حُجُورِكُم من نسائِكُم اللاَّتي دَخَلتُم بِهِنَّ}، ولما روي أنه عُرِضَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم رَبِيبةُ بِنتِ أمّ سَلَمَةَ فقال: «لو لم تكن رَبِيبَتي في حِجْري ما كانت تَحِلُّ لي، أرْضَعَتْني وأباها ثُوَيْبَةُ». فأما عمر وابن مسعود فإنهما كانا يقولان: الحِجْرُ ليس بشرط، وبه أخذ علماؤنا، للحديث الذي رويناه، وإنما ذَكَرَ الحِجْرَ في الآية على وجه العادة لا على وجه الشرط، كما في قوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُم فِيهِم خيراً} ألا ترى أنه تعالى قال: {فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}، شَرَطَ للحِلِّ عدمَ الدخول، فذلك دليل على أنه بعد ما دخل بالأم لا تَحِلّ له البنتُ قط، سواء كانت في حِجْرِهِ أو لم تكن.

(
وزَوْجَةُ أصْلِهِ) أي أبِيهِ وَجَدِّه، وإن بَعُدَ، سواءٌ كان من قِبَلِ أبيه أو من قِبَل أُمّه، وكذا مَوْطُوءَته، أما الموطوءة فلقوله تعالى: {ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آبَاؤُكُم مِن النِّسَاءِ}. وأما المعقود عليها عقداً صحيحاً، فللإجماع، ولإقامة ما يُفضي إلى الوطىء مُقَام الوطىء.

(وَ) زوجةُ (فَرْعِهِ) وهي زوجة ابنه وإن سَفَل، لقوله تعالى: {وَحَلاَئِلُ أبنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أصْلاَبِكُم} وذَكَرَ الأصْلاَبَ لإخراج ابن التَّبَنِّي، فإن حليلته لا تَحْرُم، وكذا يَحْرُم الجمع بين الأُختين نِكاحاً وكذا فِرَاشاً حتى لا يجمع بين الأُختين وطئاً بمِلك اليمين لإطلاق قوله تعالى: {وأنْ تَجْمَعُوا بين الأُخْتَينِ}، فإنه في موضع رفعٍ، عطفاً على المُحَرَّمات، وهو قول عليّ وابن مسعود وعَمَّار بن ياسر، فإنه قال: ما حرَّم الله من الحرائر شيئاً إلا وحَرَّم من الإماء مثله، إلا رجل يجمعهن يريد به الزيادة على الأربع.
وكان عثمان يقول: أحَلَّتهُما آيةٌ وحرَّمَتْهُما آية. يريد بآية التحليل قوله تعالى: {إلا ما مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ}، وبآية التحريم قوله: {وأنْ تَجْمَعُوا بين الأُخْتَينِ}. وكان يتوقف في ذلك. قلنا: عند التعارض يترجح جانب الحُرمة لقوله صلى الله عليه وسلم «وما اجْتَمَعَ الحرامُ والحلالُ إلا وغَلَبَ الحرامُ».
(
وكلُّ هَذِهِ رَضَاعاً) أي وَحَرُمَ جميعُ المذكورات إذا كُنَّ من الرَّضاع. وفي «شرح الوقاية»: وهذا يشمل عدة أقسام: كبنت الأخت مثلاً، تشمل البنتَ الرَّضَاعِيَّة للأُخت النَّسَبِيّة، والبنتَ النَّسَبِيّة للأُخت الرَّضَاعية، والبنتَ الرَّضاعِيَّة للأُخت الرَّضَاعِية انتهى.
وأصل ذلك قوله تعالى: {وأُمَّهاتُكُم اللاَّتي أرْضَعْنَكُم وأَخَوَاتُكُم من الرَّضَاعَة}، وما في «الصحيحين» عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أُرِيدَ على ابنة حمزة فقال: «إنها لا تَحِلُّ لي إنها ابنةُ أخي من الرَّضاعة، وإنه يَحْرُمُ من الرَّضَاعة ما يَحْرُمُ مِن النَّسَب».

(وَ) حَرُمَ (فَرْعُ مَزْنِيَّتِهِ) سواء كان الفرع من زناه أو من غيره، فالزنا عندنا يُوجِب حُرمةَ المصاهرة، حتى لو زنى بامرأةٍ حَرُمَت عليه أُمُّها وبنتها، وَحرُمَت الموطوءة على أصوله وفروعه. وعند الشافعي لا يُوجِبها، وعن مالك روايتان، المشهورةُ كمذهبنا. واحتج في «المبسوط» للشافعي بقوله صلى الله عليه وسلم «الحرامُ لا يُحَرِّمُ الحَلاَل». كذا رواه ابن عباس. وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِل عمن يبتغي من امرأة فجوراً ثم تزوَّجَ ابنتها؟ فقال: «لا بأس، لا يُحَرِّمُ الحرامُ الحلالَ».

ولنا عموم قوله تعالى: {ولاَ تنْكِحُوا ما نَكَحَ آبَاؤُكُم من النِّسَاءِ}، وقد بَيَّنَّا أن النكاح للوطىء حقيقةً، فتكون الآية نصاً في تحريم موطوءة الأب على الابن، فالتقييد بكون الوطىء حقيقةً في الحلال زيادةٌ، ولا تَثْبُتُ هذه الزيادة بخبر الواحد ولا بالقياس ، والدليل عليه أن موطوءة الأب بالمِلك حَرَامٌ على الابن بهذه الآية، فدلّ على أنّ المراد بالنكاح الوطىءُ لا العقدُ.

وما ذهبنا إليه هو قول عمر، وابن مسعود، وابن عباس، في الأصح، وعمرانَ بن حُصَين، وجابر، وأُبَيَ وعائشة، وجمهورِ التابعين: كالحسن البَصْري، والنَّخَعِي، والأَوْزَاعي، وطاوس، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن المُسَيَّب، وسليمان بن يسار، وحَمّاد، والثَّوْرِي، وإسحاق بن رَاهُويَه. والحديث غيرُ مَجْرِيَ على ظاهره، فإن كثيراً من الحرام يُحَرِّمُ الحلالَ، كما إذا وقعت قطرةٌ من خمرٍ في ماء، وكالوطىء بالشبهة، ووطىء الأَمَة المشترَكة، ووطىء الأب جاريةَ الابن، فإن هذا كله حرامٌ حَرَّمَ الحلالَ. هذا لو صح الحديث، لكن حديث ابن عباس مُضَعَّفٌ برواية عثمان ابنعبدالرحمن الوَقَّاصِي، لطعن يحيى بن مَعِين فيه بالكَذِب، ولقول البخاري، والنَّسائي، وأبي داود فيه: ليس بشيء. وذكره عبد الحق عن ابن عمر ثم قال: في إسناده إسحاق ابن أبي فَرْوَة، وهو متروك.
وقد احتج بعض أصحابنا بما روي: «أَنّ رجلاً قال: يا رسول الله إني زَنَيتُ بامرأةٍ في الجاهلية، أفَأَنْكِح ابْنَتَهَا؟ قال: لا أرى ذلك، ولا يَصْلُحُ أنْ تَنْكِحَ امرأةً تَطَّلِعُ من ابْنَتِها على ما تَطَّلِعُ عليه منها». وهو مرسل ومنقطع، وفي سنده أبو بكر بن عبدالرحمن بن أم حكيم. وبما رُوي من طريق ابن وَهْبٍ، عن أبي أيوب، عن ابن جُرَيج: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي تَزوَّجَ امرأةً فَيَغْمِز ولا يزيد على ذلك: «لا يَتَزَوَّج ابْنَتَهَا». وهو مرسل ومنقطع، إلا أن هذا لا يقدح عندنا إذا كانت الرجال ثقات.

ثم كما تثبت حرمةُ المصاهرة بالوطىء،تثبت بالمَسِّ والتقبيل عن شهوة عندنا، سواء كان في الملك أو في غيره، وهذا معنى قوله: (وَ) فرعُ (مَمْسُوسَتِهِ) (وَ) فَرْعُ (مَاسَّتِهِ) سواء كان المس عمداً أو سهواً، أو خطأً أو كَرْهاً، وسواء كان بحائل، ووجد حرارةَ البدن، أو بلا حائل، لأنه استمتاع، فكان كالوطىء. وقال مالك: القُبلة واللَّمس يقومان مقام الوطىء، وخالف الشافعي أيضاً في ذلك حتى لو قَبَّل أَمَتَه ثم أراد أن يتزوج ابنتها يجوز عنده، وكذا لو تزوَّج امرأةً وقَبَّلها بشهوة ثم ماتت، يجوز له أن يتزوج ابنتها عنده.

(
وَ) فَرعُ (مَنْظُورٍ إلى فَرْجِهَا الدَّاخِلِ)، ولا يَتَحقَّقُ ذلك إلا إذا كانت
مُتَّكِئَةً (بِشَهْوةٍ) متعلق باللَّمس والنظر على طريق التنازع. وقال الشافعي: لا تثبت الحرمة بالنظر، ومذهب مالك أن النظر للَّذةِ مُحتَمِلٌ لثبوت الحرمة كالقُبلة، ولعدَمِهِ كالتفكُّر.
ولنا ما رواه في «الغاية السَّمْعَانية» عن النبي صلى الله عليه وسلم «مَنْ نَظَرَ إلى فَرْجِ امرأةٍ بشهوةٍ حَرُمَتْ عليه أُمُّها وابْنَتُها». وعن عمر أنه جَرَّد جاريةً ونظر إليها، ثم استوهبها منه بعض بنيه فقال: إنها لا تَحِلُّ لك. وعن عبد الله بن عمر أنه قال: إذا جامع الرجلُ المرأةَ أو قَبَّلها أو لمسها بشهوة، أو نظر إلى فرجها بشهوة، حَرُمَتْ على أبيه وابنه، وحرمت عليه أُمُّها وابنتها. وعن مسروق أنه قال: بيعوا جاريتي هذه، أما أنِّي لم أُصِبْ منها إلا ما يُحَرِّمها على ولدي من المس والقُبْلَة.
ولأن المس والتقبيل سببٌ يُتَوَصَّل به إلى الوطىء، فإنه من دواعيه ومقدماته، والحرمة تُبنَى على الاحتياط، فيقام سبب الوطىء مقامه.

ولو نظر إلى فرجها من وراء زجاج، أَو من وراء ماء بأن كانت في الماء، تثبتُ المصاهرةُ، ولو نَظَرَ فَرْجَها في المرآة لا تثبت، لأنه عَكَسَ فَرْجَها لا حقيقته، ولو نظرت المرأةُ إلى ذَكَر الرجل فهو مثل نظر الرجل إلى فرج المرأة.
وحد الشهوة أن يشتهي بقلبه، ويَتَلَذَّذ به، ويَمِيل أنْ يُوَاقِعَها، ولا يُشترط تَحَرُّكُ الآلة ولا انتشارها، وهو الأصح عند بعضهم، وقيل: يُشْتَرَطَان. وفي «الخلاصة»: وعليه الفتوى. ويعتبر في الشهوة أن تكون عند اللمس والنظر، حتى لو وُجِد بغير شهوة ثم اشتهى بعد الترك، لا تتعلق به الحرمة. ويُشترط أن لا يُنْزِلَ عند اللمس والنظر، حتى لو أنزل لا يثبت حرمة المصاهرة وعليه الفتوى، لأن اللمس والنظر حينئذ ليسا بمُفْضِيَيْنِ إلى الوطىء، وما أثبتنا حرمةَ المصاهرة إلا لإفضائها إلى الوطىء.
(
و) حرم (أصْلُهُنَّ) أي أصل مَزْنِيَّتِهِ، وَمَمْسُوسَتِهِ، ومَاسَّتِهِ، ومنظورٍ إلى فرجها.
(
وَمَا دَوْنَ تِسْعِ سِنينَ لَيسَتْ بِمُشْتَهَاةٍ) وعليه الفتوى، وأما بنتُ التسع وأكثر، فقد تكون مشتهاةً وقد لا تكون ، وهذا يختلف بِعِظَمِ الجُثَّة وصِغَرِها كما في «شرح الوقاية». وفي «شرح الكنز»: بنتُ تسعٍ مشتهاةٌ من غير تفصيل، وبنت خمس وما دونها غير مشتهاة من غير تفصيل، وبنت ستَ وسبعٍ وثمانٍ إن كانت عَبْلَةً ضخمة كانت مشتهاة، وإلا فلا. ولو كَبِرَت المرأة حتى خرجت عن حَدِّ الاشتهاء تُوجِب الحرمةَ، لأنها دخلت تحت حكم الاشتهاء، فلا تخرج بالكِبَرِ، ولا كذلك الصغيرة.

(ويُحَرِّم) بكسر الراء المشددة، أي ويمنع منعَ تحريم (نِكَاحُ امْرَأةٍ) أي عقدَ أحدٍ عليها (وَعِدَّتُهَا) من طلاق رَجْعِيَ أو بائن، أو عتقٍ، إذا كانت أمَّ ولد (نِكَاحَ امْرَأةٍ) أي عقدها، وهو مفعول يُحَرِّم، وجملة (أيَّتُهُما فُرِضَتْ ذكراً لم تَحِلَّ لَهُ الأُخْرَى) صفة المرأتين (وَوَطْأَهَا) بالنصب عطف على مفعول يُحَرِّم، أي: ويُحَرِّم نكاحُ امرأة وعدتُها أيضاً وَطْءَ امرأة (مِلْكاً) أي من جهة المِلك، إذا كانتا أيتهما فُرِضت ذَكَراً لم تَحِلَّ له الأخرى، فلا يجوز الجمع بين الأختين كما وقع في النص، وعليه الإجماع.
وأما ما في «الهداية» من قوله صلى الله عليه وسلم «مَن كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فلا يَجْمَعَنَّ مَاءَهُ في رَحِم أُختين». فغير معروف، نعم روى الضحاك بن فيروز الدَّيْلَمِي عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، إني أسْلَمتُ وتحتي أُختان قال: «طَلِّقْ أيَّتَهُما شِئتَ». أخرجه أبو داود، وعند الترمذي: «اخْتَر أيَّتَهُمَا شئتَ»، وقال: هذا حديث حسن، وذكر البيهقي في إسناده عن أبي داود أنه حديث صحيح. وأخرجه ابن حِبّان في «صحيحه».
ولا يُجْمَعُ بين المرأةِ وعَمَّتها، أو خالتها، أو بنت أختها. أو بنت أخيها، وقال عثمان البَتِّي وداود الظاهري: يجوز الجمع بين غير الأختين من المحارم، لقوله تعالى: {وأُحِلَّ لكم ما وراء ذَلِكُم}.

ولنا ما روى مسلم مفرّقاً، وأبو داود والترمذي والنَّسَائي مجموعاً من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تُنْكَحُ المرأةُ على عَمَّتِها، ولا العمّةُ على بنت أخيها، ولا المرأةُ على خالتها، ولا الخالةُ على بنت أُختها، ولا تُنْكَحُ الكُبرَى على الصُّغرَى، ولا الصغرى على الكبرى». كرر النفيَ من الجانبين لتأكيد الحكم، ولدفع تَوَهُّم جوازِ تزوُّجِ العمة على بنت أخيها، والخالة على بنت أُختها، لفضيلة العمة والخالة، كما يجوز تزوج الحرة على الأمة دون العكس.
والمراد بالكبرى: العمة والخالة، وبالصغرى: بنت الأخ وبنت الأخت، والآية مخصوصة من عمومها ببنته وعمته من الرَّضاع، وبالمشركة، فيجوز تخصيصها بخبر الواحد والقياس، والمُعْتَدَّة كالمنكوحة، بدليل ثبوت النفقة، والسُّكْنَى، والنَّسَب بالفِراش، والمَنْع من الخروج.
قيَّدَ بقوله: أيَّتهما فُرِضَتْ ذَكَراً لم تَحِلّ له الأخرى، لأنه لو فُرِضت إحداهما ذكراً لم تَحِلّ له الأخرى، ولو فُرِضت الأخرى ذكراً حلت له الأخرى، مثل المرأة وبنت زوجها، أو امرأة أبيها، جاز الجمع بينهما. وقال زُفَر، وابن أبي ليلى، والحسن البصري: لا يجوز، لأن الامتناع ثبت من وجهٍ، فالأحوطُ الحرمةُ، وللجمهور قوله تعالى: {وأُحِلَّ لَكُم مَا وَرَاءَ ذَلِكُم} وأن عبد الله بن جعفر جمع بين زينب بنتِ عليَ وزوجتِهِ النَّهْشَلِيّة، ولم يُنْكَر عليه. ذكره البخاري تعليقاً، وأسنده ابن أبي شيبة والدَّارَقُطْنِيّ، وكذا ابن عباس جَمَعَ بين امرأةٍ ورجلٍ وبنتِه من غيرها.

ولا يجوز نكاح أخت مُعْتَدَّتِهِ من الطلاق البائن عندنا كالطلاق الرجعي، وحَكَمَ مالكٌ والشافعي بجوازه، لأنه نكاحٌ يرتفع بينهما علائقه، فيجوز له نكاح أختها كما بعد انقضاء العدة.

ولنا: هذه مُعْتَدَّةٌ على الإطلاق، فليس له أن يتزوج بأُختها كالعدة من طلاق رجعي، ومذهبنا قول عليَ، وابنِ مسعود، وابن عباس ذكره سليمان بن يَسَار عنهم، وبه قال سعيد بن المُسَيَّب، وعَبِيدَة السَّلْمَاني، ومجاهد، والثوري والنَّخَعِي، ورُوي مذهبهما عن زيد بن ثابت، إلا أن أبا يوسف ذكر في «الأمالي» رجوعَ زيدٍ عن هذا القول، وذكر الطحاوي قول زيد الأَخير أنه ليس له أن يتزوجها، وحكى أن مروان شاور الصحابة في هذا، فاتفقوا على التفريق بينهما، وخالفهم زيد، ثم رجع إلى قولهم. وقال عَبِيدة: ما اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء كاجتماعهم على تحريم نكاح الأخت في عِدَّةِ الأخت، والمحافظة على أربع قبل الظهر.
(
وكَذَا وَطْؤُهَا) بالرفع، أي: ويحرم وَطْءُ امرأة (مِلْكاً) أي من جهة المِلك (وَطْأَهَا) بالنصب، أي وَطْأ امرأةٍ أُخرى (نِكَاحاً ومِلْكاً) يتميزان، أي من جهتهما، إذا كانت بحيث لو فُرِضت أيّتهما ذَكَراً لم تَحِلّ له الأُخرى، (لا نِكَاحَهَا) بالنصب عطفاً على وطئها، أي لا يُحَرِّمُ وَطْءُ امرأة مِلكاً العقدَ على امرأة أخرى أيَّتهما فُرِضَت ذكراً لم يَحِلّ له الأخرى، لأن العقد ليس بوطىء، وإنما يصير وطئاً عند ثبوت حكمه، وهو حِلُّ الوَطىء، وحكم الشيء يَعْقُبُه.
(
فإنْ نَكَحَهَا) أي عقد عليها (لا يَطَأُ واحدةً) من الموطوءة بالمِلك والمعقود عليها (حتى يُحَرِّمَ الأُخْرَى)، أما المَنكوحةُ فبطلاقها وانقضاء عدتها، وأما المملوكةُ فبعتقِها أو بعتق بعضها، أو بتمليك جميعها أو بعضها، أو بتزويجها، أو بكتابتها، لأنه إن وَطِىء المعقود عليها من غير تحريم المملوكة، كان جامعاً بين الموطوءتين حقيقةً، وإن وَطىء المملوكة من غير تحريم المعقود عليها، كان جامعاً بين موطوءة حقيقة وبين موطوءة حكماً، (وهي المعقود عليها).

(وَصَحَّ نِكَاحُ الكِتَابِيَّةِ) ولو كانت أَمَةً، وفي الأَمَةِ خلافٌ سيأتي. والكِتَابِية: كافرةٌ تعتقد كتاباً سماوياً كصُحُفِ إبراهيم أو غيرها، وإنما صح نكاحها لقوله تعالى: {وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُم} عطف على الطيبات في قوله تعالى: {اليومَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ}.

وفي «المبسوط»: قال محمد بن الحسن: بلغنا عن حُذَيفةَ بن اليَمَان أنه تزوَّج يهوديةً. ولو تَزَوَّج كتابية على مسلمة جاز وقَسَمَ بينهما على السواء.
وكان ابن عمر لا يُجَوِّز نكاح الكتابية ويقول: هي مُشْرِكة، وقد قال تعالى: {ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ}. وكان يقول: معنى الآية الثانية: واللاَّتي أَسْلَمْنَ من أهل الكتاب
ولسنا نأخذ بهذا، فإن الله عطف المُشْرِكين على أهل الكتاب، فدلّ أن اسم المُشْرِك لا يتناول الكتابيَّ مطلقاً، ولو حملنا الآية الثانية على ما قال ابن عمر لم يكن لتخصيص الكتابية بالذِّكْر معنًى، فإن غيرَ الكتابية إذا أسلمت يَحِلُّ نِكاحُها.
وقد جاء عن كعب بن مالك أنه تَزَوَّج يهودية ، وخطب المُغِيرة بنُ شُعبةَ بنتَ النعمان بن المُنْذِر، وكانت تَنَصَّرَتْ فَأبَتْ وقالت: أيُّ رغبة لشيخ أعورَ في عجوز عمياء؟ ولكنْ أردتَ أن تفتخرَ بنكاحي فتقول: تَزَوَّجتُ بنتَ النعمانِ بنِ المُنْذِر فقال: صدقتِ، وكانت بعد ذلك تدخل عليه فيُكرِمها ويسألها عن حالها فقالت:
*
فبينا نَسُوسُ النَّاسَ والأمرُ أمْرُنا ** إذا نحن فيهم سُوْقَةٌ نَتَنَصَّفُ*
*
فَأُفَ لدنيا لا يدوم نَعِيمُها ** تَقَلَّبُ تاراتٍ بنا وَتَصَرَّفُ*
وقولها: نَتَنَصَّف أي: نُسْتَخْدَم، والمَنْصَفُ: الخادم.

ولما كان الأمر على ما قُرِّر ذهب عامة المفسرين إلى تفسيرالمحصنات بالعفائف، والعِفَّة ليست بشرط أيضاً، وإنما قَيَّدَ للعادة، ولئن كانت شرطاً فانتفاؤه لا يدل على عدم الجواز لما عرفتَ، فثبت الجواز بالنصوص المطلقة، وقوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَاءِ}. وقوله صلى الله عليه وسلم «تناكحو...»، وغير ذلك.
(
و) صح نكاح (الأَمةِ) (مسلمةً كانت أو كتابية) (مَعَ طَوْلِ الحُرَّةِ) أي مع القدرة على نكاح الحرة، بأن يكون له مهرها ونفقتها، لكن بشرط أن لا يكون تحته حُرَّةٌ، فإنه لا يجوز حينئذٍ إجماعاً. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يجوز تزوّجُ الأمة الكتابية مطلقاً، ولا تَزَوُّجُ الأمةِ المسلمة إذا وَجَدَ طَوْلَ الحرة، لقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِع مِنْكُم طَوْلاً أنْ يَنْكِحَ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِنْ فَتَيَاتِكُمُ المُؤْمِنَاتِ} أي: فليتزوج، والمراد بالمحصنات هنا: الحرائر.

ولنا النصوص المطلقة، نحو قوله تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَاءِ}، وقوله تعالى: {وأُحِلَّ لَكُم مَا وَرَاءَ ذَلِكُم}، وأما الآية السابقة فقد نقلنا عن ابن عباس أن المراد حال وجود نكاح الحرة، وبه نقول، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم «لا تُنْكَحُ الأَمَةُ على الحُرَّةِ». كذا في «الهداية». وروى البيهقي عن الحسن: رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تُنْكَحَ الأمةُ على الحرة. قال: هذا مرسل إلا أنه في معنى الكتاب، وهو قول جماعة من الصحابة.

وأما قول صاحب «الهداية»: ويجوز تَزَوُّج الحرة عليها لقوله صلى الله عليه وسلم «تُنْكَحُ الحرة على الأمة»، فرفعه وَهمٌ، وإنما هو موقوف على عَليَ، كما رواه الدَّارَقُطْنِيّ عنه بلفظ: إذا تزوجتَ الحرةَ على الأَمة قَسِّمْ لها يومين وللأَمة يوماً. لأن الأَمة لا ينبغي لها أنْ تُزَوَّجَ على الحرة. ثم قوله سبحانه: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العَنَتَ مِنْكُم}.فيد عدم جواز نكاح الأَمة مطلقاً حين لا ضرورة من خشية العَنَت وهو: الخوف على نفسه من الزنا.
(
و) صح نكاح (المُحْرِمِ وَ) نكاح (المُحْرِمَة) بالحج أو العمرة، وهو مذهب الثَّوري. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يَصِحُّ نكاحُ المُحْرِم زوجاً كان أو وَلِيًّا، ولا نكاحُ المُحْرِمة، لِمَا روى الجماعة إلا البخاريَّ من حديث نُبَيْه بن وَهْبٍ: أن عمر بن عُبَيد الله أرسله إلى أبانَ بنِ عثمان بن عفان يسأل، وأبانُ يومئذٍ أميرُ الحجِّ، وهما مُحْرِمان: إني أردت أن أُنْكِح طلحةَ بن عمر ابنةَ شَيبةَ بن جُبَير؟ فقال أبان: سمعتُ أبي عثمانَ يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يَنْكِحُ المُحْرِمُ ولا يُنْكَح». زاد مسلم وأبو داود في رواية: «ولا يَخْطُب»، وزاد ابن حِبَّان: «ولا يُخْطَبُ عليه»، وهما محمولان على الكراهة اتفاقاً، فليكن ما قبلها كذلك، ولِمَا في «الموطأ» عن داود بن الحُصَين أن أبا غَطَفَان المُرِّي أخبره أن أباه طَرِيفاً تَزَوَّج امرأةً وهو محرم، فردَّ عمر نكاحه.

ولنا إطلاق قوله تعالى: {وأُحِلَّ لَكُم مَا وَرَاءَ ذَلِكُم} وصريحُ ما في الكتب الستة من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوَّج مَيْمُونَةَ وهو مُحْرِمٌ. زاد البخاري: وبَنَى بها وهو حلال، وماتت بسَرِف. وهو ظرف للبناء والموت، وهو من أعجب التواريخ. وأما ما رواه يزيد بن الأَصَمّ أنه تزوجها وهو حلال، لم يَقْوَ قوةَ هذا، فإنه مما اتفق عليه الستة، وحديث يزيد لم يُخَرِّجه البخاري ولا النسائي ، وأيضاً لا يقاوَم يزيدُ بابن عباس حفظاً وإتقاناً، لا سيما وميمونة خالته، فهو أعْرَف بخالته، لِمَا روى الطَّحاوي عن عمرو بن دينار: حدثني ابن شِهاب، عن يزيدَ بن الأصَمّ: (أنه صلى الله عليه وسلم نَكَحَ ميمونة وهما حلالان، قال: فقلتُ للزُّهْرِيّ: وما يُدْرِي ابنَ الأصم؟) إنه أعرابي بَوَّال على عَقِبَيْه، أتجعله مثل ابن عباس؟.

وما روي عن أبي رافع أنه صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجها وهو حلالٌ، وبَنَى بها وهو حلال، وكنتُ أنا رسولاً بينهما، لم يُخَرَّج في واحد من الصحيحين وإن رُوي في «صحيح ابن حِبَّان»، فلم يبلغ ذلك في درجة الصحة، ولذا لم يقل فيه الترمذي سوى: حديث حسن، قال: ولا نعلم أحداً أسنده غير حَمّاد عن مَطَرٍ.
قال بعض المحققين: والحاصل أنه قام رُكْنُ المعارضة بين حديث ابن عباس وحَدِيثَي يزيد وأبان، وحديثُ ابن عباس أقوى منهما سنداً، فإن رَجَّحْنا باعتباره كان الترجيح مَعَنَا، ويَعْضُدُهُ ما رواه الطحاوي عن أبِي عَوَانَة، عن مُغِيرَة، عن أبي الضُّحَى، عن مَسروقٍ، عن عائشة، قالت: تزَوَّج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضَ نسائه وهو مُحْرِمٌ. قال: ونَقَلَةُ هذا الحديث كلهم ثِقاتٌ يُحْتَجُّ بروايتهم، ورواه البَزَّار في «مسنده» عن مسروق، عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم تَزَوَّج ميمونةَ وهو مُحْرِمٌ، واحتجم وهو مُحْرِمٌ.

وإن رَجَّحْنَا بقوة ضَبْطِ الرُّواةِ وفِقههم، فإن الرواة عن عثمان وغيره، ليسوا كمَن روى عن ابن عباسٍ ذلك، فقهاً وضبطاً، كسعيد بن جُبير، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعِكْرِمة، وجابرِ بن زيد. وإن تركناه تساقطا للتعارض وصِرنا إلى القياس، فهو معنا، لأنه عقدٌ كسائر العقود التي يُتَلَفَّظُ بها من شراءِ أَمَةٍ للتَّسَرِّي وغيره، ولا يمتنع شيء من العقود بسبب الإحرام، ولو حَرُمَ لكان غايته أن يُنَزَّل منزلةَ الوطىء وأثَرِهِ في إفساد الحج، لا في بطلان العقد نفسه
وإن وَفَّقْنَا لدفع التعارض يُحْمَلُ لفظ التَّزَوُّجِ في حديث ابن الأصَمّ على البناء بها مجازاً، لعلاقة السببية العادية ، ويُحْمَل قوله صلى الله عليه وسلم «لا يَنْكِحُ المُحْرِم» إما، على نَهْي التَحْريم، والنكاحُ:الوطىءُ والمرادُ بالجملة الثانية: التمكينُ من الوطىء، والتذكيرِ باعتبار الشخص، أي لا تُمَكِّنُ المُحْرِمةُ زوجَها منه أو على الكراهة جمعاً بين الأدلة، وذلك لأن المُحْرِم في شغل عن مباشرة عقد النكاح، لأنه يَشْغَلُ القلبَ عن الإحسان في العبادة، لما فيه من خِطْبَةٍ، ومُرَاوَدَاتٍ، ودعوةٍ، واجتماعات، ويتضمن تنبيه النفس لطلب الجِمَاع، وهذا مَحْمَلُ قوله: «ولا يَخْطُب» إجماعاً. وقال في «الكافي»: والأوجه أن يقال: الحديث (يُروَى) بالنهي مجزوماً، وهو اختيار الخَطَّابي، والنهي يكون للتنزيه وإن رُوي منفيّاً فالنفي يجيء بمعنى النهي.

(
وَ) صحَّ نكاحُ (حُبْلَى مِن زِنَا) وقال أبو يُوسف وزُفَر: لا يَصِحّ، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، لأن الحَبَلَ من الزنا محترم، حتى لا يجوز إسقاطه، فَيَمنعُ صحةَ النكاح، كما يَمْنَعُ الحَبَلُ من غيره اتفاقاً.

ولنا قوله تعالى: {وأُحِلَّ لَكُم مَا وَرَاءَ ذلِكُمْ} وإنما يمتنع تزوُّج الحُبْلى من غير الزِّنا لحرمة صاحب الماء، ولا حرمةَ للزاني والخلاف فيما إذا كان الناكحُ غيرَ الزاني، وفيما إذا لم يكن الحملُ ثابتَ النَّسَب من غير الناكحُ، فإنه إذا كان الزاني هو الناكحَ يصح النكاح إجماعاً، (وإذا كان الحَبَلُ ثابتَ النَّسَب من غير الناكح لا يصح النكاح إجماعاً).
(
وَلاَ تُوطَأُ) أي ولا يطؤها الزوجُ (حَتَّى تَضَعَ) كيلا يَسقيَ ماؤه زرعَ غيره، ولا يلزم من حرمة الواطىء لعارضِ الحَبَل فسادُ النكاح، كما لا يلزم ذلك من حُرمته لعارضِ الحيضِ والنِّفاس. ثم المذكور في «الهداية»: أن حرمة الوطىء لأجل أن يسقي ماؤه زرعَ غيره، ويُفهم منه أن الناكح لو كان هو الزاني يجوز الوطء، وذكر في «الملتقط»: أنه لا يجب النفقة للحُبْلَى من الزِّنى ما لم تضع الحَمْل، لأنه لا يَحِلّ له الاستمتاع بها عند من يُجِيزُ النكاح، سواءٌ كان الحَبَل منه أوْ لا، وإطلاق كلام المتن يُشعر ذلك. ذكره البِرْجَنْدِي. والظاهر أن قوله: «سواءٌ» تعميمٌ لقوله: لا يجب النفقة، لا لقوله: لا يحل له الاستمتاع، فيوافق عبارة «الهداية» الموافِقَة للقياس على ما سبق من الرواية.
وفي «واقعات النَّاطِفِي»: رجل تزوَّج امرأة، فجاءت بسِقْطٍ استبان خَلْقُهُ، إن جاءت به لأقلَّ من أربعة أشهر لم يَجُز النكاح، لأن خَلْقَ الولد إنما يَستَبِينُ في أربعة أشهر، فتعيَّنَ أن الولد من الأول.

ثم ليس الزنا ووطىءُ المولى مانعاً من تزويج الجارية، أما الزنا، فلعدم حُرمة ماءِ الزاني، وأما المولى فلأنها ليست بفِرَاشٍ لمولاها، فإنها لو جاءت بولد لا يَثْبُتُ نسبه بغير دعوة، إلا أنه يُستحب أن يَسْتَبْرِئَها صيانة لمائه، ومَنَعَ زُفَر جواز تزوُّجها حتى تحيض ثلاث حِيَض، بناء على أصله وهو: وجوب العِدَّة للتزوج بعد كل وطىء ولو من زنا. وقال محمد: لا أُحِبُّ أن يطأها قبل الاستبراء، يعني إذا زَوَّجها المولى قبله، لأنه لو تحقق الحَمْلُ يَحْرُم الوطىء، تفادياً عن سقي زَرْعِ غيره، فإذا احتمل وَجَبَ التنزُّهُ احتياطاً، كما لو كان مكانَ النكاح الشراءُ.

(
وَ) صَحَّ نكاح (مَنْ ضُمَّتْ) في عقد النكاح (إلى مُحَرَّمَةٍ) بتشديد الراء المفتوحة، بأن ضُمَّت إلى مُحَرَّمَةٍ، أو وَثَنِيَّة، أو ذات زوج، أو مُعْتَدَّةِ الغير، ويَبْطُل نكاح الأُخرى، لأن بُطلان نكاح المُحَرَّمة لا يقتضي بطلانَ نكاح المَضمومة معها في العقد، والفرق بين هذا وبين الجمع بين حُرَ وعبد في البيع، حيث يبطل البيع فيهما، أنّ قبول العقد فيما لا يجوز، شرطٌ في صحة العقد فيما يجوز، وهو شرط فاسد، والبيع يبطل بالشروط الفاسدة، والنكاح لا يبطل بها. وعن النَّخَعي: النكاحُ يَهْدِم الشرط، والشرط يَهْدِم البيع.
ثم المسمَّى بكماله للتي صح نكاحها عند أبي حنيفة. وقالا: يَقْسِم على مهرِ مِثْلِهِمَا فما أصاب التي صح نكاحها لزمه، وما أصاب الأُخرى سقط عنه. وفي «الزيادات»: ولو دخل بالتي لا تَحِلُّ له يلزمه مهرُ مِثلِها، ولا حَدَّ عليه مع العلم بالحرمة عند أبي حنيفة.

(
نِكاحُ الشِّغَار)

ويصح عندنا نكاح الشِّغار ـ بكسر الشين ـ، وهو: أَن يقول الرجل للرجل: أُزَوِّجُك أُختي على أن تزوِّجني أُختَكَ، على أن يكون مهرُ كلِّ واحد منهما نكاحَ الأُخرى، أو قالا ذلك في ابنتَيْهِما أو أُمَّيْهِما، ولكل واحدة منهما مهرُ مثلها. وأبطله مالك والشافعي لنهيه صلى الله عليه وسلم عن نِكاح الشِّغَار، كما رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة، والنهي يقتضي فسادَ المنهيِّ.
ولنا أن النِّكاحَ لا يَبطل بالشرط الفاسد، واستدلالهما بالنهي غير صحيح، لأن النهي للخُلُوِّ عن المهر، هكذا قال ابن عمر: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُزَوَّجَ المرأةُ بالمرأة من غير مهرٍ لكلِّ واحدة منهما. وهذا لأن الشِّغَار هو الخُلُوّ في اللغة، يقال: بلدة شَاغِرَة: إذا كانت خَالية من السُّلطان، وإنما أراد به أن تَخْلُوَ المرأة بالنِّكاح عن المهر، وبه نقول.
(
لا نِكَاحَ) أي لا يصح للرجل نكاح (أَمَتِهِ) لأن مِلك المُتْعَة ثابتٌ له قبل التزوُّج، فيؤدي إلى إثبات الثابت، إلا إذا كان هناك شبهة الحرية، فيرتفع بهذه القضية.
(
و) لا نكاح (مَالِكَتِهِ) لأن النكاح ما شُرِعَ إلا مثمراً ثمراتٍ مشتَركة بين المُتَنَاكِحَين، ولهذا كان لها أن تُطَالب بالوطىء، كما له أن يُطَالبها يالتَّمْكِين، والمملوكيةُ تُنَافي المالِكِيَّة، فيمتنع حينئذٍ وقوع ثمرة النكاح على الشركة، ولو نكح العبد بنتَ مولاه جاز، لأنها لا مِلْكَ لها في مال أبيها.
(
وَلا) نكاح (كَافِرَةٍ غَيْرِ كِتَابِيَّةٍ) ولا وطؤها بملك اليمين، سواء كانت مجوسية، أو وثنية أو صابئة، إن كان الصابىء مَن لا كتاب له، بل يعبد الكواكب أو الملائكة، كما قيل عن أبي يوسف ومحمد، لا إن كان نصرانياً يقرأ بالزَّبُور ويُعَظِّم الكواكب كتعظيمنا القِبلة كما قيل عن أبي حنيفة.

أما المجوسية، فلِمَا روى عبد الرزاق، وابن أبي شَيْبة في «مُصَنَّفَيْهما» من حديث قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمد بن علي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كَتَبَ إلى مجوسِ هَجَر يَعْرِضُ عليهم الإسلام، فَمَن أسلم قُبِل منه، وَمن لم يُسْلِم ضُرِبت عليه الجِزْيَة، غير نَاكِحي نسائهم ولا آكِلي ذبائحهم. قال ابن القَطَّان: هو مرسلٌ، ومع إرساله فيه قيس بن مسلم، وهو ابن الربيع، وقد اختُلِف فيه، وهو ممن ساء حفظه بالقضاء.

ورواه ابن سعد في «الطبقات» من طريق ليس فيها قيس، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى مجوس هَجَر.
..
إلى أن قال: «لا تُنْكَح نساؤهم، ولا تُؤكَلُ دبائِحُهُم». وسيأتي ما فيه من الكلام في باب الجزية إن شاء المَلِك العَلاّم.
وقال داود الظاهري وأبو ثور: يجوز تَزَوُّج المجوسية، لأن المجوس كان لهم كتاب، فَوَاقَعَ مَلِكُهُم أُخْتَهُ ولم يُنْكَرْ عليه، فرُفع كتابهم ونَسُوه وأُجيب بأن العبرة للحال كالوثني من ولد إسمعيل عليه الصلاة والسلام لا يعتبر ذلك فيه الآن. وأما الوثنية فلقوله تعالى: {ولا تَنْكِحُوا المُشْركَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ}، والمشركة لا تتناول الكتابيةَ لاختصاصها باسم آخر، ألا ترى أن الله سبحانه عطف المشركين على أهل الكتاب بقوله: {لم يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهلِ الكِتَابِ والمُشْرِكِينَ} والعطف يقتضي المغايرة.
وقال سعيد بن المُسَيّب، وعطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار: يجوز وطىء المشركة بملِكِ اليمين، لورود الأثر بجواز وطىء سبايا العرب. وأُجِيب بأن ما ورد من وطىء سبايا العرب محمولٌ على الوطىء بعد الإسلام، أو هو منسوخ بما تلونا.

(وَلا) يصح نكاح (أُخْرَى لِلحُرِّ في عِدَّةِ رَابِعَةٍ) سواء كانت عدة طلاق رجعي أو بائن، كيلا يصيرَ جامعاً بين خمسٍ حُكْماً. (و) نكاح أخرى (لِلْعَبْدِ فِي عِدَّةِ ثَانِيَةٍ) لئلا يصيرَ جامعاً بين ثلاثة حكماً، لأن المُعْتَدَّةَ وإن كانت مُبَانَةً بينونةً غليظةً، نكاحُها باقٍ من وجه لبقاء النَّفَقَةِ، والسُّكْنَى، والمنع من الخروج، واعتبار الفِرَاش، ولذا يثبت نَسَبُ ولدها إذا جاءت به لأقلَّ من سنتين، فصار كما لو تَزَوَّجَ الحُرُّ أُخرى والرابعةُ في مِلك نكاحه، أو تزوج العبد أُخرى والثانيةُ في ملك نكاحه.
(
وَلا يَصِحُّ) نكاح (أَمَةٍ) سواء كانت مُدَبَّرَةً أو أمَّ ولدٍ أو مُكَاتَبَة (عَلى حُرَّةٍ أَوْ فِي عِدَّتِهَا) أي عِدَّة الحُرَّة، سواء كانت عِدَّةً عن طلاق رجعي، وهو قولهما، أو عن بائن، وهو قول أبي حنيفة.
لهما ـ وهو قول ابن أبي ليلى ـ: أنّ الحرام إدخال الأمة على الحرة، وهو إنما يتحقق إذا كان مِلكُه باقياً عليها، وهذه مُبَانةٌ فلا يكون متزوجاً عليها، كما لو تزوج أمةً في عدة حرة من نكاح فاسد، أو وطىءٍ بشبهة، ولهذا لو حلف لا يتزوج عليها، فأبانها وتزوج في عدتها، لا يحنث.

ولأبي حنيفة: أن مِلك المُعْتَدَّة عن طلاق بائن باقٍ من وجه، فالاحتياطُ المنعُ، كنكاح المرأة في عدة أُختها، أو في عدة رابعةٍ.
وقال الشافعي: يجوز للعبد أن يتزوج الأمةَ على الحرة. وقال مالكٌ: يجوز تَزَوُّجُ الأمة على الحرة إذا رضيت الحرة.

ولنا ما روى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في «مُصَنَّفَيْهِما» عن الحسن قال: نَهَى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُنْكَحَ الأمةُ على الحرة. وقال عليٌّ رضي الله عنه: لا تُنْكَح الأمة على الحرة. ونحوُه عن ابن مسعود، رواهما ابن أبي شيبة. وقال جابر بن عبد الله: لا تُنْكَح الأمة على الحرة، وتُنْكَح الحرة على الأمة. رواه عبد الرزاق في «مصنفه» فهذه آثارٌ ثابتة عن الصحابة تُقَوِّي الحديث المُرْسَل (لو لم نقل) بِحُجِّيَّتِهِ، فوجب قَبوله. ثم علماؤنا والشافعيُّ قَصَروا العبد على تزوُّج ثنتين. وقال مالك: له أن يتزوج أربعاً. ومذهَبُنا مرويٌّ عن عمر رضي الله عنه قال: لا يتزوج العبدُ أكثرَ من ثنتين.
(
وَلا) يصح نكاح (حَامِلٍ ثَبَتَ نَسَبُ حَمْلِها) بأن كانت مَسْبِيَّةً، أو مُهَاجِرَةً ذاتَ حَمْلٍ من حَرْبيَ، روى ذلك محمد عن أبي حنيفة، واعتمده الكَرْخي لحرمة صاحب الماء بسبب ثبوت النَّسَب منه. وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أن المَسْبِيَّة، أو المُهَاجِرَة إذا كانت حاملاً من حربيّ يجوز تزوجها، ولا تُوطَأ حتى تضع. واعتمد الطحاوي هذه الرواية.

(
حكم نكاح المُتعة)
(
وَلا) يصح نكاح (المُتْعَةِ) وصورته: أن يُقال بحضرة الشهود لامرأة خالية عن الموانع: مَتِّعِيني نفسك، أو: أتَمَتَّعُ بِكِ كذا بكذا، ويَذكر مدةً من الزمان، وقَدْراً من المال، فتقول: مَتَّعْتُكَ نفسي. ولا بُدَّ من لفظ التمتع فيه، فرقاً بينه وبين المُوَقَّتِ لِمَا روى مسلم من حديث إياس بن سَلَمَة بن الأكوع قال: رَخَّصَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أَوْطَاس في المُتْعَة ثلاثاً، ثم نهى عنها. قال البيهقي: وعام أوْطَاس، وعام الفتح واحد، لأنه بعد الفتح بيسير. انتهى. وأوطاسُ يُصْرَفُ ولا يُصْرف: وادٍ من ديار هَوَازِن بالطائف، فيه قَسَمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم حُنَين.

وفي كتاب «الناسخ والمنسوخ» للحَازِمي: قد كانت المُتْعَة مباحةً في صدر الإسلام، وإنما أباحها النبي صلى الله عليه وسلم للسبب الذي ذكره ابن مسعود، كما في الصحيحين عن قيس بن أبي حَازِم قال: سمعتُ عبد الله بنَ مسعود يقول: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لنا نِساءٌ فقلنا: ألا نَسْتَخْصِي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رَخَّص لنا أن تُنْكَحَ المرأةُ بالثوب إلى أجلٍ، ثم قرأ عبد الله: {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ ا لَكُم وَلاَ تَعْتَدُوا إنَّ ا لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِين}، وقراءَةُ عبد الله الآيةَ دَلَّ على أنه كان يَعتقد الإباحةَ مستمرةً كابن عباس، إلا أنه رَجَعَ بقول سعيد بن جُبير كما سيأتي.
وأما ابن مسعود فلعله رجع بعد ذلك أو استمر، لأنه لم يبلغه النهي بالنصّ، أو للسبب الذي ذكره ابن عباس، كما روى الترمذي عن ابن عباس، قال: إنما كانت المُتْعَةُ في أول الإسلام، كان الرجل يَقْدُم البلدة ليس له بها معرفة، فيتزوج المرأةَ بِقَدْرِ ما يرى أنه يُقيم، فتَحْفَظُ له مَتَاعَهُ، وتُصْلِحُ له شيئه، أي طبخه ونحوه، حتى إذا نزلت الآية: {إلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِم أَو مَا مَلَكَتْ أيْمَانُهُم} قال ابن عباس: كلُّ فَرْجٍ سواهما حرامٌ، أي سوى الأزواج والسَّرَارِي.
قال الحازمي: ولم يَبْلُغْنَا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أباحها لهم وهم في بيوتهم وأوطانهم، ولذلك نهاهم عنها غيرَ مرة، وأباحها لهم في أوقات مختلفة بحسب الضرورات، حتى حَرَّمها عليهم في آخر سِنِيِّهِ، وذلك في حَجَّة الوداع، فكان تحريمَ تأبيدٍ لا خلاف فيه بين الأئمة وفقهاء الأمصار، إلا طائفة من الشيعة، ويُحكى عن ابن جُرَيج.

وأما ما يُحكى عن ابن عباس فيها، فإنه كان يَتَأَوَّلُ إباحتَها للمُضطَرِّ إليها لِطُول الغُربة وقِلَّة اليَسَار والجِدَّة، ثم توقف وأمسك عن الفتوى بها، ثم أسند الحازمي من طريق الخَطَّابِي إلى سعيد بن جُبَير قال: قلت لابن عباس: لقد سارت بِفُتْيَاك الرُّكْبَان وقالت فيها شِعراً قال: وما قالوا؟ قلت: قالوا:
*
قَدْ قُلْتُ للشيخ لَمّا طَالَ مجلسُه ** يا صَاحِ هل لك في فُتْيَا ابن عَبَّاسِ
*
هل لكَ في رَخْصةِ الأطراف آنِسَة ** تكون مثواكَ حين مَصْدَر الناس
المصدَر بفتح الدال، أي: مرجعهم، والرَّخْصَة بالفتح: الناعمة، وصَاحِ: مُرَخَّمُ صَاحِب. فقال: سبحان الله والله ما بهذا أَفتيتُ، وإنما هي كالمَيْتَةِ والدمِ ولحمِ الخنزير، إلا للمُضطر. قال الخَطَّابِي: فهذا يُبَيِّن لك أنه سلك فيه مذهبَ القياس، وشَبَّهَهُ بالمضطر إلى الطعام الذي به قِوَام النفس، وبعدمه يكون التَّلَفُ، وإنما هذا من باب غَلَبَةِ الشهوة، وقد تُحْسَم مادتها بالصوم والعلاج، فليس أحدهما في حكم الضرورة كالآخر، وهو قياس مع الفارق، فَتَدَبَّر.
أقول: وهذا كله ليس فيه صريح الرجوع لابن عباس عن قوله، ومما يَدُلُّ على بطلان المُتْعَةِ مطلقاً ما في «صحيح مسلم»: أن النبي صلى الله عليه وسلم حرَّمها يوم الفتح، وفيه وفي البخاري: أنه صلى الله عليه وسلم حرَّمها يوم خَيْبَر، والتَّوْفِيقُ أنها نُسِخَتْ مرتين.
قيل: ثلاثةُ أشياءٍ نُسِخَتْ مرتين: المْتْعَةُ، ولُحُوم الحُمُرِ الأهْلِيَّة، والتَّوَجُّه إلى بيت المقدس في الصلاة.

وفي «صحيح مسلم»: «يا أيها الناس إني كنتُ أَذِنْتُ لكم في الاستمتاعِ من النساء، وقد حَرَّمَ الله ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهنَّ شيءٌ فَلْيُخَلِّ سبيله، ولا تأخذوا مما آتَيْتُمُوهُنَّ شيئاً.» وفيه أيضاً: أنّ علياً سمع ابن عباس يُلَيِّنُ في المُتْعَةِ، فقال: مهلاً يا ابن عباس، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحُمُر الإنْسِيَّة.
وأما قول صاحب «الهداية»: قال مالك: هو جائز، لأنه كان مباحاً فيبقى إلى أن يظهر ناسخه ، قلنا: ثبت النسخ بإجماع الصحابة، وابن عباس صَحَّ رجوعه إلى قولهم: فتقرَّرَ الإجماعُ. فما نَقَلَهُ عن مالكٍ ليس مَذْهَبَهُ. وقوله: ثبت النسخ بإجماع الصحابة، فيه أن النسخَ لا يَثبت بالإجماع، وقد ثبت نسخُ نكاح المُتْعَةِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير نِزَاع ولا عبرة بمخالفة الشيعة من أهل الابتداع.

(
حكم النكاح الموقَّت)
(
وَلا) يصح نكاح (المُوَقَّتِ) وهو نكاح إلى مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ طويلة أو قصيرة، وهو مختار شمس الأئمة، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه إذا ذكر مُدَّةً لا يعيش مِثْلُهما إليها صح النكاح، وهذا مختار صاحب «المختلف». وقال زُفَر: يصح النكاح، ويَبْطُلُ التوقيت، لأن معنى النكاح إسقاط حرمة البُضْع، والإسقاط لا يَبْطُل بالشروط الفاسدة، فصار كما لو تَزَوَّجها بشرط أنْ يُطَلِّقها بعد شهر.
ولنا أن نكاح المُوَقَّت في معنى نكاح المُتْعة، (فلا يصح، كما لا يَصِح نِكاح) المُتْعَةِ، إذ العبرة للمعاني، ألا ترى أنه إذا قال: جعلتُكَ وكيلاً بعد موتي، فإنه يكون وَصِيًّا، ولو قال: جعلتُك وَصِيًّا في حياتي يكون وكيلاً، وكذا الحَوَالة بشرط بقاء الدَّين على الأصيل كفالةٌ، والكفالةُ بشرط براءة الأصيل حَوَالةٌ. ويؤيد هذا ما رُوي عن عمر أنه قال: لا أرى برجل تَزَوَّج امرأةً إلى أَجَلٍ إلا رجمته.

وأما إذا تَزَوَّج بشرط أن يُطَلِّقَ بعد شهر، فقد اشترطَ القاطِعَ للنكاح بعد شهر، وذلك يَدُلُّ على انعقاد النكاح مؤبَّداً، ولو تزوجها على أن يَقْعُدَ معها في النهار دون الليل أو بالعكس، أو تزوَّجها ناوياً أن يَقْعُدَ معها مدةً ولم يَتَلَفَّظ بذلك في صُلْبِ العقد فالنكاح صحيح.

فصل في الأولياء والأكْفَاء
(
نَفَذَ نِكَاحُ حُرَّة مُكَلَّفَةٍ) سواءٌ كانت ثَيِّباً أو بكرااً وسواء زَوَّجَتْ نفسَها أو غيرَها (وَلَو مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ بِلا وَلِيَ) أي: ملابِساً بغير وَليّ. وهذا على ظاهر الرِّواية عن أبي حنيفة، ورواية رجوعهما إليه على ما في «مبسوطي» شمس الأئمة وشيخ الإسلام المعروف بخواهر زَادَه.
وكان أبو يوسف أولاً يقول: إن النكاح لا ينعقد إذا كان لها وليٌّ، ثم رَجَع وقال: إنْ كان الزوج كُفُؤاً انعقد، وإلا لم ينعقد، ثم رجع وقال: ينعقد سواءٌ كان الزوج كُفُؤاً أو لم يكن. وعند محمد ينعقد موقوفاً على إجازة الولي. سواءٌ كان الزوج كُفُؤاً أو لم يكن.

وقال مالك: ينعقد إذا كانت خَسِيسةً، وقال الشافعي وأحمد: لا ينعقد النكاح بعبارة النساء، لِمَا رَوَى أبو داود والتِّرمذي وابن مَاجَه، عن ابن جُرَيج، عن سليمان بن موسى، عن الزُّهْريّ، عن عُرْوَة، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيُّمَا امرأةٍ نَكَحَتْ بغير إذْنِ وَلِيِّها، فنِكَاحُها باطلٌ، فنِكَاحُها باطلٌ، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فالمهر بما استَحَلَّ من فرجها ـ أي: لازم ـ فإن اشْتَجَرُوا ـ أي: اختلفوا ـ فالسلطانُ وليُّ من لا وليَّ له». قال الترمذي: حديث حسن، وقال: قد تَكَلَّم فيه بعض أهل الحديث من جهة أن ابن جُرَيج قال: ثم لَقِيتُ الزُّهرِيَّ فسألته عنه فأنكره فضَعَّفُوا الحديث من أجل هذا. وقال ابن عَدِيّ في «الكامل» في ترجمة سليمان: ثم قال: قال،ابن جُرَيج (فَلَقِيتُ الزُّهريَّ فسألتهُ عن هذا الحديث، فلم يَعْرِفه)، فقلت له: إن سليمان حَدَّثَنا به عنك فأثنى عليه خيراً وقال: أخشى أن يكون وَهَمَ عَلَيَّ.
وفي السنن أيضاً عن ابن أبي بُرْدَةَ، عن أبيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا نكاحَ إلا بوَليَ». قال الترمذي: هذا حديث فيه اختلاف، وذَكَر وجوهَ الاختلاف.
وفي «سنن الدَّارَقُطْنِيّ»: عن ابن سِيرِينَ، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم «لا تُزَوِّجُ المرأةُ المرأةَ، ولا المرأةُ نَفْسَها، فإنَّ الزَّانِيَةَ هي التي تُزَوِّجُ نَفْسَها». ورواه الأوزاعيّ عن ابن سيرين، عن أبي هريرة موقوفاً، وهو أشبه. وفي «سننه» أيضاً عن ابن مسعود مرفوعاً: «لا نكاحَ إلا بوليَ وشَاهِدَي عَدْلٍ». إلا أنّ في سند الأول بَكْرَ بن بَكَّار، وفي الثاني عبد الله بن مُحَرَّر، وهما ضعيفان.

ولنا قوله تعالى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} حيث أسنَدَ النكاح إليها، وقوله تعالى: {أنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ}، وقوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أنْفُسِهِنَّ} وما رواه الجماعة إلا البخاري من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الأَيِّمُ أحقُّ بنفسها من وَلِيِّها، والبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ في نفسها، وإذْنُها صُمَاتُها ـ بالضم ـ أو سُكُوتُها». كما في رواية، والأيِّم، بتشديد التحتية المكسورة: المرأةُ الثَّيِّب التي لا زوج لها، وهي بالغةٌ عاقلةٌ.
ووجه الدَّلالة أنه صلى الله عليه وسلم قَدَّمها على الوَلِيّ بقوله: «أحقُّ بنفسها».
وأما استدلال الشافعي بقوله: {فلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ} حيث قال: هذه الآيةُ أبينُ آيةٍ في كتاب الله تَدُلُّ على أن النكاح لا يجوز بغير وليَ، لأنه نَهَى الوليَّ عن المَنْع، وإنما يتحقق المَنْعُ منه إذا كان الممنوعُ في يده، وهو الإنكاح، فمدفوعٌ بأنَّ المرادَ بالعَضْلِ: المَنْعُ حِسًّا بأن يَحْبِسَهَا في بيت، ويَمْنَعَها من أن تَتَزوَّج، إذ معناها الحقيقي النهي عن منعهن من مباشرة النكاح.
(
وَلَهُ) أي للوليّ (الاعْتِرَاضُ هُنَا) أي فيما لو زَوَّجَتْ نَفْسَها من غير كُفُوءٍ، بأن يَطْلُبَ من القاضي التفريقَ بينهما لِلُحُوقِ العارِ له بمصاهرة غير الكُفْء، وليس هذا التفريق طلاقاً، بل هو فسخٌ لأصلِ النِّكاح، ولهذا لا يجب عليه شيءٌ إذا لم يدخل، ولو سكت الوليُّ لا يكون ذلك رضاً، ولو خاصم لنفقتها أو لقبض مهرها كان ذلك رضاً، ولو وَلَدَتْ منه، فليس للوليّ حقُّ الفسخ، لئلا يضيع الولد.

(ورُوي بُطْلانُهُ) أي بطلان نِكاحها إذا زَوَّجَتْ نفسَها (بِلاَ كُفُؤ) روى ذلك الحسنُ عن أبي حنيفة، وفي «الخَانِيَّة»: هذا أصحُّ وأَحْوَطُ والمختار للفتوى في زماننا، إذ ليس كل وليَ يُحْسِنُ المرافعة إلى القاضي، ولا كل قاضٍ يَعْدِل، ولذا قيل: الوقوف على باب القاضي في هذا الزمان ذُلٌّ، فَسَدُّ هذا الباب أَولى.
والمطلقة ثلاثاً لو زَوَّجتْ نفسَها من غير كُفُؤ ودخل بها، ثم طَلَّقها لا تَحِلُّ للزوج الأول على ما هو المختار من رواية الحسن.
(
وَلا يُجْبِرُ وَلِيٌّ بَالِغَةً وَلَوْ كَانَتْ بِكْراً) وله أن يُجْبِرَ غيرَ البالغة ولو كانت ثَيِّباً، وقال مالك، والشافعي، وأحمد: وهو قول ابن أبي ليلى: يُجْبِر الأبُ والجَدُّ البِكرَ البالغةَ، لأنها جاهلةٌ بأمر النكاح في الجملة، كالبِكْر الصغيرة.

فمدار إجبار الوليِّ عندنا على الصِّغَر، كانت بكراً أو ثَيِّباً، وعندهم على البَكَارَة، كانت صغيرةً أو كبيرةً. ومعنى الإجبار: أن يَنْفُذَ عقدُ وَلِيِّها عليها وإن أَبَتّ أو رَدَّتْ. واحتجا بما في «صحيح مسلم»: «الثَيِّبُ أحَقُّ بنَفْسِهما من وَليِّها، والبِكْرُ يَسْتَأْمِرُها أَبُوها في نفسها». باعتبار أنه خصَّ الثيِّبَ بأنها أحق، فأفاد أنَّ البِكْرَ ليست أحقَّ بنفسها منه، فاستُفِيدَ ذلك بالمفهوم.
ولنا ما رُوِّينا من قوله صلى الله عليه وسلم «والبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ في نَفْسِها، وإذْنُها صُمَاتُها». وما روى أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والنَّسَائي من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنَّ جاريةً بِكراً أتتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فذكرت أنَّ أباها زَوَّجها وهي كارهةٌ، فَخَيَّرَهَا النبيُّ صلى الله عليه وسلم وهذا حديث صحيح، فإنه مُخَرَّجٌ لرجاله في «الصحيحين».

وما في النسائي عن عبد الله بن يَزيد، عن خَنْسَاء قالت: أنْكَحَنِي أبي وأنا كارهةٌ، وأنا بِكرٌ، فَشَكَوتُ ذلك إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: «لا تُنْكِحْهَا وهي كارهة». ولكنْ ذكرَ البخاريّ أنها كانت ثَيِّباً قال ابن القطان: وتَزَوَّجَتْ خَنْسَاءُ بمَن هَوِيَتْ، وهو أبو لُبَابَة بن عبد المُنْذِر، صَرَّح به في «سنن ابن ماجه».
وفي «سنن الدَّارَقُطْنِيّ» عن جابر أن رجلاً زوَّج ابنَتَه وهي بِكرٌ من غير أمرها فَأتتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فَفَرَّقَ بينهما. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنّ رجلاً زوَّج ابنتَه بِكراً، فكرِهَتْ ذلك، فردَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم نِكاحَها. وفي رواية قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَنْتَزِعُ النساء من أَزواجِهِنَّ ثيباً وأبكاراً بعد أن يُزَوِّجَهُنَّ الآباءُ إذا كَرِهْنَ ذلك. وصحح الدَّارَقُطْنِيّ إرسال الحديث الأول وَوَصَل الثاني.
وعن ابن عباس أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ردَّ نكاح بِكْرٍ وثَيِّبٍ أَنْكَحَهُما أبوهما، وهما كارهتان إلا أنّ الدَّارَقُطْنِي جعله مرسَل عِكْرِمَة. وفي «سنن النسائي» و«مسند أحمد» عن عائشة قالت: جاءتْ فتاةٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أبي زَوَّجني ابن أَخِيهِ ليرفع بي خَسِيسَته قال: فجعل الأمرَ إليها، فقالت: أجَزْتُ ما صَنَع أبي، ولكن أردتُ أن تَعْلَمَ النِّسَاءُ أنّ ليس إلى الآباءِ من الأمر شيءٌ.

وهذا يفيد بعمومه أنْ ليس له المباشرةُ حقاً ثابتاً، بل الاستحباب، وفيه دليلٌ من جهة تقريره صلى الله عليه وسلم قولَها ذلك أيضاً، وهو حديثٌ حُجَّةٌ، وحَمْلُهُ على أنَّ ذلك لعدم الكفاءَةِ خلافُ الأصل، مع أن العَرَب إنما يَعتبرون الكفاءة بالنَّسَب، والزَّوْجُ كان ابنَ عَمِّها

(وَصَمْتُها) أي صَمْتُ البِكْر (وَضَحِكُهَا وَبُكَاؤُها بِلا صَوْتٍ: إذْنٌ، وَمَعَهُ) أي مع الصوت (رَدٌّ) لأنه إذا خرج الدمع من عينها من غير صوت البكاء لم يكن رداً، بل هو تَحَزُّنٌ على مُفَارَقَةِ بيت أبوَيها (حِينَ اسْتَئْذَانِهِ) أي وقت استئذانِ الوليّ البِكرَ (أَوْ بُلُوغِ الخَبَرِ) لها مع رسول الوليّ، أو مع فُضُوليَ.
أما كون الصمت من البكر إذْناً، فلِمَا في الكتب الستة من حديث أبي هريرة أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرُ ـ أي يُطْلَب (أمرها) صريحاً ـ ولا تُنْكح البِكر حتى تُسْتَأْذَن»، قالوا: يا رسول الله وكيف إذنُها؟ قال: «أن تَسْكُتَ».
وأما الضحك فلأنه يحتمل الردَّ والرضاء، فلا يَثْبُتُ واحدٌ منهما للمعارَضة، فيبقى مجرَّدُ السكوت وهو الرضاء، أو لأن الضحك أدلُّ على الرضاء بالتصرف من السكوت، لكن بلا استهزاء لِمَا سَمِعَتْ، والضَّحِكُ (الذي يكون) بطريق الاستهزاء معروفٌ بين الناس.
وأما البكاء، فعن أبي يوسف فيه روايتان: في رواية يكون رضاً، لأن البكاء قد يكون عن سرور، وقد يكون عن حُزْنٍ، فلا يَثبت واحد منهما للمعارضة، ويبقى مجردُ السكوت وهو رضًى، وفي رواية: لا يكون رضًى، وهو قول محمد، لأن البكاء غالباً يكون عن حُزْن.
والمختارُ أنه إن كان مع الصِّيَاح يكون دليلاً على الردِّ، وإن كان مع السكوت يكون دليلاً على الرضا.
(
بِشَرْطِ تَسْمِيَةِ الزَّوْجِ) على وجه يَحْصُل لها به معرفةٌ. لتُظْهِرَ رغبتَها فيه أو عنه. (لا المَهْرِ) أي لا يُشترط تسميةُ المَهْر لها، لأنّ للنكاحِ صحةً بدونه.
(
وَلَوْ اسْتَأْذَنَ) البِكْرَ (غيرُ وَلِيَ أَقْرَبَ) بأن كان الأب كافراً، أو عبداً، أو استأذنها وَلِيٌّ غيرُه أولى منه، كالأخ مع الأب (فَرِضَاهَا بِالقَوْلِ) لاحتمال أنَّ سكوتَها لِقِلَّة المبالاة بكلامه، لا لرضاها به.

(كَالثَّيِّبِ) سواء استأذنها وَلِيٌّ أقربُ أو غيره، فإن رضاها بالقول حقيقةً بأن تقول: رَضِيتُ، وحُكْماً بأن تُمَكِّنَ من نفسها، أو تَطْلُبَ مهرَها أو نفقتها، لِمَا روينا عن أبي هريرة في الكتب الستة ـ ولا يعارضه ما روى الجماعة إلا البخاري ـ عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِها، والبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نفسها، وإذْنُها صُمَاتُها». لأن الاستئمار إنما لم يكن مقتضياً للنُّطْقِ في حق البِكر لقوله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث: «وإذْنُها صُمَاتُها»، وأما ما في «الهداية» من قوله صلى الله عليه وسلم «الثَّيِّبُ تُشَاوَر»، فغيرُ معروف.

(
وَالزَّائِلُ بَكَارَتُهَا بِزناً) لم يتكرر، ولا أُقِيمَ عليها به الحدُّ، وأما إذا تكرر منها الزنا، أو أُقِيمَ عليها بسبب الحدُّ، ليس لها حكمُ البِكْرِ اتفاقاً. (أوْ غَيْرِ جِمَاعٍ) كَوَثْبَةٍ، أو حيضة بدُفْعَةٍ، أو جراحة، أو تَعْنِيسٍ وهو: طُولُ مُكْثٍ من غير تَزَوُّج. فالزائلُ مبتدأٌ، بكارتُها مرفوعٌ به على الفاعلية، وخبر المبتدأ.
(
كَالبِكْرِ) يعني أنّ مَن زالت بكارتها بزناً، أو بغير مُجَامَعَةٍ حُكْمُها حُكْمُ البِكرِ في أنّ سكوتَها عند استئذانها إذنٌ، أما مَن زالت بكارتُها بغير الجِمَاعِ فلأنها بكرٌ حقيقةً، لأن ما يُصيبها من الجِماع أولُ مصيبٍ لها، إذ البَكَارة عبارةٌ عن أوّل الشيء، ومنه يقال لأوّل النهار: بُكْرَة، وأول الثِّمار: بَاكُورَة.
وأما مَن زالت بكارتُها بِزِناً، فالمذكور هنا قول أبي حنيفة، وقالا: ـ وهو قول الشافعي في الجديد، وأحمد في رواية ـ لا يكون سكوتُها إذناً لأنها ليست ببِكْر (حقيقة)، لأن ما يُصيبها ليس بأول مصيب لها.

ولأبي حنيفة أنّ الشارع جعل سكوتَها رِضاً لا للبَكَارة بل لِعِلَّةِ الحياء، فإن عائشة لَمَّا أَخْبَرَتْ أنها تَسْتَحي قال: «سكوتها رضاها». وعلة الحياء هنا موجودة، بل مع الزيادة. وبعض مشايخنا يقولون في هذين الفصلين: يُكْتَفَى بسكوتها أيضاً، لأنها بكرٌ شرعاً، ألا ترى أنها تدخل تحت قوله صلى الله عليه وسلم «البِكْرُ بالبِكْرِ جلدُ مِئَةٍ»، ولكن هذا ضعيفٌ، فإن هذا موجود في الموطوءة بشُبهةٍ ونكاحٍ فاسد، ولا يُكْتَفى بسكوتها اتفاقاً، فعُلِم أن المُعْتَبَر هنا بقاءُ صفة الحياء، لأن الشرع أظهر ذلك الفعلَ عليها حين أَلْزَمَ المَهْرَ والعِدَّةَ، وأثبتَ النَّسَبَ، بخلاف هذه، إذ لم يُعَلِّق به شيئاً من الأحكام، بل أمرها بالسَّتْر على نفسها بقوله صلى الله عليه وسلم «مَنْ أصاب من هذه القَاذُورَات شيئاً فليستتر بستر الله».
(
وَقَولُهَا) أي قول البِكْر عند مُخَاصَمَة الزَّوج: (رَدَدتُّ) عند الاستئذان، أو عندما بلغني الخبرُ بالتزويج (أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ) أي قول الزوج: (سَكَتِّ) ولم تَرُدِّي.
وقال زُفَر: قوله أولى، لأنه يَدَّعي الأصل، لأن السكوت أصلٌ والردُّ عارِضٌ.
ولنا أن الزوج يَدَّعي تَمَلُّك بُضْعِها وهي تدفعه، فتكون مُنْكِرةً في المعنى، والقولُ قولُ المُنْكِرِ، كما لو ادَّعَى أصلَ العقد وأنكرتْ هي، وهذا لأن العبرة للمعاني لا للصُّوَرِ والمباني، فإنّ المُوْدَعَ إذا قال: رددتُّ الوديعةَ (وأنكر صاحب الوديعة)، كان القولُ قولَه، لأنه يُنْكِر الضمان من حيث المعنى.

(وَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ) أي بَيِّنَةُ الزوج (عَلى سُكُوتِهَا) وتُقَدَّمُ على بينتها أنها ردت، لأن بَيِّنَتَهُ تُثْبِتُ اللزومَ، والمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ على النافي، كما هو مُقَرَّرٌ في الأصول (وَلاَ تَحْلِفُ هِيَ إنْ لَمْ يُقِم) الزوجُ البَيِّنَة على سكوتها. وعندهما تَحْلِف، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وفي «عيون المذاهب»: وبه يُفْتَى، وفي «فتاوى قاضيخان»: إن الفتوى على قولهما في النكاح.
(
وَلِلْوَلِيِّ) أباً كان أو جَدًّا (أو غيرهما) (إنكاحُ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ وَلَوْ) كانت (ثَيِّباً) وقال الشافعي: إن كانت الصغيرة ثَيِّباً، لا يجوز لأحد أن يُزَوِّجها، لأن الثيبَ تُشَاوَر، ولا يُعْتَبَرُ إذنُها قبل البلوغ، فيجب الانتظارُ. وإن كانت بِكراً جاز للأبِ والجدِّ أن يزوِّجها، ولا يجوز ذلك لغيرهما، بناءً على أنّ علة الوِلاية عنده البَكَارةُ، وعندنا عدمُ العقل، أو نقصانُه، لأنه المؤثِّرُ في الولاية على مالها، وعلى نفس الغلام وماله، وعلى المجنونة باتفاق.
واحتج الشافعي بقوله صلى الله عليه وسلم «لا تُنْكَحُ اليتيمةُ حتى تُسْتَأْمَر»، واليتيمةُ: الصغيرة التي لا أب لها، وبِأنَّ قُدَامَة بن مَظْعُون زَوَّج بنتَ أخيه عثمان بن مَظْعُون من ابن عمر، فَرَدَّها صلى الله عليه وسلم وقال: «إنها يتيمةٌ، وإنها لا تُنْكَحُ حتى تُسْتَأْمَر».
وأُجيب عن الحديث بأن المراد اليتيمةُ البالغة، قال تعالى: {وآتُوا اليَتَامى أمْوَالَهُم} والمراد البالغين، والدليل عليه أنه مُدَّ إلى غاية الاستئمار، وإنما تُستأمر البالغةُ دون الصغيرة. وتأويلُ حديث قُدَامة أنها بلغت فخيَّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختارت نفسها، ألا ترى أنه رُوي عن ابن عمر أنه قال: واللهاِ لقد انْتُزِعَتْ عني بعد أن مَلَكْتُهَا.

هذا، وعَيَّن مالكٌ الأبَ وحدَه للصغير والبِكر، واحتج بأن الولاية على الحرة إنما تَثبت لحاجته، ولا حاجة به قبل البلوغ لعدم الشهوة، إلا أنّ ولاية الأب ثبتت نصاً على خلاف القياس، فبقي ما سواه على الأصل.
ولنا قوله تعالى: {وإنْ خِفْتُم ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتَمَى} الآية، معناه: في نكاح اليتامى، وإنما يتحقق هذا الكلام إذا جاز نكاح اليتيمة، وقد نُقِل عن عائشة في تأويل الآية أنها أُنزلت في يتيمة تكون في حِجْرِ وَلِيِّها، يرغب في مالها وجمالها، ولا يُقْسِط في صَدَاقها، فَنُهُوا عن نكاحهن حتى يبلغوا بهن أعلى سُنَّتِهِنَّ في الصَّدَاق. وقالت في تأويل قوله تعالى: {في يَتَامَى النِّسَاءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ}: إنما نَزَلَتْ في يتيمةٍ تكون في حِجر وَلِيِّها، ولا يرغبُ في نكاحها لِدَمَامَتِها، ولا يُزَوِّجُها من غيره لئلا يُشارِكَه في مالها، فأنزل الله هذه الآية، فأمر الأولياء بتزوُّج اليتامى أو بتزويجهن من غيرهم، وذلك دليل جواز تزويج اليتيمة، وقد زوج

رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنةَ عمه حمزةَ من عمر بن أبي سلمة، وهي صغيرة، وقال: «لها الخيارُ إذا بلغت»، وقد رُوي عن علي موقوفاً ومرفوعاً: «الإنكاحُ إلى العَصَبات». والآثار في ذلك مشهورة عن عمر، وعليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة.
(
ثم إنْ زَوَّجَهُما) أي الصغيرَ والصغيرةَ (الأبُ أوِ الجَدُّ لَزِمَ) لأنهما كَامِلاَ الرَّأْيِ والشفقة، فيلزم عقدهما على الصغيرين، كما إذا باشراه برضاهما بعد البلوغ.

(وَفي غَيْرِهِمَا) أي غير الأبِ والجد من الأولياء، ولو كان إماماً أو قاضياً، وعند مالك والشافعي وأحمد في غير الأب (فَسَخَ الصَّغِيرَانِ حِينَ بَلَغَا) إن أرادا (أوْ) حين (عَلِمَا بِالنِّكَاحِ بَعْدَهُ) أي بعد البلوغ، لأن العقدَ صدر ممن هو قاصرُ الرأيِ كالأم، أو الشفقةِ كالقاضي، فيثبت لهما الخيار إذا مَلَكَا أنفسَهما، كالأَمة المُزَوَّجة إذا أُعْتِقَتْ وعَلِمَتْ بالزواج.
ولو فُسِخَ النكاحُ بخيار البلوغ، فإن كان قبل الدخول فلا شيء للمرأة، وإن كان بعده فلها المهر كاملاً، ولا يكون طلاقاً، لأنه يَصِحّ من الأُنثى ولا طلاق إليها. ثم هذا عند أبي حنيفة ومحمد، وهو قول أبي يوسف في الأول، وهو قول ابن عمر وأبي هريرة، وقال أبو يوسف آخراً: لا خيار لهما، وهو قول عُرْوَةَ بن الزُّبَيْر، فإذا زَوَّجها غيرُ الأب والجدِّ لَزِم النكاح كما لو زوجها الأب والجد.
والجواب ما قدمنا من أن النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا زوج أُمَامَة بنت حمزة قال: «لها الخيارُ إذا بَلَغَتْ».
(
وسُكُوتُ البِكْرِ رِضاً هُنَا) أي فيما إذا بلغت وقد عَلِمت بالنكاح، وفيما إذا عَلِمت بالنكاح بعد البلوغ، كما أن سكوتها رِضاً إذا استأذَنَها وهي بِكر بالغةٌ عند تزويجها.
(
وَلاَ يَمْتَدُّ خِيَارُهَا) أي خيار فسخ البِكر (إلى آخِرِ المَجْلِسِ) بل يَبْطُل بمجرَّد السكوت (وإنْ جَهِلَتْ بِهِ) أي بأنَّ لها الخيارَ بالبلوغ، أو بأنه لا يَمْتَدُّ إلى آخر المجلس إذ جهلها ليس بعذر، لأن الدار دارُ العلم، وهي مُتَفَرِّغةٌ للتعلُّم، وجهلُها لأصل النِّكاح عذرٌ، لأن المولى يَنْفَرِدُ به.
(
بِخِلاَفِ المُعْتَقَةِ) بعد التزويج، فإن خيارها يمتدُّ إلى آخر المجلس، ويَبْطُل بقيامها، لأن خيارها ثبت بإعتاق المولى، وتُعْذَرُ بالجهل، لأنها لا تتفرغ لتعلم الأحكام، لشغلها بخدمة المولى.

(وخِيَارُ الغُلاَمِ) أي الصغير قبل البلوغ (وَالثَّيِّبِ) سواء كانت ثيباً عند التزويج أو عند البلوغ (لاَ يَبْطُل بِلا رِضاً صَرِيحٍ) بأن يقول: رَضِيتُ، (أو دَلاَلَةً) بأن يفعل ما يدلّ على الرضا من قُبْلَةٍ، أو لمسٍ، أو إعطاء الغلام المهرَ، أو قَبولِ الثيِّبِ، ومطالبتِها بالمهر أو النفقة.
(
وَلا يَبْطُل بِقِيَامِهِمَا عَنِ المَجْلِسِ) لِمَا قَدَّمنا. والحاصل: أنها إذا بلغت ثيباً، فَوَقْتُ خيارِها العُمُرُ، لأن سبَبَه عدمُ الرضا، فيبقى إلى أن يُوجدَ ما يَدُلّ على الرضا بالنكاح، وكذا الغلام.
(
وَشُرِطَ القَضَاءُ لِفَسْخِ مَنْ بَلَغَ) من صغير أو صغيرة زَوَّجهما غيرُ الأب والجَدِّ، واختارا عند البلوغ فسخَ النكاح، لأن السبب مُخْتَلَفٌ فيه بين العلماء، فمنهم من أبَى، ومنهم من رأى، ولأنّ سببَ فسخهما النكاحَ وهو تركُ الوليّ النظرَ، بحكم عدم الشفقة لا يُوقَفُ على حقيقته، فكان ضعيفاً في نفسه، فيتوقف على القضاء، كالرجوع في الهبة، بخلاف خيار المُخَيَّرة، فإن سببه تخييرُ الزوج.
(
لا مَنْ عَتَقَتْ) أي لا يُشترط في فسخ نكاح الأمة المزوَّجة إذا عَتَقَتْ وبلغها الخبرُ واختارتْ فسخَ النكاح، قضاءُ القاضي، لأن سبب فسخها زيادةُ المِلك، وهو مقطوعٌ به، لأن الزوج كان يملك مراجعتها في قُرْءَيْنِ، ويَمْلِك عليها تطليقتين، وتنقضي عدتها في حيضتين، وقد زاد ذلك بالعِتق، ويتوارثان بموتِ أحدهما قبل فسخ القاضي، لأن أصل العقد صحيح، والملك الثابت به قد انتهى بالموت .

(والوَليُّ العَصَبَةُ) أي بنفسه، وهو: كلُّ ذَكَر يَتَّصِل بلا تَوَسُّطِ أُنْثَى. (عَلَى تَرْتِيبِهِم) أي في الإرث، والحَجْبِ. فالأقرب يَحْجُبُ الأبعدَ. وتُقَدَّمُ عصبةُ النَّسَب، وأَولاهم الابنُ ثم ابن ابنه، وإن سَفَل، ثم الأب، ثم الجَدّ، وهو أبُ الأبِ، ثم الأخ لأبوين، ثم لأبٍ، ثم بَنُو الإخوة كذلك، ثم الأعمام كذلك، ثم بَنُوهم كذلك، ثم أعمام الأب كذلك.
وفي شرح الطحاوي: أولى الأولياء الأبُ والجدُّ وإن علا، ثم الأخ لأب وأمَ، ثم الأخ لأبٍ، ثم ابن الأخِ لأبٍ وأمٍ، ثم ابن الأخ لأبٍ، وكذلك أولادهم على هذا الترتيب، ثم العمُّ لأبٍ وأمّ، ثم العمُّ لأب، وكذلك أولادهما، ثم عَمّ الأبِ لأبٍ وأمٍ، ثم عمّ الأَبِ لأبٍ، وكذلك أولادهما، ثم عمّ الجَدِّ لأبٍ وأُم، ثم عَمّ الجَدِّ لأبٍ، وكذلك أولادهما.

والجَدُّ مُقَدَّمٌ على الأخ في التزويج عند أبي حنيفة، وسَوَّى صاحباه بينهما فيه، وفي «المبسوط»: الأصح أن الجَدّ مُقَدَّمٌ في قولهم جميعاً، لأن شفقته فوق شفقة الأخ، ولهذا لا يثبت لهما الخيارُ في عقد الجَدّ، كالأب، بخلاف الأخ.
ويُزَوِّجُ المجنونةَ ابنُها في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، لأنه عَصَبَتُها، ألا ترى أن الأب معه يَستَحِقُّ السُّدُسَ بالفَرْضِيَّة وقال محمد: يزوجها أبوها، لأن ولاية الأب تَعُمُّ المالَ والنفس، ولا يثبت للابن إلا ولاية في المال، وإن لم يكن واحدٌ من هؤلاء، فمولى العَتَاقة، الرجلُ والمرأةُ فيه سواء.
(
بِشَرْطِ حُرِّيَةٍ وَتَكْلِيفٍ) لأن العبد، والصبي، والمجنون لا ولاية لهم على أنفسهم، فكذا على غيرهم.

(وَإِسْلامٍ فِي وَلَدٍ مُسْلِمٍ) ذكراً كان أو أُنثى، لأن الكافر لا ولاية له على المسلم (لأنها تنفيذ القول على الغير شاء أو أبى، ولا يجوز أن يَنْفُذَ قولُ الكافر على المسلم) لقوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ ااُ لِلْكَافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}، فإنّ هذا يقتضي نفيَ السبيل من كل وجه، لأن النَّكِرةَ في موضع النفي تَعُمّ، لكنّ السبيلَ ثابتٌ حقيقةً، فيراد به نفيُ السبيل حكماً، كقبول الشهادة، والوِلاية، والقضاء، والوِراثة، وأيضاً يُشترط في وليّ وَلَدِ الكافر أنْ يكون كافراً لقوله تعالى: {والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُم أوْلِيَاءُ بَعْضٍ}، ولهذا تُقبل شهادة الكافر على مثله ويتوارثان.
(
ثم) أي إذا لم يوجد للصغير وليٌّ عَصَبَةٌ فالولي في التزويج (الأمُّ) عند أبي حنيفة، خلافاً لهما لحديث: «الإنكاحُ إلى العَصَبَات»، وحجة أبي حنيفة حديث ابن مسعود في إجازته في تزويجِ امرأتِه ابنَتَها، وأن الأصح أنّ ابنتها لم تكن من عبد الله، وإنما جُوّز نكاحها لولاية الأُمومة.
(
ثُمَّ ذُو الرَّحِمِ) وهو هنا كلُّ قريب ليس بعَصَبة ولا أمّ.
(
الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ) فتُقَدَّمُ البنتُ، ثم بنتُ الابن، ثم بنتُ البنت، ثم بنتُ ابن الابن، ثم الأُختُ لأب وأُمَ، ثم لأبٍ، ثم أولادُ الأُمِّ: ذكورُهم وإناثُهم سواء، ثم أولادُهنَّ، ثم الأعمام، ثم العمَّات، ثم الأخوال، ثم الخالات، ثم بناتُ الأعمام. والجدُّ الفاسد أولى من الأخت عند أبي حنيفة، وقيل تُقَدَّم الأُخت لأبٍ وأمَ على الأم، لأنها تكون في بعض الأحوال عَصَبَة.

(
ثُمَّ مَوْلَى المُوَالاَةِ) على روايتهما عن أبي حنيفة، وهو مَن وَالى غيرَه على أنه إن جَنَى، فَأَرْشُهُ عليه، وإن مات، فميراثُه له، لأنه مؤخَّرٌ في الإرث عن ذوي الأرحام، فكذا في ولاية النكاح.

(ثُمَّ قَاضٍ في مَنْشُورِهِ) أي في المكتوب الذي له من السلطان بالولاية (ذلِكَ) أي تزويج الصغار، لما رويناه من قوله صلى الله عليه وسلم «السلطانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَليَّ له».
(
وَالأَبْعَدُ يُزَوِّجُ بِغَيْبَةِ الأَقْرَبِ) وهو مقدَّمٌ على القاضي عندنا، خلافاً لمالك والشافعي، وهو رواية عن بعض أصحابنا، ولا يبطل عقده بمجيء الأقرب، بل تَبْطُل ولايته، لأن الأقرب لعدم الانتفاع به ـ لأجل غَيْبته ـ كالمعدوم، فيتعيَّن مَن يَخْلُفُه، وإذا حصل المقصود بِمَن يَخْلُفُه لا يبطل بعد حصوله، كَفَاقِدِ الماء إذا تَيَمَّم وصلَّى ثم وجد الماء، لا تبطل صلاته.
والغَيْبَةُ التي يُزَوِّج الأبعدُ فيها هي: (مَا) أي مُدَّةً (لَمْ يَنْتَظِرِ الكُفْءُ الخَاطِبُ خَبَرَهُ) أي خبر الأقرب، وهذا مختار شمس الأئمة السَّرَخْسِي، ومحمد بن الفَضْل، والإِسْبِيجَابي، وصاحب «الهداية»، لأن الولاية نظريةٌ، ولا نَظَر في ولاية الأقرب على وجهٍ يَفُوتُ بفواته الكُفْءُ.
(
وَعِنْدَ البَعْضِ) من المتأخرين كالقاضي أبي علي النَّسَفِيّ، وصَدْر الإسلام البَزّدَويّ، وهو قول محمد بن مُقَاتِل، وسُفْيان الثَّوْرِي، وعليه فتوى الصدر الشهيد والوَلْوَالجيّ. وقال في «الكافي»: وعليه الفتوى. ((أَدْنَى) مُدَّةِ السَّفَرِ) وهي ثلاثة أيام ولياليها، واختار القُدُورِيُّ، ومحمدُ بن سَلَمة الغَيْبَةَ المنقطعة، بأن يكون في بلد لا تَصل إليه القافلة في السنة إلا مرةً. وفي «الواقِعات»: أن أكثر المشايخ اختاروا قَدْرَ الشهر، ـ وهو مَرويٌّ عن أبي يوسف ومحمد ـ لا يُجْهَل مكانُه، كما روي عن زُفَر وبعضِ مشايخنا.

ثم من العلماء مَن قال: لا يجوز عقد الولِيَّيينِ المُتَساوِيين إلا مجتمعين، والعمل عندنا على أنّ أيَّهما عَقَدَ جاز، فإن زوجها كلٌّ منهما، فالصحة للسابق، فإن لم يُعْلَم، أو وَقَعَا معاً، بَطَلَ لعدم الأولَوِيَّة بالتصحيح، وليس الوصيُّ بوَلِيّ في التزويج عندنا، وقال ابن أبي لَيلى: له ولايةُ التزويج لقيامه مَقَام الأب، ألا ترى أنه قام مَقامه في التصرُّف في المال فكذا في التصرف في النفس. ولكنّا نستدل بما روينا من أن: «الإنكاح إلى العَصَبَات».

(
الكَفَاءَةُ في النِّكَاحِ)
(
وَتُعتَبَرُ) للمرأة على الرجل (الكَفَاءَةُ) أي المساواة (في النِّكَاحِ) أي في ابتدائه، حتى لو زالت الكفاءة بعد العقد لا يُفسخ النكاح لأجلها، كالمبيع إذا تَعَيَّب عند المشتري.
وإنما تُعتبر الكفاءة لِمَا روى أحمد، والنَّسَائي عن عائشة أنها قالت: جاءت فتاةٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أبي زَوَّجَني ابن أخيه ليرفع بي من خَسِيسته فجعل الأمرَ إليها، فقالت: إني قد أجزتُ ما صنع أبي، ولكن أردتُ أن تَعلمَ النِّساءُ أنْ ليس للآباء من الأمر شيءٌ. وروى الترمذي في «جامعه» وكذا الحاكم ـ وصححه ـ عن عليّ بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا عليُّ، ثلاثٌ لا تُؤَخِّرْهَا: الصلاة إذا أَتَتْ ـ أي حضرت، وفي رواية: آنَتْ، أي حانت ـ والجَنَازة إذا حَضَرَتْ، والأَيِّم إذا وَجَدَتْ لها كُفُؤاً». بصيغة الغَيبة أو الخطاب، والله تعالى أعلم بالصواب.

(نَسَبَاً) أي من جهة النَّسَب، لأن التفاخر يقع بذلك السبب، وروى محمد في كتاب «الآثار» عن أبي حنيفة، عن رجل، عن عمر بن الخطاب أنه قال: لأَمْنَعَنَّ فُرُوجَ ذواتِ الأحساب، إلاّ مِن الأكفاء. والأحْسَابُ: جمع حَسَبٍ: بفتحتين، وهو: ما يَعُدُّه الإنسان من مفاخِر آبائه. ولقوله صلى الله عليه وسلم «لا تَنْكِحُوا النِّسَاءَ إلا الأكفاء، ولا يُزَوِّجُهُنَّ إلا الأولياء، ولا مَهْرَ دون عشرة دراهم». رواه ابن أبي حاتم عن جابر، وحَسَّنه البَغَوِيّ.
وقوله صلى الله عليه وسلم «تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُم وانْكِحُوا الأَكْفَاءَ»، رُوي من حديث عائشة وعمر من طُرُقٍ عديدة، فوجب ارتفاعه إلى الحُجِّيَّة بالحُسن، لحصول الظنِّ بصحة المعنى وثبوته، وإن كانت كلها ضعيفة، كما ذكره الزَّيْلَعي في كتاب «الإسعاف بأحاديث الكشَّاف» في سورة النساء.
وقال مالك: لا تُعتبر الكفاءةُ إلا في الدِّين لقوله صلى الله عليه وسلم «الناسُ سَوَاسِية كأسنانِ المُشْطِ، لا فَضْلَ لعربيَ على عجميَ، وإنما الفضل بالتقوى». وقال تعالى: {إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ ااِ أتْقَاكُم}.
قلنا: المرادُ به في حكم العُقْبَى، وكلامُنا في حكم الدنيا وأما قول الكَرْخِي: الأصح عندي أنْ لا تُعتبر الكفاءة في النكاح، لأنها غير مُعتبرةٍ فيما هو أهم منه، وهو الدماء، فَلأَنْ لا تُعتبر في النكاح أولى، فمدفوعٌ بما قَدَّمناه من الأحاديث الدالَّة على اعتبار الأكفاء في النكاح دون الدماء.

(فَقُرَيْشٌ) وهم أولاد النَّضْر بن كِنَانَة (بَعْضُهُمْ كُفُؤٌ لِبَعْضٍ) لأنه صلى الله عليه وسلم زَوَّج ابنته رُقَيَّةَ من عثمان، ولما ماتت زوَّجه أُختَها أُمَّ كُلْثُوم، ولذا قيل له: ذو النُّورَيْن، وعثمان قرشيٌّ أُمويٌّ لا هاشمي. وزَوَّج عليٌّ ابنته (أُمَّ كُلْثُوم بنتَ فاطمة بنتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر) وهو عَدَوِيّ لا هاشمي، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبد المُطَّلِبِ بنِ هاشم بن عَبْدِ مَنَاف بن قُصَيِّ بن كِلاب بن مُرَّة بن كعب بن لُؤَي بن غالب بن فِهْر بن مالك بن نَضْر بن كِنَانة بن خُزَيْمَة بن مُدْرِكة بن إياس بن مُضَر بن نِزار بن مَعَدّ بن عدنان.
وعمر بن الخطاب بن نُفَيل بن عبد العُزَّى بن رِياح بن عبد الله بن قُرْط بن زَرَاحَ ابن عَدِيّ بن كعب.
وعثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شَمْس بن عبد مَنَاف.
(
وَالعَرَبُ) من غير قريش (بَعْضُهُم كُفُؤٌ لِبَعْضٍ) ويُستثنى من ذلك بنو بَاهِلة بن قيس بن سعد بن عَيْلان ـ بالعين المهملة ـ وأنهم ليسوا بأكفاء لمن عداهم من العرب لِخِسَّتِهِم عند العرب، وبَاهلة في الأصل اسمُ امرأةٍ من هَمْدَان، نُسِبَ وُلْدُها إليها، وهم معروفون بالخَسَاسة، قيل: كانوا يأكلون بقية الطعام مرة ثانية، وكانوا يأخذون عظام الميتة يطبخونها ويأخذون دُسُومَاتها، ولذا قيل:
*
وَلاَ يَنْفَعُ الأصلُ من هاشِمٍ ** إذا كانتِ النَّفْسُ مِن بَاهِلة
وقيل أيضاً:
*
إذا قيلَ للكلب: يا بَاهِليّ ** عَوَى الكلبُ من شُومِ هذا النَّسَب
ثم اعلم أنّ القرشيين مَن جَمَعها أبٌ هو النَّضْر بن كِنَانَة فمن دونه، ومَنْ لم يَنتسب إلا إلى أبٍ فوقَه فهو عربيٌّ غير قرشي، وإنَّما سُمِّيت أولاد النَّضْر قُرَيشاً تشبيهاً بدابَّةٍ في البحر تُدعى قُرَيشاً تأكلُ كلَّ دوابّه، لأنه من أعظم دواب البحر عِزَّةً وفخراً ونَسَباً.

ثم طبقات العرب ستٌّ، فالشَّعْب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العِمَارة، والعِمَارة تجمع البطون، فالبطن تَجْمَعُ الأفخاذ، والفَخِذُ تجمع الفصائل، فخُزَيمةُ شعب، وكِنَانة قبيلة، وقُريش عِمَارة، وقُصَيُّ بطنٌ، وهاشم فَخِذٌ، والعباس فصيلة. وقال صدر الإسلام في «مبسوطه»: والموالِي وهم العجم ليسوا بأكفاء للعرب، وسُمُّوا موالِيَ لأنهم نَصَرُوا العرب على قتال الكفار من أهل الحرب، والناصر يُسمى مَوْلى، قال الله تعالى: {وَأنَّ الكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُم}، وإنما كانوا أفضلَ من العجم لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم

والحاصلُ: أنه ليس عربيٌّ كُفُؤاً لقُرَشِيّة، ولا عجمي كُفُؤاً لعربية، لما رواه الحاكم عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «العرب أكفاءٌ، بعضُهم لبعض، قبيلةٌ بقبيلة ورَجُلٌ برجل، والموالي بعضهم أكفاء لبعض، قبيلةٌ بقبيلة، ورَجُلٌ بِرَجُلٍ إلا حائك أو حَجَّام»، لكن في سنده مجهول، ورواه أبو يَعْلَى، وابن حِبَّان، وابن عَدِيّ في «الكامل» بسند فيه عمران بن أبي الفضل، وقد ضعّفه ابن مَعِين والنَّسَائي، وقال ابن حِبَّان: إنه يروي الموضوعات عن الثقات. وروى الدَّارَقُطْنِيّ عن ابن عمر مرفوعاً: «الناسُ أكفاءٌ، قبيلةٌ لقبيلة، وعربيٌّ لعربي، ومولى لمولى، إلا حائكاً أو حَجَّاماً»، لكن في سنده محمد بن الفضل، وهو مطعون فيه، وبَقِيَّة بن الوليد يُرمَى بالتدليس إذا عنعن الحديث.
وروى البَزَّار في «مُسنده» من طريق خالد بن مَعْدَان، عن مُعاذ بن جَبَل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «العَرَبُ بعضُهم أكفاءٌ لبعضٍ، والموالي بعضُهم أكفاءٌ لبعض»، وسكت عنه، وقال عبد الحق: إن ابن مَعْدان لا يسمع عن معاذ.

وقال بعض المحققين: وبالجملة فللحديث أصلٌ، فإذا ثبت اعتبارُ الكفاءة بما قدمناه، يمكن ثبوتُ تفصيلها أيضاً بالنظر إلى عرف الناس فيما يَحْقِرُونه ويُعَيَّرون به، فَيُستأنس بالحديث الضعيف في ذلك، خصوصاً وبعض طرقه ـ كحديث بقية ـ ليس من الضعيف بذلك، فقد كان شُعْبَةُ معظِّماً لبَقِيَّة، وناهيك باحتياط شُعبة، وأيضاً تعدُّدُ طرق الحديث يرفعه إلى الحسن.
(
وَفي العَجَمِ) عطف على مقدَّر فيما سبق، أي: وتُعتبر الكفاءة في نكاح العرب نسباً وفي نكاح العجم (إسْلاَماً) لأنّ به تفاخُرَهم لا بالنَّسَب، وظاهر المتن يدل على أن الكفاءة من حيث الإسلامُ تُعتبر في العجم، ولا تُعتبر في العرب، وعبارة بعض الكتب تَدُلّ على أنها معتبرة في العرب أيضاً، فلعل مرادَه أنّ في العجم لا يُعتبر النَّسَب لأنهم ضَيَّعوا أنسابهم، وكذا الكلام في باقي الصفات الآتية. ذكره البِرْجَنْدِي. والعبارة الأخيرة هي الصحيحة لقوله تعالى: {ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حتى يُؤْمِنُوا}.
ولعله لم يذكر الإسلام في العرب، لأن الكلام في شروط نِكاح المسلمين، وإنما التفاوتُ بين العرب والعجم: أنّ العرب يَعتبرون النَّسب على ما سَبَقَ مِن وَفْقِ الحَسَبِ، والعجم يُعتبر فيهم مراتب الإسلام في تحقيق المَرَام.

والحاصل: أن العرب يُكتفَى فيهم وجود أصل الإسلام من غير مراتبه المذكورة، بخلاف الأعجام، فإنها معتبرة في (إحكام) الأحكام، ويَدُلّ عليه تَزَوُّجُهُ عليه الصلاة والسلام بنتَ أبي بكر، وتزويجُ بِنْتَيْه عثمانَ، وفاطمةَ علياً، وتَزَوَّج عمرُ أُمَّ كُلْثُوم بنتَ عليَ (من فاطمة رضي الله عنهم).
(
فَذُو أبَوَيْنِ) أي من العجم (في الإِسْلاَمِ كُفُؤٌ لِذِي آباءٍ فِيهِ) لِوُجُودِ المساواة بينهما، لأن أصل النَّسَب بالأب، وتَمَامَهُ بالجَدِّ، فلا تُعتبر الزيادة، كما لا تُعتبر في تعريف الشهود.

(لا ذُو أبٍ) أي ليس من له أبٌ في الإسلام (كُفُؤاً لَهُمَا) أي لِمَن له أبوان فيه، ذكره الشارح. والصواب: لِذِي أبوين ولِذِي آباء في الإسلام، لعدم المساواة. وقال أبو يوسف: هو كُفُوءٌ، وهذا كما قال في تعريف الشهود: إنه يَتِمُّ بذكر الأب. قيل: كان أبو يوسف إنما قال ذلك في موضع لا يُعَدُّ كُفْرُ الجَدِّ عيباً بعد أن كان الأبُ مسلماً، وهما قالاه في موضع يُعَدُّ عيباً، والدليل على ذلك أنهم قالوا جميعاً: إن كفر الأب والجَدّ ليس عيباً في حق العرب، لأنهم لا يُعَيَّرُونَ بذلك. ذكره ابن الهُمَام، وهو مُؤَيِّد لما قدمناه من الكلام.
(
وَلاَ مُسْلِمَ بِنَفْسِهِ لَهُ) أي وليس مسلمٌ بنفسه كُفُؤاً لذي أبٍ في الإسلام، لعدم المساواة بينهما.
(
وَحُرِّيَّةً، وهي كَالإِسْلاَمِ) فيما ذكرناه من أن ذا أبوين في الحرية كُفُؤٌ لِذِي آباء فيها، وليس ذو أب فيها كُفُؤاً لذي أبوين، خلافاً لأبي يوسف، ولا حُرَّ بنفسه كُفُؤاً لِحُرَ بأبيه.
(
ودِيَانَةً) أي تَقْوَى، لأنها من أعلى المفاخر، لأن المرأة تُعَيَّر بفسق زوجها ما لا تُعَيَّر بِضَعَةِ نَسَبِه.
(
فَلَيْسَ فَاسِقٌ) وإن لم يَكُن مُعْلِناً (كُفُؤاً لِبِنْتِ صَالِحٍ) هذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وكذا أحد أعوان الظَّلَمة لا يكون كُفُؤاً لامرأة من أهل البيوتات، إلا أن يكون مَهِيباً في الناس. وعن أبي يوسف: إذا لم يُعْلِن الفاسقُ بفسقه يكون كُفُؤاً لبنت الصالح، وهو قريبٌ من قول محمد: أنّ الفاسق كُفُؤٌ لبنت الصالح، إلا إذا كان مُسْتَخَفًّا به، كأن يَخرُج سكرانَ، ويَلعبَ به الصبيانُ.
وفي «المحيط»: الفتوى على قول محمد، لأنّ التقوى من أمور الآخرة، ولا يَفُوتُ النِّكاح بفواتها.
هذا، وقال بعض المشايخ: العجميُّ العالم كُفُؤٌ لبنت العربي الجاهل.

(ومَالاً) بأن يَمْلِك من المهر ما تعارفوا تعجيلَه، لأنه بَدَلُ البُضْع، وبأنْ يَكْسِبَ نفقةَ كلّ يوم وما يحتاج إليه من الكِسوة، لأن بذلك يتمّ الازدواج، وهو صحيح على ما في «المُجْتَبَى». وقيل: يُعتبر أن يكون عند العقد مالكاً لنفقة شهر، وقيل: لنفقة ستة أشهر.
(
فَالعَاجِزُ عَنِ المَهْرِ المُعَجَّلِ والنَّفَقَةِ غَيْرُ كُفُؤ لِلْفَقِيرَةِ) قال المُصَنِّف: وإنما قال: للفقيرة، لدفعِ مَنْ تَوَهَّم أنه يكون كُفُؤاً لها، ويلزم من كونه غيرَ كُفُؤٍ للفقيرة أن يكون غيرَ كُفُؤ للغنية بالطريق الأولى، وأما الصغيرة التي لا تُطِيقُ الوَطْىءَ، فالعاجز عن النفقه كُفُؤٌ لها، لأنها لا نفقة لها، وكذا لو كان يَجِدُ نَفَقَتَها ولا يجد نفقةَ نفسه يكون كُفُؤاً لها.
(
وَالقَادِرُ عَلَيْهِمَا كُفُؤٌ لِلْغَنِيَّةِ) ولو كانت ذاتَ أموالٍ عظيمة، لأن مصالح النكاح تَنتظم بهما.
(
وَحِرْفَةً) أي صناعة (فَحَائِكٌ، أو حَجَّامٌ، أو كَنَّاسٌ أو دَبَّاغٌم، ليس كُفُؤاً لِعَطَّارٍ وَنَحْوِهِ) من بَزَّازَ، أو صَرَّافٍ. وهذا قول محمد وروايةٌ عن أبي حنيفة وأبي يوسف، لأن الناس يفتخرون بشرف الصناعة، ويُعَيَّرون بخسيسها. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف عدمُ اعتبار الحِرْفَة، لأنها ليست بلازمةٍ، لأن التَّحَوُّل من خسيسها إلى شريفها ممكنٌ. وفيه: أنّ التعيير باقٍ ولو بَعْدَ التغيير.
وفي «المُحِيط»: أَخَسُّ الناس في الأكفاء أربعة: الحائِكُ، والحَجَّامُ، والدَّبَّاغُ، والكَنَّاسُ، فالحائك كُفُؤٌ للحجَّام، وبعكسه، والدبَّاغُ والكَنَّاس متكافئان، والخامس أخسُّ منهم وهو الذي يَخْدُم الظَلَمة، وإن كان من أعلم الناس وأشرفهم، لأنهم يأكلون أموال الناس وهو يُعينهم.

(وإنْ نَكَحَتِ المَرْأَةُ) كُفُؤاً (بِأَقَلَّ مِن مَهْرِهَا) أي من مهر مِثْلِها، بمقدارٍ لا يُتَغَابَنُ فيه (فَلِلْوَليِّ) أي للعَصَبَة لا لغيره (الاعْتِرَاضُ) وإن لم يكن مَحْرَماً كابن العم عند أبي حنيفة (حَتَّى يُتِمَّ) الزوجُ (مَهْرَ مِثْلِهَا، أو يُفَرَّقَ) بين نفسه وبينها، بأن يُطلِّقها عند القاضي، لأنه مُجتَهدٌ فيه، وكلٌّ من الخصمين يتشبث بدليل، فلا تُقطع الخصومةُ إلا بفصلِ مَن له ولايةٌ عليهما.
وتوضيحه: أن هذا النكاح ينعقد صحيحاً في ظاهر الرواية، وتبقى أحكامه من إرثٍ وطلاق إلا أن يُفَرِّقَ القاضي بينهما، والفُرْقَةُ به لا تكون طلاقاً، بل فسخاً، فإن كانت قبل الدخول، فلا مَهْرَ لها، وإن كانت بعده أو مات أحدهما، فلها المُسَمَّى.

وقالا: ليس للوليِّ الاعتراضُ، لأنها تصرَّفَتْ في حقها، لا في حق الوليِّ، فصارت كما لو نُكِحَتْ بمهرِ المِثل ثم وَهَبَتْ للزوج شيئاً منه، وقول محمد هنا يُتَصَوَّر على قوله الذي رجع إليه وهو: أن المرأة تُنْكِح نفسَها بغير وليَ، وعلى قوله الآخَر بأنْ تُصَوَّر المسألة في امرأة أُكْرِهَتْ هي وَوَليُّها على النكاح بأقلَّ من مهر المِثل، ثم زال الإكراه، وهي راضيةٌ ولم يَرضَ الوليُّ، وفي امرأة أذِنَ لها الوليُّ بالنكاح ولم يُقَدَّر لها مَهرُ المثل، فتزوجت بأقلَّ منه.
ثم قيل: له الاعتراض عند أبي حنيفة ما لم تَلِد، وقيل: مطلقاً ولو وَلَدَتْ، إلى أن ترضى به ولو دَلالة كقبض المَهْرِ أو النفقة. ورِضَى بعضُ الأولياء كرِضَى الكلِّ عندنا، ولا يُجِيزه أبو يوسف بمَن لم يرض منهم كمالكٍ والشافعي، وهو قول زُفَر.

(
نِكَاحُ الفُضُولي)

(وَوُقِفَ نِكَاحُ الفُضُولِيّ) وهو هنا مَن أوجبَ النكاحَ أو قَبِل عن غيره بغير إذنه، لأنه عقدٌ صدر من أهله، وهو عاقلٌ بالغٌ مضافاً إلى محله، وهي أنثى من بنات آدمَ، ليست بمَحْرَمٍ، ولا مُعْتَدَّةٍ، ولا مُشْرِكَةٍ، ولا زائدةٍ على العدد المنصوص، فيَصِحُّ ويُوقَف (عَلَى الإِجَازَةِ) ممن عقد عنه، لئلا يَلحقَه الضرر، فإذا أجازه استند إلى أولِّ العقد وصار كأنه أذِنَ في العقد.
روى أبو داود عن عُرْوَةَ، عن أمِّ حَبِيبةَ أنها كانت تحت عُبَيد الله بن جَحْشٍ، فمات بأرضِ الحَبَشَةِ، فزوَّجها النَّجَاشِيُّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأمهرها عنه أربعةَ آلافِ درهم، وبعثها مع شُرَحْبِيل، فَقَبِل صلى الله عليه وسلم
(
وَيَتَوَلَّى) عندنا ومالك (طَرَفَي النِّكَاحِ) وهما الإيجاب والقَبول (وَاحِدٌ غَيْرُ فُضُولِيَ) سواء كان ذلك الواحد:
وَليًّا من الجانبين، كمن زوَّج ابنَ ابنِه بنتَ ابنه الآخَر بقوله: زوجتُ فلاناً من فلانة.
أو وكيلاً من الجانبين، كمَن وكَّله رجلٌ بالتزويج ووكلته امرأةٌ به أيضاً، فزوَّج أحدَهما بالآخر.
أو وكيلاً من جانب ووليًّا من جانب، كمن وكَّله رجلٌ بأن يُزَوِّجه ابنتَه فزوَّجه بها.
أو أصيلاً من جانب ووكيلاً من جانب، كمن وكَّلته امرأةٌ بأن يزوِّجها من نَفسِه فزوجها.
أو أصيلاً من جانب وولياً من جانب، كمن زوَّج بنتَ عمه الصغيرة من نفسه.
وإذا تَوَلّى طَرَفَيْه، فقوله: زَوَّجْتُ، يتضمنُ الشطرَين، فلا يحتاج إلى القَبول. وقال زُفَرُ والشافعي: لا يتولَّى واحدٌ طرفي عقدِ النكاح، كما لا يتولَّى طرفي عقد البيع.

ولنا أن العاقد في النكاح سفيرٌ ومُعَبِّرٌ، ولهذا لا ترجع حقوق النكاح إليه، والواحدُ يَصْلح معبِّراً عن الجانبين، ولذا لا يَستغني عن إضافة العقد إليه، والعاقد في البيع أصيلٌ، ولذا تَرجِع حقوقُ البيع إليه حتى استغنى عن إضافة العقد إليه، والواحدُ لا يَصلح أن يكون أصيلاً من الجانبين، لِتَبَايُنِ الحُقُوقِ المُفْضِية إلى أحكام متضادَّةٍ، بأن يكون مُطالِباً ومُطَالَباً، ومُسَلِّماً ومُسَلَّماً، ومُخَاصِماً ومُخَاصَماً.
ومن أدلَّتنا قوله تعالى: {وَإنْ خِفْتُم ألاّ تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى} أي في نكاح اليَتَامى، فهو دليل على أنّ للوليِّ أنْ يُزَوِّج وَلِيَّتَهُ من نفسه، وكذا قوله تعالى: {وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ} دليلٌ لذلك، وفي الحديث: أنَّ شُرَطَ عليَ رضي الله عنه أَتَوْهُ بشيخٍ مع جاريةٍ، فسأله عن قِصَّتِها؟ فقال: إنها ابنةُ عَمِّي، وإني خَشِيتُ أنها إذا بَلَغَتْ تَرْغَبُ عنِّي فتزوجتُها. فقال: خُذْ بِيَدِ امرأتك.

وقد روى البخاريّ أن عبد الرحمن بنَ عَوْفٍ قال لأُمِّ حَكيم ابنة قَارِظ أَتَجْعَلِينَ أَمركِ إِليَّ؟ قالت: نعم، قال: تَزَوَّجْتُكِ. فعقده بلفظ واحد.
وروى أبو داود عن عُقْبَة بن عامر أنه صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «أَتَرْضَى أنْ أُزَوِّجَكَ فلانة»؟ قال: نعم، وقال للمرأة: «أَتَرْضَيْنَ أن أزوِّجَكِ فلاناً»؟ قالت: نعم، فزوَّج أحدَهما صاحِبَه، وكان ممن شَهِد الحُدَيْبِيَة.
قَيَّدَ بغير الفُضُولي لأن الفُضُوليَّ لا يتولَّى طَرَفَي النكاح عند أبي حنيفة ومحمد، سواءٌ كان فضولياً من الجانبين، أو فضولياً من جانبٍ، وأصيلاً، أو ولياً، أو وكيلاً من جانب، وأما إذا كان العقد بفُضُولِيَّيْنِ، فجائز عندنا، ويكون موقوفاً كما مَرّ، بخلاف عقد الفُضُوليِّ الواحد ولو بلفظَين، على ما ذكره بعض المحققين.

وكذا التزوج بغائبة لم يَقْبَل عنها أحدٌ، غير صحيح لأن النكاح عقدُ معاوضة محتمِلٌ للفسخ، فكلام الواحد فيه يكون شطرَ العقد، وشطرُه لا يتوقَّف على ما وراء المجلس كما في البيع، بخلاف الطلاق والإعتاق بكذا، فإنه لا يَحتمل الفسخَ بعد وقوعه أصلاً.
وقال أبو يوسف في قوله الأخير: يتولّى الفُضُوليُّ طَرَفَي النكاح ويكون موقوفاً. ولو قالت امرأة لرجل: زَوِّجني، أو قالت: زَوِّجني من رجل، فزوَّجها من نفسه، فالنكاح باطلٌ عند أبي حنيفة ومحمد، لأنه فُضُوليٌّ من جانبها، لأنه صار بالخطاب معرفة، فلا يدخل تحت النكرة.
والحاصل: أنه يجوز النكاح عندنا وعند مالك بفُضُوليَ وأصيلٍ موقوفاً على إجازة من له تنفيذُه، وأبطله الشافعي بناءً على أصله: أن العقود لا تتوقف على الإجازة. وعندنا تتوقف، وهي مسألةٌ معروفة وقد ذُكِرت في أول البيوع. والله تعالى أعلم.

فصل في المَهْرَ وَأَحْكَامِهِ
(
أَقَلُّ المَهْرِ) عندنا (عَشْرَةُ دَرَاهِمَ) أي وزنها من فِضة مضروبة، أو تِبْرِها، أو ما يُساوي وزن عشرة دراهم من نَقْدٍ أو متاع. قال محمد في «الأصل»: بَلَغَنَا أن أقلَّ المَهْرِ عشرةُ دراهم، عن عليَ وعبد الله بن عمر، وعامر وإبراهيم.
وقال مالكٌ في «الموطأ»: لا أرى أنْ تُنْكَحَ المرأةُ بأقلَّ من رُبُعِ دينارٍ، وهو نصاب السَّرِقة عنده.
وقال الشافعي وأحمد: كُلُّ ما جاز أن يكون ثمناً جاز أن يكون مهراً.

لنا ما روى الدَّارَقُطْنِيّ والبيهقي في «السنن الكبرى» من طُرُقٍ ـ إلا أنها ضعيفة ـ عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا مَهْرَ أقلّ من عشرة دراهم». وما روى الدَّارَقُطْنِيّ ثم البيهقي في «سُنَنِهما» عن داود الأَوْدِيّ، عن الشَّعْبِيّ، عن عليَ قال: لا تُقطَعُ اليدُ في أقلَّ من عشرة دراهم، ولا يكون المهرُ أقلَّ من عشرة دراهم. إلا أن ابن حِبَّان ضَعَّف الأوْدِيَّ، وأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ عن جُوَيبر، عن الضحَّاك، عن النَّزَّال بن سَبْرَة، عن علي. فذكره. وجُوَيبر ضعيف. ورواه أيضاً من طريق آخر عن الضحاك ولكن في سنده محمد ابن مروان أبو جعفر، قال الذَّهَبِيُّ: لا يكاد يُعْرَف. انتهى.
ولا يخفى أن تعدد الطرق يَرْقَى إلى مرتبة الحَسَن، وهو كافٍ في الحُجِّيَّة.
وأما ما في الصحيحين من قوله عليه الصلاة والسلام: «الْتَمِسْ ولو خاتَماً من حديد». وما في التِّرْمِذِي وابن مَاجَه عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز نِكَاح امرأةٍ على نَعْلَيْنِ.
وما في «سنن أبي داود» عن جابر أنه عليه الصلاة والسلام قال: «من أعطَى في صَدَاقِ امرأةٍ مِلأَ كَفَّيْهِ سَوِيقاً أو تمراً، فقد استَحَلَّ» أي البُضْعِ، لكن في سنده إسحاق بن جابر بن جبريل، قال عبد الحق: لا يُعَوَّلُ على ما أسنده، وقال الذهبي: إنه لا يُعْرَف، وضَعَّفه الأزدي.
فالكلُّ محمولٌ على المُعَجَّل، لأن العادة عندهم كانت تعجيلَ بعضِ المَهْرِ قبل الدُّخول، حتى نُقِلَ عن ابن عباس، وابن عمر، والزُّهْرِيّ، وقَتَادَة: أنه لا يَدْخُلُ بها حتى يُقَدِّمَ لها شيئاً، تمسُّكاً بمنع النبيِّ صلى الله عليه وسلم عَلِيًّا عن الدخول على فاطمة حتى يُعْطِيَهَا شيئاً، فقال: يا رسول الله، ليس لي شيءٌ فقال: «أعْطِها دِرْعَكَ»، فأعطاها درعه، ثم دخل بها. ومعلوم أنّ الصَّدَاقَ كان أرْبَعَ مِئةِ درهم فِضةً .


لكنَّ المختارَ الجوازُ قبله، لِمَا في «سنن أبي داود» عن عائشة قالت: أَمَرَني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن أُدْخِلَ امرأةً على زوجها قبل أن يُعْطِيَها شيئاً. فَيُحمل المنعُ المذكور على النَّدْبِ، أي يُنْدَبُ تقديم شيء إدخالاً للمَسَرَّةِ عليها، تَأَلُّفاً لقلبها.
وإذا كان ذلك معهوداً، وَجَبَ حَمْلُ ما خالف ما روينا عليه، جمعاً بين الأحاديث وكذا يُحْمَلُ أمْرُهُ بالتماس خَاتَمٍ من حديد، على أنه تقديمُ شيء تَأَلُّفاً، ألا ترى أنه أَمَرَ ذلك الرجلَ بالتماس ما في اليد والصَّدَاقُ يمكن إثباته في الذِّمَّة، فعرفنا أنّ المراد ما يُعَجَّلُ لها باليد، ولَمَّا عَجِزَ قال: «قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشرين آيةً. وهي امْرَأَتُكَ». رواه أبو داود. وهو محمل رواية: «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِن القرآن». فإنه لا يُنَافيه، وبه تجتمعُ الرواية. (هكذا أجاب بعض المحققين). والله تعالى أعلم بحقيقة الحالات.
(
فَتَجِبُ العَشَرَةُ) استحساناً (إنْ سَمَّى دُونَهَا) أي أقلَّ منها عيناً أو قيمةً، كثوب يساوي خمسةً، إن دخل بها أو مات عنها، وأمّا إن طلَّقها قبل الدخول، فلها خمسةٌ. وقال زُفَر: يجب مهرُ المِثل إن دخل بها، والمُتْعَةُ إن طَلَّقَهَا قبله، وهو القياس، لأن المسمَّى لَمَّا لم يَصِحّ صَدَاقاً شرعاً صار النكاح كالخالي عن التسمية، وفي الخالي عنها يجب مهر المثل، أو بمنزلة ما لو سمى خَمْراً أو خنزيراً.
وأُجيب بأن وجوب العشرة في تسميةِ دُونِها لِحَقِّ الشَّرْعِ، وقد وُجِدَ ما يَدُلُّ على رضا المرأة بها، وهو رضاها بدونها، بخلاف الخالي عن التسمية.
(
وإن سَمَّى غَيْرَهُ) أي غير دون عشرة دراهم، وهو عشرة دراهم أو أكثر منها.
(
فَالمُسَمَّى) واجب، أي فيجب المسمى (عِنْدَ مَوْتِ أحَدِهِمَا) لأن النكاح يُعْقَد للأبد، وبموت أحدهما تقرَّر ذلك.

(أوْ عِنْدَ خَلْوَةٍ صَحَّتْ) قال ابن المُنْذِر: هو قول عمر، وعليَ، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وجابر، ومعاذ، وقول الشافعي في القديم، وقال في الجديد ـ وهو قول مالك ـ: يجب على الزوج إذا طَلَّق بعد الخَلْوَة من غير وَطىءٍ نصفُ المُسَمَّى، لقوله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ}.
..
الآيةَ.
ولنا قوله تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُم إلى بَعْضٍ}، وحقيقةُ الإفْضَاءِ الدخولُ في الفضاء، وهو المكان الخَالِي، والمَسُّ ليس بوَطىءٍ حقيقةً، وإنما حَمَلاه على الوَطْىء لأنه سببه، فأطلق اسم السبب على المُسَبَّب، وحملناه على الخلوة، لأنه لا يمس امرأةً عادة إلا في الخَلوة الصحيحة، فكان إطلاق اسم المَلْزُوم على اللازم، والمُسَبَّب على السبب، إذِ الخلوةُ الصحيحةُ سببُ المَسِّ ظاهراً.

وما ذكرنا أولى لتَأَيُّدِهِ بالنص، وبما روى مالك في «الموطأ» عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المُسَيَّب: أن عمر بن الخطاب قَضَى في المرأة إذا تَزَوَّجها الرجلُ، أنه إذا أُرْخِيَتِ السُّتُورُ، فقد وَجَبَ الصَّدَاقُ. وبقوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَشَفَ خِمَار امرأته، أو نظر إليها، وَجَبَ الصَّداقُ، دَخَل بها أو لم يدخل». رواه الدَّارَقُطْنِيّ والشيخ أبو بكر الرَّازِي في «أحكامه»، وبالإجماع فقد حكى الطَّحَاويّ إجماعَ الصحابة في هذه المسألة.

(وهي) أي الخلوة الصحيحة (أَنْ لا يُوجَدَ مَانِعُ وَطىءٍ حِساً أو شَرْعاً أوْ طَبْعاً) لأنَّها قائمة مقام الوَطْىء، فلا بُدّ من عدم المانع منه. (كَمَرَضٍ يَمْنَعُهُ) أي الوطىء بأنْ يكون الرجل مريضاً، أو تكون المرأة مريضةً مرضاً يضر بالزوج إذا وَطئَهَا. وهذا نظير المانع الحسيّ (وصَوْمِ رَمَضَانَ) لأنّ الوطىء فيه موجب للقضاء والكفارة. وقَيَّد به، لأن صوم التطوع، والنَّذْر، والقضاء، والكفارة لا يمنع صحة الخَلْوَة على الصحيح.
(
وصَلاَةِ فَرْضٍ) لأنَّ إفسادها موجب للقضاء في الدنيا، والعقاب في العُقْبَى. وقيَّد بالفرض، لأن النافلة والواجبة لا تمنع صحة الخَلْوَة. (وإحْرَامٍ) بحج فرضٍ، أو نفلٍ، أو بعُمْرَةٍ، لأن إفساد الإحرام موجب للمضيّ فيه، وللقضاء، والدَّم. وهذه الثلاثة نظير المانع الشَّرْعيّ.
(
وحَيْضٍ ونِفَاسٍ) نظيران للمانع الطَبْعِيّ، وفيهما أيضاً المانع الشرعيّ. ولو خلا بها، ومعهما أعمى، أو نائم، أو صبيّ يعقل، لا تكون خَلْوَة. لأنَّ الأعمى يَحُسُّ، والنائم يستيقظ ويتناوم. ولو كان معهما صغير لا يعقل، أو مجنون، أو مُغْمَى عليه، فهي خَلْوَةٌ. وقيل: الجنون والإغماء يمنعان. أي لحصول الحياء، أو لاحتمال إفاقتهما في الأثناء. وفي «جوامع الفقه»: جاريتها تمنع صحة الخَلْوَة، وجاريته ليست بمانعة، أي لعدم حيائه منها، وكذا حكم الكلب.
وروى هِشَام عن محمَّد: إنْ خلا بها في بُسْتَانٍ ليس عليه باب، لم تصحَّ الخَلْوَة. ولو خلا بها في السطْحِ، إن كان عليه حِجَابٌ فهو خَلْوَةٌ. ولو خلا بها في قُبَّةٍ، وأرخى السِّتْرَ بينه وبين من في البيت، فهو خَلْوَةٌ. ولو رَدَّتْ أمُّها الباب، ولم تغلقه، وهما في خانٍ، والناس قعود في ساحته، إن كانوا متَرَصِّدين لهما في النظر، لا تصحّ الخَلْوَة وإلاَّ تصحُّ.

وفي «الذَّخِيرَة»: أَنَّ أصحابنا أقاموا الخَلْوَة الصحيحة مقام الوطىء في تأكيد جميع المُسَمَّى، ومهر المِثْل إنْ لم يكن مُسَمَّى، وفي ثبوت النَّسَب، وفي وجوب العِدَّةِ والنَّفَقَةِ والسُكْنَى فيها، وفي حُرْمة نكاح أختها، ونكاح رابعة ما دامت العِدَّة، وفي حُرْمة نكاح الأمةِ على الحُّرَة، وفي العِدَّة عن طلاقٍ بائنٍ، وفي مراعاة وقت الطلاق في حقها. ولم يقيموها مقام الوطىء في الإِحْصَان، وفي حُرْمة البنات، حتى لا تَحْرُمُ البنت على رجل عقد على أمها وخلا بها، وفي الإحلال للزوج الأوَّل، وفي الرَّجْعَة، حتى لا يصير مُرَاجِعاً بالخَلْوَة، وفي الميراث، حتى لو مات في عِدَّة الخَلْوَة لا ترث منه. ولو أوقع الطلاق في عِدّة الخَلْوَة، فقيل: لا يقع. وقيل: يقع، وهو الصواب. لأنَّ الأحكام لَمَّا اختلفت في هذا الباب، وجب القول بالوقوع احتياطاً.
(
بِخِلاَفِ الجَبِّ) وهو قطع الذَّكر والأُنْثَيَيْنِ، فإنَّه ليس بمانع من صحة الخَلْوة عند أبي حنيفة (وَ) بخلاف (العُنَّةِ) وهو كون الرجل لا يقدر على الجِمَاع، أو على جِمَاع البِكْرِ، أو على جِمَاع امرأةٍ معينةٍ. (و) بخلاف (الخِصَاء) وهو قطع الأُنْثَيَيْنِ. وقال أبو يوسف ومحمد: الجَبُّ مانع كالمرض. ولأبي حنيفة إن تزوَّج المَجْبُوبُ للاستمتاع لا للإيلاج، وقد سَلَّمَتْ نفسها لذلك، فيستحق كل البَدَل هنالك. وإليه أشار عمر رضي الله عنه بقوله: ما دونهن إذا جاء العَجْزُ من قِبَلِكُمْ.
(
ونِصْفُهُ) أي ويجب نصف المُسَمَّى (بِطَلاَقٍ قَبْلَهَا) أي قبل الخَلْوَة الصحيحة، لأنها بمنزلة الوطىء، وقد قال الله تعالى: {وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ} أي المطلقات، بأن لا يأخذن شيئًا {أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ}

أي الزوج، بأن يعطي الجميع. ولم يُجَوِّزْ علماؤنا والشافعيّ عفو ولي الصغيرة أو المجنونة إسقاطاً، وأجازه مالك.
وهذا راجع إلى الاختلاف في تفسير: {الذي بيده عقدة النكاح}: فعنده هو الأب، وجمهور المفسِّرين قالوا: ـ الذي بيده عقدة النكاح ـ هو الزوج، لأنه إن شاء أمسكها ، وإنْ شاء فارقها. ومعنى العَفْو تكملة الصَّداق بها، ويؤيده قوله تعالى: {ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ}.

ثم لا مُتْعَة للمطلَّقة قبل الدخول وجوباً ولا استحباباً، على ما ذكره القُدُوريّ في «مختصره» من أنّ المتْعَةَ مستحبةٌ لكلِّ مطلَّقة إلاَّ لمطلَّقة واحدة، وهي التي طلَّقها قبل الدخول وقد سَمَّى لها مهراً. وفي بعض النُّسَخ: ولم يُسمِّ لها مهراً. ومن حكم باستحبابها كصاحب «المَبْسُوطِ»، و «المُحِيطِ»، و «المختلف» أرادوا أنه الإِحسان إلى من عجزت عن التَّكسب، وذا مندوب.
(
وإنْ لَمْ يُسَمِّ) المهر حال العقد، أو نفاه (فالمُتْعَةُ) واجبة.أو فيجب المُتْعَة إذا حصلت الفُرْقة من قِبَل الزوج (قَبْلَهَا) أي قبل الخَلْوَة الصحيحة، وبه قال الشافعي، لقوله تعالى: {لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ} فقد أوجب الله المُتْعَة في نكاح ليس فيه فَرْضٌ، وقد وقع الطَّلاق قبل المَسِّ.
وقال مالك: هي مستحبةٌ لقوله تعالى عَقِيبَ الأمر: {حَقًّا عَلَى المُحْسِنِينَ} وهم المتطوِّعون. فيكون صارفاً للأمر المذكور إلى النَّدْب. قلنا: لا نِسَلِّمُ قصر المحسن على المتطوِّع، بل هو أعمُّ منه، ومن القائم بالواجبات أيضاً، فلا ينافي الوجوب، فلا يكون صارفاً للأمر عنه مع ما انضم إليه من لفظ «على» و«حقاً».

والمُتْعَةُ: دِرْعٌ وخِمَارٌ ومِلْحَفَةٌ. وهذا التقدير مرويّ عن عائشة، ورواه البيهقي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن المُسَيَّبِ، والحسن، وعطاء، والشَّعْبِي. وقال مالك في «الموطأ»: ليس للمُتْعَة حدٌ معروفٌ. وقال أحمد: أعلى المُتْعَة خادمٌ ـ أي مملوك ـ وأدناها كِسْوَةٌ يجوز لها أن تصلي فيها. قال الكَرْخَيّ: ويعتبر في المُتْعَة المستحبّة حال الرجل، وفي الواجبات حال الزوجة. لأنها قائمة مقام مهر المِثْل، وفيه يعتبر حاله، فكذا في خَلَفِه.
وفي «الهداية»: الصحيح أنه يعتبر حال الزوج عملاً بالنص، وهو قوله تعالى: {عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلَى المقْتِرِ قَدَرُهُ} وهو اختيار أبي بكر الرَّازي. وفي «البَدَائِع» قيل: يعتبر حالهما كالنفقة.
قيَّدنا وجوب المُتْعَةِ بحصول الفُرْقَةِ من جهة الزوج، لأن الفُرْقة إذا حصلت من جهة المرأة كرِدَّتها، وتقبيلها ابن الزوج بشهوة، ورضاعها زوجته الصَّغيرة، وخيارها الفسخ بالبلوغ والإِعتاق ، لا يُوجِب المتْعَة.
(
و) يجب (مَهْرُ المِثْلِ بَعْدَهَا) أي بعد الخَلْوَة الصحيحة، لأنه يجب هنا بعد الوطىء وهي بمنزلته. والأصح من قولي الشافعي (ومالك:) إِنه يجب مهر المِثْلِ بالوطىء إن لم يسمِّ في العقد مهراً، وكذا بعد موت أحدهما. ونفاه مالك والشافعي، لأن المهر خالص حقها فيتمكن من نفيه ابتداءً، كما يتمكن من نفيه انتهاءً. ولأن عمر وعلياً وزيداً قالوا في المُفَوضَة: حسبها.

ولنا ما روى أصحاب السنن الأربعة، وقال الترمذي: حسن صحيح، من حديث عَلْقَمَة قال: سُئِلَ ابن مسعود عن رجلٍ تزوَّج امرأة ولم يفرض لها صَدَاقاً، ولم يدخل بها حتى مات فقال ابن مسعود: لها مثل صَداق نسائها، لا وَكْسَ ولا شَطَط. أي لا نقص ولا زيادة. وفي رواية لها الصَّداق كاملاً، وعليها العدَّة، ولها الميراث. فقام مَعْقِل بن سِنان الأشْجَعِيّ فقال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بَرْوَعَ بنت وَاشِقٍ ـ امرأةٍ منا ـ مثل ما قضيت، ففرح بها ابن مسعود.
وفي رواية: فاختلفوا إليه شهراً، أو قال مرات، فقال: أقول فيها: إنّ لها صَدَاقاً كصداق نسائها لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، وإنّ لها الميراث، وعليها العِدَّة، فإن يك صواباً فمن الله، وإن يك خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه. فقام ناس من أشْجَع فيهم الجَرَّاح وابن سِنَان فقالوا: يا ابن مسعود نشهد أنَّ نبي الله قضى فينا في بَرْوَعَ بنت وَاشِقٍ، وزوجها هلال بن مُرَّة الأشْجَعِيّ كما قضيت. قال: ففرح بها عبد الله فرحاً شديداً حين وافق قضاؤه قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم
(
وصَحَّ النِّكاحُ بِلاَ ذِكْرِ مَهْرٍ) بأن عقدا النكاح ساكتين عن المهر لقوله تعالى: {فانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ}، وهو لغة لا يُنْبِىء إلاّ عن الانضمام والازدواج، فيتم بالمتناكحيْن، فلو شرطنا التسمية فيه لزدنا على النَّص. (ومَعْ نَفْيِهِ) بأنْ عقداه على أنَّ لا مهر لقوله تعالى: {ولا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} حيث حكم بصحة الطلاق مع عدم التسمية، وصحة الطلاق يستدعي صحة النّكاح. وهو لا يُنَافي كون المهر يجب شرعاً لقوله تعالى: {وأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أنْ تَبْتَغُوا}. ووافقنا الشافعيّ في المسألتين، وخالفنا مالك في الثَّانية.

(وبِشَيْءٍ غَيْر مَالٍ مَتَقَوَّمٍ) كأنْ تزوَّج مسلم مسلمة على ميتةٍ، أو دَمٍ، أو على خمرٍ، أو على خنزيرٍ، لأنهما سمَّيا ما لم يصح تسميته، فكان كما لو لم يسمِّيا شيئاً. (وبِمَجْهُولِ جِنْسِهِ) كأنْ تزوَّج على دابةٍ، أو على ثوب، أو على دارٍ، لأنه لَمَّا سمَّى مجهولاً لا يصح عِوَضاً، كان حكمه كما لو لم يسمِّ شيئاً، وذلك لأنَّ الثياب أجناسٌ مختلفةٌ لاختلاف أصولها من القطن والكَتَّان والإِبْرَيْسَم، وكذا الدَّابة لأنها تقع على الخيل، والبغال، والحمير، ونحوها.

(
ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ) في هذه الصُّور كلها (كَمَا مَرَّ) في قوله: وإن لم يُسَمِّ بعد الخَلْوَة (أوْ صِفَتِهِ) عطف على جنسه أي بمجهول صفته دون جنسه. كأنْ تزوَّجها على عبدٍ، أو فرسٍ، أو ثوبٍ هرويَ، أو مكيلٍ، أو موزونٍ، غير الدراهم والدنانير مما عُلم جنسه دون صفته.
(
فالوَسَطُ) واجب، أو فيجب الوَسَط من ذلك المسمَّى، لأنَّ فيه عدلاً للرجل والمرأة، (أوْ قِيمَتُهُ) أي قيمة الوَسَط وتُجْبَرُ المرأة على قَبُول أيهما دفع الزَّوج، لأنَّ الوسط أصل تسميته، وهو لا يُعْرَف إلاَّ بالقيمة، فصارت أصلاً إيفاءً. ولو بالغ في وصف الثوب، يجب الوَسَط أو قيمته في ظاهر الرواية، لأنَّ الثياب ليست من ذوات الأمثال. (وَلَوْ كَانَ) النِّكاح (بِخِدْمَةِ الزَّوْجِ العَبْدِ) بأن تزوَّج عبدٌ امرأةً بإذن مولاه على خدمته مدةً معينةً (تَجِبُ هِيَ) أي الخدمة، لأنه لَمَّا خدمها بإذن مولاه، صار كأنَّه خدم مولاه.

قيَّد بالخدمة، لأنه لو تزوَّج على تعليم القرآن، يجب مهر المثْل، لأنه سمى ما لا يصلح صَداقاً لكونه عبادة، فصار كما لو سمَّى تعليم الإيمان، أو الصلاة، أو الصوم. وقَيَّدَ بالعبد، لأن الحُرَّ إذا تزوَّج على خدمته مدةً معينةً، يجب مهر المِثْل عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقيمة الخدمة عند محمد. وعند مالك، والشافعي: يجب ما سمَّى لها من التعليم والخدمة، واحْتَجَّا بقوله عليه الصلاة والسلام: «زَوَّجْتُكَهَا بما معك من القرآن».
وأُجِيبَ بأنّ الباء للسببية لا للبدلية. وفي شرط رَعْي غنمها روايتان عندنا: فعلى رواية «الأصل»، و «الجامع» لا يجوز، وعلى رواية ابن سَمَاعَة: يجوز. ويجعل أبو يوسف ـ رحمه الله ـ إعتاقها على أن يتزوَّج بها صَدَاقها، كأن يقول: أعْتَقْتُكِ على أن تُزَوِّجِينِي نفسكِ فقبلت، صحَّ العِتْقُ، وهي بالخيار في تزوّجه، ولا تجبر عليه وإن التزمته، لعدم وجوبه بالالتزام. فإن تزوَّجته ولم يسم لها مهراً، قال أبو يوسف: عتقها صَدَاقها. لِمَا صح أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أعتق صَفِيَّة وجعل عِتْقَها صَدَاقَها. ولأنَّها لو أبت نكَاحه، يجب عليها قيمة نفسها، فإذا تزوَّجته سلَّم لها قيمتها، فكان بدلاً عن بُضْعِها.
وأبو حنيفة ومحمد أوجبا لها مهر مِثْلها، لعدم إمكان جعل رقبتها مهراً، لأنها إن جُعِلَتْ قبل العِتْقِ فهي أَمَتُه، وليس له تزوُّجها، فيستحيل كون رقبتها مهراً لها، وإن جُعِلَتْ مهراً بعد العِتْق فهي حُرَّة، ورقبة الحُرَّة لا تصلح مهراً. والنص قد أَلصق ابتغاء النكاح بالمال بقوله تعالى: {وأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أنْ تَبْتَغُوا بأَمْوَالِكُمْ}.

وأما قضية صَفِّية فلا تُلْزِمُ، لأنه عليه الصلاة والسلام كان مخصوصاً بالنكاح بلا مهر لقوله تعالى: {وامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا للنَّبِيِّ إنْ أرَادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ في أزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أيْمَانُهُمْ لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ} وألزمناها قيمتها إن امتنعت من تزوُّجه، فتسعى له فيها، وهي حرة في حالة السِّعاية بالإجماع. ولم يلزمها زُفَرُ بها.
(
وَلَوْ كَانَ) النِّكَاحُ (بِهَذَا العَبْدِ) الأبيض (أوْ هَذَا العَبْدِ) الحبشيّ، بأن تزوَّجها على أحدهما، وأحدهما أوْكَسُ من الآخر، أو تزوجها على ألفٍ، أو على ألفين. (فَمَهْرُ المِثْلِ) يجب (إنْ كَانَ) مهر المثل (بَيْنَهُمَا) بأن كان أقل من الأعزّ وأكثر من الأخسّ. (ويَجِبُ الأَخَسُّ لَوْ) كان مهر المثل (دُونَهُ) أي الأخسّ. (و) يجب (الأعزُّ لَوْ كَانَ) مهر المثل (فَوْقَهُ) وهذا كله عند أبي حنيفة.
وقالا: يجب الأقل في الأحوال الثلاث، لأنَّ الأقلَّ متيقنٌ والفضل مشكوكٌ فيه، فيجب الأخذ بالمتقين، كما في الخُلْعِ، والإعتاق، والطَّلاق على ألفٍ أو ألفين.
ولأبي حنيفة: أن الواجب بالأصالة في باب النِّكاح مهر المثل لأنه الأعدل إذ المُسَمَّى قد يكون أكثر من قيمة البُضْعِ وقد يكون أقل منها، وإنما يُعْدَلُ عنه إذا صحَّت التسمية، وهنا لم تصح لجهالة المسمَّى. والخُلْع، والإعتاق، والطلاق على مالٍ ليس لواحد منها مُوجِبٌ أصليّ يُصَار إليه، فيتعين الأخذ بالمتيقَّن.

(وإنْ طَلَّقَ قَبْل الوَطْىءِ، فَنِصْفُ الأَخَسِّ) باتفاقهم سواء كان مهر المِثْل دون الأخسّ، أو فوق الأعزّ، أو بينهما، لأَن المُتْعَة قبل الدخول كَمهِر المِثْل بعده، ونصف الأخسّ يزيد على المُتْعَة عادةً، فيجب نصفه. (وإنْ نَكَحَ بِأَلْفٍ) وشرط لها مع المسمَّى شيئاً ينفعها كان تزوّجها بألفٍ (عَلَى أنْ لاَ يُخْرِجَهَا) من البلد، أو على أنْ لا يتزوَّج عليها، أو على أن يُهْدِي لها هدية.
(
أو) نكح بأقلّ، على تقديرٍ، كالإقامة مثلاً، وبأكثرَ على مُقَابِلِهِ من الإخراج، كان تزوُّجها (بِأَلْفٍ إنْ أَقَامَ بِهَا وبِألْفَيْنِ إنْ أَخْرَجَ) أو بألف إن لم يكن له امرأة، وبألفين إن كانت حرّة، أو بألف إن كانت مَولاة الأصل، وبألفين إن كانت حرّة، صَحَّ النِّكاح، وإن كان شرطُ عدم التَّزَوُّجِ، وعدم المسافرة فاسداً، لكونه منعاً من الأمر المشروع، لأن النكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة.

(
فإنْ وَفَّى) بالشرط في المسألة الأولى (وأقام) في المسألة الثَّانية (فألفٌ) لرضاها بذلك (وإلاَّ) أي وإنْ لم يفِ بالشرط في المسألة الأولى، ولم يقم بها في المسألة الثَّانية (فَمَهْرُ المِثْلِ) أمَّا في المسألة الأولى فباتفاقٍ، لأنه سمّى ما لها نفع فيه وقد نفاه، فيجب مهر المثل لعدم رضاها إلاّ به. وأمَّا في المسألة الثانية فعند أبي حنيفة يجب مهر المِثْلِ (لا يُزَادُ عَلَى أَلْفَيْنِ) لأنها رضيت بهما (ولا يُنْقَصُ عَنْ ألفٍ) لأنه رَضِيَ به. وعندهما الشَّرطان معاً جائزان.

فلها الأقل إن أقام بها، والأكثر إن أخرجها، لأنّ كلاً من الإقامة والإخراج مقصودٌ عُرْفاً، واختلافهما كاختلاف النوع. فصار كما لو تزوَّجها على ألفٍ إنْ كانت قبيحة، وعلى ألفين إن كانت جميلة، وكما إذا اشترى أحد الشيئين على أنْ يأخذ أيهما شاء، وعيَّن ثمن كل واحد منهما على التفاوت. ولأبي حنيفة أنَّ الشرط الأول صحيح باتفاق، فتعلَّق العقد به، وصحت التسمية التي معه، والشرط الثاني غير صحيح، لأن الجهالة نشأت منه، والنكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة، ومهر المثل هو الأصل فوجب الرجوع إليه.
(
وإنْ نَكَحَ بِهَذَيْنِ العَبْدَيْنِ وأَحَدُهُمَا حُرٌّ) جملة حالية (فَلَهَا العَبْدُ فَقَطْ إنْ سَاوَى عَشْرَةً) وإنْ لم يساوِ عشرةً فلها كمال العشرة، وهذا عند أبي حنيفة، لأن الإشارة مُعْتَبَرَةٌ عنده، فصار كأنه قال: تزوجتك على هذا الحُرّ، وعلى هذا العبد. وقال أبو يوسف: لها العبد وقيمة الحر لو كان عبداً، لأنهما لو ظهرا حُرَّيْنِ وجبت قيمتهما عنده، فكذا إذا ظهر أحدهما حرًّا. وقال محمد: لها العبد، وتمام مهر المثل إن نقصت عنه قيمة العبد. لأنهما لو كانا حُرَّيْنِ يجب مهر المثل عنده، فكذا إذا كان أحدهما حرًّا. ولأبي حنيفة لأَنَّ العبد يَصْلُح مهراً لكونه مالاً، فيجب، ووجوب المسمَّى المساوي عشرة يمنع وجوب شيء آخر.
(
وإنْ شَرَطَ البَكَارَة ووُجِدَتْ ثَيِّباً لَزِمَ الكُلُّ) لأن البَكَارة لا تصير مستحقة بالنكاح.

(وفي النّكَاحِ الفَاسِدِ) كتزوّج الأختين معاً، والتزوّج بغير شهود، وتزوّج الأخت في عِدّة الأخت، وتزوّج المعتدة من الغير، وتزوُّج الخامسة في عدة الرابعة، وتزوُّج الأمة على الحُرَّة (إنْ لَمْ يَطَأْ لا يَجِبُ شَيْءٌ) سواء خلا بها، أو لم يخل، حتى إذا فرَّق القاضي بينهما قبل الدخول، فلا مهر لها، وكذا بعد الخَلْوَة، لأنَّ وجوب المال في النكاح الفاسد ليس للعقد، لعدم صحته. ولهذا كان لكل من الزوجين فسخه قبل الدّخول بغير محضر من الآخر، كما في البيع الفاسد قبل القبض ولا حدَّ للخَلْوَةِ، لوجود الحرمة المانعة من صحتها، وإنما هو لاستيفاء منافع البُضْع.

(
وإنْ وَطِىء يَثْبُتُ النَّسَبُ) أي نسب الولد، لأنه يُحتاط في ثبوته إحياءً للولد من الضياع. فعند محمَّد (مِنْ وَقْتِ الوَطْىءِ) بشرط أنْ يكون بينه وبين وقت الوضع ستَّة أشهر. قال أبو اللَّيْثِ: وعليه الفتوى. وعندهما: من وقت النكاح كما في النكاح الصحيح، وتثبت العِدَّة تحرُّزاً عن اشتباه النَّسَبِ من وقت التفريق، لأنها وجبت لشبهة النّكاح، ورَفْعُها بالتفريق.
وقال زُفُرُ: من آخر وطىء وَطئها، (وَ) يثبت (مَهْرُ المِثْلِ لا يُزَادُ عَلَى المُسَمَّى) لأنها أسقطت حقها في الزيادة لرضاها بدونها. وقال زُفَرُ: يثبت مهر المثل، وإن زاد على المسمَّى، كالبيع الفاسد يجب فيه القيمة (وإن زادت على الثمن)، ولو لم يكن المهر المسمى، أو كان مجهولاً، يجب مهر المثل بالغاً ما بلغ باتفاقٍ، إلحاقاً لشبهة النكاح بحقيقته.

(ويُعْتَبَرُ مَهْرُ مِثْلِهَا مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا) كأخواتها لأبيها، وعمّاتها وبناتهنّ لقول ابن مسعود: لها مهر مثل نسائها. ولأن مهر المثل قيمة البُضْع، وقيمة الشيء يُعْرَفُ بجنسه، وجنس الإنسان قوم أبيها، وفي بعض النُّسخ: ومهر مثلها مهر مثلها من قوم أبيها، ، أي مهر مثلها في الشرع هو مهر مماثِلَتِها من قوم أبيها. (سِنًّا) أي عمراً وقت التَّزوُّج (وجَمَالاً) أي حُسْناً (ومَالاً وعَقْلاً) أي كثرة وقلة (ودِيناً) أي ديانة (وبَلَداً وعَصْراً) أي مكاناً وزماناً (وبَكَارَةً وثِيَابَةً) وأدباً وخُلُقاً، لأن المهر باعتبار هذه الأوصاف يزيد وينقص.
(
فَإنْ لَمْ يُوجَدْ) مثلها في تلك الأوصاف (مِنْهُمْ) أي من قوم أبيها (فَمِنَ الأَجَانِبِ) يعتبر مهر مثلها في تلك الأوصاف (لا الأمِّ) أي لا يعتبر في مهر مِثْلِها مِثْلُها من جهة أمِّها (وقَوْمِهَا إنْ لَمْ تَكُنْ) أمها (مِنْ قَوْمِ أبِيهَا) بأن تكون بنت عمّ أبيها، لأن أولاد الخلفاء من الإماء يَشْرُفُون بشرف آبائهم دون أمَّهاتهم.
وفي «المُنْتَقَى»: يُشْتَرَطُ أن يكون المُخْبِرُ بمهر المثل رجلين، أو رجلاً وامرأتين، ويُشْتَرَطُ لفظ الشهادة، فإن لم يوجد على ذلك شهود عدول، فالقول قول الزَّوج مع يمينه، وهو قول ابن أبي لَيْلَى. ويستثني أبو يوسف ما يُسْتَنْكَرُ جداً في العُرْفِ والعادة، وإن اختلفا في التسمية، بأن قال أحدهما: سَمَّينا في هذا العقد مهراً وأنكر الآخر، كان القول للمنكر بالإجماع. وإِن اختلف ورثتهما في قدر المهر، فالقول لورثة الزَّوج عند أبي حنيفة، ولا يُحْكَمُ بمهر المِثْلِ لسقوط اعتباره بعد موتهما عنده. ويستثني أبو يوسف ما يُسْتَنْكَرُ، كما في حال حياتهما.

وجعل محمد اختلاف ورثتهما فيه كاختلافهما في حال الحياة، فقال: القول لورثة المرأة إلى مهر مثلها، والقول لورثة الزَّوج في الفضل، كما في حال الحياة. وإن اختلف ورثتهما في أصل تسميته، فادَّعَى ورثة الزَّوج أن الزَّوج سمَّى لها، وأنكرها ورثة الزَّوجة، فالقضاء بشيءٍ مُنْتَفٍ عند أبي حنيفة. وأوجبا مهر مثلها في تَرِكَتِه، وهو القياس، لأن مهر المثل وجب بنفس العقد، فكما لا يسقط المُسَمَّى بعد موتهما، فكذلك مهر المثل. ألاَ تَرى أن بعد موت أحدهما لا يسقط مهر المثل، وورثة الميِّت يقومون مقامه في ذلك، فكذلك بعد موتهما.
واستحسن أبو حنيفة فقال: لا يُقْضَى بشيءٍ واستدل في «الكتاب» ـ يعني «الأصل» ـ فقال: أرأيت لو ادَّعى ورثة علي رَضِيَ الله عنه على ورثة عمر رَضِيَ الله عنه مهر أم كلثوم، أكنت أقضي فيه بشيء؟ وهذا إشارة إلى أنه إنما يقول بهذا بعد تقادم العهد، لأنه يختلف باختلاف الأوقات، فإذا تقادم العهد، وانقرض أهل ذلك العصر، يتعذر وقوف القاضي على مقدار مهر المثل. وعلى هذا الطريق، إذا لم يكن العهد متقادماً يَقْضي بمهر مثلها. والطريق الآخر، أنّ المستحق بالنِّكاح ثلاثة أشياء: المُسَمَّى وهو الأقوى. والنفقة وهي الأضعف. ومهر المثل وهو المتوسط.
فالمسمَّى لقوته لا يسقط بموتهما، وموت أحدهما. والنفقة لضعفها تسقط بموت أحدهما. ومهر المثل يتردَّد (بين ذلك، فَيَسْقُطُ بموتهما، ولا يسقط بموت أحدهما، لأن ما تردَّد) بين أصلين، يوفر حظّه عليهما، ألا ترى أن الصحابة رَضِي الله عنهم اختلفوا أنّ مهر المثل هل يسقط بموت أحدهما؟ فيكون ذلك اتفاقاً منهم أنه يسقط بموتهما، والله تعالى أعلم.

(وصَحَّ ضَمَانُ وَليِّهَا مَهْرَهَا ولَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً) وكذا ضمان وليِّه مهرها، لأنّ الوليّ أهل للالتزام، وقد أضاف الضَّمان إلى ما يقبله ـ وهو المهر ـ فيصح. ثم للمرأة أنْ تطالب الوليّ، أو الزوج إلاَّ إذا كان صغيراً، فليس لها أنْ تطالب إلاَّ بعد بلوغه. وفي «شرح الوِقَايَة»: وإنما قال: ولو صغيرة، لأنها إذا كانت صغيرة فمُطَالِبُ المهر ليس إلاَّ وليّها، فيتوهم أنه لا يجوز الضَّمان. لأنه باعتبار الضَّمان يكون مُطَالَباً، فيكون الشخص الواحد مُطَالِباً ومُطَالَباً، لكن لا اعتبار لهذا التَّوهُّم، لأن حقوق العقد في النِّكاح راجعة إلى الأصل، والوليُّ سفير ومعبر.

هذا، ولو زوَّج طفله الفقير، أو عبده، أو مُكَاتَبَهُ لا يلزمه المهر عندنا، وألزم مالك، والشافعي به.
(
والمُعَجَّلُ والمُؤَجَّلُ) أي المقدَّم والمؤخَّر من المهر (إن بُيِّنَا) أي عُيِّنَا (فَذَاكَ) أي فما بيّناه هو المعجَّل والمؤجَّل، سواء بينا تعجيل الجميع أو تأجيله مسقطاً أو غيره، أو تعجيل البعض، وتأجيل البعض. (وإلاَّ) وإن لم يبيِّنا (فالمُتَعَارَفُ) فإن كانا في موضع يُعَجَّلُ فيه البعض، ويُؤَجَّلُ الباقي إلى الطَّلاق، أو الموت، يُنْظَرُ كم يكون المعجَّل لمثل هذه المرأة من مثل هذا المهر في متعارف ذلك القوم، فَيُجْعَلُ ذلك مُعَجَّلاً، والباقي مُؤَجَّلاً.

(وقَبْلَ أَخْذِ المُعَجَّلِ) الذي بيَّناه أو تبيَّن بالعُرْف (لَهَا مَنْعُهُ مِنَ الوَطْىءِ وَ) من (السَّفَرِ بِهَا) حتَّى تقبضه ليتعين حقها في البَدَلِ، كما تعين حقُّه في المُبْدَل. قيَّد بالمعجَّل، لأنها لا تمنع نفسها قبل أخذ المؤجَّل، سواء كان جميع المهر ـ وفيه خلاف أبي يوسف ـ أو بعضه، وسواء كانت المدة قصيرةً أو طويلةً، وسواء كان التَّأجيل في العقد أو بعده. وفي «الخَانِيَّة»: ليس لها الامتناع بعد حلول الأجل أيضاً، لأن العقد لم يوجب لها حقَّ الامتناع في المؤجَّل، فلا يثبت لها بعده.
(
وَلَوْ) كان المنع (بَعْدَ وَطْىءٍ) أو خَلْوَة صحيحة (بِرِضَاهَا) وهو قول أبي حنيفة، أو بغير رضاها: بأن تكون مكرهة، أو صبيةً، أو مجنونة، وهو قولهم جميعاً. وقالا: ليس لها منعه بعد الوَطْىء، أو الخَلْوَة برضاها. وفي «الإيضاح»: إنه قول أبي حنيفة أولاً، (بِلاَ سُقُوطِ النَّفَقَةِ) أي مع عدم سقوط نفقتها. والمعنى لا يسقط بذلك المنع عن الزَّوج نفقتها، وهذا عند أبي حنيفة، لأن المنع بحقّ، حيث ليس عن نشوز. وعندهما: لا نفقة لها.
قال فخر الإسلام في «شرح الجامع الصغير»: كان أبو القاسم الصَّفَّار يفتي في المنع من الوطىء بقول أبي يوسف ومحمد بسقوط النفقة، وفي المنع من السَّفر بقول أبي حنيفة بعدم سقوطها. قال: وهو حَسنٌ في الفُتْيَا. (والسَّفَرُ) هو بالرفع معطوف على منعه، أي وقبل أخذ المعجَّل لها السفر (والخُرُوجُ) من منزل الزَّوج (لِلْحَاجَةِ) وزيارة أهلها (بِلاَ إذْنِهِ) لأن حَقَّ الحَبْس لحق الاستيفاء منها، وليس له حق الاستيفاء منها قبل الإيفاء لها.

(وبَعْدَ أَخْذِهِ) أي المعجَّل (يَنْقُلُهَا) ويسافر بها حيث شاء، وكذلك إذا كان جميع المهر مؤجَّلاً لقوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} أي أسكنوهن مكان بعض سُكْنَاكُم بقدر سعتكم. فـ: مِنْ للتبعيض، والوُجْدُ: القدرة والغنى. (وقِيلَ: لا يُسَافِرُ بِهَا) إلى غير بلدها الذي نكحها فيه (وبِهِ يُفْتَى). قال الفقيه أبو اللَّيْثِ في «النَّوَازِل»: سُئل أبو القاسم ـ يعني الصَّفَّار ـ عن امرأة يريد زوجها إخراجها من البلد ولم يُوَفِّ لها جميع مهرها قال أبو القاسم: لها أن لا تخرج من بلدها إلى بلد آخر، سواء أَوْفَاهَا المهر، أو لم يُوَفِّها لفساد الزَّمان.
قال أبو اللَّيْث: وبه نأخذ، فكيف لو أدرك أبو القاسم زماننا هذا؟ ثم قال: وقيل لأبي القاسم: أليس يجوز أن يُخْرِجَهَا من المدينة إلى القرية، ومن القرية إلى المدينة؟ قال: ذلك تَبوِئَةٌ وليس بسفر. وإخراجها من بلد إلى بلد سفر، وليس بتَبْوِئَةٍ. أي بمنزلة تحويل من بيت إلى بيت. وفي «فصول الأُسْرُوشَني»: قال ظَهِير الدِّين المَرْغِينَانيّ: الأخذ بقول الله تعالى أولى، قال الله تعالى: {أسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُم}. انتهى.
وأُجيبَ بأن قول الفقيه ليس منافياً لقوله تعالى، لأنه تعالى قال: {ولا تُضَارُّوهُنَّ} وفي السفر بها بغير رضاها إضرارٌ بها. وأفتى كثير من المشايخ بقول أبي اللَّيْثِ. وقيل: يجوز مطلقاً إنْ أوْفَاها المعجَّل والمؤجَّل أيضاً، وكان مأموناً عليها، وبه أفتى البعض، وهو أقرب إلى التحقيق، والله وليُّ التوفيق.

(
حكم هديَّة الخِطْبَة)

(إنْ بَعَثَ إلَيْهَا) أي امرأته شيئًا (فَقَالَتْ هُوَ هَدِيَةٌ، وَقَالَ: مَهْرٌ) أو هو من المهر (فَالقَوْلُ لَهُ) مع يمينه، لأن التمليك أُسْتُفِيدَ منه، فكان أعرف بجهته، كما لو أنكر التَّمليك أصلاً، وكان الظاهر أنه يسعى في إسقاط ما في ذمته (إِلاَّ فِيمَا هُيِّىءَ لِلأَكْلِ) كالخبز، والشِوى، واللَّحْم المطبوخ، والفواكه التي لا تبقى بخلاف الحِنْطَة، والعسَل، والسَّمن، والجوز، واللَّوز، لأن الظاهر يكذِّبه، والقول قول من يشهد له الظاهر.
وقال بعض المحقِّقين: والذي يجب اعتباره في ديارنا، أن جميع ما ذكر من الحِنْطَة، والدقيق، والسُّكر، وباقيها يكون القول فيه قول المرأة، لأن المتعارف في ذلك كله إرساله هدية، فالظاهر مع المرأة لا معه، ولا يكون القول له إلاّ في نحو الثِّيَاب، والجارية. وقال الفقيه أبو اللَّيْثِ: المختار أنَّ ذلك الشيء إن كان مما لا يجب على الزَّوج، فالقول قوله، وإن كان مما يجب عليه بعد العقد كالخِمَار والدِّرع فالقول قولها، لأن الظاهر يكذِّبه.
وفي «الذَّخِيرَة»: جَهَّزَ بنته وزوَّجها، ثم زَعَمَ أنّ الذي دفعه إليها ماله وكان على وجه العَارِيَّة عِنْدَها، وقالت: هو ملكي جهَّزني به، أو قال الزَّوج ذلك بعد موتها، فالقول قولهما دون الأب، لأن الظاهر شاهد بملك البنت، إذ العادة دفع ذلك إليها بطريق الملك. وحُكِي عن عليّ السُفدِيّ: أنّ القول قول الأب، لأن ذلك يُسْتَفَادُ من جهته . وذكر شمس الأئمة السَّرْخَسِيّ في «السِّيَر الكبير» نحو ذلك. وقال قاضيخان: إن كان الأب من الأشراف والكرام، لا يُقْبَلُ قوله أنَّه عَارِيَّة، وإن كان ممن لا يجهز البنات بمثل ذلك، قُبِلَ قوله. وقال الصدر الشهيد: المختار للفتوى إن كان الأب يدفع جِهَازاً لا عَارِيَّة كما في ديارنا، فالقول قول الزَّوج، وإن كان العُرْف مشتركاً، فالقول قول الأب.

فصلٌ في نِكَاحِ الرَّقِيقِ والكَافِرِ

(نِكَاحُ القِنِّ) وهو العبد الذي ليس فيه حرِّية بوجه، (و) نكاح (المُكَاتَبِ والمُدَبَّرِ والأمةِ وأُمِّ الوَلَدِ بِلاَ إذْنِ السَّيِّدِ مَوْقُوفٌ، إنْ أجَازَ) السيد (نَفَذَ وإنْ رَدَّ بَطَلَ)، وأجازه مالك بدون إذنه.
ولنا قوله تعالى: {ضَرَبَ ا مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} والنِّكاح شيء، فلا يملكه العبد بنفسه. وما روى أبو داود والترمذي ـ وقال: حديث حسن ـ من حديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيُّما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر». أي زانٍ (دلّ بإشارته أنَّ العقد غير جائز، إذ لو جاز لم يكن بالوطىء زانياً شرعاً). ورواه الحاكم في «المُسْتَدْرَك» وقال: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
(
وإذَا أَذِنَ) المولى بالتَّزويج لعبده فتزوَّج (بِيعَ القِنُّ لِلمَهْرِ) وكذا المُكَاتَبُ إن عجز عن الكتابة، لأنّ المهر بسبب إذنه ظهر في حقه، وتَعَلَّقَ برقبة عبده، وصار كدين اسْتَدَانه العبد المأذون له في التجارة. ولو بِيعَ القِنُّ مرَّة حيث لم يَفتده سيده، ولم يَفِ ثمنُه بالمهر، لم يُبَعْ ثانياً، بل يُطَالَب بما بَقِيَ بعد العِتْقِ. ولو بيع في النفقة مرةً بِيعَ فيها أخرى، لأن النفقة تجب ساعة فساعة، فلم يقع البيع في جميعها بخلاف المهر. ولو مات العبد سقط المهر والنفقة، لفوات محل الاستيفاء.
(
ويَسْعَى الآخَرَانِ) أي المُكَاتَبُ والمُدَبَّرُ، ولا يباعان فيه، لعدم احتمالهما النقل من ملك إلى ملك حال قيام الكتابة والتدبير. فَيُسْتَوْفَى من كسبهما لا من أنفسهما. قَيَّدَ بإذن المَوْلى، لأن العبد، أو المُدَبَّر، أو المُكَاتَب إن تزوَّج بغير إذن المَوْلى، ودخل ثم فرَّق المَوْلى بينهما، لا يُطَالَبُ واحد منهم بالمهر إلاَّ بعد العِتْقِ.

(والإِذْنُ) أي إذن المولى لعبده (بالنِّكَاحِ) سواء عيَّن المرأة، أو لم يعينها (يَعُمُّ جَائِزَهُ وفَاسِدَهُ) عند أبي حنيفة، حتى يباع العبد في مهر النِّكاح الفاسد، فيتوقف تزوّجها ثانياً صحيحاً على الإجازة.
وقالا: يَخصُّ جائزه، وبه قال مالكٌ والشافعي، فلا يباع في مهر الفاسد، بل يُطالب به بعد العتق، ولا يتوقف تزوّجها ثانياً صحيحاً على الإِجازة، لأن المقصود من نكاح العبد عِفَّته، وذلك بالجائز دون الفاسد، لأنه لا يفيد الحِلَّ، وصار كالتوكيل بالنِّكاح حيث يتناول الجائز دون الفاسد. ولأبي حنيفة أن الإذْنَ مطلقٌ فيجري على إطلاقه، ولا يقيَّد بالصحيح، كالأذن بالبيع. والتوكيل بالنِّكاح إنَّما يقيَّد بالجائز، بدلالة أن مطلوب المُوَكِّل ثبوت الحل.

(
ومَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ) إذا كانت قِنًّا، أو مُدَبَّرَة، أو أمَّ وَلَدٍ (لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّبْوِئَةُ) مصدر بوَّأته منزلاً أي أسكنته إياه: وهي أن يُخَلِّي الموْلى بين الأمةِ وبين زوجها، بأن يدفعها إليه ولا يستخدمها. حتى لو كانت الأمَةُ تذهب وتجيء وتخدم مولاها، لا يكون ذلك تَبْوِئَة. وإنَّما لا يجب على المولى إذا زوَّج أمته تَبْوِئَتُها، لأن حقَّه أقوى من حقِّ الزَّوج، وإن حقه في رقبة الأمة واستخدامها، وحق الزَّوج في التمتع بها. وتَبْوِئَتُها يبطل استخدامها، واستخدامها لا يُبْطِلُ التمتع بها. (ولا نَفَقَة) على زوج الأمة المذكورة (إلاَّ بِهَا) أي بالتَّبْوِئَة، لأن نفقته عليها جزاء احتباسها، ولا يوجد احتباسها إلاّ بِتَبْوِئتها.

(ويَطَأُ الزَّوْجُ إنْ ظَفِرَ) بها خالية من خدمة موْلاها. وأمَّا المُكَاتَبة فلها النَّفقة والسُكْنَى، وإن لم يوجد التَّبْوِئة. والفرق بينها وبين الأمَة والمُدَبَّرة وأمّ الولد أن المولى لا يملك استخدام المُكَاتَبَة، فلا تحتاج إلى تَبْوِئَةِ المَوْلى، ويملك استخدامهن فيَحْتَجْنَ إليها. ولو خَدَمَتْه بلا استخدامه مع التَّبْوِئَة لا تسقط نفقتها، وكذا لو استخدمها الموْلى نهاراً، وأعادها إلى بيت الزَّوج ليلاً.
(
ولَهُ) أي لِلموْلى (إنْكَاحُ عَبْدِهِ) الذي ليس بمُكَاتَب صغيراً كان أو كبيراً (وَ) إنكاح (أمَتِهِ) كذلك (كَرْهاً) أي بلا رضاهما. وليس معناه أن يحملهما على النِّكاح بضرب أو نحوه، بل أن ينفذ تزويجه عليهما بدون رِضاهما، وهذا ظاهر الرواية. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: لا ينفذ تزويج الموْلى عبده إلاَّ برضاه دون أمَتِهِ، وهو قول الشافعيّ، لأنَّ ما يرد عليه التزويج ـ وهو الاستمتاع ـ مملوك للمولى من الأمة دون العبد، فكان المولى في تزويج العبد كالأجنبيّ من الأمَةِ.
وتوضيحه: أن تزويجه بغير رضاه لا يفيد مقصود النّكاح، لأن الطلاق بيد من له الساق، فيطلِّقُها من ساعته طلباً للفِراق. ولنا أنّ تزويج الموْلى أمته ليس لملكه بُضْعهَا، بل لملكه رقبتها، وذلك ثابت في العبد. ولا يجوز للمولى تزويج المُكَاتَبِ والمُكَاتَبَةِ بغير رضاهما، لأنهما التحقا بالأحرار في حق التَّصرفات.
(
وخُيِّرَتْ أمَةٌ) سواء كانت مُدَبَّرَةً أو أمَّ وَلَددٍ زوَّجها الموْلى برضاها أو بدونه. (ومُكَاتَبَةٌ عُتِقَتْ) واحدة منهما سواء كانت تحت حر أو عبد. وقال الشافعيّ: لا خيار للأمة إذا عُتِقَتْ وزوجها حر، وبه قال مالك وأحمد.

ومنشأ الخلاف اختلاف الروايات في حرية زوج بَرِيرَة وعدمها، فما يدل على أنه حرٌ: ما روى الجماعة إلاّ مسلماً من حديث إبراهيم، عن الأسْوَدِ، عن عائشة ـ واللفظ للبُخَاريّ ـ أنها قالت: يا رسول الله إني اشتريت بَرِيرَة لأعتقها ـ أي قصدت شراءها لذلك ـ وإنَّ أهلها يشترطون ولاءها ـ أي لهم ـ فقال: «أعتِقيها، فإنَّما الولاء لمن أعتق». قال: فاشترتها، فأعتقتها. قال: وخُيِّرَت، فاختارت نفسها، وقالت: لو أُعْطِيتُ كذا وكذا ما كنت معه، أي مع زوجها. قال الأسود: وكان زوجها حراً (ورواه البخاري أيضاً من حديث الحَكَم، عن إبراهيم. وفي آخره قال الحَكَم: وكان زوجها حراً). وأخرج النَّسائيّ عن علقمة، والأَسود أنهما سألا عائشة عن زوج بَرِيرَة، فقالت: كان حراً يوم أُعْتِقَتْ.
وممَّا يدلّ على أنه كان عبداً: ما روى الجماعة إلاَّ مسلماً عن عِكْرَمَة، عن ابن عباس: أن زوج بَرِيرَة كان عبداً أسود يُقَال له مُغِيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم للعباس: «ألا تعجب من شدَّة حبّ مُغِيث بَرِيرَة، ومن شدَّة بغض بَرِيرَة مُغِثياً»، فقال لها عليه الصلاة السلام: «لو راجعتيه». قالت: يا رسول الله أتأمرني به؟ فقال عليه الصلاة السلام: «إنما أنا شافع». قالت: لا حاجة لي فيه . وأمَّا ما رواه مسلم وأبو داود والنَّسائيّ عن عائشة أن بَرِيرَة خيَّرها النبيّ صلى الله عليه وسلم وكان زوجها عبداً. فليس فيه سوى أنه كان عبداً ـ وهو محتمل ـ لأنه كان عبداً قبل العتق فلا يُعَارِض صريح قولها: كان حراً يوم أعتقت. ورواية أبي داود: حين أُعْتِقَتْ.

قال الطَّحَاوي: وإذا اختلفت الآثار وجب التوفيق، فنقول: إنا وجدنا الحرِّية تعقب الرِّق، ولا ينعكس، فيُحْمَلُ على أنه كان حراً عندما خُيِّرَت، عبداً قبله. ولو ثبت أنه عبد، لا ينفي الخيار لها تحت الحرّ، إذ لم يجيء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه إنما خيَّرها لكونه عبداً ـ أي بل إنما خيَّرها لصيرورتها معتوقة ـ لقوله عليه الصلاة السلام لبريرة: «اذهبي فقد عُتِقَ معك بُضْعُكِ» رواه الدَّارَقُطْنيّ.
روى ابن سعد في «الطَّبَقات» عن عامر الشَّعْبيّ: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لبريرة لَمَّا عُتِقَتْ: «قد عُتِقَ بُضْعُك معك، فاختاري». فهذا حكمٌ مطلقٌ فلا يقيد بما إذا كان زوجها عبداً. ثم أسند الطَّحَاويّ عن ابن سيرِينَ، والشَّعْبِيّ: تُخَيَّر، حرًّا كان زوجها أو عبداً. وعن طاوس أنه قال: للأَمَةِ الخيار إذا عُتِقَتْ، وإن كانت تحت قُرَشِيّ. وعن مجاهد: تُخَيَّر، وإن كانت تحت أمير المؤمنين. انتهى. ورواه ابن أبي شَيْبَة أيضاً عنهم.

(
وإنْ نُكِحَتْ) أمة (بِلاَ إذْنٍ) من مولاها (فَعُتِقَتْ نَفَذَ) النِّكاح (بِلاَ خِيَارٍ لَهَا) لصدوره من أهله مضافاً إلى محله، وتوقّفه على إذن الموْلى قد زال بالعِتْقِ. وفي «المحيط»: هذا إذا كانت أمة أو مُدَبَّرَة. وإن كانت أم ولد، لا ينفذ النِّكاح، لأنّ العِدَّة وجبت عليها من الموْلى كما أُعتِقَت، والعدة تمنع نفاذ النِّكاح. (ومَا سَمَّى) من المهر (فَلِلسَّيِّدِ لَوْ وُطِئَتْ فَعُتِقَتْ) بعد الوطىء، لأنّ الزَّوج استوفى منافع مملوكة للمولى، فيجب البَدَل.
(
وَإنْ عُتِقَتْ أوَّلاً) أي قبل الوَطْىء (فَلَهَا) أي فما سمَّى للمرأة، لأن الزَّوج استوفى منافعَ مملوكةً للأمة، فيجب البَدَل لها.
(
وَزَوْجُ الأمَةِ يَعْزِلُ)

أي يجوز أن يعزل عنها عند الوَطىء (بإذن سَيْدها، و) زوجُ (الحُرْةِ) يَعْزِلُ عنها (بِإِذْنِها) وقال أبو يوسف ومحمد: لا يعزل الزَّوج عن الأمة إلاّ بإذنها، لأن لها حقاً في قضاء الشَّهوة، والعَزْل يُخِلُّ به. ولأبي حنيفة: أنَّ العزل لخوف الولد وهو حق الموْلى، والحرَّة دون الأمة. ولو عزل فظهر حَبَلٌ قالوا: إن لم يعد إلى وطئها، أو عاد بعد البول جاز له نفيه، وإلاَّ فلا. ولو عالجت نفسها لإسقاط الحَبَل، جاز ما لم يَسْتَبِنْ شيء من خلقه، وذلك ما لم يَتِمَّ له مئة وعشرون يوماً.
(
وإنْ وَطِىء) الأب الحرُّ المسلم (أَمَةَ ابْنِهِ فَوَلَدَتْ فَادَّعَاهُ) الأب، وكانت في ملك الابن من وقت الوطىء إلى حين الدعوة (ثَبَتَ نَسَبُهُ، وهي أُمُّ وَلدِهِ) لِمَا روى أبو داود، والترمذي ـ وقال: حديث حسن ـ عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن من أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه». وروى أبو داود، وابن ماجه من حديث عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جده: أنَّ رجلاً أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن لي مالاً ووالداً، وإن والدي يحتاج إلى مالي، فقال: «أنت ومالُك لوالدك، إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم». انتهى. وإذا كان للأب أن يأخذ من مال ابنه نفقته بلا رضاه لصيانة نفسه، كان له أن ينقل ملك جارية ابنه إلى ملك نفسه لصيانة نسله.

(وَوَجَبَ قِيمَتُهَا) والفرق بين هذا، وبين الطعام والكِسْوَة حيث لا يجب قيمتهما إذا استعملهما الأب للحاجة، أن الحاجة إلى الاستيلاد دون الحاجة إلى الطعام والكِسْوَة، فيملك الأب الطعام والكِسْوَة من مال ابنه من غير قيمة، ولا يملك الأمة إلاَّ بقيمتها. ولا فرق بين كون الأب مُعْسِراً أو مُوسِراً، لأن هذا ضمانٌ نُقِلَ، فلا يختلف بالإعْسَار والإيسَار كالبيع، (لاَ مَهْرُهَا) أي لا يجب مهرها خلافاً لزُفُر، لأن ملك الأب يثبت في الجارية قبل الوطىء حتى لا يكون الأب زانياً، وحينئذ لم يقع وطىء الأب إلاَّ في ملك نفسه.

(
ولاَ يَجِبُ قِيمَةُ وَلَدِهَا) لأنَّ الأب لَمّا ملك الجارية بالاستيلاد، كان الولد حادثاً على ملكه، فكان حر الأصل. أمَّا إذا كان الأب عبداً أو كافراً لا تصح دعوته، لأنه لا ولاية لكافر على مسلم ولا لعبد على حر. وكذا إذا أخرجها الولد بعد الوطىء من ملكه، ثم استردّها لا تصح دعوة الأب، لأن ثبوت الملك للأب بطريق الاستناد إلى وقت العُلُوق، فيستدعي ولاية التملك من وقت العُلُوق إلى حين التَّملُّك.
(
والجَدُّ) أب الأب (كَالأَبِ بَعْدَ مَوْتِهِ) لقيامه حينئذٍ مقام الأب، وهذا إذا كان العُلُوق بعد موت الأب، حتى لو أتت بولد لأقل من ستة أشهر من موت الأب، فادَّعاه الجدّ لم تصحّ دعوته. (وإنْ نَكَحَها) أي إِن تزوج الأب أمَة ابنه (صَحَّ) وقال مالك والشافعيّ: لا يصحّ، لأن للأب شُبْهَة في ملك ابنه بدليل سقوط الحدّ إذا زنى بأمته، ولو ظَنَّ حرمتها، فيكون في معنى من تزوَّج أمة نفسه.
ولنا أن جارية الابن لا ملك للأب فيها ولا حق ملك، لأن ملك الابن فيها من كل وجه بدليل حل وطئه، ونفاذ عتقه، فلا يملكها الأب من وجه، وإلاّ اجتمع ملك شخصين في محل واحد في زمان واحد. وإذا لم يكن للأب فيها حق ملك، جاز له تزوّجها كجارية الأجنبيّ.

(وَلَمْ تَصِرْ أمَّ وَلَدِه) إذا أتت منه بولد خلافاً لزُفَر، وكذا إذا استولدها بنكاح فاسد. لأن انتقالها إلى ملك الأب لصيانة مائه، وقد صار مصوناً بدونه. (ويَجِبُ مَهْرُهَا) لالتزامه بالنِّكاح (لاَ قِيمَتُهَا) لعدم ملك الرَّقبة.
(
والوَلَدُ حُرٌّ بِقَرَابَتِهِ) لأن الأمة ملك الابن، وولدها من أبيه أخوه، فيتبعها في الملك ويَعْتِقُ عليه. وجعل محمَّد ولد العبد المغرور حرًّا بالقيمة كولد الحرّ المغرور، وهما حكما بِرِقِّهِ. وجه محمد: أن السبب الموجب للحرية الغرور، واشتراط الحرية فيها عند النِّكاح، وهذا يتحقق في الرقيق كما يتحقق في الحرّ، وكما يحتاج الحرُّ إلى حرية الولد، فالمملوك يحتاج إلى ذلك، بل حاجته أظهر لأنه رُبَّما يتطرق به إلى حريّة نفسه. وأبو حنيفة وأبو يوسف قالا: هذا الولد مخلوق من ماء رقيقين فيكون رقيقًا، وهذا لأن الولد متفرع من الأصل، وإنَّما يتفرع لصفة الأصل. وإذا كان الأصلان رقيقين، لا تثبت الحرية للولد من غير عِتْقٍ. وأمَّا إذا كان الزوج حراً، فقد ثبت حرية الولد هناك باتفاق الصحابة بخلاف القياس.

(
والطِّفْلُ يَتْبَعُ خَيْرَ الأَبَوَيْنِ دِيناً) لأنّ ذلك أنظر له، فيتبع الأبَ إذا أسلم والأم إذا أسلمت. (وعِنْدَ عَدَمِهِمَا) أي عدم الأبوين بأن وُجِدَ لقيطاً (يَتْبَعُ الدَّارَ) لأن الظاهر أنه من أطفال أهلها. (والمَجُوسِيُّ شَرٌّ مِنَ الكِتَابِيِّ) فالطفل منهما يتبع الكتابيّ، لأن حلَّ الذبيحة وجواز المناكحة من أحكام الإسلام، فيُرَجَّح بهما كما يرجَّح بالإسلام. وإنما لم يقل والكتابيّ خير من المجوسيّ، لأنه لا خير في الكتابي لكن شره أقلُّ من شر المجوسيّ.

(
نِكَاحِ الكُفَّارِ)

واعلم أن نكاح الكفَّار أبقاه علماؤنا والشافعي، وأبطله مالك في المشهور عنه، لأن جوازه يفتقر إلى شروط هي معدومةٌ في أنكحتهم، فيجب فسادها، وعنه أنه إنَّما يجوز منه ما لو ابتدؤه بعد الإسلام صحَّ، وإلاَّ فلا.
ولنا قوله تعالى: {وامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الحَطَبِ} ولولا انعقادُه لَمَا أخبر بأنها امرأته، وقوله صلى الله عليه وسلم «وُلِدتُ مِن نكاحٍ لا من سفاحٍ». ولولا صحته لَمَا افتخر به، فنكاحهم جائز عند أبي حنيفة مطلقاً، وإن تزوَّجوا بمحارمهم، حتى يحكم لها بالنفقة إذا طلبت، لأنا أُمِرْنا أن نتركهم وما يدينون. واستثنى صاحباه من الجواز المَحْرَم والمُعْتَدَّة، لأنهم تبع لنا في الأحكام، ولكن لا نتعرّض لهم إلاَّ أنْ يُسْلِمُوا أَو يَتَرافعوا إلينا لالتزامهم حكمنا حينئذٍ، إلاَّ في قول أبي يوسف الآخر، ذكره في كتاب الطلاق، أنه يفرَّق بينهما إذا عُلِمَ به لِمَا رُوِيَ أنَّ عمر كتب إلى عُمَّاله: أن فرِّقوا بين المجوس وبين محارمهم، وامنعوهم من الزِمْزَمَة إن أكلوا. والزِمْزِمةُ بالكسر: الجماعة من الناس على ما في «الصحاح».
لكنَّا نقول هذا غير مشهور عنه، وإنما المشهور ما كتب به عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البَصْرِيّ: ما بال الخلفاء الراشدين تركوا أهل الذِّمَّة وما هم عليه من نكاح المحارم واقتناء الخمور والخنازير؟ فكتب إليه: أنهم إنما بذلوا الجزية ليُتْرَكُوا وما يعتقدون، فإنَّما أنت متَّبِعٌ ولست بمبتدع، والسلام.

(وإنْ أسْلَمَ المُتَزَوِّجَانِ بِلاَ شُهُودٍ أوْ في عِدَّةِ كَافِرٍ مُعْتَقِدَيْنِ ذَلِكَ أُقِرَّا عَلَيهِ) أي بقي صحيحاً بعد إسلامهما، أو إسلامه لو كانت كِتَابِيَّة. وقال زُفَرُ: نكاح أهل الذمّة بلا شهود، أو في عدّة كافر فاسد. وقال أبو يُوسُف ومحمد: بلا شهود صحيح، وفي عدّة كافر فاسد. لزفر: أنّ أهل الذمّة تبعٌ لأهل الإسلام، وهم لا يجوِّزون نكاحهم بغير شهودٍ، وفي عدّة غير، فكذا أهل الذمّة، إلا أنه لا يتعرض لهم فيه إلاَّ أن يُسْلِمُوا أو يترافَعُوا، فحينئذٍ يفرِّق القاضي بينهم لقوله تعالى: {وأن احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أنْزَلَ ا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ}، ولأنهم بعقد الذمَّة صاروا أُمنَاءَ داراً، والتزموا أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات، فثبت في حقّهم ما هو ثابت في حقّنا.

ألا ترى أن حرمة الرِّبا ثابت في حقّهم بهذا الطريق؟ فكذا حرمة النكاح بغير شهود. ولكنَّا نُعْرِض عنهم لمكان عقد الذمّة، لا أَنَّا نُقِرُّهُمْ على ذلك، كما نتركهم وعبادة الأوثان والاشتغال بالنيران على سبيل الإعراض، لا على سبيل التقرير والحكم بصحة ما يفعلون.
ولا نَعْرِضُ عنهم في عقد الرِّبا، لأنه مستثنى من عقد الذمَّة. قال صلى الله عليه وسلم «إلاّ من أرْبَى فليس بيننا وبينه عهد». ويُرْوَى: «عقد». ولعله مقتبس من قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ ا وَرَسُولِهِ}.

ولهما: أَن النِّكاح في العدّة حرامٌ بالإجماع، بخلاف النكاح بغير شهود حيث يجوز عند مالك بشرط الإعلان. مع أنهم لم يلتزموا أحكامنا بجميع اختلافاتها. ولأبي حنيفة: أنّ عدّة الكوافر لا يمكن إثباتها حقًّا للشرع، لأنهم غير مخاطبين بالفروع، ولا حقًّا للزَّوج وهو كافر، لأنه لا يَعتقد العدّة. وفي «النهاية» عن «المبسوط»: إن الاختلاف بينهم إذا وقعت المرافعةُ أو الإسلامُ، والعدَّةُ غير منقضية، وأمَّا بعد انقضاء العدّة فلا يفرَّق باتفاق، أي لعدم تعلُّق حكم شرعيّ.
(
وفُرِّقَ مُتَزَوِّجَانِ مَحْرَمَانِ) ـ بفتح الميم والراء ـ كما تزوج مجوسيّ أمه أو ابنته (ثُمَّ أَسْلَمَا) أو أسلم أحدهما، لأن نكاح المحارم بين الكفَّار باطل عند أبي يوسف ومحمد، وكذا عند أبي حنيفة على ما ذكره القُدُورِيّ. ولو لم يُسْلم المَحْرَمان المتزوجان، لا يُفَرَّق بينهما عند أبي حنيفة ما لم يترافعا جميعاً. لأنه لَمَّا جاز في اعتقادهم، لا نتعرض لهم ما داموا عليه، وبمرافعة أحدهما لا يحصل رضى الآخر، فلم يتحقق شرط الالتزام في حقّه، فلا يُحْكَمُ عليه ولا على الرافع لاستلزامه الحكم على غير من التزمه. وعند أبي يوسف: يُفَرَّق بينهما وُجِدَ الترافع أو لا. وعند محمد: يُفَرَّقُ إن وُجِدَ الترافع، ولو من أحدهما، فإنه إذا رفع أحدهما أمره فقد التزم حكم الإسلام، فيتعدى الآخر ضرورة الحكم على الرافع، فيُفَرَّقُ بينهما كما لو أسلم أحدهما.

(وفي إسْلاَمِ زَوْج المَجُوسِيَّةِ) أو الوثنيَّة (أو امرأة الكَافِرِ) في ديارنا، مجوسيًّا كان أو وثنياً أو كتابياً (عُرِضَ الإِسْلاَمُ عَلَى الآخَرِ، فإنْ أسْلَمَ فَهِي لَهُ) ولا يُتَعَرَّضُ لهما، لأن ابتداء النِّكاح صحيح، فلأن يبقى أوْلى (وإلاَّ) أي وإنْ لم يسلم سواء كان بالغاً أو صبيًّا مميَّزاً (فُرِّقَ بَيْنَهُمَا)، وقال الشافعي: لا يُعْرَض الإسلام وتَبِينُ المرأة في الحال إن كان الإسلام قبل الدخول، ويُفَرَّق بينهما بعد ثلاث حِيَضٍ إن كان بعده لتأكد الملك في الثّاني دون الأوَّل.

ولنا ما في «الموطّأ» عن ابن شِهَاب: أنّ ابنة الوليد بن المُغِيرَة كانت تحت صَفْوَان بن أُمَيَّةَ، وأَسلمت يوم الفتح وهرب زوجها صَفْوَان، بن أُمَيَّة من الإسلام، فلم يُفَرِّقُ صلى الله عليه وسلم بينه وبين امرأته حتّى أسلم صفوان واستقرت عنده امرأته بذلك النِّكاح.
وذكر الطَّحَاوِي وأبو بكر بن العربي: أنّ عمر بن الخطاب فرّق بين نصرانيَ ونصرانيّةٍ أسلمت بإِبائه عن الإسلام. ومن أدلتنا ما رُوِي أنّ دُهْقَانة نهر الملك أسلمت، فأمر عمر أنْ يُعْرَض الإسلام على زوجها، فإن أسلم وإلاّ فَرَّقَ بينهما. وأنّ دُهْقَاناً أسلم على عهد عليّ، فعَرَضَ الإسلام على امرأته فأبت، فَفَرَّقَ بينهما. وإنّما يُفَرَّقُ بينهما إذا أبت هي الإسلام لإصرارها على الخبث، والخبيثة لا تصلح للطيّب.
(
وهُوَ) أي تفريق القاضي بينهما (طَلاَقٌ) بائنٌ (إن أبى) الزوج، وليس بطلاق إن أبت المرأة. وقال أبو يوسف: ليس بطلاق فيهما. وفائدة الخلاف: عدم انتقاص عدد الطَّلاق بالفُرْقَة عنده، وانتقاصه بها عندهما. (ولاَ مَهْرَ لَهَا إنْ أَبَتْ) لوجود الفُرْقَة من قبلها، كالمطاوعة لابن زوجها. (إلاَّ لِلْمَوْطُوءة) فإنّ لها المهر كله لتأكده بالدخول. قيَّد بإبائها، لأن تفريق القاضي بإباء الزَّوج قبل الدخول يوجب نصف المهر.

(وفي دَارِهِمْ) عطف على مقدر يتعلق بإسلام ـ وهو في دارنا ـ أي: وفي إسلام زوج المجوسية، أو امرأة الكافر في دارهم. سواء بَقِيَ الزَّوْجَان فيها، أو خرج أحدهما إلينا وبَقِيَ الآخر (تَبِينُ) المرأة سواء كانت مدخولاً بها، أو غيرها (بِمُضِيِّ ثَلاَث حِيَضٍ قَبْلَ إِسْلاَمِ الآخَرِ) إنْ كانت تحيض، وبمضيّ ثلاثة أشهر إن كانت لا تحيض، لأن الحكم بالفُرْقَة لمَّا كان منقطعاً عمَّن في دار الحرب، أُقِيمَ شرط الفُرْقَة ـ وهو مضيّ العدة ـ مقامها.
(
وتَبِينُ) الحربيّة من زوجها (بِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ) سواء سُبِيَ أحدهما أو لم يُسْبَ، بل خرج إلينا مسلماً، أو ذمياً، أو مُسْتَأْمَناً، ثم أسلم، أو صار ذمياً (لا السَّبْيِ) أي لا تبين بالسَّبي. وقال الشافعي ـ وهو قول مالك ـ: تبين به، ولا تبين بتباين الدَّارين. فلو سُبِيَا معاً لم تَبِنْ عندنا، وتبين عنده. لأنّ زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم هاجرت من مكة إلى المدينة، وخلَّفت زوجها أبا العاص كافراً بمكة، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه بالنِّكاح الأوَّل.

ولنا: أن مشركي مكة صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحُدَيْبِيَةِ أنّ من أتاه من أهل مكة ردَّه إليهم، ومن أتى أهل مكة من أصحابه فهو لهم. وكتبوا بذلك الكتاب وختموه. فجاءت سُبَيْعَةُ بنت الحَارِثِ الأَسْلَمِيّة بعد الفراغ من الكتاب، والنبيّ صلى الله عليه وسلم بالحُدَيْبِيَة فأقبل زوجها مُسَافِر المَخْزُوميّ، وقيل: صَيْفِي بن الرَّاهِب، وكان كافراً، فقال: يا محمد أُرْدُد عليّ امرأتي فإنك قد شرطت لنا أن تردّ علينا من أتاك منَّا، وهذه طينة الكتاب لم تجفّ بعد.

فأنزل الله تعالى بياناً بأنّ هذا الشرط إنما يكون في الرجال دون النساء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُم المُؤْمِنَاتُ مهَاجِرَاتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ} أي بعقد نكاحهنَّ. فاستحلفها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلفت، فأعطَى زوجها ما أنفق عليها من المهر، وتزوجها عمر.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَمْتَحِنُ المهاجرة بأن يحلّفها: بالله ما خرجت من بغض زوجٍ، بالله ما خرجت رغبةً من أرضٍ إلى أرضٍ، بالله ما خرجت إلاّ حباً لله ولرسوله.
فقوله سبحانه: {لاَ هُنَّ حِلٌ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} يدلُّ على أن تباين الدَّارين يوجب الفُرْقة، وإن لم يوجد سَبْيٌ، وكذا قوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أنْ تَنُكِحُوهُنَّ} إذ لو لم يوجب التباين انقطاع النِّكاح، لم يجز للمسلمين أن ينكحوهنَّ، وكذا قوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ} إذ لو لم يكن التباين موجباً للفُرْقَة، لزم التمسّك بعقد نكاحهنّ حال كفرهنّ.
ثم المهاجرة تحل بل تُنكح عندنا بلا لزوم عدّة كالمسبيَّة، فإنه يجب استبراؤها ولا يلزمها العدّة اتفاقاً. وقالا ـ وهو قول مالك والشافعي ـ: لا يحل نكاحها قبل انقضاء عدّتها كالحامل، فإنه لا يصح نكاحها قبل الوضع عند الجمهور، وعلى الأصَحّ عند أبي حنيفة.

لهم: أن نُسَيْبَة لمَّا هاجرت، أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتدّ. وله: قوله تعالى: {ولا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} فالله أباح نكاح المهاجرة مطلقاً، فتقييده بما بعد انقضاء العدّة يكون زيادة. وأيضاً قال الله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ} وفي إيجاب العدّة تمسّك بِعِصَم الكافر. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يصحّ نكاح الحامل من المهاجرات، ولكن لا يقربها حتى تضع، لأنه لا حرمة لماء الحربيّ، فهو بمنزلة ماء الزاني، والحَبَل من الزِّنا لا يمنع النِّكاح عنده، ولكن الأوَّل أصحّ، لأن الحبل من الزِّنا لا نسب له، وهذا النَّسب ثابتٌ من الحربيّ.

(
وارْتِدَادُ كُلَ مِنْهُمَا) أي من الزَّوجين (فَسْخٌ عَاجِلٌ) عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال الشافعيّ: إنْ لم يدخل بها ففسخٌ عاجلٌ، وإن دخل بها ففسخٌ آجلٌ، يعني إنْ عاد المرتدّ منهما إلى الإسلام في مدة عدّة تلك المرأة لم ينفسخ، وإلاّ انفسخ. وقال محمد: إن كان الارتداد من المرأة فهو فسخٌ، وإن كان من الرَّجل فهو طلاقٌ. فمحمد مرّ على أصله في الإباء، وكذلك أبو يوسف، لأن الإباء عنده فسخٌ عاجلٌ. ووجه الفرق لأبي حنيفة: أنّ الرِّدَّةَ منافيةٌ للنِّكاح لمنافاتها للعصمة، والطَّلاق يستدعي قيام النِّكاح، فلا تكون الفُرْقَة بالرِّدَّة طلاقاً. والإباء تفويت الإمساك بالمعروف، فيجب التَّسريح بالإحسان، ولهذا تتوقف الفُرْقَة بالإباء على القضاء، ولا تتوقف الفرقة بالرِّدَّة عليه.

(ثُمَّ لِلْمَوْطُوءَةِ كُلُّ مَهْرِهَا) سواء ارتدَّ الزَّوج، أو هي، لأنّ الوطىء مؤكِّدٌ للمهر (ولِغَيْرِهَا) أي لغير الموطوءة (نِصْفُهُ لَوْ ارْتَدَّ) الزَّوج، لأنَّ الفُرْقَةَ من قِبَله قبل الدخول (وَلاَ شَيءَ لَوْ ارْتَدَّتْ) الزَّوجة، لأَن الفُرْقَة من جهتها قبل الدخول. (وَبقِي النِّكَاحُ إنْ ارْتَدَّا مَعاً فَأَسْلَمَا مَعاً)، وقال زُفَرُ: لا يبقى، وهو القياس. لأن في ردَّتهما ردَّة أحدهما، وهي منافية للنِّكاح.
ووجه الاستحسان: أنهما لم يختلفا في دينٍ ولا في دارٍ، فلا تقع الفُرْقَة بينهما، كما إذا أسلم الزَّوجان الكافران معاً. وإنَّما تركنا القياس لاتفاق الصَّحابة. فإن بني حنيفة ارتدّوا بمنع الزكاة، فاستتابهم أبو بكر ولم يأمرهم بتجديد الأنكحة بعد التَّوبة، ولا أحدَ من الصحابة سَوَّاهُ. ولا يُقَال لعلَّ الارتداد من بعضهم كان قبل بعضهم، ولم يُسْتَقلّ بذلك أيضاً، لأن كلّ أمرين لا يُعْرَفُ التاريخ بينهما يجعل كأنّهما وقعا معاً.
(
وفَسَدَ) النِّكاح (إنْ) ارتدّا معاً ثُمَّ (أَسْلَمَ أحَدُهُمَا قَبْلَ الآخَرِ) لأن البقاء على الرِّدَّة كإنشائها. فإن كان ذلك قبل الدُّخول، فلا شيء للمرأة إن كان المسلم هو، ولها نصف المهر إن كان المسلم هي. وإنْ كان بعد الدخول فلها المهر كاملاً سواء كان المسلم هي، أو هو.
ولا يصحّ أنْ ينكح مرتدّ مسلمة، ولا مرتدَّة، ولا كافرة أصليَّة. لأنّ النِّكاح يعتمد الملَّة، ولا ملَّة للمرتدّ. فإنه ترك ما كان عليه وهو غير مُقَرَ على ما اعتقده، وكذا حكم المرتدّة.

ولو أسلم حربيّ وتحته خمس نِسْوَة أو أكثر ثُمَّ أسلمن معه، أو أُخْتَان، أو أم وبنت بعقدٍ واحدٍ، بطل النِّكاح عند أبي حنيفة، وأبي يوسف. وإن كان بعقودٍ متفرقةٍ بطل نكاح الخامسة، والثانية من الأختين، وكذا الثانية من الأم والبنت إن لم يكن دخل بها. وخَيَّره محمّد، كمالك، والشافعيّ، وزُفُر في تبقية أيّ أربعٍ شاء منهنَّ، وإحدى الأختين شاء منهما، وإن كان العقد واحداً عيَّن البنت للإِبقاء لصحَّة نكاحها وحرمة أمها بالعقد عليها، إلاَّ أن يكون دخل بالأمّ فحينئذٍ يُفَرَّقُ بينه وبينهما. لأنّ غَيْلاَن بن سَلَمَة أسلم وتحته عشرة نِسْوَة وأسلمن معه، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم اختر منهنَّ أربعاً، وفارق سائرهنَّ. وقَيْس بن الحَارِثِ أسلم وتحته ثمان نِسْوَةٍ وأسلمن معه، فأمره النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يختار أربعاً منهنَّ. والضَّحَاك بن فَيْرُوز الدَّيْلَمِيّ أسلم وتحته أختان، فقال صلى الله عليه وسلم «اختر أيَّتهما شئت».
واستدل (أبو حنيفة) وأبو يوسف بقوله تعالى: {وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ} والجمع بينهما نكاحٌ حرامٌ بهذا النص، وبنكاح الأولى ما حصل الجمع، (فوقع صحيحاً بحكم الإسلام، وبنكاح الثَّانية حصل الجمع إذ لا) سبب هنا سوى الجمع، فتعيَّن الفساد في نكاح من حصل الجمع بنكاحها، فإنّ نكاحها فاسدٌ بحكم الإسلام دون من لم يحصل بنكاحها الجمع.
وإن تزوّجهما في عقدٍ واحدٍ، فالجمع حصل بهما، وليس إبطال نكاح إِحداهما بأولى من الأخرى، فيبطل نكاحهما. وكذلك في نكاح الخمس، الحرمة بسبب الجمع بين ما زاد على الأربع، وإنَّما حصل ذلك بنكاح الخامسة، فصَرْفُ الفساد إليها أوْلى. وإن وقع تزوُّجهنَّ في عقدٍ واحدٍ، فالجمع حصل بهنّ جميعاً.

وأمّا الأحاديث التي رُوِيَتْ فقد قال مَكْحُول: إنّ تلك الأحاديث كانت قبل نزول الفرائض، يعني قبل نزول حرمة الجمع، فوقعت الأنكحة صحيحةً مطلقاً، ولمَّا كانت صحيحةً في الأصل جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك مستثنى من تحريم الجمع.
(
وكُلُّ الزَّوْجَاتِ في القَسْمِ) بفتح القاف، أي المبيت عندهنَّ للصُّحبة والمؤانسة لا في المُجَامعة والمحبَّة (سَوَاءٌ) قيَّد بالزَّوجات، لأن السراري وأمهات الأولاد لا حقّ لهنَّ فيه. والاختيار في مقدار الدور للزوج، لأن المستحق لهنَّ التسوية دون طريقها، ولا فرق بين ذلك بين القديمة والجديدة، والثيِّب والبِكْر، والمسلمة والكتابيّة، والصحيحة والمريضة، والرَّتْقَاء والمجنونة التي لا يُخاف منها، والصغيرة التي يمكن وطؤها، والمُحْرِمَة، والموْلى والمُظاهر عنها.

قال الحاكم: والمَجْبُوب والخَصِيّ والعِّنين في القَسم سواءٌ، وكذلك الغلام الذي يحتلم وقد دخل بامرأته. (إلاَّ المَمْلُوكَةَ) مع الحرَّة بأن تزوَّجها ثمّ تزوَّج الحرّة (ولَهَا نِصْفُ الحُرَّةِ) سواء كانت قِنًّا، أو مُدَبَّرَة، أو مُكَاتَبَة، أو أمّ ولدٍ، لِمَا روى عبد الرَّزَّاقِ، وابن أبي شَيْبَة في «مصنفيهما»، والدَّارَقُطْنِيّ، والبَيْهَقِيّ في «سننيهما»، عن عليّ أنه قال: إذا نُكِحَتْ الحرّة على الأمة فلهذه الثلثان، ولهذه الثلث.

وقال مالك والشافعيّ وأحمد: إذا كانت الزوجة الجديدة ثيِّباً أقام عندها ثلاثاً، وإذا كانت بِكْراً أقام عندها سبعاً، ثم يدور بالسَّوية بعد ذلك، لِمَا في مسلم، عن خالد، عن أبي قِلاَبَة عن أنس قال: إذا تزوّج البكر على الثيّب أقام عندها سبعاً، وإذا تزوّج الثيّب على المرأة أقام عندها ثلاثاً. قال خالد: ولو قلت رفعه لصدقت، ولكنه قال: السُّنَّة كذلك. ورواه ابن ماجه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «للثيّب ثلاثاً، وللبكر سبعاً». وفي «صحيح مسلم»: عن أمِّ سَلَمَةَ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لَمّا تزوَّجها أقام عندها ثلاثاً، وقال لها: «ليس بكِ على أهلك هوان، إن شئتِ سَبَّعْتُ لك، وإن سَبَّعْتُ لكِ سَبَّعْتُ لنسائي». ولأن القديمة قد ألفت صحبته، والجديدة لم تألف فَيُفَضِّلُها بزيادة الصُّحبة، وللبكر زيادة نَفْرَة عن الرِّجال، فَيُفَضِّلُها بسبع ليالٍ.
ولنا إطلاق قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فِوَاحِدَةً أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ لاَ تَعُولُوا} أي أنْ لا تجوروا، وقوله تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلُ} معناه لن تستطيعوا العدل والتَّسْوية في المحبة، فلا تميلوا في القَسمِ.
وما روى أصحاب السُّنن الأربعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من كان له امرأتان، فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشِقِه مائلٌ». أي ساقط أو مفلوج. وما رواه أيضاً عن عائشة أَنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل، ويقول: اللَّهمَّ هذا قَسْمِي فيما أملك، ولا تلمني فيما تملك ولا أملك». يعني القلب. وهذا مطلقٌ كما ترى، ولأن القَسم من حقوق النِّكاح، وقد ثبت الاستواء في ذلك. والقديمة أولى بالتفضيل، لأنّ الوَحْشَة في جانبها أكثر حيث أدخل عليها من يغيظها.


وفي «مختصر الطَّحَاوي»: وإن كانت له زوجة واحدة حُرَّة فطالبته بالواجب من القَسْم من نفسه، كان عليه أن يُقْسِمَ لها يوماً وليلةً، ثم يتصرف في أمور نفسه ثلاثةَ أيامٍ وثلاثَ ليالي (لأن له أنْ يتزوّج عليها بثلاث حرائر). وإن كانت زوجته هذه أمَةً والمسألة بحالها، كان لها من كل سبعة أيامٍ ليلةٌ، ومن كل سبع ليال يومٌ، (لأن له أن يتزوّج عليها بثلاث حرائر) فيكون لكل واحدة منهم من القسم يومان وليلتان، ولها يوم وليلة.
رُوِيَ أنّ امرأة جاءت إلى عمر بن الخطاب وعنده كعب بن سُور فقالت: يا أمير المؤمنين إنَّ زوجي يصوم النَّهار، ويقوم اللَّيل، وأنا أكره أن أشكوَهُ، فقال لها عمر: نِعْمَ الرَّجل زوجك. فردّدت كلامها ـ أي كرَّرّت ـ وعمر لا يزيدها على ذلك، فقال كعب: يا أمير المؤمنين إنها تشكو زوجها في هجره فراشها، فقال له عمر: كَما فهمت إشارتها فاحكم بينهما، فأرسل إلى زوجها فجاء، فقال لها كعب: ما تقولين؟ فقالت شعراً:
*
يا أيَّها القَاضِي الحَكِيمُ أرْشِدُه ** ألْهَى خَلِيلِي عن فِرَاشِي مَسْجِدُه
*
زهَّدَهُ في مَضْجِعِي تعبُّدُه ** نَهَارَهُ وَليْلَهُ مَا يَرْقُدُه*
*
ولَسْتُ في أمْرِ النِّسَاءِ أحْمِدُه
فقال لزوجها ما تقول؟ فقال شعراً:
*
زَهَّدَنِي في فَرشها وفي الكِلَلْ ** أني امرءٌ أَذْهَلَنِي مَا قَدْ نَزَلْ
*
في سُورَةِ النَّمْلِ وفي السَّبْعِ الطُوَلُ ** (وفي كِتَابِ الله تَخْويفٌ جَلَلْ) فقال له كعب شعراً:
*
إنَّ لَهَا عَلَيْكَ حقاً يَا رَجُل ** نَصِيبَها في أربعٍ لمن عَقَلْ*
*
فأعْطِهَا ذَاكَ وَدَعْ عَنْكَ العِلَلْ
فقال له عمر: من أين لك هذه؟ قال: لأن الله تعالى أباح للحرِّ أربع زوجات، فلكل واحدة يوم وليلة. فأعجب ذلك عمر، وجعله قاضي البَصْرَة. والكِلَل بكسر الكاف: جمع كِلَّة ـ بكسر وتشديد ـ: وهي الستر الرقيق يُخَاط، كالبيت يتوقَّى فيه من البَقِّ أي البعوض.

(وَلاَ قَسْمَ في السَّفَرِ) وهو مذهب مالك، لأنَّ حقهنَّ يسقط بالسفر، ولهذا كان له أنْ لا يستصحب واحدة منهنَّ. قَيَّدَ بالسَّفر، لأن المرض منه أو منهنَّ لا يسقط القسم لِمَا في السُّنن عن عائشة قالت: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النِّساء ـ يعني في مرضه ـ فاجتمعن، فقال: إني لا أستطيع أن أدور بينكنَّ، فإن رأيتنَّ أنّ تأذَنَّ لي فأكون عند عائشة فَعَلْتُنَّ» فأذِنَّ له.

(
والقُرْعَةُ أوْلَى) تَطْيِيباً لقلوبِهِنَّ وقال مالك والشافعيّ: واجبة، لِمَا روى الجماعة عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيَّتُهُنَّ خرج سهمها، خرج بها.
ولنا: أن القسم في الحَضَرِ لم يكن واجباً عليه صلى الله عليه وسلم فضلاً عن السفر، وإنما كان يقسم تَفَضُّلاً عليهنَّ وتطييباً لقلوبهنَّ، لِمَا في الصحيحين عن ابن عباس: أنه صلى الله عليه وسلم كان يَقْسِمُ لثمانٍ ولا يَقْسم لواحدةٍ. قال عطاء: هي صفية بنت حُيَيْ بن أَخْطَب، ولقوله تعالى: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ} وكان من يؤوي: عائشةَ، وأمَّ سَلَمَةَ، وزيْنَبَ، وحَفْصَةَ. ومن يُرْجي: سَوْدَةَ، وجُوَيْرِيَةَ، وأمَّ حَبِيبَةَ، وصَفِيَةَ، ومَيْمُونَةَ. ذكره المُنْذِري.

(ويَصِحُّ) للمرأة (تَرْكُ القَسْمِ) بأن تهب يومها لصاحبتها، لأن القَسْمَ حقها ولها تركه، ولما في الصحيحين عن عائشة قالت: ما رأيت امرأةً أحبّ إليّ أن أكون في مِسْلاخِها من سَوْدَةَ بنت زَمْعَة، من امرأة فيها حِدَّة، فلمَّا كَبِرَت قالت: يا رسول الله قد جعلت يومي منك لعائشة. وكان صلى الله عليه وسلم يَقْسِم لعائشة يومين: يومها، ويوم سَوْدَة. وفي «سنن البَيْهَقِيّ» عن هِشَام بن عُرْوَة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طَلَّق سَوْدَة، فَلَمَّا خرج إلى الصلاة أمسكت بثوبه وقالت: والله مالي في الرِّجال من حاجة، ولكن أُرِيدُ أن أُحْشَرَ في أزواجك. قال: فراجَعَها، وجعل يومها لعائشة.
(
ويَصِحُّ) للمرأة (الرُّجُوعُ) فيم وهبت من قسمها، لأنها أسقطت حقّاً لم يجب بعد فلا يكون مُلْزِماً، كالعَارِيَّة يرجع فيها المُعِيرُ متى شاء. ولو أقام رجلٌ عند إحدى امرأتيه شهراً ـ ولو في غير سفرٍ ـ ليس للأخرى مطالبته أنْ يُقِيمَ عندها شهراً. لأن القَسْمَ لا يصير ديناً في الذِّمَّة، ولكنه يأثم فيؤمر باستقبال العدل بينهما. ولو عاد إلى الجَوْر بعد نَهْي القاضي عزَّرَهُ. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصَّواب.

كتاب الرَّضَاعِ
بفتح الرَّاء وبكسرها، وفِعْله كَعَلِمَ، وفي لغة نَجْدٍ كَضَرَبَ.

(يَثْبُتُ بِمَصَّةٍ) وهو مذهب جمهور العلماء، حكاه ابن المُنْذِرِ عن عليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، والحسن، وابن المُسَيَّب، ومَكْحُول، والزُّهْرِيِّ، وقَتَادَة، والحَكم، وحَمَّاد، ومالك، والأوْزَاعِيّ، (في حَوْلَيْنِ وَنِصْفٍ) فيكون المجموع ثلاثين شهراً، وبه قال أبو حنيفة، وهو مختار صاحب «الهداية» لقوله تعالى: {وحَمْلُهُ وفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً}، وظاهر هذه الإضافة يقتضي أن يكون جميع المذكور مدّةً لكلِّ واحدةٍ منهما، إلا أنّ الدليل قد قام على أنّ مدَّة الحبل لا يكون أكثر من سنتين، فَبَقِي مدَّة الفِصَال على ظاهره. وقال الله تعالى: {فإنْ أرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وتَشَاوُرٍ} الآية، فاعتُبِرَ التَّراضي والتَّشاور في الفصال بعد الحولين، وذلك دليل على جواز الإرضاع بعدهما. (فَقَطْ) قيَّد به لأنّ الرِّضاع بعد الحولين ونصف لا يثبت به حرمة سواء فُطِمَ الصبيّ، أو لم يُفْطَم عند أبي حنيفة.
وقال زُفَر: في ثلاث سنين. وعند مالك: في سنتين وأيام. وقالت عائشة وداود: يثبت به ولو بعد البلوغ. وقال أبو يوسف ومحمد: وبه يُفْتَى، كما نصَّ عليه في «العيون»، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين، ومختار الطَّحَاويّ. ومذهب مالك والشافعي: أَن مدّة الرِّضاع سنتان لظاهر قوله تعالى: {والوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْن لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} ولا زيادة بعد التمام والكمال، وقوله تعالى: {وفِصَالُهُ في عَامَينِ}، وقوله صلى الله عليه وسلم «لا رِضَاع بعد الفِصَال». رواه عبد الرَّزَّاق عن عليّ مرفوعاً وموقوفاً.

ورواه الطَّبَرانيّ بسنده عن عليّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا رضاع بعد فِصَالٍ، ولا يُتْمَ بعد حُلُمٍ»، وقوله صلى الله عليه وسلم لا رضاع إلاّ ما كان في الحولين» (رواه الدَّارَقُطْنِيّ، ورواه ابن عدي في «الكامل» ولفظه: «لايَحْرُم من الرِّضاع إلاّ ما كان في الحولين»)، ووافقه ابن أبي شَيْبَة عن عليّ، وابن مسعود، والدَّارَقُطْنِيّ عن عمر قال: «لا رِضَاع إلاّ في حولين في الصِّغَر».
وعامة أهل التفسير جعلوا الأجل المضروب للمدتين متوزعاً عليهما. ويؤيده ما رُوِيَ أنَّ رجلاً تزوَّج امرأةً فولدت لستة أشهر، فجيء بها إلى عثمان، فشاور في رجمها، فقال ابن عباس: إنْ خاصمتكم بكتاب الله خَصمتكم، قالوا: كيف؟ قال: إن الله ليقول: {وحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً} وقال: {والوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}، وقال: {وفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} فحَمْله ستة أشهر وفصاله حولان، فتركها عثمان.

(
أمُومَةُ المُرْضِعَةِ) هذا فاعل يثبت (وأُبُوَّةُ زَوْجِ لَبَنِهَا مِنْهُ للرِّضِيع) اللام متعلقة بـ:يثبت. وقيَّد الزَّوج بكون لبن المُرْضِعَة منه، لأن المرأة لو بانت من رجلٍ وهي ذات لبنٍ منه، فتزوَّجت بآخر وأرضعت بذلك اللّبن ولداً، لم يكن ولداً للثَّاني من الرِّضاع، بل يكون ربيبة منه. حتى جاز لذلك الولد أن يتزوّج بأولاد الثَّاني من غيرها، كما في النَّسب. ولو فُطِمَ الصَّبيّ عن اللّبن، واستغنى بالطعام عنه، ثم أُرْضِعَ في المدَّة فإنه يثبت به الحرمة في ظاهر الرواية. وعن أبي حنيفة لا يثبت، وقيل: لا يُبَاح شربه.

وقال الشافعيّ وأحمد وإسحاق: لا يثبت الرِّضاع إلاّ بخمس رضعات، يكتفي الصّبيّ بكل واحدة منها، لِمَا في «صحيح ابن حبَّان» عن عبد الله بن الزُّبَيْر، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تحرّم المصَّة والمصَّتان، والإِمْلاَجة والإملاجتان». والمصَّة فعل الرضيع، والإملاجة فعل المرضِع وهو الإرضاع. ورواه مسلم مفرَّقاً في حديثين. وروى مسلم أيضاً عن عائشةَ رضِيَ الله عنها قالت: أُنْزِلَ في القرآن عشر رضعات معلومات يُحَرِّمْنَ، فَنُسِخَ من ذلك خمسٌ، وصار إلى خمس رضعات، فتُوُفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك.
وروى مسلم أيضاً من حديث أمّ الفضل بنت الحارث قالت: دخل أعرابي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيتي فقال: يا رسول الله إني كانت لي امرأة فتزوّجت عليها أخرى، فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت الحُدْثَى رضعةً أو رضعتين. فقال رسول الله: «لا تُحَرِّمُ الإملاجة ولا الإملاجتان».

ولنا إطلاق قوله تعالى: {وأمَّهَاتُكُمْ اللاَّتي أرْضَعْنَكُمْ وأخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} من غير تقييد بعدد، فاشتراطه فيه زيادة على النَّصّ، وهي لا تثبت بخبر الواحد. وما في «الصحيحين» من حديث ابن عباس وعائشة: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «يَحْرُم من الرَّضاع ما يَحْرُم من النَّسَبِ». فلفظ البخاري عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أُرِيدَ على ابنة حمزة فقال: «إنها ابنة حمزة»، فقال: «إنها ابنة لا تحلُّ لي، إنّها ابنة أخي من الرَّضاعة، وإنه يَحْرُمُ من الرَّضاع ما يَحْرُم من النَّسب». وروى الجماعة إلاّ ابن ماجه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها ـ واللفظ لمسلم ـ: «أنَّ عمَّها من الرَّضاعة ـ يُسَمى أَفْلَحَ ـ استأذن عليها فحجبته، فأَخْبَرَتْ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: لا تحتجبي منه، فإنَّه يَحْرُمُ من الرِّضاعة ما يَحْرُمُ من النّسب». ولفظ الباقين: «ما يَحْرُمُ من الولادة».

وأمَّا ما رواه الشافعيّ، فمدفوعٌ بالكتاب كما تقدَّم، أو منسوخٌ بدليل ما رُوي عن ابن عبّاس أنه سُئِلَ عن الرّضاع، وقيل: إنّ النّاس يقولون: لا تُحَرِّمُ الرَّضعة ولا الرَّضعتان، فقال: كان ذلك، فأمّا اليوم فالرضعة الواحدة تحرِّم. وقال ابن مسعود: آل أمرُ الرّضاع إلى أن قليله وكثيره يُحَرِّمُ.
(
فَيَحْرُمَانِ) أي المرأة التي أرضعت، والزَّوج الذي لبن الرِّضاع منه (مَعْ قَوْمِهِمَا) وهو أصول المرأة التي أرضعت، وفروعها من ذلك الزَّوج أو غيره، وإِخوتها، وأخواتها، وإِخوة أصولها وأخواتهم، وأصول الزَّوج، وفروعه من تلك المرأة أو غيرها، وإِخوته، وأخواته، وإِخوة أصوله وأخواتهم (عَلَيْهِ) أي على الرّضيع (كَالنَّسَبِ) أي كما يَحْرُم الأم والأب مع قومهما على الولد من النَّسب.

(وَ) يَحْرُم (فُرُوعُهُ) أي فروع الرّضيع (والزَّوْجَانِ) أي زوجته إن كان ذكراً، وزوجها إن كانت أنثى (عَلَيْهِمَا) أي على أبيه وأمه من الرّضاع.
(
وَتَحِلُّ أُخْتُ أخِيهِ) من الرّضاع بأن يكون لرجلٍ أخٌ من الرّضاع له أختٌ من النسب، فيحلّ لذلك الرَّجل أن يتزوّج بتلك الأخت من النّسب (كَما في النَّسَبِ) أي كما تحلّ أخت أخيه من النّسب، بأن يكون لرجلٍ أخٌ من أب له أختٌ من أمَ، فَيَحِلُّ لذلك الرَّجل أن يتزوّج بتلك الأخت من الأمّ.
(
والاحْتِقَانُ) مبتدأ، أي احتقان الرضيع (بِلَبَنِ المَرْأَةِ وَلَبَنِ الرَّجُلِ) نفسه إذا شربه الرضيع (وَمَا خُلِطَ بِطَعَامٍ) سواء طُبِخَ أو لاَ، وسواء كان الطعام غالباً أو مغلوباً (لا يُحَرِّمُ) خبر المبتدأ وما عطف عليه، أي لا تثبت الحُرْمة، أمَّا الاحتقان فلأنه ليس بغذاء، وفيه خلاف محمد لأنه يصل إلى الجوف، ولهذا يفسد به الصوم. وأمَّا لبن الرّجل فلأنّه ليس بلبنٍ حقيقةً. وأمَّا المخلوط بالطعام، فالمذكور هنا قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: إذا كان الخلط بغير الطبخ، وكان اللبن غالباً على الطعام يُحَرِّمُ، كما إذا كان غالباً على الماء والدواء، لأن المغلوب مع الغالب كالمعدوم. ولأبي حنيفة: أن المائع إذا خُلِطَ بغيره يصير تابعاً له، لأن غير المائع أشدّ استمساكاً من المائع، فيصير المقصود ـ وهو التَّغذِّي ـ (بالطَّعام لا باللبن. وقيل: لا تثبت به الحرمة عنده على كل حال، وإليه مال السَّرَخْسِي، وهو الأصحّ، لأن التَّغذي كان) بالطعام دون اللبن.

(وَ) ما خلط (بِغَيْرِهِ) أي بغير الطعام سواء كان ماءً، أو دواءً، أو لبنَ شاةٍ أو امرأةٍ أخرى (تُعْتَبَرُ الغَلَبَةُ) لأنّ المغلوب كالمعدوم مع الغالب. وحرَّم به مالك والشافعيّ لأنه موجودٌ فيه حقيقة، وفيه إشكالٌ على قواعدنا أيضاً من حيث إِن مصةً واحدةً تُحَرِّمُ، فأي فائدة في اعتبار الغالبية والمغلوبية.
(
ويُحَرِّمُ الاسْتِعَاطُ) لأنّ به يصل اللَّبن إلى المعدة على وجه يحصل به الغذاء، وهو مشتقٌّ من السَّعُوط: وهو الدَّوَاء يصبُّ في الأنف. (وَ) يحرم (لَبَنُ البِكْرِ) اتفاقاً (والمَيِّتَةِ) وبه قال مالك، خلافاً للشافعي. ولو ارتضع صبيان لبن بهيمة، لم يكن ذلك رضاعاً، لأن ثبوت الحرمة بطريق الكرامة، وذا مختصٌ بلبن الآدمية. (وإنْ أرْضَعَتْ) امرأة رجلٍ (ضَرَّتَهَا) حال كونها (رَضِيعَةً) بأنْ كان متزوجاً صغيرةً وكبيرةً فأرضعت الكبيرةُ الصّغيرةَ (حَرُمَتَا) على الزَّوج لأنه يصير جامعاً بين أمّ وبنتها رضاعاً، وهو حرامٌ كالجمع بينهما نسباً.
(
ولاَ مَهْرَ لِلْكَبِيرَةِ إنْ لَمْ تُوطَأْ) لأنَّ الفُرْقَةَ من قِبَلها قبل الدّخول، إلاّ إذا كانت الكبيرة مجنونةً أو مكرهةً أو نائمةً فارتضعتها الصغيرة، كان لها نصف المهر (ولِلْرَّضِيعَةِ نِصْفُهُ) لأنَّ الفُرْقَة قبل الدُّخول لا من قِبَلِها. (وَرَجَعَ الزَّوْجُ بِهِ) أي بنصف المهر الذي للصغيرة (عَلَى المُرْضِعَةِ) أي الكبيرة (إنْ قَصَدَتْ الفَسَادَ) بأن أرضعتها بلا حاجةٍ عالمةً بأنها منكوحةٌ لزوجها، وأنَّ إرضاعها مفسدٌ لنكاحها. ولو أخطأت أو أرادت الخير بأنْ خافت على الرضيع الهلاك من الجوع لم يرجع به عليها. والقول في ذلك قولها إن لم يظهر منها تعمُّد الفساد، لأنه لا يُعْرَفُ إلاّ من جهتها.
ولو أرضعت امرأة الأب زوجة الابن حَرُمَتْ عليه، لأنها تصير أخته لأبيه. ولو أرضعت امرأةٌ صغيرتين تحت رجلٍ حَرُمَتَا عليه، ويرجع على المرأة إن تعمّدت الفساد.

ويثبت الرّضاع عندنا بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، وعند الشافعي يثبت بشهادة أربع نِسْوة، وشهادة المُرْضِعَة إن لم تطلب أجرة. وعند مالك: يثبت برجلٍ وامرأةٍ، وبامرأتين إن كان الرّضاع فاشياً من قولهما قبل العقد، وإلاّ لم يثبت على المشهور. وفي الواحدة فاشياً من قولها: له قولان. وفي انقراد أمّ أحد الزَّوجين، أو أبيه له قولان.
ولو أقرَّ رجلٌ لامرأته، أو لأجنبيّة برضاع أمّ، بأن قال: هذه أختي، أو ابنتي، أو أمّي رضاعاً، أو بنسب: بأن قال: هذه بنتي، أو أختي، أو أمّي نسباً، ثم رجع عن قوله ولو بعد عشر سنين أو أكثر فقال: أوهمت، أو أخطأت، أو نسيت وصدَّقته المرأة صحَّ رجوعه عندنا، وله أن يتزوَّجها إلاّ إذا ثبت عليه، بأن قال: هو حقٌّ كما قلت، ثم تزوّجها فإنه يفرّق بينهما، وهذا استحسان. وفي القياس الجواب: في الفَصْلَيْنِ سواء، وبه قال مالك والشافعيّ، إذ الرجوع عن الإقرار باطلٌ، والله تعالى أعلم بالصواب.

كتاب الطَّلاَقِ
اسم مصدرٍ بمعنى التطليق كالسَّلام والكلام، ومنه قوله تعالى: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ}، ومصدر من طَلُقَت المرأة بالضم كالجَمَال من جَمُلَ، وبالفتح كالفَسَادِ من فَسَدَ.
وهو في اللغة: رَفْع القيد مطلقاً.
وفي الشرع: رفع القيد الثابت شرعاً بالنِّكاح.
قال صاحب «المحيط»: المستعمل في المرأة لفظ التطليق، وفي غيرها لفظ الإطلاق، ولهذا لو قال لامرأته: أنتِ مطلَّقة بتشديد اللام لا يحتاج إلى نيَّة، وبتخفيفها يحتاج إليها. وهو مملوك الزَّوج لقوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} ولقوله صلى الله عليه وسلم «الطَّلاق لمن أخذ بالسَّاق» رواه ابن ماجه. ووصفه أنه محظورٌ نظراً إلى الأصل، ومباحٌ نظراً إلى الحاجة. ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أبغض الحلال إلى الله الطَّلاق».

(يَقَعُ) الطَّلاق (مِنْ مُكَلَّفٍ) أي من كلِّ زوجٍ عاقلٍ بالغٍ (فقط)، ولا يقع من المولى والأب على امرأة عبده، وابنه، ولا من الصَّبيّ والمجنون، والمعتوه: وهو من كان قليل الفهم، مختلط الكلام، فاسد التدبير، إلاَّ أنه لا يضرب ولا يشتم كالمجنون، وقيل: العاقل من يستقيم كلامه وأفعاله إلاّ نادراً، والمجنون ضده، والمعتوه من يستوي ذلك منه. روى ابن أبي شَيْبَة، وعبد الرَّزَّاق في «مصنفيهما» عن عليّ أنه قال: كلّ طلاق جائزٌ إلاّ طلاق المعتوه. وروى ابن أبي شَيْبَة عن ابن عباس أنه قال: لا يجوز طلاق الصّبيّ. وروى عبد الرَّزَّاق عن عليّ قال: لا يجوز على الغلام طلاقٌ حتى يحتلم.
وشَمِل قول المصنف: «من مكلف» الأخرس إذا أشار بالطَّلاق، لأن إشارته قائمةٌ مقام العبارة، ويَعُمُّ المُكْرَهَ أيضاً، وهو قول ابن عمر، والشَّعْبِيّ، والنَّخَعِيّ، والزُّهْرِيّ، وقَتَادَة، وأبي قِلاَبَة، وسعيد بن جُبَيْر، وابن المُسَيَّب، وشُرَيْح، لِمَا روى محمد بن الحسن بسنده، والعُقَيْلِيّ في كتابه من حديث الغازي بن جَبَلة، عن صَفْوَان بن عمْرَان الطَّائِيّ: أن رجلاً كان نائماً. فقامت امرأته فأخذت سكيناً فجلست على صدره فوضعت السكين على حلقه وقالت: لَتُطَلِّقَنِّي أو لأذْبَحَنَّكَ. فناشدها الله، فأبت فطلَّقها ثلاثاً. فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فقال: «لا قَيْلُولَة في الطَّلاقِ» أي لا إقالة.
ورواه أيضاً عن صفْوَان الأصَمّ الطَّائيّ، عن رجل من الصحابة: أن رجلاً كان نائماً... الحديث. إلاّ أن أبا حاتم، والثَّوْريّ جعل الغازي منكر الحديث في طلاق المكره. قلنا: يتأيد بحديث حُذَيْفَة وابنه حين حَلَّفَهُمَا المشركون، فقال صلى الله عليه وسلم «نَفِي لهم بعهدهم، ونستعينُ اللَّهَ عليهم». فبيَّن أن اليمين طوعاً وكَرْهاً سواء.

فعُلِمَ أن لا تأثير للإكراه في نفي الحكم المتعلِّق بمجرد اللفظ عن اختيار بخلاف البيع، لأن حكمه يتعلق باللفظ، أو ما يقوم مقامه مع الرِّضى، وهو منتفٍ بالإكراه. ورُوِيَ أيضاً عن عمر: أربعٌ مُبْرَمَاتٌ مُقْفَلاَتٌ ليس فيهنَّ ردّ يدٍ: أي النِّكاح، والطَّلاق، والعَتَاق، والصَّدقة. وقال مالك والشافعيّ وأحمد: لا يقع طلاق المُكْرَه، وهو مرويّ عن عمر، وابنه، وعليّ، وابن عباس، والزُّبَيْر، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، والضَّحَّاك، وعطاء لِمَا روى ابن حِبّان، وابن ماجه، والحاكم ـ وقال: على شرط الشيخين ـ من حديث ابن عباس: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رُفِعَ عن أمتي الخطأ، والنِّسيان، وما أُسْتُكْرِهُوا عليه». وأُجِيبَ بأنْ المراد به إمَّا حكم الدُّنيا، وإما حكم العُقْبَى، والإجماع على أن المراد حكم الآخرة من المؤاخذة، فلا يراد الآخر معه.
(
وَلَوْ كَانَ) المُكَلَّفُ (سَكْرَانَ) بخمرٍ أو نبيذٍ بخلاف بَنْجٍ وأفيونٍ ودواءٍ ولبن الرِمَاك وهي بالكسر: أنثى من الخيل، وبه قال مالك، والثَّوْرِيّ، والأوزَاعِيّ، والشافعيّ، وكذا رُوي عن سعيد بن المُسَيَّب، وعطاء، والحسن، والنَّخَعِيّ، وابن سيرين ، ومُجَاهِد، والشَّعْبِيّ، والزُّهرِيّ، وعمر بن عبد العزيز، وسُلَيْمَان بن يَسَار. وروى عنهم ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه». وقد أجاز عمر طلاق السَّكْران بشهادة نِسْوة. وأخرج ابن أبي شَيْبَة عن عُثْمَان: أنه كان لا يُجِيزُ طلاق السَّكْرانِ. ورُوِيَ عن ابن عباس، وبه قال القاسم بن محمد، وطاوُس، وربيعة بن عبد الرحمن، واللّيث، وأبو ثَوْر، وإسحاق بن رَاهُويَه، وزُفَر، وهو مختار الكَرْخِيّ، والطَّحَاوِيّ، ومحمد بن سَلَمة، وهو أحد قوليْ الشافعيّ، ومختار المُزَنِيّ، وتوقَّف أحمد بن حنبل، فللمانعين لهم: أنّ السَّكْران ليس له قصدٌ صحيحٌ، فلا يقع طلاقه كالصبيِّ والمجنون.

ولنا: ما روى الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كلُّ طلاق جائز إلاّ طلاق المعتوه المغلوب على عقله». وقال: هذا حديث لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث عطاء بن عَجْلان، وهو ضعيف ذاهب الحديث. ولا يخفى أنّ كونه ضعيفاً عنده لا يستلزم ضعفه عند غيره، بل يَعْتَضِدُ به. ولأنّ السَّكران مكلف لقوله تعالى: {لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وأَنْتُمْ سُكَارَى} ولهذا يجب عليه القِصَاص، وحدّ القذف.

وطلاق المُكَلَّف واقعٌ، والرِّدَّة مبنيةٌ على الاعتقاد، فلم تصح من السَّكران لعدم الاعتقاد منه. ولو أُكْرِه على شرب الخمر فقيل: لا يقع طلاقه، لأنه ليس بمعصية، فصار كالإغماء. وقيل: يقع لأنّ السُّكر حصل بفعل محظور في الأصل، وهو الأصحّ. وقال بعض المحققين: الأوَّل حسنٌ، وهو مختار فخر الإسلام وكثير من مشايخنا، وهو قول مالك والشافعيّ.
(
أوْ) كان (عَبْداً، لاَ مِنْ سَيِّدِهِ) أي لا يقع الطَّلاق على العبد من سيده لِمَا روى ابن ماجه في «سننه» من طريق ابنِ لَهِيعَة، والدَّارَقُطْنِيِّ من غيره. عن ابن عباس قال: جاء رجلٌ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله سيدي زوَّجني بأمته، وهو يريد أنْ يُفَرِّقَ بيني وبينها، فصعد النبيّ صلى الله عليه وسلم المِنْبَرَ فقال: «يا أيها النَّاس، ما بال أحدكم يزوِّج عبده من أمته، ثم يريد أن يفرِّق بينهما، إنَّما الطَّلاقُ لمن أخذ بالسَّاق».

(وَ) الطَّلاق من (نَائِمٍ) لأنه لا اختيار له أصلاً فصار كالمجنون. وفي «الخُلاَصَة»: عن الإمام خَواهرْ زَادَه: النائم إذا طلَّق امرأته في المنام فلمّا استيقظ قال لامرأته: طلَّقتك في النوم لا يقع. أي لأنه إخبار لم يقصد به الإنشاء. وكذا لو قال: أجزت ذلك الطَّلاق أي لعدم ثبوته في حقيقة الحال، وإنما هو في عالم الخيال، بخلاف طلاق الفُضُوليّ. ولو قال: أوقعت ذلك الطَّلاق يقع، أي بإيقاعه يقظةً لا بطلاقه مناماً. ولو قال: أوقعت ما تَلَفَّظْتُ به حالة النوم لا يقع، أي لعدم تلفُّظه حقيقةً.
(
وأحْسَنُهُ) أي أحسن أنواع الطّلاق (طَلْقَةٌ فَقَطْ) أي واحدةٌ (في طُهْرٍ لاَ وَطْءَ فيِهِ) أو في حملٍ استبان. قال محمد (في «الأصل»): بلغنا عن إبرهيم النَّخَعِيّ، عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يستحبون أن لا يزيدوا في الطَّلاق على واحدةٍ حتّى تنقضي العدَّة، وإنّ هذا أفضل عندهم من أن يطلِّق الرَّجل ثلاثاً، عند كل طهرٍ واحدةٌ، ولأنه أبعد من النَّدامة حيث أبقى لنفسه مُكْنَةَ التَّدارك بالمراجعة في العدّة، وبتجديد النّكاح من غير تحلل بزوج آخر.
فإن قيل: كيف يكون الطَّلاق حسناً فضلاً عن أن يكون أحسن، وقد روى أبو داود، عن ابن عمر: أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «أبغض الحلال إلى الله عز وجل الطَّلاق»؟ أُجيب: بأن الحُسْنَ في بعض أنواع الطَّلاق إنَّما هو بالنسبة إلى البعض الآخر، وذلك لا ينافي كون الطَّلاق نفسه مبغضاً.

فإن قيل: هذا الحديث مُشْكِلٌ لأنّ كون الطّلاق مبغضاً إلى الله منافٍ لكونه حلالاً، إذ كونه مبعضاً يقتضي رجحان تركه على فعله، بل يوجب وجوب تركه، وكونه حلالاً يقتضي مساواة تركه لفعله. أُجِيبَ: بأنّ المراد بالحلال هنا ليس ما استوى فعله وتركه، بل ما ليس تركه بلازمٍ، الشامل للمباح والواجب والمندوب والمكروه. والأظهر أن يُقَال: الطَّلاق حلالٌ في ذاته، وإنّما يبغضه لِمَا يترتب عليه من انجراره إلى المعصية للزَّوجين، أو يقال: أبغض الحلال عند الحاجة الطَّلاق من غيرضرورة.
(
وحَسَنُهُ وَهُوَ) المعروف بأنه (السُّنِّيّ) فالأحسن أولى بأن يكون سُنِّيًّا (طَلْقَةٌ) حال كون الطلاق (لَغَيْرِ المَدْخُولِ بِهَا وَلَوْ في حَيْضٍ) وقال زُفَر: يكره طلاقها في الحيض كالمدخول بها. وعلماؤنا والشافعيّ لم يحصروا الطَّلاق السُّنِّيّ في الطَّلقة الواحدة، وحصره مالك فيها. ولذا قال: (وَ) حَسَنُهُ حال كونه (لِلْمَوْطُوءَةِ تَفْرِيقُ الثَّلاثِ) طلقاتٍ (في أطْهَارٍ لاَ وَطْءَ فِيهَا فِيمَنْ تَحِيضُ)، قيل: يؤخِّر الطَّلقة الأولى إلى آخر الطهر كيلا تتضرر المرأة بتطويل العدّة. وقيل: يطلِّقها عَقِيبَ الطهر كيلا يبتلى بالإيقاع عَقِيبَ الوِّقاع.
(
وأشْهُرٍ) عطف على أطهار، أي وتفريق الثلاث في أشهر (في الصَّغِيرَةِ)، (وَ) كذا في (الآيِسَة) لإقامة الشَّهر مقام الحيض في حكم عدّتهما، (وَ) في (الحَامِلِ) لأنها لا تحيض فكانت كالصّغيرة والآيِسَة في حقّ إيقاع الطّلاق ابتداءً، وفي حق تفريقه. (وَلَوْ بَعْدَ الوَطْءِ) فيهنّ، لأنّ كراهة طلاق ذوات الحيض في الطُّهر بعد الوطء لتوهم الحبل واشتباه العدّة، وهذا غير موجود هنا. وقال محمّد وزُفَر: لا تطلَّق الحامل للسُّنَّة إلاّ واحدةً، لأن الشهر في حقّها ليس من فصول العدّة، فصار كالممتد طهرها.

(وبِدْعِيُّه) أي بِدْعِيُّ الطَّلاق (وَاحِدَةٌ في طُهْرٍ وُطِئَتْ فِيهِ أوْ) في (حيْضِ مَوْطُوءةٍ) أي مدخولٍ بها. لأنّ المبيح للطّلاق هو الحاجة إلى التَّخلص عن النِّكاح، فإن وُجِدَ دليل الحاجة لا يكره ويكون سُنِّيًّا، وإن لم يوجد دليلها كره ويكون بِدْعِيًّا. ورغبة الرّجل في المرأة تقلُّ بعد وطئها وفي حيضها، فإذا طلَّقها بعد الوطء، أو في الحيض، لم يوجد دليل الحاجة إلى طلاقها، لاحتمال أن يكون ذلك لنفرته عنها لا للحاجة للتخلص عن نكاحها. قيَّد بالموطوءة لأن غيرها يطلّق للسُّنَّة في حالة الحيض كما تقدم.

وحاصله: أنَّا مع مالك نجعل الطَّلاق الثّلاث بلفظٍ واحدٍ أو بألفاظٍ في طُهرٍ واحدٍ، وكذا الثنتين في طهرٍ واحدٍ أو بكلمةٍ بِدْعِيًّا، كطلاق الموطوءة حائضاً، فإنه بِدْعِيٌّ اتفاقاً لِمَا روينا. وقال الشافعيّ: ليس في الجمع بكلمةٍ ولا في التَّفريق سنّةٌ، لأنّ الطَّلاق تصرفٌ مشروعٌ بدلالة وقوعه، وقيام دليل المشروعية ـ وهو أمر الله به ـ ومتى كان مشروعاً لا يكون ممنوعاً للتنافي بينهما. وهذا لأنّ أدنى درجات المشروع أن يكون مباحاً في نفسه، وبين كونه مباحاً ومحظوراً منافاةٌ، بخلاف الطَّلاق في حالة الحيض لأنه مباحٌ له في الأصل لكونه مأموراً به مطلقاً، والحرمة لعارض تطويل العدّة عليها، وبخلاف ما لو طلَّقها في طهر جامعها فيه لأنه يؤدي إلى تلبيس أمر العدّة عليها، لأنها لا تدري أنها حاملٌ فتعتدّ بوضع الحمل، أو حائل فتعتدّ بالأقراء، وذلك منعدمٌ إذا طلَّقها في طهرٍ لم يجامعها فيه، سواء أوقع الثلاثَ أو واحدةً. وهذا معنى قولهم: هذا طلاق صادف زمان الاجتناب مع زوال الارتياب.

وحجتنا في ذلك قوله تعالى: {الطَّلاَقُ مَرتَانِ} معناه دفعتان، لقولهم: أعطيته مرتين، وضربته مرتين. والألف واللام للجنس، فيقتضي أن يكون كل الطَّلاق المباح في دفعتين، ودفعة ثالثة في قوله تعالى: {فَإنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ}، أو في قوله تعالى: {أوْ تَسْرِيحٌ بإحْسَانٍ} على حسب ما اختلف فيه أهل التفسير. وحديث محمود بن لَبِيد قال: أُخْبِرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجلٍ طلّق امرأته ثلاثاً جميعاً، فقام غضبان فقال: «أَيُلْعَبُ بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟» حتى قام رجلٌ فقال: يا رسول الله ألا أقتله؟. رواه النَّسَائي والسَّرَخْسِي.
واللّعب بكتاب الله: ترك العمل به. فدلّ أن مُوقِعَ الثلاث جملةً مُخَالِفٌ للعمل بما في كتاب الله، وأنّ المراد في قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} تفريق الطَّلاق على عدد أقراء العِدّة، ألاَ ترى أنّه خاطب الزَّوج بالأمر بإحصاء العدّة، وفائدة التَّفريق، فإنه تعالى قال: {لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْراً} أي يبدو له فيراجعها، وذلك عند التّفريق لا عند الجمع.
وحديث عُبَادة بن الصَّامِت أن أباه طلّق امرأة له ألف تطليقة، فانطلق عُبَادة فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «بانت بثلاثٍ في معصية الله، وبقي تسع مئة وسبعة وتسعون عدواناً وظلماً إن شاء الله عذَّبه وإن شاء غفر له». أسنده عبد الرَّزَّاق. وفي «المَبْسُوطِ»: وقد رُوِيَ عن عمر وعليّ وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وعِمْرَان بن حُصَيْن: كراهية إيقاع الثلاث بألفاظٍ مختلفة. وقال الكَرْخِيّ: لا أعرف بين أهل العلم خلافاً أنّ إيقاع الثلاث بألفاظٍ جملةً مكروهٌ، إلاّ قول ابن سيرين، وقوله ليس بحجة.

هذا، والطّلاق البائن أيضاً مكروه عندنا في ظاهر الرِّواية، لأنه لا يحتاج إلى صفة البينونة في الخلاص، مع تفويت مُكْنَةِ المراجعة من غير تزوُّج ثانٍ ـ تحصل له أم لا ـ فيوجب النَّدامة. ولا يُكْرَهُ الخُلْع في زمان الحيض، لأنه قد يحتاج فيه إلى المُفَادَاة، وقد قال تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}.
(
وَمَا فَوْقَهَا) معطوفٌ على قوله: واحدةٌ، أي فوق الواحدة، سواء كانت ثنتين أو ثلاثاً، جملةً أو مفرقاً (بِلاَ رَجْعَةٍ) وبلا تجديد تزوّج، (بَيْنَهُ) أي بين ما فوق الواحدة من الثنتين والثلاث (في طُهْرٍ) ظرف لرجعة، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر ابن عمر بالتفريق، والإيقاع جملة يضاده، فيكون مُفَوِّتاً للمأمور به، فيكون بدعة. قيّد بعدم الرَّجعة لأنها لو تخللت بين التطليقتين في طهر لا يكون الطلاق بِدْعيًّا عند أبي حنيفة، ويكون بِدْعِيًّا عندهما. وقيّدنا بعدم تجديد التزوّج، لأن التزوّج لو تخلّل بين التطليقتين لا يكون بِدْعيًّا باتفاق.
(
ويَرْجِعُ) استحباباً كما قال القُدُورِيّ، ووجوباً في الأصحّ، عملاً بحقيقة الأمر، ودفعاً للمعصية بالقدر الممكن، ودفعاً للضَّرر عن المرأة بتطويل العِدَّة (إنْ طَلَّقَ في الحَيْضِ فَإِذَا طَهُرَتْ طَلَّقَ إنْ شَاءَ) هكذا ذكره الطَّحَاوِيّ: أنّه يطلّقها في الطهر الذي يلي الحَيْضَة التي طلقها فيها. وذكر محمد في «الأصل»: أنها إذا طَهُرَت من حيضةً أخرى يطلَّقها قبل الجماع إن شاء.
قال الكَرْخيّ: ما ذكره الطَّحاوي قول أبي حنيفة، وما في «الأصل» قولهما.

وجه ما ذكره الطَّحَاويّ ما رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنَّسائي، وابن ماجه، وأحمد، والطَّحاويّ عن سالم، عن ابن عمر: أنه طلَّق امرأته وهي حائضٌ، فذكر ذلك عمر للنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «مُرْه فلْيُرَاجِعْهَا، ثم ليُطَلِّقْهَا إذا طَهُرَت، أو وهي حاملٌ». قال الطحاوي: أكثر الروايات عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم أمره أن يراجعها حتى تطهر.
ووجه ما في «الأصل» ما في الكتب الستة، عن ابن عمر: أنه طلَّق امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «مُرْهُ فليُرَاجِعْها ثم ليُمْسِكْهَا حتى تَطْهُر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أنْ يطلقها فليطلِّقها طاهراً قبل أن يَمَسَّها، فتلك العدّة التي أمر الله». أي في قوله: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}.

وفي لفظ في «الصحيحين» قال: طَلَّقتُ امرأتي وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «مُره فَلْيُرَاجِعْها حتى تحيض حيضة مُسْتَقْبَلَةً سوى حيضتها التي طلّقها فيها، فإن بدا له أن يطلَّقَها طاهراً من حيضها قبل أن يَمَسَّها، فذلك الطَّلاق للعدّة كما أمر الله».

(وطَلاَقُ الحُرَّةِ ثَلاَثَةٌ والأمةِ ثِنْتَانِ، وَلَوْ) كان (زَوْجُهُمَا خِلاَفَهُمَا) بأن كان زوج الحرّة عبدًا، وزوج الأمة حراً، فعندنا يُعْتَبَرُ عدد الطَّلاق بالنِّساء، وهو قول الثَّوْرِيّ وأحمد وإسحاق، وهو مروي عن عليّ ابن مسعود. وعند مالك والشافعيّ بالرِّجال لِمَا روى مالك في «الموطأ»، والشافعيّ في «مسنده» عنه عن أبي الزِّناد، عن سليمان بن يَسَار، أنَّ نُفَيعاً مُكَاتباً كان لأمِّ سَلَمَة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم أو عبداً ـ أي غير مُكَاتَب ـ كانت تحته امرأةٌ حرّةٌ فطلَّقها ثنتين، ثم أراد أن يُرَاجِعَها، فأمره أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يأتي عثمان بن عفَّان فيسأله عن ذلك، فلقيه عند الدَّرَج آخذاً بيد زيد بن ثابت، فسألهما فابتدراه جميعاً فقالا: حَرُمَتْ عليك، حَرُمَتْ عليك.
وروى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن عثمان، وزيد بن ثابت، وابن عباس أنهم قالوا: الطَّلاق بالرِّجال، والعِدَّة بالنِّساء. وقد يُؤَوَّل على تقدير ثبوته مرفوعاً أن إيقاعه بالرِّجال دون عدده. وأمَّا ما ذكره صاحب «الهداية» من قوله صلى الله عليه وسلم «الطلاق بالرِّجال، والعدَّة بالنِّساء». فرفعه غير معروف.
ولنا إطلاق ما روى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «طلاق الأمة تطليقتان وعدّتها حيضتان». وفي رواية: «قرآن». ورواه ابن ماجه من حديث ابن عمر، والحاكم من حديث ابن عبّاس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وكذا الدَّارَقُطْنِيّ، وقال الترمذي: حديث غريب والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم. ووجه غرابته قوله: لا نعرفه مرفوعاً إلاّ من حديث مُظَاهِر بن أَسْلَم، ولا نعرف له في العلم غير هذا الحديث.

قلنا: أخرج له ابن عديّ في «الكامل» حديثاً آخر رواه عن المَقْبُرِيّ، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ عشر آيات في كل ليلة من آخر آل عمران.
فإن قيل: قد ضعَّفه ابن مَعين، وأبو حاتم، والبُخَارِيّ. قلنا: قد وثَّقه ابن حِبَّان، وأخرج الحاكم حديثه هذا عن القاسم، عن ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم «طلاق الأمة ثنتان ، وقرؤها حيضتان». ثم قال: مُظَاهِر بن أَسْلَم شيخٌ من أهل البَصْرَة لم يذكره أحدٌ من متقدمي مشايخنا بجرحٍ. فإذاً الحديث صحيح، ولم يخرجاه. ومما يصححه أيضاً عمل العلماء على وَفْقِه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم.

وفي «سنن الدَّارَقُطْنِيّ»: قال القاسم: عَمِل بها المسلمون، وهذا إجماعٌ. وقال مالك: شهرة الحديث بالمدينة تُغْنِي صحة سنده، كذا ذكره الزَّيْلَعِيّ في «شرح الكَنْز». فإن قيل: المراد بالحديث الأمة التي تحت العبد. أُجِيبَ عدّة الأمة لا تختلف بالحرّ والعبد؛ فالتقييد في حقّ الطَّلاق يوجب التقييد في حقّ العدّة، ولم يقل به أحدٌ فكان باطلاً. وأمّا ما روى الشافعيّ عن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عن محمد بن عبد الرَّحمن ـ مولى أبي طلحة ـ عن سليمان بن يَسَار، عن عبد الله بن عُيَيْنَة، عن عمر قال: ينكح العبد امرأتين ويطلِّق تطليقتين، وتعتد الأمة حيضتين. فليس من أدلتنا كما توهّمه الشارح على ما لا يخفى. نعم، في قوله: وتعتدّ الأمة حيضتين استدلالٌ لنا.
وبيانه ما أفحم به عيسى بن أبَان بن صَدَقة الشافعيّ فقال: أيها الفقيه إذا ملك الحرّ على الأمة ثلاث تطليقات كيف يطلِّقها للسُّنَّة؟ فقال: يوقع عليها واحدةً، فإذا حاضت وطَهُرَت أوقع أخرى، فلمَّا أراد أن يقول: فإذا حاضت وطَهُرَت، قال: أمسِك حَسْبُك، فإنّ عدّتها قد انقضت بالحيضتين، فلمَّا تحيّر رجع فقال: ليس في الجمع بِدْعَة ولا في التَّفريق سُنَّة.

(وصَرِيحُهُ) أي صريح الطَّلاق (مَا اسْتُعْمِلَ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ مِثْلُ: أَنْتِ طَالِقٌ وَمُطَلَّقَةٌ) بتشديد اللاّم المفتوحة (وطَلَّقْتُكِ) ولا يحتاج إلى نيّة الطَّلاق عن النِّكاح بإجماع الفقهاء إلاّ داود. فلو نوى بشيءٍ من ذلك الطَّلاق عن القيد لا يُصَدّقُ قضاءً، لأنه خلاف الظّاهر، ويُصَدّقُ ديانةً لاحتمال كلامه ذلك.
(
وتَقَعُ بِهِ) أي بالصّريح واحدة (رَجْعِيَّةً أبَدَاً) سواء لم ينوِ شيئاً أو نوى واحدةً بائنةً، أو أكثر.
أمّا وقوع الرَّجْعَةِ بالصَّريح فلقوله تعالى: {الطَّلاَقُ مَرْتَانِ فإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بإحْسَانٍ} فأثبت الرَّجْعَةَ بعد الطَّلاق الصَّريح. وأمّا عدم احتماله نيّة الثِّنْتَيْنِ والثَّلاث، فلأنه صلى الله عليه وسلم أمر ابن عمر أنْ يراجع امرأته، ولم يستفسره أنه نوى الثَّلاث أم لا، ولو كان الصّريح يحتمل النِّيَّة لاستفسره.
وقال مالك والشافعيّ وزُفَر: يحتمل الصَّريح النِّيَّة لأنه أقوى من الكِتَابَة، وهي تحتملها فكذا هو، ـ وهو قول أبي حنيفة الأوَّل ـ، لأنه إذا صَحَّ نيّة الثَّلاث في قوله: أنتِ بائنٌ، فلأن يصح في قوله: أنتِ طَالِقٌ أوْلَى.

ولنا أنّه نوى ما لا يحتمله لفظه، فلا يُعْمَل بنيّته فتُلْغَى، لأنه قصد باللفظ تجيز ما علَّقه الشَّرْع (بانقضاء العدة) عند وجوده بقوله تعالى: {إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}، والإجماع على ذلك، فيردّ عليه قصده لاستعجاله ما أخّره الشَّرْع.

(وَإنْ ذَكَرَ المَصْدَرَ) بأن قال: أنتِ الطَّلاق، أو أنتِ طالقٌ الطَّلاق، أو أنتِ طالقٌ طلاقاً أَو أَنت طلاقٌ، خلافاً للطَّحاوي في هذه المسألة من حيثُ العددُ (فَثَلاَثٌ) للحرَّة (إنْ نَوَاهَا وإلاّ) أي وإن لم ينوِ الثَّلاث سواء لم ينوِ شيئاً أو نوى ثنتين (فَرَجْعِيَّة) أمّا وقوع الطَّلاق بالمصدر فلأنه يذكر بمعنى طالقٌ أو ذو طلاق، كعدل بمعنى عادل، أو ذو عدل، أو مبالغة كرجل عدل.
وأما صحة نية الثّلاث للحرّة دون الثنتين فلأنّ المصدر جنسٌ يقع على الواحد ويحتمل الكل، فإذا لم ينو شيئاً حُمِلَ على المتيقن منه، وهو الواحد الحقيقي، وإنْ نوى الثَّلاث صحَّت النِّية لأنها كل الطَّلاق، وهو واحد اعتباري، وإن نوى الثنتين لا يصح، لأنه عدد ليس بواحدٍ حقيقي ولا اعتباري إلاّ إذا كانت الزَّوجة أَمَةً، لأن الثنتين كل الطَّلاق في حقها كالثَّلاث في الحرّة. ولا يبعد أن يعتبر الثَّلاث، ويكون الثالث في حقها لغواً كما إذا قال لحرّة: أنتِ طالقٌ أربعاً.
(
وَصَحَّ إضَافَةُ الطَّلاَقِ إلَى كُلِّهَا) أي جملتها، كأنتِ طالقٌ (وإِلَى مَا) أي بعض منها (يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الكُلِّ كَرَأْسُكِ) هو بالرفع على الحكاية، أي كقوله: رأسك طالقٌ (أوْ رَقَبَتُكِ) وكذا عُنُقُكِ (أوْ رُوحُكِ) وكذا نفسك (أوْ وَجْهُكِ أوْ فَرْجُكِ) وكذا بدنك وجسدك، لأنّ الطَّلاق يقع بإضافته إلى كلها، فكذلك يقع بإضافته إِلى شيءٍ يُعَبَّرُ به عنه. أمَّا الرأس فإنه يقال: أعتق فلان كذا رأساً أي ذاتاً. وما دام رأسك سالماً أي ذاتك. وأمّا الرَّقبة والعُنُق فلقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} أي فتحريرُ مملوكٍ، وقوله تعالى: {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} وأريد به الذَّوات، ولو أريد بها حقيقة العنق لقيل: خاضعة. وأمَّا الرُّوح فلأنه يقال: هلكت روحه، ويراد به نفسه. وأمّا البدن والجسد والنفس فظاهر.

وأمَّا الوجه فلقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلاّ وَجْهَهُ}، وقوله سبحانه: {ويَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} أي ذاته الكريمة. وأمّا الفرج، فلما يُرْوَى: لعن الله الفروج على السُّروج، أي ذوات الفروج من النساء، كذا ذكره صاحب «الهداية»، وهو غير معروف بهذا اللفظ. وقد روى أحمد عن ابن عباس: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذوات الفروج أنْ يركبن على السُّروج».

(
وَ) صحّ إضافة الطَّلاق (إلَى جُزْءٍ) من المرأة (شَائِعٍ كَنِصْفُكِ) أو ربعك، أو ثلثك، أو جزء من ألف جزءٍ منك، لأن المرأة لا تحتمل التجزىء في حكم الطَّلاق، وذِكْر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله (لاَ إلَى اليَدِ) أي لا يصحّ إضافة الطَّلاق إلى جزء غير شائعٍ لا يُعَبَّرُ به عن الكلّ كاليد. فإن قيل: اليد يُعَبَّرُ بها عن الكلّ قال تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أبي لَهَبٍ} أي نفسه {وذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} أي أنفسكم. أُجِيبَ بأنَّه غير متعارف حتى لو كان متعارفاً عند قومٍ هو أو أي عضوٍ كان، يقع الطَّلاق. (وَ) لا إلى (الرِّجْلِ) وكذا الدُبُر.
(
وَ) لا إلى (الظَّهْرِ، وَ) لا إلى (البَطْنِ) في الأظهر فيهما وقال بعض المشايخ: يصحّ إضافة الطّلاق إليهما. وقال زُفَرُ ـ وهو قول مالك والشافعيّ ـ: يصحّ إضافته إلى ذلك كله. وعلى هذا الخلاف العَتَاق والظِّهَار والإيلاء والعفو عن القصاص. لهم: أنّ الجزء المعين مُستمتَع به بعد النِّكاح، فتصحّ إضافة الطَّلاق إليه، كالجزء الشائع، والجزء الذي يُعَبرُ به عن جميع البدن. ولنا: أنّه إضافة الطَّلاق إلى غير محله فلا يقع، كما لو (أضاف إلى البزاق أو الظُّفْر. ولهذا لو أضاف النِّكاح إلى اليد لا ينعقد، ولو أضافه إلى جزء) يُعَبَّرُ به عن الكلّ، ينعقد.

(وبَعْضُ الطَّلْقَةِ طَلَقَةٌ) لأنّ ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كلّه، صيانةً لكلام العاقل عن الإلغاء (وَاثْنَانِ في اثْنَيْنِ اثْنَانِ) سواء نوى الظرف أو الضَّرب. وقال زُفَر والحسن بن زياد: إن نوى الضَّرب يقع ثلاثاً لعرف الحساب، وهو قول مالك والشافعيّ. (وتَصحُّ نِيَّةُ «مَع») ونِيّة الواو، ويقع الثَّلاث دخل بها أو لم يدخل، لأن كلمة «في» تأتي بمعنى مع كقوله تعالى: {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي}، قال بعض أهل التأويل: أي مع عبادي، وقوله سبحانه: {وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الجَنَّةِ} ولأنّ الظّرف يقارن المظروف ويتصل به، كما أن المعطوف يقارن المعطوف عليه ويتصل به، وفيه تشديد عليه فتصحّ نيّته.
(
وابْتِدَاءُ الغَايَةِ يَدْخُلُ) في الطَّلاق والإقرار عند أبي حنيفة (لا انْتِهَاؤُهَا)، وقال أبو يوسف ومحمد: يدخل ابتداؤها وانتهاؤها. وقال زُفَر: لا يدخل ابتداؤها ولا انتهاؤها. (ومَا بَيْنَ) إذَا ذُكِرَ بعدها غاية (كَـ: مِنْ) في ابتداء الغاية. قيّدنا بما تقدّم، لأنه لو قال: أنتِ طالقٌ ما بين واحدة وثلاث يقع واحدة، يُرْوَى ذلك عن أبي يوسف.

لزُفَر أنه لو قال: بعتك من هذا الحائط إلى هذا الحائط، لا يدخل الحائطان فكذا ههنا. ولهما: أنّ مثل هذا الكلام يراد به الكل، نحو: خذ من مالي من درهم إلى مئةٍ. ولأبي حنيفة: أنه يُرَاد به الأكثر من الأقل، والأقل من الأكثر. يعني أنه متجاوز عن الأقل، ولم يصل إلى الأكثر نحو: سنِّي من ستين إلى سبعين، أو ما بين ستين إلى سبعين. ورُوِيَ أنّ أبا حنيفة رَضِيَ الله تعالى عنه قال لزُفَر: كم سنّك؟ فقال: سنِّي ما بين ستين إلى سبعين. قال: فأنت إذاً ابن تسعٍ فتحَيَّر.

فلو قال: أنتِ طالقٌ من واحدة إلى ثنتين، أو ما بين واحدة إلى ثنتين، يقع واحدةٌ عند أبي حنيفة، وثنتان عندهما، ولا يقع شيءٌ عند زُفَر. ولو قال: من واحدةٍ، أو ما بين واحدةٍ إلى ثلاث، يقع ثنتان عند أبي حنيفة ـ وإن نوى واحدة صُدِّق ديانة لا قضاء ـ وثلاثٌ عندهما، وواحدةٌ عند زُفَر.
(
وأنْتِ طَالِقٌ في مَكَّةَ) أو بمكة، أو في الدَّار، وإن لم يكن في مكة ولا الدَّار، وكذا في الشَّمس والظلّ، وفي ثوب كذا، وكذا إِذا قال: أنتِ طالقٌ مريضة (تَنْجِيزٌ) أي تطليقٌ في الحال، لأنّ الطّلاق لا اختصاص له بمكانٍ أو ظرفٍ أو وصفٍ دون آخر، لأن المطلّقة في مكانٍ أو ظرفٍ أو وصفٍ مطلّقة في غيره. ولو قال: أردت في دخولك مكة مثلاً، صدق ديانةً لا قضاءً.
ومعنى قولهم صُدِّق ديانةً: أنه لو استَفتى المفتي يُفْتَى على وَفْق ما نوى. ومعنى قولهم: لا يصدق قضاء: أنه لو رُفِعَ إلى القاضي يَحْكُمُ عليه بظاهر كلامه ولا يعلتفت إلى ما نوى لمكان التّهمة.
(
وفي دُخُولِكِ مَكَّةَ) كما إذا دخلت مكة، وفي لُبْسِك ثوباً كذا، أو في مرضك أو في صلاتك (تَعْلِيقٌ) فلا تطلق حتى يوجد ذلك الفعل. لأنّ كلمة «في» تدخل على الظَّرف، والفعل هنا ـ وهو الطَّلاق ـ غير صالح للظرفية، فيحمل على المصاحبة كما في قوله تعالى: {فادْخُلِي في عِبَادِي}، أو على معنى الشّرط مجازاً لمناسبة بينهما، وهي أنّ الظَّرف سابقٌ على المظروف، كما أنّ الشرط سابقٌ على المشروط. ولو قال: أنتِ طالقٌ إلى الشّتاء، أو إلى رأس الشهر، يقع في الحال عند أبي يوسف، وفي انتهاء الشّتاء أو الشهر عندهما. وإنْ نوى التنجيز يقع في الحال اتفاقاً.

(وَيَقَعُ) الطّلاق (عِنْدَ الفَجْرِ في: أنْتِ طَالِقٌ غَداً أوْ في غَدٍ) لأنه وصفها بالطّلاق بالغد، فيقع في أول جزءٍ منه، وهو طلوع الفجر من اليوم الثَّاني، وهو قول الشافعيّ. وقال مالك: يقع في الحال اعتباراً له بإضافته إلى المكان. قلنا: اعتباره بالشرط أولى لكونه معدوماً في الحال، ويوجد في المآل.

(
ولا تَصِحُّ) عند أبي حنيفة (نِيَّةُ العَصْرِ) مثلاً (في الثَّانِي فَقَطْ) وعندهما: لا تصحّ في الثّاني كما لا تصح في الأوَّل، وهذا في القضاء. وأمّا في الديانة فتصحّ نيّة العصر في المسألتين عند الجميع. ولأبي حنيفة أنّ غداً يقتضي الاستيعاب نحو: لأصُومَنّ عمري ودهري، وسرت فَرْسَخاً وانتظرت يوماً، فإذا نوى البعض كان مجازاً، فلا يُصَدَّق قضاءً إذا كان فيه تخفيف له، وفي غدٍ لا يقتضي الاستيعاب نحو: لأصومنّ في عمري وفي دهري، وسرت في فَرْسَخ، وانتظرت في يومٍ. وإنما وقع الطَّلاق في الجزء الأوّل لضرورة عدم المُزَاحِم، فإذا عُيِّنَ آخر النّهار كان التعيين القصديّ أولى من الضروريّ.
وفي «الأصل»: ولو قال: أنتِ طالقٌ في رمضان، تطلق حين تغيب الشمس من آخر يوم من شعبان، لأنه حينئذٍ يوجد الجزء الأوَّل من رمضان. ولو نوى آخر رمضان، فهو على الخلاف المتقدِّم.
(
ويَقَعُ) الطّلاق (الآنَ) أي في الحال (في: أَنْتِ طَالِقٌ أمْسِ) إن نكح فيه أو قبله، لأنه أضاف الطَّلاق في الحال مستنداً إلى أمس، وهو يملك الطّلاق في الحال، ولا يملك الاستناد إلى أمس، فيقع ما يملكه، ويلغو ما لا يملكه. (وإنْ نَكَحَ بَعْدَهُ) أي بعد أمس (فَلَغْوٌ) لأنه أسند الطّلاق إلى زمانٍ لا يملك فيه إيقاعه، فلا يقع. كما لو قال: أنتِ طالقٌ قبل أنْ أتزوّجك، أو قبل أن تولدي، أو وأنا صبيٌّ، أو نائمٌ.

وفي «الجامع الكبير»: ولو قال: أنتِ طَالِقٌ قبل أنّ أتزوّجك إذا تزوّجتك، أو أنتِ طالقٌ إذا تزوّجتك قبل أن أتزوّجك، يقع الطّلاق عند وجود التزوّج بالاتفاق. ولو قال: إذا تزوّجتك فأنتِ طالقٌ قبل أنْ أتزوّجك، لا يقع الطّلاق عند أبي حنيفة ومحمد، ويقع عند أبي يوسف، لأن الطّلاق إذا أُضِيفَ إلى وقتين أحدهما يقبله والآخر لا يقبله، (صحّ ما يقبله) وبطل ما لا يقبله. ولهما: أنّ ذكر الفاء رجَّح جهة الشرطية، والمعلّق بالشرط كالمنجز عند وجوده، فصار كأنه قال: عند التزوّج أنتِ طالقٌ قبل أن أتزوّجك، فلا يقع.
(
ويَقَعُ) الطّلاق (آخِرَ العُمُرِ) أي في آخر عمر الزّوج أو الزّوجة بأن يبقى منه ما لا يسع صيغة التطليق (في: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ) لأنّه جعل الشّرط عدم الطّلاق، وهو لا يتحقق إلا باليأس من الحياة، ثم إن مات الزّوج لها الميراث إن كان مدخولاً بها، رجعياً كان الطّلاق أو بائناً، ولا ميراث لها إن كانت غير مدخول بها. وهي مسألة الفارِّ. وإن ماتت هي لا يرثها الزّوج إن كان قبل الدّخول أَو كان ثلاثاً.

(
ويَقَعُ) الطّلاق (حَالاً في:) أنتِ طالقٌ (مَتَى لَمْ أُطَلِّقْكِ) أو متى ما لم أطلِّقك (وسَكَتَ)، لأنّه أضاف الطّلاق إلى زمانٍ خالٍ عن التطليق، وقد وُجْدَ. وكذا يقع حالاً في: أنْتِ طَالِقٌ ما لم أطلّقك، لأن كلمة «ما» تكون للوقت كقوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام {مَا دُمْتُ حَيًّا} والشّرط كقوله تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكُ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} وهي هنا للوقت، لأن التطليق لا بد له من الوقت.

ولو قال: حين لم أطلِّقك أو زمان لم أطلِّقك، أو حيث لم أطلقَك، ولا نيّة له وسكت، يقع حالاً. ولو قال: زمان لا أطلّقك، أو حين لا أطلّقك لم تطلق حتى يمضي ستة أشهر. لأن كلمة «لم» لقلب المضارع إلى الماضي ونفيه، فإذا سكت وُجِدَ زمانٌ لم يطلّقها فيه. وكلمة «حيث» اسم للمكان، وكم من مكانٍ لم يطلقها فيه فوُجِدَ الشرط. وكلمة «لا» للاستقبال، فلا تقع للحال.
وإنّما قدّرنا بستة أشهرٍ لأنّه أوسط استعمال الحين، لأنه استعمل في الساعة، كقوله تعالى: {حِينَ تُمْسُونَ}، وفي ستةِ أشهرٍ كقوله تعالى: {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حينٍ}، وفي أَربعين سنة، كقوله تعالى: {حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ} فيما رُويَ عن ابن عباس. والزّمان كالحين لأنهما في الاستعمال سواء. وإنما قال: وسكت، لأنه لو لم يسكت بل قال: أنتِ طالقٌ موصولاً بقوله: أنتِ طالقٌ متى لم أطلّقك، فإنه لا يقع بقوله: أنت طالقٌ متى لم أطلّق شيءٌ، وإنما يقع بالموصول به وهو أنت طالقٌ.
وقال زُفَر: يقع في هذه الصورة تطليقتان. وفيما لو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً ما لم أطلّقك أنتِ طالقٌ، يقع ثلاثاً، لأنه أضاف الطّلاق إلى زمانٍ خالٍ عنه، وقد وُجِدَ زمانٌ لطيفٌ، وهو وقت قوله: أنتِ طالقٌ قبل أن يفرغ منه. ولنا: وهو وجه الاستحسان أنّ قوله أنتِ طالقٌ هو زمان البِرِّ، وزمان البرِّ لا يدخل في اليمين. ويوضّحه: أن البرَّ مراد الحالف، ولا يتأتى له البرُّ إلا بعد أنْ يجعل هذا القدر مستثنى، وما لا يستطيع الامتناع عنه يجعل عفواً. وأصل المسألة فيما إذا قال: إنْ ركبت هذه الدابة وهو راكبها، فأخذ في النُّزول في الحال، حيث لا يحنَث عندهم، ويحنَث عند زُفَر.

(وفي إِذَا) بأنْ قال: أنتِ طالِقٌ إذا لم أطلّقك، أو إذا ما لم أطلّقك (يُنَوَّى) بتشديد الواو المفتوحة، أي يُسْأَلُ عن نيّته ويعمل بما في طويته، فإن قال: نويت الظّرف ـ وهو الوقت ـ يقع الطّلاق في الحال، وإنْ قال: نويت الشَّرط يقع في آخر العُمُر، لأن لفظ «إذا» يحتملهما لاستعماله فيهما. (فإنْ لَمْ يَنْوِ) شيئاً (فَكَـ: «إِنْ» عِنْدَ أبي حَنِيفَةَ) لا يَقَعُ الطّلاق إلا آخر العُمُر. وبه قال الشافعيّ، وفي قول أحمد. وكـ: متى عند أبي يوسف ومحمد، فيقع الطّلاق حين سكت، وبه قال مالك، والشافعيّ في الأصحّ، وأحمد في رواية. لأن كلمة «إذا» لا تكون شرطاً إلا في الشّعر كما هو مذهب البصريين من النحاة، ومنه قول القائل:

*
واسْتَغْنِ مَا أَغْنَاكَ رَبُّكَ بالغِنَى ** وَإذَا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجمَّلِ
ولهذا لو قال: إذا شئتِ فأنتِ طالقٌ، لا يخرج الأمر من يدها بالقيام عن المجلس، كما لو قال: متى شئتِ، بخلاف إن شئتِ. ولأبي حنيفة أَنّ «إذا» قد تكون للشرط كما هو مذهب الكوفيين، فإذا كانت هنا للشرط لا تطلق المرأة في الحال، وإن كانت للوقت تطلق فيه. فوقع الشّك في الطّلاق في الحال، فلا تطلق فيه. وإنما لم يخرج الأمر من يدها بالقيام من المجلس في قوله: إذا شئتِ، لأن الأمر صار في يدها بيقين، فلا يخرج بالشكّ.

(واليَوْمُ للنَّهَارِ) وهو من طلوع الشَّمس إلى الغروب، وهذا هو المعنى العُرْفِيّ. وأمّا الشَّرعيّ فهو من طلوع الصبح الصادق إلى غروب جِرْم الشّمس، وكل منهما حقيقيّ. ومعناه المجازي هو مطلق الوقت. (مَعَ فِعْلٍ مُمْتَدَ)، وفي نسخة: يمتدّ. وهو ما يقبل التوقيت (كأَمْرُكِ بِيَدِكِ يَوْمَ يَقْدَمُ زَيْدٌ) فإن الأمر باليد ممتدٌّ لقَبوله التوقيت. وفي «شرح الوقاية»: أَنّ المراد بالامتداد امتدادٌ يمكن أنْ يستوعب النّهار لا مطلق الامتداد، لأنهم جعلوا التكلّم من قبيل غير الممتدّ، ولا شك أنّ التكلّم قد يمتدّ زماناً طويلاً، لكن لا يمتدّ بحيث يستوعب النّهار.
(
ولِلْوَقْتِ المُطْلَقِ مَعَ فِعْلٍ لا يمتدّ، كَأَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ زَيْدُ) لأنّ اليوم يطلق ويُرَاد به النّهار، كما في قوله تعالى: {إذَا نُودِيَ للصَّلاَةِ مَنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ} ويطلق ويُرَاد به الوقت كما في قوله تعالى: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} بدليل أنّ من فرّ من الزحف ليلاً أو نهاراً يستحق الوعيد، وكما في قول الشاعر:
*
*
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا
يُرَادُ مُطْلَقُ الوقت، ومنه قوله تعالى: {وتلْكَ الأَيَامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} فيحمل مع الفعل الممتدّ كالصّوم والسّير والرّكوب وتخيير المرأة على النّهار، ومع غير الممتدّ كالطَّلاق والعَتاق على مطلق الوقت رعايةً للمناسبة واستعمال العرف. وهذا التفصيل إذا لم يكن له نيّة. أمّا لو قال في غير الممتدّ: شئت النّهار، فإنه يصدق قضاءً، لأنه نوى حقيقة كلامه فيصدق وإن كان فيه تخفيف على نفسه.

قيّد باليوم لأن النّهار لا يكون إلاّ للبياض خاصّةً، والليلَ لا يكون إلاّ للسّواد خاصّةً، سواء كان الفعل ممتدًّا أو غير ممتدّ. واختلفت عباراتهم فيما إذا اعْتُبِرَ الامتداد وعدمه: فمنهم من يعتبره في المضاف إليه اليوم، لأنّ المضاف يحصل له التعريف والاختصاص من المضاف إليه، وهو مختار فخر الإسلام والصّدر الشهيد والعَتَّابيّ حيث اعتبروه في الشرط. ومنهم من يعتبره في الجواب والجزاء، لأنه هو العامل فيه. وفي «شرح الكَنْزِ»: والأوجه أنْ يعتبره الممتدّ منهما، وعليه مسائلهم.

(
وفي أنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً لِغَيْرِ المَدْخُولَةِ يَقَعْنَ) وهو قول عمر وعليّ وابن عباس وأبي هريرة وجمهور العلماء. وقال الحسن البصريّ وعطاء وجابر بن زيد: تقع واحدةً، لأنها تبين بقوله: أنتِ طالقٌ لا إلى عدّة، فيصادفها قوله ثلاثاً وهي بائنٌ فلا يقع به شيءٌ، وصار كقوله أنت طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ. ولنا أنّ الثلاث صفة للطّلاق الذي أوقعه، والموصوف لا يوجد بدون صفته، فصار الكلام واحداً، وصار كقوله: أوقعت عليكِ ثلاث تطليقات.
(
وبالْعَطْفِ) نحو: أنتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ، أو بالتكرير من غير عطفٍ نحو: أنتِ طالقٌ طالقٌ طالقٌ (تَبِينُ بالأوَّلِ) وكانت الثنتان فيما لا يملك، وهو قول عليّ وابن مسعود وزيد وإبراهيم. وقال ابن (أبي) ليلى: إذا كان في مجلسٍ واحدٍ يقع ثلاث تطليقات، لأن المجلس الواحد يجمع الكلمات المتفرقة ويجعلها واحداً. وقال مالك، والشّافعيّ في القديم، والأوزاعيّ، واللّيث بن سعد: تطلق ثلاثاً. وقال أحمد: إنْ ذكر بالواو تطلق ثلاثاً وإلاّ تبين بالأوَّل، لأن المذكور بحرف الجمع كالمذكور بلفظ الجمع. ولهم: أنّ المجلس واحدٌ وهو يجمع المتفرقات، فيقع الثلاث.

ولنا: أنّ الواو لمطلق العطف وليس في آخر الكلام ما يغيّر أوّله من شرط أو استثناء وكان كل واحد إيقاعاً على حدة، فتَبِين بالأوَّل، ولم تبق محلاً للثَّانِي لأنها غير معتدّة.
(
كَمَا) تَبِين بالأوّل (لَوْ عَلَّقَ وَقَدَّمَ الشَّرْطَ) بأن قال لغير المدخول بها: إن دخلتِ الدّار فأنتِ طالقٌ واحدةً وواحدةً وواحدةً، أو فأنتِ طالقٌ طالقٌ طالقٌ، فإنه يقع بدخولها طلقة واحدة، وهذا عند أبي حنيفة وهو وجه في مذهب الشَّافعِيّ. وقال أبو يوسف ومحمد ومالك وأحمد وربيعة والليث بن سعد وابن أبي ليلى والقاضي أبو الطَّيب ـ من أصحاب الشافعي ـ: يقع الكل.
(
ويَقَعُ الكُلُّ إنْ أُخِّرَ الشَّرْطُ) لأنّ آخر الكلام إذا كان فيه ما يغيّر أوله كالشرط، توقف أوّل الكلام على آخره، ولم يكن فيه تعاقب في التعليق، فلا يكون فيه تعاقب في الوقوع، وهذا إذا كان تكرار بدون عاطفٍ أو كان العاطف الواو.
وأمّا إذا كان الفاء فقال الكَرْخِيّ والطَّحَاوِيّ: أنّه كالواو. ويقع مع تقديم الشّرط واحدةٌ عند أبي حنيفة والكُلُّ عند أبي يوسف ومحمد.
وقال الفقيه أبو اللّيث في «مختلفه»: يقع واحدة بالاتفاق، لأنّ الفاء للتعقيب وموجبه الترتيب، فيصادفها الثَّانية وهي أجنبية ، وهو الصحيح. ولو كان العاطف «ثُمّ» فإنْ كان الشّرط مقدماً ففي المدخول بها تعلَّقت الأولى، ووقعت الثّانية والثّالثة، وفي غيرها تعلّقت الأولى ووقعت الثّانية ولَغَا الثّالثة. وإن كان الشرط مؤخّراً وهي مدخول بها وقعت الأولى والثانية في الحال، وتعلّقت الثّالثة. وإن كان غير مدخول بها وقعت الأولى في الحال ولَغَا ما سواها، وهذا كلُّه عند أبي حنيفة.

وقال أبو يوسف ومحمد ومالك والشافعيّ وأحمد: يتعلق الثَّلاث بالشّرط، سواء تقدّم أو تأخّر، وقد دخل بها أو لم يدخل. وعند وجود الشَّرط إنْ كانت مدخولة يقع ثلاث وإلا واحدة.

(وفي أنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْل واحدةٍ أَوْ بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ، يَقَعُ وَاحِدَةٌ في غَيْرِ المَوْطُوءَةِ، وفي المَوْطُوءَةِ) أي المدخول بها (ثِنْتَانِ) لبقاء المحلّيّة فيها بعد وقوع الأولى، بخلاف غير المدخول بها. (وفي قَبْلِهَا) موطوءة كانت أو غير موطوءة بأن قال: أنتِ طالقٌ واحدةً قبلها واحدةٌ، (وَ) في (بَعْد) بأنْ قال: أنتِ طالقٌ واحدةً بعد واحدةٍ، (وَ) في (مَعَهَا وَ) في (مَعَ) بأنْ قال: أنتِ طالقٌ واحدةً معها واحدةٌ، أو أنتِ طالقٌ واحدةً مع واحدةٍ يقع (اثْنَانِ) أمّا وقوع اثنين في الموطوءة وغيرها بكلمة «مع» فلأنّها موضوعة للقَرْنِ.
وأمّا وقوع واحدة في غير الموطوءة وثنتين في الموطوءة بكلمة «قبل» إذا أضيفت إلى ظاهرٍ، وبكلمة «بعد» إذا أضيفت إلى (ضميرٍ، ووقوع ثنتين في الموطوءة وفي غيرها بكلمة «قبل» إذا أضيفت إلى ضميرٍ، وبكلمة «بعد» إذا أضيفت إلى ظاهرٍ،) فلأنّ كلمة «قبل» و«بعد» إذا أُضِيفَتَا إلى ضميرٍ كانتا في المعنى صفةً لِمَا بعدهما، وإذا أُضِيفَتَا إلى ظاهرٍ كانتا في المعنى صفةً لِمَا قبلهما. فإذا قال: أنتِ طالقٌ واحدةً قبل واحدةٍ كانت القبليّة صفةً للواحدة الأولى (فتبين بها)، وغير الموطوءة لم تبق محلاً للثانية، بخلاف الموطوءة فيقعان فيها.
وإذا قال: أنتِ طالقٌ واحدةً بَعدها واحدةٌ كانت البعديّة صفةً للواحدة الثَّانية، فتبين غيرُ الموطوءة بالأولى، ولم تصر محلاً للثانية، بخلاف الموطوءة فيقعان فيها. وإذا قال: أنتِ طالقٌ واحدةً قبلها واحدةٌ كانت القبلية صفةً للواحدة الثّانية، وليس في وُسْعه تقديمها على الأولى، وفي وسعه إيقاعها في الحال، فيقع ما في وسعه، فيقع ثنتان. وإذا قال: أنتِ طالقٌ واحدةً بعد واحدةٍ كانت البعدية صفة للواحدة الأولى فيقتضي الكلام وقوعها بعد الثّانية، وليس في وسعه ذلك فيقعان جميعًا.

ومذهب مالك كمذهبنا، ومذهب الشافعيّ في «قبل» مع الضمير وجهان: أحدهما أنه لا يقع شيءٌ، والثّاني أنه يقع واحدة، وفي الثلاث صور الأُخَر يقع واحدة.
(
وإنّ أَشارَ بالأصْبَعِ) أي ببطون الأصابع إلى عدد الطَّلاق (يُعْتَبَرُ عَدُّ المَنْشُورَةِ) ولا يصدق قضاءً في نيّة المضمومة (وإنْ أَشَارَ بِظُهُورِهَا) بأنْ جعل ظهر الأصابع إلى المرأة وبطنَها إلى نفسه (فَالمَضْمُومَةُ) معتبرةٌ وإن كان في الأصل أنْ تقع الإشارة بالمنشورة، هكذا ذكر شمس الأئمة في «شرح الكافي» عن بعض المتأخرين.

والمذكور في «الظَّهِيرِيّة» وسائر الكتب: أنّ المعتبر المنشورة مطلقاً، حتى لو قال: عَنَيتُ المضمومة لا يُصَدَّقُ قضاءً. ومما يدلّ على اعتبار عدد المنشورة مطلقاً ما رَوَى البُخَارِي ومسلم من حديث جَبَلَة بن سُحَيم أنه قال: سمعت ابن عمر يقول: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم «الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا» وخنَس الإبهام في الثالثة. ولولا اعتبارُ عدد المنشورة لكان الشهر إحدى وعشرين يوماً لا تسعة وعشرين يوماً.

(وإنْ وَصَفَ الطَّلاَقَ بالشِّدّةِ) بأنْ قال: أنتِ طالقٌ بائِنٌ أو البَتَّةُ، أو أشدَ الطَّلاق، أو أَكبَره، أو أعظَمه، أو أسوأَه، أو أفحشَه، أو أخبثَه، أو طلاق الشّيطان، أو طلاق البدعة، أو ملءَ البيت (أو الطُّولِ أوْ العَرْضِ) أي بهما: بأن قال: أنتِ طالقٌ طلقةً طويلةً أو عريضةً، (أوْ شِبْهِهِ) أي الطّلاق (بِمَا يَدُلُّ عَلَى هَذا) أي على ما ذُكِرَ من الشِّدة أو الطُّولِ أو العرضِ، بأن قال: أنتِ طالقٌ كالجبلِ أو كألفٍ (فَثَلاَثٌ إنّ نَوَاهَا) أي الثَّلاث (وإلاَّ) أي وإنْ لم ينوِ شَيئاً أو نوى واحدةً أو ثنتين (فَبَائِنَةٌ) واحدة، لأنّ وصف الطّلاق بالشِّدَّة والطول والعرض وتشبيهَه بما يدلّ على ذلك إنّما هو اعتبار أثره، وذلك بكونه بائناً . والبينونة نوعان: خفيفة، وغليظة، فإذا نوى الغليظة صحَّت نيّته، وإذا نوى الثنتين لا تصحّ نِيَّتهما، لأن البينونة جنسٌ يحتمل الأقل والأكثر دون العدد، والثنتان عددٌ.
وقال مالك والشافعيّ وأحمد: إذا قال للمدخول بها: أنتِ طالقٌ بائنٌ يقع رجعياً. لأن قوله: أنتِ طالقٌ صريحٌ وهو رجعي وقوله بائنٌ تغيير له فيردُ عليه. ولنا: أنه وصف الطّلاق بما يحتمله فلا يكون تغييراً له بل تبييناً. وقال أبو يوسف ومحمد والشافعيّ وأحمد في أنتِ طالقٌ كالجبل: يقع رجعية، لأنه يحتمل التشبيه في الوحدة وفي العِظَم، وهو في الوحدة رجعيّة وفي العظم بائنة، فلا تقع البينونة بالشَّك.

ولأبي حنيفة أنّ التشبيه يقتضي زيادة، وذلك بالبينونة. ولو شبَّه الطَّلاق بعدد ما لا عدد له بأن قال: أنتِ طالقٌ كعدد الشمس، وكعدد التراب فهي بائنة في قول أبي حنيفة، لأنّ التشبيه يقتضي ضرباً من الزيادة، ولا يمكن حمله على الزيادة في العدد، فيحمل على الزيادة في الصفة. وقال أبو يوسف: رجعيّة، واختاره إمام الحرمين من الشافعية، لأنّ التشبيه بالعدد فيما لا عدد له لغوٌ فيبقى قوله: أنتِ طالقٌ، وبه يقع رجعيّة. وقال محمد والشافعيّ وأحمد: ثلاثٌ، لأنّ مثل هذا الكلام يراد به الكثرة.

(
وكِنَايَتُهُ) وهي لغةً: ضدّ التصريح، والمراد بها عند الفقهاء هنا (مَا يَحْتَمِلُهُ) أي لفظ يحتمل الطَّلاق (وغَيْرَهُ) فيفتقر إلى نيّة في حالة الرِّضا وعدم مذاكرة الطّلاق. وكذا الكتابة المستبينة في لوحٍ بمِدَاد أو في رملٍ ونحوه يحتاج إلى نيّة أو دلالة حال. واحترز بالمستبينة عن الكتابة في الماء والهواء والصخرة الصَّمَّاء ونحوها بلا مَدادٍ، فإنّه لا يقع به شيءٌ وإن نوى. فلو كتب رسالة على رسم الكتابة بأن كتب: أمّا بعد، يا فلانة إذا بلغك كتابي هذا، فأنتِ طالقٌ، فإنه يقع به الطَّلاق، ولا يصدق قضاءً في عدم النيّة، لدلالة الحال في الكلّ.
(
فَنَحْو: اخْرُجِي، وَاذْهَبِي، وَقُومِي، يَحْتَمِلُ رَدًّا) لسؤال المرأة الطّلاق بأن يريد تبعيدها عن نفسه، وجواباً لسؤالها الطّلاق بأن يريد اخْرُجِي لأني طلَّقتك، وكذا البواقي (ونحو: خَلِيَّة بَرِيّة بَائِنٌ، بَتَّةٌ، حَرَامٌ، يَصْلُحُ سبًّا) للمرأة بأن يُرَاد خَلِيّةٌ من الخير، بَرِيَّةٌ عن الطاعة أو عن المحامد، وبائِنٌ عن الرُّشد والدين، وبَتَّةٌ عن الأخلاق الحسنة، لأن البين والبتّ بمعنى القطع، حرامٌ في الصحبة أو العِشْرة، ويصلح جواباً لسؤالها الطَّلاق: بأن يراد أنت خَلِيَّة لأني طلّقتك وكذا البواقي.

(ونَحْو: اعْتَدِّي، واسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ، أنْتِ وَاحِدَةٌ، أنتِ حُرَّةٌ، اخْتَارِي، أمْركِ بِيَدِكِ، وسَرَّحْتُكِ، وفَارَقْتُكِ، لا يحتملهما) أي الردّ لسؤال المرأة، والسَّبّ لها، وإنما يصلح جواباً لسؤالها ومعاني أُخَرَ.
(
فَفِي الرِّضَا) وهو أنْ لا يكون غضبٌ ولا مذاكرة طلاقٍ (يَتَوَقَّفُ الكُلُّ عَلَى النِيَّةِ) للاحتمال وعدم دلالة الحال (وَفِي الغَضَبِ) يتوقّف القسمان (الأَوَّلاَنِ) على النيّة لأن الأوَّلَ لَمّا احتمل الرَّدّ والثّاني السّبّ، وقع الشّك في الجواب، فلا تطلَّق إلا بالنيّة. (وَفِي مُذَاكَرَةِ الطَّلاَقِ) يتوقَّف (الأوَّلُ فَقَطْ) أي ولا يتوقف الأخيران.
أمّا توقف الأول فلأنه لَمّا احتمل الرَّدَّ والجواب، والرد أدْنى من الجواب لأن الرَّدّ دفعٌ والجواب رفعٌ، حُمِلَ عند عدم النِّيَّة على الرَّدِّ. وأمّا عدم توقف الآخرين فلأنّ الظاهر منهما عند مذاكرة الطَّلاق إرادته، فلا يتوقفان عندها على النِّيَّة. والقول قوله في تركها مع يمينه لأنها محتملة، فإن أنكر النِّيَّة في مذاكرة الطَّلاق لم يصدق قضاءً فيما يصلح منها جواباً فقط، ولا يصلح سبًّا ولا ردًّا، أو يصلح جواباً وسبًّا أيضاً، وصُدِّق فيما يصلح جواباً ورداً. وإن أنكرها في حال الغضب لم يصدق فيما يصلح جواباً فقط، ويصدق فيما عداه.

ولا يقع الطَّلاق بكنايتيْ التفويض وهما: اختاري نفسكِ، وأمركِ بيدكِ، إلاّ بإيقاعها بعد التفويض كما سيأتي في محله. وإنما ذُكِرَا مع الكِنَايَات ههنا لاحتمالهما تخييرها في نفسها بالإقامة على النِّكاح وعدمه، واحتمالهما تخييرها في غيره من نفقةٍ أو كِسْوةٍ. فإن اختارت نفسها وأنكر الزّوج قصد الطّلاق، كان القول له مع يمينه، إلاّ إذا كان بعد مذاكرة الطّلاق، أو في حال الغضب، فاختارت نفسها فإنه لا يصدق قضاءً.

(فإنْ نَوَى الثَّلاَثَ) بهذه الألفاظ من الكنايات كلها سوى ثلاثة ألفاظ تذكر بعد ذلك بمنزلة الاستثناء، وسوى لفظ اختاري كما سيأتي (يَقَعْنَ) الثلاث، (وإلاّ) أي وإن لم ينوِ الثَّلاث: بأن لم ينوِ شيئاً، أو نوى واحدة أو ثنتين (فَبَائِنَةٌ) أي فيقع واحدةٌ بائنةٌ. وقال مالك والشافعي وأحمد: يقع بها رجعيٌّ إن لم ينو الثَّلاث. والمسألة مختلفٌ فيها بين الصحابة، فقال عمر وابن مسعود: الواقع بها رجعيّ. رواه عبد الرَّزَّاق في «مصنفه»، ومحمد بن الحسن في «آثاره». وقال عليّ وزيد بن ثابت وعامة الصّحابة: الواقع بها بائنٌ. وإنّما لا تصحّ نيته اثنتين عندنا خلافاً لزُفَر، لأن معنى التوحيد مراعىً في ألفاظ الوُحْدَان وذلك بالفردية أو الجنسية، والمثنّى بمعزلٍ منهما.
(
وفي اعْتَدِّي) وهو قوله صلى الله عليه وسلم لسَوْدَة حين أراد أن يطلّقها: اعتدّي (واسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ) لأنه بمنزلة التفسير لِمَا قَبْلَهُ (وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ) يقع (رَجْعِيَّة) ولا فرق بين نصب الواحدة وعدمه، لأن العوام، بل بعض الفقهاء الكرام لا يفرِّقون بين وجوه الإعراب. وقال بعض المشايخ: إنْ نصبَ الواحدة تقع رجعيّة وإن لم ينوِ، لأنه نعتٌ لمصدر محذوف، وإنْ رفعها لا يقع شيءٌ وإن نوى، لأنه نعتٌ للمرأة، وإن سَكَّنَ يحتاج إلى النِّيَّة لاحتمال الأمرين. وقيل: يجوز الرفع لكونه نعتاً لطلقة، أي أنتِ تطليقة واحدة، ويجوز النَّصب لكونه نعتاً لمصدر آخر، أي أنتِ متكلمةٌ كلمةً واحدةً، فعلى هذا لا فرق بين الخواصّ والعوام.
(
ويَقَعُ) الطَّلاق البائن (بإسْنَادِ البَيْنُونَةِ والحُرْمَةِ إلَيْهِ) بأنْ قال: أنا منك بائنٌ، أو قال: أنا منك حرامٌ ونوى الطّلاق، كما يقع بإسنادهما إلى المرأة (لا الطَّلاَقِ) أي لا يقع بإسناد الطّلاق إليه شيءٌ بأن قال: أنا منكِ طالقٌ وإنْ نوى الطَّلاق، وهو قول أحمد. وقال مالك والشافعيّ: يقع الطَّلاق إذا نَوَاه.


وحجَّتنا في ذلك ما رُوِيَ أن امرأةً قالت لزوجها: لو كان إليّ ما إليك لرأيت ماذا أصنع؟ فقال: جعلت إليك ما إليّ، فقالت: طلَّقتك. فَرُفِعَ ذلك إلى ابن عباسٍ فقال: خَطَّأَ الله نَوَّاها، هلاّ قالت: طلّقت نفسي منك. ثم الطّلاق واقعٌ بِـ: لستِ بامرأتي، أو: لستُ زوجك، إنْ نوى الطَّلاق عند أبي حنيفة خلافاً لهما.
ويَلحقُ الطّلاقُ الصريح مثلَه: كـ: أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ، ويلحق البائنَ أيضاً: كـ:أنتِ بائنٌ أنت طالقٌ، ويلحق البائنُ الصريحَ: كـ: أنتِ طالقٌ أنتِ بائنٌ، ولا يلحق بائناً مثله: كـ: أنتِ بائنٌ أنتِ حرامٌ. وقد نظم بقوله:
*
وكُلُّ طَلاَقٍ بَعْدَ أُخْرَى وَاقِعٌ ** سِوَى بائن مَعْ مِثْلِهِ لا يُعَلَّقُ وهذا عندنا، وعند الشافعيّ لا يلحق البائن الصريح كما لا يلحق البائن حتى لو قال لها بعد الخُلْع: أنتِ بائن لا يقع اتفاقاً. أمّا عندنا فلأنّ البائن لا يلحق البائن، وأمّا عنده فلأن الخُلْعَ فسخٌ في أحد قوليه. ولأنّ الرَّجْعِيّ لا يلحق البائن عنده. ولو قال لها بعد الخُلْع أو الطّلاق على مالٍ: أنتِ طالقٌ يقع عندنا، وعنده لا يقع. له: أنّ هذا تصرفٌ لَم يصادف في محله فيلغو، وهذا لأنّ الطَّلاق شُرِعَ لإزالة ملك النِّكاح، وقد زال بالخُلْع أو الطَّلاق على مالٍ، فلا يقع الطّلاق بعده كما بعد انقضاء العِدّة.

ولنا: قوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} يعني الخُلْعَ، ثم قال: {فإنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} والفاء للوصل والتعقيب، فيكون هذا تنصيصاً على وقوع الطلقة الثَّالثة بعد الخُلْع. وعن أبي سعيد الخُدْرِيّ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم «المُخْتَلِعَةُ يلحقها صريح الطَّلاق ما دامت في العدّة». رواه أبو يوسف في «الأمالي» بإسناده عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وبه قال ابن مسعود، وعِمْران بن الحُصَيْن، وأبو الدَّرْدَاءِ، وسعيد ابن المُسَيَّبِ، وشُرَيْح، وطَاوسُ، والزُّهْرِيّ، والنَّخَعِيّ، والحَكَمُ، وحَمَّاد، ومَكْحُول، وعطاء، والثَّوْرِيّ، والله تعالى أعلم.

فصلٌ في تَفْوِيضِ الطَّلاَقِ
(
تَفْوِيضُ طَلاَقِهَا إلَيْهَا) بأنْ قَالَ لها: طلِّقي نفسكِ (يَتَقَيَّدُ بِمَجْلِسِ عِلْمِهَا) غائبةً كانت أو حاضرةً، فتطلِّق نفسها ما دامت في مجلسها ذلك، وإنْ قامت منه أو أخذت في عملٍ آخرٍ، خرج الأمر من يدها. وقال مالك في رواية، والشافعيّ في القديم: لا يتقيّد بالمجلس وقال أحمد: لا يتقيد الأمر باليد بالمجلس.
لنا: ما روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن ابن مسعود أنّه قال: إذا ملَّكها أمرها، فتفرقا قبل أنْ ينقضي شيءٌ فلا أمر لها. وما رَوَى أيضاً عن جابر بن عبد الله أنه قال: إذا خيَّر الرَّجل امرأته، فلم تختر في مجلسها ذلك، فلا خيار لها. وما رَوَى أيضاً هو وابن أبي شَيْبَة عن عمر بن الخَطَّاب، وعثمان بن عفَّان أنهما قالا: أيما رجلٍ ملَّك امرأته أمرها وخيّرها ثم افترقا من ذلك المجلس، فليس لها خيار وأمرها إلى زوجها. وأسنده ابن أبي شَيْبَة عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد قال به عطاء ومجاهد والشَّعْبِيّ والنَّخَعِيّ والأوْزَاعِيّ وسُفْيَان.

وقال محمد: بلغنا عن عمر وعثمان وعليّ وابن مسعود وجابر في الرَّجل يخيّر امرأته: أنّ لها الخِيار ما دامت في مجلسها ذلك، فإذا قامت من مجلسها فلا خِيار لها. وقال الزُّهْرِيّ وقَتادة وأبو عُبَيْد بن نصر: يبقى أمرها بيدها في ذلك المجلس، وفي غيره. وحكى صاحب «المُغْنِي» هذا القول عن عليّ كَرَّم الله وجهه.
قلنا: لم تستقر الرواية عن عليّ، إذ قد رُوِيَ عنه كالجماعة، فكان ذلك إجماعاً من الصحابة.
قال البَيْهَقِيّ: وقد تعلَّق بعض مَن يجعل لها الخِيار ولو قامت من المجلس بحديث تخيير عائشة، وهو في الصحيحين: «إنّي ذاكرٌ لكِ أمراً، فلا عليكِ أنْ لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويكِ». وهذا الاستدلال غير ظاهر، لأنّه صلى الله عليه وسلم لم يخيّرها في إيقاع الطَّلاق بنفسها، وإنما خيّرها على أنها إن اختارت نفسها أحدث عليها الطَّلاق، لقوله تعالى: {فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً}. انتهى.
(
إلاّ أنْ يَقُولَ: كُلَّمَا شِئْتِ، أَوْ مَتَى شِئْتِ، أَوْ إذَا شِئْتِ) فإنّه لا يتقيّد بمجلس عِلْمها، لأنّ هذه الألفاظ عامةٌ في الوقت، فصار كأنه قال: طلِّقي نفسك أيّ وقت شِئْتِ، وفي كُلَّما شِئْتِ لها أنْ توقع ثلاث طلقاتٍ متفرقاتٍ، وليس لها أنْ توقعها جملةً، لأن «كُلَّمَا» تعمُّ الأفعال والأزمان عموم الانفراد لا عموم الاجتماع، إلاّ أنّ اليمين تنصرف إلى الملك القائم، فلا تملك الإيقاع بعد وقوع الثَّلاث إذا رجعت إليه بعد زوجٍ آخرٍ.

ولو طَلَّقَتْ نفسها ثلاثاً جملةً لا يقع شيءٌ عند أبي حنيفة، ويقع واحدةٌ عندهما، بناءً على أن إيقاع الثلاث إيقاع للواحدة أمْ لا؟ ويؤيد قولهما رميُ الحصيات السبع جملةً حيث يقع عن واحدة اتفاقاً.

(بِخِلاَفِ إنْ شِئْتِ) فإنَّه يتقيَّد بمجلس علمها لعدم ما يدلُّ على عموم الوقت. (وَلاَ يَرْجِعُ) من فوّض الطّلاق إلى امرأته (عَنْهُ) لأنّ التفويض فيه معنى اليمين، فإنه تعليق طلاق المرأة بتطليقها، واليمين تصرّفٌ لازمٌ فلا يصح الرُّجوع عنها.
(
وإلى غَيْرِهَا) عَطْفٌ على «إليها»
أي وتفويض طلاقها إلى غيرها، سواء كان ضَرَّتها أو شخصاً آخر (لاَ يَتَقَيَّدُ) بالمجلس، ، لأن ذلك توكيلٌ بالطَّلاق وأمرٌ بإيقاعه، والتوكيل والأمر لا يقتضيان الفور كأمر الشَّارع، وكباقي الوكالات. (ويَرْجِعُ) الزَّوج عنه متى شاء، لأنّه إنّما استعان بغيره ليكون التَّصرُّف له لا عليه، فلو ألزمناه به لحِقَه الضَّرر.
(
والمَجْلِسُ إنَّمَا يَخْتَلِفُ بِالقِيَامِ) دون القعود (أو الذَّهَابِ أوِ الشُّرُوعِ في قَوْلٍ) كثيرٍ (أوْ عَمَلٍ) كَثيرٍ (لاَ يَتَعَلَّقُ بِمَا مَضَى) من التفويض، لأنّ ما ذكره دليل الإعراض.
قيّدنا القول والعمل بالكثير، لأنها لو سبَّحت، أو قرأت آيةً، أو أكلت شيئاً يسيراً، أو لَبِسَتْ ثيابها من غير قيام، لم يختلف مجلسها. وقيَّد القول والعمل بعدم التعلّق بالتفويض، لأنها لو دعت أباها للمشورة، أو شهوداً للإشهاد، لم يختلف مجلسها، لأن المشورة لتحرّي الصّواب، والإشهاد للتحرز عن الجحود.
(
وفُلْكهَا) أي السَّفينة التي هي فيها وقت علمها بالتفويض (كَبَيْتِهَا) لأنّ جريان الفُلْكِ لا يضاف إلى راكبه، فثبت لها الخيار ما دامت في مجلسها كالبيت (وسَيْرُ دَابَّتِهَا كَسَيْرِهَا) لأنّ سير الدَّابَّة يُضَافُ إلى راكبها، لأنها تسير باختياره، فلو وقفت لم يَبْطُل خيارها، ولو نزلت بطل، وكذا لو ركبت وكانت نازلةً.

(وَفِي: اخْتَارِي بِنيَّةِ التَّفْوِيضِ) قيّد به لأنها تحتمل الأمر باختيار كِسْوة أو مأكل، فلا بد من نيَّة التفويض (فَقَالَتْ: اخْتَرْتُ) نفسي، أو: أنا اختار نفسي (لاَ يَقَعُ إلاّ بَائِنَةً) وكان القياس أنْ لا يقع شيءٌ وإن نوى الطَّلاق، لأنه لا يملك الإيقاع بهذا اللفظ، فلا يملك التفويض به إلى غيره إلاّ أنّ هذا القياس تُرِكَ باتفاق الصحابة على وقوع الطّلاق وإن اختلفوا في صفته.

وقال الشافعيّ: يقع رجعيٌّ، وهو قول أحمد، لأنه أدنى ما يكون من الاختيار. وقال مالك: يقع ثلاثاً، لأن الثلاث أتمّ ما يكون من الاختيار.
ولنا: أَنّ اختيارها لنفسها إنّما يتحقق بزوال ملك الزَّوج عنها، وزواله إنّما هو بالبينونة، وهي لا تستلزم الثلاث، وليس في اللفظ ما يدلّ عليها، فلا تقع وإن نواها، لأنّ الاختيار لا يتنوع، فَبَقِي مجرد نيّة العدد وهي لا تصح، بخلاف أنتِ بائنٌ، لأنّ البينونة تتنوع.
وفي «جامع الترمذي»: اختلف أهل العلم في الخِيار: فَرُوِيَ عن عمر وعبد الله بن مسعود أنَّهما قالا: إن اختارت نفسها فواحدةٌ بائنةٌ. ورُوِيَ عنهما أيضاً أنّهما قالا: واحدةٌ يملك الرّجعة، وإنْ اختارت زوجها فلا شيء.
ورُوِيَ عن عليّ أنّه قال: إن اختارت نفسها فواحدةٌ بائنةٌ، وإن اختارت زوجها فواحدةٌ يملِكُ الرجعة. وقال زيد بن ثابت: إن اختارت زوجها فواحدة، وإن اختارت نفسها فثلاثٌ. انتهى.
ولنا على أنها إن اختارت زوجها لم يقع شيءٌ ـ وهو قول أكثر أهل العلم ـ ما روى البُخَارِي ومسلم من حديث عائشة قالت: خيّرنا النبيّ صلى الله عليه وسلم فاخترنا الله ورسوله، فلم يعدَّ ذلك شيئاً. كذا ذكروه وفيه: أنْ ذلك كان تخييراً لا تفويضاً كما تقدّم، والله تعالى أعلم.

(وشُرِطَ ذِكْرُ النَّفْسِ مِنْ أَحَدِهِمَا) متّصلاً أو منفصلاً في المجلس. وقال مالك والشافعيّ وأحمد: لا يُشْتَرَطُ (أوْ قَوْلُهُ: اخْتَارِي اخْتِيَارَةً) أو تطليقة، أو ما يكون كناية عن ذلك في أحد كلامهما (فَتَقُولُ: اخْتَرْتُ) أو: أختار نفسي. والقياس في قولها: أنا أختار نفسي عدم الوقوع كما قال الشافعيّ، لأنه وَعْدٌ، كما لو قال: طلّقي نفسك، فقالت: أنا أطلِّق نفسي، حيث لا تَطْلُقُ.
ووجه الاستحسان أنّ الكلام جُعِلَ جواباً بالسُّنَّة، وهي ما في الصحيحين عن عائشة أنها قالت: لَمّا أُمِر رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تخيير أزواجه بدأ بي فقال: «إنّي ذاكرٌ لكِ أمراً إلى أن قالت: فقلت: ففي هذا أستأمر أبويّ، فإنّي أريد اللَّهَ ورسولَه والدّارَ الآخرة». ثم فعل أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ الذي فعلت. وفي لفظ لمسلم: كلا، بل أختار الله ورسوله، واعتبره رسول الله صلى الله عليه وسلم جواباً.
وفي المعقول فإنّ المضارع قد يُراد به الحال كما في قول الشاهد: أشهد، وقول الكافر: أشهد أن لا إله إلاّ الله، فإنّه يُرَاد به التحقيق حتى صار به مسلماً، لأنه يخبر عن اعتقاده، فكذا هنا، «أنا أختار» حكاية عن اختيارها، بخلاف قولها: أنا أطلّق، لأنه لا يتصوّر أن تكون مطلّقة في حال كونها حاكية.

(
وَلَوْ كَرَّرَهَا ثَلاَثاً) بأن قال لها: اختاري اختاري اختاري (فَاخْتَارَتْ إِحَدَاهَا) بغير لفظ التطليق بأنْ قالت: اخترت الأولى، أو الوسطى، أو الأخيرة، أو اخترت اختيارةً، أو باختيارةٍ، أو مرةً، أو بمرةٍ، أو دفعةً، أو بواحدةٍ (فَثَلاَثٌ). قيْدنا بغير لفظ التطليق، لأنها لو قالت: اخترت التطليقة الأولى تطلُق واحدةً باتفاقٍ. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا قالت: اخترت الأولى أو الوسطى أو الأخيرة تطلق واحدةً. وهو اختيار الطَّحَاويّ.

(وَلَوْ قَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي، أوْ اخْتَرْتُ نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ، فَبَائِنَةٌ) كذا في «المَبْسُوطِ»، و «الجامع الكبير»، و«الزيادات»، و«جوامع الفقه»، وعامة نسخ «الجامع الصغير» سوى «جامع صدر الإسلام»، فإن فيه ما في «الهداية»: أنه يقع طلقةٌ رجعية اعتباراً لما أتت به من صريح الطّلاق. وفي «الفوائد الظهيرية»: هذا سهوٌ وقع من الكاتب، لأن المرأة تتصرف بحكم التفويض وهو عندنا تطليقةٌ بائنةٌ. وفي «شرح الوِقَاية»: ذكر في «الهداية» أنه يقع واحدة يملك الرّجعة، فقيل: هذا غلطٌ وقع من الكاتب، وقيل: فيه روايتان: إِحداهما: أنه يقع واحدة رجعية، لأن لفظها صريحٌ، والأخرى: أنه بائنةٌ، وهذا أصحّ. انتهى.
(
وَلَوْ قَالَ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ بِنِيَّةِ التَّفْوِيضِ فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا) بأن قالت: طلّقت نفسي واحدةً، أو اخترت نفسي بتطليقةٍ (فَبَائِنَةٌ) أي فيقع طلقةٌ بائنة (وَإنْ نَوَى) الزَّوج (الثَّلاَثَ) فقالت: اخترت نفسي بواحدةٍ (يَقَعْنَ) لأنَّ الاختيار يصلح جواباً للأمر باليد لكونه تمليكاً كالتخيير، فصار كأنَّهَا قالت: اخترت نفسي بمرةٍ واحدةٍ وبذلك يقع الثلاث. وقال مالك: يقع بالتفويض ثلاثٌ. وقال الشافعيّ وأحمد: رجعيةٌ.
(
وَفِي أَمْرُكِ بِيَدِكِ فِي تَطْلِقَيةٍ، أوْ اخْتَارِي تَطْلِيقَةً فاخْتَارَتْ) نفسها (فَرَجْعِيَّةٌ) لأنها تتصرف بِجَعْل الزّوج، وهو إِنما جعل لها تطليقةً صريحةً، والصّريح يعقب الرّجعة.
(
وَفِي: أمْرُكِ بِيَدِكِ اليَوْمَ وَغَداً يَدْخُلُ اللَّيْلُ) لأنه لم يتخلل بين الوقتين المذكورين وقتُ من جنسهما لم يتناوله الأمر، فكان أمراً واحداً (وَإنْ رُدَّ) الأمر من المرأة (في اليَوْمِ لاَ يَبْقَى بَعْدَهُ) أي في الغد، كما لا يبقى في آخر النَّهار إذا قال لها: أمرُك بيدكِ اليوم وردّت في أوّله.

(وَإنْ قَالَ:) أمرك بِيدِك (اليَوْمَ وبَعْدَ غَدٍ يَخْتَلِفُ الحُكْمَانِ) السابقان فلا يدخل الليل هنا، وإن ردّ الأمر في اليوم يبقَى بعد الغد خلافاً لزُفَر (وَفِي: طَلِقي نَفْسَكِ إنْ نَوَى ثَلاَثاً) فطلَّقت ثلاثاً: جملةً أو متفرقاً (يَقَعْنَ وَإِلاَّ) أي وإن لم ينوِ ثلاثاً بأن لم ينوِ شيئاً، أو نوى واحدةً أو ثِنتين والمرأة ليس بأَمَةٍ (فَرَجْعِيَّةٌ) أي فيقع طلقةٌ رجعيةٌ (وفي: طَلِّقِي) نفسك (ثَلاَثاً) فطلّقت واحدةً (يَقَعُ) واحدةٌ، وهو قول الشافعيّ وأحمد. وقال مالك: لا يقع شيءٌ، لأنها أتت بغير ما فوّض إليها.
ولنا: أنها ملكت إيقاع الثلاث فتملك إيقاع الواحدة، لأن من مَلَك شيئاً ملك أَيّ جزءٍ من أجزائه (لاَ فِي عَكْسِهِ) أي لا يقع شيءٌ في: طلِّقي نفسك واحدةً، فطلّقت ثلاثاً. وهذا عند أبي حنيفة، وهو رواية عن مالك، (وقول زُفَر. وقال أبو يوسف ومحمد: يقع واحدةٌ، وهو قول الشافعيّ وأحمد ورواية عن مالك)، لأنها أتت بما تملِكه وزيادة، فيقع ما تملكه وتُلْغَى الزّيادة. لأبي حنيفة: أنها مخالِفة، فكانت مبتدئةً لا مجيبة، وذلك أنّه فوّض إليها واحدة، فأتت بغيرها وهو الثلاث.
(
وَلَوْ أَمَرَ بالبَائِنِ أوْ الرَّجْعِيّ فَعَكَسَتْ) بأن قالت: طلّقت نفسي طلقةً رجعيّةً في جواب: طلّقي نفسك طلقةً بائنةً، أو قالت: طلّقت نفسي طلقةً بائنةً في جواب: طلّقي نفسك طلقةً رجعيّةً (يَقَعُ ما أَرَادَ بِهِ) الزَّوج كذا في «الهداية». والمذكور في «الخِزَانة»: أَنّه إذا عكست لم يقع أصلاً.

(وَالشَّرْطُ في: أنْتِ طَالِقٌ إن شِئْتِ مَشِيئَةٌ مَنَجَّزَةٌ) أي غيرَ معلّقةٍ بشيءٍ بأن تقول: شئت، من غير أنْ تعلِّق (أوْ مُعَلَّقَةٌ بِمَا قَدْ عُلِمَ وِجُودُهُ) نحو شئت إن مضى أمس، أو إن كانت السّماء فوقنا، لأنّ التعليق بما عُلِمَ وجوده تنجيز. فقوله: الشّرط مبتدأ، ومَشِيئَةٌ خبره، ومعلقةٌ عطفٌ على مُنَجَّزَة، ومنجزةٌ صفةٌ لمشيئة (لاَ مَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ بَعْدُ) ذلك كما لو قالت: شئت إن كان كذا، الأمر لم يجىء بعد، و (كَما لَوْ قَالَتْ: شِئْتُ إنْ شِئْتَ، فَقَالَ: شِئْتُ) لأنه علّق الطّلاق بالمشيئة المرسلة، وهي أتت بالمشيئة المعلّقة فلم يوجد الشّرط، فخرج الأمر من يدها لاشتغالها بما لا يعنيها.
(
وَفِي) أنتِ طالقٌ (كُلَّمَا شِئْتِ تُطَلِّقُ) المرأة نفسها (ثَلاَثاً مُتَفَرقةً) لا مجتمعة، لأن كلمة كلّمَا تفيد عمومَ الأفعال عمومَ انفرادٍ لا عمومَ اجتماع، ولو طلّقت ثلاثاً بكلمةٍ واحدةٍ لا يقع شيءٌ عند أبي حنيفة، ويقع واحدةٌ عند أبي يوسف ومحمد، بناءً على أن إيقاع الثلاث إيقاع للواحدة كما قالا، أو ليس بإيقاع لها كما قال.

(
لاَ بَعْدَ التَّحْلِيلِ) حتّى لو قال: أنتِ طالقٌ كلَّما شئت، فطلّقت نفسها ثلاثاً متفرقةً ثم عادت إليه بعد زوجٍ آخر، ثم طلّقت نفسها لم يقع شيءٌ، لأنّ التعليق ينصرف إلى الملك القائم، وهذا ملك جديد ليس في كلام الزوج ما يدلُّ على الإضافة إليه، وبهذا قال مالك والشافعيّ في قول.
ولو طلّقت نفسها طلقةً أو طلقتين ثم عادت إليه بعد زوج آخر فلها أنْ تطلِّق بثلاثٍ خلافاً لمحمد، فإنه يقول: إِنها لا تطلِّق إلا ما بقي، بناءً على أنّ الزَّوج يملك بهذا العقد عليها الثّلاث وهو قولهما، أو ما بقي من النّكاح الأوّل وهو قول محمد.

(وَفِي كَيْفَ شِئْتِ تَقَعُ بَائِنَةٌ أو ثَلاَثٌ) وفي نسخةٍ: أو ثلاثاً (إنْ نَوَتْ وَلَمْ تُخَالِفْهَا نِيَّتُهُ) جملة حاليّة، بأن شاءت واحدةً بائنةً ونواها الزّوج (أو لم يكن له نية، أو شاءت ثلاثاً ونواها الزّوج)، أو لم يكن له نيّة، لوجود المطابقة بين مشيئتها وإرادته إذا نوى. (وَإلاَّ) أي وإن لم يكن لها نيّة، أو كانت وخالفت نيتُه نيتها، بأن نوت واحدةً ونوى ثلاثاً، أو نوت ثلاثاً، ونوى واحدةً (فَرَجْعِيَّةٌ) أي فتطلق رجعيّة (وفي) طلِّقي (مَا شِئْتِ مِنْ ثَلاَثٍ) لها أنْ تطلِّق (مَا دُونَهَا) واحدةً أو ثنتين، وليس لها أنْ تطلّق ثلاثاً وهذا عند أبي حنيفة، وهو قول الشافعي وأحمد.
وقال أبو يوسف ومحمد: لها أن تطلّق ثلاثاً، لأن «ما» مُحْكَمَةٌ في التعميم، و«من» قد تكون للتبيين فتحمل عليه كطلِّق «من» نسائي مَنْ شِئْتَ، وكل من طعامي ما شِئْتَ. ولأبي حنيفة: أنّ من للتبعيض كقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ}، وللتبيين كقوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} فتيقَّنا التبعيض، وشككنا في التعميم، فلا يثبت بالشك، والله تعالى أعلم.

فصلٌ فِي التَّعْلِيقِ
(
صِحَّةُ شَرْطِ التَّعْلِيقِ المِلْكُ) بأن يكون المعلِّق مالكاً لِمَا علّقه في وقت التعليق، كأنْ يقول في التعليق لمنكوحته: إنْ دخلتِ الدَّار فأنتِ طالقٌ. (أوْ الإضَافَةُ إلَيْهِ) أي إلى الملك، بأنْ يعلِّق على نفس الملك نحو: إنْ ملكتُ طلاقك فأنتِ طالقٌ، أو على سببه نحو: إن تزوّجتك فأنتِ طالقٌ. ثم التعليق قد يكون بصريح الشَّرط وهو ظاهر، وقد يكون بمعناه ويشترط حينئذٍ أن تكون المرأة غير معينة نحو: المرأة التي أتزوّجها طالقٌ، بخلاف هذه التي أتزوّجها لأنها لَمّا تَعَرّفَتْ بالإشارة لم يراع فيها صفةُ التزوّج، فَبَقِي قوله: هذه طالقٌ.

وقال الشافعي: لا يصح التعليق المضاف إلى الملك. وقال (مالك) في المشهور عنه: إذا لم يسمّ امرأةً بعينها، أو قبيلةً نحو قَرَشِيَّةٍ، أو أرضاً نحو مكيّة، أو نحو هذا، بأن قال: كل امرأةٍ، من غير زيادة وصف هنالك، فليس يلزمه ذلك لِمَا في «الموّطأ» أنّ عبد الله بن مسعود كان يقول فيمن قال: كل امرأة أنكحها فهي طالقٌ، إذا لم يسم قبيلةً أو امرأةً بعينها فلا شيء عليه. قال مالك: وهذا أحسن ما سمعت. انتهى. وهو قول ابن أبي ليلى، لِمَا فيه من باب سد نعمة النِّكاح على نفسه.
وللشافعيّ ما روى أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، عن عامر الأحْوَل، عن عمرو ابن شُعَيْب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا نَذْرَ لابن آدم فيما لا يملك، ولا عِتْقَ له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك». قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح، وهو أحسن شيء رُوِيَ في هذا الباب. ولقول ابن عباس، فإنه سُئِلَ عمَّن يقول لامرأة: إن تزوّجتُك فأنتِ طالقٌ، فتلا قوله تعالى: {إذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} وقال: شَرَعَ الله الطَّلاق بعد النِّكاح، فلا طلاق قبله. واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم «لا طلاق قبل النِّكاح، ولا عِتق قبل ملكٍ». رواه ابن ماجه بسنده.
ولنا ما رواه في «الموطّأ»: أن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وسالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وابن شِهَاب، وسُلَيْمان بن يَسَار كانوا يقولون: إذا حلف الرّجل بطلاق المرأة قبل أن ينكحها، ثم أثِم ـ أي حنث ـ إنّ ذلك لازمٌ له إذا نكحها، أي قبل الحِنْث.

وروى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن سالم، والقاسم بن محمد، وعمر بن عبد العزيز، والشَّعْبِيّ، والنَّخَعِيّ، والزُّهْرِيّ، والأسود (وأبي بكر بن عبد الرحمن)، وأبي بكر بن عَمرو بن حَزْم، وعبد اللهبن عبد الرحمن، ومكحول الشَّاميّ في رجلٍ قال: إنْ تزوّجت فلانةً فهي طالقٌ، أو يوم أتزوّجها فهي طالقٌ، أو كلّ امرأةٍ أتزوّجها فهي طالقٌ. قالوا: هو كما قال. وفي لفظ: يجوز ذلك عليه ـ أي يقع ـ وقد نقل مذهبنا ـ (وهو قول عمر وابنه وابن مسعود) ـ أيضاً عن سعيد بن المُسَيَّبِ، وعطاء، وحَمَّاد بن أبي سليمان (وشُرَيْح رحمهم الله).

وروى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن مَعْمَر، عن الزُّهْرِيّ أنه قال: في رجلٍ قال: كل امرأةٍ أتزوّجها فهي طالقٌ، وكل أمَةٍ أشتريها فهي حرةٌ: هو كما قال. فقال له مَعْمَر: أو ليس قد جاء: «لا طلاق قبل النِّكاح، ولا عِتْق إلاّ بعد الملك»؟ قال: إنما ذلك أن يقول الرّجل: امرأةُ فلانٍ طالقٌ، وعبدُ فلانٍ حرٌّ.
وأمّا ما في «سنن الدَّارَقُطْنِيّ» عن أبي خالدٍ الوَاسِطِيّ بسنده عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنه سُئِلَ عن رجلٍ قال: يوم أتزوّج فلانةً فهي طالقٌ ثلاثاً، قال: «طلَّق ما لا يملك». فحديثٌ باطلٌ. قال صاحب «التّنْقِيح»: وأبو خالدٍ هو عمرو بن خالد وهو وَضَّاع. وقال أحمد ويحيى: كذَّابٌ. وما في «سننه» عن عليّ بن قرين بسنده عن أبي ثَعْلَبَة الخُشَنِيّ قال: قال عَمٌّ لي: اعمل لي عملاً حتّى أزوّجك ابنتي، فقلت: إن تزوّجتها فهي طالقٌ ثلاثاً، ثم بدا لي أنْ أتزوّجها، فأتيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فسألته فقال لي: تزوّجها، فإنه لا طلاق إلاّ بعد النِّكاح. قال فتزوّجتها فولدت لي سعداً وسعيداً. قال صاحب «التنقيح»: وهذا أيضاً باطلٌ، وعليّ بن قرين كذَّبه يحيى بن مَعِين وغيره. وقال ابن عَدِيّ: يسرِق الحديث.

هذا وما صحّ من الأحاديث محمولٌ على نفي التنجيز لأنه هو الطّلاق، وأمّا المعلّق فليس بطلاقٍ، بل له عرضية أن يصير طلاقاً عند وجود الشّرط. وهذا محملٌ مأثورٌ عن السلف كما قدمناه عن الزُّهْرِيّ. وقد جمع أبو بكر بن العربي الأحاديث وقال: ليس لها أصلٌ في الصِّحَّة، ولهذا ما عمل بها مالك، وربيعة، والأوْزَاعِيّ. فإن قيل: لا معنى لحَمْله على التنجيز لأنه ظاهر يعرفه كل أحدٍ، فوجب حَمْله على التعليق. قلنا: صار ظاهراً بعد اشتهار حكم الشّرع لا قبله، فإنّهم كانوا في الجاهلية يطلّقون قبل التزوّج تنجيزاً ويعدّونه طلاقاً إذا وُجِدَ النِّكاح، فنفاه النّبيّ صلى الله عليه وسلم بهذه الأحاديث. والله سبحانه أعلم.
(
وألْفَاظُهُ) أي ألفاظ التعليق المتداولة عند الفقهاء (إنْ، وإذَا، وإذَا مَا، وَمَتى، ومَتَى مَا، وكُلُّ، وكُلَّمَا) وهنا ألفاظٌ أُخَر للشرط لم يبحثوا عنها كثيرَ بحثٍ وهي: مَنْ، ومَا، وكَيْفَما، وأيْنَ، وغير ذلك. وعدّوا كلَّ واحدٍ من ألفاظ التعليق باعتبار أنّ الحكم يتعلّق بالفعل الذي يلي مدخولها نحو: كلُّ مَنْ دخلَتْ منكنَّ الدَّار فهي طالقٌ، فإنه لا تطلُق غير التي تدخل. ثم متى تقدّم الجزاء على الشرط امتنع أنْ يرتبط بحرف الفاء، ومتى تأخَّر عنه وجب أنْ يرتبط به إذا كان واحداً من سبعٍ وهي: طَلَبِيّةٌ، واسميّةٌ ، وبجامدٍ، وبما، ولن، وبقد، وبالتنفيس. فلو قال: إن دخلت الدَّار أنتِ طالقٌ، يَتَنَجَّزُ عند محمدٍ وإن نوى التعليق، وهو قول أكثر أصحاب الشافعيّ لعدم ما به التعليق وهو الفاء. ولا يَتَنَجَّزُ عند أبي يوسف، وهو قول أحمد وبعض أصحاب الشافعيّ، لأن ذِكْرَ هذا الكلام لإرادة التعليق، والعبرة بالمعاني دون الألفاظ والمباني.

ولو قال: أنتِ طالقٌ وإن دخلت الدّار يَتَنَجَّزُ اتفاقاً، لأنّ معناه في كل حال، وكذا لو قال: أنتِ طالقٌ أنْ دخلت الدَّار ـ بفتح الهمزة ـ، لأنّ أن للتعليل، ولا يشترط وجود العلة. وإن قال لها: إنْ دخلت الدَّار فأنتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ، فدخلت تلك الدَّار، فالواقع واحدةٌ عندنا، أي عند أبي حنيفة. وقالا: ثلاثٌ، كما قال مالك والشّافعيّ، كما لو أخّر الشّرط فقال: أنتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ إن دخلت الدَّار. ولو عطف بحرف الفاء فهو على الخلاف فيما ذكر الكَرْخِيُّ والطَّحَاوِيّ. وذكر الفقيه أبو اللَّيْث أنه يقع واحدةٌ بالاتفاق، لأنّ الفاء للتعقيب وهو الأصحّ.
(
وَزَوَالُ المِلْكِ لاَ يُبْطِلُهُ) أي لا يبطل التعليق إذا لم يوجد الشّرط: بأن طلّق امرأته دون الثَّلاث وراجعها، ثم وُجِدَ الشرط فإنّه ينزل الجزاء، بل ينحلُّ اليمين لوجود الشّرط وإن لم يكن في الملك. فلو قال: إن دخلتِ الدَّار فأنتِ طالقٌ، ثم طلّقها واحدةً وانقضت عدّتها، ثم تزوّجها فدخلت الدَّار طَلُقَتْ لأنّ التعليق باقٍ لبقاء محله.

(فَفِي غَيْرِ «كُلَّمَا») من ألفاظ التعليق (إنْ وُجِدَ الشَّرْطُ مَرّةً فِي المِلْكِ) المعلَّق فيه ولو بعد عقدٍ ثان فيه (يَنْحَلُّ) التعليق (إلَى جَزَاءٍ) لأنّ غير «كُلَّمَا» من ألفاظ التعليق لا يدلّ على التكرار، وقد وُجِدَ الشَّرط في الملك، فيقع الجزاء المعلّق عليه. (وَإنْ وُجِدَ) الشَّرط مرةً (فِي غَيْرِ المِلْكِ) ينحل التعليق لوجود الشرط (لاَ إلَى جَزَاءٍ) لعدم المحليّة. قال ابن المنذر: أجمع مَنْ يُحفظ عنه العلمُ على أنّ الرّجل إذا قال لامرأته: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إن دخلتِ الدَّار، ثم طلَّقها ثلاثاً، ثم نكحت غيره، ثم نكحها الحالف، ثم دخلت الدَّار لا يقع عليها طلاقٌ. ولو أبانها بدون الثّلاث، ثم وُجِدَ الشَّرط انحلت اليمين حتى لو تزوّجها بعد لا يقع شيءٌ. وإن لم يوجد الشّرط في حال البينونة، ثم نكحها لم تنحل عند أبي حنيفة ومالك وأحد أقوال الشّافعيّ، وله قول: لا تعود الصفة بحالٍ. واختاره المُزَنِيّ. انتهى.
(
وَفِي «كُلَّمَا» يَنْحَلُّ بَعْدَ الثَّلاثِ فَلاَ يَقَعُ) الطَّلاق (إنْ نَكَحَهَا بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ) وقال زُفَر: يقع لأنّ «كلما» لعموم الأفعال قال تعالى: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً}. ولنا: أنّ التعليق والعموم باعتبار الملك الموجود، وقد زال ذلك الملك فيبطل (إلاّ إذَا دَخَلَتْ) كُلَّمَا (في التَّزَوُّجِ) نحو: كُلَّمَا أَتزوّجُكِ فأنتِ طالقٌ، فإنّ الجزاء يقع إن نكحها بعد زوج آخر، لأنّ انعقاد هذا التعليق على ما يملك عليها من الطّلاق بالتَّزوُّج، وهو غير محصور.

(
وَإنِ اخْتَلَفَا فِي وُجُودِ الشَّرْطِ فَالقَوْلُ لَهُ) أي للزَّوج لأنه ينكر وقوع الطَّلاق، وهي تدّعيه، والقول قول المُنْكِر. (إلاّ مَعَ حُجَّتِهَا) لأنّها أوضحت دعواها بالبينة.

(وَفِي شَرْطٍ لاَ يُعْلَمُ إلاّ مِنْهَا نَحو: إنْ حِضْتِ فَأْنْتِ طَالِقٌ وفُلاَنَةٌ) فقالت: حضت، وكذّبها الزّوج (صُدِّقَتْ في حَقِّهَا فَقَطْ) أي ولم تُصَدَّق في حقّ فلانة (فَيُحْكَمُ بَعْدَ ثَلاَثَةِ أيَّامٍ بِالطَّلاَقِ) أي بوقوعه (في أوَّلِهَا) أي أول الثَّلاثة. ومذهب الشّافعيّ عند انقضاء يومٍ وليلةٍ، وفي وجهٍ في مذهبه وهو قول أحمد: عند أول رؤية الدَّم. والقياس أنْ لا تُصَدَّق لأنها تدَّعي حِنْث الزّوج، وهو يُنْكره.
ووجه الاستحسان أنها مأمورةٌ بإظهار ما عندها لقوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ في أرْحَامِهِنَّ} ولو لم يكن قولها فيه مقبولاً لم يكن لأَمْرها به فائدة. وإنما لا تصدق في حقّ فلانة لأنها متَّهمةٌ فيه، ولو صدَّقها الزَّوج طلقت ضَرّتها أيضاً لثبوت الحيض في حقّها بتصديقه. ولَمّا كان أقل الحيض عندنا ثلاثة أيامٍ، فإذا استمر الدمّ إليها عُرِفَ أنه حيضٌ، فتطلق عندها طلاقاً مستنداً إلى أوله. حتى لو كانت غير مدخولٍ بها وتزوّجت عند رؤية الدَّم، صحّ نكاحُها.
(
وفي: إنْ حِضْتِ حَيْضَةً) فأنتِ طالقٌ (يَقَعُ) الطَّلاق (إذَا طَهُرَتْ) لأنّ الحيضة اسم للمرّة من الحيض، ولا تحصل إلا بانتهائه وهو الطهر. ولو قال لحائض: إذا حِضْت فأنتِ طالقٌ لم تطلق حتى تطهر ثم تحيض.
ولو قال لطاهرٍ: إذا طَهُرْتِ فأنتِ طالقٌ لم تطلق حتى تحيض ثم تطهر. لأنّ اليمين يقتضي شرطاً مستقبلاً، وهذا قد مضى بعضُه وبقي بعضه ، وما مضى لا يدخل تحت اليمين فكذا ما بَقِيَ. (وفي: إن صُمْتِ يَوْماً) فأنْتِ طالقٌ فصامت يقع الطّلاق (إذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ) لأنّ ذكر اليوم يدلّ على كمال الصّوم، وذلك بغروب الشّمس (بِخِلاَفِ إنْ صُمْتِ) فأنتِ طالقٌ، فإِنها تطلق بأوّل الشّروع في الصّوم لوجود ركن الصّوم وعدم ما يدلَّ على كماله.

(وإن عَلَّقَ طَلْقَةً بِوِلاَدَةِ ذَكَرٍ وَطَلْقَتَيْنِ بِأُنْثَى) بأن قال: إن ولدتِ ذكراً فأنتِ طالقٌ واحدةً، وإنْ ولدتِ أُنْثَى فثِنْتَيْنِ (فَوَلَدَتْهُمَا وَلَمْ يَدْرِ الأوَّلَ) كأنْ كانت الولادة ليلاً (طُلِّقَتْ وَاحِدَةً قَضَاءً) لتيقُّنِها (وَثِنْتَيْنِ تَنَزُّهاً) أي تباعداً عن الحرمة واحتياطاً حتى لو كانت عنده بتطليقة لا يتزوّجها (وَانْقَضَتْ العِدَّةُ بالثَّانِي) بيقينٍ لأن الحامل تنقضي عدّتها بوضع حملها، فإن ولدت الذَّكر أولاً انقضت عدّتها (بِوضْع الأُنثى، وإن ولدت الأنثى أولاً انقضت عدّتها بوضع) الذَّكَر. وفي «الجامع»: لو قال: إن ولدت ولداً فأنتِ طالقٌ، وإن كان الذي تلدينه غلاماً فأنتِ طالقٌ ثنتين، فولدت غلاماً يقع الثلاث لوجود الشرطين، لأنّ المطلق موجود في ضمن المقيد، وهو قول مالك والشافعيّ.

(
وإنّ عَلَّقَ) الطّلاق (بِشَيْئَيْنِ يَقَعُ الطَّلاَقُ إنْ وُجِدَ الثَّانِي في المِلْكِ) سواء وُجِدَ الأول فيه أو لا، حتّى لو قال: إن كلّمتِ أبا عمرو وأبا زيدٍ فأنتِ طالقٌ ثلاثاً، ثم طلّقها، ثم انقضت عدّتها، فكلّمت أبا عمرٍو، ثم تزوّجها فكلّمت أبا زيدٍ طلّقت ثلاثاً. قيّد بوجود الثّاني في الملك، لأنه لو وُجِدَ في غيره لا يقع الطّلاق باتفاق. سواء وُجِدَ الأوَّلُ في الملك، أو في غيره.

وقال زُفَر: لا بدّ من وجود الأوّل في الملك أيضاً اعتباراً بالثّاني، إذ هما ـ لتوّقف الطّلاق عليهما ـ كشيءٍ واحدٍ. ولو ذُكِرَ الجزاء بين شرطين بغير حرف الواو والفاء، يُجْعَلُ الشّرط الأخير غاية لليمين. ولو ذُكِرَ الجزاء مؤخّراً عن الشّرطين، يُجْعَلُ الشّرط الأوَّل مع الجزاء جزاءً للشّرط الثّاني على التقديم والتأخير إن صلح لذلك بذكر الفاء أو إضماره في الشَّرط الأول في الذّكر، كقوله تعالى: {فإذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ آتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ} فإنّ التَّقدير ـ والله تعالى أعلم ـ إن أتين بفاحشةٍ فإذا أحصنّ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ، ومعنى أَحْصَنَّ ـ على قراءة الفتح ـ:
أَسْلَمْنَ، وعلى قراءة الضم: زُوِّجْنَ.
ولو ذُكِرَ الجزاء مقدماً على الشرطين، يُجْعَلُ الشّرط الأخير مقدماً في التقدير، ويكون شرطاً لانعقاد اليمين، والشَّرط السابق شرط الحنْث. فإذا قال: أنت طالقِ إن دخلت الدّار إنْ كلّمتِ زيداً، فإذا كَلَّمَتْ زيداً ينعقد اليمين، ثم إذا دخلت الدّار يقع الطّلاق. ونظيره في التقديم والتأخير قوله تعالى: {وَلاَ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكُمْ إنْ كَانَ ا يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ}.
(
والتَّنْجِيزُ) أي تنجيز الثّلاث (يُبْطِلُ التَّعْلِيقَ) أي تعليق الثّلاث (فَلَوْ عَلَّقَ) بأنْ قال: إنْ دخلتِ الدَّار فأنتِ طالقٌ ثلاثاً (ثُمَّ نَجَّزَ الثَّلاَثَ) بأن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً قبل دخول الدّار. (ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ التَّحْلِيلِ ثُمَّ وُجِدَ الشَّرْطُ) بأنْ دخلت الدَّار (لاَ يَقَعُ) الطّلاق المعلّق، وهو قول الشّافعيّ الجديد ومالك وأحمد. وقال زُفَر ـ وهو قول الشافعيّ القديم ـ: يقع.

(وإنْ وَصَلَ: إنْ شَاءَ الله بِكَلاَمِهِ بَطَلَ) كلامه عند أبي حنيفة ومحمد، وبه قال ابن أبي ليلى وإسحاق، وأبو عُبَيْدَة، وبعض أصحاب الشافعيّ. وقال مالك: لا يبطل الطَّلاق والعَتَاق والصَّدقة، ويبطل اليمين والنَّذْر. وقال أحمد: لا يبطل الطَّلاق خاصةً.

لنا: أنّ موسى عليه السلام قال: {سَتَجِدُني إنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً} ولم يصبر. وما روى أصحاب السنن الأربعة من حديث أيُّوب السَّخْتِيَانِيّ، عن نافعٍ، عن ابن عمر: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف على يمين فقال: إن شاء اللَّهُ فلا حِنْثَ عليه». ولفظ أبي داود والنَّسائي: «فقد استثنى». قال الترمذيّ: حديثٌ حسنٌ. وقد رُوِيَ عن نافعٍ وسالمٍ عن ابن عمر موقوفاً، ولا نعلم أحداً يرفعه (غير أيّوب السَّخْتِيَانيّ. وقال إسماعيل بن إبراهيم: كان أحياناً يرفعه وأحياناً لا يرفعه). انتهى. وهذا كله غير قادحٍ في الرَّفع لِمَا مرّ من نظائره غير مرّة.
وروى ابن عَدِيّ في «الكامل» عن إسحاق بن أبي يحيى الكَعْبِيّ بسنده عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قال لامرأته أنتِ طالقٌ إن شاء الله، أو لغلامه أنت حرٌّ إن شاء الله، أو عليّ المشي إلى بيت الله إن شاء الله، فلا شيء عليه». إلاّ أنّ الدَّارَقُطْنِيّ وابن حِبّان ضعّفا إسحاق. قيّد بالوصل لأنه لو فصل إن شاء الله عن كلامه لا يبطل كلامه. وأراد بالوصل ما يقابل الفصل غير الضّروريّ، فيشمل الفصل الضّروريّ كالفصل لتنفس أو عُطَاس أو جُشَاء أو ثِقَل لسان.
والعطف في قوله: أنتِ طالقٌ (ثلاثاً وثلاثاً، أو في أنتِ حرّة وحرة إن شاء الله، فاصلٌ عند أبي حنيفة، خلافاً لهما حيث لم يعدّاه فاصلاً كما في قوله: أنتِ طالقٌ) وعبدي حرٌ إن شاء الله، لكون الكلام موصولاً ظاهراً.

فصلٌ في طَلاَقِ المَرِيضِ الفَارّ

(مَنْ غَالِبُ حَالِهِ الهَلاَكُ) مبتدأ (كَمَرِيضٍ عَجَزَ عَنْ إقَامَةِ مَصَالِحِهِ خَارِجَ الَبْيتِ) سواء عَجَزَ عن إقامتها داخل البيت أو لم يعجِز (وَمَنْ بَارَزَ) في الحرب، عطفٌ على مريضٍ (أوْ قُدِّمَ لِيُقْتَلَ لِقِصَاصٍ أوْ رَجْمٍ) ونحوهما (مَرِيضٌ) خبر المبتدأ (مَرَض المَوْتِ) (احترازٌ عَمَّن أبانها في مرضه ثم صحّ ثم مات) ولأنّ الغالب في هذه الأشياء الهلاك.
(
فَلَوْ أَبَانَ زَوْجَتَهُ) أي الحرّة المسلمة بأنْ طلّقها طلقةً بائنةً أو ثلاثاً (بِغَيْرِ رِضَاهَا) قيّد به لأنه لو أبانها بأمرها، أو بانت منه باختيارها نفسها بسبب تفويضٍ، أو جَبَ؛ أو عُنَّةٍ، أو خِيار بلوغٍ أو عتقٍ لا ترث، لأنها رضيت بإبطال حقّها (وَمَاتَ) في ذلك المرض، أو في تلك المبارزة، أو ذلك التقديم (وَلَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ السَّبَبِ) بأنْ مات في ذلك المرض بغيره، وفي تلك المبارزة بمرض، وفي ذلك التقديم بغير القتل أو الرّجم، لأن الموت قد اتصل به في مرضه الذي طلّقها فيه فيكون فارّاً. (وإنما قلنا في ذلك المرض احترازاً عمّن أبانها في مرضه، ثم صحّ ثم مات فإنه لا يكون فارَّاً)، خلافاً لزُفَر.
(
وَهِيَ فِي العِدَّةِ) قيّد به لأنه لو مات بعد العِدَّة لا ترث. وقال ابن أبي لَيْلَى، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن رَاهُويه، وأبو عُبيد: ترث بعد العِدّة ما لم تتزوج بآخر. وعن مالك واللّيث: وإن تزوّجت بأزواجٍ (تَرِثُ) وفي نسخة: ترثه. وهذا جواب لو، وبه قال مالك كما في الطّلاق الرّجعيّ. وقال الشّافعيّ في الجديد، وأبو ثور، وابن المنذر: لا ترث، وهو القياس. لأن سبب الإرث ـ وهو الزوجية ـ قد ارتفع قبل الموت، فصار كما لو طلّقها قبل الدّخول، أو في الصَّحَّة، ولهذا لو حلف أنه لا زوجة له لا يحنَث.

ولنا أنّ الزَّوجية سبب إرثها، والزّوج قصد إبطالها فيردّ عليه قصده بتأخير عمله إلى انقضاء العِدّة لبقاء بعض الأحكام، بخلاف ما إذا ماتت هي حيث لا يرثها، لأنه رضي بذلك، وبخلاف ما إذا طلّقها بسؤالها لأنها رضيت ببطلان حقّها، واستحساناً لاتفاق الصَّحابة، فقد رُوِيَ أنّ عبد الرّحمن بن عوف لَمّا بَتّ طلاق امرأته ـ تُمَاضِر بنت الأصبغ بن زياد بن الحُصَيْن الكلبيّة ـ في مرضه، ومات عبد الرّحمن وهي في العِدّة وَرَّثَها عثمانُ بمحضَرٍ من المهاجرين والأنصار وقال: ما اتَّهَمْتُه، ولكن أَرَدتُ السُّنَّة.

ورُوِيَ عن عمر وعائشة وابن مسعود وابن عُمر وأبيّ بن كعب رضي الله عنهم: أنّ امرأة الفارّ تَرِثُ ما دامت في العِدّة. وعن إبراهيم: جاء عُرْوَة البَارِقِيّ إلى شُرَيْح من عند عمر بخمس خصالٍ منها: ما إذا طلّق المريض امرأته ثلاثاً ورثته إذا مات وهي في العدّة. وعن الشَّعْبِيّ: أنَّ أمّ البنين بنت عُيَيْنَة بن حصن الفَزَارية كانت تحت عثمان بن عفّان رضي الله عنه ففارقها بعدما حُصِرَ، فجاءت إلى عليّ بعدما قُتِلَ وأخبرته بذلك، فقال: تركها حتى إذا أشرف على الموت فارقها، وورّثها منه. ويشكل هذا بقولهم: لو كان محصوراً في حصن لا يكون فاراً.
وعن عائشة: أنّ امرأة الفَارِّ ترث منه ما دامت في العدّة. وعن أبيّ بن كعب: أنها ترث ما لم تتزوّج. وقال ابن سِيرِين: كانوا يقولون ولا يختلفون: من فرّ من كتاب الله رُدّ إليه. يعني هذا الحكم يردّ عليه قصده. ولم يُنْقَلْ عن صحابيّ خلافه، وبه قال النَّخَعِي، والشَّعْبِيّ، وسعيد بن المُسَيَّب، وابن سيرين، وعُرْوَة، وشُرَيْح، وطَاوُس، والثَّوْرِيّ، وابن شُبْرُمة، وحمَّاد بن أبي سُلَيْمَان، وبمثله يُتْرَك القياس. وابن عوف لم ينكر التوريث حتى رُوِي عن عثمان (أنه) عادَهُ فقال: لو مُتَّ ورّثتها منك، فقال: أنا أعلم ذلك، ما طلّقتها فراراً ولا ضِراراً.

وقال ابن أبي ليلى: إنّ عدّتها في حقّ الميراث لا تنقضي حتى إنّ لها الميراث ما لم تتزوّج، فإذا تزوّجت فهي التي رضيت بسقوط حقّها، ولها ذلك كما لو سألته في الابتداء. ولكنّا نقول لَمّا انقضت عدّتها حلّ لها أن تتزوّج، وذلك دليلٌ حكميّ منافٍ للنِّكاح الأوّل، فلا يبقى معه النِّكاح حكماً كما لو تزوّجت. وعلماؤنا شرطوا بقاء عدّتها لإرثها منه، ونفاه مالك وورّثها منه وإن تزوّجت، لإطلاق: مَن فرّ مِن كتاب الله رُدَّ إليه. قلنا: المرأة الواحدة لا ترث من زوجين بحكم النِّكاح، وما قال يؤدي إليه.
ويجعل أبو يوسف العدّة بالأَقراء، لأنّ النِّكاح قد انقطع بالطّلاق قبل الموت، فلزمها أن تعتدّ بثلاث حِيَضٍ، وإبقاء النّكاح في حق الإرث أمرٌ حكميٌّ، فلا يظهر في حقّ تغيير العدّة. وأبو حنيفة ومحمد قدّراها بأبعد الأجلين، لأن نكاحها لها إذا بَقِيَ في حقّ الإرث، فبقاؤه في حقّ العدّة أوْلى لأنها أسرع ثبوتاً منه، ولهذا وجبت دونه في النِّكاح الفاسد.
(
وَمَنْ هُوَ في صَفِّ القِتَالِ أوْ حُمَّ) أي حصل له حُمًّى لم يَعْجِز معها مِن إقامة مصالحه خارج البيت. فمَنْ مبتدأ، وحُمّ عطفٌ على هو في صفّ القتال، وكذا قوله: (أوْ حُبِسَ لِقَتْلٍ) في حدَ، أو قصاصٍ، أو نزل في مَسْبَعَةٍ ـ وهي أرضٌ كثيرة السَّبُع ـ أو في مخيفٍ من عدوٍ، أو حُصِرَ في حصنٍ أو دارٍ (صَحِيحٌ) خبر المبتدأ، والمراد به صحيحٌ في حقّ الطّلاق حتى لو طلّقها في حال من هذه الأحوال، ومات بذلك السبب وهي في العدّة لا ترث، لأنه لا يغلب في مثل هذا الهلاكُ.

(وَلَوْ تَصَادَقَا) أي الزّوج والمرأة (فِي مَرَضِهِ عَلَى طَلاَقِهَا ومُضِيّ عِدّتِهَا) بأنْ يقول: كنت طلّقتك ثلاثاً في صِحَّتي، وانقضت عدّتك وصدّقته. (أوْ أبَانَهَا بِأمْرِهَا ثُمَّ أَقَرّ لهَا) بعد التّصادق أو الإبانة (بَدَيْنٍ أوْ أوْصَى) بوصيةٍ (فَلَهَا الأَقَلُّ مِنْهُ) أي من كلّ واحد من الإقرار والوصية (وَمِنَ الإرْثِ) وهذا عند أبي حنيفة في المسألتين أعني التّصديق والإبانة، وعند أبي يوسف ومحمد في البائنة. وقال زُفَر: لها جميع ما أقرّ به أو أوصى في المسألتين، وإن تصادقا على الإبانة ومُضِيّ العدّة في زمان الصِّحَّة فأقرّ، أو أوصى لها بشيءٌ فالحكم كما تقدّم عند أبي حنيفة، وحَكَما بصحَّتها كمالك والشَّافعيّ.
(
وإنْ عَلَّقَ) الزّوج (بَيْنُونَتَهَا بِشَرْطٍ ووُجِدَ) ذلك الشّرط (في مَرَضِهِ) سواء كان التعليق في الصّحَّة أو في المرض (تَرِثُ إنْ عَلَّقَ بِفِعْلِهِ) سواء كان الفعل ممّا له منه بدّ، أو ممّا لا بدّ منه، لأنه قصد إبطال حقّها بالتعليق وبمباشرة الشّرط في المرض فيردّ عليه. قيّد بالبينونة، لأنه لو علّق الرّجعيّ ورثت في الأحوال الماضية كلها إذا مات في عدّتها (أو بِفِعْلِهَا وَلاَ بُدَّ لَهَا مِنْهُ) كالأكل والشُّرب وكلام الأبوين وقضاء الدّين واستقضائه، سواء كان التعليق في الصّحَّة أو في المرض، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقال محمد ـ وهو قول زُفَر ـ: إذا كان التعليق في الصِّحَّة والشّرط في المرض لا ترث، لأنه لم يوجد من الزّوج صنع بعد تعلّق حقّها بماله، وإنّما المرأة أبطلت حقّها بإتيانها بذلك الفعل. ولهما: أنّ الزّوج ألجأها إلى المباشرة، فينتقل إليه الفعل كما في الإكراه.

وفي مبسوط فخر الإسلام: الصحيح في هذه المسألة قول محمد. قيّد الفعل بكونه لا بدّ لها منه، لأنه لو كان لها منه بدّ لا ترث، سواء كان التعليق والشّرط في المرض، أو كان التعليق في الصّحَّةِ والشَّرط في المرض، لأنها رضيت بالشّرط فصار كما لو طلّقها بسؤالها (أوْ) عَلَّقَ (بِغَيْرِهِمَا) أي بغير فعله وفعلها بأن علّق بينونتها بفعلٍ أجنبيّ أو بمجيء وقتٍ (وَقَدْ عَلَّقَ فِي المَرَضِ) قيّد به، لأنه لو علّق في الصّحّة لا ترث. وقال زُفَر وأحمد والأوزاعيّ (والثَّوْرِيّ): ترث، لأنّ المعلّق بالشّرط كالمُنَجَّزِ عند وجوده، فكان تطليقاً بعد تعلّق حقّها فيردّ عليه لأنه ظلم. ولنا: أنّ المعلّق بالشّرط كالمُنَجَّزِ عنده حكماً لا قصداً، ولا ظلم إلاّ عن قصدٍ، فلا يردّ تصرفه. والله أعلم.

فصلٌ (في الرَّجْعَةِ)
(
تَصِحُّ الرَّجْعَةُ) بفتح الرّاء وبكسرها (في العِّدّةِ) لقوله تعالى: {فإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ}، ولأنّ الرّجعة استدامة ملك النِّكاح، ولا ملك بعد انقضاء العدّة. والدليلُ على بقاء الملك مطلقاً أنه يملك التّصرفات كالظِّهار والإيلاء، وأنّهما يتوارثان، وأنّه يحِل وطؤها بعد الرّجعة، وهي ليست بسبب لحِل الوطىء مقصوداً، حتى لا يُعْتَبر فيها مهرٌ ولا رضاها، وهذا معنى قوله: (وَإنْ أَبَتْ) أي المرأة لقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بَرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ} أي زمان العدّة، وعليه إجماع أهل العلم (إذَا لَمْ تَبِنْ) لم تصر بائنة (خَفِيفَةً) وهي طلقةٌ بائنةٌ (أوْ غَلِيظَةً) وهي الثلاث في الحرّة. والثنتان في الأمة (بِنَحْوِ: رَاجَعْتُكِ) وارْتَجَعْتُكِ، ورَجَّعْتُكِ، ورددتك، وأمْسَكْتُكِ، ومَسَكْتُكِ، أو رَاجَعْتُ امرأتي إن كانت غائبةً، وهذا صريح الرّجعة.

وأمّا كِنَايتها فنحو: أَنتِ عندي كما كُنتِ، وأنتِ امرأتي إذا نوى الرّجعة (وبوطئها) في فَرْجها أو دُبُرها، وعليه الفتوى. (ومَسِّهَا بِشَهْوَةٍ وَنَظَرِهِ إِلَى فَرْجِهَا) الدّاخل (بِشَهْوَةٍ) قيّد بالفرج لأن النّظر إلى دُبُرها ليس برجعة. وقال مالك وإسحاق: إنْ أراد بالوطىء الرّجعة فهو رجعة. وقال الشافعيّ وأبو ثوّر: لا تكون الرّجعة إلاّ بالقول.
ولنا: أنه بوطئها وبكل فعلٍ يختصّ بالنِّكَاح يكون مستديماً لملك النِّكاح، كَوطىء البائع أَمته إذا كان له الخِيار. ولو لَمَست زوجها بشهوةٍ، أو نظرت إلى فَرْجه بشهوةٍ وعلم الزّوج بذلك وتركها، فهو رجعة. وإن كان ذلك اختلاساً منها لا بتمكينه، فقال السَّرَخْسِيّ وشيخ الإسلام: إِنه رجعة عند أبي حنيفة ومحمد اعتباراً بالمصاهرة، وليست برجعة عند أبي يوسف، لأنّ الرّجعة إنما تكون من جانب الزّوج. ولو تزوّجها في العدّة فَرَجْعَةٌ عند محمد، ولغوٌ عند أبي حنيفة، وعن أبي يوسف روايتان. قال أبو جعفر: وبقول محمد نأخذ. وفي «الينابيع»: وعليه الفتوى.
(
وَنُدِبَ إشْهَادُهُ عَلَى الرَّجْعَةِ) بأن يقول لاثنين من المسلمين: اشهدا أنّي راجعت زوجتي، وبهذا قال مالك، والشافعيّ في الأصحّ، وأحمد في رواية. وقال القاضي أبو بكر بن العلاء، وأهل الظّاهر: يجب الإشهاد لقوله تعالى: {وأشْهِدُوا ذَوي عَدْلٍ مِنْكُمْ} حيث أَمر بالإشهاد، والأمر للوجوب.

ولنا: أن النصوص الواردة في الرّجعة ليست مقيّدة بإشهادٍ لقوله تعالى: {فَإذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أو فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف}، وقوله تعالى: {وبُعُولَتُهُنَّ أحَقّ برَدِّهِنَّ}، وقوله تعالى: {فإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} وقوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أنْ يَتَرَاجَعَا}، وقوله صلى الله عليه وسلم «مُرْ ابنك فليراجعها». وهو مرويّ عن ابن مسعود وعمّار بن ياسر.

(و) نُدِبَ (إعْلاَمُهَا) أي إعلام الرجل المرأة (بِهَا) أي بالرّجعة، لأنها إذا لم تعلم ربّما تزوّجت بآخر بعد انقضاء عدّتها. قال الطَّحَاوِيّ في شرحه: والرجعة على ضربين: سُنِّيٌّ وبِدْعِيٌّ، فالسُّنِّيُّ أن يراجعها بالقول، ويُشْهِدُ على رجعتها ويُعْلِمها، حتى لو راجعها بالقول ولم يُشهد أو أشهد ولم يعلمها كان مخالِفاً للسُّنَّة. وقال الحاكم الشهيد: وإذا كَتَمها الطّلاق، ثم راجعها وكتمها الرّجعة، فهي امرأته، غير أنه قد أساء فيما صنع. ولو راجعها ولم تعلم حتى انقضت عدّتها وتزوّجت بآخر، فهي امرأته ويُفَرَّقُ بينها وبين الثّاني سواء دخل بها، أو لم يدخل.
(
وَ) نُدِبَ (أنْ لاَ يَدْخُلَ عَلَيْهَا حَتَّى يُؤْذِنَهَا) أي يُعْلِمها بدخوله: بأنْ يخفق نعله أو يتنحنح (إنْ لَمْ يَقْصِدْ رَجْعَتَهَا) لأنّه قد يقع بصره على موضعٍ يصير به مراجِعاً، فيحتاج إلى طلاقها ثانياً فيطوّل عليها العدّة، وتتضرر بامتداد المدّة.
(
ومُعْتَدَّةُ الرَّجْعِيِّ تَتَزَيَّنُ) لأنّ النِّكاح قائمٌ إلى انقضاء العدّة، ولهذا يجري التوارث بينهما، وتطلق طلقة أخرى إذا قال: كل امرأة لي طالقٌ. ولأنّ التَّزيّن ربّما كان حاملاً له على الرّجعة وهي مستحبة. (وَلَهُ وَطْؤُهَا) ويكون به مراجعاً. وقال الشّافعيّ: ليس له ذلك. ولنا أنّ الزّوجيّة قائمةٌ لأنه تعالى سمّاه بَعْلاً بقوله تعالى: {وبعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بَرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ} ولأنه يملك مراجعتها بالقول من غير رضاها، والأجنبيّ لا يقدر على ذلك. (ولاَ يُسَافِرُ بِهَا حَتَّى) يراجعها و (يُشْهِدَ عَلَى رَجْعَتِهَا) على سبيل الاستحباب، لأنّ بالإشهاد يَتقرَّر ملك الزّوج اتفاقاً.

وقال زُفَر: يجوز له أنْ يسافر بها، وإن لم يراجعها لأنّ النِّكاح بينهما قائمٌ، فصار كما لو لم يطلّقها. ولنا: قوله تعالى: {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ} الآية في الرّجعي لقوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}، وقوله تعالى: {لاَ تَدْرِي لَعَلَّ ا يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْراً}.

(
وصُدِّقَتْ في مُضِيِّ عِدَّتِهَا إنْ أَمْكَنَ) مُضِيُّها (وَفِي بَقَائِهَا) واخْتُلِفَ في أقل مدّة تُصَدَّق فيها الحرّة الحائض في انقضاء عدّتها: فقال أبو حنيفة: ستون يوماً، وقال أبو يوسف ومحمد: تسعةٌ وثلاثون يوماً، وقال مالك: أربعون يوماً، وقال الشافعيّ: أكثر منِ اثنين وثلاثين يوماً، وقالت الحنابلة: تسعةٌ وعشرون يوماً. وأمّا أقلّ مدّة تُصدّق فيها الأمَة، فعند أبي حنيفة على تخريج محمد: أربعون يوماً، وعلى تخريج الحسن خمسةٌ وثلاثون يوماً، وعند أبي يوسف ومحمد: أحد وعشرون يوماً.
(
و) في (تَكْذِيبِهَا إخْبَارَهُ) أي وصدقت المرأة في تكذيبها إخبار الزّوج بعد العدّة (بالرَّجْعَةِ في العِدَّةِ) بأنّ قال بعد العدّة: كنت راجعت فيها، وكذَّبته.
ويجوز أنْ ينكح الرّجل مبانته في العدّة وبعدها لبقاء المحل، وإنما مُنع الغير من نكاحها في العدّة لاشتباه النَّسَبِ ، وهو إنما يكون عند اختلاف المياه، ولا اختلاف ههنا.

(وَلاَ تَحِلُّ حُرَّةٌ) لمطلِّقها قبل الدّخول بها أو بعده (بَعْدَ ثَلاَثٍ، وَلاَ أَمَةٌ) لمطلّقها كذلك (بَعْدَ ثِنْتَيْنِ حتّى يَطَأَهَا) ولو بغير إنزالٍ، أو في حيضٍ، أو صومٍ، أو إحرامٍ (بَالِغٌ أوْ مُرَاهِقٌ) وهو القريب من البلوغ. وقيل: الذي تتحرك آلته ويشتهي الجِماع. وقال سعيد بن المسَيَّب: لا يشترط الوطىء، لِمَا في «سنن سعيد بن منصور»، عن ابن المُسَيَّب قال: النّاس يقولون حتى يجامعها، أمّا أنا أقول إذا تزوّجها نكاحاً صحيحاً فإنها تحلّ للأول. وقد تبعه طائفة من الخوارج واسْتُغرِبَ هذا منه حتى قيل: لم يبلغه الحديث. كما استُغْرِبَ من الحسن اشتراط الإنزال نظراً إلى معنى العُسَيْلَة، وقولهما غير معتبرٌ حتى لو قضى القاضي به لا ينفذ.
(
بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ) لا بملك يمين ولا نكاحٍ فاسدٍ، لأن النِّكاح مشروطٌ بالنص، فلا يتناول وطىء المولى وهو مطلق، فلا يتناول الفاسد لأنّ المطلق يحمل على الكامل. وقال الشافعيّ في القديم: الوطىء في النِّكاح الفاسد يحلّ. (وقال مالك وأحمد في رواية: الوطىء في الحيض أو الإحرام لا يحلّ كالنكاح الفاسد). وحتّى (تَمْضِي عِدَّةُ طَلاَقِهِ) أو عدّة موته لقوله تعالى: {فَإنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} المراد الطلقة الثّالثة، والثنتان في الأمة كالثلاث في الحرّة، إذ الرِّق مُنَصِّفٌ لِحِل المحل.

والوطىء شرطٌ عند الجمهور لِمَا روى أصحاب الكتب الستة من حديث عائشة قالت: سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجلٍ طلّق امرأته، فتزوّجت زوجاً غيره فدخل بها، ثم طلقها قبل أنْ يواقعها أتحلُّ لزوجها الأول؟ قال: «لا حتّى يذوقَ الآخَرُ من عُسَيْلَتِها ما ذاق الأوّل». وفي نسخة: «مثل ما ذاق الأوّل». وروى أحمد في مسنده، عن مروان عن أبي عبد الملك المَكِيّ، عن عبد الله ابن أبي مُلَيْكَة، عن عائشة: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «العُسَيْلَةُ الجِماع». ورواه الدَّارَقُطْنِيّ في سننه، لكن المَكِّيّ مجهولٌ.
وفي السُّنَن إلاّ أبا داود عنها أيضاً قالت: جاءت امرأة رِفَاعَة القُرَظِيّ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: كنت عند رِفَاعة فطلّقني وبَتّ طلاقي، فتزوّجتُ بعده عبد الرحمن بن الزُّبير، وإنَّ ما معه مثل هُدْبَةِ الثَّوب، فتبسَّم صلى الله عليه وسلم وقال: «أتريدين أنْ ترجعي إلى رِفاعة»؟ قالت: نعم. قال: «لا حتّى تذوقي عُسَيْلَتَهُ ويذوقَ من عُسَيْلَتكِ». وفي لفظ للبخاري قال: كَذَبَتْ والله يا رسول الله، إنّي لأنفُضُها نفضَ الأديم، ولكنها ناشزٌ تريد أن ترجع إلى رِفَاعة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فإن كان ذلك لا تَحِلِّين له حتّى يذوقَ من عُسَيْلَتِكِ». قال: وكان مع عبد الرحمن ابنان له من غيرها، فقال صلى الله عليه وسلم «بَنُوكَ هؤلاء؟». قال: نعم. فقال لها: هذا، وأنتِ تَزْعُمين ما تزعمين، فوالله لَهُمْ أشبهُ به من الغُراب بالغُراب».

وقد ثبت شرط الدّخول بإشارة النص، وهو أن يحمل النِّكاح على الوطىء حملاً للكلام على الإفادة دون الإعادة، إذ العقد استفيد من إطلاق اسم الزّوج. وفي «المبسوط»: المقصود منع الزّوج من استكثار الطَّلاق، وذا لا يحصل بمجرد العقد، بل بما فيه من المغايظة للزوّج، ودخول الثَّاني مباحٌ مُبْغَضٌ عند الزّوج الأول، كما أَنّ الاستكثار من الطّلاق مباحٌ مُبْغَضٌ أي عند الله ليكون الجزاء بحسب العمل أي {جزَاءً وِفَاقاً}.
وفي «الأصل»: وإذا طلّق الرّجل امرأته ثلاثاً جميعاً، فقد خالف السُّنَّة وهي طالقٌ ثلاثاً، ولا تحلّ له حتّى تنكح زوجاً غيره، ويدخلَ بها. بلغنا ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن عليّ، وابن مسعود، وابن عبّاس، وغيرهم، إن دخل بها أو لم يدخل بها ـ أي الزّوج الأول ـ فهو سواء. وعن «المُشْكِلاَت»: من طلّق امرأته غير المدخول بها ثلاثاً، فله أنْ يتزوّجها بلا تحليل، وأمّا قوله تعالى: {فإنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ منْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} ففي حقّ المدخول بها. انتهى. وهذه روايةٌ مردودةٌ بالغ ابن الهُمَام في تخطئة قائلها، بل قيل: بتكفيره.

وذكر التُّمُرْتَاشِيّ عن «فتاوى الوتري»: أنّ الشيخ الكبير الذي لا يقدر على الجِماع لو أولج بمساعدة اليد لا تحلّ. وفي «العيون» و «الفتاوى الصغرى»: لو خافت أنّ يَظْهَر أمرها على المُحَلِّل تَهَب لبعض من تثق به مالاً يشتري به مراهقاً فيتزوّجها به بشاهدين ويدخل بها، ثم يهَب المشتري المملوك من المرأة فيبطل النِّكاح، وترسل المملوك إلى بلدٍ آخر وتبيعه، فلا يظهر أمرها بوطىء الزَّوج الثّاني.

وذكر التُّمُرْتَاشِيّ أنها إن خافت أن لا يطلّقها المحلِّل فقالت: زوّجتُك نفسي على أنّ أمري بيدي أطلق نفسي كُلَّمَا أردت، فقيل: جاز النِّكاح، وصار أمرها بيدها. ولو كانت المرأة مُفْضَاة لا تَحِلُّ للأول بعد دخول الثّاني إلاّ إذا حَبِلت، ليعلم أنّ الوطىء كان في قُبُلِها. ووطىء الذميّ الذميّة يُحِلّها، وبه قال الشّافعيّ وأحمد. وقال مالك: لا يُحِلّها بناءً على فساد أنكحتهم عنده.
(
والنِّكَاحُ بِشَرْطِ التَّحْلِيلِ) بأنْ يقول هو تزوّجتك على أنْ أُحَلِّلَكِ، أو تقول هي تزوّجتُك على أنْ تُحَلِّلَنِي (يُكْرَهُ ويُحِلُّ) بضم فكسر أي يثبت الحِلُّ. قيّد بشرط التحليل، لأنه لو لم يكن بشرطٍ بل كان بنيته لا يكره. قال المَرْغِينَانِيّ: ويُثَاب على ذلك إذا كان قصده به الإصلاح.
وقال مالك والشافعيّ وأحمد وأبو يوسف واللّيث وإسحاق وأبو عُبَيْدَ: اشتراط التحليل يُفْسد العقد، ولا تَحِلّ للأول. وقال محمد رحمه الله تعالى: لا يفسد العقد، ولا تحلّ للأوّل. لهم: ما رواه الحاكم في «المستدرك» وصححه، من حديث عمرو بن نافعٍ، عن أبيه أنه قال: جاء رجلٌ إلى ابن عمر رضي الله عنه فسأله عن رجلٍ طلّق امرأته ثلاثاً، فتزوّجها أخٌ له ليحلّها ـ وفي نسخة: ليحَلِّلَها ـ لأخيه هل تحلّ للأوّل؟ قال: لا إِنَّ النِّكاح رغبةٌ، كنّا نعدّ هذا سِفاحاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
وما روى النَّسائي، وأحمد، والترمذيّ وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ، أنه قال صلى الله عليه وسلم «لعن الله المُحَلِّلَ والمُحَلَّل له». وما روى ابن ماجه من حديث ابن عبّاس وعُقْبَة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا أخبركم بالتيس المُسْتَعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: «هو المحِلّ ـ، وفي نسخة: المحلل ـ لعن اللَّهُ المحلِّل والمحلَّل له».

قال عبد الحق (في «الأحكام»: إسناده حسن، وروى أبو داود) والترمذيّ، وابن ماجه، عن الحارث، عن عليّ قال: لعن رسول الله المحلِّل والمحلَّل له. ورواه الترمذي والنَّسائي عن ابن مسعود من غير وجهٍ. ورواه أحمد، والبزَّار وابن أبي شَيْبَة، وغيرهم عن أبي هريرة بنحوه سواء.

ولنا: أنّ شرط التَّحليل في النِّكاح شرطٌ فاسدٌ، والنِّكاح لا يفسد بالشُّروط الفاسدة، إلاّ أنّ محمداً لم يثبت الحِلَّ للأوَّل لأنه استعجل ما أخّره الشرع فجُوزِيَ بمنعه. فهذا الحديث يقتضي صحة النِّكاح والحلّ للزّوج الأوّل والكراهة. والجواب عن حديث الحاكم: أنّه ليس بمرفوعٍ فلا يُعَارِضُ المرفوع.
(
وإنْ قَالَتْ) المُطَلَّقة ثلاثاً (حَلَلْتُ، والمُدَّةُ تَحْتَمِلُ) بأن ذكرت لكل عِدَّةٍ ما يمكن، وهو شهران عند أبي حنيفة رحمه الله، وتسعة وثلاثون يوماً عندهما (وغَلَبَ عَلَى ظَنّهِ صِدْقُهَا حَلّ له نِكَاحُهَا) لأنّ النِّكاح إما أمرٌ دُنْيَويّ، وقول الواحد فيه مقبولٌ كالوكالة، وإمّا أمرٌ دينيّ وقول الواحد فيه مقبولٌ كالإخبار بطهارة شيءٍ، ونجاسة الماء، ورواية الحديث. وسُئِلَ الصَّفَّار ونجم الدين النَّسَفِيّ عن امرأة سمعت الطَّلاق الثلاث من الزّوج، ولا يمتنع عنها هل يَسَعُها قَتْلُه؟ قالا: يسعها عند إرادة قربانها. وهكذا أفتى السيد أبو الشُّجاع. وقال: الإسبِيجَابِيّ: لا يسعها.
(
والزَّوْجُ الثَّانِي يَهْدِمُ مَا دُونَ الثَّلاثِ) عند أبي حنيفة (وأبي يوسف) حتى لو طلّقها واحدة، وانقضت عدّتها، وتزوّجت بآخر وطلّقها، وانقضت عدّتها منه، ثم تزوّجها الأوّل يملك عليها ثلاثاً إن كانت حرّة، وثِنتين إن كانت أَمة.

(خِلاَفاً لِمُحَمَّد) فإنّ عنده لا يهدِم، فيملكها الأوّل إذا عادت إليه بعد زوج بما بَقِيَ من الثلاث. وبه قال مالك والشافعيّ وأحمد وزُفَر لِمَا روى البَيْهَقِيّ في «المعرفة» من طريق الشافعيّ، عن ابن عُيينة (عن الزُّهْرِيّ، عن حُمَيد بن عبد الرحمن بن عَوْف، وعبيد الله بن عبد الله بن عُتْبَة،) وسُلَيْمَان بن يَسَار أنهم سمعوا أبا هريرة يقول: سألت عمر بن الخطّاب عن رجلٍ من أهل البَحْرين طلّق امرأته تطليقة أو تطليقتين، ثم انقضت عدّتها. فتزوّجها غيره، ثم فارقها، ثم تزوّجها الأوّل. قال: هي عنده على ما بَقِي. وروى أيضاً ـ من حديث الحاكم ـ ابن عُيَيْنَة، عن يزيد بن جابر، عن أبيه أنه سمع عليّ بن أبي طالبٍ يقول: هي على ما بَقِي. ونُقِلَ مثله عن أُبيّ بن كعب، وعِمْران بن حُصَيْن.
ولأبي حنيفة وأبي يوسف: ما روى محمد في «الآثار» عن أبي حنيفة، عن حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان، عن سعيد بن جُبَيْر قال: كنتُ جالساً عند (عبد الله ابن) عُتْبَة بن مسعود إذ جاءه أعرابي، فسأله عن رجلٍ طلّق امرأته تطليقة أو تطليقتين، ثم انقضت عدّتها وتزوّجت زوجاً غيره فدخل بها، ثم مات عنها أو طلّقها، ثم انقضت عدّتها فأراد الأوّل أن يتزوّجها، على كم هي عنده؟ فالتفت إلى ابن عبّاس وقال: ما تقول في هذا؟ فقال: يَهْدِم الزّوجُ الثّاني الواحدةَ والثِّنتين والثلاث، واسأل ابن عمر. قال: فلقيت ابن عمر فسألته، فقال مثل ما قال ابن عبّاس. قال بعض المحققين: الظاهر ما قال محمد وباقي الأئمة. ولقد صدق قول صاحب «الأسرار»: مسألةٌ اختلف فيها كبار الصحابة (يَعُوز فِقْهُها)، ويَصْعُب الخروج عنها.

فصلٌ (في الإيلاَءِ)
(
الإِيْلاءُ) في اللغة: اليمين، يقال: آلَى يُؤلي إيلاءً، كأعطى يُعْطي إعطاءً.

وفي الشرع: (حَلِفٌ) بما يوجب الكفارة أو الجزاء (يَمْنَعُ وَطْىءَ الزَّوْجَةِ) مسلمة كانت أو كتابية (أرْبَعَةَ أشْهُرٍ) أو أكثر حال كونها (حُرَّةً)، وإن كانت تحت عبدٍ (وشَهْرَيْنِ) حال كونها (أَمَةً) كوالله لا أقربك أربعة أشهر، أو والله لا أقربك. قيّد بالزوّجة لأنّ الشخص لا يكون مُولِياً من أَمته، لأن قوله تعالى: {لِلّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ} لا يتناول إلاّ الزّوجات. ويصحّ الإيلاء من المطلَّقة الرّجعية لقيام الزَّوجية، ولقوله تعالى: {وبُعُولَتُهُنَّ}، والبعل: الزوج حقيقةً.
وقال مالك والشّافعيّ أَزيد من أربعة أشهر. لنا: أنّ النَّصّ على أربعة أشهر يمنع الزيادة عليها، كالنّصِّ على أربعة أشهرٍ وعشر في عدّة الوفاة، وعلى ثلاثة في عدّة الحياة.
وروى الواحديّ في «أسباب النُّزول» بسنده عن عطاء، عن ابن عبّاس قال: كان إيلاء أهل الجاهليّة السَّنَة والسنتين وأكثر من ذلك، فوقّت الله أربعة أشهرٍ، فمن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فليس بمولٍ. ثم قال سعيد بن المُسَيَّب: كان الإيلاء ضِرَارَ أهل الجاهليّة، كان الرّجل لا يريد المرأة، ولا يحب أن يتزوّجها غيره، فيحلف أنْ لا يقربها أبداً، فكان يتركها كذلك، لا أيّماً ولا ذات بعلٍ، فجعل الله تعالى الأجل الذي يعلم به ما عند الرجل في المرأة أربعة أشهرٍ، وأنزل: {لِلّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} الآية.
وألفاظه صريحٌ نحو: لا أَقْرَبُكِ، لا أجامعك، لا أطؤك، لا أُبَاضِعُك، لا أغتسل منك من جنابة، فلو ادّعى أنه لم يعنِ الجماع لم يُصَدَّقْ قضاءً، وكنايةٌ يحتاج إليها نحو: لا أَمَسُّكِ، لا آتيكِ، لا أغشَاكِ، لا أجمع رأسي ورأسكِ، لا أُضاجعكِ، لا أَقْرَبُ فراشكِ، ويصدّق في عدم النيّة قضاءً.

(فَإنْ قَرِبَهَا) أي وطئها الزَّوج في المدّة، أي في أربعة أشهرٍ في الحُرَّة، وفي شهرين في الأمة (حَنِثَ) لفوات البِّر (ويَجِبُ الكَفَّارَةُ في الحَلِفِ بالله) وهو قول مالك، والشّافعيّ في الجديد، وأحمد، لأنّ هذا النوع من الحَلِف مُوجِبٌ للكفارة عند الحنث.
(
وَ) يجب (فِي غَيْرِهِ) أي في غير الحَلِف بالله وهو التعليق (الجَزَاءُ) لتحقق موجبه (ويَسْقُطُ الإيلاَءُ) بإجماع العلماء لانحلال اليمين بالحِنْث.

(
وَإلاَّ) أي وإن لم يقربها الزّوج في المدّة (بَانَتْ بِوَاحِدَةٍ) ولا تتوقّف الفُرْقة بينهما على تطليقه إياها، أو تفريق الحاكم بينهما عندنا. وقال مالك، والشافعيّ، وأحمد يُوقَفُ حتّى يطلِّق. والمسألة ذات خلافٍ بين الصّحابة والتابعين. قال البخاري في «صحيحه»: قال لي إسماعيل: حدّثني مالك، عن نافع، عن ابن عمر: إذا مضت المدّة يُوقَفُ حتى يطلِّق. ولا يقع عليه الطّلاق حتّى يطلّق. قال ويُذْكَرُ عن عثمان، وعليّ، وأبي الدرداء، وعائشة، واثني عشر رجلاً من الصحابة.
وقال أبو عيسى الترمذيَّ في «جامعه»: اختلف أهل العلم، فقيل: إذا مضت أربعة أشهرٍ يوقّف فإمّا أنْ يفيء، وإمّا أنْ يطلّق. وهو قول مالك والشافعيّ وأحمد وإسحاق. وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهم: إذا مضت أربعة أشهر، فهي تطليقةٌ بائنةٌ. انتهى. وفي «موطّأ محمد بن الحسن»: بلغنا عن عمر بن الخطّاب، وعثمان بن عفّان، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، أنهم قالوا: إذا آلى الرّجل من امرأته، فمضت أربعة أشهرٍ قبل أن يفيء، فقد بانت بتطليقةٍ، وهو خاطبٌ من الخُطَّاب. وكانوا لا يروْن أن توقّف بعدها أربعة أشهر.

قال ابن عبّاس في تفسير هذه الآية: {لِلّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فَاؤُا فَإنّ ا غَفُورٌ رحيمٌ وإنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فإنَّ ا سَمِيعٌ عَلِيمٌ} الفيء: الجماع في الأربعة الأشهر، وعزيمة الطّلاق: انقضاء الأربعة الأشهر، فإذا مضت بانت بتطليقةٍ ولا توقّف بعدها. وكان ابن عباس أعلم بتفسير القرآن من غيره. انتهى كلام محمد.
ثم عندهم الفيء الذي يُؤْمَرُ به الزّوج بعد مُضِيّ المدّة لقوله تعالى: {فإنْ فَاؤُا} بحرف التعقيب، وعندنا الفيء في المدّة لقراءة ابن مسعود: فإنْ فَاؤُا فِيهِنَّ، وقراءته لا تتخلّف فيها عن سماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم والتقسيم في قوله تعالى: {وإنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ} دليلٌ أيضاً على أن الفيء في المدّة، وعزيمة الطَّلاق بعدها، كما في قوله تعالى: {فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أو سَرِحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} والإمساك بالمعروف بالمراجعة في العدّة، والتّسريح بالإحسان بتركها حتى يتبين بمُضِيّ العدّة.
ثم عندهم لا يقع إلاّ بتفريق القاضي بينهما، أو بإيقاع الزّوج الطّلاق، لأن الله تعالى قال: {فإنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فإنّ ا سَمِيعٌ عَلِيمٌ} وَهو إشارةٌ إلى أنّ عزيمة الطّلاق بما هو مسموعٌ، وذلك بأحدهما.

ولنا أنّه تعالى ذكر عزيمة الطّلاق بعد ذكر المدّة، وهو إشارةٌ إلى أنَّ ترك الفيء في المدّة عزيمة الطّلاق عند مُضِيّها. وقد رُوِيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عزيمة الطَّلاق مُضِيّ أربعة أشهر». وقد أضافه إلى الزّوج، فدلّ أنّ الطّلاق يتمّ به من غير حاجةٍ إلى قضاء القاضي. ومعنى قوله تعالى: {فإنّ ا سَمِيعٌ عَلِيمٌ} لإيلائه عليمٌ بقصد إضراره. وما رواه عبد الرّزّاق في «مصنفه»: حدثنا مَعْمَرُ عن عطاء الخُرَاسَانِيّ، عن أبي سَلَمَة بن عبد الرّحمن أنّ عثمان بن عفّان وزيد بن ثابت كانا يقولان في الإيلاء: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقةٌ واحدةٌ، وهي أحقُّ بنفسها، وتعتدّ عدّة المطلّقة. قال: وأَخبرنا مَعْمَرُ، عن قَتَادة: أنّ علياً، وابن عبّاس قالوا: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقةٌ، وهي أحقُّ بنفسها، وتعتدّ عدّة المطلّقة.
وأخرج نحوه عن عطاء، وجابر بن زيد، وعِكْرِمَة، وابن المُسَيَّب، وأبي بكر بن عبد الرّحمن، ومَكحُول. وروى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن ابن عبّاس وابن عمر قالا: إذا آلى فلم يفء حتّى إذا مضت أربعة أشهرٍ، فهي تطليقةٌ بائنةٌ.
وأخرج نحوه ابن الحنفيّة، والشَّعْبِي، والنَّخَعِيّ، ومسروق، والحسن، وابن سِيرين، وقَبِيصَة، وسالم، وأبي سَلَمة.
والحاصل: أَنّ ما رويناه فهو عن الأكابر منهم والفقهاء فيهم، فيكون أرجح وأولى ويسمع الكل لقوله صلى الله عليه وسلم «أصحابي كالنُّجوم بأَيِّهم اقتديتم اهتديتم».
(
وسَقَطَ الحَلِفُ المُؤَقَّتُ) بأربعة أشهرٍ في الحرّة، وبشهرين في الأمة، لأن اليمين لا تبقى بعد مُضِيّ وقتها. (لا المُؤَبَّدُ) أي فلا يسقط الحَلِفُ المؤبّد نحو: والله لا أقربك، وإن لم يقل أبداً عند أبي حنيفة، خلافاً لهما حيث قالا: لا بد من ذكر الأبد، أو ما يقوم مقامه. وإنّما لم يسقط لعدم ما يبطله من حِنْث أو مُضِيّ وقت.

(فَتَبِينُ بأُخْرَى إنْ مَضَتْ مُدَّةٌ أخْرَى) وهي أربعة أشهرٍ في الحرة، وشهران في الأمة (بَعْدَ نِكَاحٍ ثَانٍ) من الحالف (بِلاَ فَيِءٍ) أي بلا قربان (ثُمَّ أُخْرَى) أي ثم تَبين بأُخرى (كَذَلِكَ) أي إنْ مضت المدتان (بَعْدَ) نِكاحٍ (ثَالِثٍ) من الحالف بلا فَيءٍ (وبَقِي الحَلِفُ بَعْدَ) وقوع طلقاتٍ (ثَلاَثٍ) لبقاء اليمين.
وفي «شرح الوقاية»: هذا إن كان الحَلِف بغير طلاقها، وإن كان بطلاقها لا يبقى الحَلِفُ لأنّ التنجيز يُبْطِلُ التّعليق، (لاَ الإيلاَءُ) أي ولا يبقى الإيلاء، لأنّه بمنزلة تعليق الطَّلاق بمضيّ الزّمان، فلا يبقى بعد استيفاء الملك كما لو قال: كلما مضى أربعة أشهر فأنتِ طالقٌ.

(
فإنْ قَرِبَهَا) بعد زوج (كَفَّرَ) لبقاء اليمين (وَلاَ تَبِينُ بالإيلاَءِ) لزواله، فصار كما لو قال لأجنبية: والله لا أَقْرَبُكِ، ثم تزوّجها فإنه لا يكون مُولِياً، وتجب الكفَّارة إذا قَرِبَها. احترز بقوله «بعد نكاحٍ ثانٍ» عن قول أبي سهل البردعي قال: إنّ اليمين تنعقد بعد انقضاء أربعة أشهرٍ قبل انقضاء عدّتها، لأن معنى الإيلاء على الأبد هو كلَّمَا مضى أربعة أشهرٍ ما أقربك فيها فأنتِ طالقٌ، ولو قال ذلك لكان الحكم فيه ما بيّنا. والأصحُّ ما ذكره المصنف، وهو قول الكَرْخِيّ لأنّ انعقاد اليمين ابتداءً لاعتبار معنى الإضرار، وهو ليس بموجودٍ في المبانة ما لم يتزوّجها.

(وَلَوْ عَجزَ عَنْ الفَيءِ بِالْوَطْىءِ) من وقت الإيلاء إلى مُضِيّ أربعة أشهرٍ في الحرّة وشهرين في الأمة (لِمَرَض أحَدِهِمَا أَوْ غَيْرِهِ) أي لغير المرض: بأنْ كانت رَتْقَاءَ، أو صغيرةً، أو في مكان لا يعرفه، أو كان مجبوباً، أو عِنّيناً، أو أسيراً في دار الحرب، أو بينه وبينها مسيرة أربعة أشهرٍ (فَفَيْؤهُ أنّ يَقُولَ: فِئْتُ إلَيْهَا) أو: رجعت إليها، أو: راجعتها، أو: أبطلت إيلاءها. وسقط الإيلاء على المذهب عندنا، ولكن لا يَحْنَث إلاّ بالوطىء.
وقال سعيد بن جُبَيْر: لا يكون الفيء إلاّ بالجماع، وهو مَرْويّ عن أبي ثَوْر، ومختار الطَّحَاوي، وبه قال مالك والشّافعيّ. قيّدنا العجز بكونه من وقت الإيلاء إلى آخر المدّة، لأنه لو آلى وهو قادرٌ على الوطىء ثم عجِزَ عنه، أو آلى وهو عاجزٌ عنه ثم زال عجزه في المدّة، لم يصحّ فيئه باللسان، لأنّ الفيء حَلِفٌ عن الجماع فيشترط فيه العجز المستوعِب للمدّة.
(
فإنْ قَدِرَ) على الجماع (قَبْلَ المُدَّةِ) بعد فيئه باللسان (فَفَيْؤهُ بِالْوَطْىءِ) لأنّه قَدِر على الأصل قبل حصول المقصود بحَلِفه، فصار كالمتيمم إذا رأى الماء وهو في الصّلاة. (وفي: وأنْتِ عَلَيّ حَرَامٌ) يرجع إلى نيّته (إنْ نَوَى الظِّهَارَ أوْ الثَّلاَثَ أوْ الكَذِبَ فَمَا نَوَى)، وقال محمّد: إنْ نوى الظِّهار لا يكون مُظَاهِراً لعدم ركن الظِّهار، وهو تشبيه بالمُحَرَّمَة على التأبيد.
ولنا: أنّ هذا اللفظ يحتمل الظِّهار لِمَا فيه من معنى الحرمة فإذا نواه صحّت نيّته. (وإنْ نَوَى التَّحْرِيمَ فإيلاَءٌ) لأنّ تحريم الحلال يمينٌ عندنا لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ ااُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أزْوَاجِكَ والّلهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَدْ فَرَضَ ا لَكُمْ تَحِلَّةَ أيْمَانِكُمْ}.

(وَإنْ نَوَى الطَّلاَقَ، أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئاً فِيهِ) أي في: أنتِ عليَّ حرامٌ، (وَكَذَا في: كُلُّ حِلَ عَلَيَّ حَرَامٌ (وفي حلال الله عليَّ حرام، وفي: حلال المسلمين عليَّ حرام) فَبَائِنَةٌ) أمّا إن نوى «بأَنتِ عليّ حرامٌ» الطّلاقَ، فإنّ التَّحريم من ألفاظ الكنايات، والواقع بها بائنٌ. وأمَّا إذا لم ينوِ شيئاً فجَعَلَه المتقدّمون إيلاءً، وهو مختار صاحب «مواهب الرحمان»، وصرفه المتأخِّرون إلى الطّلاق البائن، وهو مختار الفضل، والإسكاف، وأبي بكر بن أبي سعيد، والفقيه أبي جعفر الهِنْدُوَانِيّ. قال الفقيه أبو الليث: وبه نأخذ، لأن العادة جرت أنهم يريدون بهذا اللفظ الطّلاق. والله أعلم.

فصلٌ في الخُلْعِ
وهو بالضمّ لغةٌ في الخَلْع بمعنى النّزع، يقال: خَلَعَ نعله وثوبه.
وشرعاً: أخذ المال بإزاء ملك النّكاح بلفظ الخُلْع. فإنّ الطَّلاق على مالٍ ليس خُلْعاً بل في حكمه من وقوع البينونة لا مطلقاً، وإلاّ يجري فيه الخلاف في أنه فسخٌ. وقيل: إزالة الزّوجيّة ببذل بدَلٍ. (لاَ بَأسَ بِالخُلعِ عِنْدَ الحَاجَةِ) لقوله تعالى: {فإنْ خِفْتُمْ ألاّ يُقِيمَا حُدُودَ ا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}، والمراد بالخوف هنا العلم، لأن الخوف من لوازمه. وقيل: الظن، وهو الأظهر. والخطاب للحكام أو لأهل الإسلام، وهذا الشرط خرج مخرج العادة لجواز الخُلْع بدونه.

والمراد بالحدود: ما يلزم الزوجين من مواجب الزّوجيّة، وسمّى ما أعطت فداءً لأنها كالأسير في يده تخلّص نفسها منه. والمعنى: لا جناح على الزّوج فيما أخذ، ولا على المرأة فيما أعطت، ولِمَا في «صحيح البخاريّ» عن ابن عباس: أنّ امرأة ثابت بن قيس أتت النَّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: ثابت بن قيس ما أَعِيب عليه في خُلُقٍ ولا دينٍ، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال صلى الله عليه وسلم «أَتَرُدِّينَ عليه حديقته»؟ قالت: نعم. قال صلى الله عليه وسلم «اقْبَل الحديقةَ وطلِّقْهَا تطليقةً». (وفي «مصنف ابن أبي شَيْبَة» مكان: «اقبل الحديقة وطلّقهاَ»: فأمره أن يأخذ منها حديقته) ولا يزداد.
وقال بكر بن عبد الله المُزَنِيّ: الخُلْع غيرُ جائزٍ، لأنّ الآية السابقة منسوخةٌ بقوله تعالى: {وَإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً}. وأجِيبَ: بأنّ شرط النَّسخ العلم بتأخر الناسخ، وتعذّر الجمع بينهما. ولم يوجدا، إذ يمكن الجمع بحمل عدم الأخذ على سوى الخُلْع وفَقْد رضاها. وقد يقال: إنّ النهيّ متعلق بما إذا أراد الزّوج استبدال غيرها مكانها، والآية الأخرى مُطْلقة، فكيف تكون ناسخةً؟ وقيَّدته الظّاهريّة بما إذا كرهته وخافت أنْ لا يوفيها حقّها وأن لا تُوفِّيه. ومنعته إذا أكرهها هو. وقال قوم: لا يجوز إلا بإذن السّلطان، رُوِيَ ذلك عن ابن سيرين، وسعيد بن جُبَيْر، والحسن. ولَعلّ متمسَّكَهم ظاهرُ قوله تعالى: {فإنْ خِفْتُمْ} على أنّ الضمير للحُكَّام.

(بِمَا يَصِحَّ مَهْراً) أي بجنس ما صَلُح لا بمقداره (وَهُوَ طَلاَقٌ بَائِنٌ) عند جماهير الأئمة من السلف والخلف. وقال أحمد وإسحاق بن رَاهُويَه والشّافعي في القديم: فُرْقَةٌ بغير طلاقٍ. لما رواه الدَّارَقُطْنِيّ عن ابن عبّاس: الخلع فُرْقَةٌ وليس بطلاقٍ، ولما روى عبد الرّزّاق في مصنفه من رواية طاوُس، عن ابن عبّاس أنه قال: لو طلّق رجل امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه، حلّ له أنْ ينكحها. ذكر الله الطَّلاق في أول الآية وفي آخِرها، والخُلْع بينهما بقوله: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} إلى أن قال: {فَلاَ جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} ثم قال: {فَإنْ طَلَّقَهَا} يعني الثالثة المفاد شرعيتها بقوله تعالى: {أوْ تَسْرِيحٌ بإحْسَانٍ} فيكون الافتداء غيرَ طلاقٍ، وإلاّ كان أربعاً، والثّاني منتفٍ. ولأن النِّكاح يحتمل الفسخ لأنه يفسخ بخِيار العتق فكذا بالتَّراضي بالخلع، كالبيع في الإقالة.

وعن الحنابلة: لا يقع بالخلع طلاقٌ، بل هو فسخ بشرط عدم نيّة الطّلاق لا يُنْقص عدد الطّلاق. وقال آخرون: يقع ويكون رجعيًّا، فإن راجعها ردّ البدل الذي أخذه. (رواه عبد الرّزاق عن مَعْمَر، عن قَتَادة، عن سعيد بن المُسَيَّب قال: وكان الزّهْرِي يقول ذلك.).

ولنا: ما روى عبد الرّزّاق، وابن أبي شَيْبَة في «مُصنَّفَيهما»، عن ابن جُرَيْج عن داود بن أبي عاصم، عن سعيد بن المُسَيَّب: أنّ النْبيّ صلى الله عليه وسلم جعل الخُلْع تطليقة. وما روى الدَّارَقُطْنِيّ والبَيْهَقِيّ في سننيهما، وابن عَدِيّ في «الكامل» من حديث عَبَّاد بن كَثِير، عن أيوب، عن عِكْرمة، عن ابن عباس: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم جعل الخُلع تطليقةً بائنةً. لكن عبَّاد بن كثير فيه كلام، إلاّ أنه يَنْجَبِرُ بحديث ابن المُسَيَّب وإن كان مرسلاً، فإن مرسَلَه حُجَّةٌ إجماعاً. ورَوَى مالك، عن هِشَام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن جُهْمان مولى الأسلميين، عن أم بَكْرَة الأسْلَميّة: أنها اختلعت من زوجها عبدِ الله بن خالد بن أَسد، فأتيا عثمان في ذلك فقال: هي تطليقةٌ.
وروى ابن أبي شَيْبَة بسنده إلى ابن مسعودٍ أنّه قال: لا يكون طلقةً بائنةً إلا في فديةٍ أو إيلاءٍ. وروى نحوه عن عليّ أيضاً: فإذا قالت: اخلعني، أو قالت: طلّقني على ألفٍ مثلاً، فَفَعَلَ ما قالت في المجلس، بانت منه. (وَيَجبُ عَلَيْهَا بَدَلُهُ) ـ بفتح الدّال المهملة لا بسكون المعجمة ـ أي ويجب على المختلعة عوض الخُلْع لأنه واجبٌ بالتزامها.
(
وكُرِهَ) للزوج (أخْذُهُ) أي البدل منها (إن نَشَزَ) هُوَ وكَرِهها.
وقال مالك: لا يجوز لقوله تعالى: {وإنْ أرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً} والقنطار: المال العظيم. ولنا: أنّ النهيّ في الآية لمعنى في غيره، وهو زيادة الإيحاش، والنهي لمعنى في غيره لا يعدم المشروعية، كالبيع وقت النّداء يوم الجمعة، يجوز مع الكراهة.

(والفَضْلُ) أي وكُرِهَ للزوج أخذ الزائد على ما أعطاها (إنْ نَشَزَتْ) هكذا قال القُدُورِيّ، وهو رواية «الأصل». وفي «الجامع الصغير»: أَنّ الفضل يطيب له لإطلاق قوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} ، ودليل «الأصل» وهو الصحيح ما قدّمنا. وما روى ابن أبي شَيْبَة، وعبد الرّزّاق في مصنفيهما، عن حفص، عن ابن جُرَيْج، عن عطاء قال: جاءت امرأةٌ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم تشكو زوجها، فقال: «أَتَرُدِّينَ عليه حديقته التي أَصْدَقَكِ»؟ قالت: نعم وزيادة. قال: «أمّا الزيادة فلا». وما أخرج الدَّارَقُطْنِيّ في «سننه» عن حَجَّاج، عن ابن جُرَيْج قال: أخبرني أبو الزُبَيْر: أنّ ثابت بن قيس بن شَمَّاس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أُبيّ ابن سَلُول، وكان أصدقها حديقة وكرهته، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم «أتردين عليه حديقته التي أعطاكِ»؟ قالت: نعم وزيادة. فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم «أمّا الزِّيادة فلا».

وأخرج أيضاً عن عطاء أنّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا يأخذ الرّجل من المُخْتَلَعَة أكثر ممّا أعطاها». وروى وَكِيع عن أبي حنيفة، عن عَمّار بن عِمْرَان الهَمْدَانِيّ، عن أبيه، عن عليّ أنه كَرِه أن يأخذ منها أكثر ممّا أعطاها. وذكر عبد الرّزّاق عن عليّ: لا يأخذ منها فوق ما أعطاها. وذكر أيضاً: أنّ الرُبَيِّع بنت مُعَوِّذ بن عَفْرَاء: حدّثته أنها اختلعت من زوجها بكل شيءٍ تملكه، فخوصم في ذلك عثمان رضي الله عنه فأجازه، وأمره أنّ يأخذ عِقَاص رأسها فما دونه. ورُويَ أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه رُفِعَتْ إليه امرأةٌ نشزت على زوجها، فقال: اخلعها ولو من قُرْطِها. فكانت المسألة خلافية بين الصحابة رضي الله عنهم.

(وإنْ طَلّقَ بِمَالٍ) بأنْ قال: طلْقتكِ بألفٍ (أوْ عَلَى مَالٍ) بأنّ قال: أنتِ طالقٌ على ألفٍ (وَقَعَ بَائِنٌ إنْ قَبِلَتْ) ولزمها المال. (وَ) إنْ طلّق المسلم أو خالع (بِخَمْرٍ أوْ خِنْزِيرٍ) أو ميتةٍ أو حرَ (لاَ يَجِبُ شَيءٌ لِلزَّوْجِ) لأنّ المُسمّى لا يجب للإسلام، وغيره لا يجب لعدم الالتزام (وَوَقَعَ بَائِنٌ في الخُلْعِ وَرَجْعِيٌّ فِي الطَّلاَقِ) لأنّ الإيقاع معلّق بالقبول، وقد وُجِدَ. ولَمَّا بطل العوض كان العامل في الأوَّل لفظ الخلع وهو كناية، والواقع بها بائنٌ. وفي الثّاني لفظ الطّلاق، وهو يُعْقِب الرَّجعة. وقال مالك وأحمد: رجعيّ. وقال زُفَر: تردّ مهرها. وقال الشّافعي: يجب مهر المثل اعتباراً بالنِّكاح، ويقع طلاقٌ بائنٌ.
(
وَإنْ طَلَبَتْ ثَلاَثاً) بأن قالت: طلّقني ثلاثاً (بِألْفٍ وَطلّقَهَا وَاحِدَةً) في المجلس (فَبَائِنَةٌ) فيقع بائنة (بِثُلُثِ الألْفِ) وقال مالك: بالألف. وقال أحمد: بغير شيءٍ. ولنا: أنّ الباء تصحب العِوَض، وهو ينقسم على المعوض، (وفي:) إنْ طلبت ثلاثاً (عَلَى ألْفٍ) فطلّقها واحدةً يقع (رَجْعِيّةٌ بِلاَ شَيْءٍ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ) وبالألف عند مالك، ويقع بائنةٌ بثلث الألف عند أبي يوسف ومحمد والشّافعيّ، (والخُلْعُ مُعَاوَضَةٌ في حَقِّهَا) لدفعها البدل فصار كالبيع (يَصِحّ رُجُوعُهُا) إذا كان الإيجاب منها قبل قبول الزّوج، (و) يصح (شَرْطُ الخِيَارِ لَهَا) عند أبي حنيفة في المسألتين.
(
ويَقْتَصِرُ) الخُلْع من جانبها (عَلَى المَجْلِسِ) أي مجلس المرأة عند أبي حنيفة وأصحابه، فلا يتوقّف إيجابها على ما وراءه لو كان غائباً. (ويَمِين في حَقِّهِ) لأنّه يوقع الطّلاق بشرط قبولها. (حتّى انْعَكَسَ الأحْكَامُ) فَلا يصحّ رجوعه، ولا شرط الخيار له، ولا يقتصر على المجلس من جانبه، فيتوقف إيجابه على ما وراء المجلس لو كانت غائبةً.

وقال أبو يوسف ومحمد والشّافعيّ وأحمد: شرط الخِيار لها باطلٌ كشرطه له، لأنّ الخلع من جانبها شرط اليمين وهو الطلاق، وكما لا يصحّ الخيار في اليمين لا يصح في شرطه. ولهذا لو قال: أنتِ طالقٌ إنْ دخلتِ الدّار على أَنك بالخِيار ثلاثة أيام، كان الخيار باطلاً.
ولأبي حنيفة: أنّ الخلع من جانبها بمنزلة البيع، لأنه تمليك مالٍ بعوضٍ، ولهذا لو قالت: اختلعت نفسي منك بكذا ثم رجعت أو قامت من المجلس قبل قَبوله بطل. ولو كان غائباً فبلغه فقبل كان باطلاً.
(
وَالعَبْدُ بِمَنْزِلَتِهَا) أي بمنزلة المختلعة، فيصحّ شرط الخيار له عند أبي حنيفة فيما إذا أعتقه مولاه على مالٍ، ويَبْطُل عند أبي يوسف ومحمد لأنّ العتق يمينٌ، وقَبولَ العبد المال شرطٌ له، والخيار لا يصحّ في اليمين، فكذا في شرطها. ولأبي حنيفة: أَنّ ذلك من جانب العبد في معنى البيع، فيصحّ شرط الخيار له كالبيع.
(
وَيُسْقِطُ الخُلْعُ) على مالٍ معلومٍ (والمُبَارَأَةُ) وهو أنْ يُبْرِىء كلّ منهما صاحبه. وترك الهمزة منه خطأ كذا في «المغرب» (حَقُوقَ النِّكَاحِ) الواجبة من الجانبين (عَنْهُمَا) فلا يسقط ما لم يتعلّق بالنِّكاح، كثمن ما اشترت من الزّوج، ويسقط ما يتعلّق به، كالمهر والنَّفقة الماضية. قيّدنا به لأنَّه للمختلعة. والمبارأة: النَّفقة والسُكْنَى ما دامت في العدّة، ولا يسقطان إلاّ بالذِّكْر. وقال محمد: لا يُسقِط الخُلع والمُبارأة إلاّ ما سمّيا فقط كمالك والشافعيّ.

وأمّا نفقة العدّة فإنْ شُرِطت فيهما تَسقط إجماعاً، وإلاّ لا تسقط إجماعاً. ولو شرطا البراءة من نفقة الولد الصغير ـ أعني مُؤنة الرّضاع ـ فإنْ وقّتا وقتاً كالسَّنة جاز وإلاّ فلا. ولو أبرأته عن النّفقة والسُّكْنَى صحّت البراءة عن النّفقة، ولم تصح عن السُّكنَى لأنّ النَّفقة حقُّها، والسُّكْنَى حقّ الشَّرع، لقوله تعالى: {وَلاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إلاّ أنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبيِّنَةٍ} فلو أبرأته عن مؤنة السُّكْنَى صحّ: بأن التزمت أُجرة مكانها أو سكنت مِلْكَهَا.
ثم الإبراء عن النَّفقة إِنَّما يصحُّ في ضمن عقد الخُلْع تبعاً للخُلْع إجماعاً، حتى لو أسقطت نفقتها بعد الخلع بإبراء الزّوج عنها لا يصح لعدم استحقاقها إلاّ يوماً فيوماً. (وإنْ خَلَعَ الأبُ صَبِيَّتَهُ بِمَالِهَا لَغَا) ذلك الخلع (إلاّ في) حَقِّ (وُقُوعِ الطَّلاقِ) يعني أنه يلغو في حقِّ المال دون الطَّلاق، وهذا في أصحّ الروايتين، وهو قول الشّافعيّ وأحمد. وفي الرواية الأخرى يلغو في حقّ الطّلاق أيضاً، (وَكَذَا) يَلْغُو الخُلْع في حقّ المال دون الطَّلاق (إنْ قَبِلَتْ) شَرْطَ الزّوج البَدَلَ عليها وهي مُميِّزة تعرف أنّ الخلع سالبٌ والنِّكاح جالبٌ.

(
وَعَلى أنَّهُ ضَامِنٌ) ـ عطفٌ على بمالها ـ أي وإِنْ خلع صغيرته على أنّه ضامنٌ لبدل الخُلع (فَعَلَيْهِ المال) أي بذَلُهُ (لا من مالها، والله سبحانه وتعالى أعلم (بالصواب).

فصل (في الظِّهَارُ)
(
الظهار) في اللغة: مصدرُ ظاهر امرأته إذا قال لها: أنتِ عَلَيَ كَظَهْرِ أُمّي.

وفي الشرع: (تَشْبِيهُ) المسلم (مَا يُضَافُ إلَيْهِ الطَّلاَقُ مِنْ الزَّوْجَةِ) بأنْ يشبِّهَهَا، أو عضواً يُعَبَّرُ به عنها، أو جزءاً شائعاً منها (بِمَا يَحْرُمُ إلَيْهِ النَّظَرُ مِنْ عُضْوِ مَحْرَمِهِ) وهي المحرّمة عليه مؤبداً بِنَسَبٍ، أو مصاهرةٍ، أو رضاعٍ. قيّدنا بالمسلم لأنه لا ظهار للذّميّ عندنا لظاهر قوله تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ}، ولأن الذِّميّ ليس أهلاً للكفارة. وقال الشافعيّ وأحمد: يصحّ ظهار الذّميّ، وأمّا ظهار الصّبيّ فلا يصحّ إجماعاً. وقيّد بما يضاف إليه الطّلاق لأنه لو قال لامرأته: يدك أو رجلك عليّ كظهر أمّي لا يكون مظاهراً. وقيّد بالزَّوجة لأنه لو قال لأمَتِه لا يكون مظاهراً، لقوله تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ}.
وقال مالك والثَّوْرِيّ: يصحّ ظهار الرجل من أَمته، ومُدَبَّرته، وأمَّ ولده، وهو قول جَمْع كثيرٍ من الصَّحابة والتابعين. واعتبره سعيد بن المُسَيَّب، وعِكْرِمة، وطاوُس، وقَتَادة والزُّهْرِيّ في الموطوءة. وقيّدنا بكون التّحريم على التأبيد لأنه لو قال لامرأته: أنتِ علَيّ كظهر أختكِ لا يكون مظاهراً، لأن حرمة أخت امرأته ما دامت امرأته في عصمته.

(وَهُوَ) أي الظِّهار (يُحَرِّمُ وَطْأَهَا وَدَواعِيهِ) بشهوة كمَسَ وقُبلةٍ بشهوةٍ (حَتّى يُكَفِّرَ) لِمَا روى أبو داود من حديث خَوْلَة بنت ثعلبة قالت: ظاهر مني أوْس بن الصّامت، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه وهو يجادلني فيه ويقول: «اتقي الله فإنّما هو ابنُ عمِّك». فما بَرِحْتُ حتّى أنزل الله تعالى: {قَدْ سَمِعَ ا قَوْلَ الَّتي تُجَادِلُكَ في زَوْجِهَا} الآية، فقال عليه الصلاة والسلام: «يعتق رقبة». قالت: لا يجد. قال: «فيصوم شهرين متتابعين». قالت: إنّه شيخٌ كبيرٌ لا يستطيع أنْ يصوم. قال: يُطْعِمُ ستين مسكيناً. قالت: ليس عنده شيءٌ يتصدّق به. قال: «فإني أعينه بِعَرَقٍ من تمرٍ». قالت: يا رسول الله وأنا أُعِينه بعَرَقٍ آخر. قال: «أحسنتِ، اذهبي فأطعمي بهما عنه ستين مسكيناً، وارجعي إلى ابن عمك».
قال أبو داود: والعَرَقُ: ستون صاعاً. ثم روى عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن أنه قال: العَرَقُ: زِنْبِيلٌ يأخذ خمسة عشر صاعاً. وقال أبو داود وغيره: العَرَقُ: مِكْتل يسع ثلاثين صاعاً.

وعن الشَّافعيّ وأحمد: أنّ الدَّوَاعي لا تُحْرُمُ لأنّ التّحريم عُرِفَ بالآية، والتَّماسّ فيها كناية عن الجماع. ولنا: أنّ التّماسّ حقيقة في المسّ باليد. والحقيقة أحق بأن تراد، والله تعالى أعلم بالمراد. فإن وقع منه وطىء أو دواعيه استغفر ربه ولا يعود إليه حتى يُكَفِّرَ لِمَا في السنن الأربعة عن ابن عبّاس أنّ رجلاً ظاهر امرأته، فوقع عليها قبل أنْ يُكَفِّرَ، فقال صلى الله عليه وسلم «ما حملك على ذلك»؟ قال: رأيت خَلْخَالَها في ضوء القمر ـ وفي لفظ: بياض ساقيها ـ. قال: «فاعتزلها حتى تكفّر». وفي لفظ ابن ماجه: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أنْ لا يقربها حتى يكفّر. قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ غريب صحيحٌ. ورَوَى عن سَلَمَة بن صَخْر البَيَاضِيّ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في المُظَاهِر يُوَاقِع قبل أنْ يُكَفِّر، قال: «كفارةٌ واحدةٌ». وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
(
وَفِي: أَنْتِ عَلَيّ كأُمِّي) أو مثل أمي (صَحَّ نِيّةُ الكَرَامَةِ) لأنّ إرادتها بمثل هذا الكلام شائعٌ (وَ) صَحّ نية (الظِّهَارِ) لأنّ التشبيه بجميع الأم تشبيهٌ بظهرها لكنّه ليس بصريحٍ فيفتقر إلى النِّيَّة . (وَ) صحَّ نية (الطَّلاَقِ) لأنّه كناية، كما لو قال: أنتِ عليّ حرامٌ، ونوى به الطَّلاق يكون طلاقاً بائناً.
(
فإنْ لَمْ يَنْوِ) شيئاً (لَغَا) في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ووجهٌ في مذهب الشافعيّ. وكان ظهاراً في قول محمد، ورواية عن أبي يوسف، ووجهٌ في مذهب الشافعيّ، وإيلاءً في قول مالك، وأحمد، ورواية عن أبي يوسف.

(وَفِي: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَأُمّي) لزِمه (مَا نَوَى مِنْ ظِهَارٍ) لِمَا فيه من التشبيه بالحرمة (أو طَلاَقٍ) لأنّ أنتِ عليّ حرامٌ من كناياته، فإذا نواه طَلُقَتْ بائناً، ويكون التشبيه بالحرمة للتأكيد دون الإكرام تصريحٌ بالحرمة، كذا قالوا. وفيه بحثٌ إذ لا يَبْعُد أن يُراد بالحرام المحترم، فهو من محتملات كلامه، فيصدّق ديانةً إذا ادّعى نيتة.
(
فَإنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ) شيئاً (فإيلاءٌ عِنْدَ أبِي يُوسُفَ وَظِهَارٌ عِنْدَ مُحَمَّدَ) وفي «جامع قاضيخان»: والأصحّ أنه ظهارٌ عند الكلِّ، لأن التّحريم المؤكد بالتشبيه ظهارٌ. وكذا ذكره التُّمُرْتَاشِيّ أنه ظهار من غير خلاف. (وَفِي) قوله: (أَنْتُنَّ عَلَيّ كَظَهْرِ أمّي لِنِسَائِهِ يَجِبُ لِكُلَ كفَّارَةٌ) وهو قول الشّافعيّ الجديد كما لو ظاهر مراراً، ولو في مجلسٍ واحدٍ.

وقال مالك، وأحمد، وأبو ثور: يجب كفارةٌ واحدةٌ، ولا يَبْطُل الظِّهار بطلاقها ثلاثاً، حتى لو عادت إليه بعد زوج آخر كان الظِّهار على حاله لا يقرَبها حتى يكفِّر، وكذا بشرائها ـ لو كانت أمةً ـ بعد ما ظاهر منها.
(
وَهِيَ) أي الكفّارة (تَجِبُ بِالْعَوْدِ أي بِالعَزْمِ عَلَى وَطْئِهَا) وهو ظاهر مذهب مالك، وجعله في «الموطّأ» العزم على الوطىء والإمساك. (ومذهب الشّافعيّ أنَ يمسك عن طلاقها عقِيبَ الظِّهار في زمانٍ يمكنه طلاقها فيه، وفي «الينابيع»:) إذا رَضي أنْ تكون مُحرَّمة ولا يعزم على وطئها، لا تجب الكفّارة. ولو عزم ثم ترك العزم، لا يجب أيضاً. فعُلِمَ أنّ الكفّارة لا تجب بمجرد الظِّهار، وهو قول أحمد والصحيح من مذهب مالك.
(
وَهِيَ عِتْقُ رَقَبَةٍ) صغيرةٍ أو كبيرةٍ، مسلمةٍ أو كافرةٍ لا مرتدة.
وقال مالك، والشافعيّ، وأحمد: لا تجزىء الكافرة لأنه تحرير في تكفير، فكان الإيمانُ من شرطه كَكفَّارة القتل.

ولنا: أنّ المنصوص عليه الرقبة، وهي اسم لذاتٍ مملوكةٍ من كل وجهٍ وقد وُجِدَت، وليس في النّص ما يبيّن عن صفة الإيمان والكفر، والتقييد بصفة الإيمان يكون زيادة ، والزيادة على النّص نسخٌ، فلا يثبت بخبر الواحد ولا بالقياس. ثم قياس المنصوص (على المنصوص) باطلٌ عندنا لاستلزامه إعتقاد النقص فيما تولّى الله بيانه، وذلك لا يجوز. ولا يجوز دعوى التخصيص ههنا لأن التخصيص لما له عموم، والمطلق غير العام.
(
لاَ فَائِتَ) أي لا عِتقَ فائتِ (جِنْسِ المَنْفَعَةِ) لأنه هالك معنىً (كَالأَعْمَى والمقْطُوعِ يَدَاهُ أوْ رِجْلاَهُ أوْ إبْهَامَاهُ)، لفوات منفعة البطش لأن قوته بإبهاميه (أوْ يَدٍ وَرِجْلٍ مَنْ جَانِبٍ) (لفوات منفعة المشيّ منه لأنه متعذّر عليه. قيّد بالجانب لأنه لو كان من جانبين لا يمنع لاختلال جنس المنفعة دون فواتها).
(
و) لاَ (المَجْنُونِ) المُطْبَق (والمَدَبَّرِ) أي ولا عتق المُدَبَّر لأنه استحقّ الحرّية بوجه وقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} يقتضي الكمال، وإنشاء الحرية من كل وجه. وكذا حكم أمّ الولد.
(
و) لا عتق (المُكَاتَبِ) حال كونه (أدَّى بَعْضَ بَدَلِهِ) لأن إعتاقه حينئذٍ ببدلٍ، وبه لا تتأدى الكفّارة لأنها عبادة، فلا بدّ أن تكون خالصةً، ومتى كان بعضه بعوضٍ لم يكن خالصاً لأنه يكون تجارة، ولأنّ الصّحابة اختلفوا في رقّه بعد أدائه بعض البدل، فكان عليّ رضي الله عنه يقول: يَعْتِق بقدر ما أدّى، وابن مسعود يقول: إذا أدّى قيمة نفسه يَعْتِقُ. واختلافهم في رِقِهِ شبهةٌ مانعةٌ من جواز التكفير به.

وقيّد المُكَاتَب بكونه أدّى بعض بدله لأنه لو لم يؤدّ شيئاً جاز عتقه عن الكفّارة عندنا خلافاً لزُفَر، ومالك، والشّافعيّ، وأحمد في رواية. لأنّ الرقبة اسم لذاتٍ مرقوقةٍ عرفاً، والمُكَاتَب كذلك. قال صلى الله عليه وسلم «المُكاتَبُ عبدٌ ما بَقِيَ عليه من كتابته شيءٌ». رواه أبو داود.

(و) لا عتق (نِصْفِ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ) عن كَفّارته (ثُمّ) عِتق (بَاقِيهِ بَعْدَ ضَمَانِهِ) وقال أبو يوسف ومحمد: تجزئه إن كان مُوسِراً (وَ) لا عتق (نِصْفِ عَبْدِهِ) عن كفّارته (ثُمّ) عتق (بَاقِيهِ بَعْدَ وَطْئِهَا) لأنّ عتق باقي العبد وقع بعد المسيس، والمأمور به هو العتق قبل المسيس، وهذا عند أبي حنيفة، لأن العتق يتجزأ.
وأمّا عند أبي يوسف ومحمد فيجوز لأنّ العتق لا يتجزأ عندهما، فإعتاق بعض العبد إعتاق الكل.
(
وإنْ عَجَزَ) المُظَاهِر (عَنِ العِتْقِ) بأنْ لم يملك رقبة ولا ثمنها وقت التكفير وهو قول مالك. وقال أحمد: وقت الوجوب. وللشّافعيّ ثلاثة أقوال: وقت التّكفير، ووقت الوجوب، وأغلظ الحالين
.
(
صَامَ شَهْرَيْنِ وِلاَءً) أي متتابعين لقوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} (لَيْسَ فِيهِمَا) ولا بينهما (رَمَضَانُ وَلاَ الأيّامُ المَنْهِيَّةُ) وهي: يوما العيد وأيام التشريق، لأنّ رمضان لا يجوز فيه للصحيح المقيم صيام غيره بالإجماع، وصيام يوم العيد وأيّام التّشريق مَنْهِيٌّ عنه. ولو صام شهرين بالأهَلّة جاز، وإنْ كان كلّ شهرٍ تسعة وعشرين يوماً. وإنْ صام بغير الأهلّة وأفطر لتمام تسعة وخمسين يوماً فعليه الاستقبال.

وينقطع التتابع بالمرض عندنا، وعند الشّافعيّ في الجديد. وقال مالك، وأحمد: لا ينقطع كما لا ينقطع بالحيض في كفارة القتل والفطر. وأجيب بأنّ التتابع شرط بالنّص، والغالب أنها تحيض في كل شهرٍ، فكان كالمستثنى. ولو صام شهرين متتابعين ثم قدر على الإعتاق قبل غروب الشَّمس من آخر يوم يجب عليه العتق، وهو قول المُزَنِيّ لقدرته على المُبْدَل قبل فراغه من البدل، وصار صومه تطوعاً. وقال مالك والشّافعيّ وأحمد: لا يلزمه العتق، ولكن يستحب. وفي «خزانة الأكمل»: لا يصوم من له خادم بخلاف المسكن. وقال مالك والشّافعيّ: يصوم من له خادم، واعتبره بالماء المعدّ للعطش. وفرّق الرّازي بينهما في «أحكام القرآن» بأنّ المأمور بإمساكه لعطشه، واستعمالُه محظورٌ عليه بخلاف الخادم. ولو أعتق أجنبيّ عن مُظَاهِرٍ لا يُجْزِئُهُ وإن كان بأمره لما فيه من إلزام الولاية. وقال أبو يوسف، ومالك، والشّافعيّ تجزئه إِنْ كان بأمره.

(
وَإنْ أَفْطَرَ) في الشَّهرين بأَكْلٍ أو شُربٍ أو جِماعٍ غَيرِها (اسْتَأْنَفَ) لفوات التتابع المنصوص عليه (وَكَذَا) استأنف (إنْ وَطِئَهَا) أي الّتي ظاهر منها في الشهرين (لَيْلاً عَمْداً) عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا يستأنف (أوْ يَوْماً) وفي بعض النُّسخ أو نهاراً (مُطْلَقاٌ) أي عمداً أو سهواً. واعلم أنّ قيد العمد في وطىء التي ظاهر منها ليلاً وقع في هذا المختصر تبعاً «للهداية»، وهو فيها قيدٌ اتفافيّ لا يُحْترز به عن شيء، لأنّ العمد والنسيان في الوطىء بالليل سواءً.

(وَإنْ عَجَزَ) المظاهر عن الصوم لِكبَرٍ أو مرضٍ لا يُرْجَى زواله (أطْعَمَ) هو أو نائبه (ستِّينَ مِسْكِيناً) لقوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فإطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكيناً} (كُلاًّ) أي يُطْعِمُ كل مسكين (قَدْرَ الفِطْرَةِ) نصف صاعٍ من بُرَ وهو مُدّان، أو صاعاً من تمرٍ أو شعيرٍ (أو قِيمَتَهُ) لأنّ المعتبر دفع حاجة اليوم عن المساكين، فكان كصدقة الفِطْر. وقال الشّافعيّ: يُطْعِم مُدًّا من غالب قوت البلد من الحبوب. وقال مالك: يطعم مُدًّا بمُدِّ هشام، وهو مُدّان بمُدِّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقال أحمد: يجب من البُرّ مُدٌّ، ومن التّمر والشعير مُدّان.
(
وَإنْ غَدّاهُمْ) أي ستِّين مسكيناً (وَعَشَّاهُمْ) أي بأعيانهم (وَأَشْبَعَهُمْ) قليلاً ما أكلوا أو كثيراً. ولا بد من الإِدَام إنْ أطعمهم خبز الذُّرَة أو الشعير بخلاف خبز البُرّ. (أوْ أعْطَى) كلّ واحدٍ (مَنَّ بُرَ) وهو: رطْلان: ربع الصّاع، على قول أبي حنيفة (ومَنَوَيْ تَمْرٍ أوْ شَعِير،أوْ) أعطى (وَاحِداً شَهْرَيْنِ جَازَ) وبه قال مالك. وقال الشّافعيّ: لا بد من التمليك في الكفارات. ولنا: أنّ المنصوص عليه الإطعام، وحقيقة ذلك في التمكين، والمقصود به سَدّ الخَلَّة، وفي التّمليك تمام ذلك، فيتأدّى الواجب بكل واحدٍ منهما. أمّا بالتّمليك فظاهرٌ، وأمّا بالتّمكين فلمراعاة عبارة النص، والدليل عليه أنه شبّهه بطعام الأهل، فقال الله تعالى: {مِنْ أوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ} وذلك يتأدّى بالتّمليك تارة، وبالتّمكين أخرى.
هذا، ويجب تقديم الإطعام على المس لاحتمال أنْ يَقْدَر قبله على ما هو واجبٌ قبله، ولا يستأنف الإطعام بالوطىء في خلاله لأنّ النّص فيه مطلقٌ غير مقيّدٌ بما قبل التّماسّ.

(وَفِي يَوْمٍ) أي ولو أعطى واحداً في يومٍ (قَدْرَ الشَّهْرَيْنِ لاَ) يجوز إلاّ عن يوم، سواء أعطاه ذلك في يومٍ دفعةً أو على دَفَعَاتٍ، لأنّ الواجب عليه التّفريق الخاص، ولم يوجد، كالحاجّ إذَا رمى الجمرة بسبع حصياتٍ دفعةً واحدةً مجتمعةً لا متفرقةً لا يُجْزِئُهُ إلاّ عن واحدةٍ. لأنّ المعتبر سَدّ الخَلّةَ، وقد اندفعت في ذلك اليوم بما دفعه أولاً، فالصرف إليه بعد ذلك يكون إطعام الطَّاعم فلا يُجْزِئُهُ. وقيل: إذا أعطاه على دفعاتٍ يُجْزِئُهُ، لأنّ التَّمليك أقيم مقام الإطعام، والحاجة بطريق التَّمليك ليس لها نهاية. فإذا فرّق الدّفعات في يومٍ جاز كما في الأيام.

وفي «شرح الوَافِي»: ما ورد في النّص بلفظ الإطعام، فالإباحةُ فيه كافيةٌ، ككفارة الظِّهار والإفطار في رمضان، واليمين، وجزاء الصيد، والفداء. وما ورد فيه بلفظ الإيتاء والفِداء فيُشترط فيه التَّمليك، كالزكاة والصَّدقة، والفِطر، والعُشْر، والحلق عن الأذى في الإحرام، والله سبحانه أعلم بحقائق المرام.

فصلٌ في اللِّعانِ
وهو لغةً: مَصْدرُ لاعَن يلاعِن ملاعنةً ولِعَاناً. وأصل اللَّعْن الطَّرْد والإبعاد. وشريعةً: هو عندنا شهاداتٌ مؤكَّداتٌ بالأيْمان، مقْرونةٌ باللّعن في جانب الرجل، ومقرونةٌ بذكر الغضب في جانب المرأة، قائمةٌ مقامَ حدّ القذف في حقه، ومقامَ حدّ الزنا في حقّها.
وقال مالك والشُّافعيّ: إنّه أيْمان مؤكدةٌ بالشهادة، واحتجا بقوله تعالى: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِا}، فقوله: {با} مُحْكَمٌ في اليمين، والشهادة تحتمل اليمين، فإنه لو قال: أشهد، كان يميناً، فَحَمَلا المُحْتَمِلَ على المُحْكَم.

ولَنَا قوله صلى الله عليه وسلم «أربعةٌ من النِّساء لا ملاعنة بينهم: النّصرانيةُ تحت المسلم، واليهودية تحت المسلم، والمملوكة تحت الحُرّ، والحُرَّة تحت المملوك». رواه ابن ماجه والدَّارَقُطْنِيّ من حديث عمرو بن شُعَيْب. ووقفه الأوْزَاعِيّ وابن جُرَيْج على جدّ عمرو بن شُعَيْب.
وقال محمد بن الحسن: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا لعان بين أهل الكفر وأهل الإسلام، ولا بين العبد وامرأته». فهذا نصٌ على اشتراط أهليّة الشَّهادة فيهما. وفي الآية إشارة إلى هذا فإنّه تعالى قال: {وَالّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلاّ أنْفُسُهُمْ} استثنى أنفسهم عن الشهداء فثبت أن الزّوج شاهدٌ لأنّ المستثنى يكون من جنس المستثنى منه، ثم نصّ على شهادته فقال: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهَادَاتٍ با} فنصّ على الشّهادة واليمين.
فقلنا: الرّكن هو الشّهادة المؤكدة باليمين. ولأنّ الحاجة هنا إلى إيجاب الحكم في الطرفين، والذي يصلح لإيجاب الحكم فيهما هو الشهادة دون اليمين، إلاّ أنها مؤكدةٌ باليمين لأنه يشهد لنفسه، والتأكيد باليمين لا تخرجه عن أنْ يكون شهادةً. فقرّر الشّارع الرُّكن في جانبه باللّعن لو كان كاذباً، وبالغضب في جانبها لو كانت كاذبةً. لأنّ الصّادق أحدهما، والقاضي لا يعلم ذلك، فكان اللّعن في جانبه قائماً مقام حدّ القذف، وفي جانبها صار الغضب قائماً مقام حدّ الزنا. وسُمِّيَ الكل لعاناً لِشَرْع اللعن فيها ، كالصلاة تُسَمَّى ركوعاً وسجوداً لشرعيتهما فيها أو للتغليب كالعُمَرين، والقمَرين، واللعن من جانب الرّجل وهو مقدّمٌ فيه.

(مَنْ قَذَفَ) أي رمى (بِالزِّنَا) صريحاً (زَوْجَتَهُ) بأنْ قال لها: رأيتك تزنين، أو أنت زانيةٌ، أو يا زانية (العَفِيفَةَ) عن الزِّنا وهي التي لا تكون زانيةً ولا متهمةً بزنىً كمن يكون لها ولدٌ لا يكون له أبٌ معروفٌ. والحاصل: أنها تكون ممّن يُحَدُّ قاذِفُها، فلو لم تكن ممّن يُحَدّ قاذفها: بأنْ تزوّجت بنكاحٍ فاسدٍ ودخل بها فيه، أو زنت في عمرها، أو وُطِئَت حراماً بشبهة ولو مرّة، ولا يجري اللّعان بينهما، لأنها في حقّها مقام حدّ القذف، فلا بدّ أنْ تكون مُحْصنةً.

(
وَكُلٌّ) من الزّوجين (صَلُحَ شَاهِداً) أي مؤديًّا للشهادة على المسلم، فلا لعان من مجنونٍ ولا محدودٍ في قذفٍ لأنّهما لا يصلحان لأداء الشهادة ولا لتحمّلها، ولا من مملوكٍ وصبيَ لأنهما لا يصلُحان لأداء الشهادة وإنْ صَلُحا لحمّلها، ولا من كافرٍ لأنه لا يصلُح لأداء الشهادة على المسلم وإن صَلُحَ لأدائها على مثله عندنا، لكن مع ذلك يوجب حدّ القذف، لأنّ القذف بالزِّنا لا ينفك عن موجِبه، فإذا خرج من أن يكون موجباً للعان لمعنىً في القاذف كان موجباً للحدّ.
(
أوْ نَفَى) الزَّوج (وَلَدَهَا) الذي وُلِدَ في فراشه، أو الذي من غيره عن أبيه المعروف، لأنه يصير بذلك قاذفاً. ولهذا يحدّ من قال لأجنبيّ: لست لأبيك. ولا إعتبار لاحتمال كونه من غيره لشبهةٍ، كما لا يعتبر ذلك فيما لو نفاه أجنبيّ، لأنّ الأصل في النَّسب النِّكاح الصحيح، والفاسد ملحقٌ به. ونفيه عن الفراش الصحيح قذفٌ حتى يظهر المُلْحَق به. وقال الشِّافعيّ لا يصير قاذفاً بالنفي ما لم يقل إِنه من الزِّنا.
(
وطَالَبَتْ بِهِ) أي بموجِب القذف لأنّه حقّها لدفع عار الزِّنا عنها كما في حدّ القذف، إلاّ أنّ للولد أنْ يُطَالب في القذف لأنه حقّه أيضاً لاحتياجه إلى نَفْي نَسَبه عمّن ليس هو منه.

(لاَعَنَ) خبر المبتدأ وهو مَنْ قذف، وإنّما يُلاعن لِمَا روى البُخاريّ، ومسلم، ومالك في «الموطّأ»، وأبو داود، وابن ماجه من حديث ابن شِهَاب عن سَهْل بن سَعْد السَّاعِدِيّ، أن عُوَيْمِر العَجْلاَنِيّ جاء إلى عاصم بن عَدِيّ، فقال له: يا عاصم أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه، أم كيف يصنع؟ سل لي يا عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها فلمّا رجع عاصم إلى أهله، جاء عُوَيْمِر فقال: يا عاصم ماذا قال لك رسول الله؟ فقال عاصم: كَرِه رسول الله المسائل التي سألته عنها ـ وفي نسخة سألتها ـ وعابها. فقال له عُوَيْمِر: والله لا أنتهي حتّى أسأله عنها، فأقبل عُوَيْمِر حتّى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو وسط النّاس، فقال يا رسول الله أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قد أنزل الله عليّ فيكَ وفي صاحبتك قرآناً، فاذهب فأْتِ بها. قال سهل: فتلاعَنَا وأنا مع النّاس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغا قال عُوَيْمِرُ: كَذَبْتُ عليها يا رسول الله إنْ أمْسَكْتُهَا، فطلّقها عُوَيْمِر ثلاثاً قبل أنْ يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن شهاب: فكانت تلك سُنَّة المتلاعنين.

وصفة اللعان ثابتةٌ بالكتاب: (يَبْدَأُ الزَّوْجُ) لأنّه المُدَّعِي، والحُجَّة تُطلب منه أولاً (فَيَقُولُ أرْبَعاً): أي أربع مراتٍ (أَشْهَدُ بالله) أي أُقسم به (أَنّي صَادِقٌ) أو لَمِن الصادقين (فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا) إن كان رماها بالزِّنا (أو) فيما رميتها به من (نَفْي الوَلَدِ) إنْ كان رماها بنفي الولد (وَفِي الخَامِسَةِ لَعْنَةُ الله عَلَيْهِ إنْ كَانَ كَاذِباً) أو من الكاذبين (فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا) أو نفي الولد، ويشير إليها في كلّ مرّة.
(
ثُمَّ تَقُولُ) المرأة (أرْبَعاً: أشْهَدُ بالله أَنّه كَاذِبٌ) أو من الكاذبين (فِيمَا رَمَانِي بِهِ) أي من الزِّنا إنْ كان رماها بالزِّنا، أو فيما رماني به من نفي الولد إن كان رماها بنفي الولد (وَفِي الخَامِسَةِ غَضَبُ الله عَلَيْهَا إنْ كَانَ صَادِقاً) أو من الصّادقين (فِيمَا رَمَانِي بِهِ) من الزِّنا أوْ نفي الولد، وتشير إليه في كل مرّة. وإنّما خُصَّت المرأة بالغضب، لأنّ النِّساء يستعملن اللّعن كثيراً فلا يبالين به بخلاف الغضب.

(ثُمَّ يُفَرِّقُ القَاضِي بَيْنَهُمَا) ولو سألاه أنْ لا يفرِّق (فَتَبِينُ بِطَلْقَةٍ) وتستحق نفقة العدّة كالمعتدّة من طلاقٍ أو فسخٍ، والتّفريق رواية عن أحمد. (ويَنْفِي) القاضي (نَسَبَ الوَلَدِ عَنْهُ) أي عن الزَّوج بأن يقول: قطعت نسب هذا الولد عنه وألزمتُه بأُمّه، بعدما قال: فرّقت بينكما. كذا رُوِيَ عن أبي يوسف. فلو مات أحدهما قَبل التّفريق وَرِثه الآخر، ولو ظاهر منها أو آلى أوْ طلّقها صحّ لبقاء النِّكاح. وقال زُفَر: تقع الفرقة بنفس تلاعنهِما، وهو المشهور من مذهب مالك. ويُرْوَى عن أحمد، وابن عباس لِمَا روى الدَّارَقُطْنِيّ في «سننه» بإسنادٍ جيدٍ من حديث ابن عمر أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «المتلاعنان لا يجتمعان أبداً». ولقول عليّ وعبد الله: مضت السُّنَّة أن لا يجتمع المتلاعنان أبداً. رواه الدَّارَقُطْنِيّ أيضاً.
وقال الشّافعيّ: تقع الفُرْقة بلعانه، لأنه لما شهد عليها بالزِّنا أربع مرّات وأكّده باللّعن، فالظاهر أنهما لا يأتلفان، فلم يكن في إبقاء النِّكاح فائدةٌ، كما إذا ارتدّ أحد الزّوجين. وهو يخالف ظاهر الحديث: «المتلاعنان لا يجتمعان»، فإنَّ قَبْل لعانها لا يصدق عليهما المتلاعنان. على أنّه يحتمل أنْ لا تلاعن هي فترجم عنده، فلا تفريق ولا اجتماع. وأيضاً في رواية: «المتلاعنان إذا تفرّقا لا يجتمعان».

ولنا حديث سَهْل بن سَعْدِ السَّاعِدِيّ المتقدّم، وقد رواه أبو داود وقال: فطلّقها ثلاث تطليقاتٍ، فأَنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ما صنع عند رسول الله سُنَّة. قال سهل: حضرت هذا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضت السُّنّة بعد في المتلاعنين أنْ يفرَّق بينهما ثم لايجتمعان أبداً. ففي هذه الألفاظ كلها دليلٌ على أنّ الفُرْقة لم تقع باللّعان، والله المستعان. وكذا ما في الصحيحين من حديث ابن عمر أنّ رجلاً لاعن امرأته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرّق عليه الصلاة والسّلام بينهما وألحق الولد بأمّه. وفي رواية: بالمرأة.
(
ولم يُرْوَ أنّه عليه الصلاة السّلام فرّق بينهما بعد لعان الرّجل قبل لعان المرأة.) وأمّا قول البَيْهَقِيّ في «المعرفة»: أن عُوَيْمِر حين طلّقها ثلاثاً كان جاهلاً بأنّ اللّعان فُرْقَة، فصار كمن شَرَطَ الضَّمان في السّلف، وهو يلزمه شرط أو لم يشرط. فجوابه: أنّ هذا خلاف الظّاهر، والله أعلم بالسّرائر.

(وإنْ أبَى) الزّوج (عَنِ اللّعَانِ حُبِسَ) لامتناعه عن حقَ وجب عليه وهو قادرٌ على أدائه، فيُحْبَس لإيفائه (حتّى يُلاَعِنَ) فَيُوَفِّي ما عليه (أوْ يُكَذِّب نَفْسَهُ) فيحدّ لإقراره على نفسه بالتزام الحدّ. وقال مالك والشّافعيّ وأحمد: إن أبىَ الزّوج عن اللّعان يُحدّ بناءً على أنّ موجَب القذف منه عندهم الحدّ، وعندنا اللّعان، وإذا لاعن الزّوج وجب على المرأة أنْ تلاعن بالنَّص (وَإنْ أَبَتْ حُبِسَتْ) لأنّها امتنعت عن إيفاء حقَ هي قادرةٌ عليها، فتحبس لإيفائها كسائر الحقوق (حَتَّى تُلاَعِنَ) فتُوَفِّي ما عليها (أوْ تُصَدِّقهُ) فيرتفع سبب اللّعان، وإذا صَدّقته نفى القاضي نَسَب ولدها، ولم يحدّها لأنّ تصديقها ليس إقراراً قصداً بصريح الزِّنا، فلا يعتبر في وجوب الحدّ بل في درئه. وما وقع في بعض نسخ القُدُورِيّ: أو تُصدِّقُه فتحدّ، غلطٌ لأنّ الحدّ لا يجب بالإقرار مرّة، فكيف بالتّصديق مرّة وهو لا يجب بالتّصديق أربع مرّات. وقال مالك والشَّافعيّ: لا تحبس المرأة، بل تُرْجم.
(
وإنْ كَانَ) الزَّوج لم يَصْلُح شاهداً بأنْ كان (عَبْداً) وهي حرّة (أوْ كَافِراً) وهي مسلمة، وصورته: أنْ يكونا كافرين فَتُسْلم الزّوجة، ويقذِفُها قبل عرض الإسلام (أوْ كَانَ مَحْدُوداً فِي قَذْفٍ) وهي من أهل الشّهادة (حُدَّ الزَّوْجُ) لأنَّه لَمّا تعذّر اللّعان من جهته صير إلى الحدّ لِمَا قدّمنا من أنّه لا ينفك عن موجَبه، ولقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} (وَإنْ صَلُحَ) الزَّوْجُ شاهداً (وَهِي أَمَةٌ أَوْ كَافِرَةٌ) بأن تكون ذمِيّةً (أوْ مَحْدُودَةٌ في قَذْفٍ أوْ صَبِيَّةٌ أَوْ مَجْنْونَةٌ أوْ زَانِيَةٌ فَلاَ حَدّ عَلَيْهِ) لعدم إحصانها كما لو قذفها أجنبيّ (وَلاَ لِعَانَ) لعدم أهليتها للشّهادة.

(وَالمُتَلاَعِنَانِ لاَ يَجْتَمِعَانِ أَبَداً) روى ذلك الدَّارَقُطْنِيّ عن عليّ وابن مسعود وابن عبّاس موقوفاً، وأخرجه مرفوعاً من حديث ابن عمر. (وَإنْ أَكْذَبَ) الزّوج (نَفْسَهُ) بعد اللّعان قبل التَّفريق أو بعده (حُدَّ) لإقراره بوجوب الحدّ عليه. قيّدنا الإكْذَاب بكونه بعد اللّعان، لأنه لو كان قبله بعدما أبانها لا حدّ عليه ولا لعان، لأنّ قذفه كان موجِباً للّعان، فلا ينقلب موجباً للحدّ، (ولأنّ المقصود من اللّعان التّفريق، وذلك لا يتأتى بعد البينونة.) (وَحَلّ للزّوْجِ) بعد إكذاب نفسه (نِكَاحُهَا) عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف وزُفَر، وهو قول مالك والشّافعيّ: لا يحل لأنهما متلاعنان، وفي الحديث: «المتلاعنان إذا تفرّقا لا يجتمعان أبداً».
(
ولهما: أنّ اللّعان شهادةٌ، وهي تبطل بالرجوع). (وَكَذَا) حَلّ نكاحها (إنْ قَذَفَ) الزّوج (غَيْرَهَا) بعد التّلاعن (فَحُدَّ أوْ زَنَتْ فَحُدَّتْ) لأنّ بقاء أهلية اللّعان شرط لبقاء حكمه من عدم اجتماعهما. وقوله: فَحُدّت قيدٌ اتفاقي، لأن زناهما من غير حدّ يسقط به إحصانها، بخلاف القذف فإنه لا يسقط به الإحصان حتّى يُحَدَّ القاذف.
(
وَلاَ لِعَانَ بِقَذْفِ الأَخْرَسِ وَنَفَي الحَمْلِ) أمّا الأخرس فلأنّ اللعن يتعلّق بالصّريح كحدّ القذف، ولا صريح للأخرس، فقذفه لا يَعْرى عن شبهة، والحدود تسقط بها. وقال مالك، والشّافعيّ، وأبو الخَطَّاب من الحنابلة: يصحّ قذف الأخرس ويلاعن بالإشارة كما يصحّ طلاقه وبيعه وسائر تصرفاته بالإِشارة. ولنا: أنّه لا بُدّ أن يأتي بلفظ الشّهادة في اللعن حتى لو قال: أحلف مكان أشهد لا يجوز، وإشارته لا تكون شهادة. ولا لعان أيضاً لو كانت المرأة خرساء لأنّ قذف الأجنبيّ لها لا يوجب الحدّ لاحتمال أنها تصدّقه، ولأنها عاجزةٌ عن الإتيان بلفظ الشهادة، وهو شرط في اللّعان.

وأمّا عدم اللّعان بنفي الحمل ـ وهو قول أبي حنيفة آخراً وأحمد، والثَّوْرِيّ، والحسن البَصْرِيّ، والشَّعْبِيّ، وابن أبي لَيْلَى ـ فلعدم التَّيقن بقيام الحمل، لاحتمال أنّ ما بها نفخٌ، فلم يكن قذفاً. وقال أبو يوسف ومحمد ومالك والشّافعيّ وأبو حنيفة أولاً: إِنه يلاعن إذا جاءت به لأقلّ من ست أشهرٍ، لأنا تيقنا بقيام الحمل عند نفيه له، فتحقق القذف. ثم لا يجب اللعان في الحال عندنا، وحكم مالك والشّافعيّ باللّعان قبل الوضع، لأنه قذَفها حقيقة بنفي الولد. قلنا: نفيه (لا يكون بدونه ولا يعلم به، فلعله ريحٌ أوْ ماءٌ أو انتفاخٌ. وقيل: يوجبه أبو يوسف في الولادة، ذكره الطَّحاوي)، لقصة عُوَيْمِر.

(
وَبِـ: زَنَيْتِ، وَ: هَذَا الحَمْلُ مِنْهُ) أي من الزِّنا (تَلاَعَنَا) في الحال لوجود القذف بذكر صريح الزِّنا (وَلَمْ يَنْتَفِ الحَمْلُ) أي نَسَبه باللّعان قبل الوضع. وقال مالك والشَّافعيّ: ينتفي الحمل لأنه عليه الصّلاة والسلام نَفَى الولد عن هلال، وكان قَذَفها حاملا..ًولنا: قول ابن الجَوْزِيّ: إنّ أحمد، وابن جَرير أنكرا لِعان هلال بالحمل، وقالا: إنما لاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أي أمرهما باللّعان ـ) لمّا جاء وشهد بالزّنا، ولو كان اللّعان بالحمل، لكان الحمل منفيًّا من الزّوج غير لاحقٍ به، أَشْبَهه أو لم يُشْبِهه. وقد قال صلى الله عليه وسلم «إن جاءت به أُحَيْمِر» ـ وفي نُسخة أحمرـ حَمْش السّاقين ـ أي دقيقهما ـ فهو لهلال، وإن جاءت به أسود جعْداً فهو لشَرِيكِ»، فجاءت به على النَّعت المكروه.
(
وَمَنْ نَفَى الوَلَدَ زَمَانَ التهنئة، أو زمان شراء آلَةِ الوِلاَدَةِ) وهو ما يحتاج إليه لأجلها عادة، فإنهما كزمان الولادة. قيل: إِنه مقصورٌ على ثلاثة أيامٍ، وقيل: على يوم أو يومين، وقيل: على سبعة (صَحَّ) نفيه (وبَعْدَهُ لاَ يَصِحُّ) نفيه (وَلاَعَنَ فِيهِمَا) لوجود القذف.

وقال أبو يوسف ومحمد: يصحّ نفيه في مدة النِّفاس، وكان القياس أنْ لا يصحّ نفيه إلاّ على فور الولادة، وبه أخذ الشّافعيّ، ولكنَّهما استحسنا جواز تأخّره مدّةً يقع فيها التأمل، لأنّ النّفي يحتاج إليه، كيلا يقع في نفي ولده، أو استلحاق غير ولده، وكلاهما حرامٌ. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت آية الملاعنة: «أيّما امرأة، أدخلت على قوم مَنْ ليس منهم، فليست من الله في شيء، ولن يدخِلها الجنة. وأيّما رجلٍ جَحَد ولده وهو ينظر إليه، احتجب الله منه يوم القيامة وفضحه الله على رؤوس الأوَّلين والآخرين». رواه أبو داود، والنَّسائي.
ثم في كلّ موضعٍ لزمه الولد، لا يكون له نفيه بعد ذلك عند الأئمة الأربعة وأصحابهم، (وَإنْ نَفَى أوّلَ التَّوْأَمَيْنِ) وهما الولدان بين ولادتهما أقل من ستة أشهرٍ (وَأَقَرَّ بِالآخَرِ حُدَّ) لأنّه أكذب نفسه بدعوى الثَّاني، لأنّهما خلقا من ماءٍ واحدٍ (وَفِي عَكْسِهِ) وهو ما إذا أقرّ بالأوّل ونفى الثّاني (لاَعَنَ) لأنّه قذفٌ بنفي الثاني (وَيَثْبُتُ نَسَبَهُمَا) أي التَّوأمين (فِيهِمَا) أي في المسألتين لاعترافه بأحدهما، وهما من ماءٍ واحدٍ، والله تعالى أعلم.

فصلٌ في العِنِّينِ
وهو لغةً: من لا يريد النِّساء. والأُنثى عِنِّينةٌ، وهي لا تشتهي الرّجل، فَعِيل بمعنى مفعول، كجريح بمعنى مجروح، والاسم منه العُنَّة.

شرعاً: ـ عندنا ـ مَن لا يصل إلى النِّساء مع وجود الآلة، أو يصل إلى الثَّيب دون البكر، أو إلى بعض النساء دون بعض، وذلك لمرضٍ به، أو لضعفٍ في خِلْقته، أو لِكبرٍ في سنه، أو لسحرٍ سُحِرَ به، فيكون عِنِّيناً به في حقّ من لا يصل إليها لفوات المقصود في حقّها، كذا ذكره قاضيخان. وسواء يقوم ذَكَرُهُ، أو لم يقم. وعند مالك: العِنِّين من لا يتأتّى بِذَكَرِهِ الجماعُ لصغره. وفي «المحيط»: إذا كانت آلته قصيرةً لا يمكنه إدخالُها داخل الفرج، لا حقّ لها في المطالبة بالتفريق.
(
إنّ أَقَرّ) الزّوج (أنّهُ لَمْ يَطَأْ) امرأته بعدما دخل عليها (أَجَّلَهُ الحَاكِمُ) بعد طلبها. حتّى لو وجدته عِنّيناً ولم تطالب مدّةً، لم يبطل حقّها، لأنّ عدم المطالبة ربما يكون للتّجربة والامتحان لا للرّضا. ولأنّها ربّما لا تقدر على الخُصومة في كل زمانٍ. ويعتبر طلبُها إنْ كانت حرّةً، وطلبُ سيّدها إن كانت أمةً. وقال زُفَر: الطلب للأَمة، (سَنَةً قَمَرِيّةً) ابتداؤها من وقت الخُصومة وهو ظاهر الرواية. وروى الحسن عن أبي حنيفة شمسيّة، وهو اختيار السَّرَخْسِيّ وقاضيخان احتياطاً، والأوّل هو الصحيح.
(
وَرَمَضَانُ وأيَّامُ حَيْضِهَا مِنْهَا) أي من السنة لأنّ السنة، لا تخلو عنها (لاَ مُدَّةَ مَرَضِ أحَدِهِمَا) لأنّ السنة قد تخلو عن المرض، وعلى هذا فتوى المشايخ. وروى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن هُشَيم، عن محمد بن سالم، عن الشَّعْبِيّ أنّ عمر بن الخطَّاب رَضِيَ الله عنه كتب إلى شُرَيْح أن يُؤَجِّلَ العِنِّين سنةً من يوم يُرْفَعُ إليه، فإن استطاعها أقامها، وإلاّ فخيّرها: فإن شاءت أقامت، وإن شاءت فارقت. وروى أيضاً عن عليّ وابن مسعود والمُغِيرَة بن شُعْبَة: أنّ العِنِّين يُؤَجَّلُ سنةً بألفاظٍ مختلفةٍ.

أمّا الرواية عن عمر، فأَسْندها عبد الرَّزَّاق، وابن أبي شَيْبَة عن سعيد بن المُسَيَّب قال: قضى عمر في العِنِّين أنّ يؤجّل سنةً. قال مَعْمَر: وبلغني أنّ التأجيل من يوم تخاصمه. وزاد ابن أبي شيبة وقال: فإن أَصابها، وإلاّ فرّقوا بينهما، ولها الصَّداق كاملاً. وأسندها محمد بن الحسن في «آثاره»: أخبرنا أبو حنيفة: حدّثنا إسماعيل بن مسلم المَكِّيّ، عن الحسن، عن عمر: أنّ امرأة أتت فأخبرته أَنّ زوجها لا يصل إليها، فأجَّله حولاً، فلما انقضى ولم يصل إليها، فخيَّرها فاختارت نفسها، ففرّق بينهما عمر، وجعلها تطليقةً بائنةً.

وأمّا الرِّواية عن عليّ، فأَسندها ابن أبي شَيْبَة عن الضَّحاك، عن عليّ قال: يؤجَّلُ العِنِّين سنةً، فإن وصل إليها وإلاّ فُرِّقَ بينهما. وأسندها عبد الرّزّاق عن يحيى، (عن عليّ) قال: يؤجّل العِنِّين سنةً، فإن أصابها، وإلاّ فهي أحقّ بنفسها. وأمّا الرِّواية عن ابن مسعود، فأسندها ابن أبي شَيْبَة عن حُصَيْن بن قَبِيصَة، عن عبد الله بن مسعود قال: يؤجّل العنّين سنةً فإن جامعها، وإلاّ فُرِّق بينهما. وأُسند عن المُغِيرَة بنحوه.
وإنّما أجّلوه سنةً، لأنّ المرض غالباً يكون لغلبة البرودة، أو الحرارة، أو الرطوبة، أو اليَبُوسة، وفصول السَّنة مشتملة على هذه الأربعة، فعسى أنْ يوافق فصلٌ منها طبعه، فيزول ما به من العارض باعتدال الطبع.

فمتى مضت السَّنة ولم يَزُل، فالظاهر أنّه قد استحكم، وأَنّ حقّها قد فات، فيفرّق بينهما، وهذا معنى قوله: (فَإنْ لَمْ يَصِلْ) الزّوج المرأة (فِيهَا) أي في السَّنة (فَرَّقَ) الحاكم (بَيْنَهُمَا إنْ طَلَبَتْهُ) أي التّفريق لأنه خالص حقّها، فلا بدَّ من طلبها حتى لو لم تطالبه بعد مُضِيّ السّنة التي أجّلها الحاكم لطلبها، لا يَبْطُل حقّها من التّفريق لما قدمنا. ولو تزوّجها بعد تفريق القاضي لم يكن لها خِيار لرضاها بحاله، ولو تزوّج امرأةً أخرى عالمةً بحاله، ففي «الأصل»: لا خيار لها، وعليه الفتوى لِعِلْمها بالعيب، وبه قال أحمد، والشّافعيّ في القديم.
والحاصل: أنّ الزّوج إن وصل إليها ولو مرّةً بقي النّكاح، وإلاّ فالتّفريق بينهما للحاكم.ـي رواية الحسن عن أبي حنيفة بِطَلبها لو كانت حرّة. وظاهر الرِّواية عنه: أنّ التّفريق لها، وبه قالا، لأنّ الشّرع خيرّها عند تمام الحول لدفع الضّرر عنها، فلا يحتاج إلى تفريق القاضي كما إذا خيّرها الزّوج. وأمّا إذا كانت أَمةً فالتّفريق للموْلى عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: للأمة، لأنّ الوطىء حقّها. وعن محمد: قولان.
(
فَتَبِين بِطَلْقَةٍ) وهو قول مالك، وقال الشّافعيّ وأحمد: بفسخٍ، لأنّها فُرْقة من جهتها. قلنا: بل هي فُرْقة من جهته، لأنّ فعل القاضي مضافٌ إليه لنيابته منابه لامتناعه عن الإمساك بالمعروف.
(
وَلَهَا كُلُّ المَهْرِ إنْ خَلاَ بِهَا) ونصفُه إن لم يخل بها. وقال الشّافعيّ: لا يجب شيءٌ من المهر ولا المتعة. لأنه فسخٌ عنده (وَتَجِبُ العِدَّةُ) وبه قال مالك والشّافعيّ وأحمد، واستشكل المُزَنِيّ مذهب الشافعيّ فقال: كيف يجب عليها العِدّة ولم يصبها، والخلوة ليست كالدّخول عنده. ولأصحابه أجوبةٌ عن ذلك تطلب ممّا هنالك.

(وَإنْ اخْتَلَفَا) في الوصول إليها قبل التأجيل (وَكَانَتْ ثَيِّباً) حين تزوّجها (أو بِكْراً فَنَظَرَتْ النِّسَاءُ) إليها بعد الاختلاف (وَقُلْنَ: ثَيِّبٌ) ويكفي قول الواحدة ، والاثنتان أحوط (حَلَفَ) أمّا في المسألة الأولى: فلأنّ المرأة تدّعي استحقاق الفُرْقة عليه، وهو أَنكرها ولأنه متمسكٌ بالأصل ـ وهو السلامة ـ فيكون القول قوله مع يمينه. وأمّا في الثانية: فلأن الثِّيَابة وإنْ ثبتت بقول النِّساء، ليس من ضرورةِ ثبوتِها وصولُ الرّجل إلى المرأة لاحتمال زوال بكارتها بشيءٍ آخر، فيحلف
(
فَإنْ حَلَفَ) في المسألتين (بَطَلَ حَقُّهَا وَإنْ نَكَلَ) في المسألتين (أوْ قُلْنَ: بِكْرٌ) فيما إذا كانت بكرًا (أُجِّلَ السَّنَةَ) وقالوا: ويُعرف أنها بكرٌ بأن يدفع في فرجها أصغرُ بيضةٍ، فإن دخلت بلا عنفٍ فهي ثيّبٌ وإلاّ فبكرٌ. وقيل: إن أمكنها أن تبول على الجدار، فَبِكْرٌ وإلاّ فثيّبٌ. وقيل: تكسر البيضة وتصبّ في فرجها، فإن دخل ما فيها فثّيبٌ وإلاّ فبكرٌ.
(
وَلَوْ أُجِّلَ ثُمَّ اخْتَلَفَا) في الوصول إليها (فَالتَّقْسِيمُ هُنَا كَمَا مَرَّ) فإن كانت ثيّباً أو بكراً وقالت النِّساء: ثيّب، حلف (وبَطَلَ حَقُّهَا) وهو التَّفريق هنا (بِحَلِفِهِ حَيْثُ) أي في موضع (بَطَلَ حَقُّهَا) وهو التَّأجيل، (فِيهِ) وفي نسخة: ثم، أي فيما إذا كان الاختلاف قبل التَّأجيل، (كَمَا لَوْ اخْتَارَتْهُ) أي كما يَبْطُل حقّ الزّوجة لو اختارت زوجها (وَخُيِّرَتْ) الزّوجة (هُنَا) أي فيما إذا كان الاختلاف بعد التّأجيل،(حَيْثُ أُجِّلَ) الزّوج (ثَمَّةَ) أي فيما إذا كان الاختلاف قبل التّأجيل.

والحاصل: أنّها إذا كانت ثيّباً، فالقول قوله ابتداءً وانتهاءً مع يمينه، فإنْ نَكَلَ في الابتداء لا يُؤَجَّلُ السّنة، وإن نَكَلَ في الانتهاء تخيّر المرأة. وإن كانت بِكْراً بقول النساء يؤجل في الابتداء، وتخيّر في الانتهاء. (والخَصِيُّ) سواء كان مسلولاً: وهو الذي سُلَّت خُصْيتاه، أو موجوءاً: وهو الذي قطعت خُصْيَتاه، كذا قال الشارح. وفي «القاموس»: وَجَأَ: دقّ عُروق خُصْيَيْهِ بين حجرين من غير إخراجهما، أو هو: رضّهما حتى تَنْفَضِخَا، أي تنكسرا.
(
كَالْعِنِّينِ فيِهِ) أي التّأجيل لأن الوطىء منه متوقعٌ (وَفِي المَجْبُوبِ) أي مقطوع الذَّكَر (فَرَّقَ حَالاً بِطَلَبِهَا) إذ لا فائدة في التَّأجيل، لأنَّ الوطىء منه غير متوقع.

(
ولا يتخيّر أحدهما) أي أحد الزّوجين (بِعَيْبِ الآخَرِ) سوى ما تقدّم. فلا يُفْسَخُ النِّكاح عندنا بجنونٍ وجُذَام وبرصٍ به أو بها، وقَرْن ورَتَقٍ بها. والقرْن ـ بسكون الراء ـ: غُدّةٌ غليظةٌ، أو لحمةٌ مرتفعةٌ، أو عظمٌ يمنع سلوك الذَّكَر. والرَّتَقُ ـ بفتحتين ـ: مصدر قولك: امرأة رَتْقَاء: لا يمكن جماعها لارتياق ذلك الموضع ـ أي لانسداده ـ ليس لها خَرقٌ إلا المَبَال.
وأجَازه الزُّهْريّ، وشُرَيْح، وأبو ثور بجميع العيوب كالبيع. وأجازه مالك والشافعي وأحمد لكلّ من الزّوجين بكل من العيوب الخمسة، ولا شيء لها قبل الدّخول، ولها مهر المثل بعده، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم تزوّج امرأة من بني بياضة فوجد بكَشْحِها بياضاً فقال: «الحقي بأهلك». وعن عمر أنه أثبت الخيار للزَّوج بهذه العيوب.

ولأنّ المقصود من النِّكاح قضاءُ الشهوة طبعاً، وثبوت النَّسب شرعاً، وهذه العيوب تُخِلّ به حساً أو طبعاً بخلاف العمى، والشلل، والبَخَر، والذَّفَر. وأجازه محمد للمرأة بالجنون، والجُذَام، والبرص لدفع الضَّرر عنها كما في الجَبِّ والعُنِّة، بخلاف جانبه لقدرته على دفع الضّرر عنه بالطّلاق. ولقول عليّ: إذا تزوّج امرأة فوجد بها قَرْناً، أو بَرَصاً، أو جُذَاماً أو جنوناً، فالنِّكاح جائزٌ لازمٌ له، إن شاء طلّق، وإن شاء أمسك. وقول ابنِ مسعود: لا تردّ المرأة من عيوبٍ. ونفاه أبو حنيفة وأبو يوسف، وهو قول عطاء، والنَّخَعِيّ وعمر بن عبد العزيز، والأوْزَاعِيّ، والثَّوْرِي، وابن أبي ليلى.
فإنّ تأثير وجود العيب في تفويت تمام الرضا إنما يوجب الرد في عقد يشترط فيه الرضا، ولزوم النكاح لا يتوقّف على تمام الرضا. ألا ترى أنه لو تزوج امرأة بشرط أنها بكرٌ شابَّةٌ جميلة فوجدها ثيباً عجوزاً شوهاء صماء عمياء بَكْماء، لها شِقٌّ مائل، وأنف هائل، ولعاب سائل، وعقل زائل، أو مريضة بالدق والسِّلّ مما لا بُرْءَ منه عند الأطباء، فإنه يجوز بلا شك لأحد من العلماء، وأنه لا يثبت له الخيار وإن فقد رضاه، وعليه الإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان والله المستعان.
والحديث لم يصحَّ لأنه من رواية جميل بن زيد ـ وهو متروك ـ عن زيد بن كعب بن عُجْرة، وهو مجهول لا يُعلم لكعب بن عجرة ولد اسمه زيد، ولو سُلِّم جاز أن يكون ذلك طلاقاً، فإن لفظ: الحقي بأهلك من كنايات الطلاق. وقوله عليه الصلاة والسلام: «فِرَّ من المجذوم فرارَك من الأسد»، ظاهره غيرُ مراد بالاتفاق على إباحة القرب منه، وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل مع مجذوم ثقةً بالله وتوكلاً عليه.

فصلٌ في العِدَّة
وهي في اللغة: الإحصاء، ويطلق أيضاً على المعدود.
وفي الشرع: تربصٌ يلزمُ المرأة عندَ زوالِ النكاح أو شُبْهَته.

(وسبب وجوبها عندنا نكاح) متأَكّد بالتسليم، أو ما يقوم مَقَامه من خَلوة أو موت.
(
العِدَّة) مبتدأ، ولام (للحُرَّة) متعلقٌ به (تَحيْضُ) نعت لها أو حال عنها (للطلاق) أي لأجل الطلاق عن دخول أو خَلوة، (و) لأجل (الفسْخِ) لخيار بلوغ، أو عِتْق، ولمِلْك أحد الزوجين، ولتقبيل ابن الزوج بشهوة، ولارتداد أحدهما، ولعدم الكفاءة، لأنه في معنى الفرقة بالطلاق في وجوب تَعَرُّفِ بَرَاءة الرحم (ثَلاثُ حِيَض) خبر المبتدأ (كَوَامِل) قيّد به لأنه لو طلقها وهي حائض لا يُحتسب بذلك الحيضِ، ولو بقي من الحيضة الثالثة شيء لم تَنْقضِ عِدَّتُها، وذلك لأن الحيضة الواحدة لا تتجزّى. وما وُجِد قبل الطلاق لا يحتسب منها فلا يحتسب ما بقي ضرورة. وبه قال ابن عباس، وشُرَيح، وإبراهيم النَّخَعِي.
وقال مالك والشافعي: ثلاثة أطهار، وهو مروي عن عائشة، وابن عمر، وزيد بن ثابت، لقوله تعالى: {فَطَلِّقُوهنَّ لِعِدَّتِهنَّ}، وقوله تعالى: {والمُطَلَّقاتُ يَتَربَّصْنَ بِأنفُسِهِنَّ ثلاثةَ قُرُوء}. وقد عُلِم أنَّ تأنيث العدد يقتضي تذكير المعدود، والطُّهْر هو المذكر لا الحيض، فلو أراد به الحيض لقال: ثلاث قروء.
ولنا أن الاستبراء بحيضة، كما رواه أحمد وأبو داود في سبايا أوطاس،وأصل العِدَّة للاستبراء، فيكون بالحيض. وروى ابن ماجه عن عائشة قالت: أُمِرَت بَرِيْرَةُ أنْ تعتدَّ بثلاث حِيَض. ومذهبنا قول الخلفاء الأربعة، والعبادلة، وأُبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبي الدَرْداء، وعُبَادة بن الصامت، وأبي موسى الأشعري، ومعْبَدٍ الجُهَنِي،

وعبد الله بن قيس، وطائفة من التابعين: كسعيد بن المُسيَّب، وابن جُبَيْر، وعطاء، وطاوس، وعِكْرِمة، ومُجاهد، وقَتَادة، والضَّحَاك، والحسن، ومُقَاتِل، وشَرِيك، والثَّوْري، والأوزاعي، وابن شُبْرُمة، والسُّدِّي، وكذا: الأَصْمعي، والكِسَائي، والفرَّاء، والأخْفَشُ. ورواه الطحاوي عن ابن عمر، وزيد بن ثابت، فتعارضت الرواية عنهما.
قال أحمد بن حنبل: كنت أقول الأطهار، ثم وقفت لقول الأكابر، وفي نسخة: وقفتُ والله ولي التوفيق بقول أهل التحقيق.
وعن أبي عبيدة وابن السِّكِّيت: أن القُرءَ يصح للحيض والطهر ولا ينتظمهما جملة، لأن المشترك لا عموم له، والحمل على الحيض أولى عندنا لما رويناه في عِدَّة الأَمَة من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «وقُرؤها حيضتان»، ولم يقل: طهران، ولا خلاف أن عدة الأمة نِصف عدة الحرة، لأن أثر الرِّقِ في التنصيف لا في تغيير أصل العدة، ولقوله تعالى: {واللائي يَئسنَ من المَحِيْضِ من نِسَائكم إنْ ارْتبْتُم فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثةُ أشهرٍ}، فأقام الأشهر مُقَام الحِيض دون الأطهار، والنقل إلى البدل إنما يكون عند عدم الأصل، كقوله تعالى: {فلمْ تَجِدُوا ماءً فَتيَمَّمُوا صعيداً طيباً}، فهو تنصيص على أن المرادَ بالقُرءِ الحيضُ، ولأن الغَرَضَ في العدَّةِ استبراءُ الرَّحِم، والحيض هو الذي يُستبرأ به الأرحام دون الطهر، ولذا كان استبراء الأَمة بالحيض إجماعاً.

وأما الاستدلال بقوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} فلا يصح، لأنه بناء على أن اللام بمعنى «في»، وهو غير معهود في الاستعمال، ويستلزم تقدُّمَ العدة على الطلاق، أو مقارنته له لاقتضائه وقوعَه في وقت العدة. وقراءة: «لِقَبْلِ عدَّتِهنَّ» في «صحيح مسلم» تنفيه إذ أفادت أن اللام فيه مفيدة معنى استقبال عدتهن، وهذا استعمال محقق من العربية، يقال في التاريخ بإجماع أهل العربية: خرج لثلاث بَقِيَن ونحوه.

وأما التمسك بتأنيث العدد في الآية الأخرى فليس بشيء، لأن الشيء إذا كان له اسمان مُذكَّر كالبُرِّ، ومؤنَّث كالحِنْطة، ولا تأنيث حقيقي، يؤنث عدده إذا أضيف إلى اللفظ المذكر، ويُذكَّر إذا أضيف إلى اللفظ المؤنث.
(
كأمِّ وَلَدٍ) أي كما تعتد بثلاث حيض كوامل أم ولد (ماتَ مولاها أو أعتَقَها) وهي ممن تحيض وليست حاملاً، ولا تحت زوج، ولا في عدة زوج، لأنها لو كانت تحت زوج أو في عدة زوج، لم يلزمها من المولى عدة.
(
ومَوْطُوءةٍ) أي وكموطوءةٍ (بشُبهةٍ) كما لو زُفَّتْ إليه امرأة فوطئها وهو لا يَعْرِفها (أو نكاحٍ فاسدٍ) كالمؤقت، والنكاح بغير شهود، ونكاح الأخت في عدة أختها، ونكاح الخامسة في عدة الرابعة (في الموت والفُرْقَةِ) أي لأن الوطىء بشبهة كالنكاح الفاسد، والنكاح الفاسد كالصحيح ولا نَفَقَة لها، لأن العدة هنا لِتُعرَف براءةُ الرَّحِم لا لقضاء حق النكاح، والحيض هو المعرِّف ولو في الموت.
وقال الشافعي: عِدَّة أُمِّ الولد من مولاها حيضةٌ واحدةٌ وإن كانت لا تحيض (فشهر. وقال مالك: عدتها حيضة واحدة، وإن كانت لا تحيض) فثلاثة أشهر، وهو قولُ أحمدَ بن حنبل، لما روى مالك في «الموطأ»: عن نافع، عن ابن عمر: أنه قال: عِدَّة أم الولد إذا هلك عنها سيدها حَيْضة. ولأنها وجبت لتُعْرَف بَرَاءةُ الرحم، فصارت كالاستبراء.
ولنا ما روى محمد بن الحسن في «الأصل»: عن علي، وابن مسعود، وإبراهيم النَّخَعي أنهم قالوا: عدَّة أم الولد ثلاث حِيض. وكذلك روى الحاكم عن علي، وابن مسعود، وعطاء. وروى أيضاً أن عمرو بن العاص أمر أم ولدٍ أُعتِقت أن تعتد بثلاث حِيض، وكتب إلى عمر بذلك، فكتب عمر إليه بحُسن رأيه.

(ولِمَنْ لا تحيضُ) أي، والعدة من طلاق أو فسْخ لحرة لا تحيض (لِصِغَرٍ أو كِبَرٍ أو بلغت بالسن ولم تَحِض: ثلاثةُ أشهر) أما التي لا تحيض لكبر فلقوله تعالى: {واللائي يَئِسْنَ من المحيضِ من نِسَائكم إنْ ارْتَبْتُم فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثةُ أشهر}، ومعنى {إن ارتبتم}: إن أَشكل عليكم حُكْمُهنَّ وجهِلْتُم أمرهن. وأما التي لا تحيض لصغر والتي بلغت بالسن ولم تحض، فلقوله تعالى: {واللائي لم يَحِضْن} أي فعدتهن ثلاثة أشهر، فَحُذِفَ لدلالة ما تقدم عليه، والنص يتناول الصغيرة. وعلماؤنا والشافعي أمروا ممتدة الطهر بالأَقرَاءِ لا بالتربص لسَنة. وقال مالك: تَرَبَّصُ بعد الطلاق تسعة أشهر ثم تعتد بعدها بثلاثة أشهر، لأن تسعة أشهر هو المدة المعتادة لظهور الحَبَل، فإذا مضت تحقَّقَت براءة الرحم، فتعتد بثلاثة أشهر لصيرورتها في معنى مَنْ لا تحيض.

ولنا أن الاعتداد بالأشهر مختصٌ بالصغيرة والآيسة، وهذه لم يُحكم بإياسها فتكون حائضاً باستصحاب الحال، فلا تعتد بالأشهر. وعلماؤنا والشافعي أمروا الأَمة الآيسة بشهر ونصف، لإمكان تنصيف عدتها بالنسبة إلى الأشهر، فجرينا فيها على الأَصل لا بثلاثة أشهر كما قال مالك، واحتج بإطلاق ما تلونا من قوله تعالى: {فعدتهن ثلاثة أشهر}
.
(
وللموت) أي وعدة الحرة لأجل موت زوجها وهي ليست بحامل (أَربعة أشهر وعشر) من حين الوفاة لا العلم بها، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، مسلمة أو كتابية، تحت مسلم قبل الدخول أو بعده، حراً كان الزوج أو عبداً، حاضت أو لم تحض، لقوله تعالى: {والذين يُتَوفَّونَ منكم ويَذَرُوْنَ أزْوَاجاً يَتَرَبصنَّ بأنْفُسِهِنَّ أربعةَ أشهر وعَشْراً}، ولقوله صلى الله عليه وسلم «لا يحِلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تَحِدَّ على مَيِّتٍ فوق ثلاث، إلا على أزواجها أربعة أشهر وعشراً». والمعتبر عشرة أيام وعشرة ليال من الشهر الخامس عندنا.

وفي «المبسوط»: عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يقول: عدة الحرة لموت زوجها أربعة أشهر وعشر ليال وتسعة أيام، حتى يجوز لها أن تتزوج في اليوم العاشر، لأن العشر في الآية مؤنث لحذف التاء، فيتناول الليالي، ويدخل ما في خلالها من الأيام ضرورة وهي تسعة. وأُجيب بأن ذِكْرَ أحد العددين من الأيام والليالي بعبارة الجمع يقتضي دخول مِثْله مما بإزائه من العدد الآخر، وقد سبق نظير هذا في الاعتكاف.
(
و) العدة (لأَمةٍ تحيض) للطلاق والفسخ، سواء كانت قِنًّا، أو مُدَبَّرَة، أو أم ولد، أو مكاتبة، أو معتقة البعض على قول أبي حنيفة (حيضتان) لما روى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «طلاقُ الأَمةِ تطليقتان، وعدَّتها حيضتان». ولأن الرِّقَ مُنَصفٌ لقوله تعالى: {فعليهن نِصفُ ما على المُحْصَناتِ مِن العذاب}.
لكن الحيضةَ لمَّا لم يُدْر نصفُها لاختلافها بالكثرة والقلة والوقت، جَعَل عدة الأَمة حيضتين، ولأن الحيضةَ لا تتجزىء كالطلقة، فكُمِّلَت، فصارت حيضتين. وقد روى البيهقي، عن الشافعي، عن رجل من ثَقِيف أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: لو استطعت لجعلتها حيضة ونصفاً، فقال رجل: فاجعلها شهراً ونصفاً، فسكت عمر. قلت: وهذا من كمال حِلْمه مع جمال علمه.
(
ولمن) أي ولأمة (لم تحِض، أو مات عنها زوجها نِصفُ ما للحرة) فالتي لم تحض لصغر أو كبر أو بلوغ بالسن شهر ونصف، وللتي مات عنها زوجها شهرانِ وخمسة أيام، لأن كلاً من الثلاثة الأشهر والأربعة الأَشهر وعشرة أيام قابل للتنصيف.

(و) العدة (للحاملِ الحرةِ والأمة وإن مات عنها زوجها) وفي بعض النسخ: وإن مات عنها صبي، يعني بأن ولدت بعد موته لأقل من ستة أشهر (وَضْعُ حَمْلِها) وإن لم يلحق به لعدم مائه، لأن قوله تعالى: {وأُولاتُ الأحْمَالِ أجلُهُنَّ أنْ يَضعْنَ حَمْلَهنَّ} . لا فصل فيه بين الحرة والأمة، ولا بين المطلقة والمفسوخة، والمتوفى عنها زوجها والموطوءة بشُبهة، ولا بين الحمل الثابت النَّسَب وغيره. وقال أبو يوسف وزفر: الحامل التي مات عنها الصبي المذكور أربعة أشهر وعشر. وهو رواية عن أبي حنيفة، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، لأنه ليس بثابت النَّسَب منه، لكونه صبياً لم يوجد منه المني، الحال أنها ولدت لأقل من ستة أشهر.
وعن علي وابن عباس: تعتد المتوفَّى عنها بأبعد الأَجَلين، فتعتد بأَربعة أشهر وعشر، فيها ثلاث حِيض، لأن قوله تعالى: {وأُولاتُ الأحمَالِ أجلُهنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهنَّ} يوجب العدة بوَضْع الحمل، وقوله تعالى: {والذين يُتَوَفَّونَ منكم ويَذَرُونَ أزواجاً يَتَرَبَّصْنَ بأنْفُسِهِنَّ أربعةَ أشهرٍ وعَشْراً} يوجب الأشهرَ فيجمعُ بينهما احتياطاً.
ودليل عامة العلماء ما روى مالك في «الموطأ»: أن عبد الله بن عباس وأبا سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف اختلفا في المرأة تُنْفَسُ بعد وفاة زوجها بليال، فقال أبو سَلَمة: إذا وضعت ما في بطنها فقد حَلَّت. وقال ابن عباس: آخِر الأَجَلين. فقال أبو هريرة: أَنا مع ابن أخي ـ يعني أبا سلمة ـ فأرسلوا كُرَيْباً مولى ابن عباس إلى أُم سَلَمة زَوْج النبيَّ صلى الله عليه وسلم يسألها عن ذلك، فجاءهم فأخبرهم أنها قالت: ولدت سُبَيْعة الأسْلميَّة بعد وفاة زوجها بليالٍ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «قد حَلَلْتِ فانكِحِي مَنْ شئت». وفي رواية للبخاري: فمَكُثَت قريباً من عشر لياللٍ

وروى الشيخان: أن عمر بن عبد الله بن أرقم دخل على سُبَيْعة بنت الحارث الأسلمية فسألها حديثه، فأخبرته أنها كانت تحت سعيد بن خَوْلة ـ وهو من بني عامر ابن لؤي، وكان ممن شهِد بدراً ـ فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حاملٌ، فلم تلبث أن وضعت حَمْلَها بعد وفاته، فلما فرغت من نِفَاسها تجملَّت للخُطَّاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بَعْكَك ـ رجل من بني عبد الدار ـ فقال لها: مالي أراكِ متجملة، لعلك ترجين النكاح، والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر، قالت سُبَيْعة: فلما قال لي ذلك، جمعت عليَّ ثيابي حين أمسيت، فأتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللتُ حين وضعتُ حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي. قال ابن شهاب: ولا أرى بأساً أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها، غير أنه لا يَقْربُها زوجها حتى تَطْهُر، وهو قول عمر وابنه.

وفي البخاري أيضاً في تفسير سورة الطلاق، وأواخر البقرة: أن ابن مسعود قال: أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون عليها الرخصة؟ لَنَزَلَتْ سورة النساء القُصْرَى بعد الطُّولى: {وأَوْلاتُ الأحْمَالِ أجَلُهنَّ أنْ يَضعْنَ حَمْلَهنَّ} ورواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. بلفظ: من شاء لاَعَنْتُه، لأُنزلت سورة النساء القُصْرَى بعد الأربعة أشهر وعشراً. وأخرجه البزَّار عنه بلفظ: من شاء حالفتُه إنَّ: {وأُوْلاتُ الأحْمَالِ أجَلُهنَّ أنْ يَضعْنَ حَمْلَهنَّ}. نزلت بعد آية المُتوفَّى، فإذا وضعت المتوفى عنها حملَها فقد حلّت.

وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل في مسند أبيه من حديث المُثَنَّى بن الصَّبَّاح، والطبري، وابن أبي حاتم عن ابن لَهِيْعَة، والطبري وحده عن عبد الكريم ابن أبي المُخَارِق (كلهم) عن أُبيّ بن كعب قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم {وأُولاتُ الأحمالِ أجلُهنَّ أنْ يَضعْنَ حَمْلهنَّ} للمطلّقة ثلاثاً أو المتوفى عنها؟ قال: «هي للمطلقة ثلاثاً والمتوفى عنها». إلا أن المُثَنَّى متروك، والآخران ضعيفان، لكن يقويه ما أسنده عبد الرزاق وابن أبي شيبة في «مصنفيهما» عن الزبير بن العَوَّام: أنه كانت تحته أم كلثوم، وكان فيه شدةُ على النساء فكرهته، فسألته أن يطلقها وهي حامل، فأبى، فلما ضربها الطَّلْق ألحَّتْ عليه في تطليقة، فطلقها واحدة، وهو يتوضأ، ثم خرج، فأدركه إنسان فأخبره أنها وضعت، فقال: خدعتني خدعها الله، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: «سبقك كتاب الله فيها، خطُبْها». فقال: لا ترجع إليَّ أبداً.
(
و) العدة (لمن حَبِلت بعد موت) زوجها (الصبيِّ) بأن ولدت لستة أشهر فصاعداً من موته، وهذا عند الجمهور، وقيل: أن تلد لأكثر من سنتين (عدَّةُ الموت) أربعة أشهر وعشر للحرة، وشهران وخمسة أيام للأمة، لأنها ليست حاملاً وقت موته، فلا تدخل في قوله: {وأُولاتُ الأحمَالِ أجلُهنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلهنَّ}، (ولا نَسَب) ثابت (في وَجْهَيه) أي وَجْهَيْ حَبَلِ امرأة الصبي، وهما: حَبَلها قبل موته، وحَبَلها بعده، لأن النَّسَب يعتمد الماء، ولا ماء للصبي.
(
و) العدة (لامرأة الفارّ) وهو الذي طلَّق في مرض موته ونحوه (للبائن) بثلاث حيض أو بواحدة (أبعد الأجلين) من عدَّة الوفاة وعدة الطلاق، بأن تتربص أربعة أشهر وعشراً من وقت الموت، فيها ثلاث حِيض من وقت الطلاق. وقال أبو يوسف: تعتد بثلاثة أقراء، لا أبعد الأجلين، وهو قول مالك والشافعي، لأن العدة وجبت في حياته، فتكون بالأَقراء.

ولنا أن فيما قلناه احتياطاً، فكان أولى: (وللرجعيِّ) عطف على البائن (ما للموت)، لأن النكاح قائم من كل وجه، وقد انقطع بالموت، فتدخل في عموم قوله تعالى: {والذين يُتَوفَّونَ منكم ويَذَرُونَ أزواجاً يَتَرَبَّصْنَ بأنْفُسِهِنَّ أربعةَ أشْهر وعَشْراً}.
(
ولمن) أي والعدة لأمة (أُعتقتْ في عِدَّةِ رجعيَ، كعدة حرة) فتعتد بثلاث حِيض، أو بثلاثة أشهر من وقت الطلاق، لأن النكاح لم يَزُل عنها بالرجعة، وقد كَمُل مِلك الزوج عليها بالعتق، والطلاق في مِلْكٍ كامل يوجب عدة الحرائر (وفي عدة بائن أو موت كأَمَة) لأن النكاح زال بالبينونة أو الموت، فلم يَكْمُل ملكُ الزوج بالعتق، فلم يقع الطلاق في ملك كامل، فلا تنتقل عدتها إلى عدة الحرائر.
وقال مالك: لا ينتقل ما يختلف بالرِّق والحرية، ويكون المعتبر فيه حال تقرر الوجوب، كالحدود وهو أحد قولي الشافعي.
(
وآيِسةٌ) مبتدأ، أي منقطعةُ دمِ الحيض في سن الإياس وهو: خمسة وخمسون سنة، وعليه الفتوى (رَأَتِ الدَّمَ) على عادتها أو حَبِلت من زوج آخر (بعد عدة الأشهر) أي بعد فراغها (تستأنفُ) خبر المبتدأ، أي تبتدىء عدة أخرى (بالحِيَض) بكسر ففتح، ويفسد نكاحها إن كانت تزوجت، لأنه تَبيَّن أنها من ذوات الأَقراء، وهذا هو الصحيح. وفي «النوازل»: إذا تزوجت الآيسة بعد تمام اعتدادها بالأشهر ثم رأت الدم، فالأصح أن نكاحها جائز، قضى القاضي بجوازه أو لم يقض، وتكون عدتها في المستقبل بالحِيض، (كما تستأنف بالشهور) أي اتفاقاً (مَنْ حاضت) من عدتها (حيضة) أو حيضتين (ثم أَيِسَتْ) أي بالسن، تحرزاً عن الجمع بين الأصل والبدل.

(وعلى معتدة) من طلاق أو غيره (وُطِئت بشبهة) كما لو تزوجها وهو لا يعلم أنها معتدة الغير، أو وجدها على فراشها وقال النساء: إنها زوجتك (عدة أخرى) وأما إذا علم أنها امرأة الغير، أو معتدته، فلا تجب العدة، حتى لا يحرم على الزوج وطئها وبه يُفْتى كما في «الذخيرة» (وتداخلتا) أي العدَّتان، فتُحْتَسب بالدم الذي تراه في العِدّة الأخرى من العدتين.
(
فإذا تَمَّت الأولى انقضى بعض الثانية) حتى لو كان الوطىء بشبهة بعد حيضة من العدة، لزمها ثلاث حِيض أُخر، لتكون الحيضة الثالثة تكملةً للعدة الثانية، ولو كانت العدة من وفاةٍ فوطئت بشبهة تعتد بالأشهر، وتَحْتَسب بما تراه من الحيض فيها من العدة الثانية تحقيقاً للتداخل بقَدْر الإمكان، وهو قول معاذ بن جبل.

وقال مالك والشافعي وأحمد: إن كانت العدتان من شخص واحد تداخلتا إذا اتفقتا بأن لم يكن إحبالٌ، وكانت من ذوات الأشهر أو الأَقراء، وإن اختلفتا بأن كانت إِحداهما بالحمل، ففي تداخلهما وجهان، وإن كانت العدتان من شخصين لم تتداخلا، لأن العدتين حَقَّان مقصودان لآدميين، فلا تتداخلان، كالدِّيتين، والحدَّين، والمهرين.
ولنا أن المقصود التعرفُ عن فراغ الرحم، وقد حصل بالواحدة فتتداخلان، وإن العدة مجرد أجل، والآجال إذا اجتمعت تنقضي بمدة واحدة، كرجل عليه ديون إلى أجل، فإذا مضى حلّت كلها، وإنما قلنا إنها أجل لقوله تعالى: {وأُولاتُ الأحْمَالِ أجلُهنَّ أنْ يَضَعْنَ حَملهنَّ}، وقوله تعالى: {فإذا بَلغْنَ أجَلهنَّ فأمسِكُوهنَّ}، وقوله تعالى: {حتى يَبْلُغَ الكتابُ أجله} وسمّاه تربصاً وهو الانتظار، وهو يكون بسبب الأجل كالانتظار في المطالبة بالدين إلى انقضاء الأجل.

(وعِدَّة النكاح الفاسِدِ عقيب تفريقِهِ، أو عَزْمه تَركَ الوطىء) بأن يقول: تركتك، أو خلَّيت سبيلك، أو ما يقوم مَقَام ذلك، لا بمجرد العزم أو بعدم المجيء إليها. وقال زفر: من آخر الوطآت، وبه أخذ أبو القاسم الصَّفَّار (وتنقضي العدة وإنْ جَهِلَتِ) المرأة ذلك، بأن لم تعلم وقوع الطلاق أو الموت حتى مضت المدة، لأن العِدَّة أجل وهو لا يشترط العلم بانقضائه.
(
وإن نَكَحَ مُعتدَّتَه من بائنٍ) بما دون الثلاث (وطلَّق قبل الوطء، وجب مهرٌ تامٌّ وعدةٌ مستقبَلَة) عند أبي حنيفة وأبي يوسف وهو رواية عن أحمد. وقال زفر: يجب نِصف المهر أو المُتْعَة ولا عدة عليها. وقال محمد: نِصف المهر أو المُتْعَة وعليها تمام العدة الأولى، وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد.
(
ولا عِدَّة) عند أبي حنيفة (على ذميَّة طلقها ذِميّ) لا يعتقد العدة، أو مات عنها. وعنه: أنها لا توطأ إلا بعد حيضة. وعنه: أنها لا تُزَوَّج إلا بعد حيضة.
وقال أبو يوسف ومحمد: تعتد لأن في العدة حقَّ الزوج وإن كان فيها حق الشرع، ولهذا يجب على الصغيرة والكتابية مخاطبة بحقوق العباد.
ولأبي حنيفة: أَن الذمية غير مخاطبة بالفروع، فلا يجب العدة عليها لحق الشرع وزوجُها غيرُ مُعتقِد للعدة، فلا يجب عليها لحق الزوج. وأما لو اعتقدها وجب عليها العدة اتفاقاً.
(
ولا) على (حربية) منكوحة (خرجت إلينا مُسْلِمة) أو ذمية ثم أسلمت، أو خرجت مستأمِنة ثم أسلمت، أو صارت ذمية (إلا الحامل) لأن في بطنها ولداً ثابت النسب.

وقال أبو يوسف ومحمد: عليها العدة لأنها فُرْقة بعد الدخول في دار الإسلام بسبب التباين، فيجب العدة كما لو وقعت بسبب آخر نحو: الموت ومطاوعة ابن الزوج.
ولأبي حنيفة أن قوله تعالى: {ولا جُنَاح عليكم أنْ تنكحوهن} مطلقٌ، وأَنَّ العدة فيها حق العبد، والحربي مُلحَق بالجمَاد، حتى صار محلاً للتملك، فلا حُرْمة لفراشه.

(تَحِدُّ) بكسر الحاء وضمها، ومصدره الحِدَاد، والأفصح أنه من الإِحداد، أي وتُظْهِر الحُزْن (معتدةُ البائن) بثلاث أو خُلْع، إن كانت حرة، وباثنين أو خلع إن كانت أَمة.
وقال مالك والشافعي: لا تَحِد معتدة البائن، لأن الحِدَاد وجب إظهاراً للتأسف على فوت زوجٍ وفيَ بعهدها إلى مماته، والمبانة قد أوحشها بالإبانة فلا تأسف لموته.
ولنا أنه وجب إظهاراً للتأسف على فَوْت نعمة النكاح الذي هو سبب لصونها وكفاية لمُؤنها، والإبانة فيها ذلك الفوت، ولأنه من أسباب رغبةِ الرجال فيها وهي ممنوعة منهم ما دامت معتدة. ولما أسنده الطحاوي في «آثاره»: عن إبراهيم النَّخَعي أنه قال: المطلقة، والمُخْتَلعة، والمتوفى عنها زوجها، والمُلاَعنة: لا تختضب، ولا تتطيَّب، ولا تلبس ثوباً مصبوغاً، ولا يخرجن من بيوتهن. وهو ممن أدرك عصر الصحابة وزاحمهم في الفتوى، فيجوز تقليده.
(
و) تَحِدُّ معتدة (الموت: كبيرة، عاقلة، مسلمة) فلا حِداد على صغيرة، ولا كافرة، ولا مجنونة.
وقال مالك والشافعي: عليهن الحِدَاد، لأنه لموت الزوج، فيعم النساء كالعِدَّة.
ولنا أنه عبادة، فلا يجب إلا على المخاطَبين بهذا، ولذا قال صلى الله عليه وسلم «لا يحِلُّ لامرأة تؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ...» الحديث، حيث شرط الإيمان بخلاف العدة، فإن فيها حقَّ الزوجية.
(
بترك الزينة) أي الحُلِيّ والحرير، (و) بترك (لُبْس المُزَعْفَر والمُعَصْفر) إلا أن يكون خَلَقاً
لا يحصل به الزينة. وإن لم يكن لها إلا ثوب مصبوغٌ فلا بأس بأن تَلْبَسَه من غير أن تقصِدَ الزينة بِلُبْسه، لأنها لا تجد بداً من سِتر عورتها. وإذا لم تجد سواه فمقصودها السِّتر لا الزينة، والأعمال بالنية.

(و) بترك (الدُّهن) بالأدهان الطيبة باتفاق، وبالزيت والسيرج الخَالِصين خلافاً لمالك وأحمد، (و) بِترْك (الحِنَّاء والطِيْب والكُحْل إلا بعذر) من حِكَّة، أو مرض، أو قَمْل. ولا تمتشط بمُشْطٍ أسنانه ضيقة، لأنه لتحسين الشعر وتزيينه، بخلاف الواسعة. وقال مالك والشافعي وأحمد: تمتشط به.

ودليل وجوب الحِدَاد على المتوفى عنها زوجها ما رواه الجماعة إلا الترمذي عن حفصة، عن أم عَطِية قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يحِل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تَحِد على مَيّت فوق ثلاثِ ليال، إلا على زوجٍ أربعة أشهر وعشراً، ولاتلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عَصْبٍ ـ وهو ضرب من البُرد ـ ولا تكتحلُ ولا تمسّ طيباً، إلا إذا طَهُرَت نُبْذَة من قُسْط أو أظفار». والقُسْط: ضرب من الطيب، وقيل: العود. والأظفار: جنس من الطيب لا وَاحِد له من لفظه، كذا في «النهاية». وفي لفظٍ للبخاري ومسلم: وقد رُخِّص للمرأة في طهرها إذا اغتسلت من حيضها في نُبْذَةٍ من قُسْط أو أظفارٍ. وزاد مسلم من حديث حَفْصة: «إلا على زوجها، فإنها تَحِد عليه أربعة أشهر وعشراً».
وروى أبو داود من حديث أم حَكيم بنت أَسِيد، عن أمها، عن مولاة لها، عن أم سَلَمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في عدتي من وفاة أبي سَلَمة: «لا تمتشطي بالطيب ولا بالحِنَّاء، فإنه خِضَابٌ».
قلت: فبأي شيء أمتشط يا رسول الله، قال: «بالسِّدر تُغَلّفين به رأسك». وفي الصحيحين من حديث أم سَلَمة قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينَها أفَنَكْحُلها؟ فقال صلى الله عليه وسلم «لا» ـ مرتين أو ثلاثاً ـ كل ذلك يقول: «لا» ثم قال صلى الله عليه وسلم «إنما هي أربعة أشهر وعشر».

(لا) تَحِد (مُعتدَّة عِتقٍ و) معتدة (نِكاحٍ فاسدٍ) لأن الحِدَاد لإظهار التأسف على فَوَات نعمة النكاح، ولم يَفُتْها ذلك، ولأن زوال الرِّقِ نعمة، فلا يليق به التأسف، بل المناسب له الشكر لما زال عنها من أثر الرِّق، والنكاحُ الفاسد معصية، فيلزَمُها الشُّكْرُ على فَوْته لا التأسف.
(
ولا تُخطَب معتدَّة) مطلقاً، لقوله تعالى: {ولا تَعْزِمُوا عُقْدَة النكاح حتى يَبْلُغَ الكتابُ أجلَه}، (إلا تَعْرِيضاً) في المتوفى عنها لقوله تعالى: {ولا جُنَاح عليكم فيما عَرَّضتُم بهِ من خِطْبةِ النساء أو أكْننتُم في أنفسكم عَلِمَ ا أنَّكُم سَتَذْكُرُونهنَّ ولكنْ لا تُوَاعِدُوهنَّ سِراً إلا أنْ تقولوا قَوْلاً مَعْرُوفاً}، فقوله: {لا تُوَاعِدُوهنَّ سِراً} معناه: لا يأخذ عليها عهداً أو ميثاقاً أن لا تتزوج غيره. أسنده ابن أبي شيبة عن الشَّعبي، ونقله أبو بكر الرازي عن ابن عباس، وسعيد بن جُبَيْر، ومجاهد. وقال عبد الرزاق: حدثنا مجاهد عن أبيه، عن ابن عباس في قوله تعالى: {ولكنْ لا تُوَاعِدُوهنَّ سِراً} قال: يقول: إِنكِ من حاجتي. وأما ما في «الهداية:» قال عليه الصلاة والسلام: «السِّرُّ النِّكاح»، فغير معروف رَفْعه.

وأما المطلَّقة فلا يجوز التعريضُ فيها: أما الرجعية فلقيام الزوجية، وأما البائن فلإفضائه إلى العَدَاوة في مُطلِّقها. والأظهر في مذهب الشافعي: أنه يجوز التعريض في البائن إلحاقاً لها بالمُتوفى عنها.
وصفة التعريض ما روى البخاري في كتاب النكاح: عن ابن عباس في قوله تعالى: {ولا جُنَاح عليكم فيما عَرّضتُم به من خِطْبةِ النساء} قال: يقول: إني أريد التزويج، ولَوَدِدتُ أنه تيسر لي امرأةٌ صالحة. وعن القاسم أنه يقول: إِنكِ عليَّ كريمة، وإني فيك لراغب، وإنَّ الله تعالى لسائق إليك خيراً، أو نحو هذا. انتهى.

(ولا تخرُج معتدَّة الرَّجعِيّ والبائن من بيتها أصلاً) أي لا ليلاً ولا نهاراً، لقوله تعالى: {لا تُخْرِجُوهنَّ من بُيوتهنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلا أن يَأتِيْنَ بفاحشةٍ مُبيِّنَة} قال النَّخَعي: هي نفس الخروج، وبه أخذ أبو حنيفة رحمه الله. وقال ابن مسعود: هي الزنا، فتخرجُ لإقامةِ الحدِّ، وبه أخذ أبو يوسف. وقال ابن عباس: أن تكون بَذِيَّة اللسان على أحماء زوجها، فتخرج من مسكن الزوج. ثم هذا في الحرة، وأما في الأمة فتخرج لرعاية حق المولى في الخِدمة، إلا أن يُبِوِّءها منزلاً ويترك استخدامها تَفضُّلاً.
(
وتخرجُ معتدة الموتِ في المَلَوين) أي في الليل والنهار (وتبيت) أكثر الليل (في منزلها) لأن نفقتَها عليها، فتحتاج إلى الخروج للكَسْب بالنهار وبعض الليل، بخلاف المعتدة عن طلاق، فإن نفقتها على زوجها، حتى لو اختلعت نفسها على نفقتِها، كان لها الخروج نهاراً في رواية لضرورة معاشها. وفي رواية: لا تخرج لأنها أسقطت حقها برضاها. وفي «جامع قاضيخان»: أَنّه الصحيح، كما لو اختلعت على أن لا سُكْنى حيث تسقط مُؤنة السُّكنى، ويلزمها أن تكتري بيت الزوج، وبه كان يُفتي الصَّدْرُ الشهيد. وعن علي، وابن عباس، وجابر، وعائشة: تعتد المُتوفَّى عنها حيث شاءت، وهو قول الحسن وعطاء.
(
وتعتد) المعتدة (في منزلها) الذي يضاف إليها بالسكنى (وقت الفرْقة والموت) حتى لو طلقها وهي زائرة وجب عليها أن تعود إلى منزلها فتعتد فيه، (إلا أن تخرج) بأن كان نصيبُها من دار الميت لا يكفيها وأخرجها الوَرَثةُ من نصيبِهم (أو خافت تَلَف مالها، أو الانهدام، أو لم تجد كِرَاء البيت) لأن الواجب يتقيد بالاقتدار مع هذه الأعذار، وقد قال الله تعالى: {فاتَّقوا ا ما استطعتم}.

وإنما تعتد في منزلها لما روى مالك في «الموطأ»، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والطحاوي، والترمذي ـ وقال: حسن صحيح ـ: أَنَّ فُرَيْعة بنتَ مالك أخت أبي سعيد الخُدَري لما قُتل زوجها جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أَرجِع إلى أهلي، فإن زوجي لم يترك لي مسكناً يملِكه، ولا نفقة، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «نعم»، قالت: فانصرفتُ حتى إذا كنت بالحجرة أو بالمسجد ناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أَمرني فنوديت له، فقال: «كيف قلت؟» قالت: فرددت عليه القصة التي ذكرتُ له من شأن زوجي. قال: «امكُثي في بيتك حتى يبلغَ الكتابُ أجله». قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً. قالت: فلما كان عثمانُ أرسل إليَّ فسألني عن ذلك فأخبرته فاتَّبَعَه.
ثم تعيين المنزل الذي تنتقل إليه عند الضرورة إلى الزوج في الطلاق وأجرته عليه، وإلى المرأة في الوفاة وأجرته عليها. وإذا سكنت منزلاً آخر لا تخرج منه إلا لعذر، لأن الانتقال عن الأول لا يكون إلا عن عذر، فكذا عن الثاني. ولا تخرج إلى صحن دار فيها منازل، لأنه بمنزلة السِّكَّة، ولهذا لو أخرج السارق المتاع إليه يُقطع.
(
ولا بد من سترة بينهما) إن كان سُكْناها في منزل الزوج (في البائن) بثلاث أو بخلع حَذَراً من الخَلوة بالأجنبية (وإن ضاق المنزل عليهما) أي على المعتدة ومطلِّقِها (فالأولى خروجُه) لا خروجُها، لقوله تعالى: {ولا يَخْرُجْنَ} وكذا الحُكْم مع فِسْقه، لأن مُكثَها في منزل الزوج واجب، ومُكثه فيه غير واجبٍ ، ولو خرجت هي بعد إبائه جاز، لأن ذلك عذرٌ لها.
(
وحَسُنَ أن يجعل بينهما امرأة قادرة على الحَيْلولة) بأن تكون ثقة تحول بينهما، لحصول المُكْثِ في منزل الزوج حينئذ من غير ضرر يلحقها منه، فلا يُحتاج إلى خروج أحدهما.

(ولو أبانها، أو مات عنها في سفر) سواء كان في مَفَازةٍ أو مِصرٍ (وليس بينها وبين مِصرها) أي محلها الذي خرجت منه (مسيرة سفرٍ، رجعتْ إلى مِصرها) سواء كان بينها وبين مَقصِدها مسيرة سفر أو لم يكن، كان معها محرم أو لا، وكانت في مصر أو في مفازة. أما رجوع التي لم يكن بينها وبين مقصِدها مسيرة سفر، فعلى سبيل الأولوية، لتكون عِدَّتها في منزلها، وأما رجوع التي بينها وبين مقصدها مسيرة سفر فعلى سبيل الوجوب، لأن رجوعَها ليس فيه إنشاء سفر، ولأنها تصير بالرجوع مقيمةً، وبالمُضِي مسافرة.

قيد بالإبانة أو الموت، لأنه لو طلقها رجعياً لم تفارِقْه، لأن الزوجية قائمة بينهما (وإن كانت تلك) أي مسيرة السفر (من كل جانب) من جانبي مصرها ومقصِدها (فإن كانت في مفازة خُيِّرت) بين الرجوع والمُضي للضرورة، سواء كان معها وليٌّ أو لا، لأن ما يُخاف عليها في ذلك المكان أعظم مما يُخاف عليها في الخروج منه. وقال السَّرَخْسي: تختار أقربَهما. (والعود أحمَدُ) لتعتد في منزلها.
(
وإن كانت في مِصر تعتد ثَمَّة) أي في المِصر عند أبي حنيفة، سواء كان معها محرم أو لا (ثم تخرجُ بمحرم) وقال أبو يوسف ومحمد: وهو قول أبي حنيفة رحمه الله أولاً: إن كان معها مَحْرَم، فلها أن لا تعتد ثَمَّة، وتخرج مع مَحْرَمها.
ولو طلق ذو الخيمة من أهل البادية امرأته وأراد الانتقال بها إلى مكان آخر للماء والكلاء لمواشيه، لا ينقلها لوجوب القرار عليها في موضعٍ طُلِّقت فيه، إلا أن يلحَقها بعدمه ضررٌ بيِّنٌ بتركه، فينقلها حينئذٍ دفعاً له، قال الله تعالى: {وما جعل عليكم في الدِّيْن من حَرَجٍ}، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا ضَرَرَ ولا ضرار».

فصل (في الحَضَانَة)

(الحَضَانَةُ) وهي تربيةُ الولد الصغير (للأم) بإجماع أهل العلم. وبما روى أبو داود من حديث عَمرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو: أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحِجْري له حِواء، وإنَّ أباه طلقني وأراد أن ينزِعَه مني. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنتِ أحقُ بهِ ما لم تنكِحي». وفي «مصنف ابن أبي شيبة» عن سعيد بن المسيَّب: أن عمرَ طلق أم عاصم، ثم أتى عليها وفي حِجْرها عاصم، وأراد أن يأخذه منها، فتجاذباه بينهما حتى بكى الغلامُ، فانطلقا إلى أبي بكر، فقال له أبو بكر: مَسْحُها وحِجْرها وريحها خير له منكَ، حتى يَشِبّ الصبي فيختار لنفسه.
وفيه: عن القاسم بن محمد: أن عمر بن الخطاب طلق جميلة بنت عاصم بن ثابت، فتزوجت فجاء عمر فأخذ ابنه، فأدركته الشَّمُوس امرأة عاصم الأنصارية ـ وهي أم جميلة ـ فأخذته فترافعا إلى أبي بكر، فقال لعمر: خَلِّ بينها وبين ابنها، فأخذته.
(
بلا جَبْرِها) إذا أبت سواء (طُلِّقت أو لا) إلا أن لا يكون له إلا هي، أو لا يقبل غيرها، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك في رواية. وقال مالك في رواية، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح: تُجْبر. واختاره أبو الليث، والهِنْدُوَاني من أصحابنا، لأن ذلك حق الولد، لقوله تعالى: {والوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أولادَهنَّ} والمراد به الأمر، وهو للوجوب.
ولنا قوله تعالى: {وإنْ تعاسَرْتُم فستُرْضِعُ له أخرَى} وإذا اختلفا فقد تعاسرا (ثم أُمّها) أي ثم لأُم الأم، بأن ماتت الأم، أو تزوجت بغير ذي رَحِم مَحْرم، أو لم تكن أهلاً للحضانة (وإِن علت). وعن أَحمد: أَنَّ أُم الأَب أَحقُّ من أمُ الأُم. وإنما كانت أمُ الأُم أَحق من أُم الأَب لما قدمنا من قضية عمر مع جدة ولده.

(ثم أُم أَبيه) أي ثم لأُم الأَب وإن علت. وقال زفر: الأُخت لأَب وأُم أولى، والخالة (للأُم) أحق من أمُ الأَب (ثم أُخته) أي أُخت الولد (لأَب وأُم، ثم لأُم، ثم لأب) وبه قال المُزَنِيّ وابن شُرَيح من الشافعية. وقال زفر: يشترك الأخت لأم مع الأخت لأبوين لاستوائهما فيما هو الأصل في الباب، وهو الأُم. والأصح من مذهب الشافعي أن الأُخت لأَب أَحق من الأُخت لأُم، وبه قال أحمد اعتباراً بقوَّة الميراث.
ولنا أن الاعتبار بالأحق بالحضانة وهي الأُم أولى، وجِهَة الأبوة تصلح للترجيح، فكانت مرجِّحة، (ثم خالته) أي خالة الولد (كذلك) أي تقدم التي للأب والأم على التي للأم، والتي للأُم على التي للأب، هكذا ذكر في كتاب النكاح في الأصل.

وفي كتاب الطلاق: تُقَدَّم الخالة على الأُخت للأَب، لأن الخالة بمنزلة الأم، لما روى البخاري في حديث عمرة القضاء : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الخالةُ بمنزلةِ الأم» ووجه الرواية الأخرى أن الاعتبار بقرب القرابة، والأخت أقرب من الخالة بمنزلة، لأنها ولد الأب، والخالة ولد الجد. ولقوله عليه الصلاة والسلام: «الخالة والدةٌ». رواه الطبراني في «معجمه»، وأبو داود في «سننه» عن علي بلفظ: «الخالةُ أُمّ».

وفي «مسند إسحاق بن رَاهُويَه» عن علي قال: لما خرجنا من مكة أتتنا بنتُ حمزة تنادي: يا عم يا عم، فتناولتها بيدها، فدفعتها إلى فاطمة، فقلتُ: دونك بنت عَمِّك، فلما قدمنا المدينة اختصمنا فيها أنا وجعفر وزيد بن حارثة، فقال جعفر: بنت عمي وخالتُها عندي ـ يعني أسماء بنتَ عُمَيْسَ. وقال زيد: بنت أخي ـ أي في المؤاخاة. وقلت: أنا أخذتها وهي بنت عمي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أما أنت يا جعفر: أشبهت خَلْقي وخُلُقي، وأما أنت يا علي فمني وأنا منك، وأما أنت يا زيد فأخونا ومولانا، والجارية عند خالتها، فإنَّ الخالة والدة». قلت يا رسول الله: ألا تتزوجها قال: «ابنة أخي من الرَّضاعة». انتهى. وكان ذلك في عُمرةِ القضاء.
وروى ابن المبارك في كتاب «البر والصلة» بسنده عن الزهري قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العم أب إذا لم يكن دونه أب، والخالة والدةٌ إذا لم تكن دونها أم». والحديث يدل على أن لها في الجملة حقاً هنالك، ولا نزاع في ذلك. وقال مالك والشافعي: تُقدَّم الخالةُ من الأَب على الخالة من الأُم كما قالا في الأُخت.
(
ثم عَمته كذلك) لأب وأم، ثم لأم، ثم لأب. وفي «المحيط»: وأما بناتُ الأعمام والعمات، والأخوال والخالات، فبِمَعْزِل عن حق الحضانة، لأن قرابتهن لم تتأكد بالمحرمية. وفي «البدائع»: لا حق للرجال من قِبَلِ الأم (بشرط حريتهن) لأن غير الحرة مشغولة بخدمة المولى، فلا تتفرغ للولد، فإن كان الصغير في الرِّق، فحضانته لمولاه، ولا يفرق بينه وبين أُمه، وإن كان حراً فحضانته لأقربائه الأحرار.

(فلا حق لأَمَةٍ ولا أُمِّ ولد) ولا لمدَبَّرة ولا لمكاتَبة في ولدها قبل الكتابة. وأما ولدها زمن الكتابة فداخل في كتابتها تبعاً لها. (والذمية) كتابية كانت أو مجوسية في ولد المُسلم (كالمسلمة) لأن الشفقة لا تختلف باختلاف الدِّين (حتى يعقِلَ) الصغير (ديْناً) أو يُخاف عليه أن يألف الكفر، فإنه ينْزع منها. وقال الشافعي وأحمد: لا حضانة للذمية، وهو رواية عن مالك.

(
وبنكاحِ غيرِ محْرَمٍ) من الصغير من لها الحضانة (سقط حقُّها) من الحضانة لحصول الضرر للصغير، فإن زوج الأم ينظر إليه شَزْراً، وينفق عليه نَزْراً، ويتبَرَّم بمكانه ضرراً، فلا نَظَر في الدفع إليها خطراً. قال ابن المنذر: أجمع على هذا أهل العلم إلا الحسن. وهو رواية عن محمد، واحتجا بأنه صلى الله عليه وسلم دفع بنتَ حمزة إلى خالتها وكانت متزوجةً بجعفر، وهو غير محرم منها، وإذا لم يمنع ذلك الاستحقاق ابتداءً فالأولى أن لا يمنعه بقاءً. وللجمهور قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم: «أنت أحقُّ به ما لم تنكحي».
(
وبمحْرَم لا) أي بنكاح مَحْرمٍ لا يسقط حقُها من الحضانة (كأُم نكحت عمَّه) أي عَمَّ الصغير (وجَدَّةٍ) نكحت (جدَّه) وخالة نكحت عمَّه أو أخاه من أبيه، وعمة نكحت خاله أو أخاه من أمه، لانتفاء الضرر حينئذ عن الصغير (ويعودُ الحق) من الحضانة (بزوالِ نكاح سقط به) حقُ الحضانةِ لزوال المانع مع قيام السبب، كالنَّاشِزة تسقط نفقتُها بالنشوز، وإذا زال بعَوْدِها إلى منزل الزوج عادت، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك في رواية.

(ثم) الحضانة (للعصَبَاتِ) بعد النساء (على ترتيبهم) في الإرث، يقدّم الأب، ثم الجد وإن علا، ثم الأخ لأَب وأُم، ثم لأب، ثم ابن الأخ لأب وأم، ثم لأب وإن سَفَل، ثم العم لأب وأم، ثم لأب وإن علا، ثم ابن العم لأب وأم، ثم لأب وإن سَفَل، ثم مولى العَتَاقة، (لكن لا تُدْفع صبيةٌ إلى عَصَبةِ غير مَحْرمٍ، كمولى العَتَاقة، وابن العمِّ) تحرُّزاً عن الفتنة.
وإذا لم يكن له عصبة يُدفع إلى الأخ لأم، ثم إلى ولده، ثم العمّ لأُم، ثم إلى الخال لأبوين، ثم لأب، ثم لأم، لأن لهؤلاء ولاية عند أبي حنيفة رحمه الله.
ثم التَّدْبير في ذلك إلى القاضي يدفعه إلى ثقةٍ تَحْضُنُه حتى يستغني.
(
ولا) إلى (فاسقٍ مَاجِنٍ) وهو مَن لا يبالي قولاً ولا فعلاً، لأنه غير مأمون عليها، ولا إلى غير مأمونة أيضاً من النساء. وفي «المبسوط»: لو اجتمعت إخوة أو أعمام في درجة، فأولاهم أكثرهم صلاحاً وورعاً، فإن استَوَوا فأكبرهم سِناً (ولا يُخيَّر طِفْلٌ) غلاماً كان أو جارية. وقال الشافعي: يُخير في سبعٍ أو ثمانٍ.

وقال أحمد: في سبع، لما روى أصحاب «السنن الأربعة»: من حديث هلال بن أُسامة، عن أبي مَيْمُونة سُليم ويقال: سلمان مولى من أهل المدينة، رجل صدق، قال: بينما أنا جالس مع أبي هريرة جاءته امرأة فارسية معها ابن لها، وقد طلقها زوجها، فقالت: يا أبا هريرة ورطنت بالفارسية ـ أي: تكلَّمَتْ بلسان أهل الفرس من العجم ـ زوجي يريد أن يذهب بابني فقال أبو هريرة: استهما عليه ـ أي اقترعا ـ ورطن لها بذلك. فجاء زوجها، فقال: مَنْ يُحاقُّني ـ بتشديد القاف، أي ينازعني في ولدي ـ فقال أبو هريرة: اللهم إني لا أقول هذا إلا أني سمعت امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قاعد عنده، فقالت يا رسول الله: إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عِنَبَة وقد نفعني. فقال صلى الله عليه وسلم «استهما عليه»، فقال زوجها: مَنْ يُحَاقُّني في ولدي، فقال صلى الله عليه وسلم «هذا أبوك وهذه أمك، فخذ بيد أيِّهما شئت». فأخذ بيد أمه، فانطلقت به. وعِنَبة مفردة الأعناب.

وروى أبو داود في الطلاق، والنسائي في الفرائض من حديث عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن جده رافع بن سِنان: أنه أسلم وأبتِ امرأتُه أن تُسْلم، فجاء بابن لهما صغير لم يبلغ، فأجلس النبي صلى الله عليه وسلم الأب ههنا، والأم ههنا ثم خَيَّره، وقال: «اللهم اهده»، فذهب إلى أبيه.

ولنا ما روى مالك في «الموطأ» من حديث يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد قال: كانت عند عمر امرأة من الأنصار فولدت له عاصماً، ثم فارقها عمر، فركب عمرُ يوماً إلى قُباء، فوجد ابنه يلعب بفِناء المسجد، فأخذه بعضُدِه فوضعه بين يديه على الدابة، فأدركته جدة الغلام فنازعته إياه، فأقبلا حتى أتيا أبا بكر، فقال عمر: ابني، وقالت المرأة: ابني. فقال أبو بكر: خلِّ بينه وبينها، فما راجعه عمر الكلام. ورواه البيهقي وزاد: ثم قال أبو بكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تُوَلَّه والدة عن ولدها»، وفي نسخة: «على ولدها». وقوله: «لا تولَّه» بضم ففتح فتشديد لام مفتوحة: أي لا تُخير. ولأنه طفل غير رشيد ولا عارف بمصلحته، فلا يعتمد اختياره كسائر تصرفاته.
وأجيب عن حديث حُميد بأنه وفق ببركة دعائه صلى الله عليه وسلم لاختيار الأنظر له، فلا يقاس عليه غيره. وعن حديث أبي هريرة بأنه صلى الله عليه وسلم أمرهما بالاستهام: وهو متروك بالإجماع، فكذا التخيير، بدليل قول الصِّدِّيق لعمر فتدبر. وبأن قولها: «إن زوجي»، يدل على أنها كانت غير مُطلَّقة، وبأن قولها: قد سقاني من بئر أبي عِنبَة يدل على أنه كان بالغاً، لأنها بئرٌ بالقُرْب من المدينة لا يتأتى الاستقاء منها إلا للبالغ، وهو ينفرد بالسُّكنى، فيكون عند أيهما أَراد. والحاصل: أنه حكاية حالٍ فلا يُحتج بها.

(والأم والجدة أحق به) أي بالصبي (حتى يأكل ويشرَب، ويلبَسَ، ويستنجِيَ وحدَهُ) وقدّر الخصّافُ ذلك بسبع سنين، اعتباراً للغالب وعليه الفتوى. وعند مالك الأم أحق بالغلام حتى يحتلم. وعند الشافعي يُخيّر الولد في سبع أو ثمان، فإذا اختار الغلام أُمَّه كان عندها بالليل، وعند الأب بالنهار. وأما البنت فتكون عند مَن اختارته ليلاً ونهاراً. وقال أحمد وإسحاق: يُخير الولد في سبع، فإذا اختار أحدهما وسُلِّم إليه، ثم اختار الآخر فله ذلك وردَّ إليه، فإن عاد فاختار الأول أُعيد إليه هكذا.
وأما المعتوه فلا يُخيَّر ويكون عند الأم، لأنها أشفقُ عليه، وإنما كان للأب أن يأخذ عاقلاً متميزاً لأنه يحتاج إلى التخلّق بأخلاق الرجال وآدابهم في الأحوال، والأب أقدر على ذلك من الأم والجدة، ولو امتنع الأب عن أخذه أُجبر، لأن نفقته عليه.

(
وبالبنت) عطف على «به» أي والأم والجدة أحق بالبنت (حتى تحيض) لأنها قبل الحيض تحتاج إلى معرفة آداب النساء من الغَزْل، والطبخ، والغسل. والأم والجدة أقدر على ذلك، وبعد الحيض تحتاج إلى الصيانة، والأب أقدر عليها، وإلى التزويج وهو إِلى الأَب دونهما.
(
وعن محمد) في «نوادر هشام»: (حتى تُشتَهى) وبنت إحدى عشر سنة تُشتهى في قولهم جميعاً. وقال أبو الليث: بنتُ تسع سنين، وعليه الفتوى. وقال مالك: الأم أحق بالبنت حتى تُنْكَح ويَدخل بها الزوج وإن حاضت.
(
وهو) أي قول محمد (المعتبر لفساد الزمان) على ما في «غياث المفتي» (وغيرهما) أي غير الأم والجدة من الأخوات، والخالات، والعَمَّات أحقُّ بالبنت (حتى تُشتهى) وفي «الجامع الصغير»: حتى تستغني كما في الصبي، والأول هو الصحيح.

(ولا تسافر مُطَلَّقةٌ) انقضت عدَّتها (بوَلدها) لما في ذلك من الإضرار بالأب (إلا إلى وطنها الذي نكحها فيه) لأنه التزم المقام فيه عرفاً وشرعاً. لما روى ابن أبي شيبة وأبو يَعْلى المَوْصِلي في «مسنده»: أن عثمان صلى بمنى أربعاً ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من تأهّل في بلدة فهو من أهلها، يصلي صلاة المقيم، وإني تأهلتُ منذ قدمت مكة» (وهذا) السفر بالولد (للأم فقط) فليس لغيرها أن تسافر به إلا بإذن أبيه، ولا له أن يسافر به في مدة الحضانة لغيره، لأن في ذلك ضرراً بالحاضنة وإبطالاً لحقها. وقال مالك والشافعي وأحمد: للأب ذلك.

فصلٌ في ثُبُوتِ النَّسَبِ
(
أقلُ مُدَّة الحملِ ستةُ أشهر) باتفاق العلماء، ولأن الولد يُنْفخ فيه الروح عند مضي أربعة أشهر، ويتم خَلْقُه بعد ذلك في شهرين، لحديث ابن مسعود في الأربعين. وقد رُوي أنَّ عبدَ الملك بن مروان وُلد لستة أشهر. ولما قدمنا أن رجلاً تزوج امرأةً فولدت لستة أشهر، فهمَّ عثمان أن يرجمَها، فقال ابن عباس: أما إِنها لو خاصمَتكم بكتاب الله لَخَصَمَتْكُم، قال الله تعالى: {وحَمْلُه وفِصَالُه ثلاثون شَهْراً} في الأحقاف، وقال الله تعالى: {وفِصَالُه في عامين} فإذا ذهب للفصال عامان لم يبق للحمل إلا ستُةُ أشهر، فَدَرأ عثمانُ الحد، وأثبَتَ النَّسب من الزوج. وهكذا رُوي عن علي. فإقدَامُ عثمان على إقامة الحد يدل على أنه لا يكون أقلَّ من ستةِ أشهر.

(وأَكْثَرُها) أي أكثر مدة الحمل (سنتان) وهو قول الثَّوري، والضحَّاك بن مُزاحِم، وأحمد في رواية، لما رَوى الدارقطني والبيهقي في سُنَنَيهما من حديث عائشة: أنها قالت: ما تزيدُ المرأة في الحمل على سنتين، قدر ما يتحول ظل عمود المِغْزل، وهو محمول على السماع، لأن مثلَه لا يُدرك بالرأي. وهذه العبارة مَثَلٌ في القِلَّة، لأن ظِل عمود المِغْزل حال الدوران أسرعُ زوالاً من سائر الأظلال. وقال عبَّاد بن العَوَّام: أكثرُ مدة الحمل خمس سنين. وقال الزهري: ستُ سنين. وقال ربيعة: سبع سنين. وقال أبو عُبيد: ليس لأقصاه حد. وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنهما: أَربع سنين، لأن الضحَّاك ولدته أمه لأربع سنين بعدما نبتت ثَنْيتاه وهو يضحك، فسمِّي ضَحَّاكاً.
ولما روى الدَّارقطني والبيهقي عن الوليد بن مسلم قال: قلت لمالك بن أنس: أي حديث عن عائشة أنها قالت: لا تزيد المرأة في حملها على سنتين قدر ظل المغزل، فقال: سبحان الله مَنْ يقول هذا، هذه جارتنا امرأة محمد بن عَجْلان امرأة صدق، (وزَوْجُها رَجُلُ صِدْق) حملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة: كل بطن في أربع سنين.
وأخرج الدارقطني عن هاشم بن يحيى المُجَاشِعي قال: بينما مالك يوماً جالس إذ جاءه رجل ، فقال: يا أبا يحيى ادع الله لامرأة حُبلى منذ أربع سنين، قد أصبحت في كرب شديد. فغضب مالك وأطبق المصحف، ثم قال: ما يرى هؤلاء القوم إلا أنَّا أنبياء، ثم قرأ، ثم دعا وقال: اللهم إن كان في بطن هذه المرأة ريح فأخرجه عنها الساعة، وإن كان في بطنها جارية فأبدلها بغلامٍ، فإنك تمحو ما تشاء وتُثْبِت وعندك أمّ الكتاب، ثم رفع مالك يده ورفع الناس أيديهم، وجاء رجل إلى الرجل فقال: أدرك امرأتك، فذهب الرجل، فما حطّ مالك يده حتى طلع الرجل من باب المسجد على رقبته غلام جَعْد قَطَط ابن أربع سنين، قد استوت أسنانه ما قطعت سِرَاره. وجَعْد قَطَط: أي شديدُ الجُعُودة.


وأجيب بأن الأحكام تُبنى على العادة الظاهرة، وبقاء الولد في البطن أكثر من سنتين إن ثبت في غاية النُّدرة، فلا يُبنى عليه حكم، مع أنه حكاية حال فيها احتمال أن يكون الولد منها، أو من غيرها، أو كان في بطنها ريح قبل حَمْلها ونحو ذلك، فإن الضحَّاك ونحوه ما كانوا يعرفون ذلك من أنفسهم، وكذلك غيرهم، لأن ما في الرَّحم لا يعلمه إلا الله. وأما دعاء مالك فيما هو مفروغ عنه منهيٌ عنه، وكان ظهور الغلاَم من الأمور الاتفاقية في المقام أو أنه من الكرامات وخوارق العادات، والله تعالى أعلم بحقائق الأمور والحالات.
(
فيثبت نسبُ ولد معتدة الرجعي، وإن جاءت به لأكثرَ من سنتين) من وقت الطلاق، أما إن جاءت به لأقل من ستة أشهر، فلأنه كان موجوداً وقت الطلاق، فكان من عُلوقٍ قبله، وتَبِين بالوضع لانقضاء عدَّتها به بوضع الحمل. وأما إن جاءت به لأكثر من ستة أشهر وأقل من سنتين، فلوجود العُلوق في النكاح أو في العِدَّة، وتَبين من زوجها، لانقضاء عدتها بوضع الحمل. وأما إن جاءت به لأكثر من سنتين، فلأن العُلوق بعد الطلاق، فيحمل على أنه راجعها، إذ الظاهر من حال المسلم أنه لا يزني.
فإن قيل: لانتفاء الزنا وَجْهٌ غير هذا، وهو أن تكون تزوجت بآخر بعد انقضاء عدتها، فيكون الولد منه.
أجيب بأن البقاء أسهل من الابتداء، فكان الحمل على أن زوجها راجعها أولى من الحمل على أنها تزوجت بآخر. انتهى.
وفيه أنه مع احتمال كون الولد من غيره، فكيف يُحكمُ بثبوت نسبه، ولعل هذا احتمال في ثبوت النسب خوفاً من تضييع الولد.

(ما لم تُقِر بِمُضِيّ العِدة) في مدة تحتمل. وأما لو أقرت بِمُضِيِّها ثم جاءت لستة أشهر أو أكثر من وقت الإقرار لم يثبت نَسَبه، لاحتمال حدوث الحبل بنكاح جديد، بخلاف ما لو جاءت به لأقل من ستة أشهر، حيث ثبت نَسَبُه لظهور كَذِبِها (فتثبت الرجعة) إن جاءت به لأكثر من سنتين، لأن العُلوقَ بعد الطلاق، والظاهر أنه منه لانتفاء الزنا عن المسلم، فيصير بالوطء مراجِعاً. (ولأقل منهما) أي من السنتين (لا) أي لا تثبت الرجعة لاحتمال العُلوق قبل الطلاق واحتماله بعده، فلا يصير مراجِعاً بالشك.
(
ومبتُوتَةٍ) بالجر عطف على المعتدة، أي ويثبت نَسَب ولدِ مبتوتة (ولدَتْه لأقل منهما) أي من سنتين من وقت الطلاق، لأنه يحتمل الوجود عند الطلاق، فيحمل عليه احتيالاً في ثبوت النسب (لالاِلتَمَامِهما) لثبوت الحمل بعد الطلاق، ووطءِ المبْتُوتة حرامٌ (إلا بِدِعْوة) لأنه التزمه. ثم في رواية: يشترط تصديق المرأة. وفي رواية: لا يشترط (ويُحمَلُ على وَطئِها بشبْهةٍ في العدَّةِ) واعتُرِض بأن الزوج إذا وطِء بشبهةٍ معتدَّتَه من طلاق ثلاث، أو على مالٍ، فأتت بولد لا يثبت نسبه وإن ادَّعاه. نص على ذلك في كتاب الحدود.

(إذا جَحَدَ) الرجلُ (ولادَة زوجته تثبتُ) الوِلادة (بشهادة امرأة) وأما النَّسَب فيثبت بالفِرَاش، حتى لو نفاه يُلاعن. وإذا جَحَدَ ولادة معتدَّة، فثبوتُها بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، أو بوجود حَبَل ظاهر، أو اعترافه بالحَبَل، أو تصديق الوَرَثة عند أبي حنيفة. وقالا: لا يُكتفى بشهادة حرة مسلمة ثقة، كتعيين الولد بالحرة الثقة اتفاقاً. وأما الطلاق المُعلَّق بالولادة فلا يقع بشهادة امرأة واحدة على الولادة عند أبي حنيفة إِذا لم يكن حَبَلٌ ظاهر. وعندهما: يقع بشهادتهما، لأن الطلاقَ حكمٌ متعلِّقٌ بالولادة، وشهادة المرأة حجة في إثبات الولادة، لقول حذيفة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة القابلة. رواه الدارقطني.
ولقول الزُّهري: مضت السُّنة أنه تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرُهن من ولادة النساء وعيوبهن. وتجوز شهادة القَابلة وحدها في الاستهلال، وامرأتان فيما سوى ذلك. رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة. فكذا فيما يتعلق بالوِلادة. ولعل هذا الحكم مقتَبَسٌ من عموم قوله تعالى: {ولا يَحِلُ لهنَّ أنْ يَكْتُمنَ ما خَلَقَ ا في أرحامِهنَّ إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ با واليومِ الآخرِ} فإنه إن لم تُقبل شهادتهُن، يكون إظهارهن عبثاً في حَقّهِنَّ.
ولأبي حنيفة: أنها ادعت الحِنْث، فلا يثبت إلا بحجة، وشهادة النساء ضرورية في حق الولادة، فلا يظهر في حق الطلاق، لأنه ليس من ضروريات الولادة، إذ الطلاق ينفك عنها في الجملة وإن صار من لوازمها هنا.
ثم إقرار الزوج بالحَبَل كافٍ لوقوع الطلاق المُعلَّق على الولادة من غير الشهادة إذا قالت: ولدت وصَدَقها الزوج، وعندهما يشترط شهادة القابلة.،لأنه حكم متعلق بالولادة، فلا يثبت عند المنازعة بلا حجة، وشهادتها حجةٌ فيها. لما روينا. وله أن الإقرارَ بالحبل إقرارٌ بما يفضي إليه وهو الولادة.

فصلٌ في النَّفَقَةِ والكِسْوة والسُّكْنى

وأسباب النفقة ثلاثة: الزَّوْجية، والقَرَابة، والمِلْك.
(
تجبُ النفقةُ والكِسوةُ والسُّكْنى على الزوج) بالإجماع، وبالكتاب، وهو قوله تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ من سَعَتِه}، وقوله سبحانه وتعالى: {وعلى المَوْلُودِ له رِزْقُهنَّ وكِسْوَتُهنَّ بالمعْرُوف} أي على مَنْ يُولد له وهو الوالد، وقوله تعالى: {أَسْكِنُوهنَّ مِنْ حيث سَكَنتُم من وُجْدِكُم}. وبالسُّنَّة وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في حديث جابر الطويل على ما رواه مسلم وأبو داود: «استوصوا بالنساء خيراً فإنهنَّ عَوَانٌ ـ أي أُسرَاء لكم ـ اتخذْتُموهنَّ بأمانة الله، واستَحْللتُم فُرُوجهنَّ بكلمة الله، وإنَّ عليهنَّ أنْ لا يُوطِئنَ فُرُشَكُم أحداً، وأن لا يأذنَّ في بُيوتكم أحداً تكرهونه، فإذا فَعلْن ذلك فاضرِبُوهنَّ ضرباً غير مُبَرِّحٍ، وإنَّ لَهنَّ عليكم نفقتَهنَّ وكِسْوتَهنَّ بالمعروف». (ولو كان) الزوج (صغيراً لا يقدِرُ على الوطء) خلافاً لمالك.
ولنا أنَّ العجز من قِبَله، فكان كالمجبوب، (للعِرْس) متعلقٌ بتجب، وهو متناولٌ لمَن مَنَعت نَفْسَها قبل الدخول حتى تقبِضَ المعجّل وهو قولهم، أو بعده وهو قول أبي حنيفة (مسلمة) كانت (أو كافرة) أي ذمية، لإطلاق النصوص، غنية أو فقيرة (كبيرة أو صغيرة توطأ) أي قابلة لأن توطأ وإن لم تزف إليه في ظاهر الرواية، وعليه الفتوى. وأما غيرهما ممن لا قدرة له على وطئها، فلا نفقة لها سواء كانت في منزل الزوج أو لم تكن.
وقال الشافعي ـ وهو الأصح في مذهبه: لها النفقة وإن كانت في المهد لإطلاق النصوص.
ولنا: أن النفقة لاحتباس مستحق بعقد النكاح ينتفع به الزوج في الجماع ودواعيه، والصغيرة لا تصلُح لذلك، حتى لو كانت مُشتهاة يمكن جماعها فيما دون الفرج، وجبت نفقتُها.

(بِقَدْرِ حالهما) أي حال الزوج والمرأة. وهذا اختيار الخصَّاف، وعليه الفتوى، وهو قول أحمد (فتجبُ في المُوسِرِيْن نفقة اليَسَار) أي الغنى والسَّعَة، (و) في (المُعْسِرِين نفقة الإِعسَار) أي الفقر والقناعة (وفي المُوسِرِ والمُعسِرَة وعكسه) وهو المُعسِرُ والمُوسِرَة (بين الحالين) أي دون نفقة اليَسار وفوق نفقة الإعسار بلا إسراف ولا تقتير، إذ خير الأمور أَوسطها. قال الله تعالى: {والذين إذا أنفَقُوا لم يُسْرِفُوا ولم يَقْتُروا وكان بين ذلك قَوَاماً}.

ثم كما تفرض لها قدر الكفاية من الطعام، فكذلك من الإدام، لأن الخبز لا يُتُناول عادة إلا مأدُوماً. وجاء في تأويل قوله تعالى: {من أوسَطِ ما تُطْعِمونَ أهْلِيْكم} أن أعلى ما يُطعم الرجل أهله الخبزُ واللحم، وأوسطَهُ الخبزُ والزيت، وأدناه الخبز واللبن. وأما الدُّهن فلا يُستغنى عنه خصوصاً في ديار الحَرِّ، فهو من أصل الحوائج كالخبز. وقال الشافعي: بقدْر حال الزوج، وهو اختيار الكَرْخي.
وفي «الذخيرة» و «المبسوط»: أَنه ظاهر الرواية، لقوله تعالى: {وعلى المُوْسِعِ قَدَرُه وعلى المُقْتِرِ قَدَرُه}، وقوله سبحانه: {ليُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِه ومَنْ قُدِرَ عليه رِزْقُه فَلْينفِقْ مما آتاه ااُ لا يُكَلِّفُ ااُ نَفْساً إلا ما آتاها سيَجْعلُ ااُ بعد عسرٍ يسراً}، ولأنها لمّا زوجت نفسها من معسرٍ فقد رضيت بنفقة المُعْسِرِين.
وقال مالك: بقدر حال المرأة، لما روى الجماعة إلا الترمذي من حديث عائشة: أن هنداً بنت عُتْبة قالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خذي ما يكفيك وولدَك بالمعروف».

ولنا أن الكتاب يقتضي أنها بِقَدْر حال الزوج. وحديث هند يقتضي أنها بقدر حال المرأة، فقلنا: إنها بقدر حالهما عملاً بالدليلين. لكن قد يقال: إن الحديث ليس فيه دلالة على إِعسار الزوج وإيسار المرأة، بل على إيساره و (بخله) عليها بحسب اقتداره.
هذا، وتجب النفقة أيضاً (ولو) كانت هي (في بيت أبيها) ولم يطلب الزوج انتقالها إلى منزله، لإطلاق النصوص. وعن أبي يوسف ـ: وهو اختيار القُدُورِيّ وبعض المتأخرين من علماء بلخ ـ: أنها لا تستحق النفقة حتى تُزَفَّ إلى منزل الزوج، وكأنهم بَنَوا أمرها على العرف.
(
أو مَرِضت في بيت الزوج) بأن زُفَّت إليه صحيحة فمرضت في بيته. والقياس: أن لا نفقة لها إذا كان ذلك المرضُ مانعاً من الجماع. ووجه الاستحسان : أنه يَستأنِسُ بها ويتمتع بمسها، ومانع المرض عارض، فأشبه الحيض. وفي قوله: في «بيت الزوج» إيماءٌ إلى أنها لو مرِضت ثم سلَّمت نفسها، لا تجبُ النفقة، لأن التسليمَ لم يصح، وهو مروي عن أبي يوسف، قالوا: وهو حسن.
(
لا) تجب النفقة (لناشِزَةٍ خرجت من بيته) الذي تسكن معه فيه، أو مُنِعت من الدخول إلى منزلها الذي يسكن معها فيه بغير حق. أما إن خرجت لأنه لم يعْطِها المهر المعجَّل أو لأنه ساكنٌ في مغصوبٍ، أو منعتهُ من الدخول إلى منزلها الذي يسكنُ معها فيه لاحتياجها إليه، وكانت سأَلته أن يحوِّلها إلى منزله، أو يكتري لها منزلاً آخر ولم يفعل: لم تكن ناشزة. وإنما اعتبر في الناشزة عدم الإقامة في المنزل، لأن الظاهرَ أنه يقدر على وطء المقيمة، لأن البكرَ لا تُوطأ إلا كَرْها.

والدليلُ على وجوب النفقة وإن كان مُطْلقاً، لكن خرجت الناشزة بِدَلالة النص. وهو قوله تعالى: {واهْجُرُوهُنَّ في المَضَاجِعِ} حيث أُمِر بمنع حقها من الصحبة التي هي مشتركة بينهما، فأولى بمنع النفقة التي هي مختصة لها. ومن اللطائف أنه قيل لشُرَيْح: هل للناشزة نفقة؟ فقال: نعم، فقيل: كم؟، فقال: جِرَابٌ من تراب.
(
و) لا (محبُوسةٍ بِدَيْن) عليها، سواء كانت تقدِر على قضائه أو لا (ولا مريضة لم تُزفّ) إلى الزوج لعدم الاحتباس والاستمتاع. وفي «الذخيرة»: ولو مرِضت في منزلها فلها النفقة، لأنها غير مانعةٍ نفسها من الزوج بغير حق، ويمكن الجمع بين الروايتين بأن تُحمل الثانيةُ على مرضٍ غير مانعٍ من الجماع. (و) لا (مغصوبةٍ كَرْهاً) وعليه الفتوى. وكذا لا نفقة لامرأة معتدة لوطءٍ وقع بشبهة، لاحتباسها عنه لمانع من جهتها.
(
و) لا (حاجَّةٍ) أي لا تجب على الزوج نفقةُ امرأتِه الحاجّة مَعَ غيره إن كان مَْحَرماً لها (لا معه) وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، خلافاً لأبي يوسف: حيث لها عنده نفقة الحَضَرِ (ولو كانت) حاجَّة (معه فَلها نفقةُ الحَضَرِ) اتفاقاً، بأن يعتبر قِيمة الطعام فيه، (لا) نفقة (السفر) لأن زيادةَ القيمة في السفر يسقط بما حَصَلَ لها من المنفعة به (ولا الكِرَاء) لأن المُستَحقَّ هو النفقة وليس الكراء منها.
وقال الشافعي: إن حجت بغير إذن زوجها فرضاً أو نفلاً فلا نفقة لها، وبإذنه إن ذهب معها فلها النفقة، وكذا إن لم يذهب في أظهر القولين. وقال أحمد: إن أحرمت من المِيْقَاتِ فلها النفقة، وقيل: لا.

(وعليه موسِراً) إذا كانت امرأته حرة (نفقةُ خادمٍ واحدٍ لها فقط) عند أبي حنيفة، ومحمد، ومالك، والشافعي، وأحمد. وقال أبو يوسف: نفقة خادمين: أحدهما لداخل البيت، والآخر لخارجه. ثم الخادم إن كان مملوكاً لها استحقَّ النفقةَ عندهم، وإن كانت حرة ومملوكة لغيرها اختُلف فيه. ولا يبلغ نفقة خادمها نفقتها. حتى قالوا: يُفرض لخادمِها أدنى ما يُفْرض لها على الزوج المُعْسِر.
وفي «الذخيرة»: إن لم يكن لها خادم فليس عليه نفقتُه، وهو ظاهر الرواية، وقول أحمد، وأكثر أصحاب الشافعي. وفي «نوازل أَبي الليث»: أنّ المرأة إذا كانت تقدِر على خدمة نفسها تُجبر عليها. وفي «فتاوى أهل سمرقند»: أنها إذا كانت من ذوي الأقدار، ولها خدم كثير، تجب عليه نفقةُ خادمين.

(
لا معسراً) أي ليس عليه نفقة خادمها إذا كان معسراً، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة. وقوله: (في الأصح): احترز به عن قول محمد: إنه تجب عليه نفقة خادمها إذا لم تكتف بخدمة نفسها، كما لو كان موسراً. ووجه الأول: أن استعمال الخادم لزيادة التنعم
، فيعتبر في حال اليسار دون الإعسار، ولأن المُعسر يلزمه أدنى الكفاية، والمرأة قد تكتفي بخدمة نفسها كذا قرر الشُّرَّاح. وفيه: أن رواية محمدٍ محمولةٌ على ما إذا لم تكتف بخدمة نفسها، ورواية غيره محمولة على ما إذا كانت تكتفي بخدمة نفسها، فلا تعارض.
(
ولا يفرَّقُ بينهما لعجْزِهِ عنها) أي عن النفقة الراتبة والكِسوة (وتُؤمر) المرأة (بالاستدانة عليه) أي على الزوج، بأن تأخذ الطعام على أن تقضي ثمنَه من مال الزوج. وفائدة هذا الأمر ـ مع فَرْض القاضي لها النفقة ـ أن يمكِّنَها أنْ تُحيل ربَ الدين على الزوج، وأنّ ترجع بالدَّيْن على تركته إن مات، وهذا عندنا، وهو قول عطاء بن يَسَار، والحسن البصري، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن شُبْرُمة، وحمَّاد بن سليمان، والظاهرية.

وأجاز التفريق مالك والشافعي وأحمد إذا طَلبَتْه، لقوله تعالى: {فإمسَاكٌ بمعروفٍ أو تَسْرِيحٌ بإحسَانٍ} والإمساك بالمعروف أن يوفيها حقها من المهر والنفقة، فإذا عَجَزَ عن ذلك تعين التَّسْريح، إذ المستحِقُّ عليه أحد الأمرين، فإذا تعذر أحدهما تعيَّن الآخر. ألا ترى أنه إذا عَجَزَ عن الوصول إليها بسبب الجَبِّ أو العُنَّةِ، يفرّقُ بينهما لفوات الإمساك بالمعروف بل أولى، لأن حاجتها إلى النفقة أظهرُ من حاجتها إلى قضاء الشهوة، وهذا كنفقة العبد والأمة فإنها مُستحقَّة عليه بالملك، فإذا تعذرت أجبره القاضي على إزالة المِلك بالبيع. وقيل لسعيد بن المسيَّب: أتفرق بين العاجز عن النفقة وبين امرأته، فقال: نعم، فقيل له: إنه سنةٌ، فقال: نعم. والسُّنَّة إذا أُطلقت يُفهم منها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مذهب مالك: يُفرَّق بينهما بالطلاق. ومذهب الشافعي وأحمد: يفرق بفسخ.
ولنا قوله تعالى: {وإنْ كان ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرةٍ}. وهو مُطْلق في كل مُعْسِر بحق، وقوله تعالى: {وأنكِحُوا الأيَامَى منكم والصَّالِحين من عِبَادِكُم وإمائِكم إنْ يكونوا فُقَراءَ يُغْنِهم ا مِنْ فَضْلِهِ} حيث جعل الفقر غير مانع من النكاح ابتداءً، فَلأَن يكون غير مانع منه بقاءً أولى، وقوله سبحانه: {لا يُكلِّفُ ا نَفْساً إلا ما آتاها سَيَجْعلُ ا بعد عُسْرٍ يُسْراً} حيث دل على أن مَنْ لم يقدر على النفقة لم يُكلَّفْها، فلا يفرَّق لعجزه عنها، ولأن في التفريق إبطال مِلك الزوج، وفي الأمر بالاستدانة تأخير حقها وهو أهون له، فكان أولى وأحسن.

وفي «شرح المختار»: المعسِرة إذا كان زوجها مُعسِراً ولها ابن مِنْ غيرِ موسِر، أو أخ موسر، فنفقتها على زوجها، ويؤمر الابن أو الأَخ بالإنفاق عليها، ويرجع به على الزوج إذا أيسر، ويُحْبَس الابن أو الأخ إذا امتنع، لأن هذا من المعروف.

وفي «شرح الوقاية»: وأصحابنا لما شاهدوا ضرورة الناس إلى التفريق، لأن دَفْع الحاجة الدائمة لا يتيسر بالاستدانة ـ والظاهر أنها لا تجد من يقرضها وغِنى الزوج في المال أمر مُتَوهم ـ استحسنوا أن ينصب القاضي نائباً شافعي المذهب يفرق بينهما. انتهى.
ثم العجز عن النفقة إنما يظهر في حق الزوج الحاضر، وأما الغائبُ غَيْبةً منقطعةً إذا لم يُخلِّف نفقة ورفعت أمرها إلى حاكم شرعي وفرق بينهما، فقال مشايخ سمرقند: جاز تفريقه، لأنه قضى في فصلين مُجْتهدٍ فيهما: أحدهما: التفريق بالعجز عن النفقة، والآخر: القضاء على الغائب. وقال صاحب «الذخيرة»: الصحيح أنه لا يصح قضاؤه، لأن العجزَ لا يُعرف في حال الغَيْبةِ، لجواز أن يكون قادراً، فإذا رُفع هذا القضاء إلى قاضٍ آخر فأمضاه، فالصحيح أنه لا ينفذ، لأن هذا القضاء ليس في فصلٍ مجتهد فيه إِذ العجز لم يثبت. انتهى. والمشهور في مذهب الشافعي: أنه لا يفرّق بين المرأة وبين زوجها الغائب، ولو غاب عنها مدة طويلة ولم يترك لها نفقة، وإنما يُنسَب هذا إلى الحنابلة. والله سبحانه أعلم.
(
ومَنْ فُرِضَت) النفقة (لعَسَاره فأيسر تمّم) وفي بعض النسخ: أتم (نفقة يَسَاره إنْ طلبت) المرأة، ومن فرضت ليساره فأعسر، فعليه نفقة عَسَاره، لأن القضاء بالنفقة كان باعتبار حالهما، وقد تبدلت حاله، فتبدلت بتبدلها. (وتسقط) نفقة الزوجة (في مدة مضت) لم ينفق عليها الزوج فيها، سواء كان غائباً أو حاضراً وامتنع من الإنفاق (إلا إذا سبق فَرْضُ قاضٍ، أو رضيا بشيء) بأن اتفقت مع الزوج على مقدارٍ، (فتجب لما مضى) من هاتين المسألتين (ما داما حيَّينِ، فإن مات أحدهما، أو طلقها) الزوج (قبل قبض) النفقة، وبعد فرض القاضي، أو التراضي على شيء (سَقَط المفروض) وكذا ما تراضيا عليه، لأن الصِّلة لا تتم إلا بالقبض. وعندهما: لا يسقط، لأن الأعواضَ لا تسقط قبل القبض.

(إلا إذا استدانت بأمر القاضي) فإنه لا يسقط. ذكر ذلك الحاكم الشهيد في «مختصره»، وذكر الخصَّافُ: أنه يسقط. والصحيح الأول، لأن استدانتها بأمر القاضي بمنزلة استدانة الزوج بنفسه، وهو لا يسقط بموت أحدهما فكذا هذه. وقال مالك والشافعي وأحمد في رواية: تصيرُ النفقة الماضية ديناً بلا قضاءٍ وتراض كالمهر.

ولنا أنها صِلة بقدر الكفاية جزاء على الاحتباس، كرزق القاضي في بيت المال، فلا بد من التسليم كالهبة، أو التأكيد بقضاء أو تراضٍ، بخلاف المهر فإنه مطلق.
(
ولا تُسترد) نفقةٌ أو كسوةٌ (معجلة مُدَّةً، مات أحدهما) أو كلاهما (قبلها) أي قبل مضي المدة، سواء كانت تلك النفقة قائمة، أو هالكة، أو مستهلكة. وقال محمد والشافعي وأحمد: يحتسب لها بنفقة ما مضى، وترد ما بقي من النفقة إن كانت قائمة وقيمتَها إن كانت مستهلكة، ولا ترد إن كانت هالكة بالاتفاق، لأنها أخذت مالاً لمقصود الزوج، ولم يحصل له، فكان له أن يسترده، كما لو عجَّل لها نفقة ليتزوجها، فماتت قبل ذلك. كذا في «الذخيرة».

(ونفقةُ عِرُسِ القِنّ) أي العبد الذي لا حرية فيه بوجه (عليه) أي على القِنِّ إذا تزوج بإذن مولاه (يباع فيها مرة بعد أخرى) حتى لو اجتمع عليه نفقة بعدما بِيْع مرة، بِيْع ثانياً وكذا ثالثاً، إِلى ما لا يتناهى، إلا أن يفديه مولاه لأنها دين في ذمته، وقد ظَهَر وجوبُه في حق المولى فيتعلق برقبته، كدين التجارة في العبد المأذون. ولما كان حَقُّها في النفقة لا في عين الرَّقبةِ كان للسيد أن يفديه، ولو مات العبد سقطت النفقة، وكذا المهر، لفوات محل الاستيفاء، كالعبد الجاني، وكذا لو قتل في الصحيح. قيد بالقن، لأن المدبَّر، وولد أم الولد لا يباع، بل يسعى وكذا المكاتَب ما لم يعجِز. وقيدنا بإذن المولى، لأنه إذا تزوج بغير إذنه لا يباع فيها. وقال الشافعي: لا يباع القِنُّ في نفقة عِرسِه، ويثبت لها الخِيار في الفُرقة. وقال أحمد: لا يباع، ونفقتُها على سيده، وفي رواية: في كسبه.
(
وفي دَيْن غيرها) أي غير النفقة كالمهر (يُبَاع) القِنُّ (مرة واحدةً) إذا عجِز عن أدائه ولم يَفْدِه مولاه. والفرق أن دين النفقة يتجدد في كل زمان، فيكون ديناً آخر حادثاً بعد البيع، ولا كذلك سائر الديون. وقد تقدم: أن الأمة والمُدبَّرة وأم الولد لا تجب لها النفقة على زوجها إلا بالتبْوِئة. وأما المكاتَبة فهي في يد نفسها، وليس لمولاها أن يستخدمها، فكانت كالحرة في استحقاق النفقة على الزوج إذا لم تحبس نفسها منه ظالمة.
(
وتجب سُكناها) أي سكنى المرأة على الزوج (في بيتٍ) بالمِلْك، أو الإجارة، أو الإعارة، أو بالوقف عليه، (ليس فيه أحدٌ من أهله) ساكن معها (ولو) كان (ولدَه من غيرها) لأن السكنى حقها، فلا يشترك معها غيرها، كالنفقة (إلا برضاها) لأن لها إسقاطَ حقها.

(وبيتٌ مفردٌ من دار له) أي لذلك البيت (غَلَقٌ) ومرافق (كَفَاها) لحصول مقصودها (وله منعُ والدَيها وولَدِها من غيره من الدخول عليها) لأن البيت له، فله المنع من الدخول فيه (لا من النظر) أي ليس له منعهم من النظر (إليها و) لا من (كلامها متى شاؤا) حذراً من قطيعة الرحم بما لا ضرر عليه فيه.
(
وقيل: لا يمنعُ) الرجلَ امرأَتَه (من الخروج إلى الوالدين ولا) يمنعُ والديها (من دخولهما عليها، كل جُمُعة، وفي مَحْرَمٍ غيرهما) أي غير الوالدين لا يمنع من دخوله عليها (كل سنة وهو الصحيح) احترز به عن قول محمد بن مُقَاتل الَّرازي: لا يمنعُ المَحْرَم كل شهرٍ. وعلى هذا خُرُوجِها لزيارة عمتها أو خالتها. وعن الحسن: لا يَمنعها عن زيارة الأقارب في كل شهرين أو ثلاثة، ولا يمنعْ محارِمَها من الدخول عليها كلَ جُمُعة.
(
وتُفرَض نفقةُ عِرْسِ الغائب و) نفقة (طِفله و) نفقة (أبويه في مالٍ له) أي للغائب (من جِنْس حقِّهم) بأن يكون ذلك المال طعاماً أو دراهم، أو دنانير، أو ثياباً من جنس ما يكسى به، لأن نفقتَهم واجبة بدون القضاء، فكان القضاء إعانة لهم، لا إيجاباً مبتدأً، إذ القضاء على الغائب مُمتنعٌ (فقط) أي ولا يُفرض نفقة غير من ذُكِر من المحارم، لأن نفقتَهم لا تجب إلا بالقضاء للاختلاف فيها، إذ عند الشافعي: لا تجب النفقة لغيرهم، ولا تُفرضُ نفقة من ذُكِر أيضاً إذا كان المال من غير جنس حَقِّهم، بأن كان عُرُوضاً، لأنه يحتاج إلى القضاء بالقيمة، أو إلى البيع، وذلك لا يجوز على الغائب.

(عند مُوْدَعٍ) هذه صفة ثالثةٌ لمالٍ، أو حال ثانية. والظرف الأول وهو «له» صفة لمال. (أو مُضاربٍ، أو مديونٍ إن أقرَّ بِهِ) أي بالمال (وبالنكاح) وبطِفْلِه وأبويه. قيَّد به لأن أحداً منهم لو أنكر المال أو النكاح، فأقامت المرأةُ البينةَ على ذلك، لا يَفْرض لها القاضي، لأن بيِّنَتَها لا تُقبل، لأن أحداً منهم ليس خصماً عن الغائب في إثبات الزوجية، ولا المرأةُ خصماً في إثبات حقوق الغائب في ماله. وإذا ثبت في حقه تعدّى إلى الغائب (أو عَلِمَ) عطف على أَقر، أي أو إن علم (القاضي ذلك) أي المال، والنكاح، والنَّسَب، لأن علمَه حُجةٌ يجوز القضاء به في محل ولايته.
(
ويُحلِّفُها) أي القاضي المرأة (أنه) أي الزوج (لم يُعطِها النفقةَ ويُكْفِلُها) أي ويأخذ منها كفيلاً أيضاً، لاحتمال أنها استوفتِ النفقة، أو طلقها الزوج وانقضت عدتها.

(
لا بإقامة بينةٍ) على النكاح، ولا إن لم يُخلِّف مالاً، فأقامت بينة، أي لا يَفْرض القاضي للمرأة النفقة إذا أنكر المُودَعُ، أو المُضَارِبُ، أو المديون النكاح، فأقامت البينة عليه، أو أنكر المال، فأقامت البينَةَ عليه (ليفرض عليه) أي على الغائب (ويأمرَها بالاستدانة) عليه. وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، الآخر وقول محمد. والأصح قَبُوله البينَةَ، وهو قولهما الأول، وبه قال زفر.

(ولا يقضي بالنكاح) لأن في ذلك قضاءً على الغائب (وقال زفر: يقضي بالنفقة لا بالنكاح، وعمل القضاة اليوم على هذا) الذي قال زفر: (للحاجة) والرِّفقِ بالناس. ولا تحتاج المرأة على قول زفر إلى إقامة البينة أنه لم يترك لها نفقة (ولمطلقة الرجعي، والبائن، والمفرَّقة بلا معصية، كخيار العِتْقِ والبُلوغ والتفريق لعدم الكفاءة) أو بإسلام المرأة وإباء الزوج، أو باللعان، أو بالإِيلاء، أو بالعُنَّة، أو بالجَبِّ (النفقةُ والسُّكْنَى)، وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور: لا نفقة للمطلقة ثلاثاً أو على عِوَضٍ إلا إذا كانت حاملاً فبالإجماع لقوله تعالى: {وإنْ كُنَّ أولاتِ حَمْلٍ فَأنفِقُوا عليهنَّ حتى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}.
ثم دليلهم ما روى الجماعة إلا البخاري من حديث الشَّعبي عن فاطمة بنتِ قَيْس قالت: طلقني زوجي ثلاثاً، فخاصمتُه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجعل لي سُكنى ولا نفقة، وأمرني أن أعتدَّ في بيت ابن أم مَكْتُوم. وعند النَّسَائي فيه من حديث سعيد ابن يزيد الأحْمَسي: حدثنا الشَّعبي به: إنما النَّفقة والسُكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة. وفي مسلم: أن أبا عمرو بن حَفْص بن المُغِيْرة خرج مع علي بن أبي طالب إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها، وأمر لها الحارث بن هشام، وعَيَّاش بن أبي ربيعة بنفقة فسَخِطَتْهَا، فقالا: لا والله ليس لك نفقة إلا أن تَكُوني حاملاً، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرتْ له قولَهُما، فقال: «لا نفقة لك». وزاد أبو داود: «إلا أن تَكُوني حاملاً».

ولنا إطلاق قوله تعالى: {أسْكِنُوهنَّ مِنْ حيثُ سَكَنْتُم من وُجْدِكُم}، وما روى مسلم من حديث أبي إسحاق قال: حدَّث الشَّعبي بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا سُكنى لها ولا نفقة». فأخذ الأسود كفاً من حصى ـ وفي نُسخة: حَصْبَاء ـ فَحَصَبَه به وقال: ويْلَك تُحدِّث بمثلِ هذا. قال عمر: لا نتركُ كتابَ الله ولا سنةَ نبينَا بقولِ امرأة، لا ندري أحفظتْ أم نسيت، لها السُّكْنى والنفقة، قال الله تعالى: {ولا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهنَّ} الآية. فقد أخبر أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لها النفقة والسكنى، ولا ريب في أن قول الصحابي: «من السنة كذا» رَفْعٌ، فكيف إذا كان قائله عمر.

وقد صرح البيهقي والدارقطني بزيادة قوله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «للمطلقة ثلاثاً النفقة والسكنى». وقال إبراهيم كان عمرُ إذا ذكر عنده حديث فاطمة قال: ما كُنَّا نغيِّر في دِيننا بشهادة امرأة. فهذا شاهدٌ على أنه كان الدِّينُ المعروف المشهورُ عندهم وجوب النفقة والسكنى. فَنُزِّل حديثُها من ذلك بمنزلةِ الشَّاذ. والثِّقة إذا شذ لا يُقبل ما شذ فيه. ويُصرح بهذا ما في مسلم من قول مروان: لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة، سنأخذ بالعِصمة التي وجدنا الناس عليها، والناس إذ ذاك هم الصحابة.

وروى مسلم أيضاً من حديث عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت في فاطمة: لا خير أن لها في ذِكْر هذا، تعني قوله: لا سُكنى لك ولا نفقة. وفي لفظ للبخاري: قالت: ما لفاطمة أَلا تتقي الله، تعني في قولها: لا سُكْنى لك ولا نفقة. وعنها: أنها قالت لفاطمة: إنما أخرجك هذا للسان، يعني أنها إنما استطالت على أحْمَائها، وكَثُر الشر بينهم، فأخرجها عليه الصلاة والسلام لذلك. ويقوي ثبوته عن عائشة احتجاج ابن المسيَّب به، وهو معاصر لها، وأعظم متتبِعٍ لأقوال من عاصره من الصحابة حفظاً ودراية على ما في أبي داود من حديث ميمون بن مِهْران قال: قدِمتُ المدينة فَدُفِعت إلى سعيد بن المسيَّب، فقلت: فاطمة بنت قيس طُلِّقت، فخرجت من بيتها؟ فقال: تلك امرأة فَتَنَتِ الناس، كانت لَسِنَةً، فَوُضِعَتْ على يد ابن أم مكتوم.
وهذا هو المناسب لمنصبه، فإنه لم يكن لينسُبَ إلى صحابية ذلك من عند نفسه. وفي الحديث: أن سليمان بن يَسَار قال: خروج فاطمة إنما كان من سُوء الخُلُق. وممن ردّه زوجها أسامة بن زيد حِبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان إذا ذكرت فاطمة شيئاً من ذلك، يعني من انتقالها في عدّتها، رماها بما في يده. رواه عبد الله بن صالح من حديث الليْث بن سعد بسنده. فهذا لم يكن إِلاَّ لعلمه بأنه غلط منها، أو لِعِلْمه بخصوص سببه من اللَّسَنِ أو ضيقِ المكانْ.
وممن رده: زيد بن ثابت، ومروان بن الحكم. ومن التابعين: ابن المسيَّب، وشُرَيْح، والشَّعْبي، والحسن، والأسود بن يزيد، وممن بعدهم: الثوريُّ وأحمد بن حنبل وخلقٌ كثير من بعدهم.

وقال الطحاوي: إن الله تعالى لما بيَّن بقوله: {يَأيها النَّبيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء} الآية، أن للمطلقة السُّكنى، ونهاها عن الخروج، ونهى الزوج عن إخراجها، من غير تفرقة بين المطلقة للسُنَّة التي لا رَجْعَة عليها، وبين التي عليها الرجعة. وجاءت فاطمة وروت التفرقة بينهما على خلاف ما رُوي عن عمر، وما جاء به الكتاب صحّ احتجاج عمر وبطل حديثها.

فإن قيل: المراد بالآية المطلقة رجعياً لقوله تعالى في آخرها: {فإذا بَلَغْنَ أجَلَهنَّ فأمسِكُوهُنَّ بمعروفٍ أو فارِقُوهنَّ بمعروف} وهو حكم الرجعة دون البائن. أُجيب بأن صدرَ الآية عام وآخرَها خاص ببعض ما تناوله الصدر، وذلك لا يُبْطِل عمومَه. ونظير ذلك قوله تعالى: {والمُطلَّقاتُ يَتَرَبَصنَّ بأنْفُسِهنَّ ثلاثةَ قُروء} فإِنه عام في البائن والرجعي ولم يبطل عمومه بآخر الآية الخاص بالرجعي، وهو قوله تعالى: {وبُعُولَتُهنَّ أحقُّ بِرَدِّهنَّ في ذلك}،
(
لا لمُعتدَّة الموتِ) أي لا نفقة لها، لأن احتباسها لحق الشرع لا لحق الزوج، فإن التربُّصَ منها عبادة، ولهذا لا يراعى فيها التعرُّف عن براءة الرَّحِم بالحيض مع إمكانه. وعن الشافعي في وجوب السكنى قولان: أحدهما: عدم الوجوب، وهو اختيار المُزَنِيّ. وثانيهما: الوجوب، وهو قول مالك. (والمفرَّقة) أي ولا نفقة للمفرَّقة بينها وبين زوجها (بمعصية) منها (كالرِّدة، وتقبيلِ ابن الزوج) بأَنْ قَبَّلَتْه بالشهوة في عصمة أبيه، أو عدته من الرجعي، لأنها حبست نفسها بغير حق، فصارت كالنَّاشِزة، بل أشدَّ منها لإزالتها النكاح بالكلية، بخلاف المفرَّقة بغير معصية، كخيار العتق والبلوغ، وعدم الكفاءة، لأنها حبست نفسها بالحق، وذلك لا يُسقِط النفقة، كما إذا مَنَعت نفسها لاستيفاء مهرها.

(ورِدَّة مُعتدَّة الثلاثِ تُسقِطُ النفقة لا تَمِكينُها) أي لا يُسْقط النفقة تمكين معتدة الثلاث (ابنه) أَي ابن الزوج، لأنه لا أثر حينئذٍ للرِّدة. إلا أنَّ المرتدة تُحْبَس لتتوب، ولا نفقة للمحبوسة، بخلاف الممكِّنَةِ ابن زوجها.
(
ونفقةُ الطِفل) حال كونه (فقيراً على أبيه) لأنه تعالى أوجب نفقة النساء على الرجال لأجل أولادهن، لقوله تعالى: {وعلى المَوْلُودِ له رِزْقُهنَّ وكِسْوتُهنَّ بالمعروف} لأن ترتب الحكم على الوصف يُشعر بالعِلِّيَةِ، فَلأَن تجب نفقة الأولاد أولى. والمولود له هو الأب، ولأنه تعالى أوجب على الأب نفقة طِفله من اللبن وغيره وقت الرضاع بقوله: {فإن إرْضَعْنَ لكم فآتوهنَّ أجُورَهُنَّ}، فيجب بعده بجامِع الفقر والعَجْز.
ونفقة الإرضاع على الأب لا يشاركه فيها أحد، فكذا نفقة الأولاد الصغار، وكذا يجب عليه نفقة طِفلٍ ابنهِ فقيرين (لا يشاركه) أي الأب في نفقة طِفْله (أحد) من الأم ونحوها (كنفقة) أي كما لا يشاركه أحد في نفقة (أبويه وعِرْسه) وعن أبي حنيفة أن نفقة الطفل على الأب والأم أثلاثاً بحسب ميراثهما. قيد بالأب لأن الجد والأم يشاركهما غيرهما، لأن نفقة الطفل عليهما على قَدْر ميراثهما في ظاهر الرواية. وبه قال أحمد. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنها على الجد وحدَه، وهو قول الشافعي.

(
وليس على أُمه إرضاعُهُ) قضاءً، لأنه من النَّفقة وهي على الأب. قيدنا بالقضاء لأن عليها إرضاعه ديانةً، كخدمة البيت من الكَنْسِ، والطبخ، والخَبز (إلا إذا تعينَتْ) بأن لم يوجد غيرها، أو وجد ولم يقبله الطفل، أو كان الأب مُعسِراً، فإنها تُجبرُ على إرضاعه صِيَانة للولد عن الضياع. وأوجب مالك على الأم إرضاع ولدها بلا أُجرة إذا كانت تحته، أو طُلِّقت رجعية ولا مانع، كأن تكون عالية القدر.

ولنا أن الإرضاع كالنفقة، ونفقة الصغير على الأب دون الأم، فكذا الإرضاع، وربما لا تقدر عليه لعذر بها، فلو أُجبِرَت تضررت، وقد قال الله تعالى: {لا تُضَارَّ والدةٌ بِوَلَدِهَا} أي بإلزامها الإرضاع مع كراهتها. كذا قرّروه، والظاهر أن الأعذار تمنع الإجبار من غير خلاف للإضرار.
(
ويستأجِرُ الأب مَنْ يُرْضِعُهُ عندها) إن أرادت ذلك، لأن لها الحضانة (ولو استأجَرَها) أي الأب الأمَّ حال كونها (مَنْكُوحَةً له أو معتدةً من رَجعي لتُرْضِعَه لم يَجُزْ) لأن الإرضاع مُستَحَقَ عليها ديانة بقوله تعالى: {والوَالِدَاتُ يُرضِعنَ أولادَهنَّ حَوْلَيْنِ} واستئجار الشخص لأمر مُستَحقَ عليه لا يجوز. وأجازه الشافعي، لأنها كالأجنبية بالنسبة إلى هذه الأعمال، ولذا لو امتنعت عنه لم تُجبر عليه، فيصح إجارتها نفسَها، كما يصح لإرضاع ولد له من غيرها.
(
وفي) استئجار الأم (المبتوتة) المعتدة (روايتان) الجواز، لأن النكاح قد زال فالتحقت بالأجانب، وعدمه وهي رواية الحسن عن أبي حنيفة، لأن العِدَّةَ من أحكام النكاح، ولهذا يجب لها النفقة والسُّكنى، ولا يجوز للزوج أن يدفع الزكاة إليها، ولا أن يشهد لها.
(
وَلإِرضَاعِهِ) عطف على لِتُرضعه، أي ولو استأجرها (بعد العِدّة) لإرضاع ابنه منها، أو لابنه من غيرها وهي في نكاحه (صَحَّ)، لأن الإرضاع ليس بمُستَحقَ عليها (وهي) أي الأم بعد العدة (أَحق من الأَجنبية) لأنها عليه أشفق، ولبنها له أوفق، وهي به أرفق، فكانت أحق (إلا أن تطلبَ) الأم (زيادة أجر) على الأجنبية دفعاً للضرر عن الأب، أو تكون الأجنبية ترضعه بغير أجر والأم بأجر، لقوله تعالى: {لا تُضَارَّ وَالدةٌ بِوَلَدِهَا ولا مُوْلُودٌ له بِوَلَدَهِ}. قالوا: مُضارَّة الأب إلزامه الزيادة على أجرة الأجنبية، وقد قال الله تعالى: {وإن تَعَاسَرْتُم فَستُرضعُ له أخرى}.

(ونفقةُ البنت بالغةً) ليس لها زوج (والابن) بالغاً (زَمِنَاً) إذا كانا فقيرين، وكذا إذا كان أعمى، أو ذاهِبَ العقل فقيراً، أو طالبَ علم لا يهتدي إلى الكَسْب، أو من ذوي البيوت وأبناء الكِرَام، أو لا يجد من يستأجر، فهو عاجزٌ. قال الحَلْواني: ورأيت في موضع أن هذا إن كان بهم رشد (على الأب خاصة) لأنه لا يشاركه أحد في مؤنة رضاعهما صغيرين، فكذا في نفقتهما كبيرين (وبه يُفتى)، ومختار الخَصَّاف وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة: أنها تجب أثلاثاً: ثلثان على الأب وثلث على الأم.

(
وعلى المُوسِر يَسَارَ الفِطْرَة) وهو أن يَملِكُ نِصَاباً من أي مال كان، فاضلاً عن حاجته الأصلية، لأنه المعتبر لوجوب المواساة في الشرع ولو كان كسوباً، وهذا عند أبي يوسف. وعند محمد: تقدير اليَسَار هنا بأن يَفضُلَ عن نفقته ونفقة عياله شهراً إن لم يكن من أهل الحِرَف، وعن نفقتِهِ ونفقة عِيَاله كل يوم إن كان من أهلها، حتى لو اكتسب درهماً كل يوم وكفاه بعضه يجب صرف باقيه إلى قريبه. قال صاحب «التحفة»: قول محمد أرفق.
وجعل في «الهداية» الفتوى على قول أبي يوسف. وعند الشافعي بأن يَفضُلَ عن قُوتِهِ وقوت عياله ما يُصرف إلى قريبه.
(
نفقةُ أصولِهِ الفقراء) من أبويه، وأجداده، وجدّاته من الطرفين وإن عَلَوا، (بالسَّويَّة بين الابن والبنت) في ظاهر الرواية. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنها بالتفاوت على الذكر مِثْل حظِ الأنثيين على قياس الميراث، ونفقة ذوي الأرحام، وبه قال الشافعي وأحمد. والأول أصح لأن استحقاق الأبوين النفقةَ باعتبار حق المِلك لهما في مال الولد، لقوله عليه الصلاة والسلام: «أنت ومالُك لأبِيْك». وهو في الذَّكَر والأنثى سَواء، ولهذا ثبت لهما هذا الاستحقاق مع اختلاف المِلَّة وإن انعدم التوارث بسبب اختلاف المِلَّة.

(ويُعتبر فيها) أي في نفقةِ الأصول. وفي بعض النُسخ: «فيه»، أي في هذا النوع من النفقة (القُرب والجُزئية) لا الإرث، ولهذا يجب مع اختلاف الدين.
(
ففي مَنْ له بنتٌ وابنُ ابنٍ) كلها (على البنت) للعلتين، (وفي ولد بنت وأخ على ولدها) قال الحَلْواني: لو كان الأب قادراً على الكسب لا يُجبر الابن على نفقته، لأنه غني باعتبار كسبه. وقال السَّرَخْسِيُ: قيل: وهو ظاهر الرواية إذا كان الابن قادراً على الكسب، لا تجب نفقتُه على الأب. وإذا كان الأب قادراً على الكسب تجب نفقته على الابن، لأن معنى الأذى في الكدِّ والتعب أكثر منه في التأفيف المنهيّ عنه في حق الأبوين حيث قال الله تعالى: {فلا تَقلْ لهما أُفَ}. وأما الأجداد والجدات فإنهم كالآباء والأمهات، ولأنهم تسببوا لإحيائه، فاستوجَبُوا عليه الإحياء، كالأبوين. وإنما شُرِطَ الفقر لأنهم لو كانوا موسرِينَ لا يجبُ نفقتُهم عليه، إذ الأصل أن نفقة الإنسان في ماله.
(
و) على الموسِرِ (نفقةُ كلِ ذي رحمٍ مَحْرَمٍ صغيرٍ) فقير أو كبير عاجز عن الكسب (أو بالغة فقيرة) حتى يكون نفقة الصغيرة على الأم والجد أثلاثاً، ونفقة الأخ المعسر على أخواته المتفرِّقات المُوسِرَات أخماساً، لأن في قوله تعالى: {وعلى الوَارِثِ مثلُ ذلك} إشعاراً باعتبار المِقدَار، ولأن الغُرْم بالغُنْمِ. وشُرِطَت المحرمية لقراءة ابن مسعود: «وعلى الوارِثِ ذي الرَّحِمِ المَحْرَم مثلُ ذلك» فقيِّدَ المطلق به، إذ قراءته لا تنزل عن رواية، ومن يكون محتاجاً من الوارثين يُجعل في حكم المعدوم (أو ذَكَرٍ زَمِنٍ، أو أعمى: على قدْرِ الإرث).

وعند الشافعي لا يجب غير نفقة الوِلاد، فلا تجب النفقة لغير الوالدين والمولودين، لأن استحقاق الصِّلة عنده باعتبار الولاد دون القرابة، حتى لا يَعْتِقُ أحدٌ على أحد إلا الوالدان والمولودون عنده. وجعل قَرَابة الإخوة كقرابة بني الأعمام، وحمل قوله تعالى: {وعلى الوارِثِ مِثْلُ ذلك} على نفي المُضارَّة دون النفقة. وهو مروي عن ابن عباس. وقيل: المراد بالوارث وارث الأب، وهو الصبي نفسُه. والمعنى: أنه مات أبوه وورثه، وجبت أجرة رضاعه في ماله إن كان له مال، وإن لم يكن له مال أجبرتِ الأم على إرضاعه. وقيل: المراد به الباقي من الأبوين من قوله صلى الله عليه وسلم «واجْعَلْه الوَارِثَ مِنَّا».
وأجيب بأن الإشارة بذلك للبعيد، وهو هنا وُجوبُ الرزق والكسوة على الأب. ونفي المُضارَّة لا يختص بالوارث، بل يجب على غيره أيضاً، فلا تحمل الآية عليه، بدليل قول عمر وزيد، فإنهما قالا: {وعلى الوَارِثِ مِثْلُ ذلك} من النفقة.
ثم اعلم أن مالكاً قصر النفَقَة على الصُلْبيّ، أي قريب الوِلاد بلا واسطة، حتى لا يجب عنده نفقةُ جِدَ ولا جدّةٍ، ولا ولد ولد، بل يجبُ على الأب نفقة ولده المحصور (الفقير) على قدر حاله حتى يحتلم، عاقلاً غير زَمِنٍ بما يمنع التكسّب. وعلى الولد كبيراً كان أو صغيراً، ذكراً كان أو أنثى: نفقة أبويه الفقيرين، صحيحين كانا أو زَمِنَيْن، مسلمين أو كافرين، لأن إنفاقَه على من يثبت بينه وبين جزئية بلا واسطة، كأنه إِنفاقٌ على نفسه، فيجب بخلاف غيره.
وقال ابن أبي ليلى: تجب النفقة على كل وارث مَحْرماً كان أو غير محرم. واستدل بظاهر قوله تعالى: {وعلى الوَارِثِ مِثْلُ ذلك}.

ولنا ما قدّمنا من قراءة ابن مسعود: «وعلى الوَارِثِ ذي الرَّحِمِ المَحْرَمِ مِثْلُ ذلك» فقيَّدَ المطلق به، ولأنه الذي يَحرُم قطعُه. ومنعُ النفقةِ مع يَسَار المنفقِ يؤدي إلى قطيعة الرَّحِمِ، وهي من الملاعِنِ، قال الله تعالى: {أولَئكَ الذيْنَ لَعَنَهم ا} وقد ورد: «الرَّحِمُ معلقةٌ بالعرش تقول: مَنْ وصلني وَصَلَه الله، ومَنْ قَطَعَني قَطَعَه الله». رواه مسلم عن عائشة.
وشَرطَ الصِّغر أو الفقر أو الزَّمَانَة لتحقق العجز، فإِن هذه الأمور أمَارَةُ الحاجة. وروى الطبراني بإسناد حسن من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اليد العُليا أفضل من اليد السُّفلى، وابدَأْ بِمَن تَعُول: أُمَّكَ، وأَباكَ، وأختكَ وأخاك، وأدنَاك فأدناك». وهو في «الصحيحين» وغيرهما بنحوه من حديث حكيم بن حِزَام . وروى الطبراني في «الأوسط» من حديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما أنفق المرءُ على نفسِهِ، وأهله، وولده، وذي رَحِمِهِ وقَرَابَتِهِ، فهو له صدقة».

(
ويعتبر) في نفقة ذي الرحم المحرم (أهلية الإرث لا حقيقته) لأن حقيقة الإرث لا تُعلم إلا بعد الموت، وحينئذٍ تسقط النفقة، (فنفقة مَنْ له خالٌ وابن عم على الخال) لأنه ذو رحم محرم، يمكن أن يرث ممن له النفقة بناءً على توريث ذوي الأرحام، بأن يموت ابن العم قبله. وإِن استويا في المَحْرَميَّةِ والأهليةِ للإرث تَرَجَّحَ مَنْ كان وارثاً في الحال، فلو كان له عم وخال، أو عم وعمة، تجب النفقة على العم، لاستوائهما في المحرمية، وتَرَجَّحَ العمُّ بكونه وارثاً في الحال بالنسبة إلى العمة والخال.

(ولا نفقَةَ) تجب (مع الاختلافِ دِيْناً إلا للزوجة والأصول) الأبوين، والأجداد، والجدَّات (والفروع) الولد وولد الولد. أما الزوجة فلأن نفقتَهَا لاحتِبَاسها بحقٍ مقصودٍ بعقدِ النِّكَاح، وذلك يَعتَمِدُ صحةَ العقدِ دونَ اتحاد المِلة. وأما الأصول والفروع فلأن نفقتهم باعتبار الجُزئية، وجُزءُ المرء في معنى نفسه، وكما لا يُمنع نفقَةَ نفسِهِ بكفره، لا يُمنع نفقَةَ جزئِه إلا أنهم إذا كانوا حَربِيّين لا تجب نفقتهم على المسلم وإن كانوا مستأمَنين، لأنا نُهينا عن بِرِّهم، لقوله تعالى: {إنَّما يَنْهَاكُم ا عن الذين قَاتَلُوكُم في الدِّيْن} الآية.
وكان القياسُ في حق الوالدين والولد أنْ لا يثبت استحقاق النفقة مع اختلاف المِلة، لأن استحقاقَها بطريق الصِّلة كنفقة الأقارب، ولكنهم استحسنوا وأوجبوا على الولد المسلم نفقة أبويه الذِّميين، لقوله تعالى: {وصَاحِبْهُما في الدنيا مَعرُوفاً} وليس من المُصاحبةِ بالمعروف أن يتقلب في نِعم الله تعالى ويدعهما يموتان جُوعاً وعُرْياً. والأجداد والجدَّات من قِبَل الأب والأم بمنزلة الأبوين في ذلك، لأن استحقاقَهم باعتبار الوِلاد، وبمنزلة استحقاق الأبوين.
(
ولا) نفقة تجب (مع الفقر) وفي بعض النُسخ: ولا على الفقير (إلا لها) أي الزوجة. (وللفُرُوعِ) الصغار. وقيل: إذا كان فقيراً زَمِناً أو أعمى، تجب نفقة أولاده في بيت المال كنفقته. (ولا) نفقة تجب (للغني إلا لها) أي للزوجة، لأن نفقتَها جزاءُ احتباسِها، وهو موجود في «الغُنْية».

(وباع الأب) عند أبي حنيفة لنفقتِهِ بقَدْر حاجته (عَرْض ابنه) الكبير الغائب، لأنه إذا كان حاضراً لايبيع الأب عَرْضه اتفاقاً، وإذا كان صغيراً يبيعه اتفاقاً. والمراد بالعَرْض هنا ما يُنقل (لا عَقَارَه) أي لا يبيع الأب عَقَار ابنه (لنفقتِهِ) متعلق بـ: باع. والقياس أن لا يبيعَ العَرْض أيضاً إذا كان الابن كبيراً، وهو قول أبي يوسف ومحمد، لأن ولاية الأب زالت ببلوغ الابن رشيداً، إلا فيما يبيعُه تحصيناً له، فللوصي وللأب بيع عُرُوض الابن الغائب تحصيناً لماله، وبيعه هنا ليس للتحصين، بل لنفسه وليس له هذه الوِلاية. ألا تَرى أنَّ النفقَةَ لا تكون أوجب من سائر الديون. وليس لأب بيع شيء من مَتَاع ولده في دين له عليه، ولا يقضي القاضي بذلك أيضاً، لأن فيه قضاءً على الغائب، فكذا في النفقة واستحقاق الأم النفقة، كاستحقاق الأب، وهي لا تبيع عُرُوض الولد في نفقتِها فكذا هو.

ولأبي حنيفة ـ وهو وجه الاستحسان ـ أن للوالِدِ أن يتملَّك مال ابنه عند الضرورة، ونفقة نفسه منها. ولأن ولاية التصرُّف وإن زالت بالبلوغ عن عقل، فولاية الحِفْظ ثابتة، لأن ولاية الحفظ تثبت لمن لا يثبت له ولاية التصرف، كالوصي في حقِ الوارثِ الكبيرِ الغائب له ولاية الحِفظ وبيع العُرُوض، فالأب بذلك أحق لأنه أشفق، وبيعُ العُرُوض من الحفظ لأنه يُخشى عليه من التَّوَى، وحفظ الثمن أيسر وأيمن، وبعد البيع يصيرُ الثمن من جنس حقه، فله أن يأخذ منه قدْر النفقةِ. وإنما لا يبيع العَقَار لأنه مُعدٌّ للانتفاع به مع بقائه، ويحصل مقصود الأب من النفقة باستغلاله، فلا يجوز له بيعه إلا بكمال الوِلاية، وهو عند صِغَرِ الولد أو جُنُونه.

(لا لِدَين) أي لا يبيعُ الأب عَرْض ابنه لأجل دين (له) أي للأب (عليه) أي على الابن (سواها) أي سوى نفقة الأب، إذ لا ضرورة في ذلك (ولا الأم تبيع مالَه) أي مال الابن مطلقاً (لنفقتها) لأن تَمَلُّك مال الابن مخصوص بالأب، لقوله صلى الله عليه وسلم «أنْتَ ومالُكَ لأبيك». وفي «الذخيرة»: أن في الأقضية جواز بيع الأبوين عَرْض ابنهما. وهكذا ذكر القدوري في شرحه، بل ينبغي أن تكون هي بالجواز أولى لِضَعْفِها وكمال حاجتها، ولقوله صلى الله عليه وسلم «أمكَ، ثم أمك، ثُمَّ أباك، ثم الأقرب فالأقرب».
(
وضَمِنَ) قضاءً لا ديانة (مُودَعُ الابن لو أنفقها) أي الوَدِيْعة (على أبويه بلا أمر قاضٍ) لتصرفه في مال غيره بدون إذنه، بخلافِ ما إذا أمره القاضي لعموم ولايته. وإذا ضَمِنَ لا يرجع على القابض، لأنه مَلَكَ بالضمان، فَظَهَرَ أنه كان متبرعاً. وإنما قلنا: إنه لا يضمن ديانة، حتى كان له أن يَحلِف بعد موت المودِع أنه لا حق لورثته قِبَلَه، لأنه لم يُردْ بذلك غيرالإصلاح. وفي «النوادر»: إذا لم يكن في مكان يمكن استطلاع رأي القاضي لا يضمن استحساناً، وقد قالوا في رجلين كانا في سفرٍ فأُغمي على أحدهما، فأنفقَ رفيقُه عليه من ماله، أو مات فَجَهَّزَه صاحبه من ماله، لم يضمن استحساناً. (لا الأبوان) أي لا يضمن الأبوان (لو أنفقا ماله) وديعة (عندهما) لأن نفقتَهُما واجبةٌ على الابن بدون القضاء، فاستوفيا حقَّهُما.

(وإذا قُضِي بنفقةِ غير العِرْس) وهم: الولد والوالدان، وذوو الأرحام (ومضت مدة سقطت) وبه قال الشافعي وأحمد، لأن نفقة هؤلاء لكفاية الحاجة، فتسقط بحصولها، (إلا أن يأذن القاضي) لِمَن له النفقة (بالاستدانة) على الغائب واستدان عليه، لأن للقاضي ولايةً عامة، فصار إذنه كإذن الغائب. ولو ضاعت نفقة مُعجَّلة أو كِسْوة لذوي الأرحام، يفرض لهم مرة بعد أخرى، لتحقق حاجتهم، ولو ضاعت نفقة أو كِسوة للزوجة لا تفرض لها نفقة أخرى، لعدم اعتبار الحاجة في حقها، ولهذا تجب النفقة لها مع غناها، وبعكس هذا لو بقيت النفقةُ المفروضة في مدةٍ بعد المُدة، تُفرض للزوجات ولا تفرض لذوي الأرحام. ولو عجّل نفقةَ مدةٍ ثم مات أحدهما قبل المدةِ، يسترد في الزوجات عند محمد دون الأقارب.

(
ونفقةُ المملوك) ذكراً كان أو أنثى، مدبَّراً أو أمّ ولد، لا مكاتَباً لالتحاقه بالأحرار (على سيِّدهِ) للإجماع، ولقوله صلى الله عليه وسلم «هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليُطعِمْه مما يأكل، وليُلْبِسه مما يَلْبَس، ولا تُكلِّفُوهم ما يَغْلِبُهم، فإن كلَّفْتُموهُم فأعينُوهم». رواه الشيخان، وزاد أبو داود: «من لم يُلائمكم منهم فَبِيعُوه، ولا تُعذِّبوا خَلْق الله». ولأن نفعَه له، والغُرْمُ بالغُنْم.

(فإن أبى) السيد عن الإنفاق عليه (كَسَبَ) المملوك (وأنفَقَ) على نفسه، نظراً له ببقاءِ نفسِه، ولسيِّده ببقاء مِلكه، (وإن عَجَزَ عنه) أي عن الكسب: بأن كان صغيراً، أو زَمِناً، أو أعمىً، أو جاريةً لا يُؤجر مِثْلُها. (أُمِرَ ببيعه) إن كان قِنًّا، لأن المملوك من أهل الاستحقاق، وفي بيعه إيفاءُ حقِّه بدون إبطال حق المولى، لقيام ثمنه خَلَفاً عنه، بخلاف المدبَّر وأمِّ الولد، حيث يُجبر على الإنفاق عليهما إذا عَجَزا عن الكسب، لأنهما عاجزان ولا يقبلان النقل من ملكه، ومنفعتُهما له فيُجبر على نفقتِهما، وبخلاف سائر الحيوانات حيث لا يُجبر على بيعها، ولا على الإنفاق عليها، لأنها ليست من أهل الاستحقاق. والمَقْضِي له لا بد أن يكون من أهله، ولكنه يُفتى فيما بينه وبين الله تعالى بأن ينفق عليها أو يبيعها، ويكون آثماً معاقباً في جهنم بحبسها عن البيع مع عدم الإنفاق عليها.
ففي الحديث: «امرأة دخلتِ النار في هِرةٍ حبستها حتى ماتت، لا هي أطلقتها فتأكُل من خَشَاش الأرض، ولا هي أطعمتْها». وعن أبي يوسف: أنه يُجبر، وهو قول مالك والشافعي. وغاية ما فيه أن يتصور فيه دعوى حُسْبة، فَيُجبِرهُ القاضي لترك الواجد .
ويُقوِّيه ما في حديث يَعْلى بن مُرَّة الثَّقَفي على ما رواه البغوي: بينا نحن نسير مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ مررنا ببعير يُسْنَى عليه، فلما رآه البعيرُ جَرْجَرَ ـ أي صَوَّت ـ ووضَع جِرَانه ـ وهو بكسر الجيم: مُقدَّم عُنُقِه ـ فوقف عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أين صاحبُ هذا البعير»؟ فجاء فقال: «بِعْنِيه» فقال: لا بل أهَبه لك يا رسول الله، فقال: «لا، بِعْنِيْه» قال: لا بل نهَبه لك يا رسول الله، وإنه لأهل بيتٍ ما لهم معيشة غيره، فقال: «أما إذ ذكرت هذا من أمره، فإنه شَكَى كثرة العمل، وقِلَّة العَلَفِ، فأحسنوا إليه».

وأما غير الحيوان، كالعَقَار، والزرع، والشجر، فيُكره له أن لاَ ينفق عليها حتى تفسد، للنهي عن تضييع المال. ولو كان عبدٌ بين رجلين يُجبَرَان على نفقته. وفي الدَّابة لا يجبران، فلو طَلَب أحدهما من القاضي أن يأمره بالنفقة عليها حتى لا يكون متطوعاً، فالقاضي يقول للآبي: إما أن تبيع نصيبك من الدابة، أو تنفق عليها رِعاية لجانب الشريك، هكذا ذكره الخَصَّاف. وفي «المحيط»: يُجبر صاحبه، لأنه لو لم يُجبر لتضرر الشريك. ولو امتنع المولى من الإنفاق على عبده، فتناول من مال سيده، فله ذلك إن كان عاجِزاً عن الكسب، أو قادراً عليه ونهاه عنه، وإلا فليس له ذلك. ولو أعتق عبداً زَمِناً أو صغيراً سقطت نفقته، ويجب في بيت المالِ، لأنه ليس بينهما مَحرميَّة، والله تعالى أعلم.

كتاب العَتَاق
هو بفتح العين، العِتق والحرية وكذا العَتَاقة.
وفي الشرع: قوةٌ حُكمية يَصيرُ بها المرءُ أهلاً للشهادة والوِلاية، وإثبات هذه القوة يُسمى إعتاقاً، فلا يَتَجَزَّى كالعِتقِ والرِّقِ، لقوله صلى الله عليه وسلم «من أعتَقَ شِقْصاً له في عبدٍ، فَخَلاصُهُ عليه في ماله إن كان له مال، وإن لم يكن له مالٌ قُوِّم عليه فاستسعى العبد به غير مَشْقُوقٍ عليه». رواه الستة في كتبهم. وهذا عند أبي يوسف ومحمد.
وعند أبي حنيفة: هو إزالة المِلْك عن المملوك، فيَتجزىء عنده، وكذا الكتابةُ والتَّدْبيرُ، فإنهما يتجزيان عنده، لأنهما من فُرُوعه. وذلك لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم «من أعتَقَ شِركاً له في عبد، وكان له مالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ العبدِ، قُوِّم العبدُ عليه قِيمَةَ العدل، فأَعْطَى شُركاءَهُ حِصَصَهُم وعَتَقَ عليه العبدُ، وإلا فَقَدْ عَتَق مِنه ما عَتَقَ». رواه الستة من حديث ابن عمر.

وقول البخاري: قال أيوب: لا أدري أشيءٌ قاله نافع أو شيءٌ في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني قوله: «وإلا فَقَد عَتَقَ منه ما عَتَق»، لا يضر إذ الظاهر، بل الواجب أنه منه، إذ لا يجوز إدراجُ مثل هذه عن غير نَصَ قاطع في إفادة أنه ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن في الحديث عِلةٌ قادحةٌ، كما أجاب عنه بعض المحققين.
وهو مندوب إليه بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
أما الكتاب: فقوله تعالى: {وما أدْرَاكَ ما العَقَبةُ فَكُّ رَقَبةٍ} إلى قوله: {أولئِكَ أصحابُ المَيْمَنَةِ}.
وأما السنة: فما في الكتب الستة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيما امرء مسلم أعتق رقبةً مؤمنةً، أعتق الله بكلِ عُضوٍ منها عضواً من أعضائه من النار، حتى الفَرْج بالفَرْج». وروى الترمذي ـ وقال: صحيح غريب ـ عن أبي أُمَامَة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما امرء مسلم أعتَقَ امرأً مسلماً، استنقذ الله بكل عضوٍ منه عضواً من النار»، وفي لفظ: «من أعتق رقبةً مؤمنةً أعتقَ الله بكل عضو منها عضواً من أعضائه من النار، حتى الفَرْج بالفَرْج».
وروى الترمذي ـ وقال: صحيح غريب ـ عن أبي أُمَامَة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيُّما امرء مسلمٍ أعتَقَ امرأً مسلماً كان فِكَاكه من النار، يُجزىء كل عضو منها عضواً منه، وأيُّما امرء مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار، يُجزىء كل عضو منهما عضواً منه». وفي لفظ لأبي داود وابن ماجه: عن كعب بن مُرَّة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيُّما رجل مسلمٍ أعتَقَ رجلاً مسلماً، كان فِكَاكه من النار، وأيُّما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة، كانت فكاكها من النار». وفي قوله صلى الله عليه وسلم «أعتق الله بكل عضو» إيْمَاءٌ إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة من أن العتق يتجزىء.

وأما الإجماع: فإنه ليس لأحد في استحبابه النزاع.

(وهو) أي الإعتاق (يَصِحُّ مِنْ حَرٍ) لأن المملوك لا مِلْك له، والعتقُ لا يقع إلا في الملك (مُكلَّفٍ) أي عاقلٍ بالغٍ ولو كافراً لأن العتقَ تبرُّع، وليس واحد من الصبي والمجنون بأهل له. ولهذا لو قال البالغ: أعتقت وأنا صبي، أو قال المفيقُ من جنونه: أعتقتُ وأنا مجنون، لم يقع عتق، لإسناده إلى حالة منافية. وكذا لو قال الصبي: إذا بلغت، أو المجنون: إذا أفقت فعبدي حرٌ، لأنه ليس بأهل لقول ملزم، وإنما لم يقل في ملكه كما قال غيره، لأن عِتقَ مِلك الغير موقوف على إجازة المالك. ومراده ما يصح، سواء كان نافذاً أو موقوفاً، ثم مال العبد وقت العتق لمولاه عند الجمهور. وقال الحسن، وعطاء، والنَّخَعي، ومالك، وأهل المدينة: للعبد.
(
بِصَريْح لَفْظِهِ) وهو لفظ يدل على العتق بالوَضْع، (بِلا نِيّة، كأنت حرٌ، أو معتَقٌ، أو عَتِيقٌ، أو أعتقتُك، أو مُحَرَّرٌ، أو حَرَّرتُك) لأن هذه الألفاظ موضوعة للإعتاق شرعاً وعرفاً، فلا يفتقر إلى نية. ولو قال: أردت الكذب، أو أنه حر من العمل صُدِّق دِيَانة ـ لأنه مُحْتَمَل كلامه ـ لا قضاءً، لأنه خِلاف الظاهر. (أو هذا مَوْلاي) (أو هذه مولاتي) لأنه وصف لولاية العَتَاقة السفلى، فَيَعْتِقُ من غير نية، لأن المَوْلى لا يكون هنا بمعنى المَوَالي في الدين، لأنه مجازٌ لا دليل عليه، ولا بمعنى الناصر، لأن المالك لا يستنصر بمملوكه، ولا بمعنى ابن العم، لأن الكلام في العبد المعروف النَّسَب، ولا بمعنى المُعْتَق، لأن إضافته إليه في العبودية ينافي ذلك ، فالتحق بالصريح، فلم يحتج إلى النية. ولو قال: عنيت به المَوَالي في الدين، أو الكذب، يُصدَّق دِيَانة للاحتمال، لا قضاءً لمخالفة الظاهر.

(أو يا مَوْلاي) وإن لم ينو به العتق، لأن نداءه بهذا الوصف يقتضي ثُبُوتَه. وإثباتُه من جهته ممكن، فيثبت تصديقاً له، وكذا لو قال: يا عَتِيق، أو يا حر، إلا إن كان اسمه وناداه به، لأن مراده حينئذٍ الذات دون الوصفِ، حتى لو ناداه بلفظ آخر بمعناه عَتَق.
مثل أن يكون اسمه حراً فيقول: يا عتيق أو بالعكس، إذ الأَعلام لا تتغيَّر فيعتبر إخباراً عن الوصف. وشرط زفر النية في «يا مولاي» ونحوه. وبه قال مالك والشافعي، لأن هذا اللفظ في موضع النداء يراد به الإكرام لا التحقيق، كقوله: يا سيدي، يا مالكي، وأنا عبدك ونحو ذلك، فإنه لا يعتِق بلا نية، فكذا إذا قال: يا مولاي.

ولنا أن الكلام محمولٌ على حقيقته ما أمكن، وحقيقة قوله: يا مولاي أن يكون له عليه وَلاء، وقد تعيّن المُعتَقُ لذلك، فالتحق بالصريح، بخلاف نحو: يا سيدي، فإنه ليس فيه ذكر ما يختص بإعتاقه إياه، فكان إكراماً محضاً.
(
ورأسُكَ حُرٌ ونحوه مما عُبِّر به عن البَدَنِ) كالوجه، والرأس، والرقبة. وأما الفَرْج فيختص بالأمة لقوله صلى الله عليه وسلم «لعن الله الفُروجَ على السُّروجِ»، لأن التحرير يقعُ في جملة الأعضاء، فلا بد من الإضافة إليها، أو إلى ما يُعبر به عنها، حتى لو أضافه إلى غير ذلك، كاليد والرجل لا يقع عندنا، خلافاً لمالك، والشافعي، وأحمد، وهو قول زفر. وقد مرت المسألة في الطلاق.
(
وبِكنَايتِهِ) عطف على «بصريح لفظه». وكناية العتق لفظ غير موضوع له يحتمله وغيره (إنْ نوى) الإعتاق، قَيَّد به، لأن أحد المُحتَمَلين لا يتعين إلا بالنية إزاحة للاشتباه والاحتمال، (كـ: لا مِلك لي عليك، ولا سبيل) لي عليك أو إليك (ولا رِقّ) لي عليك، (وخرجت عن ملكي، وخَلَّيتُ سبيلَك) لأن كلاً من هذه الأشياء يكون بالبيع، وبالكتابة، وبالعتق، والمُحتمِلُ لا يتعينُ فيه جهة بلا نية، فلا يعتق بدونها.

(ولأمتِهِ) وكذا لعبده (قد أطلقتك) لأنه بمنزلة: خلَّيتُ سبيلك (وبـ: هذا ابني) عطف على «بصريح لفظه» أو على قوله: بكنايته، كما صرح به المصنف في «شرح الوقاية». وإنما ذكر حرف الباء لئلا يُتَوَهم أنه عطف على أَمثلة الكناية كما صرح به فيلزم حينئذ أنه كناية وليس كذلك، لأنه لو كان كناية لاحتاج إلى النية، وهو غير محتاج إليها (للأصْغَرِ) سناً من مالكه (والأكْبَرِ) سناً منه.
أما الأصغر إذا كان يولد مِثْلُه لمثله ولم يكن ثابت النسب من غيره، فلأنه ثَبَتَ نسبُه منه، فَيَعْتِقُ عليه وإن لم ينو، وإذا كان لا يولد مثله لمثله، أو كان ثابت النسب من غيره، فلأن الحرية لازمة للبنوة إلا أن تكون الأُم أَمة الغير. والإقرار بالشيء إقرار بلوازمه، فيكون هذا مجازاً عن الحرية فيعتِق وإن لم ينو، لأن المجاز متعين. وأما الأكبر فالمذكور قول أبي حنيفة، وأما عندهما: فلا يعتق لأنه محال، فَيُردّ كما لو قال: أعتقتك قبل أن أخلق، أُو قبل أن تُخْلق.
ولأبي حنيفة: أنه صحيح بمجازه، فيصار إليه وإن كان مستحيلاً بحقيقته، كمن حَلَفَ لا يأكل من هذه النخلة، فإنه ينصرف إلى ما يخرج منها. والإعتاق قبل الخَلْقِ إعتاقٌ قبل المِلْك، فيستحيل بالكلية. وعلى هذا الخلاف لو قال للأصغر: هذا أبي، أو هذه أمي. وفي «الذخيرة»: لو قال لغلامه: هذا عمي، أو هذا خالي يعتِق، ولو قال: هذا أخي لا يعتِق في ظاهر الرواية، لأن اسم الأخ يطلق على الأخ في الدين، قال الله تعالى: {إنَّما المؤمنونَ إخوَة}، وعلى الأخ في القبيلة قال الله تعالى: {وإلى عادٍ أخَاهُم هوداً}، وكذا لا يعتق بـ:هذه بنتي في الأظهر. ولو قال: هذا ابني من الزنا يعتِق، ولا يثبت نَسَبُه لقوله عليه الصلاة والسلام: «الولدُ للفِرَاش وللعاهِرِ الحَجَر».

(لا) يعتق (بـ: يا ابني و: يا أخي) على ظاهر الرواية. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يعتق، والظاهر الأول، لأن المقصود بالنداء استحضار المُنادَى، فإن كان بوصف لا يمكن إثباته من جهة المُنادِي نحو: يا ابني كان لمجرد الإعلام دون تحقيق الوصف لتعذره، لأنه لا يمكن إثبات البنوة بالنداء، سواء خُلق من مائه أو من ماء غيره، للقطع بأنه إذا خُلق من مائه لا تثبت الابنِيَّة إلا بذلك التخلق من ذلك الماء، لا باللفظ وإن كان بوصف يمكن إثباته من جهته نحو: يا حر، كان لإثبات ذلك الوصف.
(
ولا سلطان) عطف على يا ابني، أي ولا بلا سلطان (لي عليك) عندنا وإن نوى بها العتق، لأن السلطان عبارة عن اليد، وقد يبقى الملك دون اليد. كما في المكاتَب، بخلاف قوله: لا سبيل لي عليك، لأن نفيَه مطلقاً بانتفاء الملك. وتوضيحه أن السلطان عبارة عن اليد وهو ينتفي بالكتابة، والرهن والإجارة، فلا يفيد نفيه نفي الملك، فلا يعتق، وإن نوى بخلاف: لا سبيل لي عليك، لأن للمولى سبيلاً على مملوكه وإن خرج من يده بالكتابة، لأنه يطالب ببدلها، حتى لو انتفى عنه ذلك بالبراءة عَتَق، فيفيد نفي السبيل ونفي الملك وذلك بالعتق أو بغيره، فإذا نواه صح وعتق.
قال أبو بكر الرَّازي: خَرَجَ الشيخ أبو الحسن الكَرْخي من الدنيا والفرقُ بين السبيلِ والسلطانِ مُشكلٌ عليه، وقد عرفتَه. وقال بعض مشايخنا: يعتِق إن نواه كما قال مالك والشافعي وأحمد، (لأن المِثْلَ يُستعمل للمشاركةِ في بعض المعاني عُرْفاً، فلا يتعين للحرية إلا بالنية).
(
ولفظ الطلاق) أي ولا يعتِق بلفظ الطلاق صريحه (و) لا (كِنَايته) ولو (مع نية العتق) وهو قول مالك ورواية عن أحمد. وقال الشافعي: يعتق بهما، وبه قال أحمد في رواية، لأن النكاح فيه معنى الرِّق. وقد ورد مرفوعاً: «النِّكاحُ رِقٌ»، فيستعار أحدهما للآخر. ولأنه يُستباح بكل واحد منهما الوطء في محله.

ولنا: أنه نوى ما لا يحتمله لَفْظُه، فهو كما لو قال لها: كلي واشربي ونوى العتق. (وأنت) أي ولا بـ: أنت (مثلُ الحُرّ) لأن لفظ المِثْل يُستعمل للمُشاركة في بعض المعاني وللمشاركة في كلها، فوقع الشكُ في الحرية، فلا يعتِق. وقيل: إذا نوى العتق يَعتِقُ، كما لو قال لامرأته: أنت مثلُ امرأة فلان، وقد كان فلان آلى منها، فإنه يكون مولياً. (بخلاف ما أنت إلاَّ حُرٌّ) حيث يعتق، لأن الاستثناء من النفي إثبات على وجه التأكيد، فكان في هذا إثبات الحرية بأبلغ وجه.

(
ومَنْ مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ) أي ذا قرابة (منه) بسبب الرَّحِم. ومَحْرَمٍ صِفةُ ذا، وجَرَّه للجوار، كذا في «شرح الوقاية». ولا فرق في هذا بين كون المالك صبياً أو مجنوناً، أو كون المملوك صغيراً أو كبيراً، مسلماً أو كافراً في دار الإسلام، لإِطْلاقِ قوله عليه الصلاة والسلام: «مَن مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحْرمٍ منه عَتَقَ عليه». رواه النسائي عن ضَمْرة بن ربيعة الرَّمليّ، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن عمر مرفوعاً، وضَعَّفه بسبب انفراد ضَمْرة به عن سفيان. وصححه عبد الحق وقال: ضَمْرة ثقة، وإذا أسند الحديث ثقة لا يضر انفرادُه، ولا إرسال من أرسله، ولا وَقْف من وقفه. وصوَّب ابن القطان كلامه.

قيد بالرحم لأن المَحْرَم بلا رَحِمٍ كابنه من الرضاع لا يعتِق عليه اتفاقاً، وكذا المَحْرم بطريق المُصاهرة كأم الزوجة وبنتها الربيبة. وقيد بالمَحْرَمِ لأن الرحم بلا محرم كابن عمه لا يعتِق اتفاقاً. وقال الشافعي: لا يعتِق غير قرابةِ الوِلاد لأن العِتق على المِلك ثبت في قرابة الولاد على خلاف القياس لمكان الجُزئية، فلا يُلحق بها ما هو أنزل منها. وقال مالك: يعتق قرابة الوِلاد والإِخوة والأخوات، لأن العتق على المالك من أقوى صلات المملوك، فيختص هذا بأقرب القرابات وهي الوِلادة والأُخوة. وقال الأوزاعي: يعتِقُ كل ذي رحم ولو لم يكن مَحْرماً.
وبمذهبنا قال أحمد، والحسن البصري، وجابر بن زيد، وعطاء، والشَّعبيّ والزهري وحمَّاد، والحَكَم، والثوري، والنَّخَعي، والليث. وروي عن عمر وابن مسعود ولا يُعرف لهما مخالفٌ في الصحابة. والدليل: قوله عليه الصلاة والسلام: «من مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ منه فهو حر». رواه أحمد، وأبو داود، الترمذي، وابن ماجه، والحاكم في «مستدركه» عن سَمُرَة. وفي «النهاية» لابن الأثير: وبه قال أكثر أَهل العِلْم من الصحابة والتابعين، وإليه ذهبَ أبو حنيفة وأصحابُه وأحمد.
(
أو أعتق) عطف على مَلَك (لوجه الله تعالى أو للشيطان أو للصَّنَم) لأن العتق صَدَر من أَهْله في محله، فيعتبر وتلغو تسمية جهته، (أو) أعتق حال كونه (مُكْرَهاً أو سَكْرَان) في الأصح لوجود ركن العِتق من الأهل في المحل، كما في الطلاق. وخَالَفَنَا في المكرَه مالك والشافعي وأحمد.

(أو أضاف عِتقه إلى مِلك) نحو إن مَلكتُ عبداً فهو حر وبه قال مالك. وخَالَفَنَا فيه الشافعي وقد بينا ذلك في كتاب الطلاق. (أو) إلى (شرط) نحو: إن قَدِمَ فلانٌ فأنت حرٌ (ووُجِدَ) ذلك الشرط (عَتَق) أي عليه، ليكون في الخبرِ ضمير عائدٌ على المبتدأ الذي هو: «مَنْ مَلَك» وإنما عتق في التعليق إذا وُجد الشرط، لأن العِتق إسقاط، فيجري فيه التعليق، وهذا لا خلاف فيه.

(
كعبد) أي كعتقِ عبد (لِحَرْبي خَرَجَ إلينا مسلماً) لما روى أبو داود في الجهاد، والترمذي في المناقب وقال: حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث رِبعي بن خِراش ـ بكسر المهملة والمعجمة ـ عن علي قال: خرج عُبْدَانٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحُدَيْبية قبل الصلح، فقال مواليهم: يا محمد، والله ما خرجوا إليك رَغَبةً في دينِكَ، وإنما خَرَجوا هَرَباً من الرِّقِ، فقال ناس: صدقوا يا رسول الله، ردَّهم إليهم، فغضِبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «ما أراكم تَنْتَهون يا معشرَ قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رِقَابكم على هذا». وأبى أن يردهم وقال: «هم عُتَقاءُ الله سبحانه وتعالى».
وروى عبد الرزاق في «مصنفه» في الجهاد عن مَعْمر، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان النَّهْدِي، عن أبي بَكْرة: أنه خَرَجَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محاصِر أهل الطائف بثلاثة وعشرين عبداً، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم الذين يقال لهم: العُتَقاء. وأبو بَكْرَة اسمه: نُفَيْع، كُنِّي بأبي بَكْرة لأنه نَزَل بُكْرَة النهار، وقيل: لأنه نَزَلَ بِبَكَرة.

(والحمْلُ يتبع أمه) ولا ينعكس حُكْمُه (في المِلْكِ) وهو تَمكُّن الشخص من التصرف فيه، (و) في (الرِّق) وهو الذي جعله الله تعالى جزاء الاستنكاف عن طاعة الحق، (وفي العِتقِ و) في (فروعه) أي فروع العتق وهي: الكتابة، وأمومية الولد، والتَّدبير، لأن الحَمْل وإن كان مخلوقاً من ماء أمه وأبيه، لقوله تعالى: {مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يخرُجُ مِنْ بينِ الصُّلْبِ والتَّرَائبِ} إلا أنَّ كون هذه أُمَّهُ يقيني في الجملة، دون كون هذا أباه. ومن هنا لمَّا سمع عبد الله بن سلام قوله تعالى: {الذين آتَيْنَاهُمْ الكِتَابَ يعرفونَه كما يعرِفُونَ أبناءَهُم} قال: «لَمَعرِفتي بمحمد صلى الله عليه وسلم أشد من معرفتي بابني. قال عمر: كيف ذلك، فقال: أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حق من الله تعالى، وقد نَعَتَه في كتابنا، ولا أدري ما تصنع النساء، فقال عمر: وفقك الله فقد صدقت».
ولهذا المعنى يثبت نسب ولد الزنا والملاعنة من أمُه دون أبيه، فكان ماء الأم أولى بالاعتبار. ومذهب الشافعي أن المُدَبَّرة إذا ولدت من نكاح أو زنا لا يصير ولدها مدبّراً، وإن الحامِلَ إذا دُبِّرت صار ولدها مدبَّراً. وعن أحمد وجابر بن زيد، وعطاء: لا يتبعها ولدها في التدبير، حتى لا يُعتَق بموت سيدها. واعتبروه بالتعليق بدخول الدار، وللجمهور القياس على تبعيته لأم الولد.

(
إلا أنَّ وَلَدَ الأمة من مَوْلاهَا حرٌ) لأنه مخلوق من مِائِهِ فيعتِقُ عليه، ولا يعارضها ماء الأمة، لأن ماءَها مملوك له، بخلاف أمَة الغير، لأن ماءَها مملوك لسيدها، فتحققت المعارضة فرجحنا جانبها بما تقدم. والزوج قد رضي بِرِقِّ ولدها حيث أقدم على نكاح الأمة بعلمه به، بخلاف ولد المَغْرور، لأن الوالد لم يرض به. ولو تزوج هاشمي أَمة فأتت بولد فهو رقيق تبعاً لأُمه، هاشمي تبعاً لأبيه، لأن النسب للتعريف، وحال الرجال مكشوفة دون النساء.

فصلٌ في عِتقِ البعضِ وغَيْرِه
(
إن أعتَقَ) مولى (بعض عبده) سواء عيّن ذلك البعض بأن قال: رُبُعُك حر، أو أبهمه بأن قال: بعضُك حر (صَحَّ) عند أبي حنيفة، ولَزِم المولى تفسير المبهم بأنه: نِصفه، أو ثُلثه، أو نحوه (وسَعَى) العبدُ لمولاه (فيما بقي) لأن ماليةَ بعضه احتُبِست عنده، فيسعى لفكِ رقبتِهِ. والاستسعاء: أن يؤاجره ويأخذ قيمة ما بقي من أُجرتِه، (وهو كالمكاتب) في أنه لا يجوز بيعه ولا هبته. ويخرج إلى العِتق بسعايته، إلا أنه (بِلا ردّ إلى الرِّق لو عَجَزَ).
(
وقالا:) إن أعتق بعضَ عبده (عَتَقَ كُلهُ) ولا يستسعيه، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وقَتادة، والثوري، والشَّعبي. وعلى هذا الخلاف تدبيرُ البعض، لأنه نوع من الإعتاق.
لهم أن مُوجبَ الإعتاق إزالة الرِّق، وهو لا يتجزأُ باتفاق، وكذا إزالته فصار كالطلاق، والاستيلاد، والعفو عن القصاص.
ولأبي حنيفة وهو قول الحسن البصري، والمَرْوي عن علي: أن موجب الإعتاق إزالة المِلك، والمِلك يتجزأ ثبوتاً كشراء نصف عبد، وزوالاً كبيعه. وأما نفس الإعتاق فلا يتجزأ بالاتفاق.
(
ولو أعتَقَ شريكٌ حَظَّهُ) أي نصيبَه (أعتق الآخر) حظه إن شاء لقيام مِلْكه (أو اسْتَسْعاه) أي العبد، لاحتباس ماليته عنده أو دَبَّره، لأن التدبير نوعُ عتِقٍ، أو كاتبه، لأن الكتابة استسعاء. (أو ضَمِنَ المُعتِق) حال كونه موسراً (قِيْمة حَظِّه) أي حظ الآخر يوم العتق، لأنه جنى على نصيبه بما مَنَعَه من التصرف فيه، بما عدا الإعتاقَ وتوابعه (لا معسِراً) أي لا يضمن المعتِق حال كونه معسراً، بل إن شاء الآخر أعتق لبقاء ملكه، وإن شاء استسعى لاحتباس ماليته عند العبد، وله ولاء نصيبه لوجود عتقِهِ من جهته. ويعتبر اليَسَار يوم الإعتاق، وهو: أن يملِكَ قيمة نصيب الآخر خارجاً عن المشغول بحاجته الأصلية.

(والوَلاءُ لهما) أي للمعتِقِ وللآخر (إن أعتَقَ) الآخر (أو استسعى) لصدور العتق من جهتهما (وللمعتِق) وحده (إن ضَمِنَهُ) الآخر لصدور العتق كله من جهته، لأنه ملك نصيب الآخر بأداء ضَمَانِه (ورَجَعَ) المعتِقُ (به) أي بما ضمنه (على العبد) لقيامه بأداء الضمان مَقَام الآخر، وقد كان للآخر الاستسعاء (وقالا: له) أي للآخر (ضمانه) أي تضمين المعتِق حال كونه (غنياً) (من غير رجوع على العبد) (والسَّعاية) حال كونه (فقيراً فقط) (أي وليس له السعاية حال كونه غنياً) (والوَلاءُ للمعتِقِ في الوجهين) لحصول عتق العبد كله من جهته.

ومبنى هذا الخلاف على أصلين:
أحدهما: أن الحرية تثبت في الكل بعتق بعضه عندهما، ولا تثبت عنده وقد بيناه فيما قدمنا.
وثانيهما: أن يَسَار المعتِقِ لا يمنعُ السِّعاية عند أبي حنيفة، ويمنعها عندهما، لما روى أصحاب الكتب الستة من حديث سعيد بن أبي عَرُوْبة، عن قَتَادة، عن النَّضْر بن أنس، عن بشِير بن نَهِيكٍ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أعتق شِقْصاً له في عبدٍ، فَخَلاصُهُ في ماله إنْ كَانَ لَهُ مالٌ، فإن لم يَكُنْ لَهُ مالٌ اسْتُسعِيَ العبدُ غيرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ». ووجه الدلالة أنه قِسْم، والقِسْمَةُ تنافي الشركة في الإعتاق.
ولأبي حنيفة: أن ماليةَ نصيبِهِ احتُبِست عند العبد، فله أن يُضَمِّنَه، غير أنَّ العبد فقير فيسعى.
(
ومن مَلَك ابنه مع) مالك (آخر) بشراءٍ، أو هِبة، أو صدقة، أو وصية، أو إرث. وصورته: أن تموت امرأة ولها عبد، وهو ابن زوجها ويرثها أخوها وزوجها (عَتَقَ حصته) أي زال مِلْكه عنها (ولم يضمن) لشريكه سواءٌ علم الشريك أنه ابنه أو لم يعلم، لأن هذا ضمان إفساد في ظاهر الرواية، فيدار الحكم على سببه.

(وقالا: ضمن) الأب حال كونه (غنياً) وسعى الابن حال كونه فقيراً (إلا في الإرث) فإن الأب لا يضمن باتفاقهم (وإن قال لعبدَيْه) في صحته: (أحدكما حُر، فخرج واحدٌ) منهما (ودخل ثالث فأعاد) أي كرره وقال: أحدكما حُر (ومات) المَوْلى (بلا بيان) لمراده (عَتَقَ ممن ثَبَتَ) وأُعيد عليه القول (ثَلاثةُ أربَاعِه، ومن كل من غيره) وهو الذي خرج والذي دخل (نِصفُه) لأن الإيجاب الأول دائرٌ بين الخارج والثابت، فيتنصَّفُ بينهما، والإيجاب الثاني دائرٌ بين الثابت والداخل، فيتنصَّف بينهما، لكنَّ النصفَ الذي أصاب الثابت شائع فيه، فما أصاب النصف الذي عَتَق بالإيجاب الأول لغا، وما أصاب النصف الفارغ وهو الربع بقي، فيعتِق ثلاثة أرباعه ونصف كل من الداخل والخارج.
(
وعند محمد عَتَق رُبْع مَنْ دخل) لأن الإيجاب الثاني لما أَوْجب عِتْقَ الرُبْع من الثابت أوجبه من الداخل، لأنه متنصّف بينهما.
وأجيب بأن في الثابت مانعاً من عتق النصف بالإيجاب الثاني، ولا مانع في الداخل.
والحاصل: أنَّ الثابت يَعْتِق منه ثلاثة أرباعه باتفاق، والخارج يعتق منه نصفه باتفاق ، والداخل يعتق منه نصفه عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ورُبْعه عند محمد.

(
وإن قال) ذلك (في مرضِهِ) ومات بلا بيان (ولم يُجِزْ وارثٌ) ولا مال سوى العبيد الثلاثة وقيمتهم متساوية (جعل كل عبد سبعة) من الأسهم متساوية عند أبي حنيفة وأبي يوسف، كسهام العتق عندهما ليصيرَ المجموع أحداً وعشرين، فيستقيم الثُّلث والثُّلثانْ لأن العِتقَ في المرض وصية وهي من الثلث (وعَتَق ممن ثبت ثلاثة) أسهم (ومن كلٍ مِنْ غيره سَهمان، وعند محمد جُعل كل) من العبد (ستة) كسهام العتق عنده، ليصير المجموع ثمانية عشر فيستقيم الثلث والثلثان (وعَتَق ممن خرج سهمان، وممن ثبت ثلاثة، وممن دخل سَهمٌ وسعى كل) من الثابت وغيره في كل من مسألتي الصحة والمرض (في الباقي) منه باتفاق.

ولو أعتق عبيده الثلاثة في مرض موته وليس له مال غيرهم عتق من كل منهم ثلثه، وسعى في ثلثيه من قيمته للورثة إذا لم يجيزوه، لأنهم لما اشتركوا في سببه بإيقاعه عليهم، لم يَجُز حِرْمَان بعضهم، بل يُوزَّع بينهم بالسوية ولا يُقرع بينهم عندنا كما قال مالك والشافعي. واحتجا بحديث عِمران بن حُصَيْن: «أن رجلاً أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجزَّأهم أثلاثاً، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرقّ أربعة». رواه الجماعة إلا البخاري. وهذا الحديث صحيح لكن علماءنا لم يقبلوه لانقطاعه باطناً. وقد عُلم أنَّ ما صح سنده جاز أن يضعَّف بعلة قادحة. ومن العِلَلِ: مخالفة الكتاب والسنة المشهورة، وكذا مخالفة العادة القاضية بخلافه.
قالوا: فهذا الحديث يخالف نص القرآن بتحريم الميسر، فإنه من جنسه، لأن حاصله تعليق المِلك أو الاستحقاق بالحظر، والقُرْعة من هذا القبيل، لأنها توجب استحقاق العِتق إن ظهر كذا، وعدمه إن ظهر كذا. وأما قضاء العادة بخلافه، فإنها قاضية بنفي أن واحداً يملِكُ ستة أعبدٍ ولا يملك غيرهم من درهم، ولا ثوب، ولا فَلْس، ولا دابة، ولا دار يسكنها، ولا شيء قليل ولا كثير.
فوجب رَدُّ هذه الرواية لهذه العلة الباطنة، ولذا أجمع على عدم الإقراع عند تعارض البينتين ليعمل بأحدهما، وعلى عدمِهِ أيضاً عند الخبرين. ونحن لا ننفي شرعية القُرعة في الجملة، بل نثبتها شرعاً لتطييب الفؤاد، ودفع الضغائن والأحقاد، ودفع التنازع المنجر إلى الفساد فيما بين العباد.
كما أقرع صلى الله عليه وسلم بين نسائه ليسافر بمن خرجت قُرعتها نفياً لاتهام تخصيص بَعْضِهنَّ على بعض.

والحاصل: أنها إنما تستعمل في المواضع التي يجوز تركها فيها، فإما أن يتعرف بها الاستحقاق بعد اشتراكهم في سببه (فأولى منه ظاهر التوزيع، لأن القرعة قد تؤدي إلى حِرْمان المستَحِقّ بالكلية) فإن العتق إذا كان شائعاً فيهم، يقع في كل منهم منه شيء، فإذا جمع الكل في واحد فقد حُرِم الآخر بَعْضَ حقّه. هذا زبدة كلام بعض المحققين، والله تعالى أعلم بحقائق اليقين.
(
والوطءُ والموتُ بيانٌ في طلاقٍ مُبهَمٍ) كما إذا قال الرجل لامرأتيه: إذا جاء غد فإحداكما طالق، فوطء إحداهما أو ماتت، ثم جاء الغد، فإن غير الموطؤة وغير الميتة تتعين للطلاق. أما كون الوطء بياناً في الطلاق المبهم، فلما سيأتي. وأما كون الموت بياناً فيه، فلأن الميتة لم تبق بالموت محلاً للطلاق، فتتعين الأخرى له.
(
كبيع) أي كما يكون البيان ببيع صحيح، أو فاسد مع القبض، أو بشرط الخيار (وموت، وتدبير، واستيلاد، وهِبَة، وصدقة مُسَلَّمَتَين) أي مقبوضتين (في عتقٍ مُبهمٍ) حتى لو قال لأَمتيه: إِحداكما حرة، أو قال: إذا جاء غد فإحداكما حرة، ثم حَصَلَ في إحداهما واحد من هذه الأشياء، فإن التي لم يحصل فيها ذلك تتعين للعتق. أما الموت فلأنه أخرج محله عن أن يكون محلاً للعِتق، فتتَعين الأخرى له. وأما البيع وباقي التصرفات فلأن نفاذها يستلزم قيام مِلك اليمين، فصار كما لو صرح بأنها المملوكة (دون وطء فيه) أي ليس الوطء في العتق المبهم بياناً، وهذا عند أبي حنيفة، وبه قال أحمد.
وقال أبو يوسف ومحمد: يكون بياناً في العتق المبهم، كالطلاق، وبه قال الشافعي ومالك في رواية.

(والشهادة) على أحد (بالعتق المبهم) أي بأنه أَعتق أَحدَ عبديه أو أَمتيه في صحته (باطلة) أي مردودة وهذا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: مقبولة، وبه قال مالك والشافعي وأحمد. قيّد بالعِتق المبهم، لأن الشهادة بالعتق المعين مقبولة باتفاق. وقيدنا المبهم بكونه في الصحة، لأنه لو شهد أنه أعتق أحد عبديه في مرض موته يقبل استحساناً، لأن العِتق في مرض الموت وصية، ولأن عتق المبهم في المرض يشيع فيهما بالموت حتى يعتق من كل واحد منهما نصفه، فيكون كل واحد خصماً (لا الطلاق المبهم) أي لا يبطل الشهادة على رجل بأنه طلق إحدى نسائه، بل يُجبر على تعيين إحداهن باتفاق. والله أعلم.

فصلٌ في الحَلِفِ بالعِتْقِ وبِهِ على مَالٍ
(
ويَعتِقُ بـ:إنْ دَخَلْتُ الدارَ) ونحوه (فكُلُ عَبدٍ لي يومئذٍ حرٌ، مَنْ) تعين هو (له حين دَخَل) الدار ولو ليلاً سواء (ملكه وقت الحَلِفِ أوْ لا) كما تَطلُق: بِـ:إنْ دخلتُ الدار، فكل امرأة لي حينئذٍ طالق، مَنْ هي امرأته حين دخل الدار، سواء كانت امرأته وقت الحَلِفِ أوْ لا. وهو قول مالك ورواية عن أحمد في العتق دون الطلاق، لأن الشرع مُتشوِّفٌ للعتق، ولذا حرَّض عليه دون الطلاق، فإِنَّه مبغوض له.
ولنا أن المعتبر قيامُ المِلك وقت الدخول، لأن معنى «يومئذ» يوم إذ دخلت الدار، فحذف منه (الفعل وعوض منه) التنوين. (وبلا يومئذ) بِأن قال: إن دخلتُ الدار فكل عبد لي أو أملِكه حر، يعتق (مَنْ) هو (له وقتَ حَلِفِهِ فقط) أي، ولا يعتق من هو له بعد الحَلِفِ، لأن قوله: أملِكه للحال، وكذا كل مملوك لي، لأن اللام للاختصاص، وهو مملوك له في الحال. وإلا لكان هو وغيره سواء، فيكون الجَزَاء عِتق مَنْ هو في مِلكِه في الحال، إلا أنه لما دخل الشَّرطُ عليه تأَخَّر إلى وجود الشرط.

(لا الحمل) أي لا يعتق حمل الأمة الذَّكر (بكل مملوك لي ذكرٌ حرٌ) سَواء ولد لستة أشهر من وقت القول أو لأقل منها. قيد بالذَّكر لأن المالك لو لم يَذْكُره تعتِق الأم، فيعتِقُ الولد تبعاً لها (ومَنْ أُعتِقَ) بصيغة المفعول (على مال) مثل أن يقولَ سيدٌ لعبده: أنت حر على ألف (أو) أُعتَقَ (به) أي بمال، مثل أن يقولَ: أنت حرٌ بأَلف (فَقَبِلَ) العبد (عَتَقَ) ولزمه المال، لأن هذا معاوضة، فيثبت حكمها بالقَبُول للحال، كما في البيع والنِّكاح (والمال دَيْن عليه) يصح به الكفالة، لأنه يسعى فيه وهو حر، بخلاف بدل الكِتَابة، حيث لا تصح به الكفالة، لأنه يسعى فيه وهو عبدٌ والمَوْلى لا يستوجب على عبده دَيناً.
(
والمُعلَّقُ عِتقُه بالأداء) بأن قال له سيده: إن أدَّيت إليّ كذا، فأنت حرٌ (مأذون) له في التجارة، لأنه لا يتمكن من الأداء إلا بالاكتساب، وهو: إما بالشَّحذ أو بالتجارة، ويمتنع أن يراد الشِّحَاذَة والتكَدِّي للخَسَاسة، فيتعين التجارة للنفاسة (إن أدى عَتَقَ) لوجود الشرط.
(
لا مكاتَبٌ) أي ليس المعلق عِتقُه بالأداءِ مكاتباً، ولهذا لو مات وترك وفاءً، كان المالُ لمولاه ولا يؤدَّى عنه. ولو مات المولى فالعبدُ رقيقٌ يُورَث عنه مع ما في يده من أكسابه. ولو كانت أمةً فولدت ثم أدت لم يَعتِق ولدها. ولو حطّ المال أو أبرأ المَولى لم يعتق. ولو كان مكاتباً لكان الحكم على العكس. واعلم أنه لا يقتصر في قوله «إذا أديت» على المجلس، لأن «إذا» تستعمل للوقت بمنزلة «متى» ويقتصر عليه في قوله: إن أديت، في ظاهر الرواية.

(
وفي أنت حرٌ بعد موتي بألفٍ) أو على ألف (إن قَبِلَ) العبدُ (بعد موتِهِ) أي موت مولاه (وأعتقه الوارث) أو الوصي، أو القاضي (عَتَقَ وإلا لا) أي وإن لم يقبل العبدُ بعد موت مولاه، بل قَبِل قَبْله، أو قَبِلَ بعده ولم يُعتِقه الوارث، ولا الوصي، ولا القاضي: لم يعتق.

(وإن حرره) مولاه (على خدمَتِهِ) أي على أن يخدُمَه (سنةً) مثل أن يقول: أنتَ حرٌ على أن تخدُمني سنة، فقبل (عَتَقَ) لأن هذا عِتقٌ على عِوضٍ، والعِتقُ على عوض يقع بالقَبُول قبل الأداء (ويخدُمُه سنةً) قيده بعلى، لأنه لو قال: إن خدمُتني سنةً، لا يعتِق إلا بعد خِدمة سنة، حتى لو خَدَمه أقل منها أو أعطاه مالاً عن خِدْمته لا يعتق. وكذا لو قال: إن خدمتني وأولادي سنة، فمات بعضُ أولاده لا يعتِقُ. والفرقُ أنّ كلمة «إن» للتعليق، و«على» للمعاوضة.
(
فإنْ مات) مَوْلاه، أو مات هو (قَبْلها) أي قبل الخِدْمة (يجب قيمته) عند أبي حنيفة وأبي يوسف (وعند محمد:) يجبُ (قِيمة خدمتِهِ).

فصل في التَّدْبيرِ والاستيلاد
(
مَنْ أُعتِقَ) بصيغة المجهول، و«مَنْ» نَكِرَة مَوْصُوفة مبتدأ (بعد موتِهِ) أي موت سيده (مطلقاً) كإنْ قال له: أنت حرٌ بعد موتي (أو) مقيداً (إلى مُدةٍ غَلَبَ موتُه) أي موتُ سيده (قَبْلها) كإن مِتُّ إلى مِئَةِ سنة، فأنت حر، ومثل المَوْلى لا يعيش إليها غالباً (مُدَبَّر) خبر المبتدأ (لا يباعُ ولا يُوهبُ) ولا يخرج عن ملِك مولاه إلا إلى الحُرِّية. وبه قال مالك.
وقال الشافعي وأحمد وداود: يُباع عند الحاجة، وكذا يُوهب ويُتَصدَّق به. لما رواه الشيخان من حديث عمرو بن دينار عن جابر: أن رجلاً من الأنصار أعتق غلاماً له عن دُبُر ـ لم يكن له مالٌ غيره ـ فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: «مَن يشتريه مني؟»، فاشتراه نُعيم بن عبد الله بِثَمان مِئة درهم، فدفعها إليه. وأخرجه النسائي وقال فيه: وكان محتاجاً، كان عليه دين، فباعه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «اقض بها ديْنَك». ولحديث جابر هذا ألفاظٌ كثيرةٌ. وروى أبو حنيفة بسنده: أن النبي صلى الله عليه وسلم باع المُدبَّر.

ولنا أن قوله تعالى: {أوْفُوا بالعُقُودِ}، وما روى الدارقطني من حديث عَبيدة ابن حسان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «المدبَّر لا يُباع ولا يُوهب، وهو حر من ثُلُثِ المال». وقد رواه حمَّاد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر من قوله، وهو الصحيح لثقة حمَّاد وضَعْفِ عَبيدة.
والحاصل: أنه ضُعِّف رَفْعُه وصُحِّح وقفه، فعلى تقدير الرفع لا إشكال، وعلى تقدير الوقف فقول الصحابي حينئذٍ لا يعارضه النص البتة، لأنه واقعةُ حالٍ لا عموم لها، وإنما يعارضه أن لو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يباع المدبَّر. فإن قلنا بوجوبِ تقليدِهِ فظاهرٌ، وأما عند عدم تقليده يجب أن يحمل على السماع، لأن منْعَ بيعه مع بقاء الرِّق على خلاف القياس، فيحمل على السماع، فبطل ما قيل: حديث ابن عمر لا يصلح لمعارضة حديث جابر. وأما قول صاحب «الهداية» أن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «المدبَّر: لا يُباع، ولا يُوهب، ولا يُورث وهو حر من الثُلُثِ»، فقوله: «ولا يورث» غير معروف.
وأجيْبَ عن حديث جابر بجوابين:
أحدهما: أنه حكايةُ فِعْلٍ، فلا عموم له، فيكون مَحْمولاً على المُدبَّر المقيد، وهو يجوز بيعُه عندنا، إلا إنْ بيَّنُوا أنه كان مدبراً مطلقاً، وهم لا يقدرون على ذلك. وكونُه لم يكن له مال غيره ليس بعلة لجواز بيعه، لأن المذهب عندنا: أنه يسعى في قيمته، لما روى عبد الرزاق في «مصنفه» عن زياد الأعرج عن النبي صلى الله عليه وسلم في رجل أعتق عبده عند الموتِ وترك ديناً، وليس له مالٌ قال: «يُسْتَسْعى في قيمته». ثم روى عن علي نحوه سَواء. والمُرْسل يشده هذا الموقوف ويعضُدُه.

وثانيهما: أنه محمولٌ على بيع الخِدْمة والمنفعة دون الرقبة. لما روى الدارقطني عن عبد الغفار بن القاسم عن أبي جعفر قال: ذُكِرَ عنده أن عطاءً وطاوساً يقولان عن جابر في الذي أعتقه مولاه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أعتَقَه عن دُبُر، فأمره أن يبيع ويقضي دينه، فباعه بثمانِ مِئَةِ درهم. قال أبو جعفر: سمعت الحديث من جابر إنما أذِن في بيع خِدْمته. انتهى. قال الدارقطني: وأبو جعفر هذا وإن كان من الثقات إلا أنَّ حديثَه مرسل. والجواب عليه: أن المُرسل حجةٌ عند الجمهور، وهو كفاية في بيان المعنى اتفاقاً كما لا يخفى.
فإن قيل: عبد الغفار يُرْمى بالكذب وكان من غُلاةِ الشيعة. أُجيب بأن ابن القطان قال في كتابه: إنه مرسل صحيح، لأنه من رواية عبد الملك بن أبي سليمان العَرْزَمي عن أبي جعفر وهو ثقة.
(
و) المدبَّر (يُستخدَمُ ويُستأجَرُ والمُدبَّرة) زيادة على ذلك (تُوطأ) وقال الزهري ومالك في رواية: لا توطأ. وقال الأوزاعي: إن كان لا يطأها قبل التدبير لا يَطَأُها بعده (وتنكح) لأن مِلك المولى ثابت له، وبه تستفاد هذه التصرفات من غير إبطال حق العبد. وولد المُدبَّرة مدبَّر، على ذلك نُقِلَ إجماع الصحابة كذا في «الهداية».
(
وإن مات سيدُهُ) عَتَقَ (من ثُلثِ مالهِ) أي مالِ سيده من التَّرِكة يوم موته فإن كان الثُلُثُ مساوياً لقيمته أو أزيدَ منها، عَتَق المدبّرُ كله. وإن كان أنقصَ منها عتَقَ منه بَحسابِه، أي بقدر ثُلُث التَّرِكة مَجَّاناً (وسعى فيما زاد) أي على ما انعتق منه، وهو ما بقي من قيمتِهِ مدبراً. أما عتِقُ المدبَّرِ من الثُلُثِ فلحديث ابن عمر السابق. وأما سعيه فيما زاد على ما عتق منه، فلأن المدبر كالمُوصَى إليه، وهو لا يَسْلَم له شيء إلا إذا سَلِمَ للورثة ضِعْفُه.

(وإن استغرق المدبَّرُ دَينَه) أي دينَ مولاه (ففي كله) أي في جميع قيمته يسعى، لأن الدَّين مقدمٌ على التبرع، ولا يمكن نقضُ العِتق حقيقةً، فيجب نقضه معنىً بردِّ قيمته فيسعى في قيمته (وإن قال: إن مِتُّ في مرضي هذا) أو في سفري هذا، أو في هذا الشهر، أو في هذه السنة، أو إلى عشر سنين (صح بيعُه) وما يوجب انتقالَه عن ملك مولاه قبل وجود الشرط، لأن الموتَ على تلك الحالةِ لمّا لم يكن كائناً لا محالَةَ، لم ينعقد السبب للحال، فبقي كسائر التعليقات، (وإن وُجد الشرط) وهو موت المَوْلى على الوصف الذي ذكره لانعقاد السبب مآلاً (عَتَقَ) من الثُلُثِ (كالمدبَّرِ) اتفاقاً.

(
وأَمةٌ ولدتْ من سيدها) مبتدأ موصوف (فادَّعى) سيدُها ولدَها (أو من زوجٍ فَمَلَكَها) زوجها (أُمُّ ولده) خبر المبتدأ، وأم الولد يَصدُقُ لغةً على الزوجة وغيرها ممن لها ولد. وعرفاً يختص بالأَمة التي يثبتُ نسبُ ولدها من مولاها. وقال مالك والشافعي: لا تصير الأمة أم ولدٍ إذا مَلَكَها زوجُها بعد ما ولدت منه بِرِقَ (وحكمُها) عند الجمهور (كالمُدبَّرَة) فيما سبق.
وقال بِشر المَرِيسي وداود الأصفهاني: يجوز بيعُها ولا تعتِق بموت مولاها، لما روى أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث جابر: «بِعْنَا أمهات الأولاد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، فلما كان عمرُ نَهَانَا عن ذلك فانتهينا». وقال ربيعة بتعجيل عتقِها، لما روى ابن ماجه والحاكم في «مستدركه» ـ وسكت عنه ـ من حديث عكرمة عن ابن عباس قال: ذكرت أم إبراهيم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أعتَقَها ولَدُها». وقال ابن القطَّان في كتابه: وقد روي بإسناد جيد عن ابن عباس قال: لما ولدتْ ماريةُ إبراهيمَ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أعتَقَهَا وَلَدُها».

واستدل الجمهور بما روى أبو داود من حديث سَلاَمة بنت مَعْقِل امرأة من خارجة قيس غَيْلان قالت: قدم بي عمي في الجاهلية فباعني من الحُبَاب بن عمرو، فولدتُ له عبد الرحمن، ثم هلك فقالت امرأته: والله الآن تباعين في دَينهِ، فأتيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مَنْ وَلِيُّ الحُبَاب؟» فقيل: أخوه أبو اليَسَر كعب بن عمرو، فبعث إليه فقال: «أعتقوها فإذا سَمِعْتم برقيقٍ قَدِمَ عليَّ، فأتوني أُعَوِّضكم». قالت: فأعتقوني، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رقيق، فعوضهم غلاماً. وبما روى مالك في «الموطأ» عن عمر أنه قال: «أيُّما وَلِيْدةٍ وَلَدَتْ من سيدها فإنه لا يبيعها، ولا يهبُها، ويستمتع بها ما عاش، فإذا مات فهي حرة».
وبما رواه ابن ماجه عن ابن عباسٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيُّما أمةٍ وَلَدَتْ من سيِّدها فهي حرةٌ بعد موته». ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يُخرِّجاه. وفي رواية أبي يَعلى المَوْصِلي: «أيُّما أمةٍ وَلَدَتْ من سيدها، فإنها حرة إذا مات، إلا أن يَعْتِقَها قبل موته». وروى الدارقطني عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع أمهاتِ الأولاد وقال: «لا يُبعْنَ، ولا يُوهبنَ، ولا يُورثْنَ، يستمتع بها سيدُها ما دام حياً، فإذا مات فهي حرة».

وأجابوا عن حديث أم إبراهيم بأنَّ ظاهِرَه تَنُجِيْزُ الحرية، وهو خلاف الإجماع، فيثبت به حق الحُرية إعمالاً للحديث بقدر الإمكان. قال الخطابي: وقد ثبت أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّا مَعَاشِرَ الأنبياءِ لا نُورَثُ، ما تركْنَاه صدقة».

ولو جَاز بيعُ أم الولد لَبِيْعت مارية وصار ثمنُها صدقةً. انتهى. وعن حديث جابر بأنه يحتمل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَشْعُرْ ببيعهم إيَّاها، ولا يكون حجةً إلا إذا عَلِمَ به وأقرهم عليه، ويُحتمل أن يكون ذلك أول الأمر، ثم نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعلم به أبو بكر لقصرِ مُدة خلافتِهِ، واشتغاله بأُمور المسلمين من حرب مُسَيْلِمة وأهل الرِّدَّة، ثم نهى عنه عمر لمَّا بلغه نهيُ النبي صلى الله عليه وسلم عنه. كما قيل في حديث جابر في المتعة الذي رواه «مسلم»: كنا نستمتع بالقبضة من التمرة والدقيق الأيامَ على عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر حتى نهانا عنه عمر.
ومما يدل على انعقاد الإجماع على عدم بيعهن في أيام عمر ما رواه عبد الرزاق في «مصنفه»: أخبرنا مَعْمَرُ، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عَبيدة السَّلْماني قال: سمعت علياً يقول: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أنْ لا يُبَعْن، ثم رأيت بعد أن يُبَعْنَ. قال: فقلت له: رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إليَّ من رأيك وحدَك في الفرْقة، قال: فضحك عليٌ كرم الله وجهه.
(
إلا أنها) أي أم الولد (تعتِق عند موته) أي موت سيدها (من كل مالِهِ ولم تَسع لديْنِهِ) لما قدمنا من إطلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «أعتَقَهَا ولدُها»، وقوله: «فإنها حرة بعد موته» (ولا يثبت نَسَبَ الولد) من سيِّدها المعتَرِفِ بوطئها (إلا بِدِعوة) بكسر الدال على ما هو المشهور، أي بدعوى أن ولدها منه. وبه قال الثوري، والشَّعْبي، والحسن البصري. وقال مالك والشافعي وأحمد: يثبت نَسَبه إذا أقر بوطئها وإن عَزَلَ عنها، إلا أن يدَّعِي أنه استبْرَأَهَا بعد الوطء بحيضة، لأنه لما ثَبَتَ النسب بعقد النكاح فَلأَن يثبت بالوطء وهو أكثر إفضاءً أولى.

ولنا ما روى الطحاوي عن ابن عباس : أنه كان يأتي جارية، فحملت فقال: ليس مني، إني أتيتها إتياناً لا أريد به الولد ـ يعني كان يعزِل عنها ـ وعن زيد بن ثابت: أنه كان يطأ جاريةً فارسيةً ويعزل عنها، فجاءت بولد، فأعتق الولد وجلدها. وعنه: أنه قال لها: مِمَّن حملتِ؟ قالت: منك، قال: كذبتِ ما وصل إليك ما يكون منه الحمل، ولم يلتزمه زيد مع اعترافه بوطئها.

(
ثم) إن جاءت بولدٍ بعد الاعتراف بالأوّل يثبتُ نَسَبهُ (بلا دِعوة) لأنه لما ادَّعى الأولَ تعين الولد مقصوداً فيها، فصارت فِراشاً له، كالمقصود عليها بالنكاح، ولهذا لو أعتقها، أو مات عنها، يلزمها العِدَّة (لكن ينتفي الولدُ بالنفي) أي بمجرد نفيه بلا لِعَان، لأن فراشها ليس بقوي، ولهذا يَملِكُ المَوْلى نقله بالتزويج، بخلاف المنكوحة حيث لا ينتفي ولدها إلا باللعان لتأكد فراشها، ولذا لا يملك الزوج نقلها بالتزويج. وفي «المبسوط»: إنما يملكُ السيد نفيَه إذا لم يقض القاضي، أو لم يتطاول الزمان، لأن قضاء القاضي مُلزم، وتطاول الزمان دليل الاعتراف.
واعلم أن هذا كلَّه في القضاء، وأما في الدِّيَانة فإن كان وطِئَها وحصَّنَها، أي حِفظَها عما يوجب رِيْبة الزنا ولم يعزِل عنها لَزِمَه أن يعترِفَ به ويدَّعيه، لأن الظاهرَ أنَّ الولدَ منه. وإن عَزَلَ عنها أو لم يحصنها جاز له أن ينفيه، لأن هذا الظاهر عارَضَهُ ظاهرٌ آخر.
وعن أبي يوسف: لو وطِئها ولم يستبرئها بعد ذلك، فجاءت بولد، فعليه أن يدَّعيَه، سواءٌ عَزَلَ عنها أو لم يعزل، حصنها أو لم يحصن، تحسيناً للظن بها، وحملاً لأمْرِها على الصلاح ما لم يتبين خلافه.

وعن محمد: لا ينبغي أن يدَّعي ولدها إذا لم يعلم أنه منه، ولكنه ينبغى أن يعتِق الولد ويستمتع بها، ويعتِقها بعد موته، لأن استلحاقَ ما ليس منه حرامٌ شرعاً، فَيحْتاط من الجانبين. وقد ذكر صاحب «الإيضاح» هاتين الروايتين بلفظ الاستحباب، فقال: قال أبو يوسف: أحبُّ إليَّ أن يدَّعيَه. وقال زفر: أحبُّ إليَّ أن يعتق الولدَ. قلت: وهذا هو الأحوط في هذا الباب، والله أعلم بالصواب.
ولو ادّعى ولدَ أمةٍ مُشْتَرَكةٍ، ثبت نَسَبُه منه، وصارت كلُّها أُمَّ ولد له، ولزمه نصف قيمته لشريكه يوم العُلُوق، موسِراً كان أو معسراً، ويضمن نِصف عُقْرها، لوقوع الوطء في نصيبِ شريكِهِ في غير المِلْك، إذ الملك يثبت حكماً للاستيلاد في نصيبه فيعقّب، ولا يضمن قيمة الولد، لأنه عَلِقَ (حُرَّ الأصل)، إذ النَّسَب يثبت مستنداً إلى وقت العُلُوق، والضمان وجب حين العُلوق، فيحدث الولد حرّ الأصل على ملكه ولم يَعْلَق شيء منه على ملك شريكه.
وإن ادَّعيا معاً ثبت نسبه منهما، وصارت أمَّ ولدهما، وتقاصَّا في عُقْرها لعدم الفائدة في أخذ كل منهما ثم ردّه إلى الآخر، إلا أن يكونَ نصيبُ أحدهما أكثر، فيأخذ الزائد. وورث الولدُ من كل منهما إرث ابن مُؤاخذة لهما بزعمهما، وورثا منه إرث أب واحد، لأن أباه إنما هو أحدهما، لكنه غير معلوم، فوزِّع ميراثُ الأب عليهما.

ولو مات أحدهما كان ميراثُه للباقي منهما، ولا يعتبرُ عندنا قول القائفِ في إلحاقِهِ بأحدهما.

واعتبره مالك والشافعي ومَنَعَا ثبوت النسب من اثنين، لأن ثبوتَ نسب مولود من الولد بكونه مخلوقاً من مائه، ونحن نتيقن أنه غير مخلوق من ماء رجلين، لأن كلَّ واحدٍ منهما أصل للولد، كالأم بمنزلة البيضِ للفَرْخ، والحبِّ للحنطة، فكما لا يُتصور فرخٌ واحد من بيضتين، وسنبلةٌ واحدةٌ من حبتين، فكذلك لا يُتصور ولد واحد ماءين، وهذا لأن وصول الماءين إلى الرحم في وقت واحد لا يُتصور، وإذا وصل ماءُ أحدهما إليه ينسدُ فمه، فلا يخلط إليه الثاني.
فإذا تعذر القضاء بالنَّسب منهما جميعاً، يُرجع إلى قول القائف. لما روت عائشة دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم مسروراً فقال: «يا عائشة ألم تَرَي أن مُجَزِّراً المُدْلِجِيَّ دخل وعندي أسامة بن زيد، فرأى أسامةَ وزيداً وعليهما قَطِيفةٌ وقد غطَّيا رؤوسهما، وبَدَتْ أقدَامُهُما، فقال: هذه أقدامٌ بعضُها من بعض». أخرجه الستة في كتبهم. قال أبو داود: وكان أُسامة أسود، وكان زيدٌ أبيض. وروى عبد الرزاق بسنده: أنَّ رجلين اختصما في ولد، فدعا عمر القافة، وافتدى في ذلك ببصيرة القافة وألحقه بأَحَد الرجلين.

ولنا ما رواه البيهقي عن مبارك بن فَضَالة، عن الحسن، عن عمر: في رجلين وطِئا جارية في طهر واحد، فجاءت بغلام فُرُفِعَا إلى عمر، فدعا له بثلاثة من القافة، فاجتمعوا على أنه أخذ الشَّبَه منهما جميعاً، وكان عمر قائفاً، فقال: قد كانت الكلبة يتردّد عليها الأَسود، والأَصفر، والأَغرّ، فتؤدي إلى كل كلب شَبَهه، ولم أكن أرى هذا في الناس، حتى رأيت هذا، فجعله عمر لهما يرثهما ويرثانِه، وهو للباقي منهما. وروى الطحاوي في «آثاره» عن سِمَاك ـ مولىً لآل مخزوم ـ قال: وقع رجلان على جارية في طُهر واحد، فَعَلِقت الجارية، فلم يُدر من أيهما هو، فأتيا علياً رضي الله عنه، فقال: هو بينكما يرثكما وترثانِه، وهو للباقي منكما. ورواه عبد الرزاق: أخبرنا سفيان الثوري، عن قابوس بن أبي ظَبْيان عن علي نحوه.

فصل في الوَلاءِ
وهو بفتح الواو والمد مشتقٌ من الوِلاَيَةِ وهو المقاربة.
وفي الشرع: عبارة عن عَصَبةٍ مُتَرَاخية عن عُصوبةِ النَّسبِ، يرث بها المُعتِق، ويلي أمر النكاح، والصلاة عليه، وهو نوعان: وَلاءُ عَتَاقةٍ، ويُسمّى ولاءَ نِعمة، قال الله تعالى: {وإذ تقولُ للذِي أنْعَمَ ا عليه} (أي بالإسلام {وأنعمت عليه} أي بالعتق وهو زيد بن حَارِثة. وولاء الموالاة، قال الله تعالى: {والذين عَقَدَتْ أيمانُكُم فآتُوهُم نَصِيْبَهُم}، سنذكر بيان مَوْلى المُوالاة. وإنما ذَكَرَ المصنفُ ولاء العَتَاقة فقط، لأنه أكثر وأقوى فقال:
(
من عَتَقَ) أي حصل له عِتقٌ وخلاصٌ من رِقَ (بإعتاق، أو بفَرْعٍ له) أي الإعتاق، كالكتابة والتَّدْبير والاستيلاد (أو بمِلْك قريبه إياه، فَوَلاؤُه لسيده) ذكراً كان أو أنثى، مفرداً أو غيره.

(وإن شَرَطَ عدمه) أي نفى ولاية لسيده. لما روى أصحاب الكتب الستة من حديث عائشة: أنها لما اشترت بَرِيْرَة اشترط أهلها أن يكون ولاؤها لهم، فسألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أعتقيها، فإنما الوَلاءُ لمن أعتَقَ» وهو بعمومه يتناول جميع أفراده.
وما رواه الشافعي في «مسنده» عن محمد بن الحسن، عن أبي يوسف القاضي ـ يعقوب بن إبراهيم ـ عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الوَلاءُ لُحْمَةٌ كلُحْمة النَّسَب، لا يُباع ولا يُوهب». وله طرق أُخر، منها: ما رواه الطبراني عن عبد الله بن أبي أَوْفَى. ومنها: ما رواه الحاكم في «مستدركه»، والبيهقي عن ابن عمر. وفي رواية أحمد والطبراني عن ابن عباس: «الولاء لمن أعتَقَ»، وفي رواية الشيخين، والثلاثة عن عائشة: «الولاء لمن أعطى الوَرِقَ، ووَلِيَ النِّعمة».
(
ومن أعتَقَ أَمَةً زوجها قِنٌّ) فولدت لأقل من نِصف حَوْل من وقت الإعتاق، أو لأكثر منه (فله) أي للمعتِقِ (ولاءُ الولد) لأن أباه قِنٌّ لا ولاء له، وقد دخل هو مع الأم في عتقها لاتصاله بها حين العتق أو بعده، فيتبعها في الوَلاءِ إلا أنَّ ولاءها لا ينتقل في الأقل من نِصف الحَوْل أبداً، لأنا تيقنا بوجود الولد وقت العتق، فلا ينتقل ولاؤه عن مولى الأم.
(
فإن أُعتِقَ) القِنُّ بعد الأُمِّ (جَرّ) القِنُّ (ولاء ابنه إلى قومه) أي مواليه (إن كان بين إعتاق الأم وولادتها أكثرُ من نِصف حَوْل) لأنه وقت الإعتاق لم يتيقن به، فلم يعتق قصداً بل تبعاً، بخلاف الأول. وهذا إذا لم تكن معتدة، لأنها لو كانت معتدةً وولدتْ لأكثر من ستة أشهر من وقت العتق، ولأقل من سنتين من وقت الفِرَاق، لا ينتقل ولاؤه، لأنه كان موجوداً عند عتق الأم، ولهذا ثبت نَسَبُه.

فقد روى مالك في «الموطأ» عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: أن الزبير بن العَوَّام اشترى عبداً فأعتقه وللعبد بَنُوَن من امرأة حُرَّة، فقال الزبير: هم مَوَاليَّ، وقال موالي أُمِّهم: هم موالينا، فاختصموا إلى عثمان بن عفان، فقضى للزبير بولائهم. وهذا لأن الولاء لُحْمَةٌ كلُحمةِ النسب، وهو إلى الآباء. وكما أن النسب يكون للأُمِّ عند الضرورة ثم ينتقل عنها إلى الأب كولد الملاعنة يُنسب إلى أُمه، ثم إذا أكذب الأب نفسه انتقل عنها إلى أبيه، فكذلك الوَلاء يكون لموالي الأم عند الضرورة، ثم ينتقل عنهم عند زوالها إلى موالي الأب.
(
والمُعتِقُ عَصَبَةٌ) بنفسه يأخذ ما بقي من أصحاب الفروض إن وُجِدوا، وجميعَ المال إذا فقدوا، لأنه أحيا العبد بالإعتَاقِ، فأشبه إحياءَ الأب بالوِلادة. (قدَّمَ) العصبة (النَّسَبية عليه) وهم: مَنْ لا فرض له، ولا يدخل في نسبته إلى الميت أُنثى (وهو) أي المعتِق قُدِّم (على ذي الرَّحِم) وفي بعض النُسخ: ذي الرَّحِمِ المَحْرَم، وهو من خطأ الناسخ. وإنما قدَّمَ المعتِقَ على ذي الرحم لما روى النسائي وابن ماجه من حديث
عبد الله بن شداد، عن ابنه حمزة بن عبد المطلب قال: مات مولىً لي وترك ابنة له، فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله بيني وبين ابنته، فجعل لي النصف ولها النصف.

وفي «مسند الدارمي» عن الحسن: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم برجل، فقال: إني اشتريت هذا فأَعْتِقه، فما ترى فيه؟ قال: «هو أخوك ومولاك (قال: ما ترى في صحبته؟ قال:) إن شكرك فهو خير له وشر لك، وإن كفرك فهو شر له وخير لك»، قال: فما ترى في ماله؟ قال: «إن مات ولم يَدَع وارثاً فتملك ماله». وفي رواية عبد الرزاق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن لم يكن له عَصَبةٌ فهو لك». وروى عبد الرزاق في «مصنفه» عن مَعْمَر، عن قَتادة: أن زيد بن ثابت كان يُورِّث الموالي دون ذوي الأرحام. وعمر وابن مسعود كانا يورثان ذوي الأرحام دون الموالي.
(
فإن مات السيدُ ثم المعتَقُ، فولاؤُه) أي إرثه (لأقرب عصبة سيده على الترتيب) الذي يُذكر في الفرائض، لقول عمر، وعلي، وابن مسعود، وأُبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبي مسعود الأنصاري، وأسامة بن زيد: الوَلاء للكُبْر. وبه أخذ علماؤنا. وكان شُريح يقول: الوَلاءُ بمنزلة الملك. وفي نُسخة بزيادة: المال. وفائدة هذا الاختلاف أن ميراث المعتَق (بالولاء بعد المعتِقِ) يكون لابن المعتِق دون بنته عندنا. وعند شريح بين الابن والبنت، للذكر مثل حظ الأُنثيين.

وهذا معنى قول الصحابة: الوَلاءُ للكُبْر، أي للقرب. وتفسيره: أن رجلاً لو أعتق عبداً ثم مات وترك ابنين، ثم مات أحدهما وترك ابناً، ثم مات، فميراثه لابن المعتِقِ لِصُلْبه دون ابن ابنه، لأن ابن المعتِقِ لِصُلبه أقرب إليه من ابن ابنه، ولهذا كان أحق بميراثه، فكذلك بالإرث لولائه.

(ولا ولاء للنساء إلا ما أعتقن) كما في الحديث في «شرح الوقاية» عبارة هذا الحديث: «ليس للنساء من الولاءِ إلا ما أعتقْنَ، أو أعتَقَ من أعتقن، أو كاتبن أو كاتب من كاتبن، أو دبَّرْن أو دبَّر من دبَّرن، أو جرَّ ولاء مُعتقِهنَّ». أو معتَقِ مُعتِقِهنَّ. انتهى. وهذا ليس بموجود في كتب الحديث، وإنما فيها ما روى البيهقي عن علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت: أنهم كانوا يجعلون الوَلاء للكُبْر من العصبة ولا يورِّثون النساء من الولاء إلا ما أعتَقْن أو أعتَقَ مَنْ أعتقن. وما روى ابن أبي شيبة عن الحسن أنه قال: «لا يرث النساء من الولاء إلا ما أعتقْنَ أو أعتَقَ من أعتقن. وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال: «لا يرث النساء من الولاء إلا ما أعتقْنَ أو كاتبْنَ». ورُوي نحوه عن ابن سيرين، وابن المسيَّب، وعطاء، والنَّخَعي.
والحاصل: أن هذا الحديث لا يثبت رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لكن قال في «المبسوط»: والحديث وإن كان شاذاً، فقد تأكد بما اشتهر من أقاويل الكبار من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم. وزبدة كلامه أنه في حكم المرفوع ومقامِهِ، إذ لا يُتَصوَّر مثله من الرأي وأحكامه.
ولو مات المعتَقُ ولم يترك إلا ابنةً المعتِقُ، فلا شيء لها في ظاهر الرواية وتُوضع تركته في بيت المال. وأفتى بعض المشايخ بدفع المال إليها لا بطريق الإرث، بل لأنها أقرب الناس إلى الميت، فكانت أولى من بيت المال، وليس في زماننا بيت المال منتظماً بحسن الحال.
ولو أسلم رجلٌ على يد رجل ووالاه أو والى غيره على: أنه يرثه إذا مات ويَعقِلُ عنه إذا جنى، صح هذا الولاء عندنا، ويعقل عنه إذا جنى جنايةً موجبها المال، ويرثه إن لم يكن له وارث.
ونفاه مالك والشافعي لأن الإرث متعلق بالقرابة، أو الزوجية بالنص، أو بالعتق بالحديث ولم يوجد واحد منها.

ولنا قوله تعالى: {والذين عَقَدَتْ أيمانُكم فآتُوهُم نَصيبَهم} أي نصيبهم من الميراث . والمراد به الموالاة. وما في «السنن الأربعة» عن تميم الدَّاري قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما السُّنَّةُ في الرجل يُسلم على يد رجل من المسلمين؟ قال: «هو أولى الناس بمحْيَاه ومماتِهِ». ورواه الحاكم في «المستدرك» وقال: على شرط مسلم. وما روى ابن أبي شيبة في الدِّيات: أن رجلاً أتى عمر فقال: إن رجلاً أسلم على يدي، فمات وترك ألف درهم، فخرجت منها فقال: أرأيت لو جنى جنايةً على مَنْ يكون؟ قال: عليَّ، قال: فميرَاثُه لك. يعني الغُنْمَ بالغُرْم. وما في «المبسوط» من حديث زياد عن علي: أن رجلاً من ـ أهل الأرض ـ أي ـ البادية ـ أتاه يواليه فأبى عليٌّ ذلك، فأتى ابن عباس فوالاه. ومن حديث مسروق أن رجلاً من أهل الأرض والى ابن عم له وأسلم على يديه فمات وترك مالاً، فسأل ابن مسعود عن ميراثِهِ، فقال: هو لمولاه، ويؤخر مولى الموالاة في الميراث عن ذوي الرَّحِمِ، يعني لو كان له عمة أو خالة أو غيرهما من ذوي الأرحام، يكون أولى منه، لأن الموالاة عقدهما (ولا يلزم غيرهما)، وذووا الأرحام وَرَثَتُهُ بنصِّ الكتاب.

كتاب المُكَاتَب
(
الكِتابة) وكذا المُكَاتبة والكِتَاب مصدر كاتَبه.

وشرعاً: (إعتاق المَملُوكِ يداً حالاً) أي تصرفاً في الحال (ورقبة مآلاً) أي باعتبار المآل. ولذا قيل: المُكاتب طار من ذُل العبودية ولم ينزل بساحة الحرية. ومنه قوله تعالى: {والذين يَبتَغُون الكِتَاب مِمَّا مَلَكتْ أيمَانُكم فكاتِبُوهم إن عَلِمْتُم فيهم خَيْراً}، والأمر للندب عند عامة العلماء. وعن الحسن: ليس ذاك بعزم، إن شاء كاتب وإن شاء لم يكاتب. وعن عمر: هي عَزْمة من عَزَمات الله. وقوله: {خيراً} أي قدرةً على إيفاء ما تعاقدا عليه. وقيل: تكسُّباً وأمانة. وقيل: صلاحاً ودِيانة. وبُني على صيغة المفاعلة، لأن الرجلَ يقول لمملوكِهِ: كاتبتُك على ألف درهم. ومعناه: كتبتُ لك على نفسي أن تَعْتِقَ مني إذا وفَّيتَ بالمال، وكتبتَ لي على نفسك أن تَفَِي بذلك. أو كتبتُ عليك الوفاءَ بالمال، وكتبتَ عليَّ العِتْقَ في المآل.
واختلف الصحابة رضي الله عنهم في وقت عِتقِ المكاتَب، فكان ابن عباس يقول: كما أخذ الصحيفة من مولاه يَعتِق. يعني بنفس العقد، لأن الصحيفةَ عند ذلك تكتب، فكأنه جعل الكِتَابة واردةً على الرقبة، كالعتق بِجُعْل يعتق بالقبول وهو غريم للمولى (فيما عليه من بدَل الكتابة. وكان ابن مسعود يقول: إذا أدى قيمة نفسِهِ عَتق وهو غريم للمولى) في الفضل فكأنه اعتبر وصول قدر مالية الرقبة إلى المولى، ليندفع به الضرر عنه. وكان علي يقول: يعتِق بقدر ما أدى، فكأنه اعتبر البعض بالكل، وهو بناء على قوله: يُعتِق الرجل من عبده ما شاء. وكان عثمان، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وعائشة يقولون: هو عبد ما بقي عليه درهم.
وبه أخذ جمهور الفقهاء وقالوا: لا يعتق ما لم يؤد جميع البدل. والأصل فيه ما رواه عَمرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كاتب عبده على مئة أُوقِيَّة فأداها إلا عشر أواق فهو رقيق». رواه أصحاب «السنن الأربعة» بألفاظ متقاربة. والأُوقِيّة: أربعون درهماً.

(فإن كاتب) السيد (قِنَّه ولو) كان القِنُّ (صغيراً يَعْقِل) أي العقد، لأن الكتابة لا بد فيها من القَبُول، ومن لا يعقلُ العقدَ ليس بأهل له (بمال حالّ) أي معجل، مثل: كاتبتُكَ بمِئةٍ حالة، (أو) بمالٍ (مُنجَّمٍ) أي مقسط، مثل: كاتبتك بمئة تؤدي بها كل شهر كذا، (أو) بمال (مؤجل) مثل، كاتبتك بمئة تؤديها بعد شهر (أو قال: جعلتُ عليك ألفاً تؤديها نُجُوماً) متفرِّقة: (أَوّلُها كذا، وآخرها كذا، فإن أديتَه فأنت حر، وإن عَجزْتَ فقِنٌّ، وقَبِلَ العبدُ، صَحّ) العقد. هذا جوابُ الشرطِ الأول. وقيد بالقبول، لأن هذا إلزام، فلا بد من التزامه وهو بالقبول. والقياس عدم الصحة، لأن للسيد أن يضرب على عبده ما شاء من المال فيما شاء من المدة. وقوله بعد ذلك: «إن أديته فأنت حر» تعليق للعِتقِ بأداء المال، وهو لا يُوجَب الكتابة. ووجه الاستحسان: أن العبرة للمعاني دون الألفاظ والمباني، وقد أتى بمعنى الكتابة وتفسيرها هنا فتنعقد.

وقال مالك والشافعي: لا يجوز كتابة الصغير ولا الكتابة الحالّة. أما الأول: فلأن الصغير ليس بأهل للتصرف، وهذا بناءً على ما ذهب إليه من أن الإذن للصبي في التجارة لا يجوز. وأما الثاني: فلأنه عاجز عن تسليم معقود عليه، لأنه مملوك لا يقدر على شيء، وفي زمانٍ قليلٍ لا يمكنه التحصيل.
ولنا إطلاق قوله تعالى: {والذيْنَ يَبتَغُونَ الكِتَابَ مما مَلَكتْ أيْمَانُكم} فإِنه يتناول المعجَّل والمؤجَّل، والكبير والصغير الذي يتأتى منه طلبُ الكتابة. ولأن البدل في الكتابة معقود به، كالثمن في البيع. والقدرة على تسليم الثمن ليس بشرط لصحة العقد ولإمكان فرضه المال والتصدق عليه في الحال.

(وخرج) القِنُّ إذا صحت كتابته (من يده) أي يد سيده. ليتفرغ لتحصيل البدل، ولهذا ليس له منعه من الخروج والسفر وإن شرط ذلك في كتابته (دون مِلْكِه) أي لم يخرج من ملك سيده لما روينا. ولأنها عقدُ المعاوضة، والمبادلة ومبناها على المعادلة، ولهذا إذا عَجَزَ عن أداء بدل الكتابة يصير قِنًّا.
ولا يجب على السيد حطُّ شيء من البدل عنه، وهو قول مالك. وأوجبه الشافعي، والأصح عنه: أنه يكفي ما يقع عليه الاسم، لظاهر قوله تعالى: {وآتُوهُم مِنْ مالِ ا الذي آتَاكُم} إذ مطلق الأمر للوجوب، وهو قول عثمان رضي الله تعالى عنه.
ولنا: أنه عقد معاوضة فيعتبر بسائر المعاوضات، حيث يكون العقدُ موجِباً للبدل لا لإسقاطه، إذ الشيء لا يتضمن ضدهُ والأمر في الآية للندب دون الحتم، فإنه معطوف على الأمر المذكور في قوله تعالى: {فَكَاتِبُوهم} وذا ندبٌ، فكذا هذا، لأن حُكمَ المعطوف حكمُ المعطوف عليه. وذكر الكَلْبي أن المراد دَفْع الصدقة إلى المكاتبين، فيكون خطاباً للناس بصرف الصدقة إليهم، ليستعينوا بذلك على أداء بدل المكاتبة، كما قال الله تعالى في بيان صَرْف الصدقات: {وفي الرِّقَابِ} أي في فَكِّها. والمراد: المكاتبون، والدليل عليه أنه قال: {من مال ا} والمضافُ إلى الله مطلقُ الصدقة.

(وعَتَق) المكاتب (مجّاناً) أي بلا عِوَض (إن أُعتِقَ) لأنه ما التزم البدلَ إلا ليحْصُلَ له العتق، وقد حصل. (وغَرِمَ السيد العُقْر) بالضم: دِيَةُ الفرجِ المغصوب، وصداق المرأة كذا في «القاموس». وقال بعض الشراح: أي قدر ما تُستأجر به المرأة على الزنا لو كان الاستئجار حلالاً (إن وطىء مكاتبَتَه) لاختصاص المكاتب بمنافعه وأكسابِهِ (والأَرْشَ) أي وغَرِمَ المولى أيضاً أرْشَه، أي دِيَتَه (إن جنى) السيد (عليها، أو على ولدها، أو مالها) أي إن تعدّى على مالها ضمِنه، لأنه بعقد الكتابة صار كالأجنبي منها، ومنفعة بُضعِها ملحقة بجُزئها، فيجب عليه العُقر بوطئها، وينتفي الحَدُّ للشُّبهة.

(
وصحت) الكتابة (على حيوانٍ ذَكَرَ جنسه فقط) أي ولم يذكر نوعه، ولا وصفه، كعبد أو جارية، لأن الكتابة مبنية على المساهلة، فلا تفسد بيسير من الجهالة، كالنكاح، وصارت كجهالة الأجل في الكتابة (ويؤدي الوَسَطَ) من ذلك الحيوان (أو قيمتَه) والخيار للعبد.
(
وفَسدَتِ) الكتابة (على قيمتِهِ) أي قيمة القِنِّ، لأنها مجهولةُ القدر لاختلافها باختلاف المقوِّمِينَ، ومجهولة الجنس لأنها تعتبر بجنس الثمن، وهو النقدان، ولم يتعين واحد منهما، فكانت جهالة فاحشة، فصارت كما إذا كاتبه على ثوب أو دابة (وعلى خَمْرٍ، أو) على (خِنزير من المسلم) لأن واحداً منهما ليس بمتقوَّم في حق المسلم، فلا يصير مستحقًّا له بالتسمية. وتسميةُ ما ليس بمتقوَّم فيما يحتاج إلى تسمية البدل، تُوجب فساد العقد كالبيع، بخلاف النكاح حيث لا يفسُدُ بتسمية أحدهما، لأنه لا يحتاج لصحته إلى تسمية البدل، حتى يجوز بلا تسميته.

(وصح للمُكاتب البيعُ والشراءُ) لأن تحصيل المال بهما غالباً (والسَّفرُ) لأنهما قد لا ينفعان في الحضر وإن شرط عليه المولى عدَمَه استحساناً، لأنه شرط مخالف لما اقتضاه العقد من مالكيّته يداً (وإنكاح أمته) لاكتسابه مهرَهَا وسقوط نفقتِها عنه، بخلاف تزويج المكاتبة نفسَها، لأن ملك المولى قائمٌ فيها يمنعها من الاستيلاد والاستقلال، ولأن فيه تَعييبَها، وقد تَعجِزُ فيكون في ذلك ضررٌ على المولى (وكِتَابةُ قِنِّه) استحساناً لأنها من الاكتساب، فيملكها كالبيع، بخلاف الإعتاق على المال، فإنه إثبات الحرية للحال، وهو لا يقدر على ذلك. وبه قال مالك خلافاً لزفر والشافعي، وهو القياس، لأنها تَؤُول إلى العتق، وهو ليس من أهله، كالإعتاق على مال.
(
وله) أي للمكاتب (ولاؤُه) أي ولاء قِنِّه الذي كاتبه (إن أدى) ذلك القنُّ كتابته (بعد عتِقِه) لأن الوَلاء لمن أعتَقَ، وهو أهلٌ للولاءِ عند عِتقِ قِنِّه بالأداء، ومِلْكُه فيه تام، فيثبت له (ولسيدِهِ) أي لسيد المكاتب ولاؤه (إن أدى قَبْلَه) أي قبل عتق المكاتَبِ، لأنه لما تعذر جعل المكاتب مُعتَقاً لعدم أهليته للإعتاق، خَلَفَه فيه أقرب الناس إليه وهو مولاه، كالعبد المأذون إذا اشترى شيئاً لا يَمْلك، لعدم أهليته، ويخلفه فيه مولاه (لا تَزَوُّجُه) لا يصح للمكاتب أن يتزوج بغير إذن مولاه، لأنه ليس من الاكتساب، لما فيه من شَغْلِ ذمتِهِ بالمهر والنفقة، ولأنه مملوكه رقبةً (ولا هبتُه ولو بِعِوضٍ) لأنها تبرُّع ابتداءً، وهو لا يملكه.

(ولا تَصَدُّقه) لأنه تبرع مَحْض (إلا بيَسير) لأن ذلك من ضرورات التجارة، إذ لا يجد بُداً من ضيافة وإعارة ليجتمع عليه التجارة. ومن ملك شيئاً، مَلَكَ ما هو من توابِعِه وضرورته، (و) لا (تكفُّلُهُ) بمال أو نفس، (و) لا (إقراضُه) لأنهما تبرعٌ محض، وليسا من ضرورات التجارة ولا من الاكتساب، (و) لا (إعتاقُ عبده) ولو بمال، لأنه إسقاط المِلْك عن العبد بدين في ذمته وهو مفلس، فليس من باب الاكتساب، ولأنه فوق الكتابة. والشيء يتضمن ما دونه لا ما فوقه ولا مِثْله (و) لا (بَيْعُ نفس عبد منه) لأنه عِتقٌ بمال (و) لا (إنكاحُه) أي تزويج عبده، لأنه تعييب له ونقص لماله بلزوم المهر والنفقة.
(
والأب والوصي في رقيق الصغير كالمكاتب) في هذه التصرفات، فيملِكان تزويجَ أمتِه وكتابَة عبده، لأن في ذلك نَظَراً له، ولا نَظَرَ في سواهما والولاية نظرية. ولأنهما يملِكان الاكتساب للصغير كما يملِكه المكاتب، وهذا من الاكتساب (وإذا عَجَزَ) المكاتب (عن أداء نَجْم إن كان له وجهٌ سيصلُ إليه) منه شيء، بأن كان له دين يَقبِضُه، أو مال يَقْدُم عليه (لا يُعَجِّزه الحاكم) بطلب مولاه (ويُمْهِله إلى ثلاثة أيام) لأن السُّنَّة في الكتابة التأجيل والتيسير، والثلاث هي ضُرِبَتْ لإيلاء الأعذار، كإِمهال الخصم للدفع، والمديون للقضاء، ولا يُزاد عليها.

(وإلا) أي وإن لم يكن له وجه سيصل (عَجَّزَه) الحاكم في الحال (وفَسَخَها بطلب سيده أو) فسخها (سيدُه برضاه) أي رضا المكاتب، لأن الكتابة تقبل الفسخَ بلا عذر بالتراضي، فمع العذرِ أولى. وقيل: يُعَجِّزُه مولاه بدون رضاه، لتحقق العَجْزِ وتوهم التحصيل. وقال أبو يوسف: لا يُعَجِّزُه حتى يتوالى عليه نجمان، لأنه عقد إرفاقٍ، حتى كان أحسنه مؤجله. وحالةُ الوجوبِ بعد حُلول نجم، فلا بد من إمهال مدة استيساراً، وأولى المدة ما اتفق عليه العاقدان. ولقول علي رضي الله عنه: إذا تتابع على المكاتب نجمان، فلم يؤد نجومه عاد في الرِّق. رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» والبيهقي في «سننه» (وعاد رِقُّه) أي أحكامه كما كانت، لأن الكتابة قد انفسخت (وما في يده لسيده) لأنه ظهر أنه كَسْبُ عبده.
(
فإن مات) المكاتب عن وَفَاءٍ لم تُفسَخ كتابتُه، لأنها عقدُ معاوضةٍ لا يُفسخ بموت أحد المتعاقدين، وهو المولى، فلا تُفسخ بموت الآخرِ (وقضى البَدَلَ) أي بدل الكتابة (من مالِهِ، وحُكم بموتِهِ حُراً) لأن البَدَلَ بموته انتقل إلى تَرِكَتِه كسائر الديون، فإذا أدى منها صار كأدائه بنفسه قبل الموت (والإرث منه) أي وحُكم بإرث ورثتِهِ منه ما بقي من ماله (وعَتَقَ بَنِيْه) أي وحُكم بِعِتقِ أَولاده حال كونهم (وُلِدُوا في كتابته أو) حال كونهم (شَرَاهم أو) حال كونه (كُوتِبَ هو وابنه، صغيراً) لأن هؤلاء يتبعونهم في الكتابة، فيتبعونه في عتقها، (أو) حال كونه كوتب هو وابنه (كبيراً بمرة) أي بكتابة واحدة، لأنهما صارا باتحاد الكتابة كشخص واحد، فإذا حكم بعتق أحدهما في وقت، حكم بعِتْقِ الآخر فيه.

والحاصل: لا تبطلُ الكتابةُ عندنا بموت المكاتَب قبل أداء البدل. وهو قول علي وابن مسعود، خلافاً لمالك والشافعي. وهو قول زيد بن ثابت، وعائشة، وابن عمر. أخرج البيهقي عن الشَّعْبي قال: كان زيد بن ثابت يقول: المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، لا يرثُ ولا يُورث. وكان علي يقول: إذا مات المُكاتبَ وترك مالاً، قُسِم ما ترك على ما أدى وعلى ما بقي، فما أصاب ما أدى فلورثته، وما أصاب ما بقي فلمواليه. وكان عبد الله يقول: يؤدي إلى مواليه ما بقي من مكاتَبتِهِ، ولورثته ما بقي. ورَوى ابن يونس في «تاريخ مصر» بسنده إلى قَابُوس بن أبي المُخَارِق قال: كنت عند محمد بن أبي بكر وهو على مصر والٍ لعلي بن أبي طالب، فكتب إلى علي في مكاتب مات وترك مالاً، فكتب إليه علي: خذ منه بقية مُكاتبتِهِ فادفعها إلى مواليه، وما بقي فَلِعصبتِهِ.
(
وطَابَ) ما أدى المكاتب (لسيِّدِه) الذي ليس بمَصْرِف للصدقة (إن أدى إليه منْ صَدَقةٍ) تصدَّق بها عليه (فعَجَزَ) لأن المِلْك قد تبدُّل، وتَبَدُّلُ الملكِ كتبدلِ العين. أشار إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في حديث بَرِيْرَة حيث قال في اللحم الذي تُصدِّق به عليها: «هو لها صَدَقَةٌ ولنا هدية»، وصار كالفقير يموت عن صدقة أخذها، حيث تطيب لوارثه الغني، وكالفقير إذا استغنى حيث يَطيْبُ له ما أَخذه من الزكاة حالة الفقر، وكابن السبيل إذا أخذ الصدقَةَ ثم وصل إلى ماله ومعه شيء منها، حيث يَطيبُ له، لأن المُحَرَّمَ على الغني هو الأخذ، وهو ليس بموجود ممن أخذ حالة الحاجة ثم استغنى. ولو أباح الفقير للغني أو الهاشمي عينَ ما أخذه من الزكاة لا يَطيبُ له، لأن المِلْك لم يتبدَّل.

(ولا تنفَسِخُ) الكتابة (بموت السيد) لأنها حقُ العبد، فلا تبطلُ بموت سيده كالتدبير، وأُمُوميَّة الولد، وأجل الدَّين إذا مات الطالب (وأدى) المكاتب (البدل إلى ورثته على نجومه) لأن النجوم أجل الكتابة، وهو حق المطلوب، فلا يبطل بموت الطالب، كأجل الدَّين بخلاف موت المطلوب، لأن ذمته خَرِبت وانتقل الدين إلى تركته وهو عين. وهذا إذا كاتبه وهو صحيح، وأما إذا كاتبه وهو مريض فلا يَصِحُ تأجيله إلا من الثلث.
(
وإن أعتَقَه) أي المكاتب (بعضُهم) أي بعض الورثة (لا يصح) لأنه لم يَملِكْه، إذ لم يقبل النقلَ من مِلك إلى ملك، ولا عِتقَ بدون المِلْك (وإن أعتقوه عَتَقَ مجّاناً) والقياس: أن لا يعتِق، لأنهم لم يملكوه، ولهذا لا يكون للإناث منهم الولاء فيه، ولو ملكوه لكان الولاء لهنَّ. ووجه الاستحسان: أنّ هذا إبراءٌ عن بدل الكِتَابة، لأنه حقُهم، وقد جرى فيه الإِرث، أو إقرار بالاستيفاء منه، فتبرأ ذمته فيعتق، كما لو أبرأه المولى عن بدل الكِتَابة كله. ويشترط أن يُعتِقُوه في مجلسٍ واحدٍ، حتى لو أعتَقَه بعضهم في مجلس وبعضهم في مجلسٍ آخر لم يَعتِقْ على الصحيح.

كتاب الأيْمَان
اليمين في اللغة: القوةُ، ومنه قوله تعالى: {لأخَذْنَا منه باليمينِ}، والجَارِحةُ، ومنه قوله تعالى: {وأصحاب اليمين}، والحَلِفُ، ومنه قوله تعالى: {إنَّهم لا أيْمانَ لهم}.
وفي الشريعة: تقوية الخبَرِ بذكر الله، أو بالتعليق. وسببها: قصدُ الحالف إظهارَ صِدْقه في قلب السامع، أو حمل نفسه على الفعل أو الترك. وشرطها: كونُ الحالف مكلفاً. ورُكنها: اللفظ الذي ينعقد به اليمين. وحكمها: البَرُّ حال بقاءِ اليمينِ، والكفَّارة عند فوات البَرِّ. وهي نوعان: يمين بالله، ويمين بغيره.

فالأُولى مشروعة بالكتاب، وهو قوله تعالى حكاية: {وتَااِ لأكِيْدَنَّ أصنامَكُم} و {تَااِ لقدْ آثَرَكَ ا علينا}. وبالسنة وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «والله لأغزون قريشاً»، وبالإجماع.
وكذا بغير «الله» مشروعة: وهي تعليق الجزاء بالشرط، نحو: إنْ دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ أو فأنتَ حرٌ وما أشبه ذلك، لأنه التزمَ حُكماً بالشرط وله ولاية إلزامه. وهو ليس بيمين وصفاً وإنَّما سُمِّيَ يميناً في عرف الفقهاء لحصول ما هو المقصود باليمين بالله، من الحمل على الشرط أو المنع عنه، فكان يميناً. حتى لو حلف أن لا يحلِفَ فعلَّق بالطلاق ونحوه يحنَث. والحَلِفُ بغير الله مكروه لقوله عليه الصلاة والسلام: «من حَلَفَ بغير الله فقد أَشْرك». رواه أحمد والترمذي والحاكم في «مستدركه» عن ابن عمر.
(
هي) أي اليمين التي اعتبرها الشارع ورتب عليها الأحكام (ثلاثَ:) وإلا فمطلق اليمين أكثر من الثلاث، كاليمين على الفعل الماضي صادقاً. والمراد بترتب الأحكام عليها ترتُّبَ المُؤاخذة على الغَمُوس، وعدَمَها على اللغو، والكفارة على المُنعقدة.
(
فَحَلِفُه) مبتدأ (على فِعْلٍ) أراد به المصدر أعم من أن يكون قائماً بالعقلاء أو بغيرهم، نحو: واللَّهِ لقد هَبَّتِ الريح (أو تَرْكٍ) أي عدمِ فعلٍ (ماضٍ). وفي «الإيضاح» و «التحفة»: أن اليمين الغَمُوس يكون على الحال أيضاً، نحو: والله ما لهذا عليَّ دينٌ، وهو يعلمُ خلافَه. والتحقيق أنه داخلٌ في ماضٍ حكماً.

(كاذباً عمداً) حالان من الضمير في حَلِفِه (غَمُوسٌ) خبر المبتدأ. وسميت هذه اليمين غموساً لانغِماس صاحبها في الإثم، ثم في النار (يأثم به) أي بهذا الحلف، لما روى البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الكَبَائرُ: الإشراك بالله، وعقوقُ الوالدينِ، وقتلُ النَّفْس، واليمينُ الغَمُوس». وروى ابن حِبَّان في «صحيحه» من حديث أبي أُمَامَة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من حَلَفَ على يمينٍ هو فيها فَاجرٌ ليقتَطِعَ بها مال امرءٍ مسلمٍ حَرَّم الله عليه الجنة، وأدخله الله النار».

ورواه الشيخان من حديث ابن مسعود بلفظ: «لقي اللَّهَ وهو عليه غضبان». وروى أبو داود من حديث عِمران بن حُصَيْن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من حَلَف على يمينٍ مَصْبُورةٍ كاذباً فليتبوأ بوجهه مقعده من النار». والمَصْبُورة: اللازم من جهة الحكم، ذكره الخطَّابي. وفي «الصحاح»: تبوأت منزلاً، أي نَزَلْت. وأما ما في «الهداية» من قوله عليه الصلاة والسلام: «من حَلَفَ كاذباً أدخَلَه الله النارِ» فغيرٌ معروفٍ.
(
وظانّاً) عطفٌ على كاذباً، أي حَلِفُه على فِعْلٍ أو تَرْكِ ماضٍ حالَ كونِه ظاناً (أنه حقٌ، وهو ضِدُّه) أي غير حقٍ (لغوٌ) رُوِي هذا عن ابن عباس وعن زُرَارة بن أبي أوْفَى. وفي «المعرفة» للبيهقي: نحوه عن عائشة قالت: هو حَلِفُ الرجل على علمه، ثم لا يجده على ذلك. وفي «مصنف عبد الرزاق» نحوه عن مجاهد قال: هو أنَّ الرجل يَحلِفُ على الشيء يرى أنه كذلك، وليس كذلك. وهو أيضاً قول مالك. (يُرجى عفوه) كذا قال محمد، وعبارته: فهذه يمينٌ نَرجُو أن لا يُؤاخِذَ الله بها صاحبها.
فإن قيل: ما معنى تعليق نفي المؤاخذةِ بالرجاء. وعدم المؤاخذة باللغو منصوصٌ عليه لقوله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ باللغوِ في أيْمَانِكم} ؟.

أجيب بأن المنصوصَ عليه عدم المؤاخذة بما هو لغو في نفس الأمر، والمعلقُ بالرجاء عدم المؤاخذة بما هو لغو على هذا التفسير، لأنه قيل في تفسير اللغو أقوال أُخر. فروى البخاري في «صحيحه» عن هشام بن عروة عن عائشة في قوله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ ا باللغوِ في أيْمَانِكُم} قالت: هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله. وهو رواية عن أبي حنيفة وقول محمد والشافعي. ورُوِي عن الشافعي أنه فسّر اللغو بالخالي عن القصد، سواء كان في الماضي أو الآتي، بأن قصد التسبيح، فجرى على لسانه اليمين.
وحكى محمد عن أبي حنيفة أن اللغو ما يجري بين الناس من قولهم: لا والله، وبلى والله. لما روى أبو داود عن عطاءٍ قال: قالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هو كلام الرجل في بيته: كـ:لا والله: وبلى والله». وتأويله عندنا فيما يكون خبراً عن الماضي، فإن اللغو ما يكون خالياً عن الفائدة. والخبرُ الماضي خالٍ عن فائدة اليمين التي هي الحظر أو الإيجاب، فكان لغواً. فأما الخبرُ في المستقبل فإن عَدِمَ القصد لا يَعْدَم فائدة اليمين. وقد ورد الشرع بأن الهزل والجِدّ في اليمين سواء. وقال الشَّعبي ومَسْرُوق: اليمين اللغو أن يحلِفَ على (معصية فيتركها لاغياً بيمينه. وعن سعيد بن جُبَيْر: هو الرجل يحلف على) الحَرَام بأن يُحَرِّمَ على نفسه ما أحلَّ الله له من قولٍ أو عملٍ، فلا يُؤَاخِذُ اللهاُ بتركه. وعن النّخَعي والحسن: أن الرجل يحلِف على الشيء ثم ينسى.

(
وعلى) فعل أو ترك (آتٍ) أي مستقبل (مُنعَقِدَةٌ) وإعادةُ «على» لطول الفصل. وهذا أولى مما قال في «شرح الوقاية». ولو قال: وآت بلا لفظ «على» ليكون عطفاً على ماضٍ، لكان أولى كما لا يخفى.

(وكفَّر فيه) أي في الحَلِفِ على آت (فقط) أي ولم يُكفِّر في الغَمُوس (إن حَنِثَ) لأن الكفارة لرفع الذنب الحاصل بالحِنْث، وذنبُه حصل بأصل يمينه، فيجب عليه التوبة والاستغفار. وقال الشافعي: يُكفِّر في الغموس أيضاً وهو قول الزهري، لقوله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُم ا باللغو في أيْمانِكُم ولكنْ يُؤَاخِذُكُمْ بما كُسَبتْ قُلوُبكم} والغَمُوسُ مكسوبةٌ بالقلب.
ولنا قوله تعالى: {ولكنْ يُؤَاخِذُكُم بما عقَّدتُم الأَيمانَ فكفَّارَتُه إطعامُ عَشَرَةِ مساكين} حيث رُتِّبَت الكفارة على المعقودةِ والغموس غير معقودة. ومذهبنا قول ابن مسعود، وابن عباس، وابن المُسيَّب، والحسن البصري، والأوزَاعِي، والثوري، والليث، وأبي عُبيد، ومالك، وأحمد. وقد روى الإمام أحمد في «مسنده» بإسناد جيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث طويل قال فيه: «خمسٌ ليس لهنَّ كفارة: الشرك بالله، وقتلُ النفس بغير حق، ونَهْبُ مؤمن، والفِرارُ من الزَّحف، ويمينٌ صابرةٌ يقتطع بها مالاً بغير حق». ويؤكده قول ابن مسعود: كُنّا نَعُدُّ اليمين الغموس من الأيْمَان التي لا كفارة فيها.
(
ولو سَهْواً) وفي معناه النسيان، بل أولى (أو كَرْهاً) بخلاف النائم، فإنه لا يصح يمينه كما في «المجمع» (حَلَفَ أو حَنِثَ) خلافاً لمالك والشافعي وأحمد في الحَلِفِ بطريق السهو أو الإكراه. وخلافاً للشافعي في أصح القولين، ولأحمد في رواية في الحنث بطريق السهو أو الإكراه، لقوله عليه الصلاة والسلام: «رُفِعَ عن أمتي الخطأُ والنِّسيانُ وما استُكْرهوا عليه».
ولنا أن الشرط هو الفعلُ وقد وجد. والفعل الحقيقي لا يصير معدوماً بالنسيان والإكْرَاه، ولقوله عليه الصلاة والسلام حين حَلّف المشركون صفوان وابنه: «نَفِي لهم بعهدهم، ونستعينُ الله عليهم»، فبين أن اليمينَ طوعاً وكَرهاً سواء.

وقوله: «رُفِعَ» محمول على رفع الإثم، وهو لا يقتضي عدم الكفَّارة كما حُقق في فعل الخطأ والنسيان في الصلاة، ومحظورات الإحرام. ويُتَصور النسيان في الحلف بأن حلف أن لا يحلف، فنسي فحلف. وأما السهو فمعناه الخطأ، كأن يريد أن يقول: اسقني الماء، فيقول: والله لا أشرب الماء. وأما ما في «الهداية» من قوله عليه الصلاة والسلام: «ثلاث جِدُّهن جِدّ وهَزلُهن جِدّ: النكاح، والطلاق، واليمين» فغير معروف. وإنما المعروف ما رواه أصحاب «السنن الأربعة» من حديث أبي هريرة، وحسنه الترمذي وصححه الحاكم بلفظ: «النكاح والطلاق والرجعة». وقد رواه ابن عَدِي فقال: «الطلاق والنكاح والعتَاق».

(
والقَسَمُ بالله) أي ثابت بهذا اللفظ الشريف (أو باسم من أسمائه) المنيفة (كالرحمن، والرحيم، والحق) والخالق، والذي لا إله إلا هو رب السماوات والأرض ورب العالمين، سواء تعارف الناس الحَلِفَ به أو لم يتعارفوا (أو بصفة يُحلف بها) عرفاً (من صفاته: كعزة الله، وجلاله وكبريائه، وعظمته، وقدرته) المراد بالاسم هنا اللفظ الدال على الذات مع صفة، وبالصفة اللفظ الدال على الصفة دون الذات.
(
لا بغير الله) أي لا يصح القَسَمُ بغير الله (كالنبي، والقرآن، والكعبة) لحديث ابن عمر المتفق عليه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إنَّ الله تعالى نَهَاكم أن تحلِفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فلْيَحْلِف بالله أو ليصْمُت». وأما ما في «الهداية» من قوله عليه الصلاة والسلام: «من كان منكم حالفاً فليحلفْ بالله أو ليذرْ» فغير معروف بهذا اللفظ. ولعل نَهْيَه مأخوذ من قوله تعالى: {فلا تجعلوا أنداداً}، وقد ورد: «مَنْ حَلفَ فليَحْلِف برب الكعبة». رواه أحمد والبيهقي.

(ولا بصفة لا يُحلف بها عرفاً كرحمتِهِ، وعلمه، ورضائه، وغضبه، وسخطه، وعذابه) وهو اختيار مشايخ ما وراء النهر، وهو الأصح. لأن مبنى الأيمان على عُرْفِ أهل الزمان. والحَلِفُ بها غير متعارف، ولأن الرحمةَ قد يراد بها أثرها وهو الجنة، قال الله تعالى: {ففي رحمةِ ا هم فيها خالدون}. والغضب والسَّخط يراد بهما النار، فيكون حالفاً بغير الله.
وقال مالك: لا ينعقد اليمينُ بصفات الفعل، وبه قال أحمد في رواية، لأن اليمينَ ينعقد لحُرْمة اسم الله تعالى، ومع الاشتراك لا حرمة له. وفي «المبسوط»: قال مشايخنا العراقيون: الحَلِفُ بصفاتِ الذات كالقدرة، والعظمة، والعزة، والجلال، والكبرياء يمين، والحَلِفُ بصفات الفعل كالرحمة، والسَّخط، والغضب، والرضاء لا يكون يميناً. وقالوا: صفة الذات: ما يجوز أن يُوصَف بها ولا يجوز أن يوصف بضدها، كالقدرة. وصفة الفعل: ما يجوز أن يوصَف بها وبضدها كالرضا، فإنه تعالى يرضى بالإيمان ولا يرضى بالكفر. انتهى. واتفقوا على أنه لا يُحلف بعلمه، إما لأنه غير متعارَف، وإما لأن العلم يُذكر بمعنى المعلوم.
وفي «المحيط»: لو قال: يعلم الله أنه فعل كذا ولم يفعله يُكْفَر، لأنه وصفَ الله تعالى بالعلم بوجود شيء قبل وجوده، فصار كما لو وَصَفَه بالجهل. والأصح: أنه لا يُكْفر، لأنه قصد بهذا الكلام إثبات صدقِهِ في خبره لا وصف الله به. ويجوز أن يحلف بجميع أسمائه وإن لم يتعارف الناس بها على الصحيح، لأن اليمين باسم الله ثبت بقوله عليه الصلاة والسلام: «من كان حالفاً فليحلف بالله»، والحلفُ بسائر أسمائه حَلِفٌ بالله. وما ثبت بالنص أو بدلالته لا يراعى فيه العُرْف. وقال بعضهم: كل اسم لا يسمى به غير الله، كالرحمن فهو يمين، وما يسمى به غير الله كالحكيم، والعليم، والقادر، والرحيم، فإن أراد به يميناً فهو يمين، وإن لم يردْ به يميناً لا يكون يميناً.

(وقوله) مبتدأ (لعَمْرُ الله) أي لبقائه، وهو بفتح العين أذ لا يُستعمل في القسم بضمها، وهو مبتدأ خبره محذوف تقديره: قسمي أو يميني. قال الله تعالى: {لعَمْرُكَ إنَّهم لفي سَكْرتِهم يعمهون}، (وَايْمُ الله) وهو عند الفرَّاء جمع يمين، فأَصْلُه أَيْمُن سقطت نونُهُ وهمزتُه في الوصل للتخفيف. وعند سِيْبَوَيْه: كلمة اشتُقت من اليمين، ساكنة الأول فاجتلبت الهمزة للنطق به. وقيل: أيم صلة أي زائدة، والمعنى والله، وهو حلف متعارف بها. فقد قال صلى الله عليه وسلم حين طعن الناس في إمارة أسامة بن زيد: «إن كنتم تطعنون في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وَأَيم الله إنْ كان لخليقاً بالإمارة». رواه البخاري.
(
وعَهْدِ الله وميثاقِه) وكذا ذمته وأمانته. والواو في هذه الألفاظ للقسم، فما بعدها مجرور بها. وقال الشافعي: لا يكون هذا النوع يميناً إلا بالنية. ولنا أنَّ العهد غلب استعماله في اليمين، والميثاق، والذمة. والأمانة بمعناه، ويدل عليه قوله تعالى: {وأوفوا بِعَهْدِ ا إذا عَاهدْتُم} ثم قال: {ولا تَنْقُضُوا الأَيمانَ بعد تَوْكِيْدِها}. لكن قد ورد: «من حَلَفَ بالأمانَةِ فليس مِنّا». رواه أبو داود عن بُرَيْدَة.
(
وأُقسِم، وأَحلف، وأَشهد، وإن لم يقل: بالله) الواو في هذا وما بعده للعطف لا للقسم، لأن الحالف يقول: أُقسِمُ لأفعلنَّ. وقال زفر والشافعي: لا يكون يميناً إلا إذا قال: بالله، نوى اليمينَ أو لم ينوه. (وعليَّ نَذْرٌ) وقال مالك: لا يكون يميناً إلا إذا قال: بالله، ونوى اليمين.
ولنا ما في السنن من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر نذراً لم يُسمِّه، فكفارتُه كفارةُ يمين». وأما ما في «الهداية» من قوله عليه الصلاة والسلام: «من نَذَر وسَمى فعليه الوفاء بما سَمَّى» فغير معروف.

(أو) عليَّ (يمين أو) عليَّ (عهدٌ وإن لم يُضَف إلى الله) لأن معناه عليَّ موجب يمين وموجب عهد (وإن فَعَلَ كذا فَهُو كَافِرٌ) وقال مالك والشافعي وأحمد في رواية: لا يكون يميناً، لأنه علق بالفعل ما هو معصية، فصار كما لو قال: إن فعلت كذا فأنا زان.
ولنا أن تعليقَ الكفرِ بفعلٍ، تحريمٌ لذلك الفعل، وتحريم الحلال يمين كما سيأتي. والفرق بين هو كافر وبين هو زان أنه لا يكون زانياً عند الله بمجرد قوله: هو زان، ويكون كافراً بقوله: هو كافر. فقول القائل: إن فعل كذا فهو كافر يمينٌ.

(
وإن لم يَكْفُر) سواء (علقهُ بماضٍ أو آتٍ) رُوِيَ ذلك عن أبي يوسف. وقال محمد بن مقاتل: يَكْفُر إذا علقه بماضٍ، لأنه علق الكفر بموجود، والتعليق بالموجود تنجيز، فصار كما لو قال ابتداءً: هو كافر. والصحيح أنه إِذَا كان عالماً أنه يمين لا يَكفُر فيهما، وإن كان جاهلاً أو عنده أنه يكفر في الماضي أو بمباشرة الشرط في المستقبل يَكفر فيهما، لأنه لما أقدم على الفعل وعنده أنه يَكفر، فقد رضي بالكفر. وكذا لو قال: إنْ فَعَل كذا فهو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، أو بريء من الله، أو من النبي، أو من الإسلام، أو من القرآن، أو من القبلة، أو الكعبة، كان يميناً عندنا، ونفاه مالك والشافعي لما تقدم.
ولنا ما رُوِي عن ابن عباس أنه قال: من حلف بالتهود والتنصر فهو يمين. وأما ما في الصحيحين من قوله عليه الصلاة والسلام: «من حَلَفَ على يمين بمِلّة غير الإسلام كاذباً متعمداً فهو كما قال». فالظاهر أنه خَرَج مَخرَج الغالب، فإن الغالب ممن يحلف بمثل هذه الأيمان أن يكون من أهل الجهل لا يُعْرف منه إلا لزومُ الكفر على تقدير الحِنْث، لا من أهل العلم والخبر، فإن تمّ هذا وإلا فهي شاهد لمن أطلق القول بكفره.

(وسَوْكَنْدِ ميخُورَمْ بَخُدَايْ) أي أقسم بالله بلسان الفارسي، وكذا الحكم بسائر ألسنة العجم (قَسَمٌ) هذا خبر المبتدأ الذي هو قوله: لعَمْرُ الله وما عُطف عليه (وحقاً) أي قوله: حقاً (وحق الله وحرمته وسَوْكَنْد خُورَمْ بَخُدَاي) أي بصيغة الاستقبال (يابطلاق زن) يعني سَوْكَنْد خُورَمْ بطلاق زن (وإن فعله) أي كذا (فعليه غَضَبُه) أي غضب الله (أو سخطُه، أو لعنتُه) أو حرم الله عليه الجنة أو عذَّبه بالنار (أو أنا زانٍ، أو سارق، أو شارب خمر، أو آكل رباً) أي لا يكون قَسَماً. أما حقاً فلأنه يراد به تحقيق الوعيد، وأما حق الله فلأنه يراد به واحدُ الحقوق، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ: «هل تدري ما حقُّ الله على عباده».
وأما الغضب والسَّخط واللعنة، فلأنه يرادُ بها آثارُها وهي النار، ولأنه دعاء على نفسه، قال الله تعالى: {ويَدْعُ الإنسانُ بالشَّرِ دَعَاءَه بالخير}. ولأن واحداً من هذه الأمور لم يْتعارف الحَلِفُ به. وقيد بحق الله لأنه لو قال: والحق يكون قسماً، لأنه من أسمائه سبحانه. وأما قوله: أنا زان ونحوه فلعدم استلزام وجود الشرط وجودَ ما فعله جزاء من الزنا ونحوه، لتوقفه على فعل مستأنف.

(
وحُرُوفُ القَسَمِ: الواو، والباء، والتاء) كقوله: واللَّهِ، وباللَّهِ، وتالله. لأن كل ذلك معهودٌ في الأَيمان ومذكور في القرآن ، قال الله تعالى: {وا رَبِّنا ما كُنّا مشركين}، {يَحْلِفون با ما قالوا}، {تا تفتؤُ تَذْكُرُ يُوسُفَ}. وأصل هذه الحروف الباء، ولذا تدخل على الظاهر والمضمر نحو بالله، وبه. ويجوز إظهار الفعل معها نحو: حلفت بالله، وأُقسِمُ بالله. والواو ملحَقَة بها، ولهذا لا تدخل على المُضمَر، ولا يجوز إظهار الفعل معها. والتاءُ ملحقة بالواو وتدخل على لفظة «الله» خاصة. ورواية تَرَبَّ الكعبة شاذة.

(وقد تُضمَر) حروف القسم (كـ:الله لأفعلن) وفي نُسخة: لا أَفعله. وينصب الاسم حينئذٍ على إسقاط الخافض واتصال فعل الحلف به كقوله تعالى: {واختَار مُوسَى قَوْمَه} وهو أكثر استعمالاً، أو يُخفض على إضمار الخافض وبقاء أثره، وهو قليل شاذ. وحُكِيَ الرفع أيضاً نحو: الله لأفعلنّ على إضمار المبتدأ أو خبره وهو الأولى، لأن الاسم الكريم أعرَفُ المعارِفِ، فهو أولى بكونه مبتدأ، والتقدير: الله قسمي، أو قسمي اللهاُ لأفعلن. ولو قال: واللهاِ والرحمنِ يكون يمينين، إلا أن يريد تِكرار الأول في ظاهر الرواية، وعليه أكثر المشايخ.
وروى الحسن عن أبي حنيفة يكون يميناً واحداً وبه أخذ مشايخ سمرقند. ولو قال: والله والله فهو يمينان كذا ذكروه، وفيه أنه أولى بأن يصلح ثانِيه للتأكيد مما قبله. ولو قال: والله ووالله فيمينٌ واحد استحساناً. ولو قال: والله لا أكلمك والله لا أكلمك فيمينان. وروى الحسن إن نوى بالثاني الخبر عن الأول صُدِّق ديانة.
هذا، وإن وصل إن شاء الله بحلِفِهِ بَرّ، لما روينا في الطلاق من قوله عليه الصلاة والسلام: «من حَلَفَ على يمينٍ فقال: إن شاء الله فقد استثنى». رواه أبو داود والنسائي والحاكم في «مستدركه» عن ابن عمر. وكذا إذا نَذَرَ وقال: إن شاء اللهاُ مُتَّصِلاً لا يلزمه شيء.
قال محمد: بلغنا ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر، وكذا قال موسى عليه السلام: {سَتَجِدُنِي إن شاء اللَّهُ صابراً} ولم يصبر، ولم يُعدّ مُخْلِفاً لوعده. والاتصال شرط عمل الاستثناء في الإبطال، فلو انقطع بتنفّس أو سعال ونحوه لا يضر. وعن ابن عباس أنه كان يُجَوِّز الاستثناء المنفصل إلى ستة أشهر، وقيل: إلى سنة لقوله تعالى: {واذْكُرْ رَبَّك إذا نَسِيْتَ} أي: إذا نسيتَ الاستثناء موصولاً فاستثن بمفصول.

ورُوِي أن محمد بن إسحاق صاحب «المغازي» كان عند المنصور، فكان يقرأ عنده المغازي وأبو حنيفة كان حاضراً، فأراد أن يغري الخليفة عليه، فقال: إن هذا الشيخ يخالفُ جدَّكَ في الاستثناء المنفصل، فقال: أَبَلَغَ مِن قدرك أن تخالف جدي؟ فقال: إن هذا يريد أن يُفسدَ عليك مُلكك، لأنه لو جاز الاستثناء المنفصل، فبارك الله لك في عُهُودِكَ إذاً، فإن الناس يُبَايِعونك ويَحلِفون، ثم يخرجون ويستثنون، ثم يخالفون ولايخشَون، فقال: نِعْمَ ما قلت، وغضب على محمد بن إسحاق وأخرجه من عنده.
وأما تأويل قوله تعالى: {واذْكُر رَبَّك إذا نَسِيْتَ} أي إذا لم تَذْكُر إن شاء الله في أول كلامك فاذكره في آخره موصولاً به. كذا ذكره بعضهم. وعندي أنه خاصٌ بما بين العبد وربه في نحو قوله: {إني فاعلٌ ذلك غَداً} ولم يستثن نسياناً، فمتى جاء في ذكره ينبغي أن يستثنىِ ولو في آخِر عمره مرةً. وقيل: المعنى اذكر ربَّك إذا نسيت غيره ولو نفسك، فإن كمال الذكر هو الفَناءُ والاستغراق في نحو شهود المذكور المعبَّر عنه بكمال الحضور.

(
كَفَّاَرة اليَمِينِ)
(
وكفارته) أي كفارة القَسَم واحد من ثلاثة. ويتعينُ بفعل العبد أَحدها (عِتقُ رقبة) أي عبد أو أَمة (أو إطعامُ عشرة مساكين كما هي في الظِّهَار) الظاهر أنه قيد للأَخير، ويُحتمل أن يكون لهما. وفي نُسخة: كما هما في الظهار، أي كالعِتْق والإطعام في كفارة الظهار. وقد تقدم أنه يطعم كل مسكين نِصف صاعٍ من بُرّ، أو صاعاً من غيره. (أو كِسْوَتُهم لكل) من العشرة (ثوبٌ يستُر عامة بَدَنِه) قميص أو إزار ورداء، أو قَبَاء أو كِسَاء على الصحيح. وفي «المحيط»: وهو ظاهر الرواية. وفي «المبسوط»: أدنى الكِسوة ما يجوز فيه الصلاة، وهو مرويٌ عن محمد رحمه الله.

(فلمْ تجز السَّرَاويل) أي فقط، وإلا فهو جائزٌ مع انضمام الرداء اتفاقاً. وعن محمد: لا يجوز السراويل للمرأة، لأن المعتبر رد العُرْي بقدر ما تجوز به الصلاة. والسراويل تجوز فيه الصلاة للرجل دون المرأة. وقال مالك والليث: أدناها للرجل ثوب، وللمرأة ثوبان: درع وخِمار. والمراد بالدرع القميص. وقال الشافعي: ما يُطلق عليه اسم الكسوة: كالسراويل، والإزار والمِقْنَعَة، والطَّيْلَسَان. وعن ابن عمر لا يجزىء أقل من ثلاثة أثواب: قميص، وإزار، ورداء. وعن أبي موسى الأشعري: ثوبان. وذلك لقوله تعالى: {فَكفَّارتُه إطعامُ عَشَرةِ مساكينَ من أوْسَطِ ما تُطْعِمُون أهلِيْكُم أو كِسْوتُهم أو تحريرُ رَقَبةٍ} ففي الآية بدأ بالإطعام لأنه أهون على الأنام، فيكون تَرِّقياً في الكلام. وعكَس الفقهاءُ إيماءً إلى بيان الأفضل، فتأمل.
(
فإن عَجَزَ عنها) أي عن العِتق والإطعام والكسوة. وفي نُسخة: فإن عَدِمها (وقتَ الأداء) وعند الشافعي: وقت الوجوب (صام ثلاثة أيام وِلاء) أي متتابعات. وقال مالك والشافعي في قول واحد في رواية: يُخير بين التتابع وعدمه، لإطلاق قوله تعالى: {فمنْ لمْ يَجدْ فصيامُ ثلاثةِ أيام}.
ولنا قراءة ابن مسعود: «فصيامُ ثلاثةِ أيام مُتتابعات» وهي كالخبر المشهور، فإنه إنما يقْرَأ سماعاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم فصارت قراءته كالرواية المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم فصحت الزيادة والتقييد بها.
ولم تَجُزْ الكفّارة (بلا حِنْثٍ) أي لم تُجزىء قبل الحنثِ، سواء كانت بالمال أو بالصوم.
وقال مالك وأحمد: تُجزىء. وقال الشافعي: إن كانت بالمال تُجزىء، وإن كانت بالصوم لا تجزىء، (وفي وجه تجزىء).

وكان ابن عمر وسليمان وأبو الدرداء يُكفِّرُون قبل الحنث، وكذلك الحسن وابن سيرين. رواه ابن أبي شَيبة. وذلك لما روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حَلَفَ على يمينٍ فرأى غيرها خيراً منها، فليُكفِّر عن يمينه وليأت الذي هو خير»، وكلمة الفاء للتعقيب. وما روى أبو داود بسند صحيح من حديث عبد الرحمن بن سَمُرَة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يا عبد الرحمن إذا حَلَفتَ على يمينٍ فرأيت غيرها خيراً منها، فكفِّر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير»،. وكلمة «ثُم» للتراخي.
ولنا أن الكفارة لِسَتْر الجناية ولا جناية قبل الحنث، لأن عقدَ اليمينِ بدون الحنثِ ليس بذنبٍ إجماعاً، لأنه أَمْرٌ مشروع، فإن في عقدِ اليمين تعظيمَ اسم الله تعالى، والمشروع لا يوصف بالذنب، وإنّما الذنبُ في هتك حرمة اسم الله تعالى بالحنث، فاستحال التكفير قبل الحنث كالطهارة قبل الحدث، فلا يصح كفارة اليمين قبل الحنث، كما لا يصح كفارة القتل قبل الجرح.
وأجيب عما رَوَوْا بأنه يقتضي وجوب تقديم الكفارة على الحِنْث، ولا قائل به. وبأن الحديث الأول معارَضٌ برواية مسلم له أيضاً بلفظ: «فليأت الذي هو خير وليُكفِّر عن يمينه». ورُوي في الصحيحين فيهما بالتقديم والتأخير من حديث أبي هريرة، وعبد الرحمن بن سَمُرة، وعديّ بن حاتم. وبأن الفاء الجزائية تفيد تعقيب ما قبلها في الجملة، كما حُقِّق في قوله تعالى: {إذا قُمتُم إلى الصلاة فاغْسِلُوا وُجُوهَكُم وأيدِيَكُم} والواو تدل على الجمعية، فلا دلالة على تقديم أحد الجزأين على الآخر، كما في: ادخلِ السوق فاشترِ لحماً وفاكهةً، فإنّ المقصود تعقيب دخول السوق لكل من الأمرين.

وأما الحديث الثاني فمعارَضٌ بما أخرجه الإمام أبو محمد قاسم بن ثابت بن حزم السَرَقُسْطي في كتاب «غريب الحديث» عن أبي حازم عن أبي هريرة: أن رجلاً أَعْتَمَ عنده ـ أي أمسى ـ فسأل صِبْيَتُه أُمَّهُم الطعام، فقالت: حتى يجيء أبوكم، فنام الصِّبْيَة، فجاء أبوهم فقال: أَشْهَيْتِ الصِّبْيَة؟، فقالت: لا، كنت أنتظر مجيئك، فَحَلَفَ أن لا يَطْعَمَ، ثم قال بعد ذلك: أيقظيهم وجيئي بالطعام، فسمى الله وأكل، ثم غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بالذي صنع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «من حَلَفَ على يمينٍ فرأى غيرها خيراً منها، فليأته ثم ليكفِّر عن يمينه». قال السَرَقُسْطي: أَشْهَيْتِ الصبية: أي أطعمتهم شهوتهم. و«ثم» قد تجيء للتشريك في الحكم ولا تقتضي الترتيب، كما في قوله عز وجل: {وبَدَأ خَلْق الإنسان من طِيْنٍ ثم جَعَلَ نَسْلَه}...الآية، كذا في «القاموس».

فإن قيل: تعليلكم وتأويلكم مَرْدودان لمخالفتهما النصَّ، وهو قوله تعالى: {ولكن يُؤَاخِذُكُم بما عَقَّدتُم الأيْمَان فكفارتُه} الآية، والفاء للوصل والتعقيب، فيقتضي جواز التكفير بعد اليمين متصلاً بها، وكذا قوله: {ذلك كفارةُ أيْمَانِكُم إذا حَلَفتُم}، رتَّبها على الحَلِفِ لا على الحنث.
قلنا: الحِنث مضمرٌ في النص، بدلالة ما قلنا في قوله تعالى: {فمنْ كان منكم مَرِيضاً أو على سَفَر فَعِدَّةٌ من أيامٍ أُخَر}، ويدل عليه قراءة ابن مسعود: «إذا حلفتم وحنثتم».
(
ومَنْ حَلَفَ على معصيةٍ كعدمِ الكلامِ مع أبَويْهِ) أو أحدهما (حَنِثَ) أي ينبغي أن يحنَثَ في الحال (وكفَّرَ) في الحال بالصوم والمال، لما روينا من الحديث، فإن ظاهرَه يقتضي وجوب الحِنْث إذا لم يكن المحلوفُ عليه معصية، وكان الحِنْثُ خيراً من البِرِّ، فأولى أن يجب عليه الحنثُ إذا كان معصية.

والحاصل: أنه يجب البرُّ في الحَلِفِ على فِعْل الفرض وتَرْك المعصية، ويجب الحنث في عكسه، لقوله صلى الله عليه وسلم «مَنْ حَلَفَ أن يطيعَ الله فليُطعْه، ومَنْ حَلَفَ أن يعصيه فلا يعْصِه» ويرجَّح البر في الحَلِفِ على فعل المباح، لقوله: {واحفَظوا أيْمَانَكم} أي عن الحنث. ويرجَّح الحنث في الحلِفِ على ترك فعل القُرْبة لقوله عليه الصلاة والسلام: «إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمينٍ فأرى غيرها خيراً منها، إلا كفّرت عن يميني وأتيتُ الذي هو خير». رواه الشيخان، وفي لفظ: «أتيت الذي هو خير وكفَّرت عن يميني». ولعل معنى: «كفرت عن يميني» في اللفظ الأول: نويت التكفير عن يميني، أو قدم للاهتمام. والله تعالى أعلم بحقيقة المرام.
ثم اليمين في الحديث بمعنى المقسم عليه، فذُكرَ الكل وأُريد البعض. وقيل: ذكر اسم الحال وأُريد المحل، لأن المحلوف عليه محل اليمين.
(
ولا كفارة في حَلِفِ كافر وإن حَنِثَ مُسْلِماً) وقال الشافعي: يلزمه الكفارة بالمال دون الصوم إذا حنث كافراً، لأنه أهل لليمين، ولهذا يُستحلف في الدعاوى والخصومات.
ولنا قوله تعالى: {فَقَاتِلوا أئمةَ الكفرِ إنّهم لا أيْمَانَ لهم} ولأنه ليس بأهل لليمين، لأن المقصود منها البِرُّ تعظيماً لاسم الله تعالى، والكافر ليس من أهله، لأنه هتك حرمة اسم الله تعالى بإصراره على الكفر، والتعظيم مع الهتك لا يجتمعان.

(
ومَنْ حَرَّمَ) على نفسه (مِلكَه) من طعام، أو ثوب، أو أَمة، أو غير ذلك (لا يَحْرُم عليه) لأن ذلك قلب المشروع، ولا قدرة له عليه (وإن استَبَاحَه) أي عامله معاملة المباح، بأن أكل الطعام، أو لبس الثوب، أو وطء الأمة (كفَّرَ) كفارة يمين. وكذا لو قال: طعام فلان، أو ثوبه، أو أمته عليَّ حرام، فهو يمينٌ، لأن ظاهِرَه الإنشاء، إلا أن يريد به الإخبار عن الحرمة.

وقال مالك والشافعي: لا كفارة عليه، لأنه ليس بيمين إلا في حق الجواري، والنساء في معناهن، فيقتصر على مورده في لزوم الكفارة، لأن تحريمَ الحلال قلبُ المشروع، واليمين عقد مشروع، فلا ينعقد بلفظٍ هو قلب المشروع كقلبه، وهو تحليل الحرام، ولأن ذا ليس إلى العبد، فإن المُحلِّل والمحرِّم هو الله سبحانه، فيلغو.
ولنا قوله تعالى: {يا أيها النبيُّ لم تُحرِّم ما أحلَّ اللَّهُ لك تَبْتَغي مرضاتَ أزْواجِكَ وا غفورٌ رحيمٌ قد فَرَضَ ا لكم تَحِلَّة أيْمَانِكُم} وسبب نزول هذه الآية ما في البخاري عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم شَرِبَ عند زينبَ بنت جحشٍ عسلاً، فعلمت به عائشة فتواصت هي وحفصة أيَّةٌ، وفي رواية: أيَّتُنا، دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلْتقل: إني أجدُ منك ريحَ المَغَافِير، أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما فقالت له ذلك، فقال: «لا بل شربت عسلاً عند زينب ولن أعود». وفيه أيضاً عن عائشة أن التي سقته العسلَ حفصة، وأَن التي تواصت هي وإياها سَوْدَة والمغافير: بالغين المعجمة، جمع مُغفُور بضم الميم والفاء: صَمْغُ بعضِ الشجر يُحَلُّ بالماء وله رائحة كريهة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَكره أن يُوجد منه الروايح، فصدَّق عليه الصلاة والسلام القائلة له ذلك من أزواجه، وحرَّم العسل على نفسه.

وقال الخطَّابي: والأكثر على أن الآية إنما نزلت في تحريم مارية القُبطية حين حرَّمها على نفسه. وذلك أنه روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا بمارية في يوم عائشة، وعلمت بذلك حفصة، فقال لها: اكتمي عليَّ وقد حرمت مارية على نفسي، فأخبرت به عائشة، وكانتا متصادقتين. وقيل: خلا بها في يوم حفصة فأرضاها بذلك واستكتمها، فلم تكتم، فطلقها واعتزل نساءه إِلى شهرٍ ومكث تسعاً وعشرين ليلة في بيت مارية. انتهى. والأول أولى بالاعتبار، لأنه رواية صاحب القضية، وصاحب البيت أدرى بما فيه، فالتمسك به ظاهر، وكذا بالثاني لأن العبرة بعموم اللفظِ لا بخصوصِ السببِ، ولأن التحريم المضاف إلى الجواري لما ثبت يميناً بهذه الآية، فكذا التحريمُ المضاف إلى سائر المباحات دلالة. فإن قيل: روي أنه قال: «والله لا أذوقه» فلذلك سُمِّي تحريماً ولزمته التَّحِلة.

أُجيب بأنه لم يُذكر في الآية ولا في الحديث الصحيح، فلا يجوز أن يُحكم به، ويُقيَّدُ به حُكْمُ النص.

فصلٌ في الحَلِفِ في الفعلِ أو الترك من الدخول والخروج وغيرهما
(
مَنْ حَلَفَ لا يدخلُ بيتاً) وهو ما أُعد للبيتُوتة (يحنَث بدخول صُفَّة) لأنها تُبنى للبيتُوتة فيها في بعض الأوقات، فصارت كالبيت الصيفي. قال شمس الأئمة: إلا أن ينوي بيتاً غير الصُّفة، فيُصدَّق ديانة، لأنه خصَّ العام بنيتِهِ. (لا الكعْبَة) أي لا يحنَث بدخول الكعبة (أو مسجد، أو بِيْعَة) وهي معبد النصارى (أو كنيسة) وهي معبد اليهود (أو دِهليز) بكسر الدال: وهو ما بين الباب والدار (أو ظُلَّة باب دار) وهي الساباط الذي يكون على باب الدار، لأن واحداً من هذه الأشياء لم يُبْنَ للبيتوتة، فلا يكون بيتاً.

(كما) أي مثل ما لا يحنث (في: لا يدخل داراً) وكذا بيتاً، بل أولى (فَدَخَلَ داراً خَرِبَةً) لأن الدار وإن كانت اسماً للعَرْصة أدير عليها الحائط، إلا أنَّ البناء كالصُّفَّة فيها. ولذا يقال: دار عامرة، ودار غامرة. والصِّفة في المنكَّر من كل وجه معتبرة، ليحصل بها تمييزه، فتعلقت اليمين بدار موصوفة لصفة، فلا يحنثُ بعد زوال تلك الصفة.
(
وفي:) لا يدخل (هذه الدارَ، يَحنثُ إنْ دَخَلَهَا مُنهدمةً صحراءً، أو بعدما بُنيت أخرى) لأن الدار هنا معينةٌ والصِّفة في المُعينِ إذا لم تكنْ باعثةً على اليمينِ غير معتبرة، لعدم الاحتياج إليها وتعين الموصوف بدونها، فتعلقت اليمينُ بذاتِ الدار دون صفتها.
(
أو وقف) عطف على دَخَلَها، أي ويحنَث إن وقف (على سطحها) لأن سطح الدار منها، ولذا لا يجوز الوقوف للحائض والجُنب على سطح المسجد، وبه قال بعض الشافعية.
(
وقيل: في عُرفنا) أي في عرف العَجَم (لا يحنَث كما) أي مثل ما لا يَحْنَث (لو جُعلت) الدارُ التي حلف على دخولها (مسجداً، أو بُستاناً، أو بيتاً) أو نهراً، لأن اسمها تَبَدَّل، وَتَبَدُل الاسم كتبدل العين، فبقاء الاسم دليل بقاء المُسمَّى، وزوالُه دليل زواله.
(
أو دَخَلَها) أي الدار (بعد هدم الحمّام) الذي جعلته الدار، سواء بقي صحراء أو جُعل داراً أخرى، لأنه بالانهدام لم يَعُد له اسم الدار، وعودُه له ببنائه داراً أخرى مُنزَّل مَنْزِلَة اسم آخر، نظراً إلى تبدُّلِ السبب.

(و: كهذا البيت) أي وكما لا يَحْنَث إذا حَلَفَ لا يدخل هذا البيت (ودخله) حالَ كونِهِ (منهدماً صحراءَ) لزوال اسم البيت عنه، فإنه لا يُبات فيه حينئذ، ولو بقيت الحيطان دون السقف يحنَث، لأنه يبات فيه (أو) دَخَلَه (بعدما بُني بيتاً آخر) لأن اسم البيت لما عاد إليه بعد زواله عنه بالانهدام، صار بمنزلة اسم آخر، (أو) لا يدخل (هذه الدار) أو هذا البيت (فوقف في طاق الباب) للمحلوف عليه أو عتبة له وكان الباب بحيث (لو أُغلِقَ كان) ذلك الواقف (خارجاً) عن الدار أو البيت، فإنه لا يحنَث، لأن غَلْقَ باب الدار أو البيت لإحراز ما فيهما، فما كان داخلاً عنه فهو فيهما، وما لا فلا.

وفي «الكافي شرح الوافي»: لو حلف لا يدخل بيت فلان ولا نية له، فدخل في صحن داره لم يحنَث حتى يدخل البيت. قال: وهذا في عرفِهِم، أي المتقدمين، وأما في عُرفنا فالدار والبيت واحد، فيحنث إن دخل صحن الدار، وعليه الفتوى.
(
أو: لا يسكنها) أي الدار (وهو ساكنها، أو: لا يَلبَسه) أي الثوب (وهو لابسه، أو: لا يَرْكبه) أي المركوب (وهو رَاكبه فأخَذَ) أي فشرع فوراً (في النُّقْلة) عن الدار (ونَزَع) الثوب (ونَزَل) عن الدابة (بلا مُكثٍ) لا يحنث. وقال زُفَر: يحنث لوجود الشرط، وهو تحققه بعد فراغ حَلِفِه من السُّكنى واللُّبس والرُّكوبِ وإن قلّ.
ولنا أنّ اليمين تعقدُ للبِرَّ، فيُستثنى منها زمان تحققه بعد فراغ حَلِفِه من السكنى، لأن مواضع الضرورة مستثناة عن قواعد الشرع. وهذا لأن البِرَّ مأمور به، والحنثَ منهيٌ عنه لقوله تعالى: {واحفظُوا أيْمَانَكم}. والظاهر أن يَقصِدَ المأمور به. قيد بقوله: بلا مُكث، لأنه لو مَكَثَ ساعة على حاله حَنِثَ، وبه قال مالك والشافعي وأحمد.

(أو: لا يدخلُ) هذه الدار وهو فيها (فقَعَدَ فيها) ولو أياماً لا يحنث (إلا أن يَخرُجَ ثم يدخل) استحساناً، لأن الدخول مما لا يمتد، فإنه الانتقال من خارج إلى داخل، فلا يكون لدوامه حكم الابتداء. والدليل عليه قوله تعالى: {فَلاَ تَقْعد بعد الذِّكْرَى} أي لا تَمْكُث قاعداً. وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النظرةَ، فإن الأولى لك والثانية عليك»، بخلاف السُّكنى، واللُّبْس، والركوب، والقعود، والقيام والنظر ونحو ذلك مما يمتد، فإنه يكونُ لِدوامه حكم الابتداء. والقياس أن يَحنَثَ، وهو قول الشافعي، لأن للدوام حكم الابتداء، حتى لو نوى بالدخول الدوامَ صحت نيته، ولو لم يكن له حكمَ الابتداء لما صحت.
(
وفي: لا يسكن هذه الدار) أو المَحَلَّة، أو هذا البيت (لا بد) عند أبي حنيفة (من خروجه بأهله ومَتاعِهِ أجمع، حتى يَحنث بوَتَدٍ بَقِيَ) وبه قال أحمد. وقال مشايخنا: لا يحنَث ببقاء نحو الوتد والمِكْنَسَة، لأنه لا يُعد به ساكناً. وعند أبي يوسف: لا بد من خروجه بأهله وأكثر مَتَاعهِ وعليه الفتوى. كذا في «المحيط» و «الفوائد الظهيرية»، لأن نَقلَ الكلِ قد يتعذرُ، وببقاء الأقل لا يُعد ساكناً. وعند محمد: لا بد من خروجه بأهله ومتاعه الذي يقوم به ضَرُورَاتُهُ، لأن بقاءَ ما وراءَ ذلك ليس بِسُكْنى. وفي «شرح المجمع»: واستحسنه المشايخ وعليه الفتوى، وهو أصح ما يُفتى به من التصحيحين كما ذكره الطرابلسي.

وقال أبو الليث: إن سَلَّم داره بإجارة أو رد المستأجر إلى المؤجِر لا يحنَث، سواء اتخذ داراً في موضع آخر أو لم يتخذ، لأنه لم يبق ساكناً. ولو كان في طلب مسكن آخر وترك الأمتعة فيها أياماً لا يَحنَث في الصحيح، لأن طلب المنزل من عمل النُّقلة، فصارت مدة الطلب مستثناة بحكم العرف إذا لم يُفرط في الطلب. وبه قال مالك والشافعي وأحمد.

وفي لا يدخل دار زيد ولا نية له حَنِث بالدخول (في المستأجرة والمستعارة عندنا كالمملوكة. وخصّه مالك والشافعي بالدخول) في المملوكة أو لا. وفي لا يدخل دار فلان وله دار يسكنها ودار غَلَّة، فدخل دار الغَلَّة لا يَحْنَث. وفي لا يدخل دار فلانة فدخل دارها وزَوْجُها يسكنها لا يحنَث، لأن الدار تُنسب إلى الساكن. ذكره الزَّيلعي.
وشرط أبو يوسف للحنث إضافتها إليه وقت الحَلِفِ، كوقت الشرط، لأن أفهام الناس تقع على ما في مِلكِهِ يوم اليمين والحنث جميعاً في العادة.
واكتفيا لحنثه بدخوله داراً يملِكُها بعد اليمين، لأنه عَقَد بيمينه على دار غيرِ مشارٍ إليها فلا يختص بالموجودة في الحال كما في قوله: لا أكلم عبد فلان، أو لا آكُل طعامه، أو لا ألبَس ثوبه. وأما ما ذكر من العادة فغير مستمرة، بل هي مشتركة.
(
بخلافِ المِصْر والقَرْيةِ) فإنه لو حلف لا يسكن هذا المصر فخرج منه وترك أهله ومتاعه فيه لا يَحْنَث فيما رُوي عن أبي يوسف. ونَقله أبو الليث في «أماليه»، لأنه لا يعد ساكناً فيها، لأن الرجل قد يكون ساكناً في مصرٍ وله في مصرٍ آخر أهل ومتاعٌ. والقرية قيل بمنزلة الدار، وقيل بمنزلة المصر، وهو المختار. (وحَنِث في لا يَخرُجُ لو حُمِلَ وأخرِج بأمرِهِ) لأن فعلَ المأمور يُضاف إلى الآمر، فصار كما إذا ركب دابة فخرجت (لا) يحنثُ (إن أُخرجَ بلا أمرِهِ) سواء كان (مُكْرَهاً) أي غير راضٍ (أو راضياً) لأنه لم يوجد منه خروج لا حقيقةً ـ وهو ظاهر ـ ولا حكماً، لأنه لم يأمر به. وبه قال الشافعي في الأصح وأحمد في رواية.

(ومِثلُه) أي ومثل «لا يخرج» (لا يدخل أَقسَاماً) بفتح همزة، جمع قِسم بكسر أوله وهي ثلاثة بأمره وبلا أمره مكرهاً أو راضياً (وحكماً) وهو الحنث في الأول وعدمه في الآخرين. (ولا) يَحنَثُ (في لا يخرجُ إلا إلى جنازة، إن خَرَجَ إليها) وفي نُسخة: فخرج يريدها (ثم أتى إلى أَمرٍ آخر) لأن الخروج هو الانفصال من الباطن إلى الظاهر وهو موجود بالنسبة إلى الجنازة دون الأمر الآخر، فإن الموجود في حقه الإتيان، وهو الوصول، وهو ليس بخروج، والدوام على الخروج ليس بخروج أيضاً لعدم امتداده.

(
وحنِث في لا يخرجُ إلى مكّة، فخَرَجَ يُريدُها) وجاوز عمران مِصرِه (ورَجَعَ) لتحقُّقِ الشرط وهو الخروج إلى مكة، وإنما قيدنا بمجاوزة العمران، لأنه لو رجع قبل مجاوزتها لا يحنث، لأن الخروج (إلى مكة سفر، وهو لا يتحقق إلا بمجاوزة العمران، وذلك لأن الخروج) انفصال عن الداخل إلى الخارج. وإذا انفصل عن وطنه قاصداً مكة فقد خرج إليها. قال الله تعالى: {ومَنْ يَخْرجْ من بيتِهِ مُهاجِراً إلى ا ورسوله} الآية، والمراد بها من مات قبل وصوله إليه (لا) يحنت (في) حَلِفِهِ (لا يأتيها) أي مكة (حَتّى يدخُلَها) لأن الإتيان هو الوصول قال الله تعالى: {فأْتِيَاهُ فقولا إنَّا رَسُولا ربك}.
(
وذَهَابه كخروجِهِ) فإذا حلف لا يذهب إلى مكة، فخرج يريدها حَنِثَ (في الأصح) وهو قول محمد بن سَلَمة. وقال نصر بن يحيى: هو كإتيانِهِ، فلا يحنَث حتى يدخلَها لقوله تعالى: {اذْهَبَا إلى فِرْعونَ إنَّه طَغَى فَقَولا له}، ووجه الأول قوله تعالى: {إنما يُريدُ ااُ ليُذهِبَ عنكُمُ الرِّجْسَ أهلَ البيتِ} ليُزِيله. وإذا كان الإذهاب بمعنى الإزالة، كان الذَّهاب بمعنى الزَّوال. وهذا الاختلاف إذا لم يَكُنْ له في الذهاب نية، فإن نوى الخروجَ أو الإتيانَ فعلى ما نوى، لأنه مُحتَملُ كلامِهِ.

(وفي: ليأتين مكة ولم يأتها) ومضى عليه مدة (لا يحنَث إلا في آخر حياته) لأن شرطَ الحنث فوتُ الإتيان، وهو لا يتحقق إلا في آخر جزء الحياة، لأن البِرَّ مرجوٌ ما دَام حياً.
(
وحَنِثَ في: ليأتينه غداً إن استطاع) إتيانه (إن لم يأته بلا مانع كمرض أو سلطان) لأن الاستطاعة في العُرْف سلامَةُ الأسباب، والآلات، وارتفاعُ الموانع الحسيَّة، فينصرف اللفظ إليها عند الإِطلاق، ومن ذلك قوله تعالى: {و على النَّاسِ حِجُّ البيتِ مَن استطاعَ إليه سبيلاً} وفسّره النبي صلى الله عليه وسلم بِمِلك الزَّاد والرَّاحلة. وقوله سبحانه: {وأعِدُّوا لهم ما استطعتم مِنْ قُوَّة} وفسرها النبي صلى الله عليه وسلم بالرمي.
(
ودُيِّنَ نَِّيةَ الحقيقة) أي صُدِّق دِيَانة إن قال: نويت حقيقة الاستطاعة، وهي القدرة الحقيقية التي يُحدثها الله تعالى للعبد حال قصد اكتسابه الفعل، بعد سلاَمةِ الأسباب والآلات، ولا تكونُ إلا مقارِنَةً للفعل. قال الله تعالى: {ولَنْ تَستطِيعُوا أنْ تَعدِلُوا بين النساء}، {فما أسْطعاعُوا أن يَظهرُوه وما استطاعوا له نَقْباً} وإنما صُدِّق دِيَانةً لأنه نوى محتمل كلامه لا قضاءً، لأنه نوى خلاف الظاهر. وفي رواية صُدِّق قضاءً أيضاً لأنه نوى حقيقة كلامه، وهذا بناء على أنه إذا نوى حقيقة كلامه والظاهرُ لا يخالفه، يُصدَّق دِيَانة وقضاءً، وإن كان يُخالفها ففي تصديقه قضاءً روايتان.

(
وشُرِطَ للبِرِّ في: لا تَخْرُج) امرأته (إلا بإذنه، لكل خروجٍ إذنٌ) حتى لو خرجت بإذنه مرة، ثم خرجت مرة أخرى بلا إذنه يحنث، لأنه استُثني من المحلوف عليه خروجاً ملصوقاً بالإذن، فكل خروج لا يكون كذلك فهو داخل في اليمين.

والحيلة في ذلك أن يقول لها: كلما أردت الخروج فقد أذنت لك. ولو قال: أردت إلا بإذني مرةً صُدِّق دِيَانةً، لأنه نوى محتمل كلامِهِ، لا قضاءً لأن فيه تخفيفاً عليه (لا في) لا تخرج (إلا أن آذن) أي لا يُشترط لكل خروج إذن في: لا تخرج إلا إن أَذِن، حتى لو خرجت بإذنه مرة، ثم خرجت مرة أخرى بلا إذنه لا يحنث، لأن: «إلا أن» بمعنى حتى فيما يتوقت، قال الله تعالى: {إلا أن يُحاط بكم}، أي حتى يُحاط بكم.
ألا ترى أنه لا يَستقيمُ إظهار المصدر هنا، بخلاف إلا بإذني، فإنه يستقيم أن يقول: إلا خُروجاً بإذني، فعرفنا أنه (صفة المستثنى. وهنا لو قال: إلا خروجاً إن أذن لك، كان كلاماً مختلاً، فعرفنا أنه) بمعنى التوقيت، فإن قيل: يشكل هذا بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلُوا بيوتَ النبيِّ إلا أن يُؤْذَنَ لكم} فإنَّ الإذن لا بد منه في الدخول إلى بيت النبي في كل مرة.
وأجيب بأن ذلك ثبت بآخر الآية وهو قوله تعالى: {إن ذلكم كان يُؤذي النبيَّ} والإيذاء موجود في كل مرة، أو بدليل آخر من الأُصول، وهو أن الدخول في ملك الغير بغير إذنه حرام. ولو قال: أردت إلا أن آذن كل مرة صُدق ديانةً وقضاءً، لأن في ذلك تشديداً عليه.
(
وللحِنْث) عطف على للبِرِّ، أي وشرط للحنث (في: إن خرجت وإن ضربت) فأنت طالق (لمُريْدة خروج) في الأولى (أو ضربِ عبدٍ) في الثانية (فِعْلُهُما) أي فعل الخروج وفعل الضرب (فوراً) أي في الحال، وهو في أصل اللغة مصدر فارت القِدْر إذا غَلَت، استُعيرت للسرعة والحالة التي لا لبث فيها، حتى لو جلست ثم خرجت أو تركت ضَرْب العبدِ، ثم ضربته لم يحنث، لأن مرادَ المتكلِّمِ الخروجُ والضربُ في تلك الحالة، فيتقيد بها. والاعتبار بالعرف.
(
وفي إن تغديت) عطف على في إن خرجت. أي وشُرط للحنث في: إن تغديتُ، من غير أن يقول: معك أو معه، فعبدي حر (بعد) قول القائل (تَعَالَ تَغَدَّ معي، تغدّيه معه) فوراً.

وقال زفر ومالك والشافعي: لا يشترط، لأنه عقد يمينَه على مطلق الغداء. ولنا أنه عقد كلامه على غداءٍ معين وهو الغداءُ المدعو إليه الذي بين يديه، لأن كلامه خرج مَخْرَج الجواب. والغداءُ في السؤال معين وكذا في جوابه. وقد تفرد بإظهار هذه اليمين الفورية أبو حنيفة. وكان الناس يقولون: اليمين على نوعين: مطلقة، ومؤقتة بوقت، فاستنبط أبو حنيفة من العرف هذه، وهي مطلقةٌ لفظاً مؤقتةٌ معنًى. وقيل: إنما أخذها من حديث جابر بن عبد الله وابنه حين دعيا إلى نُصرة إنسان، فحلفا أن لا ينصراه، ثم نصراه بعد ذلك ولم يحنثا.

(
وكفى) في الحنث (مطلق التعدّي إن ضَمَّ اليومَ) بأن قال: إن تغديت اليومَ فعبدي حرٌ بعد قول القائل: تعال تغدّ معي، لأنه لما زاد على الجواب كان مبتدئاً لا مجيباً حذراً عن إلغاء الزيادة، فإن قيل: إن موسى عليه السلام زاد في الجواب حين سئل عن العصا ولم يُجعل مبتدئاً بل جعل مُجيباً. أُجيب بأن السؤال في الآية لما كان بـ:«ما» وهي تقع للسؤال عن الذات، والسؤال عن الصفات، جمع بينهما عليه الصلاة والسلام في الجواب ليكون مجيباً على كل تقدير.
(
ومَرْكَبُ) العبد (المأذون ليس لمولاه في حق الحَلِفِ) فلا يحنث مَنْ حَلَفَ لا يَركبُ مركب فلان، وهو سيد له عبيد، فركب الحالف مركب عبده المأذون.

(إلا إذا لم يكن عليه دينٌ مُستغرِقٌ) لرقبته وكسبه، بأن لم يكن عليه دين أصلاً، أو كان دين لا يستغرق (ونواه) أي والحال أنه قد نوى الحالف مركب المأذون، فإنه يحنَث حينئذٍ وهذا عند أبي حنيفة، لأن الملك عنده للعبد إذا كان عليه دين مستغرق فلا يدخل في يمينه نواه أو لا، وللمولى إذا لم يكن عليه دين مستغرق لكنه يضاف إلى العبد، فيدخل إن نواه. وقال أبو يوسف: يحنث في الوجوه كلها إذا نواه، لأن الملك عنده للمولى إلا أنَّ الإضافة إليه قد اختلَّت لإضافته إلى العبد عُرفاً، فلا يدخل إلا بالنية. وقال محمد: يحنث في الوجوه كلها وإن لم ينو، لأن العبد وما في يده لمولاه. وبه قال مالك والشافعي وأحمد.
قيد بالمأذون لأن مركب المكاتب ليس مركباً لمولاه بالاتفاق.
(
ويُقََّيدُ الأكل) في: لا آكل (من هذه النخلة) ولها ثمر (بثمرها) فيحنث بطلْعِها وبُسرها ورُطَبِها ودِبسها الذي يسيل منه، وبه قال الشافعي وأحمد. وأما لو لم يكن للنخلة ثَمَرٌ، فيتقيد الأكل بثمنها، إذ النخلةُ لا تُؤكل، فتعذر العملُ بالحقيقة، فيصير إلى المجاز، لكن شُرِط أن لا يتغير بصنعةٍ حَادِثَة، فلهذا لا يحنثِ بخَلها والدِّبس المطبوخ منها، لأن ذا مضاف إلى فعل حادث، فلم يبق منسوباً إلى الشجر، فلم يصح أن يدخل في المجاز.
والكَرْم في معنى النخلة، فيحنَث بعنَبِه، وعصِيره، وزبِيبِه، دون دِبسه المطبوخ منه.
(
وهذا البُرّ) أي ويُقَيَّد الأكل من هذا البر (بأكله قَضْماً) وهو الأكل بأطراف الأسنان، فلا يحنث بأكل خبزه ولا سَويْقِهِ، وهذا عند أبي حنيفة، وبه قال مالك والشافعي. وقال أبو يوسف: يحنَث بخبزه لا بسويقه. وقال محمد: يحنث بهما. وأما القَضْم فََيْحنَث به عند الكل إلا أحمد. وفي «الفوائد الظهيرية»: إن هذا الخلاف إذا لم يكن له نية، فأما إذا نوى فيمينُه على ما نوى باتفاق، لأنه نوى حقيقة كلامه أو محتَمَله.

(وهذا الدقيق) أي ويقيد الأكل من هذا الدقيق (بأكل خبزه) وعصيدته، لأن عينَ الدقيق غير مأكول، فانصرف يمينه إلى ما يُتخذ منه، وبه قال مالك وأحمد (فلا يَحنثُ لو استفَّه كما هو) لأن الحقيقة مهجورة في الاستعمال عادة، فسقط اعتبارها. وقيل: يحنث لأنه أكل الدقيق حقيقة. والصحيح: أنه لا يحنَث إلا إن نواه، فإنه يحنَث به لا بِخُبْزِهِ.
(
وأكلُ الشواء) هو بالرفع عطف على الأكل. أي ويقيد أكل الشواء (باللحم) لأنه المتبادر دون البيض المشوي، أو الباذنجان، أو الجوز، وهو قول أحمد، إلا أن ينوي كل مشوي، فتصح نيته لأن فيه تشديداً عليه (والطبخِ) عطف على الشواء، أي ويُقَيّدُ أكل الطبخ (بما طُبِخَ من اللحم) لأنه المفهوم في العرف، ولا بُدَّ أن يُطبخ بالماء، لأن المقلي اليابس لا يُسمى طبيخاً، (ولو أكل الخبز بالمَرَقة التي طُبخ فيها اللحم يحنث، لأنها تُسمى طبيخاً) وفيها أجزاء اللحم.
(
والرأسِ) أي ويُقَيّد أكل الرأس (برأسٍ يُكبس في التنانير) أي يُدخل فيها (ويباع) ذلك الرأس المتعارف (في مصره) أي في بلده من الإبل والبقر والغنم. وكان أبو حنيفة أولاً يقول: إذا حلف لا يأكل رأساً يحنث برأس الغنم والإبل والبقر، ثم رجع وقال: يحنَث برأس البقر والغنم خاصة. وقالا يحنَث برأس الغنم خاصة، وهذا اختلاف عصرٍ وزمانٍ لا اختلاف حجة وبرهان. كان العرف في زمانه أولاً في الثلاثة، ثم في البقر والغنم، وفي زمانهما في الغنم خاصة.
وفي زماننا يفتى بحسب العادة كما ذكره المصنف، لأن كل رأس ليس بمراد للقطع بعدم إرادة رأس نحو الجراد والعصفور، فوجب الرجوع إلى العرف لأنه الأصل في مسائل الأَيمان. وعند الشافعي يمينه على ما يباع منفرداً عن بدنه ولحمه. وعند مالك وأحمد على رأس كل حيوان من الغنم والصيد والطير والحيتان. وهذا إذا لم ينو نوعاً، فإن نوى فيمينه على ما نوى بالإجماع، وعلى هذا الخلاف الشواء.

(والشَّحْمِ) أي ويقيد أكل الشحم (بشحمِ البطن) حتى لو أكل شحم الظهر، وهو الذي خالطه لحمه لم يحنَث وهذا عند أبي حنيفة. وهو قول مالك والشافعي في الأصح. وقال أبو يوسف ومحمد: يحنث بشحم الظهر أيضاً، وهو وجه في مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد. وكذا الخلاف في الشحم المختلط بالعظم، والشحم على ظاهر الأَمعاء. ويؤيد قول صاحبيه أن الله تعالى استثنى شحم الظهور من الشَّحم حيث قال: {ومن البقر والغنم حَرَّمنا عليهم شُحومَهُما إلا ما حَمَلَت ظُهُورُهما أو الحَوَايا أو ما اختَلَط بعَظْم} وحقيقة الاستثناء أن يكون المُستثنى من جنس المستثنى منه.

(
والخُبز) أي ويقيد أكلُ الخبزِ (بخبز البُرّ والشَّعير) لأنه هو المعتاد في غالب البلاد. وقال مالك والشافعي: يحنث بأي خبز كان (لا خبز الأرُزّ) بفتح الهمزة وضم الراء وتشديد الزاي على أشهر لغاته، وفيه لغات أُخر خمس. أي لا يقيد أكل الخبز بخبز الأرُزّ ولا بخبز الذرة (ببلد لا يُعتاد) فيه، أما لو كان ببلد يعتاد خُبز الأَرُز كطُبرستان أو خبز الذرة (كزَبِيد، يحنث به. وكذا لو كان من أهل بلد لا يعتادون أكل خبز الشعير، لا يحنث ولو اعتادوا أكل خبز الذرة والدُّخْن) كأهل الحجاز واليمن يحنث بأكله. (والفاكهةِ) أي ويقيد أكل الفاكهة (بالتفاح، والمِشْمِش، والبطِّيخ) والخوخ، والتين، والسفرجل، والكُمَّثْرى ونحو ذلك (لا العنب) أي لم يقيد أكلَ الفاكهة بالعنب (والرُّمَّان والرُّطَب والقِثَّاء والخِيَار).

وقال أبو يوسف ومحمد: العنب والرُّمان والرطب فاكهة، وبه قال مالك والشافعي وأحمد. والأصل أن الفاكهة اسم لما يُتفكه به قبل الطعام أو بعده، زيادة على الغذاء الأصلي. وهذا المعنى موجود في التفاح وأخواته، فيحنث بها، وغير موجود في القِثاء والخِيَار لأنهما من البقول، وأما العنب والرمان والرطب فهم يقولون: معنى التفكه موجود فيها، فإنها من أعز الفواكه، والتنعم بها فوق التنعم بغيرها. وأبو حنيفة يقول: إن العنب والرطب يؤكلان للغذاء حتى يُكْتفى بهما في بعض المواضع. والرُّمان قد يُستعمل للدواء فنقصت الثلاثة في معنى التفكه وهو التنعم. قال الله تعالى: {انقلبوا فَكِهِيَن} أي متنعمين، فلا يتناولها مطلقُ اسمه.
ألا ترى أن يابس هذه الأشياء ليس من الفواكه، فالزبيب والتمر من الأقوات، وحبُّ الرُّمان من التوابل. والفاكهة لا يَختلفُ رطبها ويابسها في معنى التفكه، ولذا قال شمس الأئمة: البِطيخ ليس بفاكهة، لأن ما لا يكون يابسه فاكهة فرطبه كذلك، كالتين والمِشمِش والخوخ. وأيضاً أنه سبحانه عطفها على الفاكهة في آية وعطف عليها الفاكهة في أخرى، والعطف يقتضي المغايرة. قال الله تعالى: {فيهما فاكهةٌ ونخلٌ ورُمَّان}، وقال الله تعالى: {وعِنَباً وقَضباً وزيْتوناً ونَخْلاً وحدائقَ غُلباً وفاكهةً وأبًّا} وهذا إذا لم يكن له نية، فإن نوى فيمينه على ما نوى بالإجماع. وفي «المحيط»: العبرة للعُرْف فما يؤكل عادة على سبيل التفكه، ويُعد فاكهة في العرف يدخل في اليمين، وما لا فلا.

(والشُرْبُ) بالرفع عطف على الأكل، أي ويقيد الشرب إذا حَلَفَ لا يشرب (من نهرٍ) كدِجلة (بالكَرْع منه) وهو تناول الماء بالفم من موضعه كما تتناول الدابة، (فلا يحنَث لو شرب منه بإناء) وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: يحنث به كالكرع. وهذه المسألة مبنيةٌ على أنَّ الأَولى اعتبار الحقيقة المستعملة وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، أو عموم المجاز المتعارف، وهو قولهما.
(
بخلاف الحَلِفِ) لا يشرب (من مائه) حيث يحنث بالشرب منه بإناء أو بغيره اتفاقاً، لأنه بعد الاغتراف منسوب إلى ذلك النهر وهو الشرط. ونظير المسألتين ما لو حلف لا يشرب من هذا الكوز، فصب الماء الذي فيه في كوز آخر وشرب منه حيث لا يحنث باتفاق. ولو قال: من ماء هذا الكوز يحنث باتفاق.
(
وتحليفُ الوالي) بالرفع عطف على الأكل، أي ويقيد تحليفُ الوالي (رجلاً لِيُعلِمَه بكل داعرٍ) بدال مهملة، أي مفسد فاجر (أتى) إلى البلد (بحال ولايته) متعلق بـ:يُقيَّد، وإنما يتقيد الحَلِفُ بذلك لأن غرض المُستحلِف دفعُ شر الدَّاعر وغيره بالضرب ونحوه، فلا يفيد إعلامه بعد زوال ولايته، لعدم قدرته على ذلك. وعن أبي يوسف: أنه لا يقيد بحالِ ولايته. وإعلامه بعد عزله مفيدٌ أيضاً لاحتمال أن يتولى بعد ذلك، فيؤدِّب الدَّاعر، أو أنه يَسعى في تأديبه عند من له الولاية، وبه قال الشافعي في قول واحمد في روايه.

(والضرب) أي ويُقيد الضرب. (والكِسْوة، والكلام، والدخول عليه بالحياة) أي بحياة المحلوف عليه، حتى لو فعل به هذه الأشياء بعد موته لم يحنث الحالف، لأن هذه الأشياءَ لا تتحقق في الميت من الحالف، لأن الضرب هو الفعل المؤلم، ولا يتحقق في الميت الإيلام. والمراد بالكلام الإفهام وأنه يختصُ بالحيّ من الأنام، وبالكِسْوة عند الإِطلاق التمليك، ولا تمليك من الميت. وإن نوى به الستر صح، لأنه محتملُ كلامِهِ، فلو كفَّنه حنث. وبالدخول الزيارة عرفاً في موضع يجلس فيه للزيارة والتعظيم، حتى لو لم يقصده بالدخول بأن دخل على غيره أو لحاجة أُخرى لا يكون دخولاً عليه.
فإن قيل: روى البخاري من حديث أبي طلحة أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر أمر بأربعةٍ وعشرين رجلاً من صَناديد قريش فقُذِفُوا في طَوِيّ من أطواءِ بدر خَبيثٍ مُخْثٍ، وكان إذا ظَهَرَ على قومٍ أقام بالعَرْصة ثلاث ليالٍ، فلما كان ببدر اليومَ الثالثَ أمرَ براحِلتهِ، فَشُدَّ عليها رحلُها ثم مشى وتبعه أصحابه، وقالوا: ما نَرَى يَنْطلِقُ إلا لبعض حاجته، حتّى قام على شَفَةِ الرَّكِيِّ، فجعل يُناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن فلان، أيسرُّكم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنّا قد وجدنا ما وَعَدَنا ربُّنا حقاً، فهل وجدْتُم ما وعد ربكم حقاً؟ فقال عمر: يا رسول الله ما تُكلمُ من أجسادٍ لا أرواح لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «والذي نفسُ محمدٍ بيدِه ما أنتم بأسمعَ لما أقول منهم». والطَوِيّ: بفتح المهملة وكسر الواو وتشديد الياء: البئر المطوية بالحجارة. والرَّكي: على وزنه: البئر.

أجيب بأن عائشة تقول: إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «ما أنتم بأسمع منهم» ما أنتم بأعلم منهم مستدلَّة بقوله تعالى: {إنك لا تُسمع المَوْتَى} {وما أنت بمُسمعٍ مَنْ في القُبور}

ولو سُلِّم فذلك من خصوصيات رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قتادة: أحياهم الله تعالى حتى أسمعهم قوله توبيخاً وتحسيراً وتنديماً، كذا ذكره بعضهم. والأظهر أنهم يسمعون، لكنهم على الرد ما يقدرون، ولذا سُنَّ في مقبرة المسلمين التسليم عليهم والقراءة لديهم، لكن مبنى العُرف على سماع من (يكون حياً) شأنه الاستطاعة على رد الكلام. قال الشارح: فإن قيل: الميت يزار، قلنا: لا بل قَبْرُه. قال عليه الصلاة والسلام: «كنت نَهَيتُكم عن زيارة القبور فَزُوروها».
ولو دخل عليه وهو نائمٌ لا يكون زائراً، فههنا أولى. ولا يخفى أنه ورد: «من زارني ميتاً فكأنما زارني حياً». والتحقيق: أن الزيارة للقبور ظاهراً ولأَصحابها باطناً لما سبق من السلام والكلام. وأما قوله: لو دخل عليه وهو نائم لا يكون زائراً، فمحمول على العُرف وإلا فلا شك أنه قصد الزيارة وحصل له أجرها. ففي الأثر المشهور: «خير الزيارة فَقْد المزور».
(
لا الغُسْل) أي لا يقيد الغُسْل بالحياة في حَلِفِه لا يغسل، وكذا الحمل والمسّ لا يتقيد بحال حياته لتحقق الكل في حال حياته ومماته. ولو حلف ليضربنَّه بالسوط حتى يموت أو حتى يقتله يراد به (أشدُّ الضرب، لأنه المراد في العرف، وليضربنه بالسيف حتى يموت أو يقتله) الحقيقةُ وهو الموت. والله سبحانه أعلم.
(
والقريب) أي ويقيد القريب (بما دون الشهر في) حَلِفِهِ (ليقضين دَيْنَه إلى قريب، والشهر بعيد) ولم يقدرهما الشافعي وأحمد بشيءٍ لوقوعهما على القليل والكثير، وإنما حَكَما بحنثِه إذا مات قبل أن يقضيه مع التمكن. ولعلهما أخذا من قوله تعالى: {إلى أجلٍ قريب}.
ولنا أن كلاً منهما أمر إضافي فيعتبر فيهما العُرْف، وهو بما قلنا، إلا إذا كانت له نيةٌ فيُحمل عليه (وما اصْطُبِغَ به) بصيغة المفعول، أي غُمس فيه كالخل، والزيت، والمَرَق (فإدام) يحنث به إذا حلف لا يأكل بإدام.

(وكذا الملح لا الشِّواء) قال ابن الأنباري: الإدام ما يُطَيِّبُ الخبز ويُصلِحُه ويَلَتذُّ به الآكل، وهو يعم المائع وغيره. وأما الصِّبْغ فمختص بالمائع وهو ما يغمس فيه الخبز ويلوث به. وفي «النهاية»: وحاصل ذلك على ثلاثة أوجه: فالخل، والزيت، واللبن، والعسل، والزّبد وأمثالها مما يُصبغ به إدامٌ بالإجماع. والبِطيخ، والعنب، والتمر وأمثالها مما يؤكل وحده غالباً ليس بإدام باتفاق. واختلفوا في الجُبن، والبيض، واللحم، فجعلها محمد إداماً، وهو رواية عن أبي يوسف. وأبو حنيفة رحمه الله غير إدام، وهو رواية عن أبي يوسف أيضاً.

ولمحمد أنها تؤكل مع الخبز غالباً، فكانت تبعاً له، ولأبي حنيفة أن حقيقة التبعية بالاختلاط، وعدم الأكل وحده. ووافق محمداً مالك والشافعي واختاره أبو الليث، لأن الإدام مُشتق من الموادمة وهي الموافقة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمُغيرة حين خطب امرأةً: «انظر إليها، فإنه أحْرَى أنْ يُؤْدَم بينكما»، أي يوافق. فما يُؤكل مع الخبز غالباً فهو موافقٌ له، فيكون إداماً. ويؤيده ما رُوي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «سيد الإدام في الدنيا والآخرة اللحم» وقال: «سيد إدامِكم اللحم»، رواه ابن ماجه. والجوزُ واللوزُ والبقلُ وسائر الفواكه ليس مما يُؤكل مع الخبز، فليس إداماً، إلا إذا تَعَارف أهل بلد أكلها تبعاً للخُبز، كأكل أهل الحجاز الكُرَّاث مع الخبز، وأهل مصر البصل معه، وهذا إذا لم تكن له نية وأما إذا كانت، فعلى ما نوى بالإجماع.

(ولا يَحْنثُ في) حَلِفِهِ (لا يأكلُ من هذا البُسر فأكله رُطَباً، أو) لا يأكلُ (من هذا الرُّطب، أو اللبن فأكله) أي أكل ذلك الرُّطب حال كونه (تمراً، أو) أكل ذلك اللبن حال كونه (شِيْرَازاً) وهو اللبن الخاثرُ إذا استُخْرِجَ ماؤه، لأن صفة البُسرية والرُّطبية واللبنية داعية إلى اليمين، فتُقيدُ بها، لأن الأصل أن كل ما دلّ على صفة، إن كانت داعيةً إلى اليمينِ تُعتبر في المُعرَّف والمُنكَّر، وإن كانت غير داعيةٍ تُعتبر في المُنكَّر دون المُعرَّف، (أو) لا يأكل (بُسْراً فأكل رُطباً) (أو لا يأكل رُطباً فأكل بُسراً) لأنه لم يأكل المحلوف عليه.
(
أو) لا يأكل (لحماً فأكل سمكاً) لأنه خلاف العرف، إلا أن يَنْويَهُ، وكذا كل ما يعيشُ في الماء، وهو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد. والقياسُ أن يحنث، وهو قول مالك ورواية عن أحمد، لأن الله تعالى قال: {لحماً طَرِياً} والمراد به لحم السمك إجماعاً. وقد استدل الثوري أيضاً بالآية لمن استفتاه فيمن حَلَفَ لا يأكل لحماً، فأكل سمكاً، فجاء إلى أبي حنيفة رحمه الله فأخبره فقال: ارجع إليه فَسْأَله فيمن حلف لا يجلسُ على بساط، فجلس على الأرض فسأله فقال: لا يحنث، فقال: أليس الله تعالى قال: {وا جَعَلَ لكم الأرض بِسَاطاً} فقال سفيان: كأنك السائل الذي سألني أمسِ، قال: نعم، فقال: سفيان: لا يحنث في هذا ولا في الأول، فرجع عن ذلك القول، فظهر أن تمسك أبي حنيفة إنما هو بالعرف.

((أو) لا يأكل (لحماً) أو) لا يأكل (شحماً فأكل ألْيَةً) لأنها نوع ثالث، فإنها لا تُستَعمل استعمال اللحوم ولا استعمال الشحوم، وبه قال بعض أصحاب الشافعي. وقال بعضهم: هي لحم، وبعضهم: هي شحم، وهو قول أحمد. وفي «المحيط»: حلف لا يأكلُ لحم الشاة، فأكل لحم العنز، وهو الأنثى من المَعِز، لا يحنث. وقال أبو الليث: يحنث سواء كان الحالف مصرياً أو قروياً، وعليه الفتوى. انتهى. وفيه نظر لا يخفى. (ولا) يحنث (في لا يشتري رُطباً، فاشترى كِبَاسة بُسر) بكسر الكاف: عنقود النخل، أي عِذْقه (فيها رطب) لأن ما اشتراه غير ما حلف عليه والقليل تبعٌ للكثير.
(
وحنث) عند أبي حنيفة رحمه الله (لو حلف لا يأكل رُطباً أو) لا يأكل (بُسراً، أو لا) يأكل (رُطباً ولا بُسراً، فأكل مُذَنِّباً) بكسر النون. وقال أبو يوسف وهو قول الإصطخري: لا يحنث إذا حلف لا يأكل رطباً فأكل بُسراً مذنِّباً، أو حلف لا يأكل بُسراً فأكل رُطباً مُذَنِّباً، لأن الرطب المُذنِّب لا يسمى بُسراً عرفاً، والبُسر المُذنِّب لا يُسمى رطباً عرفاً وهو المُعتبرُ في الأيمان، ولأن المغلوبَ في مقابلةِ الغالبِ كالمعدوم.
ولأبي حنيفة وهو قول الشافعي وأحمد: إنْ أَكل الرُطب المذنِّب أو البُسر المذنِّب فهو آكل بسر أو رطب، فيحنث به وإن كان قليلاً. ولهذا لو ميَّزه فأكله لا يحنث إجماعاً. وجعل صاحب «الهداية» قول محمد مع أبي يوسف ـ وفي أكثر الكتب ـ أنه مع أبي حنيفة. وقيل: رُوي عن محمد الحِنْث وعدمه. والرُّطب المذنِّب ما يكون في ذَنَبِه قليل بسر، والبُسر المذنِّب عكسه.

(أو لا يأكل لحماً) عطف على: لا يأكل رُطباً، أي وحنث لو حلف لا يأكل لحماً (فأكل كَبِداً) أو طحالاً (أو كَرِشاً) والأصح في مذهب الشافعي أنه لا يحنث، وبه قال أحمد، لأن لهذه الأشياء أسماء تخصها، فلا تكون لحماً عرفاً. ولنا أنها لحم حقيقة، فإن نُموها من الدم، وتستعمل استعمال اللحم. وفي «المحيط»: هذا في عُرف أهل الكوفة، وفي عرفنا لا يحنث، لأنها لا تُعدّ لحماً، ولا تُستعمل استعمال اللحوم.
(
أو) أكل (لحم خنزير، أو) لحم (إنسان) حنث وبه قال مالك وأحمد والشافعي في وجه، لأنه لحم حقيقة وإن كانت حراماً كالمغصوب. واليمينُ ينعقدُ على الحرام منعاً وحملاً، وإن وجب الحِنثُ في الحمل، بخلاف النذر بالمعصية، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا نَذْر في معصية الله». ونقل الزَّاهِدي عن العَتَّابي: أنه لا يحنث، لأن أكله ليس بمُتَعارف، ومبنى الأيمان على العرف. وقال: هو الصحيح. وفي «الكافي»: وعليه الفتوى. وما قيل: من أنّ العرف العملي لا يُقَيِّدُ اللفظ، فغير صحيح.

ولو أكل لَحْمَ الأَلية قيل: يحنث، وبه قال الشافعي وأحمد، وقيل: لا يحنث، وبه قال مالك. ولو أكل الرأس والأكارع يحنَث، وبه قال الشافعي في الأصح وأحمد في رواية. ولو أكل القلب يحنَث، وبه قال الشافعي في وجه، والله تعالى أعلم.
(
والغَدَاء) أي وأكل الغداء (الأكل من طُلوع الفجر إلى الظهر، والعَشَاءِ) أي وأكل العَشَاءِ الأكل (منه) أي من الظهر (إلى نِصف الليل، والسَّحور) الأكل (منه) أي من نصف الليل (إلى الفجر) وإنما قدّرنا مضافاً لما في «المغرب» من أنّ الغداء: اسم لطعام الغدوة، والعَشَاء بالفتح والمد: اسم لطعام العشي، فلا يصح تفسيره بالأكل إلا إذا كان بمعنى المأكول. وأما السّحور فإن كان بضم السين فهو اسم للأكل في ذلك الوقت، فلا يحتاج إلى تقدير مضاف، وإن كان بفتحها فهو اسم لما يُؤكل، فيحتاج إليه.

وأما العِشاء بكسر العين فيراد به ما بعد الظهر، لما في الصحيحين من رواية أبي هريرة: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشاء، وفُسِّرت بأنها الظهر في بعض الروايات. وفي «شرح الطحاوي» للإِسبيجابي: وقت الغداء من طلوع الشمس إلى وقت الزوال، ووقت العشاء منه إلى أن يمضيَ أكثر الليل، ووقت السّحور من مُضي أكثره إلى طلوع الفجر، ثم قال: هذا في عرفهم، وأما في عرفِنَا: فوقت العِشاء من بعد العصر. انتهى. ولا يَبعُد أن يحمل يمين كل أحد على ما عُرِف من عادته، إذ قد يَختلفُ العُرف فيما بين أهل بلدته. ولو أكل اللقمتين أَو أكثر لا يحنث، حتى يأكل أكثر من نصف الشِّبَع، وبه قال الشافعي.
(
وفي: إن لبِستُ، أو أكلت، أو شربت، ونوى عيناً) أي ثوباً معيناً، أو طعاماً معيناً، أو شراباً معيناً (لم يُصدَّق أصلاً) أي لا قضاءً ولا دِيَانة. وقال الشافعي: يُصدَّق ديانة وهو رواية عن أبي يوسف، ومختار الخَصَّاف. (ولو ضَمّ ثوباً) في إن لبستُ (أو طعاماً) في إن أكلت (أو شراباً) في إن شربت (دُيّن) أي صُدِّق دِيَانة، لأن النَّكرة في حيز الشرط تَعم، فتصح نية التخصيص، ولا يُصدَّق قضاءً لأنه نوى خلاف الظاهر، وهو العموم، وفيه تخفيف عليه.

(وتَصوُّر البرِّ شَرْطُ صحة الحَلِف) عند أبي حنيفة ومحمد، وهو قول مالك، ووجه في مذهب الشافعي (خلافاً لأبي يوسف) وهو وجه في مذهب الشافعي، لأن محلَ اليمين خبرٌ في المستقبل قَدَر الحالف أو عَجَز. ولأبي حنيفة محل اليمين المعقودة خبرٌ فيه رجاء الصدق، لأنها تعقدُ للحظر أو الإيجاب، أو لإظهار معنى الصدق، وذلك لا يتحققُ فيما ليس فيه رجاء الصدق (فمَنْ حَلَف لأشربنَّ ماء هذا الكُوْز اليوم، ولا ماء فيه) سَواء عَلِمَ أنَّ فيه ماءً أو لم يعلم (أو كان) عطف على لا ماء، أي أو حلف لأشربنَّ ماء هذا الكوز اليوم وكان فيه ماء (فصب في يومه لا يحنث) عند أبي حنيفة ومحمد، لاستحالة البرِّ أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأن البرَّ في المؤقت يجب أن يكون في آخر الوقت، وهو مستحيل فيه. ويحنث عند أبي يوسف في آخر جزء من أجزاء ذلك اليوم، حتى يجب عليه الكفّارة إذا مضى ذلك اليوم.

(
وإن أطلق عن الوقت) بأن قال: لأشربنَّ ماء هذا الكوز بدون ذكراليوم (فكذا في الأول) أي لا يحنث فيما إذا لم يكن في الكوز ماء عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، لأن اليمين لم ينعقد لاستحالة البرَّ للحال، ويحنث عند أبي يوسف (دون الثاني) وهو ما إذا كان في الكوز ماء فصب، فإنه يحنث فيه باتفاق. أما عند أبي يوسف فظاهر، وأما عندهما فلأن البرَّ يجبُ عليه، كما فرغ من اليمين فإذا صب بعد ذلك فقد فات البرُ، فيحنث حينئذ، كما لو مات الحالف والماء باق.

(وفي) الحَلِفِ على ممكن غير واقع بحسب العادة (نحو لَيَصْعدنَّ السماء، أو لَيَقْلِبن هذا الحجر ذهباً، أو ليقتُلنَّ فلاناً عالماً بموته) لأنه حينئذٍ يُراد قتله بعد إحياء الله تعالى، وهو ممكن غير واقع (انعقد) يمينُه (لتصوُّر البِرِّ) في الجُملة، فإِنَّ الصعودَ إلى السماء ممكنٌ، لأن الملائكة يصعدون، وكذا صَعِدَ بعضُ الأنبياء، وكذا يحوّلُ الحجرَ ذهباً بتحويل الله تعالى، وكذا قتل فلان الذي علم بموته بأن يعيد الله تعالى فيه الحياة (وحنث) عَقِيبها إن كانت اليمينُ مطلقةً، وإن كانت مؤقتة فعند مُضيّ ذلك الوقت (للعجز) الثابت عادة، كما إذا مات الحالفُ، وهو وجه في مذهب الشافعي، لأنه مستحيل عادة، فأشبَه المستحيلَ حقيقةً.
(
وإن لم يعلم) بموته (فلا) ينعقدُ يمينُه، لأنه حينئذٍ يُراد به قتلُه مع تلك الحياة. ولمّا كان ميتاً كان قتلُه مع تلك الحياة ممتنعاً. وقال زفر: لا ينعقدُ اليمينُ في المسألتين إلحاقاً للمستحيلِ عادةً بالمستحيل حقيقة، للعجز عن تحقيق البرِّ في الصورتين. (ومدُّ شعرها) أي المرأة (وخنْقُها، وعصُّها كضربها) يحنث به إذا حَلَفَ لا يضربُها، لأن الضرْبَ اسم لفعل مؤلم وقد حصل، وبه قال أحمد. وقال الشافعي: لا يحنث. وقال مالك: يحنث به، وبما يؤلم قلبَها: من سبّ أو شتمٍ. وقيل: هذا مقيَّدٌ بحال الغضب، بخلاف حال الملاعبة، لأن ذلك حينئذٍ ممازحة.
(
وقُطنٌ) مبتدأ (مَلَكه بعد) قوله: (إنْ لبِسْتُ من غَزْلِكِ فهديٌ) أي فهو صدقة على فقراء مكة (فَغَزَلتْه ونُسِجَ ولبِسَ هديٌ) خبر مبتدأ، وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وهو قول الشافعي. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يكون هَدْياً إلا إذا غَزَلته من قطن في مِلْكِه يوم الحلف.

(وخاتمَ ذهبٌ حَلْي) بفتح وسكون: ما يُلبس للزينة، وجمعه حُلِيّ بضم فكسر فتشديد ياء. فحنث بلبسه إذا حَلَفَ لا يَلبَسُ حُلِياً، لأنه لا يُستعمل إلا للتزين، ولذا لا يحلُ للرجل، فكان كاملاً في معنى الحُلي، فدخل تحت اسمه (لا خاتَم فضة) أي ليس خاتم الفِضة بِحُلي، لأنه يُستعمل لغير التزيُّن، ولهذا حلّ للرجال، فلم يكن كاملاً في معنى الحُلي، فلم يدخل في مطلق اسمه. وفي «جامع قاضيخان»: قال مشايخنا إذا كان خاتم الفضة مصنوعاً على هيئة خاتم الرجال، بأن لم يكن فيه فص، حتى لو كان فيه فص حنث. انتهى. ولعله مقيدٌ بِفَصَ فيه زينة، وإلا فقد ثبت في شمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خاتَمه له فَصٌّ.

(
وعندهما) وكذا عند مالك والشافعي وأحمد (عقدُ لؤلؤٍ) وياقوتٍ، وَزَبَرْجَدٍ، وزُمُردٍ وبَلَخْش (لم يُرصّع) أي لم يركب بذهب وفضة (حُليّ) يحنث بلُبْسه إذا حلف لا يَلبَس حُلياً (وبه يُفْتَى) لأن التَّحلي به على الانفراد معتاد، ولقوله تعالى: {وتَسْتَخْرِجونَ منه حِلْيَةً تلبَسُونَها}. وإنما يُستخرج من البحر اللؤلؤ. وقال أبو حنيفة: لا يَحنث، لأن العادة لم تَجْرِ بالتحلِّي باللؤلؤ ونحوه إلا مرصَّعاً، والمعتبر في اليمين العُرف لا الحقيقة. ولعل هذا اختلافُ عصر وزمانٍ لا حجةٍ وبرهان، فكان في زمانه لا يُتَحلَّى به إلا مرصعاً، وفي زمانهما تُعورِف التحلي بالسَّاذج منه كالمُرَصَّع، ولهذا كان المفتى به قولهما.

(ومن حَلَفَ لا ينامُ على هذا الفِرَاش، فَنَامَ على قِرَامٍ) بكسر القاف: سِتْرٌ فيه رقم ونقش (فوقه) أي فوق الفراش (حَنِثَ) لأن القِرام تبعٌ للفِراش، فيُعدّ بنومه عليه نائماً على الفِرَاش (لا) يحنثُ (مَنْ جَعَل فوقه) أي فوق الفراش (فراشاً آخر) لأنه لا يعد نائماً على الفراش الأسفل. وقال أبو يوسف: يحنَث، وبه قال الشافعي، لأنه نائم عليهما حقيقة وعرفاً. وصار كمن حلف لا يكلم فلاناً فسلَّم على جَمْع هو فيهم.
ولنا أنّ مثل الشيء لا يكون تبعاً له، فانقطعت النِّسبة عن الفراش الأول، فكان نائماً على الثاني، وصار كمن فرش ثوباً على فراش حرير، فقعد عليه حيث لا يحرم عليه، ويؤيده أيضاً قوله: (أو حَلَفَ) أي ولا يحنَث مَنْ حلف (لا يَجلِسُ على الأرض فجلس على بِساطٍ أو حصيرٍ) فوقها، لأنه لا يُسمى جالساً على الأرض عادة (ولو حالَ بينه وبينها لباسه حنِثَ) لأن لباسَه تبع له، فلا يعتبر حائلاً (كمن حَلَفَ لا يجلسُ على هذا السرير، فجلس على بِسَاطٍ فوقه) فإنه يحنث، لأنه يُعدّ جالساً على السرير عادة (بخلاف جُلوسِهِ على سرير آخر فوقه) فإنه لا يحنَث، لأنه لا يُعد جالساً على السرير الأسفل (ولا يفعلْه يقعُ على الأبد) أي آخر عُمُرِه، لأنه نفى الفعلَ مطلقاً، فيقتضي عدمه في جميع العمر، ضرورة عموم النفي، إذ وجوده في جزء منه ينافي العدم في جميعه.
(
ويفعَلْه) يقع (على فعله مرةً) واحدةً، لأن الفعل يقتضي مصدراً مُنكّراً، والنَّكرةُ في النَّفي تعم، وفي الإثبات تخص. والواحد هو المُتَيقَّن لعدم اقتضائه التكرار.

وإنما يحنث بوقوعِ اليأس عن الفعل، وذا بهلاك الفاعل أو محل الفعل (وبـ:عليَّ المَشي إلى بيت الله، أو إلى الكعبة) أو إلى مكة، وقول الشارح: أو بمكة ليس في محله: ولعله بكة فتصَحَّفَت على النُّساخ (يجبُ حجٌ أو عمرةٌ مشياً) وبه قال مالك وأحمد والشافعي في قول. والقياس أن لا يجب عليه شيء لأنه التزم المشي وهو ليس بقُربة مقصودة، والنذر بما ليس بقربة مقصودة غير لازم. ووجه الاستحسان أن هذه العبارة كنايةٌ عن إِيجاب الإحرام شرعاً، فصار كما لو قال: عليّ الإحرام بحجةٍ أو عُمرةٍ ماشياً.

(
ويجبُ دمٌ إن رَكِبَ) لما روى الحاكم في «مستدركه» وقال: صحيح الإسناد عن الحسن، عن عِمران بن حُصين قال: ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبةً إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المُثْلة، وقال: «إن من المثلة أن ينذرَ الرجلُ أن يحج ماشياً، فمن نذر أن يحجَ ماشياً فليُهد هدياً. وروى أحمد في «مسنده» عن عِكْرمة عن ابن عبّاس: أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن الله عز وجل غنيٌ عن نذر أختك لتركب وتلهد بدنة». وقد سبق تحقيق هذا البحث في كتاب الحج.
(
ولا شيء بـ:عليّ الخروج أو) عليّ (الذهاب) أو السفر، أو المُضي، أو السير (إلى بيت الله) باتفاق أئمتنا، لأن التزام الإحرام بهذه الأَلفاظ غير متعارف. وقال الشافعي وأحمد، وهو رواية أشْهَب عن مالك: يلزمه الحج والعمرة كما في: عليّ المشيُ إلى مكة، (أو المشي) أي ولا شيء بـ:عليّ المشي (إلى الحرام أو) إلى (المسجد الحرام) عند أبي حنيفة، لأن التزام الإحرام غير متعارف بهذا الكلام. وقال أبو يوسف، ومحمد، ومالك، والشافعي، وأحمد: يلزمه الحج والعُمرة، لأن الحرم والمسجد الحرام شامل للبيت، فكان ذكرُه كذكرِهِ.

(أو) إلى (الصفا والمروة) أو بقعة أخرى من الحرم كالمُزدلفة، وعرفات ومنى باتفاق أئمتنا. وبه قال مالك لما تقدم. وقال الشافعي وأحمد وأَصْبَغ من المالكية: يلزمه المشيُ إليها بحج أو عمرة. ولو نَذَر المشي إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى المسجد الأقصى لا شيء عليه، وهو قول الشافعي في «الأم». وقال مالك وأحمد: ينعقد نذره، وهو قول الشافعي، لقوله صلى الله عليه وسلم «لا تُشدّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا». ولنا أنهما لا يُقصدَان بالنُّسك، فأشبها سائر المساجد. والمقصود من الحديث تخصيص القُربة وفضيلتها في هذه المساجد.
(
ولا يَعتِق) عند أبي حنيفة وأبي يوسف (عبد قيل له) أي قال السيد له: (إن لم أحجّ العامَ فأنت حر) ثم قال السيد: حججت، وأنكر العبد وأتى بشاهدين (فَشَهِدا بِنَحْرِهِ) أي بأن السيد نحر أضحية (بكوفة) وقال محمد: يعتق، لأن هذه شهادة قامت على أمر معلوم وهو التضحية، ومن ضرورته انتفاء الحج، فيتحققُ الشرط. ولهما: أن هذه شهادة على النفي، فلا تقبل، كما شهدا أنه لم يحج.
(
وحَنِثَ بصومِ سَاعةٍ) ثم أفطَرَ (في: لا يصوم) لوجود الشرط وهو الإمساك عن المفطرات مع النية على قصد التقرب، فإذا أصبح صائماً فقد وجد ذلك. ولذا يقال: صام فلان ساعة ثم أفطر. ووجود الإفطار بعد ذلك لا يرفع الحِنْث المتقرر.

وفي «شرح الوقاية»: فإن قلت: الصوم الشرعي: هو صوم اليوم، واللفظ إذا كان له معنى لغوي ومعنى شرعي يُحمل على المعنى الشرعي. قلت: الشرع قد أطلقه على ما دون اليوم في قوله تعالى: {أتمو الصيامَ إلى الليل}. انتهى. ولا يخفى أن الصيام الشرعي لكونه مغياً إلى الليل لا يتم بدون اليوم. (لا) أي لا يحنث (لو ضمّ يوماً أو صوماً) أي بأن حَلَفَ لا يصومُ يوماً، أو لا يصومُ صوماً (حتى يتم يوماً) لأنه في الأول ذكر اليومَ وهو صريح في تقدير المدة، وفي الثاني أكَّد الصومَ، ينصرف إلى الكامل، وهو الصوم المعتبر شرعاً، وبه قال مالك والشافعي وأحمد.
(
و) حَنِثَ (بركعة في: لا يصلي) واختلف المشايخ فقال بعضهم: يحنث بالسجدة، وقال بعضهم: برفع الرأس منها (لا بما دونها). والقياس أن يَحنَثَ بالافتتاح اعتباراً بالشروع في الصوم. ووجه الاستحسان أن الصلاة عبارة عن: القيام، والقراءة، والركوع، والسجود، فما لم يتحقق كلها لم يُسم صلاة، ألا ترى أنه لا يقال: صلى رُكوعاً ولا سجوداً، وإنما يقال: صلى ركعة. (ولو ضم صلاة) بأن حَلَفَ لا يُصلي صلاة (فَبِشَفعٍ) يحنث (لا بأقل) لأنه أكّد الصلاة، فتنصرف إلى الكاملة، وأقلها عندنا ركعتان للنهي عن البُتيراء. وقال الشافعي في قول، وأحمد في رواية: يحنث بركعة، لأن الركعة الواحدة صلاة عندهما، وقالا أيضاً: يحنث بالشروع، لأنه يُسمى مصلياً.

(و) حنث (بولد ميْتٍ في: إن ولدت فأنت كذا) لأن الولد الميْتَ ولدٌ حقيقةً وعرفاً وشرعاً، ولهذا تنقضي به العدة، ويكون الدم الذي بعده نِفاساً، وتصير الأمة به أمَ ولدٍ (وعَتَقَ الحي) عند أبي حنيفة (في: إن ولدْتِ فهو حرٌ إن ولدْتِ ميتاً ثم حيًّا) وقال أبو يوسف ومحمد: لا يعتق، لأن الشرط قد تحقق بولادة الميت، فتنحل اليمين لا إلى جزاء، لأن الميتَ ليس بمحلٍ للحُرية وهي الجزاء. ولأبي حنيفة رحمه الله: أنه لما جعل الحريةَ وصفاً للمولودِ، تقيد اليمينُ بولادةِ الحيّ، نظراً إلى هذا الوصف، إذ الميت لا يقبله. وأن الحياة تثبتُ فيه مقتضىً، صوناً لكلام العاقل عن اللغو، ألا ترى أنه لو قال: إن ولدْتِ ولداً ميْتاً فهو حر كان لغواً.
(
وفي لَيَقْضِيَنَّ دينَه اليومَ) كلمة «في» متعلقةٌ بالفعل المتأخِرِ، وهو قوله الآتي: «بَرَّ» (وقضاه زُيُوفَاً أو نَبَهْرَجةً) الزُّيوف: ما زيّفه بيت المال، ولكنه يروج فيما بين التجار. والنَّبَهْرجة: ما يُبهرِجُه التُّجار. والمُسامحُ منهم يتجوَّزه، والمُسْتقضي منهم لا يتجوَّزه لغشٍ فيه.

(
أو) قضاه (مُستحقة) للغير (أو باعه) أي المديون الدائن (به) بدينه (شيئاً وقبضَه) أي الدائنُ ذلك الشيء (بَرَّ) في يمينه، لأن الزُّيوفَ والنَّبَهْرجةَ دراهم حقيقة، إلا أنها معيبة، والعَيْب لا يُعدِمُ الجنسية، ولهذا لو تجوّز بهما صار مُستوفياً، وكذا لو تجوّز بهما في رأس مال السَّلَم وبدل الصرف يجوز، ولولا أنهما من جنس حقه لما جاز، ولأن قبضَ الدراهمِ المُستحقة صحيح، حتى لو أجازه المستحق في الصرف والسلم بعد الافتراق جاز، ولأن قضاء الدَّين طريقه المُقاصّة، وقد تحققت بمجرد البيع. وهذا لأن الديون تُقضى بأمثالها. وقال الشافعي: يبر في النَّبهرجةِ والزُّيوفِ، ولا يبر في البيع.
وقال مالك: لا يبر فيهما، ويبر في البيع إن كان بقيمة حقه، ويحنثُ إن كان بأقل منها.

(ولو كان) الذي قضاه بأن ظَهَرَ المدفوع (سَتُّوقة) بفتح السين، أردأ من النَّبهرجة (أو رُصاصاً) بضم أوله (أو وهب له) أي وهب الدائنُ الدين للمديون (لا) يبر، لأن السَّتُّوقة والرُّصاص ليسا من جنس الدراهم، ولهذا لو تَجَوَّز بهما لم يجز إلا برضا الآخر بطريق الاستبدال. ولو تَجَوَّز بهما في الصرف والسَّلَم. لا يجوز لحرمة الاستبدال فيهما، حتى لو افترقا يَبطُل العقد والتَّجوُّز لغوٌ، لأن القضاءَ فعل المديون، والهبة إسقاط من رب الدين، فلا قضاء.
(
وفي: لا يقبِضُ دَينَه درهماً دون درهمٍ، حَنِثَ بقبضِ كُلِّه متفرقاً) لوجود شرط الحِنْثِ، وهو قبضُ الكل بوصف التَّفرقة، لأنه أضاف القبضَ إلى دينٍ مُعرَّف بالإضافة إليه، فيتناول كله (لا ببعضه) أي لا يحنثُ بقبض بعضِ دينه (دُوْنَ باقيه) حتى يقبِضَه، لعدم وجود الشرط، وهو قبضُ الكل بوصف التَّفرقة إذا لم يَقبض باقيه، ووجود الشرط إذا قبض باقيه، فإذا قبضَ بعضه في أول النهار وبعضه في آخره حِنث لوجود الشرط (أو كله) أي ولا يقبض كله (بوزنين) أو أكثر (لم يتخللهما) عمل (إلا عمل الوزن)، وقال زفر: يحنث في هذه الصورة لوجود التفريق حقيقةً.
ولنا أن هذا لا يُعد تفريقاً في العادة، فصار كمن حلف لا يَلبَسُ هذا الثوب، وهو عليه، فنزعه في الحال، ولأنه قد يتعذرُ وزنُ الكلِّ دُفعة واحدة، فيصير هذا القَدْر مستثنى من اليمين.
(
ولا) يحنث (في إن كان لي إلا مئة) أو غير مئة، أو سوى مئة (فكذا) أي فعبده حر مثلاً (ولم يملك إلا خمسين) أو ما هو دون المئة، لأن المقصود من هذا اليمين في العُرْف نَفْيُ ما زاد على المئة، فلا يحنث بِمِلكها أو بِمِلك بعضها. (ولا) يحنث (في لا يَشَمُّ ريحاناً إن شمّ ورداً أو ياسميناً) لأن الرَّيحان اسم لما تكون لساقه رائحة طيبة، والورد لما تكون لورقه رائحة طيبة لا لساقه، والياسمين ليست لساقه رائحة طيبة كذا في «المبسوط».

وقيل: «لا يحنث بشم الورد والياسمين لأنهما من جملة الأشجار. والريحان اسم لما ليس له شجر، ألا ترى أن الله تعالى قال: {والنَّجمُ والشَّجرُ يسجدان} إلى قوله: {والحبَّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحَان} فقد جعل الرَّيحان غيره، فعرفنا أن ما له شجر ليس بريحان وإن كان له رائحة طيبة. (وكذا في العرف لا يُطلق اسم الرَّيحان على الورد والياسمين، وإنما يُطلق على ما نبت من بَذْر وله رائحة طيبة مما لا شجر له).
(
والبَنَفسج) بفتح الباء (والورد) محمولان (على الوَرَقِ) لا على دهنهما، حتى لو حلف لا يشتري بَنفسجاً أو ورداً ولا نية له فاشترى ورقَهما يحنث، ولو اشترى دهنهما لا يحنث للعرف. وقيل: يختص الحِنْثُ بشراء دُهنه، والياسمين كالورد لا يتناول الدُّهن، لأن دُهنه لا يُسمى ياسميناً بل زنبقاً.

فصلٌ في حَلِفِ القول
(
حنِث في: لا يكلِّمُه إن كلّمه نائماً) وبه قال الشافعي وأحمد ومالك في رواية (بشرط إيقاظه) أي بتكليمه، لأن النائم كالغائب، فإذا لم ينتبه كان بمنزلة من ناداه من بعيد، بحيث لا يَسمعُ صوتَه فلا يحنث، وإذا انتبه علمنا أنه أسمعه صوتَه، فيكون مكلِّماً له، فإن ناداه نائماً بحيث يسمع لو كان منتبهاً لا يحنث في الأظهر. وقيل: هو على الخلاف، فعند أبي حنيفة يحنث لأنه يجعلُ النائمَ كالمنتبه، وعندهما لا يحنث.
ولو كتب إليه كتاباً، أو أرسل إليه رسولاً لا يحنث، وبه قال الشافعي في الجديد واختاره المُزَنيّ، لأنه لا يُسمى كلاماً في العُرف. وقال مالك وأحمد والشافعي في القديم: يحنث، لأن الله تعالى استثنى الرسالة من الكلام فقال: {وما كان لبَشرٍ أن يُكلِّمَه ا إلا وحياً أو مِنْ وراء حجابٍ أو يُرسلَ رسولاً} والاستثناء إخراج من الجنس. وأُجيبَ بأن مبنى الأَيمان على العرف. والآية جاز أن يكون الاستثناء فيها منقطعاً.

ولو ناداه المحلوفُ عليه فقال: لبيك، يحنث. ولو سلّم في الصلاة والمحلوف عليه معه فيها، قيل: إن كان المحلوف عليه على يمينه لا يحنث، وإن كان على يساره يحنث، لأن الأولى واقعة في الصلاة، بخلاف الثانية. وقيل: لا يحنث في المسألتين وهو الصحيح، لأنه من أفعال الصلاة وليس بكلام عُرفاً. وإن كان الحالف مقتدياً فعلى هذا التفصيل عندهما. وعند محمد يحنث، سواء كان على يمينه أو يساره، بناء على أنه يخرج بسلامِ الإمام عنده، وبه قال مالك. والأظهر عند الشافعي أنه يحنث بالسلام في الصلاة على أي حال كان إلا أن لا ينويه. ولو قرع المحلوف عليه الباب فقال (الحالف): من هذا، يحنث. ولو فتح عليه في الصلاة لا يحنث، وخارجها يحنث، كذا أطلقوه. والظاهر أنه يُقيد بما إذا نوى الفتح دون القراءة.
(
و) حَنِثَ (في لا يُكلمه إلا بإذنه، إن أذِنَ ولم يعلم به فكلَّمه) وهو قول مالك وأحمد ووجه في مذهب الشافعي ، لأن الإذن من الأذان وهو: الإعلام لغةً، قال الله تعالى: {وأَذَانٌ من ا ورسولهِ} أي إعلام. أو من الوقوع في الإذن، وكل ذلك لا يتحقق إلا بعد العلم. وقال أبو يوسف في رواية: لا يحنث، وهو الأظهر من مذهب الشافعي، لأن غرضه أن لا يكلِّمَه إلا برضاه فرضي ولم يعلم الحالف، فكلمه لا يحنث، فكذا هذا. وأُجيب بأن الرضا من أعمال القلب فيتم به، ولا كذلك الإذن.

(
و) حَنِثَ (في: لا يكلمُ صاحبَ هذا الثوب، فَبَاعه وكَلَّمه) لأن الإنسان لا يُعادي لمعنى في ثوبه، فتعلقت اليمين به. وصار كما لو قال: لا أكلم هذا وأشار إلى صاحب الثوب، كذا قاله الشارح. وفيه أن الإنسان قد يعادي لمعنى في ثوبه، بأن لبس مغصوباً أو حريراً أو نحو ذلك، إلا أنه يحنث، لأنه ببيعِهِ لا يخرجُ عن كونِهِ صاحبَ الثوب في الجملة، على أن مَبْنَى الأيمان على عُرْف الأزمان.

(و) حَنِثَ (في: لا يكلم هذا الشاب فكلَّمه) وقد صار (شيخاً) أو كهلاً، لأن الوصف المذكور ليس بداعٍ إلى اليمين، ولا يَصلُح مانعاً من الكلام، فيلغو ويتعلق اليمين بالذات.
(
و) حَنِثَ (في هذا حر إن بعته) مشيراً إلى عبده، فعتق ببيعِهِ بيعاً فاسداً، أو موقوفاً، أو بالخيار لنفسه، وبه قال مالك والشافعي في وجه، لوجود شرط العتق الذي هو البيع. وقال أحمد: لا يعتق. وأما إن باعه بيعاً لازماً أو باطلاً لم يعتق. أما في الباتِّ فلأنه كما تم البيع زال الملك، (والجزاء لا ينزل في غير الملك)، وأما في الباطل فلعدم الشرط وهو البيع، إذ الباطل ليس ببيع. (أو) هذا حرٌّ إن (اشتريته، إن عقد) شِرَءاه (بالخيار) لنفسه، وبه قال أحمد والشافعي في وجه. وقال مالك: لا يعتِق وهو وجه في مذهب الشافعي.
(
و) حَنِثَ (في إن لم أبعه فكذا، فأعتق أو دبَّر) لأن الشرط قد تحقق وهو عدم البيع لفوات محله، كما لو مات الحالف أو العبد، ولا خلاف فيه على الصحيح. (و) حَنِثَ (بفعل وكيلِهِ في حَلِفِ النكاح، والطلاق، والخُلع، والعِتقِ، والكتابةِ، والصلحِ عن دمِ عمدٍ، والهبةِ، والصدقة، والقرْضِ، والاستقراض، والإيداعِ، والاستيداعِ، والاستعارة، والإعارة، والذبح، وضرب العبد، وقضاءِ الدين وقبضه، والبناءِ، والخياطة، والكِسوة، والحمل) لأن ما كان من هذه الأشياء حكمياً أي غير حسي، كان الوكيل فيه سفيراً ومعبِّراً، ولذا لا يُستغنى عن إضافتها إلى الموكِّل، ولو باشَرَه بغير إِذنه لا ينفذ عليه، فصارت مباشرة الوكيل كمباشرته.

وما كان منها حسياً كذبح الشاة وضَرْب العبد، فإن المالك له ولاية ذلك ومنفعته راجعةٌ إليه، فيُجعل مباشِراً، إذ لا حقوقَ لهذا الفعل ترجع إلى المأمور. ولو قال الحالف في الحكمي: نويت أن لا أفعل ذلك بنفسي صُدِّق دِيَانةً، لأنه نوى محتمل كلامِهِ، لا قضاءً، لأنه نوى خلاف الظاهر وهو العموم. ولو قاله الحالف في الحسي صدق دِيَانةً وقضاءً، لأن النسبة إلى الأمر باعتبار السبب مجاز، فإذا نوى الفعل بنفسه فقد نوى حقيقة كلامه.

(
لا في البيع) أي لا يحنثُ بفعل وكيله في حلف البيع (والشراء، والإجارةِ، والاستئجارِ، والصُّلحِ عن مال، والخُصومةِ، والقِسمةِ، وضرب الولد) لأن الفعل لم يوجد من الموكل حقيقةً ـ وهو ظاهرٌ ـ ولا حكماً، ولهذا لم ترجع الحقوق إليه، بل إلى الوكيل. فلو قال: نويت أن آمر به غيري حَنِثَ بالتوكيل أيضاً، لأنه شدّد على نفسه. ولو كان مِثلُ الحالف لا يُباشر هذه الأشياء يحنث بالأمر، لأن اليمينَ يتقيد بالعرف وبمقصودِ الحالف. والفرق بين ضرب العبد وضرب الولد أنّ الضربَ فعلٌ حِسيٌ لا يحكم بنقله عن الوكيل إلى الموكِّل إلا إذا صح التوكيل. وصحة التوكيل تكون في الأموال، فيصح في العبد دون الولد، ألا ترى أنَّ من حلف لا يضرب رجلاً حراً، فأمر به فضُرِبَ لا يحنث، لأنَّه لا يَمْلِكُ ضربه، فلا يصحُ أمره، إلا أن يكون الآمر قاضياً أو والياً، لأنهما يملكان ضَرْب الأحرار حداً أو تعزيراً.

(ولا) يحنث (في) حلفه (لا يتكلمُ فقرأ القرآن، أو سبح، أو هلل، أو كبر في صلاته) اتفاقاً (أو خارجها) وهو اختيار شيخ الإسلام خواهر زاده وقول أحمد، لأنه لا يُعد متكلماً في العُرف بل قارئاً. والقرآن كلام الله تعالى، قال الله تعالى: {حتى يسمعَ كلامَ ا} أو مسبحاً أو مهللاً، أو مكبِّراً. ولا في الشرع، لقوله صلى الله عليه وسلم «إنَّ الله يُحدِث من أمره ما يشاء، وإنّ مما أحدثَ أنْ لا يُتَكلَّم في الصلاة». متفق عليه. واختار القُدُوري: أنه إذا قرأ في الصلاة لا يحنث، وإذا قرأ خارجها يحنث. وقال الشافعي: لا يحنث بقراءة القرآن في الصلاة وخارجها، ويحنث بالتسبيح، والتهليل، والتكبير في الصلاة وخارجها.
(
ويوم أُكَلِّمُه) محمولٌ (على المَلَوين) أي الليل والنهار لما تقدم في كتاب الطلاق من أن اليوم إذا قُرِن بغير ممتد يُراد به مطلق الوقت، ومنه قوله تعالى: {ومن يُولِّهم يومئذٍ دُبُرَه} (وصحَ نِيَّةُ النهار) دِيَانةً وقضاءً، لأنه نوى الحقيقة المستعملة. وعند أبي يوسف: لا يصح قضاءً، لأنه نوى التخصيص في كلامه، وفيه تخفيفٌ عليه. (وليلة أُكَلِّمُه على الليل) خاصة، لأن الليل ضد النهار، قال الله تعالى: {وهو الذي جَعَلَ اللَّيْل والنَّهار خِلْفَةً} والنهار مختصٌ بزمانِ الضوء، فيكون الليلُ مختصاً بزمان الظلمة. (وإلا أنْ للغاية كحتّى) لأن حقيقة «إلا» للاستثناء وهو متعذر فيها هنا مع أن لعدمِ مجانسةِ ما بعدها لما قبلها، وبين الاستثناء والغاية مناسبة من حيث إِن ما بعدهما مخالفٌ لما قبلهما.

(ففي إن كلَّمتُه إلا أنْ يقدم زيد أو حتى) يقدم زيد (حَنِثَ إن كلَّمه قبل قُدُومِهِ) لا إن كلَّمه بعد قدومه، لأن اليمينَ باقيةٌ قبل الغاية ومنتهية بعدها (وفي لا يكلم عبده) أي عبد فلان أو عبد نفسه (أو امرأته أو صديقه) بخلاف قوله: زوجة فلان أو صديقه كما في «المبسوط»، (أو لا يدخل داره) أو لا يأكل طعامه، أو لا يلبَس ثوبه، أو لا يركب دابته (إن زالت إضافته) ببيعِ العبد والدارِ ونحوهما، وبطلاق المرأة، وعداوة الصديق (وكلّمَه، لا يحنَث في العبد) ونحوه مما هو مُشتملٌ على إضافة مِلكٍ، كالدار في لا يدخل داره، والطعام في لا يأكل طعامه.
(
أَشار إليه بهذا أولاً) لأن شرط الحِنث كلامه لعبد مملوكٍ لمن أضيف إليه ولم يوجد. أما إذا لم يُعيِّن العبد بإشارته أو غيرها فظاهر وهو وفاقاً، وأما إذا عَيَّنه فلأَن العبد لسقوط منزلته لا يُعادى لذاته، بل لِمَن أضيف إليه، فتكون الإضافة فيه معتبرة، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد وزُفَر: يحنث في المعيَّن، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، لأن الإشارة لقطعها شركة الأغيار أبلغ من الإضافة، فاعتبرت ولغت الإضافة، وانعقدت اليمينُ على ذات العبد. (وفي غيره) أي وفي غير العبد مما هو مشتمل على إضافة نسبة كامرأته وصديقِهِ (إن أشار بهذا) أو بهذه أو عَيّن (حَنِثَ) لأن الحرَ يُهجر لذاته (وإلا) أي لم يشر ولم يُعين (فلا) أي فلا يحنث، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: يحنث.
(
وحينٍ وزمانٍ بلا نية نِصفُ سَنة) سواء (نَكَّرَ) بأن قال: لا أكلمُه حيناً أو زماناً (أو عَرَّف) بأن قال: لا أكلمُه الحين أو الزمان، وبه قال أحمد. وقال مالك: سنة. وقال الشافعي: أدنى مدة، وهو ساعة، لأنه المُتيقَّن.

ولنا أن الحين يطلق على الساعة، قال الله تعالى: {فسبحانَ ا حِينَ تُمسونَ وحينَ تُصبحونَ} (وبه أخذ الشافعي). وعلى أربعين سنة، قال الله تعالى: {هل أَتَى على الإنسانِ حينٌ من الدَّهر} والمراد بالإنسان آدم، وبالحين أربعون سنة، وهي مدة كونِه مُلقى بين مكة والطائف، حال كونه من طين إلى أن تنفخ فيه الروح، وفسره بعضهم بِسَنة، وبه أخذ مالك.
وعلى ستة أشهر. قال الله تعالى: {تُؤْتِي أُكُلها كلّ حين} قال سعيد بن جُبير، وقَتَادة، والحسن، وهو رواية عن ابن عباس: هي النخلة تمكث من الأطلاع إلى الأصرام ستة أشهر، فحملناه عليه لأنه الوسط، فإِنَّ خيرَ الأمور أوسطها، والزمان بمعناه.

(
ومعها) أي ومع النية (ما نوى) مُنكَّراً أو معرَّفاً، لأنه نَوى محتملَ كلامه. (والدهر لم يُدْر) عند أبي حنيفة، أي تتوقف فيه حال كونه (مُنكَّراً) قال: لا أدري ماهو في حكم التقدير، لأن الدهر مخالف للحين والزمن، إذ مُعَرَّفِهِ يقع على الأبد، بخلاف الحين والزمان، فلم يلحق بهما قياساً. والعُرف لم يعرف استمراره لاختلاف في الاستعمال، قال الله تعالى: {وما يُهلِكُنا إلا الدَّهر}، وقال صلى الله عليه وسلم «لا تَسبُوا الدهر، فإِنَّ الله هو الدهر» أي خالقه فكان مجملاً، والتوقف في المجمل علامة كمال العلم. وعندهما: يحمل المنكر على ستة أشهر. وعند مالك: على سنة. وعند الشافعي: على أدنى مدة.

(وللأبد) أي جميع العمر (معرَّفاً) باتفاق إذا لم يقترن بِنِيّة، لأنه تعالى قال: {هل أتى على الإنسانِ حِيْنٌ من الدَّهر} فقد جعل الحينَ جُزءاً من الدهر، فيبعد أن يُسوّى بينهما في التقدير. (وأَيام مُنكَّرة ثلاثة) لأنها أَقلّ الجمع المُنكَّر. ولو حلف لا يتزوج نساءً، ولا يشتري عبيداً يقع على الثلاثة بلا خلاف. (وأيام كثيرة، والأيام، والشهور) والسِّنون، والجُمع، والدّهور، والأزمنة (عشرة) عند أبي حنيفة. وعندهما: أيام كثيرة والأيام كلاهما سبعة، والشهور ستة، والسِّنون وغيرها للأبد.
(
وفي أول عبد أشتريه حر، إنْ اشترى عبدًا عتَقَ) وهو ظاهر (وإن اشترى عبدين) معاً (ثم آخر، فلا أصلاً) أي فلا يَعتِقُ واحدٌ منهما، لأن الأول اسم لمفرد سابق، وهو موجود في المسألة الأولى دون الثانية (فإن ضمّ) كلمة (وحده) بأن قال: أول عبد اشتريه وحده فهو حر، فاشترى عبدين معاً ثم آخر وحده (عَتَقَ الثالثُ) لأن معنى وحدَه منفرد، والثالثُ متصفٌ بهذه الصفة وهي الانفراد في الشراء. (وفي آخر عبدٍ) أشتريه فهو حر (إن اشترى عبداً ومات) المشتري (لم يعتِق) العبدُ لأنه ليس بآخر عبد، فإن الآخر لا بد له من سابق ولا سابق لهذا.

(فإن اشترى عبداً ثم آخر، ثم مات) المشتري (عتق الآخر) لاتصافِهِ بالآخرية، لأن له سابقاً. وهذا الحكم ظاهرٌ، وإنما ذَكَرَه ليَبنِي عليه قوله: (يوم شَرَى) يعني أنَّ عِتقَه يكونُ من يوم الشراءِ، لاستناد العتق إليه (من كل ماله) إن كان الشراءُ في الصحة، وهذا عند أبي حنيفة. (وعندهما:) عتق (يوم مات من ثُلُثه) سواء كان الشراءُ في الصحة أو في المرض، لأن الآخرية ـ وهي الشرط ـ تثبت بعدم شراء غيره بعده. وهذا يتحقق عند موت السيد فيفتقر العِتقُ على زمان موته. ولأبي حنيفة أن الآخرية تثبت للثاني كما اشتراه، إلا أنّ هذه الصفة يعرض عليها الزوال، لاحتمال شراء غيره بعده، فإذا مات ولم يوجد من يُبطلها، تبين أنه كان آخراً منذ اشتراه، فيعتق من ذلك الوقت.

(
ولا يصيرُ الزوج فاراً) عند أبي حنيفة، فلا ترث منه (لو علق الثلاث به) أي بالآخر بأن قال: آخرُ امرأةٍ أتزوجها فهي طالقٌ ثلاثاً، فتزوج امرأة، ثم أخرى في صحته ثم مات، لأن طلاقها عنده يستند إلى وقت تزوُّجِها، ثم إن كان دخل بها فلها مَهر للدخولِ بشُبهة، ونِصْفُ مهر للطلاقِ قبل الدخول، وعدتها بالحِيَضِ، ولا حِدَاد عليها (خِلافاً لهما) فإنّ عندهما يكون الزوج فاراً، فترث منه، لأنها تطلق في آخر حياته، ولها مهر واحد، وتعتدُّ بأبعد الأجلين من عدة الطلاق والوفاة، ولو كان الطلاقُ رجعياً تعتدُّ بعدةِ الوفاة، وعليها الحِدَاد.

(وبكل عبدٍ بشَّرني بكذا فهو حر) الباء في بـ:كل تتعلق بقوله: (عَتَقَ أول ثلاثة) مِثْله، وكان الأظهر أن يقول: أول جماعة (بشَّروه) أي من عبيده (متفرقين) لأن البِشَارة اسم لخبر سار صدق، ليس للمبشَّر به علم، سُمِّي بذلك لأن بَشَرَة الوجه تتغير به، وتقيدت بالسَّار من العرف (والكلُ) عطف على الأول أي وعتقَ الكل (إنْ بشروه معاً) لتحقق البِشَارة منهم، قال الله تعالى: {وبَشَّرُوه بِغُلامٍ عليمٍ} فنسبها إلى جماعة، ولو كان التعليق على الإِخبار مكان البِشارة بأن قال: كل من أخبرني، والباقي بحاله عتق الكل.
وذلك لما رُوي أنه صلى الله عليه وسلم مر بابن مسعود وهو يقرأ القرآن فقال: «من أراد أن يقرأ القرآن غضاً طرياً كما أُنْزِلَ، فليقرأ بقراءةِ ابن أم عبد» فابتدر إليه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما بالبِشَارة، فسبق أبو بكر، فكان ابن مسعود يقول: متى ذكره: بشَّرني أبو بكر وأخبرني عمر.
(
وسَقَطَ بشراءِ أبيه لكفارتِهِ هي) أي كفارته، وهي فاعلُ سقط، فكان الأولى أن يقول: ويسقط بشراء إبيه كفارة ابنه، وكذا حكم كلِّ ذي رحمٍ محرمٍ منه. وقال زفر، ومالك، والشافعي، وأحمد: لا تسقط وهو القياس، وهو قول أبي حنيفة أولاً، فصاحباه معه في قوله الآخر. ووجهه أنَّ الشارعَ جعل شراء القريب إعتاقاً، لما روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لن يجزي ولدٌ والدَه إلا أن يجدَه مملوكاً فيشتَريْه فيعتِقَهُ»، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم أخبر أن الابن قادرٌ على إعتاق الأب، فيكون قادراً تصديقاً له عليه الصلاة والسلام فيما أخبر.

ولا يقدِرُ على إعتاقه قبل الشراء، لعدم الملك ولا بعده، لأنه يَعتِقُ به عليه، فيكون نفس الشراء إعتاقاً، فإذا نوى بالشِّراء الكفَّارة يصير إعتاقاً عنها، فيصح ويجزيه، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يشترط غير الشراء، فإذا اشترى أباه بنية الكفارة كانت النية مُقَارِنَةً لعلةِ العتق، فيعتق عنها.

(
لا) أي لا تسقط (بشراء عبد حَلَفَ بعتقه) إذا نوى بالشراء كفارته، لأن النيةَ لم تَقترن بعلةِ العتق، وهي اليمين. (ولا) بشراء (مستولدة بنكاح) حال كونه (عَلَّقَ عتقها عن كفارته بشرائها) بأن قال لأمة غيره التي استولدها بنكاحه: إنّ اشترَيتُك فأنت حرةٌ عن كفارة يميني، ثم اشتراها، فإنها تعتق لوجود الشرط، ولا يجزئه عن الكفارة، لأن حريتَها مستحقة بالاستيلاد، فلا تضاف إلى اليمين من كل وجه (وتَعتِقُ بـ: إِنْ تسرَّيتُ أمةً فهي حرة، مَنْ تسرَّاها وهي مِلكُه يومَ حَلَف) وبه قال مالك والشافعي وأحمد. ويثبت التَّسَري عندنا بالتحصين، وهو منعها من الخروج، وتبوئتها ليلاً مع الوطء، وهو وجه في مذهب الشافعي، وفي وجه ثانٍ بالوطء مع الإنزال والتحصين، وفي وجه ثالث بالوطء وحده، وبه قال أحمد. وقال أبو يوسف: يشترط مع الوطء طلب الولد، حتى لو وطء وعزل عنها لا تكون سُرِّيَّة عنده.
(
لا مَنْ شَرَاها) بعد قوله: إن تَسرَّيتُ أَمة فهي حرة، (فتسرَّاها)، وبه قال مالك والشافعي وأحمد. وقال زُفَر: تعتق لأن التسري لا يصح إلا في المِلك فذِكرُ التسرَّي كذكره. (وَعَتَقَ بكلِ مملوكٍ لي حرٌّ أمهاتُ أولادِهِ ومُدَبَّرُوه وعبيدُه) لأنه تَمَلَّكَهم رقبةً ويداً (لا مكاتبوه) أي لا يعتق بكلِّ مملوكٍ لي حرٌّ مكاتبوه (إلا بنيتِهم) لأن مِلكَ المولى فيهم ناقصٌ، لخروجه عن ملكه يداً، فلا يدخلون في مطلق المملوك وهو الكامل إلا بالنية.

(و) عتق (بهذا حرٌ أو هذا وهذا) بالواو (لعبيده ثالِثُهم) في الحال (وخُيِّرَ في الأُوْليين كالطلاق) بأن قال لنسائه: هذه طالق أو هذه وهذه، حيث تطلق الثالثة ويُخير في الأُوْليين، لأن الكلام لإيجاب الإعتاق في أحد الأوليين، وتشريكُ الثالث فيما سِيْقَ له الكلام، فصار بمنزلة أحدهما حر. وهذا، فالمعطوف عليه هو المأخوذُ من صدر الكلام لأحد المذكورين بالتعيين.
(
ولاَمٌ دخل على فعل) أي تعلق بفعل (يقع عن غيره) أي غير فاعله، بأن كان مما يجري فيه النيابة والتوكيل، وهو كل فعل يُملك بالعقد (كبيع، وشراء، وإجارة، وخياطة، وصياغة) وفي نُسخة بالموحدة، وفي أخرى بالنون والعين المهملة (وبناء اقتضى) ذلك اللام (أمره) أي توكيله بالفعل (ليخُصَّه به) لأن اللام للاختصاص، وأقوى وجوهه المِلك، فإذا دخلت على الفعل أوجبت ملكَه، وذا بأن يفعله بأمره ليقع ذلك الفعل له (فلم يحنث في: إن بعتُ لك ثوباً، إنْ باعَه بلا أمرِهِ) من المخاطب سواء (مَلَكَه) المخاطب (أو لا) لأن تقدير الكلام: إن بعتُ ثوباً بأمرك، ولم يوجد الأمر.

(
وإن دخل على عينٍ أو) على (فعل لا يقعُ عن غيره) وهو كل فعل لا يُملك بالعقد (كأكل، وشُرب، ودخول وضَرْبِ الولدِ، اقتضى) دخول اللام (ملكه) ذلك العين لا أمره بالفعل (فحنث في: إن بِعتُ ثوباً لك، إن باعَ ثوبَه بلا أمره) من المخاطب وكذا حَنِثَ في: إن أكلت لك طعاماً وأكل طعامه بلا أمره، سواء علم به أو لا، لأن اللام لما دخلت على العين أوجبت ملكه، ولما دخلت على الفعل الذي لا يقع عن غيره أوجبت أيضاً مِلك العين، لأن هذا الفعل لمّا كان مما لا يُملك بالعقد، وجب صَرْف اللام فيه إلى ما يُملك بالعقد، وهو العين، وقيّد الضرب بالولد لأن ضرب العبد يحتمل النيابة والوكالة، فصار نظير الإجارة دون الأكل والشرب.

(وفي كل عِرْس لي فكذا، بعد قول عِرْسِه: نَكَحْتَ عليَّ، طلُقت هي) أي عِرْسُه، يعني أن مَنْ قالت امرأتُه: تزوجت عليّ، فقال: كل امرأة لي طالق تطلق امرأته. وعن أبي يوسف أنها لا تطلق، لأن كلامه خرج جواباً لكلامها، فيتقيد به، وكلامها كان في تزويج غيرها، ولأنه قَصَدَ إِرضاءها وذلك بطلاق غيرها، فيتقيد به. وفي «جامع السَّرَخْسِي»: قول أبي يوسف أصح عندي.
ووجه الظاهر، وهو قول مالك والشافعي وأحمد أن العمل بالعموم واجبٌ ما أمكن، وقد أمكن ههنا فيعمل به، وذلك أنه زاد على الجواب، إذ جوابه أن يقول: إن فعلتُ فهي طالق، فكان ذلك مبتدئاً. وجاز أن يكون فائدتها إيحاش المرأة وإغضابها وإلحاق الغيظ بها، حين اعترضت عليه فيما أحله الشرع له. (وصح نيةُ غيرها دِيَانة) لأنه نوى محتمَل كلامِهِ، لا قضاءً لأنه نوى تخصيصَ العامّ وهو خلاف الظاهر. والله تعالى أعلم بحقائق الظواهر والضمائر.

كتاب البَيْعِ
اعلم أنّ المقصود من بيان كتاب البيع بيانُ الحلالِ الذي هو بيعٌ شرعاً، والحرام الذي هو الرِّبا، ونحوه من العقود الفاسدة. ولهذا قيل لمحمد رحمه الله تعالى: ألا تصنِّف شيئاً في الزُّهد؟ فقال: قد صنّفت كتاب البيع.
ومراده: بَيَّنْتُ فيه ما يَحِلُّ وما يَحْرُم. وليس الزُّهد إلاّ اجتناب الحرام، والرغبة في الحلال، كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم حيث ذكر الرّجل يُطيل السّفر، أشعثَ أغبرَ يقول: يا ربُّ، يا ربُّ، ومَطْعَمُهُ حرامٌ، ومَشْرَبُه حرامٌ، وملبسُه حرامٌ، وغُذِّي بالحرام، فأنّى يُسْتَجَابُ لذلك؟

ثمَّ (هُوَ) في اللّغة مشتركٌ بين إخراج الشيء عن المِلْكِ بمالٍ، وبين ضِدّه، وهو إدخال الشيء في الملك بمالٍ. ومن هذا القبيل حديث: «لا يَبِعْ أحدُكم على بيع أخيه»، أي: لا يشتري على شرائه. كذا في «الصّحاح». ولا يَبْعُد أن يكون البيع في الحديث على بابه. وهو يتعدّى إلى المفعول الثّاني بنفسه، وبحرف الجر نحو: بعتُ هذا فلاناً، وبعته منه.
وكذا لفظ الشِّراء مشتركٌ بين فعل المشتري وفعل البائع، ومنه قوله تعالى: {وَشَرَوهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ}، أي: باعوه. وهذا إذا كان الضمير للإخوة، وأمّا إذا كان للسَّيَّارة، فالشراء على بابه. وكذا قوله تعالى: {ولَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ}، أي: باعوا حظّها أو اشتَرَوه.
وأمّا قوله تعالى: {إنّ اللَّه اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ} فعلى حقيقته، وكذا قوله تعالى: {أوَلَئِكَ الّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ}، أي: استبدلوه واختاروه عليه.
وفي الشَّرع: (مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ) أي على وجه التمليك (بِتَرَاضٍ) لقوله تعالى: {إلاّ أنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}.
وهو عقدٌ مشروعٌ بقوله تعالى: {وَأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} ؛ وبالسُّنَّة وهي كثيرةٌ شهيرةٌ؛ وبإجماع الأمّة على جوازه، وأنّه أحد أسباب المِلك، وبأنّه صلى الله عليه وسلم بُعثَ والنَّاس يتبايعون فأقرّهم عليه حتى قال: «يا معشر التُّجَّار إنْ بيعكم هذا يحضره اللّغو والكذب، فشُوبُوه بالصَّدقة». وقد باع واشترى بمباشرة وتوكيلٍ.

وقد صحّ عند أرباب السِّيَر أنّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم اتَّجر لخديجة، لكن قبل البعثة بخمسة عشر سنة، فإنه بُعِثَ على رأس الأربعين، وخرج تاجراً إلى الشام لخديجة لَمّا بلغ خمساً وعشرين سنةً، قبل أنْ يتزوّجها بشهرين وخمسةٍ وعشرين يوماً. وكان أبو بكر تاجراً في البَزِّ، وعمرُ في الطَّعام، وعثمانُ في الَبزِّ والتَّمْر، وعبّاس في العطر. ومن هنا قال أصحابنا: أفضل الكسب بعد الجهاد التِّجارة، ثُمَّ الزِّراعة، ثُمَّ الصّناعة. وعندي أنّ أفضلها الكتابة.

(
وَيَنْعَقِدُ) البيع (بإيجَابٍ) أَي: إثباتٍ؛ والمراد به ما يُذْكَر أولاً من كلام المتعاقدين، لأنه يُثِبتُ خِيار القبول للآخر. (وَقَبُولٍ) وهو ما يُذْكَر آخِراً من كلامهما، أو ما يقوم مَقَامه من قبض المبيع، كما لو قال: بعتك هذا بدرهمٍ، فقبضه المشتري ولم يقل شيئاً.
والمعنى أنه ينعقد بمجموع الإيجاب والقَبُول، ولا بدَّ أن يكون أحدهما يدلّ على الإيجاب كـ:أعطيتك، و: جعلت لك هذا بكذا، والآخر على القَبول كـ:أخذت، و:رضيت، و: أجزت.
ويُشْتَرطُ سماع المتعاقدين كلامَهما (وبِلَفْظَي ماضٍ)
كـ: بعتُ، و:اشتريتُ. وإنما شُرِطَ الماضي فيهما لأنّ البيع إنشاء تصرفٍ، والإنشاء يُعْرَفُ بالشَّرع، لأنّ الواضع لم يضع له لفظاً خاصّاً؛ والشَّرعُ يَستعمل فيهِ اللّفظَ الذي وُضِعَ للإخبار عن الماضي، لأنه يستدعي سَبْقَ المُخْبَر عنه ليكون الكلام صحيحاً، فكان الماضي أدلَّ من غيره على تحقّق الوجود، فكان أشبهَ بالإنشاء المحصِّل للوجود.
(
وَبِتَعَاطٍ) أي: وينعقد أيضاً بمعاطاةٍ وهي ههنا إعطاء البائع المبيعَ للمشتري على وجه البيع والتَّمليك، وإعطاء المشتري الثمنَ للبائع كذلك، بلا إيجابٍ وقَبُولٍ.

(مُطْلقاً)، أي: سواء كان المبيع خسيساً، وهو: ما تكون قيمته دون نصاب السَّرِقة، أو نفيساً وهو: ما تكون قيمته مثل نصابها أو أكثر، وبه قال الخُرَاسَانِيُّونَ. وقال الكَرْخِيّ والعِرَاقِيُّونَ: ينعقد به في الخسيس للعادة دون النفيس لعدمها. وأُجِيبَ: بأنّ جواز أصل البيع إنَّما هو باعتبار الرِّضا من الجانبين، إلاّ أنّ الرِّضا لَمّا كان باطنياً، أُقِيمَ الإيجاب والقَبُول مُقَامه لدلالتهما عليه، والتعاطي أدلّ عليه منهما، لأنهما قد يوجدان بغير رضاهما أو أحدهما.
ومذهب الشَّافعيّ وأحمد: أنّ البيع لا ينعقد بالتَّعاطي، لأنّ الأفعال لا دلالة لها بالوضع على مقاصد النّاس. لكن قد يُقَال: إنّ في القرائن من الفوائد ما تدلّ على المقاصد.
وقال مالك: ينعقد بكل ما يعدّه النّاس بيعاً، لأنّ المقصود المبادلةُ بالرّضا، فمتى حصلت ثبت حكم البيع، ولأنّ الشّارع لم يَثْبُتْ عنه اشتراطُ اللفظ، فوجب الرّجوع إلى العُرْفِ المعروف الذي هو التّعاطي مطلقاً.
واخْتُلِفَ في التّعاطي بأحد الجانبين مع بيان الثمن، والأظهرُ جوازه لتعارف النّاس عليه، وكذا بدون بيان الثمن إذا كان معلوماً. قال الطَّرَابُلْسِيّ: وهو الصحيح. وقد أشار محمد في «الجامع الصغير» إلى أنّ تسليم المبيع يكفي.

(
وَإذَا أَوْجَبَ وَاحِدٌ) من المتعاقدين البيع (قَبِلَ الآخَرُ)، واحداً كان الآخر أو متعدّداً، (كَلَّ المَبِيع بِكُلِّ الثَّمَنِ أَوْ تَرَكَ)، وليس للعاقد إن كان واحداً، ولا لواحدٍ إن كان العاقد متعدّداً، أن يقبل في بعض المبيع ببعض الثمن لتفرُّق الصَّفْقَةِ عليه، فإنّ رضاء المُوجِبِ ببيع ذلك البعض وحدَه غيرُ معلومٍ، والرضا بِبَيْع المجموع ليس رضا ببيع بعضه وحدَه، إذ قد يَضُمُّ الرَّديء إلى الجيّد ويبيعهما جميعاً معاً، فيفوت غرضُه.

(إلاّ إذَا بَيَّنَ) المُوجِبُ (ثَمَنَ كُلَ) ممّا قَبِلَ الآخر وما ترك، لأنّ ذلك دليلٌ على رضاه بالتفريق، ولأنّ الإيجاب حينئذٍ في معنى إيجابات متعدّدة. أمّا إذا كرَّر في البيان لفظ البيع، بأنْ قال: بعتك هذين بألفٍ: بعت هذا بخمس مئة، وبعت هذا بخمس مئة، فباتفاقٍ. وأمّا إذا لم يكرر بأن قال: بعتك هذين بألفٍ: كلَّ واحدٍ بخمس مئة، فعند أبي يوسف ومحمد جاز، خلافاً لأبي حنيفة. والمختار قولُهما. وكذا جاز إذا رَضِي الآخر في المجلس إن كان المبيع ممّا ينقسم الثّمن عليه بالأجزاء، كعبدٍ واحدٍ، أو مكيلٍ، أو موزون.
(
وَمَا لَمْ يَقْبَلْ) الآخر (بَطَلَ الإيجَابُ، إنْ رَجَعَ المُوجِبُ)، مشترياً كان أو بائعاً، (أوْ) إنْ (قَامَ أحَدُهُمَا) أي أحد العاقدين عن المجلس. أمّا إن رجع المُوجِب، فلأنّ الإيجاب لَمَّا لم يُفِد حكم البيع بدون القَبُول، كان للموجب أن يرجع قبله لخُلُوِّ رجوعِهِ عن إبطال حقّ غيره، فإذا رجع بَطَلَ إيجابه. وأمّا إنْ قام أحد العاقدين عن المجلس، فلأنّ القيام دليل الرّجوع، ولهما ذلك قبل القَبول، لأنه لو لم يثبت الخيار، يلزمه حكم العقد من غير رضاه، وهذا يسمى خيارَ القَبول.
(
وَإذَا وُجِدَا) أي الإيجاب والقبول في البيع الصحيح (لَزِمَ) ولا خيار لواحدٍ من العاقدين. وبه قال مالك، وهو رواية عن أحمد، ومختارُ النَّخَعِيّ والثَّوْري. قال شارح: وقال الشافعيّ: لا يلزم، بل لأحدهما الخيار ما دام المجلس، وبه قال أحمد.

لنا ما روى مالك من حديث ابن عمر أنّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «من ابتاع طعاماً، فلا يبعه حتَّى يستوفِيَه». ووجه الدلالة أنّه صلى الله عليه وسلم عبَّر عن المنع من البيع باستيفاء المبيع، فإذا استوفى جاز البيع، سواء استوفى في المجلس أو بعده. والبيعُ لا يجوز إلاّ بعد ثبوت الملك. وقوله عليه الصلاة السلام لحَبَّان بن مُنْقِذ ـ وكان يُغْبَنُ في البيع ـ: «إذا ابتعت فقل: لا خِلاَبة، وليَ الخيارُ ثلاثةَ أيامٍ». والخِلابة بكسر الخاء المعجمة: الخداعة. فإنّه يدلّ على لزوم البيع بالإيجاب والقبول؛ ولأنّ في إثبات الخيار لأحد المتبايعين إبطالُ حقّ الآخر، وهو غير جائزٍ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضَرَرَ ولا ضِرَار»، ولأنّ البيع عقد معاوضة، فيلزم بالإيجاب والقبول كالنِّكاح.

وأمّا ما رواه أصحاب الكتب السِّتَّة ـ واللفظ للشيخين ـ عن نافع، عن عبد الله ابن عمر أنّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «البَيِّعَانِ كلّ واحدٍ منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرّقا، إلاّ بيع الخيار (أو يكون بيعهما بيعَ خيار)». وفي لفظ لهما: «إذا تبايع المتبايعان بالبيع، فكلَّ واحدٍ منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرّقا»، أو قال: «يكون بيعهما على الخِيَار، فإذا كان بيعهما على خيار فقد وَجَبَ».

فقال محمد بن الحسن ـ وهو منقول عن إبراهيم النَّخَعِيّ ـ: مُؤَوَّلٌ بأنّ المراد بالخيار فيه خيار القَبول. فإنّ أحدهما إذا أوجب كان لكلَ منهما قبل القبول الخيارُ، ما داما في المجلس ولم يأخذْ أحدُهما في عملٍ آخر. وفي لفظ الحديث إشارةٌ إليه، فإنهما متبايعان حالةَ البيع حقيقةً. وعلى هذا، فالتفرّق بالأقوال لا بالأبدان، كما في قوله تعالى: {وَإنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ}. فإنّ الزَّوج إذا طلّق امرأته على مالٍ تحصل الفُرْقة بقبولها. وقال أبو يوسف: مُؤَوَّلٌ بأنّ المراد بالتفرُّقِ فيه التفرُّقُ بالأبدان بعد الإيجاب قبل القَبُول. انتهى.
والمراد بقوله: «إلاّ بيع الخيار» (أي: إلاّ المتبايعين بيع الخيار، أو) إلاّ إذا تبايعا بيع الخيار. والمعنى أن يقول أحدهما لصاحبه: اختر، فيقول: اخترتُ، فيكون هذا إلزاماً للبيع، وَيَسْقُطُ خيارُهما، وإن كان المجلس قائماً.
وحَمَلَ بعضهم الخيارَ على خيار الشّرط، وهو بعيد لرواية الترمذيّ: «البَيِّعانِ بالخيار ما لم يَتَفَرَّقَا أو يختار». وفي لفظ: «أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر»، بدل «أو يختار». وكان ابن عمر إذا اشترى شيئاً وأحبّ أن يكون له، فَارَقَ صاحبه فمشى قليلاً، ثم رجع، فَحُمِلَ على التفرّق بالأبدان. ويدلّ عليه زيادة أبي داود والترمذيّ: «ولا يَحِلّ له أن يفارق صاحبه خشيةَ أن يستقيله»، أي: خشية أنْ يفسخ العقد.

ولنا إطلاق قوله تعالى: {يَا أيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}، وهذا عقدٌ قبل التخيير، وقوله تعالى: {لا تأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلاَّ أنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} ، وبعد الإيجاب والقَبول تَصدُق تجارةً عن تراضٍ، غيرَ متوقفة على التخيير. فقد أباح الله تعالى أكل المشتري قبل التخيير. وقوله تعالى: {وَأشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} أَمْرٌ بالتَّوثُّق بالشَّهادة لئلا يقع التَّجاحد في البيع، فلو ثبت الخيار وعَدِمَ اللُّزوم قبله، لزم إبطال هذه النصوص.

قال بعض المحققين: ولا مخلص له من هذا إلاّ أن يمنع لزومَ العقد قبل الخيار ويقول: إنما يُعرف لزومه شرعاً، وقد اعتُبِر فيه اختيار التّراضي بعد الإيجاب والقَبُول بالأحاديث التي رويناها. ثم قال: ولا مخلص لنا إلاّ بتسليم إمكان اعتبار الخيار في لزومِ العقد، وادّعاء أنه غير لازمٍ من الحديث المذكور بناءً على أن حقيقة المتبايعين المتشاغلان بأمر البيع، لا مَن تَمَّ البيع بينهما وانقضى، لأنه مجاز. والمتشاغلان يعني المتساومَيْنِ، يصدق عليهما عند إيجاب أحدهما قبل قبول الآخر، فيكون ذلك هو المراد، وهذا هو خيار القَبول.
(
وَيُعرَفُ المَبِيعُ بالإشَارَةِ) (إليه، أي): إذا كان محسوساً، (لا بِذِكْرِ القَدْرِ والْوَصْفِ)، أي: لا حاجة بذكرهما حينئذٍ. والمعنى: يُشْتَرَطُ لصحة البيع معرفةُ المبيع بما ينفي جهالته، قطعاً للمنازعة. فإن كان حاضراً يُكْتَفى بالإشارة، لأن بها كفايةً في التَّعريف، فإذا قال: بعتك هذه الصُّبْرَة من الحِنْطَة، أو هذه الثياب ـ وهي مجهولة العدد ـ بهذه الدَّراهم، ـ وهي مرئية له ـ فَقَبِل، جاز البيع ولَزِم، لأن البّاقي جهالة القدر، وهي لا تضرّ لعدم منعها من التَّسليم والتَّسلُّم.

(إلاّ في السَّلَمَ) فإن المبيع فيه لا بدّ من معرفة قدره ووصفه، على ما يجيء في بابه، إن شاء الله سبحانه.
وحاصله
أنّ المبيع إذا كان غائباً، فإن كان مما يُعْرَف بالأُنْمُوذَجِ: كالكَيْلِي من الحبوبَ، والوَزْنِيّ من السَّمْنِ والعسل، والعدديّ المتقارب: كالجوز واللّوز، فرؤية بعضه كرؤية كله. وإن لم يعرف به كالثياب والدَّواب، فلا بد من ذكر جميع أوصافه، قطعاً للمنازعة. وله خيار الرُّؤية، ويشترط معرفة قدر الثَّمن ووصفه لو كان في الذِّمة، إذا اختلف نقد البلد، قطعاً للمنازعة، لا معرفة قدر الثَّمن المشار إليه ووصفه، إذ الإشارة أبلغ أسباب التعريف.
ونفينا تعيين النقدين المضروبين في البيع، فيجوز للمشتري دفع غير المعيَّن في العقد عندنا. وعيّنه زُفَر، ومالك، والشَّافعيّ بالتعيين في عقود المعاوضة وفسوخها كما يتعين في الهبة، والشَّركة، والوكالة، والغصب، والصّدقة.
(
وَ) يعرَف (الثَّمَنُ بِأَحَدِهِمَا) أي بالإشارةَ أو بذكر القدر والصفة. فيعرَف بالإشارة إنْ كان معيناً بها، وبذكر القدر والصفة إن لم يكن.
(
وَيَصِحُّ البَيْعُ بِثَمَنٍ حَالَ) وهو الأصل (وَمُؤَجَّلٍ بِأَجَلٍ مَعْلومٍ) لإطلاق قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ}، ولِمَا في البخاري عن عائشة من أنّه صلى الله عليه وسلم اشترى طعاماً من يهوديّ إلى أجلٍ ورهنه درعاً له من حديد. وفي لفظٍ للصحيحين: طعاماً بنسيئةٍ. ولقوله عليه الصلاة والسلام (في السَّلم): «من أسلف في تمر، فليسلف في كيلٍ معلومٍ ووزن معلومٍ، إلى أجلٍ معلوم». وعلى ذلك انعقد الإجماع.

(وَلاَ يَضُرُّ الجُزَافُ) بتثليث الجيم، والضم أشهر، وهو البيع بالحَدْس، أو بالظّن بلا كيلٍ ولا وزنٍ، وهو فارسيّ مُعَرَّب كَزاف بالكاف العَجَمّية (إلاّ في) بيع (الجِنْسِ بِالجِنْسِ) لِمَا روى الجماعة إلاّ البخاريّ من حديث عُبَادة بن الصامت أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبرّ بالبُرّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثلٍ، سواءً بسواءٍ، يداً بيدٍ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيدٍ». ولأنّ الجهالة في الجُزَافِ غير مانعةٍ من التَّسليم، فلا يضرّ كجهالة القيمة، بأنْ اشترى شيئاً بدرهمٍ ولم يدر قيمته. وإنّما امتنع الجُزَاف في الجنسِ بالجنس لِمَا فيه من احتمال الرِّبا، واحتماله ملحقٌ بحقيقته احتياطاً. وفي «الذَّخيرة»: أنّ هذا الاستثناء إذا كان شيئاً يدخل تحت الكيل ـ وأدناه نصف صاع ـ، وأمَّا إذا كان قليلاً لا يدخل تحته، فيجوز بيعه بجنسه جُزَافاً.
(
وَمُطْلَقُ الثَّمَنِ) وهو الذي لم يُقَيَّد في صلب العقد، أو في المجلس بوصفٍ، ولا بنقدِ بلدٍ نحو عشرة دراهم (يُحْمَلُ عَلَى الأرْوَجِ) أي أغلب ما يُتَعَامل به في كلِّ البلد سواء استوت ماليّة النقود، أو اختلفت، لأنّ ما غلب التعامل به معلومٌ بالعرف، والمعلوم بالعرف كالمعلوم بالنَّص. (فَإنْ اسْتَوَى رَوَاجُ النُّقُودِ فَسَدَ) البيع (إنْ اخْتَلَفَتْ مَالِيَّتُهَا) لأنّ مثل هذه الجهالة يفضي إلى المنازعة. وأمّا لو استوت الماليّة والرَّواج جاز البيع.

(وَإنْ بيعَ ذو أفْرَادٍ كُلَّ وَاحِدٍ) منها (بِكَذَا) درهماً، (فَإِنْ لَمْ تَتَفَاوَتْ) تلك الأفراد بأنْ بيعت صُبْرةٌ: كل قفيزٍ بدرهمٍ، أو بيع ثوبٌ: كل ذراعٍ بدرهمٍ (صَحَّ) البيع (في وَاحِدٍ) عند أبي حنيفة، وفي الكلّ عند أبي يوسف ومحمد، وبه يُفْتَى. وهو قول مالك والشَّافعيّ وأحمد، لأنّ المبيع معلومٌ بالإشارة فلا يحتاج إلى معرفة قدره، وما فيه من الجهالة لا يضرُّ لأن رفعها بيدهما بأنْ يكيلا الصُّبْرَة في المجلس.
ولأبي حنيفة أنّ الثمن مجهولٌ لأن جملة الأفراد غير معلومةٍ، فيكون ما بإزائها من الثمن مجهولاً إلاّ أنّ الأقلّ ـ وهو الواحد ـ معلومٌ، فيصحّ البيع فيه ويفسد فيما عداه، إلاّ أن ترتفع الجهالة بتسمية جميع الأفراد، أو بالكيل في المجلس.

(
وإلاّ) أي وإنْ تفاوتت الأفراد في القيمة كما لو باع غنماً كلّ شاةٍ بدرهمٍ (فَلاَ) يصحّ البيع (أصْلاً)،
أي لا في جملة الأفراد ، ولا في واحدٍ منها، وهذا عند أبي حنيفة. وأمّا عندهما فيصحّ في الكلّ، وهو قول مالك والشَّافعيّ وأحمد، والوجه ما مرّ إلاّ أنّ الأفراد هنا متفاوتة، فلا يجوز البيع في واحدٍ منها عند أبي حنيفة بخلاف الصُّبْرَة.
(
وَإنْ بَاعَ صُبْرَةً) أي كُوْمة طعامٍ بلا كيلٍ ولا وزنٍ (عَلىَ أنَّهَا مِئَةُ صاعٍ بِمِئَةٍ) درهم، (فإنْ نَقَصَ) المبيع عن المئة (أَخَذَ المُشْتَرِيِ) الموجود (بالحِصَّةِ) لأنّ الكيل ذو جزءٍ، والثمن ينقسم على أجزاء المبيع، (أوْ فَسَخَ) البيع لأنّ الصَّفقة لَمَّا تفرّقت عليه لم يتمّ رضاؤه بالموجود، وبه قال مالك والشّافعي وأحمد. (وَإنْ زَادَ) على المئة (فَللبَائِعِ) ما زاد، لأنّه باقٍ على ملكه، فإنّ البيع وقع على قدرٍ معينٍ، وما يكون كذلك لا يتناول غيره.

(وَفِي المَذْرُوع) بأنْ باع ثوباً على أنّه عشرة أذرعٍ بعشرةٍ، فوجد المشتري الثوب أقل من ذلك، (أَخَذَ) المشتري (الأقَّلَ بِكُلِّ الثّمَنِ أوْ تَرَكَ) لأنّ الذّراع وصفٌ للمذروع، والثمن لا ينقسم على الأوصاف، فكان كلُّ الثمن مقابَلاً بكل العين، غير أنّه ثبت الخيار للمشتري، لأنّه فاته وصفٌ مرغوبٌ فيه، وقع عليه العقد. (والأكْثَرُ لَهُ) أي للمشتري، ولا خيار للبائع، لأن الزّائد هنا صفة، فكان هذا بمنزلة ما إذا باع بشرط أنّه معيب، فإذا هو سليمٌ.
(
وَإنْ قَالَ):
بعتك هذا الثوب على أنّه عشرة أذرعٍ (كُلَّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ) فوجده المشتري أقلّ أو أكثر (فَبِالْحِصَّةِ)،
أي فيأخذ الكلّ بالحصّة (فِيهمَا) أي في الزّيادة والنقصان، وله الترك، لأنَّ الذِّراع وإنْ كان وصفاً، إلاّ أنه يصلح أن يكون أصلاً لأنه يُنتفع به بانفراده، فإذا سُمِّي له ثمنٌ صار أصلاً، وإنما كان الخيار للمشتري لتفرّق الصّفْقة عليه في النقصان، ولزيادة الثمن في الزِّيادة. وعن الشافعي في القديم قولان: أحدهما: يصحّ العقد وله الخيار كمذهبنا، والآخر: لا يصحّ.
(
وَصَحَّ بَيْعُ البُّرِ فِي سُنْبُلِهِ) وهو قول مالك وأحمد والشافعيّ في القديم، وقال في الجديد: لا يصحّ، لأنّه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر، وهذا منه، لأنه لا يدري قدر الحبّ. وأُجِيبَ بأنّ ذلك محمولٌ على نحو بيع الطير في الهواء، والسمك في الماء. وفي «المبسوط»: أو على بيعه في السُنْبُلِ قبل أنْ يشتدّ.

(
و) صحّ بيع (البَاقِلاءِ) بكسر القاف وتشديد اللاّم مقصوراً، وبتخفيفها ممدوداً (وَنَحْوِهِ) ممّا له قشران كالسِّمْسِم، والأرز، والحِمِّص الأخضر وسائر الحبوب المغلَّفة، والجوز واللّوز والفَسْتُق والبندق (في قِشْرِهِ الأوَّلِ)، وفي نُسخة: في قشره الخارج، وإنّما قال: الأوّل، لأنّ فيه خلافاً للشَّافِعيّ، أمّا في قِشره الثَّاني فيجوز إجماعاً.

والمنصوص عن الشّافعيّ في بيع البَاقِلاء الأخضر أنّه لا يجوز. وقال مالك وأحمد وكثير من أصحاب الشَّافِعيّ: يجوز، وكذا الجوز واللّوز الرَّطِبَان، وأمّا اليابس منهما فيجوز بلا خلاف.
لنا ما روى الجماعة إلاّ البخاريّ عن نافع عن ابن عمر «أنّ النبِيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن بيع السُّنْبُلِ حتى يبيضّ ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري». يقال: زهى النّخلُ يزهو إذا بدت فيه الحمرة أو الصُّفرة. وما في «الصحيحين» عن أنس أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثِّمار حتّى يبدوَ صلاحُها، وعن بيع النَّخل حتّى يزهو، قيل: ما يزهو؟ قال: «يَحْمَارُّ أو يَصْفَارّ».
وفي زكاة البُخَاريّ، عن ابن عمر أنّه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثَّمر حتى يبدوَ صلاحُها، وكان إذا سُئِلَ عن صلاحها قال: «حتى تذهب عاهتها». وما روى أبو داود والترمذيّ وابن ماجه من حديث حَمَّاد بن سَلَمَة، عن حُمَيْد، عن أنس أنّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العنب حتى يسودّ، وعن بيع الحبّ حتى يشتدّ. قال الترمذيّ: حديثٌ حسنٌ غريبٌ، لا نعرفه مرفوعاً إلاّ من حديث حمّاد بن سَلَمة. ورواه ابن حِبّانِ، في «صحيحه»، والحاكم في «مستدركه»، وقال: صحيح على شرط مسلم. وفي رواية: عن بيع الحبِّ حتّى يفرك. وقال البيهقي: إنْ كان بكسر الرّاء بإسناد الإفراك إلى الحبّ، وهو الأشبه، وافق قوله: حتى يشتدّ، وإن كان بفتح الرّاء على ما لم يُسَمَ فاعله، خالفه واقتضى تنقيته عن السُّنْبُلِ حتّى يجوز بيعه.
ووجه الدّلالة أنّ حكم ما بعد الغاية يخالف حكم ما قبلها، فظاهر الحديث يقتضي الجواز عند وجود الغاية. وعند الشّافعي لا يجوز حتى يخرج البُّرُ من سُنْبُلِه والباقلاء من قِشره الأوّل.

قلنا: إنّه مالٌ مُنْتَفَعٌ به، لأنْه يُدَّخر في سنبله قال الله تعالى: {فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ} فيجوز بيعه فيه، وبيع نحو الباقلاء في القشر كالشعير في سنبله. فإن قيل: يجوز بيع النّخل قبل الزَّهو عندكم، ومقتضى ما استدللتم به من الحديث أنه لا يجوز أُجِيبَ بأنّه محمولٌ على بيع التّمر على النَّخْل بشرط التَّرك إلى أن يحمرّ أو يصفرّ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم «أرأيت لو أذهَبَ اللَّه الثمرةَ، بم يستحلّ أحدكم مال أخيه» ؟ إذ الإذهاب إنّما يُتوهَّم إذا اشتراه قبل الإدراك بشرط التّرك. أو محمولٌ على السَّلَم، يعني لا يجوز السَّلَمُ فيه حتّى يوجد بين النّاس بدليل قوله صلى الله عليه وسلم «إذا منع الله الثَّمر، فبم يستحلّ أحدكم مال أخيه »؟ فيكون دليلاً لنا على اشتراط وجود المُسْلَمِ فيه من حين العقد إلى حين الحلول.

(
و) صَحّ (بَيْعُ ثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلاَحُهَا) وقال مالك، والشَّافعيّ، وأحمد، وشمس الأئمة السَّرَخْسِيّ، وخَواهِرْ زَادَه من أصحابنا: لا يجوز. والحيلة في جوازه أن يُبَاع مع الشجرة فيكون تبعاً لها، والأصحّ الجواز عندنا لأنه منتفَع به في المال، فصار كبيع الطفل والجحش. (أوْ قَدْ بَدَا) صلاحها، وهذا بلا خلافٍ بين العلماء، وإنما الخلاف في تفسير بُدُوِّ صلاحها، فعندنا على ما في «المَبْسُوطِ»: هو أنْ يُؤمَنَ العاهة والفساد، وعلى ما في «الخُلاَصَة» عن «التجريد»: أنْ يكون منتفعاً به. وعند الشَّافعيّ: هو ظهور النُّضج ومبادىء الحلاوة.
(
و) إذا صحّ بيع الثّمرة (يَجِبُ) على المشتري (قَطْعُهَا) في الحال ليتفرّغ ملك البائع عن ملكه، كبيع الشجرة دون الثّمر، وهذا إذا اشتراها مطلقاً، أو بشرط القطع.
(
وَشَرْطُ تَرْكِهَا) أي الثَّمرة (عَلَى الشَّجَرِ) وترك الزّرع في الأرض (يُفْسِدُ البَيْعَ).

أمّا إذا لم يَبْدُ صلاحها، أو بدا ولم يَتَنَاهَ عظمها، فباتِّفاق. وأمّا إذا تناهى عظمها فعند أبي حنيفة وأبي يوسف يفسد، لأنه شرطٌ لا يقتضيه العقد، وهو شَغْل ملك الغير، أو لأنّه مشتملٌ على منهيٍ عنه، وهو صفقةٌ في صفقةٍ، لأنه إجارةٌ في بيع إن كان للمنفعة حصّةٌ من الثَّمن، وإعارةٌ في بيعٍ إن لم تكن لها. وقال محمد: لا يفسد استحساناً. وهو قول مالك والشَّافعيّ وأحمد ومختار الطحاويّ لتعامل الناس به من غير نكير.
وفي «الأسرار»: الفتوى على قول محمد. وفي «التُّحْفَةِ»: الفتوى على قولهما، لأنّ التّعامل لم يكن بشرط التّرك، وإنْ كان بالإذن بالتّرك من غير شرط. انتهى. وفي «الذَّخِيَرةِ»: قال أبو الليث: المخلص في طريق الإذن (أن يأذن) للمشتري في التّرك على أنه متى رجع عن الإذن كان مأذوناً له في التّرك بإذنٍ جديدٍ.
واحتجّ لنا بعض المحققين بما روينا من قوله عليه الصلاة والسلام: «من اشترى نخلاً قد أُبِّرَتْ فثمرتها للبائع، إلاّ أنْ يشترطَ المبتاع». فجعلُه للمشتري بالشّرط يدلّ على جواز بيعه مطلقاً، لأنه لم يقيّد دخوله في البيع عند اشتراط المبتاع بكونه بدا صلاحه. واعْتُرضَ عليه بأنّ النّزاع في جواز بيعه مستقلاً لا تبعاً، لأنه لا خلاف فيه. واحتجّ أيضاً بما في «موطأ مالك» عن عَمْرَةَ بنت عبد الرحمن قالت: ابتاع رجلٌ ثمر حائطٍ في زمن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم فعالجه وقام عليه حتّى تبيّن له النّقصان، فسأل ربّ الحائط أن يضع به أو يُقِيله، فحلف لا يفعل، فذهبتْ أمّ المشتري إلى النَّبيّ صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك. فقال: «تألَّى أن لا يفعل خيراً»، فسمع بذلك ربّ الحائط فأتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: هو له. ولولا صحة البيع لم تترتب الإقالة عليه.

وأمّا النهي المذكور فهم قد تركوا ظاهره، فإنهم جوّزوا البيع قبل أن يبدو صلاحها بشرط القطع. وهذه معارضة صريحة لمنطوقه، فقد اتَّفقنا على أنه متروك الظاهر.
هذا، وإذا رضي البائع ببقائها يطيب الفضل في الثّمرة للمشتري، لأنه حصل له بطريقٍ مباحٍ، وإن لم يرض وتركها المشتري، تصدّق بما زاد من ذات الثّمرة، لحصول الزّيادة بمعنى من الشجر بلا إذن المالك، فلا يطيب له.
وتُعرف الزّيادة بالتقويم يوم البيع والتقويم يوم الإدراك، فالزيادة تفاوت بينهما. وإن تركها بعدما تناهى عظمها، لم يتصدّق بشيء، لأنها زادت جودة بتغير الطعم واللون، وذا من أثر الشمس والقمر لا ذاتاً.
(
كاسْتِثْنَاءِ قَدْرٍ) كما يَفْسُدُ البيع باستثناء مقدارٍ (مَعْلُومٍ) من الثمر، مقطوعةً أو غير مقطوعةٍ، لأنه ربَّما لا يبقى شيء بعد المستثنى، فيخلو العقد عن الفائدة، بخلاف ما إذا استثنى نخلاً معيناً، لأنّ الباقي معلومٌ بالمشاهدة. وفي «المواهب»: لو باع الثمرةَ واستثنى منها أرطالاً معلومةً صحَّ البيع في ظاهر الرواية، لأن الأصل أن ما جاز إفراده بالعقد جاز استثناؤه من العقد، كما لو استثنى جزءاً مُشاعاً، وما لا يجوز إفراده بالعقد لا يصحّ استثناؤه منه، كما لو استثنى عضواً من الشّاة ونحوها. وقيل: يفسد، وهو رواية الحسن، واختارها الطّحاويّ لجهالة ما بقي من بعد الاستثناء.

فصلٌ

(
في خِيَارِ الشَّرْطِ)

(صَحَّ) بالإجماع (خِيَارُ الشَّرْطِ)، والقياس أنْ لا يصحّ، لِمَا فيه من الغَرَر، ولظاهر نهيه عليه الصلاة والسَّلام عن بيعٍ وشرطٍ، إلاّ أنّ النَّص ورد به، وهو ما رواه ابن ماجه في «سننه»: أنّ حَبَّان بن مُنْقِذ بن عمرو كان رجلاً قد أصابته آمَّةٌ في رأسه فكسرت لسانه، وكان لا يدع على ذلك التِّجارة، فكان لا يزال يُغْبَنُ، فأتى النَّبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فقال: «إذا أنت بايعت فقل: لا خِلاَبة، ثم أنت في كلّ سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليالٍ، فإذا رضيت فأمسكها، وإن سخِطت فارددها على صاحبها». وحَبَّان بفتح المهملة وتشديد الموحدة، ومُنْقِذ بالمعجمة، والخِلابة بكسر المعجمة: الخداعة.
(
لِكُلَ مِنْهُمَا) أي لكل من البائع والمشتري، (وَلَهُمَا) أي معاً، ولغيرهما بإذنهما. وأفسد زُفَر العقد بالخيار لغير العاقد، وهو القياس.
(
ثَلاَثَةَ أَيّامٍ أوْ أقَلَّ) بالنصب فيهما على الظرفية.
وقال سُفْيَان الثَّوْرِيّ، وابن شُبْرُمَة: يجوز الخيار للمشتري لا للبائع، لأنّه ثبت على خلاف القياس، فَيُقْتَصَرُ على مورد النّص وهو المشتري، لِمَا أخرجه الحاكم وسكت عنه، عن ابن عمر قال: كان حَبَّان بن مُنْقِذ رجلاً ضعيفاً، وكان قد سُفِعَ في رأسه مأمومةً ـ أي ضُرِبَ ـ فجعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيار ثلاثة أيّامٍ فيما اشتراه، وكان قد ثقل لسانه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بع ـ أي اشتر ـ فقل: لا خِلاَبة»، وكنت أسمعه يقول: لا خِدابة لا خِدابة. يعني بإبدال اللام دالاً، لِثَقلِ لسانه، وبتكراره لإظهار بيانه. وكان يشتري الشيء ويجيء به إلى أهله فيقولون له: إنّ هذا غالٍ، فيقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خَيَّرني في بيعي. أي: شرائي.

وأجيب بأنّ خيار الشّرط إنّما جاز لحاجة النَّاس إليه لدفع الغبن بالتأمل والتفكر، وذلك يستوي فيه البائع والمشتري، على أنّ لفظ ابن ماجه: «إذا بايعت»، وهو يشتمل البيع والشراء. بل رواه البخاري في «تاريخه الأوسط»: «إذا بعت فقل: لا خِلابة». والأصل كونه على بابه، وإن جاز البيع بمعنى الشِّراء كما تقدّم.
(
لا أكْثَرَ) أي لا يصحّ خيار الشّرط أكثرَ من ثلاثة أيّام، وهذا عند أبي حنيفة، وهو قول زُفَر والشّافعي. وقال مالك: مدّةُ الخيار ما يمكن اختيار المبيع في مثله، ويختلف باختلاف الأشياء، فإن كان المبيع مما لا يبقى أكثر من يومٍ كالفاكهة لم يجز فيه أن يشترط أكثر من يوم، وإن كان فيه صفةٌ لا يمكن الوقوف عليها في ثلاثة أيّام، يجوز أن يشترط فيه أكثر من ثلاثة أيّام، لأنه شُرِعَ للحاجة إلى التأمّل، وهي تندفع بذلك.

وقال أبو يوسف ومحمد وأحمد: يصح أكثر من ثلاثة أيّام إذا كان مدّةً معلومةً، كالتّأجيل في الثمن، سواء طالت أو قصرت، ولحديث ابن عمر أنَّه أجاز الخيار إلى شهرين. ولأبي حنيفة: أنّ شرط الخيار يثبت بالحديث على خلاف القياس، فلا يزاد على المدّة المذكورة فيه، وذلك أنّ التقدير الشَّرعي إمّا أنْ يمنع النقصان والزيادة كما في الحدود، أو يمنع أحدَهما كأقلِّ الحيض وأكثره، وهو ههنا لا يمنع النقصان بالإجماع، فيمنع الزّيادة، وإلاّ لم يكن له فائدة. ولأنّه صلى الله عليه وسلم ضرب الثلاثة لمن كان في غاية ضعف المعرفة، ولم يزد عليها.

(إلاّ أنّه) أي البيع بشرط الخيار إذا كان أكثر من ثلاثة أيّام (يَجُوزُ إنْ أَجَازَهَ) من له الخيار (في الثَلاَثَةِ) وقال الشّافعي وزُفَر: لا يجوز، لأنّ البيع انعقد فاسداً لفساد الشرط الثابت فيه، فلا ينقلب صحيحاً بإسقاطه، كما لو باع درهماً بدرهمين، ثم أسقطَ الدّرهم الزائد، وكما لو نكح امرأة وتحته أربعة نسوة، ثم طلّق الرابعة. ولأبي حنيفة: أنه بإجازته في الثَّلاثة أسقطَ المُفسد قبل تقرّره، فصار كما لو باع جذعاً في سقف ثم نزعه وسلّمه. وفي «المحيط»: شرط الخيار أبداً، أو مطلقاً، أو مؤقتاً بوقتٍ مجهولٍ فاسدٌ خلافاً لمالك وأحمد.
(
وَكَذَا) يجوز البيع (إنْ شَرَطَ أنَّهُ) أي المشتري (إنْ لَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ إلى ثَلاَثَةِ) أيّام (أوْ أكَثْرَ فَلاَ بَيْعَ) بينهما. أمّا إلى ثلاثة، فعند علمائنا الثلاثة، وأمّا إلى أكثر من الثلاثة، فعند محمد فقط، لكن إن نقد في الثَّلاثة صحَّ عند الثلاثة. والقياس أن لا يجوزَ البيعُ بهذا الشّرط، وهو قول زُفَر ومالك والشَّافعيّ وأحمد، لأنه بيع شُرِط فيه إقالةٌ فاسدةٌ لتعلّقها بشرطٍ وهو عدم نقد الثمن في ثلاثة أيّام، فلا يجوز كالبيع بشرط إقالة صحيحة بل أوْلى.
ولنا أنّه في معنى خيار الشرط في الحاجة والمقصود، لأنه يتخيرّ في الثلاثة بين الفسخ والإمضاء، وشرط الخيار جُوِّزَ لهذا المقصود. وفي «المُجْتَبَى»: ولو قال بعد البيع: جعلتك بالخيار ثلاثة أيّام، صحَّ بالإجماع. ولو زاد على الثلاثة أو أطلق، فسد البيع عند أبي حنيفة وزُفَر والشَّافعي، كالشرط الفاسد إذا لحق بالبيع الصحيح. وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز كما في شرط الخيار.
(
وَلاَ يَخْرُجُ مَبِيعٌ عَنْ مِلْكِ بَائِعِهِ مَعْ خِيَارِهِ) أي مع أنّ الخيار لبائعه، لأنه باشتراطه الخيار له لم يتمّ رضاه، ولا يخرج المبيع عن ملك مالكه إلا بعد تمام رضاه. ولهذا ينفذ عِتقُ البائع ويملك التصرف فيه دون المشتري، وإن قبضه بإذن البائع.


وفي مذهب الشافعي ثلاثة أوجه: أحدها كمذهبنا، وهو قول مالك. وثانيها: أن المِلك ينتقل بنفس العقد، وهو قول أحمد. وثالثها: أنه موقوفٌ، فإن أمضى البيع تبيّن أن الملك قد انتقل بنفس العقد، وإن فسخ تبيّن أنه لم ينتقل.
فإذا عرفت ذلك (فَهُلْكُهُ) أي فهلاك المبيع (في يَدِ المُشْتَرِي) في مدّة خيار البائع يوجب ضمانَة (بالقِيَمة)، لأنّ البائع ما رَضِيَ بقبضة إلاّ بجهة العقد، والمقبوض بجهة العقد يكون مضموناً بالقيمة (كَالمَقْبُوضِ عَلَى سَوْم الشِّرَاءِ) إذا لم يكن مثلياً وهلك في يد المشتري، لأنّ الأصل هو الضمان بالقيمة، وإنما يُعْدَل عنه عند تمام البيع، ولم يوجد. وهذا قول مالك، والوجه المشهور في مذهب الشّافعي. وفي وجه آخر يَضمَنه بالثمن، وهو قياس قول أحمد.
قيَّد بالهلاك لأنه لو تعيَّب في يد المشتري، كان البائع بالخيار، إن شاء ألزم البيع، وإن شاء فسخه، وضمن المشتري النقصان، لأنه مضمون عليه بجميع أجزائه كالمغصوب. ولو تعيب في يد البائع، فإن تعيّب (بفعله ينتقض البيع بقَدْرِهِ، وتسقط حِصَّته من الثمن، وإن تعيّب) لا بفعله، فالمشتري إن شاء أخذ بجميع الثمن، وإن شاء فسخ كما في البيع المطلق عن خيار الشرط. وقيّد الهلاك بكونه في يد المشتري، لأنه لو كان في يد البائع انفسخ البيعُ بلا شيء كالبيع المطلق.

(وَيَخْرُجُ) المبيع عن ملك بائعه (مَع خِيارِ المُشْتَرِي) لأنّ البيع من جهة بائعه لازمٌ، إذ الخيار شُرِعَ نظراً لمن هو له، فيعمل في حقّه دون الآخر. وفي مذهب الشَّافعيّ هنا أيضاً ثلاثة أوجه كما فيما إذا كان الخيار للبائع على ما تقدّم. (فَهُلْكُهُ في يَدِهِ) أي فضمان هُلْكِ المبيع في يد المشتري (بالثَّمَنِ كَتَعَيُّبهِ) أي كضمان تعيب المبيع في يد المشتري بعيب لا يرتفع في مدّة الخيار، فإنه بالثمن، سواء تعيّب بفعله أو بفعل غيره أو بآفة سماويّة. وقال زُفَر والشَّافِعيّ ـ في قولٍ: ضمانه بالقيمة كما لو كان الخيار للبائع. قيّدنا العيب بكونه لا يرتفع في مدة الخيار، لأنه لو كان يرتفع فيها كان على خياره، فإن ارتفع فيها فله الفسخ بعد ارتفاعه. وإن لم يرتفع لزم العقد لتعذّر الرّد.
(
لَكِنْ لاَ يَمْلِكُهُ المُشْتَرِي) عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: يملكه، وهو قول مالك وأحمد والشَّافِعيّ، لأنه لو لم يملكه لكان خارجاً من ملك البائع لا إلى مالك، ولم يعرف هذا بالشرع.

ولأبي حنيفة أنّ الثمن لم يخرج عن ملك المشتري، لأنّ الخيار يعملُ في حقّ من هو له، فلو دخل المبيع في ملكه لدخل بلا عوضٍ، ولاجتمع في ملكه العوضُ وعِوَضُه، ولم يعرف هذا في الشّرع. وعُرف فيه الخروج عن ملك شخص لا إلى مالك في صور منها: ما إذا اشترى متولّي أمر الكعبة عبداً لخدمتها، فإنه يخرج عن ملك مالكه ولا يدخل في ملك أحد، ومنها: مال التركة إذا استغرقه الدّين، فإنه يخرج عن ملك الميت ولا يدخل في ملك الورثة، (ولا الغرماء)، ومنها الوقف على ما سيجيء إن شاء الله تعالى.

(فَلاَ تَثْبُتُ أَحْكَامُ المِلْكِ) للمشتري إذا كان الخيار له عند أبي حنيفة لعدم ملكه (كَعِتْقِ قَرِيبِه) بأن اشترى قريبه بالخيار، فإنه لا يعتِقُ في مدّته عند أبي حنيفة، ويعتق عندهما. (وَنَحْوِه) أي ونحو القريب في العتق بالشِّراء، وهو العبد الذي كان مشتريه بشرط الخيار قال: إن ملكتُ عبداً فهو حرّ، فإنه لا يعتق في مدّة الخيار عند أبي حنيفة، ويعتق عندهما. وإنّما قلنا أن مشتريه قال: إن ملكت، لأنه لو قال: إن اشتريت، يعتق في المدّة باتفاقٍ، أمّا عندهما فلوجود الملك، وأمّا عند أبي حنيفة فلأن المعلّق بالشرط كالمطلق عند وجود ذلك الشرط، وهو لو أطلق العتق بعد شرائه بالخيار، يعتق.
(
والفَسْخُ) أي فسخ من له خيار الشّرط بالقول، سواء كان بائعاً أو مشترياً أو أجنبياً، (لاَ يَعْملُ) عند أبي حنيفة ومحمد (إلاّ أنْ يَعْلَمَ صَاحِبُهُ) أي صاحب الفاسخ، وهو العاقد الذي لا خيار له (في المُدَّةِ) أي مدة الخيار، سواء كان غائباً أو حاضراً. وقال أبو يوسف: يعمل وإن لم يعلم صاحبه، وهو قول مالك والشَّافعيّ وأحمد، لأن من له الخيار مسلّطٌ على الفسخ من جهةِ مَن لا خيار له، فلا يتوقف فسخه على علمه كالإجازة، وصار كالوكيل بالبيع فتصرّف فيما وُكِّلَ، وإن لم يعلم مُوَكِّله.
ولهما: أنّ من لا خيار له قد يلحقه الضَّرر إذا فَسخ بغير علمه مَنْ لَهُ الخيار، فإنّ الخيار إذا كان للبائع ومضت المدّة يَظنّ المشتري أنّ البيع تمّ بناءً على الظاهر، فيتصرّف في المبيع، ثم يظهر أنه مِلكٌ لغيره، فيلحقه الضمان بالهلاك. وإذا كان للمشتري، فالبائع لا يطلب لسلعته مشترياً بناءً على أن البيع تمّ بِمُضِيّ المدّة، فإذا أخبره المشتري بعد ذلك أنه كان فسخ العقد تضرّر. وقال الكَرْخِيّ : وعلى هذا الخلاف خيار الرؤية، بخلاف خيارُ العيب، فإنه لا يصحّ فسخه بدون علم صاحبه باتفاقٍ.

(بِخِلاَفِ الإجَازَةِ) فإنها تعمل وإن لم يعلم صاحب المجيز، لأنه لا ضرر فيها عليه إذ العقد لازمٌ من طرفه. قيّدنا الفسخ بكونه بالقول لأنه لو كان بالفعل بأن أعتق أو وطىء أو باع، فإنّ العقد ينفسخ وإن لم يعلم صاحبه، لأنّ فسخه حينئذٍ حكمي، وهو لا يشترط فيه العلم كعزل الوكيل. وقَيَّد علم صاحبه بكونه في المدّة، لأنه لو كان بعدها، بأن فسخ حال غيبته، ومضت المدَّة قبل علمه، تمّ العقد.
ثم اعلم أنّه يثبت الخيار لكلّ من العاقد والمشروط له من غير العاقدين، فإن أجاز أحدهما البيع وفسخ الآخر، يُعتبر الأسبق منهما، ردّاً كان أو إجازة، لأنّ السابق إن كان ردّاً انفسخ العقد، والمفسوخ لا يُجَاز، وإن كان إجازة انبرم، وبعد انبرامه لا ينفرد أحد العاقدين بفسخه، فإن وُجِدَا معاً، فالفسخ أحقّ على الأصحّ. وقيل: تصرف العاقد أحقّ.
(
وَيَسْقُطُ الخِيَارُ بِمُضِيّ المُدَّةِ) لأنه لا يثبت إلاّ فيها، فيكون مقدَّراً بمُضِيها. (وَمَا) أي وبفعل ما (يَدُلَّ عَلَى الرِّضَى كَالْرُّكُوبِ) في الدّابة إذا كان له منه بدٌّ، أما ركوبها لينظر إلى سيرها فلا يُبْطِلُ خياره، لأنه لا بدّ له منه للامتحان. (وَالوَطْىءِ) أي كالوطىء في الأَمةِ، لأنه لا يَحِلّ في غير الملك. (وَشِرَاءِ أَحِد الثَّوْبَيْنِ أو أحَدِ الثَّلاَثَةِ، عَلَى أنْ يُعَيِّنَ) المشتري (أحَداً) أي واحداً، ويشاء في ثلاثة أيّام. (صَحّ) ويسمّى هذا خيار التعيين. وقال زُفَر والشَّافعي رحمهما الله: لا يصحّ.
(
لاَ فِي الأكْثَرِ) أي لا يصحّ شراء أحدٍ أكثرَ من ثلاثة على أن يعين واحداً، لأنّ الحاجة تندفع بالثلاثة لاشتمالها على الجيّد والرديء والوسط.

(وَشِرَاءِ عبْدَيْنِ) وكذا بيعهما (بالْخِيَارِ في أحَدِهِمَا، صَحَّ إنْ فَصَّلَ) البائع (الثَّمَنَ وَعَيّنَ مَحَلَّ الخِيَار) لأنّ المبيع معلومٌ، والثَّمن معلومٌ. قيّد بالعبدين، لأنّ شراء الكَيْلِيّ والوَزْنِيّ، أو العبد الواحد على أنّه بالخيار في نصفه جائز، سواء فصّل الثمن أو لم يفصّل، لأنّ النّصف من الشيء الواحد لا يتفاوت.
(
وَفَسَدَ البَيْعُ في الأَوجُه البَاقِيَةِ) وهي ما إذا لم يفصّل الثَّمن ولم يعيّن محل الخيار، أو فصّل ولم يعّين، أو عيّن ولم يفصّل، لجهالة الثَّمن والمبيع في الأول، وجهالة المبيع في الثاني، وجهالة الثَّمن في الثّالث.

(
وَعَبْدٍ مَشْرِيًّ) كمَرْمِيّ اسم مفعول من الشراء. وفي نسخة: مشترىً. (بِشَرْطِ كَتْبِهِ) أي بشرط أنه كَاتِبٌ (وَلَمْ يُوجَدْ) الشَّرط، (أَخَذَ) المشتري ذلك العبدَ (بِثَمَنِهِ أوْ تَرَكَ) وهو قول الشّافعيّ، لأن الكِتَابة وصفٌ مرغوبٌ فيه، فيُسْتَحَقُّ بالشرط، ويثبت بفواته الخيار للمشتري، لأنه لم يرض بالعبد دونه، ويُكْتَفَى بأدنى ما يُطْلَقُ عليه اسم الكاتب لوجود الشرط. نصّ عليه محمد في «الزيادات»، وهو قول الشّافعي.
(
وَيُوَرَّثُ خِيَارُ التَّعْيِيِنِ و) خيار (العَيْبِ) أي يثبت كل منهما ابتداء لوارثٍ: هو له ـ لاستحقاقه ـ المطالبةُ بعده. (لاَ الشَّرَطِ) أي لا يورّث خيار الشرط، (و) لا خيار (الرُّؤْيَةِ).

وقال مالك والشَّافعيّ: يورّث خيار الشّرط، لأنه حقّ في المبيع فيجري فيه الإرث كخيار العيب وخيار التعيين. ولنا: أنّ خيار الإنسان لا ينتقل إلى غيره بل ينقطع بموته، وإنما يورّث ما يحتمل الانتقال، وأمّا خيار العيب فإنّ المورِّث استحق المبيع سليماً فكذا وارثه. وخيار التعيين فإنه يثبت للوارث ابتداءً في ضمن اختلاط ملكه بملك البائع. وتوضيحه أن الثابت بالشَّرط لا يورَّث ويسقط، ولكنه وَرِثَ المبيع مجهولاً مختلطاً بملك الغير، فيثبت له خيار التعيين ابتداءً، كمن اختلط ماله بمال رجلٍ يثبت له خيار التعيين.

فصلٌ

(
في خيار الرؤية)
(
صَحَّ شَراءُ مَا لَمْ يَرَهُ) سواء ذُكِرَ وصفه أو لم يُذْكَر، كمن اشترى زيتاً في زِقَ، أو بُرّاً في عِدْلٍ، أو دَرَّةً في حُقَّةٍ، أو ثوباً في كُمَ واتَّفقا على أنّه موجودٌ في مِلكه ولم يَرَ المشتري شيئاً من ذلك. (وَلِمُشْتَريهِ خِيَارُهُ) أي خيار ما لم يره. وفي نسخة: الخيار. (عِنْدَهَا) أي عند الرُّؤية (إلى أنْ يُوجَدَ مُبْطِلُهُ) أي مبطل خيار الرُّؤية، وهو ما يدلّ على الرِّضا. وقال الشافعيّ: لا يَصِحّ شراء ما لم يره إن لم يكن جنسه معلوماً للمشتري، وإن كان معلوماً يجوز على قوله القديم، ولا يجوز على قوله الجديد. واختار كثيرٌ من الشَّافعية الجواز منهم القَفَّال. وعن مالك الجواز وعدمه. وقال بعض أصحابه: لا يصحّ بلا ذِكْر صفةٍ ولا تقدُّم رؤيةٍ.
لهما في عدم الجواز: نهيُه عليه الصلاة والسلام عن بيع الغَرَر. والغَرَرُ ما يكون مستورَ العاقبة، وهو موجودٌ فيما لم يره، ونهيُه عليه الصلاة والسلام عن بيع ما ليس عند الإنسان. والمراد ما ليس بحاضرٍ مَرْئِيَ للمشتري، لإجماعنا على أنّ المشتري إن كان رآه، فالعقد جائز وإن لم يكن حاضراً عند العقد.

ولنا العمومات المجوِّزة للبيع مثل قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} وما رواه ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» والدَّارَقُطْنِيّ والبَيْهَقِيّ في «سُنَنَيْهِما» مرسلاً: حدَّثنا إسماعيل بن (عَيّاش، عن) أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن مَكْحُول رفعه إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «من اشترى شيئاً لم يره، فله الخيار إذا رآه، إنْ شاء أخذ، وإن شاء ترك». قال الدَّارَقُطْنِيّ: أبو بكر بن أبي مريم ضعيفٌ.
وأُجِيبَ: بأن تضعيف ابن أبي مريم لجهالة عدالته، لا يُنَافي علم غير المضعِّف بها. وقد رواه أيضاً الحسن البَصْرِيّ، وسَلَمَةُ بن المُحَبَّق عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم. وروى الدَّارَقُطْنِيّ مسنداً عن دَاهِرِ بن نوحٍ، عن عمر بن إبراهيم بن خالد الكُرْدِيّ، عن وَهْب اليَشْكُرِيّ، عن ابن سيرين، عن أبي هُرَيْرَة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «من اشترى شيئاً لم يره، فهو بالخيار إذا رآه».
قال الكُرْدِيّ: وأخبرني الفُضَيْل بن عِيَاض، عن هِشَام، عن ابن سيرين، عن أبي هُرَيْرَة عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم بمثله. قال عمر وأخَبرني القاسم بن الحكم، عن أبي حنيفة (عن الهَيْثَم)، عن ابن سيرين، عن أبي هُرَيْرَة، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم بمثله. لكن قال الدَّارَقُطْنِيّ: وعمر بن إبراهيم هذا يَضَعُ الأحاديث، ولم يروه غيره، أي مسنداً، وإنّما يُعْرَف هذا عن ابن سيرين من قوله. وقال ابن القَطَّانِ في كتابه: والراوي عن الكُرْدِيّ دَاهِر بن نوح، وهو لا يُعْرف، ولعلَّ الجِنَاية منه.

هذا، وتأويل النَّهي عن بيع ما ليس عند الإنسان: بيع ما ليس في ملكه، بدليل قصة الحديث. قال حكِيمُ بن حِزَام: فقلت يا رسول الله يأتيني الرَّجل يطلب مني بيعةً ليست عندي، فأبيعها منه، ثُمَّ أدخل السُّوق فأستجيدها، فأشتري بها، فأسلِّمُها إليه. فقال صلى الله عليه وسلم: «لا تبع ما ليس عندك». والنهي عن بيع الغرر ينصرف إلى ما لا يكون معلوم العين: كالطير في الهواء، والسمك في الماء.
إذا عُرِفَ هذا فيخيّرُ المشتري فقط (وَإِنْ) كان (رَضِيَ قَبْلَهَا) «إنْ» هذه وصلية أي: وللمشتري أنْ يردّ المبيع عند الرُّؤية وإن رَضِيَ قبل الرّؤية، بأنْ قال بعد تمام العقد: رضيت بذلك المبيع على أي وصفٍ كان، لأنّ هذا الخيار تعلّق ثبوته بالرّؤية فكان عدماً قبلها، (فلا يصحّ إسقاطه قبلها). ثمَّ لا رواية في الرَّدِّ قبل الرّؤية، واختَلَف فيه المشايخ فقيل: لا يملكه المشتري كالإجازة، وقيل: يملكه، وهو ظاهر مذهب أصحابنا.
(
لا لِبَائِعِهِ) أي لا خيار لبائع ما لم يره. وكان أبو حنيفة أولاً يقول: (له الخيار) قياساً على المشتري، ثمّ رجع إلى أنّه لا خيار له. لِمَا روى الطّحَاوِيّ والبَيْهَقِيّ عن عَلْقَمَة بن أبي وَقَّاص: أنّ طَلْحَةَ اشترى من عثمان مالاً، فقيل لعثمان: إنك قد غُبِنْتَ فقال عثمان: لي الخيار لأني بعت ما لم أره. قال طلحة: لي الخيار لأني اشتريت ما لم أره. فحكَّما بينهما جُبَيْرَ بن مُطْعِم، فقضى أنّ الخيار لطلحة، ولا خيار لعثمان، (وكان ذلك بمحضر من الصحابة)، فقد اتَّفقوا على جواز الشِّراء.

(وَيُبْطِلُهُ) أي ويبطل خيار الرُّؤية (وَ) يبطل (خِيَارَ الشَّرْطِ) أيضاً (تَعَيُّبُهُ) أي المبيع بتعد أو غيره عند المشتري دفعاً للضَّرر عن البائع، لأنّه خرج عن ملكه سليماً، فلا يعود إليه معيباً. (وَتَصَرُّفٌ) من المشتري، وهو بالرفع عطف على تعيبه (يُوجِبُ) ذلك التّصرف (حَقّاً لِغَيْرِهِ كَالْبَيْعِ بِلاَ خِيَارٍ) والإعتاق والتّدبير والرّهن والإجارة (قَبْلَ الرُّؤْيَةِ وَبَعْدَهَا) أَمّا قبل الرّؤية، فلتعذّر الفسخ في هذه التّصرفات لوقوعها صحيحة لابتناء صحتها على قيام الملك، وقد وُجِدَ، وبعد صحتها لا يمكن رفعها، وأمّا بعد الرّؤية لأنها دليلٌ على الرضا.
(
وَمَا) أي وتصرف من المشتري، وهو مبتدأ صفته (لاَ يُوجِبُهُ) أي لا يوجب حقّاً لغير المشتري (كَالْبَيْعِ بِخِيَارٍ وَمُسَاوَمَةٍ) بعدها، أي كمساومة لسلعة، وهو عرض المبيع للبيع (وَهِبَةٍ بَلاَ تَسْلِيم يُبْطِلُ) خيار الرّؤية خبر المبتدأ (بَعْدَهَا) أي بعد الرّؤية لوجود ما يدلّ على الرضا، (فَقَطْ) أي ولا يبطل خيار الرّؤية قبلها، لإنها لا تزيد على صريح الرضا، وهو لا يبطل خيار الرّؤية قبلها.

إلاّ أنّه إذا تعلّق به حقّ الغير، صار ذلك الحقّ مانعاً من الفسخ، ولاحقّ هنا.
ويُبْطِلُ خيار الرّؤية أيضاً قبضُ المبيع بعد الرُّؤية، لأنه يدلّ على الرّضا، لأنه مؤكدٌ لحكم العقد فشابه البيع. ثم اعلم أنّ قوله: كالبيع بلا خيارٍ، يعني للبائع، سواء كان بلا خيارٍ أصلاً، أو بخيارٍ للمشتري أو لغيره، لأنّ البيع حينئذٍ من جانبه باتٌ لازمٌ. وإنّ قوله: كالبيع بخيار، يعني للبائع، لأنّ البيع من جانبه حينئذٍ غير باتٍ، وإنّ قوله في المسألة الأولى الرّؤية، وبعدها منصوب (يبطله، كما إنّ قوله في مقابلها: بعدها فقط منصوبٌ) يبطل.

(وَيُعَتَبَرُ رُؤْيَةُ المَقْصُودِ) لأنه بها يحصل العلم بالمبيع، ولا يشترط رؤية غيره، ولا يُكْتَفَى بها وحدها حتّى لو رأى سائر أعضائه دون ما هو المقصود، كان باقياً على خياره (كَوَجْهِ الأمَةِ) والعبد، وإنّما كان المقصود في الرقيق وجهه، لأن سائر الأعضاء فيه تبعٌ لوجهه، لأنّ القيمة فيه تتفاوت بتفاوته مع التّساوي في سائر الأعضاء.
(
والدَّابَّةِ) أي، ووجهها (وَكَفَلِهَا) هذا هو الصحيح. وقال محمد: يكفي رؤية الوجه اعتباراً بالرقيق. وقال بعض المشايخ، وهو مذهب الشَّافعي: لا بدّ: من رؤية الوجه والكَفَل والقوائم، وأما فيما يُطعَم من السَّمنِ والعسل ونحوهما فلا بد من الذَّوق، لأنّ العلم بما هو المقصود لا يحصل إلاّ به.
(
ومَوْضِعِ عَلَمِ) الثوب (المُعْلَمِ) لأنّ ماليَّتَه تتفاوت بحسبه (وَظَاهِرِ غَيْرِهِ) أي غير المُعْلَم لأنّ برؤية ظاهره يُعْلَمُ حال البقية، إذ لا تتفاوت أطراف الثّوب الواحد إلاّ يسيراً، وذا غير معتبر. وأطلق المصنّف، وهو مقيدٌ بما إذا كان مطويّا. وفي «المحيط»: قيل: هذا في عرفهم، أمّا في عرفنا فما لم ير الباطنَ لا يسقط خياره. وعند الشّافعيّ لا بدّ من نشره ورؤية كلّه في قولٍ، وهو قول زُفَر لأنْه ليس بمثلي، فلا يُعْرَفُ كله بدون ذلك.
(
وبُيُوتٍ) في الدّار (مَقْصُودَةٍ) هذا قول زُفَر وهو الأصحّ، لأنّ بيوتها تختلف بالشتوية والصيفية، والعُلْوية والسُّفلية. وعامة الروايات على أنه يكفي رؤية صحن الدَّار دون بيوتها، وكذا رؤية خارجها، وهو مبنيّ على عادة أهل الكوفة في ذلك الزَّمان. فإنّ دُورهم كانت على نمطٍ واحدٍ لا تختلف إلاّ بالكبر والصغر، وبكونها جديدة أو عتيقة، وذلك يظهر برؤية خارجها، وأمّا اليوم فلا بدّ من النظر إلى داخلها لتفاوت بيوتها ومرافقها. وفي «المُحِيط»: وبعضهم شرط رؤية الكلّ، وهو الأظهر كما قال الشّافعيّ.

(وَ) يعتبر (نَظَرُ وَكِيلِهِ بِالشِّرَاءِ أوْ القَبْضِ لاَ نَظَرُ رَسُولِهِ) أمّا نظر وكيله بالشراء فباتفاقٍ، وأمّا نظر وكيله بالقبض فعند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: الوكيل بالقبض والرسول سواء، وللمشتري أن يردّه إذا رآه. (وَ) يعتبر (جَسُّ الأعْمَى) فيما يُعْرَفُ بالجسّ كشاة اللّحم (وَشَمُّهُ) فيما يُعْرَفُ بالشَّمِّ كالمسك وماء الورد (وَذَوْقُهُ) فيما يُعْرَفُ بالذَّوقِ. (وَ) يُعْتَبَرُ (وَصْفُ العَقَارِ) للأعمى (عِنْدَهُ) أي عند العَقَار.
(
وَمَنْ رَأَى شَيْئاً ثُمَّ شَرَى) ما رآه بعد مدّة (فَلَهَ الخِيَارُ إنْ تَغَيَّرَ) المُشْتَرَى، لأنّ تلك الرُّؤية لم تقع مُعلِمة بأوصافه، فصار كأنه لم يره. قيّد بتغيره لأنه لو لم يتغيّر لم يكن له الخيار، لأنّ العلم بأوصافه حاصلٌ له بالرُّؤية السابقة، وقد رَضِيَ به ما دام على تلك الصفة.
(
وَالقَوْلُ لِلْبَائِعِ) مع يمينه (في عَدَمِ تَغَيُّرِهِ) إن اختلفا في تغيّره وكانت المدّة قريبة يُعلم أنّه لا يتغيّر في مثلها، لأنّ الأصل بقاء ما كان على حاله، فلا يصدّق المشتري في دعوى التغيّر إلاّ ببينةٍ، إلاّ إذا بعدت المدّة بأن رأى أمةً شابةً، ثمَّ اشتراها بعد عشرين سنة، لأنّ الظاهر يشهد له (وَ) القول (لِلْمُشْتَرِي) مع يمينه (في عَدَمِ رُؤْيَتِهِ) إن اختلفا فيها لأنّها أمرٌ حادثٌ، والمشتري ينكره، فيكون القول له. ولو اشترى شيئاً مُغيَّباً في الأرض، كالجزر والفُجل والبصل والثوم وأصول الزَّعْفَرَان وما أشبه ذلك، يجوز، وبه قال مالك وأحمد، وله الخيار إذا رأى جميعه. ورؤية بعضه لا تبطل خياره عند أبي حنيفة، لأنّ هذه الأشياء تتفاوت بالصغر والكبر، والجودة والرداءة. وقال أبو يوسف ومحمد: رؤية بعض أحد هذه الأشياء كرؤية كلّه، لأنّ بعض الواحد منها يستدلُّ به في العادة على جميعه، فصارت كالمكيل والموزون والعددي المتقارب.

فصلٌ


(
في خِيَارِ العَيْبِ)
(
وَلِمُشْتَرٍ) خبر مقدم (وَجَدَ بِمَشْرِيِّهِ) أي بمشتراه (عَيْباً نَقَّصَ) بفتح القاف المشدّدة (ثَمَنَهُ عِنْدَ التُّجَّار) يعني وقبضه غير عالم بالعيب (رَدُّهُ) مبتدأ الخبر المقدّم (أوْ أَخْذُهُ) بصيغة المصدر، أي أخذ المشتري (بِثَمَنِهِ (كلّه)) قيّد النقص بكونه عند التّجار، لأنّ المرجع في معرفة ذلك إليهم. وفي «الذَّخيرة»: كلّ شيءٍ إذا رجع إلى أهل صنعته يعدُّونه عيباً، فهو عيبٌ وإن لم يُوجب نقصاً في العين ولا في منافعها، لأنّه عندهم يوجب نقص ثمنه. نظيره الظُّفَر الأسود إن كان يُنقِص الثمن، فهو عيبٌ كما في الأتراك. وإن كان لا ينقصه، فليس بعيب كما في الحبش. وإنّما كان للمشتري الخيار بالعيب، لأنّ مطلق العقد يقتضي السَّلامة، فعند فواتها يتخيّر المشتري كي لا يتضرّر بلزوم ما لا يرضى به. وإنما لم يكن له أنْ يأخذه ويأخذ النقصان لتضرّر البائع، لأنه ما رَضِيَ بزوال المبيع عن ملكه إلاّ بكلّ الثمن.

وفي «البخاري»: ويُذْكَرُ عن العَدّاء بن خالد قال: كتب لي النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: «هذا ما اشترى محمدٌ رسول الله من العَدَّاء بن خالد، بيعَ المُسْلِم المُسْلِمَ، لا داءَ ولا خِبْثَة ولا غَائِلَه، ثم قال البخاري: وقال قتادة: الغائلة: الزِّنا والسَّرقة والإباق. وروى ابن شاهين في «المعجم» عن أبيه قال: حدّثنا عبد العزيز بن معاوية القُرَشِيّ قال: حدّثنا عَبَّاد بن ليث قال: حدّثنا عبد الحميد بن وَهْبٍ قال: قال لي العدَّاء بن خالد بن هَوْذَة: ألا أقرأ لك كتاباً كتبه لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟: «هذا ما اشترى العدّاء بن خالد بن هَوْذَة من محمدٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم عبداً أو أمة، لا داء ولا غَائِلة ولا خِبْثَة، بيع المُسلِم المسلِمَ». ففي هذا الحديث أنّ المشتري العدّاء، وفي الأول أنه النّبي صلى الله عليه وسلم. وصحّح في «المُغْرِب» أنّ المشتري كان العدّاء.

وتعليق البخاري إنّما يكون صحيحاً إذا لم يكن بصيغة التمريض كـ: يُذْكَرُ، بل بنحو قوله: وقال قتادة. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «بيع المسلم المسلم» دليلٌ على أنّ بيعَ المُسلمِ المُسلمَ ما كان سليماً. ويدلّ عليه قضاؤه بالرَّد فيه على ما في «سنن أبي داود» من حديث عائشة رضي الله عنها: أنّ رجلاً ابتاع غلاماً فأقام عنده ما شاء الله أن يُقيم، ثم وجد به عيباً فخاصمه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فردَّه، فقال الرجل: يا رسول الله قد استغلّ غلامي فقال عليه الصلاة والسلام: «الخراج بالضَّمان». وفسّر الخَطَّابيّ الدَّاء بما يكون في الرقيق من الأدواء التي يُرَدُّ بها، كالجنون والجُذَام ونحوهما. والخِبْثَة: ما كان خبيث الأصل مثل أنْ يُسْبَى من له عهد. يقال: هذا سبيٌّ خِبْثَةٌ إذا كان ممن يَحْرُم سبيه، وهذا سبيٌّ طِيَبَةٌ ـ بوزن حِبَرَة ـ ضِدّه. ومعنى الغائلة: ما يَغْتال حقّك من حيلة، وما يُدَلّس عليك في المبيع من عيب. وتفسير الدّاء يوافق تفسير أبي يوسف (له. وأما أبو حنيفة، ففسّره فيما رواه الحسن عنه بالمرض في الجوف والكبد والريّة. وفسَّر أبو يوسف) الغائلة بما يكون من قبيل الأفعال كالإباق والسَّرقة، وهو قول الزَّمْخَشِريِ الغائلة: الخَصْلة التي تغول المالَ، أي تُهْلِكه من إباق وغيره. والخِبْثَة هو الاستحقاق، وقيل: هو الجنون.

(والإبَاقُ والبَوْلُ في الفِرَاشِ وسَرِقَةُ صَغِيرٍ يَعْقِلُ) أي يمّيز (عَيْبٌ) لأنّ هذه الأشياء توجب نقصان القيمة عند التُّجَّار، كالسعال القديم لدلالته على داءٍ مَسْتَحْكِمٍ، كالشَّعْرِ والماء في العينٍ لأنه يُضْعِفُ البصر. وقيّد الصَّغير بالعقل، لأنّ الذي لا يعقل لا يكون ذلك عيباً منه. وقيّد السَّرقة بالصغير تبعاً «للوقاية»، وهو قيْدٌ في الجميع. ولو قال: والسَّرقة من صغير يعقل لكان أولى. وقد تكلّف بأنّ اللاَّم في الإباق والبول للعهد، أي إباق الصغير وبوله. ويقدر بخمس سنين.
ثم الإباق عيبٌ باتفاقٍ إن خرج الآبق من البلد إلى غير مولاه، سواء أبق من المولى أو ممن كان عنده بإجارة أو إعارة أو وديعةٍ أو غصبٍ، وهو يعرف منزله ويقوى على الرُّجوع إليه. وإن لم يخرج من البلد اختلف المشايخ، والأشبه أن يقال: إن كانت البلدة كبيرة، كمصر وَسَمرْقَنْد يكون عيباً، وإن كانت صغيرة بحيث لا يخفى عليه أهلها وبيوتها، لا يكون عيباً كالحرمين الشريفين. ولا فرق في السَّرقة بين أنْ يكون من المولى أو من غيره، إلاّ إذا سرق من المولى شيئاً يُؤكَلُ، فإنّ التقصير من المولى حيث أحوجه إلى ذلك، إلاّ إذا سرقه لبيعه أو ليعطي غيره، ولو سرق نحو الفَلْس والفلسين، لا يكون عيباً.
(
وَ) من (بَالِغٍ عَيْبٌ آخَرُ) حتَّى لو سرق عند البائع قبل بلوغه ثم سرق عند المشتري بعد بلوغه، لا يردّ بهذا العيب، (ولو سرق عند كل منهما قبل بلوغه، أو سرق عند كل منهما بعد بلوغه يردّ به)، ولو اشتُرِي بشرط البراءة، لأنّ سبب هذه الأشياء يختلف باختلاف الصغر والكبر، واختلاف الأسباب دليلُ اختلاف المسببات. فالبول في الفراش في الصغر لضعف المَثَانة، وفي الكبر لافَةٍ في القوة الماسكة. والإباق في الصغر لحب اللعب. والسَّرقة فيه لقلة المبالاة، وهما في الكبر لخبثٍ في الطباع، فراراً من عمل الخدمة في الإباق، ورغبةً في المال في السَّرقة.

(وَجُنُونُ الصَّغِيرِ) عند البائع ولو ساعةً، وقيل: أكثر من يومٍ وليلةٍ، وقيل: المُطْبِق دون غيره (عَيْبٌ أبَداً) هكذا قال محمد. ومعناه عند جمهور المشايخ سواء وُجِدَ عند المشتري في حال الصّغر أو الكبر، لأن الثّاني عينُ الأوّل، فإن السبب متّحدٌ وهو آفة في الدّماغ. وقيل معناه سواء وُجِدَ عند المشتري أو لم يوجد، وإلى هذا مال الحَلْوَانِيّ وشيخ الإسلام خَواهِرْ زَادَهَ، وهو رواية «المُنْتَقَى»، وظاهر مذهب مالك والشافعي وأحمد. وقال جمهور المشايخ، وهو الصحيح والمذكور في «الأصل» و«الجامع الكبير»: لا يردّ بالجنون عند البائع حتّى يعاود عند المشتري، لأنّ الآفة التي هي سببه قد لا تتمكن فتزول، وقد تتمكن فلا تزول. ولأنّ الله تعالى قادرٌ على إزالة تلك الآفة كسائر الآفات، فلم يكن من ضرورة وجودها مرّةً وجودها دائماً. وجنون الكبير أيضاً عيبٌ، ويشترط معاودته في يد المشتري عند الجمهور.

(
وَالبَخَرُ) بفتح الموحدة والمعجمة: نَتْنُ رائحة الفم (والذَّفَرُ) بالمعجمة والمهملة والفاء رائحةٌ مؤذيةٌ تحت الإبط (والزِّنَا) أي فعله (وَالتَّوَلُّدُ مِنْهُ عَيْبٌ فِيهَا) أي في الأَمَةِ، لأن ذلك يخل بالمقصود منها والبخر والذَّفر يخل بالقرب للخدمة، والزنا بالاستفراش، والتولّد من الزِّنا يخلّ بطلب الولد (لاَ فِيهِ) أي ليست هذه الأشياء عيباً في العبد، لأنّ الغالب طلب استخدامه من العبد إلاّ إذا كان البخر والذفر فاحشاً، أو يكون الزِّنا عادةً له بأن يقع منه أكثر من مرتين، لأنّ ذلك يُخلُّ بالاستخدام، لأنه يترك حاجة مولاه ويذهب في متابعة هواه.

(والكُفْرُ عَيْبٌ فِيهِمَا) أي في الأمة والعبد، لأنّ طبع المسلم ينفِر عن صُحْبة الكافر للعداوة الدينية. ولو اشتراه على أنّه كافرٌ، فإذا هو مسلمٌ فلا خيار له، لأنّ الإسلام زوال عيب الكفر، فصار كما لو اشتراه معيباً فإذا هو سليمٌ، فإنّه لا خيار بالإجماع. وقال الشّافعيّ وأحمد: له الخيار، لأنّه وجده على خلاف ما شرطه، وربَّما يتعلَّق له بهذا الشّرط غرضٌ مثل أن يستخدمه في محقّرات الأمور، ولا يستجيز من نفسه أن يستخدم المسلم فيها.
(
والتَّزَوُّجُ عَيْبٌ فِيهِمَا) أمّا في الأمة، فلِفَوات غرضِ الاستمتاع، وأمّا في العبد، فلوجوب المهر والنفقة عليه. (والحَبَلُ عَيْبٌ في الأمةِ) لأنّه ينقص ماليتها لا في البهيمة لأنّه يزيدها (والاسْتِحَاضَةُ) عَيْبٌ (وارْتِفَاعُ حَيْضِ بَنْتِ سَبْعَ عَشرَة سَنَةً) أي عدمه وانقطاعه (عَيْبٌ) قيّد بسَبعَ عَشرة، لأنه أقصى زمن البلوغ عند أبي حنيفة. أمّا كون الاستحاضة عيباً، فلأنها لِداءٍ في عروق المرأة. وقد أشار إلى ذلك النّبيّ صلى الله عليه وسلم حيث قال لفاطمة بنت أبي حُبَيْش حين سألته وكانت تُستحاض: «إنّ ذلك عِرْق، وليس بالحيضة». وأمَّا عدم الحيض في البالغة فلداءٍ في باطنها، إذ العادة الأصليّة في النِّساء اللاتي جُبِلْنَ على السّلامة أن يَحِضْنَ في أوانه (وَيَطْهُرْنَ في أوانه)، فإذا كان بخلافه كان لداءٍ في الباطن وإنّما يُعْرَفُ هذا بقول الأمة، لا طريق لمعرفة ذلك إلاّ هذا.

(وَإنْ ظَهَرَ) لِلمُشْتَري (عَيْبٌ قَدِيمٌ) أي كان عند البائع (بَعْدَمَا مَاتَ) المبيع (أوْ) بعدما (أَعَتقَهُ) المشتري غير عالم بالعيب عِتْقَاً (مجّاناً) أي ليس على مالٍ، (أوْ) بعدما (دَبَّرَهُ أوْ اسْتَوْلَدَ رَجَعَ بالنّقْصَانِ) لأنّه استحقّ المبيع بوصف السّلامة، فصار كما لو تعيّب عنده. أمّا الموت، فلأنّ الملك ينتهي به والامتناع حُكْمِيّ لا بفعله. وأمّا الإعتاق، فالقياس فيه أن لا يرجع وهو قول زُفَر، (لأنّ امتناع الرّد فيه بفعله، ووجه الرُّجوع وهو الاستحسان، وقول الشّافعي وأحمد: أنّ الإعتاق إنهاء المِلك، لأنّ الآدميّ لم يخلق محلاً للملك، وإنّما يثبت فيه على خلاف الأصل مؤقتاً بالإعتاق. والشيء يتقرر بانتهائه، فيصير الملك كأنّه باقٍ والرّدّ متعذّرٌ، ولهذا يثبت الوَلاء بالعتق وهو من آثار الملك، فبقاؤه كبقاء الملك).

قيّدنا العتق بكونه قبل (العلم) بالعيب، لأنه لو كان بعده لا يرجع بالنُّقصان، لأنّ إقدامه على الإعتاق يدلّ على رضاه بالعيب. وقيده بكونه مجّاناً لأنّه لو كان على مالٍ لم يرجع. وأمّا التَّدبير والاستيلاد فلأنّهما بمنزلة الإعتاق. وطريق معرفة النُّقصان: أن يُقوَّم وبه عيب ويقوّم بلا عيبٍ، فإن كان تفاوتٌ ما بين القيمتين العُشْر، رجع بعشر الثمن، وعلى هذا.

(لاَ بَعْدَمَا أعْتَقَ) أي لا يرجع المشتري بالنُّقصان إن ظهر عيبٌ قديمٌ في المبيع بعدما أعتق (عَلَى مَالٍ) أو بعدما (كَاتَبَهُ أو) بعدما (قَتَلَهُ، (أَوْ بَعْدَمَا أَكَلَ بَعْضَهُ؛) أوْ) بعدما (أَكَلَ كُلَّهُ، أوْ) بعدما (لَبِسَ) الثّوب (فَتَخَرَّقَ)، أمّا الإعتاق على مالٍ فلأنّه أزال ملكه عنه بعِوض، فصار كالبيع وهو فيه لا يرجع، فكذا هذا. وعن أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف والشّافعيّ وأحمد أنه (يرجع، لأنّه) إنهاءٌ للملك وإن كان بعوضٍ، فكان كالعتق مجّاناً، ولهذا ثبت فيه الوَلاء والكِتَابة كالإعتاق على مالٍ لحصول العوض فيها. وأمّا القتل فالمذكور ظاهر الرِّواية، وعن أبي يوسف ومحمّد معه في رواية «اليَنَابِيع»: أنّه يرجع، وبه قال الشّافعيّ وأحمد، لأنّ المقتول مات بأجله، فكأنّه مات حَتْفَ أنفه، ولأنّ قتل المولى لا يتعلّق به حكمٌ دنيويّ من قصاص أو دِيَةٍ، فصار كالموت حَتْفَ الأنف، وإنّما يتعلق به حكم أخروي من استحقاق العقاب إذا كان بغير حقٍ.
ووجه الظاهر أنّ القتل فعلٌ مضمونٌ، إذ لو باشره في ملك غيره ضمن، لقوله عليه الصلاة والسّلام: «ليس في الإسلام دَمٌ مُفْرَجٌ» أي مهدرٌ. وإنّما سقط ضمانه عن المولى لأجل أنّه ملكه، فكان ذلك السقوط في معنى عوضٍ سُلِّمَ له، وصار كأنّه باعه به بخلاف الإعتاق، فإنه لا يوجب الضمان لا محالة، كإعتاق المُعْسِر عبداً مشتركاً. وأمّا أكل الكلِّ، ولبس الثّوب فالمذكور هنا قول أبي حنيفة. والقياس أنْ يرجع بالنُّقصان، وهو قولهما ومذهب الشّافعيّ وأحمد، وبه أخذ الطَّحَاوِيّ.

وفي «الخُلاَصَةِ»: وعليه الفتوى، لأنّه فَعَل بالطعام والثوب ما يقصد بشرائهما ويعتاد فيهما، فأشبه الإعتاق بخلاف القتل والإحراق ونحوهما من الاستهلاك، فإنّه ليس غرضاً معتاداً من الشِّراء. ووجه قول أبي حنيفة ـ وهو الاستحسان ـ أنّ الرَّدَّ تعذّر بفعلٍ مضمونٍ، فأشبه البيع والقتل. وإنّما سقط عنه الضَّمان لأجل أنه ملك. وأمَّا أكل بعض الطَّعام فالمذكور قول أبي حنيفة، وهو أنّه لا يرجع بنقصان ما أكل وما بَقِيَ اعتباراً بالكلّ، ولا يردّ الباقي لأنّ الطَّعام كشيءٍ واحدٍ فلا يردّ بعضُه بالعيب دون البعض، كما لو باع البعض.

وعندهما يرجع بالنُّقصان في الكلِّ، وليس له أن يَرُدَّ البَّاقي، لأنّ أكل الكلّ لا يمنع الرُّجوع عندهما، فالبعض أولى والطعام كشيءٍ واحدٍ، فلا يردّ بعضه بالعيب. وفي «شرح الطَّحَاوي»: أنّ الرُّجوع بنقص الكلّ قول أبي يوسف، والردّ والرُّجوع قول محمد. وفي «قاضيخان»: وعليه الفتوى، ولو باع بعض الطَّعام منعنا الرّجوع بنقص الباقي منه، كالزَّائل عن ملكه، فإنّه لا يرجع بنقصه. وأجازه زُفَر لِمَا قدّمناه في بيع نصف العبد. وعن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: يَرُدُّ الباقي من الطعام ويرجع بنقصان عيب ما باعه اعتباراً للنقص بالكلّ، وبهذه الرواية يُفْتَى، واختارها الفقيه أبو جعفر، والفقيه أبو اللّيث لأنّ التبعيض لا يَضُرّه.

(وَبَعْدَمَا حَدَثَ) عطفٌ على ما بعدما مات، أي وإن ظهر عيبٌ قديمٌ بعدما حدث (عَيْبٌ) عند المشتري، كما لو ظهر عيبٌ بالثوب بعدما قطعه (رَجَعَ) المشتري (بِهِ) ، أي بالنُّقصان لأنّ في ردّه إضراراً بالبائع، فإنّه خرج عن ملكه سليماً ويعود إليه مَعيباً (إلاّ أَنْ يَأْخُذَهُ البَائِعُ كَذَلِكَ) أي معيباً، فإنّ المشتري لا يرجع بالنّقصان، لأنّ البائع رَضِي بالضَّرر، بل يتخيّر المشتري بين أن يأخذه ولا يرجع بشيءٍ، وبين أن يردّه (مَا لَمْ يَخْتَلِط بِمِلْكِ المُشْتَرِي).
وقيدّ به، لأنّه إن اختلط بمِلْكِ المشتري كما لو قطع الثوب وخاط فاختلط بخيطه، أو صبغه أحمر أو أصفر أو أسود وهو قولهما، لأنّ السواد عندهما زيادة، وعند أبي حنيفة نقصان، فاختلط بصَبْغة. أو لتّ السّويق بسمن فاختلط بسمنه، ثم ظهر عيبٌ، فإن بائعه لا يأخذه بل يرجع مشتريه بنقصانه، إذ الفسخ في الأصل بدون الزِّيادة لا يمكن، لأنّها لا تنفك عنه، ومع الزّيادة لا يمكن لأنّ العقد لم يرد عليها، والفسخ لا يرد إلاَّ على ما ورد عليه العقد.
والفرق بين ما اختلط بملك المشتري، وبين ما لم يختلط: أَنّ امتناع الردّ فيما لم يختلط لحقِّ البائع فيقدر على إسقاطه، بخلاف ما اختلط فإنه لحقِّ الله، وهو شبهة الرِّبا.
(
فَلاَ يَرْجِعُ) المشتري (إنْ بَاعَ) بعد حدوث العيب عنده (قَبْلَهُ)، أي قبل الاختلاط بملكه، لأنّه صار حابساً له بالبيع، لأنّ الردّ غير ممتنع بأن رَضِيَ البائع به (لاَ بَعْدَهُ) أي ويرجع المشتري إن باع بعد الاختلاط بملكه، لأنه غير حابسٍ للمبيع بالبيع لامتناع الردّ قبله بالاختلاط.

ثم اعلم أنّ الزِّيادة في المبيع على نوعين: متصلة ومنفصلة. والمتّصلة نوعان: متولِّدة كالسِّمَن والجَمَال، وهي لا تمنع الرد بالعيب في ظاهر الرواية، لأن فسخ العقد فيها ممكنٌ، لأنّها تبعٌ محضٌ باعتبار التولّد والاتصال. ومتّصلة غير متولّدة كالصِّبْغ، وهي تمنع الردّ بالعيب اتفاقاً. والمنفصلة نوعان: متولّدة كالولد والثمر، وهي تمنع الردّ بالعيب، إذ لا سبيل إلى فسخها قصداً، لأنّ العقد لم يرد عليها، ولا تبعاً لانقطاع التبعيَّة بالانفصال. وغيرُ متولّدة من المبيع كالكسب، وهي لا تمنع الردّ بالعيب، بل يفسخ العقد في الأَصل ويسلّم الكسب للمشتري لأنه متولد من المنافع، وهي غير مبيعة بحالٍ.
(
وَ) إن ظهر عيبٌ قديمٌ (بَعْدَ كَسْرِ الجَوْزِ) ونحوه من اللّوز والفُسْتُقِ والبُنْدُقِ والبَيْضِ (والبِطِّيخ) والقِثَّاء والخِيارِ (رَجَعَ) المشتري (بالنُّقْصَانِ في المُنْتَفَعِ بِهِ) ولم يردّه إلاّ برضاء البائع، لأنّ الكسر عيبٌ حدث عنده. وقال مالك وأحمد في رواية: لا يردّه، ولا يرجع بالنُّقصان لأنّه ليس من البائع تلبيس، فإنّه لا يعلم ما في باطنه. وأمّا لو ظهر العيب قبل الكسر فلا يرجع بالنُّقصان، لأنّه دليل الرِّضى بالعيب. (و) رجع (بِالْكُلِّ) أي كلّ الثمن (في غَيْرِهِ) أي في غير المنتفع به، كالقرع إذا وجده مُرّاً، لأنه ليس بمالٍ فكان البيع فيه باطلاً. وهذا كلُّه إذا وجد الكلّ فاسداً.

وأمّا إذا وجد البعض فاسداً، فإن كان قليلاً صحّ البيع استحساناً، لأنّ الكثير من الجوز لا يخلو عن قليلٍ فاسدٍ، فصار كالتراب في الحنطة، وفي القياس يفسُد، لأنّ الثمن لم يفصّل. والقليل ما لا يخلو عنه الجوز والبيض عادة كالواحد والاثنين أو الثلاثة في المئة، وإن كان الفاسد كثيراً لا يصحّ في الكلّ ويرجع بكل الثمن عند أبي حنيفة لجمعه في العقد بين ما له قيمة وما لا قيمة له، فصار كالجمع بين حرّ وعبدٍ. وعندهما يصحّ العقد فيما إذا كان صحيحاً. وقيل: يفسُد العقد في الكلّ إجماعاً، لأنّ الثمن لم يفصّل، فيكون بيعاً بالحِصّة ابتداءً.
(
وَإذَا ادَّعَى) المشتري (الإبَاقَ)، أو السَّرقة، أو البول في الفراش ممّا لا يعلم إلاّ بالتَّجربة والاختبار، وأنكر البائع أنّ هذا العيب وجد عند المشتري (أَثْبَتَ) المشتري أولاً أنه أَبَقَ عنده حتّى ينتصب البائع خصماً له (بِالبَيِّنَةِ) متعلّق بـ: أثبت (أوْ نُكُولِ البَائِعِ عَنِ الحَلِفِ عَلَى العِلْمِ) أي على أنه ما يعلم أنه أَبَقَ عند المشتري، لأنّ هذا تحليفٌ على فعل غير الحالف وهو العبد، فلا يكون على البتّ. وهذا ـ أعني تحليف المشتري للبائع ـ قول أبي يوسف ومحمد، لأنّ المشتري ادّعى عليه ما لو أقرّ به لزِمه، فإذا أنكر، له أنْ يحلّفه رجاء النكول كما في سائر الدَّعاوى.

واختلف المشايخ على قول أبي حنيفة رحمه الله، فقال بعضهم: يُحَلَّفُ عنده أيضاً. وقال بعضهم: لا يُحَلَّف وهو الصحيح، لأنّ الحَلِف إنما يترتب على دعوى صحيحة. ولا تصِح الدَّعْوَى إلاّ من خصمٍ، ولا يصير المشتري خصماً إلاّ بعد قيام العيب عنده، (ولم يثبت عنده).

(ثُمَّ بَرْهَنَ) المشتري أيضاً (عَلَى أَنَّهُ أَبَقَ عِنْدَ البَائِعِ) لاحتمال أنّه حدث عند المشتري، فلا يستحقّ الرَّدَّ على البائع (أَوْ حَلَّفَهُ) أي المشتري البائع (أنّهُ بَاعَهُ وَسَلَّمَهُ) إليه (وَمَا أَبَقَ قَطُّ أو مَا لَهُ حَقُّ الرَّدِّ بِهَذِهِ الدَّعْوَى) ولا يحلّفه بالله ما أبق عندك قطّ، لاحتمال أنّه أي باعه وقد كان أبق عند غيره، وبه يردُّ المشتري عليه. (وَلاَ ثَمَنَ عَلَى المُشْتَرِي) أي لا يُجبر المشتري على دفع الثَّمن (إِذَا ادَّعَى العَيْبَ) لاحتمال أن يكون صادقاً في دعواه، فلو قضى عليه بدفع الثمن ربّما ظهر العيب فاستردّ الثمن من البائع وانتقض القضاء. (حَتَّى يَتَبَيَّنَ عَدَمُهُ) أي عدم العيب: بأن يحلف البائع أنّ هذا العيب لم يكن فيه.
(
وَمُدَاوَاةُ المَعِيبِ وَرُكُوبُهُ) يعني إذا داوى المشتري المَعيب بعد العلم بالعيب أو ركبه (في حَاجَتِهِ)، أو تصرّف فيه بما يدلّ على الرِّضا، كالعرض على البيع، والإجارة، واللُّبس، والسُّكْنَى، والرَّهن، والكِتَابَة، والاستخدام مرّة ثانية (يَكُونُ) ذلك (رضاً) ولا خلاف فيه لأحد. ثمّ عند الشّافعيّ يبطل خيار الرّدّ بتأخيره من غير عذرٍ. وعندنا لا يبطُل ما لم يوجد منه تصرّف يدلّ على استبقاء الملك. (لا لِرَدِّهِ) أي ليس ركوب المشتري المعيب رضاً به إذا كان لردّه على بائعه (أوْ سَقْيِهِ أوْ شِرَاءِ عَلفِهِ) حال كون المشتري (ولا بَدَّ لَهُ مِنْهُ) أي من الرّكوب، إمّا لصعوبة انقياد المعيب، أو لعجز المشتري عن المشي: بأن كان مريضاً أو شيخاً كبيراً. وهو قيّد في السقي، وفي شراء العلف، لأنّ الرّكوب للردّ لا يكون رضاً كيف كان لكونه سبباً للردّ.

(وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ صَفْقَةً وَوَجَدَ بِأحَدِهِمَا عَيْباً رَدّهُ خَاصَةً إنْ قَبَضَهُمَا). وقال زُفَرُ والشّافعيّ في قول: ليس له أن يردّ المعيب وحدَه، لأنّ فيه تفريق الصّفقة، وهو لا يخلو عن تضرّر البائع بردّ المَعيب وحده، لأنّ العادة جرت بضمّ الجيد إلى الرديء. ولنا أنه تفريق بعد تمام الصَّفقة لأنها تمّت بالقبض، لأنّ خيار العيب لا يمنع تمامها فيكون الفسخ بعد القبض في ملك المشتري من كل وجه، فيقتصر الرّدّ على ما فيه علة وهو المعيب.

وإنّما وضع المسألة في عبدين، لكونهما ممّا يُنْتَفَعُ بأحدهما دون الآخر. فلو اشترى شيئين لا ينتفع بأحدهما دون الآخر كنعلين أو خُفَّيْنِ فوجد في أحدهما عيباً بعد قبضهما، فإنّه يردّهما أو يمسكهما باتفاقٍ، لأنهما في الصورة شيآن، وفي المعنى والمنفعة شيءٌ واحدٌ، والمعتبر هو المعنى دون الصورة والمبنى. ولو قال المشتري فيما يمكن إفراد أحدهما بالانتفاع عن الآخر: أَنا أمسك المعيب وآخذ النقصان، ليس له ذلك، لأنّه لمّا رضي بالمعيب فات حقّه في وصف السّلامة، فلم يكن له المطالبة بالنُّقْصان.
(
وإلاّ) وإن لم يقبضهما بل قبض أحدهما وظهر أنّ به أو بالآخر عيباً (أَخَذَهُمَا أَوْ رَدَّهُمَا)، وليس له أنْ يأخذ السليم ويردّ المعيب، لأنّ في ذلك تفريقَ الصّفقة قبل تمامها، لأنّ تمامها بقبضهما لكونه مفيداً لملك التّصرف فيهما، ومؤكداً لملك رقبتهما (كَمَا فِي الكَيْلِيّ وَالْوَزْنِيّ) أي كان كما إنّ من شرى ما يكال، أو ما يوزن من نوعٍ واحدٍ، فوجد ببعضه عيباً، فإنّه يردّه كلّه أو يأخذه كلّه، وليس له أنْ يأخذ السليم ويرّد المعيب سواء كان قبل القبض أو بعده.

(وَإنْ قَبَضَ) الكَيْلِيّ أوْ الوَزْنِيّ (وَلَوِ اسْتُحَقَّ البَعْضُ) منه (لَمْ يَرُدَّ البَاقِي) لأنّ الشّركة فيهما ليست بعيب، إذ التَّبعيض فيهما لا يضرّ، والاستحقاق لا يمنع تمام الصَّفقة، لأنّ العقد حقّ العاقد وتمامه برضاه وقد وُجِدَ، لا برضى المالك. قدّم القبض على استحقاق البعض لأنّ البعض لو استحقّ قبل القبض، كان للمشتري أن يردّ الباقي لتفرّق الصّفقة عليه قبل تمامها (بِخِلاَفِ الثَّوْبِ) فإنّ مشتريه إذا قبضه واستحقّ منه بعضه، له خيار الرَّدّ في الباقي، لأنّ الشَّركة فيه عيبٌ عُرْفاً وقد كانت وقت البيع قبل ظهور الاستحقاق.
(
وَصَحَّ) البيع (إنْ بَرِىءَ) فيه البائع (مِنْ كُلِّ عَيْبٍ) أي إن باع بشرط البراءة من كل عيبٍ، وليس للمشتري أن يردّه بعيبٍ (وَإنْ لَمْ يَعُدَّهَا) أي العيوب، والأصَحُّ في مذهب الشَّافعيّ. ويروى عن مالك: أنّه لا يَبْرَأ في غير الحيوان، ويَبْرَأ في الحيوان ممّا لا يعلمه، دون ما يعلمه لِمَا رُوِيَ: أنّ ابن عمر باع عبداً من زيد بن ثابت بشرط البراءة فوجد به عيباً، فأراد ردّه فلم يقبله ابن عمر، فترافعا إلى عثمان، فقال عثمان لابن عمر: أتحلف أنّك لم تعلم بهذا العيب؟ فقال: لا. فردّه عليه.

والفرق بين ما لا يعلمه وما يعلمه، وبين الحيوان وغيره: أنّ كتمان ما يعلمه تلبيسٌ، بخلاف ما لا يعلمه، وإنّ الحيوان قلّ ما ينفكّ عن عيبٍ خَفِيّ أو ظاهر، فيحتاج البائع فيه إلى شرط البراءة من كل عيبٍ ليثقَ بلزوم العقد، بخلاف غير الحيوان. وقال أحمد في رواية، وهو قول الشّافعيّ: لا يبرأ البائع عن العيب، فإنّ خيار العيب ثابتٌ بالشّرع، فلا ينتفي بالشرط كسائر مقتضيات العقد.

ولنا: أنّ الإبراء إسقاط، ولهذا جاز بلا قبول، كالطّلاق والعتَاق والجهالة في الإسقاط لا تفضي إلى المنازعة، فلا تكون مفسدة. ويدخل في البراءة من كل عيبٍ العيبُ الموجود عند العقد، والحادث بعد العقد قبل القبض في ظاهر الرواية عن أبي يوسف رحمه الله، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله أيضاً. وقال محمد: لا يدخل الحادث، وبه قال أبو يوسف رحمه الله أيضاً، وزُفَر ومالك والشافعيّ، لأنّ البراءة تتناول الثّابت فتنصرف إلى الموجود عند العقد.
هذا، والمُصَرَّاة، وهي النّاقة أو الشّاة يُحْقَنُ اللبن في ضَرْعِهِا أياماً لِيُرَى أنها كثيرة اللّبن، إذا بيعت، لا تردّ عندنا. وردّها مالك والشَّافعيّ مع لبنها إن كان باقياً، أو مع صاعٍ من تمرٍ لفقده، لِمَا روى أبو هُرَيْرَة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تَلَقَّوا الرُّكبان لبيعٍ، ولا يَبِع بعضُكم على بيع بعضٍ، ولا تَنَاجَشوا، ولا يَبِع حاضرٌ لبادٍ، ولا تُصَرُّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النَّظَرَيْن بعد أن يَحْلُبَهَا إن رَضِيَها أمْسَكَهَا، وإنْ سَخِطَها ردَّها وصاعاً من تمر»، متّفقٌ عليه.
وفي روايةٍ لمسلم وأبي داود: «مَنْ اشترى شاةً مُصَرَّاةً فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردّها ردّ معها صاعاً من طعامٍ ـ أي تمر ـ لا سَمْراء ». وفي روايةٍ لأبي داود: «مَن اشترى غنماً مُصَرَّاةً احتلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سَخِطَهما ففي حلبتها صاعٌ من تمرٍ». فجعلاها عيباً وأثبتا له الخيار إذا تبيّن بعد الحلب خلافُ ما تحلُبه، تمسكاً بهذا الحديث.
واحتجّ لنا بعض مشايخنا بقوله عليه الصلاة السّلام: «البيِّعَان بالخِيار ما لم يتفرّقا». وقال بعضهم: التَّصْرِيَةُ ليست بعيبٍ، وليس للمشتري ولاية الرّدّ بسببها من غير شرطٍ لأنّ البيع يقتضي سلامة المبيع، وبقلة اللّبن لا تفوت صفة السَّلامة، واللّبن ثمرةٌ وبعدمها لا تَنْعَدِمُ السّلامة، فبقلتها أولى.


قال: وإنّما ترك أصحابنا العمل بحديث أبي هريرة هنا لمخالفته الكتاب، وهو قوله تعالى: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}، والسُّنَّة المشهورة الموجبة لإيجاب القيمة عند تعذّر المِثْل صورةً، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «من أعتق شِقْصاً له في عبد، قُوِّم عليه نصيب شريكه إنْ كان مُوسِراً» الحديث، ولمخالفته الإجماع المنعقد على وجوب المِثْل والقيمة عند فوات العين وتعذّر الرَّدّ. قال: ولا بِدْعَ في ردّ حديثه عند مخالفة الأصول، فإنّه قريبٌ من المتواتر أنّه لَمَّا روى الوضوء مما مستّهُ النَّار، قال له ابن عبّاس رضي الله عنهما: إنّا نتوضأ بالماء السخين، أنتوضأ منه؟ ولما روى: من أصبح جُنُباً فلا صوم له. قالت عائشة: نحن أعلم بذلك منه. وكذلك ردّ عليه عليّ رضي الله عنه.
وشرط عيسى بن أَبان فِقْه الراوي لتقديم الخبر على القياس، واختاره أبو زيد الدَّبُوسِيّ، وخرَّج عليه حديث المُصَرَّاة، وتابعه أكثر المتأخرين.
ونفاه الكَرْخِيّ ومَن تابعه من أصحابنا وقبلوا خبر كلّ عدلٍ ضابطٍ وقدّموه على القياس، ومنعوا أيضاً أنّ أبا هُرَيْرَة لم يكن فقيهاً، وقالوا: بل كان فقيهاً وكان يُفْتِي في زمن الصَّحابة، وما كان يُفْتِي في زمانهم إلاّ فقيهٌ مجتهدٌ، مع أَنّه كان من المُتَبحِّرين من عِلْيَةِ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال إسحاق الحَنْظَلِيّ ثبت عندنا في الأحكام ثلاثة آلاف من الأحاديث: روى أبو هريرة منها ألفاً وخمس مئة. وقال البُخَارِيّ: روى عنه سبع مئة نفرٍ من أولاد المهاجرين والأنصار. وقد روى جماعة من الصحابة عنه، فلا وجه لردّ حديثه بالقياس؛ وهذا غاية التحقيق والله وليّ التوفيق.

والمختار فيه: الرُّجوع بالنقص على رواية شرح الطَّحَاويّ، يعني أنّه لَمّا امتنع الرّدّ بسبب الزِّيادة المنفصلة منها يرجع بحصّة النُّقصان من الثَّمن، ولا يرجع على رواية «الأَسْرَار»، لأنّ اجتماع اللّبن في الضَّرْع وجمعه لا يكون عَيْباً، ولأنه مُغْتَرٌّ بكبر ضَرْعِها لا بقول البائع. ووجه المختار: أنّ الموجود من التَّصْرِية غرورٌ منه للمتشري بالفعل، حيث تزداد رغبته في شرائها، فاغتراره بواسطة هذا الفعل كاغتراره بقول البائع: إنّها حلوبٌ غزيرةُ اللبن. وإنّما صَحّ البيع بناءً على أنّ شرط كونها حلوباً لا يُفسِد البيع، لأنّه شرطُ وصفٍ مرغوبٍ فيه، وهو رواية الطَّحَاوِي، والله سبحانه أعلم.

فصلٌ

(
في البَيْعِ الصَّحِيح، وَالبَاطِلِ، وَالفَاسِدِ، وَالمَكْرُوه)
(
بَطَلَ بَيْعُ مَا لَيْسَ بِمَالٍ) سواء كان ثمناً أو مثمَّناً لانعدام ركن البيع، وهو مبادلة المال بالمال (كالدَّمِ وَالمَيْتَةِ) والتُّرَابِ (والحُرِّ وأتْبَاعِهِ) من أمّ الولد والمكاتَب الذي لم يرض، فإنّ الذي رَضِيَ يجوز بيعه على أظهر الرِّوايتين عن أبي حنيفة ـ ومعه الشَّافعي ـ والمُدَبَّرالمطلق، فإنّ المقيّد يجوز بيعه عندنا. وعند مالك والشَّافعيّ وأحمد: يجوز بيع المطلق أيضاً.
(
وَ) بَطَلَ (بَيْعُ مَالٍ غَيْرِ مُتَقَوَّم) في حقّ الإسلام (كَالْخَمْرِ وَالخِنْزِيرِ بالثَّمَن) وهو الدّراهم والدّنانير حالاً أو مؤجلاً، لأنّ الدَّراهم والدّنانير غير مقصودةٍ، وإنَّما هي وسائل. فإذا كانت عوضاً لغير المتقوّم كان غيرُ المتقوّم هو المقصود، وفي ذلك إعزازٌ له، وقد أمر الشارع بإهانتهِ. وكذا إذا باعهما بما ثبت في الذِّمة من مكيلٍ أو موزونٍ. وأمّا لو باعهما بِالعَرْض، فالبيع فاسدٌ لعدم تَعَيُّنِهمَا مَبِيعين، وسيأتي.

والفرق بين الباطل والفاسد: أنّ الباطل هو الذي لا يكون صحيحاً بأصله (وذلك لفوات ركنه، فلا يفيد المِلْك أصلاً)، والفاسد هو الذي يكون صحيحاً بأصله لا بوصفه، فيفيد الملك بالقيمة عند القبض. وفي «الإيضَاحِ»: لو نفي العوض وقال: بعتك هذا بغير ثمنٍ، يبطل، ولو قال: بعتك هذا، وسكت عن الثمن، يفسد، لأنّ البيع يقتضي المعاوضة، فعند السكوت يحمل على قيمته، فصار كأنه قال: بعته بقيمته، وهي مجهولة فيفسُد.
(
وَ) بَطَل (بَيْعُ قِنٍ ضُمَّ إلى حُرّ وَ) بيع (ذَكِيَّةٍ) أي مذبوحة شرعية (ضُمَّتْ إلى مَيْتَةٍ) حتف أنفها. وأمّا التي خُنِقَتْ أو جُرِحَتْ في غير موضع الذّبح كما هو عادة بعض الكفّار، وذبائح المجوس فمالٌ، إلاّ أنها غيرُ متقوّمةٍ كالخمر والخنزير (وَإنْ سَمَّى ثَمَنَ كُلَ) وهذا عند أبي حنيفة، وقول الشَّافعي، وروايةٌ عن أحمد. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: إن سمّى ثمن كلّ واحدٍ منهما جاز في القِنِّ والذَّكَيَّةِ، وإلاّ فلا. وبه قال الشَّافعيّ في قولٍ، وأحمد في روايةٍ. ومتروك التّسمية عامداً كالميتة عندنا، لأنّ حرمته منصوصٌ عليها، فلا يجوز العقد فيما ضُمَّ إليه، ولا ينفذ بيعه بالقضاء.

(وصَحَّ) البيع (في قِنَ ضُمَّ إلى مُدَبَّرٍ) أو أم ولدٍ أو مُكاتَبٍ. وقال زُفَرُ: لا يصحّ. (أوْ) ضُمَّ (إلى قِنِّ) شخصٍ (غَيْرِهِ) أي غير البائع (بِحِصَّتِهِ) أي حصّة القِنّ من الثمن. وعند زُفَر: لا يصحّ. (كَمِلْكٍ) أي كما صحّ بيع ملك (ضُمَّ إلى وَقْفٍ) وقيل: لا يصحّ في الملك، وهو عند مالك، والشّافعيّ في قولٍ، وأحمد في رواية، لأنّ الوقف محرّر عن المِلْك والتمليك، فصاركقِنّ ضُمَّ إلى حرّ. وفي «نوادر الفقيه أبي اللَّيْثِ»: والأصحّ أنّ البيع يجوز في الملك لأنّ الوقف مالٌ، ولهذا ينتفع به انتفاع الأموال، وإنّما لا يباع لأجل حقَ تعلّق به، وذلك لا يوجب فساد العقد فيما ضُمَّ إليه، كالمُدَبَّر ونحوه، بخلاف المسجد، حيث يبطُل العقد فيما ضُمَّ إليه لأنّه ليس بمالٍ، ولهذا لا ينتفع به انتفاع الأموال، فصار كالحرّ.

(
وَفَسَدَ بَيْعُ العَرْضِ بَالخْمَرِ) ونحوها مما هو مالٌ غير متقوَّم (وَعَكْسُهُ) وهو بيع الخمر ونحوها بالعَرْضِ. في «شرح الوقاية»: أي البيع فاسدٌ في العَرْضِ حتّى يجب قيمته عند القبضِ، ويُملك هو بالقبض، لكن البيع في الخمر باطلٌ حتّى لا يملك عين الخمر.
(
ولاَ يَجُوزُ بَيْعُ المُبَاحَاتِ قَبْلَ أنْ تُمْلَكَ) لأنّها وقت البيع غير مملوكةٍ للبائع. (وَ) لا بيع (مَا لاَ قُدْرَةَ عَلَى تَسْلِيمِهِ إلاّ بِحِيلة) كسمك لم يُصَد، أو صِيْدَ وأُرْسِل، وهو لا يعود، فلو قبضه البائع وسلمه قالوا: ينبغي أن يكون على الروايتين في تسليم الآبق بعد بيعه، بناءً على أنّه باطلٌ أو فاسدٌ.

(أوْ) إلاّ (بِضَرَرٍ) كجذعٍ في سقفٍ، وذراعٍ من ثوبٍ يضرّه القطع، سواء ذُكِرَ موضع القطع أو لم يذكر. ولو قطع البائع الجذع، أو قطع الثوب وسلّم قبل الفسخ عاد صحيحاً لزوال المانع من الصّحة. وقيّد القدرة على تسليمه بالحيلة، لأنها لو كانت بغير ذلك: كما لو صاد السمك وألقاه في حظيرة صغيرة، بحيث يمكن أخذه منها بلا حيلة، جاز البيع لأنه مقدورُ التسليم، وكذا لو اجتمع فيه بنفسه وسدّ المدخل جاز، وإلاّ فلا.
(
ولا) بيع (مَا فِيهِ غَرَرٌ كَحَمْلٍ) أي جنين (في بَطْنٍ، وَلَؤلُؤٍ في صَدَفٍ، وَلَبَنٍ في ضَرْعٍ) لِمَا روى ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخُدْرِي أنّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن شراء ما في بطون الأنعام حتّى تضع. وما روى الشَّافعيّ بسنده عن ابن عبّاس أنّه كان ينهى عن بيع اللّبن في ضَرْع الغنم، والصوف على ظهرها.
قال البَيْهَقِيّ: ورُوِيَ مرفوعاً، والصحيح أَنّه موقوفٌ. ولقول ابن عبّاس: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُبَاعَ ثَمَرَةٌ حتّى تُطْعَم، ولا يباع صوفٌ على ظهر غنم، ولا لبنٌ في ضَرْعٍ. رواه الطّبرانِيّ والدَّارَقُطْنِيّ مرفوعاً، وأبو داود موقوفاً عليه. قيل: لا تباع أصواف الغنم على ظهورها، ولا ألبانها في ضروعها.
وفي «شرح الوقاية»: ذكروا لِلّبن في الضَّرْع علتين: أحدهما: أنه لا يُعْلَمُ لبنٌ، أَو دَمٌ، أو ريحٌ، وهذا يقتضي بطلان البيع، لأنه مشكوك الوجود فلا يكون مالاً. والأخرى: أن اللّبن يوجد شيئاً فشيئاً فيختلط ملك المشتري بملك البائع.

هذا، ولا يجوز بيع النَّتاج أيضاً، وهو أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها وهو حَبَلُ الحَبَلَةِ، لِمَا في «مصنف عبد الرَّزَّاق» عن ابن عمر، عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أنّه نهى عن بيع المَضَامِينِ، والمَلاَقِيحِ، وحَبَلِ الحَبَلَةِ، قال: والمضامين ما في أصلاب الإبل. والملاقيح: ما في بطونها. وحبل الحبلة: ولد ولد هذه النَّاقة. وفي «الموطأ»: أخبرنا ابن شهابٍ، عن سعيد بن المُسَيَّبِ أنه قال: لا ربا في الحيوان، وإنّما نهى في الحيوان عن ثلاثة: عن المَضامِينِ، والمَلاَقِيح، وحَبَل الحَبَلَةِ. فالمضامين: ما في بطون إناث الإبل. والملاقيح: ما في ظهور الجمال. وفي الصحيحين عن ابن عمر: أنّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع حَبَلِ الحَبَلَةِ. وكان بيعاً يبتاعه أهل الجاهلية، كان الرّجل يبتاع الجَزُور إلى أن (تُنْتَج الناقة، ثم) تُنْتَج التي في بطنها.

(وَ) لا بيع (مَا تُفْضِي جَهَالَتُهُ إلى المُنَازَعَةِ) كصوفٍ على ظهر الغنم، لأنّه يفضي إلى التَّنازع في موضع القطع. وكلّ بيعٍ يفضي إلى التَّنازع، فهو فاسدٌ. (وَلاَ) يجوز بيع (المُزَابَنَةِ) وهو من إضافة الأعمّ إلى أخصّه، ويسميها بعض المتأخرين إضافة بيانية (وَهِيَ بَيْعُ تَمْرٍ مَجْذُوذٍ) أي مقطوع (بِمِثْلِهِ عَلَى النَّخْلِ خَرْصاً) أي تقديراً وحَزْراً، (وَ) لاَ (المُحَاقَلَةِ) وهي بيع الحِنْطَةِ في سنبلها بمثل كيلها، لِمَا روى مسلم عن زيد بن أبي أُنَيْسَة قال: حدّثنا أبو الوليد المَكِّيّ وهو جالسٌ عند عطاء بن أبي رباحٍ عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المُحَاقَلَة، والمُزابَنَةَ، والمُخَابَرَةِ. والمُحَاقَلَةُ: أن يباع الحقل بكيلٍ من الطعام معلومٍ. والحقل: هو الزَّرع إذا تشعَّب قبل أن يغلظ سوقه. والمَزَابنَةُ: أن يباع النخل بأوساقٍ من التمر. والمَخَابَرَةُ: أن يزرع الأرض على الثلث، أو الربع، وأشباه ذلك. قال زيد: قلت لعطاء بن أبي رباح: أسمعت جابر بن عبد الله يذكر هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم.

وقال الشَّافعيّ: يجوز بيع المَزَابَنَةِ فيما دون خمسة أوسق، لِمَا في الصحيحين عن داود بن الحُصَيْن، عن أبي سفيان، عن أبي هُرَيْرَة: أن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم رخصّ في بيع العرايا بَخْرصِها فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق ـ شكّ داود ـ قال: دون خمسة أو في خمسة. وروى مسلم عن سهل بن أبي حَثْمَةَ: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثَّمَرِ بالتَّمْرِ، وقال: «ذلك الرِّبا تلك المُزَابَنَةُ»، إلاَّ أنّه رخَّص في بيع العَريَّةِ: النُخْلة والنَّخلتين يأخذها أهل البيت بِخَرْصِهَا كيلاً. وفي لفظٍ: رخّص في العَرِيَّةِ: أن يؤخذ بمثل خَرْصها تمراً، يأكل أهلها رُطَباً. ورواه الطَّحاويّ أيضاً بطرقٍ مختلفةٍ، وقال: وقد جاءت هذه الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتواترت الرُّخصة في بيع العرايا، فقبلها أهل العلم جميعاً، ولم يختلفوا في صحة مجيئها ولكنهم تنازعوا في تأويلها. انتهى.
والشَّافعي ذهب إلى ظاهره من الاستناد، وعنه في الخمسة أوْسُق قولان: أحدهما الجواز، وهو منقول المُزَنِيّ عنه، وهو الأظهر. والآخر عدمه، وهو مختار المُزَنِيّ ومذهب أحمد، لأنّ النّهي عن المزابنة محقق، والرُّخصة في خمسة أوْسُقٍ مشكوكٌ فيها.

ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم: «التَّمْرُ بالتَّمْرِ مِثْلاً بمثلٍ»، وما على النَّخل ثَمَرٌ، فلا يجوز بيعه بالتَّمْرِ إلاّ كذلك. وأمّا العَرِيَّةُ التي فيها الرُّخصة فهي العَطِيّةُ دون البيع، وبه قال مالك. وتفسيرها أن يهب الرُّجل ثمرة نخلةٍ من بستانه لإنسانٍ ثم يشقّ عليه الدُّخول في بُسْتَانِهِ كلّ يومٍ، ولا يرضى بالخُلْف في الوعد، والرّجوع في الهبة، فيعطيه مكان ذلك تمراً مجذوذاً بالخَرْص ليدفع ضرره عن نفسه. وهذا جائزٌ عندنا، لأنّ الموهوب لا يصير ملكاً للموهوب له ما دام متصلاً بملك الواهب، فما يعطيه من التّمر لا يكون عوضاً بل هبةً مبتدأة، وإنّما سُمِّيَ بيعاً مجازاً لأنَّه في صورته. ثمّ ذلك المرويّ اتُّفِقَ أنه كان أقل من خمسة أوْسُقٍ أو خمسةَ أوْسُقٍ، فظنّ الرَّاوي أنّ الرُّخصة مقصورةٌ على ذلك القَدْر.
وقال قومٌ: العرايا: أنْ يكون له النّخلة أو النَّخلتان في وسط النّخل الكثير لرجلٍ آخر، وكان أهل المدينة يخرجون وقت الثِّمار إلى حوائطهم بأهليهم، فيضرّ ممرّ صاحب النَّخلة صاحب النّخل الكثير، فرخَّص رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُعْطِي صاحبَ النُخلة خرص ماله من ذلك تمراً لينصرف عنه ويَخْلُصَ التّمر كله له. وهذا مرويّ عن مالك، والتأويل الأول قول أبي حنيفة رحمه الله. قال الطَّحَاوِيّ، وهو أنسب وأولى ممّا قال مالك، لأنّ العَرِيَّة إنَّما هي العَطِيَّة.

(وَ) لا بيع (المَلاَمَسَةِ، وَ) لا بيع (إلْقَاءِ الحَجَر، وَ) لا بيع (المُنَابَذَةِ) لأنّ في كلّ واحدٍ من هذه البِياعات تعليق الملك بالخطر، وفيه معنى القمار. وقد كان في الجاهلية يتساوم الرَّجلان السّلعة فإذا لمسها المشتري، أو نبذها إليه البائع، أو وضع المشتري عليها حصاةً لزم البيع. فالأوّل الملامسة، والثاني المنابذة، والثالث إلقاء الحجر. روى مسلم والبخاري من حديث أبي سعيد الخُدْرِيّ: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المُلاَمَسَةِ، والمُنَابَذَةِ في البيع. والملامسة: لمس الرّجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يقبله إلا بذلك. والمنابذة: أن ينبذ الرّجل إلى الرّجل ثوبه وينبذ الآخر إليه ثوبه، ويكون ذلك بيعهما من غير نظرٍ ولا تراضٍ.

(ولا) بيع (المَرَاعِي) أي الكلأ النّابت في أرضٍ غير مملوكةٍ، أو في أرض البائع بدون تسبُّب منه. أمّا لو تسبّب بأن سقى الأرض، أو هيأها للإنبات، جاز له بيع كلائها لأنّه ملكه، حتّى لو احتشّه إنسانٌ بغير إذنه كان له استرداده. وقال بعضهم: لا يجوز بيعه لأنه ليس بملكه، لأنّ الشَّركة فيه ثابتةٌ بالنّص، فلا تنقطع بدون الحيازة. وتهيئة الأرض للإنبات ليست بحيازةٍ، وكونه نابتاً في أرضه لا يقطع شركتهم عنه، ولا يصيّره مملوكاً له، فلم يستفد المشتري بهذا العقد شيئاً لم يكن له، فيبطل. والنّص قوله عليه الصلاة والسلام: «المسلمون شركاء في ثلاثة: في الماء، والكلأ، والنّار». رواه أحمد وأبو داود. والمراد بالماء الذي في الأنهار والآبار لا ما أُخِذَ وجُعِلَ في إناءٍ فإنّه محرزٌ يجوز بيعه. وبالكلأ ما نبت في أرضٍ غير مملوكةٍ، وما نبت في أرضٍ مملوكةٍ بلا إنبات ربّ الأرض، لأنّ ربّ الأرض لا يكون محرزاً له بكونه في أرضه. ومعنى إثبات الشّركة في النّار الانتفاع بضوئها، والاستدفاء بها، وتجفيف الثياب بها. أمّا إِذا أراد أن يأخذ الجمر، فليس له ذلك إلاّ بإذن صاحبها. ذكره القُدُورِيّ.

(
وَلا إجَارَتُهَا) أي ولا يجوز إجارة المراعي التي هي الكلأ، لأن إجارتها تقع على استهلاك عين غير مملوكةٍ، وتلك الإجارة غير جائزةٍ كما استأجر بقرة ليشرب لبنها لا يصحّ، لأنّ محل الإجارة المنافع لا الأعيان. فالإجارة على استهلاك عينٍ مباحةٍ أولى. والحيلة في إجارة المراعي في الأرض المملوكة: أن يستأجر موضعها من الأرض ليضرب فيه فسطاطاً، أو ليجعله حظيرة لغنمه، فتصحّ الإجارة، ويبيح له صاحب المَرْعَى الانتفاع بالمَرْعَى فيحصل مقصودها.

(ولا) بيع (النَّحْلَةِ إلاّ مَعَ الكُوَّارَاتِ) ـ بضم الكاف وتشديد الواو ـ، وفي الصحاح كُوَّارات النَّحل: عسلها في الشَّمع. أمّا عدم جواز بيع النّحل وحده فعند أبي حنيفة رحمه الله، وأبي يوسف رحمه الله. وقال محمد ومالك والشَّافعيّ وأحمد: يجوز بيعه وحده إذا كان مجموعاً، لأنه حيوان يُنْتَفَعُ به ويُتَمَوّلُ، فيصح بيعه وإن لم يؤكل كالبغل والحمار. ولهما: أنّه من الهوامِّ، فلا يصحّ بيعه كالُزّنْبُور. وفي «الذَّخيرة»: الفتوى على قول محمد.
(
وَلاَ) بيع (أَجْزَاءِ آدَمِيِ) لكرامته، فلا يجوز بيع شعر الإنسان لأنه جزؤه، ولا بيع لبن المرأة ولو في قدحٍ، حرّةً كانت أو أمة، ولا يضمن متلفه. وقال الشَّافعيّ: يجوز حرةً كانت أو أمةً ويضمن متلفه، لأنّه مشروبٌ طاهرٌ كلبن الشّاة. وقال أبو يوسف: إن كانت أمةً يجوز، وإن كان حرّةً لا يجوز اعتباراً للَّبن بأصله لكونه متولِّداً منه.
ولهما أنه جزء الآدميّ بدلالة أنّ الشّرع أثبت به حرمة الرضاع بمعنى البعضيّة، والآدمي بكلّ أجزائه مكرمٌ مَصونٌ عن الابتذال والامتهان بالبيع إلاّ فيما حلّ فيه الرّق، والرّق لا يحلّ اللبن، لأنَّه ضعفٌ حكميٌّ، فيختصّ بمحلّ القوة التي هي ضدّه، وهو الحيّ، ولا حياة في اللَّبن لأنه جمادٌ. وليس حلّه على الإطلاق، بل باعتبار حاجة الطفل لأنّه لا يتعدّى بغيره حتّى لو استغنى عنه، لم يبح شربه. حتّى لا يجوز صبّه في عينٍ رَمِدَةٍ عند بعض أصحابنا.

(وَلاَ) بيع (أجْزَاء الخِنْزِيرِ) لنجاسة عينه، فلا يصحّ بيع شيء منه إهانةً له كالخمر (إلاّ شَعْرَهُ) لِيُنتفعَ به للخرز للضرورة. (ولا) بيع (جِلْدِ المِيْتَةِ قَبْلَ دَبْغِهِ) لحرمة الانتفاع به لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ» وهو اسم لغير المدبوغ، وأمّا بعد الدبغ فَيُبَاعُ ويُنْتَفَعُ به لطهارته، لِمَا في «صحيح مسلم» عن ابن عبّاس قال: تُصُدِّقَ على مولاةٍ لِميمُونةَ بشاةٍ فماتت فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هَلاّ أخذتم إهابَها فدبغتموه فانتفعتم به». فقالوا: إنها ميتةٌ. فقال: «إنّما حَرُمَ أكْلُهَا».

(
وَلاَ) بيع (دُودِ القَزِّ) بتشديد الزاي، لأنه من الهوام كالزّنبور والحيّة والعقرب، (ولا) بيع (بيضه) لأنه غير منتفع به باعتبار ذاته بل باعتبار غيره، وذلك معدوم في الحال، وفي وجوده خطر في المآل. (خِلاَفاً لَهُمَا) قال محمد: يجوز بيع دود القز وبيضه، وهو قول (مالك) والشَّافعي وأحمد، واختيار الصدر الشهيد، وعليه الفتوى اعتباراً بالعادة. وقال أبو يوسف: يجوز بيع دود القز إن ظهر فيه القز تبعاً له وإلاّ لا، واضطرب قوله في بيض الدُّود.
(
ولا) بيع (العُلْوِ بَعْدَ سُقُوطِهِ) بأن كان عُلْوٌ لرجلٍ وسُفْلٌ لآخر، فسقطا أو سقط العُلْوُ وبَقِيَ السُفْلُ فباع صاحب العُلْوِ موضع العُلْوِ لأنّ هذا البيع لم يصادف المحل، لأنّ محل البيع المال، والثابت لصاحب العُلْوِ بعدالانهدام حقّ التَّعلّي، وحقّ التّعلّي ليس بمالٍ لأنه يتعلّق بهواء السّاحة، وهو ليس بمالٍ. قيّد ببعد السقوط لأن بيع العُلْوِ قبل السُّقوط جاز باعتبار البناء القائم.

(وَلاَ) بيع (شَخضٍ عَلَى أنَّهُ أَمَةٌ وَهُوَ عَبْدٌ) ولا على أنّه عبدٌ وهو أَمَةٌ، والقياس أن يجوز، وهو قول زُفَر، لأنّ هذا اختلاف وصف الذكورة والأنوثة، واختلاف الوصف يوجب الخِيار للمشتري دون الفساد، فصار كما لو اشترى كبشاً فإذا هو نعجةٌ أو بالعكس. أو عبداً على أنه خبازٌ فإذا هو كاتبٌ أو بالعكس. ولنا: أنّ تفاوت الأغراض بين النوعين ملحقٌ باختلاف الجنسين، لأنّ المقصود من البيع حصول الانتفاع بالمبيع على غرض المشتري، فإذا لم يحصل غرضُه ولا أكثره فكأنّه لم يحصل أصلاً. وهذا إذا كان الوصف متفاحشاً، إذ قلة التفاوت لا تُفسد البيع، كما إذا اشترى كبشاً فظهر نعجةً، فإنّ المقصود من الكلّ الأكل، لكنهما مختلفان وصفاً فقلّ التّفاوت.
(
وَشَراء مَا بَاعَ) أي ولا يجوز شراء البائع لنفسه أو لغيره من المشتري، أو من وكيله، أو من وارثه ما باع بثمنٍ حال أو مؤجلٍ بنفسه أو بوكيله (بأقلّ مِمَّا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ ثَمَنِهِ الأوَّل) إن كان المبيع لم ينقص ذاته، واتّحد الثمنان جنساً. وقال الشّافعيّ: يجوز، لأن الملك تمّ بقبض المبيع، فصار شراء البائع بأقلّ كشراء غيره به، وكشرائه بمثل الثَّمن الأوَّل أو بأكثر منه.
ولنا: ما روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن مَعْمَر والثَّوْرِيّ عن أبي إسحاق السَّبِيعِيّ، عن امرأته أنها دخلت على عائشة في نسوة فسألتها امرأةٌ فقالت: يا أمّ المؤمنين، كانت لي جاريةٌ فبعتها من زَيْدِ بن أرْقَم بثمان مئةٍ إلى العطاء، ثم ابتعتها منه بست مئةٍ، فنقدته الست مئة وكتبت عليه ثمان مئة. فقالت عائشة: بئس ما اشتريتِ، وبئس ما اشترى. أخبري زَيْدَ بن أرقم أنه أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ أنْ يتوب. فقالت المرأة لعائشة: أرأيت إن أخذتُ رأس مالي ورددت عليه الفضل؟ فقالت عائشة: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ}.

فهذا الوعيد الشديد دلّ على فساد هذا العقد. وإلحاق هذا الوعيد بهذا الصنع الأكيد لا يَهْتَدِي إليه العقل، فدلّ ذلك على أنها قالته سماعاً.
وقال ابن الجَوْزِيّ: قالوا: العَالِيةُ امرأةٌ مجهولةٌ لا يُقْبَلُ خبرها. قلنا: بل هي معروفةٌ جليلة القدر ذكرها ابن سعد في «الطبقات». فقال: إنّ العالية بنت أنفع بن شُرَاحيل امرأة أبي إسحاق السَّبِيعِيّ سمعت من عائشة. وجعل في «مسند أبي حنيفة»: البائع إلى العطاء زيدَ بنَ أرقم، والمشتريَ بست مئةٍ المرأةَ. وهو في «سنن أبي داود» عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا تبايعتم (بالعِينَةِ)، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزّرع، وتركتم الجهاد، سلّط الله عليكم ذُلاً لا ينزعه حتّى ترجعوا إلى دينكم». وروى أحمد بن حنبل في كتاب «الزّهد» بإسنادٍ ـ قال ابن القَّطان: رجاله ثقات ـ عن ابن عمر قال: أتى علينا زمانٌ وما يرى أحدنا أنّه أحق بالدّينار والدرهم من أخيه المسلم، ثم أصبح الدينار والدرهم أحبَّ إلى أحدنا من أخيه المسلم. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا ضنّ النّاس أي بخلوا بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعِينَة، واتّبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله أدخل الله، عليهم ذُلاً لا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم».
وَالعِينة بالكسر: بيع السلعة بثمن مؤجّلٍ ثم شراؤها بأنقص منه حالاً، ولأن الثّمن لا يدخل في ضمان البائع قبل قبضه، فإذا عاد إليه المبيع بالصّفة التي خرج بها عن ملكه فصار بعض الثمن قصاصاً ببعضه وبَقِيَ فضلٌ بلا عوضٍ، فكان ذلك ربح ما لم يضمن، وهو حرام بالنّص.

قيّد الشراء بكونه بأقلّ مما باع، لأنه لو كان بمثله أو أكثر منه جاز، لأنّ الفضل في الأكثر يحصل للمشتري والمبيع داخل في ضمانه. وقيّد بكونه قبل نقد الثَّمن، لأنه لو كان بعده جاز. وقيَّدنا بكون الشراء من المشتري منه أو من وارثه، لأنّ المشتري لو باعه من رجلٍ أو وهبه لرجلٍ أو أوصى به لرجلٍ، ثم اشتراه البائع الأول من ذلك الرّجل جاز، لأن اختلاف سبب الملك كاختلاف العين. وقيّدنا بكون المبيع لم ينقص، لأنّه لو تعيّب في يد المشتري، فباعه من البائع بأقل من الثمن جاز، لأنّ ما نقص من الثمن بمقابلة العيب الحادث، فكان البائع مشترياً ما باع بمثل الثمن الأول معنًى.
وقيّدنا النقصان بكونه في الذَّات، لأنّه لو كان في القيمة: بأن تغيّر سعره لم يجز شراؤه بأقل ممّا باع، لأنّ تغيّر السعر غير معتبرٍ في حقّ الأحكام كما في حقّ الغاصب. وقيّدنا باتحاد الثمنين جنساً، لأنّه لو اشتراه بجنسٍ آخر غير جنس الثمن الأوّل جاز وإن كان الثّمن الثاني أقلّ، لأن الرّبح لا يظهر عند اختلاف الجنس، والدّينارُ جنس الدّرهم هنا وفي الشُفْعَةِ خلافاً لزُفَر.

وشراء من لا تصحُّ شهادته للبائع وهو ولده ووالده وزوجته ومُكَاتَبُه فهو كشراء البائع بنفسه. وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز غير العبد والمُكَاتَب لتباين الأملاك ، بخلاف العبد، لأنّ كسبه لمالكه، وبخلاف المُكَاتَب لأن للسيد في كسبه حقَّ الملك، فكان تصّرفه كتصرّفه. ولأبي حنيفة أنّ شراء هؤلاء كشراء البائع بنفسه لاتصال منافع الأملاك بينهم، وهو نظير الخلاف في الوكيل بالبيع إذا عقد مع هؤلاء. وشراء المُوَكِّلِ بأقلّ مما باع وكيله لا يجوز، لأنّ وكيله لمّا باع بإذنه صار كأنّه باع بنفسه، ثم اشترى بأقلّ، وشراء الوكيل بأقلّ. ممّا باع لنفسه أو لغيره بأمره قبل نقد الثّمن لا يجوز.

أمّا شراؤه لنفسه، فلأنّ الوكيل بالبيع أصيلٌ في الحقوق، فكلُّ هذا شراء للبائع من وجهٍ، والثابت من وجهٍ كالثابت من كلّ وجهٍ في باب الحُرُمَاتِ. وأمّا شراؤه لغيره بأمره، فلأنّ شراء المأمور واقعٌ له من حيث الحقوق، فكان هذا شراء ما باع لنفسه من وجهٍ. وشراء البائع من وارث المشتري بأقلّ مما اشتراه المُوَرِّثُ لا يجوز لقيام الوارث مقام المُوَرِّث، بخلاف شراء وارث البائع بأقلّ مما باع مُوَرِّثه، فإنّه يجوز.
(
وَلاَ) يجوز (شَرِاءُ مَا بَاعَ مَعَ شَيْءٍ) متعلقٌ بشراءٍ (لَمْ يَبِعْهُ) ـ صفةٌ لشيءٍ ـ (بِثَمَنِهِ الأوَّلِ) ـ متعلّقٌ بشراء ـ وكذا (فِيمَا بَاعَ) يعني أنّ مَنْ باع أمةً بخمس مئةٍ مثلاً، وقبضها المشتري ثم اشتراها منه وأَمَة أخرى معها قبل نقد الثّمن بخمس مئة، فإنّ الشراء في التي لم يبعها منه صحيحٌ، لأنه لم يفسد فيها، وفي الأخرى وهي التي باعها منه باطلٌ، لأنّه لا بدّ أن يجعل بعض الثَّمن بمقابلة التي لم يبعها منه، فيكون مشترياً للأخرى بأقلّ ممّا باع ضرورةً.
(
وَزَيْتٍ) أي ولا يجوز شراء زيت ونحوه (عَلَى أنْ يُوزَنَ) الزَّيت (بِظَرْفِهِ ويُطْرَحَ لِلظَّرْفِ) كلّ مرةٍ (كَذَا رَطْلاً) إلاّ أن يكون ذلك وزنه. لأنّ هذا شرطٌ مخالفٌ لِمَا يقتضيه العقد، لأنّه يقتضي أن يُطْرَحَ عنه مقدار وزن الظَّرْف، أيَّ مقدارٍ كان، فإذا شرط أن يُطْرَحَ عنه مقدارٌ معينٌ، وكان ذلك الظَّرْف أنقص من ذلك المقدار أو أكثر منه، كان ذلك الشَّرط مخالفاً لمقتضى العقد، ولأحد العاقدين فيه نفعٌ، لأَنَّ ذلك المقدار إِن كان أَكثر من وزن الظرّف، فللمشتري فيه نَفْعٌ، وإنْ كان أقلّ من وزنه، فللبائع فيه نفعٌ. (بِخِلاَفِ شَرْطِ طَرْحِ وَزْنِ الظَّرْفِ) فإنّ الشِّراء يجوز، لأنّه شرطٌ يوافق مقتضى العقد، لأنّه يقتضي طَرْح وزن الظَّرْفِ، وما يوافق مقتضى العقد يؤكده ولا يفسده.

(وَالبَيْعُ) أي ولا يجوز البيع (بِشَرْطٍ لاَ يَقْتَضِيهِ العَقْدُ) احترز به عمّا يقتضيه، كشرط الملك للمشتري في المبيع، وشرط تسليم المبيع، وشرط حبس المبيع لاستيفاء الثَّمن، وشرط انتفاع المشتري بالمبيع، لأنّ هذا كله يثبت بمطلق العقد، فلا يزيده الشَّرط إلاّ تأكيداً (وَفِيهِ نَفْعٌ لأحَدِهِمَا) ـ جملة حاليةٌ ـ أمّا البائع: فكما لو باع شيئاً بشرط أن يقرضه المشتري درهما، أو يهدي إليه هديةً، أو باع داراً على أن يسكنها شهراً.
وأمّا المشتري: فكما لو اشترى ثوباً على أن يقطعه البائع ويخيطه قَبَاءً أو قميصاً.
(
أوْ) فيه نفعٌ (لِمَبِيعٍ يَسْتَحِقُّ) أي يكون أهلاً للاستحقاق على غيره بأن يكون آدمياً، كبيع عبد بشرط أنْ لا يبيعه المشتري، لأنّ العبد يعجبه أن لا تتناوله الأيدي. واحترز بهذا عمّا لو اشترى دابةً، أو ثوباً. بشرط أنْ لا يبيعه المشتري فإنّ الشرط باطلٌ، والبيع صحيحٌ في ظاهر المذهب. وعن أبي يوسف: أنّ البيع فاسدٌ.
وجه الظاهر: أنّه لا مطالب لهذا الشّرط، فكان لغواً، ولا بدَّ من تقييد الشّرط بكونه لا يلائم العقد احترازاً عمّا يلائمه كالبيع بشرط أن يعطي المشتري بالثمن رهناً أو كفيلاً، فإنّ البيع لا يفسد. ولا بدّ أيضاً من تقييد ما لا يلائم العقد بأنّ الشّرع لم يرد بجوازه، فإنّ ما ورد بجوازه لا يفسد، كالبيع بشرط الخيار أو الأجل، وكذا ما تعارف النّاس عليه كشراء نعلٍ على أن يَحْذُوَه، أو يُشَرِّكَه البائع، فإنّ البيع لا يفسد استحساناً للتعامل، وهو حجةٌ يترك بها القياس. وإنّما لا يجوز البيع بشرط لا يقتضيه العقد لنهيه عليه الصلاة والسّلام عن بيع وشرط. إلاّ أنّ ما ذكرناه من الشُّروط الجائزة مستثنى من هذا النَّهي، فَبَقِي ما عداه داخلاً تحته، ولأنّ الثّمن مقابَل بجميع المبيع، والشَّرط زيادةٌ لا يقابلها شيء من العوض. فأشبه الرِّبا، ولأنّه ذريعةٌ إلى وقوع النِّزاع، فيعرى معه العقد عن مقصوده.

روى الطَّبَرَانِي في «معجمه الأوْسَطِ» عن عبد الله بن أيوب المقري، عن محمد بن سليمان الذُّهْلي، عن عبد الوارث بن سعيد قال: قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شُبْرُمَة، فسألت أبا حنيفة عن رجلٍ باع بيعاً وشرط شرطاً. فقال: البيع باطلٌ والشرط باطلٌ. ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته فقال: البيع جائزٌ، والشرط باطلٌ. ثم أتيت ابن شُبْرُمَة فسألته فقال: البيع جائزٌ والشرط جائزٌ. فقلت: سبحان الله ثلاثةٌ من فقهاء العراق اختلفوا في مسألةٍ واحدةٍ. فأتيت أبا حنيفة فأخبرته. فقال: ما أدري ما قالا: حدّثني عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جده عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيعِ وشرطٍ. البيع باطلٌ، والشرط باطلٌ. ثم أتيت ابن أبي ليلى فأخبرته. فقال: ما أدري ما قالا: حدّثني هِشَام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة أنَّها قالت: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اشتري بَرِيرَة فأعتقها. البيع جائزٌ، والشرطُ باطلٌ. ثم أتيت ابن شُبْرُمَة فأخبرته. فقال: لا أدري ما قالا: حدّثني مِسْعَر بن كِدَام، عن مُحَارب بن دِثَارٍ، عن جابر قال: بعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ناقةً وشرط لي حملانها إلى المدينة. البيع جائزٌ، والشرطُ جائزٌ.

(
وَلاَ) يجوز بيع الرَّقيق (بِشَرْطِ الإعْتَاقِ) وقال مالك: يجوز. وهو روايةُ الحسن عن أبي حنيفة، وقول للشافعي، وأَصحّ الروايتين عن أحمد. (وإلى أَجَلٍ) عطفٌ على شرطَ، أي لا يجوز البيع بثمن غير معين إلى أجلٍ (جُهِلَ) كالحصاد، والدِّيَاس، وقدوم الحاج، لأنّ هذه الأشياء تتقدّم وتتأخرّ لكونها من أفعال العباد تثبت بحسب ما يبدو لهم، فكان التأجيل بها يفضي إلى المنازعة. والآجال شرعت بالأوقات، قال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ للنَّاسِ}

. (قيدنا بالثمنٍ غير المعيّن، لأنّ تأجيل المبيع المعيّن يفسد البيع سواء كان الأجلُ مجهولاً أو معلوماً، وكذا تأجيل الثَّمن) المعيَّن لأَنه مبيع، وكذا تأجيل العقد لكونه خلاف موجب العقد وهو التأبيد. ولو باع مطلقاً ثم أجّل الثّمن إلى هذه الأوقات صحّ لأن هذا تأجيل الدّين والجهالة في الدّين محتملةٌ، بخلاف ما إذا اشترط في أصل العقد، لأنّ العقد لا يحتمل فيه الجهالة.
(
وَصَحَّ) البيع (إنْ أسْقَطَ) الأجل المجهول (قَبْلَ الحُلُولِ) كما لو أسقط الأجل إلى الحصاد مَنْ هو حقّه، وهو المشتري قبل أن يأخذ النّاس في الحصاد. وقال زُفَر والشَّافعيّ: لا يصحّ لأنه انعقد فاسداً فلا ينقلب جائزاً. ولنا إنّ المفسد فيما نحن فيه خارجٌ عن صلب العقد، وقد سقط قبل تقرره فينقلب العقد جائزاً، وهو قول مشايخ العراق. وقال غيرهم: إن العقد انعقد موقوفاً، وبالإسقاط تبيّن أنّه كان جائزاً، وهو الصحيح، لأنّ فساد العقد باعتبار إفضائه إلى المنازعة، وقبل مجيء الأجل لا منازعة.
(
وإنْ قَبَضَ المُشْتَرِي المَبِيعَ بَيْعاً فَاسِداً) وكان قبضه (بِرَضَا بَائِعِهِ صَرِيحاً) أي رضاً صريحاً كَاقْبِضْهُ أو خُذْهُ أو تَسَلَّمْهُ، وهذا قبل الافتراق أو بعده (أوْ دَلاَلَةً) قبل الافتراق (كَقَبْضِهِ) بحضرة البائع (في مَجْلِس عَقْدِهِ وَكُلٌّ مِنْ عِوَضَيْهِ) أي البيع (مَالٌ) ـ جملة حالية ـ (مَلَكَهُ) أي المشتري المبيع ملكاً خبيثاً بالقيمة. وقال مالك والشّافعيّ وأحمد: لا يملكه لأنّ البيع الفاسد محظورٌ لكونه منهياً عنه، والنهيَّ يقتضي التَّحريم، والملك نعمة لكونه ذريعةً إلى قضاء المآرب ووسيلةً إلى درك المطالب، والنعمة لا تُنَاط بالمحظور لاشتراط الملاءمة بين المناط والمُناط به.

ولنا: إنّ ملزوم الملك وهو البيع تحقّق، فيتحقّق الملك لأنّ البيع الفاسد بيعٌ حقيقةً لصدور ركنهِ وهو مبادلة المال بالمال بالتَّراضي من أهله، فإنّ أهل الشيء مَنْ يكون قادراً عليه لتندفع به حاجته، مضافاً إلى محل قابلٍ لحكمه إذ الكلام فيه، فيترتب حكمه وهو الملك، ونعمة الملك ما انيطت بالمحظور بل بالبيع، وهو غير محظور، إنّما المحظور ما يتصل به من الشرط الفاسد ونحوه كما في البيع وقت النِّداء، فإنّ النّهي ورد فيه لمعنى غير البيع، وهو الاشتغال عن السَّعْي بسبب البيع.

(
والاشتغال عن السعي غير البيع)، وإنّما شرط أنْ يكون كل من عِوَضَيْهِ مالاً ليثبت ركن البيع، وهو مبادلة المال بالمال. ويشترط أيضاً أن لا يكون للبائع خِيار الشَّرط، لأن شرط الخِيار يمنع الملك في البيع الجائز، ففي الفاسد أولى. وإنّما لم يحِلّ وطىء الجارية، ولا أكل الطَّعام لأنّ في كل منهما إعراضاً عمّا هو واجب عليه، وهو الرّدّ.
(
وَلَزِمَهُ) أي المشتري (مِثْلُهُ حَقِيقَةً) أي صورةً (أوْ مَعْنًى) وهو قيمته يوم القبض، لأنه به يدخل في ضمانه. وعند محمد: يوم التلف، لأنّه به يتقرَّر عليه. وإنّما لزم المشتري مثلُه لأنّه مضمونٌ بالقبض كالغصب، والمثل صورةً ومعنى لا يكون إلاّ فيما هو من ذوات الأمثال، وهو أعدل من المِثْل معنًى، فلا يُصَار إليه مع إمكان الأوَّل.
(
فإنْ كَانَ الفَسَادُ) لجهالة الأجل أو (بِشَرْطٍ زَائِدٍ) فيه نفعٌ لأحد العاقدين، وكانت العين باقيةً (فَلِمَنْ لَهُ الشَّرْطُ) وهو المنتفع به (فَسْخُهُ) بحضرة صاحبه لأنّ منفعة الشّرط لمّا كانت عائدةً إليه، كان الفسخ له دون الآخر، لأن في فسخ الآخر إبطال حقّ من له منفعة الشَّرط، وهو تصحيح العقد بإبطال ذلك الشَّرط، وهذا عند محمد. وقالا: لكلّ واحدٍ من المتعاقدين الفسخ لأنّه حقّ الشّرع، فانتفى اللّزوم عن العقد.

(وإلاَّ) أي وإن لم يكن الفساد لشرطٍ زائدٍ بل كان في صلب العقد: بأن كان في أحد العِوَضَيْنِ كما لو باع درهمين بدرهم أو ثوباً بخمرٍ (فَلِكُلّ مِنْهُمَا) أي من العاقدين فسخه بعد القبض، لأنّ إعدام الفساد واجبٌ حقاً للشّرع، وقبل القبض لكن بمْحضَرٍ من الآخر، لأنّ البيع الفاسد قبل القبض لمّا لم يُفِد الملك كان فسخه أمتناعاً عن القبض، وإنّما توقّف على حضور الآخر لأنه إلزام موجب الفسخ، فلا يلزمه إلاّ بعلمه.
(
فَإِنْ خَرَجَ) المبيع بيعاً فاسداً (مِنْ مِلْكِ المُشْتَرِي) ببيعٍ صحيحٍ، أو بهبةٍ وتسليمٍ، أو بعتقٍ (أوْ بَنَى) المشتري (فِيهِ) أو غرس، أو اتخذه مسجداً (فَلاَ فَسْخَ) لأنّ المشتري ملك المبيع بالقبض فينفذ تصرّفه فيه، وينقطع حقّ البائع من الاسترداد، سواء كان تصرّفاً لا يحتمل النقض كالإعتاق، أو يحتمله كالبيع، لأنّ بهذه التصرّفات تعلّق حقّ العبد، وبالبيع الفاسد تعلّق حقّ الشّرع وهو الفسخ، فيغلب حقّ العبد ـ لحاجته ـ على حقّ الشّرع لغناه.
قيدّ الخروج بكونه من الملك، لأنّ المشتري لو أجّر المبيعِ، أو أنكحه لم ينقطع حقّ الفسخ، لأنّ النِّكاح لا يمنع فسخ البيع، فَيُفْسَخُ وتُرَدّ الأمة على البائع، والنِّكاح على حاله. والإجارة تفسخ بالأعذار، ودفعُ الفساد عذرٌ. وقال مالك والشّافعيّ وأحمد: لا ينقطع حقّ الفسخ بشيءٍ من ذلك. وقال أبو يوسف ومحمد: لا ينقطع بالبناء والغرس بل ينقض ويردّ المبيع على صاحبه.

(وَطَابَ لِلْبَائِعِ ربْحُ ثَمَنِهِ) أي ثمن المبيع بيعاً فاسداً إذا كان دراهم أَو دنانير (بَعْدَ التَّقَابُضِ) ـ متعلّقٌ بربح ـ (وَلاَ لِلْمُشْتَرِي) أي ولا يطيب للمشتري (رِبْحُ مَبِيعِهِ) أي مبيعِ البيع الفاسد بعدالتَّقابض (فَيَتَصَّدقُ) المشتري (بِهِ) أي بربحه، حتّى لو اشترى أمةً شراءً فاسداً بألِفِ درهمٍ وتقابضا وربح كلّ واحدٍ منهما فيما قبض، طاب للبائع ما ربح في الثَّمن، ولم يطب للمشتري ما ربح في الأَمة. والفرق أنّ الأَمة ممّا يتعينّ، فيتعلَّق العقد بعينها فيتمكن الخَبَثُ في ربحها فيتصدق به، والدراهم والدنانير لا تتعّينان في العقود، فلا يتعلّق العقد بعينها، فلا يتمكن الخَبَثُ في ربحهما.
هذا، والبيع الباطل لا يُفِيد الملك بالقبض ولو كان بإذنٍ من المالك، ولا ملك التّصرّف، لأنّه (يُبْنَى على الملكِ، والملكُ) يُبْنَى على العقد الصحيح أو القبض في العقد الفاسد. ثُمَّ المقبوض في البيع الباطل أمانةٌ عند أبي حنيفة، لأنّ العقد باطلٌ، والباطل غير مُعتبرٍ والقبض بإذن المالك، فيكون أمانةً. وقالا: إنّه مضمونٌ بالقيمة لو كان قيمياً، وبالمِثْل لو كان مثلياً إذا هلك عند المشتري، كالمقبوض في البيع الفاسد، والمقبوض على سَوْم الشراء. هذا وإذا اشترى مَكِيلاً كالتّمر، أو موزوناً كالسمن كيلاً ووزناً حَرُمَ عليه بَيْعه وأكله، أو شيءٍ منه حتّى يكيله أو يزنه.

وأصله أن الأموال ثلاثة أنواع: مقدّرات، كالمكيلات والموزونات، والعدديات المتقاربة، والمَذْرُوَعات؛ فإن اشترى شيئاً منها مشاراً إليها مجازفةً صحَّ التصرفُ فيه بعد القبض، لأنه معلوم بالإشارة، وإن اشترى شيئاً منها بشرط كيلٍ أو وزنٍ أو ذرعٍ أو عد، فإن لم يقبض بَطَلَ التّصرف فيه، وبعد القبض لم يجز التّصرف في المكيل والموزون، لنهي النبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يجري فيه صاعان: صاعُ البائع، وصاعُ المشتري، فيكون لصاحبه الزيادة، وعليه النقصان. رواه البزَّار عن أبي هُرَيْرَةَ.
والنهي عن البيع يقتضي الفساد إذا كان لمعنى في البيع، وقد وُجِدَ إذ البيع يتناول ما يجوز به الكيل والوزن، وهو مجهولٌ، فربَّما يزيد أو ينقص، فما لم يكل لنفسه أو يزن لا يمتاز المبيع عن غيره، فكان المبيع مجهولاً فيفسد البيع. ولأنّ أصل القبض شرط جواز التّصرّف في المبيع، فكان تمام القبض شرطاً أيضاً. والكيلُ والوزن فيما بيع كيلاً ووزناً من تمام القبض، لأنّ القَدْر المقصود عليه فيما بيع كيلاً ووزناً حتّى يلزمه ردّ الزيادة إن زاد، ونقص الثّمن بحِصته إن نقص. والقبض غير معتبرٍ لتوهم الزّيادة والنقصان.

ولا معتبر بكيل البائع قبل البيع وإن كان يحضره المشتري، لأن الشرط صاع البائع والمشتري، ولم يوجد. ولو كاله البائع (بعد البيع) بحضرة المشتري، قيل: لا يكفي لظاهر ما روينا. والصحيح أنه يكفي، وعليه الجمهور، إذ الغرض منه إعلام المبيع وافرازه، وذا حاصلٌ بالكيل مرةً. والحديث محمولٌ على بيع العين ممّا كان مكيلاً مكايلة بعدما اشتراه فإنه يحتاج إلى كيلين والعددي المتقارب كالجوز والبيض، كالموزون في أظهر الرّوايتين عن أبي حنيفة. وقالا: هو كالمذروع، وهو رواية عنه إذ لا يجري الرِّبا بين المعدودَين كما لا يجري بين المذروعيْن.

(وَكُرِهَ) (وهو رواية) عندنا وعند الشَّافعيّ (النَّجَشُ) ـ بفتح النون والجيم ويسكن ـ وهو أن يزيد في الثَّمن ولا يريد الشّراء بل يُرَّغِبُ غيره. (وَ) كُرِهَ (السَّوْمُ) أي سوم الشخص السلعة وهو طلبها بالثمن (عَلَى سَوْمِ غَيْرِهِ إذَا رَضِيَا) أي ربّ السّلعة والذي سام أولاً (بِثَمَنٍ) قيّد به لأنّهما لو لم يرضيا بثمنٍ فلا بأس به، لأنّه بيع مَنْ يزيد. (وَ) كُرِهَ (تَلَقِّي الجَلَبِ) أي المجلوب وهو ما يُجَاء به من بلد إلى بلد للتّجارة (المُضِرُّ بأَهْلِ البَلَدِ) قيّد بأهل البلد لأنّ الذي لا يضرّ بهم لا بأس به إلاّ إذا لُبِّسَ السعر على الجالبين.
(
وَ) كُره بيع (الحَاضِرِ لِلْبَادِي زَمَانَ القَحْطِ) وهو أن يجلب البادي السلعة فيأخذها الحاضر ليبيعها له بعد وقتٍ بأعلى من السعر الموجود وقت الجلب. وقيل: هو أن يجيء البادي بالطعام إلى المِصْرِ فلا يتركه السمسار الحاضر يبيعه (بنفسه، بل يتوكّل عليه ويبيعه)، ويغلّي على النَّاس السعر. وإنّما نُهِيَ عنه لأنّه لو تركه يبيعه بنفسه لربّما رخَّص السّعر. وقيل: هو أنْ يكون أهل البلد في قحطٍ وهو يبيع من أهل البدو طَمَعاً في الثَّمن الغالي، وعلى هذا فاللام بمعنى مِن.
روى الشيخان من حديث أبي هُرَيْرَةَ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن تَلَقِّي الرُّكْبَان، وأن يبيع حاضرٌ لبادٍ، وأن تسأل المرأة طلاق أختها، وعن النَّجَشِ، والتَّصْرِيَةِ، وأن يَسْتَامَ الرُّجل على سوم أخيه. ورويا أيضاً عن طَاوُس، عن ابن عبّاس قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُتلقّى الركبان، وأن يبيع حاضرٌ لبادٍ. قال: قلت لابن عباس: ما قوله حاضرٌ لبادٍ؟ قال: لا يكون له سمساراً.

(
وَ) كُرِهَ (الَبْيَعُ وَقْتَ النِّدَاءِ) للجمعة، لقوله تعالى: {وَذَرُوا البَيْعَ}

، ولأنّ فيه إخلالاً بالواجب وهو السعي إذا قعدا للبيع أو وقفا له. قيل: ولو تبايعا وهما يمشيان، لا بأس به، وهذا مُشْكِل فإنّ الله تعالى قد نهى عن البيع مطلقاً. ثم المعتبر هو النِّداء الأول إِذا وقع بعد الزَّوال على المختار. وإنّما كُرِهَ البيع في جميع هذه الصور ولم يفسد خلافاً لمالك، لأنّ النهي عنها لمعنًى مجاورٍ للبيع لا في صلبه، ولا في شرطِ صحته. والنهي الوارد لمعنى مجاورٍ لا يقتضي الفساد، بل يقتضي الكراهة.
(
وَ) كره تحريماً (تَفْرِيقُ صَغِيرٍ) أي غير بالغٍ (عَنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ) سواء كان صغيراً أو كبيراً، بِبَيْعٍ وغيره، لِمَا روى الترمذي في البيوع وفي السِّيَر، ـ وقال: حسنٌ غريبٌ ـ عن أبي أيُّوب الأنْصَارِيّ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من فرّق بين والدة وولدها، فرّق اللهاُ بينه وبين أحبّته يوم القيامة».
ورواه أحمد في «مسنده» بزيادة قصّة فيه ولفظه: عن أبي عبد الرحمن الحُبُليّ قال: كنّا في البحر وعلينا عبد الله بن قَيْس الفَزَارِيّ، ومعنا أبو أيُّوب الأنصاريّ، فمرّ بصاحب المَقَاسِم وقد أقام السبيّ، فإذا امرأةٌ تبكي فقال: ما شأن هذه؟ قالوا: فرّقوا بينها وبين ولدها، فانطلق أبو أيوب فأتى بولدها حتّى وضعه في يدها، (فانطلق صاحب المَقَاسم إلى عبد الله بن قيس فأخبره)، فأرسل إليه عبد الله بن قَيْس فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من فرّق...». الحديث.

وفي «المعرفة» للبَيْهَقِيّ بسنده، عن جَعْفَرِ بن محمد، عن أبيه، عن جده، أنّ أبا أُسَيْد جاء إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِسَبْيٍ من البحرين فنظر عليه الصلاة والسلام إلى امرأة منهنّ تبكي فقال: «ما شأنُكِ؟» قالت: باع ابني، فقال عليه الصلاة والسلام لأبي أُسَيْد: «أَبِعْتَ ابنها»؟ قال: نعم. قال: «فيمن»؟ قال: في بني عَبْس. فقال عليه الصلاة والسلام: «اركب بنفسك فَأْتِ به».
وروى الدَّارَقُطْنِيّ في «سننه» عن أبي موسى قال: لعنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من فرّق بين الوالدة وولدها، وبين الأخ وأخيه. وروى ابن ماجه والترمذي ـ وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ ـ، عن عليّ ابن أبي طالب، قال: وهب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غلامين أخوين، فبعت أحدهما، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عليّ ما فعل غلاماك؟». فأخبرته، فقال: «ردّه ردّه». وفي «سنن الدَّارَقُطْنِي» «والمستدرك» عن عليّ قال: قَدِمَ على النبيّ صلى الله عليه وسلم سَبْيٌ، فأمرني ببيع أخويْن فبعتهما وفرّقت بينهما، ثم أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: «أدركهما فارتجعهما وبعهما جميعاً، ولا تفرّق بينهما». قال الحاكم: صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرّجاه. ولأنّ الصغير يَستأنس بالصغير وبالكبير، والكبير يُشفق على الصغير ويقوم بحوائجه للشفقة الثابتة من قرب القرابة، ففي التفريق بينهما إيحاش الصغير وترك الترحّم عليه، وهو منهيٌّ عنه.

ثم المنع من التّفريق معللٌ بالصّغر والقرابة المُحَرِّمَة للنِّكاح، فلا يدخل فيه الكبيران، لأنّ كل واحدٍ منهما يقوم بحوائجه ولا يستأنس بالآخَر عادةً، بل ربّما يتأذّى به. ولأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم فرّق بين مارية وسيرين، وكانتا أمَتَيْنِ أختيْن كبيرتيْن. وسيرين بالسين المهملة على ما ذكره ابن الهُمَام. ولا مَحْرَمٌ غيرُ قريبٍ كامرأة الأب، ولا قريبٌ غيرُ مَحْرَمٍ كابن العمّ، ولا الزوجان وإن كانا صغيرين لعدم هذه القرابة. ولو اجتمع مع الصغير عددٌ من أقاربه، لا يُفَرَّقُ بينه وبين أحدٍ سواء اختلفت جهة القرابة كالعمّ والخال، أو اتّحدت كخالين عند أبي يوسف، لأنه يَسْتَوحِشُ بفراق الكلّ. وقيل: لو اتّحدت الجهة يُتْرَكُ واحدٌ ويُفَرِّقُ بينه وبين الباقي إن شاء. أمّا لو اجتمع مع أبويه، فلا يفرّق بينه وبين واحدٍ منهما، لأنه لا يُسْتَغْنَى بأحدهما عن الآخر.
وفي «شرح الوافي»: مَسْبِيَّةٌ معها صبيّ ادّعت أنه ابنها، لا يثبت نسبه منها لأنها تحمل النَّسب على الغير، ولا يُفَرَّقُ لأنّ قول الواحد مقبولٌ في الديانات خصوصاً فيما يُبْنىَ على الاحتياط.
وإذا وقع تفريق بين صغيرٍ وذي رَحمٍ مَحْرَمٍ منه ببيع، نفذ في الكلِّ عند أبي حنيفة ومحمد، وهو قول للشافعيّ. وعن أبي يوسف: لا يجوز في قرابة الولاد لقوتها، ويجوز في قرابة غيرها لضعفها، وهو الأصحّ في مذهب الشّافعيّ. وقال مالك: لا يجوز في الأمّ فقط، وعن أبي يوسف أيضاً، وهو قول أحمد: لا يجوز في الكلّ، لأنّ الأمر بالردّ في الحديث السابق لا يكون إلاّ في البيع الفاسد، وهو قول الحسن بن زياد. وذكر الطَّحَاويّ قول محمد مع أبي يوسف. وذكره الكَرْخِيّ مع أبي حنيفة رحمه الله.

ولأبي حنيفة رحمه الله: أنّ ركن البيع صَدَر من أهله مضافاً إلى محله فينفذ، والنهي عن بيع أحدهما لمعنى مجاورٍ للبيع غير متصلٍ به، وهو الإضرار بالصغير، فلا يفسُد العقد كالنهيّ عن السَّوْم على سَوْم غيره.
(
لاَ بَيْعَ مَنْ يَزِيدُ) أي لا يكره، لِمَا روى أصحاب «السنن الأربعة»، عن أنس بن مالك: أنّ رجلاً من الأنصار أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال: «أما في بيتك شيءٌ»؟ قال: بلى، حِلْسٌ ـ أي كساء ـ نَلْبَسُ بعضه ونبسط بعضه، وقَعْبٌ ـ أي قدح ـ نشرب فيه الماء. قال: «ائتني بهما»، فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «مَنْ يشتري هذين؟» فقال رجل: أنا آخذهما بدرهم. قال: «من يزيد على درهم» مرتين أو ثلاثاً ـ قال رجلٌ: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه فأخذ الدّرهمين فأعطاهما الأنصاريّ. وقال: «اشترِ بأحدهما طعاماً فانبذه إلى أهلك، واشترِ بالآخر قَدُوماً فائتني به»، فأتاه به فشدّ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عُوداً بيده ثمّ قال: «اذهب فاحتطب وبع، ولا أرَينَّك خمسة عشر يوماً». فذهب الرّجل يحتطب ويبيع، فجاءه وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا خيرٌ لك من أن تجيء المسألةُ نُكْتَةً في وجهك يوم القيامة».

قال الزَّيْلَعِيّ في «شرح الكنز»: ومن مشايخ بُخَارَى مَنْ جعل بيع الوفاء، كبيع المُكَره، منهم الإمام ظهير الدّين، والصدر الشهيد حُسَام الدِّين، والصدر السعيد تاج الإسلام. وصورته: أن يقول البائع للمشتري: بعت منك هذه العين بدينٍ لك، على أَني متى قضيت الدّين فهو لي. فجعلوه فاسداً باعتبار شَرْط الفسخ عند القدرة على إيفاء الدين، فيفيد الملك عند اتصال القبض وينقض بيع المشتري كبيع المُكْره، لأنّ الفساد باعتبار عدم الرِّضا فكان حكمه كحكم بيع المكره في جميع ما ذكرنا.

ومنهم مَنْ جعله رهناً، منهم: السيد الإمام أبو شجاع، وعليّ السُّغْدِيّ، والإمام القاضي الحسن المَاتُرِيدِي. قالوا: لَمّا شرط عليه أخذه عند قضاء الدين كان بمعنى الرّهن، لأنه هو الذي يُؤْخَذُ عند قضاء الدّين، والعبرة في العقود للمعاني دون الألفاظ، حتّى جُعِلَت الكَفَالَة بشرط براءة الأصيل حَوَالَة، وبالعكس كفالة، والاستصناع عند ضَرْب الأجل سَلَماً، فإذا كان رهناً لا يملكه ولا ينتفع به. وأيّ شيءٍ أُكِلَ من زوائده يضمن ويستردّه عند قضاء الدين. ولو استأجره البائع، لا تلزمه أجرته، كالرّاهن إذا استأجر المرهون وانتفع به وسقط الدين بهلاكه، فيثبت به جميع أحكام الرّهن. ومن مشايخ سَمَرْقَنْد من جعله بيعاً جائزاً مفيداً بعض أحكامه، منهم الإمام نجم الدين النَّسَفِيّ، فقال: اتّفق مشايخنا في هذا الزَّمان فجعلوه بيعاً جائزاً مفيداً لبعض الأحكام ـ وهو الانتفاع به ـ دون البعض، وهو البيع لحاجة النّاس إليه ولتعاملهم فيه، والقواعد قد تترك بالتعامل. وجوّز الاستصناع لذلك، وقال صاحب «النهاية»: وعليه الفتوى.
ومن المشايخ من جعله باطلاً واعتبره بالهازل. وقال في «الكافي»: والصحيح أنّ العقد الذي جرى بينهما إن كان بلفظ البيع لا يكون رهناً، ثم ينظر إِن كانا اشترطا الفسخ في البيع، فسد البيع وإن لم يذكرا ذلك في البيع، وتلفظا بلفظ البيع بشرط الوفاء أو بالبيع الجائز. وعندهما: هذا البيع عبارة عن بيعٍ غير لازمٍ فكذلك. وإن ذكرا البيع من غير شرطٍ ثم ذكرا الشرط على وجه الميعاد جاز البيع، ويلزمه الوفاء بالميعاد، لأنّ المواعيد قد تكون لازمةً.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العِدَةُ دينٌ». فيجعل هذا الميعاد لازماً لحاجة النّاس إليه. وقال جلال الدين في «حواشي الهداية»: وصورته أن يقول البائع للمشتري: بعت منك هذه العين بألفِ درهمٍ على أني لو دفعت إليك ثمنك تدفع العين إليّ. ثم قال: ويُسمّى هذا بيع الوفاء، وهذا البيع موجودٌ في المِصْر يُتَعَامَلُ به ويسمّونه بيع الأمانة. والله تعالى أعلم.

فصلٌ الإقَالَةُ
(
الإقالَةُ) مندوبة لِمَا في «سنن أبي داود وابن ماجه»، عن أبي هُرَيْرَةَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَن أقال مسلماً بيعتَهُ، أقال اللهاُ عثرتَه». زاد ابن ماجه: «يوم القيامة». وفي رواية البَيْهَقِيّ: «من أقال نادماً». وهي تصح بايجابٍ كـ: أقلتك، وقَبُولٍ في المجلس من الآخر، وبتعاطٍ أيضاً. (فَسْخٌ في حَقِّ المُتَعَاقِدَيْنِ) عند أبي حنيفة إلا أن لا يمكن جعلها فسخاً (فَتَبْطُلُ) الإقالة (بَعْدَ وِلاَدَةِ المَبِيعَةِ) بعد القبض، لأنّ الزّيادة المنفصلة تمنع الفسخ بخلاف المتَّصلة عند أبي حنيفة رحمه الله (وَبَيْعٌ) جديدٌ (في حَقِّ الثَّالِثِ) إنْ وُجِدَ كالشفيع، (فَيَجِبُ بها)
أي بالإقالة (الشُّفْعَةُ) للشفيع الذي سُلِّمَ الشُّفْعَة في البيع لأنه ثالثٌ، وكذا الاستبراء في إقالة الأَمة.
وقال أبو يوسف، والشافعيّ في القديم، ومالك: بيع في حقّ الكل بعد القبض (إلاّ إذا تعذّر جعلها بيعاً، بأن كانت قبل القبض في المنقول، أو كانت بعد هلاك أحد العِوَضيْن في المقايضة، فيجعلها أبو يوسف) فسخاً إلاّ إذا تعذّر جعلُها فسخاً بأن تقايلا قبل القبض في المنقول على خلاف الجنس أو المقدار، فتبطل الإقالة، لأن بيع المنقول قبل القبض لا يجوز، والفسخ يكون بالثَّمن الأوّل وقد سمّيا ثمناً آخر، فتبطل الإقالة ويبقى البيع الأول على حاله.

وقال محمد والشّافعي في الجديد، وزُفَرُ: فسخٌ في حقّ الكلّ إن كانت بالثّمن الأوّل أو بأقلّ، إلاّ إذا تعذَّر جعلها فسخاً (بأن تقايلا بعد القبض بالثّمن الأول بعد الزِّيادة المنفصلة، أو تقايلا بعد القبض بخلاف جنس الثَّمن الأوّل، فيجعل بيعاً إلاّ إذا تعذّر جعلها بيعاً بأن تقايلا قبل القبض في المنقول على خلاف الجنس أو المقدار)، فتبطل الإقالة ويبقى البيع على حاله.
(
وَصَحَّتْ) الإقالة (بِمِثْلِ الثَّمَنِ الأوّلِ) جنساً وقدراً (وإنْ شَرَطَ غَيْرَ جِنْسِهِ) كما لو كان الثَّمن دراهم وأقال على دنانير، لأنّ غير جنس الثَّمن ليس ثابتاً في المفسوخ ورفع ما ليس ثابتاً محالٌ، فيكون تسمية غير جنس الثَّمن في الإقالة شرطاً فاسداً، والإقالة لا تبطل بالشُّروط الفاسدة، (أوْ) إنْ شَرَطَ (أكْثَرَ مِنْه) أي من الثَّمن لأنّ الزِّيادة يتعذّر الفسخ عليها، لأنّها لم تكن ثابتة في المفسوخ، فيكون تسميتها شرطاً فاسداً فيلغو. وهذا يؤيد قول أبي حنيفة ومحمد: أَنّ الإقالة فسخٌ، إذ لو كانت بيعاً لبطلت بالشرط الفاسد كالبيع.

(وكذا) تصحُّ الإِقالة بِمثل الثمن الأَوّل وإِن شَرَط (الأَقلّ)، فلو تقايلا بخمس مئة والمبيع بحاله لم يتعيّب وكان الثمن أَلفاً صحت الإِقالة بأَلف، لأَنه لا يمكنُ تصحيحُهما بخمس مئة فيبطُل ذكر الخمس مئة، وتبقى الإِقالة، فيجب على البائع ردّ الأَلف على المشتري (إِلاَّ إِذا تعيَّب) المبيع: بأَن حدث به عيبٌ عند المشتري، فإنّ الإقالة تصحّ بالأقلّ حينئذٍ ويكون المحطوط من الثَّمن بإزاء العيب، وهذا كله عند أبي حنيفة. وأمّا عندهما، ففي أكثر من الثّمن يكون بيعاً، لأن البيع أصلٌ عند أبي يوسف وكان جعلها بيعاً ممكناً، وبالزيادة ظهر قصد البيع فيجعل بيعاً عند محمد، وكذا في أقلّ من الثّمن يكون بيعاً عند أبي يوسف لأنّه الأصل عنده، وفسخاً بالثّمن الأوّل عند محمد لأنه سكوت عن بعض الثَّمن الأوَّل، وهو لو أقال وسكت عن الثَّمن الأوَّل يكون فسخاً، فهذا أحقّ.
(
وَلَمْ يَمْنَعْهَا) أي الإقالة (هَلاَكُ الثَّمَنِ بَلْ) يمنعها (هَلاَكُ المَبِيعِ) لأنّ الإقالة رفع البيع، ورفعه يستدعي قيامه، وقيامه بالمبيع دون الثّمن. ولهذا لو هلك المبيع قبل القبض يبطل البيع، ولو هلك الثمن قبله لا يبطل. (وَهَلاَكُ بَعْضِهُ) أي المبيع (يَمْنَعُ) من الإقالة (بقدره) اعتباراً للجزء بالكلّ، فتجوز الإقالة في الباقي، ويمتنع في الهالك. ولو باع بشرط الإقالة، إذا ردّ البائع الثَّمن عند أكثر المشايخ له حكم الرَّهن، فلا يباح للمشتري أن ينتفع به بدون إذن البائع، ويسقط الدّين بهلاكه. وعند بعض المشايخ: هو باطلٌ لأنّه تلاعب.

وقال نجم الدين النَّسَفِي : اتّفق مشايخنا في هذا الزَّمان على جوازه لحاجة النّاس إليه وتعاملهم به، والقواعد قد تترك بالتعامل كما في الاستصناع. وفي «النهاية»: وعليه الفتوى. وفي «الخَانِيَّة»: الصحيح أنّ العقد إن كان بلفظ البيع لا يكون رهناً، ثم ينظر فإنْ ذُكِرَ الشرط فيه يفسد، وإن ذُكِرَ قبله أو بعده على وجه المواعدة يصحّ العقد، ويلزم الوفاء بالعهد لحاجة الناس.

فصلٌ

(
في التَّوْلِيَةِ والمُرَابَحَةِ)
(
التَّوْلِيَةُ) لُغَةً: جعل الشيء والياً لغيره.
وشرعاً: (أنْ يَشْتَرِطَ) البائع (في البَيْعِ أنّهُ بِمَا شَرَى) أَي بقدره وجنسه لا بنفسه، لأنّ نفس ما شرى به صار ملكاً للبائع الأوَّل، فلا يمكن البيع به إلاّ إذ صار ملكاً للمشتري. ولو قال: «بما قام عليه» بدل قوله: «بما شرى»، لكان أولى، لأنّ الصبغ والقِصَارة ونحوهما يُضَمُّ إلى الثَّمن الأوّل (والمُرَابَحَةُ بِهِ) أي بما شرى، فهي أن يشترط البائع في البيع أنّه بما شرى (مَعَ فَضْلٍ) وأمّا إذا كان بأقلّ من الثَّمن فوضيعةٌ. وهما بيعان جائزان لتعامل النّاس بهما من غير نكير، ولِمَا روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه»، عن مَعْمَر، عن رَبِيعَة ابن أبي عبد الرّحمنِ، عن سعيد بن المُسَيَّبِ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «التَّوْلِيَةُ، والإقَالَةُ، والشَّرِكَةُ سواءٌ لا بأس به». وروى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه»، عن الحسن وابن سيرين وطاوس أنهّم قالوا: التَّوْلِيَةُ بيعٌ.

وفي البخاري عن عائشة أنّ أبا بكرٍ قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: خذ بأبي أنت وأمي (يا رسول الله) إحدى راحلتيّ هاتين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بالثَّمن». وفي «سيرة ابن إسحاق»: فلمّا قرّب أبو بكر رضي الله عنه الرَّاحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدّم أفضلهما، ثم قال: اركب فداك أبي وأمي يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لا أركب بعيراً ليس لي». فقال: هي لك يا رسول الله. قال: «لا، ولكن بالثَّمن الذي ابتعتها به». قال: كذا وكذا، قال: «أخذتها بذلك». قال: هي لك يا رسول الله، فركبا وانطلقا.
وفي «طبقات ابن سعد»: وكان أبو بكر قد اشتراهما من نَعَمِ بني قشير بثمان مئة درهمٍ، فأخذ إحداهما وهي القصوى. ولأنّ شرائط الجواز متحقّقة فيهما، وقد مسّت الحاجة إليهما، لأن غير الفَطِن في الشِّراء يحتاج إلى أنْ يعتمد على فعل الماهر فيه، فيشتري عنه بمثل ما اشترى وبزيادة ربحٍ، لئلا يُغْبَنَ بأكثر ممّا لو لم يعتمد على فعله، ولهذا كان مبناهما على الأمانة والاحتراز عن التّهمةِ والخيانة، إذ لو لم يبنيا على ذلك فات المقصود.

(وشَرْطُهُمَا) أي المُرَابَحِةِ والتّوْلِيَةِ، وكذا الوضيعة (شِرَاؤُهُ) أي شراء البائع المبيع (بِمثْلِيّ) أي كيليّ، أو وزنيّ، أو عدديّ متقارب، (وَلَهُ) أي للبائع (ضَمُّ أجْرَةِ القِصَارَةِ وَالحَمْلِ وَنَحْوِهِمَا) أي نحو القِصَارة ممّا زاد في عين المبيع، ونحو الحمل مما زاد في قيمته، لأنّ ما زاد في عين الشيء أو في قيمته ملحقٌ به. وإنّما كان الحمل مما يزيد في قيمة المبيع، لأنّ القيمة تختلف باختلاف المكان فيضمّ أجر الفَتْل والطِّرَاز والصَّبْغ والغسل والخياطة ونحوها. والأَصل أَنَّ ما جرى عُرْف التجّار على إِلحاقه برأس المال يُلحق به، وما لا فلا. وأَما أُجرة الدَّلاّل فلا تضم اتفاقاً، وتضم نفقة المبيع وكسوته لا نفقة المشتري على نفسه في سفره من وقت شرائه للمبيع. وقيّد بالأُجرة لأَنه لو فعل القصارة أو الحمل أَو نحوهما بيده لا يُضم.

(
وَيَقُولُ: قَامَ عَلَيّ بِكَذَا) ولا يقول: شريت بكذا، تحرّزاً عن الكذب، إذ المُشْتَرى به ما ذُكِرَ ثمناً في العقد. ((فَإنْ ظَهَرَ خِيَانَتُهُ في المُرَابَحَةِ)) بإقرار البائع أو بالبينة أو بنكوله عن اليمين وقد ادّعاها المشتري (أَخَذَهُ) أَي المبيع (بِثَمَنِهِ) كلّه (أوْ رَدَّهُ) بالفسخ.
(
وَ) إنْ ظهر له خيانةٌ (في التَّوْلِيَةِ حُطَّ) قَدْر الخيانة من الثَّمن ولا يُفْسَخ، هذا عند أبي حنيفة، (وَعِنْدَ أبِي يُوسُفَ حُطَّ فِيهِمَا) أي في المُرَابَحَةِ والتَّوّلِيَةِ، وهو قول الشّافعي في «المختصر» وأحمد (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) وهو قولٌ للشَّافعيّ (خُيِّرَ فِيهِمَا) بين الأخذ بكل الثَّمن والفسخ. ولو اشترى بألفٍ مؤجَّلَةٍ، وباع بربح مئة، أو باع توليةً بلا بيانٍ، خُيِّرَ المشتري بين أخذه بكلّ الثَّمن وبين رَدّه اتفاقاً.

وفي «المُحِيطِ»: من اشترى شيئاً وصار مغبوناً غبناً فاحشاً، له أن يردّه على البائع بحكم الغبن. وقال القاضي أبو عليّ النَّسَفِيّ: فيه روايتان عن أصحابنا ويُفْتَى برواية الرَّدِّ رفقاً بالناس. وكان صدر الإسلام أبو اليُسْر يفتي بأنّ البائع إن قال للمشتري: قيمة متاعي كذا، أو قال: متاعي يساوي كذا، فاشترى بناءً على ذلك فظهر بخلافه، له الرّدّ بحكم التغرير. وإن لم يقل ذلك، فليس له الرّدّ. وبعضهم لا يفتون بالرّدّ بكلّ حالٍ. والصحيح أن يُفْتَى بالرّدّ إذا وُجِدَ التغرير، وبدونه لا يُفْتَى. والله تعالى أعلم.

فصل ٌ في الرِّبا
(
الرِّبَا) لغةً: الفضل والزيادة. يقال هذا يربو على هذا، أي يفضُل، ومنه قوله تعالى: {وَمَا ءَاتَيتُمْ مِنْ رباً لِيَرْبُوَا في أمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ}، وسُمِّيَ المكان المرتفع رَبوةً لفضله على سائر البقاع.
وشرعاً: (فَضْلٌ خَالٍ عَنْ عِوَضٍ) أي لا يقابله عوض في معاوضة مالٍ بمالٍ (شُرِطَ لأحَدِ المُتَعَاقِدَيْنِ في المُعَاوَضَةِ).
في «شرح الوِقَاية»: أي فَضْلَ أحد المتجانسين على الآخر بالمعيار الشرعيّ، أي الكيل والوزن. فَفَضْل قَفِيزَي شعيرٍ على قفيز بُرَ لا يكون رباً، وكذا فضل عشرة أذرعٍ من الثوب الهروي على خمسة أذرعٍ منه لا يكون رباً. وقال: خالٍ عن عِوَضٍ، ليحترز عن بيع كُرِّ بُرَ وكُرّ شعيرٍ بكُرّي بُرَ وكُرّي شعيرٍ، فإن للثاني فضلاً عن الأول ، لكنّه غير خالٍ عن العوض بصرف الجنس إلى خلاف الجنس. وقال: شُرِطَ لأحد المتعاقدين، لأنه لو شُرِطَ لغيرهما لا يكون رباً. وقال: في المعاوضة، لأنّ الفضل الخالي عن العوض الذي في الهبة ليس برباً. انتهى.

وفي «جمع العلوم»: الرِّبا شرعاً: عبارة عن عقدٍ فاسدٍ وإن لم يكن فيه زيادة، لأنّ بيع الدّرهم بالدّرهم نَسَاءً ربا وإن لم يتحقق فيه الزِّيادة. أقول: ولا يبعد عدّ النَّساء زيادةً مجازاً.
ثم ثبوت حرمة الرّبا بالكتاب نحو قوله تعالى: {لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا}. وبالسَّنَّةِ نحو ما رواه أحمد وأبو داود من حديث ابن مسعود: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن آكل الرّبا ومُؤْكِلَهُ وشاهدَه وكاتِبَه. وبإجماع الأَمَّة. قال الإِسْبِيجَابِيّ: اتفقوا على أنه إذا أنكر ربا النَّسَاء يكفر، واختلفوا في ربا الفضل، فإن ابن عباس لا يرى الرّبا إلاّ في النَّسِيئة. وعنه أنه رجع إلى قول غيره.
والحاصل:
أنّ الأصل في حُرمة الربا قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}، ومعناه اللُّغَويّ: الذي هو مطلق الفضل. والزيادة ليست مراداً بالإجماع، فكان النَّصُ مجملاً وقد ورد بيانه بقوله عليه السلام: «الذَّهب بالذَّهبِ، والفضةُ بالفضة، والبُرُّ بالبُرِّ، والشعيرُ بالشعير، والتَّمرُ بالتَّمر، والملحُ بالملح، مثلا بمثلٍ، سواءً بسواءٍ، يداً بيدٍ، فإن اختلفت هذه الأصنافُ فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيدٍ». رواه الستة من حديث عُبَادة بن الصَّامت إلاّ البخاريّ. وأخرجه مسلمٌ عن أبي سعيد الخُدْرِيّ عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله سواء، وزاد بعد قوله: «يداً بيدٍ»: «فمن زاد أو استزاد، فقد أربى، الآخِذُ والمُعْطِي فيه سواءٌ». والتقدير في هذه الرِّواية: بيعوا مثلاً بمثل.

وروى محمد بن الحسن في أول بيوع «الأصل» قال: حدّثنا أبو حنيفة عن عَطِيّة العَوْفِي، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الذَّهبُ بالذَّهب مثلاً بمثلٍ يداً بيدٍ، والفضل ربا، والفضةُ بالفضة. مثلاً بمثلٍ، يداً بيدٍ، والفضل ربا»، وهكذا إلى آخر الأشياء الستة. فالتقدير بيعها مثلاً بمثلٍ، أو يباع مثلاً بمثلٍ، وهو خبرٌ بمعنى الأمر بل آكَدٌ منه تحقيقاً لمعنى البيع.
وفي روايةٍ لأبي داود عن عُبَادة بن الصَّامت أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الذّهبُ بالذّهب تِبْرُها وعَيْنُها، والفضة بالفضة تِبْرُها وعَيْنُها، والبُرُّ بالبُرِّ مُدْيٌ بمُدْيٍ، (والشعيرُ بالشعير مُدْيٌ بمُدْيٍ)، والتَّمْرُ بالتَّمْر مُدْيٌ بمُدْي، والملحُ بالملح مُدْيٌ بمُدْيٍ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، ولا بأس ببيع الذهب بالفضة، والفضة أكثرهما يداً بيد، وأمّا نسيئةً فلا، ولا بأس ببيع البُر بالشعير، والشعير أكثرهما يداً بيدٍ، وأمّا نسيئة فلا». وفي «القاموس»: المُدْيُ: ـ بضم ـ مكيال الشام ومصر، وهو غير المُدّ، جمعه أمْدَاء.
وبرواية الطَّحَاويّ عنه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبيعوا الذَّهبَ بالذَّهب ولا الوَرِقَ بالوَرِقِ، ولا البُرَّ بالبُّرِ، ولا الشعيرَ بالشعير، (ولا التّمرَ بالتّمر)، ولا الملحَ بالملح إلاّ سواءً بسواءٍ، عيناً بعينٍ، ولكن بيعوا الذَّهبَ بالوَرِقِ، والوَرِقَ بالذَّهب، والبُرَّ بالشعير، والشعيرَ بالبُرِّ، والتّمرَ بالمِلْح، والمِلْحَ بالتّمر، يداً بيدٍ كيف شئتم». وقد اتّفق القائسون أنّ الحكم ليس مقصوراً على الأشياء الستة بل النَّص معلّلٌ بالاتفاق خلافاً لداود الظاهري نافي القياس، وعثمان البَتِّيّ. لكن اختلفوا في العلّة، فقال علماؤنا:

(وَعلَّتُهُ) أي علَّة وجوب المساواة وحرمة الفضل، أو علة كون المال رِبَوِيّاً (القَدْرُ: أي الكَيْلُ أوْ الوَزْنُ مَعَ الجِنْسِ) فَلاَ ربا فيما لا يدخل تحت كَيلٍ أو وزنٍ، كالحَفْنَةِ من القمح، والذَّرَّة من الذَّهب، ولا في مكيلٍ أو موزونٍ مع خلاف جنسه، وبه قال أحمد في رواية.
وقال مالك: علَّتُه الاقتيات والإدّخار مع الجنس، لأنّه صلى الله عليه وسلم خَصَّ بالذّكر كل مقتاتٍ ومُدَّخَرٍ. وقال الشّافعيّ في القديم: علته الطُّعم مع الكيل أو الوزن؛ وفي الجديد: علته الطُّعم في الأشياء الأربعة، والثَّمنيّة في الذَّهب والفضة، والجنسية شرطٌ لا تعمل العلّة بدونه، وبه قال مالك وأحمد في رواية، لِمَا روى مسلم من حديث مَعْمَر بن عبد الله أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «الطَّعَامُ بالطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ».

وفي رواية «لا تبيعوا الطَّعامَ بالطَّعام إلاّ مِثْلاً بمثلٍ»، وفي رواية: «إلاّ سواءً بسواءٍ». ونَصبهما على الحال. ووجه الدَّلالة: أن الطَّعام مشتقٌ من الطعم ومتى ترتّب الحكم على اسمٍ مشتقٍ كان مأخذ الاشتقاق علّة له. والطَّعْمُ بالفتح: ما يؤدِّيه الذَّوق من حلاوةٍ ومرارةٍ وما بينهما. وبالضمّ: الطَّعام.
ولنا ما رُوِّينَا عن أبي سعيد الخُدْري وغيره قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذّهبُ بالذّهب، والفِضَّةُ بالفضة» إلى أن قال: «مِثْلاً بِمِثْلٍ...» الحديثَ. ووجه الدَّلالة أنّه صلى الله عليه وسلم أوجب المماثلة في الجنس الواحد تتميماً للفائدة في حقّ العاقديّن، إذ لو كان أحدُ العِوَضَيْن أقلّ من الآخر لكانت الفائدة تامّة لأحد العاقديْن دون الآخر. والمماثلة باعتبار الصورة القَدْرُ، وباعتبار المعنى الجِنْسُ.

وروى الشيخان عن سعيد بن المُسَيَّب أنّ أبا سعيد الخُدْرِيّ وأبا هُرَيْرَة حدّثاه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سَوَادَ بن غَزِيَّة وأمّره على خَيْبَرَ. فَقَدِمَ عليه بتمرٍ جَنِيبٍ ـ يعني طيبِ ـ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَكُلُّ تمر خَيْبَرَ هكذا»؟ قال: لا والله يا رسول الله إنّا نشتري الصَّاع بالصَّاعين، والصَّاعين بالثلاثة من الجَمْعِ. فقال صلى الله عليه وسلم: «لا تفعل، ولكن بع هذا، واشترِ بثمنه من هذا، وكذلك الميزان» . انتهى. والجَمْعُ: تمرٌ رديءٌ مخلوطٌ.
وفي رواية لهما: قال أبو سعيد: جاء بلالٌ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بتمر بَرْنِي. فقال: «من أين هذا»؟ قال: كان عندنا تمرٌ رديءٌ فبعت منه صاعين بصاعٍ. فقال: «أوْهِ عينُ الرِّبا. لا تفعل، ولكن إذا أردت أنْ تشتري التمر فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به. ووجه الدَّلالة أنه اشترط في الجنس المماثلة، وهي لا تتحقق إلاّ بالكيل (أو الوزن)، ثم (قاس عليه الميزان، أي ما يدخل تحت الوزن. لكن) قال البيهقي: الأشبه أنّ قوله: «وكذلك الميزان» من قول أبي سعيد. انتهى.
والظاهر أنّه مرفوعٌ لِمَا في الصحيحين: «لا تفعل بِع الجَمْع بالدّراهم، ثم ابتع بالدّراهم جَنِيباً». وقال: «في الميزان مثل ذلك». فإنّ ضمير «قال» إمّا إليه صلى الله عليه وسلم، فهو ظاهرٌ، وإمّا إلى أبي سعيد، فيُفِد أنه نقل في الميزان مثلما نقل في المكيال. والله تعالى أعلم بالأحوال. وفي «الكفاية»: اختلاف الجنس يعرف باختلاف الاسم والمقصود. فالحِنْطَة والشعير جنسان عندنا وعند الشافعي لكونهما مختلفين اسماً ومعنًى. وعند مالك جنسٌ واحدٌ.

(وَالبُرُّ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالمِلْحُ كَيْلِيٌّ) وإن ترك النّاس الكيل فيه (والذَّهَبُ وَالفِضَّةُ وَزْنِيّ) وإن ترك النّاس الوزن فيه (وَغَيْرُهَا) أي غير المذكورات. وفي نسخة أُخْرَى: وغيرهما، أي غير ما ذكرناه من كَيْلِيّ ووزنيّ (عَلَى العُرْفِ) يُبْنَى عملاً بالأدنى عند عدم الأقوى. وعن أبي يوسف: أنّ العُرْفَ يعتبر فيهما أيضاً، لأنّ النّص فيهما إنّما كان لأنّه العادة في ذلك الوقت، فكانت العادة هي المنظور إليها، وقد تبدَّلت، فلو باع حِنْطَةً بجنسها متساوياً وزناً، أو ذهباً بجنسه متساوياً كيلاً لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد، وإن تعارفوا ذلك، لتوهُّمِ الفضل على ما هو المعيار فيه، كما لو باعه مجازفةً.
(
فَإِنْ وُجِدَ الوَصْفَانِ) أي القَدْر والجنس (حَرُمَ الفَضْلُ والنَّسَاءُ) بوجود علّة حرمتهما، فلا يجوز بيعُ الجَصِّ بمثله متفاضلاً لوجود الكيل مع الجنس، ولا بيع الحديدِ بمثله متفاضلاً لوجود الوزن مع الجنس (فإنْ عَدِمَا) أي فُقِد الوصفان (حَلاَّ) أي الفضل والنَّسَاءِ لعدم علّة حرمتهما مع أنّ الأصل الإباحة.
(
وإنْ وُجدَ أحَدُهُمَا) أي أحد الوصفين بأن وُجِدَ القَدْر دون الجنس كالحِنْطة بالشعير، أو الجنس دون القَدْر كثوبٍ هَرَوِيّ بجنسه، وحيوانٍ بجنسه، (حَرُمَ النَّسَاءُ فَقَطْ) أي دون الفضل. فحرمة ربا الفضل بالوصفين، وحرمة ربا النَّسَاءِ بأحدهما. وقال مالك: لا يجوز بيع حيوانٍ باثنين من جنسه يُقْصَدُ بهما أمرٌ واحدٌ من ذبحٍ وغيره. وقال الشّافعيّ: ما عدا الذّهبَ والفضّةَ والمأكولَ والمشروبَ لا يَحْرُمُ فيه شيء من جهة الرِّبا. ولنا: ما روى أحمد في «مسنده» عن جابر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «في الحيوان اثنان بواحدٍ لا بأس به يداً بيدٍ، ولا يصْلُحُ نَسَاء». وفي رواية: «لا خَيْرَ فيه نَسَاء».

(وَلاَ يَجُوزُ) بيع (الكَيْلِيّ بِمْثِلِهِ إلاّ مُتَسَاوياً كَيْلاً) وإن تعارفوا فيه الوزن، (وَ) لا (الوَزْنِيّ) بمثله (إلاّ متساوياً وَزْناً
)
وإن تعارفوا فيه الكيل، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عُبَادة: «مِثْلاً بمثلٍ، سواءً بسواءٍ». ووجه الدّلالة: أنه صلى الله عليه وسلم شرط في جواز بيع المَكِيل بجنسه، والموزون بجنسه المساواة بما اعتبر فيه من القدر، وحصول المساواة بغير ذلك لا تعرف بها المساواة في ذلك، فلا يجوز، كما لو باع مجازفةً. ويكفي التَّعيين في بيع المال الرِّبَوي بمثله، ولا يُشْتَرَطُ التَّقابض قبل التَّفرق عندنا، وشرَطه مالك والشافعيّ كالصَّرْف لِمَا روينا من قوله: «يداً بيد». والمراد به القبض، وإنما كنّى عنه بها لأنها آلته. ولأنّه المراد في النقدين، فكذا في غيرهما. ولأنّه إذا لم يقبض في المجلس يتعاقب القبض، وللنقد مَزِيّة على غيره، فتتحقق شبهة الرِّبا، وهي مانعةٌ كالحقيقة، كما في الحالّ والمؤجَّل.

ولنا أنّه باع عيناً بعينٍ فلا يُشْتَرَطُ فيهما التّقابض، كما لو باع ثوباً بثوبٍ أو بثوبين وافترقا لا عن قبض. وهذا لأنّ المطلوب من العقد التّمكن من التصرّف، وذا يترتّب على التّعيين. غير أنه في النقود لا يتحقّق إلا بالتقابض. فاشتراطه في الصَّرْف للتعيين لا لنفسه، وغير النقود يتعيّن بالتعيين، فلا حاجة إلى التَّقابض. والمراد من قوله صلى الله عليه وسلم: «يداً بيدٍ»، عيناً بعين، إذ اليد آلة التّعيين فلم يكن حَمْلُه على القبض أولى، بل حمله على هذا أحقّ، لِمَا في رواية عُبَادة بن الصَّامت «عيناً بعينٍ». وتَعَاقُب القبض لا يعتبر (تفاوتاً) في المالية عُرْفاً بخلاف الحالّ والمؤجَّل، لكن ما في «الصحيحين» عن عمر رَضِيَ اللَّه عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الذَّهبُ بالوَرِقِ رباً إلاّ هاءَ وهاءَ، والبُرُّ بالبُرِّ رباً إلاّ هاءَ وهاءَ...» الحديثَ، يُرَجَّح حَمْله على القبض؟ كيف ومعنى هاءَ: خُذْ، وهو من أسماء الأفعال، ومنه قوله تعالى: {هَاؤُمُ اقْرَؤُا كِتَابِيَه}، كذا حققّه بعض المتأخرين.
(
وَالجَيِّدُ والرَّدِيءُ سَوَاءٌ) لإطلاق الحديث، ولحديث: «جيدها ورديئها سواءٌ»، لأنّ الجودة لا يجوز الاعتياض عنها لأنّ بيع قَفيزِ حِنْطةٍ جيدةٍ بقَفيزِ حنطةٍ رديئةٍ ودرهمٍ لا يجوز بالإجماع. وما لا يجوز الاعتياض عنه بالبيع، لا يكونُ مالاً متقوّماً كالخمر.

(وَجَازَ بَيْعُ حَفْنَةٍ) من كيليّ (بِحَفْنَتَيْنِ) وتفاحةٍ بتفاحتين، وبيضةٍ ببيضتين، وجَوزةٍ بجوزتين، وتمرةٍ بتمرتين، لانعدام علة الرِّبَا بانعدام جزئها وهو القَدْر، إذ المراد بالمماثلة القدر بالنّص، ولا تقدير في الشَّرع بحفنة ولا حفنتين. ولذا يُضمن الحَفنة والحفنتان بالقيمة عندنا، كما لو باع ما دون نصف صاعٍ بما دون نصف صاعٍ جاز، لأنّه لا تقدير في الشّرع بما دون نصف الصَّاع. بخلاف ما دون نصف صاعٍ بنصف صاعٍ أو أكثر، فإنّه لا يجوز إلاّ مثلاً بمثلٍ لوجود القدر من أحد الجانبين، لوقوع التقدير بنصف الصاع في الشرع، كما في صدقة الفطر. وعند مالك والشّافعيّ وأحمد: لا يجوز ذلك إلاّ في روايةٍ عن مالك، ورواية عن أحمد، وروى المُعَلَّى عن محمد أنّه كَرِه التَّمرة بالتَّمرتين، وقال: كلُّ شيءٍ حَرُمَ في الكثير، فالقليلِ منه حرام. وإلى هذه الرواية مال بعض المحققّين.

(
وَ) جاز (فَلْسٌ بِفَلْسَيْنِ بأَعْيَانِهِمَا) أي الفَلْسُ والفَلْسَيْن بأنْ كان كلٌّ من الفَلْسِ والفَلْسِيْنِ معّيناً، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وبه قال مالك والشّافعيّ في الأصحّ. وعند محمد وأحمد: لا يجوز، كبيع درهمٍ بدرهمين. قيّد بأعيانهما، لأنهما لو كانا أو أحدهما بغير عينه لم يجز بالاتفاق. أمّا إن كانا بغير أعيانهما فلأنه بيع الكالىء بالكالىء، أعني النسيئة بالنسيئة، وهو منهيٌ عنه، وأمّا إن كان أحدهما بغير عينه فلأنّ الجنس بانفراده يُحَرِّمُ النَّسَاء.

(وَ) جَازَ (اللحْمُ بِالحَيَوَانِ) من غير جنسه، ومن جنسه أيضاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف والمُزَنِيّ من أصحاب الشّافعيّ. وقال محمد: لا يجوز إذا كان من جنسه إلاّ إذا كان اللحمُ أكثرَ ممّا في الحيوان، ليكون اللّحمُ مُقَابَلاً باللحم والزائدُ مُقَابَلاً بالسَّقَطِ، لأنّه لو لم يكن كذلك لتحقّق الرِّبا من حيث زيادةُ السَّقَطِ، أو من حيث زيادةُ اللّحم، وصار كَبَيْع دُهن السِّمْسم بالسِّمْسم، فإنه لا يجوز إلاّ بطريق الاعتبار.
وقال مالك والشافعي (وأحمد): لا يجوز بجنسه أصلاً، لا بطريق الاعتبار ولا بغيره، ومذهب مالك وأَحمد أَنّه يجوز بغير جنسه، والأَصحّ في مذهب الشَّافعيّ أنه لا يجوز بغير جنسه، لعموم النهي فيما روى مالك في «الموطأ»، وأبو داود في «المراسيل» عن سعيد بن المُسَيَّب: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع اللَّحم بالحيوان، وهو مع قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: «إذا اختلفت الأنواع، فبيعوا كيف شئتم» دليل مالك وأحمد.
ولأبي حنيفة أنّه بيع موزونٍ بغير موزون فيصحّ كيفما كان، كما لو باع الثوب بالقطن، وهذا لأنّ الحيوان ليس بموزونٍ بل هو عدديٌّ متفاوتٌ. والمراد بالنهي في حديث ابن المُسَيَّب ما إذا كان أحدُهما نسيئةً، لِمَا في «السنن الأربعة» عن سَمُرَة بن جُنْدُب: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً. قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأخرج عن الحَجَّاج بن أَرْطَاة، عن أبي الزُبَيْر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحيوان اثنين بواحد لا يصحّ نَسَاءً ولا بأس به يداً بيدٍ». وقال: حديثٌ حسن.

(وَ) جاز (الدَّقيقُ بِجِنْسِهِ) والنُّخَالة بجنسها (كَيْلاً) ونصّ الشّافعيّ في القديم والجديد: أنه لا يجوز بيع الدقيق بالدقيق (كيلاً). وحكى البُوَيْطِي والمُزَنِيّ عن الشَّافعي جوازه، وهو مذهب أحمد. وقيّد بالكيل لأنّ بيع الدقيق بالدقيق وزناً لا يجوز، لأنّ الدقيق كيليّ، ولهذا لا يجوز بيع الحِنْطة بالدقيق وزناً، ولو كان وزنياً لجاز.

(
و) جاز (الرُّطبُ بالرُّطَبِ) اتفاقاً (وَ) كذا التَّمْرُ بالتَّمْرِ والرُّطب (بالتَّمْرِ) وعكسه مِثْلاً بمثلٍ وهذا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز بيع الرُّطَب بالتَّمر، وهو قول مالك والشَّافعيّ وأحمد، لِمَا روى مالك في «المُوَطأ» عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سُفْيَان، عن زيد بن أبي عَيَّاش، عن سعد بن أبي وَقَّاص أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن شِرى التّمر بالرُّطَبِ، فقال صلى الله عليه وسلم: «أينقص الرُّطَب إذ يَبِس»؟ قالوا: نعم. فنهاه عن ذلك. ومن طريق مالك رواه أصحاب «السنن الأربعة»، وقال الترمذيّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

فأفسد صلى الله عليه وسلم البيع، وأشار إلى أنّ العلّة النُّقصان عند الجفاف، وبه تبيّن أن شرط جواز العقد المماثلة في أَعدل الأحوال، وهو ما بعد الجفاف وذا لا يُعْرَفُ بالمساواة كيلاً في الحال، لأنّ قَفِيز الرُّطَب ربّما يصير نصف قفيز عند الجفاف. وكان ذلك كبيع الدّقيق بالحِنْطَة حيث لا يجوز للتّفاوت بعد الطَّحن. ولأبي حنيفة قوله صلى الله عليه وسلم حين أُهْدِيَ له رُطَبٌ: «أَكُلُّ تمر خَيْبَر هكذا»؟ فسمّى الرُّطَب تمراً، كذا قيل. وهو إنما يتمّ في الجملة إذا كان المهدي رُطَباً، وليس كذلك بل كان تمراً، لِمَا في «الصحيحين» أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أَخا بني عَدِيّ الأنصاري، فاستعمله على خيبر. فَقَدِمَ بتمرٍ جَنِيبٍ، فقال صلى الله عليه وسلم: «أَكُلُّ تمر خَيبرَ هكذا»؟ فقال: لا... الحديثَ.
وله أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عُبَادَة بن الصَّامت: «والتّمر بالتّمر مثلاً بمثلٍ، والملح بالملح مثلاً بمثلٍ، سواءً بسواءٍ، يداً بيدٍ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم» وذلك إنّ الرُّطَب إن كان تمراً جاز البيع بأوّل الحديث، وهو قوله: «التَّمر بالتَّمر»، وإن كان غير تمرٍ فبِآخِره وهو قوله: «إذا اختلفت هذه الأصنافُ، فبيعوا كيف شئتم».

وهذا حسنٌ في باب المُناظرة لدفع الخصم، كما قال أبو حنيفة حين دخل بغداد، وكانوا أشدّاء عليه لمخالفته الخبر، فسألوه فأجاب بما تقدّم فأورد عليه الحديث السابق، فقال: هذا الحديث دائرٌ على زيد ابن أبي عَيَّاشٍ، فهو مِمَّنْ لا يُقبل حديثه. وقد أُجِيبَ بأنّه على تقدير صحة السند فالمراد منه النسيئة، لِمَا في «سنن أبي داود» عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن عبد الله بن يزيد: أنّ أبا عَيّاش أخبره أنه سمع سعد بن أبي وَقّاص يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الرُّطب بالتّمر نسيئةً. وكذا رواه الطّحاوي. وإذا صحّت الزِّيادة يجب قَبولها على المختار عند المحدثين، وإن كان الأكثر لم يروها لكن قد ردّ ترديده بين كونه تمراً أو لا، بأنّ ههنا قسماً ثالثاً، وهو كونه من الجنس، ولا يجوز بيعه بالآخر، كالحِنْطَةِ المَقْلِيّة بغير المَقْلِيّة لعدم تسوية الكيل بينهما، فكذا الرُّطب بالتَّمر لا يسوِّيهما الكيل، وإنما يسوّى في حال اعتدال البدلين وهو أن يَجِفَّ.

وأبو حنيفة يمنعه ويعتبر التّساوي حال العقد، وعروض النَّقص بعد ذلك لا يمنع. لكن فيه أنّ التعليل في مَعْرِض النّص غير مقبول. وأمّا ما ذكره الشارح بأنّ التفاوت بين الرُّطَب والتَّمر بأصل الخلقة فيكون ساقط الاعتبار، كالتفاوت بين الجيد والرديء، ففي غاية من السقوط.
(
وَ) جاز (العِنَبُ بِالزَّبِيبِ) عند أبي حنيفة خلافاً لمَن تقدّم، والوجه ما بيّنَّاه في الرُّطب والتّمر من الجانبين. وقيل: لا يجوز اتفاقاً كالحِنْطَة المَقْلِيّة بغير المَقْلِيّة.

(وَ) جاز (البُرُّ) حال كونه (رَطْباً) أي غير يابسٍ، (أوْ) حال كونه (مَبْلُولاً بِمِثْلِهِ أوْ باليَابِسِ المُنْقَعِ) فيجوز البُرّ الرَّطْب بمثله وباليابس، والبُرُّ المبلول بمثله وباليابس. (وَ) جاز (التَّمْرُ) المُنْقَعُ (والزَّبِيبُ المنْقَعُ) اسم مفعول من أنقعه في الخابية إذا ألقاه فيها ليبتلّ ويخرج منه الحلاوة، واسم الشراب: نقيعٌ (بالمُنْقَعِ مِنْهُمَا) أي بمثله وباليابس «فمن» هنا بمعنى الباء، أي جاز بيع التّمر المُنْقَعِ بمثله وباليابس، والزبيب المُنْقَعِ بمثله وباليابس (مُتَسَاوِياً) وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، لأنّهما يعتبران التَّساوي في الحال، إذ التّساوي شرط صحة العقد، فيشترط عند العقد لا بعده، إلاّ أنّ أبا يوسف ترك هذا الأصل في بيع الرُّطَبِ بالتمر لحديث سعد، ففي الباقي على أصله. وقال محمد: لا يجوز بشيء من ذلك، لأنه يَعتبرُ المماثلة في أعدل الأحوال، وهو حال اليُبْس، ولم يوجد في هذه الصُّورة.
(
وَ) جاز (لَحْمُ حَيَوَانٍ بِلِحْمِ حَيَوَانٍ آخَرَ) ولو غير جنسه (مُتَفَاضِلاً وَكَذَا اللّبَنُ) أي جاز لبن حيوان بلبن حيوانٍ آخر من غير جنسه متفاضلاً. وعن الشافعيّ: إن اللّحمين واللَّبَنَيْنِ جنسٌ واحدٌ لاتحاد المقصود منهما، وهو التغذّي والتَّقوِّي. وظاهر مذهبه وهو اختيار المُزَنِيّ: أنّ اللّحوم أجناسٌ مختلفةٌ كمذهبنا، وكذا الأصحّ من مذهبه في الألبان أنها أجناسٌ مختلفةٌ، لأنّ أصولها مختلفةُ الأجناس، حتّى لا يُضَمُّ بعضها إلى بعضٍ في الزكاة، ومختلفةُ الأسماء باعتبار الإضافة كدقيق البُرّ مع دقيق الشعير، ومختلفةُ المقصود فإنّ بعض الناس يرغب في بعض اللُّحوم والألبان دون البعض، وقد ينفعه البعض ويضرّه البعض.
وقال مالك: اللحوم ثلاثة: الطيور، والدّواب أهليتها ووَحْشَيّتها، والبَحْرِيَات. وبه قال أحمد في إحدى الرِّوايات. وعنه روايتان أخريان كقولي الشافعيّ.

قيّد الحيوان بكونه من غير الجنس، لأنّه لو كان من الجنس كلحم البقر بلحم الجاموس، ولبن البقر بلبن الجاموس لم يجز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً، لأنهما جنس واحدٌ، ولهذا يُضَمُّ أحدهما إلى الآخر في الزكاة، وكذا لحم المَعْزِ والضَّأْن ولبنهما، ولحم العِرَاب والبُخْت ولبنهما، بخلاف شعر المعز وصوف الغنم، فإنهما جنسان لاختلاف الصورة والمقصود.
(
وَكَذَا) جاز (خَلُّ الدَّقَلِ) وهو نوع من التمر رديء (بِخَلِّ العِنَبِ) متفاضلان لاخْتلاف أصليهما. وإنّما خُصَّ خَلُّ الدَّقَل بالذِّكر مع أَنّ الحكم في خلّ كلّ تمر مع خل العنب واحد، لأنّهم كانوا يجعلون الخلّ من الدَّقَل. (وَ) جاز (شَحْمُ البَطْنِ بِالأَلْيَةِ أوْ بِاللَّحْمِ) وكذا عكسه متفاضلاً سواء كانت من أجناس أو من جنسٍ واحدٍ من الحيوان، لأنهما أجناسٌ مختلفةٌ لاختلاف الأسامي والصّور والمقاصد كالشَّعر والصُّوف.
(
وَ) جَازَ (الخُبْزُ بِالبُرِّ والدَّقيقِ) متفاضلان لأنّ الخبز عدديّ، وهو قول محمّد أو وزنيّ وهو قول أبي يوسف، والبُرّ كيليّ بالنّص وكذا الدّقيق لأنه جزؤه، فلم يجمعهما القَدْر من كل وجهٍ. وعن أبي حنيفة: أنّه لا يجوز، وبه قال الشَّافعيّ وأحمد، لأن في الخبز أجزاء الدّقيق، وذلك يورث شبهة المجانسة. والفتوى على الجواز.
(
وَإنْ كَانَ أَحَدُهُمَا) أي جاز إن لم يكن أحد البَدَلَيْنِ الذين هما الخبز والبُرّ أو الخبز والدّقيق نسيئةً، وإن كان أحدهما (نِسَيَئةً) أمّا إن كان البُرّ هو النَّسيئة، فالجواز باتفاقٍ لإمكان ضبطه. وإن كان الخبز هو النَّسيئة، فعند أبي يوسف إذا ذكر وزناً معلوماً. ونوعاً معلوماً، وعليه الفتوى لحاجة النَّاس إليه.

(لاَ البُرُّ) أي لا يجوز البُرُّ (بالدّقيقِ أوْ بالسَّوِيقِ) أي بدقيق البُرّ أو سويقه متفاضلاً أو متساوياً. أمّا متفاضلاً، فلأنّ كلّ واحدٍ من الدّقيق والسَّويق بُرٌّ من وجهٍ وإن اخْتُصَّ باسم، لأن كلّ واحدٍ منهما من أجزاء البُرّ، لأنّ الطَّحن لم يعمل إلا تفريق الأجزاء، والمجتَمِع لا يصير بالتّفريق جنساً آخر. وأمّا متساوياً، فلأنّ المعيار فيه الكيل، وهو غير مستوٍ بينهما وبين البُرّ لاكتنازهما وتخلخل البُرِّ؛ ويجوز عند مالكٍ وأحمد في روايةٍ بيع البُرِّ بالدّقيق وبالسَّويق كيلاً ووزناً.
(
وَلاَ الدَّقِيقُ بالسَّوِيقِ) أي دقيق البُرّ بسويقه (مُتَفَاضِلاً أوْ مُتَسَاوِياً) وهذا عند أبي حنيفة لبقاء المجانسة من وجهٍ، إذ السَّويق أجزاء حِنْطة مَقْليّة، والدّقيق أجزاء حِنْطة غير مَقْليّة.

وبيع الحِنْطة المقليّة بغير المقليّة لا يجوز بحالٍ، فكذا بيع الدّقيق بالسّويق. وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز الدّقيق بالسّويق كيفما كان، لأنّهما جنسان مختلفان لاختلاف اسميهما والمقصود منهما، لأنّ أحدهما يصلح لِمَا لا يصلح له الآخر. فإن الدّقيق يصلح للخبز والعصيد ونحوهما، ولا يصلح لشيء من ذلك السّويق، بل يلّت بالسّمن أو العسل ويؤكل.
(
وَلاَ يَجُوزُ السِّمْسِمُ بِالحَلِّ) ـ بفتح الحاء المهملة ـ وهو دُهْن السمسم المسمّى بالشَّيْرَج (إلاّ أنْ يَكُونَ الحَلُّ أكْثَرَ مِمَّا) أي من حَلّ أو من الذي (في السِّمْسِمِ) ليكون قدر الحَلّ بمثله والزائد بالثُّفْل ، وكذا بيع الزَّيتون بزيته، والجوز بدُهنه، واللبن بسمنه، والسمن بزبده، والعنب بعصيره على ما في «الهداية» وغيره. وعند مالك والشّافعي وأحمد لا يجوز أصلاً.

(وَيُسْتَقْرَضُ الخُبْزُ وَزْناً لا عَدَداً) وهذا عند أبي يوسف في «الكافي»، وعليه الفتوى، لأنّه موزونٌ فيُعْلَمُ بالوزن لا بالعدد لتفاوت آحاده قدراً فلا يتحقَّق التّساوي. وعند أبي حنيفة لا يجوز مطلقاً وإن وزناً، فهو متفاوتٌ بتفاوت الخبز والخبّاز والتَّنُورِ والتقدّم والتأخر. والاستقراض إنّما يصحّ في المِثْليّ لأنّ من شرطه القدرة على أداء مِثْل المُسْتَقْرَضِ، وقد فات شرطُ صحّته فلا يصحّ. وأجاز محمد بالعدد أيضاً للتعامل، والقياس يُتْرَكُ بالتَّعامل كما في الاستصناع.
وفي مذهب الشَّافعي وجهان في استقراض الخبز: أحدهما كقول أبي حنيفة، وهو الأصحّ. والثاني الجواز وزناً وعدداً، وبه قال أحمد وهو اختيار ابن الصَّبَّاغ لحاجة النّاس إليه.

(
لا ربا بين مسلم وحربي في دار الحرب)
(
وَلاَ رباً بَيْنَ السَّيِّدِ وَعَبْدِهِ) لأنّ العبد وما في يده لسيده، هذا إذا لم يكن مأذوناً مديوناً. وكذا لا رباً بين السّيد وأمّ ولده، ولا بين المُدَبَّر وسيده، لأنْ كسب كلّ واحدٍ منهما لسيده بخلاف المُكَاتَب، لأنّه صار كالحرّ يداً وتصرّفاً.
(
وَ) لا رباً (بَيْنَ مُسْلِمٍ وَحَرْبِيّ في دَارِهِ) أي دار الحرب.
وقال أبو يوسف ومالك والشّافعيّ وأحمد: يقع بينهما الرِّبا لإطلاق النّصوص الواردة. ولأبي حنيفة ومحمد: إنّ مال أهل الحرب مباحٌ في دارهم، فكان المُرَابي آخذاً بالرِّبا مالاً مباحاً بلا غدرٍ فيصحّ.
والمراد بالنصوص: الرِّبا في مالٍ محظورٍ، ومالِ الحربي في دار الحرب غير محظورٍ بخلاف المُسْتَأْمَنُ منهم، لأنَّ ماله صار محظوراً بِقَدْر الأمان. وما رواه مكحول عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ربا بين المسلمِ والحربي في دار الحرب». ذكره محمد بن الحسن.

وأسند البُيْهَقِيّ في «المعرفة» في كتاب السِّيَر عن الشّافعيّ قال: قال أبو يوسف: إنّما قال أبو حنيفة هذا، لأنّ بعض المشيخة حدثنا عن مكحول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ربا بين أهل الحرب». وأظنه قال: «وأهل الإسلام». قال الشّافعي: وهذا حديثٌ ليس له ثباتٌ، ولا حجّة فيه. وقال في «المَبْسُوطِ»: هذا مرسلٌ، ومكحول ثقةٌ، والمرسل من مثله مقبولٌ، والله تعالى أعلم.

فصلٌ في بيع المنقول
(
وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ مُشْتَرى مَنْقُولٍ قَبْلَ قَبْضِهِ) لأنّ فيه غرراً، وهو انفساخ العقد بهلاكه. قيّد بالمنقول لأنّ بيع العقار يجوز قبل قبضه، لأنّه لا يُتوهم انفساخ العقد فيه بالهلاك وهو مقدور التّسليم. وقال محمد وزُفَرُ والشَّافعي: لا يجوز أيضاً، لأنّه مبيعٌ لم يقبض، فلا يصحّ بيعه كالمنقول. وقال أحمد: لا يجوز بيعه قبل القبض إن كان مكيلاً، أو موزوناً، أو معدوداً، وإلاّ جاز. وقال مالك: تجوز جميع التصرفات إن كان غير طعامٍ ، لأنّه صلى الله عليه وسلم قال في الطّعام: «يداً بيدٍ». وقبل القبض لا يتأتى ذلك. ولما روى هو عن نافع، عن ابن عمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ابتاع طعاماً، فلا يبعه حتّى يستوفيه».
ولنا ما روى أبو داود، وابن حِبّان في «صحيحه»، والحاكم في «مستدركه» وصححه عن عبد الله بن عمر قال: ابتعت زيتاً في السُّوق ـ أي اشتريته ـ فلما استوجبته لقيني رجلٌ، فأعطاني فيه ربحاً حسناً، فأردت أن أضرب على يده، فأخذ رجلٌ من خلفي بذراعي فالتفت، فإذا هو زيد بن ثابت فقال: لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رَحْلِكَ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أنّ تباع السِّلع حيث تبتاع حتّى يحوزها التّجار إلى رحالهم.

وعن حَكِيم بن حِزَام قال قلت: يا رسول الله إني رجلٌ أبتاع هذه السّلع وأبيعها، فما يحل لي منهما وما يَحْرُمُ؟ قال: «لا تَبِيعَنَّ شيئاً حتى تقبضه». رواه الطَّحَاوِيّ عن حَكِيم بن حِزَام قال: قلت: أشتري طعاماً فأربح فيه قبل أن أقبضه، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «لا تبعه حتى تقبضه». وفي «الصحيحين» عن ابن عبّاس: الذي نهى عنه النّبيّ صلى الله عليه وسلم هو الطَّعام قبل أنْ يقبض، قال: ولا أحسب كل شيءٍ إلاّ مثله. انتهى.
والتخصيص على الشيء لا ينفي الحكم عمّا عداه. قيّد بالبيع، لأنّ المشتري لو وهبه، أو تصدّق به، أو أقرضه قبل قبضه يصحّ على الأصحّ، وهو قول محمد خلافاً لأبي يوسف. وقيّد بالمشتري لأنّ بيع المهر، أو الميراث، أو بدل الخُلْع، أو بدل العِتْق قبل القبض جائزٌ اتفاقاً، لأنّ العقد لا ينفسخ بِهَلاكه.
(
وَصَحَّ التَّصُرُّفُ) أي تصرّف البائع (في الثَّمَن قَبْلَهُ)، أي قبل قبضه (وَصَحّ الحَطُّ عَنْهُ)، أي عن الثَّمن بأن نَقَّصَ منه. (وَ) صحَّ (المَزِيدُ فِيهِ) أي الذي زيد في الثَّمن على أنّ المزيد اسم مفعولٍ، أو الزِّيادة فيه على أنه مصدرٌ ميميٌّ سواء كان ذلك من المشتري أو من أجنبي، وسواء كان من جنس المزيد أو من غير جنسه (إنْ بَقِيَ المَبِيعُ) هذا شرطٌ لصحة الزِّيادة. والمراد ببقاء المبيع: بقاؤُه محلاً للمقابلة في حقّ المشتري حقيقةً، بأن لم يبعه المشتري ولم يتصدّق به ولم يهبه، أو وهبه ولم يسلّم، حتى لو باعه أو تصدّق به أو وهبه وسلّم: لا تصحّ الزِّيادة. وعن محمد تصحّ لبقاء المبيع، كذا في «المحيط».

(وَ) صحَّ المزيد (في المَبِيعِ) عطفٌ على فيه. أي وصحّ المزيد في المبيع سواء بقي المبيع أو هلك، ويكون لذلك المزيد حِصةٌ من الثّمن، حتّى لو هلك قبل قبضه سقط لحصته شيء من الثّمن، والأصل أنّ الزيادة والنُّقصان يلحقان بأصل العقد عندنا، فيصير العقد كأنّه ورد على ذلك القَدْر. وعند زُفَر والشَّافعيّ: لا يلحقان به بل يكونان هبةً مبتدأةً. قيّد زيادة الثّمن ببقاء المبيع، لأنّ الزّيادة تغيير العقد من وصفٍ مشروعٍ إلى وصفٍ مشروعٍ، فيستدعي قيام العقد، وقيامه بقيام المعقود عليه.
(
لَكِنّ الشَّفِيعَ يأْخُذُ) العَقَار الذي حُطَّ من ثمنه والذي زيد فيه (بالأَقَلِّ) فيأخذ بما بقي في الحطّ وبدون الزِّيادة في المزيد، لأنّ حقّ الشّفيع تعلّق بالعقد الأوَّل، ولا يملك العاقدان التّصرّف فيه بما يرجع إلى إضراره، فلم تظهر الزّيادة في حقّه وظهر الحطّ فيه.
(
وَصَحَّ تَأجِيلُ كُلِّ دَيْنٍ) وسواء ثبت في الذّمة بعقدٍ أو باستهلاكٍ، حتّى لو باع شيئاً بثمنٍ حال ثمّ أجَّله أجلاً معلوماً صار مؤجلاً، لأنّ الحلول حقّ البائع فله إسقاطه بتأجيله تيسيراً على من عليه الثّمن، ولأنّه يملك إسقاط المطالبة مطلقاً بالإبراء، فلأَن يملك إسقاطها مدة معينةً بالتَّأجيل أولى. ولو أجّله إلى أجلٍ مجهولٍ، فإنْ كانت الجهالة فاحشةً كهبوب الرّيح لا يصحّ، وإنْ كانت متعارفة كالحمل والدِّيَاس يصحّ كما في الكفالة
(
إلاّ القَرْضَ) وهو ما ثبت في الذّمة باستقراضٍ، فإنّه لا يصحّ تأجيله حتى لو أجلّه مدةً معلومةً عِنْد الإقراض أوبعده لا يثبت الأجل وله المطالبة في الحال. وقال مالك: يصحّ تأجيل القرض كسائر الديون. وقال الشّافعيّ: لا يجوز تأجيل غير القرض كالقرض.

ولنا: أنّ القرض إعارةٌ وتبرّعٌ ابتداءءً ولهذا يصحّ بلفظ الإعارة، ومعاوضةٌ انتهاءً حتّى يلزمه ردّ مثله. فعلى اعتبار الابتداء لا يلزم التأجيل فيه كالإعارة، فإنّ المُعير وإنْ وقّت الإعارة، له أن يستردّها من ساعته، إذ لا جبر في التبرّع. وعلى اعتبار الانتهاء لا يصحّ التأجيل فيه لأنه مبادلة الدارهم بِمْثلِها نسيئةً، وهو حرامٌ.

(
بَابُ الحُقُوقِ)
(
وَيَدْخُلُ البِنَاءُ وَالمَفَاتِيحُ) المتصل أَغلاقها به (والعُلْوُ والكَنِيفُ في بَيْعِ الدَّارِ) لأنّ العَرْصَةَ أصلٌ في الدَّار لقرار البناء عليها. وإنّما دخل البناء وما اتّصل به في بيع الدّار بطريق التبعية لاتصاله بالعَرْصَة اتّصال قرار. فما لا يكون متَّصلاً بالبناء لا يدخل في بيع الدَّار إلاّ إذا جرى العرف أنّ البائع يسامح به، فإنّه يدخل بلا ذكرٍ، فيدخل العُلْو بلا ذكرٍ لاتّصاله بالبناء، ولا يدخل المِفْتاح في القياس لأنّه غير متّصلٍ بالبناء، فصار كثوبٍ موضوع في الدَّار، ويدخل في الاستحسان، إذ العادة أنّ البائع لا يمنعه عن المشترى بل يسلّمه مع الدّار إليه.
ولا يدخل الباب الموضوع ولا القفل ومفتاحه، ويدخل السُلَّم المتصل بالبناء، ولو كان من خشبٍ، ولا يدخل غير المتّصل إلاّ في عرف أهل مصر فإِنْه يدخل، ذكره الزَّيْلَعِيُّ. ويدخل الحجر الأَسفل من الرَّحى، وبه قال مالك والشَّافعيُّ وأحمد، ويدخل الحجر الأعلى منها استحساناً، وهو الأَظهر في مذهب الشَّافعيّ.
(
لا الظُّلَّةُ) أي لا تدخل الظُّلَّةُ في بيع الدَّار وهي: السُّدَّة التي فوق الباب على ما في «المغرب»، أو السَّابَاط الذي يكون أحد طرفيه على الدار والطرف الآخر على دار أخرى أو على أسطوانات في السِّكَّة على ما في «جامع قاضيخان».

(إِلاَّ بِذِكْرِ كُلِّ حقٍ هُوَ لها) أي للدار، (أو: بِمَرَافِقِها) أي بذكر مرافقها، وهي حقوقها ومنافعها، (أو بكل قليلٍ) أي بذكر كلِّ قليلٍ (وَكَثِيرٍ هُوَ فِيهَا أَوْ مِنْهَا) وهذا عند أَبِي حنيفة، وعندهما تدخل الظُّلَّة إن كان مفتحها في الدَّار لأَنها حينئذٍ من توابع الدَّار، فصارت كالكنيف والعُلْو. ولأبي حنيفة: أَنْ الظُّلَّة تابعةٌ للدَّار من حيث إِنّ قرار أحد طرفيها على بناء الدَّار، وليست بتابعة، لها من حيث إِنّ قرار طرفها الآخر على غير بنائها، فلا تدخل بلا ذكر الحقوق وتدخل بذكرها عملاً بالشبهين.
(
و) يدخل (الشَّجَرُ) في بيع الأرض بلا ذكره صغيراً كان أو كبيراً ممَّا يُثْمِرُ أو ممَّا لا يُثْمِرُ (لا الزَّرْعُ) أي لا يدخل الزَّرع (في بِيْعِ الأَرْضِ) بلا ذكره، والفرق بينهما: أَنَّ اتصال الشَّجر بالأَرْض للقرار فكان كالبناء، واتصال الزَّرع بها لا للقرار فكان كالمتاع. وإنّما دخل الجنين في بيع أمه من غير ذكر، مع أنّ اتّصاله ليس للقرار، لأنْه جزءٌ منها.

(وَلاَ) يدخل (الثَّمَرُ) وهو بالمثلثة (في بَيْعِ الشَّجَرِ) إِلاَّ بشرطه سواء كان لذلك الثَّمر قيمة وقت البيع أو لم يكن لقوله صلى الله عليه وسلم: «من باع عبداً وله مال، فماله للبائع إلاّ أن يشترط المبتاع. ومن باع نخلاً مؤبّراً، فالثَّمرة للبائع إِلاَّ أن يشترط المبتاع». رواه أصحاب الكتب السَّتة. ولأنَّ اتصال الثَّمر بأصله وإن كان اتصال قرار كاتّصال الشجر بالأرض، إلاّ أنّ قطع الثَّمر له غايةٌ معلومةٌ، فصار في حكم المقطوع. ويقال للبائع: اقطع الثمر وسلِّم الشَّجر. وكذا إذا بيعت الأَرض وبها زرعٌ، يؤمر البائع بالحصاد والتسليم. وقال مالك والشَّافعي وأحمد: يترك الثَّمر حتّى يظهر صلاحه، ويترك الزَّرع حتّى يستحصد، لأنّ الواجب هو التّسليم المعتاد، ولم تجرِ العادة بقطع الثَّمر قبل بُدُوِّ صلاحه، ولا حصاد الزَّرع قبل استحصاده، وصار كما لو مضت مدَّة الإجارة وفي الأرض زرعٌ لم يدرك.
(
وَلاَ) يدخل (العُلْوُ في بَيْعِ بَيْتٍ) فوقه بيتٌ (إِلاَّ بِشَرْطِهِ) لا تبعاً ولا بذكر ما ذُكِرَ، لأَنَّ البيت اسم لمُسْقفٍ له دَهْليزٌ ويصلح للبيتوتة فيه، والشيء لا يكون تبعاً لمثله ولا من حقوقه ومرافقه.
(
وَلاَ) في (بَيْعِ مَنْزِلٍ) فوقه بيت تبعاً (إِلاَّ بِذِكْرِ مَا ذُكِرَ) من الحقوق والمرافق، لأَنَّ المنزل اسمٌ لما يشتمل على: بيوتٍ وصحنٍ مُسْقَفٍ ومطبخ. والدار اسمٌ لما يشتمل على: بيوتٍ ومنازل وصحن غير مُسْقَفٍ، فكانت الدَّار أعمَّ منها لاشتمالها عليها، فاستتبعت العلو وإن لم يذكر الحقوق، لأنَّها اسمٌ لكل ما أدير عليه الحائط، والعُلْوُ مِمَّا أدير عليه الحائِطُ فيدخل.

والبيت اسمٌ لما يبات فيه والعلو مثله بلا تفاوتٍ، والشيء لا يستتبع مثله، وليس من أجزائه وتوابعه ليدخل بذكر التوابع، والمنزل دون الدَّار وفوق البيت، فله منزلة بين المنزلتين. فتَوَفَّر على الشَّبَهَين حظهما ، فيدخل العلو فيه تبعاً بذكر التَّوابع عملاً بشَبَهِهِ بالدَّار، ولا يدخل بدونه عملاً بشَبَهِهِ بالبيت.
وفي شرح «الوافي» قالوا: هذا على عرف أهل الكوفة، وأمَّا على عرفنا، فيدخل العُلْو في الكلِّ، سواء باع باسم البيت أو المنزل أو الدَّار.
(
كَالطَّرِيقِ) أي كما لا يدخل الطَّريق في بيع ما له طريق (والشِّرْبِ) في بيع ما له شِرْبٌ (وَالمَسِيلِ) في بيع ما له مسيلٌ إلا بذكر الحقوق أو الموافق، لأنّ كلّ واحدٍ منهما تبعٌ للمبيع من حيث إنّه خارجٌ عن حدوده ويقصد للانتفاع به فيه، وأصلٌ من حيث إنّه يُتَصَوَّرُ بدون المبيع. فكان تبعاً من وجهٍ دون وجهٍ، فلا يدخل إلاّ بذكر ما ذكر عملاً بالشبهين.

(
وَتَدْخُلُ) هذه الثلاثة في الإجارة من غير ما ذكر، لأنّ الإجارة لم تشرع إلاّ للانتفاع، وهو لا يتحقق فيما له طريقٌ أو شِرْبٌ أو مَسيل إلاّ بطريقه أو شِرْبه أو مَسِيلِهِ. بخلاف البيع، فإنّه شُرِعَ لملك الرّقبة والانتفاع من ثمراته.
(
وَيُؤْخَذُ الولد) الذي ولدته الأمَةُ عند المشتري لا بالاستيلاد (إن اسْتُحِقَّتْ أُمُّهُ بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ) استُحقّت بأن (أقَرَّ) المشتري (بِهَا) لمدعيها (لاَ) أي لا يؤخذ الولد، بل تؤخذ أمّه وحدها. ويدخل في البيع ملبوس الغلام والجارية لو كان خسيساً، للعُرْف، ولا يدخل لو كان نفيساً إلاّ بالشرط لعدم العُرْف.

(
بَيْعُ الفُضُولي)

(وَلِمَالِكٍ بَاعَ غَيْرُهُ) بالرفع فاعل باع (مِلكَهُ) بالنصب على أنه مفعول باع أي ملك المالك. والمعنى: إذا باع شخصٌ ملك غيره انعقد بيعه، وبه قال مالك، وهو بيع الفُضُوليّ، ولمالكه (فَسْخُهُ) أي فسخ البيع، وهو مبتدأ خبره الظرف المقدّم.
(
وَلَهُ) أي للمالك (إجَازَتُهُ إنْ بَقِيَ العَاقِدَانِ) والمقعود له وهو المالك (وَالمَبِيعُ وَكَذَا إنْ بَقِيَ الثَّمَنُ) حال كونه (عَرْضاً) لأنّه مبيع من وجهٍ. وقال الشّافعيّ في الجديد، وأحمد في روايةٍ: لا ينعقد لأنّه أضاف ذلك المبيع إلى محلٍ لا ولاية له عليه، لأنّها تكون بالملك المطلق للتّصرفات، أو بإذن المالك الذي له ولاية التّصرّف، ولم يوجد واحدٌ منهما فيلغو.
والتّصرّف الشرعيّ كما يتوقّف على الأهل والمحل، يتوقّف على الولاية الشرعية، فإذا فاتت لا ينعقد. ولأنّ بيع الآبق لا ينعقد مع كونه مملوكاً لعدم القدرة على تسليمه، فما لا يملكه البائع أولى. ولنا ما رُوِيَ عن عُرْوَة وغيره: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دفع إلى عُرْوَة البَارِقِيّ ديناراً ليشتري به شاةً للأُضْحِيَةِ، فاشترى به شاتين وباع إحداهما بدينارٍ، وجاء بشاةٍ ودينارٍ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسّلام: «بارك الله لك في صَفْقة يمينك». ووجه الدّلالة: أنّ عُرْوَة باع الشاة الثانية من غير إذن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد أجازه عليه الصلاة والسّلام.

وروى الطَّبرانِيّ في «معجمه» والترمذيّ في «جامعه» مثل هذا عن حَكِيم بن حِزَام: إلاّ أنّ حكيماً أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ديناراً ليشتري به أُضْحية، فاشترى أضْحِيةً، بدينارٍ فباعها بدينارين، ثم اشترى أضحية بدينارٍ (وجاءه بدينارٍ) وأضحيةٍ، فتصدّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدّينار ودعا له بالبركة. ولأنَّ هذا تصرّف صدر من أهله، لأنّه عاقلٌ بالغٌ، مضافاً إلى محله لأنّه مالٌ متقوّمٌ، ولا ضرر في انعقاده على المالك، لأنّه مخيّرٌ، فإن رأى فيه مصلحةً أجازه وإلاّ فسخه، فينعقد ويتوقّف نفوذه على إجازة المالك، بل فيه نفعٌ له حيث سقط عنه مؤنة طلب المشتري وقرار الثمن.
وفيه نفع العاقد من حيث صيانةُ كلامه عن الإلغاء، وفيه نفع المشتري. فتثبت القدرة الشَّرعية تحصيلاً لهذه الوجوه على أَن الإذن ثابتٌ دلالةً، لأنّ كلّ عاقلٍ راضٍ بتحصيل التّصرّف النافع له. وكذا كل ما له مجيزٌ حالة وقوعه من العقود والفسوخ والنِّكاح والطَّلاق، فهو على الخلاف، وإن لم يكن له مجيزٌ حالة العقد لا يتوقّف ويقع. وإنّما شُرِطَ بقاء العاقدَيْن والمعقود عليه وله، لأنّ الإجازة تصرّفٌ في العقد فيفتقر إلى قيامه، وقيامه بقيام هذه الأشياء.

وخَصَّ المصنف بيع الفُضُولِيّ بالحكم، لأنّ شراءه لا يتوقّف على الإجازة، بل إن وجد نفاذاً على الفُضُولي نفذ عليه، وإن لم يجد نفاذاً عليه بأن كان محجوراً عليه يتوقّف. وقال الشّافعيّ في القديم: يتوقّف كالبيع، وبه قال مالك وأحمد في روايةٍ. ولنا: أنّ الثَّمن في الشِّراء لازمٌ لذِمَّة المشتري بالتزامه فينفذ. بخلاف البيع، فإنّ قيامه بالمبيع وهو ملك لغيره، ويتضرر بلزوم العقد فيه، فيتوقّف على رضاه. ولم يفرّق بينهما صاحب «المواهب» حيث قال: ويجوز تصرف الفُضُوليّ من الإيجاب والقَبول عندنا.

(وَهُوَ) أي الثَّمن إذا أجاز المالك البيع (مِلْكٌ لِلْمُجِيزِ) وهو المالك (وأمَانَةٌ عِنْدَ بَائِعِهِ) وهو الفُضُوليّ لأنّه حينئذٍ بمنزلة الوكيل، لأنّ الإجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة. (وَلَهُ) أي للبائع الفُضُوليّ، (فَسْخُهُ) أي البيع (قَبْلَ الإجَازَةِ) دفعاً للحقوق عن نفسه، بخلاف الفُضُوليّ في النِّكاح، فإنه ليس له الفسخ قبل الإجازة، لأنّ الحقوق لا ترجع إليه، لأنّه سفيرٌ محضٌ، فإذا حصل منه العقد انتهى أمره فصار كأجنبيّ.
(
وَجَازَ إعْتَاقُ المَشْتَرِي مِنَ الغَاصِبِ) إن أجيز بيع الغاصب (لاَ بَيْعُهُ) أي لا يجوز بيع المشتري من الغاصب (إنْ أُجِيزَ بَيْعُ الغَاصِبِ) يعني مَن اشترى عبداً من الغاصب فأعتقه ثم أجاز المولى ذلك الشّراء جاز العتق، وإن باعه المشتري فأجاز المولى الشَّراء الأول لم يجز الشراء الثاني، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وقال محمّد وزُفَر، وهو روايةٌ عن أبي يوسف رحمهم الله: لا يجوز العتق أيضاً، وهو القياس وقول مالك والشّافعيّ. وهذه ثانية المسألتين اللّتين جرت المحاورة فيهما بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.

وقال أبو يوسف لمحمد: رويت لك إنّ العتق باطلٌ عند أبي حنيفة رحمه الله، وقال محمد: رويت لي أنّ العتق جائزٌ عنده. وحاصل الخلاف راجعٌ إلى أنّ إعتاق المشتري من الغاصب موقوفٌ عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله على أن ينفذ الشِّراء بإجازة المالك، وباطلٌ عند محمد رحمه الله، لأنّ الإعتاق لا يصحّ إلاّ في الملك الكامل للمُعْتَقِ لِمَا روى أبو داود، والترمذي في الطّلاق ـ وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ ـ عن عَمْرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاقَ له فيما لا يملك». ولأبي حنيفة رحمه الله وهو وجه الاستحسان: أَنّ ملك المشتري من الغاصب ثبت موقوفاً بتصرفٍ مطلقٍ موضوعٍ لإفادة الملك، فيتوقف الإعتاق بتوقّفه، وإذا نفذ نفذ بحقوقه.

فصلٌ (في السَّلَمِ)
(
يَصِحُّ السَّلَمُ) ؛ وهو لغةً: السَّلَف.
وشرعاً:
اسمٌ لعقدٍ يوجب المِلك في الثَّمن عاجلاً، وفي المُثَمَّنِ آجِلاً.
وهو مشروعٌ على خلاف القياس لكونه بيعَ معدومٍ، ولكنّه جائزٌ بالكتاب لِمَا روى الحاكم في «المُسْتَدْرَك» في تفسير سورة البقرة ـ وقال: صحيح على شرط الشيخين ـ عن ابن عبّاس أنه قال: أشهد أَنّ السَّلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحلّه الله تعالى في الكتاب، وأذِنَ فيه. قال الله تعالى: {يَا أيُّهَا الذّيِنَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمّى فَاكْتُبُوهُ} الآية.

ورواه الشَّافعيّ في «مسنده» بالسّند، وهو ما أخرجه الأئمة السّتة في كتبهم عن أبي المِنْهَال، عن ابن عبّاس قال: قدم النَّبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة والناس يُسْلِفُونَ في التّمر السّنة والسنتين والثلاث. فقال صلى الله عليه وسلم: «مَن أسلف في تمرٍ، فليُسلف في كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ». وما أخرجه البخاري عن عبد الله بن أبي أوْفَى أنه قال: إنّا كنّا لَنُسْلِف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر رضي الله عنهما في الحِنْطَة، والشَّعير، والتّمر، والزبيب. وبالإجماع فإنّ الأمّة أجمعت على جواز السَّلم لحاجة النّاس وضرورتهم إليه.
وإنّما يصحّ السَّلم (فِيمَا يُعْلَمُ قَدْرُهُ، وَوَصْفُهُ) بكيلٍ أو وزنٍ، أو ذراعٍ، أو عدَ، بخلاف ما لا يُعْلم قدره ووصفه بكيلٍ، حيث لا يصحّ السَّلم فيه، لحديث ابن عبّاس. ولأنّ ما لا يعلم قدره ووصفه مجهولٌ جهالةً تُفْضِي إلى المنازعة، فلا يصحّ السّلم فيه، وذلك (كالْمَكِيلِ) نحو البُرّ والشّعير وسائر الحبوب وغيرها. ولو أسلم في الحنطة وزناً اخْتُلِفَ فيه، والفتوى على جوازه لتعامل النّاس.
(
والمَوْزُونِ) نحو الدُّهن (مُثَمَّناً) قيَّد به لأنّ الموزون الثّمن، وهو الدّارهم والدّنانير، لا يكون مُسْلماً فيه، لأنّه ثمنٌ. والمُسْلَم فيه مبيعٌ فلا يكون ثمناً. فعلماؤنا والشّافعي حصروا جواز الموزون بالمُثَمَّن منه، وعَمَّمه مالك لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: «ووزنٍ معلوم»، ولأنّه يمكن ضبط النَّقدين بالصفة، فيجوز السّلم فيها.
ولنا: أنْهما خُلِقَا أثماناً، والمُسْلَم فيه مبيعٌ، والنّص مقَّيدٌ به، لأنه نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان.

ولو أسلم في الثَّمن بأن أسلم حنطة أو عروضاً في أحد النّقدين يكون باطلاً عند ابن أبَان، وبيعاً صحيحاً بثمنٍ مؤجّلٍ عند أبي بكر الأعْمَش حملاً لكلام العاقلين على الصِّحة، وهو إنّهما قصدا مبادلة الحنطة بالدّراهم. وقول ابن أبَان أصحّ، لأن المعقود عليه هو المُسْلَم فيه. وهذا الخلاف إذا اسلم غير شيءٍ من النقدين في أحدهما، وأمّا إذا أسلم أحدهما في الآخر، فإنه لا يجوز بالإجماع، لأنّ القدر بانفراده يحرّم النَّسَاء.
(
والمَذْرُوعِ) أي وكالمذروع (كالثَّوْبِ مُبَيِّناً طُولَهُ وَعَرْضَهُ وَرُقْعَتَهُ) أي رِقته وغِلَظه، لأنَّ مقدار المالية في الثياب يعلم بذكر هذه الأشياء، والتّفاوت بغيرها يسير فلا يضرّ، لأنه لا يُفْضي إلى المنازعة المانعة من التسليم والتسلّم، وهذا في غير الحرير. وأمّا في الحرير، فلا بدّ فيه من ذكر الوزن أيضاً، لأنّ قيمة الثوب منه يختلف باختلاف وزنه. وفي «المُجْتَبَى»: والقياس أنّه لا يجوز السَّلم في المذروعات لتعذّر ثبوتها في الذِّمة، ولهذا لا يضمن بالمثل في الاستهلاك كالجواهر، لكن تُرِكَ ذلك بإجماع الفقهاء. وفي «الخُلاَصَة»: ولو أطلق ذكر الذِّراع فله ذراعٌ وسط.

(وَالمَعْدُودِ) أي وكالمعدود (مُتَقَارِباً) وهو ما لا يتفاوت آحاده في القيمة ويُضْمَنُ بالمثل كالجوز والبيض، لأنّهما معلوما القَدْرِ بالعدد، والتّفاوت بين آحادهما بالصغر والكبر ساقط الاعتبار فيما بين النّاس. قيّد بالمتقارب لأنّ المتفاوت كالبطيخ والرمان والسَّفَرْجَل لا يصحّ فيه السلم عدداً لتفاوت آحاده في القيمة (فَيَصِحُّ) السَّلم (في السَّمَكِ) أي في الصِّغار واخْتُلِفَ في الكبار (المَلِيحِ) أي الذي قُدِّدَ ومُلِّحَ، وإنَّما يصحّ السَّلم فيه بالوزن لا بالعدد، لتفاوت آحاده بالكبر والصغر. قيّد بالمليح لأنّ الطّري لا يصحّ السّلم فيه في غير حينه، لأنّه منقطعٌ من أيدي النّاس حتى لو كان في حينه جاز السَّلم فيه. وقيل: لا فرق بين الطَّريّ والمَلِيح. وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: لا يصح فيهما.
(
لاَ في الحَيَوَانِ) أي لا يصح السّلم في الحيوان، وهو قول الثَّوْرِيّ والأَوْزَاعِيّ، وقال الشّافعيّ وأحمد: يصحّ، وهو قول مالك إلاّ في الخَلِفاتِ ـ وهي: الحوامل من النُّوق ـ فإنّها مجهولةٌ لِمَا روى أبو داود في («سننه»، وأحمد بن حنبل) في «مسنده»، والبزَّار في «مسنده»، والحاكم في «مستدركه»، وقال: صحيحٌ على شرط مسلم ـ عن عبد الله بن عمرو أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أنْ يجهّز جيشاً فَنَفِدَتْ الإبل. فأمره أن يأخذ من قلائص الصّدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة.

و «من» ههنا بمعنى «على» كما في روايةٍ، نحو قوله تعالى: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ القَوْمِ الّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا}، ولأنّه مبيعٌ معلوم الصّفة، فيجوز السَّلم فيه، كالثياب؛ واعْتُرِضَ بما رواه ابن حِبّان في «صحيحه»، وعبد الرّزّاق في «مصنفه» من حديث ابن عبّاس، وأصحاب السنن الأربعة من حديث سَمُرَة بن جُنْدُب: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً. وأُجيبِ بأنّه محمولٌ على أن يكون النَّسَاء في الحيوان من الطرفين.
وأمّا ما في «آثار الطَّحاويّ» بسنده إلى أبي رافعٍ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بَكْراً، فقدِمَتْ عليه إبلٌ من إبل الصّدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرّجل بَكْره، فرجع إليه أبو رافعٍ فقال: لم أجد فيها إلاّ جَمَلاً خِيَاراً رَباعِياً فقال: «أعطه إيّاه إن خيار الناس أحسنهم قضاءً». فمحمولٌ على القرض.
ولنا: ما أخرجه الحاكم في «مستدركه» ـ وقال: صحيح الإسناد ـ والدَّارَقُطْنِيّ في «سننه» عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن السَّلف في الحيوان. وما رواه محمد في «الآثار» عن أبي حنيفة رحمه الله، عن حَمّاد بن أبي سُلَيْمَان، عن إبراهيم النَّخَعِيّ قال: دفع عبد الله بن مسعود إلى زيد بن خُوَيلدة البَكْرِيّ مالاً مضاربةً، فأسلم زيد إلى عِتْرِيس بن عُرْقُوب الشَّيْبَانِيّ في قلائص، فلمّا حلّت أخذ بعضاً وبقي بعض. فأعسر، عِتْرِيس وبلغه أنّ المال لعبد الله، فأتاه يسترفقه، (فقال عبدالله: اَفَعَلَ زيد؟ قال: نعم)، فأرسل عبد الله إلى زيد وقال: اردُدْ ما أخذت وخذ رأس مالك، ولا تُسْلِمَنّ مالنَا في شيءٍ من الحيوان.

ولأن الحيوان يتفاوت آحاده تفاوتاً فاحشاً. فإنّك ترى عبدين أو أمَتَيْنِ متفقين في الأوصاف المشروطة، ومع ذلك، باختلاف الصَّباحة، والملاحة، والفصاحة، والكِيَاسة، وحسن السيرة، والصورة، يساوي أحدهما ألفاً والآخر ألوفاً. قال (الشاعر):
*
أَلاَّ رُبَّ فَرْدٍ يَعْدِلُ الألْفَ زَائِداً ** وأَلْفٍ تَرَاهُمْ لا يُسَاوُونَ وَاحِداً
فلا يجوز السَّلم فيه كالجواهر، بخلاف الثياب، فإنها بصنع العبد، وهي إنّما تُصْنَع بآلةٍ، فإذا اتّحدت الآلة والصانع لم يبق إلاّ التفاوت اليسير، وهو لا يضر. وحديث عبد الله بن عمرو السّابق، قال ابن القطّان في كتابه: إنّه ضعيفٌ مضطربُ الإسناد. وبيَّنه، فلا يُحتجّ به.

ولا يصحّ السَّلم في اللّحم عند أبي حنيفة، ولو منزوعَ العظم، على الأصحّ في الروايتين عنه. ويصحّ عندهما كمالك والشَّافعيّ مطلقاً، إِنْ بيّن جنسه ونوعه، وسِنَّه، وصفته، وموضعه، وقدره، كشاةٍ خَصِي ثَنِيّ سمينٍ من الجنب، كذا رطلٍ بكذا، يصحّ. كما يصحّ في الأَلْية، والشَّحم، والسَّمك وزناً، وبه يُفْتَى.
(
وَأطْرَافِهِ) أي ولا يصحّ السَّلم في أطراف الحيوان، كالرؤوس، والأكارِع، وهي جمع كُرَاع: وهو ما دون الرُّكبة في الدَّواب، وبه قال الشَّافعيّ في الأظهر، لأنّها عددية متفاوتة. قيل: هذا قول أبي حنيفة، وأمّا عندهما فيجوز كما في اللَّحم، وقيل: لا يجوز باتفاقٍ.
(
وَجُلُودِهِ) أي ولا يصحّ السَّلم في الجلود عدداً غيرَ مُبَيَّن الطُّول والعرض والصِّفة. إذ التفاوت بين رأس ورأسٍ، وكُراعٍ وكُرَاعٍ معتبرٌ فيما بين النّاس، ويُمَاكِسُون لأجله. ولو أسلم في الرؤوس والأكارِع وزناً اختلفوا فيه. وقال مالك والشافعيّ وأحمد رحمهم الله في روايةٍ: يجوز السَّلم في الجلود، والرؤوس والأكارِع عدداً ووزناً، لأنّها معلومة القدر والصّفة بالذّكر، ولأنّ الجلود في معنى الثياب لأنّها يُتخذ منها الفرو والخِفَاف.

قيَّدنا بالعدد غير المُبَيَّن الطول والعرض والصفة، لأنّ السَّلم فيها وزناً، يجوز، وكذا عدداً إذا بيّن طولها وعرضها.
(
وَالجَوَاهِرِ) أي ولا يجوز السَّلم في الجواهر لأنّها عددية متفاوتة لتفاوت آحادها في الماليّة بالصغر والتدوير، بخلاف اللآلي الصِّغار التي تباع وزناً، فإنّها يصحّ السَّلم فيها لأنّها تُعلم بالوزن.
(
وَلاَ بِصَاعٍ) أي ولا يصحّ السّلم بمكيالٍ (وَلاَ ذِرَاعٍ مُعَيَّنَيْنِ لَمْ يُدْرَ قَدْرُهُ)،
لأنّ القدرة على التَّسليم وقت وجوبه شرطٌ، وهي لا تتحقّق إلاّ ببقاء ما عيّنه من المكيال والذّراع إلى وقت التَّسليم، وبقاؤه غير معلومٍ لاحتمال أنّه يضيع فيقع النِّزاع، وإنّما جاز البيع بهما لأنّ السَّلم يتأخر فيه التَّسليم، فيكون الضياع محتملاً بخلاف البيع.

(
شُرُوط السَّلَمِ)
(
وشُرُوطُهُ) أي السَّلم. وفي بعض النسخ: وشرطه (بَيَانُ جِنْسِهِ) أي جنس المُسْلَم فيه (كَبُرَ) أو شعيرٍ. (وَ) بيان (نَوْعِهِ كَسَقِيَّةٍ) بفتح فكسر فتشديد التحتيّة، أي حنطة مَسْقِيّة سَيْحاً. (وَ) بيان (صِفَتِهِ كَجَيِّدٍ، وَ) بيان (قَدْرِهِ) ككذا كيلاً بمكيالٍ معروفٍ، أو كذا وزناً بميزان معروفٍ، لأنّ المُسْلَم فيه قد يختلف بالجنس والنوع والصّفة والقدر، فلا بدّ من بيان هذه الأشياء لقطع المنازعة.
(
وَ) بيان (أجَلِهِ) فلا يجوز السّلم في حالَ ولا مؤجّلٍ بأجلٍ مجهولٍ. وقال الشّافعيّ: يجوز السّلم في الحالّ، وبه قال عطاءٌ وأبو ثور، واختاره ابن المُنْذِر، لأنّه مبادلة مالٍ بمالٍ فلا يكون الأجل فيه شرطاً كالبيع. ولنا: ما مرّ من قوله عليه الصلاة والسّلام: «من أسلف في شيءٍ فليُسْلف في كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ». (وأقَلُّهُ) أي أقلّ الأجل في السّلم (شَهْرٌ) كذا رُويَ عن محمد، وهو الأصحّ، وعليه الفتوى.

(وَ) من شروط السَّلم بيان (قَدْر رَأسِ المَالِ في) رأس المال (الكَيْلِيّ، وَ) في رأس المال (الوَزْنِيّ، وَ) في رأس المال (العَدَدَيّ). ولو قال: وقدر رأس المال الكيليّ... إلى آخره لكان أولى. ثم ما ذكره إن كان رأس المال عند العقد غيرَ مشارٍ إليه فباتفاقٍ، وإن كان مشاراً إليه، فعند أبي حنيفة رحمه الله خلافاً لهما. حتّى لو قال: أسلمت إليك هذه الدَّراهم في كُرِّ بُرّ، ولم يبيّن وزن الدَّراهم. أو قال: أسلمت إليك هذا البُرَّ في مَنّ زعفران ولم يبيَّن قدر البُرّ، لا يصحّ عنده، ويصحّ عندهما. وأمّا رأس المال الذِّراعي إذا كان مشاراً إليه عند العقد، لا يُشْتَرطُ بيانُ قدره باتفاق.
(
وَ) من شروطه بيان (مَكَانِ إيفَاءِ مُسْلَمٍ) أي مُسْلَمٍ فيه (لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ) وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله، وَوَجْهٌ في مذهب الشَّافعيّ. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: لا يشترط مكان الإيفاء، ولكنْ إِن شرطا مكاناً صحّ، وإن لم يُشْتَرط يتعيّن مكان العقد، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله أولاً، والأصحّ في مذهب الشَّافعي، لأنّ التسليم وجب بالعقد، فيتعيّن له مكان العقد كما في البيع.
ولأبي حنيفة رحمه الله: إنَّ تعيّن مكان العقد إمّا بالتعيين صريحاً أو بضرورة وجوب التّسليم في الحالّ، ولم يوجد واحدٌ منهما بخلاف البيع، فإنه واجب التّسليم في الحالّ، فيتعيّن له موضع بالعقد. وقيّد المُسْلَم فيه بأن يكون لحمله مُؤْنة، لأنه لو لم يكن كذلك، كالمسك والزَّعْفَران، والكَافُورِ القليلة لا يحتاج فيه إلى بيان الإيفاء عندهم، لأنّ قيمته لا تختلف باختلاف المكان.

(وَقَبْصِ رَأْسِ المَالِ) أي مال السَّلَم (قَبْلَ الافْتِرَاقِ) أي افتراق العاقدين بالأبدان (شَرْطُ بَقَائِهِ) خبرٌ لمبتدأ مقدمٍ، أي شرط بقاء السَّلم صحيحاً، وبه قال الشّافعيّ. ولهذا صحّ السَّلم مع تأخير التّسليم إلى آخر المجلس. ولو مكثا إلى الليل، أو سارا فَرْسَخاً، أو نام أحدهما. وجوّز مالك تأخيره اليوم واليومين والثلاث بشرط. وقيل: لا يجوز، فإنْ أخَّر أكثر بغير شرطٍ فقولان. ولا فرق بين كون رأس المال ممّا لا يتعيّن كالنُّقود، أو ممّا يتعيّن كالعروض. أمّا إن كان ممّا لا يتعيّن فلئلا يفترقا عن دينٍ بدينٍ، وهو بيع الكالىء بالكالىء، أي النّسيئة بالنّسيئة، لِمَا رواه ابن أبي شَيْبَة، وإسحاق بن رَاهُويَه، والبزَّار في «مسانيدهم» من حديث موسى بن عُبَيْدة، عن عبد الله بن دِينارٍ، عن ابن عمر، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم. ولفظ البزَّار ـ قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، وعن بيع الكالىء بالكالىء، وعن بيع عاجلٍ بآجلٍ».
فالغرر: أن تبيع ما ليس عندك. والكالىء بالكالىء: دينٌ بدينٍ. والعاجل بالآجل: أن يكون له عليك ألف درهمٍ مؤجّلةً، فيتعجّل عنها بخمس مئة. وأمّا إن كان من العروض، فلأنّ السَّلم أَخْذُ عاجلٍ بآجل، والمُسْلَم فيه آجلٌ، فوجب أنْ يكون رأس المال عاجلاً، ليكون حُكْمُه على وَفْق اسمه. ولو أبى المُسْلَم إليه قبض رأس المال أُجْبِرَ عليه.
ومِن شروط السَّلم: وجود المُسْلَم فيه من وقت العقد إلى وقت التَّسليم، حتّى لو كان موجوداً حال العقد، معدوماً وقت التّسليم لا يجوز بالإجماع. ولو كان معدوماً حال العقد موجوداً وقت التّسليم، أو معدوماً بينهما لا يجوز عندنا، وهو قول الأوْزَاعِيّ. والمعتبر وجوده في السّوق الذي يُبَاع فيه في ذلك المصر. وقال مالك والشّافعيّ: يُشْتَرط وجوده حال حلوله فقط.

ولنا: ما رواه أبو داود وابن ماجه ـ واللفظ له ـ عن أبي إسحاق، عن النَّجْرَانيّ قلت لعبد الله بن عمر: أُسْلِمُ في نخلٍ قبل أنْ يُطْلِع؟ قال: لا. قلت: لِمَ؟ قال: إن رجلاً أسلم في حديقة نخلٍ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يُطْلِع النخل، فلم يُطِلْع النخل شيئاً ذلك العام، فقال المشتري: أؤخرك حتى يُطْلِعَ. فقال البائع: إنّما بعتك النّخل هذه السنة. فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للبائع: أَخذ من نخلك شيئاً»؟ قال: لا. قال: «بم تستحلّ ماله؟ اردد عليه ما أخذت منه، ولا تُسْلِمُوا في نخلٍ حتى يبدوَ صلاحُه». وفيه مجهولٌ كما علمت.

وما في البخاري عن أبي البَخْتَرِي قال: سألت ابن عمر عن السّلم في النّخل، فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع النخل حتى يصلح، وعن بيع الوَرِق نسأً بناجزٍ. وسألت ابن عبّاس عن السّلم في النّخل، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع النّخل حتَّى يُؤْكَلَ منه.
فقد ثبت عن هذين الصّحابيين الكبيرين في العلم والتتبع أنهما فَهِمَا من نهيه عن بيع النّخل حتّى يصلح، بيعَ السّلم، فقد دلّ الحديث على اشتراط وجوده عند العقد، والاتفاق على اشتراطه عند المَحَلّ.
(
فَلَوْ كَانَ) رأس المال (دَيْناً وعَيْناً) من جنس واحد: بأن أسلم مئة درهم نقداً، ومئة درهم ديناً على المُسْلَم إليه في الكُرِّ (بَطَلَ) السّلم (في حِصَّةِ الدَّيْنِ) لأنّه دين بدينٍ، وصحّ في حصة النقد لوجود قبض رأس المال في المجلس. وقال زُفَر: يشيع الفساد ويبطُل العقد في حصة العين أيضاً، لأنّ هذا الفساد في صلب العقد. (وَلاَ يَجُوزُ) أي لا يصحّ (التَّصَرُّفُ في رَأْسِ المَالِ) قبل قبضه، (وَ) لا التَّصرُّف في (المُسْلَم فيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ) باستبدالٍ، أو توليةٍ، أو شركةٍ، أو إقالةٍ بخلاف ارتهانٍ أو حَوالةٍ.

أمّا في رأس المال، فلأنّ قبضه في المجلس حقّ الله تعالى، وفي التَّصرّف فيه قبل قبضه تعرّض لتفويت ذلك. وأمّا في المُسْلَم فيه، فلما أخرجه أبو داود، وابن ماجه والترمذي في «عِلَله الكبير» ـ وقال: لا أعرفه إلاّ من هذا الوجه، وهو حسنٌ ـ عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أسلم في شيءٍ، فلا يصرِفْه إلى غيره». وما روى عبد الرَّزّاق في «مصنفه» عن مَعْمَر، عن قَتَادة، عن ابن عمر أنه قال: إذا أسلفت في شيءٍ، فلا تأخذ إلاّ رأس مالك أو الذي أسلفت فيه.
ولو أسلم في رُطَبٍ فأخذ مثله تمراً، أو بالعكس، صحّ عند أبي حنيفة رحمه الله، نظراً إلى التَّساوي في الحال، ولم يصحّ عندهما نظراً إلى التَّفاوت في المآل. ولو أخذ دقيقاً، أو سَوِيقاً، أو مَقْلِيّاً عن بُرّ، أو أخذ دقيقاً عن سويقٍ أو بالعكس لا يصحّ لاختلاف الجنس فكان استبدالاً. وإن تقايلا عقد السَّلم مَنَعْنَا ربَّ السّلم شراء شيءٍ من المُسْلَم إليه برأس المال استحساناً. ولم يمنعه زُفَر قياساً، لأنه لمّا بطل السَّلم بقي رأس المال ديناً في ذمته، فيصحّ الاستبدال به كسائر الديون.

ولنا قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أسلم في شيءٍ، فلا يصرفه إلى غيره». رواه أبو داود، والترمذي وحسَّنه. ورواه الدَّارَقُطْنِيّ عن إبراهيم بن سعيد الجَوْهَرِيّ، ولفظه: «فلا يأخذ إلاّ ما أسلم فيه، أو رأس ماله».

(
فصلٌ في الاستصناع)

(والاسْتِصْنَاعُ) استفعالٌ من الصنع، وهو العمل من نحو خُفَ وَطَسْتٍ. وصورته: أن يقول لخفّافٍ: اخرز لي خُفّاً من أديمك يوافق رجلي، ويريه رجله بكذا (بأجَلٍ) يضرب مثله للسَّلم (سَلَمٌ) فيعتبر فيه شروطُ السَّلَم سواء (تَعَامَلُوا فِيهِ) كالخفاف (أوْ لاَ) كالثياب. وقال أبو يوسف ومحمد: هو فيما تعاملوا فيه استصناعٌ، لأنه بلفظه فيحمل عليه، ويكون ذلك الأجل للاستعجال لا للاستمهال، بخلاف ما لم يتعاملوا فيه لأنّه استصناعٌ فاسدٌ، فيحمل على السَّلم الصحيح.
ولأبي حنيفة: أنّ الاستصناع يحتمل السَّلم، فكان حَمْلُه عليه أولى، لأنّ جوازه بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، وجواز الاستصناع بالتّعامل. وقيّدنا الأجل بكونه يُضْرب مِثْلُه للسَّلم، لأنّه لو قال: على أن يفرغه غداً، أو بعد غدٍ لا يكون سَلَماً، لأنّ ذكر المدة حينئذٍ للفراغ من العمل للمطالبة. وقال زفر والشَّافعيّ: لا يصحّ الاستصناع، وهو القياس، لأنّه لا يمكن تجويزه إجارةً، لأنه استئجار على العمل في ملك الآخر إذ الأديم ملك الصانع. ولا بيعاً لأنه بيع ما ليس عنده، ولا سلماً لفقد شرائطه، ولكن جوّزناه استحساناً بالتّعامل الراجع إلى الإجماع العملي من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليوم بلا نكيرٍ، والتّعامل بهذه الصفة أصلٌ مندرجٌ في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تجتمع أمتي على ضلالة».
(
وَ) الاستصناع (بِلاَ أَجَلٍ فِيمَا يَتَعَامَلُ) النّاس (فِيهِ بيعٌ) لا عِدَةٌ. وكان الحاكم الشهيد يقول: الاستصناع مواعدة، وإنّما ينعقد بالتّعاطي إذا جاء به الصانع مفروغاً منه، ولهذا ثبت الخيار لكل منهما. والصحيح عند الجمهور أنه بيعٌ، لأنّ محمداً سمَّاه شراءً، وذكر فيه القياس والاستحسان، وفصّل بين ما فيه تعامل وبين ما لا تعامل فيه. والمواعدة تجوز قياساً واستحساناً في الكلّ. قيل: وحكم الحاكم أحكم، والله سبحانه وتعالى أعلم.

لكن الصحيح أنه بيعٌ (فَيُجْبَرُ الصَانِعُ عَلَى العَمَلِ) ولو كان مواعدة لما أجبر (وَلاَ يَرْجِعُ الآمِرُ) عنه، ولو كان مواعدة لكان له الرّجوع.
(
والمَبِيعُ) في الاستصناع هو (العَيْنُ لا عَمَلهُ) أي عمل الصانع. وقال أبو سعيد الَبرْدَعِي: عمله، نظراً إلى أن الاستصناع مشتقٌ من الصنع وهو العمل. وقد أشار المصنف إلى ما يدلّ من الفروع على أنّ المبيع في الاستصناع العينُ بقوله:

(
فَلَوْ جَاءَ بِمَا صَنَعَهُ غَيْرُهُ) قبل العقد أو بعده، (أوْ) بما صنعه (هُوَ قَبْلَ العَقْدِ) الظرف متعلقٌ بـ: «صَنَعَهُ» المقدّر (فَأَخَذَ) الآمر العين (صَحَّ) ولو كان المعقود عليه عمله لم يصحّ وبقوله: (ولا يَتَعَيَّنُ لَهُ) أي للآمر (بِلاَ اخْتِيَارِهِ) إذ الذي يدخله خيارُ الرُّؤية بيعُ العين لا بيع العمل (فَصَحَّ) للصانع (بَيْعُهُ قَبْلَ رُؤْيَةِ الآمِرِ) أي المستصنع لعدم تعيّنه حينئذٍ، لأن تعيّنه باختيار الآمر، واختيار الآمر بعد رؤيته. ولا يثبت للمستصنع خيار الرّؤية إذا جاء به الصانع على الصفة المشروطة عند أبي حنيفة خلافاً لهما.

مَسَائِلُ شَتَّى

(وَصَحَّ بَيْعُ الكَلْبِ) ولو كان عَقوراً (والسِّباعِ عُلِّمَتْ أوْ لاَ) وشرط (شمس) الأئمة لجواز بيع الكلب ونحوه أن يكون مُعَلَّماً أو قابلاً للتّعليم. وقال الشّافعي: لا يصحّ بيع الكلب مطلقاً، لأنّه نجس العين كالخنزير، وكذا عندنا في روايةٍ، وهو قول أحمد وبعض أصحاب مالك، والمشهور من مذهبه الجواز. وأمّا اقتناء الكلب لصيدٍ أو لحفظ الزّرع أو المواشي أو البيوت فجائزة بالإجماع. لهم: ما روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الأنصاريّ: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب، ومهر البَغِيِّ، وحُلْوَان الكاهن». ولنا: ما روى أبو حنيفة في «مسنده» عن الهَيْثَم، عن عِكْرَمَةَ، عن ابن عبّاس قال: رخّص رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمن كلب الصيد.
(
والذِّمِّي في) أحكام (البَيْعِ كَالْمُسْلِمِ) لأنّه مكلفٌ بموجب المعاملات، فما جاز للمسلم من البِياعات جاز له، وما لا فلا، كالرِّبا (إلاّ في الخَمْرِ وَالخِنْزِيرِ فَهُمَا) في عقد الذِّمِّيّ (كَالخَلِّ وَالشَّاةِ في عَقْدِنَا) فيكون الخمر عندهم مِثْلياً والخنزير قيمياً، لما روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن سفيان الثَّوْريّ، عن إبراهيم بن عبد الأعْلى الجُعْفِيّ، عن سُوَيْد بن غَفَلة قال: بلغ عمر بن الخطَّاب أنّ عُمَّاله يأخذون الجِزْية من الخمر، فناشدهم ثلاثاً. فقال له بلال: إنهم ليفعلون ذلك. قال: فلا تفعلوا، ولُّوهم بيعها، فإن اليهود حُرِّمَت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها.
ورواه أبو عُبَيْد في «كتاب الأموال»، وقال: كانوا يأخذون من أهل الذِّمة الخمر والخِنزير في جزية رؤوسهم، وخَراج أراضيهم بقيمتها، ثم يتوّلى المسلمون بيعها. فهذا الذي أنكره بلال ونهى عنه عمر. ورخّص لهم أن يأخذوا ذلك من أثمانها إذا كان أهل الذِّمة المتولين بيعها، لأنها مالٌ لهم وليس بمالٍ للمسلمين. انتهى.

وسُوَيْد بن غَفَلة، بفتح المعجمة والفاء: أبو أميّة الجُعْفِيّ، وُلِدَ عام الفيل، قَدِمَ المدينة حين دفنوا النبيّ صلى الله عليه وسلم، سمع من أبي بكر وعمر.
(
وَدرهَمٌ نُثِرَ فَوَقَعَ في ثَوْبِ رَجُلٍ فَهُوَ لَهُ) أي الدرهم للرجل (إنْ أعَدَّهُ) أي أعدّ الرجل الثوب (لَهُ) أي لوقوع الدّرهم، (أوْ) إن (كَفَّهُ) أي جمع الرّجل الثوب بعد وقوع الدرهم فيه، لأن الحكم لا يُضاف إلى السبب الصالح إلاّ بالقصد، وقد وُجِدَ ما يدل عليه وهو إعداد الثوب أو جمعه. (وإلاّ) أي وإن لم يعدّ الرجل الثوب ولم يجمعه على الدرهم (فَلِلآخِذِ) أي فالدرهم لآخذه لأنّه مباحٌ سبقت يده.

(
وَاعْتُبِرَ) ـ أنت، أو هو بصيغة المجهول الماضي ـ (بِهِ) أي بهذا الذي قلناه في الدّرهم الذي نثر (سَائِرُ المُبَاحَاتِ) فلو أفرخ طير أو باض في أرض رجلٍ، إن كانت أرضه مهيّأة لذلك فهو له، وإلاّ فلآخذه، بخلاف ما لو عَسَل النحل في أرضه، فإنه يملك عسله وإن لم يعدّ أرضه، لأنّ العسل ممّا يحصُل من الأرض فيكون تبعاً لها كالشجر النابت فيها والتراب المجتمع بجريان الماء فيها، ولهذا يجب في العسل العُشْر إذا أُخذ من الأرض العُشْرِية.

(
فَصْلٌ في الصَّرْفِ)
(
الصَّرْفُ) لغةً: النقل والرّدّ، قال الله تعالى: {ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم}، وسُمِّيَ به لأنه يحتاج فيه إلى نقل بَدَلَيْهِ من يدٍ إِلى يدٍ.

وشرعاً: (بَيْعُ الثَّمَنِ) أي المخلوق للثمنية وهو الذّهب والفضة مطلقاً (بالثَّمَنِ جِنْساً بِجِنْسٍ) كذهبٍ بذهبٍ، أو فضةٍ بفضةٍ، فيشترط فيه التّساوي وزناً، وإن اختلفا جودةً وصياغةً لِمَا تقدّم من إهدار الشّارع اعتبار الجودة عند المقابلة بالجنسِ. (أوْ) جنساً (بِغَيْرِ جِنْسٍ) كذهبٍ بفضةٍ أو فضةٍ بذهبٍ، فلا يشترط فيه التّساوي وزناً بل جاز فيه التّفاضل لقوله عليه الصلاة والسلام : «فإذا اختلفت هذه الأصنافُ، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيدٍ».
(
وَيُشْتَرَطُ) في الصَّرْف سواء كان بالجنس أو بغيره (التَّقَابُضُ) من الطرفين باليد لا بالتخلية (قَبْلَ الافْتِرَاقِ) بالأبدان بإجماع العلماء، ولما روى مالك في «الموطّأ» عن عمر أنّه قال: لا تبيعوا الذَّهب بالذّهب إلاّ مِثْلاً بمثلٍ، ولا تبيعوا الوَرِقَ بالذّهب أحدهما غائبٌ والآخر حاضرٌ، وإن استنظرك أن يلج بيته فلا تنظره إلاّ يداً بيدٍ، هاتِ وهاتِ، إنّي أخشى عليكما الرِّبا.

(وَإنْ وَقَعَ) التَّقَابُض (في البَعْضِ صَحَّ) العقد (فِيهِ) أي في ذلك البعض، وبطل في الباقي (في إنَاءِ فِضَّةٍ) أي حال كون ذلك البعض في إناء الفضة. يعني أَن من باع إناء فضةٍ وقبض بعض ثمنه ثم افترقا، بطل البيع فيما لم يقبض ثمنه وصحّ فيما قبض، (وصَارَ) الإناء (مُشْتَرَكاً) بينهما لأنّ هذا العقد صرْفٌ كلّه، والتّقابض في المجلس شرطٌ في الصرف، وقد وُجِدَ في البعض دون البعض، فيصحّ فيما وجد فيه، ويبطل فيما لم يوجد، وهذا الفساد طارىء لأنّه لعارض الافتراق لا عن قبضٍ، فلا يتعدّى إلى ما لم يوجد فيه. قيّد البعض بكونه في إناء، لأنّه لو كان في نُقْرة لم يكن الحكم لزوم اشتراكهما، لأنّ النُّقْرة تتبعض بلا ضررٍ بخلاف الإناء. وليس الصحة في بعض الإناء الذي نقد ثمنه، والبطلان في بعضه الذي لم ينقد ثمنه من تفريق الصَّفْقة، لأنّ هذا تفريقٌ من جهة الشَّرع باشتراط القبض، فصار كهلاك أحد العبدين.
(
وَكَذَا) يصحّ العقد (في السَّيْفِ المُحَلَّى) إذا بِيع وَوَزْنُ حليته مثلاً خمسون بمئة، ونقد المشتري خمسين (إنْ خُلِّصَتْ الحِلْيَةُ بِلاَ ضَرَرٍ وَيُصْرَفُ القَبْضُ إلى ثَمَنِهَا) أي ثمن الحِلْيَة وإن لم يبيّن أنّه ثمنها، لأنّ قبض حصة الحِلْية واجبٌ في المجلس لحق الشّرع، وقبض حصة السيف غير واجبٍ فيه، والتَّسليم مطلقٌ. فيجعل المنقود من حصة الحلية، لأنّ الظاهر من حال المسلم العاقل أن يؤدي الواجب ولا يُخِلَّ به.

وكذا لو قال: خذ هذه الخمسين من ثمنهما، لأنّ المثنّى قد يعبّر به عن الواحد كما في قوله تعالى: {يَخُرْجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} والمراد أحدهما، لأنّهما يخرجان من المالح لا من العذب. وفي قوله تعالى: {نَسِيَا حُوتَهُمَا} والنّاسي صاحب موسى بدليل {فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ}

، وفي قوله تعالى: {قَدْ أُجِيبَت دَعْوَتُكُمَا} والداعي كان موسى عليه السلام. وفي قوله عليه الصلاة والسلام لمالك ابن الحُوَيْرِث وابن عمّ له: «إذا سافرتما...» أي إذا كنتما في سفر، (وفي روايةٍ: «إذا سافرتم) فأذّنا وأقيما». والمراد أحدهما، فيحمل ما نحن فيه على ذلك نظراً إلى ظاهر حال المسلم هنالك. بخلاف ما لو صرّح وقال: خذها من ثمن السيف، فإِنّ الظاهر حينئذٍ عارضه التَّصريح بخلافه.
(
وَإنْ) افترقا و (لَمْ يُقْبَضْ شَيْءٌ) والحال أَنّ الحِلْية تتخلص بلا ضررٍ (بَطَلَ) العقد (فيها) أي في الحِلْية، لأنّ العقد فيها صرف، وقد فات شَرْطُه وهو القبض في المجلس. قيّد البطلان بكونه في الحِلْية، لأن العقد حينئذٍ يصحّ في السيف لأنه مقدورٌ على تسليمه، ويمكن إفراده بالبيع لكونه يتخلّص بلا ضررٍ، كالطَّوق والأمة. فأمّا إذا بِيعت أمةٌ مع طوْقٍ بنقدٍ ونسيئةٍ، فسد العقد فيهما عند أبي حنيفة، وفي الطوق عندهما. (وإنْ لَمْ تُخَلَّصْ) الحلْية إلاَّ بضررٍ، والحال أَنه لم يُقْبَضْ شَيءٌ (بَطَلَ) العقد (أصْلاً) أي في الحِلْية وفي السيف. أمّا في الحِلْية، فلِفَقْد شرط الصَّرْف وهو القبض في المجلس، وأمّا في السيف فَلِتَعَذُّر تسليمه بدون الضّرر.
ولو باع درهمين وديناراً بدرهمٍ ودينارين جاز بأن يُصْرفَ كلّ جنسٍ بخلاف جنسه تصحيحاً للعقد، كما لو باع كُرَّ بُرَ وكُرَّ شعيرٍ بِكُرَّيْ بُرّ وكُرَّيْ شعير. وأفسده الشَّافعي وزُفَر.
ولو باع ما غالبه فضةٌ أو ذهبٌ بخالصه لم يجز إلاّ متساوياً وزناً، لأنّ العبرة للغالب، فكان كل منهما له حكم خالصه، ولهذا لا يستقرض إلاّ وزناً. ولو باع ما غالبه غش بآخر من جنسه متفاضلاً جاز، ويكون الغِش في كل واحدٍ منهما متقابلاً بالخالص الذي في مقابله، لكن بشرط التَّقابض قبل الافتراق لوجود الفضّة أو الذّهب في الكلِّ من الجانبين مع عدم التخلّص إلاّ بضرر.

ولو باعه بخالصة من فضة، أو ذهب لا يجوز إلاّ أن يكون الخالص أكثر ممّا في غالب الغِش منه، كبيع الزيتون بالزيت، والشَّيْرَج بالسِّمْسِم. ويجوز التبايع والاستقراض برائج المغشوش وزناً إن كان رواجه به، أو عدّاً إن راج به، أَو بهما إن راج بهما، لأنّ المعتبر فيما لا نصّ فيه العادةُ، والله تعالى أعلم.

كتاب الشُّفْعَةِ
(
هي) لغةً: الضم، ومنه الشفع في الصلاة لِضَمِّ ركعةٍ إلى أخرى. والشفع هو ضد الوتر. والشفيع لانضمام رأيه إلى رأي المشفوع له في الطلب، وشفاعة المذنبين لأنّها تضمهم إلى الفائزين.
وشرعاً: (تَمَلُّكُ العَقَارِ عَلَى مُشْتَرِيهِ جَبْراً بِمِثْلِ ثَمَنِهِ) الذي اشتراه به، لِمَا في «صحيح مسلم» عن جابرٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشُّفْعَةُ في كلّ شِرْكٍ: (في أرض، أو) رَبْعٍ، أو حائطٍ لا يَصْلُحُ أن يبيع حتّى يعرض على شريكه فيأخذ أوْ يدع، فإن أَبَى فشريكه أحقّ به حتّى يُؤْذِنَهُ».
(
وَتَثْبُتُ) الشّفعة (بِقَدْرِ رُؤوسِ الشُّفَعَاءِ) عندنا (لاَ) بقدر (المِلْكِ) كما قال مالك والشّافعيّ في الجديد، وأحمد في روايةٍ. فلو كانت دار بين ثلاثة: لأحدهم نصفها، والآخر ثلثها، والآخر سدسها، فباع صاحب النّصف نصيبه وطلب الشريكان الشّفعة، فإنّ القاضي يقضي بها نصفين عندنا لكل واحدٍ نصفٌ، وأثلاثاً عندهم: لصاحب الثلث ثلثان، ولصاحب السدس ثلث. لأنّ الشّفعة من حقوق الملك لكونها لتكميل المنفعة، فيقدر بقدره، كالربح، والغلة، والولد، والثّمرة.

ولنا: إنّ التّساوي في سبب الاستحقاق يوجب التّساوي في الاستحقاق ، والشّركاء متساوون في سبب الشّفعة، ولهذا لو انفرد واحدٌ منهم أخذ الكلّ وإنّ قلّ نصيبه، فيستوون في الاستحقاق، كما لو استوت الأنصباء والربح ونحوه متولّدات من الملك فيستحقّ بقدره، (لِلخَلِيطِ) متعلّق بـ: «تثبت» (في نَفْسِ المَبِيعِ) متعلّق بالخليط وهو الشريك الذي لم يقاسم، ولو كان ذمياً لمساواة المسلم في سببها، وهو أمر دنيوي وهما فيه سواء. (ثُمَّ لِلْخَلِيطِ) أي الشريك (في حَقِّ المَبِيعِ كَالشِّرْبِ) ـ بكسر المعجمة ـ وهو النصيب في الماء، ومنه قوله تعالى: {لَهَا شِرْبٌ ولَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ}.
(
والطَّرِيقِ) أي وكالممر (خَاصَّيْنِ) حال (كَشِرب نَهْرٍ لا تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ) بضمتين جمع سفينة (وَطَرِيقٍ لا يَنْفُذُ) وقيل: مفوّضٌ إلى المجتهد في كل عصر.
(
ثُمَّ لِجَارٍ مُلاَصِقٍ) و (بَابُهُ في سِكَّةٍ أخْرَى) قيّد به لأنه لو كان بابه في سكة الدّار لكان خليطاً في حقّ المبيع. والحاصل أنّها له وإن كان بابه في سكة أخرى، أو للجار المقابل في السكة الغير النافذة. فعندنا الشّفْعة لكل واحدٍ من هذه الثلاثة على هذا الترتيب، وهو قول سفيان الثَّوْرِيّ، وعبد الله بن المبارك كما ذكر التّرمذي في «جامعه». وقال مالك والشّافعيّ وأحمد: لا شُفْعَة للجار لِمَا روى البخاري عن أبي سَلَمَة، عن جابر بن عبد الله قال: قضى رسول الله بالشفعة في كلّ ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصُرِفَت الطُّرق، فلا شفعة. وفي رواية «الشُّفْعة فيما لم يقسم» إلى آخره. وفي لفظ له: إنّما جعل النّبي صلى الله عليه وسلم الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود... الحديثَ. ولأنّ الشُّفْعة تثبت على خلاف القياس لما فيها من تملّك مال الغير بغير رضاه، فيقتصر على مورد النّص، وهو ما لم يقسم.

ولنا: ما في البخاري عن أبي رَافِعِ أنّه سمع النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «الجار أحقّ بسَقَبِهِ». وما روى أبو داود في البيوع، والترمذي في الأحكام وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائي في الشروط (عن قَتَادة) عن الحسن، عن سَمُرَة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «جار الدّار أحقُّ بدار الجار أو الأرض». ورواه أحمد في «مسنده»، والطَّبَرَانِيّ في «معجمه»، وابن أبي شَيْبَة في «مصنفه»، وفي بعض ألفاظهم: «الجار أحقُّ بشفعة الدَّار». وفي رواية لأبي داود في «سننه» عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجار أحقّ بشفعة جاره، يُنْتَظَرُ بها وإن كان غائباً، إذا كان طريقهما واحداً». فإن قيل: المراد بما رويتم الجار الذي يكون شريكاً، لِمَا أخرجه البُخَاري عن عمرو بن الشَّرِيد قال: وقفت على سعد بن أبي وقّاصٍ، فجاء المِسْور بن مَخْرَمَةَ فوضع يده على إحدى مَنْكِبيّ، إذ جاء أبو رَافعٍ مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا سعد ابْتَعْ مني بَيْتَيَّ في دارك. فقال سعد: والله ما أبتاعُهما. فقال المِسْور: والله لتَبْتَاعَنَّهُمَا. فقال سعد: والله لا أزيدك على آربعة الآفٍ مُنجَّمةً أو مُقَطَّعَةً. قال أبو رافعٍ: لقد أُعْطِيتُ بها خمس مئة دينارٍ، ولولا أنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الجارُ أحقُّ بِسَقَبِهِ» ما أعْطَيْتُكها بأربعة آلافٍ، وأنا أُعْطَى بها خمس مئة دينارٍ، فأعطاها إيّاه.

أجيب بأنّ هذا مُعَارَضٌ بما أخرجه النَّسائيّ وابن ماجه عن عمرو بن الشَّرِيد، عن أبيه أنّ رجلاً قال: يا رسول الله: أرضي ليس فيها لأحدٍ شِرْكٌ ولا قِسْمٌ إلاّ الجُوَار، فقال: «الجار أحقّ بِصَقَبهِ». وفي غريب الحديث: الصَقَبُ بفتحتين: ما قَرُب من الدَّار، والسين لغة في الصاد. وأُجِيبَ عن حديث جابر: بأنّ تخصيص ما لم يقسم بالذّكر لا يدلُّ على نفي الحكم عمّا عداه، وقوله: «إذا وقعت الحدود وصرفت الطُّرق فلا شفعة»، من كلام الرّاوي، فلا يكون حجةً في عدم استحقاق الشُّفعة للجار مع ما روينا من مرفوع الأخبار. ولو سلّم أنه من كلام النبيّ صلى الله عليه وسلم فمعناه: لا شفعة بسبب القسمة دفعاً لتوهم أنّ القسمة تثبت بها الشفعة كالبيع، لما فيها من معنى التمليك من كلّ واحدٍ من الشريكين للآخر.
وفي «معاني الآثار»: إن قيل: لِمَ أوْجَبْتَ الشّفعة على هذا الترتيب ولم تَجْعَلْهَا لهم جميعاً إذا حضروا وطلبوا؟ قيل: لأنّ الشّريك في المبيع خليطٌ فيه وفي الطريق، فمعه من أسباب الشفعة مثلما مع الشريك في الطريق، وسبب آخر ليس مع الشريك في الطريق، فكان أولى منه ومع الشّريك في الطريق شركةٌ فيها ومُلازَقةٌ للمبيع، ومع الجار ملازقة للمبيع فقط، فكان الشّريك في الطريق أولى من الجار. وفي «شرح مختصر القُدُورِيّ»: ولو سلّم الشريك في المبيع الشفعة وجبت للشريك في الطريق، فإن سلّمها وجبت للجار.

(ويَطْلُبُهَا) أي ويطلب الشفيع الشفعة لأنّها حقٌّ ضعيفٌ يبطل بالإعراض، فلا بدّ فيه من الطلب بما يفهم منه طلب الشُّفعة، ولو كان ماضياً في الأصحّ كـ:طلبت الشفعة إذا طلبها، أو: أنا طالبها، وهو اختيار الفقيه أبي جعفر، والفقيه أبي الليث، والشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل، لأنّ الاعتبار للمعنى. وقال بعضهم: يقول: أطلب الشفعة وآخذها، ولا يقول: طلبتها وأخذتها. فإن قال ذلك بطلت شفعته لأنّ ذلك كذبٌ محضٌ. قلنا: يُذكر للحال عرفاً كبعت واشتريت.
(
في مَجْلِسِ عِلْمِهِ بِالْبَيْعِ) ليعلم بذلك عدم إعراضه عنه، وهذا عند أبي حنيفة إذا أخبره رجلان، أو رجل وامرأتان، أو عدل. وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله إذا أخبره واحدٌ، حراً كان أو عبداً، وصبياً كان أو امرأةً. وهي نظير اختلافهم في عزل الوكيل. وقوله: في مجلس علمه بالبيع رواية هشام عن محمّد أنّه يشترط الطلب في مجلس العلم، إن طلب فيه صحّ، وإن قام عنه قَبْلَه بطلت، وبه أخذ الكَرْخِيّ. وفي ظاهر الرواية: كما علم بالبيع من غير مهلة، واختارها العامة، سواء كان عنده أحد أو لم يكن، لقوله عليه الصلاة والسلام «الشُّفعة كحلّ العِقَال». رواه ابن ماجه في «سننه» عن ابن عمر.
(
وَهُوَ) أي طلب الشفيع في مجلس علمه (طَلَبُ مُوَاثَبَةٍ) سُمِّي به للدلالة على غاية التعجيل، حتّى كأنّ الشفيع ليثب ويطلب. روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن شُرَيْح أنّه قال: إنما الشّفعة لمن واثبها.
(
ثُمَّ يُشْهِدُ) الشفيع (عَلَى طَلَبِهِ).

قال قاضيخان: إذا صدر منه طلب المواثبة يحتاج إلى طلب الإشهاد. (وإنما سُمّى الثاني طلب الإشهاد) لأنّ الإشهاد شرط، بل ليمكنه إثبات الطلب عند إنكار الخصم. وكيفية هذا الطلب: أنْ ينهض من مجلس علمه، ويُشْهِدَ على طلبه، (عِنْدَ العَقَارِ) لتعلّق الحق به. (أوْ) عند (ذِي يَدٍ مِنْ بَائِعٍ) بأن كان لم يسلّم العقار إلى المشتري، لأن له حينئذٍ يداً فكان خصماً. (أوْ) عند (المُشْتَرِي) ولم يكن ذا يد، لأنّ الملك له. ويقول الشفيع: إنّ فلاناً اشترى هذه الدار وأَنا شفيعُها وكنت طلبت الشفعة، وأَنا الآن أطلبها فاشهدوا على ذلك.
(
فَإنْ أخَّرَ) الشفيع (أحَدَهُمَا) أي أحد هذين الطلبين (بَطَلَتْ) الشفعة. أمّا الطلب الأوّل فلأن مجرد السكوت فيه ساعةً دليل الإعراض، ودليلُ الشيء كصريحه. وأمّا الطلب الثّاني فلأن مدتَه مقدرةٌ بالتمكن منه نفياً للضرر عن المشتري.

(
ثُمَّ يَطْلُبُ) الشفيع (عِنْدَ القَاضِي) ويسمّى طلب الخصومة، وبتأخيره لا يبطل طلب الشُّفعة عند أبي حنيفة رحمه الله، وهو رواية عن أبي يوسف رحمه الله. وفي «الهداية»، «والكافي»: وعليه الفتوى. (وَبَتأْخِيرِه شَهْراً) من غير عذر مرضٍ أو حبسٍ. وفي نسخة: وتأخيره شهراً (تَبْطُلُ عِنْدَ مُحَمّدٍ) وهو قول زُفَر، واختيار الكَرْخِي (وَبِهِ) أي بقول محمد (يُفْتَى) اليوم. والمعنى: أنّ تصحيح صاحب «الذخيرة» و المُفْتِي قاضيخان في «جامعه الصغير» أصحّ من تصحيح غيرهما.

(فَإِذَا طَلَبَ) الشفيع عند القاضي (سَأَلَ القَاضِي الخَصْمَ) عن ملك الشفيع ما يشفع به، فإن أنكر الخصم أنه مِلْكه كلّف القاضي الشفيع بإقامة البيّنة على أنه ملكه. وقال زُفَر ـ وهو رواية عن أبي يوسف ـ لا يكلّف على ذلك، لأنّ اليد دليل الملك. فإن عجز الشفيع عن إقامة البيّنة استحلف القاضي الخصم عند أبي يوسف أنّه ما يعلم أنّ الشفيع مالك لما يطلب به الشفعة، (وعند محمد استحلفه على البتات، فيحلف بالله ما الشفيع بمالكٍ لِمَا يطلب به الشّفعة).
(
فَإنْ أَقَرَّ) الخصم (بِمِلْكِ) الشفيع (مَا يَشْفَعُ بِهِ أوَ نَكَلَ) الخصم (عَنِ الحَلِفِ عَلَى العِلْمِ) على أحد (القولين) (بأنّهُ) أي الشفيع (مَالِكُهُ) أي مالك لما يشفع، به (أوْ بَرْهَنَ الشَّفِيعُ) على ملكه (لِمَا شفع، ثبت ملكه لما) يشفع به وحينئذٍ (سَأَلَهُ) أي القاضي الخصم (عَنِ الشِّرَاءِ) فإن أنكر، أَمَر القاضي الشفيع بإقامة البينة، فإن عجز الشَّفيع عن البينة استحلف الخصم إن كان المشتري: بالله ما اشتريت هذه الدّار، وإن كان البائع: بالله مابعت هذه الدّار (فَإِنَّ أقَرَّ) الخصم (بِهِ) أي بالشّراء (أوْ نَكَلَ عِنِ الحَلِفِ أوْ بَرْهَنَ الشَّفِيعُ) على الشِّراء (قَضَى) القاضي (لَهُ) أي للشفيع (بِهَا) أي بالشُّفعة لثبوتها.

وينبغي للقاضي قبل سؤال الخصم أن يسأل الشفيع عن موضع الدّار من مصرها، ومحلّتها، وحدودها، لأنه ادعى حقاً فيها، فصار كما لو ادّعى ملك رقبتها. فإذا بيّن (سأله هل قبض المشتري الدّار أم لا؟ لأنه إذا لم يقبضها لا تصحّ دعواه على المشتري حتّى يحضر البائع، فإذا بيّن) سأله عن سبب شفعته، وحدود ما يشفع به. لأنّ الناس يختلفون فيه، فلعلّ دعواه سبب غير صالحٍ، أو لعله محجوبٌ بغيره. فإذا بيّن سبباً صالحاً وأنه غير محجوب بغيره سأله متى علم؟ وكيف صنع حين علم؟ لأنّ الشّفعة تبطُل بطول الزّمان، وبالإعراض وبما يدلّ عليه، فإذا بيّن سأله عن طلبه الإشهاد كيف كان؟ وعند من أشهد؟ وهل كان الذي أشهد عنده أقرب من غيره؟ فإذا بيّن ولم يخلّ بشيءٍ من الشروط، تمّت دعواه، فيسأل الخصم حينئذٍ كما مرّ.

(
فَلَزِمَهُ) أي إذا قضى القاضي بالشُّفعة لزم الشفيع (إحْضَارُ الثَمَّنِ) من غير مهلةٍ (وَ يَحْبِسُ) المشتري (الدّارَ لَهُ) أي لأجل الثَّمن حتّى يدفعه الشفيع إليه (وَلاَ يَسْمَعُ) القاضي (البَيِّنَةَ عَلَى بَائِعٍ) لم يسلّم العَقَار إلى المشتري (حَتَّى يَحْضُرَ المُشْتَرِي فَيَفْسَخ) القاضي البيع (بِحُضُورِهِ وَيَقْضِي بِالشُّفْعَةِ) لأنّ الملك للمشتري واليد للبائع والقاضي يقضي بهما للشفيع، فلا بدّ من حضورهما.
قيّد بالبائع، لأنّ المشتري الذي سلّم البائع إليه العَقَار إذا خاصمه الشفيع لا يشترط في سماع البيّنة عليه حضور البائع، لأنّ حكم العقد في حقّ البائع قد انتهى بالتسليم إلى المشتري، فصار البائع كأجنبيٍ آخر. وقيّدنا البائع بكونه لم يسلّم العقار إلى المشتري، لأنّ الذي سلّمه إليه لا يسمع القاضي البيّنة عليه أصلاً، ولا يكون خصماً للشفيع. وفي قوله: «فيفسخ بحضوره» إشارةٌ إلى علّةٍ أخرى، وهي أنّ البيع إذا كان ينفسخ في حقّ المشتري، فلا بد من حضوره ليقضي بالفسخ عليه.

(وَالعُهْدَةِ) أي ويقضي بعهدة الحقوق فيما أخذ الشفيع بمخاصمة البائع (عَلَى البَائِعِ) فعليه التّسليم وضمان الثّمن عند الدَّرَك. وقال الشّافعي: العهدة على المشتري سواءٌ أخذها من يد البائع أو المشتري، لأنّ حقوق العقد عنده ترجع إلى المالك.
(
وَلِلشَّفِيعِ) إذَا قضى القاضي له بالشّفعة ولم يكن رأى المبيع (خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، وَ) له إذا وجد به عيباً خيار (العَيْبِ) فيردّ إن شاء (وَإنْ شَرَطَ المُشْتَرِي) للبائع (البَرَاءَةَ مِنْهُ) من العيب، لأن الأخذ بالشُّفعة بمنزلة الشِّراء. ألا ترى أنه مبادلة مالٍ بمالٍ؟ فيثبت للشفيع فيه خيار الرّؤية والعيب كما في الشراء، ولا يسقط مَا لَهُ من خيار الرّؤية برؤية المشتري، ولا ما له من خيار العيب بشرط المشتري للبائع البراءةَ منه، لأنه لا يملك إسقاط حقّ الشّفيع.
(
والقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي) أي إذا اختلف مع الشفيع (في الثَّمَنِ) لأنّ الشفيع يدّعي استحقاق العَقَار عليه عند نقد الأقلّ وهو ينكر، والقول قول المنكر مع يمينه (وَبَيِّنَةُ الشَّفِيعِ) إذا أقام كلّ منهما بيّنة على صحة قوله (أَحَقُّ مِنْ بَيِّنَتِهِ) أي المشتري وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله. وقال أبو يوسف رحمه الله: بيّنة المشتري، أحقّ، لأنها أكثر إثباتاً، فصارت كبيّنة البائع إذا اختلف مع المشتري في قدر الثَّمن. ولهما: أنه لا تنافي بين البيّنتين في حقّ الشّفيع لاحتمال أنّه اشترى مرةً بالأقلِّ ومرةً بالأكثر، وللشفيع أن يأخذ بأيّهما شاء.

(وَلَوِ ادّعى المُشْتَرِي ثَمَناً، وَ) ادّعى (بَائِعُهُ) ثمناً (أَقَلَّ مِنْهُ أخَذَ) الشفيع العَقَار (بِقَوْلِهِ) أي بقول البائع (قَبْلَ القَبْضِ) أي قبل قبض البائع الثّمن، لأنّ الثّمن إن كان كما قال البائع فظاهر، وإن كان كما قال المشتري فقد حطّ البائع من الثمن، والحطّ عن المشتري حطٌّ عن الشفيع. قيّد ما ادّعاه البائع بكونه أقلّ مما قال المشتري، لأنّه لو كان أكثرَ تَحَالَفَا وترادّا، وأيهما نكل ظهر أَنّ الثَّمن ما يقوله الآخر، فيأخذها الشفيع بذلك لأنّ النكول بمنزلة الإقرار ممّا يدعيه صاحبه، وإن حلفا فسخ القاضي العقد بينهما وأخذها الشفيع بما قال البائع، لأنّ فسخ البيع لا يوجب بطلان حقّ الشفيع، كما لو ردّ عليه بعيب بقضاء قاضٍ.
(
وَ) أخذ الشَّفيع العَقار (بَقَوْلِ المُشْتَرِي بَعْدَهُ) أي بعد قبض البائع الثّمن، (وَ) أخذ الشفيع (في حَطِّ بَعْضِ الثَّمَنِ) سواء كان الحطّ قبل أخذ الشفيع أو بعده (أوْ في زِيَادَتِهِ) أي زيادة المشتري الثَّمن (بِأَقَلِّهِما) متعلّق بـ «أخذ». وإنّما أخذ فيهما بالأقلّ، لأنّ الحطّ من الثمن والزيادة فيه يلتحقان عندنا بأصل العقد، إلاّ أنّ الزِّيادة لا تظهر في حقّ الشفيع لتضرّره بها، وتظهر في حقّ المشتري لولايته على نفسه.
(
وَ) أخذ الشفيع (في حَطِّ الكُلِّ بالكُلِّ) لأنّ حطّ الكل لا يلتحق بأصل العقد، إذ لو التحق به لكان هبةً أو بيعاً بلا ثمنٍ وهو فاسدٌ، ولا شفعة فيهما. (وَ) أخذ الشفيع (في الشِّرَاء بِثَمَنٍ مِثْلِيَ) كيليّ، أو وزنيّ، أو عدديّ متقارب (بِمْثِلهِ) الباء الأولى متعلقة بالشراء، والثانية بـ: «أخذ» المقدّر.

(وَ) أخذ الشفيع (في) الشّراء (بِثَمَنِ غَيْرِهِ) أي غير المثلي (بِقِيمَةِ الثَّمَنِ) لأنّ الشرع جعل للشفيع ولاية التّملّكَ على المشتري بمثل ما يملك به. والمثل نوعان: كامل: وهو صورة ومعنًى، وقاصر: وهو المِثْل معنًى. والمثليّ من النوع الأول، وغيره من النوع الثّاني، فيراعى في أخذ الشُّفعة ذلك كما في الاتلاف.
(
فَفِي) شراء (عَقَارٍ بِعَقَارٍ أُخِذَ كُلٌّ) من العقارين بالشفعة (بِقِيمَةِ الآخَرِ) لأنّ كلاً منهما ثمن للآخر وهو من ذوات القيمة.
(
وَفِي ثَمَنٍ) أي وأخذ الشفيع في بيع عَقارٍ بثمنٍ (مُؤَجّلٍ بِحَالَ) كل من الجارين متعلّقٌ بـ: «أخذ» المقدّر (أوْ طَلَبَ) الشفعة عطف على أخذ المقدّر (في الحَالِ) بتخفيف اللام بمعنى الوقت (وَأَخَذَ بَعْدَ الأَجَلِ) الذي وقع العقد عليه حتّى لو لم يطلب (في الحال بطلت) شفعته، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد خلافاً لأبي يوسف أخيراً. (وَ) أخذ الشفيع (في بِنَاءِ المُشْتَرَى وَغَرْسِهِ بالثَّمَنِ وَقِيَمتِهِمَا) أي البناء والغرس (مَقْلُوعيْنِ أوْ كُلِّفَ المُشْتَري قَلْعَهُمَا) وعند أبي يوسف رحمه الله: لا يكلّفه ولكنه إن شاء أخذ بالثمن وقيمة البناء والغرس مقلوعين، وإن شاء ترك.

(
وَلَيْسَتْ) الشّفعة (إلاّ في بَيْعٍ) أي بسبب بيعٍ (أوْ في هِبَةٍ بِعِوَضٍ) أي مصاحبة بعوضٍ فلا شفعة في دارٍ تزوّج الرجل عليها، أو خالع المرأة بها، أو استأجر بها داراً أو غيرها، أو صالح بها عن دمِ عمدٍ، أو أعتق عليها عبداً. وقال الشّافعيّ: يجب فيها الشّفعة لأنّ كلاً منها عقد معاوضة فثبتت الشُّفعة في العَقار المملوك بسببه كالبيع. ولنا: أنّها تملكات بسببٍ لا يثبت فيها خيار الشرط، فلا يجب فيها الشّفعة، كالملك بالهبة المحضة، والوصية، والميراث.

(وَلاَ في شَجَرٍ) عطفٌ على ما قبله بالمعنى، أي ولا شفعة في نكاحٍ، ولا خلع إلى أخر العقود التي ليست ببيع ولا هبةٍ بعوضٍ (وَلاَ في ثَمَرٍ) بالمثلثة (بِيعَا) أي الشجر والثمر (قَصْداً) أي بدون أرضٍ، فإنهما لو بيعا معها كان فيهما الشفعة تبعاً لها. وكذا لا شفعة في بناءٍ بِيع قصداً، وفيه الشفعة لو بيع مع الأرض، لأنّ هذه الأشياء نقلية، ولا شفعة في نقليّ لأن الشفعة إنّما وجبت في العَقَار، لدفع ضرر سوء الجوار على الدّوام. والملك في النقليّ لا يدوم مثل دوامه في العقار كما أشار إليه قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة». فإنّ جار البادية يتحوّل.
(
وَلاَ) شفعة (في البَيْعِ) بسبب البيع (بِخِيَارٍ) للبائع، لأنّ خِياره يمنع خروج المبيع عن ملكه (إلاّ بَعْدَ سُقُوطِهِ) أي سقوط الخيار بأن أسقط البائع، لأنّ المانع من خروج المبيع عن ملكه قد زال، فصار البيع كأنّه وقع لازماً من الأصل. قيدّنا الخيار بكونه للبائع كما هو الظاهر من البيع بخيار، لأنّ خيار المشتري يوجب الشّفعة. أمّا عند أبي يوسف ومحمد فلأنّ المشتري صار مالكاً. أمّا عند أبي حنيفة رحمه الله فيخرج المبيع عن ملك البائع، وحقّ الشفعة. يعتمد انقطاع حقّ البائع لا ثبوت الملك للمشتري، حتّى لو أقرّ البائع بالبيع وأنكر المشتري تجب الشفعة.
(
وَلاَ) شفعة (في البَيْعِ) أي في عَقار البيع (الفَاسِدِ) أمّا قبل قبض المبيع، فلعدم زوال الملك عنه. وأمّا بعد قبضه، فلاحتماله للفسخ، لأن كلّ واحدٍ من المتعاقدين بسبيلٍ من فسخه، إذ فسخه حقّ الشّرع، وفي إثبات الشّفعة إسقاط حقّ فسخه، وفي إسقاط حقّ فسخه تقرير فساده (إلاّ بَعْدَ سُقُوطِ فَسْخِهِ) فإن باعه المشتري من آخَر فإنّ فيه الشفعة، لأنّ امتناع حقّ الشفعة إنّما كان لثبوت حقّ الفسخ وقد سقط، فصار كما لو كان في البيع خِيار البائع فأسقطه.

(وَلاَ) شفعة (في رَد) أي بسبب ردّ عقار (بِخِيارٍ) سواء كان خيار رؤية أو شرط أو عيب (إلاّ) في ردَ بسببِ (خِيَارِ عَيْبٍ بِلاَ قَضَاءٍ) لأنّ الشّفعة ثبتت فيه خلافاً لزُفَر (وَلاَ) شفعة (لِمَنْ بَاعَ) سواء كان وكيلاً أو أصيلاً، لأنّ أخذه بالشفعة سعيٌّ في نقض ما تمّ به، وهو الملك للمشتري، وسعيُ الإنسان في نقض ما تمّ به مردودٌ.
(
أوْ بِيعَ لَهُ) أي ولا شفعة لمن بيع لأجله وهو المُوَكِّلُ بالبيع، لأنّ تمام البيع له، إذ لولا توكيله لَمَا جاز ذلك البيع.
(
أو ضَمِنَ الدَّرَكَ) أي ولا شفعة لمن ضمن عن البائع ما يلحقه في ذلك البيع، لأنّ في ضمانه تقريراً للبيع فكان كالبائع. (بَلْ) الشّفعة (لِمَنْ) أي الشفيع (شَرَى أو اشْتُرِيَ لَهُ) وأجاز، لأنّ الشّفعة تبطل بإظهار الشّفيع الرّغبة عن المشفوع، ولا تبطل بإظهار الرّغبة فيه. وفي الشراء إظهار الرّغبة فيه، فلا يكون إبطالاً للشّفعة. وفي البيع إظهار الرغبة عنه، فيكون إبطالاً لها. وفائدة ذلك أنه لو كان المشتري أو الموكَّل بالشِّراء شريكاً في الدَّار ولها شريك آخر، فلكل منهما الشفعة. ولو كان هو شريكاً وللدار جارٌ، فلا شفعة للجار.

(
مُبْطِلاتُ الشُّفْعةِ)
(
وَيُبْطِلُهَا) أي الشفعة (تَسْلِيمُهَا بَعْدَ البَيْعِ) لأنّ الشفيع أسقط حقّه بعد تقرر سببه (لاَ قَبْلَهُ) أي لا يُبطِل الشفعة تسليمُها قبل البيع، لأنّه أسقطها قبل وجود سببها إن كان سببها البيع، وقبل وجود شرطه إن كان سببها اتصال الأَملاك، والبيع شرطه، وهو الصحيح. (وَ) يبطلها (الصُلْحُ) أي صلح الشفيع عن شفعة على عَوِضٍ (مَعَ بُطْلاَنِهِ) أي بطلان الصلح، لأنّه أسقطها باختياره فيردّ العوض لأنّه أخذه بغير استحقاقٍ، لأنّ المال لا يستحقّ إلا بمقابلة ملك، وحقّ الشفعة ليس بملك بل حقّ تملُّكٍ، فلا يصحّ الاعتياض عنه.

(وَ) يُبْطِلُها (مَوْتُ الشَّفِيعِ) بعد البيع قبل القضاء بالشفعة، ولا ينتقل حقّ الأخذ بالشفعة إلى وارثه. وقال مالك والشّافعيّ: ينتقل لأنّه حقّ ثبت لإزالة الضَّرر عن المال فكان موروثاً. ولنا: أَنّ حقّ الشفعة حقُ تملكٍ وهو وصفٌ قائمٌ بالشفيع، فلا ينتقل إلى وارثه بعد موته.
قيّدنا بـ:قَبْل القضاء بالشفعة، لأنّ موت الشفيع لو كان بعد القضاء قبل نَقْد الثّمن وقبض المبيع لا يُبْطِلُ شفعته والبيع لازمٌ لوارثه (لاَ المُشْتَرِي) أي لا يُبْطِل الشّفعةَ موتُ المشتري، لأنّ المُسْتَحَقَّ باقٍ، وبموت المُسْتَحَقّ عليه لم يتغير الاستحقاق، بخلاف موت المُسْتَحِقّ وهو الشفيع، لأنّ السبب الذي يأخذ به وهو ملكه زال بموته، والثابت للوارث جُوَارٌ أو شركةٌ حادثة بعد البيع فلا تستحقّ به الشفعة.
(
وَ) يُبطلها (بَيْعُ) الشّفيع (مَا يَشْفَعُ بِهِ) بلا خِيار للبائع (قَبْل القَضَاءِ) له بالشّفعة، لأن الاستحقاق بالجِوار أو بالشركة، وقد زال قبل التملك. قيّدنا بعدم خِيار البائع، لأنّ الشفيع لو باع ما يشفع به على أنه بالخِيار لا تبطل شفعتُه، لأنّ ملكه لم يَزل فوجد سبب الشفعة وهو الاتصال بملكه.
(
وشَفَعَ) أي أخذ الشفيع بالشفعة (حِصَّةَ أحَدِ المُشْتَرِينَ) من بائعٍ واحدٍ، لأن هذا الأخذ ليس فيه ضرر التفريق لقيام الشفيع مقام المأخوذ حصته. والصحيح أن لا فرق بين قبل القبض وبعده. (لاَ أَحَدِ البَاعَةِ) أي ولا يأخذ الشفيع حصّة أحد البائعين من مشترٍ واحدٍ، بل إمّا أن يأخذ المشفوع كلّه أو يترك كلّه، لأنّ في أخذ حصة أحد الباعة إضراراً بالمشتري بتفريق الصَّفْقة عليه.
(
فإِن سَلَّمَ)، أَي إِذا أخبر بأَن المشتري زيدٌ فسلّم (شَرَاءَ زَيْدٍ فَظَهَرَ شِرِاءُ غَيْرِهِ، أوْ) بلغه أَنّ الثمن ألف فسلّم (الشَّراءَ بِأَلْفٍ فَظَهَرَ) أَنَّه (بِأَقَلَّ أوْ بِمِثْلِيّ)، قيمته ألفٌ أو أكثر (لاَ تَسْقُطُ) الشفعة.

أَمّا إذا ظهر أنّ المشتري غير زيدٍ فلتفاوت النّاس في الجوار والشركة، وأمّا إذا ظهر أنّ الثمن أقل أو أنه مِثْليّ فلأنّ تسليمه في كثرة الثّمن لا يدلّ على تسليمه في قِلَّته، وتسليمه في أحد الجنسين لا يكون تسليماً في الآخَر إذ رُبّما يتعذّر عليه ما سلّم فيه ويسهل عليه الآخَر.
(
لاَ إنْ ظَهَرَ) أنّ الشراء (بِقِيِميّ قِيمَتُهُ ألْفٌ أوْ أكَثَرُ) فإن شفعته تسقط، لأنه إنما يأخذ القيميّ بقيمة دراهمٍ أو دنانير. ولو بلغه أنّ المشتري زيدٌ فظهر أنّه زيدٌ وعمرٌو فله أن يأخذ نصيب عمرو، لأنّ التسليم لم يوجد في حقّه. ولو باعها إلاّ ذراعاً من جانب الشفيع بطول الحد الذي يليه امتنعت الشفعة لانقطاع الجوار، وهذه حيلةٌ لإسقاط الشفعة.
وإن ابتاع سهماً منها ثم ابتاع بقيتها تجب الشفعة في السهم الأوّل فقط، لأنّ الشَّفيع جارٌ إلاّ أن المشتري في الثّاني شريكٌ، لأنه حين اشترى الباقي كان شريكاً بشراء الجزء الأوّل، واستحقاق الشفيع الجزء الأوّل لا يبطل شفعة المشتري في الجزء الثّاني قبل الخصومة، لكونه في ملكه بعد فيتقدّم على الجوار. وإن ابتاعها بثمنٍ غالٍ ثم دفع ثوباً عن الثَّمن يؤخذ بالثَّمَن لا بالثوب، لأنّه عقدٌ آخر والثمن هو العوض عن الدّار. وهذه حيلة لتقليل الرّغبة في الشفعة، وهي تعم الجوار والشركة، والله تعالى أعلم.

كتاب القِسْمَةِ

(هِيَ) لغةً: اسمٌ للاقتسام. وشرعاً: (تَعْيِينُ الحَقِّ الشَائِع). وجوازها بالكتاب والسُّنَّةِ وإجماع الأمة. أمّا الكتاب تلويحاً فقوله تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ}، وتصريحاً قوله تعالى: {واعْلَمُوا أنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} الآية. ولا يُعلم الخُمْس من الأربعة أخماس إلاّ بالقسمة، وقوله سبحانه {ونَبِّئْهُمْ أنْ المَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} الآية، {وَلَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ}، والمناوبة في الشِّرْب قِسمةٌ فيه.
وأمّا السُّنَّة فإنه صلى الله عليه وسلم قسَم غنائم خَيْبَر بخَيْبَر، وغنائم أوْطَاس بأَوطاس، وغنائم بني المصُطَلِق بمياههم. وروى أبو داود والتِّرمذي وابن ماجه عن عبد الله بن محمّد بن عُقَيْل، عن جابر بن عبد الله أنّ امرأة سعد بن الرّبيع قالت: يا رسول الله، إن سعداً هلك وترك ابنتين وأخاه، فعمد أخوه بقبض ما ترك سعد، وإنّما تنكح النّساء على أموالهن. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ادعي إليّ أخاه». فجاء، فقال: «ادفع إلى ابنتيه الثلثين، وإلى امرأته الثُّمن، ولك ما بقي». وأمّا الإجماع فلتوارث الأمة القسمة من غير نكير أحد من الأئمة.
ثُمَّ سببها طلب أحد الشّركاء الانتفاع بنصيبه بالخصوص على الخلوص، ويشتمل على الإفراز والمبادلة في المِثْلِيَّات والقِيْمِيَّات، لأن ما يجتمع لأحدهما بعضه كان له، وبعضه كان لصاحبه فهو يأخذه عوضاً عمّا بقي من حقّه في نصيب صاحبه فكان مبادلةً وإفرازاً.
(
وَغَلَبَ) على المبادلة (فِيَها الإفْرَازُ) أي تَميُّز عينِ حقّه (في المِثْلِيّ) وهو الكيليّ، والوزنيّ، والعدديّ المتقارِب، لعدم التّفاوت بين أبعاض كلّ من هذه الأمور، لأنّ ما يأخذه الشريك مِثْل حقّه صورةً ومعنى، فأمكن أن يُجْعَل عين حقّه كما في القرض وقضاء الدين.

(و) غلب فيها (المُبَادَلِةُ في غِيْرِ المِثْلِيّ) وهو الثياب، والحيوان، والعَقَار لوجود التّفاوت بين أبعاضها، فلا يمكن أن يُجْعَلَ كأنّه أخذ عين حقّه (فَيَأْخُذُ كُلٌّ) من الشّركاء (حِصَّتَهُ بِغَيْبَةِ صَاحِبِهِ) يعني شريكه. وفي بعض النسخ: بغيبة الآخر (ثَمَّةَ) أي في المثلي، وهو بفتح المثلثة: اسم إشارة للمكان. ولو كانت القسمة فيه مبادلة لم يؤخذ لعدم العلم برضا صاحبه، لأنّ رضا العاقدين شرطٌ للمبادلة، (لاَ هُنَا) أي لا يأخذ أحدٌ من الشّركاء في غير المثليّ حصته بغيبة صاحبه. ولو كانت القسمة فيه إفرازاً لكان له ذلك.

(
وَنُدِبَ نَصْبُ قَاسِم) بين النّاس (يُرْزَقُ مِنْ بَيْتِ المَالِ لِيَقْسِمَ بَيْنَهُمْ بِلاَ أجْرٍ) لأنّ منفعتها تعود إلى العامة، فيكون كفايته من بيت المال، كنفقة القضاة والمقاتلة والمُفْتِينَ (وَإنْ نُصِبَ) قاسمٌ (بِأَجْرٍ) على المتقاسمين (صَحَّ) لأنّ النفع لهم، والأول أوفق للناس وأبعد عن التهمة، (وَهُوَ) أي الأجر إذا نُصِّبَ قاسمٌ بأجر (عَدَدُ الرَّؤُوسِ) عند أبي حنيفة رحمه الله، وعلى قدر الأنصباء عند أبي يوسف ومحمد والشّافعيّ رحمهم الله، وهو رواية أبي حنيفة رحمه الله، لأنه مُؤْنَةٌ للملك فيقدر بِقَدْره كأجرة الكيّال، والوزّان، وحفر البئر المشتركة، ونفقة المملوك المشترك. وهذا لأنّ منفعة نصيب صاحب الكثير أكثر من منفعة صاحب القليل، والغُرْم بالغُنْم.

ولأبي حنيفة رحمه الله: أَن الأجر مقابل للتميز، وأَنّه لا يتفاوت. وربّما يصعب الحساب بالنظر إلى القليل وقد ينعكس الأمر، فيتَعذَّرُ اعتبارُهُ فيتعلّق الحكم بأصل التميز. وأجرة حفر البئر بمقابلة نقل التراب ونفقة المملوك لابقاء الملك، وحاجة صاحب الكثير إلى ذلك أكثر من حاجة صاحب القليل. وأمّا أجرة الكيّال، والوزّان، فقال بعض المشايخ: هو على الخلاف إن كان الكيل والوزن للقسمة، لأنّ الكيّال والوزّان بمنزلة القاسم، وإن لم تكن لها بأن اشتريا مكيلاً، أو موزوناً مجازفةً أثلاثاً، أو أرباعاً، وأمرا إنساناً بكيله ليصير الكلّ معلوم القدر، فالأجر بقدر الأنصباء، لأنّ الأجر في الكيل والوزن للعمل وهو لصاحب الكثير أكثر.
(
وَيجِبُ كَوْنُهُ) أي القاسم (عَدْلاً) ديِّناً أميناً (عَالِماً بِهَا) أي بالقسمة، لأنّه يعتمد على قوله، وذا بالعدالة والأمانة، ولا بدّ من قدرته على القسمة وهي بالعلم بها.
(
وَلاَ يُعَيَّنُ) قاسمٌ (واحدٌ) إذا كان الأجر على المتقاسمين، لأنّه يتحكّم بالزّيادة على أجر مثله فيتضرّر به النّاس. (وَلاَ يَشْتَرِكُ القُسَّامُ) لئلا يتواضعوا على مغالاة الأجر فيحصل الإضرار بالنّاس، بخلاف ما إذا (لم) يشتركوا، فإنْ كل قاسم يسارع حينئذٍ إلى الأجر اليسير حذراً من الفوت فيرخص الأجر.
(
وَقُسِمَ بِطَلَبِ أَحَدِهِمْ) جبراً على الآبي (إنْ انْتَفَعَ كُلٌّ) منهم (بِحِصَّتِهِ) لأنّ في القسمة تكميلَ المنفعة فكانت حقاً لازماً فيما يقبلها بعد طلب أحدهم. (وَ) قسم (بِطَلَبِ ذِي الكَثِيرِ فَقَطْ إنْ لَمْ يَنْتَفِعْ الآخَرُ) أي ذو القليل (لِقِلَّةِ حِصَّتِهِ) كذا ذكر الخَصَّاف. ووجهه: أَن صاحب الكثير مُنْتَفِعٌ بنصيبه فاعْتُبر طلبه، وصاحب القليل غير مَنْتَفِعٍ بنصيبه فلم يُعْتَبَرُ طلبه.

وتوضيحه أن الأوّل يطلب من القاضي أن يخصّه بالانتفاع بملكه، ويمنع غيره من الانتفاع بملكه، وهذا طلب انصاف لا تعنت، فعلى القاضي أن يجيبه إلى ذلك. ولا يُعْتَبر تضرّر الآخَر، لأنه يريد أنْ ينتفع بملك شريكه، وله أنْ يمنع غيره من الانتفاع بملكه. وأما الثّاني فمتعنتٌ في طلب القسمة، والقاضي يجيب المتعنت بالرَّدّ. وتَعَذُّر الانتفاع بنصيبه لِقِلته لا لمعنى من جانب صاحب الكثير. ثمّ العكس والإطلاق روايتان، والأصح الأول كما في «المبسوط» وغيره.
(
وَلاَ يُقْسَمُ) المشترك فيه بين المشتركين (إلاّ بِطَلَبِهِمْ) كلِّهم (إنْ تَضَرَّرَ كُلٌّ) أي كل واحدٍ منهم (لِلّقِلَّة) أي لقلة حصته، لأنّ الجبر على القسمة لتكميل المنفعة، وفي هذه القسمة تفويتها. وإنما جازت بطلبهم لأنّ الحق لهم وهم أعرف لشأنهم.
وفي «شرح الكَنْزِ»: لكن القاضي لا يباشر ذلك وإن طلبوا منه، لأنّ القاضي لا يشتغل بما لا فائدة فيه، ولا سيما إذا كان فيه ضرر أو إضاعة مالٍ، لأنّ ذلك حرامٌ ، ولا يمنعهم من ذلك لأن القاضي لا يمنع مَنْ أقدم على إتلاف ماله.
(
وَلاَ) يُقْسَمُ (الجِنْسَانِ) من العروض، (وَ) لا (الرَّقِيقُ)، (وَ) لا (الجَوَاهِرُ)، (وَ) لا (الحَمَّامُ) وفي معناه البئر والرَّحى (إلاّ بِرِضَاهُمْ) أمّا الجنسان فلأنّه لا اختلاط بينهما، فلا تقع القسمة فيهما تميزاً بل معاوضة، وسبيلها التّراضي دون جبر القاضي. وأمّا الرّقيق فقال أبو يوسف ومحمد ومالك والشّافعيّ رحمهم الله: يقسم لاتحاد الجنس وكون التفاوت في القيمة، وهو لا يمنع صِحة القسمة كما في الإبل والغنم، ولذا يقسم الرقيق في الغنيمة بين الغانمين كسائر الأموال.

ولأبي حنيفة: أَنّ التّفاوت في الرّقيق أظهر منه في الأجناس المختلفة، فإنها قد تتفاوت في المالية، والرقيق يتفاوت تفاوتاً فاحشاً. ثمَّ قسمة الجبر لا تجري في الأجناس المختلفة فكذا في الرقيق، وهذا لأنّ حق الغانمين في المالية دون العين، حتّى كان للإمام بيعها وقسمة ثمنها بينهم، فكان المعتبر إيصال مقدار من المالية إلى كلّ واحدٍ.
وأمّا شركة الملك فحقّ الشُّركاء في العين والمالية، وللإمام حقّ التمييز بالقسمة على طريق المعادلة وليس له ولاية المعاوضة. فإذا تعذّر اعتبار المعادلة هنا بطريق التمييز لا يثبت للقاضي ولاية الإجبار على القسمة. وأمّا الجواهر فلأنّ جهالة الجواهر أفحش من جهالة الرّقيق. وأمّا الحمَّام ونحوها من البئر والرّحى والحائط بين دارين، فلأنّ القسمة لتكميل المنفعة، وإذا لم يبق كل نصيبٍ مُنَتفعاً به بعد القسمة انتفاعاً مقصوداً، لا يتحقق معنى القسمة، فلا يقسم القاضي. بخلاف التَّراضي لالتزامهم الضرر.

(
وَدُورٌ) سواء كانت في مِصْر أو مصرين، وهو مبتدأ (مَشْتَرَكَةٌ) ـ بفتح الراء ـ صفته (أوْ دَارٌ وَضَيْعَةٌ، أو دَارٌ وَحَانُوتٌ) عطف، والخبرُ (قُسِمَ كُلٌّ) أي كل واحدة (وَحْدَهَا) ولم يجمع نصيب أحدهم في أحدها. أمّا الدّار والضيعة، والدّار والحانوت فبالاتفاق لاختلاف الجنس. وأمّا الدّور فما ذُكِر قول أبي حنيفة رحمه الله. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: تُقْسَمُ الدّور بعضها في بعضٍ إذا كانت في مصرٍ واحدٍ، وكانت القسمة خيراً لهم.
(
وَصَحَّتْ) قسمة الدُّور المشتركة وما ذُكِرَ معها (بالتَّرَاضِي) على جمع نصيب أحد الشُّركاء في أحدها، لأنّ في القسمة معنى المبادلة فتصحّ بالتّراضي كسائر المعاوضات. (إلاّ عِنْدَ صِغَرِ أَحَدِهِمْ) فلا يصحّ إلاّ بأمر القاضي، لأنّ تصرّف الصغير لا ينفذ ولا ولاية لهم عليه.

(وَقُسِمَ نَقْليٌّ) أي منقولٌ (يَدَّعُونَ إِرْثَهُ بَيْنَهُمْ) لأنّ في القسمة نظراً لاحتياجه إلى الحفظ، ولأنه مضمونٌ على مَنْ وقع في يده. (وَ) قُسمَ (عَقَارٌ) في أيديهم (يَدَّعُونَ شِرَاءَهُ) في ظاهر الرواية، (أوْ مِلْكَهُ مُطْلقاً) بأن لم يذكروا كيفية انتقاله إليهم في الأصحّ، لأنّ القضاء بالقسمة فيه يقتصر عليهم ولا يتعدَّى إلى غيرهم إذا لم يُقرّوا أَنّ أصل الملك لغيرهم، (فَإنّ ادَّعَوا إرْثَهُ) أي العَقَار الذي في أيديهم (عَنْ زَيْدٍ) مثلاً بأن ذكروا مُوَرثهم (لا) أي لا يقسم العَقَار الذي ادّعَوا إرثه (حَتَّى يُبَرْهِنُوا) أي يقيموا البيّنة (عَلَى مَوْتِهِ وعَدَدِ وَرَثَتِهِ) وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا: يقسم القاضي العَقار بينهم بأقرارهم ويكتب ذلك في صك القسمة، لأنّه في أيديهم، واليد دليل الملك وقد أخبروا بالإرث من أبيهم. والأصل في إخبار المسلمِ الصدقُ، ولا منازع لهم فيما أخبروا، فيثبت المُخْبَرُ به. فإذا سألوا القاضي أن يقسم بينهم ملكهم فعليه أن يجيبهم إلى ذلك، تمكيناً لكل واحدٍ منهم من الانتفاع بنصيبه، كما في المنقول الموروث، والعَقَار المشترى. والبيّنة إنّما تكون على المُنكِر، ولا مُنْكر هنا ولا منازع لهم، فلا يفيد البيّنة. ولكن يذكر القاضي في كتاب القسمة أَنّها وقعت منه باعترافهم ليتذكر بالنظر فيه أَنّ حُكْم القسمة مقتصرٌ عليهم غير متعدٍ إلى غيرهم، حتّى لا يكون ذلك قضاء على شريك آخَر لهم، ولا على مالكٍ لها.

ولأبي حنيفة رحمه الله أَن المّيت يصير مقضيّاً عليه بقسمة القاضي، وقولهم ليس بحجة عليه فلا بدّ من إقامة البيّنة ليثبت بها القضاء على الميت، ويصير بعضهم مدعياً والبعض الآخر خصماً له عن الميّت.

(وَلاَ) يُقْسم العَقَار (إنْ بَرْهَنُوا أَنَّهُ مَعَهُمْ) أي في أيديهم (حَتَّى يُبَرْهِنُوا أَنَّهُ لَهُمْ) أي ملكهم، لاحتمال أن يكون في أيديهم وهو ملك لغيرهم.
(
وَلاَ) يُقْسَم العَقَار بإقرار الحاضرين (إنْ كَانَ) جميعه أو (شَيْءٌ مِنْهُ مَعَ الَوارِثِ الطِفْلِ، أوْ) مع (الغَائِبِ) لأنّ في هذه القسمة قضاءً على الغائب، أو الصغير بإخراج شيءٍ ممّا في يده من غير خصمٍ حاضرٍ عنه. ولا فرق في هذا الفصل بين إقامة البيّنة وعدمها في الصحيح. ولو كان الحاضر كبيراً وصغيراً نَصَبَ القاضي عن الصغير وصياً وقسَم إذا أقيمت البيّنة، لأن للقاضي ولاية نصب الوصي عن الصغير، ووصي الصغير قائم مقامه، فكأنّ الصغير بالغٌ حاضرٌ.
وكيفية القسمة أن يصوّر القاسم ما يقسمه على القِرْطَاس ليمكنه حفظه، ويعدّله أي يسوّيه على السهام بأن ينظر إلى أقلّ السهام فيجزئه عليه، حتّى إن كان الأقل ثلثاً جعله أثلاثاً، وإن كان سُدُساً جعله أسداساً. ويُذْرِعُه ليعرف قَدْره، ويقوّم البناء، إذ ربّما يحتاج إليه، ويقرر كل نصيب بطريقه وشِرْبه، حتّى لا يكون لنصيب أحدهم تعلُّقٌ بنصيب الآخر. ويلقّب الأنصباء بالأوّل، والذي يليه بالثَّاني، والذي يليه بالثَّالث وعلى هذا. ثمّ يكتب أسامي الشّركاء في بطاقات ويطوي كلّ بطاقةٍ ويجعلها في قطعةٍ من طين، ثمّ يدلكها بين كفيه حتى تصير مستديرةً كالبندقة، ثم يُقرع، فمَن خرج اسمه أولاً فله السهم الأوّل، ومن خرج اسمه ثانياً فله السهم الثّاني.
(
وَلاَ يُدْخِلُ) القاسم (الدَّراهِمَ) التي ليست من الشركة (في القِسْمَةِ) لأنّ القسمة من حقوق الشركة ولا شركة في الدّراهم ، لأنّ الجنسين المشتركين لا يقسمان فكيف بغير المشتركين (إلاّ بِرِضَاهُمْ) لِمَا في القسمة من معنى المبادلة، فيجوز دخول الدّراهم فيها بالتّراضي دون جبر القاضي.

وصورته: دارٌ بين جماعةٍ أرادوا قسمتها وفي أَحد الجانبين فضل بناء وأراد بعض الشُّركاء أن يكون عوض البناء دراهم، وأراد الآخر أنْ يكون عوضه من الأرض فإنه يجعل عوضه منها. ولا يكلَّف الذي يقع البناء في نصيبه أن يردّ بأدائه دراهم إلاّ إذا تعذر فحينئذٍ له ذلك، لطلبهم القسمة منهم وعدم إمكانها بدون الدّراهم. واختار محمد قسمة السُّفْلِ والعُلْوِ المجردين بالقيمة، وبه يُفْتَى، يعني يقوّم كل واحدٍ على حدة ويقسم بالقيمة، لأنهما صارا كالجنسين فلا يمكن التعديل إلاّ بالقيمة.

وفي رواية عن أبي حنيفة رحمه الله: أنه يجعل السُّفْل ضعف العُلْو لما شاهد من عادة أهل الكوفة في تفضيل السُّفْل على العُلْو. وسوّى أبو يوسف رحمه الله بينهما، فجعل ذراعاً من السُّفل بذراعٍ من العُلْو، لَمَّا رأى في بغداد من التسوية بينهما في منفعة السُّكْنى. قلنا: بعض البلدان يكون قيمة العُلْو فيها أكثر من قيمةِ السُّفْل كما بمكة وبمصر، وفي بعضها يكون بالعكس كما في الكوفة. وفي كل موضع يكثر فيه الندى يختار العُلْو على السُّفْل، وفي كل موضع يشتدّ البرد ويكثر الريح يختار السُّفل على العلو، وربّما يختلف باختلاف الأوقات فلا يمكن اعتبار المعادلة إلاّ بالقيمة.
(
وَإنْ وَقَعَ) في القسمة (مَسِيلُ قِسْمٍ) بكسر فسكون، أي نصيب (أوْ طَرِيقُهُ في قِسْمٍ آخَرَ) لم يشترط في القسمة (صُرِفَ عَنْهُ إنْ أمْكَنَ) صرفه لإمكان تحقّق معنى القسمة، وهو قطع الشركة وتكميل المنفعة من غير المضرة (وَإلاّ) أي وأن لم يمكن صرفه عنه (فُسِخَتْ) القسمة، واستؤنفت على وجهٍ يمكن لكل واحدٍ أن يجعل لنفسه مَسِيلاً وطريقاً، لأنها وقعت مختلّة لبقاء الاختلاط وعدم حصول المقصود بها.

(وإنْ أقَرَّ) أحدهم (بالاسْتِيَفاءِ) أي بأن استوفى حِصَّته (ثُمَّ ادَّعَى أنّ بعضَ حِصَّتِهِ وَقَعَ في يَدِ صَاحِبِهِ غَلطاً صُدِّقَ) في دعواه لكن (بِالحُجَّةِ) لأن القسمة بعد تمامها عقدٌ لازمٌ، فمدَّعِي الغلط فيها يدّعى لنفسه حقَّ فسخها بعد ما ظهر سبب لزومها، فلا يقبل قوله إلا بالبيّنة. فإن لم يكن له بيّنة يستحلف الشركاء لأنهم لو أقرّوا بذلك لزمهم، فإذا أنكروا حلفوا عليه رجاء النكول منهم. فمن حلف منهم لم يكن عليه سبيل، ومن نكل جُمِعَ بين نصيبه ونصيب المدّعي وقُسِم ذلك بينهما على قدر نصيبهما، لأنّ الناكل كالمقر، وإقرار المقرّ حجةٌ عليه دون غيره.
(
وَشَهَادَةُ القَاسِمَيْنِ) الذين توليا القسمة على أحد المقسوم عليهم أَنّه استوفى نصيبه (حُجَّةٌ) أي مقبولةٌ، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: لا تقبل، وهو قول مالك والشّافعي وأبي يوسف أولاً. وسواء في ذلك قاسِما القاضي وغيرهما.
(
وَفُسِخَتْ) القسمة (إن اسْتُحِقَّ بَعْضُ مُشَاعٍ في الكُلِّ) أي كلّ الأنصباء، لأنها لو بقيت لتضرر المستحقّ بتفرّق ملكه في الأنصباء (لاَ بَعْضٌ) أي لا تفسخ القسمة إِن استحقّ بعض شائع (مِنْ حِصَّةِ أَحَدِهِمَا بَلْ يَرْجِعُ) بقسمته في نصيب شريكه، وهذا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: تفسخ القسمة. وذكر أبو سليمان قول محمد مع أبي يوسف، وذكره أبو حفص مع أبي حنيفة، وهو الأصحّ. وأمّا استحقاق بعض معين فلا خلاف في عدم الفسخ.

(
أَحكام المهايأَة)
(
وَصَحَّتِ المُهَايَأةُ) أي قسمة المنافع، وهي مفاعلة بإبدال المهمزة ألفاً من التهيئة أو التهيؤ. كأن أحدهما يهيءّ الدّار مثلاً لانتفاع صاحبه. أو يتهيأ للانتفاع بها إذا فَرَغ صاحبه. وهي جائزةٌ لما رُوِيَ أنه عليه الصلاة والسلام قَسَم في غزوة بدر كل بعير بين ثلاثة نفرٍ، وكانوا يتناوبون في الرُّكوب.

والتهايؤ على وجوهٍ: تهايؤٌ (في سُكْنى هَذَا بَعْضاً مِنْ دَارٍ، وَهَذَا بَعْضاً) منها. وهو جائزٌ بالاتفاق، لأنّ القسمة على هذا الوجه جائزةٌ فكذا التهايؤ عليه. (وَ) تهايؤٌ في (خِدْمَةِ عَبْدٍ هَذَا يَوْماً، وَهَذَا يَوْماً، كَسُكْنَى بِيتٍ صَغِيرٍ) هذا يوماً، وهذا يوماً.
وهو جائزٌ بالاتفاق أَيضاً، لأنّ التهايؤ قد يكون من حيث الزّمانُ، وقد يكون من حيث المكانُ والأول متعيّن هنا.
(
وَ) تهايؤٌ في (عَبْدَيْنِ هَذَا) أي هذا السيد له (هَذَا العَبْد، والآخَرُ) أي والسيد الآخر له العبد (الآخَر) وهو جائزٌ عند أبي يوسف ومحمد، لأنّ القسمة على هذا الوجه (جائزة) جبراً من القاضي وبالتّراضي، فكذا المهايأة. وقيل: لا تصحّ عند أبي حنيفة وهو مروي عنه، لأنّ الرقيق لا يجري فيه جبر القاضي على القسمة عنده. والأصحّ أَنها تصحّ عنده من القاضي، لأنّ منافع الرّقيق من حيث الخدمَة، فلا تتفاوت، بخلاف أعيان الرقيق فإنها تتفاوت تفاوتاً فاحشاً. ولو طلب أحدُهما القسمة، والآخَرُ المهايأة يقسم.
واعلم أنّ التهايؤ قد يكون في الدّار الواحدة والدّارين، وفي العبد الواحد والعبدين، وفي الدّابة الواحدة وفي الدَّابتين، من حيث المنفعةُ، أو من حيثُ الاستغلال. فإنْ كان في غلّة دارٍ أو دارين، أو خدمة عبد أو عبدين، أو سُكْنى دار أو دارين يصحّ اتفاقاً. وإن كان في غلّة عبدٍ أو غلّة بغلٍ لا يصحّ اتقافاً. وإن كان في غلّة عبدين، أو غلّة بغلين، أو ركوب بغلٍ أو بغلين، لا يصحّ عند أبي حنيفة خلافاً لهما. قال أبو المكارم: فهذه اثنتا عشرة مسألة في ست منها تصحّ المهايأة اتفاقاً، وفي اثنتين لا تصحّ اتفاقاً ، وفي الأربعة خلافٌ. انتهى.

وكذا لا تصحّ المهايأة في ثمر شجر، أو لبن غنم على أن يأخذ كلّ واحدٍ منهم طائفة يستثمرها، أو طائفة يرعاها وينتفع بألبانها، لأنها تختصّ بالمنافع دون الأعيان. فالضرورة تتحقّق في المنافع، لأنّه لا يمكن قسمتها بعد وجودها لسرعة فنائها وانقضائها. وهذه أعيانٌ باقيةٌ يمكن قسمتها فلم تتحقق الضرورة.

والحيلة أنْ يبيع حِصّته من الآخر ثم يشتري كلّها بعد مضيّ نوبته، أو ينتفع باللبن بوزنٍ معلومٍ استقراضاً لنصيب صاحبه. نعم هو قرض المشاع، لكنّه جائزٌ، والله أعلم.

كتابُ الهِبَةِ
(
هِيَ) لغةً: مصدرٌ محذوف الأول معوَّض عنه هاء التأنيث، وأصله وَهَب، كالعِدَةِ والوَعْد. ومعناها: إيصال ما ينفع، مالاً كان أو غيره. قال الله تعالى: {وَهَبْ لَنَا من لَدُنْكَ رحمةً}، {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلياً}
.
وشرعاً: (تَمْلِيكُ عَيْنٍ) فخرج الإعارة والإجارة لأنها تمليك منفعة (بِلاَ عِوَضٍ) فخرج البيع لأنّه تمليك عين بعوضٍ.
ودليل مشروعيتها قوله تعالى: {فَإنْ طِبْنَ لَكَمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً} أباح الأكل بالوصف الحميد. وما روى البخاري في «صحيحه» من حديث أبي هريرة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لو دعيت إلى ذراعٍ أو كُرَاعٍ لأجبت، ولو أُهْدِيَ إليّ ذراعٌ أو كُرَاعٌ لقبلت». وذراع اليد معروفٌ، والكُراع بالضم: مستدق السّاق من البقر والغنم. وما روى مالك في «الموطأ» مرسلاً عن عطاء بن عبد الله الخُرَاسَانِيّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تصافحوا يذهب الغِلُّ، وتهادوا تحابُّوا وتذهب الشحناء». والغِلُّ بالكسر: الغِش والحسد والحقد. والشحناء: العداوة.

(وَتَصِحُّ) الهبة (بـ: وَهَبْتُ وَنَحَلْتُ وَنَحْوِهِمَا) مِن: أعطيتك، وأطعمتك هذا الطعام، وأعْمَرْتُك هذا الشيء، وجعلته لك عُمْرَى. وذلك لأنّ النُّحْل والعطية يستعملان في التّمليك بغير عِوَضٍ. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكلَّ ولدك نَحَلْته مثل هذا»؟ قال: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فارجعه». رواه الستة عن النُّعْمَان بن بشير. وروى الجماعة إلاّ البخاري: «مَنْ أَعْمَرَ رجلاً عُمرَى فهي له ولعَقِبِهِ». فقد قطع قوله حقّه فيها: «وهي لمَنْ أَعْمَرَ ولعَقِبِهِ».
(
وَتَتِمُّ بِالْقَبْضِ في مَجْلِسِهَا وَلَوْ بِلاَ إذْنٍ) استحساناً، (وَ) بالقبض (بَعْدَهُ) أي بعد مجلسها (بِإذْنٍ). وقال مالك: يثبت الملك قبل القبض بمجرد الإيجاب والقبول، وبه قال أبو ثور والشَّافعي في القديم، وعلى هذا الخلاف الصدقة.
ولنا، وهو قول الشّافعي في الجديد وأكثر الفقهاء: ما روى مالك في «الموطأ» في كتاب القضاء عن ابن شِهَاب، عن عُرْوَة، عن عائشة أنها قالت: إنّ أبا بكر كان نَحَلَها جُذَاذ عشرين وَسْقاً بالعالية، فلمّا حضرته الوفاة قال: ما من النّاس أحد أحبّ إليّ غِنَى بعدي منكِ، ولا أعزّ عليّ فقراً منكِ، وإني كنت نَحَلْتُك جُذَاذ عشرين وَسْقاً فلو كنت حُزْتِيهِ كان لكِ فإنّما هو اليوم مال وارثٍ، وإنما هما أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله. وفي رواية: يا بُنَيّة إني كنت نحلتك نحلاً من خيبر، وإنّي أخاف أن أكون آثرتك على ولديّ فإن لم تكوني حُزْتِيهِ فرديه على ولديّ. فقالت: لو كانت لي خيبر بُجِذَاذِها لرددتُها.

والِجُذَاذ بضم الجيم وبكسرها وبمعجمتين: ما قطع من الشيء. وما روى عبد الرّزّاق في «مصنفه» عن عمر بن الخطّاب أَنه قال: لا نُحْل إلاَّ لمن حازه فَقَبَضَه. وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب: أيما رجلٍ نحل من قد بلغ الحوز فلم يدفعه إليه فتلك النّجْلة باطلةٌ. وأَما ما في «الهداية»: لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تجوز الهبة إلا مقبوضة» فغير معروف.
(
ولاَ تَصِحُّ) الهبة (في مُشَاعٍ يُقْسم) أي يحتمل القسمة، سواء وهبه من شريكه أو من غيره. قيّد به لأنّ المُشاع الذي لا يحتمل القِسمة، تصحّ هبته. ثم كلّ شيءٍ يضرّه التبعيض ويوجب نقصاناً في ماليته لا يحتمل القسمة كعبدٍ واحدٍ، ودابةٍ واحدةٍ، والبيت الصغير، والحمّام الصغير، وما ليس كذلك يحتملها.
وقال مالك والشّافعيّ وأحمد: تصحّ هبة المشاع سواء احتمل القسمة أو لا، لقوله تعالى: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إلاّ أنْ يَعْفُونَ أوْ يَعْفُوَ الذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ}، فإِنّه يقتضي بعمومه أنّ الصَّدَاق إذا كان عيناً يتنصّف بالطَّلاق قبل الدخول، ويُنْدَبُ كل واحدٍ من الزَّوجين إلى ترك الكلّ للآخَر، وذلك هبة المُشاع. ولِمَا في «صحيح البخاري» من أنّ وفد هوازن لمّا جاءوا يطلبون من النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يردّ عليهم ما غَنِمَه منهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما كان لي ولبني عبد المطّلب فهو لكم». وهذه هبة مشاعٍ.

وأُجِيبَ عن الآية: بأنّ العفو حقيقة في الدَّيْنِ دون العين، وإسقاط الدّين جائزٌ، مشاعاً كان أو غير مشاعٍ، لأنه غير محتاج إلى القبض. وفي العين كلّ واحدٍ منهما مندوبٌ إلى العفو عندنا، ولكن بأن يهَب نصيبه لصاحبه بعد القِسمة، وليس في الآية ما يمنع ذلك. وعن حديث وفد هَوَازِن: بأن ذلك كان بعد القسمة. واعتمادنا في المسألة على إجماع الخلفاء الراشدين، فقد رُوِّيَنا عن أبي بكر ما مرّ آنفاً. وعن عمر أنه قال: ما بال أحدكم يتصدّق على ولده بصدقةٍ لا يَحُوزْها ولا يقسمها، يقول: إن أنا مِتُّ كان له، وإن مات هو رجعت إليّ. وايم الله لا يتصدّق منكم رجلٌ على ولده بصدقةٍ لم يَحُزْها ولم يقسمها ثم مات إلاّ صارت إرثاً لورثته. وهكذا نُقِلَ عن عثمان، وعن علي: مَن وهب ثلث كذا، أو ربع كذا، لا يجوز حتّى تقاسم.
(
فإنْ قَسَمَ) الكلَّ قبل التّسليم (وَسَلَّمَ) أي الجزء الموهوب (صَحَّ) عقد الهبة، لأنّ تمام الهبة بالقبض وعنده لا شيوع، والمؤثّر هو الشيوع عند القبض لا عند العقد، حتّى لو وهب الكلّ وسلّم النصف لا يجوز. ولو وهب النصف (ثم النصف) الآخر وسلم الكلّ جاز.

(
وَكَذَا) أي وكهبة المشاع في عدم الصّحة (هِبَةُ لَبَنٍ في ضَرْعٍ، وَ) هبة (نَحْوِهِ) من صوف على ظهر غنمٍ، وزرعٍ أو نخلٍ في أرضٍ، وتمرٍ في نخلٍ، فإنّها لا تصحّ لأنّها متصلةٌ بملك الواهب اتصال خِلْقَةٍ فكانت بمنزلة المشاع الذي يحتمل القسمة، فلا تتمّ الهبة فيها بدون الإفراز والحِيَازة، فإن فصلت عن ملك الواهب وقبضها الموهوب له تصحّ، لأنّ امتناع الجواز لاتصال الموهوب بملك الواهب مع إمكان فصله منه، وقد زال ذلك الاتصال.

(وَلاَ) تصحّ هبة (دَقِيقٍ في بُرّ وَإنْ طُحِنَ) البر (وَسُلِّمَ) الدّقيق، ولا دهن في سِمْسِم، ولا سمن في لبنٍ وإن اسْتُخْرِجَ وسُلِّم، لأنّ الموهوب معدومٌ وهو ليس بمحلٍ للملك، بخلاف المشاع الذي يحتمل القسمة، لأنّه محلٌ للتمليك، وبخلاف اللبن في الضَّرع ونحوه، لأنه بمنزلة المشاع، وامتناع الجواز فيه ليس لكونه معدوماً بل لاتصاله بملك الواهب.
وخلاصة الفرق بين المسألتين: أَنَّ اللبن ونحوه موجودٌ بصورته عند العقد بخلاف الدّقيق، فإنه إنّما يوجد بالطحن وكذا السمن والخلّ.
ولا تصحّ هبة الدين لغير المديون لعدم تصوّر القبض إلاّ إذا أمره بقبضه له وكالةً، ثم بقبضه لنفسه، فحينئذٍ تصحّ لوجود القبض. وتتوقف هبة الدين للمديون على قَبوله، فإن قَبِله امتنع الرُّجوع فيه، لأنّه سقط عنه. وإِن قال: لا أقبلها، فالدَّينُ عليه بحاله. وأمّا الإبراء فيتمّ من غير قبوله، ولكن للمديون أن يردّ قبل موته. وعن زفر: إنه سّوى بينهما، وقال: تتمّ الهبة والإبراء قبل القبول. ولو قال: إن أديت نصفه فلك نصفه، أو أنت بريءٌ من النصف الباقي، كان الإبراء باطلاً.
(
وَهِبَةُ مَا) مبتدأ مضاف إلى «ما»، أي: شيءٍ أو الشيء الذي (مَعَ المَوْهُوبِ لَهُ) صفة «ما» أو صِلتها (تَامَّةٌ) خبر المبتدأ، يعني: أَن هبة الوديعة للمودَع، والعَارِيَّة للمستعير، والمغصوب للغاصب غير محتاجة إلى قبضٍ جديدٍ، لأن الموهوب حينئذٍ في يد الموهوب له حقيقةً، فلا يحتاج إلى قبضٍ آخر (كَهِبَةِ الأبِ) أي كما أَنَّ هبة الأب (لِطِفْلِهِ) تامّة بالعقد، ولا تحتاج إلى قبضٍ جديدٍ.

ولا فرق بين ما في يده أو يد مودَعه، لأنّ يد المودَع كيد المودِع بخلاف ما إذا كان مرهوناً أو مغصوباً. وكذا هبة الأمّ لطفلها إذا كان في عيالها والأب ميتٌ (ولا وصي له)، لأنّ قبض الأمّ بمنزلة قبض الأب لو كان حياً، وكذا كلّ مَنْ يعوله كالعمّ والأخ، لأنّ هذا مَحْضُ نفعٍ للطفل، ولأنه لما كان له تأديبه وتسليمه في حرفة، كان له التصرّف النافع فينفرد بتمليكه، ويملكه بمجرّد الهبة إذا كان في يده كما في الأب.

(
وَقَبْضُهُ) مبتدأٌ، أي قبض الطفل ما وُهِبَ له (عَاقِلاً) أي مميزاً، حال (وَقَبْضُ مَنْ يُرَبِّيهِ) قريباً كان أو أجنبيّاً (وَهُوَ مَعَهُ) أي والحال أَنّ الطفل في حِجْر من يربّيه، (وَ) قبض (الزَّوْجِ) ما وُهِبَ لزوجته الصغيرة (بَعْدَ الزِّفَافِ) بكسر الزاي، وهو الذّهاب بها إلى بيت الزّوج (مُعْتَبَرٌ) هذا خبر المبتدأ الذي هو قبضه وما عطف عليه. وقد وَهِم من قال: إن قبضه مجرورٌ عطفاً على هبة الأب.
(
في هِبَةِ الأجْنَبِيِّ) متعلَّق بمعتبر (لَهَا) أي للمرأة. وفي نسخةٍ: له، أي للطفل، وهو أظهر. وفي بعض النسخ لم يقع فيها معتبر، فيكون قبضه حينئذٍ مجروراً بالعطف على هبة الأب، وفي هبة الأجنبي في محل النصب على الحال من قبض. وقال الشّافعيّ: لا يصحّ قبض الصغير لنفسه وإن كان عاقلاً وهو القياس، لأنه لا يعتبر بعقله قبل البلوغ، لأنّ الولاية عليه لا تزول عنه قبله.
ولنا، وهو وجه الاستحسان: أَنَّ عدم اعتبار عقله قبل البلوغ للنظر له، ودفع الضرر عنه، وذلك فيما كان متردّداً بين النفع والضَّرر. وأمّا النّفع المحض فيعتبر عقله فيه ويلحق بالبالغ كما في كسبه للمباحات. وأمّا قبض من يُرَبّي الطفل إذا وهب له أجنبيّ، فلأنّ له عليه ولايةً معتبرةً. ألا ترى أنه لا يتمكن أجنبيّ آخر من نزعه منه، فيملك ما يتمحّض نفعاً في حقّه.

وأمّا قبض الزّوج بعد الزِّفاف ما وهب أجنبيٌّ لزوجته الصغيرة، فلأنّه حينئذٍ له عليها ولاية لكونه يعولها، ولأنّها لمّا زُفَّت إليه أقام الأب الزّوج مقام نفسه في حفظها وحفظ مالها، وقَبْضُ الهبة من باب الحفظ. ولكن لا تنعدم ولاية الأب بهذا، حتّى لو قبض لها صحَّ أيضاً لقيام ولايته.
(
وَصَحَّ هِبَةُ اثْنَيْنِ دَاراً لِوَاحِدٍ) أي لشخصٍ واحدٍ، فاللاّم متعلّقة بهبة. وإنّما تصحّ لأنّهما سلّماها جملةً، (وهو قبضها جملةً)، ولا شيوع في ذلك. (وعَكْسُهُ) وهو هبة واحدٍ داراً لاثنين (لا) أي لا تصحّ، وهذا عند أبي حنيفة وزُفَر. وقال أبو يوسف ومحمد: تصحّ (كَتَصَدُّقِ عَشَرَةٍ) أي كما لا يصحّ لواحدٍ أن يتصدّق بعشرةٍ (عَلَى غَنِيَّيْنِ، وَصَحَّ) له التصدّق بها (عَلَى فَقِيريْنِ) وهبتها لهما، وهذا عند أبي حنيفة في رواية «الجامع الصغير». وعندهما: تصح على غَنِيَّيْنِ أيضاً. ويأمر أبو يوسف بقسمة ما وهبه لابنه وبنته أنصافاً لا أثلاثاً كما أمر به محمد، لأنّ تخصيص أحدهما بهبة شيءٍ مكروهٌ، والعدلُ التّسوية.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لِمَن وهب لأحد ولديه دون الآخر: «لا تُشْهِدْنِي على جَورٍ». والعدل عند أبي يوسف أنْ يجعل لكل واحدٍ مثل الآخر، وعند محمد أن يجعل الثلثين للابن والثلث للبنت، لأنّ الشّرع جعل ميراثهما كذلك فكان هو العدل. وله: إن العدل هو التّسوية لغةً، والإنصاف من النصف فيُصار إليه. ولو قال: جميع مالي أو ما أملكه لفلانٍ، كان هذا هبة له.

(
الرُّجُوعُ عَنِ الهِبَةِ)

(ويَصِحُّ) لِمَن وهب هبة لأجنبيّ (الرُّجُوعُ عِنْهَا بِتَرَاضٍ أوْ حُكْمِ قَاضٍ) لكن بكراهةٍ. وقال مالك والشّافعي وأحمد في ظاهر مذهبه: لا يصح الرّجوع في الهبة إلاّ للوالد فيما وهب لولده. لهم: ما روى أصحاب السنن الأربعة ـ وقال الترمذيّ: حديثٌ حسنٌ ـ عن ابن عبّاس وابن عمر أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحلّ لرجلٍ أنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً (أو يهب هبةً) فيرجع فيها، إلاّ الوالد فيما يُعطِي لولده. ومَثَلُ الذي يُعْطِي العطيّة ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكل، فإذا شَبِع قاء ثمّ عاد في قيئه». وما رواه الجماعة إلاّ الترمذي من حديث أبي هريرة، وابن عبّاس، وابن عمر أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «العائد في هبته كالعائد في قَيئه». وعنه أيضاً: «العائدُ في هبته كالكلب يعود في قيئه». ولأنّها عقد تمليك فيلزم كالبيع. وإنما ثبت حقّ الرّجوع للوالد، لأنّ إخراجه عن ملكه لم يتمّ، لأن الولد من كسب الوالد.
ولنا: ما روى ابن ماجه من حديث أبي هُرَيْرَة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «الرجل أحقّ بهبته ما لم يُثَب منها»، أي لم يعوض عنها. وأخرجه الدّارَقُطْنِيّ في «سننه»، وابن أبي شَيْبَةَ في «مصنفه»، ورواه الحاكم في «مستدركه» من حديث ابن عمرَ قال: صحيح على شرط الشيخين. ورواه الطَّبَرَانِيّ في «معجمه» من حديث ابن عبّاس، ولفظه: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ وهب هبةً فهو أحقُ بهبته ما لم يُثَب منها، فإن رجع في هبته فهو كالذي يقيء ثم يأكل قيئه». وما روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن سُفْيَان، عن منصور، عن إبراهيم قال: قال عمر: من وهب هبةً لذي رحمٍ، فليس له أنْ يرجع فيها. ومن وهب لغير ذي رحمٍ، فله أن يرجع فيها إلاّ أنْ يُثَاب منها.

وأُجيب عمّا رَوَوْهُ بأنّ المراد نفي الاستبداد بالرّجوع، أي لا ينفرد أحدٌ بالرُّجوع في هبته من غير قاضٍ، ولا تراضٍ إلاّ الوالد إذ احتاج إلى ذلك، فإنه ينفرد بالأخذ لحاجته. ويسمّى ذلك رجوعاً باعتبار الظاهر وإن لم يكن رجوعاً في الحكم. أو المراد: لا يحلّ له الرُّجوع ديانةً ومروءةً لا أنّه لا يحلّ له قضاءً وحكومةً، كقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يحلّ لرجلٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت شبعان، وجاره إلى جنبه طاوياً»، أي لا يليق ذلك ديانةً ومروءةً وإنْ كان جائزاً قضاءً وحكومةً.

ولأنّ التشبيه بالكلب لاستقباح الرُّجوع واستقذاره لا لحرمته. ويؤيّد ذلك ما روى البخاري: أنّ عمر لمّا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراء فرسٍ حَمَلَ عليه في سبيل الله، قال عليه الصلاة والسّلام: «لا تبتعه ولا تَعُدْ في صدقتك، فإنّ العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئة»، فكما لم يكن التشبيه بالكلب موجباً لحرمة ابتياع ما تصدّق به ، لم يكن التشبيه بالكلب موجباً لحرمة الرُّجوع في الهبة. وشرطنا في صحة الرُّجوع تراضيهما أو حكم القاضي، لأنّه لو استردّها بغير ذلك كان غاصباً، حتّى لو هلكت في يده يضمن قيمتَها للموهوب له.

(وَيَمْنَعُهُ) أي الرُّجوع في الهبة سبعةُ أشياءَ أحدها: (زَيَادَةٌ) في نفس الموهوب (مُتَّصِلَةٌ) كالغرس والبناء في الأرض الموهوبة، والسّمن المورث زيادة في قيمة الموهوب، إذ لا وجه للرَّجوع بدون الزِّيادة لعدم الانفصال ولا معها، لأنّ الرّجوع إنّما يصحّ للموهوب، والزّيادة ليست بموهوبةٍ. قيّد بالزيادة، لأنّ النقصان لا يمنع. وقيّدها بالمتصلة، لأنّ المنفصلة لا تمنع، كما لو كانت الهبة أمةً فولدت عند الموهوب له من زوجٍ أو فُجُور، لأنّ الرّجوع في الأصل دون الزِّيادة ممكنٌ. وقيّدنا بكونها في نفس الموهوب، لأنّها لو كانت في قيمته كقراءةٍ أو كتابةٍ ونحوهما لا تمنع، لأنها حينئذٍ لرغبة النّاس فيه، إِذ العين بحالها.
(
وَ) ثانيها: (مَوْتُ أحَدِهِمَا) أي الواهب والموهوب له. أمّا موت الموهوب له، فلأنّ الملك قد انتقل إلى وارثه، فكأنّه انتقل في حال حياته. وأمّا موت الواهب فلأنّ وارثه لم يهَب، والرُّجوع إنما هو للواهب.
(
وَ) ثالثها: (عِوَضٌ أُضِيفَ إلَيْهَا) أي إلى الهبة. ولا بدَّ أن يذكر لفظاً يعلم الواهب منه أَنّ ذلك عوض هبته، كأنْ يقول: هذا عوض هبتك، أو جزاؤها، أو بدلها، أو في مقابلتها. (وَلَوْ) كَانَ العوض (مِنْ أَجْنَبِيّ) لأنّه لإسقاط حقّ الرُّجوع في الشّرع فيصحّ من الأجنبيّ، كبَدَل الخُلْع. وأمّا لو لم يضف العوض إلى الهبة: بأن وهب للواهِب شيئاً (ولم يقل هذا عوض هبتك أو نحوه) كان ذلك هبةً مبتدأة لا تعويضاً، فكان لكل واحدٍ منهما الرُّجوع.

وفي «المَبْسُوطِ»: وهذا سواء كان العوض قليلاً، أو كثيراً، من جنس الهبة، أو من غير جنسها. ويشترط في العوض شرائط الهبة من القبض، والإفراز، وأن يكون من غير مال الهبة، خلافاً لزفر إذ ملك الموهوب له تمّ في الهبة بالقبض فالتحق بسائر أمواله. ولنا: أَنّ الواهب ما قصد بهبته تحصيل ذلك البعض منها، لأنّه كان سالماً له، بل قصد إلى عوضٍ آخر. وإنّ حقّه من الرّجوع كان ثابتاً في الكلّ، فإذا وصل إليه بعضه لا يسقط حقّه في الباقي.

(
وَ) رابعها: (خُرُوجُهَا) أي الهبة (مِنْ مِلْكِ المَوْهُوبِ لَهُ) ببيعٍ أو هبةٍ أو وَقْفٍ، لأنّ تبدّل الملك كتبدّل العين، وقد تبدّل الملك بتجدّد السبب.
(
وَ) خامسها: (الزَّوْجِيَّةُ وَقْتَ الهِبَةِ) لأنّ هبة أحد الزَّوجين للآخر تحقّق ما بينهما من الأُلفْة والمودة، فكان المقصود منها الصلة وقد (حصل).
قيّد بوقت الهِبَة، لأنّه لو تزوّجها بعدما وهب لها كان له الرّجوع، ولو تزوّجها بعدما وهبت له ، كان لها الرّجوع. ولو وهب لزوجته أو وهبت له ثم أبانها، فليس له ولا لها الرُّجوع.
(
وَ) سادسها: (القَرَابَةُ المَحْرَمِيَّةُ) لِمَا روى الدَّارَقُطْنِيّ والبَيْهَقِيّ في «سُننهما»، والحاكم في «مستدركه» ـ. وقال: صحيحٌ على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه ـ عن عبد الله بن جعفر، (عن عبد الله) بن المبارك، عن حَمَّاد بن سَلَمة، عن قَتَادة عن الحَسَن، عن سَمُرَة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كانت الهبة لذي رَحِمٍ مَحْرِم لم يرجع فيها». وقال الإمام: رواة هذا الحديث كلهم ثقات. ولأنّ المقصود منها مع القريب المحرم صلة الرَّحم وقد حصل، وفي الرّجوع قطعها فلا يرجع.
(
وَ) سابعها: (هَلاَكُ المَوْهُوبِ) لأن الرّجوع في شيءٍ يستدعي قيام المرجوع فيه، وهلاكُه ينافيه. ولو ادّعى الموهوب له هلاكه صدّق بلا حَلِفٍ، لأنّه منكرٌ لوجوب الرّدّ عليه، فأشبه المودَع.
(
وَضَابِطُهَا):

أي ضابط الأمور السبعة التي تمنع الرُّجوع (حُرُوفُ: دَمْعٍ خَزِقَه) فالدّال: الزّيادة. والميم: موت الواهب، أو الموهوب له. والعين: العوض. والخاء: الخروج عن ملك الموهوب له. الزاي: الزّوجية. والقاف: القرابة. والهاء هلاك الموهوب.
(
وَهُوَ) أي الرّجوع في الهبة سواء كان بالقضاء أو بالتّراضي (فَسْخٌ مِنَ الأَصْلِ) فيعود الملك القديم ولا يشترط فيه قبض الواهب: ويصحّ في الشائع. (لاَ هِبَةً) أي ليس الرجوع بهبةٍ مبتدأةٍ (لِلْوَاهِبِ) كما قال زُفَر، إذا كان الرّجوع بتراضيهما. (وَهِيَ) أي الهبة (بِشَرْطِ العِوَضِ هِبَةٌ ابْتِدَاء، فَيُشْتَرَطُ قَبْصُهَا. وتَبْطُلُ بالشُّيُوعِ) كالهبة بلا عِوضٍ (وَبَيْعٌ انْتِهَاءً فَتُرَدُّ بِالعَيْبِ والرُّؤْيَةِ وَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ) كالبيع المحض. وقال زُفَر: بيعٌ ابتداءً وانتهاءً. وفي «جامع المَحْبُوبِيّ»: هذا إذا ذكر بكلمة «على»، أمّا لو ذكر بحرف الباء بأن قال: وهبتك هذا الثوب بألف درهم وقَبِله الآخر، يكون بيعاً ابتداءً وانتهاءً بلا خلاف.

(
وَإنْ اسْتَثْنَى) الواهب (الحَمْلَ ثُمَّ وَهَبَهَا) أي الأمة، بأن قال: هذه الأمة إلاّ حملها هبةٌ لك (صَحَّتْ) الهبة فيهما وبطل الاستثناء، وعند أحمد وأبي ثور: تصحّ الهِبة في الأمة دون الولد ولا يبطل الاستثناء، لأنّه تبرّعٌ بالأم دون الولد، فأشبه العتق واستثناء الولد المنفصل. وأُجيب بأنّ الحمل كالجزء، فلا يصحّ الهبة في الأم بدونه، بخلاف الولد المنفصل. وما ذكر من العتق ممنوعٌ عندنا. (وإنْ دَبَّرَهُ) أي الحمل (ثُمَّ وَهَبَهَا) أي الأمة (لاَ) أي لا تصحّ الهبة.

(
أَحكام العُمْرى)

(وَصَحَّت العُمْرَى: وَهِيَ جَعْلُ دَارِهُ لَهُ) أي الآخر (مُدَّةَ عُمُرِه) أي عُمُر الآخر (بِشَرْطِ أنْ تُرَدَّ) الدَّار (إذَا مَاتَ) ذلك الآخر. وصورتها أن يقول: أعْمَرْتُك داري هذه، أو هي لك عُمْري ما عِشْتَ، أو مدّة حياتك، أو ما حييتَ، فإذا مِتَّ فهي رَدّ عليّ (وَبَطَلَ الشَّرْطُ) وهو ردُّ الدَّار إذا مات المُعْمَرُ. وبهذا قال الشافعيّ في الجديد، وأحمد، وهو قول ابن عبّاس وابن عمر، ورُوِيَ عن عليّ وشُرَيْح ومجاهد وطاوس والثوْرِيّ.
وقال مالك، والليث، والشّافعيّ ـ في القديم ـ: العُمْرَى تمليك المنافع دون العين، فيكون للمُعْمَر السُكْنَى، فإذا مات رُدَّت إلى المُعْمِر لأنّها عَارِيَّة مؤقتةٌ. وإن قال: له ولعقبِه، كانت سكناها لهم، فإذا انقرضوا عادت إلى المُعْمِر لأنّ هذا تمليكٌ مؤقتٌ، وتمليك العين لا يتأقّت، ولِمَا في «صحيح مسلم» عن جابر قال: إنما العُمْرَى التي أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: هي لك ولعقبِك، فأمّا إذا قال: هي لك ما عشتَ، فإنها ترجع إلى صاحبها. قال مَعْمَر: كان الزّهْري يُفْتِي به. وعن ابن الأعْرَابِيّ: لم يختلف العرب في العُمْرَى والرُّقْبَى على أَنَّها ملك أربابها، ومنافعها لمن جعلت له.

ولنا: ما روى الشيخان عن أبي سَلَمَة، عن جابر أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول: العُمْرَى لمن وُهِبَتْ له». وفيهما عن أبي هريرة مرفوعاً: «العُمْرَى جائزةٌ». وما روى مسلم عن أبي الزُّبَيْر، عن جابر قال: أَعْمَرَت امرأةٌ بالمدينة حائطاً لها ابناً لها. ثم تُوُفِّي، وتوفيت بعده وترك ولداً وله إخوةٌ بنون للمُعْمِرَة، فقال ولد المُعْمِرة: رجع الحائط إلينا. وقال بنو المُعْمَر: بل كان لأبينا حياتَه وموتَه. فاختصموا إلى طارقٍ مولى عثمان. فدعا جابراً، فشهد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالعُمْرى لصاحبها، فقضى بذلك طارقٌ. ثم كتب إلى عبد الملك فأخبره بذلك، وأخبره بشهادة جابر، فقال عبد الملك: صدق جابرٌ. فأمضى طارقٌ ذلك الحائط لبني المُعْمَر حتّى اليوم. وما في «صحيح مسلم» أيضاً عن جابر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمسِكوا عليكم أموالكم ولا تُفسِدوها، فإنّه من أعْمَر عُمْرى فإنها للذي أُعْمِرَهَا حياً وميِّتاً ولِعَقِبِهِ».

وما في «سنن أبي داود» عن عُرْوَة، عن جابر أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «من أعمر عُمْرَى، فهي له ولعقبِه يرِثُها مَنْ يرثه من عقِبه». وفيها أيضاً عن طارق المَكِيّ، عن جابر قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأةٍ من الأنصار أعطاها ابنها حديقةً من نخلٍ فماتت، فقال ابنها: إنّما أعطيتها حياتها، وله اخوةٌ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «هي لها حياتَها وموتَها». قال: كنت تصدّقت بها عليها، قال: «ذلك أبعد لك». قال ابن القَطَّان: (يقال): إسناده كلهم ثقات. وطارق المَكِّيّ هو قاضي مكّة مولى عثمان بن عفان، وهو ثقةٌ. قال أبو زُرْعَة: ورواه أحمد بسندٍ كل رجاله ثقات، وهو: حدّثنا رَوْحٌ: حدّثنا سُفْيَان الثَّوْرِيّ، عن حُمَيْد بن قَيْس، عن محمد بن إبراهيم، عن جابر: أنّ رجلاً من الأنصار أعطى أُمّه حديقةً من نخلٍ حياتَها، فماتت، وله إخوةٌ، فقالوا: نحن فيه شَرْعٌ سَوَاءٌ، فأبى، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمها بينهم ميراثاً. وأمّا قول ابن الأعرابيّ: إنها عند العرب تمليك المنافع، فلا يضرّ لأنّ الشارع نقلها إلى تمليك الرَّقبة.

(
أَحكام الرُّقبى)

(وَلاَ تَصِحُّ الرُّقْبَى) عند أبي حنيفة ومحمد، وهو قول مالك (وَهِيَ) أن يقول شخصٌ لآخر: أرقبتك هذه الدَّار ، أو هي لك رُقْبَى، أو هي لك حياتَك على أني (إنْ مِتُّ قَبْلَكَ فَهِيَ لَكَ) وإنْ مِتَّ قبلي فهي لي. وسُمِّيت بذلك لأنّ كلّ واحدٍ يَرْقُب موت صاحبه. وقال أبو يوسف: يصحّ، وهو قول الشّافعي وأحمد، لأنّها تشتمل على شرط ردّ الدّار بعد الموت، فيكون بمنزلة العُمْرَى. ولما في «سنن أبي داود» عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العُمْرَى جائزةٌ لأهلها، والرُّقبْى جائزةٌ لأهلها». وفيها عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أعمر شيئاً فهو لمُعْمِره حياتَه ومماتَه، ولا ترقبوا. فمن أرقب شيئاً، فهو سبيلُه». وفي «سنن النَّسائي» عن ابن عبّاس مرفوعاً: «مَنْ أعمر عُمْرَى فهي لِمَن أعمرها جائزةٌ، ومَنْ أرقب رُقْبَى فهو لِمَن أرقبها جائزةٌ». وفيها، وفي ابن ماجه عن ابن عمر مرفوعاً: «لا عُمْرَى ولا رُقْبَى، فَمَنْ أعمر شيئاً أو أرقبه، فهو له حياتَه ومماتَه».
ولنا: أنّه تعليق التمليك بالخطر وهي موت المُمَلِّك، وذلك باطلٌ. وإذا لم يصحّ عند أبي حنيفة ومحمد يكون عَارِيَّةً، لأنّ هذا العقد يتضمن إطلاق الانتفاع. وقد حكم الإتْقَانِيّ شارح «الهِدَاية» بصحة قول أبي يوسف لِمَا روينا من الأخبار.

(وَالصَّدَقَةُ لاَ تَصِحُّ إلاّ بالْقَبْضِ) لأنّها تبرُّع كالهِبة، (وَلاَ) تصحّ (في شَائِعٍ يُقْسَمُ) لِمَا مرّ في الهبة (وَلاَ عَوْدَ فِيهَا) لأنّ المقصود بها الثَّواب، وقد حصل، بخلاف الهبة، فلا رجوع في الهبة لفقير استحساناً. (وفي القياس يرجع لأنه ملكه بطريق الهبة، وفي أسباب الملك الغنيّ والفقير سواء، كالبيع وغيره. ووجه الاستحسان: أَنّ) المقصود بها الثَّواب دون العوض، إذ لو كان قصده العوض لاختار للهبة من يكون أقدر على آدائه. ولَمَا اختار الفقير مع عجزه عن آدائه، فعرفنا أنّ مقصوده الثّواب وقد ناله. ولو تصدّق على غنيّ لا يعود استحساناً. والقياس أن يعود، وبه قال بعض أصحابنا، لأنّ الصّدقة في حقّ الغنيّ هبةٌ، لأنّها إنّما يقصد منها العوض دون الثّواب، كما أَنَّ الهبة في حقّ الفقير صدقةٌ، لأنّها إنّما يقصد منها الثواب دون العوض. ووجه الاستحسان: أَن لفظ الصّدقة ممّا يدلّ على أنّه لم يَقْصِد العوض، ومراعاة لفظه أولى من مراعاة حال التملك.

ثُمَّ التصدّق على الغنيّ قد يكون قربةً استُحِقّ بها الثواب، لكونه غنياً يملك نصاباً وله عيالٌ كثيرةٌ، والنّاس يتصدّقون على مثل هذا لِنَيْل الثواب. ألا ترى أنّ عند اشتباه الحال يتأدّى الواجب من الزكاة بالتصدّق عليه، ولا رجوع فيه بالاتفاق، فكذلك عند العلم بحاله لا يثبت له حقّ الرّجوع عليه. ثم الصّدقة فيما يُقْسَمُ، وكذا الهبة على غنيين باطلةٌ عند أبي حنيفة. وقالا: جائزةٌ. وكذا الصّدقة على فقيرين باطلةٌ في رواية «الأصل» عن أبي حنيفة. وفي رواية «الجامع الصغير»: إذا تصدّق على محتاجيْن بعشرة دراهمٍ، أو وهبها لهم جاز. قيل: وهو الصحيح. ولو تصدّق بها على غنيَّيْن أو وهبها، لم يجز. وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز كله، والله أعلم بالصواب.

كتاب الإجَارة

(هِي): لُغَةً: اسمٌ للأَجْرِ مِنْ أجَرَ يَأْجِرُ ـ بكسر الجيم وضمها ـ وهو العِوض. قال الله تعالى: {لو شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرَاً}، وسُمِّي الثوابُ أَجْرًا لأَنه سبحانه عوض العبد به.
وشرعاً: (بَيْعُ نَفْعٍ مَعْلُومٍ) غيرِ حرام كالغناء والنوح، ولا عبادةٍ كالأَذان وقراءة القرآن (بِعِوَضٍ، كَذَا) أَي معلومٍ (دَيْنٍ) كالنقود والمَكِيل والموزون (أَوْ عَيْنٍ) كالثِيَاب والدَّوَابِّ. ويُشْترطُ كونُ العِوض معلوماً، لقوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ استأَجَرَ أَجِيْرَاً فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ». رواه محمد بن الحسن في «الآثار» عن أَبي حنيفة، عن حَمَّاد، عن إبراهيم، عن أَبي سعيدٍ، وأَبي هريرة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم. وفي روايةِ عبد الرزاق له: «فَلْيُسَمِّ له أَجْرَه». وفي لفظٍ: «فَلْيُبَيِّن». ولأن الجهالة في المعقود عليه وبدَلِه تُفْضي إِلَى المُنازعة، كجهالةِ المُثَمَّن والثَّمَن في البيع.
وهي جائِزةٌ بالإِجْمَاع. وبقولِهِ تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوْهُنَّ أُجُورَهُنَّ}، وقوله تعالى: {عَلَى أَنْ تَأَجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَج}. وبما رَوَى الشيخان من حديث ابن عباس: أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ وأَعْطَى الحَجَّامَ أَجْرَهُ. ومن حديث عائشةَ في الهجرة قالت: استأجَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأَبو بَكْرٍ رَجُلاً من بني الدِّيل هادياً خِرِّيتَاً وهو على دِين كفار قريش، فدفعا إِليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال.. الحديث. والخِرِّيت ـ بكسر المعجمة وتشديد الراء وتحتية ساكنة فمثناة: الماهر بالهداية. ومن حديث أَبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَعْطُوا الأَجَيْرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ». رواه البخاري وابن ماجه.

ومحل عقد الإِجارة عِنْدنا المنافعُ، وهو قول مالك وأَحمد وأَكثر أَصحاب الشافعي. وقال بعضُ أَصْحابه: العين، لأَنها الموجودة، والعقد يضاف إِليها.
ولنا أَن المعقودَ عليه هو المُسْتَوْفَى بالعقد، وذلك المنافع لا الأَعيان، وإِضافة العَقْد إِلَى العَيْن لأَنَّهَا مَحْلُّ المنفعة. وعند مالك وهو مذهب الشافعي وأَحْمَد يجعل المنافع المعدومة موجودةً حُكْمَاً ضرورةَ تصحيح العَقْد. ومِنْ فروع كون المنافع كالأَعْيَان عند مالك والشافعي، وعدمه عندنا: أَنه لو آجَرَ ما استأجره بأَكْثَر مِمَّا استأجر يتصدَّقُ بالفَضْل عندنا إِنْ اتحد الجِنْس في الأُجْرَتَيْن، لأَنَّه رِبْح ما لم يُضْمن فيملكه خبيثاً فيؤمر بالتصدقِ به. وعندهما يَطِيب له، لأَنه لما قبض العين دخلت المنفعة في مِلْكه، فيملك بدَلها بالغاً ما بَلَغ.

(
ويُعْلَمُ النَّفْعُ بِذِكْرِ المُدَّةِ) أَي بيانها (وإِنْ طَالَتْ) على المذهب، لأَن المدة إِذَا كانت معلومةً كَان قَدْرُ المنفعة معلوماً إِذَا كانت المنفعة لا تتفاوت، كالدُّور للسُّكْنَى، والأَرَاضي للزراعة (لَكِنْ في الوقْفِ) الذي لم يشترط الواقف مدة الإِجَارة (لا تَصِحُّ) المدة الطويلة عند مشايخ بَلْخ، كَيْلاَ يدّعي المستأجر المِلك والمدة الطويلة (فوق ثلاث سِنِيْن) وهو المختار. وقيل: تصح ولكْن يرفع إِلى الحاكمِ حتى يُبْطلها، وبه يُفْتي الفقيه أبو الليث. والحيلة في تصحيح أَكثر من ثلاث سنين أَنْ تُرفع إِلى حاكمٍ يصححها. وإمَّا لو شرَط الواقف مدة اتُّبِع شرطُهُ طَالَتِ المدة أَو قصرت.
(
وبِذِكْر العَمَلِ) أَي ويُعْلَم النفع بِذِكْر العمل تَارةً (كَصَبْغِ ثَوْبٍ) أَحمر أَو أَصفر، أَو خياطة قَباء أَو نحوه، أَو حَمْل قَدْر معلومٍ مسافةً معلومةً، إِذَا بَيَّنَ الثوب، ولونَ الصبغ وقَدْرَهِ، وجنس الخياطة، والمحمول، إِذْ بذلك تصير المنفعةُ معلومةً.

(وبِإِشَارَة) تارةً (كَنَقْل هذا) الطعام (إلى ثَمَّةَ) أَي ذلك المقام، لأَنه إِذَا رأَى ما ينقله وعلِم الموضع الذي ينقل إِليه، كانت المنفعة معلومةً فيصح العقد.

(
فصل متى تجب الأُجرة)
(
ولا تَجِبُ الأُجْرَةُ) أَي لا تملك (بالعَقْدِ) سواءٍ كانت عَيْنَاً أَوْ دَيْنَاً، كذا ذكر محمد في: «الجامع». وذكر في الإِجَارة: إِنْ كانت عيناً لا تملك بالعقد، وإِنْ كانت دَيْناً تملك به، وتكون بمنزلةِ الدَّيْن المؤجل. وعامَّة المشايخ على ما في «الجامع». وقال الشافعي وأَحمد: تملك بنفس العقد، ويجب تسليمها عند تسليم الدَّار والدَّابَّة إِلى المستأجر (بَل) تملك الأُجْرة (بِتَعْجِيْلِهَا) أَي بتقديمها ودفعها إِليه، (أَو بشَرْطِهِ) أَي بشَرط تعجيلها في العقد (أَو باسْتِيفَاءِ النَّفْعِ) تحقيقاً للتسوية، (أَو التَّمَكُّن مِنْه) أَي مِن استيفاء النفع إِقامةً للتمكن مِنْ الشيء مُقَام ذلك الشيءِ.
(
فَتَجِبُ) الأُجرة (لِدَارٍ قُبِضَتْ ولَمْ يَسْكُنْهَا) لأَنَّ تسليم عين المنفعة لَمَّا لم يُمْكن، أُقِيْم تَسليمُ محلِّهَا مُقَامهَا، إذ التَّمَكُنُ مِن الانتفاع يَثْبُت به.
(
وتَسْقُطُ) الأُجْرة (بالغَصْبِ) من المستأجر (بَقَدْرِ (فَوْتِ) تَمَكُّنهِ) حتى إِنْ فَات تمكُّنُهُ في جميع المدة سقطت جميع الأُجْرة، وإِنْ فات في بعضها سقَط بحسابه، لأَن تسليم المحل إِنَّمَا أُقيم مُقام تسليم المنفعة للتمكن من الانتفاع، فإِذَا فات التمكن فَات التسليم وانفسخ العَقْد بقدر ذلك الفوات وسقَطَ مِن الأُجْرَة بقَدْره، ذكَره صاحب «الهداية».

وذكر الفضلي والقاضي فخر الدين في «الفَتَاوى»: أَنَّ الإِجارة لا تَنْفسخ، ولكن تسقط الأُجْرة ما دامت في يد الغاصِب، وكذا إِذَا غرِقت الأَرْضُ قبل زَرْعها. وإِنْ اصْطَلَمَتْهُ آفَةٌ سماويةٌ لزِمه الأَجرُ تامًّا في رواية محمد، لأَنه زرعها. وقيل: يلزمه أَجر ما مضى من المدة فقط. وبه يُفْتى إِن لم يتمكن من زرع مِثْله في الضرر ثانياً. ذكره قاضيخان، وبه قال شيخ الإِسلام المعروف بخَواهِر زاده.
(
وللمُؤْجِرِ طَلَبُ الأُجْرَةِ للدَّارِ والأَرْضِ لِكُلِّ يَوْمٍ) لأَنه منفعةٌ مقصودةٌ، إِلاَّ أَنْ يبيِّن وقتَ الاستحقاق في العقدِ فيكون بمنزلةِ التأجيل، (و) له طَلَبُ الأَجر (للدَّابَّةِ لِكُلِّ مَرْحَلةٍ) لأَنها سيرٌ مقصود، (و) (له) طَلَبُ الأَجْر (للقِصَارة والخِيَاطَةِ إِذَا تَمَّتْ) لأَن العمل في البعض غيرُ مُنْتَفَعٍ به فلا يستوجِب به أَجْراً. وقال أبو حنيفة ـ أَوْلاً ـ وهو قول زُفَرَ: لا يجِب شيءٌ من الأُجرة إلاَّ بعد استيفاء جميع المنفعة، سواء كان العقد على المُدَّة، كما في إِجَارة الدَّار والأَرْض، أَو على قَطْع المسافة، كما في كَرْي الدابة إِلى مكة، أَو على العمل، كما في القِصَارة والخياطة والصِّبَاغة.

وإنْ كانت حِصة ما اسْتُوْفي مِنْ العَمَل معلومةً، سواء عمِل في غير بيت المستأجر، أَو في بيته على ما في «التجريد»، و «الهداية»، ويطلبه القَصَّار والخَياط بعد الفراغ لو عمل في بيته. ثُم رجع وقال: إِنْ وقعت الإِجارة على المدة، أَو على قَطْع المسافة يجِب إيفاء الأَجر بحِصَّة ما اسْتُوفِي مِن المنافع إِذَا كان لِما اسْتُوفيَ حِصَّةٌ مَعْلومَةٌ من الأَجَر، ففي الدار يجب الإيفاء يوماً فيوماً، وفي قَطْع المسافة مرحلةً فمرحلةً. وفي الإِجارة التي تنعقد على العَمَل ـ ويبقَى للعامل أثرٌ في العين ـ لا يجِب إِيفاء الأَجر إلاَّ بعد إيفاء العمل كله، ويستحق (حِصَّة) ما خاط لو عمل في بيت المستأجر على ما هو المشهور، كما في «المبسوط» وغيره، فإنه حينئذٍ كالدار والدابة.
(
و) للمُؤجِر طلب الأَجر (للخُبْزِ) بالضم ويجوز فتحه (بَعْدَ إِخْرَاجِهِ مِنَ التَّنُّوْرِ) لأَن تمامه بذِلك (فإِذَا احْتَرَقَ) الخبز (بَعْدَما أُخْرِجَ) من التنور من غير فِعْلِهِ (فَلَهُ الأَجْرُ) لوجود تمام العمل. (و) إِذَا احترق (قَبْلَهُ) أَي قبل إِخْراجه مِن التنور (لا) أَي لا أَجر له لعدم وجود تمام العمل. وفي «النِّهاية»: إنَّ رواياتِ الكتب من «المبسوط»، و «الذخيرة»، و «المغني»، و «الجامع» لفخر الإِسلام، و «قاضيخان»، والتُّمُرْتَاشِي، و «الفوائد الظهيرية»: أَنَّ العامل في بيت المستأجر يستحق الأَجْر بِقَدْر عملِهِ، حتى لو سرَق الثوب فله من الأَجر بِقْدر عمله، لأَنَّ كل جزءٍ من العمل يصير مُسلَّماً إِلى صاحب الثوب بالفراغ منه. وفي «الهداية»: أَنه لا يستحق الأَجر إِلا بالتَّمَامِ.

(ولا غُرْمَ فِيْهِمَا) أَي في حالتي الاحتراق بعدَ الإِخراج وقبْلَه على الأَجير، لأَنه لم توجد منه جناية، وهذا عند أَبي حنيفة. وعندهما: على الأَجير الغُرْم، لأَنه أَجِير مشترك، والعين في يده مضمونةٌ عندهما. هكذا حكى القُدُورِي الخلاف في شرحه. وفي «شَرْح الوافي»: ولا ضمان عليه بالهلاك عند الكلِّ: أَمَّا عند أَبي حنيفةَ فلأَنَّه لم يَهْلِك مِن عمله، وأَمَّا عندهما فلأَنه هلَك بعد التسليم.
(
و) للمُؤجِر طلب الأَجر (للطَّبْخِ) للوليمة (بَعْدَ الغَرْفِ) أَي إِخْراج المَرَقة من القِدْر إِلى القِصَاع. قيدنا «بالوليمة»، لأَنه لو استأجره لِطَبْخ قِدْرٍ خاصَ بعينه لا يكون الغرف عليه، وكذا في المحيط والإِيضاح. والأَصل في ذلك العرف.

(
و) للمُؤَجِر طلب الأَجر (لِضَرْبِ اللَّبِنِ) بكسر الموحدة (بَعْدَ إِقَامَتِه) أَي تَسْويته عند أَبي حنيفة، وبعد تشريجه ـ أي جعل بعضه على بعض ـ عندهما، لأنَّ تشريجه من تمام عمله إِذْ لا يُؤمَن الفساد قبله، ولأَنه هو الذي يتولاه عادةً، والمعتاد كالمشروط. ولأَبي حنيفة أَن العمل قد تَمَّ بالإِقامة، والتشريج عمل زائدٌ، كالنقل إِلى موضع العمارة. وثمرة الخلاف تظهر فيما إِذَا فسَد بمطر ونحوه بعدما أَقامه: فعنده يجب الأَجْر، وعندهما لا يجب إِلاَّ إِذَا كان شَرَّجه.
(
ويَحْبِسُ العَيْنَ للأَجْرِ مَنْ خَلَطَ مِلْكَهُ بِهَا) أَي بالعين (كالصَّبَّاغ) ومَنْ له أَثر فيها، كالقَصَّار، لأَن المعقود عليه وصْفٌ قائمٌ في الثوب، فله حقُّ الحَبْس لاستيفاء بدله، كما في البيع.

(فإِنْ حُبِسَ فَضَاعَ فلا غُرْمَ) عند أَبي حنيفة، لأَنه غير مُتَعَدَ في الحبس، وقد كانت العين أَمَانةً في يده قبل الحبس (فبقيت) أمانةً بعده (ولا أَجْرَ له) لهلاك المعقود عليه قبل التسليم. وعند أَبي يوسف ومحمد كانت مضمونةً قبل الحبس فكذا بعده، لكنه بالخِيار إِنْ شاء ضَمَّنه قيمتَهُ غير معمول ولا أَجْرَ له، لأَن العمل لم يَصِر مُسَلَّمَاً إِليه، وإِنْ شاء ضَمِن قيمته معمولاً وله الأَجر، لأَن المبيع صار مُسَلَّمَاً إِليه تقديراً بوصول قيمته إِليه، فصار كما لو صار مسلَّمَاً إِليه حقيقةً.
(
بِخِلاَفِ الجَمَّالِ) ـ بالجيم أَو المهملة ـ وكل صانع ليس لِعَمَله أَثَرٌ في العين (ولِمَنْ) أَي لأَجِيرٍ (أُطْلِقَ له العَمَلُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ غَيْرَهُ) لأَن المُسْتَحَقَّ عَمَلٌ في ذمته، فله إِيفاؤه بنفسهِ وبغيره، فصار كإِيفاء الدَّيْن (فإِن قَيَّدَ بِيَدِهِ) بَأَنْ قال له: على أَنْ تعمل بيدك، أَو بنفسك (لا) أَي لا يَستعمل غيره، لأن المعقود عليه عَمَلٌ بعينه فيستحقّ عليه، كالمنفعة في محل بعينه.

(
ضوابط الإِجارة الجائزة)
(
ولأَجِير المجيءُ بِعِيَالِهِ) الضمير للمستأجِر، و «الباء» متعلقة بمجيء وهو مجرور بإِضافة أَجير إِليه، والَلاَم متعلقة بمحذوف خبر مُقَدَّم. وقوله: (إِنْ مَاتَ بَعْضُهُم وجَاءَ بِمَنْ بَقِيَ) شَرْطٌ مُعْتَرِضٌ بين الخبر والمبتدأ وهو (أَجْرُهُ بِحِسَابِهِ) والجملة جواب الشرط، يعني مَنْ استأجر رجلاً ليذهب إِلى البصرة ويجيء بعياله ـ وهم معلومون ـ فذهب فوجد بعضهم قد ماتوا، فجاء بِمَنْ بَقِي، فله أَجْرُهُ بحسابِه، لأَنَّ الأَجْر مقابَلٌ بجملتهم، وقد أَوْفَى الأَجِيْرُ بعضَ المعقود عليه فيستحق من العِوض بقَدْرِه.

(وحَامِلُ كِتَابٍ) مبتدأ مضاف (أَوْ زادٍ إِلى زَيْدٍ بأَجْرٍ) الجارَّان متعلقان بـ: «حَامل» (إِنْ رَدَّهُ) أي الكتاب، أَو الزاد (لِمَوْتِهِ) أَي لأَجْل موت زيدٍ (لا شَيءَ لَهُ) جواب الشرط، والشرط وجوابه خبرُ المبتدأ. والمعنى: أَنَّ مَنِ استأجر رجلاً ليذهب بطعامٍ إِلى فلان بالبصرة، فذهب إِليها فوجده ميتاً، أَوْ لَمْ يجِده، أَو وجده ولم يدفع إِليه شيئاً بل ردّ به، فلا أَجْر له. وعند زُفَر له الأَجْر، لأَنه بمقابلة الحَمْل للبصرة وقد وَفَّى به وَجَنَى بِرَدِّه، فلا يسقط بجنايتِهِ حَقّه من أُجْرَته. ولهم أَنّ المعقود عليه هنا هو نَقْل الطعام إِلى البصرة، وقد نقضه بِرَدِّهِ.
ومَنِ استأجر رجلاً ليذهب بكتابه إِلى فلانٍ بالبصرة ويجيء بجوابه، فذهب فوجده ميتاً فَرَدَّ الكتاب فلا أَجر له، وهذا عند أَبي حنيفة وأَبي يوسف. وقال محمد: له أَجر الذهاب، وهو قول مالك والشافعيّ. وذكر الفقيه أَبو اللَّيث قول أَبي يوسف مع قول محمد. لمحمد أَنه أَوْفَى بعض المعقود عليه دون البعض، فيستحق الأَجْر بِقَدْر ما أَوفى. ولهما أَنَّ الأَجْر مقابَلٌ بِنَقْل الكتاب إِذ هو أَمْرٌ مقصودٌ بين الناس، أَو وسيلةٌ إِلى المقصود ـ وهو العلم بما فيه ـ فإِذا رَدَّه فَقد نقضه فيسقط الأَجْر. وأَما لو وجده غائباً فترك الكتاب هناك لِيُوْصَل إِليه، فله أَجْرُ الذَّهاب إِجْماعاً، لأنه أَتى بما في وُسْعِه. وفي «المحيط»: وكذا لو استأجر رسولاً ليبلِّغَ رسالته إِلى فلانٍ ببغداد، فلم يجد فلاناً وعاد، فله الأَجر لِقَطْع المسافة، لأَنه الذي في وُسِعه لا الإِسماع.

(وصَحَّ اسْتِئْجَارُ دَارٍ أَوْ دُكَّانٍ) أَو حانوتٍ (بِلاَ ذِكْرِ ما يَعْمَلُ) المستأجِر (فِيْهِ) والقياس أَنْ لا يصْح، لأَن المقصود من الدار والدُّكَّان الانتفاع، وهو قد يكون بالسُّكْنى وقد يكون بوضْعِ الأَمْتِعة، فينبغي أَنْ لا يجوز ما لم يُبَيِّن ما يعمل فيها، كالأَراضي للزراعة، والثياب لِلُّبْس. ووجه الاستحسان أَنَّ العمل المتعارَفَ فيها السُكْنى، والمتعارَف كالمشروط، فينصرف العَقْد إِلى السُّكْنى، بِخلاف الأَرْض والثياب فإِنهما يختلفان باختلاف المزروع واللابس.

(
وَلَهُ) أَي للمُستَأجِر في السُكْنَى فيها (كُلُّ عَمَلٍ) للإطلاق، ككسر الحطب، وغَسْلِ الثياب، لأَن السُكْنَى لا تتم (إِلاَّ) بذلك فتكون من توابعها. وفي «المبسوط» و «الذَّخيرة»: إِنَّما يكون له رَبْط الدَّوَابِّ إِذا كان فيها مَوْضعٌ مُعَدٌّ لذلك، وأَما إِذا لم يكن فليس له ذلك. (سِوَى مُوْهِنِ البِنَاءِ) نحو الحِدَادة، والقِصَارة، والطَّحْن بالدَّابة دون اليد، لأن فيه ضرراً ظاهراً فيتقيَّد العقد بما وراءه دلالةً.
والحاصل: أَن كُلَّ عَملٍ يُفْسِد البناء أَو يُوْهِنُه فذلك لا يصيرُ مُسْتَحَقًّا له بِمُطْلَقِ العَقْدِ إِلاَّ أَنْ يشترط، وما لا يُوْهِنُ فهو مُسْتَحقٌّ بِمُطْلق العَقْد.

(لا اسْتِئْجَارُ أَرْضٍ) أَي لا يَصِحُّ استئجارُ أَرْضٍ (حَتَّى يُسَمِّيَ ما يُزْرَعُ) فيها، لأَنَّهَا تُسْتَأجر للزراعة وغيرها، وما يُزْرَع فيها متفاوتٌ في الضرر، فلا بدَّ من التعيين لئلا تَقَعَ المنازعةُ، (أَوْ) يُسَمِّي (مَا يَعُمُّهُ) أَي يَعُمّ ما يزرع في الأَرض، بأَنْ يَذْكر أَنه يزرع ما يشاء فيها، لأَنه إِذا سَمَّى ما يعُمه ارتفعت الجهالة المُفْضِية إِلى المنازعة (وَ) حتى (تَكُوْنَ الأَرْضُ خَالِيَةً عَنِ الزِّرَاعَةِ) لأَنها لو كانت مشغولةً بها لم يكن المعقود عليه مقدورَ الاستيفاء منها. (فإِنِ استَأجَرَهَا) أَي الأَرْضَ (للبِنَاءِ، أَو الغَرْسِ صَحَّ) لأَنَّ ذلك منفعةٌ تُقْصَد مِنْ الأَرْضِ، فكان كاستئجارها للزراعة.
(
وإِذَا انْقَضَتِ المُدَّةُ) أَي مُدَّة الإجارة (سَلَّمَهَا) أَي يلزم المستأجِر أَنْ يُسَلِّم الأَرْض إِلى مالِكِهَا ((فَارِغَةً) مِنَ البِنَاء والغَرْس بِأَنْ يُجبر على قَلْعِهِ، لأَن تقدير المدة في الإِجارة يقتضي التفريغ عند انقضائها، وليس للبناء والغرس مدةٌ معلومةٌ ينتهيان إِليها، فيكون كاشتراط القَلْع عند انقضاء المدة عُرْفَاً ودلالةً، بخلاف ما لو انقضت مدةُ الإِجارة وفي الأَرض زرع لم يدرك حيثُ يترك بأَجْر المِثْل في يدهِ إِلى أَنْ يستحصدَه، لأَنَّ لِبُلوغ الزَّرْع غَايَةً معلومةً فكان في التأَخِيْر بأجْر المِثْل مراعاة للحَقَّيْن.

(إِلاَّ أَنْ يَغْرَمَ المُؤجِرُ قِيمتَهُ) أَي قيمة البناء أَو الغرس (مَقْلُوْعاً) لأَن في ذلك نظراً لهما (وَيَتَمَلَّكَهُ) هو بالنَّصْب عَطْفٌ على يغرم (بِلا رِضَا المُسْتَأجِرِ إِنْ نَقَصَ) الأَرْضَ القَلْعُ، لأَنَّ فيه دَفْعَ الضرر عن المُؤجِر (وإِلاَّ) أَي وإِنْ لَمْ يُنْقِص القلعُ الأَرض (فَبِرِضَاهُ) أَي فيتملكه المُؤجِرُ برِضَا المتسأجر (أَوْ يرْضَى) عطف على يغرم، أَي أَو إِلاَّ أَنْ يَرْضَى المُؤجِرُ (بِتَرْكِهِ) أَي تَرْكِ البناء أَو الغَرْس، لأَن الحَقَّ لربِّ الأَرض فإِذَا رَضِيَ بِاستمرارِ البناء أَو الغرس بأَجر أَو بغير أَجْر كان له ذلك (فَيَكُوْنُ البِنَاءُ أَو الغَرْسُ لِهَذَا) أَي المستأجِر (والأَرْضُ لِهَذَا) وهو المُؤجِر، وهو واضحٌ.

(
والرَّطْبة) ـ بفتح فسكون ـ القَضْب، وهي بالفارسية إِسْفِسْت (كالشَّجَرَةِ) أَي حُكْمُهَا، لأَنها لا يُعْلَمُ لانتهائها غاية (وضَمِنَ) المُستأجر (الحِصَّةَ بالزِّيَادَةِ على حِمْلٍ) ـ بالكسر ـ (ذُكِرَ) من عقد الإِجارة، يعني استأجر دَابَّةً ليحمِل عليها مِقْدَاراً معيناً من نوعٍ مُعَيَّن، فحَمَل أَكثر مِمَّا سمَّى فعَطِبَتْ، ضَمِن ما زاد (إِنْ أَطَاقَتْ) دَابةٌ مثلها ذلك الحمل، لأَنها عَطِبت بما هو مأذونٌ فيه، وبما هو ليس بمأَذونٍ فيه فانقسم عليهما.

(وَ) ضَمِن (كُلَّ القِيْمَةِ إِنْ لَمْ تُطِق) دَابةٌ مثلُهَا ذلك، لعدم الإِذْن فيه، أَصْلاً لخُرُوجِهِ عن العادة. قَيَّد بِكَوْن الإِجارة على حمل، لأَنها لو كانت على ركوب شخصٍ معينٍ فأَردفه آخر فعَطِبت الدابة ضَمن نِصْفَ قيمتها، سواء كان أَخف أَو أَثْقَل، لأَن تلَفَ الدابةِ من الركوب لا ينشأُ من الثِّقْل، إِذْ رُبَّ ثقيل يحسِن الركوب فلا يضر ثِقْله بالدابة، وخفيفٍ لا يحسنه فَيَضُرُّ بها، ولأَنَّ الآدمي لا يُوزن فاعتبر فيه العدد. وهذا إِذا كانت الدابة تُطِيق حمل اثنين، حتى لو كانت لا تطيقُ ذلك ضَمِن كلَّ قيمتها.
وإِنْ قَيَّد الدابةَ براكبٍ، والثوب بِلُبْس لابسٍ مُعَيَّن، فخالف إِلى غيره ضَمِن القيمةَ إِنْ أُتْلِف، لتفاوت النَّاس في الركوب واللبس. ومثلُهُ كُلُّ ما يختلف باختلاف المستعمِل. ولا يعتبر التَّعْين فيما لا يختلف بالمُسْتَعْمِل، فلو شرَط سُكْنى واحِدٍ بِعَيْنه في الدار، جاز للمستأجِر أَنْ يُسْكِنَ غيره فيها. والتلف برد الدابة بأَن يجذِب لِجَامها إِلى نفسه لتقف ولا تجري، أَو الضَّرْب بلا إِذْنٍ صريحٍ، يُوجِب الضمان عند أَبي حنيفة، كهلاك الدابة المستعارة، والعبد المُسْتَأجَر بالضَّرْب. وهما قيَّداه بغير المعتاد، كمالك والشافعيّ.
وصح استئجار الجمل ليحمل عليه مَحْمِلاً وراكبين إِلى مكَّةَ المُشرَفة مثلاً. ويتعين المَحْمِل المعتاد في عُرْف البلاد، ويستحب مشاهدة الجَمَّال المَحمِل، لأَنه أَبعد عن الجهالة، وبه قال مالك. وشرطَ الشافعيُّ المشاهدة، وهو القياس، لأَنه مجهولٌ فيؤدي إِلى المنازعة.
ولنا: وهو الاستحسان، أَنَّ المقصود هو الراكب وهو معلومٌ، والمَحْمِل تابعٌ، وما فيه من الجهالة تزول بالصَّرْف إِلى المعتاد، وكذا إِذا لم يَرَ الفراش وما يتعلق به. وصَحَّ لزادٍ معلوم إِلى مكانٍ معلومٍ، ويجوز عوض ما نقص منه، خلافاً لبعض أَصحاب الشافعي.

فصل (فيما يُفسِد الإجارة)
(
يُفْسِدُهَا) أَي الإِجارة (شُرُوطٌ تُفْسِدُ البَيْعَ) وهي الشروط التي لا يقتضيها العقد الذي وقعت فيه، لأَن الإِجارة في المنافع بمنزلة البيع في الأَعيان، ولذا تُقَال وتُفْسَخُ.
والشروط التي لا يقتضيها البيعُ تُفْسِدُه، فكذا الشروط التي لا تقتضيها الإِجارة تُفْسِدها. وذلك كاشتراط (مَرَمّة) الدار، وإِدخال جِذْع في سقفها. وتَفْسُد أَيضاً بجهالة المعقود عليه، كما لو استأجر أَرضاً ولم يذكر أَنه يزرعها، أَو أَي شيء يزرعها، وكذا بِجَهالة المُدَّةِ فيما تعلم المنفعة بها، كالدُّور لاستلزامها جهالةَ قَدْر المنفعة، وكذا بجَهالة الأَجر لأَنه كالثَّمَن في البيع، وكذا بِجَعْلِه من جِنْس منفَعَةِ المستأجِر، كاستئجار دار للسُّكْنى بسُكْنَى دار أُخرى، ولُبْس ثوبٍ بلُبْس آخر. وعند الشافعي يجوز، لأَن المنافع كالأَعيان عنده، ومبادلة العين بالعين بجنسه أَو بخلاف جنسه صحيحةٌ عند المساومة.
ولنا ما حُكِي أَن ابن سَمَاعة كَتَب إِلى محمدٍ وقال: لم لا يجوز إِجارة سُكْنى دارٍ بِسُكْنَى دار؟ فكتب محمدٌ في جوابه: إِنك أَطلْتَ الفِكْرة، (وأَصَابَتْكَ الحَيرة) وجالست الجُبَّائي وكانت منك زَلة. أَما عَلِمْت أَنَّ إِجارة سُكْنى دار بِسُكْنى دارٍ كبيع القُوْهِيّ بالقُوْهِيّ نسيئَةً؟ بيانه أَنَّ المعقود عليه ما يَحدث من المنفعة وذا غير موجود في الحال، فإِذا اتَّحَد الجنس كان كمبادلة شيء بجنسه نسيئةً، والجنس بانفراده يُحَرِّمُ النَّساء عندنا، بخلاف ما إِذا اختلف الجنس، لأَن النَّساء في الجنس المُخْتَلِف ليس بحرام، كما لو أَسلم قُوهِيّاً في مَرْوِيّ.

فإِن قيل: عند اختلاف النَّوع؟ إِنْ لَم يفسد لهذا المعنى يفسد لمعنًى آخَر، وهو أَنَّ بَيع الدين بالدَّين حرامٌ للنَّهْي عن الكَالِىء بالكَالِىء. قيل: الذي تصحَبه الباء هو المعقود عليه، وأُقيم المحل مُقام المنفعة وهي عين، فيصير الآخر بمنزلة الثمن، فلا يكون غير العين بغير العين، بل يكون عيناً بدين، فذلك جائز.
(
فيَجِبُ أَجْرُ المِثْل لا يُزَادُ عَلَى المُسَمَّى) وقال مالك وَزُفَر والشافعي وأَحمد: في الإِجارة الفاسدة يَجِب أَجْرُ المِثْل بَالغاً ما بلغ إِلا إِذا لم يُسَمَّ الأجر أَو جهل كله، كَتَسْمية ثوبٍ ما، أَو بعضه كتسمية مئة دِرْهَم، أَو ثوب ما فحينئذٍ يَجِب الأَجْرُ بالِغَاً ما بلغ. ولو استأجر حِماراً إِلى مَكَّةَ ولم يُسَمِّ ما يَحْمِله عليه، فحمل الحَمل المعتاد وبلغها، وجب المسمى لا أَجْرُ المِثل كما قال زُفَر.

(
وصَحَّ إِجَارَةُ دارٍ كُلَّ شَهُرٍ بكذا، بلا بَيَانِ المُدَّةِ في) شهرٍ (وَاحِدٍ) لِتَعذُّرِ العمل بالعموم (فَقَط) أَي ولا يصح في غير الشهر إِلاَّ أَن يُسَمِّي جملة معلومةً من الشهور، فيصح فيها للعِلم بالمدة، وبه قال الشافعي في «الإملاء» وأَحمد، واختاره الإِصطَخري. وإِذا (تَمَّ) الشهر كان لكلِ واحدٍ منهما فَسْخ، الإِجارة ـ لانتهاء العقد الصحيح ـ من غير محضَر صاحبه على قول أَبي يوسف، وبمحضره على قول أَبي حنيفة ومحمد. وقيل: لا تُفسخ إِلاَّ بِمَحْضر صاحبه بالاتفاق. وقال الشافعيّ في الأَصح الإِجارة باطلةٌ، لأَن المدة مجهولةٌ. وقال مالك: الإِجارة صحيحةٌ، وكلما مَضَى شَهْرٌ استُحقّ الأَجر، لأَن المنافع مقدَّرةٌ بتقدير الأَجر فلا يحتاج إِلى ذِكْر المدة.

(و) صحت أَيضاً (في كُلِّ شَهْرٍ يَسْكُنُ في أَوَّلِهِ) ولم يكن للمُؤجِر أَن يُخْرجه إِلى أَنْ ينقضي إِلاَّ بِعُذْر، وبه قال أَحمد، لأَنه بهذَا (القَدْر) من السُكْنَى صار معلوماً فيتم العقد فيه فكان كالبيع بالمُعَاطَاة. والمراد بأَوَّل الشهر أَوَّله عُرْفَاً، وهو الليلة الأُولى من الشهر ويومُها، وهو ظاهر الرواية، وبه يُفْتَى.
(
وإِنْ سَمَّى أَوَّل المُدَّة فَذَاكَ) أَي فما سَمَّى أَوَّلَهَا (وإِلاَّ) أَي وإِنْ لَم يُسَمِّ أَوَّل المدة (فَوَقْتُ العَقْدِ) هو أَوَّلُهَا، لأَن الأَوقات لما تَسَاوَتْ بالنسبةِ إِلى ذلك العقد تَعَيَّنَ الزمان الذي يَعْقُبه، (فَإِنْ كَانَ) العقد (حِيْنَ يَهِلُّ) أَي يُبْصَرُ الهلال بصيغة المجهول، والمراد اليوم الأَول من الشهر (اعتبر الأَهِلَّة) في شهور السنة كلها، لأَنها هي الأَصل في الشهور. قال تعالى: {يَسْأَلُونك عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِي مَوَاقِيْتُ لِلنَّاسِ}، (وإِلاَّ) أَي وإِنْ لم يكن العقد حين يهل بأَنْ كان في أَثناء الشهر (فالأَيَّامُ) أَي فالمعتبر في شُهور السنة كلّها الأَيام، وهذا عند أَبي حنيفة، وهو روايةٌ عن أَبي يوسف، وقول للشافعي ، ورواية عن أَحمد.
وعن محمدٍ وهو روايةٌ عن أَبي يوسف وقول للشافعيّ ورِوَايةٌ عن أَحمد، الشهر الأَول بالأَيام ويُكْمَل من الشهر الأَخِيْر والباقي بالأَهِلة، لأَن الأَصْل في اعتبار الشهور الأَهلة، والأَيام يصار إِليها ضرورة، أَلا ترى إِلى قوله عليه الصلاة والسلام: «صُومُوا لِرُؤيتِهِ، وأَفْطِرُوا لِرُؤيتِهِ، فإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّة شَعْبَان»، والضرورةُ في الأَول من الشهور، فَيُكْمَل من أَيام الشهر الأَخِير ويعتبر فيما بينهما بالأَصْل.

ولأَبي حنيفة أَنه لما وجب تتميم الأَول بالأَيامِ قبل ابتداء الثاني، وجب تتميمه من الثاني لأَنَّه متصل به، فابْتُدِىء الثاني بالأَيام ضرورةً، وهكذا إِلى آخِرِ المدة (كالعِدَّةِ) أَي كما يُعْتَبر في العدة إِذا كانت بالشهور: الأَهِلة إِذا كان ابتداءُ العدة حين يهل الهِلاَلُ، والأَيام إِذَا كان ابتداؤها في أَثناء الشَّهر.
(
و) صح (إِجارَةُ الحَمَّامِ والحَجَّام) أَما الحَمَّام فلتَعَارُفِ الناس، وقد رَوَى الحاكم في «مُسْتَدْرَكِهِ» عن عبد الله بن مسعود أَنه قال: «ما رآه المُسْلِمُون حَسنَاً فهو عند الله حسن». وما فيها من الجهالة ساقطٌ لمكان الضرورة. وأَما الحَجَّام فمنع أَحمدُ إِجارَتَه، لما أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عن رافع بن خَدِيْج أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كَسْبُ الحَجَّام خَبِيْثٌ».
ولنا ما رَوى الشيخان عن ابن عباس: أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم احتجم وأَعطى الحَجَّامَ أَجْرَه. زاد البخاري في لفظ: ولو كانَ حَرَامَاً لم يُعْطِهِ. وفي لفظٍ: لو عَلِم كَرَاهَتَهُ لم يُعْطِهِ. ولِمُسْلِم: ولو كان سُحْتَاً لم يُعْطِهِ. وذلك أَنَّه كما لا يَحِل لأَحدٍ أَكْلُ الحرامِ لا يَحِل له دَفْعُهُ إِلى غَيْرِهِ ليأَكله. وكره كَسْبَه عثمانُ وأَبو هريرة والحسن والنَّخَعِي لما روينا، (ولِمَا) في «مُسند» أَحمد: أَن مُحَيِّصة سأَل النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن كَسْبِ الحَجَّام له، فنهاه، فلم يزل يُكَلِّمه حتى قال: «اعلفه نَاضِحك، وأَطْعِمه رقيقك».

(و) صح إِجارة (الظِّئْرِ) أَي المُرْضِع (بِأَجْرٍ مُعَيَّنٍ) والقياس أَنه لا يصح كإِجارة البقرة أَو الشاة لِشُرْبِ لبنها، وإِجارة البُسْتان ليأكل ثمرَهُ، إِلاَّ أَنها صحت لقوله تعالى: {فإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوْهُنَّ أُجُورَهُنَّ} والمرادُ بعد الطلاق، ولأَنَّ ذلك كان قبل النبي صلى الله عليه وسلم فأَقَّرَّهم عليه. ولإِجماع الأُمة على ذلك، (وبِطَعَامِهَا وكِسْوَتِهَا) ولها الوسط، وهذا عند أَبي حنيفةَ ومالك وأَحمد.
وقال أَبو يوسف ومحمد: لا يجوز. وبه قال الشافعيُّ، لجهالة الأُجْرة.
(
ولِلْزَّوْجِ) أَي زوج الظئر (وَطْؤُهَا) وهو قول الشافعي وأَحمد. وقال مالك: ليس له ذلك إِلاَّ برضاء المستأجِر، لأَنه قد ينقص اللبن، وقد يقطعها بالحَبَل. ولنا أَنَّ الوطىءَ حَقُّ الزوج قبل عقد الإِجارة، فلا يتمكن المستأجِر من إِسْقاطه، ولا يسقط لأَمْر مشكوكٍ فيه. (لا في بَيْتٍ المُسْتأجِر) أَي ليس لزوج الظِئْر وطؤها في بيت المستأجِر، لأَن بيته حقه، فليس للزوج فعل ذلك فيه إِلاَّ بإِذنه.

(
وله) أَي لزوج الظئر سواء كان ممن يَشِينُه أَنْ تكون امرأَته ظِئْراً أَو لا (في نِكَاح ظَاهِرٍ) أَي معلوم من غير إِقْرار (فَسْخُهَا) أَي فسخ الإِجارة (إِنْ لَمْ يَأذَن) أَي الزوج (لها) أَي للظئر في الإِجارة، لأَن الإِرْضاع يُنْقِص من جمالها وفي ذلك إِضْرارٌ به، فله أَنْ يمنعها منه كما يمنعها من التطوعات، (لا إِنْ أَقَرَّتْ) الظئر (بِنِكَاحِهِ) لأَن عقد الإِجارة قد لَزِمها، وقولها غير مقبول في حق المستأجِر.
(
ولأَهْلِ الصَّبِيِّ) أَي أَوليائه (فَسْخُهَا) أَي الإِجارة (إِن مَرِضَتْ) الظئر (أَوْ حَبِلَتْ) لأَنَّ لبن المريض والحامل يضر الصغير.

(وعَلَيْهَا) أَي الظِّئْر (غَسْلُ الصبيّ و) غَسْل (ثِيَابِهِ) من البول والغائط ونحوهما (وإِصْلاَحُ طَعَامِهِ ودَهْنُهُ) ـ بالفَتْحِ ـ للعُرْف، على أَنَّ الظئر هي التي تتولى ذلك فصار كالمشروط. والأَصل أَنَّ الإِجارة إِذا وقعت على عملٍ فما كان من توابع ذلك العمل ولم يشترط في الإِجارة على الأَجِيْر، فالمرجع فيه (للعُرْف). (وعَلَى أَبِيْهِ) أَي أبِ الصبي (الأَجْرُ) أَي أَجْر الظئر (وثَمَنُهَا) أَي ثمن ثيابه وطعامه وما يغسل وما يُدَّهن به، لأَنَّها من نفقته (فإِنْ أَرْضَعَتْهُ) أَي الصبي (بِلَبَنِ شَاةٍ أَو غَذَّتْهُ) ـ بتشديد المعجمة ـ أَي ربته (بِطَعَامٍ وَمَضَتِ المُدَّةُ) أَي مدة الإجارة (فَلاَ أَجْرَ لَهَا) وبه قال مالك والشافعيّ وأَحمد.

(
حكم الإجارة على العبادات)
(
ولا تَصِحُّ) الإِجارة (للعِبَادَاتِ) في «شرح الوافي» والمذهب عندنا أَنَّ كلَّ طاعة يختص بها المسلم، فالاستئجار عليها باطل (كالأَذَانِ)، والحج (والإِمَامَةِ وتَعْلِيم القُرْأَنِ)، وتعليم الفقه، وهو نص أَحمد، وقول عَطَاء، والضَّحَّاك، والزُّهْرِي، والحسن، وابن سِيرين، وطاوس، والنَّخَعي، والشَّعْبِي.

وقال مالك، والشافعيّ، وأَحمد في روايةٍ: تصح في كل ما لا يتعين على الأَجير فعله، كالاستئجار لبناء المسجد، حتى لو تَعيَّن الإِفتاء أَو الإِمامة على واحدٍ لا تصح إِجارته، لأَنه عليه الصَّلاة والسَّلام زَوَّج رجلاً بما معه من القرآن. وإِذا جاز تعليم القرآن عِوضاً في بابِ النكاح، جاز في باب الإِجارة. ولأَنَّ أَبا سعيد الخُدْرِي رَقَى بفاتحة الكتاب وأَخَذ قَطِيعاً من الغنم، واقتسمه هو وأَصحابُهُ بِأَمْر النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَحَقَّ ما أَخَذْتُم عليه أَجْرَاً كتابُ الله». ولأَنه يجوز أَخْذُ الرِّزق (عليه) من بيت المال، فيجوز الأَجْر عليه فإِنه بمعناه، ولأَنه قد يحتاج إِلى الاستنابة في الحج عَمَّن وجب عليه وَعَجَز عن فِعْله ولا يوجد مُتَبَرِّعٌ به.
ولنا ما رَوَى أَحمد وإِسحاق بن رَاهُويه، وابن أَبي شَيْبَة، وعبد الرزاق من حديث عبد الرحمن بن شِبْل قال: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اقْرَؤا القرآنَ ولا تأَكلوا به، ولا تَجْفُوا عنه، ولا تَغْلُوا فيه، ولا تَسْتَكْثِرُوا به». وما رَوَى أَبو داودِ وابنُ ماجه عن عُبادة بن الصَّامت قال: عَلَّمْتُ ناساً من أَهل الصُّفَّةِ القرآن وأَهْدَى إِليَّ رَجُلٌ منهم قوساً. فقلت: لَيْسَت بِمَالٍ، وأَرْمِي بِهَا في سَبِيْلِ الله. فسأَلتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «إِنْ أَردت أَن يُطوِّقَكَ اللَّهُ طَوْقَاً مِن نارٍ فاقْبَلْها». وفي رواية: فَقُلْتُ: ما تَرَى فيها يا رسولَ الله؟ فقال: «جمرة بين كتفيك تقلّدتَها أَو تعلقتَها».

وَرَوَى أَصحابِ «السُّنن الأَربعة» بِطُرُق مختلفة، فَلَفْظ أَبي داود والنَّسائي عن عثمان ابن أَبي العاص قال : قلت: يا رسولَ الله، اجعلني إِمَامَ قومي، قال: أَنْتَ إِمَامُهُمْ، واتَّخِذ مُؤذِّنَاً لا يأَخذُ على أَذَانِهِ أَجْرَاً». وروى الترمذي في «جامعه» مُسْنَداً إِلى الحسن، عن عثمان بن أَبي العاص قال: إِنَّ آخِرَ ما عَهِدَ إِليَّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم «أَن اتَّخِذ مُؤذِّنَا لا يأَخذُ على أَذَانِهِ أَجْرَاً».

وحديث التزويج ليس فيه تصريح بأَنَّ التعليم صَدَاق، فَلَعَلَّهُ زَوَّجَهَا إِيَّاه بغيرِ صَدَاقٍ إِكراماً له كما زوَّجَ أَبَا طَلْحَة أُمَّ سُلَيْم على إِسْلاَمِه. فإِنَّ النكاح يصح بدون ذِكْر المهر، ومع ذلك يجب مَهْر المِثْل وتكونُ: «الباء» مكان «اللام»، أي «لِمَا» معك من القرآن، أو لعل المرأَة وهبتها له باعتبار ذلك.
ومعنى قوله: «أَحَقُّ ما أَخَذْتُمْ عليه أَجْراً كِتَابُ الله» الجِعَالة في الرُّقْيَة، لأَنَّ ذلك في سياق جزاء الرّقْية، ودائرة الجِعَالة أَوْسع من دائرة الإِجارة. ولهذا تجوز مع جهالة العمل والمدة دون الإِجارة، أَو أَنَّ المأَخوذَ منه قطيعَ الغنم كان كافراً غير مُسْتأَمِن فجاز أَخْذُ ماله. أَو أَنَّ حق الضيف واجبٌ ولم يضيفوهم. أَو أَن الرُّقْية ليست بقراءةٍ مَحْضة، فجاز أَخْذ الأُجْرة عليها.
وأَما الرزق مِنْ بيت المال فيجوز لِمَنْ يتعدَّى نَفْعُه، لأَنَّ بيت المال من مصالح المسلمين فجرى مجرى الوَقْف عليهم، بخلاف الأُجرة. وأَما الاستنابة عن الحجِّ فللآمِر ثوابُ الإنفاق، وبه يسقط الفَرْض عنه فيكونُ أُجْرةً للخِدْمة، أَو لِقَطْع المسافة. وعلى تقدير أَنَّ الأَفعال تَقَعُ عن الآمِر لا تكون إِجارَةً على الحج، بل إِنْفَاقَاً عن النَّائِبِ.

(ويُفْتَى اليَّوْمَ بِصِحَّتِهَا) أَي الإِجارة على الأَذَان والإِمامة وتعليم القرآن، لأن المتقدِّمِينَ إِنَّما مَنَعُوا منها لرغبة الناس في زمانهم في فِعْلها احتساباً، وفي مجازاة فاعلها بالإِحْسان بلا شَرْط. وفي هذا الزمان قد زال المعنيان، ففي عدم صحة الإِجارة عليها تَضْيِيعُهَا، ولا يَبْعُد أَنْ يختلف الحكم باختلاف الأَزْمِنة، أَلا ترى أَنَّ النِّسَاءُ كُنَّ يَخْرجن إِلى الجماعات في زمنه عليه الصلاة والسلام وأَبي بكر حتى مَنَعَهن عُمَرُ عن ذلك.
وفي: «الهداية»: وبعض مشايخنا استحسنوا الاستئجار على تعليم القرآن اليوم، وعليه الفتوى. وفي «النهاية»: يُفْتى بجواز الاستئجار على تعليم الفقه أَيضاً في زماننا. وفي «المجمع»: وقيل: يُفْتَى بجوازِهِ، أَي الاستئجار على التعليم والإِمامة والفقه. وفي «الذخيرة» و «الروضة»: عن بعض أَصحابنا يجوز في زماننا للإِمام، والمؤذن، والمعلم أَخْذُ الأُجرة.

فصل (في حكم الإجارة على المعاصي)
(
ولا) تصح الإِجارة (للمَعَاصِي، كالغِنَاءِ) لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «(إِن) الغِنَاءَ يُنْبِتُ النفاقَ في القَلْبِ». رواه أَبو داود. وكذا سائر الملاهي، كالمِزْمَار، والطبل لغير الغزو، لما في «سُنن أَبي داود» عن نافع قال: سَمِعَ ابن عمر مِزْماراً فوضع أُصبعيه في أُذُنَيْه ونأى عن الطريق، وقال لي: يا نافعُ هل تَسْمع شيئاً؟ قال: قلت: لا. قال: فرفع أُصبعيه من أُذَنَيْه وقال: كُنْتُ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم فَسَمِع مثل هذا، فصنع مثل هذا. .

(والنَّوْحِ) لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَب الخُدودَ، وشَقَّ الجُيْوب، ودَعَا بِدَعْوى الجاهلية». رواه البخاري. وفيه أَيضاً عن أَبي موسى: أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بَرِىء من الصَّالِقةِ، والحَالِقَةِ، والشَّاقَّة. الصالقة: التي ترفع صوتها بالبكاء والنَّوْح. والحالقة: التي تَحْلِق رأَسها في المصيبة. والشَّاقَّة. التي تشق ثوبها في تلك الحالة. وذلك لأَنَّ عَقْد الإِجَارة يستحق به تسليمُ المقعود عليه شرعاً، فلا تُستحق على أَخْذ ما يكون به عاصياً، لئلا تصير المعصية مضافة إِلى الشريعة.
(
ولا) تصح الإِجارة (لعَسْبِ التَّيْس) وهو نَزْوه على الإِناث، لما رَوى البخاري وأَبو داود والترمذي والنَّسائي عن ابن عمر: أَنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن عَسْبِ التَّيْس. وفي «مُسْند» أَحمد: نهى عن ثَمَنِ عَسْبِ الفَحْل.
(
ولا) تصح (إِجارَةُ المُشَاع إِلاَّ مِنْ الشَّرِيْكِ) على الأَصح عند أَبِي حنيفة، وهو قول زُفَر وأَحمد، سواء كان مِمَّا يُقْسَم، كالأَرض، أَو لا، كالعبد. وقال أَبو يوسف ومحمد ومالك والشافعيّ: يجوز من غير الشريك أَيضاً إِنْ بَيَّنَ نَصيبه، وإِلاَّ فلا تصح على الصحيح، ويتهايآن فيه، ويُجْبَرانِ على ذلك، لأَن هذا عقد معاوضة فيجوز في المُشَاع، كالبيع. وفي «المغني»: والفتوى اليوم على قولهما في إِجارة المُشاع، والحيلة في جوازها على قول الكل: أَنْ يرفع العقد إِلى قاضٍ يحكم به.

(ولا إِجَارَةُ الرَّحَى بِبَعْضِ دَقِيْقِه) أَي دقيق ذلك المستأجِر على طَحْنِهِ، فإِنْ طَحَن فالدقيقُ لِرَبِّ المطحون، وللطاحن أَجْرُ المِثْل. (و) لا إِجارة (نَحْوِهَا) من الإِجارات، كإِجارة الحَمَّال لِحَمْل الطعام بِقَفِيْز منه، فإِنها لا تجوز، فإِن حَمَله فله أَجْرُ مِثْله لا يجاوز القَفِيْز. أَمَّا فساد الإِجارة فَلِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِي والبَيْهَقِي في «سننهما»، وأَبو يَعْلى المَوْصِلي في «مسنده» عن أَبي سعيد الخُدْرِي قال: نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن عَسْبِ الفَحْلِ، وعن قَفيز الطَّحَان. وفي «الهداية»: هو أَنْ يستأْجِرَ ثَوْراً ليطحن له طحنةً بِقَفِيزٍ من دقيقها. وأَما وجوب أَجْر المِثْل، فلأَنه سلم (له) المعقود عليه. وأَما أَنه لا يجاوز (بالأَجْر) المُسَمَّى، فلأَن الإِجارة لما فَسَدَت وجب الأَقلُ من المُسَمَّى مِنْ أَجْر المِثْل لرضاه بِحَطِّ الزيادة.

(
فصل في حكم الجمع بين الوقت والعمل في الإجارة)
(
ولا) يصح (الجَمْعُ) في الإِجارة (بَيْنَ الوَقْتِ والعَمَلِ) بدون حرف الظرف، كما لو استأْجر رجلاً ليخبز له عشرة أَقْفِزة اليوم بِدِرْهَم، وهذا عند أَبي حنيفة. وقالا: يصح، لأَن المعقود عليه العمل، وذِكْر الوقت للاستعجال لا لِتَعْلِيق الحقِّ، به، حتى لو فرغ منه في نصف النهار كان الأَجر له كاملاً، ولو لم يفرغه في اليوم كان عليه عمله إِلى الغد.

ولأَبي حنيفة أَن ذِكْر الوقت دليل كون المنفعة معقوداً عليها، وذِكْر العمل دليل كونه معقوداً عليه. ونَفْع المستأْجِر في الثاني ونَفْع الأَجِيْر في الأَول ولا ترجيح لأَحدهما على الآخَر، لأَن كل واحدٍ منها يقع معقوداً عليه في باب الإِجارة، فصار المعقود عليه مجهولاً جهالةً تُفْضِي إِلى المنازعة: بأَنْ يقول المستأْجِر إِذا فَرَغ الأَجِيْر من العمل في أَثناء النهار: منافعك في بقية المدة حَقِّي باعتبار تسمية الوقت، وأَنا أَستعمِلُك. ويقول الأَجِيْر إِذا لم يَفْرُغ من العمل عند مُضي اليوم: قد انتهى العقد بانتهاء المدة؛ والجهالة المُفْضية إِلى المنازعة مُفْسِدة.
وإِنَّما قلنا: بدون حَرْف الظرف، لأَنه رُوِي عن أَبي حنيفة أَنه قال: إِذا قال: «في اليوم» تصح الإِجارة، لأَن «في» للظرف لا للمُدَّة، فكان المعقود عليه العمل، بخلاف اليوم فإِنه للمدة، وقد سبق نظيره في الطَّلاق.

(
حكم إِجارة بيته للمعصية)
وإِجارة مُسْلِم بيته ليباعَ فيه خَمْرٌ أَوْ نفسه لحملها، مَكْرُوهٌ عند أَبي حنيفة، وفاسِدٌ عندهما. لأَن الحمل سببٌ للمعصية فكانت معصية، والعَقْد على المعصية لا يصح، وقد لَعَن النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الخمر منهم: حاملها. وله أَنَّ العَقْد وَاقِعٌ على الفِعْل، وأَنه معلومٌ فيصح العقد فيه، والمعصية والحرام هو الشرب والبيع، وهو منفصل عَمَّا وقع عليه العقد فلم يوجد الفسادُ فيه، بل الكراهة، لأَن اللعن متعلق به لِمَعْنىً جاوره، كالبيع وقتَ النداء، والله أَعلم.

فصل (ضَمَانُ الأَجِيرِ)

(الأَجِيْرُ المُشْتَرَكُ): وهو مَنْ لا يجب عليه أَن يختص بواحدٍ من الناس (لا يَسْتَحِقُّ الأَجْرَ إِلاَّ بالعَمَلِ)، كخياطة هذا الثوب، أَو صَبْغه لأَن المعقود عليه حقيقة العمل أَو أَثَرُهُ (ولَهُ أَنْ يَعْمَلَ للعَامَّةِ،) أَي لكل أَحَدٍ، لأَن منافعه غير مستحقة لواحِدٍ (كالقَصَّار ونَحْوِهِ) وذلك لأَن المعقود عليه إِذا كان هو العمل أَو الوصف الذي يحدث في العين بعمله، لا يمتنع عليه أَنْ (ينقل) مثل ذلك العمل لغيره، لأن ما استحقه أَولاً في حكم الدَّيْن في ذمته، ولهذا سُمِّي مُشْتَرَكَاً، لأَن له أَنْ يعمل لِمَنْ شاء، ولم تَصِر منافعه مستحقة لواحدٍ.
(
ولا يَضْمَنْ ما هَلَكَ في يَدِهِ) من غير تَعَدَ منه، (وإِنْ) كان (شُرِطَ عليه الضَّمَانُ). والمعنى: أَن المتاع في يده أَمانةٌ عند أَبي حنيفة، لحصول القبض بإِذنه لمنفعةٍ وهي إِقامة العمل فيها له، فلا تكون مضمونةً عليه، كالمودَع. وبه أَخَذَ زُفَر، والحسن بن زياد، وأَحمد وإِسحاق والمُزَنِي والشافعي في قول، وهو القياس، سواء هلك بِأَمْرٍ يمكن التحرز عنه، كالسرقة والغَصْب، أَو بِأَمرٍ لا يمكن التحرز عنه، كالحريق الغالب، والغارة الغالبة، والمكابرة. وقال أَبو يوسف ومحمد: إنه مضمون عليه إِنْ هلك بأَمرٍ يمكن التحرز عنه، لأَنَّ علياً رضي الله تعالى عنه كان يُضَمِّنُ الصَّاغة والصُّنَّاع، وقال: لا يصلح للناس إِلا ذلك. رواه البيهقي من طريق الشافعي، وحكاه في «الهداية» عن عمر أَيضاً. واختار المتأَخرون من أَصحابنا الصلح عن النصف بكل حال، وأَفتوا به عملاً بأَقوال الصحابة والفقهاء بِقَدْر الإِمكان، كذا في «جامع الفُصُولَيْن» وغيره.

(بل) يضمن ما تَلِف (بِعَمَلِهِ) كتخريق الثوب من دقِّ القَصَّار، وفساد المحمول من زلق الحامل، أَو من انقطاع الحبل الذي يشد به المُكَارِي الحَمْل، أَو غرق السفينة وأَمتعتها من مَدِّ الملاح أَو معالجته، لأن ذلك من جناية يده، وبه قال مالك، وأَحمد، والشافعيّ في قول. ورُوي عن عمر، وعلي، وعبيد الله بن عُتْبة، وشُرَيْح، والحسن، والحاكم. وقال زُفَر والشَّافعِيّ في قول: لا يضمن. ورُوي عن عطاء وطاوس: لو غَرِقت من ريح، أَو موج، أَو صدم جبل وتلف ما فيها، لا يضمن عند أَبي حنيفة، ويضمنه عند صاحبيه بناءً على ضمان الأَجِير المشترك وعدمه.

(
إِلاَّ الآدَمِي) فإِنَّ الأَجِيْرَ لا يضمن إِذا غرِق في السفينة من مَدّ الملاح لها، أَوْ سقط من الدَّابةِ بِسَوْق المُكَارِي، أَو عَطِبَ بحجامة الحجَّام أَو فَصْده، لأن الآدمي لا يضمن بِالعَقْدِ بل بالجناية (إِنْ لَمْ يَتَجَاوَز) الأَجِير في علمه فيه المَوْضِعَ (المُعْتَادَ) قَيَّد به لأَن كلاً من الحَجَّام والفصاد يضمن الآدمي إِذا تجاوز في عملهِ الموضع المعتاد.

فصل (في أَحكام الأجير الخاص)
(
والأَجِيْرُ الخَاصُّ يَسْتَحِقُّ) الأُجْرة (بِتَسْلِيْمِ نَفْسِهِ مُدَّتَهُ) أَي مُدَّة العقد (وإِنْ لَمْ يَعْمَل) أَو عَمِل ونقص العمل (كالأَجِيْرِ) شَهْراً للخِدْمة، أَو (لِرَعْي الغَنَمِ) وقد يسمى أَجِيْرَاً وَحْداً لأنه لا يمكنه في تلك المدة أَنْ يعمل لغير المستأْجِر، لأن العقد وَرَدَ على منافِعِه، وذِكْرُ العمل لِصَرْف المنفعةِ المستحقَة إِلى تلك الجهة. وفي «الذخيرة»: لو استأْجره يوماً ليعمل في الصحراء فَمَطَرت السماء بعدما خرج الأَجِيْر إِلى الصحراء لا أَجْر له، لأَنَّ تسليم النفس في ذلك العمل لم يوجد لمكان العذر، وبه كان يُفْتِي المَرْغِينَاني.

(ولا يَضْمَنُ) أَي الأَجِيْر الخَاصّ (ما هَلَكَ في يَدِهِ) بالإِجْماع، (أَوْ بِعَمَلِهِ) المعتاد، وهو قول مالك، وأَحمد، وظاهر مذهب الشافعي. (وإِنْ رَدَّدَ الأَجْرَ بِتَرْدِيْدِ العَمَلِ) بِأَنْ رَدَّدَ بين نوعي عمل، أَو بين دَارَيْن، أَوْ بين مسافتين، أَو حَمْلَتَين على دَابةٍ، كأَنْ قال: إِن خِطْتَ هذا الثوب فارسياً فَبِدِرْهم، وإِنْ خِطْته رُوميّاً فبدرهمين؛ أَوْ إِنْ صَبَغْته بِعُصْفُر فَبِدِرْهم، وإِنْ صبغته بِزْعْفَران فبدرهمين؛ أَو قال: إِنْ سكنتَ هذه الدار شهراً فبخمسة، وإِنْ سَكنتَ الأُخْرَى فبعشرة، أَو قال: إِنْ سِرْت على هذه الدابة إِلى الكُوفة فبكذا، أَو إِلى البَصْرة فبكذا، أَو قال: إِن حَمَلتَ عليها إِلى كذا قِنْطَاراً من حديد فبكذا، أَو مِن قُطن فبكذا (يَجِبِ أَجْرُ مَا عَمِلَ) وكذا إِنْ رَدَّدَ بين ثلاثة. وإِن رَدَّدَ بين أَرْبَعَةٍ لم يَصْح. والأَصل في ذلك البيع.
وقال مالك، والشافعي والثَّوْرِي وأَبو ثَوْر: لا يصح العَقْد ويجب أَجْرُ المِثْل إِذا عَمِل وهو القياس، لأنه عَقْد معاوضة لم يتعين فيه العِوض ولا المعوض فلم يصح، كما لو قال: بِعْتُك هذا بِدِرْهم، أَو هذا بِدِرْهَمَيْن. ووجه الاستحسان أَنَّ الإِجارة يجب الأَجْر فيها بالعمل، وعند العمل ما يلزمه من البدل مَعْلُومٌ، فلا تبقى جهالته لا في المعقود عليه ولا في بَدَلِه، بخلاف البيع فإِنَّ الثمن فيهِ يجب بنفس العقد ، فإِذا لم يكن مَعْلُومَاً في العقد يَفْسُد.

(وإِنْ رَدَّدَ) الأَجْر (في عَمَلِهِ اليَوْمَ أَو غَدًا) كَأَنْ قال: إِنْ خِطتُهُ اليوم فَبِدِرْهَم، وإِنْ خِطْتُهُ غداً فبنصف درهم. فقال أَبو حنيفة: الشرط الأول جائز، والثاني فاسد (فَلَهُ) أَي للأَجِيْر (ما سَمَّى إِنْ عَمِلَ اليَوْمَ) لصحة شرطه (وأَجْرُ مِثْلِهِ إِنْ عَمِلَ غَدَاً) لفساد شرطه (فَلاَ يَتَجَاوَزُ المُسَمَّى) لتراضيهما عليه. وقال أَبو يوسف ومحمد: الشرطان جائزان، فَلَهُ ما سَمَّى في عمل اليوم إِن عَمِل فيه، وما سَمَّى له في عَمِل الغد إِنْ عَمِله في الغد. وقال زُفَر: الشرطان فَاسِدَانِ، وله أَجْرُ المِثْل في عمل اليوم إِنْ عَمِلَه في اليوم، وفي عَمَل الغد إِنْ عَمِله في الغد، وهو قول مالك، والشافعيّ، وأَحمد، والثَّوْرِي، وأَبي ثَوْر، وإِسحاق، وهو القياس.

(
ولا يُسَافِرُ بِعَبْدٍ مُسْتَأْجَرٍ) مِنْ مولاه (لِلخِدْمَةِ إِلاَّ بِشَرْطِهِ) أَي السفر في العقد، أَو رضاً فيما بعده، لأن خدمة السفر تشتمل على زيادة مشقة فلا يشتملها إِطلاق الخِدْمة، ولِهَذَا جُعِل السفر عُذْراً في فسخ الإجارة فلا بد من اشتراطه، كإِسكان الحدَّاد والقَصَّار في الدار.
ولو سافر به فهلك ضَمِنه لمولاه لأنه صار غاصِبَاً، ولو رَدَّه إِلى مولاه سَالِمَاً لا أَجْر له عندنا، خِلافاً لمالك والشافعي وأَحمد، لأَن الأَجْر والضَّمَان عندنا لا يجتمعان. ثُم الخِدْمَة مِن السَّحَر إِلى أَنْ ينام النَّاس بعد العشاء عَمَلاً بالعُرْف فيهما.

فصلٌ (في فَسْخ الإِجارة)
(
تُفْسَخُ) الإِجارة (بِعَيْبٍ) حدث أَو ظهر (أَخَلَّ بِالنَّفْع، كَدَبَرِ الدَّابَّةِ) ومَرَض العبد للخدمة، لأَن المعقود عليه في باب الإِجارة هو المنافع، وهي توجد شيئاً فشيئاً، فما وُجِد من العيب يكون حادثاً قبل القبض بالنسبة إِلى المنافع الآتية، فيُوْجِبُ الخيار، كما إِذا حدث في المَبيع قبل القبض.

(فَلَوْ انتَفَعَ) المستأْجِر (بالمَعِيْبِ، أَو أُزِيلَ العَيْبُ سَقَطَ خِيَارُهُ) لأَنه بالانتفاع رَضِي بالعيب، فيلزمه جميعُ البدل كما في المبيع. أَما إِذا لم يكن مُخِلاًّ، به كما لو سقط حائط من الدار لا يخل بالسُّكْنَى لم يكن للمستأْجر الفَسْخُ، ويفهم منه أَنَّ العيب المُفَوِّت لِنَفْس المنفعة تنفسخ به الإِجارة من باب أَوْلَى، كخراب الدار، وبه كان يُفْتي شمس الأئمة السَّرَخْسِي، وشيخ الإِسلام خواهر زاده.
وقال بعض الأَصحاب: تنفسخ إِجارة الدَّار بمجرد الخراب، وهو قول مالك والشافعي وأَحمد، لأن المعقود عليه ـ وهو المنافع المخصوصة ـ فات قبل القبض فصار (كَفَوْت) المبيع قبل القبض، وكموتِ العبد المستأْجَر، والأَول أَصح، لأَن المنافع فاتت على وجه يُتصور عودُها، فأَشبه إِباق (العبد) قبل القبض. وقد رَوى هشام، عن محمد: أَنه لو استأَجر بيتاً فانهدم فبناه المُؤجِر وأَراد المستأْجِر أَن يسكنه في بقية المدة، فليس له أَنْ يمنعه من ذلك. وكذا ليس للمستأْجِر أَنْ يمتنع منه، وهذا صريح في أَنها لا تنفسخ بمجرد الخراب. وأَما إِذا انهدمت المستأْجَرة فإِنه يجوز له أَن يَفْسخ الإِجارة ويخرج منها وإِنْ كان المُؤجِر غائباً، فإِن بناها قبل الفسخ فكما تَقَدَّم.
(
و) تفسخ الإِجارة (بِخِيَارِ الشَّرْطِ، و) خيار (الرُّؤيةِ) خلافاً للشافعي فيهما. (و) تفسخ (الإِجارة بالعُذْرِ: وهُوَ) أَي العُذْر (لُزُوْمُ ضَرَرٍ لَمْ يُستحقَّ بالعَقْد، كسُكونِ وَجَعِ ضِرْسٍ استُؤجِر) شخص (لِقَلْعِهِ ولُحُوق دَيْنٍ) للمؤجِر (لا يُقْضَى) ذلك الدَّيْن (إِلا بِثَمَن ما آجَرَ) من دار أَو دكان (وسَفَرِ مُسْتأْجِرِ عَبْدٍ) استأجره (للخِدْمَة مُطْلَقَاً) أَي غير مقيدة بمكان (أَو في المِصْر) لأَن خدمة السفر أَشَقُّ، فلا تنتظمها الخدمة المطلقة فضلاً عن المقيَّدة بالمصر، وفي منع المستأْجِر من السفر ضررٌ لم يستحق بالعقد.


(
وإِفلاس مُسْتَأجِرِ دكانٍ لِيَتَّجِرَ فِيْهِ و) إِفلاس (خَيَّاطٍ) يشتري الثياب ويخيطها ليبيعها (استأجَرَ عبداً لِيَخِيطَ) له فَتَرَكَ ذلك الخياط (عَمَلَهُ) لأَجل إِفلاسه.
(
وبَدَاء) بالمَدّ، أَي ظهور رأَي (مكتري الدَّابَةِ) سافر عليها (مِنْ سَفَرِهِ) أَي بدل سفره، «فمن» بمعنى بدل كما في قوله تعالى: {أَرَضِيْتُمْ بالحيوةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرِة}، متعلقة بِبداء، وإِنما كان هذا عذراً لأَن المستأجِر ربما كان يسافر للحج فذهب وقته، أَو لِطَلَبِ غريمه فحضر، أَو للتجارة فافتقر (بِخِلاف بَدَاء المكاري) من سفره، فإِنه ليس بعذرٍ لإمكان أَنْ يبعث الدوابَّ مع أَجيره، (و) بخلاف (تَرْكِ خِيَاطَة مُسْتأجِرِ عَبْدٍ لِيخيط لِيَعْمَلَ) ذلك المستأجِر (في الصَّرْفِ) أَي في صَرْف النقود، واللام الثانية متعلقة «بِتَرْك»، وإِنما لم يكن هذا عذراً لإمكان أَنْ يخيط الغلام في ناحية.
(
و) بخلاف (بَيْعِ) المُؤجِر (مَا آجَرَهُ) فإِنه ليس بعذرٍ لإِمْكان استيفاء المستأجر المنافع، والعين على ملك المشتري كما يستوفيها، والعين على ملك البائع في ظاهر الرواية لعدم منافاته لحقِّه. وقيل: يفسخه كالإِجارة، وإِنما الخيار للمشترِي: إِنْ شاء فسخ البيع، وإِنْ شاء صبر إِلى انقضاء الإِجارة وأَخذ المبيع، وإِن أَجاز المستأجِر البيع تبطل إِجارته فيما بقي من المدة، لسقوط حَقِّه في ضِمْن إِجازته عقداً ليس له، بخلاف إِجازته الإِجارة، لأَن العقد وقع له لوقوعه على مِلْكه. وأَما لو آجَر ما آجَره في مدة المستأجر فسخ عقده إِنْ شاء، لاستحقاقه المنفعة دونه، أَو (أَجاز) واستحق الأَجر، لأَن عقده صار كعقد الفُضولي لصيرورته أَجنبياً عن المنفعة في مدة المستأجر.