نور على الدرب 1.doc

سلسلة اقرأ (1)

منشورات الدعوة السلفية

كتاب رقم ( 77 )

نور على الدرب

كلمات في الدعوة والمنهاج







إعداد

أبي عبد الرحمن السلفي المقدسي

هشام بن فهمي العارف


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا،من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

(يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(102)سورة آل عمران.

(يا أيها النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)سورة النساء.

(يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا(70)يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)سورة الأحزاب.

أما بعد،

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.

فهذه بفضل من الله تعالى سلسلة اقرأ جمعتها هنا تحت عنوان "نور على الدرب، كلمات في الدعوة والمنهاج" بعد أن كانت مفرقة على شكل مقالات، وهذه المقالات نشرت في جريدة القدس "جريدة يومية سياسية تأسست سنة 1951" في القدس ـ فلسطين، وفي مجلة الأصالة "رسالة إسلامية منهجية جامعة" الناشر لها: مركز الألباني للدراسات المنهجية والأبحاث العلمية ، في عمان ـ الأردن، وفي مجلة السبيل التي كانت تصدرها جمعية القرآن والسنة في قلقيلية ـ فلسطين.

وهذه المقالات هنا مسلسلة من رقم 1 إلى رقم 25 مجموعة في هذا الكتاب تحت عنوان سلسلة اقرأ (1) ومن ثم يليها إن شاء الله سلسلة اقرأ (2) كلما سنحت الفرصة لجمع مقالات أخرى.

وإليك المقالات:

  1. اقرأ : نشرتها جريدة القدس ، العدد 11235 تاريخ 4/9/1421الموافق 30/11/2000.

  2. اقرأ وداوم النظر في الكتب النافعة: نشرتها جريدة القدس ، العدد 11234 تاريخ 3/9/1421 الموافق 29/11/2000.

  3. الفهم الصحيح نعمة: نشرتها جريدة القدس ، العدد 11779 تاريخ 26/3/1423 الموافق 7/6/2002.

  4. العلم النافع: نشرتها جريدة القدس ، العدد 10891 تاريخ 13/9/1420 الموافق 21/12/1999.

  5. الصراط المستقيم: نشرتها جريدة القدس ، العدد 10886 تاريخ 4/9/1420 الموافق 12/12/1999.

  6. صراط المرسلين: نشرتها جريدة القدس ، العدد 10900 تاريخ 7/9/1420 الموافق 26/12/1999.

  7. محمد صلى الله عليه وسلم مأمور باتباع ما أوحي إليه: نشرتها جريدة القدس ، العدد 10984 تاريخ 18/12/1420 الموافق 24/3/2000.

  8. معنى قوله سبحانه وتعالى في سورة المزمل: (إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً): نشرتها جريدة القدس ، العدد 11238 تاريخ 7/9/1421 الموافق 3/12/2000.

  9. عقيدة التوحيد في دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: نشرتها جريدة القدس ، العدد 11716 تاريخ 22/1/1423 الموافق 5/4/2002.

  10. الفقيه الرباني: نشرتها جريدة القدس ، تاريخ 7/11/1420 الموافق 11/2/2000.

  11. العلماء ورثة الأنبياء: نشرتها جريدة القدس ، العدد 10917 تاريخ 8/10/1420 الموافق 14/1/2000.

  12. العلماء حكماء: نشرتها جريدة القدس ، العدد 10890 تاريخ 8/9/1420 الموافق 16/12/1999.

  13. فضل العلماء: نشرتها جريدة القدس ، العدد 10888 تاريخ 6/9/1420 الموافق 14/12/1999.

  14. منازل العلماء: نشرتها جريدة القدس ، العدد 10877 تاريخ 25/8/1420 الموافق 3/12/1999.

  15. طلب العلم الشرعي من الجهاد في سبيل الله: نشرتها جريدة القدس ، تاريخ 16/1/1421 الموافق 21/4/2000.

  16. قصة إسلام الصحابي سلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ: نشرتها مجلة السبيل ، العدد العاشر ، ربيع أول 1420.

  17. من سير الصالحين ..قصة أبي القرن: نشرتها مجلة الأصالة ، العدد 35 ، شعبان/1422.

  18. الإيمان أولاً لو كانوا يعلمون: نشرتها جريدة القدس ، العدد 11772 تاريخ 19/3/1423 الموافق 31/5/2002.

  19. صدق ووفاء ..أين نحن منه: نشرتها جريدة القدس ، العدد 11591 تاريخ 11/9/1422 الموافق 26/11/2001.

  20. وسوسة الشيطان: نشرتها جريدة القدس ، العدد 10893 تاريخ 11/9/1420 الموافق 19/12/1999.

  21. بطلان الابتداع وفضيلة الاتباع: مقدمة في مقالة "وحدة الصف من تسوية الصف".

  22. عاقبة الابتداع والغلو في الدين: نشرتها جريدة القدس ، العدد 11603 تاريخ 23/9/1422 الموافق 8/12/2001.

  23. خطر اتباع الهوى: نشرتها جريدة القدس ، العدد 10909 تاريخ 27/9/1420 الموافق 4/1/2000.

  24. إن بني إسرائيل لما هلكوا قصوا: من دروس تبسيط العقيدة الإسلامية.

  25. إن الله احتجز التوبة عن صاحب كل بدعة: من دروس تبسيط العقيدة الإسلامية.


















(1)

اقرأ

في الصحيحين ـ واللفظ للبخاري ـ وغيرهما، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إِلا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ ـ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ ـ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَه الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ اْلأكْرَمُ ) فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ..الحديث.

اقرأ .. نبه الله بها على أعلى أسباب القرب إليه وهو العلم

إن مما يبين أهمية وفضل العلم والتعليم، نزول أول آيات من القرآن الكريم فيها حض على القراءة والأمر بها، بل وكرر الأمر فيها بالقراءة تنبيها على التزام أقوى أسباب السعادة.

ثم ذكر القلم إبرازاً لمكانته وأهميته في حفظ العلم وتبليغه، قال العلامة السنوسي – رحمه الله – نقلاً عن بعض الشيوخ: "مقصد السورة والله أعلم، إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الله تعالى اصطفاه بأن جعله إنسانا أولاً، وفضَّله على بني جنسه من المصطفين وغيرهم بما خصه به من العلوم والمعارف الموجبة منزلة القرب، وأنه خلقه للانقطاع لعبادته، وضمن له ما يهمه من أمر عدّوه، فقيل له في فاتحتها ( اقرأ ) فنبه على أعلى أسباب القرب وهو العلم، وحض في خاتمتها على نتيجة العلم وهو العلم المقرّب إليه جل وعلا، فقيل له ( اسجد واقترب ) وحاصله إعلم واعمل".

وقال تعالى في سورة العلق:

الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ

قال الزجاج: أي علم الإنسان الخط بالقلم. وقال ابن كثير: وفي الأثر: قيدوا العلم بالكتابة.

وقال الزمخشري في الكشاف: فدل على كمال كرمه، بأنه علم عباده ما لم يعلموا. ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم ولا كتب الله المنزلة، إلا بالكتابة، ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله ولطيف تدبيره دليل إلا أمر القلم والخط لكفى به.أ.هـ

وقال تعالى في سورة المائدة: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنجِيلَ…(110).

فقوله تعالى: (وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ) أي: الخط الذي هو مبدأ العلم.

وقد ذكر القلم في السنة أنواعا متفاوتة، وكلها بالغة الأهمية:

منها: أولها وأعلاها: القلم الذي كتب ما كان وما سيكون إلى يوم القيامة، والوارد في الحديث: (إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم، وأمره أن يكتب كل شيء يكون).

ثانيها: القلم الذي يكتب به الملك في الرحم ما يخص العبد من رزق وعمل، والوارد في الحديث: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا يَقُولُ: يَا رَبِّ نُطْفَةٌ، يَا رَبِّ عَلَقَةٌ، يَا رَبِّ مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهُ قَالَ: أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟، شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟، فَمَا الرِّزْقُ وَالأجَلُ؟ فَيُكْتَبُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ).

ثالثها: القلم الذي بأيدي الكرام الكاتبين كما في قوله تعالى في سورة الانفطار: (كِرَامًا كَاتِبِينَ(11).

رابعها: القلم الذي بأيدي الناس يكتبون به ما يعلمهم الله، ومن أهمها أقلام كتّاب الوحي، الذين كانوا يكتبون الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتابة سليمان إلى ملكة سبأ.

وقال الشنقيطي: وقوله تعالى: (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) شامل لهذا كله، إذا كان هذا كله شأن القلم وعظم أمره، وعظيم المنّة به على الأمة، بلى وعلى الخليقة كلها.

الأمر بكتابة العلم

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة العلم، صح ذلك من حديث أنس بن مالك، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن العباس: ( قيّدوا العلم بالكتاب)(1) وعن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: تكتب كل شيء ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضى! فأمسكت عن الكتاب وذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأومأ بإصبعه إلى فيه، وقال: (اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلا حَقٌّ).












(2)

اقرأ وداوم النظر في الكتب النافعة

الكتاب حاضر نفعه، مأمون ضره ينشط بنشاطك، فينبسط إليك، ويمل بملالك، فينقبض عنك، إن أدنيته دنا، وإن أنأيته نأى، لا يبغيك شراً، ولا يفشي عليك سراً، ولا ينم عليك، ولا يسعى بنميمة إليك.

نعم المحدث والرفيق كتاب تلهو به إن خانك الأصحاب

لا مفشياً للسر إن أودعته وينال منه حكمة وصـواب

فاجعل الكتاب جليسك في الوحدة، وأنيسك في الخلوة فقد قيل لرجل: من يؤنسك؟ فضرب على كتبه، وقال: هذه. فقيل: من الناس؟ فقال الذين فيها.

ولذلك كان العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ يحرصون على مداومة النظر في الكتب لأنها خزائن تحصيل العلم.

قال الأستاذ محمد كرد علي في كتابه "كنوز الأجداد" في ترجمة الإمام ابن جرير الطبري (صفحة:123):

وما أثر عنه أنه أضاع دقيقة واحدة من حياته في غير الإفادة والاستفادة، روى المعافى بن زكريا عن بعض الثقات، أنه كان بحضرة أبي جعفر الطبري ـ رحمه الله تعالى ـ قبل موته، وتوفي بعد ساعة أو أقل منها فذكر له هذا الدعاء عن جعفر بن محمد، فاستدعى محبرة وصحيفة فكتبه، فقيل له: أفي هذه الحال ؟! فقال: ينبغي للإنسان أن لا يدع اقتباس العلم حتى الممات.

وجاء في كتاب "تبيين كذب المفتري" للحافظ ابن عساكر(صفحة:263) و"طبقات الشافعية الوسطى" لتاج الدين السبكي" في ترجمة الإمام سُليم الرازي المتوفى (447هـ) ـ رحمه الله تعالى ـ قول التاج السبكي فيه: كان رحمه الله من الورع على جانب قوي، يحاسب نفسه على الأوقات، لا يدع وقتاً يمر بغير فائدة، إما ينسخ أو يدرِّس أو يقرأ، وينسخ شيئاً كثيراً.

وقال الحافظ الذهبي في "تذكرة الحفاظ" (3/1141) في ترجمة الخطيب البغدادي، مؤرخ بغداد ومحدثها، المولود سنة 392 والمتوفى 463 هـ ـ رحمه الله تعالى ـ: كان الخطيب يمشي وفي يده جزء يطالعه لحرصه على الوقت والانتفاع به في طلب العلم.

وقالوا:

اليوم شيء وغداً مثله من نخب العلم التي تلتقط

يحصل المرء بها حكمة وإنما السيل اجتماع النقط

وفي كتاب "تقييد العلم" (صفحة:140): وكان أبو بكر الخياط النحوي يدرس جميع أوقاته حتى في الطريق وكان ربما سقط في جرف أو خبطته دابة.

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي في "ذيل طبقات الحنابلة" (1/142 – 162) - يحكي عن الإمام أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي (علي بن عقيل البغدادي) : وكان من أفاضل العالم، وأذكياء بني آدم، مفرط الذكاء، متسع الدائرة في العلوم، وكان يقول: إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة أو مناظرة، وبصري عن المطالعة، أعملت فكري في حال راحتي وأنا منطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره، وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة. وأنا أقصر بغاية جهدي أوقات أكلي، حتى أختار سف الكعك وتحسيه بالماء على الخبز، لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ، توفراً على مطالعة، أو تسطير فائدة لم أدركها فيه، وإن أجل تحصيل عند العقلاء بإجماع العلماء هو الوقت فهو غنيمة تنتهز فيها الفرص فالتكاليف كثيرة والأوقات خاطفة.

ولذلك قال ابن الجوزي ـ رحمه الله تعالى ـ: فسبيل طالب الكمال في طلب العلم، الاطلاع على الكتب التي قد تخلفت من المصنفات، فليكثر من المطالعة، فإنه يرى من علوم القوم وعلو هممهم ما يشحذ خاطره، ويحرك عزيمته للجد، وما يخلو كتاب من فائدة، ..فالله الله وعليكم بملاحظة سير السلف ومطالعة تصانيفهم وأخبارهم فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم.

وقال ـ رحمه الله ـ في كتابه "صيد الخاطر" (صفحة:440 –441): ومع ما في الكتب من المنافع العميمة والمفاخر العظيمة، فهي أكرم مال، وأنفس جمال، والكتاب آمن جليس وأسر أنيس، وأسلم نديم، وأفصح عليم.

وفي كتاب "سير أعلام النبلاء" (23/313) كتب الذهبي عن محمد بن عبد الله السلمي المرسي الأندلسي: كتب وقرأ وجمع من الكتب النفيسة كثيراً، ومهما فتح به عليه صرفه في ثمن الكتب.

فاحرص أخي طالب العلم على تحصيل العلم النافع من الكتب النافعة واسترشد بأهل العلم أتباع السلف الصالح في أي الكتب تنفق أموالك، وفي أي الكتب تصرف أوقاتك.

ومن أجمل ما قاله ابن الأعرابي:

لنا جلساء ما نمل حديثهـــم البّاء مأمونون غيباً ومشهدا
يفيدوننا من علمهم علم ما مضى وعقلاً وتأديباً ورأياً مسددا

بلا فتنة تخشـى ولا سوء عشرة لا نتقي منهم لساناً ولا يدا

فـإن قلت أموات فما أنت كاذباً وإن قلت أحياء فلست مفندا.













(3)

الفهم الصحيح نعمة

إن الفقه في الدين لا يتم إلا بطلب وسعي لتحصيله بهمة ونية، فلا يمكن أن يأتي الفقه في الدين لأي إنسان ما لم يسعى لتحصيله.

في سورة المجادلة قال الله تعالى:

(..يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ درَجَاتٍ..(11).

قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (17/194): والمعنى: أنه يرفع الله الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم " درجاتٍ " أي: درجات في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به.أ.هـ

وقال الفخر الرازي في الكبير (15/271): ولذلك فإنه يقتدى بالعالم في كل أفعاله، ولا يقتدى بغير العالم، لأنه يعلم من كيفية الاحتراز عن الحرام، والشبهات، ومحاسبة النفس ما لا يعرفه غيره، ويعلم من كيفية الخشوع والتذلل في العبادة ما لا يعرفه غيره، ويعلم من كيفية التوبة وأوقاتها وصفاتها ما لا يعرفه غيره، ويتحفظ فيما يلزمه من الحقوق ما لا يتحفظ منه غيره، وفي الوجوه كثرة، لكنه كما تعظم منزلة أفعاله من الطاعات في درجة الثواب، فكذلك يعظم عقابه فيما يأتيه من الذنوب، لمكان علمه حتى لا يمتنع في كثير من صغائر غيره أن يكون كبيرا منه.أ.هـ

وقد شبَّهَ الرسول صلى الله عليه وسلم، العالِمَ الذي يفقه الدِّين، ويعلِّمه، ويعمل به، وينشره بين الناس، بالأرض الطيبة التي تقبل المطر، وتنبت فيشرب منها الناس الماء ويرعوا منها أنعامهم وتنتج الخيرات بإذن الله.

فقد أخرج البخاري – واللفظ له -، ومسلم في صحيحيهما، والإمام أحمد في المسند، والإمام البغوي في "شرح السنة":

عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:

مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلأ والْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ.

قال الإمام البغوي – رحمه الله -: فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل مثل العالم كمثل المطر، ومثل قلوب الناس فيه، كمثل الأرض في قبول الماء، فشبه من تحمَّل العلم والحديث وتفقَّه فيه بالأرض الطيبة، أصابها المطر فتنبت، وانتفع بها الناس، وشبَّه من تحمَّله ولم يتفقَّه، بالأرض الصُّلبة التي لا تُنبت، ولكنها تُمسك الماء، فيأخذه الناس، وينتفعون به، وشبَّه من لم يفهم، ولم يحمِل بالقيعان التي لا تُنبت، ولا تمسك الماء، فهو الذي لا خير فيه.

قال ابن القيم – رحمه الله – في " إعلام الموقّعين 1/87":

صحة الفهم، وحسن القصد، من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده، بل ما أعطي عبد عطاءً بعد الإسلام أفضل، ولا أجل منهما، بل هما ساقا الإسلام، وقيامه عليهما، وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم، وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم، ويصير من المنعم عليه الذين حسنت أفهامهم وقصودهم، وهم أهل الصراط المستقيم، الذين أمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة، وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد، يميز به بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل..، ويمده حسن القصد وتحري الحق وتقوى الرب في السر والعلانية، ويقطع مادته اتباع الهوى وإيثار الدنيا، وطلب محمدة الخلق، وترك التقوى.أ.هـ

لذلك فقد نص كثير من السلف رضوان الله عليهم على أن من أسس طلب العلم: حسن الفهم.

قال الخطيب البغدادي في الجامع ( 2/174): العلم هو الفهم والدراية، وليس بالإكثار والتوسع في الرواية.

وقال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/124): والذي عليه جماعة فقهاء المسلمين وعلمائهم ذم الإكثار دون تفقه ولا تدبر.

إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ

روى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه قال: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ وَهِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَحَدَّثَنَا فُضَيْلٌ عَنْ هِشَامٍ قَالَ: وَحَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَـالَ:

إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ .

وقال: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنْ عَاصِمٍ الأحْوَلِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ:

لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ قَالُوا سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ.

ورواه أيضا الترمذي في كتاب "العلل" عن ابن سيرين ولفظه:

كَانَ فِي الزَّمَنِ الأوَّلِ لا يَسْأَلُونَ عَنِ الإسْنَادِ فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ سَأَلُوا عَنِ الإسْنَادِ لِكَيْ يَأْخُذُوا حَدِيثَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَيَدَعُوا حَدِيثَ أَهْلِ الْبِدَعِ.












(4)

العلم النافع

ختم الله تعالى سورة جليلة من سور القرآن وهي سورة الصافات ، وقد نفى فيها ضلال المشركين وسوء اعتقادهم ، ونسبتهم إلى الله ما هو منه بريء فقال في آخر السورة :ـ

(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ(180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ(181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182).

ولذلك يلحُّ القرآن على أنَّ الأنبياء هم الأَدِلاَّءُ على ذات الله وصفاته الحقيقية ، التي لا يشوبها جهل ولا ضلال ولا سوء فهم، ولا سوء تعبير ، ولا سبيل إلى معرفة الله تعالى الصحيحة إلاّ ما كان عن طريقهم، لا يستقل بها العقل ، ولا يغني فيها الذكاء، ولا تكفي سلامة الفطرة ، وحدة الذهن والإغراق في القياس ، والغنى في التجارب 0 وقد ذكر الله تعالى هذه الحقيقة الناصعة على لسان أهل الجنة وهم أهل الصدق وأهل التجربة 0 وقد أعلنوا ذلك في مقام صدق : (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ (43) ( سورة الأعراف : 43 ) 0 وقرنوا هذا الاعتراف والتقرير بقولهم :ـ


لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ


فدلَّ على أنَّ الرسل وبعثتهم هي التي تمكنوا بها من معرفة الله تعالى، وعلم مرضاته وأحكامه والعمل بها : يعني ذلك باختصار (العلم النافع) الذي تمكنوا به من الدخول في الجنة والوصول إلى دار النعيم0

وتكفَّل الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وانفردوا بالعلم النافع ، وقد حكى الله تعالى قصة الأمم التي غلب عليها الزهو والتيه واستصغرت شأن الأنبياء والمبعوثين في عصرها ، الذين اشتهروا بامتياز في علوم من العلوم السائدة ، فقال في سورة غافر: (( فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون(83)0

والعلم النافع الذي ينشره الأنبياء بين الناس ، والعقيدة التي يدعون إليها ، والدعوة التي يقومون بها ، لا تنبع من ذكائهم ، أو حميتهم ، أو تألّمهم بالوضع المزري الذي يعيشون فيه ، أو من شعورهم الدقيق الحسِّاس، وقلبهم الرقيق الفياض ، أو تجاربهم الواسعة الحكيمة ، لا شيء من ذلك ، إنَّما مصدره الوحي والرسالة التي يصطفون لها ويكرمون بها ، فلا يقاسون أبداً على الحكماء أو الزعماء أو المصلحين وجميع أصناف القادة التي جربتهم البشرية وتاريخ الإصلاح (1) 0

لذلك كان قول الله تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم في سورة الشورى:ـ

( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(52). قال الشنقيطي رحمه الله تعالى : والضمير في قوله تعالى :ـ (وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا) راجع إلى القرآن العظيم المذكور في قوله :ـ (رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) ، وقوله:ـ (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ ) ومعنى هذا : ولكن جعلنا هذا القرآن العظيم نوراً نهدي به من نشاء هدايته من عبادنا 0 وسُمِيَ القرآن نوراً لأنه يضيء الحق ويزيل ظلمات الجهل والشك والشرك كقوله تعالى في سورة النساء:ـ (يا أَيُّهَا النَّاسُ قد جاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوْرَاً مُبِيْناً). وقوله تعالى في سورة الأعراف:ـ ( واتَّبِعُوا النُّوْرَ الَّذِي أَنْزَلْنَا مَعَهُ). فيجب على كلِّ مسلمٍ أن يستضيء بنور القرآن ، فيعتقد عقائده ، ويحلُّ حلاله ، ويُحرِّمُ حرامه ، ويمتثلُ أوامره ، ويجتنب ما نهى عنه ، ويعتبر بقصصه وأمثاله 0











(5)

الصراط المستقيم

قال تعالى في سورة الأنعام:

(( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(153)0

وقال تعالى في السورة:

( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأْ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(39) 0

حَّـدثَ أبوسلمة بـن عبدالرحمن بن عوف قال :ـ سألت عائشة أم المؤمنين : بأي شيءٍ كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا قام من الليل ؟ قالت : كان إذا قام من الليل افتتح صلاته : اللهم ربَّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون0 اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم0

قال ابن القيم رحمه الله تعالى :ـ

(( ولا تكون الطرق صراطاً )) حتى تتضمن خمسة أمور:ـ

1) الاستقامة 0

2) الإيصال إلى المقصود 0

3) القُـرب 0

4) سعته للمارين عليه 0

  1. وتعينه طريقاً للمقصود (2) اهـ 0

ثم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم خطَّ خطوطاً أخرى عن يمين الخط وعن شماله، وقال :

(( هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه )) 0

قلت:وكأني بالخط المستقيم أرى الخطوط متعوجة متعرجة ، لا تأتي بالمقصود ، غاياتها بعيدة المنال ، بعيدة عن الجنة ، ضيقة حشرة ، متفرقة، مظلمة 0

ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم، قوله تعالى :ـ

(( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا))،

((فَاتَّبِعُوهُ )) على التعقيب

((وَلاَ تَتَّبِعُوا )) تأكيداً لأمره

((السُّبُلَ)) 000 ضد الصراط المستقيم

((فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ )) 000 نتائج الضد

((ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) 0

الفائدة وما دلَّ عليه فعل النبي صلى الله عليه وسلم تفسيره الآية :

01 الوقوف على (العـودة إلـى ) هذا الخط الذي رسمه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وأمته من بعدهم ، وهو صراط الله المستقيم 0((ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) 0

02 اتباع الخط اتباعاً يشبه تماماً اتباع الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عنهم للنبي صلى الله عليه وسلم 0

03 اتباع هذا الخط المرسوم من غير التفات إلى أدنى همسة مخالفة تخرج من شيطان رجيم 0

04 التبرُّء من التبعية لغير الله تعالى 0

05 التبرُّء من الابتداع أو العمل خلاف سنة النبي صلى الله عليه وسلم0

06 أنَّ الميل عن الخط المستقيم يعني : التفرُّق والانزلاق والوقوع في المهالك 0

07 الانتباه إلى هذه الوصية 0

08 أنّ الصراط المستقيم هو سبيل المتقين 0

وقال تعالى في سورة البقرة:ـ ((ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2)0

فمخالفة أمـر الله تعالـى والانحراف عن هذا الخط الذي رسمه لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال :ـ (( يا أيها الناس إنَّما أنا رحمة مُهْداة ))، يعني : انتهاج مسالك أهل الخلاف على الله وعلى رسوله ، والابتعاد عن جادة التقوى التي وصَّاكم رب العالمين اتخاذ أسباب التعقل فيها، وأنه لعلكم تذكرون 0 فالتذكير نافع في حقِّ من تعقَّل واعتبر وعلم أنَّ مخالفة الصراط المستقيم الوقوع في عذاب أليم في الدنيا والآخرة أعاذني الله تعالى وإياكم منه0

قال الله تعالى في سورة الأنعام:ـ ((قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ(65) 0

أخرج البخاري وغيره عن جابر بن عبدالله قال : لما نزلت هذه الآية:ـ

(( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ )) ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :ـ أعوذ بوجهك ، (( أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ))، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :ـ (( هذه أهون ، أو أيسر ))0

وأخرج البخاري، ومسلم في صحيحيهما عن جرير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : (( استنصت الناس ، ثم قال :ـ (( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض )) 0

أي: تفعلون فعل الكفَّار في قتل بعضكم بعضاً ، قاله فضيل بن عياض وأيَّده النووي، وهو عندي والله أعلم أولى الأقوال بالصواب ، وفي الحديث : (( سَبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ وقِتَالُهُ كُفْرٌ )) 0




















(6)

صراط المرسلين

السنة كلَها داخلة في العمل بكتاب الله العزيز لقوله تعالى في سورة الحشر:ـ

(وَمَا آتاكُمُ الرَّسُوْلُ فَخُذُوْهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) .

وقال سبحانه وتعالى في سورة التوبة :ـ ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُوْلَهُ بِالْهُدَى وِدينِ الحَقِّ ) 0

قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ : فالهدى هو العلم النافع ودين الحق هو العمل الصالح 0 وهكذا قالت الجنُّ : (( يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ )) في الاعتقادات (( وإِلَى طَرِيْقٍ مُسْتَقِيْم )) أي في العمليات 0

لقد أمر الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ، كما أمر من قبله الأنبياء والرسل، دعوة الناس إلى ربهم 0 ففي سورة الحج قال : ( وادْعُ إلى سَبِيْلِ رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدَىً مُسْتَقِيْم ) ( الآية : 67 ) 0 وامتثل صلى الله عليه وسلم لأمر الله فكان منه قوله تعالى في سورة المؤمنون : ( وإنَّكَ لَتَدْعُوْهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيْم(73)(وإنَّ الَّذِيْنَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لنَاَكِبُون(74).

وكان منه أيضاً الذي تقدم قوله تعالى في سورة الشورى :ـ ( وإنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيْم (52) صِرَاطَ اللهِ الَّذِي لُهُ مَا فِيْ السَّماوَاتِ وَمَا في الأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تَصِيْرُ الأُمُور (53)0

وأول الذي بدأ به إبراهيم عليه السلام دعوته ، قوله تعالى في سورة مريم :ـ (إذْ قَالَ لأَبِيْهِ يَا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئَاً (42) يَا أبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مَنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صَرَاطاً سَوِيّاً (43).

فالهدي يأتي في القرآن بمعناه العام الذي هو البيان والدلالة والإرشاد، ولا ينافي أنَ الهدي قد يُطْلَقُ في القرآن في بعض المواضع على الهـدى الخـاص الذي هـو التوفيق والاصطفاء ، كقوله تعالى في سورة القصص :ـ (( إنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ )) ( الآية: 56 ) 0 وقوله تعالى في سورة الشورى :ـ (( وَلكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوْرَاً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا )) ـ ( الآية :52).

فالهدي المُثْبَتِ له صلى الله عليه وسلم ، ولغيره من الأنبياء ، هو الهدى العام الذي هو البيان والدلالة والإرشاد ، وقد فعل ذلك صلى الله عليه وسلم ، فبيّنَ المحجَّة البيضاء حتى تركها ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلاّ هالك 0

والصراط في لغة العرب : الطريق الواضح والمستقيم الذي لا اعوجاج فيه 0 وقد بيَّنه الله تعالى في سورة الفاتحة :ـ (( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ(7)0

كما بيَّن تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم على منهج ودين قويم وشرع مستقيم وهو الإسلام ، فقال في سورة يس : (( إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسِلِيْنَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيْم (4) ـ الآيتان 3 ، 4) ، أي : وأنت من هؤلاء الذين قد ثبت لهم أنهم على الصراط المستقيم 0 ولقوله تعالى في سورة الصافات في حقِّ موسى وهارون عليهما السلام :ـ (( وَهَدَيْنَاهُمَا الْصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمْ )) ( الآية: 118)0

فيكون بما أرشد إليه القسم والتأكيد في قوله تعالى :ـ (( يَـس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيْم (2) ـ (الآيتان 1، 2 من سورة يس ) ، للتعظيم ، والمعنى: أنهم قد ثبت لهم هذا الوصف العظيم ـ وأنت منهم ـ بما شاركتهم فيه من الأدلَّة فليس لأحد أن يخصَّك من بينهم بالتكذيب 0

وثبت هذا الوصف في حق إبراهيم عليه السلام ، فقال تعالى في سورة النحل :ـ ( إِنَّ إِبْرَاهِيْمَ كاَنَ أُمَّةً قَانِتَاً ِللهِ حَنِيْفَاً وَلِمْ يَكُ مَنَ الْمُشْرِكِيْنَ ( 120) شَاكِرَاً لأَِنْعُمِهِ اِجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صَرَاطٍ مُسْتَقِيْم ).

وقال تعالى في سورة الأنعام :ـ ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوْبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوْحَاً هَدَيْنَا مَنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُوْبَ وَيُوْسُفَ وَمُوْسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِيْنَ ( 84 ) وَزَكرِيَا وَيَحْيَى وَعِيْسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مَنَ الْصَالِحِيْن(85) وَإِسْمَاعِيْلَ وَالْيَسَعَ وَيُوْنُسَ وَلُوْطَاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِيْنَ ( 86 ) وَمَنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاِجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إلَى صَرَاطٍ مُسْتِقِيْم (87)0

فكان مطلع سورة إبراهيم في القرآن العظيم :ـ (أَلر (1) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الْنَّاسَ مَنَ الْظُلُمَاتِ إِلَى الْنُورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صَرَاطِ الْعَزِيْزِ الْحَمِيْدِ (2) 0

أخرج الإمام أحمد والترمذي وحسَّنه ، والنسائي، وإبن جرير، والآجري ، والبيهقي في شُعَبِ الإيمان ، والحاكم ، وصحَّحه وعزاه السيوطي في الدُّرِ المنثور 1/39 لابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه وهو في "المشكاة" (191) و"صحيح الجامع" ( 3887 ) عن النواس بن سمعان ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :ـ

( ضرب الله تعالى مثلاً صراطاً مستقيماً ، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة ، وعلى الأبواب ستور مرخاة ، وعلى باب الصراط داع يقول : يا أيها الناس ‍‍‍‍‍، ادخلوا الصراط جميعاً ولا تتعوجوا ، وداع من فوق الصراط ، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه ، فإنَّك إن تفتحه تلجه ، فالصراط الإسلام ، والسوران حدود الله تعالى، والأبواب المفتحة محارم الله تعالى ، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله ، والداعي من فوق واعظ الله في قلب كل مسلم )0





















(7)

محمد صلى الله عليه وسلم مأمور باتباع ما أوحي إليه

الاتباع: اقتفاء الأثر، يقال: تبعه واتَّبعه، فتارة يكون بالجسم نحو: تبعته في الطريق، واتبعته فيها. وتارة بالامتثال.

وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم باتباع ما أوحى إليه فقال في آخر سورة يونس (10/مصحف، 51/تنزيل ): (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ(109). قال ابن كثير: أي تمسك بما أنزل الله عليك وأوحاه إليك واصبر على مخالفة من خالفك من الناس (حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ) أي: يفتح بينك وبينهم، (وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) أي: خير الفاتحين بعدله وحكمته.

وقال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

(وَاتَّبِعْ) أيها الرسول (مَا يُوحَى إِلَيْكَ) علماً، وعملاً، وحالاً، ودعوةً إليه، (وَاصْبِرْ) على ذلك فإن هذا أعلى أنواع الصبر، وأن عاقبته حميدة، فلا تكسل، ولا تضجر، بل دم على ذلك واثبت.

قلت: فلله الحمد والمنَّة، فاتباع النبي صلى الله عليه وسلم ليس بالأمر السهل الذي يتصوره البعض إن لم يتبع بالبصيرة في منهج الله في تعبده والتذلل له بالطاعة، فهو منهج الحق ومنهج الأنبياء ومنهج السلف الصالح الذين اتبعوا بإحسان، وإلا فمن أين له الثبات إن لم يكن صبوراً على اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، صبوراً على ما يلقى من المكذبين والمبتدعة في الدين لأن عاقبة ذلك النصر المبين، إن شاء الله رب العالمين. لذا ختم الله تعالى الآية بقوله: (حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ).قال السعدي: أي: حتى يحكم بينك وبين من كذبك، فإن حكمه مشتمل على العدل التام، والقسط الذي يحمد عليه، وقد امتثل صلى الله عليه وسلم أمر ربه وثبت على الصراط المستقيم، حتى أظهر الله دينه على سائر الأديان، ونصره على أعدائه بالسيف والسنان بعد ما نصره عليهم بالحجة والبرهان.

وللبقاعي في "نظم الدرر" لفتة لطيفة: قال ـ رحمه الله ـ:

أعلمت هذه الآية أن من اتبع الوحي ابتلي بما ينبغي الصبر عليه، وأفهمت أن من كان له أشد اتباعاً كان أشد بلاء.

وفي سورة الأنعام (6/مصحف، 55/تنزيل ) قال الله تعالى: (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ(106). قال ابن كثير: أي اقتد به واقتف أثره واعمل به، فإن ما أوحي إليك من ربك هو الحق الذي لا مرية فيه لأنه لا إله إلا هو.

وقال تعالى في سورة الجاثية (45/مصحف، 65/تنزيل): (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ(18).

وقال تعالى في سورة الأحزاب وهي سورة مدنية (33/مصحف، 90/تنزيل): (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا(1) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا(2). قال ابن كثير: هذا تنبيه بالأعلى على الأدنى فإنه تعالى إذا كان يأمر عبده ورسوله بهذا فلأن يأتمر من دونه بذلك بطريق الأولى والأحرى، وقد قال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله مخافة عذاب الله.

وقوله تعالى: (وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) أي: لا تسمع منهم ولا تستشرهم. (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) أي: فهو أحق أن تتبع أوامره وتطيعه فإنه عليم بعواقب الأمور، حكيم في أقواله وأفعاله.

ولهذا قال تعالى:( وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) أي: القرآن والسنة.

قال الإمام الشافعي في " الرسالة ": ولا يخفى على العاقل أن في أمر الله نبيَّه باتباع ما أوحى إليه أمراً لنا.






(8)

معنى قوله سبحانه وتعالى في سورة المزمل:

(إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً).

1/ الثقل أثناء نزول الوحي على الملائكة.

أخرج أبو داود في "سننه"، وابن خزيمة في "التوحيد"، والبيهقي في "الأسماء والصفات" وذكره شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ في الصحيحة (1293) وقال: إسناده صحيح على شرط الشيخين، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:

(إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ لِلسَّمَاءِ صَلْصَلَةً كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفَا، فَيُصْعَقُونَ فَلا يَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ جِبْرِيلُ، حَتَّى إِذَا جَاءَهمْ جِبْرِيلُ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، قَالَ: فَيَقُولُونَ: يَا جِبْرِيلُ مَاذَا قَالَ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: الْحَقَّ، فَيَقُولُونَ: الْحَقَّ الْحَقَّ).

2/ الثقل أثناء نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي الصحيحين وغيرهما ـ واللفظ للبخاري ـ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ(1) وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ فَيُفْصَمُ عَنِّي(2) وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلاً فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ. قَالَتْ عَائِشَةُ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ(3)عَرَقًا.

وأخرج أحمد في "المسند" بإسناد صحيح، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: إِنْ كَانَ لَيُوحَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَتَضْرِبُ بِجِرَانِهَا(4).

وأخرج البخاري في "صحيحه" عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْتُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَأَخْبَرَنَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْلَى عَلَيْهِ "لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" قَالَ فَجَاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهُوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ وَكَانَ رَجُلاً أَعْمَى فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنَّ تَرُضَّ فَخِذِي ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ "غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ".

3/ الثقل بالمعاني العظيمة، والأوصاف الجليلة.

أفاده قوله عز وجل (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ) أي: قريباً بوعد لا خلف فيه فتهيأ لذلك بما يحق له. وما كان بهذا الوصف (ثَقِيلاً) حقيق أن يتهيأ له، ويرتل، ويتفكر فيما يشتمل عليه. قال الفراء: ثقيلاً رزيناً ليس بالخفيف السفساف، لأنه كلام ربنا.

4/ الثقل في التكاليف، فهو ثقيل في فروضه وأحكامه.

أخرج الطبري، وعبد الرزاق في "تفسيره" عن قتادة في قوله تعالى: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً(5) قال: ثقيل والله فرائضه وحدوده. وقال الطبري: إن الله وصفه بأنه قول ثقيل، فهو كما وصفه به ثقيل محمله، ثقيل العمل بحدوده وفرائضه. وقال البقاعي: أي لما فيه من التكاليف الشاقة من جهة حملها وتحميلها للمدعوين، لأنها تضاد الطبع وتخالف النفس. وقال أبو العالية: ثقيلاً بالوعد والوعيد والحلال والحرام.

وفي الصحيحين، وغيرهما، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لَيْسَ صَلاةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ الْمُؤَذِّنَ فَيُقِيمَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً يَؤُمُّ النَّاسَ، ثُمَّ آخُذَ شُعَلاً مِنْ نَارٍ فَأُحَرِّقَ عَلَى مَنْ لا يَخْرُجُ إِلَى الصَّلاةِ بَعْدُ.

قال الشنقيطي: فهو ثقيل من جانب تكاليفه، فقد ثقلت على السماوات والأرض والجبال وأشفقن منها كما هو معلوم.

وقال ـ رحمه الله ـ: وقد بيَّن الله تعالى أن هذا الثقل قد يخففه الله على المؤمنين كما في الصلاة في قوله: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ(45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(46). فالقرآن خفيف على المؤمنين محبب إليهم.

5/ الثقل في الأجر والثواب.

أخرج الطبري، ونقله البغوي في "تفسيره" وابن كثير، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قوله: هو والله ثقيل مبارك، كما ثقل في الدنيا ثقل في الموازين يوم القيامة. ونقل البغوي أيضاً عن الحسين بن الفضل قوله: قولاً خفيفاً على اللسان ثقيلاً في الميزان.

وفي الصحيحين، وعند الترمذي، وابن ماجه، وأحمد، وغيرهم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:

( كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ ).

وأخرج الترمذي حديث البطاقة عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلاً، كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ. ثُمَّ يَقُولُ أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ فَيَقُولُ: لا يَا رَبِّ فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ فَيَقُولُ: لا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً فَإِنَّهُ لا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلاَّتِ، فَقَالَ: إِنَّكَ لا تُظْلَمُ قَالَ: فَتُوضَعُ السِّجِلاَّتُ فِي كَفَّةٍ، وَالْبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ، فَطَاشَتْ السِّجِلاَّتُ وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَةُ، فَلا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ.

6/ الثقل على الكفار والمنافقين والمبتدعة.

قال الحسين بن الفضل كما نقله الشوكاني في "فتح القدير": ثقيلاً لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق، ونفس مزينة بالتوحيد. وقال البقاعي في "نظم الدرر": هو ثقيل على المخالف من جهة أنه لا يقدر على رده ولا يتمكن من طعن فيه بوجه.

قلت: فالقرآن ثقيل بحججه على الكفار، ثقيل بحججه على المنافقين، ثقيل بحججه على المبتدعة في الدين.





















(9)

عقيدة التوحيد في دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم

إذا تأملنا القرآن الكريم، وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، في الدعوة، نصل إلى حقيقة واضحة كل الوضوح وهي:

* أن غالب آيات القرآن الكريم جاءت في تقرير عقيدة التوحيد، توحيد الإلهية والربوبية والأسماء والصفات، والدعوة إلى إخلاص العبادة والدين لله وحده لا شريك له، وتثبيت أصول الاعتقاد ( الإيمان والإسلام ).

* أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قضى غالب وقته ـ بعد النبوة ـ في تقرير الاعتقاد والدعوة إلى توحيد الله تعالى بالعبادة والطاعة، وهذا هو مقتضى (لا إله إلا الله محمد رسول الله).

فالدعوة إلى العقيدة تأصيلا وتصحيحا شملت الجزء الأكبر من جهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ووقته في عهد النبوة.

وإليك بيان ذلك:

1/ أن الرسول صلى الله عليه وسلم، قضى ثلاثاً وعشرين سنة في الدعوة إلى الله ـ في عهد النبـوة ـ منها ثلاثة عشرة سنة في مكة، جلها كانت في الدعوة إلى تحقيق ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) أي الدعوة إلى توحيد الله تعالى بالعبادة والإلهية وحده لا شريك له، ونبذ الشرك وعبادة الأوثان وسائر الوسطاء، ونبذ البدع والمعتقدات الفاسدة.

ومنها عشر سنين في المدينة، وكانت موزعة بين تشريع الأحكام، وتثبيت العقيدة، والحفاظ عليها، وحمايتها من الشبهات، والجهاد في سبيلها، أي أن أغلبها في تقرير عقيدة التوحيد وأصول الدين، ومن ذلك مجادلة أهل الكتاب، وبيان بطلان معتقداتهم المحرفة. والتصدي لشبهاتهم وشبهات المنافقين، وصد كيدهم للإسلام والمسلمين، وكل هذا في حماية العقيدة قبل كل شيء.

فأي دعوة لا تولي أمر العقيدة من الاهتمام كما أولاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ علماً وعملاً ـ فهي ناقصة.

2/ إن الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما قاتل الناس على العقيدة (عقيدة التوحيد) حتى يكون الدين لله وحده، تلك العقيدة المتمثلة في شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمـداً رسول الله، على الرغم أن سائر المفاسد والشرور كانت سائدة في ذلك الوقت، ومع ذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم، جعل الغاية من قتال الناس تحقيق التوحيد، وأركان الإسلام، فقد قال صلى الله عليه وسلم ـ كما في الصحيحين وغيرهما ـ: (أمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّ الإسْلامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ).

وهذا لا يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يبال بالأمور الأخرى، من الدعوة إلى الفضائل والأخلاق الحميدة، من ( البر والصلة والصدق والوفاء والأمانة ). وترك ضدها من ( الآثام والكبائر كالربا والزنا والظلم وقطيعة الرحم). وحاشاه ذلك، لكنه جعلها في مرتبة بعد أصول الاعتقاد، لأنه يعلم وهو القدوة، صلى الله عليه وسلم، أن

الناس إذا استقاموا على دين الله وأخلصوا له الطاعة والعبادة، حسنت نيتهم وأعمالهم، وفعلوا الخيرات واجتنبوا المنهيات بالجملة، وأمروا بالمعروف حتى يسود بينهم ويظهر، ونهوا عن المنكر حتى لا يظهر ولا يسود.

إذن فمدار الخير على صلاح العقيدة، فإذا صلحت استقام الناس، على الحق والخير، وإذا فسدت فسدت أحوال الناس، واستحكمت فيهم الأهواء والآثام، وسهلت عليهم المنكرات، وإلى هذا يشير الحديث الذي أخرجه الشيخان، وابن ماجه، والدارمي، عن النبي صلى الله عليه وسلم:

( ..أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ).

فالرسول صلى الله عليه وسلم، بالإضافة إلى كونه دعا إلى إخلاص الدين لله، وقاتل الناس حتى يشهدوا بكلمة الإخلاص، فإنه صلى الله عليه وسلم، كان يدعو إلى جميع الأخلاق الفاضلة، جملةً وتفصيلا، وينهى عن ضدها، جملةً وتفصيلا.

وكما اهتم صلى الله عليه وسلم بإصلاح الدين، كان يعمل على إصلاح دنيا الناس، إنما كان ذلك كله في مرتبة دون الاهتمام بأمر التوحيد وإخلاص الدين لله وحده، وهذا ما يجهله أو يتجاهله المنازع في هذه المسألة.

3/ فإذا تأملنا القرآن الكريم، المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، رحمة للعالمين ومنهاجاً للمسلمين إلى يوم الدين، وجدنا أن أغلبه في تقرير العقيدة وتقرير أصولها، وتحرير العبادة والطاعة لله وحده لا شريك له، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن أول شيء نزل في القرآن وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم، أن يفعله هو أن يكبر الله ـ تعالى ـ ويعظمه وحده، وأن ينذر الناس من الشرك، وأن يتطهر من الآثام والذنوب وغيرها، ويهجر ما هم عليه من عبادة الأصنام، ويصبر على ذلك كله.

قال تعالى في سورة المدثر: ( يا أيها الْمُدَّثِّرُ(1)قُمْ فَأَنذِرْ(2)وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ(3)وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ(4)وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ(5)وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ(6)وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ(7).

ثم استمر القرآن الكريم، يتنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، سائر العهد المكي، لتثبيت العقيدة وتقريرها، والدعوة إلى إخلاص العبادة والدين لله وحده، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم.

لذلك نجد أن أغلب آيات القرآن الكريم في العقيدة: إما بصريح العبارة، وإما بالإشارة، حيث أن معظم القرآن جاء في تقرير توحيد الإلهية وإخلاص العبادة لله وحده، وتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، وأصول الإيمان والإسلام، وأمور الغيب والقدر خيره وشره، واليوم الآخر، والجنة وأهلها ونعيمها، والنار وأهلها وعذابها، ( الوعد والوعيد)، وأصول العقيدة تدور على هذه الأمور.

وقد ذكر العلماء ومنهم: ابن تيمية وابن حجر العسقلاني رحمهما الله، أن القرآن: ثلث أحكام، وثلث أخبار، وثلث توحيد، وهذا ما فسروا به قول النبي صلى الله عليه وسلم: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ) متفق عليه. فإن (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) اشتملت على أعظم التوحيد والتنزيه لله تعالى.

وآيات الأحكام لا تخلوا من ذكر للعقيدة وأصول الدين، وذلك من خلال ذكر أسماء الله وصفاته، وطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وذكر حكم التشريع....ونحو ذلك.

وكذلك آيات الأخبار والقصص أغلبها في الإيمان والاعتقاد، وذلك من خلال أخبار المغيبات والوعيد واليوم الآخر ونحو ذلك.

وبهذا يتحقق القول: بأن القرآن الكريم وهو الهادي إلى التي هي أقوم إلى يوم القيامة، غالب آياته في تقرير العقيدة والدعوة إليها والدفاع عنها والجهاد في سبيلها. وبهذا نصل إلى نتيجة بينة هي:

أنه على الدعاة الذين جعلوا القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم هديهم، أن يدركوا هذه الحقيقة من القرآن والسنة، ويعملوا بها، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، والله الهادي إلى سواء السبيل.
















(10)

الفقيه الرباني

أخرج الخطيب البغدادي في كتابه ـ الفقيه والمتفقه ـ (1/53) عن أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري قال: الفقه في اللغة: الفهم، يقال: فلان لا يفقه قولي. قال الله تعالى في سورة الإسراء: (..وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُـونَ تَسْبِيحَهُمْ..(44) أي لا تفهمونه. ثم يقال للعلم الفقه لأنه عن الفهم يكون، وللعالم فقيه، لأنه إنما يعلم بفهمه، على مذهب العرب في تسمية الشيء بما كان له سببا.

وقال تعالى في سورة التوبة (..لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ..(122).

قال الشيخ أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف " بالسمين الحلبي " في كتابه عمدة الحفاظ (4/245): أي يطلبون أن يُفَقَّهوا دين الله. وأصل الفقه: الفهم.

قال الإمام ابن حزم ـ رحمه الله ـ:

فرض على كل جماعة مجتمعة في قرية أو مدينة أو حصن، أن ينتدب منهم من يطلب جميع أحكام الديانة أولها عن آخرها، ويتعلم القرآن كله، وما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث الأحكام..الخ، ثم يقوم بتعليمهم، فإن لم يجدوا في محلتهم من يفقههم في ذلك كله، ففرض عليهم الرحيل إلى حيث يجدون العلماء المجتهدين في صنوف العلم، وإن بعدت ديارهم، وإن كانوا بالصين.أ.هـ

وكان مالك بن أنس يقول(1): لا ينبغي لأحد يكون عنده العلم أن يترك التعلُّم. وقال القعنبيُّ كما في "سير أعلام النبلاء" (8/108): سمعت مالكا يقول: كان الرجل يختلف إلى الرجل ثلاثين سنة يتعلم منه. وفي كتاب حلية الأولياء (6/320): وقال نافع بن عبد الله: جالست مالكا أربعين سنة ـ أو قال: خمساًوثلاثين سنة ـ كل يوم أبكِّر، وأهجِّر، وأروح.


وفي كتاب الثقات لابن حبان (8/218): وكان حامد بن يحيى البلخي ممن أفنى عمره بمجالسة ابن عيينة.

وقالوا: من لم يحتمل ذلَّ التعليم ساعة، بقي في ذلِّ الجهل أبداً.

ونقل جلال الدين السيوطي ـ رحمه الله ـ في كتابه إسعاف المبطأ برجـال الموطأ (صفحة 4): عن شعبة بن الحجاج أنه قال: كان مالك أحد المُمَيَّزين، ولقد سمعته يقول: ليس كل الناس يكتب عنهم، وإن كان لهم فضل في أنفسهم، إنما هي أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تؤخذ إلا من أهلها.

وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: لقد أدركت بالمدينة أقواماً لو استسقى بهم القطر لسقوا، وقد سمعوا من العلم والحديث شيئا كثيرا، وما أخذت عن واحد منهم، وذلك أنهم كانوا قد ألزموا أنفسهم خوف الله والزهد، وهذا الشأن يعني الحديث والفتيا يحتاج إلى رجل معه تقى، وورع، وصيانة، واتقان، وعلم، وفهم، ويعلم ما يخرج من رأسه وما يصل إليه غداً يوم القيامة، فأما الزهد بلا اتقان ولا معرفة فلا ينتفع به، وليس هو بحجة ولا يحمل عنهم العلم.

وقال ابن وهب أيضا: نظر مالك إلى العطان بن خالد فقال: بلغني أنكم تأخذون من هذا! فقلت: بلى، فقال: ما كنا نأخذ الحديث إلا من الفقهاء.

وقال معن بن عيسى: سمعت مالكا يقول: كم أخ لي بالمدينة أرجو دعوته، ولا أجيز شهادته.

وقال جعفر الفريابي: كان من مذهب مالك، التقصي والبحث عمن يحمل عنه العلم، ويسمع منه.

وقال ابن كنانة: قال مالك: من جعل التمييز رأس ماله عدم الخسران، وكان على زيادة.

وقال قراد أبو نوح: ذكر مالك شيئا، فقيل له: من حدثك؟ قال ما كنا نجالس السفهاء.

وقال المناوي يشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم (البركة مع أكابركم ) قال: البركة مع أكابركم المجربين للأمور، المحافظين على تكثير الأجور، فجالسوهم لتقتدوا برأيهم، وتهتدوا بهديهم، أو المراد: من له منصب العلم، وإن صغر سنه، فيجب إجلالهم حفظا لحرمة ما منحهم الحق سبحانه.

وقال اسحاق بن محمد الفروي(1): سئل مالك أيؤخذ العلم عمن ليس له طلب ولا مجالسة، فقال: لا، فقيل: أيؤخذ ممن هو صحيح ثقة غير أنه لا يحفظ ولا يفهم ما يحدث، فقال: لا يكتب العلم إلا ممن يحفظ، ويكون طلب، وجالس الناس، وعرف، وعمل، ويكون معه ورع.

وقال معن بن عيسى: كنت أسأل مالكا عن الحديث، وأكرر عليه أسماء الرجال، فأقول لم تركت فلانا، وكتبت عن فلان، فيقول لي: لو كتبت عن كل من سمعت لكان هذا البيت ملآنا كتبا. يا معن اختر لدينك ولا تكتب في ورقك إلا من تحتج به، ولا يحتج به عليك.

قال تعالى في سورة آل عمران:

( .. وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ(79).

أخرج الخطيب البغدادي ـ رحمه الله ـ في كتابه الفقيه والمتفقه (1/51): عن محمـد ابن عبد الواحد قال: سألت ثعلبا عن هذا الحرف ( رباني ) فقال: سألت ابن الأعرابي فقال: إذا كان الرجل عالماً، عاملاً، معلماً، قيل له هذا ربَّاني، فإن حرم عن خصلة منها، لم يقل له ربَّاني.

" فالعالم الربَّاني هو الذي لا زيادة على فضله لفاضل، ولا منزلة فوق منزلته لمجتهد، وقد دخل في الوصف له بأنه ربَّاني وصفه بالصفات التي يقتضيها العلم لأهله، ويمنع وصفه بما خالفها. ومعنى الربَّاني في اللغة: الرفيع الدرجة في العلم العالي المنزلة فيه، وعلى ذلك حملوا قول الله تعالى: (لَوْلا يَنْهَاهُمْ الربَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ) وقوله تعالى: (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ).

وفي تفسير أبي المظَفَّر السمعاني نقل عن سعيد بن جبير قوله: الربَّاني: الفقيه العالم الذي يعمل بعلمه. وقال السمعاني ـ رحمه الله ـ والربَّاني من طريق المعنى: هو أن يكون على دين الرب، وعلى طريق الرب.

وقال مجاهد: الربَّانيون فوق الأحبار، فالأحبار العلماء، والربَّانيون: الذين جمعوا مع العلم البصيرة بسياسة الناس.

فالربانيّ: هو العالم البصير بسياسة الناس؛ فيربيهم على صغار العلم قبل كباره على منهاج النبوة.

وقال ابن كثير في قوله تعالى (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ): أي ولكن يقول الرسول للناس كونوا ربَّانيين، قال ابن عباس وأبو رزين وغير واحد: أي حكماء؛ علماء؛ حلماء.

وقوله تعالى (تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ): قال الضحاك: حق على من تعلم القرآن أن يكون فقيها، وقال ابن كثير: تعلِّمون: أي تفهِّمون، (وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ): أي تحفظون ألفاظه.

















(11)

العلماء ورثة الأنبياء

العلم ميراث النبي كــذا أتـى بالنـص والعـلماء هم ورَّاثه

ما خلَّف المختـار غيرَ حديثــه فينا، فـذاك متـاعه وأثاثـه

أخرج أبو داود في " سننه " وأحمد وغيرهما وهو في الصحيحة رقم: 1784: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:

تَسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ، وَيُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُمْ.

وبذلك يظهر العلم وينتشر ويحصل التبليغ، وهو الميثاق المأخوذ على العلماء.

وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ في كتابه " أعلام الموقعين " (1/10-11):

ولما كان التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلم بما يبلغ، والصدق فيه، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالما بما يبلغ، صادقا فيه، ويكون مع ذلك حسن الطريـقة، مرضي السيرة، عدلاً في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانـية في مدخله ومخرجه وأحواله ، وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب السماوات؟

فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعد له عدته، وأن يتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به، فإن الله ناصره وهاديه.

ثم قال:

وأول من قام بهذا المنصب الشريف سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، عبد الله ورسوله، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده، فكان يفتي عن الله بوحيه المبين، وكان كما قال له أحكم الحاكمين: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ(86) سورة ص .فكانت فتاويه صلى الله عليه وسلم جوامع الأحكام، ومشتملة على فصل الخطاب، وهي في وجوب اتباعها وتحكيمها والتحاكم إليها ثانية الكتاب، وليس لأحد من المسلمين العدول عنها ما وجد إليها سبيلا، وقد أمر الله عباده بالرد إليها حيث يقول: ( .. فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً(59) سورة النساء.

ثم قال:

ثم قام بالفتوى بعده برك(1) الإسلام، وعصابة الإيمان، وعسكر القرآن، وجند الرحمن، أولئك أصحابه صلى الله عليه وسلم، ألين الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأحسنها بياناً، وأصدقها إيماناً، وأعمها نصيحةً، وأقربها إلى الله وسيلةً، وكانوا بين مكثر منها ومقلٍّ ومتوسط.


البركةُ معَ أكابركم،

وإن من أشراط الساعة أن يُلتمس العلمُ عند الأصاغر

أخرج ابن عبد البر في كتاب " العلم وفضله "(2) والبزار في " مسنده " والحاكم في " المستدرك " وغيرهم، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(البركة مع أكابركم).

وأخرج ابن عبد البر أيضاً، وابن المبارك في "الزهد" واللالكائي في " أصول اعتقاد أهل السنة" والطبراني في " الكبير" وغيرهم، وهو في الصحيحة رقم (695)، عن أبي أمية الجمحي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر ).

وذكر أبو عبيد في تأويل هذا الخبر، عن ابن المبارك أنه كان يذهب بالأصاغر إلى أهل البدع، ولا يذهب إلى السِّن.

قلت: وهذا التأويل لابن المبارك ـ رضي الله عنه ـ صحيح دلَّ عليه قول عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه فيما أخرجه: ابن المبارك، وعبد الرزاق في "مصنفه" وأبو نعيـم في " الحلية " واللالكائي: ( لايزال الناس صالحين متماسكين ( بخير ) ما أتاهم العلم من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم، فإذا أتاهم من أصاغرهم هلكوا).

وفي رواية أخرى له، أخرجها ابن عبد البر: ( لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم، فإذا أخذوه عن صغارهم وشرارهم هلكوا).

لذلك كان عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يقول:(ألا إن أصدق القيل: قيل الله، وأحسن الهدي: هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، ألا إن الناس لم يزالوا بخير ما أتاهم العلم عن أكابرهم )(1).

وقال أبو عمر: وقال بعض أهل العلم: إن الصغير المذكور في حديث عمر وما كان مثله من الأحاديث إنما يراد به الذي يُستفتى ولا علم عنده، وإن الكبير هو العالِم في أي شيء كان.

وقال أبو عبيد ـ فيما نقله ابن عبد البر ـ: والذي أرى أنا في الأصاغر أن يؤخذ العلم عمن كان بعد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذاك أخذ العلم عن الأصاغر.

قلت: وليس بين ما قاله أبو عبيد والإمام ابن المبارك فرق، فبعد أن نقل ابن حجر في الفتح (13/291): ما أخرجه أبو عبيد ويعقوب ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود قوله:

( لا يزال الناس مشتملين بخير ما أتاهم العلم من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وأكابرهم، فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم وتفرقت أهواؤهم هلكوا)، قال: وقال أبو عبيدة: معناه أن كل ما جاء عن الصحابة وكبار التابعين لهم بإحسان هو العلم الموروث، وما أحدثه من جاء بعدهم هو المذموم، وكان السلف يفرقون بين العلم والرأي، فيقولون للسنة علم، ولما عداها رأي.أ.هـ





(12)
العلماء حكماء

قال الله تعالى في سورة لقمان: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ..(12).

روى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ ..) أي: الفقه في الإسلام، ولم يكن نبياً ولم يوحَ إليه. وقال ابن كثير يفسر الحكمة في الآية: أي الفهم والعلم والتعبير. وقوله تعالى: (أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ..) أي: أمرناه أن يشكر الله عز وجل على ما أتاه الله، ومنحه، ووهبه من الفضل الذي خصصه به عمن سواه من أبناء جنسه وأهل زمانه.أ.هـ

قلت: فالعالم الحكيم من جمع بين العلم النافع والعمل الصالح، فعلمه من الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة، وعمله مطابق لعلمه، بنى عمله على الإخلاص والسنة بفهم سلف الأمة.

ومن حكمة لقمان أن موعظته كانت على الوجه التالي:

  1. الدعوة إلى الإخلاص لله في العمل وترك الشرك.

  2. الإحسان للوالدين.

  3. الحث على معرفة الرجال بالحق(1).

  4. الدعوة إلى فهم أشرف العلوم الشرعية وهو توحيد الإلهية والأسماء والصفات.

  5. الحث على إقامة الصلاة.

  6. الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

  7. الحث على التخلق بالصبر.

  8. الحث على التخلق بالأخلاق الحميدة.

قال تعالى في سورة لقمان: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنْ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ(12)وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ(13)وَوَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ(14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(15)يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُنْ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الارْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ(16)يَابُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(17) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاتَمْشِ فِي الارْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ(18)وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ(19).

لذلك فمن عَلِمَ العلم النافع، ووفق للعمل بموجبه، فقد أوتي خيراً كثيراً. قال الله تعالى في سورة البقرة: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الالْبَابِ(269). قال ليث بن أبي سليم عن مجاهد(1) في قوله تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ) ليست بالنبوة، ولكنه العلم والفقه والقرآن. وقال أبو العالية في رواية عنه: الحكمة: الكتاب والفهم.

وأخرج الخطيب البغدادي في الفقه والمتفقه(1/29): عن عبد الرحمن بن محمد الزهري، قال: سئل أبو العباس أحمد بن يحيي عن قوله في سورة مريم: (..وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ..(12)، فقال: الحكمة فقه الشيء، قيل له: الكتاب غير الحكمة؟ فقال: لا يكون حكيماً حتى يعلم القرآن والفقه، فإن علم أحدهما لا يقال له حكيم حتى يجمعهما، معناه يعلمهم الكتاب ويعلمهم معانيه.

وأخرج ابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله "(1) عن ابن وهب: قال لي مالك: وذكر قول الله عز وجل في يحيي: (..وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا)(2)، وقوله في عيسى: (..قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ..)(3) وقوله: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ..)(4)، وقوله: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ..)(5)، قال مالك: "الحكمة في هذا كله طاعة الله، والاتباع لها، والفقه في دين الله، والعمل به".

وقال ابن وهب: وسمعت مالكا مرة أخرى يقول: "الذي يقع في قلبي أن الحكمة هي الفقه في دين الله، قال: ومما يبين ذلك أن الرجل تجده عاقلا في أمر الدنيا، ذا نظر فيها، وبصير بها، ولا علم له بدينه، وتجد آخر ضعيفا في أمر الدنيا عالماً بأمر دينه، بصيراً به، يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا، فالحكمة الفقه في دين الله.

وقال ابن وهب: وسمعته يقول: الحكمة والعلم نور يهدي به الله من يشاء، وليس بكثرة المسائل.

وقال ابن ميلق فيما نقله البقاعي في نظم الدرر(15/156): الحكمة: مدارها على إصابة الحق والصواب، في القول والعمل.

وقال ابن كثير: والصحيح أن الحكمة كما قال الجمهور: لا تختص بالنبوَّة بل هي أعم منها، وأعلاها النبوة والرسالة، ولكن لأتباع الأنبياء حظ من الخير على سبيل التبع.أهـ

فقد ورد في الصحيحين وغيرهـما(1) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ـ رَضِي اللَّه عَنْه ـ: قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا .

قلت: ومن حكمة الإمام البخاري ـ رضي الله عنه ـ حين جعل الحديث في كتاب "الاعتصام بالكتاب والسنة"، أراد أن يبيِّنَ أن الحكمة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث هي الفقه في الدين، ولا يتم الفقه في الدين إلا بالتمسك بالكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، علماً وعملاً وتعليماً.

وأخرج الدارمي بإسناد صحيح (1/100) عن أبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ أنه قال:

لَيْسَ هَدِيَّةٌ أَفْضَلَ مِنْ كَلِمَةِ حِكْمَةٍ تُهْدِيهَا لأخِيكَ .

(13)

فضـــل العلماء

روى الترمذي في "سننه"، والطبراني في "الكبير" وصححه الألباني ـ رحمه الله ـ عن أبي أمامة الباهلي ـ رضي الله عنه ـ قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، رجلانِ، أحدهما عابدٌ، والآخر عالِمٌ، فقال صلى الله عليه وسلم: (فضل العالم على العابد، كفضلي على أدناكم). ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله وملائكته، وأهلَ السماوات والأرض حتى النملةَ في جُحْرها، وحتى الحوتَ في البحر، ليُصَلُّون على معلم الناس الخير).

قال أبو عمر ـ يعني ابن عبد البر ـ: الصلاة ههنا: الدعاء والاستغفار.

وفي "السلسلة الصحيحة" (1852) عن أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الخَلْقُ كلهم يصَلُّون على معلم الخير، حتى نينانُ البحر).

وفي "صحيح الجامع" (3753) عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صاحب العلم، يستغفر له كل شيء، حتى الحوتُ في البحر).

وروى أحمد، والطبراني، والحاكم بإسناد صحيح عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليس من أمتي من لم يُجِلَّ كبيرنا، ويَرحمْ صغيرنا، ويعرِفْ لعالِمنا).

ونقل ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" عن أبي الأسود الدؤلي: ( ليس شيء أعَزُّ من العلم، وذلك ان الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك).

وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ في كتابه "إعلام الموقعين عن رب العالمين" (1/10) واصفاً العلماء:

( هم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض من طاعة الأمهات والآباء بنص الكتاب، قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً(59) سورة النساء.

وقالوا كما في "جامع بيان العلم وفضله": ( العلماء في الأرض كالنجوم في السماء، والعلماء أعلام الإسلام، والعالم كالسراج، من مَرَّ به اقتبس منه، ولولا العلم كان الناس كالبهائم).

وقال بعض الحكماء: ( من الدليل على فضيلة العلماء أن الناس تحب طاعتهم ).

ويقال:( مَثَلُ العلماء مَثَل الماء حيث ما سقطوا نفعوا ).

وفي "صحيح جامع بيان العلم وفضله" ( صفحة49):عن ميمون بن مهران ـ رحمه الله ـ:(إن مثل العالم في البلد كمثل عين عذبةٍ في البلد).

وقال ـ رحمه الله ـ: (العلماء هم ضالتي في كل بلد، وهم بغيتي إذا لم أجدهم، وجدت صلاح قلبي في مجالسة العلماء).

وعن أم الدرداء كما في كتاب "مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام" قالت: طلبت العبادة في كل شيء، فما رأيت أشفى من مجالسة العلماء ومذاكرتهم.

وفي كتاب "سير أعلام النبلاء" (10/45): قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: ( أي رجل كان الشافعي فإني سمعتك تكثر من الدعاء له؟، قال: يا بني، كان كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فهل لهذين من خَلَف؟ أو منهما من عَوَض؟.

وقد قيل لعبد الله بن المبارك ـ رضي الله عنه ـ هذه الأحاديث المصنوعة؟! فقال: " يعيش لها الجهابذة".

وفي تذكرة الحفاظ (1/252) عن ابن عُلية قال: ( أخذ هارون الرشيد زنديقا، فأمر بضرب عنقه، فقال له الزنديق: " لِمَ تضرب عنقي؟ " قال له: " أريح العباد منك " قال: فأين أنت من ألف حديث وضعتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها ما فيها حرف نطق به؟! فقال له الرشيد: " فأين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري، وعبد الله بن المبارك ينخلانها نخلاً، فيخرجانها حرفاً حرفاً ".


(14)

منازل العلماء

قال تعالى في سورة الزُمَر:

(..قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ

إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الألْبَابِ(9).

فالآية بمعنى: لا يستوون، ويقال: الذين يعلمون هم المؤمنون، والذين لا يعلمون هم الكفار، ويقال: الذين يعلمون العلماء، والذين لا يعلمون الجهال.

أخرج الترمذي في سننه ـ كتاب الزهد ـ (صحيح الترمذي 2441) عن أبي كَبْشَةَ الأنَّمَارِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " ثَلاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ"، قَالَ:

"مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلاظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا، وَلا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ ـ أَوْ كَلِمَةً نَحْـوَهَا ـ،وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ:فقال:

َ إِنَّمَا الدُّنْيَا لأرْبَعَةِ نَفَرٍ:

عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ.

وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ.

وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ.

وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالاًوَلا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالاً لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ.

كان ابن المبارك ـ رحمه الله ـ يقول: أول العلم النيَّة، ثم الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر.

وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في كتابه " الزهد " (صفحة:441) بإسناد صحيح، عن محمد بن النضر الحارثي قال: كان يقال: أول العلم الإنصات له، ثم الاستماع له، ثم حفظه، ثم العلم به، ثم بثَّه.

وأخرج ابن عبد البر عن سفيان الثوري ـ رحمه الله ـ: قال: ما من عمل أفضل من طلب العلم إذا صحَّت النيَّة. وقال ـ رحمه الله ـ: ما عالجت شيئاً أشدَّ عليَّ من نيَّتي، إنها تقَلَّبُ عليَّ. ويقول يزيد بن هارون: ما عزَّت النيَّة في الحديث إلا لشرفه.

نقل الإمام الذهبي ـ رحمه الله ـ في كتابه: " سير أعلام النبلاء " (13/444) عن أحمد بن جعفر بن سَلْم قال: سمعت الأبَّـار يقول: كنت بالأهواز، فرأيت رجلاً قد حفَّ شارِبه ـ وأظنه قال: قد اشترى كتبا وتعَّين للفتيا ـ فذُكر له أصحاب الحديث، فقال: ليسوا بشيء، وليس يسوون شيئاً. فقلت: أنت لا تحسن تصلِّي. قال: أنا؟ قلت: نعم، أيْش تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتحت ورفعت يديك؟ فسكت، فقلت له: أيْش تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وضعت يديك على ركبتيك؟ فسكت، قلت: فما تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجدت؟ فسكت، فقلت: ألم أقل: إنك لا تُحسن تُصلِّي؟ فلا تذكر أصحاب الحديث.













(15)

طلب العلم الشرعي من الجهاد في سبيل الله

قال تعالى في سورة العنكبوت:

(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا

وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69).

قال أبو الدرداء ـ رضي الله عنه ـ فيما نقله ابن عبد البر ـ رحمه الله ـ في " جامع بيان العلم وفضله ":

"من رأى الغدوَ والرَّواحَ إلى العلم ليس بجهادٍ فقد نقص عقله ورأيه".

ويفسر هذا القول ابن القيم في كتابه الماتع " زاد المعاد في هدي خير العباد " (3/6) فيقول ـ رحمه الله ـ:

( ولما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعاً على جهاد العبد نفسَه في ذات الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هَجَر ما نهى الله عنه). كان جهاد النَّفْس مقدَّما على جهاد العدوّ في الخارج وأصلاً له، فإنه من لم يجاهد نفسه أولاً لتفعل ما أمِرَت به وتترك ما نُهيَت عنه ويحاربها في الله، لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، فكيف يمكنه جهاد عدوه والانتصاف منه، وعدوُّه الذي بين جنبيه قاهر له، متسلط عليه، لم يجاهده ولم يحاربه في الله؟! بل لا يمكنه الخروج إلى عدوه حتى يجاهد نفسه على الخروج.

فهذان عدوان قد امتُحِن العبد بجهادهما، وبينهما عدو ثالث، لا يمكنه جهادهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يثبط العبد عن جهادهما ويخذِله ويُرجف به، ولا يزال يخيل له ما في جهادهما من المشاق وترك الحظوظ، وفوت اللذات والمشتهيات، ولا يمكنه أن يجاهد ذينك العدوَّين إلا بجهاده، فكان جهاده هو الأصل لجهادهما، وهو الشيطان، قال تعالى في سورة فاطر: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا..(6). والأمر باتخاذه عدوَّا تنبيه على استفراغ الوسع في محاربته ومجاهدته، كأنه لا يفْتُر ولا يقَصِّر عن محاربة العبد على عدد الأنفاس.

ثم قال ـ رحمه الله ـ(3/9): إذا عرف هذا فالجهاد أربع مراتب: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين.

فجهاد النفس أربع مراتب أيضاً:

إحداها: أن يجاهدها على تعلم الهدى، ودين الحق الذي لا فلاح لها، ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، وما فاتها علمُه شقيت في الدارين.

الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها.

الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه، وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفعه علمه، ولا ينجيه من عذاب الله.

الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله، وأذى الخلق، ويتحمل ذلك كله لله.

فإذا استكمل هذه المراتب الأربع، صار من الرَّبَّانيين، فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى ربَّانيَّا حتى يعرف الحق، ويعمل به، ويعلمه، فمن علم وعمل وعلَّم فذاك يدعى عظيما في ملكوت السماوات.أ.هـ

ثم تكلم ـ رحمه الله ـ عن جهاد الشيطان، وجهاد الكفار والمنافقين ثم قال:

( ولا يتم الجهاد إلا بالهجرة، ولا الهجرة والجهاد إلا بالإيمان، والراجون رحمة الله هم الذين قاموا بهذه الثلاثة. قال تعالى في سورة البقرة: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(218). وكما أن الإيمان فرض على كل أحد، ففرض عليه هجرتان في كل وقت: هجرة إلى الله عز وجل بالتوحيد، والإخلاص والإنابة، والتوكل، والخوف، والرجاء، والمحبة، والتوبة، وهجرة إلى رسوله بالمتابعة، والانقياد لأمره، والتصديق بخبره، وتقديم أمره وخبره على أمر غيره وخبره: فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ .

وفرض عليه جهاد نفسه في ذات الله، وجهاد شيطانه، فهذا كله فرض عين لا ينوب فيه أحد عن أحد).أ.هـ

فقد نقل السمعاني في "تفسيره" ما روي عن الحسن أنه قال: أفضل الجهاد مخالفة الهوى.

ونقل ابن القيم في " زاد المعاد " ما قاله عبد الله بن المبارك: هو مجاهدة النفس والهوى. وذكر ابن كثير في " تفسيره " ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عباس الهمداني أبو أحمد من أهل عكا في قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) قال: الذين يعملون بما يعلمون، يهديهم الله لما لا يعلمون، قال أحمد بن أبي الحواري: فحدثت به أبا سليمان يعني الداراني فأعجبه، وقال: ليس ينبغي لمن ألهم شيئا من الخير أن يعمل به حتى يسمعه في الأثر، فإذا سمعه في الأثر عمل به وحمد الله حتى وافق ما في قلبه.

وعن سفيان الثوري أنه قال لإبراهيم بن أدهم: ألا تأتينا فتتعلم منا؟ فقال: إني سمعت حديثين فإذا فرغت منهما تعلمت الثالث.

فقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا) قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ: يعني الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، وأتباعه إلى يوم الدين.

قال السمعاني: ويقال: المجاهدة: هو الصبر على الطاعات واجتناب المعاصي، ويقال: قتال الكفار، ويقال: تحقيق الإخلاص في الأعمال، وهو حقيقة قوله تعالى: (فِينَا).

وقوله تعالى: (لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) قال الشنقيطي: أقسم الله تعالى على ذلك بدليل اللام في قوله: (لَنَهْدِيَنَّهُمْ).

وقال ـ رحمه الله ـ: وهذا المعنى جاء مبينا في آيات أخر كقوله تعالى في سورة التوبة: (وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ(124). وقوله تعالى في سورة محمد: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ(17).



وقال تعالى في سورة البقرة:

(..وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ..(282).

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ـ رحمه الله ـ: أن تقوى الله وسيلة إلى حصول العلم، وأوضح من هذا قوله تعالى في سورة الأنفال: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا..(29).أي: علماً تفرقون به بين الحقائق، والحق والباطل.أ.هـ

فقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا):قال أبو سليمان الدارانيّ: ليس الجهاد في الآية قتال الكفار فقط، بل هو نصر الدين، والرد على المبطلين، وقمع الظالمين، وعِظَمُه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله وهو الجهاد الأكبر.

ونقل البغوي في " تفسيره " قول الفضيل بن عياض: والذين جاهدوا في طلب العلم لنَهدينَّهم سبل العمل به.

وقال سهل بن عبد الله: والذين جاهدوا في إقامة السُنَّة، لنَهدينَّهم سبل الجنة.

ونقل القرطبي في " تفسيره " عن الضحاك في معنى الآية قوله: والذين جاهدوا في الهجرة لنَهدينَّهُم سبل الثبات على الإيمان. ثم قال: مثل السُنَّة في الدنيا كمثل الجنة في العقبى، من دخل الجنة في العقبى سَلِم، كذلك من لزم السُنَّة في الدنيا سَلِم.

وقال يوسف بن أسباط: المعنى: لنخلصنَّ نياتهم، وصدقاتهم، وصلواتهم، وصيامهم.

وقوله تعالى: (وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِـينَ ):

قـال الشيخ عبد الرحمن السعدي ـ رحمه الله ـ:

بالعون، والنصر، والهداية. دل هذا، على أن أحرى الناس بموافقة الصواب، أهل الجهاد. وعلى من أحسن فيما أمر به، أعانه الله، ويسر له أسباب الهداية. وعلى أن من وجد واجتهد في طلب العلم الشرعي، فإنه يحصل له من الهداية، والمعونة على تحصيل مطلوبه، أمور إلهية، خارجة عن مدرك اجتهاده، وتيسر له أمر العلم. فإن طلب العلم الشرعي من الجهاد في سبيل الله ، بل هو أحد نوعي الجهاد، الذي لا يقوم به إلا خواص الخلق، وهو الجهاد بالقول، واللسان، للكفار، والمنافقين. والجهاد على تعليم أمور الدين، وعلى رد نزاع المخالفين للحق، ولو كانوا من المسلمين.
























(16)

قصة إسلام الصحابي سلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ

أخرج الإمام أحمد في " المسند " بإسناد صحيح، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ حَدِيثَهُ مِنْ فِيهِ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً فَارِسِيًّا مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ مِنْهَا يُقَالُ لَهَا جَيٌّ، وَكَانَ أَبِي دِهْقَانَ قَرْيَتِهِ(1) وَكُنْتُ أَحَبَّ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حُبُّهُ إِيَّايَ حَتَّى حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ، أَيْ مُلازِمَ النَّارِ، كَمَا تُحْبَسُ الْجَارِيَةُ وَأَجْهَدْتُ فِي الْمَجُوسِيَّةِ حَتَّى كُنْتُ قَطَنَ(2) النَّارِ الَّذِي يُوقِدُهَا لا يَتْرُكُهَا تَخْبُو(1) سَاعَةً، قَالَ: وَكَانَتْ لأبِي ضَيْعَةٌ عَظِيمَةٌ، قَالَ فَشُغِلَ فِي بُنْيَانٍ لَهُ يَوْمًا، فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدْ شُغِلْتُ فِي بُنْيَانٍ هَذَا الْيَوْمَ عَنْ ضَيْعَتِي فَاذْهَبْ فَاطَّلِعْهَا، وَأَمَرَنِي فِيهَا بِبَعْضِ مَا يُرِيدُ، فَخَرَجْتُ أُرِيدُ ضَيْعَتَهُ فَمَرَرْتُ بِكَنِيسَةٍ مِنْ كَنَائِسِ النَّصَارَى، فَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ فِيهَا وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَكُنْتُ لا أَدْرِي مَا أَمْرُ النَّاسِ لِحَبْسِ أَبِي إِيَّايَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا مَرَرْتُ بِهِمْ وَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ دَخَلْتُ عَلَيْهِمْ أَنْظُرُ مَا يَصْنَعُونَ، قَالَ فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ أَعْجَبَنِي صَلاتُهُمْ وَرَغِبْتُ فِي أَمْرِهِمْ، وَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدِّينِ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا تَرَكْتُهُمْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَتَرَكْتُ ضَيْعَةَ أَبِي وَلَمْ آتِهَا، فَقُلْتُ لَهُمْ: أَيْنَ أَصْلُ هَذَا الدِّينِ؟ قَالُوا: بِالشَّامِ، قَالَ: ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَبِي وَقَدْ بَعَثَ فِي طَلَبِي وَشَغَلْتُهُ عَنْ عَمَلِهِ كُلِّهِ، قَالَ: فَلَمَّا جِئْتُهُ، قَال:َ أَيْ بُنَيَّ، أَيْنَ كُنْتَ؟ أَلَمْ أَكُنْ عَهِدْتُ إِلَيْكَ مَا عَهِدْتُ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَتِ مَرَرْتُ بِنَاسٍ يُصَلُّونَ فِي كَنِيسَةٍ لَهُمْ فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ دِينِهِمْ، فَوَاللَّهِ مَازِلْتُ عِنْدَهُمْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، قَالَ: أَيْ بُنَيَّ لَيْسَ فِي ذَلِكَ الدِّينِ خَيْرٌ، دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ خَيْرٌ مِنْهُ، قَالَ: قُلْتُ: كَلا وَاللَّهِ إِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ دِينِنَا، قَالَ: فَخَافَنِي فَجَعَلَ فِي رِجْلَيَّ قَيْدًا، ثُمَّ حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ، قَالَ: وَبَعَثَتْ إِلَيَّ النَّصَارَى، فَقُلْتُ لَهُمْ: إِذَا قَدِمَ عَلَيْكُمْ رَكْبٌ مِنَ الشَّامِ تُجَّارٌ مِنَ النَّصَارَى، فَأَخْبِرُونِي بِهِمْ، قَالَ: فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ رَكْبٌ مِنَ الشَّامِ تُجَّارٌ مِنَ النَّصَارَى، قَالَ: فَأَخْبَرُونِي بِهِمْ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُمْ: إِذَا قَضَوْا حَوَائِجَهُمْ وَأَرَادُوا الرَّجْعَةَ إِلَى بِلادِهِمْ فَآذِنُونِي بِهِمْ، قَالَ: فَلَمَّا أَرَادُوا الرَّجْعَةَ إِلَى بِلادِهِمْ أَخْبَرُونِي بِهِمْ، فَأَلْقَيْتُ الْحَدِيدَ مِنْ رِجْلَيَّ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُمْ، حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ، فَلَمَّا قَدِمْتُهَا قُلْتُ: مَنْ أَفْضَلُ أَهْلِ هَذَا الدِّينِ؟ قَالُوا الأسْقُفُّ(1) فِي الْكَنِيسَةِ، قَالَ: فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِي هَذَا الدِّينِ وَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ أَخْدُمُكَ فِي كَنِيسَتِكَ وَأَتَعَلَّمُ مِنْكَ وَأُصَلِّي مَعَكَ، قَالَ: فَادْخُلْ فَدَخَلْتُ مَعَهُ، قَالَ: فَكَانَ رَجُلَ سَوْءٍ يَأْمُرُهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهَا، فَإِذَا جَمَعُوا إِلَيْهِ مِنْهَا أَشْيَاءَ اكْتَنَزَهُ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يُعْطِهِ الْمَسَاكِينَ، حَتَّى جَمَعَ سَبْعَ قِلالٍ(2) مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ(3)، قَالَ: وَأَبْغَضْتُهُ بُغْضًا شَدِيدًا لِمَا رَأَيْتُهُ يَصْنَعُ، ثُمَّ مَاتَ فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ النَّصَارَى لِيَدْفِنُوهُ، فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا كَانَ رَجُلَ سَوْءٍ يَأْمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُكُمْ فِيهَا فَإِذَا جِئْتُمُوهُ بِهَا اكْتَنَزَهَا لِنَفْسِهِ وَلَمْ يُعْطِ الْمَسَاكِينَ مِنْهَا شَيْئًا، قَالُوا: وَمَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ قَالَ: قُلْتُ أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى كَنْزِهِ، قَالُوا: فَدُلَّنَا عَلَيْهِ، قَالَ: فَأَرَيْتُهُمْ مَوْضِعَهُ، قَالَ: فَاسْتَخْرَجُوا مِنْهُ سَبْعَ قِلالٍ مَمْلُوءَةٍ ذَهَبًا وَوَرِقًا، قَالَ: فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا وَاللَّهِ لا نَدْفِنُهُ أَبَدًا، فَصَلَبُوهُ ثُمَّ رَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ ثُمَّ جَاءُوا بِرَجُلٍ آخَرَ فَجَعَلُوهُ بِمَكَانِهِ، قَالَ يَقُولُ سَلْمَانُ: فَمَا رَأَيْتُ رَجُلاً لا يُصَلِّي الْخَمْسَ أَرَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ أَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا وَلا أَرْغَبُ فِي الآخِرَةِ وَلا أَدْأَبُ لَيْلاً وَنَهَارًا مِنْهُ، قَالَ: فَأَحْبَبْتُهُ حُبًّا لَمْ أُحِبَّهُ مَنْ قَبْلَهُ وَأَقَمْتُ مَعَهُ زَمَانًا، ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلانُ إِنِّي كُنْتُ مَعَكَ، وَأَحْبَبْتُكَ حُبًّا لَمْ أُحِبَّهُ مَنْ قَبْلَكَ وَقَدْ حَضَرَكَ مَا تَرَى مِنْ أَمْرِ اللَّهِ فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ أَيْ بُنَيَّ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا الْيَوْمَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، لَقَدْ هَلَكَ النَّاسُ وَبَدَّلُوا وَتَرَكُوا أَكْثَرَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ إِلا رَجُلاً بِالْمَوْصِلِ وَهُوَ فُلانٌ، فَهُوَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ فَالْحَقْ بِهِ، قَالَ: فَلَمَّا مَاتَ وَغَيَّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ الْمَوْصِلِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلانُ: إِنَّ فُلانًا أَوْصَانِي عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ أَلْحَقَ بِكَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّكَ عَلَى أَمْرِهِ، قَالَ: فَقَالَ لِي: أَقِمْ عِنْدِي، فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَوَجَدْتُهُ خَيْرَ رَجُلٍ عَلَى أَمْرِ صَاحِبِهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلانُ إِنَّ فُلانًا أَوْصَى بِي إِلَيْكَ وَأَمَرَنِي بِاللُّحُوقِ بِكَ وَقَدْ حَضَرَكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا تَرَى فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ رَجُلاً عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ إِلا بِنَصِيبِينَ وَهُوَ فُلانٌ فَالْحَقْ بِهِ، وَقَالَ: فَلَمَّا مَاتَ وَغَيَّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ نَصِيبِينَ فَجِئْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِي وَمَا أَمَرَنِي بِهِ صَاحِبِي، قَالَ: فَأَقِمْ عِنْدِي، فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَوَجَدْتُهُ عَلَى أَمْرِ صَاحِبَيْهِ فَأَقَمْتُ مَعَ خَيْرِ رَجُلٍ، فَوَاللَّهِ مَا لَبِثَ أَنْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ فَلَمَّا حَضَرَ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلانُ إِنَّ فُلانًا كَانَ أَوْصَى بِي إِلَى فُلانٍ ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلانٌ إِلَيْكَ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ أَحَدًا بَقِيَ عَلَى أَمْرِنَا آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ إِلا رَجُلاً بِعَمُّورِيَّةَ فَإِنَّهُ بِمِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ فَإِنْ أَحْبَبْتَ فَأْتِهِ، قَالَ: فَإِنَّهُ عَلَى أَمْرِنَا قَالَ فَلَمَّا مَاتَ وَغَيَّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ عَمُّورِيَّةَ وَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي، فَأَقَمْتُ مَعَ رَجُلٍ عَلَى هَدْيِ أَصْحَابِهِ وَأَمْرِهِمْ، قَالَ: وَاكْتَسَبْتُ حَتَّى كَانَ لِي بَقَرَاتٌ وَغُنَيْمَةٌ، قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ بِهِ أَمْرُ اللَّهِ، فَلَمَّا حَضَرَ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلانُ: إِنِّي كُنْتُ مَعَ فُلانٍ فَأَوْصَى بِي فُلانٌ إِلَى فُلانٍ وَأَوْصَى بِي فُلانٌ إِلَى فُلانٍ ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلانٌ إِلَيْكَ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ أَيْ بُنَيَّ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ أَصْبَحَ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُ نَبِيٍّ هُوَ مَبْعُوثٌ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مُهَاجِرًا إِلَى أَرْضٍ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ(1) بَيْنَهُمَا نَخْلٌ بِهِ عَلامَاتٌ لا تَخْفَى يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ، وَلا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْحَقَ بِتِلْكَ الْبِلادِ فَافْعَلْ، قَالَ: ثُمَّ مَاتَ وَغَيَّبَ فَمَكَثْتُ بِعَمُّورِيَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَمْكُثَ، ثُمَّ مَرَّ بِي نَفَرٌ مِنْ كَلْبٍ تُجَّارًا فَقُلْتُ لَهُمْ تَحْمِلُونِي إِلَى أَرْضِ الْعَرَبِ وَأُعْطِيكُمْ بَقَرَاتِي هَذِهِ وَغُنَيْمَتِي هَذِهِ، قَالُوا: نَعَمْ فَأَعْطَيْتُهُمُوهَا وَحَمَلُونِي حَتَّى إِذَا قَدِمُوا بِي وَادِي الْقُرَى ظَلَمُونِي فَبَاعُونِي مِنْ رَجُلٍ مِنْ يَهُودَ عَبْدًا فَكُنْتُ عِنْدَهُ وَرَأَيْتُ النَّخْلَ وَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ الْبَلَدَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي وَلَمْ يَحِقْ لِي فِي نَفْسِي فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَهُ قَدِمَ عَلَيْهِ ابْنُ عَمٍّ لَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ فَابْتَاعَنِي مِنْهُ فَاحْتَمَلَنِي إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلا أَنْ رَأَيْتُهَا فَعَرَفْتُهَا بِصِفَةِ صَاحِبِي، فَأَقَمْتُ بِهَا وَبَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ مَا أَقَامَ لا أَسْمَعُ لَهُ بِذِكْرٍ مَعَ مَا أَنَا فِيهِ مِنْ شُغْلِ الرِّقِّ ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَفِي رَأْسِ عَذْقٍ(1) لِسَيِّدِي أَعْمَلُ فِيهِ بَعْضَ الْعَمَلِ وَسَيِّدِي جَالِسٌ إِذْ أَقْبَلَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: فُلانُ قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي قَيْلَةَ، وَاللَّهِ إِنَّهُمُ الآنَ لَمُجْتَمِعُونَ بِقُبَاءَ عَلَى رَجُلٍ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَكَّةَ الْيَوْمَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُهَا أَخَذَتْنِي الْعُرَوَاءُ(2) حَتَّى ظَنَنْتُ سَأَسْقُطُ عَلَى سَيِّدِي، قَال:َ وَنَزَلْتُ عَنِ النَّخْلَةِ فَجَعَلْتُ أَقُولُ لابْنِ عَمِّهِ ذَلِكَ، مَاذَا تَقُولُ؟ مَاذَا تَقُولُ؟ قَالَ: فَغَضِبَ سَيِّدِي، فَلَكَمَنِي لَكْمَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ قَالَ: مَا لَكَ وَلِهَذَا أَقْبِلْ عَلَى عَمَلِكَ، قَالَ قُلْتُ: لا شَيْءَ إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَسْتَثْبِتَ عَمَّا قَالَ، وَقَدْ كَانَ عِنْدِي شَيْءٌ قَدْ جَمَعْتُهُ، فَلَمَّا أَمْسَيْتُ أَخَذْتُهُ ثُمَّ ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِقُبَاءَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ وَمَعَكَ أَصْحَابٌ لَكَ غُرَبَاءُ ذَوُو حَاجَةٍ وَهَذَا شَيْءٌ كَانَ عِنْدِي لِلصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُكُمْ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِكُمْ، قَالَ فَقَرَّبْتُهُ إِلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأصْحَابِهِ: كُلُوا وَأَمْسَكَ يَدَهُ، فَلَمْ يَأْكُلْ، قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ وَاحِدَةٌ ثُمَّ انْصَرَفْتُ عَنْهُ، فَجَمَعْتُ شَيْئًا وَتَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ جِئْتُ بِهِ فَقُلْتُ: إِنِّي رَأَيْتُكَ لا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أَكْرَمْتُكَ بِهَا، قَالَ: فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوا مَعَهُ، قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَاتَانِ اثْنَتَانِ ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ قَالَ وَقَدْ تَبِعَ جَنَازَةً مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَيْهِ شَمْلَتَانِ لَهُ وَهُوَ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَدَرْتُ أَنْظُرُ إِلَى ظَهْرِهِ هَلْ أَرَى الْخَاتَمَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَدَرْتُهُ، عَرَفَ أَنِّي أَسْتَثْبِتُ فِي شَيْءٍ وُصِفَ لِي، قَالَ: فَأَلْقَى رِدَاءَهُ عَنْ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى الْخَاتَمِ فَعَرَفْتُهُ، فَانْكَبَبْتُ عَلَيْهِ أُقَبِّلُهُ وَأَبْكِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَحَوَّلْ فَتَحَوَّلْتُ، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ حَدِيثِي كَمَا حَدَّثْتُكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ فَأَعْجَبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ شَغَلَ سَلْمَانَ الرِّقُّ حَتَّى فَاتَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدْرٌ وَأُحُدٌ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَاتِبْ يَا سَلْمَانُ فَكَاتَبْتُ صَاحِبِي عَلَى ثَلاثِ مِائَةِ نَخْلَةٍ أُحْيِيهَا لَهُ بِالْفَقِيرِ(1) وَبِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأصْحَابِهِ: أَعِينُوا أَخَاكُمْ، فَأَعَانُونِي بِالنَّخْلِ، الرَّجُلُ بِثَلاثِينَ وَدِيَّةً(1) وَالرَّجُلُ بِعِشْرِينَ وَالرَّجُلُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ وَالرَّجُلُ بِعَشْرٍ، يَعْنِي الرَّجُلُ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ لِي ثَلاثُ مِائَةِ وَدِيَّةٍ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اذْهَبْ يَا سَلْمَانُ فَفَقِّرْ(2) لَهَا فَإِذَا فَرَغْتَ فَأْتنِي أَكُونُ أَنَا أَضَعُهَا بِيَدَيَّ، فَفَقَّرْتُ لَهَا وَأَعَانَنِي أَصْحَابِي، حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ مِنْهَا جِئْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعِي إِلَيْهَا، فَجَعَلْنَا نُقَرِّبُ لَهُ الْوَدِيَّ وَيَضَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ مَا مَاتَتْ مِنْهَا وَدِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَأَدَّيْتُ النَّخْلَ وَبَقِيَ عَلَيَّ الْمَالُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ بَيْضَةِ الدَّجَاجَةِ مِنْ ذَهَبٍ مِنْ بَعْضِ الْمَغَازِي فَقَالَ: مَا فَعَلَ الْفَارِسِيُّ الْمُكَاتَبُ، قَالَ: فَدُعِيتُ لَهُ، فَقَالَ: خُذْ هَذِهِ فَأَدِّ بِهَا مَا عَلَيْكَ يَا سَلْمَانُ، فَقُلْتُ: وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّا عَلَيَّ؟ قَالَ: خُذْهَا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ سَيُؤَدِّي بِهَا عَنْكَ، قَالَ: فَأَخَذْتُهَا فَوَزَنْتُ لَهُمْ مِنْهَا، وَالَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، فَأَوْفَيْتُهُمْ حَقَّهُمْ وَعُتِقْتُ، فَشَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَنْدَقَ ثُمَّ لَمْ يَفُتْنِي مَعَهُ مَشْهَدٌ.











(17)

من سير الصالحين ..قصة أبي القرن

في حديث أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" عن ربيع بن عميلة قال: حدثنا عبد الله، ما سمعنا حديثاً هو أحسن منه إلا كتاب الله عز وجل، ورواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فذكره. والحديث ذكره شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ في "الصحيحة" (2694) وعنون له بقوله: هل أصابنا ما أصابهم؟ وقال ولكن عندي وقفة في رفعه لأنه ليس صريحاً فيه، ولكنه على كل حال في حكم المرفوع، والله أعلم.

وله شاهد مختصر جداً من رواية أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن بني إسرائيل كتبوا كتاباً فاتبعوه، وتركوا التوراة" أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (5548).

نص الحديث

"إن بني إسرائيل لما طال الأمد وقست قلوبهم اخترعوا كتاباً من عند أنفسهم، استهوته قلوبهم، واستحلَّته ألسنتهم، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، فقالوا: اعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل، فإن تابعوكم عليه، فاتركوهم، وإن خالفوكم فاقتلوهم، قال: لا، بل ابعثوا إلى فلان ـ رجل من علمائهم ـ فإن تابعكم فلن يختلف عليكم بعده أحد، فأرسلوا إليه فدعوه، فأخذ ورقة فكتب فيها كتاب الله، ثم أدخلها في قرن، ثم علقها في عنقه، ثم لبس عليها الثياب، ثم أتاهم، فعرضوا عليه الكتاب فقالوا: تؤمن بهذا؟ فأشار إلى صدره ـ يعني الكتاب الذي في القرن ـ فقال: آمنت بهذا، ومالي لا أؤمن بهذا؟ فخلوا سبيله. قال: وكان له أصحاب يغشونه فلما حضرته الوفاة أتوه، فلما نزعوا ثيابه وجدوا القرن في جوفه الكتاب، فقالوا: ألا ترون إلى قوله: آمنت بهذا ومالي لا أومن بهذا، فإنما عنى بـ (هذا) هذا الكتاب الذي في القرن قال: فاختلف بنو إسرائيل على بضع وسبعين فرقة، خير مللهم أصحاب أبي القرن.

فوائد الحديث

1/ من رحمة الله تعالى بأمة محمد أن لها العبرة والدرس مما وقع لبني إسرائيل، فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت.

2/ وفي الحديث أهمية معرفة السنة النبوية، وتقصي حقائقها من مظانها الصحيحة، للاستفادة من القصص الذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم خاصة عمن حذرنا من أن نستن بسننهم اليهود والنصارى.

3/ وفي الحديث بيان واضح أن ترك اتباع الكتاب والسنة الصحيحة، يؤدي إلى ضعف في الإيمان، وبمرور الوقت يعني تعدي الناس على كتاب الله تعالى؛ وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ بالتحريف، فإن لم يحرفوا الألفاظ، حرفوا المعاني اتباعاً للهوى.

4/ وفي الحديث بيان واضح أن الله تعالى يحق الحق بإذنه ومشيئته فيحول بين أهل الهوى ـ أهل الضلال والبغي والشهوات ـ، وبين ما يريدون الانتصار له من البدع والخزعبلات والتحريفات والضلالات والتعديات واللمز والغمز والهمز.

5/ وفي الحديث فضيحة بينة لهؤلاء المبتدعة أهل الضلال الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون. وقد وصفهم الله تعالى في سورة البقرة بقوله: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ(101). نقل القرطبي في الجامع قول الشعبي: هو بين أيديهم يقرؤونه؛ ولكن نبذوا العمل به. وقال سفيان بن عيينة: أدرجوه بالحرير والديباج، وحلوه بالذهب والفضة، ولم يحلوا حلاله، ولم يحرموا حرامه؛ فذلك النبذ.

قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ: وهذا أبلغ في الإعراض كأنهم في فعلهم هذا من الجاهلين، وهم يعلمون صدقه، وحقيقة ما جاء به. ثم قال:

ولما كان من العوائد القدسية والحكمة الإلهية، أن من ترك ما ينفعه وأمكنه الانتفاع به ولم ينتفع، ابتلي بالاشتغال بما يضره، فمن ترك عبادة الرحمن ابتلي بعبادة الأوثان، ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاءه، ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه، ومن لم ينفق ماله في طاعة الله، أنفقه في طاعة الشيطان، ومن ترك الذل لربه، ابتلي بالذل للعبيد، ومن ترك الحق ابتلي بالباطل.أ.هـ

قال الكاتب عفا الله عنه: كذلك هؤلاء اليهود والنصارى لما نبذوا كتاب الله اتبعوا ما تتلوا الشياطين وتختلق من السحر، وكذلك الناظر في أحوال مجتمعاتنا الآن يرى انصراف الناس إلى السحرة والمشعوذين وأهل الضلالات والبدع لأن قطاعاً كبيراً من الناس آثر ترك الحق فابتلوا باتباع الباطل وأكبره اتباع الشياطين، قال تعالى في سورة بعدها: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ..(102). ثم قال الله تعالى بعدها: (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(103).

قال الشنقيطي ـ رحمه الله ـ: "ذكر الله تعالى في هذه الآية ـ يعني (101) من سورة البقرة ـ الكريمة أن كثيراً من اليهود نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ولم يؤمنوا به، وبين في موضع آخر أن هؤلاء الذين لم يؤمنوا بالكتاب هم الأكثر، وذلك في قوله تعالى في سورة آل عمران: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ(110)".

وفي سورة آل عمران قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ(187).

فقوله تعالى: (فَنَبَذُوهُ) أي: رموه وطرحوه. وقوله: (وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) أي: تمثيل عن قلة مبالاتهم به، قال الشيخ أحمد بن يوسف، المعروف بالسمين الحلبي: لم يكتفوا بطرحه بل لا يهمّون به، لأن الإنسان قد يرمي الشيء مع التفاته إليه.

أخرج ابن عبد البر عن مالك بن مغول في قوله تعالى: (فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) قال: تركوا العمل به. وأخرج الخطيب البغدادي في كتابه "اقتضاء العلم العمل" عن عمر بن الخطاب قوله: لا يغرركم من قرأ القرآن إنما هو كلام نتكلم به، ولكن انظروا من يعمل به".

وقال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

فأما الموفقون، فقاموا بهذا أتم القيام، وعلموا الناس مما علمهم الله، ابتغاء مرضاة ربهم، وشفقة على الخلق، وخوفاً من إثم الكتمان. وأما الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى ومن شابههم، فنبذوا هذه العهود والمواثيق، وراء ظهورهم فلم يعبأوا بها، فكتموا الحق، وأظهروا الباطل، تجرؤاً على محارم الله، وتهاوناً بحقوقه تعالى، وحقوق الخلق، واشتروا بذلك الكتمان ثمناً قليلاً، وهو ما يحصل لهم إن حصل من بعض الرياسات، والأموال الحقيرة، من سفلتهم المتبعين أهوائهم، المقدمين شهواتهم على الحق. (فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) لأنه أخس العوض، والذي رغبوا عنه ـ وهو بيان الحق، الذي فيه السعادة الأبدية، والمصالح الدينية والدنيوية ـ أعظم المطالب وأجلها، فلم يختاروا الدين الخسيس ويتركوا العالي النفيس إلا لسوء حظهم وهوانهم وكونهم لا يصلحون لغير ما خلقوا له.

6/ وفي الحديث بيان غرض آخر لهؤلاء الضلال متبعي الهوى، وهو حمل الناس بالقوة والشدة والإرهاب والغطرسة وحتى بالقتل ـ بعد التحريف الذي نالوا به كتاب الله وسنة نبيه ـ على الباطل الذي اخترعوه، وجاءوا به من عند أنفسهم. فإذا تابعهم الناس على الباطل تركوهم، وإن تكلم العلماء وأهل العلم فيهم لمزوهم وغمزوهم وقتلوهم.

7/ وفي الحديث بيان رفيع لمنزلة العلماء، وأن هؤلاء الضلال لا يخفى عليهم أهل العلم والعلماء، وهو الذي بينه الله تعالى في الآية: (نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ).

8/ وفي الحديث بيان أن العلماء ينظرون بنور الله تعالى ولقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ.

9/ وفي الحديث فقه العلماء في الدين والواقع، خلافاً لما يذهب إليه المتحمسون الذين فرغوا من فقه الدين والواقع.

10/ وفي الحديث بيان أن هذا الدين معلق في أعناق العلماء المخلصين وهو في قلوبهم ويلاحظ الطالب للحق ما ورد في نص الحديث: "فأرسلوا إليه فدعوه، فأخذ ورقة فكتب فيها كتاب الله، ثم أدخلها في قرن، ثم علقها في عنقه".

وأن هذا الكتاب كتاب الله الذي كتبه بقي معلقاً في عنقه حتى حضرته الوفاة.

11/ وفي الحديث فائدة: أن ما ذهب إليه العالم من التورية بقوله : فأشار إلى صدره ـ يعني الكتاب الذي في القرن ـ فقال: آمنت بهذا، ومالي لا أؤمن بهذا؟ فخلوا سبيله، مشروع في دين الله عز وجل، وله أسوة في نبينا إبراهيم صلى الله عليه وسلم، والتورية: أن يقصد بعبارته مقصوداً صحيحاً ليس هو كاذباً بالنسبة إليه وإن كان كاذباً في ظاهر اللفظ بالنسبة إلى ما يفهمه المخاطب.

ولو ترك التورية وأطلق عبارة الكذب فليس بحرام في هذه الحال واستدل العلماء بجواز الكذب في هذه الحال بحديث أم كلثوم ـ رضي الله عنها ـ أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً (متفق عليه) وزاد مسلم في رواية: قالت أم كلثوم: ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث: تعني الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها.

وقال الحافظ في "الفتح" (5/300):

" واتفقوا على ان المراد بالكذب في حق المرأة والرجل إنما هو فيما لا يسقط حقاً عليه أو عليها أو أخذ ما ليس له أو لها، وكذا في الحرب في غير التأمين، واتفقوا على جواز الكذب عند الاضطرار كما لو قصد ظالم قتل رجل وهو مختف عنده فله أن ينفي كونه عنده ويحلف على ذلك ولا يأثم والله أعلم".أ.هـ

12/ بيَّن الحديث أن هذا العالم من الربانيين وأنه امتثل قول الله تعالى كما هو في سورة آل عمران: (..وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ(79). وامتثل قوله تعالى كما هو في سورة المائدة: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ(44).

وقوله تعالى: (لَوْلا يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمْ الإثْمَ وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(63).

أخرج الخطيب البغدادي ـ رحمه الله ـ في كتابه الفقيه والمتفقه (1/51): عن محمـد ابن عبد الواحد قال: سألت ثعلباً عن هذا الحرف (رباني) فقال: سألت ابن الأعرابي فقال: إذا كان الرجل عالماً، عاملاً، معلماً، قيل له هذا ربَّاني، فإن حرم عن خصلة منها، لم يقل له ربَّاني.

" فالعالم الربَّاني هو الذي لا زيادة على فضله لفاضل، ولا منزلة فوق منزلته لمجتهد، وقد دخل في الوصف له بأنه ربَّاني وصفه بالصفات التي يقتضيها العلم لأهله، ويمنع وصفه بما خالفها. ومعنى الربَّاني في اللغة: الرفيع الدرجة في العلم العالي المنزلة فيه، وعلى ذلك حملوا قول الله تعالى: (لَوْلا يَنْهَاهُمْ الربَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ) وقوله تعالى: (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ).

وفي تفسير أبي المظَفَّر السمعاني نقل عن سعيد بن جبير قوله: الربَّاني: الفقيه العالم الذي يعمل بعلمه. وقال السمعاني ـ رحمه الله ـ والربَّاني من طريق المعنى: هو أن يكون على دين الرب، وعلى طريق الرب.

وقال مجاهد: الربَّانيون فوق الأحبار، فالأحبار العلماء، والربَّانيون: الذين جمعوا مع العلم البصيرة بسياسة الناس.

فالربانيّ: هو العالم البصير بسياسة الناس؛ فيربيهم على صغار العلم قبل كباره على منهاج النبوة.

وقال ابن كثير في قوله تعالى (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ): أي ولكن يقول الرسول للناس كونوا ربَّانيين، قال ابن عباس وأبو رزين وغير واحد: أي حكماء؛ علماء؛ حلماء.

وقوله تعالى (تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ): قال الضحاك: حق على من تعلم القرآن أن يكون فقيها، وقال ابن كثير: تعلِّمون: أي تفهِّمون، (وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ): أي تحفظون ألفاظه.

13/ وفي الحديث الإشارة إلى اختلاف بني إسرائيل وأنهم تفرقوا إلى إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة هي الناجية أصحاب صاحبنا أبو القرن، وانتصرت هذه الفرقة الناجية بإخلاص وثبات أبو القرن، قال الله تعالى في سورة الشورى: (وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ..(14). وقال تعالى في سورة البينة: (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ(4).

وأختم الفوائد بالتساؤل الذي عنون شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ به للحديث:

هل أصابنا ما أصابهم؟ !!
















(18)

الإيمان أولاً لو كانوا يعلمون

قال الله تعالى في سورة الكهف:

(وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمْ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ قُبُلاً(55)وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا(56) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا(57) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً(58)وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا(59).

في هذه الآيات خطاب واضح ليعتبر المؤمن، وإخبار جلي عما حل بالمبتدعة الظلمة، وبالكفرة الفجرة حين تركوا مسلك الصراط المستقيم، أي: حين تركوا الهدى وأعرضوا عن دين الله، واستكبروا عن استغفاره سبحانه وتعالى.

فقوله تعالى: (وما منع الناس) أي: ما الذي منع الناس من الإيمان؟ والحال أن الهدى الذي به يكون الرشاد، وبه يحصل الفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، قد وصل إليهم، وقامت عليهم حجة الله، فلم يمنعهم ـ كما قال الشيخ السعدي رحمه الله ـ عدم البيان بل منعهم الظلم والعدوان عن الإيمان، فلم يبق لهم إلا أن تأتيهم سنة الله، وعادته في الأولين من أنهم إذا لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب أو يرون أن العذاب قد أقبل عليهم ورأوه مقابلة ومعاينة، أي: فليخافوا من ذلك، وليتوبوا من كفرهم، قبل أن يكون العذاب الذي لا مرد له.

ففي هذه الآية كما تلاحظ أخي القاريء تهديد واضح جلي، وهو أن الانصراف عن الإيمان والفقه فيه وتعلمه نذير شؤم يحل بأهله، وما منع الناس أن يؤمنوا؟ أي: ما الذي ينتظره الناس إذا لم يؤمنوا؟! وفي الآية أن الله تعالى هدد بالعذاب بعد قيام البيان، وإقامة الحجة.

لذلك أعقب الله تعالى هذه الآية بقوله: (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ). قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ: أي: لم نرسل الرسل عبثاً، ولا ليتخذهم الناس أرباباً، ولا ليدعوا إلى أنفسهم، بل أرسلناهم يدعون الناس إلى كل خير، وينهون عن كل شر، ويبشرونهم على امتثال ذلك، بالثواب العاجل، والآجل، وينذرونهم على معصية ذلك بالعقاب العاجل والآجل، فقامت بذلك حجة الله على العباد، ومع ذلك يأبى الظالمون الكافرون، إلا المجادلة بالباطل، ليدحضوا به الحق، فسعوا في نصر الباطل مهما أمكنهم، وفي إدحاض الحق وإبطاله، واستهزؤا برسل الله وآياته، وفرحوا بما عندهم من العلم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ولو كره الكافرون، ويظهر الحق على الباطل.أ.هـ

التحذير من عاقبة المبتدعة الظلمة، والكفرة الفجرة

وفي الآية التالية يفسر ابن كثير ـ رحمه الله ـ قول الله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا(57) فأي عباد الله أظلم ممن ذكر بآيات الله فأعرض عنها ـ أي: تناساها وأعرض عنها ـ ولم يصغ لها ولا ألقى إليها بالاً (وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ) من الأعمال السيئة والأفعال القبيحة.أ.هـ

وقال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ: يخبر تعالى أنه لا أعظم ظلماً، ولا أكبر جرماً، من عبدٍ ذكر بآيات الله وبيِّن له الحق من الباطل، والهدى من الضلال، وخوِّف ورهِّب ورغِّب، فأعرض عنها فلم يتذكر بما ذكر به، ولم يرجع عما كان عليه ونسي ما قدمت يداه من الذنوب، ولم يراقب علام الغيوب فهذا أعظم ظلماً من المعرض الذي لم تأته آيات الله، ولم يذكر بها، وإن كان ظالماً فإنه أشد ظلماً من هذا، لكون العاصي على بصيرة وعلم، أعظم ممن ليس كذلك. ولكن الله تعالى عاقبه بسبب إعراضه عن آياته ونسيانه لذنوبه، ورضاه لنفسه حالة الشر مع علمه به، أن سد عليه أبواب الهداية بأن جعل على قلبه أكنة ، أي: أغطية محكمة تمنعه أن يفقه الآيات وإن سمعها، فليس في إمكانه الفقه الذي يصل إلى القلب.( إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا).

باب التوبة مفتوح: وربك الغفور ذو الرحمة

ثم أخبر الله تعالى عن سعة مغفرته ورحمته، وأنه يغفر الذنوب، ويتوب الله على من يتوب، (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ). ولو أن الله تعالى آخذ العباد على ما قدمت أيديهم من الذنوب لعجل لهم العذاب، ولكنه تعالى حليم لا يعجل بالعقوبة بل يمهل ولا يهمل، والذنوب لا بد من وقوع آثارها وإن تأخرت عنها مدة طويلة ولهذا قال: (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً).

كما قال تعالى في سورة الرعد: ( ...وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ(6). والآيات في هذا كثيرة شتى، ولكن البصير المؤمن من اتعظ بغيره، وإلا فلا يلومن الظالم إلا نفسه.( وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا(59).

أول ما يجب على العبد معرفة الله عز وجل

قال شيخ الإسلام الهروي الأنصاري في أول كتابه (اعتقاد أهل السنة):

"إن أول ما يجب على العبد معرفة الله عز وجل؛ لحديث معاذ ـ رضي الله عنه ـ حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله فإذا هم عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم..الحديث".

على هذا المبدأ سار علماء الإسلام وأئمته في سائر أحوالهم، ودرج عليه المحققون من المصنفين فترى آثارها في مصنفاتهم، تأمل مثلاً صنيع الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في كتابه (الجامع الصحيح) الذي هو أصح كتاب بعد كتاب الله، تجد من دقة فهم هذا الإمام الجليل وفقهه في الدين ما يروي الغليل ويكبت الشانيء العليل، صدر كتابه ببدء الوحي ثم أتبعه بالإيمان ثم بالعلم، كأنما أراد رحمه الله أن ينبه الأذهان إلى أن أول واجب على الإنسان هو الإيمان وأن الوسيلة إلى الإيمان هي العلم وأن مصدر الإيمان والعلم هو الوحي؛ فبدأ ببيان كيفية الوحي وصفة نزوله ثم أتبعه بذكر الإيمان والعلم، فرتب هذا الشأن الترتيب الحقيقي.

ويقول جندب بن عبد الله البجلي ـ رضي الله عنه ـ:

تعلمنا الإيمان ، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيماناً.

ويقول عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنه ـ:

لقد عشنا برهة من الدهر وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن تنزل السورة فنتعلم حلالها وحرامها وزواجرها وأوامرها وما يجب أن نقف عنده منها، ولقد رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته لا يدري ما آمره ولا زاجره وما ينبغي أن يوقف عنده ينثره نثر الدقل".

ومعنى الدقل: التمر الرديء اليابس.

















(19)

صدق ووفاء..أين نحن منه‍‍‌‍‍؟

أخرج الإمام البخاري في "صحيحه" في كتاب الكفالة، باب الكـفالة والقـرض، ـ واللفظ له ـ وأخرجه في كتاب البيوع، باب التجارة في البحر، وفي كتاب الاستقراض، باب إذا أقرضه إلى أجل مسمى، وفي كتاب الشروط، باب الشروط في القرض، وفي كتاب اللقطة، باب إذا وجد خشبة في البحر أو سوطاً، وأخرجه الإمام أحمد في "مسنده" – عن أبي هريرة ـرضي الله عنه ـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ فَقَالَ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ، قَالَ: فَأْتِنِي بِالْكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلاً، قَالَ: صَدَقْتَ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ للأجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا ، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى الْبَحْرِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلانًا أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلاً، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلاً فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ، فَرَضِيَ بِكَ، وَأَنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ ثُمَّ انْصَرَفَ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ فَأَخَذَهَا لأهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ فَأَتَى بِالألْفِ دِينَارٍ فَقَالَ وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لآتِيَكَ بِمَالِكَ فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ، قَالَ هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟! قَالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ، قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الْخَشَبَةِ، فَانْصَرِفْ بِالألْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا.

فوائد الحديث

1/ العلم بتوحيد الله، فالرجلان يعلمان من توحيد الله تعالى ما جعلهما يخلصان في أشرف علوم التوحيد ألا وهو معرفة الله تعالى في أسمائه وصفاته، فيقول له: كفى بالله شهيداً .. كفى بالله وكيلاً.

2/ كان الذي قال كفى بالله شهيداً .. كفى بالله وكيلاً .. رجلاً صالحاً ، ومعنى أنه صالح: يعني أنه مخلص لله ، ومتابع لسنة الأنبياء في طاعة الله تعالى. والمتابع الذي يعلم العلم النافع، والعلم النافع: قال الله ..وقال رسوله صلى الله عليه وسلم .. وما كان على منهج السلف الصالح في فهم الكتاب والسنة. ورضي الرجل الآخر بالأجر والثواب، فرضي بشهادة الله .. وكفالة الله.

3/ الخشية من الله تعالى ، والمعرفة التامة بالله تعالى، حملتا هذا الرجل الصالح للتفكير بطريقة يوصل بها المال إلى صاحبه في الموعد المتفق عليه.

4/ تشبع الرجل الصالح بحق التوكل على الله، الذي يفتقده كثير من الناس اليوم، لضعف إيمانهم بالله، وجهلهم بأسمائه وصفاته.

5/ وتولى الله تعالى حفظ الخشبة، لأن الرجل الصالح عمل بقول الأنبياء: احفظ الله يحفظك.

6/ ومع هذا فالرجل الصالح جاء بالأسباب فحمل ألفاً أخرى لصاحب المال، الذي أخبره بدوره بقوله: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة.

7/ من الحديث استفدنا مشروعية الاستدانة والقرض، ومشروعية الإشهاد والكفالة.

8/ وجوب الوفاء بالقرض ، والصدق في الوعد، وعدم المماطلة في السداد.

9/ مشروعية التجارة.

10/ مشروعية التقاط ما له قيمة قليلة كالخشبة والسوط.






(20)

وسوسة الشيطان

قال الله تعالى في سورة الأعراف :ـ

( ولقد خلقناكم ثم صورنكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس لم يكن من الساجدين (11) قال ما منعك ألاّ تسجد إذْ أمرتُك قال أنا خيرٌ منهُ خلقتني من نارٍ وخلقته من طين(12) قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنَّكَ من الصاغرين (13) قال أَنْظِرْني إلى يومِ يُبْعَثُون (14) قال إنَّك من المُنْظَرِيْنَ(15) قال فبما أغويتني لأقعدنَّ صراطك المستقيم (16) ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين (17).

وقال الله تعالى في سورة الحجر :ـ (( قال ربِّ فانظرني إلى يومِ يُبْعَثُون (36) قال فإنَّك من المُنْظَرِيْنَ (37) إلى يومِ الوقت المعلوم (38) قال ربِّ بما أغويتني لأُزَيِنَنَّ لهم في الأرض ولأُغْوِيَنَّهُم أجمعين (39) إلاَّ عبادك منهم المخلصين (40) قال هذا صراطٌ عليَّ مستقيم (41) إنَّ عبادي ليس لك عليهم سُلطانٌ إلاَّ من اتَّبَعَك من الغاوين (42).

ففي مطلع سورة الأعراف قال الله تعالى :ـ (( اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إليكُم من ربِّكُم ولا تتَّبِعُوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون )) ـ ( الآية : 3 ) 0 والإشارة إلى القرآن ، لأنه يُوضِّحُ الطريق إليه وهو الصراط المستقيم ، قال تعالى :ـ ((وأنَّ هذا صراطي مستقيماً فاتَّبِعُوه )) 0 والإشارة بهذا إلى المُنَزَّل قرآناً لأنه مبين للصراط المستقيم الذي طمع اللعين في الاستيلاء عليه وقطع سالكه ، فقيل عن مرامه من ذلك :ـ (( لأقْعُدنَّ لهم صراطك المستقيم)) ، ومراده لأستولينَّ لهم عليه ، ودليله حصره الجهات 0

وفي سورة الحجر قال تعالى : (( ولقد جعلنا في السماء بُروجاً وزَيَنَّاها للناظرين (16) وحفظناها من كلِّ شيطان رجيم (17) إلاَّ من استرق السمع فأتبعه شهابٌ مبينٌ (18) لقد منع ومنع جنوده عن تعرف خبر السماء واستراق السمع 0

نعم ، منعوا ولقد قالت الجنّ :ـ (( وأنَّا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشُهُباً (8) وأنَّا كنَّا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شِهَاباً رصَداً (9) وأنَّا لا ندري أَشَرٌ أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربَّهم رشداً (10). سورة الجن

عن ابن عباس قال : كانت الجَنُّ تصعد إلى السماء يستمعون الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعاً ، فأمّا الكلمة فتكون حقاً ، وأما ما زادوا فيكون باطلاً ، فلمَّا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم منعوا مقاعدهم ، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك 0 فقال لهم إبليس : ما هذا إلاَّ لأمر قد حدث في الأرض ، فبعث جنوده فوجدوا صلى الله عليه وسلم قائماً يُصَلِّي ، وفي رواية : وهو يُصلِّي بأصحابه صلاة الفجر ، فأتوه فأخبروه فقال : هذا الحديث الذي حدث في الأرض (1) 0

ولما كان يطمع اللعين في الاستيلاء بالكامل ، فمنع من فوق اتجه إلى تحت ، قال :ـ

(( لأُزَيِنَّنَ لهم في الأرض ولأُغْوِيَنَّهُم أجمعين )) ، واستثنى :ـ ((إلاَّ عبادك منهم المخلصين)) ، فإنه لا سبيل للشيطان إلى إغوائهم ، ولا طريق له عليهم 0 إذْ عمدة هذا الطريق الإخلاص لله على ما قرَّره كتاب الله:ـ

(( قال هذا صراط عليَّ مستقيم ، إنَّ عبادي ليس لك عليهم سلطان إلاّ من اتَّبَعَك من الغاوين)) 0

أخرج الترمذي والإمام أحمد والطبري من طرق : عن عطية عن أبي سعيد الخدري، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :ـ (( كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض))(1) 0

وفي الحديث الذي تقدم ذكره ، فعلى باب الصراط داعٍ يقول : يا أيها الناس! ادخلوا الصراط جميعاً ولا تتعوجوا ، وداعٍ من فوق الصراط ، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال : ويحك لا تفتحه ، فإنَّك إن تفتحه تلجه 000 الحديث )) إلى أن قال : (( وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله ، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كلّ مسلم))0

وفي سورة الزخرف قال الله تعالى :ـ (( ومن يَعْشُ عنْ ذِكْرِ الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين (36) وإنَّهُم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنَّهم مهتدون (37) حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين (38) ولن ينفعكم اليوم إذْ ظلمتم أنَّكُم في العذاب مشتركون (39) أفأنت تُسْمِعُ الصُّمَ أو تَهْدي العُمْيَ ومن كان في ضلالٍ مبين(40) فإمَّا نذهبنَّ بك فإنَّا منهم منتقمون (41) أو نُرِيَنَّكَ الذي وعدناهم فإنَّا عليهم مقتدرون (42) فاستمسك بالذي أُوْحِيَ إليك إنَّك على صراطٍ مستقيم (43) وإنَّه لذكرٌ لكَ ولقومِكَ وسوفَ تُسْئَلُون(44) .



(21)

بطلان الابتداع وفضيلة الاتباع

لقد أحسن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ في قوله في خطبته ـ وإن كانت مأثورة عمن تقدم ـ في كتابه "الرد على الزنادقة والجهمية":

"الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصِّرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتن المضلين".

وقال الإمام الشافعي فيما رواه ابن عساكر ـ رحمه الله ـ في "تاريخ دمشق" (15/1/3)، ونقله ابن القيم في "إعلام الموقعين" (2/363):

"ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزب عنه، فمهما قلت من قول، أو أصلت من أصل فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلت؛ فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قولي".

وقال حافظ المغرب ابن عبد البر ـ رحمه الله ـ في كتابه "التمهيد" (10/127):

"وأما ما نهى الله عنه ورسوله، فلا خيار فيه لأحد، وكل قول خالف السنة فمردود..لأن الله عز وجل قد أمر في كتابه عند تنازع العلماء وما اختلفوا فيه بالرد إلى الله ورسوله، وليس في جهل السنة في شيء قد علمها فيه غيره حجة".

وقال ـ رحمه الله ـ في المصدر نفسه (10/61): "فلا حجة في قول أحد مع السنة".

وقال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري ـ رحمه الله ـ فيما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في كتابه "الاستقامة" (1/110):

"وأخبرني أحمد بن حمزة، حدثنا محمد بن الحسين ـ وهو أبو عبد الرحمن السلمي ـ يقول: بلغني أن بعض أصحاب أبي علي الجوزجاني سأله: كيف الطريق إلى الله؟ قال: أصح الطرق وأعمرها وأبعدها من الشبه: اتباع الكتاب والسنة، قولاً وفعلاً، وعقداً ونيةً، لأن الله يقول: (..وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا..(54) سورة النور، فسأله: كيف طريق اتباع السنة؟ قال: بمجانبة البدع، واتباع ما اجتمع عليه الصدر الأول من علماء الإسلام وأهله، والتباعد عن مجالس الكلام وأهله، ولزوم طريقة الاقتداء والاتباع، بذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا..(123) سورة النحل.













(22)

عاقبة الابتداع والغلو في الدين


أخرج الدارمي في "سننه" (1-68-69)، وبحشل في "تاريخ واسط" (ص:198-199)، وهو في "الصحيحة" (2005)، قال الدارمي: أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى قَال: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا نَجْلِسُ عَلَى بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَبْلَ صَلاةِ الْغَدَاةِ فَإِذَا خَرَجَ مَشَيْنَا مَعَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَجَاءَنَا أَبُو مُوسَى الأشْعَرِيُّ فَقَالَ: أَخَرَجَ إِلَيْكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَعْدُ؟ قُلْنَا:لا فَجَلَسَ مَعَنَا حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ قُمْنَا إِلَيْهِ جَمِيعًا، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ آنِفًا أَمْرًا أَنْكَرْتُهُ وَلَمْ أَرَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ إِلاَّ خَيْرًا، قَالَ: فَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: إِنْ عِشْتَ فَسَتَرَاهُ، قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ قَوْمًا حِلَقًا جُلُوسًا يَنْتَظِرُونَ الصَّلاةَ، فِي كُلِّ حَلْقَةٍ رَجُلٌ، وَفِي أَيْدِيهِمْ حَصًى، فَيَقُولُ: كَبِّرُوا مِائَةً، فَيُكَبِّرُونَ مِائَةً، فَيَقُولُ: هَلِّلُوا مِائَةً، فَيُهَلِّلُونَ مِائَةً، وَيَقُولُ: سَبِّحُوا مِائَةً، فَيُسَبِّحُونَ مِائَةً، قَالَ: فَمَاذَا قُلْتَ لَهُمْ؟ قَالَ: مَا قُلْتُ لَهُمْ شَيْئًا انْتِظَارَ رَأْيِكَ وَانْتِظَارَ أَمْرِكَ، قَالَ: أَفَلا أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَعُدُّوا سَيِّئَاتِهِمْ وَضَمِنْتَ لَهُمْ أَنْ لا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ، ثُمَّ مَضَى وَمَضَيْنَا مَعَهُ، حَتَّى أَتَى حَلْقَةً مِنْ تِلْكَ الْحِلَقِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَصًى نَعُدُّ بِهِ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّسْبِيحَ، قَالَ: فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَيْءٌ، وَيْحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! مَا أَسْرَعَ هَلَكَتَكُمْ!! هَؤُلاءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مُتَوَافِرُونَ، وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ، وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ، أَوْ مُفْتَتِحُو بَابِ ضَلالَةٍ؟! قَالُوا: وَاللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا أَرَدْنَا إِلاَّ الْخَيْرَ، قَالَ: وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَنَا أَنَّ قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ وَايْمُ اللَّهِ مَا أَدْرِي لَعَلَّ أَكْثَرَهُمْ مِنْكُمْ ثُمَّ تَوَلَّى عَنْهُمْ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ: رَأَيْنَا عَامَّةَ أُولَئِكَ الْحِلَقِ يُطَاعِنُونَا يَوْمَ النَّهْرَوَانِ مَعَ الْخَوَارِجِ"

الفوائد التي تؤخذ من الحديث والقصة

  1. الذي شرع الغاية لم ينس الوسيلة، فعندما شرع الله الذكر لم ينس وسيلته؛ فقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما أخرجه أبو داود، والترمذي، والحاكم، من حديث عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ يعقد التسبيح بيمينه، ويقول: "إنهن مستنطقات".

2ـ البدعة الإضافية ضلالة

وهي: التي تستند إلى دليل من جهة الأصل، وغير مستندة من جهة الكيف والصفة؛ فسميت إضافية؛ لأنها لم تخلص لأحد الطرفين: المخالفة الصريحة، أو الموافقة الصحيحة.

فهؤلاء القوم لم يقولوا كفراً، ولم يفعلوا نكراً ـ فيما يظهر لهم ـ بل كانوا يذكرون الله ، وهو أمر مشروع بالنص، إلا أنهم خالفوا الكيفية والصفة التي سنها محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأنكر الصحابة عليهم وأمروهم أن يعدوا سيئاتهم.

3ـ الله سبحانه وتعالى لا يعبد إلا بما شرع، لا بالأهواء والعوائد والبدع.

4ـ البدعة تميت السنة، فهؤلاء النفر اخترعوا صفة للذكر لم تؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأماتوا هدي محمد صلى الله عليه وسلم وهذا أصل فهمه السلف الصالحون، وعلموا يقيناً أن البدعة والسنة لا تجتمعان.

ولنا أن نتذكر قول التابعي حسان بن عطية ـ رحمه الله ـ والذي أخرجه الدارمي: "ما ابتدع قوم بدعة في دينهم، إلا نزع من سنتهم مثلها".

5ـ البدعة سبب الهلاك؛ لأنها تقود إلى ترك السنة، وفي ذلك ضلال بعيد، قال عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ "ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم" وإذا ضلت الأمة هلكت، لذلك قال عبد الله بن مسعود لتلك الحلق: "يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم!".

وفي الأثر دلالة على أن الصحابة جميعهم على هذا الإنكار لأن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه احتج على الحلق بأن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ متوافرون.

6- البدعة بريد الكفر، لأن المبتدع نصب نفسه مشرعاً، ولله نداً، فاستدرك على أحكم الحاكمين، وظن أنه على ملة أهدى من ملة محمد صلى الله عليه وسلم. قال شيخنا في "الصحيحة" (5/14): ألا ترى أن أصحاب تلك الحلقات صاروا بعد من الخوارج الذين قتلهم الخليفة الراشد علي بن أبي طالب؟ فهل من معتبر.

7- البدع تفتح باب الخلاف على مصراعيه ـ وهو باب ضلالة ـ ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيء؛ لأن الدال على الشر كفاعله.

8- التقليل من شأن البدع يقود إلى الفسوق والعصيان والخروج على جماعة المسلمين وإمامهم، ألم تر أن هؤلاء النفر أصبحوا في صفوف الخوارج يوم نهروان يقاتلون الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ بقيادة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ الذي استأصل شأفتهم في ذلك اليوم المشهود.

9- ومن الفوائد التي تؤخذ من الحديث والقصة؛ أن العبرة ليست بكثرة العبادة، وإنما بكونها على السنة، بعيدة عن البدعة، وقد أشار إلى هذا ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ بقوله أيضاً: "اقتصاد في سنة، خير من اجتهاد في بدعة".














(23)

خطر اتباع الهوى

لقد نزَّه الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن النطق بالهوى ، أو أن يقول شيئاً من عند نفسه في أمر الدين ، فكان مطلع سورة النجم :ـ (( والنجم إذا هوى (1) ما ضلَّ صاحبكم وما غوى (2) وما ينطق عن الهوى (3)0

قال ابن كثير : وقوله تعالى :ـ (( ما ضلَّ صاحِبُكُم وما غَوى )) ، هذا هو المقسم عليه وهو الشهادة للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه راشد ، تابع للحق ، ليس بضالٍ 0 والضال هو الجاهل الذي يسلك على غير طريق بغير علم0 والغاوي هو العالم بالحق العادل عنه قصداً إلى غيره 0 فنزَّه الله رسوله ، وشرعه عن مشابهة أهل الضلال كالنصارى وطرائق اليهود وهي علم الشيء وكتمانه والعمل بخلافه 0 بل هو صلاة الله وسلامه عليه وما بعثه الله به من الشرع العظيم في غاية الاستقامة والاعتدال والسداد ، لذا قال الله تعالى :ـ ((إنْ هو إلاّ وحيٌ يُوحَى )) ، أي إنما يقول ما أمر به يبلغه كاملاً موفوراً من غير زيادة أو نقصان 0 اهـ 0

وحين خطَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم خطَّه المستقيم الذي قال عنه : هذا صراط الله مستقيماً 0 كان لزاماً على المتتبع لهذا الصراط المستقيم ألاّ يتبع الهوى ، قال تعالى :ـ (( وأمّا من خاف مقام ربِّه ونهى النفس عن الهوى فإنَّ الجنة هي المأوى )) ـ ( سورة النازعات ، الآية: 40 )) 0

قال ابن تيمية رحمه الله تعالى : ونفس الهوى وهو الحب والبغض الذي في النفس لا يلام عليه ، فإنّ ذلك قد لا يملك وإنما يلام على اتباعه (1)0

وقال أيضاً : ومجرد الحبّ والبغض هوى ، لكن المحرم إتباع حبه وبغضه بغير هدى من الله 0 اهـ 0

إذا فهذا الخط الذي خطّه النبي صلى الله عليه وسلم هو مراد الله تعالى الذي قال :ـ ((ثمَّ جعلناك على شريعة من الأمر فاتَّبِعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون )) ـ ( سورة الجاثية : 18) 0

وخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم فقال :ـ (( فلذلك فادعُ واستقمْ كما أُمِرْتَ ولا تتبع أهوائهم )) ـ ( سورة الشورى : 15 ) 0

بعد أن قال :ـ (( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله )) ـ (سورة الشورى ، الآية:10) 0 فالحكم حكم الله وما أوحى إلى نبيه ، كقوله تعالى:ـ (( فإن تنازعتم في شيءٍ فرُدُّوه إلى الله والرسول )) ـ ( سورة النساء ، الآية : 59 ) 0 وقوله تعالى في سورة المائدة :ـ ((فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم عمَّا جاءك من الحق )) ـ ( الآية : 48 ) 0

لذا قال تعالى في سورة الشورى :ـ (( شرَّع لكم من الدين ما وصَّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصَّينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرَّقُوا فيه )) ـ ( الآية: 13 )) 0

قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (1) : وهذا التفريق الذي حصل من الأمة علمائها ومشايخها وأمرائها وكبرائها هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها، وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله 0

ثم قال الله تعالى :ـ (( وما تفرقوا إلاّ من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم )).

قال ابن تيمية في "المجموع": فأخبر أن تفرّقهم إنما كان بعد مجيء العلم الذي بيَّن لهم ما يتقون ، فإنّ الله ما كان ليضلّ قوماً بعد إذ هداهم حتى يبيِّن لهم ما يتقون 0

وكذلك الحال في هذه الأمة ، فإنّ التفرق لم يقع بينها إلاّ بعد قيام حجة الله عليهم بإرسال رسوله صلى الله عليه وسلم ، وبعد أمرهم بالائتلاف والاجتماع ونهيهم عن التفرق والاختلاف وبعد تحذير النبي صلى الله عليه وسلم لأمته من التفرّق ، وبعد أن قصَّ الله علينا تفرّق الأمم السابقة واختلافهم وذلك حتى يكون لنا العبرة فيهم فلا نختلف كما اختلفوا ولا نتفرّق كما تفرقوا 0 اهـ 0

وقال تعالى في سورة الأعراف :ـ (( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين (175) ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذَّبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون (176) .

ثُمّ عرَّفَ حال مُتَّبِعِي الهَوى فقال :ـ (( من الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزبٍ بما لديهم فرحون )) ـ ( الآية : 32 ) 0

قلت : لقد حصل التكذيب بعد العلم 0 وقال تعالى في سورة القصص:ـ (( فإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ إِنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَائَهُم وَمَنْ أَضَلُّ مِمَنِ اِتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدَىً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الْظَّالِمِيْن (50) ولقد وصلنا لهم القول لعلَّهم يتذكرون (51) .

وقوله تعالى مفسرا في سورة الجاثية :ـ (( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون )) ـ ( سورة الجاثية ، الآية : 23 )) 0

لقد أضلَّه الله تعالى بعد بلوغه العلم وقيام الحجة فهو إذاً من الظالمين 0 قال تعالى يخاطب رسوله والمراد أمته :ـ (( ولئن اتبعت أهوائهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذاً لمن الظالمين )) ـ ( سورة البقرة، الآية : 145 )) 0 وقال تعالى في سورة الرعد :ـ (( ولئن اتبعت أهوائهم من بعد ما جاءك من العلم مالك من الله من وليٍّ ولا واقٍ )) ـ (الآية : 37 )) 0 قال ابن كثير : وهذا وعيد لأهل العلم أن يتبعوا سبل أهل الضلالة بعد ما صاروا إليه من سلوك السنة النبوية والمحجة المحمدية ، على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام 0

من أجل هذا كلّه : حذَّر الله تعالى إتباع الهوى فقال :ـ (( فلا تتبعوا الهوى )) ـ ( سورة النساء ، الآية : 135 )0
















(24)

إن بني إسرائيل لما هلكوا قصوا

أخرج الطبراني في "المعجم الكبير" ، وأبو نعيم في "الحلية" ، وهو في الصحيحة (1681) عن خباب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

( إنّ بني إسرائيل لمّا هلكوا قصّوا )

قال في النهاية:

إي اتكلوا على القول وتركوا العمل ، فكان ذلك سبب هلاكهم ، أو بالعكس، لما هلكوا بترك العمل أخلدوا إلى القصص.

قال شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ:

وأقول ومن الممكن أن يقال: إن سبب هلاكهم اهتمام وعّاظهم بالقصص والحكايات، دون الفقه والعلم النافع الذي يعرِّف الناس بدينهم فيحملهم ذلك على العمل الصالح، لما فعلوا ذلك هلكوا، وهذا هو شأن كثير من قصّاص زماننا الذين جل كلامهم في وعظهم حول الإسرائيليات والرقائق والصوفيات ، نسأل الله العافية.

قلت: والقصص حلوٌ للعوام، خاصة إذا كان القاصّ حلو اللسان، فكان من هلاك الناس أن هؤلاء القصّاص حوّلوا الناس عن العلم النافع والعمل الصالح إلى القصص التي أكثر ما فيها إسرائيليات وأحاديث ضعيفة يمتعهم بسماعها، يحوّل وجوه الناس إليه بدلاً من أن يحوِّلهم إلى أهل العلم يطلبون ما ينفعهم ظانّاً هذا المُسيكين أنه بافترائه على الله ورسوله يخشّع الناس ويجعل في قلوبهم مخافة الله؟! فإلى الله المشتكى مما ابتلي به المسلمون اليوم من هؤلاء القصّاص الذين لبّسوا على الناس دينهم بحجة وعظهم.

أخرج الخطيب البغدادي عن مالك بن دينار قوله:

( تلقى الرجلَ وما يلحنُ حرفاً وعمله لحن كلُّه ).

وعن إبراهيم بن أدهم قوله:

(أعربنا في الكلام فما نلحن، ولحنّا في الأعمال فما نُعرب).

وعن بعض الزهّاد:

لم نؤتَ من جَهْلٍ ولكننا نَسْتُرُ وجهَ العِلْمِ بالجــهلِ

نكره أن نَلْحَنَ في قولنا ولا نُبالي اللَّحْنَ في الفعلِ


وأنشد هلال بن العلاء الباهلي لنفسه:

سَيَبْلى لسانٌ كان يُعْرِب لفــظةً

فيا ليتهُ من وقْفَةِ العَرْضِ يسلَمُ

وما ينفع الإعراب إن لم يكن تقىً

وما ضرَّ ذا تقوى لسانٌ معجَّمُ


أخرج الإمام ابن جرير الطبري في " التفسير " (1/35) عن عبد الله بن مسعود قوله: كان الرجل منّا إذا تعلّم عشر آيات لم يجاوزهنّ ، حتى يعرف معانيهنّ ، والعمل بهنّ.

وفي رواية أخرى أخرجها عن أبي عبد الرحمن (1/36) قال: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا إذا تعلموا عشر آيات ، لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعاً.

وقالت أم سفيان الثوري له ، وهي تعظه: " يا بني إذا كتبت عشرة أحرف فانظر: هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك، فإن لم تر ذلك، فاعلم أنها تضرك ولا تنفعك"(1).

وعن الحسن قال: " قد كان الرجل يطلب العلم، فلا يلبث أن يُرى ذلك في: تخشعه، وهديه، ولسانه، وبصره، وبرّه ".

قال الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي في كتابه " فتح المنعم ":

اعلم ـ أصلحك الله ـ أن تفضيل العالم على العابد، الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم: "فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ، كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ"..الحديث. وقوله صلى الله عليه وسلم:" فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ..الحديث.

لا يراد منه أن العالم المفضَّل عار عن العمل، والعابد عن العلم، بل المراد أن علم ذلك غالب على عمله، وعمل هذا غالب على علمه، فإن العابد إذا كان عارياً عن العلم لا يُسمى في عرف الشرع عابداً، بل يُسمى فاسقاً، لأنه بدوام تركه تعلم فروض العين لا يزال فاسقاً؛ كما قال بعض العلماء:

وجاهل لفرضِ عينٍ لم يَجُزْ

إطلاقُ " صالحٍ " عليه فاحترِزْ

لأنــه بتركِهِ التعلُّمــا

لم يَنِ فاسـقاً قال العُلَمــا

أي يقول العلماء: إنه لم يزل فاسقاً بتركه التعلم الواجب عليه، فالصالح لا يُطلق شرعاً إلا على القائم بحقوق الله وحقوق العباد، ولا يمكن ذلك بدون العلم:

وقائمٌ بِحَــقِّ ربه وحَـقِّ

عِبــاده فصالحاً قد استحق

فالصالح مرادف للعابد، لأن عبادة العابد بدون علم لا تسمى عبادة؛ لأن ما يفسده صاحبها أكثر مما يصلحه:

إن الــذي بدون علمٍ يَعْبُدُ

لا يُحسن العمـلَ لكن يُفْسِدُ

فترد أعماله ، ولا تقبل لخلوها عن العلم:

وكل من بغير علمٍ يعــملُ

أعمـاله مردودةٌ لا تُقْبــَلُ

والحاصل أن العابد هو العالم الذي غلب عمله على علمه، ولم يشتغل بتعليم الناس، بخلاف العالم فإن الغالب عليه التعليم، والافتاء، والتصنيف.

مهما فاتك من العلم فلا يفوتنَّك العَمَل

ينبغي لمن أراد التفقه في الدين في أول طلبه أن يمزجه بالتعبد، إذ إنه ليس ثَمَّ عمر طويل في الغالب حتى يترك له برهة منه، فيخشى عليه أن يموت وهو في السبب، قبل وصوله للمقصود(1).

أخرج الخطيب البغدادي في كتابه "اقتضاء العلم العمل" (61) عن حفص بن حميد يقول: دخلت على داود الطائي أسأله عن مسألة وكان كريماً فقال:

أرأيت المحارب إذا أراد أن يلقى الحرب؟ أليس يجمع آلته، فإذا أفنى عمره في الآلة فمتى يحارب؟ إن العلم آلة العمل فإذا أفنى عمره في جمعه فمتى يعمل؟.

وأخرج أيضاً عن أبي عبيد القاسم بن سلام يقول: سمعني عبد الله بن ادريس أتلهف على بعض الشيوخ فقال لي:

يا أبا عبيد مهما فاتك من العلم فلا يفوتنَّك العمل.

أنشد أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله الصوري لنفسه:

كم إلى كم أغدوا إلى طلب العلــ

ـم مُجـدّا في جمع ذاك حَفياً

طالبــاً منه كـلَّ نوع وفَـنٍّ

وغريبٍ ولست أعمـلُ شيّا

وإذا كان طالب العلم لا يعـــ

ـــمل بالعلم كـان عبداً شقيّا

إنما تنفع العلوم لمن كـــــا

ن بها عاملاً وكـــان تقياً

ومما ينبغي أن يُعلم أن السلف ـ رضوان الله عليهم ـ لا يطلقون اسم الفقه إلا على العلم الذي يصحبه العمل، كما سُئل سعد بن إبراهيم عن أفقه أهل المدينة فقال: أتقاهم.



(25)

إن الله احتجز التوبة عن صاحب كل بدعة

معنى قوله صلى الله عليه وسلم:

إن الله احتجز التوبة عن صاحب كل بدعة

الحديث أخرجه أبو الشيخ في "تاريخ أصبهان"، والطبراني في "الأوسط"(4202) ولفظه: إن الله حجب التوبة عن صاحب كل بدعة، والهروي في "ذم الكلام" (960)، والبيهقي في "شعب الإيمان"، وابن أبي عاصم في "السنة"(37)، وهو في الصحيحة (1620).

وأورد المنذري الحديث في "الترغيب والترهيب" (54 ـ صحيح الترغيب والترهيب) كتاب السنة، الترهيب من ترك السنة وارتكاب البدع والأهواء.

فالحديث فيه ما فيه من الترهيب من ترك السنة وارتكاب البدعة، والحديث في عمومه دال على عدم توبة المبتدع والحيال بينه وبين التوبة وحجبه عنها.

قال الله عز وجل في سورة النور (..فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)، قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ في قوله تعالى: (أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ) قال: أي: في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة.

وقال الله تعالى في سورة الأنفال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24).

قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ:

يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان منهم وهو: الاستجابة لله وللرسول، أي الانقياد لما أمر به، والمبادرة إلى ذلك، والدعوة إليه، والاجتناب لما نهيا عنه، والانكفاف عنه، والنهي عنه.

وقوله: (إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) وصف ملازم، لكل ما دعا الله ورسوله إليه، وبيان لفائدته وحكمته، فإن حياة القلب والروح بعبودية الله، ولزوم طاعته، وطاعة رسوله، على الدوام.

ثم حذر من عدم الاستجابة لله وللرسول فقال: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) فإياكم أن تردوا أمر الله، أول ما يأتيكم، فيحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك. وتختلف قلوبكم فإن الله يحول بين المرء وقلبه، يقلب القلوب حيث يشاء، ويصرفها أنى شاء.

فليكثر العبد من قول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب اصرف قلبي إلى طاعتك".أ.هـ

وقال الشيخ سلطان المعصومي ـ رحمه الله ـ في كتابه "تمييز المحظوظين من المحرومين" (ص:192):

(وَاعْلَمُوا) أيها المؤمنون (أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) وهذا تنبيه لأمرين عظيمين أمرنا الله تعالى أن نعلمهما علماً يقيناً:

الأول: أن من سنة الله في البشر الحيلولة بين المرء وقلبه، الذي هو مركز الوجدان والإدراك ذي السلطان على إرادته وعمله، وهذا أخوف ما يخافه المتقي على نفسه إذا لم ييأس من روح الله فيه.

ومعرفة هذه الجملة تثمر الخوف والرجاء، فكم من متق مهتد يضل عن الصراط المستقيم، ويميل إلى مهاوي الجحيم، بسبب شبهة تزعزع الاعتقاد، أو شهوة يغلب بها الغي على الرشاد، فيطيع هواه، ويتخذه إلهاً من دون الله، على أنه فيه مختار بلا جبر ولا اضطرار؛ كما وقع في هذا العصر من بعض معاصرينا، كعبد الله القصيمي في كتابه "هذي هي الأغلال" فإنه قد خالف النصوص الصريحة القرآنية، والأحاديث الصحيحة النبوية، في أحد وعشرين موضعاً من هذا الكتاب، ظاهره الكفر والزندقة، بعد أن كان مؤمناً موحداً يدافع عن الإيمان والتوحيد وأهله، ويصارع أهل الشرك والخرافات، كما في مؤلفاته السابقة، ككتابه "الصراع بين الإسلام والوثنية" و "البروق النجدية" و "شيوخ الأزهر" وغيرها، ولكن قد صدق الله العظيم (أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ).

وقال ـ رحمه الله ـ:

ومن جملة الأسباب الظاهرة مصاحبة المتفرنجين والزنادقة، والطمع فيما عندهم من مال الدنيا.

اللهم ثبت قلوبنا على دينك، (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ(8) سورة آل عمران.

اللهم توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين.أ.هـ

المبتدعة يمرقون من الإسلام ثم لا يعودون فيه

فعلى المسلم أن يحذر أن تصيبه فتنة من الله تعالى، أو أن يحول الله بينه وبين قلبه.

فمن الأحاديث الدالة على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه في وصف الخوارج من حديث أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ" ..الحديث.

وفي رواية لمسلم من حديث أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"إِنَّ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي، أَوْ سَيَكُونُ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي، قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حَلاقِيمَهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ".. الحديث.

أخرج ابن وضاح في كتابه "البدع والنهي عنها" (ص:62)، عن حماد بن زيد عن أيوب ـ يعني السختياني ـ قال: كان رجل يرى رأياً فرجع عنه فأتيت محمداً فرحاً بذلك أخبره، فقلت: أشعرت أن فلاناً ترك رأيه الذي كان يرى؟ فقال: انظروا إلى ما يتحول إن آخر الحديث أشد عليهم من أوله، يمرقون من الإسلام لا يعودون فيه.

وأخرجه اللالكائي في "شرح اعتقاد أصول أهل السنة والجماعة" (286) ولفظه: قال رجل لأيوب:

يا أبا بكر إن عمرو بن عبيد قد رجع عن رأيه !!

قال: إنه لم يرجع.

قال: بلى يا أبا بكر إنه قد رجع.

قال أيوب: إنه لم يرجع ـ ثلاث مرات ـ أما أنه لم يرجع، أما سمعت إلى قوله: (يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ).

وأيوب صاحب الأثر يرى أن كل الأهواء خوارج ينطبق عليهم هذا الأثر، فقد أخرج اللالكائي (290) عن سلام بن أبي مطيع قال: وكان أيوب يسمي أهل الأهواء كلهم خوارج ويقول: الخوارج اختلفوا في الاسم واجتمعوا على السيف.

وأخرج ابن وضاح عن أبي عمرو الشيباني قال: كان يقال: يأبى الله لصاحب بدعة بتوبة، وما انتقل صاحب بدعة إلا إلى شر منها.

وأخرج عن عبد الله بن القاسم وهو يقول: ما كان عبد على هوى فتركه إلا إلى ما هو شر منه، قال: فذكرت هذا الحديث لبعض أصحابنا فقال: تصديقه في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ مروق السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ ثُمَّ لا يرجعونِ حَتَّى يرجع السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ).

وأخرج اللالكائي (285)، عن الحسن البصري قال: "أبى الله تبارك وتعالى أن يأذن لصاحب هوى بتوبة". ولفظه عند ابن وضاح: "أبى الله لصاحب بدعة بتوبة".

وفي كتاب "البدعـة وأثـرها السيء في الأمـة" بيًّن الشيخ سليم الهلالـي ـ حفظه الله ـ في الفصل الثامن، خطورة البدع ، ومما قاله بعد ذكر حديث الخوارج يبين أن صاحب البدعة لا يزداد من الله إلا بعداً: "يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاتَكُمْ مَعَ صَلاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّة"..الحديث؛

قال: فبيًّن اجتهادهم في بدعتهم، ثم بيًّن آخراً بُعدهم من الله تعالى.

وقال: التوبة عن المبتدع محجوبة، ما دام مصراً على معصيته، وما برح مقيماً على بدعته، لذلك يخشى عليه سوء الخاتمة. واستشهد بقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: "إن الله حجب التوبة عن صاحب كل بدعة".

















(1) السلسلة الصحيحة، حديث رقم: 2026

(1) الصلصة: صوت الحديد إذا وقع بعضه على بعض

(2) يفصم عني: يقلع عنه.

(3) يتفصَّد: يسيل

(4) الجران: هو باطن العنق.

(1) "صحيح بيان العلم وفضله " لابن عبد البر (صفحة: 106).

(1) "إسعاف المبطأ برجال الموطأ " (صفحة:4).

(1) البرك: صدر كل شيء، والمراد أنهم المقدمون من المؤمنين، يقصد بهم الصحابة رضوان الله عليهم.

(2) راجع غير مأمور، كتاب "صحيح جامع بيان العلم وفضله" للشيخ الفاضل: حسن الزهيري.

(2) أخرجه ابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله"، واللالكائي في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ".

(1) المقصود بذلك: بجعلهم على محك الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة.

(1) أخرجه الخطيب البغدادي في " الفقه والمتفقه" ( 1/28).

(1) " صحيح جامع بيان العلم وفضله " (صفحة:28).

(2) " سورة مريم " الآية: 12

(3) " سورة الزخرف " الآية: 63

(4) " سورة آل عمران " الآية: 48

(5) " سورة الأحزاب " الآية: 34

(1) فتح الباري: كتاب الزكاة (1409)، وكتاب الأحكام (7141)، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة (7316)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين " باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلِّمه، وفضل من تعلم حكمة من فقه أو غيره، فعمل بها وعلمها" (1352)، وكتاب الزهد (4198)، وأحمد (3469) و (3900). وأخرجه: النسائي وابن ماجه والطبراني والبيهقي وغيرهم كثير، ولله الحمد.

(1) أي: رئيسها.

(2) قَطَن النار: القيِّم على نار المجوس وموقدها، جمعها أقطان.

(1) أي: تسكن ويخمد لهيبها.

(1) عالم، رئيس من علماء النصارى رؤسائهم.

(2) القلّة: هي الجرار، والقُلَّة: التي يستخدمونها، سميَّت قلة لأنها تُقَلّ، ترفع وتحمل.

(3) أي: فضة.

(1) الحرّة: أرض ذات حجارة سود نخرة، كأنها أحرقت بالنار.

(1)العذق ـ بفتح العين ـ: النخلة بحملها، والعِذق ـ بالكسرـ: الكباسة، وهو من التمر كالعنقود من العنب.

(2) يريد: الرعدة، والعُرواء: برد الحمى أول مسها.

(1) هي حفرة تحفر للفسيلة إذا حولت لتغرس فيها.

(1) واحدة الوديّ: وهو صغار الفسيل، والفسيلة: هي النخلة الصغيرة، تقطع من الأم أو تقلع من الأرض فتغرس، وهو أيضا جزء من النبات يفصل عنه ويغرس.

(2) أي: أحفر لها موضعا تغرس فيه، واسم تلك الحفرة: فُقرة وفقير.

(1) " صفة الصفوة " (3/189).

(1) " فتح المنعم " للشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي.

81