ج 04.doc

شرح الوقاية

ولو أُكْرِه على تردَ من جبلٍ عالٍ، أو على اقتحام نارٍ مضطرمةٍ لا يرجو النجاة منها، أَو على طرح نفسه في ماءٍ مهلكٍ يقتل، له الصَّبْر والاقتحام عند أبي حنيفة، لأن من الناس مَنْ يختار ألم النار على ألم السيف، وصبَّره محمد ومنعه عن فعل ما أُمِرَ به، واضطرب قول أبي يوسف بين الصَّبر والاقتحام، وكذا الخلاف بينهم لو وقعت نارٌ في سفينةٍ: إن صبر احترق، وإن ألقى نفسه غرق.
وحكم الإكراه على التردّي المهلك، والإلقاء في الماء المُغْرِق، لزومُ الدِّية على المكرِه عند أبي حنيفة. وعند محمد: قتل الحامل على التردّي والإلقاء في الماء، كما يقتل الحامل على اقتحام النار بالقتل، ويوافق أبو يوسف محمداً في وجوب القَوَد في الصور الثَّلاث في الصحيح عنه، لأنه لمّا أُبِيحَ له الإقدام صار آلة للمكرِه. والدليل عليه: حديث زيد بن وَهْب قال: استعمل عمر بن الخطاب رجلاً على جيش فخرج نحو الجبل، فانتهى إلى نهر ليس عليه جسر في يومِ باردٍ، فقال أمير الجيش لرجل: انزل فابغ لنا مخاضة نجوز فيها، فقال الرجل: إني إِن دخلت الماء أموت، فأكرهه، فدخل الماء وقال: يا عمراه، ثم لم يلبث أن هلك، فبلغ ذلك عمر وهو في سوق المدينة، فقال: يا لبيكاه يا لبيكاه، فبعث إلى الأمير فنزعه وقال: لولا أن يكون سنةً لأقَدْتُه منك، ثم غرَّمه الدِّية، وقال: لا تعمل لي عملاً أبداً.
فقال: إنما أمره الأمير بهذا على غير إرادة قتله، بل ليدخل الماء فينظر لهم مخاضة فضمَّنه عمر ديته، فكيف بمن أمره وهو يريد قتله بذلك. وفيه دليلٌ على أنه يجب القَوَد على المكرِه، وأنه يجب بغير سلاحٍ.

ومعنى قوله: (لولا) أن يكون سنةً: يعني في حقّ من لا يقصد القتل، ويكون مخطئاً في ذلك. فهو تنصيصٌ على أنه إذا كان قاصداً قتله بما لاَ يَلْبِسُه، فإنه يستوجب القَوَد. وأبو حنيفة يقول: إنما قال عمر ذلك على سبيل التهديد، وقد يهدّد الإمام بما لا يتحقّق، ويتحرّز عنِ الكذب ببعض معاريض الكلام، والله تعالى أعلم بحقائق المرام.
(
وَصَحَّ نِكَاحُهُ) أي نكاح من أُكْرِه على نكاح امرأةٍ (وَطَلاَقُهُ) أي طلاق من أُكْرِه على طلاق امرأةٍ (وَعِتْقُهُ) أي عتق من أُكْرِه على إعتاق عبده أو أمته، فإن هذه العقود تصحّ عندنا مع وجود الإكراه قياساً على صحتها مع وجود الهزل. وعند مالك والشّافعيّ وأحمد: لا تصحّ. (وَرَجَعَ) السيّد على الحامل له (بِقِيمَةِ العَبْدِ) سواء كان الحامل له مُوسِراً أو مُعْسِراً (وَنِصْفِ المُسَمَّى) أي ورجع المطلق على الحامل بنصف المسمّى (إنْ لَمْ يَطَأْ) قيّد به، لأنه لا يرجع في الموطوءة بشيء، لأن ما عليه في غير الموطوءة كان على شرف السقوط، بأن جاءت الفُرْقة من جانب المرأة، وإنما تقرّر بالطّلاق، فكان الإكراه عليه إتلافاً للمال من هذا الوجه، فانضاف إلى الحامل من حيث إِنه إتلافٌ، بخلاف ما إذا دخل بها، لأن المهر تقرّر بالدُّخول لا بالطَّلاق.

(
وَ) صحّ (نَذْرُهُ) أي نذر من أُكْرِه على نذرٍ (وَيَمِينُهُ) أي حَلَف من أُكْرِه على حَلِفٍ على شيءٍ، لأن النذر واليمين لا يلحقهما الفسخ، وكلّ ما لا يلحقه الفسخ لا يؤثر فيه الإكراه. (و) صحَّ (ظِهَارُهُ) أي ظهار من أُكْره على أن يُظَاهر من امرأته، حتّى لا يجوز له قربانها حتى يكفّر، لأنّ الظِّهَار من أسباب التحريم كالطَّلاق فيستوي فيه الجِدُّ والهزل، فكذا الكرْه والطَّوع.

(و) صحَّت (رَجْعَتُهُ) أي رجعة من راجع امرأة كُرْهاً، لأن الرَّجعة استدامة النِّكاح فكانت ملحقة به (و) صحَّ (إيلاَؤُهُ) أي إيلاء من أُكره على الإيلاء، لأن الإيلاء يمين في الحال وطلاقٌ في المآل، والإكراه لا يمنع واحداً منهما. (وَ) صحّ (فَيْؤُهُ) أي فيء من أُكْرِهَ على الفيء (فِيهِ) أي في الإيلاء، لأن الفيء يصحّ مع الهزل، فكذا مع الكَرْه، ولأنه كالرَّجعة في الاستدامة.
(
و) صحّ (إسْلاَمُهُ) أي إسلام من أسلم كُرْهاً (بِلاَ قَتْلٍ) أي ولا يقتل لو رجع عن الإسلام بل يحبس، لأن الشبهة لمّا تمكّنت في إسلامه رجّحناه، لأن الإسلام يعلو ولا يُعْلَى عليه، ودرأنا عنه القتل في رجوعه لاحتمال عدم ردّته، (لا إبْرَاؤُهُ) أي لا يصحّ إبراء من أُكْرِه على إبراء شخص من دينٍ أو كفالةٍ. (و) لا تصحّ (رِدَّتُهُ) أي ردّة من أُكْرِه على الرِّدة حتّى لا تَبِين زوجتُه، لأن الردّة تتعلّق بالاعتقاد، بدليل أن من نوى أن يكفر يصير كافراً وإن لم يتكلم بالكفر، والإكراه دليلٌ على عدم تغيّر الاعتقاد. (وَإنْ زَنَى) من أُكْرِه على الزِّنا (حُدَّ إلاَّ إذَا أَكْرَهَهُ سُلْطَانٌ) وهذا عند أبي حنيفة، وعندهما لا يُحدُّ، وقد سبق التحقيق، والله تعالى وليّ التوفيق.

كتاب الحَجْرِ
(
هُوَ) ـ بالفتح ـ لغةً: المنع مطلقاً، ومنه سُمِّيَ العقل حِجْراً ـ بالكسر ـ، لقوله تعالى: {هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ}، وسُميَ به، لأنه يمنع صاحبه عن القبائح. وسُمِّي الحَطِيم حِجْراً، لأنه منع من بناء الكعبة.
وشرعاً: (مَنْعُ نَفَاذِ القَوْلِ) لا الفعل، لأن الحَجْر في الأمور الحكمية دون الحسية، ونفاذ القول حكميّ، لأنه يُرَدّ ويقبل، بخلاف نفاذ الفعل فإنه حسيٌ لا يُرَدّ إذا وقع، فلا يُتَصَوَّرُ الحَجْر فيه. فلو أتلف صبيٌّ أو مجنونٌ مال الغير يجِب الضمان، وسيجيء.

(وَسَبَبُهُ) أي الحَجْر (الصِغَرُ) لأن معه عدم العقل إن كان خالياً عن التمييز، ونقصانه إن كان مميّزاً إلاّ أن هذا التمييز ينجبر بإذن الوليّ ويصير الصِغَر به كالبلوغ، (والجُنُونُ) لأنه إمّا مع عدم العقل أصلاً وذلك فيمن لا يُفِيقُ صاحبه منه.
وحكمه: أن لا يصحّ تصرّف المُبْتَلى به وإن أجار وليّه لفقد أهلية التصرّف منه، وإما مع نقصان العقل وذلك فيمن يُجَنُّ مرَّةً ويُفِيقُ مرَّةً أخرى. وحكمه: أنه في حال الإفاقة كالعاقل. وأمّا المعتوه، وفُسِّرَ بالقليل الفهم المختلط الكلام الفاسد التدبير، إلاّ أنه لا يضرب ولا يشتم. فحكمه: أنه كالصبيّ العاقل في تصرُّفاته ورفع التكليف عنه.
(
وَالرِّقُّ) لأن العبد وما في يده لمولاه، فلا ينفذ تصرُّفه القولي لأجل حقه فللمولى أن يرفعه بفسخه، ولكن إذا رضي بتصرّفه جاز لكونه رضي بفوات حقّه. والحِكمة في ذلك أن الله خلق الورى وميّز بينهم في الحَجْر فجعل بينهم ذوي النُّهَى، ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدُّجَى، وجعل بعضهم مُبْتَلى ببعض أسباب الرَّدى.
(
وَضَمِنُوا) أي الصغير والمجنون والعبد (بِالْفِعْلِ) أي بإتلاف مال الغير، لأن في ضمانهم إحياء لحقّ المتلف عليه في المحل المعصوم، وهذا بالاتفاق. فإذا قتل إنساناً، أو قطع يده، أو أراق شيئاً لا يمكن جعل ما ذكر كالعدم، لأنه يؤدّي إلى إبطال العصمة، وهو قولٌ باطلٌ عند جمهور الأئمة، بخلاف الأقوال فإن اعتبارها بالشرع في جميع الأحوال، فأمكن أن لا تعتبر شرعاً بالنسبة إلى بعض دون بعض لعارضٍ.

(وَأُخِّرَ) العبد (إلى العِتْقِ في الإقْرَارِ بِمَالٍ) لأن إقرار العبد نافذٌ في حقّ نفسه، لقيام أهليته ـ لكونه مكلفاً ـ غير نافذٍ في حقّ سيده، لأن نفاذه في حقّه لا يخلو عن تعلّق الدين برقبته، أو كسبه، وكلاهما لسيده، فلا يستحقّ شيء منهما بإقراره، لأن إقرار الإنسان لا يُقْبَل على غيره. فإن أقرَّ العبد بمالٍ لم يلزمه في الحال لقيام المانع، ولزمه بعد الحرية لانتفائه.

(
وعُجِّلَ) في الإقرار (بَحَدَ وَقَودٍ) لأن العبد فيهما مبقّى على أصل الحرية، لأنهما من خواص الآدمية، وهو ليس بمملوكٍ من حيث إِنه آدميٌّ بل من حيث إِنه مالٌ، وإذا كان فيهما مُبَقَّى على أصل الحريّة نفذ إقراره بهما في الحال، لأنه أقرّ بما هو حقّه وبطل حقُّ المولى ضمناً، وفيه خلاف زُفَر.
(
وَلاَ يُحْجَرُ) عند أبي حنيفة على الحرّ العاقل البالغ (بِسَفَهٍ) وهو الإسراف في النفقة والتبذير لا لغرضٍ أو لغرضٍ لا يعتبره العقلاء من أهل الديانة، مثل: دفع المال إلى المغنين واللّعابين، وشراء الحمام الطيّارة بالثَّمن الغالي (وَفِسْقٍ) إذا كان الفاسق مصلِحاً لماله، وحَجَر عليه الشافعي، (وَدَيْنٍ) بفتح الدّالِ، لأنه حرٌّ مخاطَبٌ، فكان مطلق التصرُّف في ماله كالرشيد، كتزوّجه وطلاقه اتفاقاً. (وَحُجِرَ) عنده (مُفْتٍ مَاجِنٌ) وفُسِّرَ بالذي يُعَلّم الناس الحِيَل (وَطَبِيبٌ جَاهِلٌ، وَمُكَارٍ مُفْلِسٌ) وهو الذي يُكَاري على دابة للسفر ويأخذ الكراء ولا دابة له. وإنما رأى أبو حنيفة الحَجْر على هؤلاء دفعاً لضررهم عن الناس.

ولا يحجُر القاضي على المديون الذي خِيفَ منه إتلاف ماله بطريق الإقرار عند أبي حنيفة وإن طلب غرماؤه الحَجْر عليه، لأن فيه إهدار أقواله وإلحاقه بالبهائهم، فلا يجوز لدفع ضررٍ خاصٍ، بل يحبسه كما سيأتي. ويحْجر عند أبي يوسف ومحمد ومالك والشافعي وأحمد بالدين إذا طلب الغرماء من القاضي الحَجْر عليه، فيمنعه من البيع والتصرّف والإقرار نظراً للغرماء كيلا يضرّ بهم، ولِمَا روى الدَّارَقُطْنِيّ عن كعب ابن مالك، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حَجَر على مُعَاذ ماله في دين كان عليه. وعن عبد الرحمن بن كعب قال: كان مُعَاذ شاباً سخيّاً، وكان لا يمسك شيئاً. فلم يزل يداين حتّى أغرق ماله في الدين، فأتى غرماؤه النبيّ صلى الله عليه وسلم فكلَّموه، فباع صلى الله عليه وسلم ماله حتّى قام مُعَاذ بغير شيءٍ.
ولِقَوْل عمر بن الخطَّاب: «أيها الناس إياكم والدَّيْن، فإن أوله همٌّ وآخره حزنٌ. وإن أُسَيْفع جُهَيْنة قد رضي من دِينه وأمانته أن يُقَال: سَبَقَ الحاجَّ فادَّانَ مُعْرِضاً فأصبح قد رِينَ به، إلاّ أني بائعٌ عليه ماله وقاسمٌ ثمنه بين غرمائه بالحصص، فمن كان له عليه دين فَلْيَغْدُ». فلم يُنْكِر عليه أحد من الصحابة، فكان هذا اتفاقاً منهم على أنه يُبَاع على المديون ماله. وقوله فادَّانَ مُعْرِضاً: أي استدان مُعْرِضاً: وهو الذي يعترض الناس فيستدين ما وجد، ممّن وَجَد، مهما أمكنه، ولا يبالي ممّن تبعه. وقوله: رِيْنَ: أي غلب، يُقَال: رِين بالرجل رَيناً: إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه، ومنه قوله تعالى: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}.

وأبو حنيفة استدلّ بقوله تعالى: {لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلاّ أنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}، وبيع المال على المديون بغير رضاه ليس بتجارةٍ عن تراضٍ. وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يحلّ مال امرىءٍ مسلمِ إلا بطيب (نفسٍ منه». و) نفسه لا تطيب ببيع القاضي ماله عليه، فلا ينبغي له أن يفعله لهذا الظاهر. والدليل عليه أنه يحبسه بالاتفاق. ولو جاز له بيع ماله لم يشتغل بحبسه، لِمَا فيه من الإضرار به وبالغرماء من تأخير وصول حقّهم إليهم. وتأَوَّل حديث مُعَاذ: أن النبي صلى الله عليه وسلم باع ماله بسؤاله، لأنه لم يكن في ماله وفاء (بِدَين)، كقصة جابر في غرمائه. وهذا لأنه عندهم يأمره القاضي أولاً ببيع ماله، فإذا امتنع منه يبيعه. ولا يظن أنه كان يأبى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه ببيع ماله حتّى يحتاج أن يبيعه عليه بغير ضاه.
والمشهور في حديث أَسَيْفع أن عمر قال: إني قاسمٌ ماله بين غرمائه. فيُحْمَل على أنه كان من جنس الدين، وإن ثبت البيع فإنما كان ذلك برضاه. ألا ترى أن القاضي لا يبيعه عندهم إلاّ عند طلب الغرماء، ولم يُنْقَل أنهم طالبوه بذلك، وإنما المنقول أنه ابتدأهم بذلك وأمرهم أن يغدوا إليه، فدلّ أن ذلك كان برضاه.
ويُحْجَر عندهم أيضاً بالسَّفَه، لأن النظر للسفيه واجبٌ حقّاً لإسلامه.
ولو حجر عليه القاضي فرُفِعَ ذلك إلى قاضٍ آخر فرفع الحَجْر عنه جاز، لأن الحَجْر من الأول ليس بقضاءٍ بل فتوى، لأن القضاء لقطع الخصومة بين المتخاصمين بالقضاء لأحدهما على الآخر، ولم يوجد ذلك. وحَجَر محمد على السَّفِيه بمجرد حدوث سَفَهه، اعتباراً بالصِّبا بلا توقّفٍ على حجر القاضي، ووافقه أبو يوسف عليه واعتبره بالمديون، فلو باع شيئاً قبل حجر القاضي نفذ عنده.

والأصل لهما، قوله تعالى: {فَإنْ كَان الّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهاً أوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} فهذا تنصيصٌ على إثبات الولاية على السفيه، ولا يكون ذلك إلاّ بعد الحجر عليه. وقال الله تعالى: {وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ} إلى أن قال {واكْسُوهُم}، وهذا تنصيصٌ على إثبات الحجر عليه بطريق النظر له.
وقصة حِبَّان بن مُنْقِذ الأنصاري وغُبْنِةِ في البيّاعات، وسؤال أهله النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يحجر عليه، فلو لم يكن الحجر بسبب التبذير في المال مشروعاً، لَمَا سأل أهلُه النبيَّ صلى الله عليه وسلم فيه. وقد طلب (عليّ) من عثمان الحجر على عبد الله بن جعفر لمّا اشترى دار الضيافة بمئة ألفٍ، وخوف عبد الله من ذلك والتجاؤه إلى الزُّبَيْر، وشراء الزُّبَيْر منه نصفها بخمسين ألفاً احتيالاً منه لدفع الحجر (عنه)، واعتذار عثمان بقوله: كيف أحجر على رجلٍ شريكه الزُّبَيْر؟. وإنما قال ذلك لأن الزُّبَيْر كان معروفاً بالكيَاسة في التجارة، فاستدل برغبته (في الشركة) على أنه لا غبن في تصرّفه.

فهذا اتفاقٌ منهم على جواز الحَجْر بسبب التبذير. والمعنى فيه أنه مبذّرٌ في ماله، فيكون محجوراً عليه في أفعاله كالصبيّ بل أولى، لأنه إنما حجر عليه لتوهم التبذير منه وقد تحقّق هنا، فلأن يكون محجوراً عليه أولى. وإنما جاز تزوّجه وطلاقه وإعتاقه بدون إجازة القاضي، لأن كلّ كلام لا يؤثِّر الهزل فيه لا يؤثر السَّفَه فيه، لكن يبطل ما زاد على مهر المثل. هذا.

ويدفع القاضي إليه زكاة ماله، ويصرفها هو بحضرة أمينه لئلاّ يصرفها في غير مصارفها. وينفق عليه القاضي أو أمينه، لأنه لا حاجة فيها إلى نية، كذا على من يلزمه نفقته من ماله، لأن السَّفَه لا يبطل حقوق الناس، ولا يمنعه من حجة الإسلام، لأن الحجّ فرضٌ عليه إذا كان مستطيعاً، والسفيه كالمصلح في الفرائض، ولا مِن عمرةٍ واحدةٍ استحساناً، لأنه قيل بفرضيتها، فلا يمنع عنها احتياطاً، وتنفذ وصاياه في القُرَب من الثلث.
(
وَإِذَا بَلَغَ) الصبيّ (غَيْرَ رَشِيدٍ لَمْ يُسَلَّمْ إِلَيْهِ مَالُهُ) عند أبي حنيفة (حتى يَبْلُغ خمساً وعشرين سنةً، وصحَّ)
عنده (تَصَرُّفُهُ) أي الذي بلغ رشيداً (قَبْلَهُ) أي قبل خمسٍ وعشرين سنةً (وَبَعْدَهُ) أي بعد الخمس والعشرين سنةً (يُسَلَّمُ) إليه ماله (بِلاَ رُشْدٍ)، وعندهما وهو قول مالك والشافعي وأحمد: لا يُسَلَّم إليه ماله، ولا يجوز تصرّفه فيه حتى يُؤنس رشده، لقوله تعالى: {وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أمْوَالَكُمُ}، وقوله تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُمُ مّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} فإنه تعالى نهى عن الدفع إليه ما دام سفيهاً، وأمر بالدفع إليه إن وُجِدَ رشيداً، فلا يجوز الدفع إليه قبل الرشد. لأبي حنيفة قوله تعالى: {وَآتُوا اليَتَامَى أَمْوالَهُمْ} والمراد بعد البلوغ، وسُمُّوا يتامى لقربهم من اليُتْم.

فهو تنصيصٌ على (وجوب) دفع المال بعد البلوغ، إلاّ أنه يمنع عنه ماله قبل هذه المدّة بالإجماع، ولا إِجماع هنا فيجب دفع المال بالنّص. ولأن أول أحوالِ البلوغ قد لا يفارقه السَفَه باعتبار أثر الصبا، فقدّرناه بخمسٍ وعشرين سنةً، لأنه وقتٌ يُتَصَوَّرُ أن يصير فيه جَدَّاً: بأن يبلغ اثني عشر سنةً، ويولد له لستة أشهر، ويبلغ ولده لاثني عشر سنةً ويولد له لستة أشهر. والمراد من الآية الأولى أموالنا لا أموالهم، والآية الثانية مشتملة على التعليق بالشرط، وهو لا يوجب العدم عند عدم الشرط عندنا، على أن الشرط ـ رشد ـ نكرة. (فإذا) صار الشرط في حكم الوجود بوجهٍ يوجب جزاءه.

وأول أحوال البلوغ مبدأ مفارقة السَفَه باعتبار الصبا وبقاء أثره كبقاء عينه، وإذا امتدّ الزمان فظهرت الخبرة والتجربة لم يبق أثرُهُ وحدث ضَرْب من الرشد لا محالة، لأنه حالَ (كمالِ) لُبّه، فقد رُوِيَ عن عمر أنه قال: ينتهي لبّ الرجل إذا بلغ خمساً وعشرين سنةً.
(
وَحَبَسَ القَاضِي المَدْيُونَ) عند أبي حنيفة كغيره (لِدَيْنِهِ) أي ليقضي المديون ما عليه من الدين ببيع ماله أو بغيره، وإِنَّما يحبسه دفعاً لظّلمه بمطله. ولا يكون هذا الحبس إكراهاً على بيعه، لأن المقصود منه حمل المديون على قضاء دينه بأي طريقٍ شاء في حقّه. (وَقَضَى) أي وَفَّى القاضي بلا أمر المديون (دَرَاهِمَ دَيْنِهِ مِنْ دَرَاهِمِهِ) أي دراهم المديون (وَ) قضى (دَنَانِيرَهُ) أي دنانير دين المديون (مِنْ دَنَانِيرِهِ) أي دنانير المديون، لأن الدائن لمّا كان له أن يأخذ دينه إذا ظفِر بجنس حقّه من غير رضاء المديون، كان للقاضي أن يعينه على ذلك، وصار هذا الفعل منه إعانةً للدائن على أخذ حقّه.

(وَبَاعَ) القاضي كُلاًّ من الدَّراهم والدنانير (لِقَضَاءِ الآخَرِ) فيبيع الدَّراهم لقضاء الدنانير وبالعكس، وهذا استحسانٌ، والقياس أن لا يبيع كالعُروض. ووجه الاستحسان: أنّ الدَّراهم والدنانير متَّحدان في الثمنية والمالية ـ ولذا يضمّ أحدهما إلى الآخر في الزكاة ـ مختلفان في الصورة حقيقةً ـ وهو ظاهر ـ وحكماً، لأن ربا الفضل لا يجري بينهما. فبالنظر إلى الاتحاد ثبت للقاضي ولاية التصرُّف، وبالنظر إلى الاختلاف لم يثبت للدائن الأخذ عند الظفر بأحدهما عملاً بالشبهين.
ويُقْسم ثمنه بين الغرماء بالحصص، ويُنفَق عليه وعلى من يلزمه نفقته من زوجته وأولاده الصغار وذوي الأرحام ممّا في يده، لأن حاجته الأصلية مقدّمة على حقّ الغرماء، ويُتْرَك له من ثياب بدنه دَسْت، ويباع الباقي لوقوع الكفاية بالواحد، وهو مختار الحَلْوَاني. وقيل: يُتْرَك له دَسْتان لئلا يقعد في بيته مَلُوماً مَحْسُوراً إذا غسل ثيابه. وفي «الفتاوى الصغرى»: إذا كان له ثياب حسنة يمكنه الاكتفاء بما دونها تباع ويكتفي بالدون. (لاَ عَرْضَه) بسكون الراء (وَلاَ عَقَارَهُ) أي لا يبيع القاضي عَرْض المديون ولا عقاره لقضاء دينه، لأَن البيع لا بدّ فيه من الرِّضاء من الجانبين، ولا رضا هنا من جانب المالك.
(
وَمَنْ أَفْلَسَ وَمَعَهُ عَرْضٌ شَرَاهُ فَبَائِعُهُ أسْوَةٌ لِلْغُرَمَاءِ) أراد من كون العَرْض معه أنه قبضه بإذن بائعه، واحترز به عمّن أفلس قبل قبض عرْضٍ شراه، فإن بائعه لا يكون أسوةً للغرماء، بل له أن يحبس العرْض حتّى يقبض الثمن، وعمّن أفلس بعد قبض العرْض بغير إذن بائعه، فإن لبائعه أن يستردّه ويحبسه بالثمن. وقال مالك والشافعيّ وأحمد: بائع العرض أحقّ به في حياة المشتري، وبعد مماته هو أحقّ به عند الشافعيّ فقط، لِمَا في الصحيحين عن أبي هُرَيْرَة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أدرك مالَه بعينه عند رجلٍ قد أفلس، فهو أحقُّ به من غيره».


وأول أحوال البلوغ مبدأ مفارقة السَفَه باعتبار الصبا وبقاء أثره كبقاء عينه، وإذا امتدّ الزمان فظهرت الخبرة والتجربة لم يبق أثرُهُ وحدث ضَرْب من الرشد لا محالة، لأنه حالَ (كمالِ) لُبّه، فقد رُوِيَ عن عمر أنه قال: ينتهي لبّ الرجل إذا بلغ خمساً وعشرين سنةً.
(
وَحَبَسَ القَاضِي المَدْيُونَ) عند أبي حنيفة كغيره (لِدَيْنِهِ) أي ليقضي المديون ما عليه من الدين ببيع ماله أو بغيره، وإِنَّما يحبسه دفعاً لظّلمه بمطله. ولا يكون هذا الحبس إكراهاً على بيعه، لأن المقصود منه حمل المديون على قضاء دينه بأي طريقٍ شاء في حقّه. (وَقَضَى) أي وَفَّى القاضي بلا أمر المديون (دَرَاهِمَ دَيْنِهِ مِنْ دَرَاهِمِهِ) أي دراهم المديون (وَ) قضى (دَنَانِيرَهُ) أي دنانير دين المديون (مِنْ دَنَانِيرِهِ) أي دنانير المديون، لأن الدائن لمّا كان له أن يأخذ دينه إذا ظفِر بجنس حقّه من غير رضاء المديون، كان للقاضي أن يعينه على ذلك، وصار هذا الفعل منه إعانةً للدائن على أخذ حقّه.
(
وَبَاعَ) القاضي كُلاًّ من الدَّراهم والدنانير (لِقَضَاءِ الآخَرِ) فيبيع الدَّراهم لقضاء الدنانير وبالعكس، وهذا استحسانٌ، والقياس أن لا يبيع كالعُروض. ووجه الاستحسان: أنّ الدَّراهم والدنانير متَّحدان في الثمنية والمالية ـ ولذا يضمّ أحدهما إلى الآخر في الزكاة ـ مختلفان في الصورة حقيقةً ـ وهو ظاهر ـ وحكماً، لأن ربا الفضل لا يجري بينهما. فبالنظر إلى الاتحاد ثبت للقاضي ولاية التصرُّف، وبالنظر إلى الاختلاف لم يثبت للدائن الأخذ عند الظفر بأحدهما عملاً بالشبهين.

ويُقْسم ثمنه بين الغرماء بالحصص، ويُنفَق عليه وعلى من يلزمه نفقته من زوجته وأولاده الصغار وذوي الأرحام ممّا في يده، لأن حاجته الأصلية مقدّمة على حقّ الغرماء، ويُتْرَك له من ثياب بدنه دَسْت، ويباع الباقي لوقوع الكفاية بالواحد، وهو مختار الحَلْوَاني. وقيل: يُتْرَك له دَسْتان لئلا يقعد في بيته مَلُوماً مَحْسُوراً إذا غسل ثيابه. وفي «الفتاوى الصغرى»: إذا كان له ثياب حسنة يمكنه الاكتفاء بما دونها تباع ويكتفي بالدون. (لاَ عَرْضَه) بسكون الراء (وَلاَ عَقَارَهُ) أي لا يبيع القاضي عَرْض المديون ولا عقاره لقضاء دينه، لأَن البيع لا بدّ فيه من الرِّضاء من الجانبين، ولا رضا هنا من جانب المالك.
(
وَمَنْ أَفْلَسَ وَمَعَهُ عَرْضٌ شَرَاهُ فَبَائِعُهُ أسْوَةٌ لِلْغُرَمَاءِ) أراد من كون العَرْض معه أنه قبضه بإذن بائعه، واحترز به عمّن أفلس قبل قبض عرْضٍ شراه، فإن بائعه لا يكون أسوةً للغرماء، بل له أن يحبس العرْض حتّى يقبض الثمن، وعمّن أفلس بعد قبض العرْض بغير إذن بائعه، فإن لبائعه أن يستردّه ويحبسه بالثمن. وقال مالك والشافعيّ وأحمد: بائع العرض أحقّ به في حياة المشتري، وبعد مماته هو أحقّ به عند الشافعيّ فقط، لِمَا في الصحيحين عن أبي هُرَيْرَة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أدرك مالَه بعينه عند رجلٍ قد أفلس، فهو أحقُّ به من غيره».

ولنا قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرةٍ}، وذلك إن المشتري إذا أفلس استحقّ بهذا النصِّ النَّظِرة إلى الميسرة، فليس للبائع أن يطالبه قبلها، ولا فسخ بدون المطالبة بالثمن. والحديث محمولٌ على المغصوبات، والودائع، والرَّهن، والعوارِي، والإجارات.

(وَبُلُوغُ الغُلاَم: بالاحْتِلامِ، والإِحْبَالِ، والإنْزَالِ، وَ) وبلوغ (الجَارِيَةِ: بالاحْتِلام، والحَيْض، والإنْزَالِ، (والحَبَلِ)) والأصل هو الإنزال لقوله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الحُلُمَ} ولكون الحَبَل والإحْبَال لا يكونان إلاّ مع الإنزال، وكذا الحيض لا يكون عادةً إلاّ في وقت الحَبَل، والحَبَل لا يكون إلاّ من الإنزال، وهذا لأن البلوغ عبارة عن بلوغ الإنسان كمال الأحوال. (فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ) مِنْ ذلك فحتّى يتمّ له ثماني عشرة سنةً، وقيل: تسع عشرة سنة. ويتمّ لها سبع عشرة، وهذا عند أبي حنيفة، لأنه بلوغ أشدّ الصبا عند ابن عباس والقبتي، وقد قال الله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إلاّ بالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ}. وقيل: اثنتان وعشرون سنةً، وقيل: خمسٌ وعشرون سنةً، وأقلّ ما قالوا ثماني عشرة سنةً، فوجب تعليق الحكم عليه للاحتياط، ولأنه متَّفقٌ عليه. غير أن الجارية أسرع إدراكاً من الغلام فنقصنا في حقّها سنة لاشتمالها على الفصول الأربعة، فربّما يوافق فصلٌ مزاجها.
وأمّا عند أبي يوسف ومحمد ومالك والشافعي وأحمد: (فَحِينَ يَتِمُّ لَهُما خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً) وهو رواية عن أبي حنيفة (وَبِهِ يُفْتَى) لأن ابن عمر عُرِض على النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم أحد وهو ابن أربعَ عَشْرَة سنةً ولم يُجِزْهُ، وعُرِضَ عليه يوم الخندق وهو ابن خمسَ عشرةَ سنة فأجازه، ولأن بلوغهما لا يتأخّر عن الخمسَ عَشرَةَ عادةً، والعادة إحدى الحُجج الشرعية فيما لا نصّ فيه.

وأدْنَى (مُدَّتِه) أي مدة البلوغ بالاحتلام وغيره (لَهُ) أي حال كون المدّة للغلام (اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلَهَا) أي حال كون المدّة للجارية (تِسْعٌ) ولا يخفى أنّ ذلك لا يُعْرف إلاّ بسماعٍ أو تتبّعٍ. وفي «شرح مسلم»: ومن ظرف أحوال عبد الله بن عمرو بن العاص أَنّه ليس بينه وبين أبيه في الولادة إلاّ إحدى عشرةَ سنةً، وقيل: اثنتيْ عشرةَ سنة (فَصُدِّقَا حِينئذٍ إِنْ أقرَّ بِهِ) أي صدّق الغلام إن أقرّ بالبلوغ باحتلام أو نحوه في اثنتي عشرة سنة. وصدّقت الجارية إن أقرّت بذلك في تسع، لأن ما أقرّا به لا يُعْرف إلاّ من جهتهما، فَيُقْبَلُ فيه قولهما، كما يُقْبَلُ قول المرأة فيما لا يَطَّلِعُ عليه غيرها كالحيض.

كتاب المَأْذُونِ
(
الإذْنُ) لغةً: الإعلام.
وشرعاً ـ عندنا ـ: (فَكُّ الحَجْرِ، وَإِسْقَاطُ الحَقِّ) الثابت بالرِّقِّ ورَفْع المانع من التصرّف حكماً، وإثبات اليد للعبد في كَسْبه (ثُمَّ يَتَصَرَّفُ العَبْدُ لِنَفْسِهِ بَأَهْلِيَّتِهِ). وعند الشّافعيّ وأحمد وزُفَر: توكيلٌ وإنابةٌ (للعبد في كَسْبه)، ثم يتصرّف ـ للمولى بإذنه ـ لأن المانع من التصرّف ـ وهو الرِّقّ ـ باقٍ بعد الإذن. فعندهم يصحّ التقييد حتّى لا يجوز للعبد أن يجاوز ذلك، كالوكيل.
ولنا أنه بعد الرِّقِّ أهلٌ للتصرّف بلسانه الناطق، وعقله المميِّز، وهما لا يفوتان بالرِّقّ، لأنهما من كرامات بني آدم، وإنما حُجِر عليه في حالة الرق، لأن تصرّفه حينئذٍ لم يعهد إلاّ موجِباً لتعلُّق الدَّيْن برقبته أو كسبه، وذلك ملك المولى، فلا بدّ من إذنه كيلا يبطُلَ حقُّه بغير رضاه، (فَلَمْ يَرْجِعْ بِالعُهْدَةِ عَلَى سَيِّدِهِ) أي ولكونه يتصرّف بأهليته الأصلية لنفسه لا يرجع بما لَحِقَه من العُهْدَة على مولاه.

(وَلَوْ أَذِنَ) له سيِّده (يَوْماً فَهُوَ مَأْذُونٌ إلَى أنْ يَحْجُرَ) سيده عليه (وَلَوْ أَذِنَ) له (فِي نَوْعٍ) أو وقتٍ (عَمَّ إِذْنُهُ) لأن المانع حقّ المولى وقد أسقطه، والإسقاط لا يُقْبل التقييد، كالطلاق والعَتَاق. قيّد بالنوع، لأنه لو أذن له في شراء شيءٍ بعينه أو بيعه لا يكون مأذوناً، وإلاّ لانْسدَّ على المولى باب استخدامه.
(
وَيثْبتُ) الإذن (صَرِيحاً) وهو ظاهرٌ (ودِلاَلَةً كَمَا إذا رآهُ سَيِّدُهُ يَبيعُ ويَشْتَرِي وَسَكَت) سواء باع عَيْناً مملوكاً لمولاه أو لغيره بإذنه، أو بغير إذنه، بيعاً صحيحاً أو فاسداً، كذا في «الهداية» وغيرها. وقال مالك الشافعيّ وأحمد وزُفَر: لا يَثْبُتُ الإذن بسكوت المَوْلى إذا رأى عبده يبيع ويشتري، لأن السكوت يحتمل الرضا وغيرَه، فلا يَثْبُت رضاه بالشَّك.
ولنا: أنّ العادة جرت بأن مَنْ لا يرضى بتصرّف عبده ينهاه عنه، بل يؤدّبه عليه، فإذا لم ينهه وسكت كان ذلك إذناً له دِلالةً، ودفعاً للضَّرر عن الناس في المعاملة، فإنهم يعتقدون ذلك إطلاقاً منه فيبايعونه، وحملاً لفعله على ما يقتضيه الشرع والعُرْف. كما في سكوت النبي صلى الله عليه وسلم عند أمر يعاينه عن التغيير والنكير، وسكوت البِكْر والشفيع.

(فَيَبِيعُ) أي فيجوز أن يبيع المأذون (وَيَشْتَرِي وَلَوْ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ) وقالا: لا يجوز بالغبن الفاحش، لأنه يجري مَجْرى التّبرع. ولأبي حنيفة: أنه تجارة لا تبرّع (وَيُوَكِّلُ بِهِمَا) أي بالبيع والشِّراء، لأنه من توابع التجارة وربّما عجز عن مباشرة الكلِّ بنفسه فيحتاج إلى الإعانة (وَيرْهَنُ وَيَرْتَهِنُ) لأن فيهما إيفاءً واستيفاء (ويَتَقَبّلُ الأَرْضَ) أي يأخذها قِبالةً بالاستئجار والمساقاة (وَيَأْخُذُهَا مُزَارَعَةً وَيَشْتَرِي بَذْراً يَزْرَعُهُ) في أرضه، لأنه به يحصل الربح (أَوْ يُشَارِكُ عِنَاناً) قيّد به، لأنه لا يشارك مفاوضةً، لأنها تتضمّن الكفالة، وهو لا يملكها لكونها تبرّعاً (وَيَدْفَعُ المَالَ وَيَأْخُذُهُ مُضَارَبَةً) أي أخذاً مضاربةً، وهو مفعول مطلق للفعلين من باب التنازع (وَيَسْتَأْجِرُ) البيوت والحوانيت والأجراء، لأن ذلك كلّه من صنيع التجار (وَيُؤجِرُ) نفسه، وعند مالك والشافعيّ وأحمد: لا يُؤجِرها، لأن الإذن له بالتجارة لا يتناول نفسه، فلا يتناول منافعها، لأنها تابعة لها، ولهذا لم يكن له أن يبيع نفسه ولا أن يَرْهَنها.

ولنا: أن الإجارة من باب التجارة، إذ هي بيع المنافع، ولا يلزم من امتناع بيع النفس امتناعُ إجارتها. ألا ترى أن الحرّ لا يملك بيع نفسه، ويملك إجارتها.
(
وَيُقِرُّ بِوَدِيعَةٍ) لأنّ التاجر قد لا يجد بُدّاً من ذلك، فكان من توابع التجارة (وغَصْبٍ) لأن ضمان الغَصْب عندنا ضمان معاوضة، فكان من باب التجارة (وَدَيْنٍ) سواء كان دين معاملة أو غيرها، لأن الإقرار به من توابع التجارة، وعند مالك والشافعي وأحمد: يُقِرّ بدين المعاملة فقط. (وَلَوْ) كان إقراره (بَعْدَ الحَجْرِ) وهذا عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد، وهو قول مالك والشَّافعي وأحمد: لا يصحّ بعد الحَجْر.

(ويُهْدِي) المَأْذون (طَعَاماً يَسيراً) وعند مالك والشافعيّ لا يُهديه إلاّ بإذنه (وَيُضِيفُ مَنْ يُطْعِمُهُ) لأنه عوضٌ عن طعامه (وَمَنْ يُعَامِلُهُ) ولو لم يطعمه، لأنّ التُّجار قد يحتاجون إلى ذلك (وَيَحُطُّ) المأذون (مِنَ الثَّمَنِ بِعَيْبٍ قَدْراً عُهِدَ) من التجار حطُّه. وأمّا الحطّ بدون العيب بعد تمام العقد فلا يجوز، لأنه تبرّع محض.
(
وَلاَ يُزَوِّجُ) المأذون عبده أو أمته، لأن التزويج ليس من باب التجارة، بل ربّما يترتّب عليه نوع من الخسارة. وقال أبو يوسف: يزوّج الأمة، لأن في تزويجها تحصيلَ المهر وسقوطَ النفقة، فكان كإجارتها. وأمّا المُكَاتب والأب والوصيّ فيملكون الكسب في مال الصغير فلهم تزويجها، وذلك لا يختصّ بالتجارة. وجعل صاحب «الهداية» الأب والوصيّ على هذا الخلاف، وهو سهوٌ، فإنه ذكر المسألة في كتاب المُكَاتب ولم يذكر فيهما خلافاً، بل جعلهما كالمكاتَب، وكذا في عامة كتب أصحابنا، «كالمبسوط» و«مختصر الكافي» «والتَّتمة»، كذا في «شرح الكنز».
(
وَلاَ يُكَاتِبُ) (المأذون) عبده، لأن التجارة مبادلة المال بالمال، والكتابة مبادلة المال بفك الحَجْر في الحال. (وَلاَ يَعْتِقُ) عبده، لأن العتق فوق الكتابة.
(
وَكُلّ دَيْن) مبتدأ مضاف، صفته (وَجَبَ بِتِجَارَةٍ) كبيع وشراء، وإجارة واستئجار (أوْ بِمَا هُوَ في مَعْنَاهَا) أي التجارة (كَغُرْمِ وَدِيعَةٍ، وَغَصْبٍ، وَأَمَانَةٍ جَحَدَهَا، وَعُقْرٍ وَجَبَ بِوَطْىءِ مَشْرِيَّةٍ) أي جارية مشتراة (بَعْدَ الاسْتِحْقَاقِ) لأنه لاستناده إلى الشراء التحق به (يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ) خبر المبتدأ المقدّم، ومعنى تعلّق الدين برقبته أنه (يُبَاعُ فِيهِ) إلا أن يفْدِيه المولى (وَيُقْسَمُ ثَمَنُهُ) بين الغرماء (بِالحِصَصِ) لتعلّق حقّ الغرماء برقبته، فصار كتعلّقه بمالٍ تركه.

ويُشْتَرَطُ لبيع العبد نفسه أن يكون مولاه حاضراً، لأن المولى هو الخصم في رقبة العبد، كما إذا ادّعى رقبته إنسان، ولا يُشْتَرَط ذلك لبيع العبد كسبه بل يشترط حضور العبد، لأن العبد هو الخصم في كسبه. وقال مالك والشافعيّ وزُفَر: يتعلّق بكسبه لا برقبته، لأن رقبته ليست من كَسْبه، فلا يباع فيه كسائر أموال المولى، وذلك أن رقبته مِلْك المولى، فلا يتعلّق بها الدين إلاّ بتعليقه.
ولنا: أنّ هذا دينٌ ظهر وجوبه في حقّ المولى بسبب العبد، فيتعلّق برقبته، كدين الاستهلاك، والمهر، ونفقة الزوجة.
(
وبكسبٍ) أي ويتعلّق الدين المذكور بكسبٍ (حَصَلَ) من العبد (قَبْلَ الدَّيْنِ أوْ بَعْدَهُ وَبِمَا اتّهَبَ) له قبله (لاَ) أي لا يتعلّق الدَّين المذكور (بِمَا أَخَذَهُ سَيِّدُهُ مِنْهُ قَبْلَ الدَّيْنِ) لأنه أخذه حين كان فارغاً عن الحاجة، فخلص له بمجرد القبض، (وَطُولِبَ) العبد (بِمَا بَقِيَ) من ديونه التي عليه لا في الحال بل (بَعْدَ عِتْقِهِ) لأنه ثابتٌ في ذمته يستوفيه عنه أهله إذا قَدِر على أيفائه، ولا يقدر على ذلك إلاّ بعد عتقه، إذ لا يمكن بيعه ثانياً ولا استسعاؤه، لأن المشتري يتضرّر بذلك.
(
وَلِلسَّيِّدِ أخْذُ غَلَّةِ مِثْلِهِ) أي مثل العبد (مَعَ وُجُودِ دَيْنٍ) على العبد، إذ لم يكن له ذلك لحجر عليه، فلا يحصل الكسب (وَالبَاقِي) بعد ما أخذ السيّد (لِلْغُرَمَاءِ) لعدم الضرورة فيه وتقدُّم حقّهم.
(
ويُحْجَرُ) العبد المأذون (إِنْ أَبَقَ) وعند مالك والشّافعيّ وأحمد وزُفَر: لا ينحجر بالإباق، لأنه لا ينافي ابتداء الإذن، حتّى لو أذن لعبده المحجور عليه الآبق صحَّ.

وجاز للعبد أن يتَّجر إذا بلغه الإذن، فلا ينافي دوامه. ولنا: أن العادة جرت بأن المولى لا يرضى بتصرّف عبده الخارج عن طاعته فكان حَجْراً عليه دلالةً، مع أن الإباق يمنع الإذن ابتداءً عندنا على ما ذكره شيخ الأسلام خَوَاهِرْ زَادَه في «مبسوطه». ولو سُلِّم فإن الدلالة لا تعتبر مع التصريح بخلافها.
(
أَوْ) إن (مَاتَ سَيِّدُهُ، أو) إن (جُنَّ مُطْبِقاً أوْ لَحِقَ بِدَارِ الحَرْبِ مُرْتَدّاً) وإن لم يعلم به، لأن الإذن غير لازمٍ، وما يكون من التصرّف غير لازمٍ يُعْطَى لدوامه حكم ابتدائه، فلا بدّ من قيام أهلية الإذن في حالة البقاء، وهي تنعدم بالموت والجنون ، وكذا باللحوق، لأنه موت حكميّ حتّى قُسِّم ماله بين ورثته.

(
أوْ حَجَرَ) سيّده (عَلَيْهِ بِشَرْطِ أَنْ يَعْلَمَ هُوَ) أي المأذون (وَأَكْثَرُ أَهْلِ سُوقِهِ) أي سوق العبد، لأن إعلام الكل قد يَعْسُر، فيقام الأكثر مقام الكل، كما في تبليغ الرسالة من الرسل. وقال مالك والشّافعيّ وأحمد: وبلا علمهم أيضاً، لأن المولى تصرّف في خالص حقّه، فينفذ ولا يتوقف على علم غيره.
ولنا: أنّ الحجر لو صحّ بدون علمهم لَلَحِق الضَّرر بهم بتأخير حقّهم إلى ما بعد عتقه، لأن دَيْنَه حين حجره لا يتعلّق برقبته وكسبه، وقد باعوا منه على رجاء التعلّق بهما. وقيّد بالأكثر لأن المولى لو حجر عليه بحضرة الأقلّ من أهل سوقه لم يَصِر محجوراً عليه.

(والأَمَةُ) أي وتنحجر الأمة (إِنِ اسْتَوَلَدَهَا) سيدها. وقال: زُفَر: لا تصير المأذون لها بالاستيلاد محجوراً عليها، وهو القياس، لأن الاستيلاد لا يمنع الإِذن ابتداءً، فإن المولى إذا أذن لأمّ ولده جاز، فكذا بقاءً. ووجه الاستحسان: أَن في استيلاد المولى لها دلالةً على حجره عليها، لأن العادة جارية بتحصّن أمهات الأولاد، وعدم رضاء مَواليهنَّ باختلاطهنّ بالرجال في المعاملة والتجارة، ودلالة الحَجْر كصريحه. وإنما صحّ الإذن لأُمّ الولد، لأن الدلالة لا اعتبار لها مع التصريح بخلافها. قيّد بالاستيلاد، لأن المأذون لها لا تصير محجوراً عليها بالتدبير، إذ لا عادة بتحصين المدبّرة فلم توجد دلالة الحجر، فتبقى على ما كانت. (وَضَمِنَ) سيدها (قِيمَتَهَا لِلْغَرِيمِ) لأنه أتلف محلاً تعلّق به حقّ الغريم، لأنها باستيلادها امتنع بيعها، وبيعها يوفّي حقّ غريمها.
(
وَلَوْ شَمِلَ دَيْنُهُ) أي العبد (مَالَهُ وَرَقَبَتَهُ لَمْ يَمْلِكْ سَيِّدُهُ مَا مَعَهُ) عند أبي حنيفة (فَلَمْ يُعْتَقْ) أي لم ينفذ عتق ما مع المؤذون من العبيد (بإِعْتَاقِهِ) أي بإعتاق سيد المأذون، إذ لا عِتْق فيما لا يَمْلِكُه المُعْتِق. وعندهما، وهو قول مالك والشافعيّ وأحمد: يملك ما معه فينفذ إِعتاقه لعبيده ويغرم قيمة ما أَعتقه للغريم، لأَنه يملك المأذون فيملك كسبه، لأن ملك الرقبة سبب لملك كسبها، واستغراقها بالدين لا يوجب خروج المأذون عن ملكه. ولأَبي حنيفة أن ملك المولى إِنما يثبت في كسب العبد المأذون خلافةً عند فراغه عن حاجته، كملك الوارث. والمأذون المشغول بالدين مشغولٌ كسبه بحاجته، فلا يخلُفُه المولى فيه بخلاف رقبته، لأن المولى لا يخلفه في ملكها، لأنه كان مالكاً لها قبل الإِذن فاستمرّ، فبقي ملكه بعد الدين على ما كان قبله.

(وَيَبِيعُ) المأذون المديون (مِنْ سَيِّدِهِ بِالقِيمَةِ) لا بأقلّ منها لِمَا فيه من التُّهمة، بخلاف ما إذا باع من الأجنبيّ بأقلّ حيث يجوز عند أبي حنيفة، إذ لا تهمة فيه. وقال أبو يوسف ومحمد: إن باع من المولى جاز البيع، فاحشاً كان الغبن أو لا، ولكن يخيّر المولى بين أن يزيل الغبن وبين أن ينقض البيع، لأن في تنفيذه بدون ذلك إبطال حقّ الغرماء في المالية، بخلاف البيع من الأجنبي بالغبن اليسير حيث يجوز عندهما، ولا يؤمر المشتري بإزالته.
(
وَ) يبيع (سَيِّدُهُ مِنْهُ) أي من المأذون المديون (بِهَا) بالقيمة (أَو بَأَقلّ) لأن المولى أجنبي من كسبه عند أبي حنيفة، فيصحّ كما في الأجنبي، وعندهما جواز البيع يعتمد الفائدة وقد وجدت. (فَإِنْ بَاعَ) سيده منه (بِأَكْثَرَ) من القيمة (نَقَصَ) البيع (أَوْ حَطَّ الفَضْلَ) لأن الزيادة تعلّق بها حقّ الغرماء.
(
وَبَطَلَ ثَمَنُهُ) أَي ثمن المبيع (إِنْ سَلَّمَ) المولى (مَبِيْعَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ) أَي قبض السيد الثمن، وهو الدراهم والدنانير. وقيّد به، لأن المَبيع لو كان عَرْضَاً لكان الولي أَحق به من الغرماء اتفاقاً. (وَلَهُ) أَي للمولى (حَبْسُ مَبِيْعِهِ بِثَمَنِهِ) أَي لأجل ثمن مبيعه حتّى يستوفيه من المأذون. (وَصَحَّ إِعْتَاقُهُ) أَي إِعتاق السيد عبده المأَذون حال كونه (مَدْيُوْنَاً) لقيام ملكه فيه (وَضَمِنَ سَيِّدُهُ) للغرماء (الأَقَلَّ مِنْ قِيْمَتِهِ وَمِنْ دَيْنِهِ) وما بقي من الدين يطالب المأَذون به بعد عتقه.

(وَلَو اشْتَرَى) العبد (وَبَاعَ سَاكِتَاً مَنْ أَذِنَهُ وَحَجَرَهُ فَهُوَ مَأْذُوْنٌ) وهذا استحسان، والقياس أَن لا يكون مأَذوناً، لأن سكوته يحتمل الإذنَ وغيره. ووجه الاستحسان: أَن الظاهر أَنه مأذونٌ لوجوب حمل حال المسلمين على الصلاح ما أَمكن، والظاهر هو الأصل في المعاملات دفعاً للضَّرر عن العباد. وعند مالك والشافعي وأَحمد: لا يصدّق إِخباره بكونه مأذوناً إِلاّ عند الشافعي في الأظهر.
(
وَلاَ يُبَاعُ) هذا الذي اشترى وباع ساكتاً (لِدَيْنِهِ) أَي لأجل ما عليه من الدين (إِلاّ إِذَا أَقَرَّ سَيِّدُهُ بإِذْنِهِ) لظهور الدين حينئذٍ في حقّ سيّده بإِقراره، ولو قال سيده: هو محجورٌ عليه كان القول قوله، (فلا) يُبَاع لدَيْنه إِلاَّ إِذا أَثبت الغرماء بالبيِّنة أَنه غير محجورٍ عليه.

(
وَتَصَرُّفُ الصَبِيِّ). والمعتوه (إِنْ نَفَعَ، كالإِسْلاَمِ وَالاتِّهَابِ) أَي قبول الهبة (صَحَّ بِلاَ إِذْنٍ) من وليه اكتفاءً بأَهليته القاصرة (وَإِنْ ضَرَّ) تصرّفه (كالطَّلاقِ والعَتَاقِ لا) يصحّ (وإِنْ أَذِنَ) وليُّه لاشتراط الأهلية الكاملة. وأَمّا ما في «الهداية» من قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يملك العبد والمُكَاتَب شيئاً إِلاّ الطلاق»، فغير معروفٍ (وَمَا نَفَعَ وَضَرَّ) كالبيع والشراء (عُلِّقَ بإِذْنِ وَلِيِّهِ) دفعاً للضرر بانضمام رأيه، فإِن وقع بغير إِذنه لم يصحّ، وإِن وقع بإِذنه صَحّ (بِشَرْطِ أَنْ يَعْقِلَ البَيْعَ سَالِبَاً) للملك (والشِّرَاء جَالِبَاً) له.

وقال مالك والشافعي وأَحمد: لا ينفذ تصرّفه بإِذن وليّه، لقوله تعالى: {وَلاَ تُؤتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ}... الآية، وقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدَاً فادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} حيث شرط البلوغ والرُشْد للدفع إِليهم في هذه الآية، ونهى عن الدفع إِلى السفهاء في الأوْلَى. والصبيّ سفيه وليس ببالغ، والبالغ المعتوه ليس برشيدٍ.
ولنا: قوله تعالى: {وابْتَلُوا اليَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} أَمرٌ بالابتلاء وهو الامتحان والاختبار وذلك بالإذن في التجارة. (وَوَلِيُّهُ) أَي وليّ الصبيّ، وكذا المعتوه (أَبُوْهُ ثُمَّ وَصِيُّهُ) بعد موته (ثُمَّ جَدُّهُ) إِن لم يكن الأب ووصيّه (ثُمَّ وَصِيّهُ) أَي وَصِيُّ الجد بعد موته (ثُمَّ القَاضِي أَوْ وَصِيُّهُ) وهو الذي أَمره بالتصرّف في مال اليتيم ولو في حياته، فأَيهما تصرّف صحّ عند عدم الأب والجد وأَوصيائهما ((وَلَوْ أَقَرَّ بِمَا مَعَهُ مِنْ كَسْبِهِ أَوْ إِرْثِهِ صَحّ) كما يصحّ إِقرار العبد بذلك)، والله تعالى أَعلم.

كتاب الوَصَايَا
(
هِي):
أَي الوصية (إِيْجَابٌ) أَي تمليك شيءٍ (بَعْدَ المَوْتِ) لكن بطريق التبرّع، عيناً كان ذلك الشيء أَو منفعة. وهي إِذا كان على المُوصي حقّ الله كالزكاة والصيام والحج والصلاة واجبةٌ، وإِلاّ فمستحبةٌ. والقياس أَن لا تجوز، لأنها تمليكٌ مضافٌ إِلى حال زوال الملك، ولو أَضاف أَحدٌ التمليك إِلى حال قيام الملك، بأَن قال: ملَّكتك غداً، كان باطلاً، فهذا أَولى، إِلاّ أَن الشارع أَجازها لحاجة الناس إِليها. فإِن الإنسان مغرورٌ بأَمله في طول أَجَلِه، مقصرٌ في عمله، فإِذا عَرضَ له عارضٌ فخاف الهلاك احتاج إِلى تلافي ما فاته بما له، على وجهٍ لو تحقّق ما يخافه لحصل حسن مآله.

ويجوز أَن يبقى الملك بعد موت المالك باعتبار الحاجة، كما في قدر التجهيز والدين. وقد نطق بها الكتاب والسنة، وانعقد عليها إِجماع الأمة. ثم هي واجبةٌ على المديون بما عليه، سواء كان حقاً لله كالزكاة والحج، أَو حقاً للعباد كالديون والأعيان المغصوبة.
(
وَنُدِبَتْ) الوصية (بإِقلَّ مِنَ الثُّلُثِ عِنْدَ غِنَى وَرَثَتِهِ، أَو اسْتِغْنَائِهِمْ بحِصتهم) لأن فعلها حينئذٍ صدقةٌ على الأجنبي، وتركها هبةٌ من القريب، والصدقة أَولى، لأنها يبتغى بها رضى الخالق، وبالهبة رضى المخلوق. وقيل بالتخيير لاشتمال كلَ منهما على فضيلةٍ هي: الصدقة، أَو الصلة. (كَتَركِهَا بِلاَ أَحَدِهِمَا) أَي كما نُدِبَ ترك الوصية عند عدم كل من غنى الورثة واستغنائهم بما يرثون، لِمَا فيه من الصدقة على القريب، ولأن فيه رعاية لحقّ الفقراء والقرابة جميعاً.
(
وَصَحَّتْ) الوصية (لِلْحَمْلِ) لأنه يصلح خليفة عن الميت في الوراثة، فكذا في الوصية، لأنها أَختها غير أَنها ترتدُّ بالردّ لما فيها من معنى التمليك. (وَبِهِ) أَي وصحّت الوصية بالحمل أَيضاً، لأنه يجري فيه الإرث فيجري فيه الوصية، لأنها أُخته.
لكن (إِنْ وَلَدَتْ) الحامل بالموصى له أَو به (لأَقَلَّ مِنْ مُدَّتِهِ) أَي مدّة الحمل ـ وهو ستة أَشهر ـ (مِنْ وَقْتِهَا) أَي الوصية. ولا يخفى الفرق بين أَقلّ مدّة الحمل وبين الأقلّ من مدّته.
(
وَهِي) الضمير للوصية، والعطف على المستتر في صحّت، أَي وصحّت الوصية (والاسْتِثْنَاءُ فِي وَصِيَّتِهِ بِأَمَةٍ إِلاّ حَمْلَهَا) يعني أَنّ من أَوصى بأَمةٍ واستثنى حَمْلَها صحّت وصيته واستثناؤه، لأن الحمل يجوز إِفراده بالوصية، فيجوز استثناؤه فيها، لأن كل ما جاز إِيرادُ عقدٍ عليه جاز إِخراجه منه.

(وَمِنَ المُسْلِم) عطفٌ على للحمل، أَي وصحّت الوصية من المسلم (لِلذِّمِّيِّ وَبِعَكْسِهِ) وهو الوصية من الذميّ للمسلم، لأنه بعقد الذمة التحق بالمسلمين في المعاملات. ولهذا جاز التبرّع المنجّز من الجانبين في حال الحياة، فكذا المضاف إِلى ما بعد الممات. وكذا المستأْمن في حكم الذمي، بخلاف الحربيّ على أَن فيه خلافاً أَيضاً، والمعتمد عدم صحة الوصية له.
ففي «الجامع الصغير»: أَن الوصية باطلة لأهل الحرب، لقوله تعالى: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِيْنَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ في الدِّين ولم يُخْرجُوكم من دِيَارِكم أنْ تبرُّوهم وتُقْسِطوا إِليهم إن ا يحبُ المقسطين إِنما يَنْهَاكُم ا عن الذين قاتلوكم في الدِّين وأَخرجوكم مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأَؤُلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُوْنَ}، فالآية الأولى تدلّ على جواز الوصية للذميّ، والآية الأخيرة على بطلان الوصية للحربيّ.
(
وَبِالْثُّلُثِ) أَي وصحّت الوصية بالثُّلُث (لِلأَجْنَبِيِّ) ولو لم يجز الورثة، لِمَا أَخرجه ابن ماجه في «سننه» عن طَلْحَة بن عمرو المَكِّي، عن عطاء بن أَبي رباح، عن أَبي هُرَيْرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنّ الله تصدّق عليكم عند وفاتكم بثلث أَموالكم زيادة لكم في أَعمالكم». وكذا رواه البزَّار في «مسنده». ورواه الدَّارَقُطْنِي عن مُعَاذ بن جبل، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِن الله تصدّق عليكم بثُلُث أَموالكم عند وفاتكم زيادةً في حسناتكم، ليجعلها لكم زيادة في أَعمالكم». وعليه إِجماع الأُمة.

(لاَ في أَكْثَرَ مِنْهُ) أَي ولا تصحّ الوصية للأجنبي بأَكثر من الثلث، لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث سعد بن أَبي وقّاص أَنه قال: مرضت عام الفتح مرضاً أَشْفَيْتُ على الموت، فأَتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودُني فقلت: يا رسول الله إِنّ لي مالاً كثيراً، وإِنما يرثني ابنتي أَفَأُوصي بمالي كلِّه؟ قال: «لا»، قلت: فبالثلثين؟ قال: «لا»، قلت: فبالنصف؟ قال: «لا»، قلت: فبالثلث؟ قال: «الثلث، والثلث كثير». رواه أَصحاب الكتب الستة.
(
وَلاَ لِوَارِثِهِ) لِمَا أَخرجه أَبو داود والترمذي وابن ماجه عن إِسماعيل بن عيّاش، عن شُرَحْبِيل بن مسلم، عن أَبي أُمَامَة: أَن النبي صلى الله عليه وسلم خطب فقال: «إِن الله قد أَعطى كلّ ذي حقَ حقه، فلا وصيةَ لوارثٍ». قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأَخرجه أَيضاً الترمذي والنَّسائي وابن ماجه عن قَتَادة، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن عبد الرحمن بن غُنْم، عن عَمْرو بن خَارِجة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ويُرْوَى عن ابن عبّاس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا وصية لوارث إِلاّ أَن يشاء الورثةُ». ويعتبر كونه وارثاً وقت الموت لا وقت الوصية.

(
وَقَاتِلِهِ) أَي ولا يصحّ وصية الشخص لقاتله (مُبَاشَرَةً) عمداً كان القتل أَو خطأَ، كما يُحْرَمُ القاتلُ الوارث الميراث. قيّد بالمباشرة، لأن التسبب في القتل لا يمنع الوصية ولا الإرث، لأنه ليس بقتلٍ حقيقةً (إِلاَّ بإِجَازَةِ وَرَثَتِهِ) استثناء من المنفيات الثلاث، لأن امتناع الوصية فيها إِنما هو لحقّ الورثة.

(وَلاَ) تصحّ الوصية (مِنْ صَبِيَ) وعند مالك والشافعيّ وأَحمد: تصحّ منه في وجوه الخير إِذا كان مميِّزاً، لِمَا في «الموطأ»: أَنه قيل لعمر بن الخطَّاب: إِن ههنا غلاماً لم يحتلم من غسَّان، ووارثه بالشَّام، وهو ذو مال وليس هنا إِلا ابنة عمَ له. فقال: فلْيُوْصِ لها (قال: فأَوصى لها بمالٍ) يقال له بئر جُشَم. قال: فبيعت بثلاثين أَلفَ درهمٍ.
ولنا: أَنها تبرّع، فلا تصحّ منه، كالهبة والصدقة، وهذا لأن اعتبار عقله فيما ينفعه دون ما يضرّه، والتمليك بطريق التبرّع فيه ضررٌ باعتبار أَصل الوضع والحال وإِن اتفق نافعاً باعتبار المآل والاستقبال. (وَلاَ) من (مُكَاتَبٍ) وإِن ترك وفاءً، لأنه ليس من أَهل التبرّع. (وَقُدِّمَ الدَّيْنُ عَلَيْهَا) أَي على الوصية، لأنه أَهم منها لكونه واجباً وحقّاً للعبد، وهي تبرّع إِن لم يكن بواجبٍ من صلاة أَو زكاة أَو صوم أَو حجّ، وحقّ الله تعالى، (وإِن كان واجباً لكن) حقّ العبد لفقره أَحقُّ بالوفاء من حقّ الله تعالى لِغِناه.
(
وَتُقْبَلُ الوَصِيَّةُ بَعْدَ مَوْتِهِ) أَي موت الموصِي (وَبَطَلَ قَبُولُها وَرَدُّهَا في حَيَاتِهِ) لأن ثبوت حكم الوصية بعد موت الموصِي، فلا يعتبر قبولها ولا ردّها قبله، كما لا يعتبران قبلها. (وَبِهِ) أَي بالقَبُول (يَمْلِكُ) الوصية وإِن لم يقبضه. وقال زُفَر: يملك بدون القَبُول كالميراث (إِلاَّ إِذَا مَاتَ مُوْصِيْهِ ثُمَّ) مات (هُوَ) أَي المُوْصَى له (بِلاَ قَبُوْلٍ) فإِن المُوْصَى به يدخل في ملك المُوْصَى له من غير وجود قَبُوْلٍ منه. (فَهُوَ) أَي المُوْصَى به (لِوَرَثَتِهِ) أَي ورثة المُوْصَى له، وعند مالك والشَّافعِيّ وأَحمد: ورثة المُوْصَى له كهو في القَبُول والردّ.

(وَلَهُ) أَي للموصِي (أَنْ يَرْجِعَ عَنْهَا)، لأنها تبرّعٌ، فجاز كما في الهبة قبل القبض. (بِقَوْلٍ صَرِيْحٍ) كأَن يقول: رجعت عن الوصية (أَوْ فِعْلٍ) عطفٌ على قولٍ، أَي للموصِي أَن يرجع عن الوصية بفعلٍ (يَقْطَعُ حَقَّ المَالِكِ (عَمَّا غَصَبَ) عَنْهُ كَمَا مَرّ) في الغصب من اتخاذ الغاصب الحديد سيفاً أَو الصُّفْر آنيةً يقطع حقّ المالك عن الحديد والصُّفْر، لأنّ الفعل إِذا أَثّر في قطع ملك المالك، فلأن يُؤثْر في المنع أَولى، وكذا إِذا خُلِط الموصَى به بغيره بحيث لا يمكن تمييزُهُ.

(
أَوْ يَزِيْدُ) عطفٌ على يقطع، أَي أَو بفعلٍ يزيد في المُوْصَى به (مَا يَمْنَعُ تَسْلِيْمَهُ) أَي المُوْصَى به (إِلاّ بِهِ) أَي بما يمنع (كَلَتِّ السَّوِيْقِ) المُوْصَى به (بِسَمْنٍ، والبِنَاءِ في الدَّارِ) المُوْصَي بها (أَوْ تَصُرُّفٍ) عطفٌ على فعلٍ (يُزِيْلُ مِلْكُهُ) أَي مِلك الموصِي عن الموصى به (كالبيع) بأَن باع العين الموصَى بها (والهبة) بأَن وهبها، لأن الوصية لا تنفذ إِلاّ في ملك المُوْصِي، فإِذا أَزاله كان رجوعاً (لا بِغَسْلِ ثَوْبٍ) أَي لا يرجع المُوْصِي بغسله ثوبَ الوصية عن وصيته، لأن العادة جرت بأَنّ من أَراد أَن يُعطِي ثوبه لغيره يغسله قبل أَن يعطيه له.
(
وَلاَ بِجُحُوْدِهَا) أَي ولا يرجع الموصِي بجحود الوصية، كذا ذكره محمد في «الجامع الكبير». وذكر في «المبسوط»: أَنه يرجع. فمنهم من قال: ما في «المبسوط» محمولٌ على أَن الرُّجوع كان في حضرة المُوْصَى له، وما في «الجامع» محمولٌ على أَن الرُّجوع كان في غيبته، ومنهم من قال: ما في «الجامع» قول محمد، وما في «المبسوط» قول أَبي يوسف، وهو الصحيح. وفي «عيون المذاهب»: وبه يُفْتَى، وهو قول مالك والشّافعيّ وأَحمد.

(وَتَبْطُلُ هِبَةُ المَرِيْضِ) للمرأَة نكحها بعد الهبة (وَوَصِيَّتُهُ) أَي المريض (لِمَنْ) أَي لامرأَةٍ (نَكَحَهَا) المريض (بَعْدَهَا) أَي بعد الوصية، لأن كلاًّ منهما وصية المريض لوارثه. وحكم الهبة المنجَّزة الصادرة من المريض حكم الوصية، لأنها وصية حكماً. إِلا ترى أَنها تنفذ من الثلث، وتبطل بالدَّين المستغرق وحكم الوصية إِنما تثبت بعد الموت، لأنها تمليكٌ مضافٌ إِلى ما بعد الموت. (كَإِقْرَارِهِ) أَي كبطلان إقرار المريض.
(
وَ) بطلان (وَصِيَّتِهِ وَهِبَتهِ لابْنِهِ) حال كون الابن (كَافِرَاً أَوْ) حال كونه (عَبْدَاً إِنْ أَسْلَمَ) الابن الكافر (أَوْ أُعْتِقَ) الابن العبد (بَعْدَ ذَلِكَ) الإقرار والوصية والهبة.
(
وَهِبَةُ مُقْعَدٍ وَمَفْلُوجٍ وَأَشَلَّ وَمَسْلُولٍ) بالسين المهملة: وهو الذي به مرض السِلّ: وهو ـ بالكسر والضم ـ قرحةٌ تحدث في الرِئة إِمّا تعقب (ذات الرِّئة أَو) ذات الجَنْبِ، أَو زكامٍ ونوازل، أَو سُعَالٍ طويلٍ ويلزمها حمّى هاوية. (مِنْ كُلِّ مَالِهِ إِنْ طَالَ مُدَّتُهُ وَلَمْ يُخَفْ مَوْتُهُ) من هذه الأشياء، لأنها حينئذٍ تصير طبعاً له، ولهذا لا يشتغل بتداويها.

(
وَإِلاَّ) أَي وإِن لم تطلّ مدته وخيف موته منها ومات (فَمِنْ ثُلُثِهِ) لأنها في ابتدائها يخاف الموت، ولهذا يتداوى منها فيكون مرض الموت، ولو صار المُبْتَلى بها صاحب فِراش بعد التطاول، فهو كمرضٍ حادثٍ حتّى تعتبر تبرعاته من الثُّلُث.
(
وَإِنْ اجْتَمَعَ الوَصَايَا) وضاق عنها الثُّلُث (قُدِّمَ الفَرْضُ) وإِن أَخَّره الموصِي عن غيره، لأنه أَهمّ. (فَإِنْ تَسَاوَتْ قُوَّةً قُدِّمَ مَا قَدَّمَ) المُوْصِي، لأن الظاهر من حال الإنسان أَنْ يبدأَ بما هو أَهم عنده، والثابت بالظاهر كالثابت بالنصّ. ولو نصّ على تقديم ما بدأَ به لزم تقديمه، فكذا هنا.

وأَمّا لو تساوت رتبةً وتفاوتت قوةً يقدّم الأقوى: فتقدم الزكاة على الحج لتعلّق حقّ العبد في القبض بها، فكان ممتزجاً بالحقين. وعن أَبي يوسف، وهو قول محمد: يقدّم الحج عليها، لأنه يقام بالمال والبدن، وهي بالمال فقط. وتقدّم الزكاة والحج على الكفَّارة، لأنه جاء فيهما من الوعيد ما لم يأتِ فيها. قال الله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنّ ا غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِيْنَ}، وقال: {والّذِيْنَ يَكْنِزُوْنَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُوْنَهَا في سَبِيْلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيْمٍ}.
وتقدَّمُ كفارة القتل والظِّهار واليمين على صدقة الفطر، لأن وجوبها عُرِف بالكتاب دون صدقة الفطر. وتقدّم صدقة الفطر على الأُضْحِية للاتفاق على وجوبها دون الأُضْحِية. وتقدّم كفّارة القتل على كفارة الظِّهار واليمين، لأنها أَكثر تغليظاً منهما، أَلا ترى أَن الإسلام شرط في التحرير عنها دونهما وتقدّم كفَّارة اليمين على كَفَّارة الظِّهَار، لأنها لهتك حرمة اسم الله تعالى، وكفارة الظِّهار لإيجاب العبد حرمة على نفسه. والنذر يقدّم على الأُضْحِية، لأن النَّذر ثابتٌ بالكتاب دونها.
(
وإِنْ أَوْصَى) المريض (بِحَجَ) أَي فرض (أَحَجَّ) الوَصِيُّ (عَنْهُ رَاكِبَاً مَنْ بَلَدِهِ إِنْ بَلَغَ نَفَقَتُهُ ذَلِكَ) أَي الإحجاج من بلده راكباً، لأن الواجب على الموصِي أَن يحج من بلده راكباً، إِذ لا يلزمه المشي عندنا. وإِن قدر عليه، فيجب الإحجاج عنه على الوجه الذي لزمه. (وإِلاَّ) أَي وإِن لم يبلغ نفقته الإحجاج من بلده راكباً (فَمِنْ حَيْثُ) أَي فيحجّ عنه من مكانٍ (تَبْلغُ نَفَقَتُهُ) ذلك، لأن مقصود الموصِي تنفيذ الوصية، وقد أَمكن على هذا الوجه.

(فَإِنْ مَاتَ حَاجٌّ) أَي مريد الحج (فِي طَرِيْقِهِ، أَوْ أَوْصَى بالحَجِ يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ) فإِن أَحَجَّوا عنه من موضعٍ آخر، فإِن كان أَقرب من بلده إِلى مكّة ضمنوا النَّفقة، وإِن كان أَبعد لم يضمنوا، لأنهم في الأول لم يحصّلوا مقصود الموصِي بصفة الكمال، وإِطلاقه يقتضي ذلك. وفي الثاني حصّلوا مقصوده وزيادة، وهذا عند أَبي حنيفة. وقالا: يحجّ عنه من حيث مات، وعلى هذا الخلاف إِذا مات الحاجّ عن غيره في الطريق. لهما: أَن السفر بنية الحجّ وقع قُرْبة، فسقط فَرض قطع المسافة بقدره، وقد وقع أَجره على الله، فيبتدىء من مكان الموت، كأَنه من أَهله بخلاف سفر التجارة، لأنه لم يقع قُرْبه، فيحجّ عنه من بلده اتفاقاً. ولأبي حنيفة: أَن الوصية تنصرف إِلى الحجّ من بلده أَداءً للواجب على الوجه الذي وجب.
(
وَفِي وَصِيَّتِهِ) أَي الموصِي (بِثُلُثِ مَالِهِ لِزَيُدٍ وسُدُسِهِ لآخَرَ وَلَمْ يُجِيْزُوا) أَي الورثة (يُثَلَّثُ) أَي يُجْعَل الثلث ثلاثة أَسهم، فيُعْطَى منها صاحب السُّدُس واحداً، وصاحب الثلث اثنين، لأن كلّ واحدٍ منهما يستحقّ بسببٍ صحيح، وقد ضاق الثلث عنهما، فيُقسَم بينهما على قَدْر حقِّهما كما في أَصحاب الدّيون فيجعل الأَقل سهماً فصار الثلث ثلاثة أَسهمٍ سهمٌ لصاحبه، وسهمان لصاحب الأكثر.
(
وَبِثُلثِهِ) عطف على بثلث ماله أَي وفي وصية المُوْصِي بثلث مالِهِ لزيدٍ (وكُلِّهِ) لآخر (يُنَصَّفُ) أَي يُجْعَل الثلث نصفين (وَقَالاَ: يُرَبَّعُ أَي يُجعل الثُّلُث أَربعة ويُعطى صاحب الثلث رُبُعاً منه، وصاحب الكلّ الثلاثة الأَرباع).

(ولا يَضْرِبُ المُوْصَى لَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ عِنْدَ أَبي حَنِيْفَةَ) وفضّلاه مطلقاً كمالك والشافعيّ. وفي: «شرح الوقاية»: المراد بالضرب: الضرب المصطلح بين الحُسَّاب، فإِذا أَوصى بالثلث والكّل، فعند أَبي حنيفة سهام الوصية: اثنان لكلّ واحدٍ نِصْفٌ يضرب النصف في ثلث المال، والنصف في الثلث يكون نصفَ الثلث وهو السدس، فلكلّ سُدُس المال. وعندهما: سهام الوصية أَربعة، والواحد من الأربعة رُبُع، فيُضْرَب الربع في ثلث المال، والربع في الثلث يكون ربع الثلث، ثم لصاحب الكلّ ثلاثة من الأربعة، وهي ثلاثة أَرباع الثلث، فيضرب ثلاثة الأرباع في الثلث بمعنى ثلاثة أَرباع الثلث، ولصاحب الثلث واحد من أَربعة، فيضرب الواحد في الثلث ـ وهو الربع ـ بمعنى ربع الثلث. هذا معنى الضرب، وقد تحيّر فيه كثيرٌ من العلماء.

(
إِلاّ فِي المُحَابَاةِ) فإِنّ المُوْصَى له يضرب فيها بأَكثر من الثلث، (و) كذا في (السِّعَايَةِ والدَّرَاهِم المُرْسَلَةِ) أَي غير المقيَّدة بأَنها ثلث، أَو نصف، أَو نحوهما. وصورة المُحَاباة: أَن يكون لرجلٍ عبدان: قيمة أَحدهما ثلاثون، والآخر ستون، فأَوصى بأَن يُباع الأول من زيدٍ بعشرةٍ والآخر من عمروٍ بعشرين، ولا مال له سواهما. فالوصية في حقّ زيدٍ بعشرين، وفي حق عمروٍ بأَربعين، يقسم الثلث بينهما أَثلاثاً، فيُباع الأوّل من زيدٍ بعشرين والعشرة وصية له، ويُبَاع الثاني من عمروٍ بأَربعين والعشرون وصية له، فأَخذ عمرو من الثلث بقدر وصية له وإِن كانت زائدة على الثلث.

وصورة السِّعَاية: عتق عبدين قيمتهما ما ذُكِرَ، ولا مال له سواهما، فالوصية للأوّل بثلث المال، وللثاني بثلثيْ المال، فسهام الوصية بينهما أَثلاثٌ: واحدٌ للأول، واثنان للثاني، فيقسم الثلث بينهما كذلك، فيعتق من الأول ثلثه وهو عشرة، ويسعى في عشرين، ويعتق من الثاني ثلثه وهو عشرون، ويسعى في أَربعين، فيضرب كلّ بقدر وصيته وإِن كان زائداً على الثلث.
وصورة الدَّراهم المُرْسَلة: أَوصى لزيدٍ بثلاثين درهماً، ولآخر بستين درهماً، ومالُه تسعون يضرب كلٌّ بِقَدْر وصيته فيضرب للأَوّل الثلث في ثلث المال، وللثاني الثلثين في ثلث المال.
ولو أَوصى لرجلٍ بجزءٍ من ماله بيَّنه الورثة، لأنهم قائمون مقام المُوْصِي، فإِليهم البيان، وجهالة المُوْصَى به لا تمنع صحة الوصية. ولو أَوصى بسهمٍ استحقّ أَقلّ سهام الورثة، وذلك الأقلّ لا يُزَاد على السُّدُس، في رواية «الأصل» عن أَبي حنيفة إِذا كان أَخسَّ السِّهام أَكثر من السُّدس ولم تجز الزيادة عليه. وعلى رواية «الجامع»: تجوز الزِّيادة على الثلث ولم يجز النقصان عنه، وهما لم يزيداه على الثلث إِن زاد أَخسّ السهام، لأن السهم اسم لمقدّرٍ مجهولٍ كالجزء، فلا معنى لتقديره بالسُّدس. وإِنما جعلناه عبارة عن نصيب أَحد الورثة، لأن ما يصيب أَحد الشركاء عند القسمة يسمّى سهماً، وإِنما صُرِف الأخس، لأنه متيّقن إِلاّ إِذا زاد على الثلث، فيردّ إِليه، لأن الوصية بأَكثر من الثلث لا تصحّ عند عدم الإجازة.

وله ما روى البزّار في «مسنده»، والطَّبَرَانِيّ في «معجمه الأوسط» عن محمد بن عُبَيْد الله العَرْزَمِي، عن أَبي قيس، عن هُزَيْل بن شُرَحْبِيل، عن ابن مسعود: أَن رجلاً أَوصى لرجلٍ بسهمٍ من ماله، فجعل له النبيّ صلى الله عليه وسلم السُّدس. قال البزّار: هذا حديثٌ لا نعلمه رُوِي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم إِلاّ من هذا الوجه، وأَبو قَيْس ليس بالقويّ. وذكره عبد الحقّ في «أَحكامه» من جهة البزّار، وقال: العَرْزَمي متروكٌ، وأَبو قيس له أَحاديث يخالف فيها. وقال إِياس بن معاوية: السهم في كلام العرب السُّدس. قلت: إِذا كان السهم في اللغة السُّدس، وقد ورد الحديث به ـ ولو كان ضعيفاً ـ فهو مقدّم على الرأَي، والله تعالى أَعلم.

(
وَ) وصيته (بِمِثْلِ نَصِيْبِ ابْنِهِ صَحَّتْ) (و) وصيته (بِنَصِيْبِهِ) أَي نصيب ابنه (لا) أَي لا تصحّ. وقال زُفَر: تصحّ (وَالعِبْرَةُ بِحَالِ العَقْدِ في التَّصَرُّفِ المُنَجَّزِ) وهو ما أَوجب حكمه في الحال (فَإِنْ كَانَ) واقعاً (في الصِّحَّةِ فَمِنْ كُلِّ مَالِهِ وإِلاّ) أَي وإِن لم يكن واقعاً في الصحة، بل كان واقعاً في مرض الموت (فَمِنْ ثُلُثِهِ) أَي ثلث مال.
وفي «شرح الوقاية»: والمراد التصرُّف الذي هو إِنشاءٌ، ويكون فيه معنى التبرّع، حتّى إِن الإقرار بالدين في المرض (ينفذ من كل المال، والنكاح في المرض) بمهر المثل ينفذ من كل المال، (وَ) التصرُّف (المُضَافُ إِلى مَوْتِهِ) أَي موت المتصرّف (مِنَ الثُّلُث) وإِن كان التصرّف واقعاً (في الصِّحَّةِ. وَمَرَضٌ) هذا مبتدأ (صَحَّ) الموصِي (مِنْهُ) صفته، وخبره (كَالصِّحَّةِ) حتَّى إِن تصرُّفَاته المنجَّزة فيه تكون من كل ماله، لأنه ببرئه يتبيَّن أَنه لا حقّ لأحدٍ في ماله.

(وإِعْتَاقُهُ) مبتدأ، أَي إِعتاق المريض مرض الموت عبداً له (وَمُحَابَاتُهُ) أَي بيعه بنقصانٍ كثيرٍ، أَو شراؤه بزيادةٍ كثيرةٍ (وَهِبَتُهُ وَضَمَانُهُ وَصِّيَّةٌ) خبر، أَي كالوصية في أَنها تُعْتبر من الثلث، ويضرب بها مع أَصحاب الوصايا. ولا يريد حقيقة الوصية، لأنها إِيجابٌ بعد الموت، وهذه الأشياء منجّزة قبله، وإِنَّما اعْتُبِرَتْ من الثُّلث لتعلّق حقّ الورثة بماله، فصار محجوراً عليه في الزائد على الثلث. وهذا في غير الضمان ظاهرٌ، وأَمّا في الضمان، فلأن المريض تبرّع ابتداءً بإِيجابه على نفسه، فيتهم فيه كما في الهبة.

فصلٌ
(
جَارُهُ: مَنْ لَصِقَ دَارُهُ بِهِ) أي إذا أوصى لجاره صُرِفَ إلى الملاصق لداره، فإنه هو المُسْتَعْمَل عرفاً وشرعاً، وهذا عند أبي حنيفة وزُفَر، وهو القياس. وعندهما: إلى مَنْ يسكن محلّته، ويجتمع معه في مسجدها، لأنه جارٌ شرعاً. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلاّ في المسجد». رواه الدَّارقُطْنِي عن جابر وأبي هُرَيْرَة، والحاكم في «مستدركه»، وسكت عنه. وقال ابن حَزْم: هو الصحيح عن عليّ. والمعنى: لا صلاة كاملةً. وقال أحمد: لا صلاة صحيحةٌ، وفسَّر الجار بكلّ من سمع النداء. ثم يدخل فيه الجار الساكن والمالك، والذَّكر والأنثى، والمسلم والذميّ، ويدخل فيها الأرملة، لأن سكناها مضافةٌ إليها، ولا يدخل فيها التي لها زوجٌ، لأن سكناها مضافةٌ إلى زوجها، وهي تبعٌ له، فلم تكن جاراً حقيقةً.
(
وَصِهْرُهُ: كَلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ عِرْسِهِ) أي امرأته، وهذا التفسير للصهر اختيار محمد وأبي عُبَيْد، وكذا كل ذي رَحِمٍ مَحْرَم عن زوجة ابنه وزوجة أبيه، وزوجة كل ذي رَحِمٍ مُحْرَم منه صهر. وقال الحَلْواني: أبو المرأة وأمها، ولا يسمّى غيرهما صِهْرا.

والأول هو الصحيح، لما في «مسند أحمد والبزّار وابن رَاهُويَه» عن عائشة قالت: أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء بني المُصْطَلِق، فأخرج الخمس منه ثم قسمه بين الناس، فأعطى الفارس سهمين والرَّاجل سهماً، فوقعت جُوَيْرِية بنت الحارث في قسم ثابت بن قيس بن الشَّماس الأنصاريّ، فكاتبها على نفسها على تسع أُوَاقٍ من ذهبٍ إلى أن قالت: فدخلت تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابتها، فقالت: يا رسول الله أنا امرأةٌ مسلمةٌ أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنك رسول الله، وأنا جَوَيْرِية بنت الحارث ـ سيِّد قومه ـ أصابني من الأمر ما قد علمت، فوقعتُ في سهم ثابت بن قيس، فكاتبني على ما لا طاقة لي به، وما أكرهني على ذلك إِلاّ أني رجوتُك (صلى الله) عليك فأعني في فكاكي. فقال: أَو خير من ذلك؟» فقالت: ما هو؟ قال: أُؤدّي عنكِ كتابتكِ وأتزوجُك». قالت: نعم يا رسول الله قد فعلت، فأدّى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان عليها من كتابتها وتزوجها. فخرج الخبر إلى الناس فقالوا: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسْتَرقّون، فأَعتقوا ما كان بأيديهم من سَبْي بني المُصْطَلِق، فإنه أهل بيتٍ.

قالت عائشة: فلا أعلم امرأةً كانت على قومها أعظم بركة منها. وأما كونها صفيّة فهو وَهَمٌ، والصواب ما قدّمناه.

(وَخَتَنُهُ: كُلُّ زَوْجٍ ذَاتِ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ) أي أزواج البنات، والأخوات، والعمّات، والخالات، وكذا كل ذي رَحِمٍ مَحْرَمٍ من أزواجهن. وقيل: هذا في عرفهم، وفي عرفنا لا يتناول الأزواج المحارم، ويستوي فيه الحُر والعبد. (وَأَهْلُهُ) عند أبي حنيفة (عِرْسُهُ)، وعندهما: كل مَنْ يعوله وينفق عليه غير مماليكه اعتباراً للعُرْف، ويؤيّده قوله تعالى: {وأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ}، وقوله: {فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ} فإنّ المراد من في عياله، ولأبي حنيفة: أن الاسم حقيقةٌ في الزوجة. قال الله تعالى: {وَسَارَ بِأَهْلِهِ} وقال: {قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا}.
(
وَآلُهُ: أَهْلُ بَيْتِهِ) فإذا أوصى الرّجل لآله دخل في الوصيّة كلُّ مَنْ يُنْسَبُ إليه من قِبَل آبائه إلى أقصى أب له في الإسلام، والأقرب والأبعد، والذَّكر والأنثى، والمسلم والكافر، والصغير والكبير فيه سواءٌ. ولا يدخل فيه أولاد البنات، ولا أولاد الأخوات، ولا أحد من قرابة أُمه، لأنهم لا يُنْسبون إلى أبيه، وإنما يُنْسَبُون إلى آبائهم، لأن النَّسب يعتبر من الآباء.
(
وَأقَارِبُهُ) وذو قرابته وأقربائه وأرحامه وأنسابه (وَذُو أنْسَابِهِ) هم عند أبي حنيفة: مَحْرَمَاهُ فصاعداً من ذوي (رَحِمه، الأقْرَبُ فَالأَقْرَبُ غَيْرَ الوَالِدَيْنَ وَالوَلَدِ) وعندهما كل من يُنْسب إلى أقصى أب له في الإسلام، وإن لم يُسْلم ذلك الأقصى بعد أن أدرك الإسلام، أو إن أسلم، على اختلاف المشايخ. وفائدة هذا الاختلاف تظهر في مثل أبي طالب وعليّ رضي الله عنه إذا وقعت الوصية لأحدٍ من أقرباء عليّ، فمَنْ اكتفى بإدراك الإسلام صَرَفها إلى أولاد أبي طالب، ومَنْ شرط الإسلام صرفها إلى أولاد عليّ لا غير، ولا يدخل أولاد عبد المَطلب بالاتفاق، لأنه لم يدرك الإسلام.

لهما: أن الاسم يتناول الكلّ. ولأبي حنيفة: أن الوصية أخت الميراث، وفي الميراث يُعْتَبر الأقرب فالأقرب، وكذا في أخته، والقصد من هذه الوصية تلافي ما فَرَّط في إقامة واجب الصلة، وهو مختصٌّ بذي الرَّحم المحْرَم، وأما قرابة الوِلاد فلا يُسَمَّون أقرباء عادةً. ألا ترى إلى عطف القريب على الوالدين في قوله تعالى: {الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينِ} والعطف يقتضي المغايرة، ويدخل الجدّ والجدّة وولد الولد في ظاهر الرواية. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: لا يدخلون.

قَيَّدَ بالمَحْرَم، لأنه لو انعدم بطلت الوصية. وقيّد بالانثنين فصاعداً، لأن الواحد لا يأخذه عنده، لأن المذكور لفظ الجمع، وفي الميراث يُرَاد بالجمع: المثنى فصاعداً، فكذا في الوصية. ويستوي الحرُّ والعبد، والمسلم والكافر، والصغير والكبير، والذَّكر والأنثى على المذهبين.
(
وَفي وَلَدِ زَيْدٍ) أي في الوصية لولد زيد (الذَّكَرُ وَالأُنْثَى سَوَاء) لأن اسم الولد يشمل الكلّ، وليس في اللفظ شيء يقتضي التفضيل. (وَفي وَرَثَتِهِ) أي وفي الوصية لورثة زيد يأخذ (ذَكَرٌ كأُنْثَييْنِ) لأن الورثة مشتقّة من الوراثة، وبناء الحكم على المشتق يُشْعِر بأن مأخذ الاشتقاق علّة ذلك الحكم، والوراثة بين الأولاد والأخوة للذّكر مثل حظّ الأنْثَيَيْن، فكذا الوصية.
(
وفي بني فُلاَنٍ) تأخذ (الأُنْثَى مِنْهُم) في قول أبي حنيفة الأوّل، وهو قولهما، لأن جمع الذكور يتناول الإناث. قال الله تعالى: {وَإنْ كَانَوا إخْوةً رِجَالاً وَنِسَاءً}، ثم رجع وقال: يأخذ الذكور خاصّةً، لأن حقيقة الاسم للذكور، وانتظامه للإناث تجوُّز، والكلام بحقيقته. وهذا بخلاف ما إذا كان بنو فلانٍ: اسم قبيلةٍ أو فَخِذٍ، حيث يتناول الذُّكور والإناث، لأنه لا يُرَاد أعيانهم بل مجرد انتسابهم كبني آدم، ولذا يدخل فيه مولى العَتَاقة، ومولى الموالاة، وخلفاؤهم.

(وبَطَلَتِ الوَصِيَّةُ لِمَوَالِيهِ) مطلقاً (فِيمَنْ لَهُ مُعْتِقُونَ وَمَعْتَقُون) لأن لفظ المولى مشتركٌ بينهما، فلا ينتظمهما في موضع الإثبات، ولا قرينة تدلّ على أحدهما، بخلاف ما لو حلف لا يكلّم موالي فلان، حيث يتناول الأعلى والأسفل، لأنه في مقام النفيّ ولا تنافي فيه. وقيل: يكون لهما، وهو رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو قول الشّافعيّ وزُفَر. وقيل: يجعلها أبو يوسف للأعلى، لأن شكر الإنعام واجبٌ، وفضل الانعام مندوبٌ، فصار صرف الوصية إلى آداء الواجب أولى. وقيل: يجعلها للأدنى، لأنه محل الحاجة غالباً، فهو أولى.
(
وَصَحَّتْ) الوصية (بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ، وَسُكْنَى دَارِهِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً) كَسنةٍ (وَأبَدَاً) لأن المنافع يصحّ تمليكها في حالة الحياة ببدلٍ وغيره، فكذا في حالة الممات كما في الأعيان، ويكون كلٌّ من العبد والدَّار محبوساً على ملك الميت في حقّ المنفعة حتّى يتملكها المُوصَى له على ملكه، كما يستوفي الموقوف عليه منافع الوقف على حكم ملك الواقف. (و) صحّتِ الوصية (بِغَلَّتِهِمَا) أي العبد والدَّار.

(فإِنْ خَرَجَتِ الرَّقَبَةُ) أي رقبة العبد والدَّار (مِنَ الثُّلُثِ) أي ثلث التركة (سُلِّمَتْ إِلَيْهِ) أي أعطيت للمُوصَى له، لأن حقّه في الثلث لا يزاحمه الورثة فيه (وإلاّ) أي وإن لم تخرج الرَّقبة من الثُّلُثِ (قُسِمَتِ الدَّارُ) قسمة الأجزاء أثلاثاً (وتهايؤا العبد) أي اقتسموه قسمة مُهَايَأَةٍ، فيخدم الورثة يومين والمُوصَى له يوماً، لأن حقّه في الثُّلُث وحقّهم في الثُّلُثين كما في الوصية بالعين، وإنما تعيّن التهايؤ في العبد، لأنه لا يمكن القسمة فيه بالأجزاء، لأنه لا يتجزّأ فيصير إلى المهايأة إيفاءً للحقّين، بخلاف الدَّار فإن القسمة فيها بالأجزاء ممكنةٌ، وهو أعدل من قسمة التهايؤ، لما فيها من التسوية بين المتقاسمين زماناً وذاتاً، وفي التهايؤ من تقديم أحدهما على الآخر زماناً.
ولو اقتسموا الدَّار مهايأةً جاز، لأن الحقّ لهم إلاّ أن الأوّل أَوْلى لكونه أعدل.
وليس للورثة أن يبيعوا ما في أيديهم من ثُلُثيْ الدَّار، لأن حقّ المُوصَى له ثابت في سُكْنَى جميع الدَّار، بأن يظهر للميت مالٌ آخر، وتخرج الدَّار من الثُّلُث. وكذا له حقّ المزاحمة فيما في أيديهم (إذا خَرِب ما في يده، وبَيْعُ الورثة ما في أيديهم) من الثُّلثين يتضمّن إبطال ذلك، فيُمْنَعُون منه.

(وَبِمَوْتِهِ) أي المُوصَى له (في حياة مُوصِيهِ تَبْطُلُ) الوصية، لأنها تمليك الموصِي بعد موته المُوصَى به للمُوصَى له، ولا يُتَصَّور تملك المُوصَى له وهو ميتٌ، (و) بموت المُوصَى له (بَعْدَ مَوْتِهِ) أي المُوصِي (يَعُودُ) كلٌّ من العبد المُوصَى بخدمته، والدّار المُوصَى بسكناها (إِلى الوَرَثَةِ) لأن الموصِي أوجب للمُوصَى له أن يستوفي المنافع على حُكْم مِلْكه، فلو انتقل الاستيفاء إلى وارثِ المُوصَى له لاستحقاق ذلك ابتداءً من ملك الموصِي بغير رضاه، وذلك لا يجوز. (و) في الوصية (بِثَمَرَةِ بُسْتَانِهِ إنْ مَاتَ) الموصِي (وَفِيهِ ثَمَرَةٌ) جملة حالية (لَهُ) أي للمُوصَى له (هَذِهِ) الثمرة التي فيه (فَقَطْ) أي وليس له ما حدث بعدها.
(
وإنْ ضَمَّ) في الوصية كلمة (أبداً فَلَهُ هَذِهِ) أي الثمرة التي في البستان (وَمَا يَحْدُثُ فِيهِ) من الثمرة فيما يستقبل مدّة حياة المُوصَى له (كَمَا في غَلَّةِ بُسْتَانِهِ) فإن مَنْ أوصى بِغَلّة بستانه تكون للمُوصَى له الغلّة الموجودة، والتي توجد مدّة حياة المُوصَى له وإن لم يقل أبداً. والفرق أنّ الثمرة في العُرْف اسمٌ للموجودة، فلا يتناول التي ستوجد، لأنها معدومةٌ إلاّ بدلالةٍ زائدةٍ مثل التنصيص على التأبيد. والغلّة في العُرْف ينتظم الموجودة وما يوجد مرةً بعد أخرى. يقال: فلانٌ يأكل من غلّة بستانه وغلّة أرضه، والمراد: مِمّا وُجِدَ وممّا يُوجَد، فإذا أُطْلِقت يتناولُهُما تناولاً غير موقوفٍ على دلالةٍ أخرى.

وإنما قال: فيه ثمرة، لأن البستان لو لم يكن كذلك، والمسألة بحالها، تناولت الثمرة ما كان موجوداً وما يوجد ما عاش المُوصَى له، كمسألة الغلَّة، وذلك لأن الثَّمرة تنتظم الموجود حقيقةً ولا تتناول المعدوم إلاّ مجازاً، فإذا كان في البُسْتَان ثمرة عند موت المُوصِي كان لفظ الثمرة مستعملاً في حقيقته، فلا يتناول المَجَاز، وإن لم يكن فيه ثمرة يتناول المَجَاز، ولا يجوز الجمع بينهما. إلاّ أنه إذا ذكر لفظ الأبد تناولهما عملاً بعمومِ المَجَاز، لا جمعاً بين الحقيقة والمجاز.
(
و) في الوصية (بِصُوفِ غَنَمِهِ وَوَلَدِهَا وَلَبَنِهَا لَهُ) هذا الجار والمجرور خبر مقدّم، أي للمُوصَى له (مَا في وَقْتِ مَوْتِهِ) أي موت الموصِي، وليس له ما يحدث بعده سواء (ضَمَّ) الموصِي كلمة (أَبَداً أوْ لا) لأن الوصية إيجابٌ عند الموت، فيعتبر وجود هذه الأشياء عنده (وَتُوْرَثُ بِيْعَةٌ وَكَنِيسَةٌ جُعِلَتَا في الصِّحَّة) أي إذا صنع ذميّ في صحّته داره بيعةً أو كنيسةً ومات، فإنها تورث عنه. أمّا عند أبي حنيفة، فلأنه بمنزلة الوقف، وهو عنده لا يلزم فيورث، فكذا هذا. وأمّا عندهما، فلأن هذا معصيةٌ، فلا يصحّ وإن كان قُرْبةً في معتقدهم فيورث. واستُشكل قول أبي حنيفة بأن هذا عندهم كالمسجد عند المسلمين، والمسلم ليس له أن يبيع المسجد، فيكون الذميّ في البِيعَة والكنيسة كذلك.
وأُجِيبَ: بأن المسجد محرز عن حقوق الناس خالصٌ لله تعالى، ولا كذلك البِيعَة في معتقدهم، لأنهم يسكنونها ويدفنون فيها موتاهم، فلم تكن محرزة عن حقوقهم، فكان الملك للذميّ فيها ثابتاً. والمسجد إذا كان غير محرز عن حقوق المسلمين يورث. ويصحّ وصية الذميّ بما هو قُرْبةٌ في الملّتين، كالوصية للفقراء والمساكين، ولإسراج البيت المقدس ونحوه.

(وَالوَصِيَّةُ بِجَعْلِ إحداهما يَصِحُّ) أي وصية الذميّ ببناء داره بِيعَةً أو كنيسةً صحيحةٌ، وهذا بالاتفاق إن أوصى بذلك لقومٍ مُسَمّين وأَمَّا إِن أَوصى به لقومٍ غير مسميّن فعند أبي حنيفة تصحُّ، وعندهما لا تصحّ.
ولو أوصى بالكُرَاع في سبيل الله ولم يعيّنه لأحدٍ، فالوصية باطلةٌ عند أبي حنيفة، لأن هذه الوصية في معنى الوقف، وهو غير جائزٍ في المنقول عنده وإن أُضِيفَ إلى ما بعد الموت. وجعلاه وقفاً في يد الإمام، لِمَا مرّ في كتاب الوقف من حبس خالدٍ كُرَاعه وأَعْتُده في سبيل الله.

ولو أوصى بثلث ماله في سبيل الله يخصّه أبو يوسف بمنقطع الغزاة، لسبقه إِلى الفهم عُرْفاً، وزاد محمد: منقطع الحاج لِمَا رُوِّينَا: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الحجّ من سبيل الله. وأَجاز محمد الوصية للمسجد وإن لم يذكر الإنفاق عليه، لأن المراد منها الإنفاق على مصالحه. وشرطا لصحتها ذِكْر الإنفاق عليه، لأنه ليس بأهل للملك، والوصية تمليك، وذكر النفقة بمنزلة الوقف على مصالحه تصحيحاً للكلام.
ولو أوصى للعلماء استحقَّها الفقهاء وأهل التفسير والحديث، وقيل: وأهل الكلام، لا المُقْرِئون والأدباء والمعبّرون والأطباء، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العلم ثلاثة: آية محكمةٌ، أو سنةٌ قائمةٌ، أو فريضةٌ عادلةٌ، وما سوى ذلك فهو فضل». رواه أبو داود وابن ماجه. ولو أوصى للعقلاء استحقّها زهَّاد العلماء، لأنهم في الحقيقة العقلاء، لتركهم الفاني وميلهم إلى الباقي، والله تعالى أعلم.

فصلٌ

(وَمَنْ أَوْصَى إلى زيدٌ فَقَبلَ) زيدٌ (عِنْدَهُ) أي في حضوره (فإنْ رَدَّ) زيدٌ الإيصاء (عِنْدَهُ) في حضور الموصِي بعد قبوله (رُدَّ) أي صحّ ردّه، لأنه ليس للموصِي ولاية إلزامه التصرُّف، ولا غُرور في ردّه بحضوره، لأن الموصِي متمكّن من أن يُنِيبَ غيره. (وإلاَّ) أي وإن لم يردَّ زيدٌ الإيصاء في حضرة الموصِي بل ردّ في غيبته (لاَ) أي لا يصحّ الردّ، لأن الميت مضى بسبيله معتمداً عليه، فلو صحّ ردّ المُوصَى إليه في غيبته في حياته أو بعد مماته كان مَغْروراً من جهته، فرُدَّ ردّه.
(
فَإِنْ سَكَتَ) المُوصَى إليه فلم يقبل ولم يردّ (فَمَاتَ مُوصِيهِ فَلَهُ) أي للمُوصَى إليه (رَدُّهُ) أي ردّ (الإيصاء) (وَضِدُّهُ) أي ضدّ ردّ الإيصاء وهو قبول الإيصاء، لأن المُوصِي ليس له ولاية إلزام المُوصَى إليه، فبقي مخيّراً.
(
وَلَزِمَ) الإيصاء هذا الساكت (بِبَيْعِ شَيْءٍ) بأن يبيع شيئاً (مِنَ التَّرِكَةِ) لأنّ في ذلك دلالة على الالتزام والقبول، وهو معتبرٌ بعد الموت. وينفذ البيع لصدوره من الوصيّ (وَإنْ جَهِلَ بِهِ) أي بالإيصاء لأن العِلم ليس بشرطٍ في حقّه بخلاف الوكيل (فَإنْ رَدَّ) هذا الساكت (بَعْدَ مَوْتِهِ) أي موت الموصِي بأن قال: لا أقبل (ثُمَّ قَبِلَ) بعد ردّه بأن قال: قبلت (صَحَّ) قَبوله، لأن مجرد قوله: «لا أقبل» لا يبطل الإيصاء، لأن في إبطاله ضرراً بالميت.
(
إِلاَّ إذَا نَفَّذَ قَاضٍ رَدَّهُ) بأن حكم بإخراجه عن الوصاية، لأن ردّه تأكَّد بحكم القاضي وتقوّى به (وإِلى عَبْدٍ) أي ومَنْ أوصى إلى عبدٍ (أَوْ كَافِرٍ أوْ فَاسِقٍ بَدَّلَهُ القَاضِي بِغَيْرِهِ) فإن هذه الوصية باطلةٌ على ما ذكره محمد. وعبارة القُدُورِي: أخرجهم القاضي عن الوصية، وهذا يدلّ على أن الوصية صحيحة، لأن الإخراج إنما يكون بعد الدُّخول.

(وَمَنْ أَوْصَى إلى عَبْدِهِ) أي جعل عبده وصياً (صَحَّ إنْ كَانَ وَرَثَتُهُ صِغَاراً) كلّهم، وهذا عند أبي حنيفة استحساناً. وقالا: لا يصحّ، وهو القياس، لأن الرِّقَّ ينافي الولاية. ولأبي حنيفة: أن لعبده من الشفقة ما لا يكون لغيره. (وإِلاّ) أي وإن لم يكن كلّهم صغاراً سواء كان كلّهم كباراً أو بعضهم (لاَ) أي لا يصحّ الإيصاء، لأن للكبير أن يمنعه من أن يبيع نصيبه، حتّى له أن يبيع نصيبه من العبد، فيعجز عن الوفاء بما التزم من الوصاية، فلا يفيد الإيصاء إليه فائدة.

(
و) مَنْ أَوْصى (إِلَى عَاجِزٍ عَنِ القِيَامِ بِهَا ضَمَّ) أي ضمّ القاضي (إليه غَيْرَهُ) رعاية لحقّ الموصِي والورثة. ولو شكى الوصيّ إلى القاضي (ذلك) لا يجيبه حتّى يعرف ذلك حقيقةً، لأن الشاكي قد يكون كاذباً تخفيفاً على نفسه.
(
وَيَبْقَى) وصيٌّ (أمِينٌ يَقْدِرُ) على التصرُّف وليس للقاضي أن يخرجه عن الوصاية، لأن الميت اختاره وارتضاه، ولأنه يقدّم على الأب مع وفور شفقته، فأولى أن يقدّم على غيره. ولو شكى الورثة أو بعضهم الوصيّ إلى القاضي، لا ينبغي له أن يعزله، لأنه استفاد الولاية من الميت، إلاّ إذا ظهر منه الخيانة لزوال ما لأجله جعله الميت وصيّاً.
(
و) من أوصى (إلى اثْنَيْنِ لا يَنْفَرِدُ أحَدُهُمَا) بالتصرّف في تركته عند أبي حنيفة ومحمد (إلاّ بِشِرَاءِ كَفَنِهِ وَتَجْهِيزِهِ) لأن في تأخير ذلك فساد الميت، ولهذا يملكه الجيران عند ذلك في الحَضَر، والرُّفقَة في السفر. (والخُصُومَةِ في حُقُوقِهِ) لأن الاجتماع فيها متعذّر، ولذا ينفرد بها أحد الوكيلين. (وَقَضَاءِ دَيْنِهِ وَطَلَبِهِ) لأنه ليس من باب الولاية بل من باب الإعانة، بخلاف اقتضاء دينه ـ وهو قبضه ـ لأن الميت إنما رضي بأمانتهما جميعاً.

(وَشَراءِ حَاجَةِ الطِّفْلِ) المُوصَى عليه من طعامٍ وكسوة، لأن (في تأخيره إلى الاجتماع) يُخاف موته جوعاً وعُرْياً (والاتهَابِ لَهُ) أي قبول الهبة للطِّفل، لأن في تأخيره خوفَ الفَوْت. (وَإِعْتَاقِ عَبْدٍ عُيِّنَ) أي معيّن، لأنه لا يحتاج إلى الرأي بخلاف إعتاق غير المعيّن (وَرَدِّ وَدِيعَةٍ وَتَنْفِيذِ وَصِيَّةٍ مُعَيَّنَتَيْنِ) لأنه لا يحتاج فيهما إلى الرأي، ولأنهما من باب الإعانة دون الولاية. ألا ترى أن صاحب ذلك يملكه إذا ظفر به (وَجمْعِ أَمْوَالٍ) للميت (ضَائِعَةٍ) أي على شرف الضياع، لأن في التأخير آفات (وَبَيْعِ مَا يُخَافُ تَلفُهُ) لأن فيه ضرورة لا تخفى.
وقال أبو يوسف: ينفرد كل من الوصيَّيْن بالتصرُّف في جميع الأشياء. قيل: الخلاف فيما إذا أوصى إلى كلّ واحدٍ منهما بعقدٍ على حدة، وأما إذا أوصى إليهما بعقدٍ واحدٍ فلا ينفرد أحدهما باتفاق، ذكره الكاساني. وقيل: الخلاف فيما إذا أوصى إليهما بعقدٍ واحدٍ، وأما إذا أوصى إلى كلّ واحدٍ بعقدٍ على حدةٍ فينفرد أحدهما بالتصرّف اتفاقاً، ذكره الحَلْواني عن الصفّار. قال أبو اللَّيْث: وهو الأصحّ، وبه نأخذ. وقيل: الخلاف في الفصلين جميعاً، ذكره أبو بكر الإسكاف. قال في «المبسوط»: وهو الأصحّ. بخلاف الوكيلين إذا وكلّهما متفرقاً بعقدٍ حيث ينفرد كل واحدٍ منهما بالتصرُّف اتفاقاً. ثم إذا مات أحدهما عوَّض القاضي بدلاً عنه اتفاقاً.

(وَوَصِيُّ الوَصِيِّ وَصِيٌّ في مَالِهِ وَمَالِ مُوصِيهِ) أي في التركتين. وعند الشّافعيّ وأحمد في رواية: لا يكون وصيّاً في تركة الأوّل اعتباراً بالتوكيل في حال الحياة (وَلاَ يَبِيعُ وَصِيٌّ) مال الصغير من أجنبي (وَلاَ يَشْتَرِي) له منه (إِلاَّ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ) في مثله، وهو ما فيه غبنٌ يسير، لقوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوا مَال اليتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}. وأمّا لو اشترى شيئاً من مال اليتيم لنفسه، أو باع شيئاً من ماله لليتيم جاز عند أبي حنيفة.
وفي إحدى الرِّوايتين عن أبي يوسف: إذا كان لليتيم فيه منفعةٌ ظاهرةٌ، بأن يبيع من الصغير ما يساوي خمسة عشر بعشرة، أو يشتري لنفسه من الصغير ما يساوي عشرة بخمسةَ عشرَ. وعلى قول محمد وهو أظهر الروايتين عن أبي يوسف: لا يجوز على كلّ حالٍ، وبه قال مالك والشّافعيّ، إذ الواحد لا يتولى طرفي البيع لامتناع كونه مُطَالِباً ومُطَالَباً، وهذا في وصيّ الأب، لأن وصي القاضي لا يجوز بيعه لمال الصغير من نفسه بكلّ حال اتفاقاً. ويجوز للأب بمثل القيمة كالاقتراض، وأبطله زُفَر لما تقدّم.
ولنا: أن الأب لكمال ولايته ووفور شفقته وحاجة الصغير، جُعِلَ كشخصين، فيتولّى الطرفين. وقال المتأخِّرون: لا يجوز للوصيّ بَيْعُ عقار الصغير إلاّ أن يكون على الميت دين، أو يرغب المشتري فيه بضعف الثَّمن، أو يكون للصغير حاجةٌ إلى الثَّمن. قال الصدر الشهيد: وبه يُفْتَى.

(ويَدْفَعُ) الوصيّ (مَالَهُ) أي الصغير (مُضَارَبَةً) ويأخذه أيضاً مضاربةً لكن بشرط الشهادة على ذلك نفياً للتهمة إذ ليس فيها تملك ماله (وَشَرِكَةً وَبِضَاعَةً) لقيامه مقام أبيه (وَيَحْتَالُ) أي ويقبل الحَوالة (عَلَى الأمْلأِ) أي الأغنى من الغريم (لاَ عَلَى الأَعْسَرِ) لأن في ذلك نظراً له، وولاية الوصيّ نظرية. ويأكل منه عند اشتغاله بحاجته، لقوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ}.
(
وَلاَ يُقْرِضُ) الوصيّ مال اليتيم وإن أقرض ضمن، لأنه لا يقدر على الاستخراج بخلاف القاضي، والأب بمنزلة الوصيّ في أصحّ الروايتين.
(
وَيَبِيعُ) الوصيّ (عَلَى الكَبِيرِ الغَائِبِ) كلّ شيءٍ (أَلاّ العَقَار) إن لم يكن عليه دينٌ، وأمّا إذا كان عليه دينٌ فإن كان مستغِرقاً للعَقَار، باع الوصيّ العَقَار كلّه بالاتفاق، وإن لم يكن مستغرقاً باع بقدر الدّين عندهما، وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى: له بيعه كلّه. ولو خِيفَ هلاك العَقَار، قيل: يملك الوصيّ بيعه، لأنّه تعيّن حفظاً كالمنقول، والأصحّ أنه لا يملك لأنه نادرٌ.

(
وَلاَ يَتَّجِرُ) الوصيّ (فِي مَالِهِ) أي الصغير، لأن المفوَّض إليه الحفظ دون التجارة. ويقدّم وصيّ الأب على الجدّ، فإن لم يوصِ الأب قام الجد مقامه، ولا يلي على مال الطفل أحدٌ غيرهما، والله أعلم.

كتاب الخُنْثَى

(هُوَ) مولودٌ (ذُو فَرْجٍ وَذَكَر، فإن بَالَ مَنْ ذَكَرِهِ فَذَكَرٌ، وإنْ بَال مَنْ فَرْجِهِ فَأُنْثَى) لأن البول من أحدهما دليلٌ على أنه العضو الأصلي الصحيح، والآخر بمنزلة العيب. (وَإِنْ بَالَ مِنْهُمَا حُكِمَ بالأَسْبَقِ) لأن السبق دليلٌ على أن محله هو العضو الأصلي، ولأنه كما خرج البول حُكِمَ بموجبه، لأنه علامة تامّة، فلا يُعْتَبر بخروج البول من آلة أخرى بعد ذلك. (وَإِنْ اسْتَوَيا) بإن لم يسبق أحدهما الآخر، سواء كان الخروج من أحدهما أكثر من الآخر، أو لم يكن (فَمُشْكِلٌ) أي فهو الخُنْثَى المُشْكِلُ عند أبي حنيفة (وَلاَ تُعْتَبَرُ) عنده (الكُثْرَةُ) وقالا: تُعْتَبَر، لأن كثرة البول من أحدهما علامة قوة ذلك العضو وكونه أصلياً، ولأن للأكثر حكمَ الكلّ في أصول الشرع. فيترجّح ذلك العضو بكثرة البول منه.
ولأبي حنيفة: أن كثرة ما يخرج لا يدلّ على القوة، لأن ذلك قد يكون لاتِّساع في أحدهما وضيقٍ في آخر. ولو كان الخروج منهما على السواء فهو مُشْكِلٌ بالاتفاق.
(
فَإِنْ بَلَغَ) الخُنْثَى، فإن ظهر له علامة الرِّجال: بإن خرجت لحيته، أو وصل إلى النساء، أو احتلم كما يحتلم الرِّجال، فهو رجلٌ، وإن ظهر له علامة النِّساء: بأن خرج له ثديٌ كثدي المرأة، أو نزل له لبن في ثديه، أو حاض، أو حَبِلَ، أو أمكن الوصول إليه من الفرج، فهو امرأةٌ، (وَ) إن (لَمْ يَظْهَرْ) له (عَلاَمَةُ أحَدِهِمَا) أو تعارضت العلامات (فَمُشْكِلٌ) فيؤخذ فيه بالأحوط والأوثق في أمر الدين، وهو: أن لا يُحكم فيه بحكم وقع الشك في ثبوته.

(فَإِنْ قَامَ فِي صَفِّهِنَّ) أي صفّ النساء (أَعَادَ) صلاته استحباباً إن كان (مراهقاً، وحتماً إن كان) بالغاً، لاحتمال أنه رجلٌ فتفسد صلاته (وَ) إن قام (في صَفِّهِمْ) أي في صفّ الرجال (يُعِيدُ مَنْ بِجَنْبَيْهِ وَمَنْ خَلْفَه بِحِذَائِهِ) لاحتمال أنه امرأة (وَصَلّى بِقِنَاعٍ) لاحتمال أنه أمرأة، فإِن كان (بالغاً) حراً وجب عليه ذلك، وإلاّ استحبّ له.
(
وَلاَ يَلْبَسُ حرِيراً وَ) لا (حُلِيّاً وَلاَ يَكْشِفُ عِنْدَ رَجُلٍ وَ) لا عند (امْرَأَةٍ وَلاَ يَخْلُو بِهِ غَيْرُ مَحْرَمٍ رَجُلٍ أوْ امْرَأَةٍ وَلاَ يُسَافِرُ بِلاَ مَحْرَمٍ) من الرِّجال، كل ذلك احترازاً عن ارتكاب المحرَّم.
(
وَكُرِهَ لِلرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ خَتْنُهُ) أمّا الرّجل فلاحتمال أنّ الخُنْثَى أنثى، وأمّا المرأة فلاحتمال أنه ذكرٌ (وَيُشْتَرَى) من ماله (أَمَةٌ فَتَخْتِنُهُ إنْ مَلَكَ مَالاً) لأنه يباح لمملوكه النظر إليه (وإِلاَّ) أي وإن لم يملك مالاً (فَمِنْ بَيْتِ المَالِ) يشتري له الإمام أمة تختنه، لأن بيت المال أعِدّ لنوائب المسلمين، فإذا اشتراها له تدخل في ملكه بقدر حاجة الخِتَان. (ثُمَّ تُبَاعُ) إذا ختنته، ويردّ ثمنُها إلى بيت المال لحصول الاستغناء عنها.

(
فَإِنْ مَاتَ) الخُنْثَى (قَبْلَ ظُهُورِ حَالِهِ لَمْ يُغَسَّلْ) لأن الغاسل إمّا رجلٌ وإمّا امرأةٌ، (والخنثى إما رجلٌ أو امرأةٌ)، وحِلّ الغسل غير ثابتٍ بين الرِّجال والنِّساء، فَيُتْرَك لاحتمال حرمته. (وَيُيَمَّمُ) لتعذّر الغُسْل (وَلاَ يَحْضُرُ) الخُنْثَى حال كونه (مُرَاهِقاً غُسْلَ مَيِّتٍ) لاحتمال أنه ذكر أو أنثى (وَنُدِبَ تَسْجِيَةُ قَبْرِهِ) أي تغطيته، لأنه إن كان أنثى أقيم واجبٌ، وإن كان ذكراً لا تضرّ التسجية.

(وَيُوضَعُ الرَّجُلُ بِقُرْبِ الإِمام، ثُمَّ) يوضع (هُوَ)، أي الخُنْثَى خلف الرَّجل (ثُمَّ) توضع (المَرْأَةُ) خلف الخُنْثَى (إِذَا صَلَّى عَلَيْهِمْ) جميعاً (فَإِنْ تَرَكَهُ أبُوهُ وَابْناً فَلَهُ) (أي الخُنْثَى) عند أبي حنيفة (سَهْمٌ وَلِلابْنِ سَهْمَانِ) لأن له عنده أقلّ النصيبين، أي يُنْظَر إلى نصيبه إن كان ذكراً وإلى نصيبه إِن كان أنثى، فأي منهما يكون أقلّ فله ذلك.
وفي هذه الصورة ميراثه على تقدير الأنوثة أقل فله ذلك. (وَعِنْدَ الشَّعْبِيّ) وهو قولهما كما في «الهداية» (لَهُ نِصْفُ النَّصِيبَيْنِ) أي يجمع بين نصيب الخُنْثَى إن كان ذكراً ونصيبه إن كان أنثى، وله نصف ذلك المجموع.
(
وَهُوَ) أي نصف النصيبين (ثَلاَثَةٌ مِنْ سَبْعَةٍ عِنْدَ أبي يُوسُفَ) لأنه اعتبر نصيب كل واحدٍ منهما حالة انفراده، فإنَّ الذَّكر لو كان وحده كان له كلّ المال، والخُنْثَى لو كان وحده: إن كان ذكراً كان له كل المال، وإن كان أثنى كان له نصف المال، فيأخذ نصف الكلّ ونصف النصف، وذلك ثلاثة أرباع المال، وللابن كل المال فيُجْعَل كل ربع سهماً، فيبلغ سبعة بطريق العَوْل: للابن أربعة، وللخُنْثَى ثلاثة. وإن شئت تقول: له النصف إن كان أُنْثَى والكل إن كان ذكراً، فالنصف متيقّن، ووقع الشَّك في النصف الآخر، فنصفٌ صار رُبُعاً، فالنصف والربع ثلاثة أرباع.

(وَخَمْسَةٌ) أي ونصف النصيبين خمسة (مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) لأن الخُنْثَى يستحقّ النصف مع الابن إن كان ذكراً، والثلث إن كان أنثى، والنصف والثُّلُث خمسة من ستة، فله نصف ذلك، وهو اثنان ونصف من ستة. وقع الكسر بالنصف فضرب الستة في اثنين صار خمسة من اثنيّ عشر، هو نصيب الخُنْثى، والباقي وهو السَّبعة نصيب الابن، وإن شئت تقول: له الثلث إن كان أنثى والنصف إن كان ذكراً، ومخرجهما ستة. فالثلث اثنان والنصف ثلاثة، فاثنان متيقّن ووقع الشكّ في الواحد الآخر، فنصف، صار اثنين ونصفاً. وقع الكسر بالنصف، صار خمسة من اثني عشر.

مَسَائِلُ شَتَّى
(
كِتَابَةُ الأَخْرَسِ وَإِيمَاؤُهُ) أي إشارته (بِمَا يُعْرَفُ بِهِ نِكَاحُهُ، وَطَلاَقُهُ، وَبَيْعُهُ، وَشِرَاؤُهُ، وَوَصِيَّتُهُ، وَقَوَدُهُ، كَالبَيَانِ) أي كما يُعْرَف ذلك بالنطق باللسان، لأن الكتابة ممّن نأى بمنزلة الخطاب ممّن دنا. ألا ترى أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كما أدّى ما وجب عليه تبليغه بالعبارة أدّى بالإشارة، كقوله: «الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا». وأدّى بالكتابة، ككتابه لهِرَقل وغيره.

ثم الكتابة منقسمة إلى ثلاثة أقسام: منها مُستَبِينٌ مرسوم، وهو أن يكتب: من فلانٍ إلى فلانٍ أن الأمر كذا وكذا من الطلاق والعتاق ونحوهما، فهذا كالنطق. ومنها مستبين غير مرسوم، كالكتابة على الجدار وأوراق الأشجار وعلى الكاِغَد، لا على وجه رسم الديار، فهذا ليس له اعتبارٌ إلاّ بانضمام شيء آخر إليه كالبيّنة والإشهاد عليه والإملاء على الغير حتّى يكتب لديه، لأن الكتابة قد تكون للتجرِبة، وبهذه الأشياء يتبيّن أنها ليست كذلك. ومنها غير مستبين كالكتابة على الهواء والماء، وهو بمنزلة كلام غير مسموع، فلا يثبت به شيء من الأحكام ولو انضم إليه نيةٌ، وإنّما جُعِلَت الإشارة حجَّة للأخرس للحاجة في حقّ هذه الأحكام، لأنها من حقوق العباد وهي تثبت مع الشبهة.
(
وَلاَ يُحَدُّ) (الأَخرس) إذا أقرّ بما يوجب الحدّ، ولا قاذفه بطريق الإشارة أو الكتابة. أمّا إن كان مقذوفاً فلأن الحدود تندرىء بالشبهات، ولعلّه مصدّق لقاذفه، فلا يُحَدّ قاذفه للشبهة ولعدم تيقّن علّة الحدّ. وأمّا إذا كان قاذفاً، فلا يحدّ لانعدام القذف صريحاً بالزنا، وهو شرط فيه. والفرق بين الحدّ والقَوَد حيث يثبت القود بالكتابة والإشارة، بخلاف الحدّ.
إن القَوَد حقّ العبد، (وحقّ العبد) لا يختصّ بلفظٍ دون لفظٍ، وقد يثبت بدون اللفظ، كالتعاطي بخلاف الحدّ، فإنه لا يثبت ببيان فيه شُبْهَة. (وَقَالُوا في مُعْتَقَلِ اللِّسَان) وهو الذي اعترض له احتباس اللِّسان حتّى لا يقدر على الكلام والبيان (إِنْ امْتَدَّ ذَلِكَ) الاعتقال بأن بقي سنةً. وقيل: إلى زمان الموت، وقيل: وعليه الفتوى. (وَعُلِمَ إِشَارَتُهُ) أي المُعْتقل (فَكَذَا) أي فحكمه حكم الأخرس بخلاف الذي صمت يوماً، أو يومين لعارضٍ.

(وَفِي غَنَمٍ مَذْبُوحَةٍ فِيهَا مَيْتَةٌ) ولا علامة تتميّز به الميتة من المذبوحة، إن كان الميتة أكثر، أو كانتا مستويتين. لم يؤكل الغنم في حالة الاختيار، وإن كانت (هِيَ) أي الميتة (أقَلّ تَحَرَّى وَأَكَلَ) ذلك الغنم (فِي) حالة (الاخْتِيَارِ) قيّد به، لأَنَّ الميتة المتيقنة يحلّ أكلها في حالة الاضطرار، فالمشكوك فيها أولَى. وعند مالك والشافعيّ وأحمد: لا يؤكل بالتحرّي في حالة الاختيار، وإن كانت المذبوحة أكثر، لأن التحرّي دليلٌ ضروري، فلا يُصَار إليه من غير ضرورة، (ولا ضرورة) في حالة الاختيار.

ولنا: أن الغلبة تُنَزَّلُ منزلة الضرورة في إفادة الإباحة ، ألا ترى أن أسواق المسلمين لا تخلو عن المحرّم من مسروقٍ ومغصوبٍ، ومع ذلك يباح التناول اعتماداً على الظاهر، وهذا لأن القليل منه لا يمكن التحرّز عنه، فيسقط اعتباره دفعاً للحرج، وقد قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، وقال عليه الصلاة والسلام: «بُعِثْتُ بالحنيفية السَّمْحَة، ومن خالف سنتي فليس مني». رواه الخطيب عن جابر رضي الله عنه.
الحمد الله الذي بنعمته تتمّ الصالحات، وأفصل الصلوات وأكمل التحيات على سيد الموجودات وسند المشهودات، وعلى آله وصحبه وأزواجه الطاهرات، وعلى العلماء والصلحاء الكاملين وسائر المؤمنين والمؤمنات (الأحياء منهم والأموات).
وقد وقع تحرير هذا الكتاب بعون الملك الوهَّاب على يد مؤلفه رُحِمَ مع سلفه، وهو أفقر عباد الله الغنيّ الباري عليّ بن سلطان محمد القَاري، عاملهما ربّهما بلطفه الخفي وكرمه الوفيّ، وذلك بمكّة المكرّمة قُبَالة الكعبة المعظّمة، عام ثلاث بعد الألف من الهجرة المفخَّمة).