فتاوى نور على الدرب لابن عثيمين 015.doc

http://www.shamela.ws

تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة




الكتاب : فتاوى نور على الدرب
المؤلف : فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله.
الناشر (مصدر الكتاب): مؤسسة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين الخيرية
الطبعة :.الإصدار الأول[1427-2006]
عدد الأجزاء : قرص واحد
تنسيق :فاعل خير.
[
الكتاب ]

السؤال: من جدة السائل ع. ع. ع. يقول هل يجوز للزوجة أن تظهر على ابن أخي وابن أختي أو أن تكشف وجهها لابن أخي وابن أختي؟
فأجاب رحمه الله تعالى : لا يجوز للمرأة أن تكشف وجهها إلا لمحارمها ومعلومٌ أن أخا الزوج ليس من محارمها إلا أن يكون بينها وبينه رضاع فهذا شيء آخر وكذلك ابن عمها وابن خالها ليسوا من محارمها فلا يجوز لها أن تكشف وجهها عندهم حتى لو فرض أن هذه عادتهم فالواجب ترك هذه العادة لأن الشرع مقدمٌ على العادة.
***
السؤال: السائل يقول إن له خالات كبار في السن قد تصل أعمارهن إلى الخمسين والستين يقول هل يجوز لهن الكشف على والدي وهل هن من القواعد من النساء؟
فأجاب رحمه الله تعالى : لا يحل لهن أن يكشفن لوالدك لأنه لا محرمية بينه وبينهن لكن هو ذكر عمات وخالات، الخالات أخوات أمه لا علاقة بينهن وبين أبيه والعمات أخوات أبيه فيكشفن له لأنه أخوهن وأما أنهن من القواعد فالمرأة إذا بلغت الخمسين قد تكون من القواعد وقد لا تكون حسب حالها وصحتها والضابط ما ذكره الله عز وجل في قوله (اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً) يعني إنها بلغت من السن مبلغاً صارت فيه هزيلة وزال ماء وجهها وصارت لا ترجو أن يتزوجها أحد هذه هي التي ليس عليها جناحٌ أن تكشف وجهها وكفيها لغير المحارم.
***

كتاب العلم
فضله - آدابه - مراحله
-
كتب تعليم المرأة - منكراته
ع. ب. العتيبي يقول في رسالته: ما هو العلم الذي نصت عليه الأحاديث وورد في آيات القرآن الكريم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: العلم الذي وردت الشريعة بالثناء على أهله والترغيب فيه إنما هو العلم بأحكام شريعة الله عز وجل، وقبل ذلك العلم بالله عز وجل: بأسمائه وصفاته، وما له من الصفات العليا والأفعال الحميدة المبنية على الحكمة والرحمة، ولهذا قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ). أي: العلماء به تبارك وتعالى، وبما له من العظمة التي تقتضي الخشية منه، وليست كما يفهمه بعض العامة وأشباههم من أن المراد بالعلماء في هذه الآية العلماء بالكون الذين أحاطوا بشيء من علمه، وما أوتوا من العلم إلا قليلاً، فإن من الناس من علم شيئاً من الكون مما علَّمه الله ومع ذلك فإنه من أشد الناس استكباراً وأبعدهم عن خشية الله تبارك وتعالى، وإنما المراد بالعلماء العلماء بالله وما له من العظمة والكبرياء اللذين بهما تكون الخشية لله سبحانه وتعالى .وخلاصة الجواب: أن العلم الذي ورد في الكتاب والسنة فضله والترغيب فيه إنما هو العلم بالله تبارك وتعالى، وبأحكامه الشرعية التي تعبد عباده بها، وأما العلم بما أودع الله تعالى في الكون من الأسرار والحكم فإنه داخل في العلم بالله سبحانه وتعالى.
***

أثابكم الله يا شيخ محمد المستمعة عواطف من جدة أرسلت بهذه الرسالة تقول فيها: إنني أرى ولله الحمد شباب اليوم وخاصة بأنهم التزموا بطاعة الله ،ولكن نراهم يميلون إلى مذاكرة الحديث والتفسير والتوحيد و الفقه فقط، ويهملون المواد الأخرى مثل الرياضيات والعلوم، ويقولون: فقط يريدون الدين ولا يهمهم باقي المواد، يريد الآخرة ،نعم ولله الحمد نحن لا نمنعهم من ذكر الله، ولكن الله عز وجل أمرنا بالعلم وحثنا عليه. نريد من فضيلتكم نبذة بسيطة عن فضل العلم، وأيضاً تقول: وبصراحة نرى تطوعهم فيه تشديد جداً جداً ،نرجو منكم الإفادة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لاشك أن ما ذكرته السائلة- من- أن العلم لا يقتصر على العلوم الشرعية كعلم التفسير والحديث والتوحيد والفقه وما يتعلق بذلك-صحيح-، لكن العلم المحمود على كل حال هو هذه العلوم، هي التي أمر الله بها ،وهي التي فيها الفضل، وهي التي قال الله تعالى فيها: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ). وقال فيها (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) .وقال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة). وقال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين). أما العلوم الأخرى التي تتعلق بالدنيا فهي من العلوم المباحة التي إن اتخذها الإنسان وسيلة إلى خير كانت خيراً، وإن اتخذها وسيلة إلى شر كانت شراً ،فهي لا تحمد لذاتها ولا تذم لذاتها، بل هي بحسب ما توصل إليه وهناك علوم أخرى ،علوم ضارة إما في العقيدة وإما في الأخلاق وإما في السلوك، فهذه محرمة وممنوعة بكل حال فالعلوم ثلاثة أقسام: محمودة بكل حال، ومذمومة بكل حال، ومباحة يتعلق الذم فيها أو المدح بحسب ما تكون وسيلة له، والنصوص الواردة في فضل العلم والحث عليه تتعلق بالقسم الأول فقط وهو المحمود بكل حال. وإذا كانت العلوم التي تتعلق بالدنيا نافعة للخلق ،ولم تشغل عما هو أهم منها ،كان طلبها محموداً؛ لما توصل إليه من النفع العام أو الخاص، و لا ينبغي لنا أن نحتقرها حتى لا نجعل لها قيمة في حال تكون مفيدة للخلق. وأما قولها: إنها ترى هؤلاء يتشددون في الدين تشدداً عظيماً، فالتشديد والتيسير أمر نسبي، قد يرى الإنسان الشيء شديداً وهو في نظر غيره يسير، وقد يرى الإنسان الشيء يسيراً وهو في نظر غيره شديد، والمرجع في ذلك إلى السنة المطهرة سنة النبي صلى الله عليه وسلم، المبنية على كتاب الله عز وجل فإن كان ما يقومون به من

أعمال موافقاً للكتاب والسنة فليس بتشديد ،بل هو اليسر والسهولة ،وإن كان بعض المتهاونين المفرطين يرونه تشديداً فلا عبرة بما يرونه، فإنه إذا وافق الكتاب والسنة فهو يسير، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن هذا الدين يسر)، لكن قد يستنكر بعض المفرطين شيئاً من شريعة الإسلام، ويظن أن القيام به تشديد، فيصف المتمسكين به بالتشدد في دينهم، ونحن لا ننكر أنه يوجد فئة من الناس تتنطع في دينها وتزيد فيه، وتعنف على من خالفها في بعض الأمور التي يسوغ فيها الاجتهاد ويسع الأمة فيها الخلاف، وهؤلاء لا عبرة بهم ؛لأنهم مُفرِطون ،والذين يتساهلون ويرون أن التمسك بالشريعة تشديد لا عبرة بهم أيضاً؛ لأنهم مُفرِّطون، والدين بين الغالي فيه والجافي عنه.
***
السائلة ع. ع. ف. من السودان أبو سليم تقول: ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه وجد حلقة علم وحلقة ذكر، فجلس في حلقة العلم، فهل هذا صحيح؟ وإن كان كذلك فكيف كان يذكر أولئك الذين كانوا في حلقة الذكر، أو ماذا يقولون؟ والرسول صلى الله عليه وسلم لم يمنعهم، ولكنه فضل حلقة العلم، وهل يعتبر هذا دليلاً على أن حلق الذكر الجماعي بدعة، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إن كان صحيحاً لم ينههم عن ذلك وإنما اجتنبهم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث لا أعلم صحته، ولا أظنه يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الاجتماع على العلم لاشك أنه من أفضل الأعمال؛ لأن العلم نوع من الجهاد في سبيل الله، فإن الدين إنما قام بالعلم والبيان، والقتال لمن نابذه وعارضه ولم يخضع لأحكامه. وأما الذكر فإن الاجتماع أيضاً على الذكر لا بأس به، ولكنه ليس الاجتماع الذي يفعله بعض الصوفية: يجتمعون جميعاً ويذكرون الله تعالى بصوت واحد أو ما أشبه ذلك، إنما لو يجتمعون على قراءة القرآن أو ما أشبه هذا، مثل أن يقرأ واحد والآخرون ينصتون له، ثم يديرون القراءة بينهم، فهذا ليس فيه بأس ولا حرج فيه.

***
بارك الله فيكم تسأل عن معنى وصحة الحديث الذي ما معناه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (فضل العالم على الجاهل يوم القيامة كفضلي على سائر الناس)؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الظاهر لي أن هذا الحديث ضعيف، ولكن لا شك أن العالم لا يساويه الجاهل بأي حال من الأحوال؛ لقول الله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) .وقوله تعالى :(يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ). أما أن يفضله بهذا المقدار المعين فإن الحديث في ظني ضعيف ولم أكن أحرره. والله أعلم.
أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ هذا السائل ع.ع يقول في هذا السؤال فضيلة الشيخ ما نصيحتكم لطالب علم اجتهد في إصلاح نيته واجتهد في الإخلاص، ولكنه لم يقدر، وهو خائف من أن تصدق عليه الأحاديث الواردة في الوعيد الشديد لمن كانت نيته ليست خالصة لله، ويوشك أن يترك طلب العلم. وجهونا في ضوء هذا السؤال مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إن هذا السؤال سؤال مهم لطالب العلم، وذلك أن العلم عبادة من أفضل العبادات وأجلها وأعظمها ،حتى جعله الله تعالى عديلاً للجهاد في سبيله ،حيث قال تبارك وتعالى:(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ). فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يمكن للمؤمنين أن ينفروا في الجهاد في سبيل الله كلهم، ولكن ينفر من كل فرقة طائفة ليتفقه القاعدون في دين الله، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ،والآخرون يقاتلون في سبيل الله. وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين). فإذا رأى الإنسان أن الله تعالى قد فقهه في دينه فليبشر أن الله تعالى أراد به خيراً، ويجب إخلاص النية لله في طلب العلم، بأن ينوي الإنسان في طلبه للعلم أولاً: امتثال أمر الله تبارك وتعالى؛ لأن الله تعالى قال:(فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِله إِلاَّ اللَّهُ). قال البخاري رحمه الله: فبدأ بالعلم قبل القول والعمل.
ثانياً: أن ينوي بتعلمه حفظ شريعة الله ،فإن الشريعة تحفظ في الصدور، وتحفظ في الكتاب المسطور.
ثالثاً: أن ينوي بتعلمه حماية شريعة الله من أعدائها؛ لأن أعداءها مسلطون عليها منذ بعث الرسول عليه الصلاة والسلام إلى قيام الساعة، فلينوِ بطلب العلم حماية هذه الشريعة العظيمة.

رابعاً: أن ينوي بذلك المدافعة عن الشريعة إذا هاجمها أحد، وحينئذ يجب أن يتعلم من العلم السلاح الذي يدافع به، بل ينبغي أن نقول الذي يهاجم به أعداء الله، ويعامل كل أحد بالسلاح الذي يناسب حاله، والناس يختلفون في هذا الشيء: فمن الناس من يحاج في العقيدة ،فيحتاج الإنسان إلى تعلم العقيدة التي يدافع بها العقائد الفاسدة ومن الناس من يهاجم الإسلام بالأخلاق السافلة، فيجب على الإنسان أن يتعلم الأخلاق الفاضلة، وأن يتعلم مساوئ الأخلاق السافلة وآثارها السيئة، وهلم جرًّا. كذلك أيضاً ينوي طالب العلم بطلبه العلم أن يقيم عبادة الله على ما يرضي الله عز وجل؛ لأن الإنسان بدون التعلم لا يمكن أن يعرف كيف يعبد الله، لا في وضوئه ولا صلاته ولا صدقته ولا صيامه ولا حجه. وأيضاً يدعو إلى الله سبحانه وتعالى بعلمه، فيبين الشريعة للناس ويدعوهم إلى التمسك بها. فالعلم في الحقيقة من أفضل العبادات وأجلها وأعظمها نفعاً، ولهذا تجد الشيطان حريصاً على أن يصد الإنسان عن العلم، فيأتيه مرة بأنه إذا طلب العلم يكون مرائياً لأجل أن يراه الناس ويقولوا: إنه عالم، فيستحسر ويقول: مالي وللرياء؟ أو يقول له: انوِ بطلبك العلم الشرعي شيئاً من الدنيا حتى يحق عليك الوعيد: (من طلب علماً مما يبتغى به وجه الله ،لا يريد إلا أن ينال عرضاً من الدنيا ،لم يرح رائحة الجنة). ويأتيه بالأشياء الكثيرة التي تصده عن العلم. ولكن على المرء أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن يمضي لسبيله، ولا يهتم بهذه الوساوس التي تعتري قلبه، وكلما ما أحس بما يثبطه عن العلم بأي وسيلة فليقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ،وليقل: اللهم أعني، وما أشبه ذلك. وأقول لهذا الطالب: امض لسبيلك، اطلب العلم، لا يصدنك الشيطان عن ذكر الله ولا عن طلب العلم، واستمر وأنت سوف تلاقي صعوبة ومشقة في تصحيح النية ولكن تصحيح النية، أمر سهل فامض أيها الشاب في سبيلك، واستعن بالله عز وجل،

واستعذ بالله من الشيطان الرجيم.
***
السائلة أم هشام من جدة تقول معلمة تدرس القرآن الكريم، وسبب تدريسها هو ترشيح الإدارة المدرسية لها لشدة حاجة المدرسة للمعلمات، وأخرى تدرس من أجل المال، فليس لديهن النية التي يقرأن ويسمعن عنها من ابتغاء وجه الله عز وجل، فهل تثابان على هذه النية أم عليهما وزر؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يمتنع أن يريد الإنسان بتعليم القرآن ما يحصل له من مكافأة وما يرشح له من عمل، مع إخلاص النية لله تعالى، فتكون النية مركبة من هذا، ومن هذا وقد قال الله تعالى في الحج :(لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ) يعني :بالتجارة. فأشير على هاتين المرأتين أن تجعلا الأصل هو منفعة الدارسات وتعليمهن كتاب الله عز وجل، وهذا لا يفوت عليهما المكافأة، ولا القيام بما رشحتا له.
***
حدثونا عن أهمية العلم الشرعي بالنسبة لطالب العلم، وما هي الطريقة المثلى لطالب العلم الشرعي، وماذا يجب عليه في حفظ القرآن الكريم ،وكيف نستطيع أن نفهم العقيدة الإسلامية، خاصة إذا كان الشخص وحيداً وليس لديه ما يساعده على ذلك في مسألة الصفات والأسماء لله عز وجل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: طلب العلم الشرعي فرض على كل مسلم، لكنه على قسمين: الأول: فرض عين، والثاني: فرض كفاية. أما فرض العين :فيجب على كل مسلم أن يتعلم من شرع الله ما يحتاج إلى فهمه، فمثلاً إذا كان عنده مال يجب عليه أن يتعلم ماهي الأموال التي تجب فيها الزكاة؟ وما مقدار الزكاة الواجبة؟ وما شروطها؟ ومن المستحقون لها؟ ليعبد الله تعالى على علم وبصيرة إذا كان تاجراً فعليه أن يتعلم من أحكام تجارته ما يستعين به على تطبيق التجارة على القواعد الشرعية، وإذا كان ناظراً على الأوقاف فيجب عليه أن يتعلم من أحكام الأوقاف ما يستعين به على أداء مهمته، وهلم جرًّا.

أما فرض الكفاية فهو ما عدا ذلك من العلوم الشرعية، فإن على الأمة الإسلامية أن تحفظ دينها بتعلم أحكامه، وعلى هذا فكل طالب علم يعتبر أنه قائم بفرض كفاية يثاب على طلبه ثواب الفريضة، وهذه بشرى سارة لطلاب العلم أن يكونوا حال طلبهم قائمين بفريضة من فرائض الله عز وجل، ومن المعلوم أن القيام بالفرائض أحب إلى الله تعالى من القيام بالنوافل، كما ثبت في الحديث الصحيح القدسي أن الله تبارك وتعالى قال: (ما تقرب إلي عبدي بشي أحب إلي مما افترضت عليه). وأما كيفية الطلب: فيبدأ الإنسان بما هو أهم، وأهم شيء هو علم كتاب الله عز وجل وفهمه؛ لقول الله تبارك وتعالى: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمُ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمْ الأَوَّلِينَ) .أي:إنه وبخهم عز وجل لعدم تدبرهم كلام الله عز وجل وقال تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا). وقال الله تبارك و تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ). والتدبر يعني تفهم المعنى، ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل. ثم بعد ذلك ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقواله وأفعاله وتقريراته، ثم ما كتبه أهل العلم مما استنبطوه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى رأسهم وفي مقدمتهم الصحابة رضي الله عنهم، فإنهم خير القرون بنص الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهم أقرب الناس إلى فهم كتاب الله وفهم سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وليبدأ في المتون بالمختصرات قبل المطولات ؛لأن طلب العلم كالسلم إلى السقف ،يبدأ فيه الإنسان من أول درجة، ثم يصعد درجة درجة حتى يبلغ الغاية، وقولي حتى يبلغ الغاية ليس معناه أن الإنسان يمكن أن يحيط بكل شي علماً هذا لا يمكن: (وَفَوْقَ

كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) حتى ينتهي العلم إلى الله عز وجل، ولكن يبدأ بالأهم فالأهم، ويبدأ بالمختصرات قبل المطولات. وخير ما نراه في باب الأسماء والصفات من الكتب المختصرة العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنها عقيدة مختصرة سهلة جامعة نافعة، أكثر ما جاء به في صفات الله من القرآن الكريم وأما كيف تستعمل هذه الأدلة؟ فإن الطريق الصحيح والمنهج السليم فيها أن يجريها الإنسان على ظاهرها اللائق بالله عز وجل، فيجريها على ما يدل عليه ظاهرها، لكن من غير تمثيل ولا تكييف فإذا قرأ قول الله تعالى يخاطب إبليس: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ) آمن بأن لله يدين اثنتين حقيقة لا مجازاً، لكن لا يجوز أن يقول: كيفيتهما كذا وكذا، ولا أن يقول: إنهما مثل أيدي المخلوقين، يعني: لا يمثل ولا يكيف. وكذلك إذا قرأ قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من قلب من قلوب بني آدم إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن) فيثبت لله عز وجل أصابع حقيقية، ولكن لا يمثل ولا يكيف ،فلا يقول إن أصابع الله عز وجل كأصابع المخلوق، ولا يكيف صفة معينة يقدرها في ذهنه لهذه الأصابع ودليل هذا أن الله سبحانه وتعالى خاطبنا في القرآن باللغة العربية، فما دل عليه اللفظ بمقتضى اللغة العربية فهو ثابت؛ لقوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ). وقوله تعالى (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ(194)بلسانٍ عربي مبين) فبين الله تعالى أنه أنزل القرآن وصيره باللغة العربية من أجل أن نعقله ونفهمه، وهذه هي القاعدة في إرسال الله تعالى الرسل: يرسلهم الله تعالى بلغة أقوامهم ليبينوا لهم، قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ). فنجري آيات الصفات على ما تقتضيه

اللغة العربية، لكننا لا نمثل ولا نكيف: أما عدم التمثيل فلأن الله تعالى نهانا أن نضرب له المثل، فقال: (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ). وأخبرنا عز وجل أنه لا مثل له، فقال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، وقال تعالى: (رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً). وبهذه الآيات يتبين أنه لا يحل لنا أن نمثل بصفات الله عز وجل وأما امتناع التكييف بأن نقول: كيفية يده كذا ،كيفية أصابعه كذا ،فلقول الله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً)، ولقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ). ومن المعلوم أن الله تعالى أخبرنا عن صفاته ولم يخبرنا عن كيفيتها، فإذا حاولنا أن نكيف صرنا ممن افترى على الله كذباً ،هذه هي القاعدة في باب أسماء الله وصفاته. فلو قال لك قائل: المراد باليدين النعمة أو القدرة، فبكل سهولة أنت قل: هذا باطل؛ لأن هذا خلاف مدلولهما في اللغة العربية، والقرآن نزل باللغة العربية، ولا نقبل هذا التحريف إلا بدليل من كتاب الله أو سنة رسوله أو أقوال السلف. وإذا قال لك قائل: المراد باستواء الله على العرش استيلاؤه عليه. فقل: هذا باطل؛ لأن الاستواء على الشيء لا يعني الاستيلاء عليه في اللغة العربية ،والقرآن نزل باللغة العربية، ومعنى الاستواء على الشيء في اللغة العلو عليه علوًّا خاصًّا ،ليس العلو المطلق العام الشامل. وإذا قال لك قائل: (وَيَبْقَى

وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ) أي: يبقى ثواب الله. فقل: هذا باطل؛ لأن الله وصف الوجه بالجلال والإكرام فقال: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ) وذو صفة الوجه، ومعلوم أن الثواب لا يوصف بأنه ذو الجلال والإكرام، وسر على هذا المنهج تسلم من البدع الضالة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حذر من البدع، قال: (إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة). والعجب أن هولاء المحرفين الذين يقولون: المراد باليد النعمة أو القدرة، والمراد بالوجه الثواب ،والمراد بالاستواء الاستيلاء، يدعون أنهم فعلوا ذلك تنزيهاً لله عما لا يليق به، وفي الحقيقة أنهم بفعلهم هذا وصفوا الله بما لا يليق به، فقد أخبر عن شيء هو في نظرهم غير صحيح ،فيكون في كلام الله إما الكذب وإما التلبيس والتعمية على الخلق ،الله عز وجل يقول: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ). ويقول عز وجل :(يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). فالله عز وجل قد بين لنا في القرآن كل شيئ، ولا سيما ما يتعلق بأسمائه وصفاته ،فقد بينه الله تعالى بيانًا كافيًا شافيًا لا يحتاج إلى أقيسة هؤلاء التي يدعونها عقلية وهي خيالات وهمية. ثم إني أنصح من أراد طلب العلم أن يختار شيخًا له موثوقا في علمه وموثوقًا في دينه، سليم العقيدة سليم المنهج مستقيم الاتجاه؛ لأن التلميذ سيكون نسخة من أستاذه، فإن وفق الله له أستاذًا سليمًا مستقيمًا صار على نهجه، وإن كانت الأخرى فسينحرف كما انحرف أستاذه. فإذا قدر أنه لا يستطيع الوصول إلى مثل هذا الأستاذ الموصوف بما ذكرنا، فقد اتسع الأمر ولله الحمد في الآونة الأخيرة، وصارت أصوات العلماء تصل إلى أقصى الدنيا عبر الشريط، فيمكنه أن يقرأ على الأستاذ بما يسمعه من الشريط، ويقيد ما يشكل عليه من

الكلام ويراجع به الأستاذ المتكلم، إما عن طريق الهاتف أو عن طريق الفاكس أو عن طريق المكاتبة، كل شيء متيسر ولله الحمد، ومعلوم أن تلقي العلم عن الشيخ أقرب إلى التحصيل، وأسرع وأسلم من الزلل، ولهذا نجد الذين يعتمدون على مجرد قراءة الكتب يحصل منهم الخطأ الكثير، ولا يصلون إلى الغاية من العلم إلا بعد زمن طويل، لكن عند الضرورة لا بأس أن تستند إلى الكتب وإلى الأشرطة وما أشبه ذلك، بشرط أن تكون هذه الأشرطة والكتب عن مأمون في علمه ودينه ومنهجه.
***
بارك الله فيكم يا فضيلة الشيخ هذه الرسالة وصلت من ليبيا المستمع مفتاح موسى يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما هي الطريقة المثلى التي يمكن بها لطالب العلم دراسة الفقه الإسلامي؟ وهل من الممكن الاعتماد على الكتب ودراستها دون استشارة وطلب الشرح من الفقهاء والعلماء؟ أرجو التوضيح مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. طلب العلم له طريقان: الطريق الأول: تلقي العلم من المشايخ، والطريق الثاني: مراجعة الكتب. لكن الطريق الأولى يجب أن يكون الشيخ الذي يتلقى منه العلم شيخاً مأموناً في علمه، ومأموناً في دينه، في العقيدة وفي العمل؛ لأن بعض المشايخ يدعي المشيخة وينصب نفسه معلماً ومفتياً، وهو جاهل لا يعرف من العلم إلا الشيء اليسير، فيضل الناس بغير علم لكن إذا كان الرجل معروفاً بالاستقامة والعلم والدين والأمانة ،وسلامة العقيدة وسلامة الفكر فهذا يتلقى منه العلم. وطريق التلقي عن العلماء أسهل من طريق قراءة الكتب ؛لأن العالم كالمجهز للطعام يعطيك الطعام مطبوخاً منتهياً، فيكون تلقي العلم من طريقه أقصر، ولأن العالم إذا تلقيت من عنده علمك كيف تتلقى العلم؟ كيف تستنبط الأحكام من الأدلة؟ كيف الترجيح بين أقوال العلماء؟ وما أشبه ذلك. أما التلقي من الكتب فهذا يصار إليه عند الضرورة، إذا لم يجد الإنسان عالماً في بلده يثق به علماً وديناً وخلقاً وفكراً، فحينئذٍ ليس له طريق إلا التلقي من الكتب، ولكن التلقي من الكتب طريقٌ طويل يحتاج إلى جهدٍ كبير، ويحتاج إلى تأنٍّ ويحتاج إلى نظر، ويحتاج أيضاً إلى مطالعة كتب الفقهاء عموماً؛ لأنك لو اقتصرت على مطالعة كتب فقهٍ معين فربما يكون عند الفقهاء الآخرين من الأدلة ما ليس عند هذا، فالطريق طويل ولهذا أطلق بعض الناس أن من كان دليله كتابه ،كان خطؤه أكثر من صوابه. ولكن هذا ليس على إطلاقه: فإن من العلماء من تلقوا العلم من الكتب، ويسر الله لهم الأمر، وبرعوا في العلم وصاروا أئمةً فيه. أما كيف يتلقى العلم فنقول: ينظر إلى أقرب المذاهب إلى الحق فيأخذ به ويتفقه عليه، ولكن لا يعني ذلك أن لا يأخذ بما دل عليه الدليل من المذاهب الأخرى، بل يأخذ بالدليل ولو كان خلاف المذهب الذي اعتنقه، ولست بذلك أدعو إلى التقليد، ولكني أدعو إلى أن يكون

للإنسان طريقٌ معين يصل إلى الفقه منه، ولا يجعل العمدة كلام العلماء، بل العمدة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ،وهذا لا يضر أن أتفقه مثلاً على مذهب الإمام أحمد بن حنبل وعلى قواعد هذا المذهب ،وإذا تبين لي الصواب ،في مذهبٍ آخر أخذت بالصواب كما هي طريق شيخ الإسلام ابن تيمية، وطريق الشيخ محمد بن عبد الوهاب ،وغيرهما من العلماء المحققين البارزين ،وهذا لا يعني أن لا أتفقه على الكتاب والسنة، أنا أتفقه على الكتاب والسنة. لكن أجعل لي شيئاً أعبر منه إلى الكتاب والسنة وعلى هذا فنقول :إذا اخترت مثلاً مذهب الإمام أحمد بن حنبل ففيه كتبٌ مختصرة وكتب متوسطة وكتب مطولة، فاحفظ أولاً الكتب المختصرة في هذا المذهب، ثم إن كان لديك عالم تتلقى العلم منه فاقرأ هذا الكتاب عليه بعد أن تحفظه، وهو يبين لك معانيه ويشرحه لك، وإذا كان عنده سعة علم بين لك الراجح والمرجوح، وبين لك مآخذ العلماء ،وحصلت على خيرٍ كثير، ولكن لا تخلِ نفسك من كتب الحديث: احفظ من كتب الحديث ما تيسر، فإن تيسر لك أن تحفظ بلوغ المرام من أدلة الأحكام فهذا حسنٌ جداً، وإن لم يتيسر فعمدة الأحكام، حتى يكون لك نصيب من الأدلة تعتمد عليه، وهذا كله بعد حفظ كتاب الله عز وجل وتفهم معانيه ؛لأنه هو الأصل، فصار هذا الترتيب الذي ذكرته هو من أحسن ما يتمشى عليه طالب العلم فيما أرى. والله الموفق.
***
يقول فضيلة الشيخ أرجو إيضاح المنهج الصحيح لطالب العلم المبتدئ وكذلك إيضاح الكتب التي يبدأ فيها طالب العلم جزاكم الله خيرًا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المنهج الصحيح لطالب العلم مبتدئاً -كان أو راغبًا أو منتهياً- هو أن يسير في عقيدته وأقواله وأفعاله وأخلاقه على ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأن ثمرة العلم هو العمل به، والعلم إذا لم يعمل به من أعطاه الله إياه صار وبالاً عليه؛ لأنه بالعلم قامت عليه الحجة، وتبينت له المحجة فإذا عاند وخالف صار علمه حجة عليه ووبالاً عليه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم :(القرآن حجة لك أو عليك). وعلى طالب العلم المبتدئ والراغب والمنتهي أن يظهر أثر علمه عليه: في الوقار والسمت الحسن والخلق الجميل ،حتى يكون محترماً بين الناس معظماً فيهم؛ لأن كلمة المحترم المعظم تزن ألف كلمة من المستهان به، إن قبلت الكلمة من المستهان به، وعلى طالب العلم أن يبلغ ما علمه من شريعة الله؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (بلغوا عني ولو آية). فالعلماء ورثة الأنبياء، والوارث يجب أن يكون على هدي الموروث؛ لأن الوارث يحل محل الموروث فيما ترك، فكما أن المال إذا مات صاحبه انتقل المال نفسه إلى ورثته، كذلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا ماتوا انتقل ميراثهم وهو العلم إلى من بعدهم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر، وعلينا أن نسلك ما سلكه الرسل عليهم الصلاة والسلام في هداية الخلق ودعوتهم إلى الحق، فطالب العلم المبتدئ والراغب والمنتهي عليه مسؤولية في نشر علمه ودعوة الخلق إلى الحق، وعلى طالب العلم المبتدئ والراغب والمنتهي، عليه ألا يقع في قلبه حسد لأحد، فإن الحسد من أخلاق اليهود ،وهو خلق ذميم، وأول ما يتضرر به صاحبه؛ لأنه كلما رأى نعمة الله على أحد احترق قلبه وضاقت نفسه،ولم ير نعمة الله عليه في شيء، بل ربما يتدرج به الحسد إلى أن يشعر بنفسه أن الله قد ظلمه ،حيث أعطى فلاناً ما لم يعطه، وقد أنكر الله هذا على أولئك الحسدة في قوله: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا

آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً). وليعلم الحاسد -من طالب العلم وطالب المال وطالب الولد- أن حسده لا يمكن أن يمنع فضل الله على المحسود، وليسترشد بما أرشد الله إليه في قوله تعالى: (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ). فإذا رأى من فاقه علمًا ودينًا وولدًا ومالًا فليعلم أن ذلك من فضل الله، وليسأل الله من فضله، الذي أعطى هذا فليعطك، وأما كونك تحسده وتكره ما أنعم الله به عليه فهذا خطأ في التصور، وسفه في العقل، وضلال في الدين.

أما الكتب التي أنصح بها طالب العلم: فأولها كتاب الله عز وجل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد الذي أكد الله عز وجل أنه يسره للذكر، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ). فليتجه الإنسان طالب العلم إلى القرآن الكريم حفظًا وتلاوة، وتدبرًا وفهماً، وعملاً بما دل عليه، حتى ينال بذلك سعادة الدنيا والآخرة ،وليحرص على مراجعة كتب المفسرين الموثوقين في علمهم وأمانتهم؛ لأن مشارب المفسرين في القرآن الكريم مختلفة، ومنها ما هو ضلال، فيحاول من كان هذا مشربه إلا أن يُحرِّف نصوص القرآن إلى ما يعتقده ،مثال ذلك: قال الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى). وقد ذكر الله تعالى استواءه على عرشه في سبعة مواضع من القرآن الكريم وكلها بلفظ استوى على العرش، والاستواء على الشيء معلوم في اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم ،كما قال الله تعالى : (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ). وقال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ). وقال تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ). و في اللغة العربية: الاستواء إذا تعدى بعلى فإن معناه العلو على الشيء، كما قال تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ). فاستواء الله على عرشه علوه عليه على وجه يختص

به ويليق به جل وعلا، ولكننا لا نعلم كيفيته ؛لأن الله تعالى أخبرنا أنه استوى على عرشه، ولم يخبرنا كيف استوى. ولهذا لما سأل رجل الإمام مالكاً رحمه الله فقال: يا أبا عبد الله (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) كيف استوى؟ أطرق مالك برأسه حتى جعل يتصبب عرقاً من شدة ما نزل عليه من هذا السؤال ،ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وقال: ما أراك إلا مبتدعاً، ثم أمر به فأخرج من المسجد النبوي؛ لأنه سأل عن شيء لا يسعه إلا السكوت عنه، فإن الصحابة لم يسألوا عنه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهم أحرص منا على معرفة صفات الله عز وجل، وأشد منا تعظيماً لله، وأشد منا حبًّا للعلم، وعندهم من إذا سألوه فهو أجدر بالإجابة منا، وهو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يسألوه. يوجد من المفسرين من يفسر (استوى على العرش) أي: استولى عليه ومَلَكه وقَهَره بقوة السلطان والسيطرة، ولا شك أن هذا معنى باطل، مخالف لما تقتضيه دلالة القرآن الكريم ولما كان عليه السلف الصالح وأئمة المسلمين، فمثل هذا التفسير يجب أن يحترز الإنسان منه وألا يغتر؛ به لأن هذا التفسير قد يصاغ بأسلوب بياني يملك شعور الإنسان، حتى يصدق به مع كونه تحريفًا لكتاب الله. والأمثلة على هذا كثيرة منهم من يحاول صرف الآيات الكريمة إلى معتقده، ومنهم من يحاول صرفها إلى مذهبه الفقهي، ومنهم من يحاول صرفها إلى مذهبه النحوي فيقول: هذا شاذ وهذا غير قياسي وما أشبه ذلك. الخلاصة أني أقول: أهم كتاب يعتني به طالب العلم كتاب الله عز وجل، لكن ليكن تلقيه لمعاني كتاب الله عز وجل من الكتب الموثوقة في التفسير التي قام بتأليفها علماء موثوقون في علمهم وفي دينهم وفي أمانتهم، ثم بعد ذلك ما صح من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويبتدئ بالمختصرات مثل كتاب عمدة الأحكام للحافظ عبد الغني المقدسي، ثم

بلوغ المرام للحافظ ابن حجر العسقلاني، ثم المنتقى من أخبار المصطفى للمجد ابن تيمية جد شيخ الإسلام ابن تيمية، وبعد هذا المختصرات الفقهية كزاد المستقنع في الفقه الحنبلي، وما يشابهه من المختصرات الفقهية في المذاهب الأخرى، ولكن لا نجعل هذه الكتب الفقهية التي ألفها علماء دليلًا يحتج به؛ لأن كلام العلماء رحمهم الله مهما بلغوا في العلم يحتاج أن يحتج له، وليس دليلًا يحتج به، فأقوال العلماء يحتج لها ولا يحتج بها، لكنها لا شك أنها مما يستأنس به ويستشهد به فإذا تمكن الإنسان من هذه الكتب الفقهية، ويسر الله له شيخًا يبين له معناها، ويبين الراجح من المرجوح، فإنه يحصل على خير كثير. وإنني أحث طلبة العلم على الاعتناء بالأصول والقواعد؛ لأنها هي العلم حقيقة، أما أفراد المسائل فهي- وإن كانت علمًا- لكنها لا تعطي الإنسان ملكة يستطيع بها أن يعرف الراجح من المرجوح والصحيح من الضعيف، وأسأل الله تعالى أن يكثر من أمثال هذا السائل في جامعاتنا.
***
يقول السائل: ما هي المراحل التي ينبغي على طالب العلم أن يسير عليها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المراحل التي ينبغي لطالب العلم أن يسير عليها في تحصيل العلم أن يبدأ أولًا بكتاب الله عز وجل، فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، ثم بما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وليسلك في ذلك أخصر ما يكون ما دام في ابتداء الطلب، ثم إذا ترعرع في الطلب واشتد ساعده بدأ يترقى إلى الكتب الكبيرة التي فيها ذكر الآراء والمناقشة فيها، وليكن مرجعه في ذلك شيخه الذي يدرس عليه، فالشيخ هو الذي يوجه التلميذ فيما يقرأ وفيما لا يقرأ.
***
يقول السائل: طالب العلم هل يبدأ بحفظ القرآن الكريم أم بقراءة كتب العلم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا والله، يبدأ بحفظ القرآن حفظ القرآن، لا شيء قبله مما يحفظه الإنسان؛ لأن القرآن كلام الله، وتلاوته عبادة ،وتدبره عبادة، والعمل بما يدل عليه عبادة، وتصديق خبره عبادة، فهو أفضل الكتب المنزلة من الله عز وجل، وأفضل من الكتب المؤلفة من الناس ولا سواء، فليبدأ الإنسان بحفظ القرآن الكريم ،ثم بما صح من سنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: كعمدة الأحكام للحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله، فإنه كتاب مختصر جداً في الأحكام ،ثم بما تيسر له من كتب أهل العلم في العقيدة وغيرها.
***
جزاكم الله خيرًا فضيلة الشيخ السائل أبو عبد الله سعيد يذكر في رسالته ويقول: يبلغ من العمر الثامنة والعشرين، وقبل هذا الوقت يقول: كنت مسرفاً على نفسي، ولكن هداني الله عز وجل والحمد لله، وأريد أن أتعلم العلم الشرعي وأتفقه في الدين، فهل فات الوقت بالنسبة لسني؟ وكيف السبيل لتحصيل ذلك العلم؟ خاصة وأنا أعمل هنا تقريبًا في اليوم كله؟ فأرجو من فضيلة الشيخ أن يضع جدولًا لمن هم في مثل حالتي، وجزاكم الله خيرًا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أقول الحمد لله الذي هداه وأسأل الله لي وله الثبات على الحق أما فيما يتعلق بسنه فإنه لم يفت الأوان والحمد لله الإنسان لا يفوت أوانه واستعتابه وتوبته إلا إذا حضره الموت، ومادام في زمن الإمهال فإنه لا يفوته شيء. أما فيما يتعلق بطلبه العلم الشرعي مع كونه مشغولًا كل اليوم: فبإمكانه أن يستحضر رسائل أو أشرطة يستمع إليها من أهل العلم الموثوقين في علمهم وأمانتهم، ويحصل على ما تيسر.
***
بارك الله فيكم هذا يقول في سؤاله: تعلم العلم الشرعي هل يقتصر على المواد الشرعية فقط، أم يدخل بذلك بعض العلوم؟ أرجو منكم الإفادة في سؤالي؟

فأجاب رحمه الله تعالى: العلوم الشرعية داخلة في العلم الشرعي، وتعلمها تعلم شرعي لا إشكال في هذا، أما بقية العلوم فينظر: إن كانت تُعين على العلم الشرعي فإنها من العلوم النافعة التي ينتفع بها الإنسان في التقوي على معرفة العلوم الشرعية، مثل علم النحو والبلاغة، وإن كانت لا تساعد على العلوم الشرعية نظرنا: إن كانت نافعة في الدنيا فهي من الأمور المباحة إن كان النفع لا يتعدى للغير، وهي من الأمور المطلوبة إن كان النفع يتعدى إلى الغير وإن كانت ضارة فهي محرمة، وإن كانت لا ضارة ولا نافعة فهي من اللغو الذي ينبغي للعاقل أن يتجنبه.
***
أيهما أفضل: الدراسة لكي ينال الشخص الشهادة، أم التعليم الديني فقط وحفظ القرآن ودروس العقيدة؟ وجهونا في ضوء هذا السؤال؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يمكن للإنسان أن يجمع بين هذا وهذا، فيقرأ في المدارس والمعاهد والكليات النظامية، ويقرأ على المشايخ في المساجد ويحفظ القرآن ولا منافاة، وفي الوقت الحاضر أرى أنه لابد من أن ينال الإنسان الشهادة؛ لأن الوظائف الآن أصبح ميزانها تلك الشهادات، ولا يمكن أن يتوصل الإنسان إلى منزلة ينفع بها المسلمين النفع المطلوب إلا بالشهادات، حتى يتمكن من أن يكون مدرسًا في المعاهد والمدارس والجامعات، ويتمكن أن يكون قاضيًا من القضاة ،ويتمكن أن يكون عضوًا في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن المجالات الآن أصبحت مبنية على الشهادة ،والإنسان إذا طلب العلم لينال الشهادة لهذا الغرض- أي: لينفع المسلمين بما يحصل له من الوظائف- فإن هذه النية لا تقدح في الإخلاص؛ لأنه اتخذ هذه الشهادة وسيلة وذريعة لنيل أمر مقصود شرعاً.
***
جزاكم الله خيرًا هل توجد فلسفة في الشريعة الإسلامية؟ وما هو الرد على من يدعي ذلك؟ وهل يجوز أن يدرس الطالب مثل هذا ويتعمق فيه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الفلسفة بحث يوناني مستقل، يتعمق فيه أصحابه حتى يؤول بهم إلى تحكيم العقل ورد ما جاء في الكتاب والسنة، والفلسفة على هذا الوجه منكرة لا يجوز الخوض فيها ولا الدخول فيها، وأما الفلسفة بمعنى الحكمة فهذه موجودة في الشريعة الإسلامية، والشريعة الإسلامية كلها مبنية على الحكمة قال الله تبارك وتعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ). لكنه لا ينبغي أن نقول عن الحكمة الشرعية: إنها فلسفة؛ لأن هذه الكلمة يونانية، بل نقول عن الحكمة الشرعية: إنها حكمة، وما من شيء في الشرع إلا معلل بالحكمة، لكن من الحكم ما نعلمه ومنها ما لا نعلمه؛ لأن عقولنا قاصرة ،وأعظم حكمة في الأحكام أن يكون الحكم ثابتاً بكتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأننا نؤمن بأن كل حكم ثبت في الكتاب والسنة فإنه حكمة، وامتثاله حكمة؛ لأن في امتثاله طاعة الله ورسوله وحصول الثواب والأجر. وعلى هذا فلو سألنا سائل عن حكمة شيء من الشرائع فإنه يكفيه إذا كان مؤمنًا أن يقال: هكذا قال الله ورسوله؛ لقول الله تعالى :(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ). وقد كان هذا هو المنهج الذي يسير عليه الصحابة رضي الله عنهم، فقد (سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، فلماذا مع أن الصوم فرض والصلاة فرض ،والصلاة أوكد من الصوم، ومع ذلك لا تقضى؟ والصوم يقضى فأجابت عائشة رضي الله عنها :بأن ذلك كان يصيبهن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فيؤمرن بقضاء الصوم ولا يؤمرن بقضاء الصلاة) وهذا يعني أن الحكمة هي حكم الله ورسوله.
***
يقول السائل: كيف يعلم الأب أبناءه التوحيد؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يعلمهم التوحيد كما يعلمهم غيره من أمور الدين، ومن أحسن ما يكون في هذا الباب كتاب ثلاثة الأصول لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، إذا حفظوه عن ظهر قلب وشرح لهم معناها على الوجه المناسب لأفهامهم وعقولهم صار في هذا خير كثير؛ لأنها مبنية على السؤال والجواب وبعبارة واضحة سهلة ليس فيها تعقيد، ثم يريهم من آيات الله ليطبق ما ذكر في هذا الكتاب الصغير: الشمس يقول: من الذي جاء بها؟ القمر، النجوم،الليل، النهار، ويقول لهم: الشمس من الذي جاء بها؟ الله. القمر؟ الله. الليل؟ الله. النهار؟ الله. كلها جاء بها الله عز وجل، حتى يسقي بذلك شجرة الفطرة؛ لأن الإنسان بنفسه مفطور على توحيد الله عز وجل، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه). وكذلك يعلمهم الوضوء، كيف يتوضؤون بالفعل، يقول: الوضوء هكذا ويتوضأ أمامهم، وكذلك الصلاة، مع الاستعانة بالله تعالى، وسؤاله عز وجل الهداية لهم، وأن يتجنب أمامهم كل قول مخالف للأخلاق أو كل فعل محرم، فلا يعودهم الكذب ولا الخيانة ولا سفاسف الأخلاق، حتى وإن كان مبتلىً، بها كما لو كان مبتلىً بشرب الدخان فلا يشربه أمامهم؛ لأنهم يتعودون ذلك ويهون عليهم. وليعلم أن كل صاحب بيت مسؤول عن أهل بيته؛ لقوله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً)(التحريم: من الآية6). ولا يكون وقايتنا إياهم النار إلا إذا عودناهم على الأعمال الصالحة وترك الأعمال السيئة، ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أكد ذلك في قوله: (الرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته) .وليعلم الأب أن صلاحهم مصلحة له في الدنيا والآخرة، فإن أقرب الناس إلى آبائهم وأمهاتهم هم الأولاد الصالحون من ذكور وإناث. ( وإذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو

له). نسأل الله تعالى أن يعيننا جميعاً على ما حملنا من الأمانة والمسؤولية.
***
يقول يا فضيلة الشيخ في هذا السؤال: هل يجب أن نتعلم الدين كله ؟وما هو الذي يجب أن نتعلمه من الدين؟ وهل صلاة الكسوف والخسوف وصلاة العيد وغيرها من الصلوات يجب أن نتعلمها أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يجب على الإنسان أن يتعلم كل ما يحتاجه من العلم: فإذا أراد أن يصلى مثلاً يجب أن يتعلم كيف يصلى، وإذا أراد أن يتوضأ يجب أن يتعلم كيف يتوضأ، لكن هذا التعلم يحصل بمشاهدة الناس وما يفعلون إذا كانوا من أهل العلم، ومن ثم نعرف أن من فوائد صلاة الجماعة أن يتعلم الجاهل من العالم. وأما ما لا يحتاجه الإنسان فإنه لا يلزمه أن يتعلمه، فلا نقول للفقير: يجب أن تتعلم أحكام الزكاة- أي: أحكام زكاة الأموال- ولا نقول لمن لا يستطيع الحج: يلزمه أن يتعلم كيف يؤدي الحج، لكن العلم على سبيل العموم فرض كفاية، بمعنى: أنه يجب على الأمة الإسلامية أن تحفظ دينها في جميع أحكامه، حتى لا تتلاعب به أيدي العابثين وتنطلق به ألسن المحرفين. أما صلاة الكسوف والخسوف فإنها سنة، وقال بعض أهل العلم: إنها واجبة، والغالب أن هذه الصلاة تفعل في المساجد ويتبع الناس فيها إمامهم، فما فعل الإمام يفعلونه. وليعلم أن الكسوف والخسوف معناهما واحد، لكن الغالب أن الخسوف يكون في كسوف القمر، وأن الكسوف يكون في خسوف الشمس، وإلا فمعناهما واحد. بقي أن يقال: متى تشرع صلاة الكسوف؟ والجواب على هذا: أنها تشرع إذا كسفت الشمس أو القمر بانحجاب بعض أجسامهما، وهذا قد يكون كلياً وقد يكون جزئياً، فتسن حينئذٍ الصلاة، فينادى لها: الصلاة جامعة، ويجتمع الناس إليها في المساجد، والأفضل أن تكون في الجوامع، أي: في المساجد التي تقام فيها الجمعة ،حتى يكثر الجمع وتحصل الرهبة والخوف من الله عز وجل، ويصلىها الإمام ركعتين، في كل ركعة ركوعان وسجودان، ويطيل القراءة فيها جداً: فالقيام الأول الذي

قبل الركوع الأول يكون طويلاً جداً، ثم يركع ركوعاً طويلاً جداً، ثم يرفع فيعيد القراءة: الفاتحة وما بعدها، ثم يركع ركوعاً طويلاً لكنه دون الأول، ثم يرفع ويحمد ويطيل بقدر الركوع، ثم يسجد ويطيل السجود بقدر الركوع، ثم يجلس بين السجدتين بقدر السجود، ثم يسجد للثانية كالأولى يطيلها، ثم يقوم إلى الركعة الثانية ويقرأ ويطيل، ولكنه دون الأول، ويركع ويطيل ولكنه دون الأول، ويرفع ويطيل ويقرأ، ثم يركع ركوعاً طويلاً ولكنه دون الأول، ثم يرفع ويطيل القيام بقدر الركوع، ثم يسجد ويطيل السجود بقدر الركوع، ثم يجلس بين السجدتين ويطيل الجلوس بقدر السجود، ثم يسجد ويطيل السجود بقدر السجدة الأولى، ثم يجلس ويتشهد ويسلم. وينبغي للإمام بعد ذلك أن يخطب للناس خطبة بليغة يعظهم فيها، إن تيسر له أن يخطب بما خطب به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهذا هو الأكمل، وإلا قال من عنده كلاماً يعظ الناس ويهز قلوبهم ويخوفهم بالله عز وجل، وإذا كان الإمام لا يستطيع أن يخطب وفي القوم من يستطيع ذلك طلب منه أن يقوم ويعظ الناس، وهذه الخطبة قيل: إنها خطبة الراتبة، يعني: أنها خطبة مشروعة كخطبة العيد بعد الصلاة، وقال بعض أهل العلم: بل هي من الخطب العارضة، والأقرب أنها من الخطب الراتبة، وذلك لأن الكسوف لم يقع في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا مرة واحدة وخطب، ولو أنه وقع مرة أخرى ولم يخطب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لقلنا: إنها عارضة، لكن لما خطب فالأصل أنها مشروعة، تأسياً برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولأن المقام يقتضي ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وأنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله تعالى يخوف بهما عباده.
السائل عزوزي من الجزائر يقول في سؤالٍ له في هذه الرسالة ما هي الأمور الشرعية التي يجب على المؤمن أن يتعلمها مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الأمور الشرعية التي يجب على الإنسان أن يتعلمها كل ما أوجب الله عليه من طهارةٍ وصلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ وحج وبرٍ للوالدين وصلةٍ للأرحام، وغير ذلك مما يتعلق بأمور دينه، فيجب على الإنسان أن يتعلم أمور دينه قبل كل شيئ قال الله تبارك وتعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) .قال البخاري رحمه الله: فبدأ الله تعالى بالعلم. قبل العمل فمثلاً إذا أراد أن يتطهر الإنسان ويتوضأ للصلاة فلا بد أن يعرف كيف يتوضأ، يجب عليه أن يعرف كيف يتوضأ، وإذا أراد أن يصلى، يجب عليه أن يعرف كيف يصلى وماذا عليه لو أخل بكذا أو كذا، حتى يعبد الله تعالى على بصيرة، وهذا معنى قول الإنسان: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) أي: دلنا ووفقنا إلى الصراط المستقيم الذي يوصلنا إليك يا ربنا. أما مالا يحتاج إليه من الأمور: فلا يلزمه تعلمه إلا أن يكون فرض كفايةٍ عليه، يعني مثلاً تعلم المعاملات، تعلم البيع الصحيح والإجارة الصحيحة والرهن الصحيح والوقف الصحيح ليس بواجب على كل أحد، بل يجب على من أراد أن يتعامل بهذا، وأما غيره فلا يجب عليه إلا إذا قدرنا أنه ليس في العالم من يعرف هذا، فإنه يكون فرض كفاية ولم يقم به أحد، فيجب على الإنسان.
***
حفظكم الله السائل يقول: ما هي المسائل التي يجب تعلمها والعمل بها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يجب أن يتعلم الإنسان كل ما يحتاج إليه في دينه بدون حصر، فعلى الإنسان أن يتعلم كيف يتوضأ؟ كيف يصلى؟ كيف يصوم؟ كيف يحج؟ كيف يزكي إذا كان عنده مال؟ فكل ما يحتاج الإنسان إلى معرفته في الدين فإنه يجب عليه أن يتعلمه، هذه هي القاعدة ،وهي واضحة. وأما ما لا يحتاج إليه فطلب العلم فرض كفاية، إذا اشتغل الإنسان به قام بفرض كفاية، وإن اكتفى بغيره من أهل العلم فذمته بريئة.
***

بارك الله فيكم يقول المستمع حامد إبراهيم: ما هي العلوم التي تعلمها فرض كفاية؟ وهل هناك علم يجب على المسلمين معرفته جميعاً أو أن يعرفوه جميعاً؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم حفظ الشريعة واجب على المسلمين عموماً، فلا بد أن يكون في المسلمين من يقوم بحفظ الشريعة. وأما الفرض على الأعيان فإنه يختلف: فقد يجب على شخص من العلوم ما لا يجب على شخص آخر، فمثلاً من كان عنده مال وجب عليه أن يتعلم من أحكام الزكاة ما يستعين به على براءة ذمته، ولكن هذا لا يجب على من ليس عنده مال، من كان يشتغل بالبيع والشراء وجب عليه أن يتعلم من أحكام البيع والشراء ما يصحح معاملاته، ومن ليس مشتغلاً بالبيع والشراء فإنه لا يجب عليه ذلك. فالمهم أن حفظ الشريعة بطلب العلم فرض كفاية على عموم المسلمين، وأما الفرض العيني فهذا يختلف باختلاف الناس، فقد يجب على شخص ما لا يجب على الآخر، كما سبق التمثيل به.
***
هذه السائلة تذكر بأنها شابة معاقة وتقول: قد انتهيت من المرحلة المتوسطة، وأرغب في العلم الشرعي بأسرع وقت، لذلك فإنني أفكر بترك الدراسة، وذلك لسببين: الأول: طلب العلم الشرعي، والثاني: لشدة إعاقتي، حتى لدرجة أنني أتعب تعباً شديداً في الذهاب إلى المدرسة، وإنني في حيرة من أمري: فالبعض من إخواني يقولون: اتركي الدراسة لترتاحي وتريحي غيرك، والبعض يقول: أكملي لكي تدخلي كلية الشريعة وتحصلى على العلم الشرعي الذي تريدينه فما مشورتكم يا فضيلة الشيخ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إن مشورتي أن تتفرغي لطلب العلم الشرعي، وهو حاصل والحمد لله اليوم بالاستماع إلى الأشرطة من العلماء الموثوقين في علمهم وأمانتهم، دون أن تكلفي نفسك وتكلفي غيرك، هذا ما أراه. فاستعيني بالله عز وجل، واحرصي على مراجعة العلوم الشرعية من أفواه العلماء بواسطة الهاتف، أو باستماع الأشرطة، أو الرسائل والكتب المفيدة. ونسأل الله تعالى أن يثيبك ويأجرك على ما أصابك، وأن يجعل ذلك رفعة في درجاتك وتكفيراً لسيئاتك.
***
هذه مستمعة من الحدود الشمالية رمزت لاسمها بـ د. ف. ش. ح رفحة تقول: مجموعة من النساء لا نستطيع أن نحضر إلى المساجد لسماع الندوات، فنضطر لشراء أشرطة المسجل لسماع هذه الندوات. سؤالي: هل ثواب السامع من الشريط هو نفس ثواب الجالس في المسجد مباشرة، من تنزل الملائكة عليهم وإحاطتهم بالرحمة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا، ليس الذين يستمعون إلى الأشرطة كالذين يحضرون إلى حلق الذكر ويشاركون الذاكرين في مجالسهم، ولكن السامعين للأشرطة لهم أجر الانتفاع وطلب العلم الذي يحصلونه من هذه الأشرطة، وكما قلت آنفاً: ما أكثر ما حصل من الهدى والاستقامة بواسطة هذه الأشرطة، والشريط- كما نعلم- خفيف المحمل سهل الاستفادة، فالإنسان يمكن أن يستمع إليه وهو في شغله، يمكن أن يستمع إليه في سيارته ماشياً في طريقه، ومن أجل ذلك كان لهذه الأشرطة فضل كبير من الله سبحانه وتعالى علينا أن نشكر الله سبحانه وتعالى على هذا التسهيل والتيسير.
***
بارك الله فيكم يقول المستمع أبو عبد الله بأنه يسكن مع والده، ويعمل في مدينة مجاورة ويتردد عليها يومياً، وأحياناً يقول: أفكر في السكن قرب عملي، ولأجل أن أحضر حلقات العلم في ذلك البلد. أرجو توجيه النصح لي وجزاكم الله خيرًا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان يشق عليه التردد إلى والديه في بلدهما فلا حرج عليه أن يتخذ مسكناً في البلد الذي يعمل فيه، ولكن إذا كان الوالدان مضطرين إلى وجوده عندهما فإنه يجب عليه أن يحاول الانتقال إلى البلد الذي فيه الوالدان، وإذا علم الله من نيته أنه يريد دفع ضرورة الوالدين بالانتقال فإن الله سييسر له الأمر؛ لقول الله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً). وإذا لم يمكن هذا فليعرض على والديه الانتقال إلى البلد الذي يعمل فيها؛ ليكون سكناهما معه، فيقوم بالوظيفة وبواجب والديه بدون تعب.
***
حفظكم الله في الحديث يا فضيلة الشيخ: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به). هل يدخل في ذلك العلم علوم الدنيا كالفيزياء والكيمياء والرياضيات، أم هو مقيد بالشرعي؟
فأجاب رحمه الله تعالى: كل علمٍ يثاب عليه العبد ثم يعلمه الآخرين فإن المتعلمين منه يثابون عليه، وإذا أثيبوا عليه ناله من أجرٍ بعد موته ما يستحق ،وأما ما لا ثواب في تعلمه فليس فيه أصلاً ثواب حتى نقول: إنه يستمر، فمثلاً علم التفسير والتوحيد والفقه وأصوله والعربية كل هذه علوم يثاب الإنسان عليها، فإذا علمها أحداً من الناس أثيب هذا المتعلم، فنال المعلم من ثوابه ما يستحقه.
***
أحسن الله إليكم هذا السائل كمال الدين من السودان ومقيم بالمملكة يقول: إنسانٌ يرغب في طلب العلم الشرعي، ولكنه كثير الشرود والفكر والتفكير والنسيان، ولا يحفظ بسهولة إلا بعد فترة تستمر كثيراً من الوقت، مع العلم بأنه يقضي وقته في الأشياء النافعة مثل الاستماع إلى الأشرطة الشرعية وإذاعة القرآن الكريم والمحاضرات، فبماذا توجهون مثل هذا مأجورين؟ بأي شيء يبدأ بالكتب؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أقول للأخ: لا ييأس من رحمة الله، وليثابر على طلب العلم، والشرود الذي يحصل له قد يرده الله عز وجل، وأنصحه أولاً أن يبدأ بكتاب الله عز وجل: يحفظه ثم يتدبره؛ ليعرف معانيه ثم يعمل به. ثانياً بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث، كعمدة الأحكام للحافظ عبد الغني المقدسي، وهي مشهورة متداولة بأيدي الناس، ثم بكتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، ثم بالعقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية ،الأول كتاب التوحيد فيما يتعلق بالعبادة، والثاني فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته والإيمان باليوم الآخر وغير ذلك، ثم بما عليه أهل بلده من الفقه، وليختر من العلماء من كان أوسع علماً وأتقى لله عز وجل؛ لأن من الناس من هو واسع العلم لكنه ضعيف التقوى، ومنهم من هو قوي التقوى ضعيف العلم، ليختر كثير العلم قوي التقوى بقدر المستطاع.
***
حفظكم الله تحدثتم مأجورين عن فضل التفقه في الدين، فكيف يتفقه الشاب في دينه ويطلب العلم الشرعي الموثوق؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يتفقه في دينه على أيدي العلماء الموثوقين علماً وأمانة، فليلزم هؤلاء وليستمسك بغرزهم وليقتد بهم، ولا يلتفت يميناً وشمالا،ً حتى إذا كبر وبلغ درجةً من العلم يمكنه أن يفهم النصوص بنفسه، ويحمل مجملها على مبينها، ومطلقها على مقيدها وما أشبه ذلك، حينئذٍ يتصرف هو بنفسه بالأدلة على حسب ما آتاه الله من العلم.
***
جزاكم الله خيراً هل لطالب العلم أن يتخذ شيخًا معيناً يراجع معه، أو يتخذ أكثر من شيخ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أرى أن يتخذ شيخًا واحدًا ما دام في بداية الطلب؛ لأن المشايخ ربما تختلف آراؤهم في مسألة ما ،وإذا كان هو صغيراً في ابتداء الطلب فإن ذلك يشوش عليه، فليتخذ شيخًا واحدًا فيما يريد قراءته عليه، ومن الممكن أن يتخذ شيخًا آخر لكن في فن آخر، مثلا: له شيخ في النحو، وله شيخ في الفقه، وله شيخ في العقيدة، وله شيخ في التوحيد، وما أشبه ذلك أما أن يتخذ شيخين في الفقه فلا أشير به ،لا يتخذ شيخين في العقيدة، أما النحو فأمره سهل، حتى لو اتخذ شيخين واختلفا عليه ما يهم، لكن المهم مثل المسائل العملية الدينية، لا يتخذ شيخين في فن واحد؛ لئلا تختلف أقوالهما فيبقى متذبذباً. ومن ثم أقول لطالب العلم المبتدئ: لا يراجع كتب الخلاف، يعني لا يراجع مثلًا المغني أو المجموع للنووي، أو غيرهما مما يذكر فيه الخلاف ما دام في ابتداء الطلب؛ لأن الأمور تلتبس عليه ويبقى متذبذباً، وتختلط المعلومات فما دام في ابتداء طلبه فليلزم شيخاً واحداً وكتابا واحدا ولا يتخذ أكثر من شيخ في فن واحد.
من الجزائر السائل شرف الدين يقول في هذا السؤال: ما هي أحسن وسيلة لتلقي العلم النافع جزاكم الله خيرًا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الوسائل مختلفة ،وهي كثيرة والحمد لله في وقتنا الحاضر، فمن الوسائل أن تتلقى العلم على شيخ مأمون في علمه ودينه، وهذه أحسن الوسائل وأقوى الوسائل وأقرب الوسائل إلى تحصيل العلم، ومنها أن تتلقى العلم من الكتب المؤلفة التي ألفها علماء مأمونون موثوقون في علمهم ودينهم ، الثالث أن تستمع إلى الأشرطة المنشورة من العلماء الموثوق بعلمهم وأمانتهم. هذه ثلاث طرق يمكن أن يحصل بها العلم، وأهم شيئ هو الاجتهاد والمثابرة وحسن القصد، فإن ذلك من أسباب حصول العلم.
***
بارك الله فيكم تقصدون فضيلة الشيخ الوسائل الموصلة للعلم الشرعي من أشرطة وإذاعة القرآن؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أي نعم، قصدي من أشرطة بالنسبة للدروس التي تلقى عندهم في بلدهم لا في الإذاعة، أما الإذاعة فأمرها متيسر والحمد لله لكل أحد.
***
يقول: الكتب الدينية غالية مثل تفسير ابن كثير والصحيحين، فكيف للشباب أن يتفقهوا في دينهم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: مسألة كونها غالية هذا أمر نسبي في الحقيقة يختلف باختلاف أهل البلدان وباختلاف حال الشخص، ولكن هي موجودة ولله الحمد في المكاتب، فبإمكان الشاب الحريص أن يذهب إلى أي مكتبة ويجد بغيته هذه، وإذا لم يكن عنده مكتبة في بلده فإنه إن كان يستطيع أن يشتري فليشتر، وإلا فإنه يجوز أن يعطى من الزكاة ليشتري بها هذه الكتب التي يحتاجها في دينه.
***
المستمعة من الأردن عائشة تقول: ما هو علاج النسيان؟ سواء كان للقرآن الكريم، أو لغيره من العلوم الشرعية؟
فأجاب رحمه الله تعالى: علاج النسيان التعاهد، يعني: تعاهد الإنسان ما حفظ، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن نتعاهد القرآن وقال: (تعاهدوا القرآن، فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها). فليتعاهد الإنسان ما حفظ، بأن يقرأه دائماً حتى لا ينساه، والنسيان غريزة ،غريزة بمعنى أن بعض الناس يكون مجبولاً على عدم النسيان، يكون مجبولاً على سرعة الحفظ وبطء النسيان، ومن الناس من يكون سريع الحفظ سريع النسيان، ومنهم من يكون بطيئ الحفظ سريع النسيان ،فيختلفون، فالأقسام أربعة بالنسبة لسرعة الحفظ والنسيان. ويكون النسيان أيضاً بسبب غير غريزي، ومن ذلك المعاصي، فإن المعاصي سبب للنسيان، قال الله تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ). ويذكر أن الشافعي رحمة الله عليه قال:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي … فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يؤتاه عاصي

وإذا كان هذا هو السبب- أعني: المعاصي- فإن دواء ذلك أن يتوب الإنسان من المعصية، وأن يقبل على الله، وأن يكون مهتماً بأموره التي يلزمه الاهتمام بها، سواء كانت خاصة به أم عامة، أما أن يشغل نفسه بما لا فائدة فيه فإن ذلك من اللغو، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام :(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت). وهذا التشاغل بما لا فائدة فيه هو من أسباب النسيان أيضا؛ً لأن المعلومات والتذكرات تتراكم على الإنسان، فينسي بعضها بعضاً.
بارك الله فيكم هذا الشاذلي السيد جمهورية مصر العربية محافظة قنا يقول: فضيلة الشيخ أريد أن أحفظ القرآن، لكنني لا أعرف ما هي الطريقة التي أحفظ بها القرآن الكريم جزاكم الله خيرًا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الطريقة التي يحفظ الإنسان بها القرآن تختلف باختلاف حال الإنسان ،وباختلاف حال المدرس الذي يسمع إليه، فلها طرق، منها: أن يحفظ الإنسان كل خمس آيات على حدة، ولا ينتقل إلى ما بعدها إلا إذا أتقنها تماما.ً ومنها: أن يحفظ صفحة كاملة ثم يعيدها، والمهم أن يسلك الإنسان في حفظ القرآن ما يناسبه، لكن يتعاهد القرآن؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها). وتعاهد القرآن قد يكون في قراءة الإنسان لنفسه وحده، وقد يكون بمشاركة أحد زملائه، يتحافظ عليه، يمسك الزميل المصحف بيده وذاك يقرأ، ثم يأتي العكس. والمهم أن هذه مسائل ليس فيها نص يؤخذ به، وإنما أوكلت إلى حال الإنسان.
***
في نظركم يا شيخ محمد ما هي الطريقة المثلى لمن أراد أن يحفظ القرآن؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه تختلف بعض الناس يسهل عليه أن يحفظ القرآن على وجه كبير، يحفظ الصفحة كاملة، يرددها حتى يحفظ. وبعض الناس يحب أن يحفظ شيئاً يسيراً: أربعة أسطر أوخمسة أسطر، ثم ينتقل إلى أسطر أخرى، وكل على حسب مزاجه. ثم إنه ينبغي أن يتحفظ القرآن وهو على نوع من فراغ البطن؛ لأن حفظ القرآن على الشبع ربما يصعب حفظه ويسرع نسيانه.
***
يقول: إنني أحرص دائماً على قراءة القرآن الكريم وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولكنني قليل الحفظ، فما هي الطريقة التي تنصحونني بها كي أحفظ كتاب الله؟ أرشدوني بارك الله فيكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: من أسباب الحفظ أولا:ً أن يبادر الإنسان به في حال صغره؛ لأن الحفظ في الصغر -كما قيل- كالنقش على الحجر والإنسان الآن الكبير يتذكر أشياء مرت عليه في صغره ولا يتذكر أشياء مرت عليه عن قرب، فهذا أول سبب يكون به الحفظ.
ثانياً: المتابعة والدراسة وتعاهد ما حفظ، ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بتعهد القرآن، وقال عليه الصلاة والسلام: (إنه أشد تفلتاً من الإبل في عقلها).

ثالثاً: أن يكون دائماً مرتبطاً نفسياً بما حفظه، بحيث لا يغيب عن ذهنه، وبحيث يعرف ويشعر نفسه بأنه ملزم بهذا الذي حفظه من العلم، من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقوال أهل العلم. رابعا:ً أن يكون على جانب كبير من الإيمان بالله عز وجل وتقوى الله سبحانه وتعالى، فإن هذا من أكبر أسباب الحفظ، يقول الله تبارك وتعالى :(وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ). ومن الحكم المأثورة: قيدوا العلم بالعمل، فالعمل بالعلم من أسباب حفظه وربطه، فإذا كان الإنسان كثير المعاصي فإن المعاصي توجب النسيان، قال الله تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ). فالمعاصي سبب كبير من أسباب النسيان، كما أن الطاعات والإيمان سبب كبير من أسباب الحفظ، ومما يؤثر عن الشافعي رحمه الله أنه قال:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
و قال اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يؤتاه عاصي
ومن عمل بما علم ورَّثه الله علم ما لم يعلم.
***
بارك الله فيكم تقول: أريد أن أحفظ من كتاب الله ما يتيسر، وأريد منكم توجيهي إلى الطريقة الصحيحة (حتى يكون) حفظي كاملاً لا أنساه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من أفضل الطرق لبقاء حفظ الإنسان للقرآن ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو: تعاهد القرآن، تعاهد قراءته، يقرؤه الإنسان كل يوم في الصباح والمساء؛ وفي الليل لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها). ومنها أن يدعو الله سبحانه وتعالى بإمساك القرآن عليه حتى لا يتفلّت منه، فإن الله سبحانه وتعالى يقول :(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ).
***
أحسن الله إليكم يا فضيلة الشيخ الأخت السائلة من منطقة عسير تقول: أريد أن أحفظ القرآن في المدرسة الخاصة بتحفيظ القرآن، لكن ظروفي لا تسمح لي بذلك، أريد منكم حفظكم الله الطريقة الصحيحة لحفظه في المنزل، وهل إذا حفظت القرآن بدون تجويد أو فهمٍ لمعانيه هل فيه شيء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الطريق إلى ذلك أن الإنسان يحفظ خمس آيات حتى يتقنها، ثم خمس آيات حتى يتقنها، ثم خمس آيات حتى يتقنها، فإذا أتم جزءًا كاملاً عاد فتعاهد ما حفظه حتى يعلم أنه لم ينسه، ثم يأخذ في الجزء الثاني كما أخذ في الجزء الأول، حتى ينتهي من القرآن، ولا يشترط أن يكون بالتجويد ولا أن يعرف معناه، التجويد ما هو إلا تحسينٌ للفظ وليس بواجب، والمعنى يمكنه بعد أن يكمل الحفظ ويكبر أن يقرأ من التفاسير المأمونة الموثوقة ما ينتفع به.
***
ما هي أفضل طريقة ترونها لحفظ القرآن الكريم؟ وهل يجوز أن أقرأ جزءاً معيناً مثل الجزء السادس والعشرين لكي أحفظ ذلك وأترك باقي القرآن ؟أفيدوني مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الطريقة المثلى لحفظ القرآن الكريم أن تحفظه وأنت صغير السن؛ لأن صغير السن يسهل عليه الحفظ وليس فيما بعد، ففي حفظ القرآن حال الصغر فائدتان: الفائدة الاولى: سهولة الحفظ، والفائدة الثانية: رسوخ المحفوظ في القلب بحيث لا ينساه، هذا بالنسبة للسن الذي ينبغي أن يحفظ القران فية. أما الوقت فأحسن ما يكون في أول النهار، إذا صلىت الفجر أن تقرأ القرآن فيه لتحفظه. وأما كيفية الحفظ فالناس يختلفون: فمن الناس من يقرأ خمسة أسطر مثلًا فيحفظها، ثم يعيدها مرة بعد أخرى حتى ترسخ في قلبه، ثم ينتقل إلى خمسة أسطر أخرى، وهكذا، وكلما أنهى خمسة أسطر حفظ ما بعدها، ومن الناس من يقرأ صفحة كاملة ويكررها ثم يحفظها، ومن الناس من يأخذ أكثر من هذا .المهم أن هذا -أعني كيفية الحفظ- يرجع الى شخص الانسان وهو يعرف من نفسه ما هو أهون عليه. ويجوز أن تقتصر على حفظ جزء معين في وسط القرآن ولا حرج عليك، لكن احرص على أن تبدأ من أول القرآن حتى تكمله.
***
هذا أخوكم في الله ع ع الرياض يقول: فضيلة الشيخ أنا أتعلم القرآن من الأشرطة، والذي أتعلمه بعد صلاة العصر أتلوه بعد صلاة الفجر، هل هذا العمل جائز؟ أم لا؟ أفتونا مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا العمل جائز، أعني أنك تستمع القرآن من الأشرطة في العصر ثم تعيده بعد صلاة الفجر، وإذا شيءت أن تتبع طريقة أخرى فلا بأس؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، والناس يختلفون في التحفظ، أي: تحفظ القرآن أو غيره من الكلام، فما ترى أنه أيسر لك وأقرب إلى الحفظ فافعله.
***
جزاكم الله خيرًا السائل م ع ج يقول فضيلة الشيخ كيف يستطيع الشخص أن يوفق بين حفظ كتاب الله وبين حضور الدروس العلمية اليومية؟ لأنه يصعب عليه أن يوازن بينها، وأن يوفق بينها، إلى جانب أعماله وأعمال الأهل، والسائل من عنيزة رمز لاسمه بـ م ع ج؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا يعود إلى قدرة الإنسان الذاتية، والناس يختلفون: فمن الناس من يستطيع أن يقوم بهذه الأعمال، ومنهم من لا يستطيع أن يقوم إلا بعمل واحد، ومنهم من يستطيع أن يقوم بعملين أو ثلاثة. على كل حال ينظر الإنسان إلى نفسه، فإذا تزاحمت فإن القيام بحفظ كتاب الله عز وجل أولى من حضور الدروس، ولكن إذا كان أحد الدروس مهماً وجديراً بالعناية به فليحاول أن يحضر إليه حتى لا يفوته، أما حاجة الأهل: فحاجة الأهل إذا لم يكن أحد يقضيها فإن قضاءها من الأعمال الصالحة المقربة إلى الله عز وجل، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لسعد بن أبي وقاص: (واعلم أنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعله في في امرأتك) أي: في فمها، مع أن ما يجعله في فم امرأته من الواجب عليه، إذ إن نفقة الزوجة واجبة، ومع ذلك كان له بها أجر، فإذا قام الإنسان على أهل بيته محتسباً أجره عند الله عز وجل آجره الله على ذلك.
***
من مصر مستمع رمز لاسمه بـ ع. م. أ. يقول في هذا السؤال: زوجة لم أدخل بها بعد تقوم بتحفيظ القرآن الكريم في أحد المساجد للطرق الصوفية بدون أجر، هل هذا العمل حلال؟ وهل هذا العمل فيه موالاة للطرق الصوفية ونقاط تأتي إن شاء الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت هذه المرأة تدرس القرآن الكريم دراسةً صحيحة ليس فيها بدعة، فلا حرج عليها أن تدرس في هذا المسجد الذي ينتابه أهل التصوف، وإن كان الأفضل أن تذهب إلى مسجدٍ آخر؛ لئلا يساء الظن بها، ولئلا يكون بهذا إعزازٌ لموقف هؤلاء المتصوفة. وأما إذا كان يخشى على الصبيان المتعلمين، يخشى عليهم من أن يغتروا بعمل هؤلاء المتصوفة، فإنه لا يحل لها أن تدرس في هذا المسجد، وكذلك إذا كان من المعروف عند الناس أن كل من يدرس في هذا المسجد منتسبٌ لأهل التصوف، فإنه لا يجوز أن تدرس في هذا المسجد.
يافضيلة الشيخ: وهل هذا العمل يضر بعقد الزوجية؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا العمل لا يضر بعقد الزوجية؛ لأنه عملٌ مباح كما أسلفت، إلا في المسائل التي استثنيناها، وحتى في المسائل التي استثنيناها لا يخل بعقد الزوجية.
***
بارك الله فيكم هذا مستمع للبرنامج رمضان حسين علي من العراق محافظة التأمين يقول في السؤال: إنه كثير النسيان، حيث إنني عندما أحفظ سورة من القرآن الكريم بعد يوم أو يومين أنساها، أو أنسى جملة أو كلمة، وغالباً ما أتخطى هذه الكلمة إلى الكلمة التي بعدها، فبماذا تنصحونني مأجورين لكي لا أنسى هذه السور المباركات؟ جزاكم الله خيراً.
فأجاب رحمه الله تعالى: الذي ننصحك به ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم من تعاهد القرآن وكثرة تلاوته وتذكره، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بذلك وقال :(تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها). فأكثر من تلاوة القرآن، وأعرض عن المشاغل التي تشغل ذهنك وتوجب نسيانك، ثم احرص أيضاً على أن يكون تذكرك للكتاب الله مقروناً بالاستعانة بالله عز وجل؛ لأن الاستعانة مقرونةٌ بالعبادة كما قال تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). وقال تعالى :(فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ). فإذا استعنت بالله، وفوضت الأمر إلى الله، وحرصت على تعاهد القرآن، وصار هو شغلك الشاغل، فأبشر بأنك لن تنساه إن شاء الله تعالى.
***
للمجند حسين شهاب الحمد من الجيش العربي السوري سؤال يقول فيه: أسأل سماحتكم الكريمة من طرف قراءة القرآن الكريم؛ لأني أحاول اتقان قراءة القرآن الكريم، بل يصعب علي ترميز القراءة، يحدث معي التأتأة في القرآن الكريم، وليس لدي أحد من الناس يعلمني الترميز، فهل أتابع في قراءتي للقرآن أم غير جائزة؟ وكل عامٍ وأنتم بخير والسلام عليكم ورحمة الله.

فأجاب رحمه الله تعالى: وعليكم السلام القرآن الكريم يقرؤه الإنسان بقدر ما يستطيع، كغيره من الطاعات :(فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ). ويقرأ الإنسان بقدر استطاعته، إذا كان عنده معرفة بالحروف وإقامة لها بقدر المستطاع، وفي هذه الحال إذا كان يشق عليه فإنه له أجران: أجر التلاوة، وأجر المشقة: (فالماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق فله أجران) كما جاء ذلك في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنقول لهذا الأخ: استمر في قراءتك ما دمت تعرف أن تقرأ، وبقدر ما تستطيع أقم الحروف، وبقدر ما تستطيع لاحظ الرموز والمواقف الصحيحة، وليس عليك شيءٌ وراء ذلك.
***
أيضاً يقول :عندي أخ كلامه متقطع، هل يمكن أن أعلمه قراءة القرآن الكريم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أي نعم، يجوز أن تعلمه وإن كان يتقطع كلامه؛ لقول الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ).
***
في رسالة هذه السائلة تقول: فضيلة الشيخ ما هي خير الكتب التي يجب على المسلم أن يقتنيها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: خير الكتب التي يجب على المسلم أن يقتنيها كتاب الله عز وجل، وينبغي العناية به وتدبر معناه والوصول إلى المراد به، وذلك بمراجعة كتب التفسير المؤلفة من العلماء الموثوقين في علمهم وأمانتهم، كتفسير ابن كثير رحمه الله، وتفسير الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، وتفسير الشيخ أبي بكر الجزائري، وغيرهم من العلماء المشهود لهم بالعلم والأمانة. وكذلك بتلقي معاني القرآن من أفواه المشايخ الموثوقين في علمهم وأمانتهم، إما بطريق مباشر، وإما عن طريق استماع الأشرطة المسجلة لهم؛ لأن القرآن الكريم نزل للتلاوة والتبرك بتلاوته وحصول الثواب والأجر بها، وللتدبر أيضاً، وللاتعاظ به ثالثاً، كما قال عز وجل: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ). لذا أحث إخواني المسلمين على تدبر كتاب الله عز وجل وتفهم معناه، ثم العمل بمقتضى ذلك: بتصديق الأخبار وامتثال الأحكام، فيتبع ما أمر الله به في كتابه، ويترك ما نهى الله عنه في كتابه. ثم بعد هذا ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث، ومن المعلوم أن السنة واسعة الإحاطة بها صعبة، لكن هناك كتب مؤلفة، منها ما يقتصر على الأحاديث الصحيحة فقط: كعمدة الأحكام، ومنها ما يذكر ما في الصحيحين وغيرهما، لكنه يذكر درجة الحديث من صحة وضعف وحسن: كبلوغ المرام. ثم بعد ذلك يقتني ما يتعلق بالتوحيد والعقيدة الصحيحة، مثل: كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وكتاب العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية. ثم ما يتيسر من كتب الفقه، وفي مذهب الإمام أحمد من خير ما يقتنى الروض المربع شرح زاد المستقنع، وكذلك الزاد نفسه، وما حصل من شروح وتعليقات على هذا الكتاب المختصر المبارك. أما في النحو: فليبدأ الإنسان بالأيسر فالأيسر، كالأجرومية مثلا،ً ثم بعض العلماء يقول: بعد الأجرومية قطر الندى ثم ألفية ابن

مالك، وأرى أنه لا حاجة إلى أن يدرس قطر الندى والألفية، بل يقتصر على أحدهما وفيه كفاية.
***
المستمع أحمد مصري يعمل بمنطقة حائل يقول ما هي الكتب التي تفقه المسلم في أصول دينه وتوضح له الأحكام الشرعية الصحيحة؟ علماً أنني سمعت في برنامجكم أن بعض الكتب غير مستندة إلى صحة فيما تشتمل عليه، فأرجو إرشادي إلى أهم تلك الكتب الصحيحة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أهم الكتب كتاب الله عز وجل، تقرؤه وتتعلم معناه، إما من خلال التفاسير الموثوقة، وإما على أحد من أهل العلم، ثم تتذكر بما في القرآن من مواعظ وأحكام؛ لقول الله تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ) وبعد ذلك سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن الكتب المؤلفة فيها: كتاب منتقى الأخبار وكتاب بلوغ المرام، تدرسهما وتراجع شروحهما، وتسأل عما أشكل عليك فيهما أهل العلم الموثوقين بعلمهم ودينهم. ثم ما تيسر لك من كتب الفقه على حسب توجيه من يكون عندك من أهل العلم في بلدك، وإذا حصل للإنسان نية صحيحة في طلب العلم فإن الله تعالى ييسر له طريقه، وفي الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة).
***
بارك الله فيكم فضيلة الشيخ المستمع هاني محمد من الأردن عمان يقول: ما هي الكتب الشرعية التي تنصحون بها طالب العلم المتوسط؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً أقول: لا كتاب أفضل من كتاب الله سبحانه وتعالى، فالذي أحث إخواني عليه هو أن يعتنوا بالقرآن حفظاً وفهماً وعملاً، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيهن من العلم والعمل، يتعلمون العلم والعمل جميعاً ثم بعد ذلك الاعتناء بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث، ومعلوم أن الأحاديث التي صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة جداً، وطالب العلم المبتدئ أو المتوسط لا يمكنه الإحاطة بها، لكن هناك كتب مصنفة في هذا الباب يمكن الرجوع إليها، مثل كتاب عمدة الأحكام لعبد الغني النابلسي، ومثل كتاب الأربعين النووية للنووي رحمه الله، وغير ذلك من الكتب المختصرة، ثم بعد هذا يرتقي إلى الكتب المطولة نوعاً ما، كبلوغ المرام، والمنتقى من أخبار المصطفى، ثم بعد هذا يزداد بقراءة كتب الأحاديث المصنفة كصحيح البخاري وصحيح مسلم. أما في الفقه فينظر إلى أخصر كتاب ألف في ذلك، يقرؤه لينتفع به ويطبقه على ما عرفه من الأدلة، حتى يكون جامعاً بين المسائل والدلائل. أما في النحو فيأخذ بالكتب المختصرة أولا،ً مثل كتاب الأجرومية، فإنه كتاب مختصر مبارك مفيد، مقسم تقسيماً يحيط به المبتدئ، ولا سيما إذا يسر الله له من يقربه بالشرح، ثم بعد هذا أنصحه بأن يحفظ ألفية ابن مالك رحمه الله، وأن يتفهم معناها لأنها ألفية مباركة فيها خير كثير. ثم إني أنصح أيضاً أن يلازم شيخاً يثق به في علمه ودينه وأخلاقه؛ لأن تلقي العلم على المشايخ أقرب إلى الإحاطة بالعلم وإلى معرفة الصواب، وأخصرلطالب العلم؛ لأن طالب العلم الذي يقرأ من الكتب إذا لم يكرس جهوده ليلاً ونهاراً فإنه لا يحصل شيئاً، ثم إن الكتب أيضاً متنوعة: منها ما هو ملتزم بالصحيح، أو ملتزم بترجيح ما ينبغي ترجيحه، ومنها ما هو متعصب للمذهب الذي هو عليه، حتى أن بعض المؤلفين- عفا الله عنا وعنهم- أحياناً يلوون أعناق النصوص لتكون

مطابقة لما يذهبون إليه، لذلك أرى أن يعتني الإنسان بالشيخ الذي يدرس عليه في علمه ودينه وخلقه.
***
نرجو منكم نصيحة فضيلة الشيخ في الكتب الشرعية المفيدة والصحيحة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم، طبعاً بعد الدستور الخالد القرآن الكريم للاستفادة منها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم الكتب التي يستفيد منها طالب العلم تختلف باختلاف حال الطالب: إذا كان طالب العلم يريد أن يتمكن من العلم ويكون ناهلاً للعلم فإنه ينصح له بقراءة كتب معينة، وإذا كان طالب علم للمراجعة والمطالعة والاستفادة فقط فإنه ينصح له بكتب معينة أخرى. فطالب العلم الذي يريد أن يكون من أهل العلم ينبغي له أن يقرأ في فنون العلم ما يتمكن منه، حتى يكون عنده إلمام عام في جميع العلوم، فمنها يقرأ في النحو، ويقرأ في البلاغة، ويقرأ في الحديث- أعني: مصطلح الحديث- ويقرأ أصول الفقه، ويقرأ في الفقه، ويقرأ في متون الحديث، ويكون هذا بتوجيه من الشيخ الذي يقرأ عليه. وأنا أنصح طالب العلم أن يكون طلبه للعلم على يد شيخ راسخ في العلم؛ لأن طلب العلم على الشيخ الراسخ يستفيد منه الطالب فوائد، منها: أنه أخصر له في الوصول إلى العلم؛ لأن شيخه يعطيه العلم ناضجاً ميسراً، فيكون ذلك أسهل له في الوصول إلى العلم، لكن لو كان يقرأ من الكتب تعب تعباً عظيماً في مراجعة الكتب، وربما تشوش عليه هذه الكتب التي يقرؤها، حيث إن آراء العلماء ليست متفقة في كل شيء. ومنها: أنه إذا قرأ على شيخ فإن الشيخ يبين له كيف يرجح الأقوال بعضها على بعض، وكيف يستنبط الأحكام الشرعية من أدلتها، فيسهل له الخوض في معارك العلم، ويستطيع الطالب بناء على هذا التوجيه من شيخه أن يناظر في مسائل العلم، وأن يجادل بالحق للحق.

ثالثاً: أنه إذا طلب العلم على الشيخ صار هذا أكثر اتزاناً له؛ لأنه إذا طلبه من الكتب فربما يكون لديه اندفاع كبير في بعض الآراء، فيحصل بهذا زلل، وربما يصل إلى درجة الإعجاب بالنفس واحتقار الغير.
رابعاً: أنه إذا قرأ العلم على شيخ أو إذا أخذ العلم من الشيخ فإنه يستفيد من أخلاق هذا الشيخ؛ لأن الشيخ سيكون إذا منَّ الله عليه متخلقاً بما يقتضيه علمه الذي وهبه الله، فيستفيد من هذا الشيخ، ويكتسب أخلاقاً فاضلة ومعاملات طيبة، بالنسبة لزملائه وبالنسبة لعامة الناس. فالذي أنصح به إخواني طلبة العلم المبتدئين أن يكون تلقيهم للعلم على يد المشايخ الذين أدركوا من العلم والتجارب ما لم يدركوه، وحينئذٍ يأخذ بما يوجهه إليه شيخه من الكتب التي يريد أن يتعلم منها، أما إذا كان لا يريد أن يحبس نفسه لطلب العلم، وإنما يريد الاستفادة من المطالعة، فمن أحسن الكتب: زاد المعاد لابن القيم رحمه الله؛ لأنه كتاب جامع بين الفقه المبني على الدليل وبين التاريخ الذي تعرف به حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكتسب الإنسان من هذا الكتاب : الأحكام الفقهية، ومعرفة حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته، وربما يمر به أيضاً مسائل أخرى تتعلق بالتوحيد وبالتفسير وغيرها، فالكتاب كتاب نافع جامع صالح لمن أراد المطالعة للاستفادة العامة.
***
المستمع أيضاً يقول: فضيلة الشيخ ما هي الكتب التي تنصحون بقراءتها لطالب العلم الشرعي أن يبدأ بها في كلٍ من العقيدة والفقه والحديث والسيرة؟ مع العلم بأنني أميل إلى المذهب الحنبلي؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ننصح جميع إخواننا المسلمين أن يعتنوا أولاً بكتاب الله عز وجل، بفهمه والعناية بتفسيره، وتلقي ذلك من العلماء الموثوقين في علمهم وأمانتهم. ومن الكتب: كتب التفسير الموثوقة: تفسير ابن كثير، وتفسير الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله، وغيرها من التفاسير التي يوثق بمؤلفيها في عقيدتهم وعلمهم؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آياتٍ من القرآن حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، ولأن ارتباط الإنسان بكلام الله عز وجل ارتباطٌ بالله سبحانه وتعالى، فإن القرآن كلام الله لفظه ومعناه، ولأن الإنسان إذا كان لا يفهم القرآن إلا قراءةً فقط فهو أمي وإن كان يقرأ القرآن، قال الله تعالى: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ). أي: إلا قراءة، فوصفهم بأنهم أميون، ولكن لا يعني ذلك ألاّ نهتم بقراءة القرآن؛ لأن قراءة القرآن عبادة، وقارئ القرآن له في كل حرفٍ عشر حسنات، قارئ القرآن له في كل حرف عشر حسنات، فهذا أول ما ينبغي للمسلم أن يبتدئ به، وهو: فهم كتاب الله عز وجل. ثم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيبدأ بالكتب المختصرة مثل: عمدة الأحكام لعبد الغني المقدسي، فإنها أحاديث مختصرة من الصحيحين، وغالب ما يحتاج إليه الإنسان من الأحكام موجودٌ فيه، وكذلك الأربعون النووية للنووي رحمه الله، وتتمتها لابن رجب رحمه الله، ثم يرتقي إلى بلوغ المرام، ثم إلى المنتقى، وهكذا يبدأ شيئاً فشيئاً، أما في كتب العقيدة: فمن أحسن ما كتب وأجمعه وأنفعه العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فإنها زبدة عقيدة أهل السنة والجماعة وأما في الفقه: فمن أحسن الكتب المؤلفة زاد المستقنع في اختصار المقنع، على المذهب الحنبلي.
المستمع خ. ص. ع. من جمهورية مصر العربية يقول في رسالته: ما هي الكتب النافعة التي ترشدونني في قراءتها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أنفع كتاب نرشدك إلى قراءته كتاب الله عز وجل، بأن تقرأه وتتدبره، وتطالع تفاسير أهل العلم الموثوقين، حتى يتبين لك القرآن معنى كما حفظته لفظاً، ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، يتعلمون القرآن والعلم والعمل جميعاً رضي الله عنهم .ثم بعد ذلك ما صح من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والكتب المصنفة من الأحاديث الصحيحة كثيرة، كصحيحي البخاري ومسلم وما نقل منهما، ثم ما كتبه أهل العلم الموثوق بهم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن القيم، فإن كتبهما نافعة جداً لطالب العلم، وكم انتفعنا وغيرنا بها انتفاعاً كثيراً، إذ إنها مبنية على الدليل الأثري والنظري، فتفيد الإنسان فائدة كبرى، وإذا كنت في بلد فشاور أهل العلم الموثوق بهم عما يرون من الكتب التي ينصحونك بقراءتها، لكن هذا ما نراه. والله أعلم.
***
المستمع يستشيركم يا فضيلة الشيخ ويقول: ماهو أفضل كتاب للحفظ في علم الحديث، وأفضل شرح له؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يقصد السائل- فيما يظهر- كتاب الحديث في الأحكام، فمن أفضل الكتب العمدة، عمدة الأحكام للحافظ عبد الغني المقدسي، فإنها عمدة لأنه انتقاها رحمه الله مما اتفق عليه البخاري ومسلم، ولها شروحٌ متعددة، من أنفعها لطالب العلم شرح ابن دقيق العيد، وأما للمبتدئين فلها شروحٌ متعددة من المعاصرين، معروفة بأيدي الطلبة.
يافضيلة الشيخ: في الفقه يا فضيلة الشيخ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: وفي الفقه أيضاً كتاب زاد المستقنع في اختصار المقنع، لموسى الحجاوي، وشرحه الروض المربع لمنصور البهوتي رحمه الله، فإنه كتابٌ مختصر مفيد، هذا لمن أراد التفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل.
يافضيلة الشيخ: وفي النحو؟

فأجاب رحمه الله تعالى: في النحو الأجرومية للمبتدئين، ثم الألفية لمن أخذ حظاً وافراً من النحو، ويا حبذا لو أن الطالب حفظ هذه المتون المختصرة، حتى ينتفع بها حبن يحتاج إليها في المستقبل.
***
بارك الله فيكم المستمع عودة في سؤاله يقول: أرجو إفادتي بالكتب المفيدة بعد كتاب الله عز وجل، وهو في القائمة الأولى الواردة فيها الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلام عليكم ورحمة الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: كتب الحديث التي ننصح فيها هي الكتب الصحيحة المعتمدة عند أهل العلم، مثل صحيح البخاري وصحيح مسلم، أو الكتب التي تجمع الأحاديث الصحيحة وتبينها، مثل بلوغ المرام من أدلة الأحكام، وعمدة الأحكام، وهما كتابان نافعان للمؤمن؛ لأنهما مصنفان على الأبواب الفقهية، وكذلك من الكتب المفيدة رياض الصالحين، وهو مشهورٌ معروف عند الناس، فإن فيه أحاديث كثيرة تشتمل على مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال.
***
يقول: فضيلة الشيخ الكتب الدينية التي ترشدونني باقتنائها والاستفادة منها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: من أحسن ما رأيت من الكتب كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم رحمه الله، فإنه كتاب يعتبر كتاب فقه وسيرة وطب، ومن الكتب المفيدة أيضاً كتاب رياض الصالحين للنووي رحمه الله، ومن الكتب المفيدة تفسير القرآن لابن كثير، والمراد التفسير الكامل دون المختصر، والكتب في هذا كثيرة، يمكنك أن تسترشد أيضاً بمن عندك من أهل العلم ليدلوك على ما لم يحضرنا الآن.
***
أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ بماذا توجهون المستمعين من كتب التفسير في قراءتها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: كتب التفسير في الواقع كثيرة ومتشعبة، والعلماء رحمهم الله كل يأخذ بجهة من جهات القرآن الكريم: فمنهم من يغلب عليه تفسير المعاني بقطع النظر عن الإعراب والبلاغة وما أشبه ذلك، ومنهم من يغلب عليه مسائل الإعراب والبلاغة وما أشبه ذلك، ومنهم من يغلب عليه استنباطات من الآيات العلمية والعملية، فهم يختلفون، لكن من خير ما يكون من التفاسير- فيما أعلم- تفسير ابن كثير رحمه الله، فإنه تفسير جيد سلفي، لكن يؤخذ عليه أنه يسوق بعض الإسرائيليات في بعض الأحيان ولا يتعقبها، وهذا قليل عنده. ومن التفاسير الجياد تفسير الشيخ عبد الرحمن الناصر بن سعدي رحمه الله، فإنه تفسير سلفي سهل المأخذ، ينتفع به حتى العامي. ومن التفاسير الجياد تفسير القرطبي رحمه الله، ومنها تفسير محمد الأمين الشنقيطي الجكني، لا سيما في آخر القرآن الذي أدركه. ومن التفاسير الجياد في البلاغة والعربية تفسير الزمخشري، لكن احذره في العقيدة فإنه ليس بشيء. ومن التفاسير الجياد تفسير ابن جرير الطبري لكنه لا ينتفع به إلا الراقي في العلم وهناك تفاسير أخرى لا نعرفها إلا بالنقل عنها، لكن الإنسان يجب عليه أنه إذا لم يفهم الآية من التفاسير أن يسأل عنها أهل العلم، حتى لا يفسر القرآن بغير مراد الله تعالى به.
***
هذا السائل من الدمام يقول ما هي كتب التفسير التي تنصحونني بقراءتها، وخصوصاً لطلبة العلم مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: كتب التفسير الحقيقة تختلف مشاربها فتفسير ابن كثير من أحسن التفاسير، لكنه رحمه الله لا يعتني كثيراً باللغة العربية، يعني: بالبلاغة وأوجه الإعراب وما أشبه ذلك. وتفسير ابن جرير- وهو أصل تفسير ابن كثير- أيضاً مطول، وفي الآثار الواردة فيه ما هو غثٌّ وسمين، فيحتاج إلى طالب علم يكون له معرفة بالرجال والأسانيد. وهناك كتب تفسير جيدة ،لكن منهجها في العقيدة غير سليم ،كتفسير الزمخشري ،فهو جيد من حيث البلاغة واللغة، لكنه ليس بسليم من حيث العقيدة، وفيه كلمات تمر بالإنسان لا يعرف مغزاها، لكنها إذا وقرت في قلبه فربما يتبين له مغزاها فيما بعد، ويكون قد استسلم لها فيضل، ولذلك أرى أن طالب العلم يأخذ تفسير ابن كثير ما دام في أول الطلب، أو تفسير الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله، أو تفسير أبي بكر الجزائري، وهذا ما اطلعت عليه وقد يكون فيه تفاسير أخرى مثلها أو أحسن، منها لكن هذا ما اطلعت عليه، ثم إذا وفقه الله إلى علمٍ واسع وملكةٍ قوية يدرك بها ما لا يدركه في أيام الطلب فليراجع كل ما تيسر من التفاسير.
***
حفظكم الله وسدد خطاكم، طالب العلم الذي يريد أن يقرأ في التفسير ما هي أشهر كتب التفسير التي يقتنيها طالب العلم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أرى أن يقتني تفسير ابن كثير رحمه الله، وتفسير شيخنا عبد الرحمن بن سعدي؛ لأنهما خير ما اطلعت عليه من كتب التفاسير، وهناك تفاسير أخرى لطالب العلم الراقي، كتفسير القرطبي وتفسير الشوكاني.
***
ما رأيكم يا شيخ في تفسير البغوي؟
فأجاب رحمه الله تعالى: تفسير البغوي جيد و لا بأس به، لكن أحث إخواني السامعين على مراجعة مقدمة التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، تكلم عن التفاسير التي مرت به كلاماً جيدا،ً فلتراجع.
***
بارك الله فيكم يقول: يا فضيلة الشيخ محمد ما هو أفضل كتاب للحفظ في علم العقيدة؟ وأفضل شرح له وعدة شروح أخرى؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من أحسن ما كتب في العقيدة: العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فإنها رسالةٌ مختصرة مفيدة جداً، فيها قواعد عظيمة من القواعد التي ينتفع بها الإنسان في كل مسألة من مسائل العقيدة ،ومنها أيضاً شرح العقيدة الطحاوية، فإنه كتابٌ جيد مفيد ينتفع به طالب العلم، ومنها الصواعق المرسلة ومختصره لابن القيم رحمه الله.
***
جزاكم الله خيراً السائلة أ,ع تقول أنا أقوم بدراسة الفقه، فما هي الكتب التي تنصحونني بدراستها و القراءة فيها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أحسن ما رأيت من الكتب في فقه الحنابلة الروض المربع شرح زاد المستقنع، ففيه خير كثير وفيه علم كثير، ولكني أنصح السائلة وغيرها ممن يطلب العلم بأن يكون طلبهم العلم على يد شيخ؛ لأن ذلك أسلم من الخطر وأقرب لحصول العلم، فإن الشيخ يقرب المعلومات إلى الطالب: بشرح المشكل، وبيان المجمل، والجمع بين الأدلة، فيقل الخطأ، وأما من اعتمد على نفسه في طلب العلم وعلى الكتب التي يقرؤها، فإنه يخطئ كثيراً، ولا ينال العلم الصحيح إلا بجهدٍ جهيد وعمل شاق، ولهذا يقال: من كان دليله كتابه غلب خطؤه صوابه، وهذه الجملة وإن لم تكن صحيحة على وجه الإطلاق لكنها في الغالب: أن من كان دليله كتابه غلب خطؤه صوابه.
***
هذا السائل يقول: أريد أن يكون لي علم شرعي وأن أتفقه في الدين، وجهوني نحو أفضل الكتب المعينة في هذا المجال؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من أحسن الكتب بل هو أحسن الكتب كتاب الله عز وجل، فإن فيه الهدى والنور والشفاء لما في الصدور، ثم ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ما كتبه أهل العلم. ويختلف هذا باختلاف الناس :فالطالب الصغير المبتدئ تذكر له الأشياء المختصرة المفيدة، والطالب المتوسط يرتقي شيئاً فشيئاً حتى يصل إلى الغاية والنهاية التي يمكن أن يصل إليها البشر ثم إني أشير على طالب العلم أن يختار له من العلماء الأمناء في دينهم وعلمهم واتجاههم ومنهجهم من يتتلمذ على يديه، فإن القراءة على المشايخ أقرب إلى الصواب، وأسرع في إدراك العلم؛ لأن الشيخ يقدم لطلابه شيئاً قد نضج وتم اختياره من قبل هذا الشيخ، وقد توفرت ولله الحمد وسائل الإعلام الآن من مسموعة ومقروءة، فالأشرطة متوفرة والكتب كذلك متوفرة كثيرة، نسأل الله التوفيق لما فيه الخير والصواب.
***
يقول: أرشدوني إلى بعض أسماء الكتب القيمة في الفقه والعبادات؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أحسن شيء في هذا ما ألفه العلماء من كتب الحديث، كبلوغ المرام ومنتقى الأخبار ونحوهما، ثم ما اشتمل على الفقه والحديث، مثل زاد المعاد لابن القيم، فإنه كتاب قيم: فيه التاريخ النبوي، وفيه الفوائد والحكم التي تتضمنها غزوات الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو كتاب جيد لا ينبغي لطالب علم أن تفوته مطالعته.
***
مارأيكم في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الفقه على المذاهب الأربعة، الذي أُشير به على إخواني- إذا كانوا يحبون الاطلاع على أقوال العلماء، ولديهم قدرة على معرفة الراجح من المرجوح أن لا يراجعوا إلا الكتب التي تذكر الأقوال وأدلتها، حتى يكونوا على بينة من أمرهم، مثل: المغني لابن قدامة، والمجموع شرح المهذب للنووي رحمه الله، وما أشبهها من الكتب التي إذا ذكرت أقوال العلماء ذكرت الأدلة وبينت الراجح، أما مجرد أقوال: هذا مذهب فلان، وهذا مذهب فلان، فهو قليل الفائدة بلا شك، يعني: أن الفائدة منه هي أن يطلع الإنسان على أقوال فقط، دون أن يعرف الراجح من المرجوح، فاشتغاله بما هو أحسن أولى وأحرى.
***
يقول السائل: ما رأي فضيلتكم في مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: رأينا أنها من خير ما كتب؛ لأنها من عالم فقيه ناصح، وإنني أحث أخي هذا السائل وغيره ممن يستمع، أحثه على اقتناء كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكذلك تلميذه ابن القيم؛ لما فيها من الخير والبركة والعلم الغزير الذي لا تجده في غيرها، ولما فيها من قوة الاستنباط، استنباط الأحكام من الكتاب والسنة، فهي كتب لم يخرج مثلها فيما أعلم، فعليك يا طالب العلم بها.
***
يقول: ما رأيكم يا فضيلة الشيخ في تفسير مختصر ابن كثير، وفقه السنة، ورياض الصالحين، والكبائر، وقصص الأنبياء؟

فأجاب رحمه الله تعالى : أقول أولا: إن الرجوع إلى الأصول خير، لكن إذا دعت الحاجة إلى الرجوع إلى المختصرات- لضيق الوقت، أو لغير ذلك من الأسباب- فلا بأس، وإلا فإن الرجوع إلى الأمهات أفضل وأحسن. وأما ما عدده من الكتب: بعد ذلك فإنه من المعلوم أنه لا يكاد كتاب يسلم من شيء يطغى به القلم، أو يزل به الفهم، والإنسان غير معصوم، وما أحسن كلمة قالها عبد الرحمن بن رجب رحمه الله -أحد أحفاد شيخ الإسلام ابن تيمية في العلم، وهو تلميذ ابن القيم، وابن القيم تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قال في كتابه القواعد الفقهية يأبى الله العصمة لكتاب غير كتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه. فإنها كلمة جيدة: المنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه، وغالب هذه الكتب التي ذكرها السائل لم أستوعبها قراءة أو مطالعة، فلا يمكنني أن أحكم على كل واحد منها بعينه ولكن من طالع هذه الكتب أو غيرها، وأشكل عليه مسألة من المسائل، فعليه أن يراجع أهل العلم في ذلك.
***
ما رأي فضيلتكم حفظكم الله في كتاب الروح وحادي الأرواح لابن القيم؟
فأجاب رحمه الله تعالى : إنهما كتابان عظيمان مفيدان، فيهما عبر وفيهما أحكام فقهية، فهما من خير المؤلفات وابن القيم رحمه الله- كما هو معلومٌ للجميع- رجلٌ واسع الاطلاع، سهل العبارة سلسها، وأنا أنصح إخواني طلبة العلم بقراءة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، الذي هو تلميذه وتربى على يده علماً وعملاً ودعوة، وقد أوصى بهما شيخنا رحمه الله عبد الرحمن بن سعدي؛ لأنه رحمه الله انتفع بكتب الشيخين انتفاعاً كبيراً، ونحن انتفعنا بها والحمد لله، فنشير على كل طالب علم أن يقرأها لينتفع بها.
***
السائل أبو عبد الله يقول: ما رأيكم في كتاب الروح لابن القيم؟ وهل القصص التي ذكرها عن أهل القبور صحيحة؟

فأجاب رحمه الله تعالى : الكتاب فيه مباحث قيمة وجيدة، ومن قرأها عرف أنها من كلام ابن القيم رحمه الله، وفيه هذه القصص التي ذكرها من المنامات عن بعض الأموات فالله أعلم بصحتها، لكن كأنه رحمه الله تهاون في نقلها لأنها ترقق القلب، وتوجب للإنسان أن يخاف من عذاب القبر، وأن يرغب في نعيم القبر، فالقصص حسنة والله أعلم بصحتها.
***
يستفسر عن مجموعة من الكتب يقول: حادي الأرواح والروح لابن القيم ما رأيكم فيهما؟
فأجاب رحمه الله تعالى : أما الكتابان حادي الأرواح والروح لابن القيم رحمه الله فهما كتابان نافعان فيهما خير كثير، وإن كانا لا يخلوان من الشيء الذي يكون سبباً للتردد في صحته، لكنهما بلا شك مفيدان عظيمان.
***
المستمع أيضاً يقول: ما رأيكم فضيلة الشيخ في هذه الكتب: كتاب الأذكار، وكتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، وأيضاً كتاب رياض الصالحين، وكتاب خزينة الأسرار؟
فأجاب رحمه الله تعالى : أما كتاب الأذكار ورياض الصالحين فهما للنووي رحمه الله، ولا شك أن فيهما فائدةً عظيمة كبيرة، لكن لا يخلوان من بعض الأحاديث الضعيفة، ولا سيما كتاب الأذكار، إلا أن أهل العلم قد بينوا ذلك ولله الحمد، ولكنها أحاديث قليلة جداً، وأرى أن يقرأ بهما الإنسان لما فيهما من الفوائد الكثيرة، وأرى أن يسأل عن الأحاديث التي يستنكرها، يسأل عنها أهل العلم بالحديث. وأما الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي فهو لابن القيم أحد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله، وهو كتابٌ جيد فيه مواعظ عظيمة، لكن في آخره أشياء يظهر أن المؤلف رحمه الله كتبها لأن هذا الكتاب كان لشخصٍ معين ابتلي ببلية، فرأى المؤلف رحمه الله أن من المناسب ما ذكره في آخر الكتاب. وأما كتاب خزينة الأسرار فلا أدري عنه، ولم أطلع عليه.
***

بارك الله فيكم هذا المستمع زاهر محمد سعيد من جدة يقول في سؤاله: أنا والحمد لله يوجد عندي كتب شرعية كثيرة، من ضمنها كتاب رياض الصالحين، وفقه السنة ذو المجلدات الثلاثة للسيد سابق، وحيث إن عندي وقت فراغ كبيراً أريد أن أقضيه في شيء يفيدني، فأردت أن أتفقه في الدين، وأنا محتار في أي الكتابين أبدأ؟ هل أبدأ بكتاب رياض الصالحين أم بكتاب فقه السنة؟ نرجو إفادة بذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الذي أرى أن تبدأ بكتاب رياض الصالحين؛ لأن فيه آداباً عظيمة قل أن توجد في غيره، وهو أيضاً في نفس الوقت مشتمل على فقه كثير من العبادات والمعاملات، فابدأ به أولاً، ثم بعد هذا تبدأ فيما تراه من الكتب النافعة المفيدة، ومن الكتب المفيدة زاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية رحمه الله، فإنه كتاب جامع بين السيرة النبوية والفقه، ومن المعلوم لنا جميعاً أن دراسة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أمر مهم مطلوب؛ لأن به يُعرف كثيرٌ من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وبه يزداد الإيمان والمحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فنصيحتي لك وللمستمع أنت تقرأ بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن يجب الحذر من المقولات الضعيفة التي ألصقت بالسيرة وليست منها، ومن خير ما هو مؤلف في السيرة وفيه تمحيص جيد كتاب البداية والنهاية لابن كثير، فإنه جيد ومفيد.
***
المستمع علي أحمد الزهراني بلاد زهران له سؤال، يستشيركم فضيلة الشيخ في رياض الصالحين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: قبل الإجابة على السؤال أود أن أذكر إخوتي المستمعين ومنهم السائل أن أهم ما ينبغي الاعتناء، به بل يجب الاعتناء به، كتاب الله عز وجل، حيث كان الصحابة رضي الله عنهم لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، فالاعتناء بكتاب الله عز وجل أمرٌ واجب، وتدبر معناه هو الحكمة من إنزاله، والتذكر به حكمةٌ أخرى تتفرع عن تدبره قال الله تعالى (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ). كثيرٌ من الناس يعتني بالكتب الحديثية وبالسنة، ولا شك أن هذا خير، ولكن تجده مهملاً القرآن الكريم، لا يعرف معناه ولا يتدبره، ولا يطلع على ما كتبه أهل العلم في تفسيره، وهذا نقص، فالذي ينبغي للإنسان في ترتيب تعلمه أن يبدأ قبل كل شيء بفهم كتاب الله عز وجل، ثم يثني بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كتبه أهل العلم فيها من المؤلفات. وبعد هذا نرجع إلى الجواب على السائل فنقول: إن هذا الكتاب الذي أشار إليه- وهو: رياض الصالحين- كتابٌ قيمٌ نافع، به آياتٌ يصدر بها المؤلف رحمه الله الأبواب في كثيرٍ من أبواب الكتاب، وفيه أحاديث صحيحة وحسنة، ويندر فيه جداً أن توجد أحاديث ضعيفة، لكن الكتاب مفيدٌ لطالب العلم ومفيدٌ للعامة.
***
ما أفضل الكتب المؤلفة في السيرة النبوية يا فضيلة الشيخ؟

فأجاب رحمه الله تعالى : السيرة النبوية ألفت فيها كتبٌ كثيرة، لكن بعضها ليس له سند، ولكنها اشتهرت بين الناس ثم كتبت في الكتب، ومن أحسن ما رأيت- وأنا لم أرَ شيئاً كثيراً من كتب التاريخ والسيرة- (البداية والنهاية)لابن كثير رحمه الله، وإذا أشكل عليك شيء منها، يعني: إذا قرأت وأشكل عليك شيء فابحث عنه بحثاً خاصاً، مثل أن تروى قصة واقعة منسوبة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو لغيره من الصحابة، فابحث عنها وعن سندها حتى يتبين لك، المهم أن من خير ما قرأت وأفيده في هذا الموضوع كتاب البداية والنهاية لابن كثير رحمه الله.
***
هذه المستمعة من الرياض تقول: فضيلة الشيخ الكتب التي تنصحوننا بقراءتها في مجال الزهد؟

فأجاب رحمه الله تعالى : لا شيء أحسن من كتاب الله عز وجل في باب الزهد، ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. والزهد له مفهومان: مفهوم شرعي، ومفهوم عرفي. فالمفهوم الشرعي: أن الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، وليس المراد به أن يترك الإنسان الدنيا كلها ويتقشف، ويكون في بيته لا يعرف ولا يُعرف، بل أن يترك ما لا ينفعه في الآخرة، ولو عمل أعمالاً دنيوية، ولو خالط الناس، ولو ماشاهم. وأما الزهد العرفي: فهو التقشف، وكون الإنسان لا يتمتع بما أحل الله له وإن كان نافعاً له في الآخرة، وكونه يقتصد على نفسه وينزوي في بيته، وهذا الزهد ليس مشروعا،ً ولا يؤجر الإنسان عليه؛ لأنه قد يضيع فيه واجبات كثيرة، وقد يحرم نفسه من مباحات كثيرة لغير سبب، والإنسان الذي يحرم نفسه من المباحات التي أباحها الله بلا سبب شرعي يعد مذموماً لا ممدوحاً. لهذا ينبغي أن نقول لهذه السائلة ولغيرها: يجب أن نعرف معنى الزهد أولاً حتى نبحث عن الكتب التي تعين على الزهد أو التي تبين الزهد، فالزهد قاعدته -كما أشرت إليه -ترك ما لا ينفع في الآخرة، فممارسة شيء من أمور الدنيا هو نافع في الآخرة لا يخرج به الإنسان عن الزهد، والانطواء على النفس وعدم الاختلاط مع الناس وكون الإنسان يتقشف ويمتنع مما أحل الله له، ليس هذا بالزهد المحمود، بل هو من الزهد المذموم.
***
بارك الله فيكم، من محافظة بيالي العراق مستمعة غريبة الأصلاني تقول في سؤالها: عندنا الكثير من كتب التصوف، فما رأي الشرع في نظركم يا فضيلة الشيخ في هذه الكتب وبالتصوف؟

فأجاب رحمه الله تعالى : نظري في التصوف -كغيره مما ابتدع في الإسلام- ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته حيث قال :(عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة).فالتصوف المخالف لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم بدعة وضلالة يجب على المسلم أن يبتعد عنها، وأن يأخذ طريق سيره إلى الله من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وأما كتب الصوفية فإنه لا يجوز اقتناؤها ولا مراجعتها، إلا لشخص يريد أن يعرف ما فيها من البدع من أجل أن يرد عليها، فيكون في نظره إليها فائدة عظيمة، وهي: معالجة هذه البدعة حتى يسلم الناس منها، ومن المعلوم أن النظر في كتب الصوفية وغيرها من البدع من أجل أن يعرف الإنسان ما عندهم حتى يرد عليهم، من المعلوم أن هذا أمر مرغوب فيه إذا أمن الإنسان على نفسه من أن ينحرف من هذه الكتب.
***

السائلة تقول: قرأت في كتاب المأثورات شيئاً لم أجده في بقية كتب الأدعية، وما قرأته يعرف بورد الرابطة، وهو أن يتلو الإنسان قوله تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ) إلى قوله :(وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ). ثم يتلو بعد ذلك الدعاء: اللهم إن هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك فاغفر لي. ثم يستحضر صورة من يعرف من إخوان في ذهنه، ويستشعر الصلة الروحية بينه وبين من لم يعرف منهم، ثم يدعو لهم مثل هذا الدعاء: اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب اجتمعت على محبتك، والتقت على طاعتك، وتوحدت على دعوتك، وتعاهدت على نصرة شريعتك، فألف اللهم رابطتها، وأدم ودها، واهدها سبلها، واملأها بنورك الذي لا يخبو، واشرح صدورها بفيض الإيمان بك، وجميل التوكل عليك، وأحيها بمعرفتك، وأمتها على الشهادة في سبيلك، إنك نعم المولى ونعم النصير. كما ذكر ورداً آخر يسمى بورد الدعاء يقول فيه: أستغفر الله مائة مرة، ثم الدعاء للدعوة والإخوان والنفس بعد ذلك بما تيسر من الدعاء، بعد صلاة الفجر والمغرب والعشاء وقبل النوم، وألا يقطع الورد لأمر دنيوي إلا لضرورة. وقد قرأت كثيراً في كتب الأحاديث ورياض الصالحين ولم أجد ما يدل على صحة هذا المذكور، فأرجو أن تنبهونا على مدى صحته وعن حكم الالتزام به والمداومة عليه؟

فأجاب رحمه الله تعالى : الأمر كما ذكرت السائلة في أن هذه الأدعية أدعية لا أصل لها في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وليست بصحيحة، ولا يجوز لأحد أن يلتزم بها، بل ولا أن يفعلها تعبدا؛ً لله لأنها بدعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :(كل بدعة ضلالة). والذي ظهر لي من حال هذه المرأة السائلة أنها تطالع كثيراً من الكتب، ولا سيما كتب الأذكار والأوراد الذي أنصحها به أن تتحرز كثيراً؛ لأنه كتب في الأذكار البدعية والأدعية البدعية شيء كثير، ومن المؤسف أنها تروج كثيراً في المسلمين، ورواجها قد يكون أكثر من رواج الأدعية والأذكار الصحيحة. فأنصحها وأنصح جميع إخواني المسلمين بالتثبت في هذه الأمور، حتى لا يعبدوا الله تعالى على جهل وضلال وبدع، وفي الكتب الصحيحة التي ألفها من يوثق بعلمهم وأمانتهم ودينهم، في الكتب الصحيحة ما يغني عن ذلك، فالرجوع إليها هو الواجب، وطرح مثل هذه الكتب التي أشارت إليها السائلة وغيرها مما يشتمل على أذكار وأدعية بدعية، فطرحها والتحذير منها هو الواجب على المسلمين، حتى لا تفشو فيهم البدع وتكثر فيهم الضلالات. والله أسأل أن يهدينا وإخواننا المسلمين لما فيه صلاح ديننا ودنيانا، إنه جواد كريم.
***
ما رأيكم في كتب يوم القيامة وأهوالها ؟
فأجاب رحمه الله تعالى : الذي يغلب على ظني أن مثل هذه الكتب المتعلقة بالفتن وأهوال القيامة فيها أحاديث كثيرة ضعيفة، وبعضها قد تكون موضوعة، ولهذا ينبغي على الإنسان أن يكون منها على حذر، وأن لا يعتمد عليها إلا بعد مراجعة أهل العلم، وإذا قدر أنه ليس عنده أحدٌ من أهل العلم يسأله فإن الحق له منارٌ بيّن، فإذا مر به شيئ من الأحاديث يستنكره أو تشمئز منه نفسه فليتوقف فيه، وليسأل عنه بخصوصه، وهو غير ملزم بأن يؤمن بما لا يتيقن أنه مما يجب الإيمان به، فليتوقف حتى يسأل أهل العلم عن ذلك.
***

السؤال يقول: وجدنا كتباً مؤلفة في الطب للشيخ جلال الدين السيوطي، فهل كان عالماً بالطب إلى جانب التفسير حسب ما تعلمون؟ أم أنه اسم على اسم؟ أو هي منسوبة إليه فقط؟ فإن كنتم قد اطلعتم على شيئ منها فما رأيكم فيما اشتملت عليه، وخاصة تلك الرموز والطلاسم التي لا تعرف؟ والأحرف الأبجدية العربية والأرقام، وهذه دواء للجنون وبعض الأمراض الأخرى؟
فأجاب رحمه الله تعالى : أنا لا أعرف عن السيوطي أنه عالم بالطب، وإن كنت قد قرأت له قديماً كتاباً يشتمل على عدة علوم منها بحوث في الطب. أما ما ذكره السائل من هذا الكتاب الذي فيه الطلاسم باللغة العبرية والعربية وغيرها، والحروف وما أشبهها: فهذا لا أعرف عنه شيئاً، ولكن يجب أن يعلم أنه لا يجوز الاستشفاء بأمر لا يعرف معناه، فهذه الحروف التي لا يدرى ما هي، وهي عبارة عن طلاسم معقدات وأشياء لا تعلم، لا يجوز لأحد أن يتداوى بها ولا يستشفي بها، وإنما يستشفى بالكتابة المعروفة التي لا تنافي ما جاءت به الشريعة.
***
هذه أختكم في الله خ م س من الخرج تقول في سؤالها: لقد داومت على قراءة درة الناصحين في الوعظ والإرشاد وتأثرت به، ولكنني أحس أن فيها أشياء مكذوبة وتأكدت من ذلك، فما رأيكم في هذا الكتاب يا فضيلة الشيخ؟

فأجاب رحمه الله تعالى : رأيي في هذا الكتاب وفي غيره من كتب الوعظ أن يقرأها الإنسان بتحفظ شديد؛ لأن كثيراً من المؤلفين في الوعظ يأتون بأحاديث لا زمام لها ولا قيود لها ولا أصل لها عن الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هي أحاديث موضوعة أحياناً، وضعيفة جداً أحياناً، يأتون بها من أجل ترقيق القلوب وتخويفها، وهذا خطأ عظيم، فإن فيما صح من سنة الرسول عليه الصلاة والسلام من أحاديث الوعظ كفاية، والقرآن العظيم أعظم ما توعظ به القلوب، كما قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ). فلا واعظ أعظم من القرآن الكريم ومما صح من السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا عرف الإنسان حال هذه الكتب المؤلفة في الوعظ، وأن فيها أحاديث موضوعة أو ضعيفة جداً، فليحترز من هذه الأحاديث، ولا حرج عليه أن ينتفع بها وبما فيها من كلمات الوعظ التي يكتبها الكاتبون، ولكن بالنسبة للأحاديث ليكن منها على حذر، وليسأل عنها أهل العلم، وإذا بين له حال الحديث فليكتب على هامش الكتاب: هذا الحديث ضعيف أو موضوع أو ما أشبه ذلك؛ لينتفع به من يطالع الكتاب بعده.
بارك الله فيكم نستشيركم فضيلة الشيخ محمد بالكتب التالية: مروج الذهب للمسعودي؟
فأجاب رحمه الله تعالى : مروج الذهب للمسعودي كغيره من كتب التاريخ يكون فيه الضعيف والصحيح، ويحتاج إلى أن يحترز الإنسان منه فيما إذا ورد على سمعه أو على بصره ما يستنكر، فإنه يجب عليه أن يتوقف فيه ويبحث عنه و يحققه.
فضيلة الشيخ: المأثورات والدعاء المستجاب؟
فأجاب رحمه الله تعالى : كتاب الدعاء المستجاب فيه أشياء بدعية لا صحة لها، فلا أشير أن يقرأه إلا شخص طالب علم يعرف ما فيه من البدع حتى يتجنبها، وفيه أشياء مفيدة.
فضيلة الشيخ: العواصم من القواصم لأبي بكر بن العربي؟

فأجاب رحمه الله تعالى : هذا كتاب جيد ينبغي للإنسان قراءته.
***
ما رأي فضيلتكم في كتاب الروض الفائق وتنبيه الغافلين؟
فأجاب رحمه الله تعالى : الروض الفائق لا أعرفه، وأما تنبيه الغافلين فهو كتاب وعظ، وغالب كتب المواعظ يكون فيها الضعيف وربما الموضوع، ويكون فيها حكايات غير صحيحة يريد المؤلفون بها أن يرققوا القلوب وأن يبكوا العيون، ولكن هذا ليس بطريقٍ سديد؛ لأن فيما جاء في كتاب الله وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من المواعظ كفاية، ولا ينبغي أن يوعظ الناس بأشياء غير صحيحة، سواء نسبت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أو نسبت إلى قومٍ صالحين، قد يكونون أخطؤوا فيما ذهبوا إليه من الأقوال أو الأعمال، والكتاب فيه أشياء لا بأس، بها ومع ذلك فإني لا أنصح أن يقرأه إلا شخص عنده علم وفهم وتمييز بين الصحيح والضعيف والموقوف.
بارك الله فيكم فضيلة الشيخ هذا مستمع للبرنامج بعث برسالةٍ يسأل عن كتاب تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين، تأليف الفقيه الزاهد الشيخ نصرالدين محمد بن إبراهيم السمرقندي، يقول: أسأل عن هذا الكتاب والأحاديث التي وردت فيه هل هي صحيحة؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً؟

فأجاب رحمه الله تعالى : نعم هذا الكتاب كغيره من كتب الوعظ فيها أحاديث صحيحة، وفيها أحاديث حسنة، وفيها أحاديث ضعيفة، وفيها أحاديث موضوعة، ولهذا لا ينبغي قراءته إلا لطالب علم يميز بين مايُقبل من الأحاديث التي فيه وما لا يقبل؛ ليكون على بصيرة من أمره، ولئلا ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله أو ما لا تصح نسبته إليه، فإن (من حدث عن رسول الله بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين). وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن (من كذب عليه متعمداً فليتبوأ مقعده من النار). فنصيحتي لمن ليس عنده علم بالأحاديث ألا يقرأ في هذا الكتاب، ومن عنده علم يميز بين الصحيح المقبول وغير المقبول ورأى في قراءته مصلحة فليفعل، وإن رأى أنه يصّده عن قراءة ما هو أنفع له فلا يُذهِب وقته بقراءته.
***
بارك الله فيكم المستمع عطية من المدينة المنورة يقول: قرأت كتاباً عن عقوبة أهل الكبائر لمؤلفه أبي الليث السمرقندي، من ضمن ما قرأته الأربع الصفحات الأخيرة من الكتاب، وهو موضوع مواصفات الجنة وأهوال يوم القيامة، مما جعلني أبكي من شدة ما سمعت، ولا أستطيع شرح ما قرأته لأنه طويل، ولكن ربما مر عليكم هذا الكتاب يا فضيلة الشيخ وقرأتموه، فما رأيكم في هذا الكتاب؟ وهل ما ورد فيه صحيح؟ أفيدونا أثابكم الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى : هذا الكتاب فيه الكثير من الأشياء التي لا تصح، ولهذا لا أنصح إخواني بقراءته، إلا رجلاً كان عنده علم شرعي يميز الصحيح من الضعيف والسقيم من السليم فلا بأس، وفي هذه الحال يحسن إذا قرأه أن يعلق على الضعيف منه وعلى السقيم، ويبين ضعفه وسَقمه، حتى لا يغتر الناس به، وهكذا نقول في أي كتاب يكون فيه الصحيح والضعيف: لا ننصح أحداً بقراءته، إلا رجلاً كان عنده علم سابق علم شرعي، فلا حرج أن يقرأه، ولكن ينبغي أن يعلق على الضعيف والسقيم حتى لا يغتر الناس به. ولست بقولي هذا أتحجر على الناس أن لا يقرؤوا الكتب، ولكني أقول لإخواني المسلمين: إن في الكتب المعتمدة الصحيحة ما فيه الكفاية والاستغناء عن هذه الكتب التي تشتمل على هذه الأشياء الضعيفة، وليعلم أن كثيراً من كتب الوعظ تشتمل على كثير من الأحاديث الضعيفة، وذلك استناداً إلى قولٍ ذهب إليه بعض أهل العلم، وهو: التساهل في الأحاديث الضعيفة في باب الفضائل أو الزواجر؛ نظراً إلى أنها إذا كانت في الفضائل تزيد الإنسان رغبة في الخير، وإذا كانت في أداء واجب تزيده رهبة من الشر. ومع ذلك فإن هؤلاء الذين يرخصون بالأحاديث الضعيفة من أهل العلم يشترطون لها شروطاًَ، وهي: ألا يكون الضعف شديداً، وألا يعتقد الإنسان أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها ،وأن يكون لها أصل ثابت في الشرع. مثال ذلك لو ورد حديث فيه التخويف من الزنى وهو حديث ضعيف، فعند هؤلاء العلماء لا بأس من ذكره، بشرط ألا تعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، و ذلك لأن الزنى ثبت تحريمه في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة ،فذكر هذا الوعيد فيه يزيد الإنسان نفوراً، منه والنفور من الزنى أمر مطلوب في الشرع، ثم إن ثبت هذا العقاب للزاني فإنه يكون قد فعل هذه الفاحشة على بصيرة، وإن لم يثبت فإنه لم يزدد إلا نفوراً من هذا الفعل المحرم وذلك لا يضره. كذلك لو جاء حديث ضعيف يرغب

في صلاة الجماعة، فإن أجر صلاة الجماعة ثابت بالسنة الصحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام، والأمر بصلاة الجماعة ثابت في كتاب. الله والله الموفق.
***
بارك الله فيكم هذا عايش أحمد محسن من اليمن الشمالي يستشيركم في بدائع الزهور؟
فأجاب رحمه الله تعالى : نعم هذا الكتاب رأيت فيه أشياء كثيرة غير صحيحة، ولا أرى أن يقتنيه الإنسان، ولا أن يجعله بين أيدي أهله؛ لما فيه من الأشياء المنكرة.
***
أثابكم الله فضيلة الشيخ هذا السائل من العراق حمادة عيسى محافظة نينوى يسأل عن كتاب عنوانه بدائع الزهور، يقول: هل ما جاء في هذا الكتاب صحيح أم فيه شيء من المبالغة؟
فأجاب رحمه الله تعالى : هذا الكتاب بدائع الزهور في وقائع الدهور، هذا الكتاب فيه شيء من المبالغات الكثيرة والكذب، و على الإنسان أن يتجنبه وأن يبعده عن بيته، حتى لا يغتر أولاده بما يقرؤونه فيه. وإني أنصح هذا السائل وغيره من إخواني المسلمين أن يتحروا فيما يراجعونه من الكتب الأخبارية، بل أن يتحروا فيما يقرؤونه من الكتب الأخبارية و الأحكامية، وأن لا يأخذوا بكل ما يرونه، وليشاوروا أهل العلم في هذه الكتب حتى لا ينخدعوا بما فيها من باطل وضعيف؛ لأن الأمر خطير جداً، لو أن كل إنسان وجد كتاباً أخبارياً أو حكمياً أخذ بما فيه من غير أن يميّز بين الضعيف والقوي والحق والباطل لضل في ذلك ضلالاً بعيداً، وما دام العلماء والحمد لله موجودين فإنه من المتيسر أن يتصل بهم ويسألهم عن الكتاب قبل أن يقرأه.
***

السائلة حنان ع.ع. من الدوحة قطر تقول: لقد تعود الناس عندنا إذا توفي أحد أفراد العائلة يجتمع الناس للعزاء في الثلاثة الأيام الأولى، ويقرؤون في هذه الفترة القرآن الكريم، ويكملون ما يستطيعون من ختمات للقرآن، يتجمعون بعدها ويقرأ أحد الشيوخ أو إحدى النسوة دعاء ختم القرآن، يأخذونه من كتاب اسمه دعاء ختم القرآن من تأليف أحمد بن محمد البراك، ويقول هذا المؤلف: إنه كتب هذا الكتاب في الهند وداعاً لشهر رمضان؛ لينتفع به المسلمون، وفيه دعاء أول السنة وآخرها، ودعاء ليلة النصف من شعبان، واستوقفتني هذه الجملة؛ لعلمي بضعف الأحاديث الواردة في تخصيص ليلة النصف من شعبان، ثم يذكر في الكتاب كجزء من الدعاء سورة الفاتحة وآيات من سورة البقرة وآل عمران وسور أخرى، ومن الكلام الذي ورد فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأعرابي: أسلم. قال: من شهد يا محمد أن ما تقول صدق؟ فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم شجرة من شاطئ الوادي الأيمن، فجاءت إليه وهي تشق الأرض شقاً، فاستشهدها رسول الله وقال لها: يا شجرة من أنا؟ قالت: أنت رسول الله حقاً. فغادرت إلى مكانها معلنة له بالرسالة نطقاً. وقول آخر عن رسول الله أنه أجار البعير، وضمن الغزالة، وكلّمه الضب، وخاطبه الثعبان، واخضرّ العود اليابس في كفه .ويكرر هذا الدعاء بعدد الختمات التي تمت للقرآن، فيسألون الله فيه أن يكون ثوابه صدقة للميت، فهل تجوز القراءة للميت ؟وما مدى صحة ما ورد في هذا الكتاب؟ أفيدونا بما تعلمون حول هذا الأمر جزاكم الله خيراً؟

فأجاب رحمه الله تعالى : هذا الكتاب الذي أشارت إليه السائلة لم يكن عندي منه شيء ولا أعلم به. ولكن ما ذكر من اجتماع أهل الميت للعزاء ثلاثة أيام، وقراءة القرآن وإهداء ثوابه إلى الميت، فإن هذا من البدع التي لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كره أهل العلم أن يجتمع الناس للعزاء في بيوتهم أو في مكان خاص، والغالب أنه إذا حصل مثل هذا الاجتماع- ولا سيما اجتماع النساء، الغالب أنه- لابد أن يكون مصحوباً بنياحة أو ندب ،وكلاهما محرم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم (لعن النائحة والمستمعة). وعلى هذا فالواجب على المسلمين التخلي عن هذه البدع، وأن ينظروا إلى طريقة من سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ويتمشوا على طريقتهم، ولاشك أن الصحابة رضي الله عنهم قد أصيبوا بالأموات كغيرهم من الناس، ولم يكن يحدث منهم ذلك ،وغاية ما ورد في هذا أنه لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد أتاهم ما يشغلهم). وأما إهداء القرآن إلى الميت، أو قراءة القرآن للميت: فإن أهل العلم اختلفوا هل يصل ثوابها إليه أم لا؟ والصحيح أنه يصل ثوابها إليه، ولكن استئجار من يقرأ القرآن له هذا هو الذي يكون حراماً؛ لأن قراءة القرآن قربة، والقربة لا يصح أخذ الأجرة عليها، فلو استأجروا شخصاً يقرأ القرآن للميت فإن عقد الإجارة محرم، والقارئ لا يملك الأجرة بذلك، وليس له ثواب من قراءته؛ لأنه أراد بها غير وجه الله، والميت لا ينتفع بها حينئذٍ؛ لأنها ليست مقبولة يترتب عليها الأجر والثواب، وحينئذٍ يكون أهل الميت الذين بذلوا هذه الدراهم خاسرين، وقد فات الميت ما يرجونه من الثواب. وأما ما ذكره من الآيات التي أشار إليها، الآيات التي تدل على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: فالآيات الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة، وأعظمها هذا القرآن العظيم الذي لا يزال معجزة حتى يأتي أمر

الله عز وجل، وقد ثبت للنبي صلى الله عليه وسلم من الآيات الكونية الأرضية والأفقية شيء كثير، من أراد أن يراجعه فليرجع إلى ما ذكره أهل العلم في ذلك، مثل البداية والنهاية لابن كثير، ومثل ما ختم شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه الجواب الصحيح به، فإن فيه مقنعاً وكفاية.
***
بارك الله فيكم المستمع سعد الدوسري من وادي الدواسر يقول: عندي كتب فقه وتفسير كثيرة، وبعضها أو أكثرها لم أقم بقراءته، فهل أنا آثمٌ إذا لم أستفد منها؟ وماذا أعمل بها؟ علماً أن عندي العزم إن شاء الله إذا فرغت سأقوم بالقراءة، وأيضاً أنا أعيرها لغيري عند طلب أحدٍ من الناس لذلك، هل صحيح أن زكاة الكتب الإعارة؟

فأجاب رحمه الله تعالى : أقول في الجواب على هذا: إنه لا بأس أن يقتني الإنسان الكتب التي يرجو بها النفع حاضراً أو مستقبلاً؛ لأن الكتب إن أردت أن تكون مالاً فهي مال، وإن أردت أن تكون علماً وتثقيفاً فهي علم وتثقيف، وإن أردت أن تكون غنيمةً لورثتك من بعدك لمن شاء الله هدايتهم إلى قراءتها فهي كذلك، وهي- أي: الكتب- من خير ما يقتنيه الإنسان في حياته، سواءٌ كان ينتفع بها مباشرة وفي الوقت الحاضر، أو لا ينتفع بها مباشرة، لا ينتفع بها إلا في المستقبل، فليس عليه في ذلك حرج إطلاقا.ً وكون هذا الرجل يعير ما عنده من الكتب لمن طلب الإعارة لينتفع بها هو خيرٌ له، أي: إن ذلك خير وإحسانٌ إلى عباد الله، وقد قال الله تعالى: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). ويرجى أن يناله من الأجر بقدر ما ينتفع بها هذا المستعير من العمل الصالح الذي يستنير بها فيه. وأما قول السائل: هل صحيحٌ أن زكاة الكتب عاريتها؟ فنقول: الكتب المقتناة للانتفاع ليس فيها زكاة، لا نقود ولا إعارة؛ لأن كل شيئٍ يقتنيه الإنسان لنفسه من غير الذهب والفضة ليس فيه زكاة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة). ولكن لا شك أن إعارة الكتب من أفضل الإعارات؛ لما فيها من النفع للمستعير، وللمعير أيضاً.
***
المستمعة من ليبيا تقول: إذا سأل سائل عن أمر في أمور الشرع فهل أجيبه بما أعرف مما قرأته من الكتب الشرعية أو ما سمعته من الأشرطة الدينية أو ما سمعته من هذا البرنامج، أو أقول له: لا أعلم أرجو الإفادة؟

فأجاب رحمه الله تعالى : الواجب إذا سألك أحدهم عن مسألة وأنت تعلمين حكمها من الكتب الموثوق بمؤلفيها، أو الأشرطة الموثوق بقارئها، أو من هذا البرنامج نور على الدرب أن تخبريه بالحكم الشرعي لأنك لما علمت هذا الحكم عن الطريق التي أشرنا إليها كان واجباً عليك أن تخبريه بالحكم الشرعي إذا سألك، وإلا كنت داخلة في الذين يكتمون العلم، ولكن يحسن أن تقولي: قال فلان في نور على الدرب كذا، قال فلان في الشريط الفلاني كذا، قال فلان في الكتاب الفلاني كذا، حتى تخرجي من العهدة.
***
المستمعة أختكم في الله من المملكة تقول: هل يجب على من يحفظ حديثاً عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن يبلغه الناس وإن لم يسألوه عن الحديث؟

فأجاب رحمه الله تعالى : قال النبي عليه الصلاة والسلام :(بلغوا عني ولو آية). فإذا احتاج الناس إلى بيان الحديث وتبليغه وجب على من علم به أن يبلغه، لكن بشرط أن يعلم أن هذا الحديث حجة ؛لكونه صحيحاً أو حسناً، وأما الأحاديث الضعيفة فإنه يجب على الإنسان أن يبينها للناس حتى لا يغتروا بها. كذلك إذا سئل الإنسان عن حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب عليه أن يبلغه، فيجب تبليغ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حالين: إذا اقتضت الحال ذلك، والثاني إذا سئلت عنه. أما إذا لم تسأل عنه، ولم تقتض الحال ذلك، فإن تبليغه سنة وليس بواجب .ولكن ليحذر الإنسان أن ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً لا يعلم أنه صحيح أو حسن يحتج به ،فإن كثيراً من الإخوة ولاسيما الوعاظ يأتون بأحاديث لا زمام لها، أحاديث ضعيفة بل قد تكون أحاديث موضوعة، يعتقدون أن في ذلك نفعاً للناس وزجراً عن معصية الله عز وجل، ولكن هذا وإن كان قد يجدي بالنسبة لموعظة الناس وتخويفهم من المخالفات وترغيبهم في الموافقات، لكن فيه ضرراً عظيما،ً وهو: التقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار). وقال صلى الله عليه وسلم: (من حدث عني بحديث كذب أو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين). فليحذر الإخوة من أن ينسبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم تثبت نسبته إليه.
***
بارك الله فيكم من أم البراء من الرياض تقول في هذا السؤال: فضيلة الشيخ لأنها طالبة للعلم الشرعي ترجو من فضيلتكم النصح في هذا السؤال، تقول: رغم إحساسي أني لم أبلغ العلم الكافي في التبليغ في الدعوة إلى الله وذلك لحيائي، فهل يكفي تبليغ القليل منه؟ أرجو الإفادة؟

فأجاب رحمه الله تعالى : الواجب على من آتاه الله علماً أن ينشره بين الناس كلما ما دعت الحاجة إلى ذلك؛ لأن العلم أمانة يجب على المرء أن يؤديها إلى أهلها المستحقين لها، مثل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :(بلغوا عني ولو آية). والواجبات التي تجب على العبد تكون بحسب الاستطاعة، فعلى هذه السائلة أن تبلغ من شريعة الله ما علمته بحسب استطاعتها لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، لتبدأ بالأقرب فالأقرب؛ لقول الله تعالى: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ). ولأن الأقرب أحق بالبر من الأبعد، فلتبدأ به، ولتكن حكيمة في أداء العلم: في الأسلوب ،وفي الحال، وفي الوقت، وفي المكان، فإن ذلك مما يكون به الخير، قال الله تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الأَلْبَابِ).
***
أحسن الله إليكم هذه سائلة للبرنامج أرسلت بهذا السؤال تقول: فضيلة الشيخ أثابك الله تذكر بأنها مدرسة، وتريد أن تترك التدريس لتتفرغ لعبادة الله عز وجل، تقول: فهل في عملي هذا خطأ؟ وإذا لم يكن خطأ فما الحكم جزاكم الله خيراً إذا لم يوافق والدي على ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى : أرى أن تبقى في التدريس ؛لأن التدريس نشر للعلم، وعبادة متعدية ونفعها يتعدى إلى الغير، بخلاف العبادة الخاصة، اللهم إلا أن يكون لها أولاد وزوج، وهي مشغولة بهم وإذا ذهبت إلى التدريس أضاعت حق الله فيهم، أو اضطرت زوجها إلى أن يأتي بخادم، فهنا نقول: بقاؤها في بيتها أفضل.
***

هذا المستمع أبو محمد من العين الإمارات يقول: إذا كان الشخص لديه علم شرعي وهو متخرج من إحدى الكليات الشرعية، ويقوم بالتدريس للصف الثانوي، ويطلب منه مثلاً من جماعة المسجد أو طلبة العلم أن يلقي كلمة أو محاضرة في المسجد أو في مناسبة، لكنه يمتنع ويصر على عدم المشاركة في أي درس في المسجد أو في قاعة أو في غيرها، هل يؤاخذ على ذلك؟ ويعتذر ويقول: يكفي أنني أدرس المواد الشرعية في الثانوية؟
فأجاب رحمه الله تعالى : الذي ينبغي للإنسان إذا أعطاه الله علماً أن يحرص على بث العلم الذي أعطاه الله بكل وسيلة، لا سيما إذا كان علماً شرعياً يهدي الله به على يديه من شاء من عباده، ومن المعلوم أن الإنسان إذا سئل عن علم وجبت عليه الإجابة ما لم يخش ضرراً على نفسه؛ لأن الله تعالى قال :(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ). فالواجب على هذا الأخ الإمام إذا سئل عن علم أن يبينه، والأفضل إذا طلب منه أن يعطي درساً بالمسجد أن يستجيب لذلك، لما فيه من الخير والمصلحة له ولأهل القرية.
***
جزاكم الله خيراً شيخ محمد تكثر الأسئلة المتعلقة بالعقيدة، فما الواجب على طلبة العلم والعلماء في تصحيح المفاهيم في دعاء الأموات؟

فأجاب رحمه الله تعالى : الواجب على أهل العلم من شيوخ وطلاب أن يبينوا للناس أن هذا منكر وشرك، وأنه لا فائدة من هؤلاء الذين يدعونهم، وأن الضرر والنفع كله بيد الله عز وجل، وأن لا يخضعوا -أعني: العلماء وطلبة العلم- للواقع، بل الواجب أن يقوموا لله مثنى وفرادى، وأن يعلموا أن ذلك لا يزيدهم هواناً وذلاً، بل لا يزيدهم إلا قوة وعزة. وكثير من الناس- هدانا الله وإياهم- يقولون: هؤلاء مضوا على ذلك ومضى عليه آباؤهم ولا يمكن التغيير، وهذا تصور خاطئ، فإن هذا الذي حصل كالذي حصل من الأمم السابقة الذين أتتهم الرسل، فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة، فالواجب على إخواننا العلماء وطلبة العلم أن يتقوا الله تعالى، وأن يقوموا بنشر دينه وتوحيده، ثم إن اهتدى الخلق فهذا المطلوب، وإن لم يهتدوا فقد أدوا ما عليهم، وأبرؤوا ذممهم والهداية بيد الله عز وجل، كما قال تعالى لرسوله محمدِ صلى الله عليه وسلم: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ). وقال له :(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ).
***
فضيلة الشيخ السائلة أم عبد الرحمن تقول هل يجوز للعالم الدارس للعقيدة أن يفتي في الفقه والعكس صحيح؟

فأجاب رحمه الله تعالى : لا يجوز لأحد أن يفتي بشيء لا يعلمه، سواء كان عالماً في شيء آخر أو لا؛ لقول الله تبارك وتعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ). ولقول الله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤولاً). وإذا كان له اختصاص في العقيدة لكن عنده علم من الفقه فأفتى في الفقه بما يعلم فلا بأس، وكذلك العكس لو كان عنده اختصاص في علم الفقه وأفتى في العقيدة بما يعلم فلا بأس، فالممنوع هو أن يفتي الإنسان بغير علم، سواء كان في ضمن تخصصه أو في أمر خارج عن تخصصه.
***
المستمع محمد أ من القصيم يقول: هل صحيح أن للعلم زكاة؟ وهي بذله للناس وتعليمه إياهم؟

فأجاب رحمه الله تعالى : نعم يجب على العالم أن يبين علمه للناس إذا احتاجوا إليه، سواء بالإجابة على أسئلتهم، أو ببيان العلم إذا احتاج الناس إليه وإن لم يسألوا؛ لقول الله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ). وهذا الواجب يسميه بعض العامة زكاة، فزكاة العلم التعليم، وزكاة المال الصدقة، وزكاة الجاه الشفاعة، وما أشبه ذلك من العبارة التي يقولها العامة، ولكن نحن نقول: سواء سميتموه زكاة أم لم تسموه يجب على أهل العلم أن يبينوا العلم للناس؛ لئلا يكونوا من الذين أوتوا العلم فكتموه نسأل الله أن يرزقنا جميعاً العلم النافع والعمل الصالح والرزق الطيب الواسع الذي يغنينا به عن خلقه، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
***
فضيلة الشيخ تدريس العقيدة أمرٌ مهم، فماذا يجب على طلاب العلم والدعاة إلى الله حيال ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى : الواقع أن الناس عندهم جهل كثير في العقيدة وغير العقيدة، لكن الحمد لله بشرى فالناس عندهم إقبال الآن على العلم، وبعضهم عنده إقبالٌ زائد يغالي حتى في العقيدة، يتكلم في أشياء ما تكلم فيها السلف يريد إثباتها، لكن على طلبة العلم أن يكلموا الناس بحسب الحال: فمثلاً إذا رأينا أهل قريةٍ انحرفوا في العقيدة نركز على العقيدة ونبحث فيها بحثاً قوياً، وإذا رأينا آخرين فرطوا في صلاة الجماعة تكلمنا في الجماعة، بأن تكون الدعوة والإلحاح فيها على حسب ما تقتضيه الحال، قال الله عز وجل: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ). فمثلاً إذا رأينا أناساً يقيمون الصلاة كما ينبغي وعندهم تفريطٌ في الزكاة، فهل نركز على الصلاة لأنها أهم من الزكاة؟ أو نركز على الزكاة لأنهم مفرطون فيها؟ الجواب: الثاني، ما نذهب نتكلم في الصلاة وهم قد أقاموها كما ينبغي، فلكل حالٍ مقال، والحكيم يفعل ما يرى الناس في ضرورةٍ إليه، سواءٌ في العقيدة أو في أعمال الجوارح.
***
أحسن الله إليكم شيخ محمد قد يتساءل بعض العامة عن عبارة: وهذا معلوم بالضرورة من الدين؟
فأجاب رحمه الله تعالى : تعبير العلماء بقولهم هذا معلوم بالضرورة من الدين، يعني: أن الدين الإسلامي جاء به ضرورة لابد أن يأتي به، فمثلاً وجوب الصلوات الخمس معلوم بالضرورة من الدين، تحريم الخمر بعد أن حرمت كذلك، فالشيء الذي لا يمكن لأحد من المسلمين جهله هو المعلوم بالضرورة من الدين.
***
بارك الله فيكم م ع ص له هذا السؤال يقول: المعلم الذي يعطي الطلاب جوائز ومكافآت تشجيعية هل يؤجر على ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا أعطى المعلم أو المدرس تلاميذه جوائز تشجيعية حتى يرغبهم في الدرس وينشطهم عليه ويتسابقوا عليه فإنه يؤجر على هذا، وهو من الإنفاق على العلم الذي فيه الفضل لمن فعله، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول في الغزو: (من قتل قتيلاً فله سلبه). وهذا لا شك طريق من طرق التشجيع، فإذا فعل المدرس أو المعلم هذا من أجل تشجيع الطلاب فإنه يؤجر على هذا، وهو يعود التلاميذ التنافس والوصول إلى الخير.
***
أحسن الله إليكم سائل من الأفلاج يقول: يا فضيلة الشيخ حفظكم الله كثيراً ما أجد إحراجاً من قبل طلابي في أسئلةٍ كثيرة، فما حكم الإجابة على أسئلتهم إذا كانت خارج المنهج؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الإجابة على أسئلةٍ خارج المنهج يعني خارج المقرر لا تلزمك وأنت في الفصل، بل يقال للطالب: لا تسأل إلا عن المقرر فقط؛ لأن السؤال عن غير المقرر تشاغل بما لا يجب عما يجب، أما إذا كان خارج الفصل يعني خارج الحصة فأجبهم بما تعلم، وتوقف عما لا تعلم، وإذا كان السؤال مما لا يليق فانصح الطالب عن سؤاله، ووجهه إلى ما هو خير.
***
جزاكم الله خيراً، تذكر هذه السائلة بأنها تعمل مُدرِّسة، وتسمع كثيراً من زميلاتها في المدرسة بأنهن قرب الامتحان يضعن مراجعة للمنهج الذي يقمن بتدريسه للطالبات، وتكون أسئلة الاختبارات من صميم تلك المراجعة، فهل هذا العمل جائز يا شيخ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يحل للمدرسة أن تشير إلى موضع أسئلة الامتحان، سواء بتدريس المواضع التي تريد أن تأخذ منها الأسئلة، أو بالإشارة إلى ذلك، مثل أن تقول: هذا مهم أو هذا غير مهم، المهم أنه لا يجوز أن تشير لا تصريحاً ولا تلميحاً إلى مواضع الأسئلة، وهي مؤتمنة على هذا، وليس الشأن أن نكدس طلبة أو طالبات أخذن الشهادة، الشأن أن يكون الطالب نجح عن جدارة.

يافضيلة الشيخ: تقول بعض المعلمات -هداهن الله- يحددن الاختبار، مثلاً مادة التعبير والإملاء تكون عشرة مواضيع، فتقوم المعلمة بتحديد ثلاثة مواضيع فقط للاختبار، هل هذا العمل جائز؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا كالأول.
***
أحسن الله إليكم هل مساعدة طلاب العلم في حل ما استشكل عليهم من واجبات، أو مساعدتهم وإعانتهم في عمل أبحاث؛ لمجرد إعانتهم في إكمال مشوارهم، وتشجيعاً لهم، وأحياناً لضيق الوقت هل يعتبر هذا من التعاون على البر والتقوى؟
فأجاب رحمه الله تعالى : هذا يرجع إلى الأنظمة: فإذا كان النظام أن الطالب إذا أعطي بحثاً يسمح له بأن يستعين بمن يعينه من العلماء فلا بأس، وأما إذا كان المقصود أن الطالب نفسه هو الذي يبحث ويفتش في الكتب ويتعب فإنه لا يجوز أن يستعين بأحد؛ لأن استعانته بالعالم يعني أنه يريد أن تكون الطبخة غير ناضجة، وهذا لا شك أنه غلط، أما لو اضطر إلى مراجعة العالم؛ لكونه بحث وبحث وناظر وناقش مع إخوانه وزملائه ولكن لم يصلوا إلى نتيجة، فسألوا من هو أعلم منهم عن هذا، فأرجو أن لا يكون في هذا بأس.
***
رسالة من جدة طالب من جامعة الملك عبد العزيز يقول في سؤال له: هل لنا أن نسأل عن أمور لم تحدث، مع فرض بعيد جداً لحدوثها؟ نرجو الإفادة؟

فأجاب رحمه الله تعالى : الذي ينبغي للإنسان طالب العلم وغير طالب العلم أن لا يسأل عن أمور بعيدة الوقوع؛ لأن ذلك من المعاياة والإعجاز وإضاعة الوقت، وإنما يسأل عن أمور واقعة أو قريبة الوقوع، هذا بالنسبة للسائل. أما بالنسبة لمن يبحث أو يكتب فلا حرج عليه أن يأتي بأمور لإيضاح القاعدة أو الضابط، وإن كانت نادرة الوقوع، وهذا طريق من طرق تعليم العلم، وأما السؤال فلا ينبغي أن يسأل إلا عن شيء واقع أو شيء قريب الوقوع. وإنني بهذه المناسبة أود أن أوجه إخواني طلبة العلم الذين بدؤوا في طلب العلم والنقاش والبحث ،أوجههم فيما يتعلق بصفات الله تعالى أن لا يكثروا السؤال، بل ألا يسألوا عن شيء سكت عنه الصحابة والتابعون وأئمة الأمة؛ لأننا في غنى عن هذا، ولأن الإنسان إذا دخل في هذه الأمور فيما يتعلق بصفات الله فإنه يقع في متاهات عظيمة يخشى عليه إما من التمثيل أو التعطيل، ولهذا أنكر الإمام مالك رحمه الله وغيره من الأئمة على من سأل في صفات الله عما لم يسأل عنه الصحابة رضي الله عنهم، فقد سئل رحمه الله عن قوله تعالى:( الرحمن على العرش استوى). كيف استوى؟ فأطرق برأسه حتى علاه العرق من شدة وقع السؤال عليه، ثم رفع رأسه وقال للسائل: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وإنما كان السؤال عنه- يعني: عن كيفية الاستواء -بدعة لأن ذلك لم يقع من الصحابة رضي الله عنهم، الذين هم أحرص منا على العلم، وأشد منا تعظيماً لله عز وجل، ولم يبلغه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمته، مع أنه أحرص الناس على البلاغ، لكن كيفية صفات الله وحقيقتها أمر مجهول لا يعلمه إلا الله عز وجل، ولو كان هذا من الأمور التي تلزم الإنسان في دينه، أو تكون من مكملات دينه لبينه الله عز وجل، وبلغه رسوله صلى الله عليه وسلم، لكن هذا أمر فوق عقولنا لا يمكننا إدراكه، ولهذا أحذر مرة أخرى إخواني من الغوص في هذه المسائل

والتكلف والتنطع، وأن يبقوا النصوص على ما هي عليه في معانيها الظاهرة البينة، وأن لا يسألوا عن شيء لم يسأل عنه السلف الصالح. أما مسائل الأحكام فهي أهون، فله البحث والمناقشة، ولهم أن يفرعوا على الضوابط والقواعد من الأمثلة ما قد يكون بعيد الوقوع. والله الموفق.
***
بارك الله فيكم فضيلة الشيخ سؤال للمستمعة م. س. جامعة الإمام تقول: هل يجوز لطلبة العلم الشرعي التغيب عن بعض المحاضرات بحجة الاستذكار للاختبار في مادةٍ أخرى، خاصة إذا كان الطالب يقصر في البداية، وإذا بدأت الاختبارات الفصلىة يتغيب عن المحاضرات للمذاكرة؟ وهل من نصيحة لطالب العلم وتوصية بإعطاء العلم حقه ؟أرجو منكم إفادة؟

فأجاب رحمه الله تعالى : مسألة الجواز وعدم الجواز لا أستطيع أن أفتي فيها بشيء، فالإنسان طبيب نفسه ،ولا أدري لو كان يخصم على الإنسان إذا تغيب هل يتغيب أو لا؟ وأما النصيحة: فنصيحتي لكل إنسان دخل في جامعةٍ يطلب فيها العلم الشرعي وما يسانده من العلوم الأخرى أن يخلص لله تعالى في طلب العلم: بأن ينوي بذلك رفع الجهل عن نفسه وعن غيره من المسلمين، بأن ينوي بذلك حفظ شريعة الله وحمايتها من أعدائها، وأن يذود عنها بقدر المستطاع بمقاله وقلمه، حتى يؤدي ما يجب عليه. وقد قال الإمام أحمد رحمه الله: (العلم لا يعدله شيءٌ لمن صلحت نيته. قالوا: وكيف ذلك يا أبا عبد الله؟ قال: ينوي بذلك رفع الجهل عن نفسه وعن غيره). وقال رحمه الله: (تذاكر ليلةٍ أحب إلي من إحيائها). وهذا يدل على فضيلة طلب العلم، لكن بشرط الإخلاص، ولو لم يكن من فضل العلم إلا أن الله سبحانه وتعالى جعل العلماء شهداء على ألوهيته -وتوحيده في قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ)- لكفى. والعلماء ورثة الأنبياء، ورثةٌ في العلم وورثةٌ في العمل وورثةٌ في الأخلاق وورثةٌ في الدعوة إلى الله عز وجل، فليعط الإنسان هذا الإرث حقه، وليقم بواجبه حتى يكون مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم، وأن يجمعنا بهم في جنات النعيم.
***
هذه السائلة عائشة من جمهورية مصر العربية بور سعيد تقول: كيف تكون المرأة داعية لدين الله؟ وما هي الأسباب المعينة على ذلك؟ وما الكتب التي أبدأ بها في تحصيل طلب العلم الشرعي؟

فأجاب رحمه الله تعالى : تكون المرأة داعية كالرجل تماماً إذا كان لديها علم بشريعة الله، فإن لم يكن لديها علم فلا يحل لها أن تتكلم بلا علم؛ لقول الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ). ولقوله تعالى :(وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤولاً). ولقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)
ثانياً: أن يكون لديها قدرة على التكلم بما علمت.
ثالثاً: أن يكون لديها قدرة على مجادلة المعارض؛ لأنه قد يقوم شخص معارضٌ لما تدعو إليه، ويكون لديه فصاحة وبيان، فيغلب بفصاحته وبيانه على هذه الداعية؛ لضعف دفاعها وقوة باطله، فلا بد أن يكون لديها قدرة على مجادلة المعارض. وأما ما تبدأ به: فخير ما يبدأ به طالب العلم كتاب الله عز وجل، أن يحفظه ويتدبر معانيه، ويدعو الناس إلى دين الله تعالى به. ثم ما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن السنة تبين القرآن وتوضحه وتفسره، وهي شقيقة القرآن في وجوب العمل بها. ثم بكتب العقيدة والتوحيد، لا سيما إذا كان في بلدٍ يكثر فيه الشرك والعقيدة الباطلة. ثم بما كتبه أهل العلم من الفقه، حسبما يتيسر لها، والأحسن أن تسأل عن كل مسألةٍ بعينها، أي تسأل أهل العلم؛ ليكون ذلك أدق في الجواب.
***

في آخر أسئلتها تقول: هذه السائلة ما هي الكتب العلمية التي تنصحونني بقراءتها لمن أرادت أن تكون طالبة علم؟ وهل يكتفى بقراءتها فقط أم بحفظها؟ وكيف تستطيع المرأة أن تكون طالبة علم، نظراً لعدم دراستها على يد مشايخ أو طالبات؟
فأجاب رحمه الله تعالى : هذا السؤال قد ورد مثله في حلقة سابقة ،وبينا أن أهم كتاب تجب العناية به وتفهم معناه والعمل به هو كتاب الله عز وجل، ثم ما صح من السنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم كتب التوحيد والعقائد، ثم يقرأ كتب الفقه وما أُلِّفَ في ذلك. وأمَّا هل يمكن للمرأة أن تتعلم العلم بمراجعة هذه الكتب، أم لا بد من مدرسٍ خاصٍّ فنقول: الحمد لله الآن الأشرطة ملأت الدنيا من مجالس أهل العلم الموثوق بعلمهم وأمانتهم، فبإمكانها أن تتعامل مع أحد التسجيلات، بأن يؤمن لها ما تريد الاستماع إليه من مجالس العلماء.
***
تقول السائلة: هل يجوز للمرأة المسلمة أن تحضر مجالس العلم والدروس الفقهية في المساجد؟ علماً بأنها تخرج إليها متسترة وبالزي الشرعي. وأيهما أفضل: حضورها لمثل هذه المجالس، أم بقاؤها في المنزل؟ علماً بأننا الآن نخرج للتعليم في الجامعات والمدارس بناء على رغبة آبائنا وأمهاتنا، ومع العلم أيضاً بأن الاستفادة من هذه المجالس أكبر من الاستفادة من القراءة في المنازل. أرجو إفادة حول هذا السؤال بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى : نعم يجوز للمرأة أن تحضر مجالس العلم، سواء كانت هذه العلوم من علوم الفقه العملي، أو من علوم الفقه العقدي المتصل بالعقيدة والتوحيد، فإنه يجوز لها أن تحضر هذه المجالس، بشرط أن لا تكون متطيبة ولا متبرجة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء). ولا بد أن تكون بعيدة عن الرجال لا تختلط بهم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها). وذلك لأن أولها أقرب إلى الرجال من آخرها، فصار آخرها خيراً من أولها.
***
فتاةٌ أرادت الالتحاق بتحفيظ القرآن فمنعتها والدتها، فهل لها طاعتها أم الذهاب؟ أيهما أفضل؟
فأجاب رحمه الله تعالى : طاعة الوالدة أفضل، لا سيما أنها إذا خرجت ستخرج إلى الطرقات، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قال في النساء اللاتي يصلىن مع الرجال: (بيوتهن خيرٌ لهن) فهذه مثلها، لكن إذا كان امتناعها يفوت خيراً كثيراً فلتقنع والدتها بالذهاب، فإذا أذنت لها تذهب.
***
ما حكم خروج المرأة إلى الندوات و المحاضرات باستمرار؟ كأن تحضر في وقت العصر حلقات تحفيظ القرآن وفي فترة ما بعد العشاء تحضر الندوات لبعض العلماء؟ فهل هذا الفعل يجوز إذا كان برضا وليها؟ وهل في ذلك مشابهة للرجال بكثرة الخروج؟ وهل يخالف الآية الكريمة: (وقرن في بيوتكن)؟

فأجاب رحمه الله تعالى : لا حرج على المرأة أن تخرج إلى حلقات تحفيظ القرآن النسائية لتحفيظ القرآن فإن هذا من الخير، وكذلك أيضاً لا حرج عليها أن تحضر الندوات إذا كانت تنتفع بذلك، حتى لو تكررت المحاضرات والندوات كل ليلة، فلا حرج عليها إذا أمنت الفتنة ووافقها وليها على ذلك، وهذا لا يخالف الآية الكريمة: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى)؛ لأن المرأة لم تخرج من بيتها إلا لمصلحة فوق بقائها في بيتها. على أن الأمر والحمد لله في الوقت الحاضر يمكن تداركه بالنسبة للندوات والمحاضرات بالأشرطة التي تسجل فيها تلك الندوات والمحاضرات، ولكن ربما يكون بعض المحاضرين لا يرغب أن تسجل محاضراته، وحينئذ يكون لابد من حضور المحاضرة لمن أراد أن يستمع إليها.
***
رسالة وصلت من السائلة أم عمار من اليمن تقول في هذا السؤال: نحن فتاتان، ولكن ما نعانيه أن الوالد لا يسمح لنا بالذهاب إلى بعض الدروس التي تقام بالمسجد، حيث يتم فيه تعليم المرأة، فما توجيهكم في ذلك فضيلة الشيخ؟

فأجاب رحمه الله تعالى : نرى أن الوالد- وفقه الله- ينبغي له أن ينظر المصلحة في ذهابكما إلى الدروس في المساجد وعدم الذهاب، فإن كان يرى أن المصلحة بقاؤكما في البيت فليمنعكما من هذا، وإن رأى أن المصلحة في حضوركما الدرس، وأنه لا مفسدة في ذلك تقاوم المصلحة، فإن الذي أشير به عليه ألا يمنعكما؛ لأن نساء الصحابة كن يحضرن المسجد في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويحصل لهن من سماع المواعظ ما يحصل. لكن نحن في زمن كثر فيه الشر والفساد والسفه، فلعلَّ الوالد منعكما من الذهاب إلى المساجد لاستماع الدروس خوفاً من الشر و الفساد، ثم إن الله سبحانه وتعالى فتح علينا في هذا العصر فتحاً مبيناً، وذلك بتسجيل ما يلقى من الدروس، وبإمكانكما أن تحصلا على هذه المسجلات فتنتفعا بها، ويغنيكما هذا عن الذهاب إلى المسجد مباشرة.
***
هل يجوز لي أن أقرأ كتباً مثلاً فقه السنة أو غيرها من الكتب الدينية وأنا حائض أم لا؟ أفيدونا يا فضيلة الشيخ سدد الله خطاكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى : نقول يجوز للمرأة الحائض أن تذكر الله وتهلله وتسبحه وتكبره، وتقرأ ما شاءت من الكتب الدينية، سواء كانت هذه الكتب من تفسير القرآن أو من الأحاديث النبوية أو من كتب الفقه أو غيرها، فلا حرج عليها في ذلك. أما قراءة القرآن وهي حائض فقد اختلف فيها أهل العلم، ولكن الراجح عندنا أنه لا يحرم عليها قراءة القرآن إذا احتاجت لذلك، مثل أن تكون معلمة تحتاج إلى قراءة القرآن أمام الطالبات للتعليم، أو تكون متعلمة تحتاج إلى قراءة القرآن للاختبار أو نحوه، فهذا لا بأس به؛ لأنه كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ليس في منع الحائض من قراءة القرآن سنةٌ صحيحةٌ صريحة، والأصل براءة الذمة وجواز ذلك، وهذا لعموم البلوى، لو كان أمراً محرماً لكانت السنة في ذلك بينة واضحة لا تخفى على أحد، ولهذا نقول اتباعاً للأحوط: إن المرأة إذا احتاجت إلى قراءة القرآن وهي حائض فلا حرج عليها في ذلك، وإلا فلها غنيةٌ بالتسبيح والتكبير والتهليل وقراءة الكتب الدينية، كما في هذا السؤال.
***
أحسن الله إليكم وبارك فيكم السائلة أم عبد الله دياب من الدمام تقول: هل يجوز للمرأة الحائض أن تحضر محاضرات نافعة للتعلم في المسجد إذا أمنت التلويث وتوضأت للتخفيف من الحدث؟ علماً بأن مدة الحيض تتفاوت من امرأةٍ إلى أخرى، ولربما فاتها خير كثير؟
فأجاب رحمه الله تعالى : لا يحل للمرأة أن تمكث في المسجد وهي حائض، سواءٌ لاستماع درسٍ أو غيره، وفي عصرنا هذا لا حاجة إلى أن تمكث في المسجد؛ لأن مكبر الصوت والحمد لله يعبر عن كلام المتكلم إلى مدىً بعيد، فلتجلس عند الباب، عند باب المسجد وتستمع إلى ما شاءت، وأما دخول المسجد والمكث فيه فهذا حرامٌ على الحائض.
***

المستمع طالب من إحدى الدول العربية يقول: يدرسنا مدرس حالق للحية ويلبس خاتماً من ذهب، ومقصر في بعض الأمور، ومع ذلك يدرسنا المواد الشرعية. فهل يجوز لي أن أحضر هذه الدروس في المدرسة؟ أرجو الإجابة مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى : الإجابة على هذا الجواب تكون من شقين: إنني أوجه نصيحة إلى هذا المدرس أن يتقي الله في نفسه، وأن يتقي الله فيمن يأخذون العلم عنه؛ لأن حلقه لحيته حرام، ولباسه خاتم الذهب حرام، والتقصير في الواجبات حرام، فالواجب عليه أن لا يكون من العلماء الذين لم ينتفعوا بعلمهم، الواجب عليه أن يتقي الله فيمن يتلقون العلم عنه؛ لأن الذين يتلقون العلم عنه سوف يحذون حذوه إلا أن يشاء الله، سوف يفقهون العلم ولكنهم يعصون الله على بصيرة -والعياذ بالله- إلا أن يشاء ربك، فعلى هذا المعلم أن يحاسب نفسه، وأن يعلم أنه مسؤول أمام الله عز وجل عما صنع. أما الشق الثاني فهو أخذ العلم عن هذا: فلا بأس بأخذ العلم عنه وإن كان يعمل هذه المعاصي، إلا إذا كان هجره وعدم أخذ العلم عنه يؤدي إلى صلاحه واستقامته ورجوعه إلى الله، وردع أمثاله عن مثل هذا العمل، فحينئذ يهجر ويقاطع ولا يحضر درسه، ولكني أقول: قبل هذه المعاملة ينبغي للطلبة أن يوجهوا النصيحة إليه، وإذا كانوا لا يتمكنون من ذلك فليستعينوا بأهل الخير في بلادهم في توجيه النصح إليه، وإذا لم ينفع فيه ذلك فليرفعوا شأنه أو يرفعوا أمره إلى إدارة المدرسة أو المعهد أو الجامعة التي يدرس فيها، ويخوفوا هذه الجهة من الله عز وجل، ويقولوا لها: كيف يكون هذا الرجل مدرساً لنا في العلوم الدينية وهو رجل لا يدين لله تعالى في هذا وفي هذا؟ والواجب على إدارة المدرسة أو المعهد أو الكلية أو إدارة الجامعة، الواجب عليها ألا تجعل مثل هؤلاء المدرسين يدرسون أبناء المسلمين، تنصحهم وتدلهم على الخير، فإن اهتدوا فلهم ولغيرهم، وإن لم يهتدوا فالواجب إبعادهم عن حقل التدريس.
***

هذه رسالة أيضاً تتعلق بالرسالة الماضية بعث بها يقول: أنا الطالب سعد سعود ش، في الحقيقة الرسالة طويلة جداً لكن لعل اختصارها يكون أجدر، يقول: إنه هو وزملاؤه نشتكي إليكم أستاذنا الذي يدخل علينا في الصف ويقول لنا: السلام على القرود، وإذا ثرنا عليه جاء لنا بقصة إفرويد وقال: هذا أصلكم وأصلى، ولا مناص لنا من هذا الأصل، علماً أن أستاذنا تبدو عليه الغطرسة وطول الملابس وطول الشعر أيضاً والأظافر الطويلة، فما موقفنا من هذا الأستاذ وفقكم الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى : نقول: إقرار هذا الرجل على نفسه بأنه من القرود مقبول، وأما دعواه على غيره أنهم قرود فهي مرفوضة، وقد تقرر بيان أن اعتقاد كون أصل الآدمي قرداً كفر بالله عز وجل؛ لأنه تكذيب للقرآن الكريم ولما أجمع عليه المسلمون، بل ولِما أجمع عليه الناس اليوم، فإنه قد تبين أن هذه النظرية نظرية فاسدة باطلة، وأنه لا حقيقة لها. وأما كون هذا الأستاذ يبقى أستاذاً في هذه المدرسة فإنه لا يجوز إقراره أستاذاً، ويجب على مدير المدرسة أن يرفع به إلى من فوقه حتى يُبعد ويُنحى عن حقل التدريس، ويجب مراقبته أيضاً في خارج المدرسة حتى لا يُضِل الناس، وإذا استقام على الحق فذلك هو المطلوب، وهو من رحمة الله به وبالناس، وإلا وجب أن يُجرى عليه ما يمنع إفساده ولو بالقتل.
فضيلة الشيخ: إذاً يجوز قتله في هذه الحالة؟
فأجاب رحمه الله تعالى : إذا لم يندفع ضرره إلا بذلك، وهذا ضرر عظيم؛ لأنه تكذيب للقرآن الكريم، فإذا لم يندفع إلا بهذا، وصار هذا الرجل داعية إلى هذا الإلحاد والكفر، فإنه يجب قتله؛ لأنه مرتد، والمرتد يجب قتله.
***

سؤاله يقول: بعض المحدثين إذا قرأ على الجماعة في المسجد أو غيره إذا انتهى من القراءة قال: والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد إلى آخره، أو يقول: بالله التوفيق، أو يقول: صدق الرسول الكريم إلى آخره، ما حكم هذا القول؛ وما حكم قول: صدق الله العظيم لمن انتهى من قراءة القرآن؟ وهذه تقال بكثرة، وجزاكم الله عنا أحسن الجزاء؟
فأجاب رحمه الله تعالى : أما الأول فختام الدرس بقوله: والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، فإن اعتقد الإنسان أن ذلك من السنن المقربة إلى الله فهذا ليس بصحيح؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتكلم مع أصحابه ويحدثهم ويخطب فيهم، ولم يكن يختم ذلك فيما نعلم بمثل هذا، فتركه أولى. وأما ختم القرآن بقوله: صدق الله العظيم، فكذلك أيضاً إذا اتخذها الإنسان سنة راتبة كلما قرأ قال: صدق الله العظيم فإن هذا من البدع، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يختم قراءته بقول: صدق الله العظيم، ومن المعلوم أن صدق الله العظيم ثناء على الله تعالى بالصدق، فهو عبادة، والعبادة لا تكون مشروعة إلا حيث شرعها النبي صلى الله عليه وسلم ،وعلى هذا فنقول: لا ينبغي للقارئ أن يختم قراءة القرآن بقول: صدق الله العظيم.
***
يسأل أيضاً ويقول: ما حكم الإسلام في تشريح جثث الموتى من أجل الدراسة عليها، كما هو معمول به في كليات الطب الموجودة؟

فأجاب رحمه الله تعالى : لا شك أن الميت المسلم لا يجوز تشريحه، وذلك لأن حرمته ميتاً كحرمته حياً، كما ورد في حديث رواه أبو داود بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كسر عظم الميت ككسره حياً). وهذا يدل على تحريم التعرض له بتشريح أو تكسير أو نحوه. أما من لا حرمة له فإنه محل نظر، قد نقول: إنه محرم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التمثيل، قال: (لا تمثلوا). وقد نقول: إنه جائز؛ لأنه لا يقصد به التمثيل، وإنما يقصد به مصلحة، وفرق بين أن نقصد التمثيل والتشفي، وبين أن نقصد مصلحة بدون قصد التشفي. والله أعلم.
***
أحسن الله إليكم وبارك فيكم هذا السائل يقول: هل يجوز لمدرس مادة العلوم أن يقوم بشرح المادة الدراسية في المرحلة المتوسطة باستخدام مجسمات صغيرة ومتوسطة لحيوانات وطيور مصنوعة من البلاستيك القوي أشبه ما تكون بالتماثيل، أو استخدام مجسمات لجسم الإنسان بالكامل بما فيه الرأس؟
فأجاب رحمه الله تعالى : هذا حرام عليه لا يجوز؛ لأنه لا ضرورة إلى ذلك، فإن بإمكانه أن يصف الحيوان بالمقال، أو أن يجزِّئه أجزاء فيجعل الرأس وحده والبدن وحده واليدين والرجلين وحدها، وليس هناك ضرورة إلىأن يأتي بصور مجسمة. وأخشى أن ينزع الله البركة من علمه إذا هو أتى بهذه الصور؛ لأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة، وأرجو من إخواننا أن لا يتهاونوا بالصور، (فإن النبي صلى الله عليه وسلم أتى إلى بيته ذات يوم فوجد فيه الصور، فلم يدخل عليه الصلاة والسلام حتى أزيلت) واستعملت على وجه مباح.
***

بارك الله فيكم هذه المستمعة ت.ف.ب من العراق كركوك تقول: أنا طالبة في الجامعة، وذات يوم كان عندنا درس عن تحنيط الحيوانات، فكنا نقوم بإجراء تجارب على بعض الحيوانات كالأرانب والذئاب والحمام ونحوها، فنحضرها حية ثم نقوم بقتلها، وهنا المشكلة الثانية، فإننا نقتلها بإحدى الوسائل التالية: إما بحجزها في مكان خالٍ من الهواء حتى تموت، أو بقتلها بواسطة المخدر، ونحو ذلك من الوسائل غير الذبح الشرعي، ولا نستطيع رفض العمل هذا، فهو عبارة عن مادة دراسية يترتب عليها النجاح أو عدمه. فما الحكم الشرعي أولا:ً في التحنيط بغرض التعلم، أو للاحتفاظ بالحيوانات المحنطة للزينة. وثانياً: ما الحكم في قتل الحيوانات بالوسائل السابقة الذكر؟
فأجاب رحمه الله تعالى : تحنيط الحيوان من أجل التعلم والحصول على علم ينفع العباد هذا لا بأس به، وذلك بأن الله عز وجل خلق لنا ما في الأرض جميعاً، ثم قال تعالى:(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً). ولكن يجب أن تتخذ أسهل الوسائل للوصول إلى هذا الغرض في قتل هذا الحيوان المحنط؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة). وإذا خدرت بمخدر من أجل إجراء العملية عليها في حال حياتها فإن هذا لا بأس به أيضاً؛ لأن هذا فيه مصلحة للمتعلمين، ولا فيه كبير مضرة على هذا الحيوان، إذ إنه عند التخدير لا يتألم للتشريح فلا بأس بها. وأما حبسها في محل بحيث لا يصل إليها الهواء فإن في نفسي من هذا شيئاً؛ لأن هذا تعذيب شديد عليها، ولا أدري هل الحاجة ملحة إلى هذه العملية أم غير ملحة؟ وأما بالنسبة لتحنيط هذه الحيوانات للزينة فلا أراه جائزاً، وذلك لأنها خلقت لينتفع بها بالأكل، أما بالزينة فإنها فيها شيء من السرف ومن إضاعة المال بغير فائدة، فلا أرى أن تحنط لهذا الغرض؛ لأن بذل المال فيها إضاعة له.
***

يقول: جميع المدارس بمحافظتي وهي محافظة إدلب مدارسها مختلطة شباب وفتيات، وهن سفور فوق العادة وخاصة في مدرستي، ولا يمكن بل ولا يستطيع المرء إلا أن يتحدث معهن من خلال الدروس. والمطلوب: ما حكم الشرع في ذلك أفيدونا جزاكم الله ألف خير؟
فأجاب رحمه الله تعالى : الذي يجب عليك أيها الأخ أن تطلب مدرسةً ليس فيها هذا الاختلاط الذي وصفت حال أهله؛ لأن ذلك فتنة عظيمة، ولا يجوز للإنسان أن يعرض نفسه للفتن، فإن الرجل قد يثق من نفسه قبل أن يقع في الفتنة ،قد يقول: أنا حافظٌ لنفسي، وأنا لا أميل إلى هذا الشيء، وأنا أكرهه. ولكن إذا وقع في الحبائل أمسكته، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم: (من سمع بالدجال أن ينأى عنه). أن يبعد عنه، وقال: (إن الرجل يأتي وهو يرى أنه مؤمن، ولكنه يضل بما يقذف به من الشبهات). فعلى كل حال نقول: أيها الأخ يجب عليك أن تتطلب مدرسةً ليس هذا وضعها، فإن لم تجد مدرسةً إلا بهذا الوضع وأنت محتاجٌ إلى الدراسة، فإنك تقرأ تدرس، وتحرص بقدر ما تستطيع على البعد عن الفاحشة والفتنة، بحيث تغض بصرك وتحفظ لسانك، ولا تتكلم مع النساء ولا تمر إليهن.
***
بارك الله فيكم هذا المستمع طه سوداني يقول: هل يجوز للرجل الوقوف أمام النساء لنشر العلم والدين؟ وهل يجوز للرجل أن يخلو بالمرأة من أجل إرشادها إلى الطريق المستقيم؟

فأجاب رحمه الله تعالى : لا يجوز للرجل أن يخلو بالمرأة إذا لم يكن محرماً لها، ولو للتعليم، ولو للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم). وإذا خلا الرجل بالمرأة كان الشيطان ثالثاً لهما، ووسوس لهما الوساوس التي قد تؤدي إلى الفاحشة والعياذ بالل. وأما وقوف الرجل أمام النساء جمعاً بلا محذور شرعي من أجل تعليمهن: فإن هذا لا بأس به، لكن بشرط أن يأمن الإنسان على نفسه، وأن يكون مأموناً، ولكن في مثل هذه الحال إذا كانت المسألة بصفة رسمية فإنه يوضع حاجز بين هذا الرجل وبين النساء ،حتى تكون النساء في سعة، وحتى لا يفتتن أحد من النساء بهذا الرجل، وأقول: إنه لا ينبغي أيضاً أن يقوم بتدريس النساء رجال إلا عند الضرورة، أما إذا لم يكن هناك ضرورة فإن الذي يقوم بتدريس النساء يكون امرأة، وكذلك الذي يقوم بتدريس الرجال يكون رجلاً؛ لأن الشارع يرمي إلى بعد النساء عن الرجال وعن الاختلاط بهم، ألم تر إلى المرأة إذا صلت في المسجد مع الجماعة فإنه يجب عليها أن تكون وحدها خارجة عن صفوف الرجال، ولا تكون صفاً مع الرجل، كما جرت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها). وهذا كله يدل على أن الشارع يرمي إلى بعد الرجال عن النساء وعدم الاختلاط بهن.
***
المستمعة سامية من البحرين تقول: ما حكم قيام التلميذات في الصف للمعلمة احتراماً عند دخولها الفصل؟
فأجاب رحمه الله تعالى : القيام للمعلمة أو المعلم عند دخول الفصل احتراماً وتعظيماً لا ينبغي؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يفعلون ذلك مع نبيهم صلى الله عليه وسلم، وهو أحق الناس بالاحترام والتعظيم، لكن يقال: إنهم يفعلون ذلك من أجل الانتباه والاستعداد للمعلم، وما يلقيه من العلم فإذا كان هذا هو المقصود فأرجو أن لا يكون به بأس.
***

أعمال القلوب
أحسن الله إليكم كيف يكون إخلاص العمل لله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إخلاص العمل هو أن العبادة لا يراد بها إلا وجه الله والدار الآخرة لا يراد بها الدنيا يعني لا يصلى الإنسان لأجل أن يمدح ويقال ما أقومه للصلاة ما أكثر صلاته وما أشبه ذلك بحيث يجعل عمله خالصاً لله عز وجل يريد به الثواب من عنده وبعض الناس ربما يجتهد في العبادة ليقال إن فلاناً كثير الصلاة أو إن فلان كثير العمرة أو إن فلاناً كثير الحج أو إن فلاناً كثير الصدقات وهذا يخل بالإخلاص قال الله عز (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) وقال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) والله لو تأمل الإنسان هذه الآية لاتعظ كثيراً فأنت ما خلقت إلا للعبادة وليس وجودك في هذه الدنيا لتعمر الدنيا ولتبني القصور ولتركب السيارات الفخمة ولترفه جسدك وإنماخلقت للعبادة ومن خلق للعبادة ينبغي أن يجعل عمله كله عبادة ولهذا كان الموفقون الكيسون يجعلون عاداتهم عبادة والغافلون يجعلون عباداتهم عادة فأنت تجد الموفق وأسأل الله أن يجعلني ومن سمع منهم إن أكل يأكل امتثالاً لأمر الله لأن الله أمر به (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا) ويقصد بالأكل حفظ بدنه وهو مأمور بحفظ بدنه وإن أكل يريد الاستعانه به على طاعة الله فيكون طعامه الذي يتلذذ به أكلاً وشرباً يكون عبادة وإن لبس ينوي بذلك ستر عورته وسوأته عن الناس ثم يتذكر بهذا أنه كما يحب أن يستر عورته الحسية عن الناس فليستر عورته المعنوية بالتوبة إلى الله ولهذا لما قال الله عز وجل (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ) وهذا اللباس الضروري (وَرِيشاً) وهذا لباس الجمال قال (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ) لباس التقوى ذلك خير فإذا نوى واستحضر بقلبه عند اللباس هذا المعنى صار اللباس عبادة وهكذا العادات

يستطيع المؤمن الموفق الكيس أن يجعل عاداته عبادات.
وأما الغافل فعباداته عادات اعتاد إنه إذا أذن في المسجد يصلى واعتاد أنه إذا جاء رمضان صام واعتاد أنه إذا جاء وقت الزكاة تصدق وهو في غفلة ولهذا فالنية لها مدخل عظيم في العبادات ففي الوضوء مثلاً أكثرنا إذا جاء وقت الصلاة أو أراد أن يصلى نافله قام وتوضأ وصلى لكن هل منا من يستحضر أنه إذا كان يصلى يمتثل أمر الله في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) هل يستحضر أنه يطبق قول الله عز وجل(فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ)عند غسل وجهه فالذي ينبغي لنا أن نستحضر هذا ونخلص لله عز وجل فينوي المسلم في قلبه أغسل وجهي امتثالاً لأمر الله وأغسل يدي امتثالاً لأمر الله وأمسح رأسي امتثالاً لأمر الله وأغسل رجلي امتثالاً لأمر الله ثم يستحضر أيضاً معنىً آخر أنني أفعل هذا اتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وكأني أشاهد الرسول عليه الصلاة والسلام يتوضأ على هذه الكيفية حينئذٍ نحقق في هذا الاستحضار الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والحقيقة أن الإنسان إذا عرف قدره وقدر حياته استطاع بمعونة الله عز وجل أن يقلب عاداته عبادات وأن يكمل عباداته باستحضار هذه النيات ويكون حقق قول الله عز وجل (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) أسأل الله تعالى أن يمن علي وعليكم وعلى من سمع بهذه النية الطيبة.
***
هذه رسالة من أختكم في الله من حريملاء أ ج س تقول إذا قام الإنسان ببعض أعمال التطوع كصلاة الضحى أو قيام الليل أو غيرها من العبادات وحاول أن يراه أهل البيت ليس رياء ولكن رجاء التقليد له أو الاقتداء به فيكون قدوة لهم فهل يجوز هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الأصل في معاملة الإنسان ربه وتعبده له إن يكون ذلك سراً بينه وبين ربه لأنه إنما يتعبد لله رجاء ثواب الله عز وجل والنجاة من عقابه وهذا لا يحتاج إلى أن يراه أحد من البشر لأن البشر لا يحققون له شيئاً من ذلك إلا حسبما تقضيه الشريعة كالدعاء للإنسان مثلاً هذا هو الأصل في العبادات لكن قد يكون إظهار العبادة أمراً مشروعاً مرغباً فيه لما يترتب عليه من المصالح فانظر إلى الصلاة مثلاً وهي أجل العبادات البدنية يشرع أن تكون جماعة في المساجد معلنة ظاهرة لما في ذلك من الخير الكثير المترتب على إعلانها والاجتماع عليها في المساجد ولهذا إذا عورضت المصلحة هذه بما هو أصلح كان الأفضل عدم صلاتها في المساجد فالنساء مثلاً لا يشرع لهن أن يصلىن جماعة في المساجد وإن كان يباح لهنّ أن يحضرن جماعة الرجال في المساجد أما الرجال فوجوب الجماعة عليهم في المساجد ظاهر وذلك لأن مصلحة إظهار الجماعة في المساجد بالنسبة للرجال عارضها مشروعية القرار في البيوت وعدم البروز بالنسبة للنساء فكان بيوتهن خير لهن ولهذا نقول إن المشروع في حق المرأة ألا تشهد الجماعة مع الرجال إلا في صلاة العيد خاصة فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر النساء أن يخرجن حتى أنه (أمر العواتق وذوات الخدور أن يشهدن الخير ودعوة المسلمين ويعتزل الحيض المصلى) إذاً الأصل في العبادة أن تكون سراً بين الإنسان وبين ربه لأنه سبحانه وتعالى هو الذي يثيبه عليها ويعاقب الإنسان على معصيته لكن إذا كان فيها مصلحة فإنها تراعى هذه المصلحة وبناء على هذه القاعدة يتبين الجواب عن سؤال المرأة التي تسأل عن إخفاء التطوع في بيتها عن أهلها هل هو أفضل أو إظهار التطوع لا رياء ولا سمعة ولكن من أجل أن يقتدي بها أهل البيت؟ فنقول إن إظهار التطوع في هذه الحال بهذه النية أفضل من إخفاءه لأن الناس ينشط بعضهم بعضا فإذا رأت المرأة أن إظهار تطوعها في الصلاة أو قراءة

القرآن أو الصدقة أو ما أشبه ذلك ينتج عنه خير باقتداء غيرها بها فإن إظهاره حينئذ يكون خيراً وهكذا الرجل ولهذا امتدح الله عز وجل الذين ينفقون سراً و علانية ولم يجعل المدح خاصاً بالذين ينفقون سراً وذلك لأن السر قد يكون أولى والإعلان قد يكون أولى بحسب ما يترتب على ذلك من المصالح
وخلاصة الجواب أن المرأة إذا أظهرت التطوع بالصلاة أو القراءة أو الصيام أو الصدقة من أجل أن يقتدي بها أهل البيت فإن ذلك لا بأس به بل هو خير.
***
كيف يكون حال الإنسان عندما يريد أن يعمل شيئاً من الطاعات هل يكون في قلبه أنه يريد نيل رضا الله عز وجل أم الفوز بالجنة والنجاة من النار أم إبراء الذمة وهل عليه أن يتذكر الإخلاص عندما يريد فعل أي شيء أفتونا مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما إرادة الإخلاص فلا بد منها أن يريد بعبادته وجه الله لا سواه وأما هل يريد إبراء الذمة أو النجاة من العذاب أو حصول الثواب أو رضا رب العباد فإنه ينوي كل هذا وهو إذا نوى هذه كلها فلا منافاة بينها يمكن أن ينويها كلها فينوي رضا الله وينوي فضل الله وينوي النجاة من عقاب الله وينوي إبراء الذمة ولقد قال الله تبارك وتعالى في وصف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه(تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً) فجمعوا بين الأمرين بين نية ابتغاء فضل الله تبارك وتعالى بثوابه والوصول إلى دار كرامته ونية رضوان الله سبحانه وتعالى.
***
ما أفضل وسيلة يرشد إليها فضيلتكم لتحصيل الإخلاص والبعد عن كل ما ينقص من ثواب الأعمال؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الوسيلة التي تنجي من هذا هو الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم والاستعانة به على طاعته وألا يلتفت الإنسان إلى هذه الوساوس التي يلقيها الشيطان في قلبه فإن الشيطان يلقيها ليفسد عليه عبادته وإرادته فلينبذها وراء ظهره ولا يلتفت إليها وربما يجد صعوبة في تصحيح النية ولكن إذا استمر وصبر فالعاقبة للمتقين ولقد قال بعض السلف (ماجاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص) لكنه نجح فإذا استمر الإنسان في عمله واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم واستعان به على طاعة الله وصبر وصابر فإن الله تعالى ينجيه قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
***
من ليبيا السائل محمد صالح يقول كيف السبيل لكي تكون أعمالنا خالصة لوجه تعالى دون كبرياء أو رياء أو مفاخرة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: السبيل إلى ذلك أن يكون الإنسان متعبداً لله يرجو ثواب الله لا يرجو أحداً من الناس أن يمدحه أو يعامله معاملةً طيبة.
ثانياً أن يعلم أن العباد لن ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له ولن يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه وحينئذٍ لا يبالي بهم سواءٌ علموا بعبادته أم لم يعلموا وسواءٌ أثنوا عليه أم لم يثنوا عليه ولكن قد يوسوس الشيطان للإنسان إذا أراد أن يفعل عبادة فيقول له إنك تفعلها رياءً فيتركها وهذا من تلاعب الشيطان به فالواجب إذا أحس بهذا أن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ويستمر في عبادته وبانتهاج هذا المسلك يزول عنه ما يجد في النفس من خوف الرياء.
***
كيف يتقي المسلم عذاب القبر وعذاب النار؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يتقي ذلك بالأعمال الصالحة التي تقرب إلى الله تعالى والعمل الصالح هو الذي جمع شرطين أولهما الإخلاص لله عز وجل بألا يقصد الإنسان بعبادته إلا وجه الله والدار الآخرة لا يقصد بذلك رياء ولا سمعة ولا مدحاً عند الناس ولا شيئاً من الدنيا ولا يأتي بشيء مبتدع من عنده في دين فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له موافقاً لشريعته ودليل ذلك هو قوله تعالى في الحديث القدسي (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ومن أسباب الوقاية من عذاب القبر أن يستنزه من البول ويتطهر منه طهارة كاملة لأنه ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مر بقبرين فقال (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير - أي في أمر شاق بل هو أمر سهل - فقال أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة) وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه) ومن أسباب الوقاية من عذاب القبر أن يكثر الإنسان من الاستعاذة بالله من عذاب القبر ولهذا أمرنا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا تشهدنا في الصلاة أن نستعيذ بالله من أربع نقول (أعوذ بالله من عذاب جهنم وعذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال).
***
مستمع رمز لاسمه بـ ع ح ط يقول ما هي الأمور التي تعين الشخص على أن يحظى بالقبول من الناس.

فأجاب رحمه الله تعالى: أولا يجب أنه يكون هم الإنسان رضا الله عز وجل وأن يكون مقبولا عند الله ووجيها عند الله فإن هذا المقصد الأسمى بالدرجة الأولى و الإنسان إذا كان عند الله بهذه المنزلة كان عند عباد الله بهذه المنزلة فإن (من التمس رضا الله عز وجل بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس وكفاه الله مؤنتهم) وفي الحديث (إن الله إذا أحب عبدا نادى جبريل أني أحب فلانا فأحبه فينادى جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض فيحبه أهل الأرض).
فرضا الناس يكون تابعا لرضا الله عز وجل فإذا رضي الله عنك وجعلك وجيها عنده صرت مرضيا عنك عند الناس ووجيها نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإخواننا من المقبولين عنده الوجهاء إنه جواد كريم
***
المستمعة هـ.م.هـ تقول ما هي حقيقة الزهد في نظر الإسلام وكيف يكون باستطاعتي أن أعيش حياة الزهد بحيث أكون بعيدة عن التنطع؟
فأجاب رحمه الله تعالى: قال أهل العلم إن الزهد هو ترك ما لا ينفع في الآخرة بحيث يترك الإنسان المباحات إذا لم تنفعه في الآخرة ومما يعين على الزهد أن يتأمل الإنسان في هذه الحياة الدنيا وأنها دار ممر وليست دار مقر وأنها لم تبق لأحد من قبلك وما لم يبق لأحد من قبلك لن يبقى لك قال الله تعالى (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ) يعني لن يخلد أحد في هذه الدنيا وكذلك يعلم أن هذه الدنيا دار تنغيص وكدر فما سر بها الإنسان يوماً إلا ساءه الأمر في اليوم الثاني فإذا علم حقيقة الدنيا فإنه بعقله وإيمانه سوف يزهد بها ولا يؤثرها على الآخرة قال الله تعالى (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى).
***

بارك الله فيكم المستمعة تقول حدثونا عن العباد والزهاد الذين أعرضوا عن الحياة الدينا وزينتها وأقبلوا على الله وكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والحياة الحقيقية الدائمة التي فيها السعادة والطمأنينة في الدارين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً يجب أن نعلم أن العباد والزهاد ليس كما يتصوره كثير من الناس بأنهم الذين أعرضوا عن الدنيا كلها وانزووا في زاوية بعيدين عن الناس لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر لكن العباد هم الذين قاموا بعبادة الله على حسب ما تقتضيه الشريعة والزهاد هم الذين تركوا ما لا ينفعهم في الآخرة فما ينفعهم في الآخرة يفعلونه ولو كان في أمور الدنيا ولهذا لما اجتمع نفر من الصحابة فقال بعضهم أنا لا أتزوج النساء وقال الآخر أنا لا أكل اللحم وقال آخر أنا أقوم ولا أنام وقال رابع أنا أصوم ولا أفطر وبخهم النبي عليه الصلاة والسلام وقال عليه الصلاة والسلام (أما أنا فأقوم وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) فالزهد حقيقته أن يدع الإنسان ما لا ينفعه في الآخرة لا أن يدع أمور الدنيا كلها والعبادة أن يتعبد الإنسان لله تعالى بما يوافق الشريعة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. هؤلاء هم العباد وأما أولئك الذين ينزوون في أماكن ولا يعرفون الناس ولا يعرفهم الناس ولا ينالون شيئاً مما أباح الله لهم من الطيبات فإن هؤلاء إلى الذم أقرب منهم إلى المدح لأن الله تعالى يقول (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فالحاصل أن العباد والزهاد هم أولاً العباد الذين يقومون بعبادة الله على ما تقتضيه الشريعة الظاهرة والزهاد هم الذين يزهدون فيما لا ينفعهم في الآخرة لا في أمور الدنيا كلها وقد يكون من أمور الدنيا ما ينفع الإنسان في

الآخرة كالمال مثلاً المال قد يكون ينفع الإنسان في الآخرة ونعم المال الصالح عند الرجل الصالح وما أكثر الذين نفعوا المسلمين بأموالهم واسوا الفقراء وأصلحوا الطرق وأعانوا في الجهاد وطبعوا الكتب النافعة وحصل في أموالهم خير كثير وهم يشتغلون بالمال.
***
كيف تكون محاسبة النفس للمسلم وما صفة المحاسبة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: محاسبة الإنسان نفسه هو أن يتأمل ماذا فعل وماذا ترك وماذا قال وماذا سكت عنه حتى يحاسب نفسه فيقول مثلاً لم تقولي الحق في موضع كذا وكذا ولم تفعلي المعروف في موطن كذا وكذا ويقول فعلت المنكر في موضع كذا قلت الزور في موضع كذا وكذا وهكذا يحاسب نفسه عما فعلت وعما تركت من أجل أن يقيم المعوج ويزيل ما فيه الشر هذا هو معنى المحاسبة.
***
هذا المستمع م. م من الرياض يقول فضيلة الشيخ ما هي الأسباب المعينة على المحافظة على الدين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: من الأسباب المعينة على قوة الإيمان كثرة الطاعات وأهمها الواجبات ثم النوافل لقول الله تعالى في الحديث القدسي (ما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه) وكلما ازداد الإنسان طاعة لله ازداد إيمانا وتقوى قال الله تبارك وتعالى (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى) وقال تعالى (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ) فالحرص على كثرة القرآن والذكر والصلاة والصدقات وغيرها من القربات كل هذا يزيد الإنسان إيمانا وقوة وحبا للخير

وأما المعاصي فهي أسباب الشر والفساد كما قال تعالى(وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا) قال العلماء لا تفسدوها بالمعاصي والمعصية وكلما فعل الإنسان معصية نقص إيمانه وبعد من ربه عز وجل قال الله تبارك وتعالى( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) ومن أسباب زيادة الإيمان أن يطالع الإنسان في سيرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه الكرام فإن فيها تربية للقلب والعقل والفكر وفيها زيادة الإيمان ومحبة للرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه وتربي الإنسان تربية تامة على غرار ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.
***
ما هي التقوى وحدثونا عن مراتبها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التقوى أن يتخذ الإنسان الوقاية من عذاب الله وذلك بأن يقوم بأوامر الله عز وجل عن علمٍ وبصيرة وأن يترك ما نهى الله عنه عن علمٍ وبصيرة وأما مراتبها فإنها تختلف باختلاف ما فعل الإنسان من المأمورات وما ترك من المنهيات فكلما كان الإنسان أقوم في فعل الطاعة كان أتقى لله عز وجل وكلما كان أبعد عن محارم الله كان أتقى لله عز وجل ولهذا كان أتقى الخلق محمداً صلى الله عليه وسلم كما قال عليه الصلاة والسلام (إني لأخشاكم لله وأتقاكم له) لأنه صلى الله عليه سلم أقوم الناس بأمر الله وأبعدهم عن محارم الله.
***
ما هي الدوافع للتمسك بدين الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الدوافع هي الهداية من الله عز وجل فإن من يهده الله فلا مضل له وكذلك التأمل والنظر فيما يترتب على طاعة الله عز وجل من ثواب عاجل وآجل والنظر والتأمل فيما يترتب على مخالفة أمر الله ورسوله من عقاب عاجل أو آجل فكل هذا يحفز المرء إلى فعل المأمور وترك المحظور مع الاستعانة بالله عز وجل والبعد عن رفاق السوء فإن النبي صلى الله عليه وسلم حذر من مرافقة أهل السوء حيث مثل جليس السوء بنافخ الكير وقال إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه رائحة كريهة وكم من إنسان هم أن يستقيم ولكنه بقي مع الرفقة غير المستقيمة فعجز فإذا ابتعد عنهم كان ذلك من أسباب الهداية.
***
هذا السائل من السودان أبو أسامة يقول ما هي أسباب قسوة القلب والعلاج في ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أسباب قسوة القلب الإعراض عن الله عز وجل والبعد عن تلاوة القرآن واشتغال الإنسان بالدنيا وأن تكون الدنيا أكبر همه ولا يهتم بأمور دينه لأن طاعة الله تعالى توجب لين القلب ورقته ورجوعه إلى الله تبارك وتعالى ودواء ذلك بالإقبال على الله والإنابة إليه وكثرة ذكره وكثرة قراءة القرآن وكثرة الطاعات بحسب المستطاع نسأل الله لنا ولإخواننا أن يلين قلوبنا لذكره وأن يعمرها بطاعته إن الله على كل شيء قدير.
***
سائلة رمزت لاسمها ب ع س ل تقول مشكلتي يا فضيلة الشيخ هي أن قلبي قاسي حتى أنه من شدة القسوة إذا توفي شخص من أقاربي لا أبكي ولا تدمع عيناي إلا بعد المحاولات فهل هذه القسوة تمنع قبول صلاتي وصيامي وغير ذلك من الأعمال وهل هذا من نقص إيماني وهل إذا تصدقت على الفقراء تزيل هذه القسوة من قلبي؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم بعض الناس عندهم قسوة القلب وليس قلبه لينا فتجده لا يخشع وإن أصيب بأعظم المصائب نسأل الله العافية قلبه متحجر كالحجارة أو أشد قسوة ومن أسباب لين القلب قراءة القرآن الكريم فإنه يلين القلب إذا قرأه الإنسان بتدبر وتمعن بدليل قول الله تعالى (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) هذا وهو جبل حصى ويقول بن عبد القوي رحمه الله في داليته المشهورة
وحافظ على درس القرآن فإنه …يلين قلبا قاسيا مثل جلمد
ومما يلين القلب قراءة السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم فإن قراءة السيرة لها تأثير عجيب على القلب لأنه يتذكر الإنسان وكأنه مع الصحابة فيلين قلبه ومن أسباب لين القلب رحمة الأطفال والتلطف معهم فإن ذلك يلين القلب وله تأثير عجيب ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) ومن أسباب لين القلب سماع المواعظ والقصائد التي تحي القلب ولذلك تجد الرجل إذا سمع قصيدة مؤثرة يخشع قلبه وتدمع عينه ومن أسباب لين القلب حضور القلب في الصلاة فإن ذلك من أسباب الخشوع ولين القلب نسأل الله تعالى أن يلين قلوبنا لذكره وأن يعيذنا من قسوة القلب.
***
بارك الله فيكم هذه المستمعة وفاء من تعز اليمن تقول ماذا يفعل المؤمن إذا كان قلبه لا يخشع عند ذكر الله أو في الصلاة

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان القلب لا يخشع عند ذكر الله أو في الصلاة فهذا دليلٌ على أن القلب فيه مرض فعلى الإنسان أن يعالج هذا المرض بكثرة الإنابة إلى الله عز وجل ودعائه سبحانه وتعالى وصدق النية في طلب الوصول إلى مرضاته والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم إذا أراد الشيطان أن يحول بينه وبين عبادته وإذا رغب إلى الله عز وجل في أن يلين قلبه لذكره وما نزل من الحق ودعا الله عز وجل بصدق وإخلاص فإن الله سبحانه وتعالى قريبٌ مجيب يجيب دعوته ويحصل مطلوبه ومن أكبر الأسباب لاستقامة القلب وسلامته كثرة قراءة القرآن فإنه يلين القلوب ويزيدها ثباتاً خصوصاً إذا قرأه الإنسان بتدبر وقرأه وهو يشعر أنه يقرأ كلام الله عز وجل وقرأه وهو يصدق بأخباره وقرأه وهو يلتزم بفعل أوامره وترك نواهيه فإنه يرجى أن يحصل على خيرٍ كثير.
***
هذه المستمعة أختكم في الله هـ. م. غ. من حائل السعودية تقول أحب يا فضيلة الشيخ أن أستقيم على طريق الله والتقرب منه سبحانه وتعالى وأرجو من فضيلتكم إرشادي إلى بعض الطاعات المستحبة والتي تقربني من الله عز وجل وتزرع في قلبي محبته وتقواه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: العبادات المستحبة كثيرة منها النوافل في الصلوات كالرواتب الاثنتي عشرة ركعة وهي ركعتان قبل الفجر وأربع ركعات قبل الظهر بسلامين وركعتان بعدها وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد صلاة العشاء ومنها التهجد في الليل بصلاة الليل وهي مثنى مثنى كما قال النبي عليه الصلاة والسلام حين سأله رجل فقال ما تقول في صلاة الليل قال (مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة فأوترت له ما صلى) ومنها صلاة الضحى يصلى الإنسان ركعتين في الضحى ويزيد ما شاء الله هذه أيضاً من النوافل ومن النوافل أيضاً النوافل في الصدقة كالإحسان إلى اليتيم والقريب وما أشبه ذلك وأما الصوم صوم النفل فهو كثير كصوم يومي الاثنين والخميس وستة أيام من شوال وعشر ذي الحجة واليوم التاسع والعاشر من شهر محرم وغير ذلك والحج أيضاً كذلك فيه نوافل كالطواف بالبيت في غير طواف النسك وكتكرار العمرة والحج بقدر المستطاع هذا كله من النوافل وقد ثبت في صحيح البخاري أن الله سبحانه وتعالى قال (وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه).
***
يقول هذا السائل ما العلاج المناسب لانشراح الصدر حيث أنني أعيش في ضيق شديد وجهوني مأجورين.
فأجاب رحمه الله تعالى: العلاج المناسب كثرة ذكر الله عز وجل قال الله تعالى (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: من الآية28) ومن العلاج ألا يهتم الإنسان بأمور الدنيا وألا يكون له هم إلا الآخرة ومن العلاج أن يكون الإنسان باذلاً لمعروفه سواء ببذل المال أو ببذل المنافع وبذل البدن يساعد إخوانه أو ببذل الجاه فإن هذا يوجب انشراح الصدر وليكثر أيضاً من هذا الدعاء ربي اشرح لي صدري ويسر لي أمري.
***
السائلة غادة الغامدي تقول ما حكم الحب في الله وكيف يكون؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الحب في الله من أوثق عرى الإيمان فهو من الأمور المطلوبة التي يثاب عليها العبد حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل المتحابين في الله تعالى ممن يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله فقال صلى الله عليه وسلم (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في طاعة الله ورجل قلبه معلق بالمساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه) فالحب في الله من أوثق عرى الإيمان وسببه أن الرجل يرى شخصا متعبدا لله تعالى قائما بطاعة الله مصلحا ما استطاع لعباد الله فيحبه على ذلك لأن أسباب المحبة كثيرة فمن أسباب المحبة القرابة والصداقة والغنى والفقر وربما يكون أيضا من أسباب المحبة المشاركة في العصيان والفسوق فيما يجري بين أهل الفسق والعصيان والمحبة في الله هي أعلاه وأفضله وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال (من أحب قوما فهو منهم).
***
السؤال: المستمعة أم نزار تقول أحيانا أقرأ القران وأجد أن صوتي حسن وترتيلي جيد هل يعتبر هذا من العجب الذي يبطل العمل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ليس هذا من العجب الذي يبطل العمل بل إن هذا من نعم الله التي يفرح بها الإنسان أن الله تعالى يعطيه صوتا جميلا وأداء حسنا لأن بعض الناس قد يحرم هذا أو هذا أو الجميع وبعض الناس يكون صوته رديئا وأداؤه كذلك ومن الناس من يكون على جانب قوي من الأداء وحسن الصوت وهذا لا شك أنه من نعمة الله على العبد فليشكر الله سبحانه وتعالى على هذا ولا يكون هذا من باب العجب إذا رأى نفسه أنه على هذا المستوى الطيب.
***
كيف يضمن المسلم لنفسه النجاة من الخلود في النار؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يمكن لأحد أن يضمن لنفسه ذلك لأن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يصرفها كيف يشاء لكن المؤمن يرجو الرحمة والنجاة من النار بما قام به من عبادة الله وحده لا شريك له وامتثال أمر الله واجتناب نهي الله كما قال الله تبارك وتعالي (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) فالإنسان إذا قام بما أوجب الله عليه وترك ما حرم الله عليه مخلصا لله في ذلك متبعا لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنه يرجو أن ينجيه الله بذلك من النار ويدخله الجنة وينبغي له في هذه الحال أن يحسن الظن بالله وألا يكون آيساً من رحمة الله عز وجل لكن مع ذلك كل إنسان يخاف ألا يكون قبل عمله لأن الإنسان بشر قد يكون في قلبه من الإعجاب بعمله ما يهدم عمله وقد يكون في قلبه شيء من الرياء وقد يكون في عمله شيء من البدعة فالضمان غير حاصل على سبيل التعيين لكن على سبيل العموم نقول قال الله تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
***

بارك الله فيكم السائل من الإمارات أسامة خالد يقول فضيلة الشيخ ما هو الورع وما هو الزهد وكيف يكون المسلم ورعاً زاهداً كالسلف الصالح؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الزهد وصفٌ أعلى من الورع والفرق بينهما أن الورع ترك ما يضر في الآخرة والزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة فالزاهد لا يفعل إلا ما هو نافعٌ له في آخرته والورع يفعل ما هو نافع وما ليس بنافع لكن لا يفعل ما هو ضار وذلك أن الأمور لها أحوالٌ ثلاثة إما أن تكون نافعة أو تكون ضارة أو لا نافعة ولا ضارة يتفق الزاهد والورع في تجنب الضار كلٌ منهما لا يفعل الضار ويختلفان فيما ليس فيه نفعٌ ولا ضرر فالزاهد يتجنبه والورع يأتي به الزاهد يتجنبه لأنه يريد أن يكون كل شيء يقوم به في هذه الدنيا له فيه خير فهو مغتنمٌ لوقته حريصٌ على ألا يفوت من الوقت ولو شيئاً يسيراً إلا وقد عمره بطاعة الله التي تنفعه يوم القيامة والورع لا دون ذلك يفعل المباحات ويذهب وقته بدون فائدة لكنه لا يفعل المحرم يجتنب المحرم ويقوم بالواجب وبناءً على ذلك يكون الزهد أعلى مرتبةً من الورع على أنه ربما يطلق أحدهما على الآخر ربما يقال فلان زاهد يعني ورعاً أو ورع يعني زاهداً لكن عندما نقول ورع وزهد فهذا هو الفرق بينهما.
***

نصائح وتوجيهات
السائل يقول لدي أخ لا يصلى وقد أمرته ونصحته بالصلاة وبينت له أن من ترك الصلاة يكون كافراً ولكن لم يقبل نصيحتي وهو معنا يأكل ويشرب ويسكن فما الحكم في هذه الحالة هل نكون مداهنين له أم لا أفيدونا وجهونا مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أوجهكم إلى النصيحة لمرة أخرى فإن هداه الله عز وجل وصلى فهذا هو المطلوب وهو من نعمة الله عليه وعليكم وإن تكن الأخرى وأبى أن يصلى فهو كافر مرتد يجب هجره والبعد عنه وإبعاده عن البيت إذا كان البيت ليس ملكا له فإن كان ملكه وجب الخروج عنه لأن تارك الصلاة كافر مرتد يجب هجره والبعد عنه وإبعاده فإن قال قائل نخشى إذا أبعدناه أن يزداد شره قلنا لا شر أعظم من الكفر فهو والعياذ بالله كافر وماذا يرجى منه إذا بقي على كفره في البيت أما إذا كان الإنسان يرجو رجاء حقيقيا بعلامات وقرائن تدل على أنه يميل إلى التوبة فهنا نقول ما دام فيه أمل ولو قليلا أن يهديه الله فإنه يبقى في البيت ويكرر له النصح.
***
من مصر السائلة ج م هـ تقول أعيش مع عائلة تتكون من ثلاثين شخصا ما بين رجال ونساء وأطفال جميعهم لا يصلون إلا الجمعة فبماذا تنصحونهم مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أنصحهم بأن يتقوا الله عز وجل وأن يعلموا أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة افترضها الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة المعراج وهو فوق السماوات فقبل صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأبلغ أمته بذلك وأحذرهم من التهاون بشيء منها لأن الله تعالى قال في كتابه (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً) وأنصحهم إذا أدوا الصلاة أن يؤدوها بطمأنينة وألا ينقروها نقر الغراب (فإن رجلا دخل المسجد فصلى ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال له ارجع فصل فإنك لم تصل لأن الرجل كان لا يطمئن فعاد الرجل فصلى كما صلى ثم رجع فسلم على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال له ارجع فصل فإنك لم تصل حتى قال الرجل والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني فعلمه وقال له إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تطمئن قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن قاعدا أو جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) وأقول لهم إن الإسلام لا يتجزأ فهم إذا كانوا يصلون الجمعة ولا يصلون غيرها هل هم لا يقرون بوجوب غيرها إن كان الأمر كذلك فهم كفرة لأن جحد فريضة الصلوات الخمس كفر بالله عز وجل وإن قالوا غيرها واجب لكنهم يتهاونون بها فإنهم على خطر عظيم كما تفيده النصوص من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
***

يقول هذا السائل في سؤاله الثاني والأخير لي مجموعة من الأصدقاء يتهاونون في أداء الصلاة وأيضاً يتحدثون فيما حرم الله من الكلام فهل يجوز لي أن أقاطعهم علماً بأنني عندما ألتقي بهم أقوم بتذكيرهم بالله عز وجل وأسعى لنصحهم فبماذا تنصحونني يا فضيلة الشيخ مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ننصحك بأنه إذا كان يفيد بقاؤك في صحبتهم وتجد منهم إقبالاً على النصيحة وامتثالاً لما توجههم إليهم فلا حرج أن تبقى معهم لأن في ذلك انتفاعاً لك ولهم أما لهم فظاهر وأما لك فلأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعلي بن أبي طالب (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم) وأما إذا كنت لا تجد فيهم إقبالاً ولا قبولاً للنصيحة فإياك وإياهم فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حذر من جليس السوء وأخبر أنه كنافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه رائحة كريهة أو خبيثة ثم إنه يروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل).
***
المستمعة من العراق محافظة بابل أ. ف. ي. د. تقول في رسالتها الثانية يزورنا في البيت من الأقارب من لا يصلون ولا يؤدون الواجبات ويشركون بالله والعياذ بالله و منهم من يقول لي إنا ندعو الأولياء والصالحين وعجزت عن نصحهم فهل يجوز مجالستهم وهم عندما أتحدث عن الدين يضحكون مني ويسخرون ويستهزؤون ويقولون لي هذه عابدة أتركوها وعندما يقولون هذا أتضايق كثيراً وأقول يسامحهم الله وعندما أقول لوالدتي يا أماه لا تشركي بالله لا تعرني أي اهتمام و إذا استمعت إلى برنامجكم نور على الدرب تقول أمي بأنك لن تدخلي الجنة على عملك هذا وإذا استمريت على سماع هذا البرنامج أو غيره من البرامج الدينية فسوف تصابين بالجنون وأقول لها أنني لست مجنونة ولكن الله هداني ماذا أفعل لكي أرضي الله سبحانه وتعالى ثم أرضي أمي والناس؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نصيحتنا أولاً نوجهها إلى هؤلاء الجماعة الذين وصفتهم بأنهم لا يصلون وبأنهم يشركون بالله ويسخرون من الدين ومن يتمسك به فإن نصيحتي لهؤلاء أن يتقوا الله عز وجل في أنفسهم وأن يعلموا أن دين الله حق وهو الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم وأن أركانه شهادة أن لا إله ألا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام فعليهم أن يتوبوا إلى الله عز وجل من هذا الكفر والشرك البالغ غايته وعليك أيضاً أن تحرصي على مناصحتهم ما أمكن ولا تيئسي من صلاحهم فإن الله سبحانه وتعالى مقلب القلوب فربما مع كثرة البيان والنصح والإرشاد يهديهم الله عز وجل وإذا تعذر إصلاحهم فإن الواجب هجرهم والبعد عنهم وعدم الجلوس إليهم لأنهم حينئذ مرتدين عن دين الإسلام والعياذ بالله وأما قول بعضهم لك إنك إذا استمعت إلى برنامج نور على الدرب أو غيره من الكلمات النافعة تصابين بالجنون فإن هذا خطأ منهم خطأ عظيم وهو كقول المكذبين للرسل إنهم أي الرسل مجانين وكهان وشعراء وما أشبه ذلك من الكلمات المشوهة التي يقصد بها التنفير عن الحق وأهل الحق فاستمري أنت على هداية الله عز وجل وعلى الاستماع لكل ما ينفع وعلى القيام بطاعة الله سبحانه وتعالى واعلمي أن العاقبة للمتقين.
***
الرسالة التي نوهنا عن مرسلها رفعت علي محمد السيد من جمهورية مصر العربية يقول فيها نريد منكم وصية للوصول إلي الطريق الأصلح والأصوب في مجتمعنا الذي مُلِيء بالانحرافات حيث يوجد معنا في بلدنا مصر النصارى والصلىبين وتوجد المتبرجات وغير ذلك مما عَدَّده ولا نريد الإطالة به؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الإرشاد في ذلك هو أن يعيش الإنسان بين هؤلاء عيشة الحذر الخائف ويحرص بقدر ما يستطيع على أن يفعل هو ما شرعه الله ورسوله له من العبادات يحرص على السيرة الجميلة في مجتمعه ويدعو إلى سبيل الله تعالى بالحكمة الموعظة الحسنة ما استطاع فإذا رأى شُحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فليحرص على نجاة نفسه وليدع عنه أمر العامة وهذا أعني تقوى الله عز وجل هو ما وصى به الله تعالى جميع الخلق (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ) والمؤمن العاقل يعرف كيف يسير وكيف يتخلص مع هؤلاء القوم الذين أشار إلى سلوكهم السائل.
***
هذه الرسالة وصلتنا من مواطن مصري يقول أنا سائق مصري محتار في تصرف زوجة كفيلي حيث أنها تأخذ حاجات من المنزل وتأمرني أنا السائق أن أنزل بها إلى السوق ثم تدخل بعض الدكاكين ثم تدخل إلى المكاتب الداخلية وتتصل بالتلفونات ساعة ونصف أو أكثر أو تستخدم تلفون الشارع ويقول إنها تهدده بالطرد وبإلصاق التهم به فهل يخبر زوجها بذلك لأنه لا يرضى هذا التصرف منها وهو رجلٌ مسلم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: حقيقة الأمر أن هذا التصرف الذي أشرت إليه إذا كان حقاً فإنه تصرفٌ سيء ولا يرضاه أحدٌ من المسلمين ونحن نشكرك على هذه الغيرة على صاحبك الذي أنت عنده بل وعلى هذه الغيرة على زوجته أيضاً لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً قالوا يا رسول الله هذا الظالم فكيف نصر المظلوم فقال أن تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه) فأنت ناصحُ لكفيلك ولزوجته أيضاً وعليك في هذه الحال إذا لم يفد معها النصح أن تخبر زوجها بذلك لتخرج من المسئولية وأنت إذا أخبرته بذلك فلن يضيرك شيئاً إن شاء الله لأن الله تكفل بأن من اتقى الله تعالى جعل له مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب.
***

ما حكم من يأمر أبناءه بالصلاة من سن التمييز حتى يبلغوا سن الخامسة عشرة وبعد ذلك لا يستجيب هؤلاء الأبناء لآبائهم فبماذا توجهون الآباء نحو هذه المسئولية في المحافظة على الصلاة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إني أظن أن من اتقى الله عز وجل واتبع هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإرشاده في أمر أولاده من ذكور وإناث بالصلاة لسبع وضربهم عليها لعشر وسأل الله لهم الهداية لا أظن أن الله عز وجل يخيبه في أولاده وأنهم سيستقيمون لكن المشكل أن بعض الناس يهمل هذه الأمانة ولا يبالي بها صلى أولاده أم لم يصلوا صلحوا أم فسدوا استقاموا أم جاروا ثم إذا كبروا عوقب بعقوقهم إياه لأنه لم يتق الله فيهم فلم يتقوا الله فيه فلا أظن أن أحدا اتقى الله في أولاده وسلك سبيل الشريعة في توجيههم إلا أن الله سبحانه وتعالى يهدي أولاده.
***
السائلة من الجزائر بعثت بهذا السؤال تذكر بأنها عصبية وكثيرة القلق ولا تستطيع الصبر على أتفه الأمور بل تقول ربما لا أملك مثقال ذرة من الصبر وكثيرة الشكوى من المرض مع علمي بأن هذا ليس في مصلحتي وأعلم بأن الشكوى تكون لله عز وجل فما نصيحتكم لي يا فضيلة الشيخ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نصيحتي لها ولأمثالها أن يكثروا من ذكر الله عز وجل فإن بذكر الله تطمئن القلوب وأن يبعدوا عن الأوهام والتخيلات وألا ييئسوا من روح الله ولا يقنطوا من رحمة الله وأن يحاولوا أن تكون صدورهم دائما منشرحة وأن يتناسوا ما يحصل لهم من نكبات فإن مثل هذه الأمور كلها سبب في زوال القلق ومن أهم ذلك أيضا أن يعلم أن ما أصابه فإنه بقضاء الله وقدره وأن لله تعالى أن يفعل في خلقه ما شاء لأنه عز وجل لا يفعل شيئا إلا لحكمة عظيمة.
***
عبدالله محمد من القصيم يقول بعض الناس يتصدون للفتوى وليس عندهم علم شرعي يؤهلهم لذلك فما نصيحتكم لمثل هؤلاء.

فأجاب رحمه الله تعالى: نصيحتي لهؤلاء أن يقرؤا قول الله تعالى (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) وقول الله تعالى (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً) وقوله تعالى (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) فكل إنسان يفتي بغير علم فإنه ظالم لنفسه وظالم لإخوانه ولا يوفق للصواب لأن الله قال (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) فعلى هؤلاء أن يتقوا الله في أنفسهم وأن يتقوا الله في إخوانهم وأن لا يتعجلو فإن كان الله أراد بهم خيرا ألهمهم رشدهم ورزقهم العلم وصاروا أئمة يقتدى بهم في الفتوى فلينتظروا وليصبروا أما بالنسبة للمستفتين فإننا نحذرهم من الاستفتاء لأمثال هؤلاء ونقول العلماء الموثوق بعلمهم وأماناتهم والحمد لله موجودون إما في البلاد نفسها وإما في بلد آخر يمكنهم الاتصال عليهم بالهاتف ويحصل المقصود إن شاء الله.
***
ما هي الأسباب المعينة على أداء الصلوات في أوقاتها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أكبر الأسباب وأعظمها هو الإيمان بالله عز وجل والخوف من عقابه فمتى كان الإنسان مؤمنا بالله فإنه لا يمكن أن يضيع الصلاة ويؤخرها عن وقتها وإذا كان عند الإنسان تقوى من الله وخوف منه فإنه لا يمكن أن يؤخر الصلاة عن أوقاتها فأهم شيء العقيدة والإيمان وتقوى الله عز وجل وإذا كان إهمال الصلاة لأسباب معينة فإن مما يعين على إقامتها أن يدع هذه الأسباب مثل أن يكون سبب تركه لصلاة الفجر طول سهره فإنه يجب عليه أن يدع طول السهر حتى يتمكن من صلاة الفجر في وقتها مع الجماعة وإذا كان أسباب التهاون في الصلاة البيع والشراء وجب عليه الكف عن البيع والشراء إذا حان وقت الصلاة فيصلىها مع الجماعة وهلم جرا.
***
المستمعة تقول الكثير من الناس يشكون من الملل من كثرة الفراغ فبماذا تنصحون هؤلاء مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن الملل قاتل للنفس وإفساد للبدن وجلب للهموم والغموم، ومن أكبر أسبابه ما يتسابق الناس عليه اليوم من جلب الخادمات في البيوت حتى أصبحت الربات في بيوتهم ليس لها شغل في البيت فتجد المرأة دائماً في هم تجلس في إحدى زوايا البيت ليس لها إلا الهم أو أن تخرج إلى الأسواق أو إلى الجيران فتتعبهم ولو سلم الناس من هؤلاء الخدم وصارت المرأة هي التي تخدم في بيتها كما هو شأن نساء الصحابة في عهد الصحابة وكما هو شأن الناس إلى يومنا هذا لكان هذا خيراً وأولى وفيه حفاظ المرء على ماله وحفاظه أيضاً على عرضه وحفاظ أهله من الخواء الفكري والبدني وبهذه المناسبة أنصح إخواني المسلمين عن جلب الخدم إلا للضرورة القصوى التي لا يمكن دفعها إلا بذلك، أما إذا كان الحامل على هذا زيادة الترف والتنعم فإن هذا يجر بلاءً كثيراً وتحصل به المفاسد إلا أن يشاء الله ولا سيما إذا جاؤا بامرأة كافرة فإن ذلك أقبح لأن المرأة الكافرة ربما يكون هناك أطفالاً يغترون بها وربما يكون هناك أطفالاً بلغوا سن التمييز فيتساءلون لماذا هذه لا تصلى ولا تتوضأ ولا تصوم، ويحصل في نفوسهم تهوين الدين والعمل به ولا سيما إذا لم يكن معها محرم فإن الخطر يكون أعظم وأكبر والمهم أن هذه المشكلة في الواقع لا يمكن حلها إلا أن يتقلص الطلب على هؤلاء الخدم ويرجع الناس إلى حالهم الأولى إلا عند الضرورة القصوى التي لا بد من وجود الخادم فيها.
***
السائلة تقول في سؤالها الثاني بعض الأحيان يحس الفرد بقلة في إيمانه وبأنه بدأ بالابتعاد عن الطاعات بما ذا يوجه مثل هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن الإنسان لا يمكن أن يكون على وتيرة واحدة في إيمانه وحضور قلبه بل الإنسان ساعة وساعة ولهذا أمرنا بالطاعات في أوقات مختلفة من صلاة الفجر ومن صلاة الظهر ومن صلاة العصر ومن صلاة المغرب ومن صلاة العشاء ثم التهجد كل هذا من أجل إحياء ذكر الله عز وجل في قلوبنا لأن الإنسان لا بد أن تصيبه فترة يكسل فيها عن طاعة الله عز وجل ولهذ قال النبي صلى الله عليه وسلم (ساعة وساعة) يعني ساعة للعبادة وساعة للأنس بالأهل والاجتماع إليهم والتحدث إليهم وما أشبه ذلك ولكن على الإنسان أن يلاحظ قلبه دائما وأن يحرص على تطهيره من الشك والشرك والغل والحقد على المسلمين وغير ذلك مما يضر القلب.
***
السائلة تذكر بأنها متزوجة من إنسان طيب جداً ويقدرني ولي منه ثلاثة أولاد ولكنه لا يصلى في المسجد ولكنه يواظب على الصلاة في البيت سواء كان مشغولاً أم لا وأُلِحُّ عليه أن يصلى في المسجد مع الجماعة فيوافق أحياناً ويرفض أكثر الأوقات ولكنه يواظب على الصلاة في البيت فماذا يجب علي أن أفعل تجاهه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ليس على هذه المرأة السائلة أكثر مما صنعت مع زوجها وهو النصيحة لكن ينبغي لها أن تكرر النصيحة له على وجه لا يحصل به ملل لأن مِنْ حقه عليها أن تناصحه.
***
المستمع محمد الحسن من جمهورية مصر العربية كفر أبو حماد الشرقية ومقيم بالطائف يقول يوجد عندنا عادة غير محمودة وهي يا فضيلة الشيخ إذا حدث خصامٌ بين الرجل وأخيه المسلم لا يكلمه لفترةٍ طويلة وإذا قابله في طريقٍ يرجع من طريقٍ آخر ولا يلقي عليه السلام وإذا ذهب إلى المسجد للصلاة فوجد الرجل الذي يخاصمه يصلى إماماً لا ينوي الصلاة خلفه بل يترك المسجد ويخرج فما نصيحتكم لمثل هؤلاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نصيحتنا لهؤلاء الذين تصل بهم الحال إثر الخصومات إلى ما ذكره السائل من الهجر والقطيعة والبغضاء والكراهية نصيحتنا لهم أن يتقوا الله عز وجل وأن يعلموا أن هذا من نزغات الشيطان (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ)وكذلك في غيرهما فعلى العبد أن يتقي الله عز وجل وأن لا يهجر أخاه المؤمن لعداوةٍ شخصية لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا يحل لأحدٍ أن يهجر أخاه المؤمن يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) نعم للإنسان أن يهجر أخاه ثلاثة أيامٍ فأقل من أجل إعطاء النفس شيئاً من الحرية في معاملة هذا الذي أساء إليه أما ما زاد على ثلاث فإنه لا يحل هجره إلا لسببٍ شرعي مثل أن يكون هذا الرجل معلناً بالمعاصي والفسوق فيهجر لعله يتوب إلى الله ويرجع إذا رأى أن المسلمين قد هجروه
والواجب على العبد أن يصبر على طاعة الله وأن يصبر عن محارم الله وأن يضغط على نفسه في إقامة شرع الله عز وجل حتى لو قالت له نفسه لا تصل خلف هذا ولا تلق السلام عليه ولا تكلمه وإذا وجدته في طريق فانصرف إلى طريقٍ آخر وما أشبه ذلك فليعص نفسه وليقم بما أوجب الله عليه وإذا علم الله منه حسن النية وقصد الحق فإن الله تعالى يعينه على ذلك ويخفف عليه الأمر.
***
السائلة أ ف ب من محافظة القريات تقول نرجو من فضيلة الشيخ أن يلقي كلمة موجزة يحث فيها الشباب على الزواج من فتيات بلدهم ولا يخرجون عن ذلك مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إنني أحث الشباب على الزواج لأن النبي صلى الله عليه وسلم حثهم على ذلك فقال صلى الله عليه وسلم (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) وأحثهم على ما حثهم عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يتزوجوا ذات الدين والخلق لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (قال تنكح المرأة لأربع لمالها وحسبها وجمالها ودينها فاظفر بذات الدين تربت يداك) وقال عليه الصلاة السلام (تزوجوا الودود الولود) لأن الودود أي كثيرة التودد يحصل منها من المعاشرة الطيبة ما لا يحصل من غيرها والودود أيضا تحمل زوجها على مواقعتها فيكثر الأولاد وأحث أبناءنا على أن يتزوجوا من بنات أبناء جنسنا من البلد لأنهم أقرب إلى الانضباط وإلى معرفة مقصود الزوج وإلى معرفة العادات وإلى قلة المؤونة لست أريد بقلة المؤونة قلة المهر لأن الغالب أن نساء البلد أكثر مهراً من نساء البلاد الأخرى لكن ما يترتب على النكاح فيما بعد من نساء البلاد الأخرى يكون كثيرا ومثقلا تجدها تحتاج إلى السفر في السنة مرة على الأقل وتحتاج إلى مؤونة السفر وتحتاج إلى أن يسافر بها الإنسان بنفسه أو يستجلب لها محرما من بلدها وتحتاج إلى هدايا لأهلها وأقاربها فمؤنتها كثيرة ثم إنه إذا قدر الله تعالى انفصال بينها وبين زوجها حصل من المشاكل إذا كان بينهما أولاد ما لا يستطيع الإنسان التخلص منه ثم إن عاداتها وما كانت عليه في بلادها في الغالب تخالف ما كانت عليه العادات هنا فيحصل بذلك تعسف وتأسف لأنها إما أن تغلب الزوج في عاداتها وإما أن يغلبها في عاداتها وحينئذ يكون التعسف في الغالب أو التأسف مع المجاملة ومن تأمل ما حصل ويحصل عرف الواقع ثم إن لدينا في بلادنا نساءً كثيرات بقينا بلا تزوج فهل نجلب بنات الناس من الخارج وندع بناتنا للهم والغم والفتنة هذا غير لائق قد يقول الشاب

المهور في نسائنا كثيرة فنقول نعم لكن ليس الحل أن نجلب بنات البلاد الأخرى إلى بلادنا الحل أن نحاول بقدر المستطاع القضاء على هذه الظاهرة وهي كثرة المهور وذلك باجتماع الشرفاء والوجهاء في البلاد على تحديد شيء معين للمصلحة ونقول هذا المهر المقرر للشابة البكر وهذا المهر مقرر للكبيرة الثيب ثم إذا تزوج الرجل فليعط امرأته ما شاء ولا أحد يمنعه أو تعطيه هي ما شاءت من مهرها إذا كانت رشيدة ولا أحد يمنعها وإذا لم يجد اجتماع الكبراء والشرفاء فلا مانع عندي من أن يتدخل ولاة الأمور في هذا ويحلوا المشكلة بأي حل يريدونه وهو لا يخرج عن نطاق الشرع لأن الواقع أن هذه مشكلة يحصل بها الشر والفساد فلذلك أدعو إخواننا المسلمين إلى الجدية في إيجاد حل لهذه المشكلة على المستوى القبلي أو البلدي أو المستوى الحكومي حتى تنحل هذه المشكلة ويتزوج شبابنا من شاباتنا ونكون أسرة واحدة.
***
هذه رسالة وردتنا من الأخ حمد البسام من الرياض يقول أنا دائماً أسرح وأفكر دائماً حتى في الصلاة وقراءة القرآن أحياناً وفي بعض المرات تمضي نصف خطبة الجمعة وأنا أفكر ولا أدري ماذا قال الإمام في الخطبة وأنا لا أدري ماذا أفعل هل علي إثم أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول إن الواجب على من حضر الجمعة أن يستمع إلى خطبة الإمام ولا يجوز له أن يتشاغل عن استماعها بكلام ولا غيره وهذه الوسواس والهواجيس والتفكيرات التي تحدث لك في هذه الحال هي من الشيطان ليصدك عن ذكر الله فإن الله تعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) والواجب عليك أن تحاول بقدر ما تستطيع التخلص من هذا الأمر حتى تُقبل على عبادتك وأنت مستريح غير مشوش وتستمع إلى الخطبة وتنتفع بها ولا تكن كالذين قال الله تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً) بل استمع وانتبه وتأمل وتفكر في معاني ما يقوله الخطيب حتى تنتفع من هذه الخطبة الأسبوعية التي أوجبها الله تعالى وأوجب السعي إليها.
***
هذه السائلة غادة الغامدي تذكر بأنها طالبة في المرحلة الثانوية وقد أعجبت بمدرسة تتصف بالالتزام والخلق ولكن المشكلة أن بعض الصديقات يسيئون إلى هذا المدرسة بقول أوفعل لأن هذه المعلمة تنصحهم وترشدهم وتمنعهم من اللبس المخالف للسنة في المدرسة فيقومون بالإساءة لها والضحك عليها ماذا أفعل فقد قمت ونصحت الطالبات ولكن لا فائدة فأرجو توجيه كلمة يا فضيلة الشيخ محمد للطالبات وللمعلمة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما الطالبات فنصيحتي لهن أن يتقين الله تعالى وأن يحترمن حقوق المسلم وأن لا يسخرن بمن يلتزم بدين الله ويأمر بالالتزام بل إن من يلتزم بدين الله ويأمر بالالتزام جدير بأن يكرم ويحترم لأنه قام بطاعة الله وأما بالنسبة للمعلمة فعليها الصبر والاحتساب وأن تعلم أن كل من تمسك بدين الله فسيجد له أعداء قال الله تبارك وتعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً) والمتبعون للأنبياء لابد أن يكون لهم عدو من المجرمين فعليها أن تصبر وتحتسب وإذا وصل الأمر إلى حد لا يطاق فإن لها الحق أن ترفع الأمر إلى إدارة المدرسة وإدارة المدرسة يجب عليها أن تؤدب مثل هؤلاء الطالبات لظهور عدوانهن.
***
زوجتي تحلف أيماناً كاذبة وتسب أم الزوج وإخوانه ما نصيحتكم لهذه الزوجة.

فأجاب رحمه الله تعالى: نصيحتي لهذه الزوجة أن تكون حسنة الآداب مع أم زوجها لأن ذلك مما يزيد زوجها رضاً عنها ومما يزيد الزوج إحساناً في عشرتها وهي مأجورة على ذلك وإذا ساءت العشرة بين الزوجة وأم الزوج أو أبي الزوج أو أقارب الزوج فالغالب أنها تسوء العشرة بين المرأة وزوجها أيضاً فتكون حياتهما نكداً وربما يحدث بين الزوجين أولاد فيسوؤهم أن يروا أمهم وأباهم على هذه الحال فنصيحتي للزوجة أن تصبر وتحتسب وتحسن إلى أم زوجها وأبيه ومن يعز عليه من الأقارب كما أني أنصح أيضاً بعض الأزواج الذين يريدون من زوجاتهم أن يكن خدماً لأمهاتهم فإن هذا غلط محض فالزوجة ليست خادمة لأم الزوج ولا لأبي الزوج وخدمتها لأم الزوج وأبي الزوج معروف منها وإحسان ليس مفروضاَ عليها أما خدمتها لزوجها فهذا يرجع إلى العرف فما جرى العرف بأنها تخدم زوجها فيه وجب عليها خدمته فيه وما لم يجرِ به العرف لم يجب عليها ولا يجوز للزوج أن يلزم زوجته بخدمة أمه أو أبيه أو أن يغضب عليها إذا لم تقم بذلك وعليه أن يتقي الله ولا يستعمل قوته فإن الله تعالى فوقه وهو العلي الكبير عز وجل قال الله تعالى (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً).
***
المستمعة فائزة محمد من ليبيا تقول البعض من الناس يعملون أشياء تخالف الشرع ويقومون بالنفاق أو الهمز أو اللمز وعندما أقول لهم بأن هذا حرام وأن الله سبحانه وتعالى سيحاسب على ذلك يقولون يوم الجحيم ربنا رحيم فماذا تقولون أنتم لمثل لهؤلاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول لمثل هؤلاء الذين يعملون السيئات ويتكلون على مغفرة الله ورحمته إنهم على خطر عظيم فإن الله تعالى يقول في كتابه (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ) ويقول جل وعلا (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ) فهذا الاتكال الذي يحصل من بعض الناس المفرطين المهملين لاشك أنه من إيهام الشيطان ووحي الشيطان وما يدري هذا الرجل أتكون هذه المعاصي التي هي في نفسه سهلة بريداً لمعاصي أكبر منها ثم للكفر بالله عز وجل ولهذا قال أنس بن مالك رضي الله عنه (إنكم تعملون أعمالا هي في أعينكم أدق من الشعر وإنها يعني عند الصحابة لمن الموبقات) وقال أهل العلم الإصرار على الصغيرة كبيرة والكبائر لا تغفر إلا بتوبة مع أن الهمز واللمز إذا كان بالنسبة للمؤمنين فقد توعد الله عليه بالويل فقال (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) فالواجب على المؤمن أن يتقي الله عز وجل و ليعلم أن الله شديد العقاب وأنه غفور رحيم ففي جانب المعاصي يجب أن ينظر من زاوية العقاب حتى يرتدع عن المعصية وفي جانب الأوامر إذا قام بها وحصل شيء من التقصير ينظر من زاوية المغفرة والرحمة وبهذا السير على هذا النحو يتحقق أن يكون سيره على الوجه المطلوب أي بين الخوف والرجاء فإن الإنسان إذا سار إلى الله عز وجل مغلباً جانب الرجاء فقد يغلب عليه الأمن من مكر الله وإذا سار إلى الله مغلبا جانب الخوف فقد يغلب عليه القنوط من رحمة الله وإذا سار إلى الله بين الخوف والرجاء فقد سار بجناحين متساويين فيخاف عند الهم بالمعصية ويرجو عند فعل الطاعة قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدا فإن أيهما غلب هلك صاحبه وقال بعض أهل العلم

الأولى أن يغلب جانب الرجاء لقوله تعالى في الحديث القدسي (أنا عند ظن عبدي بي) وقال آخرون ينبغي أن يغلب جانب الخوف حتى يعصمه ذلك من فعل الذنوب وقال بعض العلماء يغلب في حال المرض جانب الرجاء حتى يلقى الله عز وجل وهو يحسن الظن به وفي حال الصحة يغلب جانب الخوف حتى يحمله ذلك على ترك المحرمات وفعل الواجبات وقال آخرون يغلب عند فعل الطاعة جانب الرجاء وأن الله تعالى يقبلها منه كما يسر له فعلها وعند الهم بالمعصية يغلب جانب الخوف حتى يردعه خوفه عن فعل هذه المعصية وهذا الأخير هو أقرب الأقوال أن يكون الإنسان عند فعل الطاعة مغلبا لجانب الرجاء وأن الذي يسرها له سيمن عليها بقبولها وعند الهم بالمعصية يغلب جانب الخوف ليمنعه ذلك عن فعل هذه المعصية والإنسان في الحقيقة له أحوال أحيانا يجد نفسه منشرحا مقبلا على الله مغلبا جانب الرجاء وأحيانا بالعكس يكون خاملا ساكنا فيغلب جانب الخوف والإنسان كما يقول بعض الناس طبيب نفسه المهم أن لا يصل إلى درجة يقنط من رحمة الله ولا إلى درجة يأمن فيها مكر الله.
***
المستمع م. ج من الرياض يقول هناك أشخاص يعملون أشياء محرمة في الإسلام فماذا يترتب علي نحوهم هل أقوم بنصحهم وأكتفي بذلك أم ماذا علي مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب عليك أن تقوم بنصحهم وإرشادهم وتخويفهم من الله عز وجل وإذا كنت تخشى أن لا يثقوا بقولك فاستعن على ذلك بأقوال أهل العلم الذين يثق بهم هؤلاء وأعطهم شيئاً من كتبهم إن كان لهم كتب أو أجوبتهم أو أشرطتهم حتى يقتنعوا بهذا فإن لم تتمكن من ذلك أو تمكنت و فعلت ولكن لم يستفيدوا شيئا فحينئذ يجب عليك أن ترفع أمرهم إلى من له السلطة عليهم بحيث يلزمهم بما يجب عليهم في حق الله سبحانه وتعالى وليعلم أن من أهم حقوق الجيران بعضهم على بعض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول (إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك) وإذا كان قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) فالواجب علينا أن نحرص على هداية جارنا لأن هدايته غذاء للروح وخير له في دينه ودنياه ولا يقول أحد أخشى إن نصحته أن يزعل علي أو يهجرني فإن هذا من تخويف الشيطان بل انصحه ومره بالمعروف وانهه عن المنكر لأن هذا هو الواجب عليك والواجب عليه قبول الحق من أي نفر كان فإن لم يقبل برئت ذمة الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر وصار الإثم على من خالف.
***
المستمع رمز لاسمه بـ ك ع يقول فضيلة الشيخ لي ولد متزوج وله طفل ويسكن معي في الدار إلا أنه يعاقر الخمر والعياذ بالله يوميا ويسبب المشاكل للعائلة إضافة إلى تلفظه بكلمات نابية وبالكفر والعياذ بالله وبالرغم من نصحي له بترك الخمر والسير مع العائلة السيرة الحسنة التي يرضاها الله عز وجل إلا أنه لم ينتصح فهل يحق لي أن أطرده من البيت لأنه ولد عاق وكيف أتصرف معه بحيث لا يغضب الله علي أو أتحمل الإثم لأنني رجل حاج إلى بيت الله الحرام وأخاف العقاب فأرجو نصحنا وتوجيهنا بذلك مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إنني أقدم النصيحة أولاً لهذا الابن الذي ابتلي بهذه البلية وهي معاقرة شرب الخمر وأقول له إن شرب الخمر من كبائر الذنوب وإن الخمر مفتاح كل شر وهي محرمة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين قال الله تعالي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ) وثبت عن النبي صلى الله علية وسلم أنه (لعن شارب الخمر) وثبت عنه أنه قال (كل مسكر خمر وكل مسكر حرام) وجاء عنه صلى الله عليه وسلم (أن من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة) والنصوص في ذلك كثيرة ومعلومة لكثير من الناس فالواجب على هذا الابن المبتلى بهذه البلية أن يتوب إلى الله عز وجل وأن يقلع عنها وأن يبتعد عن شاربيها وأن لا تكون له على بال حتى يمن الله عليه بالهداية والله عز وجل إذا علم من عبده صدق النية في التوبة الخالصة فإن الله سبحانه وتعالى يتوب عليه وييسر له التوبة ويسهلها عليه.

أما النصيحة الثانية فهي لك أنت أيها الأخ السائل ولأهل بيتك أن تشكروا الله سبحانه وتعالى على نعمته حيث عافاكم مما ابتلى به هذا الشخص وأن تحاولوا نصحه مهما أمكن فإن تيسر وهداه الله فهذا لكم وله وإن لم يفعل فلا حرج عليكم في إخراجه من البيت بل قد يكون من الواجب أن تخرجوه من البيت لئلا يسري خبثه إلى من في البيت ولئلا يحصل منه ما لا تحمد عقباه من العدوان على أمه أو على أخواته أو عليك أنت أيها السائل أو غير ذلك المهم أنه إذا لم ينته عما كان عليه من هذه الخبائث فإن الواجب عليكم أن تخرجوه من البيت ولعلكم بإخراجه تكونوا سببا لهدايته إذا رأى الأمر أنه قد ضاق عليه وأنه أصبح طريدا مبعدا عن أهله فربما يرجع إلى الله عز وجل ويتوب إلى الله ولا أرى أن تبقوه في البيت إطلاقاً.
***
هذه السائلة من ليبيا أرسلت في الحقيقة برسالة مطولة تقول إنها فتاة تبلغ من العمر الثالثة والعشرون ملتزمة وتحمد الله على ذلك ولكن المشكلة في أن أباها يتعاطى الخمر والمسكرات فترة طويلة وذلك سرا ولكن بحكم عملي في البيت تعرفت على ذلك فما الواجب علي علما بأنني لا أستطيع المواجهة والنصح في مثل هذه الأمور؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب على هذه المرأة أن تزجي النصيحة لأبيها بأي وسيلة لأن من بر الوالد أن يسجي ولده له النصيحة ألم تر أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين قال لأبيه (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً) وناصحه وكذلك نحن يجب علينا أن ننصح أمهاتنا وآبائنا بأي وسيلة فإذا كانت هذه السائلة لا تستطيع مواجهة أبيها فإن الواجب عليها أن تكتب له كتابا بدون توقيع تذكره بالله عز وجل وتبين له النصوص الدالة على تحريم الخمر والوعيد الشديد على شاربها فلعل الله سبحانه وتعالى أن ينقذه من ذلك ولا ينبغي لها أن تيأس من صلاح والدها فكم من إنسان كان فاسداً فأصلحه الله تعالى بأدنى سبب والله سبحانه وتعالى مقلب القلوب يقلبها كيف يشاء نسأل الله لأبيها الهداية ونسأل الله لها الإعانة.
***
هذه مستمعة للبرنامج تقول في هذا السؤال بأنها فتاة ملتزمة وتحمد الله على ذلك منذ ما يقارب من سنة ولكن قلبي في تغير مستمر وتقلب فأحيانا أشعر بقوة في إيماني وإقبال على الصلاة بخشوع وحب للخير وأحيانا تقل هذه القوة وأشعر بقسوة في قلبي فلا أبقى على حال واحدة لدرجة أني بدأت أشعر بالخوف على ديني وأخشى أن أعود كما كنت وأشعر بأن إيماني بدأ يقل تدرجيا وجهوني يا فضيلة الشيخ بما يقوي إيماني وادعو لي بالهداية والثبات على الحق؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نسأل الله لنا ولها الهداية والثبات على الحق والإنسان بشر يتغير بحسب ما يرد على قلبه وما ينظر إليه بعينه ويسمع به بأذنه ولكن على المؤمن أن يسأل الله تعالى الثبات دائما وأن يفعل الأسباب التي يثبت بها إيمانه من كثرة مراقبة الله عز وجل وذكره بالقلب واللسان والجوارح وقراءة القرآن بتدبر وتفكر فإن قراءة القرآن على هذا الوجه تلين القلب وتزيده إيمانا وكذلك يكثر من مخالطة أهل الخير والصلاح الذين يعينونه إذا ضعف ويذكروه إذا نسى والمهم أن يسأل الله تعالى الثبات دائما مثل أن يقول (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك اللهم يا مصرف القلوب صرف قلبي إلى طاعتك) وما أشبه ذلك من الأدعية وسيجد الخير إن شاء الله تعالى ولكن لا يتقاعس ولا ييئس من رحمة الله ولا ينظر إلى ما وراءه مما كان عليه من معصية الله عز وجل بل ينظر إلى ما أمامه من الطاعة والخير والثواب الجزيل لمن أطاع الله.
***
هذا المستمع عيسى عبد اللطيف من بقيق يقول في سؤاله الكثير من الزوجات هداهن الله لا يردن من أزواجهن أن يتزوجوا عليهن فأريد بذلك نصيحة لهن من قبل الإذاعة في برنامج نور على الدرب جزاكم الله خيراً؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم النصيحة في ذلك أن نقول:

أولاً للأزواج لا ينبغي أن تتزوج بأكثر من واحدة إلا إذا كان الإنسان عنده قدرة في المال وقدرة في البدن وقدرة في العدل فإن لم يكن عنده قدرة في المال فإنه ربما يكون الزواج الثاني سبب لتكاثر الديون عليه وشغل الناس إياه بالمطالبة وإذا لم يكن عنده قدرة في البدن فإنه ربما لا يقوم بحق الزوجة الثانية أو الزوجتين جميعاً وإذا لم يكن عنده القدرة على العدل فقد قال الله تعالى (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) فإذا كان عند الإنسان قدرة في المال والبدن والعدل فالأفضل في حقه التعدد بأن يتزوج أكثر من واحدة لما في ذلك من المصالح الكثيرة التي تترتب على هذا كتحصين فرج المرأة الثانية وتكثير النسل الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه وإزالة ما في نفس الإنسان من الرغبة في التزوج بأخرى أما بالنسبة للمرأة السابقة فنصيحتي لها ألا تحول بين الإنسان وبين ما شرع الله له بل ينبغي لها إذا رأت من زوجها الرغبة في هذا وأنه قادر بماله وبدنه ومستطيع للعدل أن تكون مشجعة له على ذلك لما في هذا من المصالح التي أشرنا إليها وأن تعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان معه عدة زوجات وأن تعلم أنه ربما يكون في ذلك خير لها فالمرأة الثانية قد تعينها على شؤونها وتقضي بعض الحقوق التي لزوجها مما تكون الأولى مقصرة فيه في بعض الأحيان والمهم إن نصيحتي للنساء ألا يغرن الغيرة العظيمة إذا تزوج الزوج عليهنّ بل يصبرن ويحتسبن الأجر من الله ولو تكلفن وهذه الكلفة أو التعب يكون في أول الزواج ثم بعد ذلك تكون المسألة طبيعية.
***
المستمع يقول إنه يعمل مع رجل يصر على ارتكاب بعض المخالفات ولا يعبأ بالنصيحة وقد أحضرت له بعض الكتب الشرعية عله يستنير بها ولكن دون جدوى فهل أترك العمل معه رغم ندرة العمل عندنا أم أن نصحي وإرشادي له قد يجعله يتراجع عن معاصيه نرجو النصيحة والإرشاد؟

فأجاب رحمه الله تعالى: النصيحة في هذا الشأن يمكن أن نوجهها إليك وإليه أما بالنسبة لك فالواجب عليك أن تتابع النصيحة ما دمت ترجو أن يكون لها أثر في إصلاح هذا الرجل ولا تمل ولا تسأم ولا تيأس فإن الباب قد لا ينفتح في أول محاولة وينفتح في المحاولة الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو أكثر واسأل الله له الهداية فإن دعاءك لأخيك في ظهر الغيب حريٌ بالإجابة لأن الملك يقول آمين ولك بمثله واهده بالتي هي أحسن فإن أبى وأصر على ما هو عليه من المعصية فإن كان يفعل المعصية بحضورك لأن طبيعة العمل تقتضي أن تكون حاضراً وهو يعمل المعصية فلا يجوز لك أن تبقى في هذا العمل لأن الجلوس مع أهل المعاصي معصية ومشاركةٌ لهم في الإثم كما قال الله تعالى (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ) أي إن قعدتم معهم فأنتم إذاً مثلهم أما إذا كانت المعاصي التي يعملها خارج العمل التي أنت مشاركٌ له فيه فإنه لا يضيرك أن تبقى في عملك لأنك لم تشاهد المعاصي التي يفعلها ولم ترضَ بها هذا بالنسبة للنصيحة لك أما نصيحتى له فإنني أقول عليه أن يتقي الله في نفسه وأن يتوب إلى الله عز وجل لأن الله عز وجل أوجب التوبة على عباده من جميع الذنوب قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتوبة إلى الله فقال النبي عليه الصلاة والسلام (توبوا إلى الله فإني أتوب إلى الله تعالى في اليوم مائة مرة) فالواجب عليه أن يقلع من الذنب ويندم عليه ويعزم على أن لا يعود إليه في المستقبل حتى تكون توبته نصوحة

لئلا يفجأه الموت وهو مقيمٌ على معصيته فلا تنفعه التوبة حينئذٍ لقول الله تعالى (وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ) فالإنسان لا يدري متى يفجأه الموت فنصيحتي له ولكل مذنب مشفقٍ على نفسه أن يتوب إلى الله ويقلع عن ذنبه قبل أن لا يكون له مناص منه.
***
في رمضان يكثر القراء لكتاب الله عز وجل وهذا طيب وأجره كبير وعظيم ولكن بعد رمضان قد يهجر القرآن حتى يأتي رمضان الآخر ويبقى على الرفوف فماذا تنصحوننا وتنصحون المسلمين في هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ننصح إخواننا المسلمين ولا سيما حفظة القرآن أن يتعاهدوا القرآن بالتلاوة لينالوا الأجر ويكونوا على ارتباط بكلام الله عز وجل وأن لا يدعوا وقتاً من أوقاتهم إلا ولهم فيه خير من قولٍ أو عمل وأحث إخواني حفاظ القرآن على تعاهده لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك فقال (تعاهدوا القرآن والذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها) فينبغي لحفظة القرآن أن لا يهملوه لأن إهماله والإعراض عنه حتى ينسى قد يكون فيه إثمٌ كبير وهنا مسألة أحب أن أنبه عليها وهي أن بعض الشباب يتهيب من حفظ القرآن ويقول أنا لا أحفظه أخشى أن أنساه فأكون على إثم وهذا لا شك من وساوس الشيطان وتثبيطه عن الخير فأنت يا أخي ما دمت في زمن الشباب فاحفظ القرآن وتعاهدوه واستعن بالله عليه واحرص على ثباته في قلبك وإذا نسيت آيةً مع الاجتهاد فلا إثم عليك إطلاقاً فقد ثبت (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى ذات ليلة وقرأ ونسي آيةً من القرآن فذكره بها أبي بن كعبٍ بعد الصلاة فقال هلا كنت ذكرتنيها) (ومر برجلٍ يقرأ القرآن فقال يرحم الله فلاناً فقد ذكرني آيةً كنت نسيتها) فالحاصل أن الإنسان إذا اجتهد وحفظ القرآن وتعاهده ثم نسي منه ما نسي فلا إثم عليه بلاشك فعليك أيها الشاب أن تتعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأن تستعين بالله عز وجل على حفظ كتابه سبحانه وتعالى وأن تبدأ بحفظ القرآن وأن تحفظ أوقاتك من إضاعتها بلا فائدة وفي بلادنا ولله الحمد حلقات كثيرة من حلق تعليم القرآن حفظاً ونظراً فنسأل الله تعالى أن يعم بها جميع بلاد الإسلام وأن يحفظ بها عباده المؤمنين.
***

المستمعة أ. س. أم جويرية من دولة الكويت تقول بأنها فتاة منقبة تحمد الله على ذلك ولكن والدتي ترفض الخروج معي لزيارة الأهل والأقارب لأنها تعتقد بأنني مصدر إحراج لها وهي غير راضية عن تصرفاتي بلبس النقاب وعدم مصافحة الرجال وأمور الالتزام الأخرى فكيف أتصرف معها وبماذا ترشدونني مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا من وجهين الوجه الأول بالنسبة لأمك فإنني أنصحها بأن تدع هذا الأمر وهو مضايقتك من أجل التزامك وأقول لها إن الواجب عليها أن تحرص على معونتك على البر والتقوى وأن تحمد الله عز وجل أن جعل من ذريتها ذريةً صالحة وكل إنسان بلا شك يفرح إذا كان أولاده صالحين من بنين أو بنات والولد الصالح ذكرٌ أو أنثى هو الذي ينتفع به والده بعد مماته لقول النبي عليه الصلاة والسلام (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة صدقة جارية أو علمٌ ينتفع به أو ولدٌ صالح يدعو له) ولا يحل لها أبداً أن تضايقك على فعل المعروف وترك المنكر.
أما الوجه الثاني فهو بالنسبة لك فأنت التزمي حدود الله ولا يهمك أحد لا أمك أو غيرها فأنت إذا فعلتي ما يرضي الله فلا يهمك أن يسخط عليك جميع الناس حتى أمك ومن سخط عليك بسبب طاعة الله فليسخط ولا تهتمي به أبداً وأما كونها تأبى أن تخرج معك وترى إن ذلك إحراجٌ لها فهذا من قلة بصيرتها فإنه ليس في النقاب ولا في الامتناع من مصافحة غير المحارم إحراجٌ أبداً بل هو من نعمة الله وينبغي للإنسان أن يفرح به وأن يحمد الله الذي أعانه على فعله لأن ذلك من طاعة الله عز وجل.
***

المستمع ع. ع. ص. من صنعاء باليمن يقول بأنه شابٌ مسلم ويحمد الله على هذه النعمة وعمري لا يتجاوز السابعة والعشرين أصبت منذ أحد عشر عاماً بمرض وذهبت إلى عدة مستشفيات في اليمن على أمل الشفاء ولكن دون جدوى وفوضت أمري إلى البارئ عز وجل فهو القادر على شفائي وتفريج كربتي وليس للمؤمن إلا ما كتب الله له ثم يقول والدي يلح علي بالزواج ولكنني أرفض خوفاً من تطور المرض خاصةً وله هذه المدة الطويلة فهل في رفضي هذا معصية لوالدي نرجو التوجيه مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إن كلام هذا السائل كلامٌ طيب في كونه أثنى على ربه لهدايته إلى الإسلام وفوض أمره إلى الله لما أصابه من المرض وهكذا ينبغي للمؤمن إذا من الله عليه بالهداية والاستقامة أن يحمد الله على ذلك ويسأله الثبات عليها حتى يلقى ربه عز وجل وهكذا ينبغي للمؤمن إذا أصيب بمصيبة أن يفوض أمره إلى الله ولكن لا يدع الأسباب التي جعلها الله تعالى سبباً في إزالة هذه المصيبة وأما إلحاح والده عليه بالزواج وامتناعه عن ذلك فالذي أرى أن لا يمتنع من الزواج ما دام مرضه لا يخشى منه أن يتعدى إلى الزوجة فإن الذي أرى أن يتزوج فلعله أن يكون في زواجه خير وشفاءٌ من هذا المرض فإن بعض الأشياء قد لا يخطر بالبال أنها مفيدة مجدية ومع ذلك تكون مفيدةً مجدية بإذن الله فنصيحتي له أن يتزوج امتثالاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج) وطاعةً لوالده الذي كان يلح عليه في الزواج إلا إذا كان فيه مرض يخشى منه أن ينتقل إلى الزوجة فيكون جانياً عليها فهذا له أن يمتنع ولكن ينبغي أن يبين لوالده السبب حتى يطمئن والده ويرضى.
***

السائلة تستفسر عن موانع الدعاء تقول لقد دعوت الله أن يرزقني بالزوج الصالح ولكن للأسف من يتقدم لي غير ذلك وقد تقدم لي أحد الأشخاص الذي يبدو عليهم الصلاح إلا أنه كان متزوجا فرفضته لأنني لا أقبل نفسيا أن أكون الزوجة الثانية وأن تكون سعادتي على حساب تعاسة الآخرين فهل آثم في رفضه كما أنها تقول يراودني شعور بأنني سأظل بلا زواج طول عمري ومهما دعوت فلن يستجاب لي هل هذا الشعور هو تحقيق لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (قلب المؤمن دليله)؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً نقول لها ولغيرها إن الله سبحانه وتعالى قد يمنع إجابة دعوة الشخص لخير يريده لهذا الشخص فلا يستعجل الإنسان بل يلح في الدعاء والإنسان إذا دعا ربه فلن يخيب لأمور أولا أن الدعاء عبادة يؤجر عليها ويثاب عليها.
ثانيا أن الله تعالى إما أن يجيب دعوته أو يدخرها له يوم القيامة أو يصرف عنه من السوء ما يقابل ما دعا به أو أكثر ومع ذلك نقول ألح بالدعاء فإنك إنما تدعو غنيا كريماً جوادا ولا تيأس ولهذا جاء في الحديث (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل قالوا كيف يعجل يا رسول الله قال يدعو ويدعو ويدعو فيقول لم يجب لي أو كلمة نحوها فيستحسر عن الدعاء) فهذه المرأة نقول لا تيأسي من رحمة الله كرري الدعاء وأما كونها يتقدم لها رجل ذو دين ولكن معه زوجة أخرى فتمتنع من الإجابة من أجل الزوجة الأخرى فلا أرى لها ذلك ما دام الرجل صالحا ذا خلق ودين فلتجبه وقولها لا أحب أن تكون سعادتي بشقاء الآخرين هذا غلط فإن الآخرين لا ينبغي لهم أن يشقوا بذلك فلا ينبغي للمرأة أن تغلبها الغيرة بحيث تشقى إذا تزوج زوجها لأن تعدد الزوجات مما ينبغي أن يفعله العبد إذا كان ذا قدرة مالية وبدنية وآمنا من الجور والميل فإن في كثرة النساء كثرة الأولاد وكثرة الأمة وتحصين فروج كثير من النساء الباقيات في البيوت وهو من نعمة الله عز وجل

ولولا أن الحكمة في تعدد الزوجات ما شرعه الله عز وجل ولا أذن فيه نعم إذا كان الإنسان قليل المال أو ضعيف البدن أو خائفا ألا يعدل فهنا نقول الأفضل أن تقتصر على ما عندك وتسأل الله التوفيق.
***
هذه رسالة وصلت من إحدى الأخوات المستمعات تعمل في دولة الإمارات العربية المتحدة والرسالة طويلة وسأقوم إن شاء الله تعالى باختصارها تقول أريد أن أستشيركم في أمر يخصني وأفراد أسرتي من البنات ألا وهو أني وأخواتي البنات كتب علينا أن نظل بلا زواج لأننا قد تخطينا سن الزواج إلى ما بعده بكثير جداً جداً إن لم يكن اقتربنا من سن اليأس بالفعل هذا مع العلم ولله الحمد والله على ما أقول شهيد أننا على درجة من الأخلاق وقد حصلنا على شهادات جامعية جميعنا ولكن هذا هو نصيبنا والحمد لله نسأل الله سبحانه وتعالى الصبر والإيمان والتقوى ولكن الناحية المادية هي التي لا تشجع أحداً بأن يتزوجنا لأن ظروف الزواج وخاصة في بلدنا تقوم على المشاركة بين الزوجين باعتبار ما سيكون في المستقبل والآن وبعد أن تعديت سن الزواج وفقني الله عز وجل للعمل في الإمارات العربية المتحدة إلا أنني سمعت في برنامجكم المفضل نور على الدرب عن حرمانية هذا السفر اتباعاً لسنة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم فقررت بمشيئة الله أن أقدم استقالتي للرجوع إلى بلدي مرة أخرى لأنه ليس هناك لدي من تسمح ظروفه بالسفر معي والآن أسألكم يا فضيلة الشيخ كيف نقي أنفسنا شر الألم الذي قدر لنا وكيف نحمي أنفسنا من كثرة الأسئلة التي توجه إلينا من الناس جميعاً عن السبب في عدم زواجنا فلقد أصبح اختلاطنا بالناس أمر محال بسبب هذا الأمر وأنا أعلم أن الصبر والصلاة والاستعانة بالله جل شأنه هو السبيل ولكن لاشك في أن في هذا الأمر مشقة على النفس أرجو نصيحتي وتوجيهي نيابة عن أخواتي وأسأل الله لي ولهنّ الخير بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: النصيحة التي أوجهها إلى مثل هؤلاء النساء اللاتي تأخرن عن الزواج هي كما أشارت إليه السائلة أن يلجأن إلى الله عز وجل بالدعاء والتضرع إليه بأن يهيئ لهنّ من يرضى دينه وخلقه وإذا صدق الإنسان العزيمة في التوجه إلى الله واللجوء إليه وأتى بآداب الدعاء وتخلى عن موانع الإجابة فإن الله تعالى يقول (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) وقال تعالى (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) فرتب سبحانه وتعالى الإجابة على الدعاء بعد أن يستجيب المرء لله ويؤمن به فلا أرى شيئاً أقوى من اللجوء إلى الله عز وجل ودعائه والتضرع إليه و انتظار الفرج وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا) وأسأل الله تعالى لهن ولأمثالهن أن ييسر لهن الأمر وأن يهيئ لهن الرجال الصالحين الذين يعينوهنّ على صلاح الدين والدنيا.
يافضيلة الشيخ المستمعة تقول هل عدم زواجنا هذا بما يسببه لنا من ألم فيه تكفير لذنوبنا وهل هذا الحرمان ينطبق على حالنا أم هو نصيب ومكتوب فقط؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن هذا الذي حصل نصيب ومكتوب فإن الله سبحانه وتعالى كتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة وكتب على العبد أجله وعمله ورزقه وشقي أم سعيد وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في قوله (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) ومع كونه مكتوباً مقدراً من الله عز وجل فإن الله تعالى يثيب المرء عليه إذا صبر واحتسب فإذا صبر الإنسان واحتسب على المصيبة كان في ذلك تكفير لسيئاته ورفعة لدرجاته وتكثير لثوابه قال الله تعالى (وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ) وقال تعالى (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ).
يافضيلة الشيخ: تقول هل والدنا الفاضل يمكن أن يسأل عن ذلك الأمر يوم الدين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: والدكم لا يسأل عن ذلك يوم الدين إلا إذا كان سبب التأخير منه مثل أن يأتي الخطاب الذين يرضى دينهم وخلقهم ثم يردهم نظراً لما يحصل منكم من مادة له بهذه الوظائف فإذا كان الأمر كذلك أي أنه يرد الخطاب من أجل مصلحة مادية تعود عليه فلا شك أنه آثم بذلك وأنه لم يقم بواجب الأمانة فعليه أن يتوب إلى الله ويستغفره من هذا العمل وأن يبادر بتزوجيكنّ من حين أن يأتي الخاطب الذي يرضى دينه وخلقه.
***

أنا شاب في السادسة والعشرين من العمر تزوجت فتاة مسلمة والحمد لله لكن مشكلتي هي أن والدي وأمي لم يوافقوا على ذلك الزواج أما أنا فقد تزوجتها بموافقة أهلها ورضاها وبعد مدة قصيرة من الزواج بدأت مشاكل بين زوجتي وأهلي أمي وأبي وإخواني فهم يريدون من زوجتي الشغل خارج البيت في المزرعة ومعهم كثير من إخواني وأنا غير موجود معهم فأنا موظف والمشكلة أن جميع من في البيت ما عدا أنا وزوجتي يحبون صوفية هذا الزمان الذين تكثر فيهم البدع والخرافات ومن هذه البدع أنهم يذهبون إلى السيد ويعملون أوراق على شكل مربعات ويكتبون فيها أشكالاً وألواناً لا نعرف ما هي هذه الكتابة وليست من القرآن ويحرقونها في النار والكثير من البدع وأنا أنصح لهم ولا يفيد ذلك وجوابهم في ذلك أنهم يقولون أنت البارحة صرت في الدنيا وأنت اليوم تعلمنا بديننا والحقيقة أنني لم أستطع أنا وزوجتي أن نعيش في هذا البيت من كثرة المشاكل وهم يلحون علي أن أطلق زوجتي وأنا لا أقبل بذلك مما جعلني أترك هذا البيت وأسكن في بيت ثاني مع العلم أنهم لن يقبلوا أن أعيش معهم أو أن أرجع إليهم أبداً وإذا رجعت فإنهم يهددوني فماذا أعمل أرجو من فضيلتكم تفصيل ذلك ونصيحتكم جزاكم الله خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نصيحتنا أولاً لأهلك ننصحهم أن يكفوا عما هم عليه من هذه الخرافات البدعية التي ما أنزل بها من سلطان والتي لا تزيدهم من الله تعالى ألا بعداً لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وحذر صلى الله عليه وسلم من البدع وقال (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) وإذا كانوا صادقين في إرادتهم لله عز وجل والدار الآخرة فليتبعوا نبي الله صلى الله عليه وسلم فإن بذلك السعادة في الدنيا والآخرة قال الله تبارك وتعالى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وهم إذا رجعوا إلى خالص السنة وصفائها عرفوا أن ما هم عليه ضلال وخطأ وانشرحت صدورهم للإسلام واطمأنت قلوبهم به وعرفوا قدر الحياة التي قال الله تعالى عنها (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وأما بالنسبة لك فإنني أوصيك بتقوى الله عز وجل أنت وزوجتك وأن تستقيم على أمر الله سبحانه وتعالى وما صنعته من انفرادك عنهم في البيت أنت وزوجتك فإنه موافق للصواب فلتبق مع زوجتك في هذا البيت بعيداً عن البدع والخرافات ولتصل والديك وأقاربك بما يجب عليك ولتحرص على نصيحتهم دائماً وتبين لهم الحق ولا تيئس فإن القلوب بيد الله سبحانه وتعالى وكم من إنسان كان بعيداً عن الحق وبكثرة النصح والإرشاد والتوجيه بالأدلة المنقولة والمعقولة حصل له الخير والفلاح
***

السؤال: السائل يقول أنا أعمل بالمملكة العربية السعودية وأسكن مع أخوة لي مصريين وكلنا والحمد لله على خلق ونحافظ على جميع أنواع العبادات ولكن يا فضيلة الشيخ يوجد بيننا رجل لا يصلى الفرض إلا لوحده منفرداً ولا يصلى إلا يوم الجمعة مع الجماعة ولقد نصحناه كثيراً بالصلاة معنا في الجماعة لكنه لم يمتثل لأي نصيحة أو توعية من إخوانه وكذلك إذا دخل علينا المنزل لا يقول السلام عليكم ورحمة الله أو السلام عليكم ويقول لن أقول لأحد السلام عليكم أنا حر أقول ما أشاء بمزاجي فوجهونا في ضوء ذلك مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نوجه الأخ المسئول عنه بالتوبة إلى الله عز وجل والقيام بما أوجب الله عليه من صلاة الجماعة وكذلك ننصحه بأن يسلم على إخوانه إذا دخل عليهم لأن هذا من حقهم عليه قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (حق المسلم على المسلم ست وذكر منها إذا لقيته فسلم عليه) أما بالنسبة لهؤلاء فإن عليهم النصيحة لهذا الأخ الذي تخلف عن الجماعة ولا يصلى إلا يوم الجمعة وهو أيضا لا يسلم عليهم ويهددونه بأنه إذا لم يستقم طردوه من صحبتهم ولا حرج عليهم أن يطردوه من صحبتهم إذا أصر على ما هو عليه من المنكر اللهم إلا أن يخافوا أنه لو ذهب عنهم لارتكب إثماً أشد من الإثم الذي هو عليه فيما بينهم فهنا يتوجه أن يقال يبقى عندهم ويناصحونه لعل الله يهديه.
***
رسالة بعثت بها السائلة أم فيصل أختكم في الله من الرياض كتبت بأسلوبها الخاص وهي رسالة مطولة فهمت من هذه الرسالة شيخ محمد حفظكم الله بأن بينها وبين زوجها مشاكل حيث تذكر أنها تعاني من مرض نفسي وبأنها لا تستطيع أن تقوم برعاية زوجها الرعاية الكاملة الأسرية فما هو السبيل لبناء الحياة الأسرية السعيدة في مثل هذه الحالة وإذا كان التفاهم من جانب واحد وهو الزوج وأما والزوجة فمقصرة فبماذا تنصحونها وتطلب منكم أن تدعو لها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أنصحها بأن تصبر وتحتسب وتحاول بقدر ما تستطيع أن تصلح العشرة بينها وبين زوجها وهي مع دعاء الله تعالى والاستعانة به وحسن النية ستنال مقصودها فإن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً ولا تتعجل بطلب الفراق وأما دعاؤنا لها فإني أسأل الله تعالى أن يصلح حالها مع زوجها ولكني أخبرها وأخبر غيرها أيضا أن دعاء الإنسان لنفسه أفضل من طلبه من غيره فكونه هو الذي يدعو الله تعالى خير له من أن يقول يا فلان ادع الله لي لأن الله تعالى يقول (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) ومنة الله عليك خير من أن يمن عليك رجل مثلك أو امرأة مثل المرأة ولا شك أن من طلب السؤال من غيره سيناله شيء من الذل والتذلل لهذا المطلوب فكونك لا تطلب أحدا وتبقى عزيز النفس خير من أن تطلب شخصا يدعو لك فوصيتي لهذه المرأة ولغيرها أن يدعو ربهم عز وجل وألا يلتفتوا إلى غيرهم وأن يدعو الله وهم موقنون بالإجابة غير مستبعدين لها وليكرروا السؤال والدعاء فإن الله تعالى يحب الملحين بالدعاء وليعلموا أن الله تعالى قد يمنع عنهم ما دعوه به لمصلحتهم حتى يكرروا الدعاء ويخلصوا اللجوء إلى الله عز وجل والدعاء نفسه عبادة يقرب إلى الله وانتظار الفرج من الله تعالى عبادة يوجب تعلق قلب العبد بربه عز وجل وكم من إنسان ازداد إيمانا بتأخر إجابته وازداد لجوءا وافتقارا إلى الله حين تأخرت إجابة الطلب ولا ينبغي للسائل أن يستحسر ويتعجل فيقول: دعوت ودعوت فلم يستجب لي بل يلح ويلح مرارا وتكرارا فإنه ليس بخائب إطلاقا لأن الله تعالى إما أن يستجيب له وإما أن يصرف عنه من السوء ما هو أعظم مما هو فيه وإما أن يدخر ذلك له أجرا وثوابا يوم القيامة.
***
بعض الناس يجعل من يوم الجمعة موعدا لرحلاته ونزهاته هل لكم توجيه في ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إني أوجه النصيحة لهؤلاء القوم الذين يجعلون يوم الجمعة محلا أو وقتاً للرحلات والبعد عن صلاة الجمعة أن يتقوا الله عز وجل وأن يحمدوا الله تعالى على نعمه وعلى ما نحن فيه من رخاء ورغد وأمن وأن يشكروا الله عز وجل ثم الحكومة التي جعلت للناس متسعا في الإجازة الأسبوعية حيث أضافت إلى يوم الجمعة يوم الخميس وبالإمكان أن يجعل الإنسان يوم الخميس هو يوم رحلاته ويجعل يوم الجمعة هو يوم شراء حاجاته الأسبوعية لأن بعض الناس يقول إني في يوم الخميس أتفرغ لشراء الحاجات الأسبوعية فنقول اجعل يوم الجمعة هو يوم التفرغ لشراء الحاجات الأسبوعية واجعل يوم الخميس يوم رحلات أما أن تجعل ذلك يوم الجمعة وتواظب على هذا وكل جمعة تخرج من بلدك وتترك صلاة الجمعة فهذا يفوتك خيراً كثيراً وربما تقع في إثم.
***
المستمع ع ح ط يقول في هذا السؤال ما هو توجيه فضيلتكم لمن أصر على عدم قبول الحق لأن المتحدث يصغره بالسن أولأن السامع في قلبه شيء على نفس المتحدث أرجو النصح والتوجيه في هذا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نصيحتي في هذا إذا كان هذا المصر على المعصية سواء كانت فعل محرم أو ترك واجب وكان أخوه أو صاحبه يصغره في السن ويعلم أنه لن يقبل منه نصيحتي للمنصوح أن يقبل النصيحة من أي شخص كان فالحق هو مراد المؤمن وهو ضالة المؤمن أينما وجده أخذه أما بالنسبة للناصح فإذا كان يعلم أو يغلب على ظنه أن هذا سوف يحتقر النصيحة ولا يقبلها فيطلب ذلك ممن هو أكبر منه حتى يقوم بالنصيحة لهذا الرجل المصر على المعصية.
***
ما الطريقة المثلى لنصح الجار الذي يتخلف عن الصلاة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الطريقة المثلى لنصح الجار أن تذهب إليه في البيت أو تدعوه إلى بيتك أو ترافقه في السوق وتتلطف معه وتخاطبه بالتي هي أحسن وتقول له أنت جاري ولك حق علي وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالجار خيرا ولك حق علي أن أساعدك في كل ما فيه منفعتك في الدين والدنيا وتأتي له بالأسلوب الذي تراه مناسبا ثم تنتقل بعد ذلك وتقول إن من خير ما أهدي إليك أن أنصحك بالمحافظة على الصلوات لأن الصلاة عمود الدين وتذكر له من فضلها وتحذره من إضاعتها ثم تقول ومن إقامتها والمحافظة عليها أن تصلىها مع الجماعة ثم تذكر له فضل الجماعة وتحذره من التخلف عنها وفي ظني أن الإنسان إذا نصح بطريق طيب لين فإنه سيؤثر قوله بلا شك إذا كان مخلصا لله تعالى في نصيحته غير شامت ولا منتقد فإن كلمة الحق إذا خرجت من قلب ناصح أثرت تأثيرا بليغا إما في الحاضر وإما في المستقبل ألا ترى إلى موسى عليه الصلاة والسلام لما أحضر إليه السحرة في مجمع عظيم قال لهم موسى (وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنْ افْتَرَى) قال الله تعالى (فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ) يعني حل بينهم النزاع في الحال لأن الفاء في قوله (فَتَنَازَعُوا) تدل على الترتيب والتعقيب وعلى السببية أيضا إذا دخلت على الجمل فإنها تفيد السببية فانظر كيف أثرت هذه الكلمة في أولئك السحرة تنازعوا أمرهم بينهم وإذا حل التنازع في أمة أو طائفة فإن مآلها الفشل والخذلان قال الله تعالى (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) هذا ما أراه في نصيحة جارك حول تهاونه بصلاة الجماعة فإن أفاد فيه ذلك فهذا هو المطلوب وإن لم يفد فإن عليك أن ترفع الأمر إلى الجهات المسئولة وبذلك تبرأ ذمتك.
***

أبو معاذ من الرياض كتب رسالة مضمونها عندما يتقدم شاب لخطبة فتاة يقوم أهل العروسة بالسؤال عن العريس وذلك عن طريق جيران العريس وزملائه في العمل عن دينه وأخلاق ذلك العريس فنجد البعض يخفون الحقيقة عن أهل العروسة فنجدهم يثنون على العريس ويصفونه بأوصاف ليست في الحقيقة موجودة فيه لدرجة أنهم يجعلونه من المحافظين على الصلوات في المسجد مع الجماعة وهو في الحقيقة قد لا يعرف طريق المسجد ولم يركع لله ركعة واحدة وغير ذلك من ارتكاب بعض الآثام وما خفي كان أعظم وكم من ضحية ذهبت في مثل هذه القضية يقول السائل وهذا ما حصل لإحدى الأخوات الملتزمات نحسبها كذلك ولا نزكي على الله أحداً ولكن بعد الزواج اكتشفت حقيقة هذا الزوج ومدى الغش والكذب الذي وقع لها من قبل هؤلاء الناس مما اضطرها إلى طلب الطلاق فأرجو توضيح حكم الشرع في نظركم في فعل هؤلاء وما نصيحتكم لهم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً نبين حكم اللفظ الذي قال عريس وعروسة الواقع أنهما ليس عروسين ولكنهما خاطبٌ ومخطوبة فينبغي للإنسان إذا تلفظ بالكلمات أن تكون كلماته محررة منقحة

أما ما يتعلق بوصف بعض الناس للخطيب بأنه ذو خلق ودين وهو برئٌ من ذلك أو ناقصٌ في ذلك فهذا والله عين الغش وهو مخالفٌ للدين لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (الدين النصيحة) كررها ثلاث مرات (الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة) قالوا لمن يا رسول الله قال (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) وهؤلاء الذين يمدحون الخاطب وهم كاذبون والله ما نصحوا لعامة المسلمين بل غشوا وخدعوا ثم إن هؤلاء المساكين يظنون أنهم محسنون إلى الخطيب وهم أساؤا إليه حيث غشوا به الناس ثم هو سوف يتنكد فيما بعد إذا عرف أنه ليس ذا خلق ودين سوف يكون هناك نكد بينه وبين الزوجة وبين أهله وأهلها ويرجع الزواج جحيماً والعياذ بالله ونصيحتي لهؤلاء أن يتقوا الله عز وجل وأن يبينوا الحقيقة ولو كان ابنهم حتى لو كان ابنهم وخطب من أناس وهم يعرفون من ابنهم أنه ذو كسلٍ في العبادة وذو سوءٍ في الخلق فيجب أن يبينوا ويقولوا والله ولدنا قليل الصلاة مع الجماعة وسيئ الخلق قريب الغضب بطئ الإفاقة من الغضب فإن شيءتم زوجوه وإلا اتركوه هذا هو الواجب قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) وهذا الذي ذكر السائل من وقوع بعض الملتزمات في مشاكل من أجل هذا الغش أمرٌ واقع وكثيراً ما نسأل عنه وفي هذه الحال ينبغي عند العقد أن يقال نشترط عليه أن يكون مستقيماً في دينه وخلقه فإن لم يكن مستقيماً فلنا الفسخ حتى يرتاحوا فإذا لم يكن مستقيماً فلهم الفسخ لأن استقامة الدين والخلق من الأمور المطلوبة كما في الحديث (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه) ومفهوم الحديث إذا لم نرضَ دينه وخلقه فلا نزوجه فأقول إذا خفنا أن نقع في مثل هذه الحال وهو كثير نقول بشرط أن يكون مستقيم الخلق والدين فإن لم يكن كذلك فللمرأة الفسخ ويكون

هذا شرطاً صحيحاً مقصوداً قصداً شرعياً إذا لم يكن مستقيم الدين والخلق بسم الله فسخت نكاحي منه وتسلم منه.
***

التوبة
بارك الله فيكم، المستمع خالد سليمان الواصل يسأل ويقول ما هي شروط التوبة النصوح؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التوبة النصوح من الذنوب واجبة فإن كان الذنب فعل محرم وجب الإقلاع عنه، وإن كان ترك واجب وجب تداركه بفعله إن كان مما يمكن فعله، أو بفعل بدله إن كان له بدل وإن لم يكن له بدل ولم يمكن فعله كفت التوبة، وللتوبة شروط خمسة:
الشرط الأول أن يكون الحامل لها الإخلاص لله عز وجل لا يقصد بها رياءً ولا سمعة ولا جاهاً ولا تزلفاً لمخلوق ولا غير ذلك من أمور الدنيا، بل لا يريد بها إلا وجه الله والدار الآخرة.
الشرط الثاني أن يكون عنده شيء من الندم على ما فعل بحيث لا يكون الفعل وعدمه سواء عنده بل يشعر بنفسه أنه متألم ونادم على ما وقع منه من الذنب، لأن هذا الندم والألم هو الذي يحمله على أن يتوب إلى الله ويرجع إليه وهو الذي يدل على صدق توبته.
الشرط الثالث أن يقلع عن الذنب في الحال بقدر استطاعته فإن كان الذنب ترك واجب وجب عليه فعله إن كان مما يمكن فعله أو فعل بدله إن كان له بدل وإلا كفى الندم على ما أهمل من الواجب، وإن كان فعل محرم وهو لا يزال متلبساً به وجب عليه الإقلاع عنه فوراً ومن ذلك إذا كان الذنب اعتداءً على غيره فإنه يجب عليه إن كان الاعتداء بأخذ مال أن يرد المال إلى صاحبه وإن كان بمظلمة أن يتحلله منها إلا أن بعض أهل العلم قال إذا كان العدوان بالغيبة وصاحبه لم يعلم أنه اغتابه فإنه يكفي أن يستغفر له وأن يثنى عليه ثناءً يقابل ما حصل منه من غيبة، ولكن لابد أن يكون هذا الثناء مطابقاً للواقع.
الشرط الرابع أن يعزم على ألا يعود في المستقبل إلى هذا الذنب الذي تاب منه، فأما إن تاب من الذنب ولكنه في نيته إذا سنحت له فرصة أن يعود إليه فهذه توبة عاجز وليست توبة نصوحاً بل لا بد أن يعقد العزم على ألا يعود إلى الذنب الذي تاب منه.

الشرط الخامس أن تكون التوبة في وقت قبولها، فإن كانت بعد وقت قبولها لم تنفع صاحبها، ووقت القبول هو أن تكون التوبة قبل طلوع الشمس من مغربها وقبل حضور أجل التائب فإن طلعت الشمس من مغربها قبل التوبة فإن التوبة لا تنفع لقول الله تعالى (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) وقال النبي عليه الصلاة والسلام (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تخرج الشمس من مغربها)، وإذا حضر الأجل فإنها لا تنفع التوبة ولا تقبل لقول الله تعالى (وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ) وعلى هذا فيجب على المؤمن أن يبادر بالتوبة لأنه لا يدري متى يفجأه الأجل وكم من إنسان خرج من بيته ولم يرجع إليه، وكم من إنسان نام على فراشه ولم يقم منه، وكم من إنسان جلس على الأكل ولم يتمه، فالموت ليس له وقت معلوم للبشر حتى يُمْهِلَ في التوبة فالواجب على كل مؤمن أن يبادر بالتوبة قبل أن يفوت وقت قبولها، قال الله تعالى (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
***
بارك الله فيكم فضيلة الشيخ هذه السائلة من ليبيا تقول بأنها أخطأت مرة ثم تابت ودعت الله كثيرا أن يغفر لها ولكن لديها شعور دائما بالذنب فبماذا تنصحونها يا فضيلة الشيخ مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أقول إن هذه المرأة التائبة كونها تشعر دائما بذنبها يدل على أن توبتها صادقة لكثرة الندم معها على ما فعلت من معاصي ولكني أقول لها ابشري فإن حال الإنسان بعد التوبة قد تكون أكمل من حاله قبل فعل المعصية لأنه يحصل له بالتوبة الإنابة إلى الله والانطراح بين يديه والتبرأ من الحول والقوة والتبرأ من الإعجاب بالنفس واستصغار النفس واحتقارها أمام عظمة الله وكل هذه معان جليلة ترقى بالإنسان إلى درجة أكمل مما كان عليه قبل التوبة لأن مثل هذه الأمور مفقودة من قبل وعلى هذا فلتبشر بالخير ولتنتهي عما حصل من المعصية فإنها قد غفرت وزالت وانمحى أثرها ولتتذكر ما جرى لآدم عليه الصلاة والسلام حيث نهاه الله أن يأكل من الشجرة ولكنه خالف وعصى قال الله تعالى (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) فلم يحصل الاجتباء إلا بعد أن تاب من المعصية فاجتباه الله وتاب عليه وهداه هداية علم وهداية توفيق وهذا يدل على ما أسلفنا وهو أن الإنسان بعد التوبة النصوح قد تكون حاله أكمل مما كانت عليه قبل فعل المعصية وإنني بهذه المناسبة أود أن أقول إن للتوبة شروطا لابد منها وهي خمسة
الأول الإخلاص لله عز وجل بالتوبة بحيث لا يحمله على التوبة رجاء شيء من الدنيا أو خوف شيء في الدنيا بل يكون الحامل له على التوبة رجاء ما عند الله من الثواب للتائبين والتخلص من أوضار هذا الذنب الذي قام به.
الشرط الثاني أن يندم على ما حصل من الذنب ويتحسر ويود أنه لم يفعله.
الشرط الثالث أن يقلع عن المعصية فإن كان الذنب ترك واجب استدركه وفعله إن كان ممكناً وإن كان الذنب فعل معصية أقلع عنها في الحال ومن ذلك ما إذا كانت المعصية حقا لآدمي فإن الواجب عليه أن يبادر بالتخلص من هذا الحق إن كان مالاً يرده إلى صاحبه إن كان حيا معلوما عنده وإن كان ميتا رده إلى ورثته وإن جهله أو نسيه تصدق به عنه

والشرط الرابع أن يعزم على ألا يعود في المستقبل يعني يكون لديه عزم على ألا يعود إلى هذه المعصية في المستقبل وليس الشرط ألا يعود إلى المعصية في المستقبل الشرط أن يعزم ألا يعود ثم إن سولت له نفسه فعاد فإن توبته الأولى تبقى على صحتها ويحتاج إلى توبة جديدة للذنب الجديد
الشرط الخامس أن تكون التوبة في الوقت الذي تقبل فيه التوبة بأن تكون قبل حضور الأجل وقبل طلوع الشمس من مغربها فإن كانت بعد حضور الأجل فإنها لا تقبل لقول الله تعالى (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تخرج الشمس من مغربها) ويشهد لذلك قوله تعالى (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) وإنني أحث إخواني الذين لا يزالون على الذنب أن يبادروا بالتوبة قبل فوات الأوان وأن يعلموا أن عظم الذنب لا يمنع التوبة فقد قال الله تعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (69) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً).
***

بارك الله فيكم هذا المستمع إلى البرنامج عبد الواسع اليماني يقول في هذا السؤال بأنه إنسان متزوج وقبل وفاة والدي كنت لا أصلى الصلوات الخمسة وكنت أيضا أعمل المعاصي ثم بعد وفاة والدي هداني الله إلى الطريق المستقيم وأصبحت أصلى وأعمل الخير وأحافظ على الواجبات فما الواجب علي لأكفر عن ذنوبي الماضية وأريح ضميري؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الإنسان إذا تاب إلى الله توبة نصوحا فإن الله تعالى يقبل توبته ويعفو عن سيئاته مهما عظمت قال الله تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ) وقال الله تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) فإذا تاب الإنسان من ذنبه مهما عظم فإن الله يتوب عليه ولكن ليعلم أن للتوبة شروطا لا بد من تحققها وهي
أولا الإخلاص لله عز وجل بأن ينوي بتوبته الرجوع إلى ربه من معصيته إلى طاعته ولا ينوي التزلف إلى البشر أو التقرب إليهم أو الجاه أو المال أو ما أشبه ذلك بل تكون توبته خالصة لله وحده طلبا للنجاة من عقابه والوصول إلى ثوابه
الثاني الندم على ما مضى منه من التقصير في واجب أو انتهاك محرم وقد يشكل هذا الشرط على بعض الناس لأن الندم انفعال نفسي فكيف يمكن للإنسان أن يتصف به والجواب على ذلك أن نقول المراد بالندم أثره أي أن يظهر عليه الأسى والحزن على ما مضى من ذنبه فهذا هو الندم

الثالث أن يقلع عنه في الحال أي عن الذنب في الحال فلا تصح التوبة من ذنب مع الإصرار عليه لأن التوبة من ذنب مع الإصرار عليه من الاستهزاء بالله عز وجل ومثال ذلك لو قال أنا أتوب إلى الله عز وجل من غيبة الناس ولكنه ما يزال يغتابهم فكيف نقول أن هذا توبته صحيحة لو قال أنا أتوب إلى الله من أكل الربا ولكنه لا يزال يأكل الربا فهذا لم يتب لو قال أتوب إلى الله من ظلم الناس وهو لا يزال مستوليا على أموالهم بغير حق وما أشبه ذلك فإن توبته لا تصح مهما فعل لأنه لم يقلع عن الذنب
الشرط الرابع أن يعزم على ألا يعود إلى الذنب في المستقبل يعني بأن تكون توبته قاطعة للذنب لن يعود إليه فإن قال أتوب إلى الله وأقلع عن الذنب وندم عليه ولكن في نيته أن يعود إليه في وقت ما أو في حال ما فإن توبته لا تصح لابد أن يعزم ألا يعود فإن قال قائل عزم ألا يعود لكن غلبته نفسه فعاد هل تبطل توبته الأولى فالجواب لا تبطل توبته الأولى لأنها تحققت التوبة بعزمه ألا يعود وهذا هو الشرط وليس الشرط ألا يعود بل العزم على أن لا يعود وبينهما فرق ظاهر فإذا تاب إلى الله من ذنب توبة نصوحاً ثم عاد إليه فإن توبته الأولى لا تبطل لكن يجب عليه أن يجدد توبته من فعل الذنب مرة أخرى

الشرط الخامس لقبول التوبة أن تكون في وقت قبولها لأنها يأتي على الإنسان نفسه زمان لا تقبل فيه التوبة فإذا طلعت الشمس من مغربها لم تقبل التوبة لقول الله تعالى (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيراْ) وذلك وقت طلوع الشمس من مغربها فإن الشمس إذا طلعت من مغربها آمن الناس كلهم ولكن لا ينفع نفس إيمانها إن لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً وكذلك التوبة فإنها لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تخرج الشمس من مغربها و إذا حضر الأجل لم تقبل التوبة لقول الله تعالى (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) فإذا عاين الإنسان ملك الموت فإنها لا تقبل توبته لأن هذه توبة ليست عن رغبة بل توبة المضطر فلا ينفع ولهذا لما أدرك فرعون الغرق (قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فقيل له (أَالآنَ) يعني أالآن تتوب (وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَة) فأنجاه الله ببدنه وأظهره من أجل أن يكون آية على موته وهلاكه لبني إسرائيل الذين أرعبهم حتى يتيقنوا أنه مات فالمهم أنك مهما عملت من ذنب إذا تبت إلى الله تعالى توبة نصوحاً فإن الله يتوب عليك بل إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين.
***

أبو سعد من الجمهورية العراقية محافظة واسط يقول في رسالته لقد كنت في شبابي أعمل أعمالاً لا يرضاها الله والآن أنا تبت فماذا أفعل لأكسب رضا الله وما هي شروط التوبة الخالصة أفيدوني بارك الله فيكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ما دمت ذكرت أنك تبت من هذه الأعمال التي كنت تعملها في حال صغرك وهي لا ترضي الله ورسوله فأبشرفإن (التوبة تجب ما قبلها) قال الله تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (التوبة تهدم ما قبلها) والتوبة النصوح هي التي جمعت شروطاً خمسة
الشرط الأول أن تكون خالصة لله بأن لا يحمل الإنسان عليها رياء ولا سمعة ولا مدارة لأحد ولا مداهنة في دين الله وإنما يتوب إلى الله تعالى وحده خالصاً من قلبه فإن فقد هذا الشرط لم تقبل التوبة لأن جميع الأعمال الصالحة من شروطها الأساسية أن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى.
الشرط الثاني أن يندم على ما مضى من فعله بحيث يتأسف ويحزن لما حصل منه لأن هذا دليل على صحة توبته وانكسار قلبه أمام الله عز وجل وأنه حقيقة راجع إلى الله.

الشرط الثالث أن يقلع عن ذنبه إن كان متلبساً به فإذا كانت توبته من حق آدمي فلا بد أن يؤدي هذا الحق إلى صاحبه كما لو كان قد ظلم أحداً من الناس بأخذ ماله بسرقة أو غش أو غير ذلك فإنه لا تصح التوبة حتى يؤدي ذلك الحق إلى صاحبه وكذلك لو كان قد ظلمه بغيبة وتكلم في عرضه أمام الناس فإنها لا تصح توبته حتى يستحله من تلك الغيبة إلا أنه إذا كان لم يعلم أنه قد اغتابه فإن من أهل العلم من يقول في هذه الحال لا يحتاج إلى أن يستحله بل يثني عليه في الأماكن التي كان يغتابه فيها بما هو موصوف به من صفات المدح ويستغفر الله له ويغني ذلك عن استحلاله وإذا كانت التوبة من حق من حقوق الله مثل أن يكون عليه واجب لله تعالى كزكاة أو كفارة فإن التوبة من ذلك أن يبادر بفعل هذا الشيء الذي وجب عليه لله.
الشرط الرابع أن يعزم على ألا يعود في المستقبل فإن تاب ولكن من نيته أنه إذا حصلت له الفرصة عاد إلى الذنب فإن التوبة هنا ليست بصحيحة لأنها ليست رجوعاً حقاً إلى الله سبحانه وتعالى.

الشرط الخامس أن تكون التوبة في أوانها أي في الوقت الذي تقبل فيه فإن لم تكن في أوانها فإنها لا تقبل والوقت الذي تنقطع به التوبة ولا تقبل نوعان وقت عام ووقت خاص فالوقت العام هو طلوع الشمس من مغربها فإن الشمس إذا طلعت من مغربها لم تقبل توبة تائب لقول الله تعالى (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) والمراد ببعض الآيات هنا طلوع الشمس من مغربها فإنه لا توبة بعده وأما الخاص فهو حضور الأجل فمن حضر أجله فإن توبته لا تقبل لقول الله تعالى (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً) فمن لم يتب إلا بعد معاينة الموت وغرغرته بروحه فإنها لا تقبل توبته فإذا تحققت هذه الشروط الخمسة صارت التوبة نصوحاًَ مقبولة وإذا قبلها الله عز وجل فإنها تعم كل ذنب تاب منه واختلف أهل العلم رحمهم الله هل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره فقال بعضهم إن التوبة لا تصح من ذنب مع الإصرار على غيره مثل أن يتوب الإنسان من شرب الدخان مثلاً لكنه مصر على حلق لحيته فقال بعض أهل العلم إن توبته من شرب الدخان لا تقبل لأنه مصر على معصية الله في حلق لحيته وقال بعض أهل العلم إنها تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره وهذا القول هو الراجح ولكن من تاب من ذنب مع الإصرار على غيره لا يستحق الوصف المطلق للتائب فلا يدخل في التوابين توبة مطلقة ولا يستحق المدح الذي يمدح به التوابون وإنما يمدح مدحاً خاصاً مقيداً بتوبته من هذا الذنب المعين.
***

بارك الله فيكم فضيلة الشيخ المستمع ع. ن. ف. ح من قطر بعث برسالة يقول فيها بأنه يقترب الآن من الثلاثين من العمر يقول وقد عشت في مطلع شبابي وحتى قبيل الزواج ارتكب الكثير من المخالفات وأنا الآن قد تبت إلى الله توبة نصوحا ونادم على ما صدر مني من أفعال وأقوال لا ترضي الله جل وعلا فهل علي كفارة يا فضيلة الشيخ على ما مضى أم أن التوبة النصوح تكفي؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التوبة النصوح تكفي وتهدم ما كان قبلها من المعاصي بل من الكفر أيضاً لقول الله تعالى (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) ولقوله تعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (69) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) فقد ذكر الله تعالى في هذه الآية أعلى أنواع المعاصي في حقه تعالى وفي حق بني آدم في النفوس وفي حق بني آدم في الأعراض فذكر الشرك وذكر قتل النفس بغير حق وذكر الزنا فالشرك جرم في حق الله وقتل النفس جرم في أنفس الخلق والزنا جرم في أعراضهم ومع ذلك قال (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (69) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) فأبشر أيها السائل ما دمت تبت إلى الله توبة نصوحاً فإن الله تعالى سيغفر لك ما سبق من ذنبك مهما عظم، ولكن التوبة لابد فيها من شروط خمسة

الشرط الأول أن تكون خالصة لله بألا يحمله عليها شيء من أمور الدنيا لا يبتغي بها الإنسان تقرباً إلى أحد من الناس ولا رياء ولا سمعة وإنما يحمله عليها خوف الله ورجاؤه، خوف الله تعالى من معصيته ورجاؤه بتوبته.
الشرط الثاني أن يندم على ما وقع منه من المعصية بمعنى أنه يتأثر ويحزن مما حصل ويتمنى أن لم يكن،
والشرط الثالث أن يقلع عن المعصية التي تاب منها فلو قال بلسانه إنه تائب ولكنه باق ومصر على المعصية كانت توبته هباء منثوراً بل هي إلى الهزء بالله أقرب منها إلى الجد فلو قال أنا تبت إلى الله من الغيبة ولم يزل يغتاب الناس فأين التوبة؟ لو قال تبت إلى الله من أكل المال بالباطل وهو لا يزال مصراً عليه فأين التوبة؟ لو قال تبت إلى الله من النظر إلى المحرم وهو مصراً عليه فأين التوبة؟ لابد أن يقلع عن المعصية ومن ذلك رد الحقوق إلى أهلها فلو قال أنا تائب من ظلم الناس ولكن حقوق الناس في ذمته فإنه لم يتب.
الشرط الرابع أن يعزم على ألا يعود إلى المعصية في المستقبل، فلو قال أنا تائب وندم على ما مضى وأقلع عن الذنب لكن في قلبه أنه لو حصلت له الفرصة لعاد إلى الذنب لم يكن تائب حقيقة بل لابد أن يعزم على ألا يعود ويجب أن نتفطن لكلمة يعزم على ألا يعود فإنه لا يشترط ألا يعود فلو كان حين التوبة عازم على ألا يعود ولكن سولت له نفسه أن يعود فإن التوبة الأولى لا تبطل لكنه يحتاج إلى توبة جديدة لعوده إلى الذنب.

الشرط الخامس أن تكون التوبة في الوقت الذي تقبل فيه وذلك بأن تكون قبل حضور الأجل وقبل طلوع الشمس من مغربها فإن وقعت التوبة بعد حلول الأجل لم تقبل وإن وقعت التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها لم تقبل أيضاً، ودليل ذلك قوله تعالى (وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) ولهذا لم يقبل الله توبة فرعون حين أدركه الغرق وقال (آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ) فقيل له (أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ) وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) يعني بروحه وذلك بحضور أجله، وإن وقعت التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها لم تقبل أيضاً لقوله تعالى (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن التوبة تنقطع إذا طلعت الشمس من مغربها، والشمس الآن تشرق من المشرق وتغرب من المغرب فإذا إذن الله لها أن ترجع من حيث جاءت رجعت فخرجت من المغرب وهذا في آخر الزمان فإذا رآها الناس آمنوا أجمعون ولكن (لا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) وخلاصة شروط التوبة أنها خمسة الإخلاص لله والندم على ما حصل من الذنب والإقلاع عنه والعزم على ألا يعود وأن تكون التوبة في الوقت الذي تقبل فيه نسأل الله أن يتوب علينا جميعاً.
***

المستمع حسن سعيد سوداني ومقيم بالعراق يقول في رسالته ما حكم الشرع في نظركم في رجل سب الدين بحالة غضب هل عليه كفارة وما شرط التوبة من هذا العمل حيث أنني سمعت أهل العلم يقولون بأنك خرجت عن الإسلام بقولك هذا وأيضاً يقولون بأن زوجتك حرمت عليك أفيدونا بهذا الموضوع؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحكم فيمن سب الدين الدين الإسلامي أنه يكفر فإن سب الدين والاستهزاء به ردة عن الإسلام وكفر بالله عز وجل وبدينه وقد حكى الله تعالى عن قوم استهزؤا بدين الإسلام حكى الله عنهم أنهم كانوا يقولون إنما كنا نخوض ونلعب فبين الله عز وجل أن خوضهم هذا ولعبهم استهزاء بالله وآياته ورسوله وأنهم كفروا به فقال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) فالاستهزاء بدين الله أو سب دين الله أو سب الله ورسوله أو الاستهزاء بهما كفر مخرج عن الملة ومع ذلك فإن هناك مجالاً للتوبة منه لقول الله تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) فإذا تاب الإنسان من أي ردة توبة نصوحاً استوفت شروط التوبة الخمسة فإن الله تعالى يقبل توبته وشروط التوبة الخمسة هي:
أولاً الإخلاص لله بتوبته بأن لا يكون الحامل له على التوبة رياء أو سمعة أو خوفاً من المخلوق أو رجاء لأمر يناله من الدنيا فإذا أخلص توبته لله وصار الحامل له عليها تقوى الله عز وجل والخوف من عقابه ورجاء ثوابه فقد أخلص لله تعالى فيها.
والشرط الثاني أن يندم على ما فعل من الذنب بحيث يجد في نفسه حسرة وحزناً على ما مضى ويراه أمراً كبيراً يوجب عليه أن يتخلص منه.

الشرط الثالث أن يقلع عن الذنب وعن الإصرار عليه فإن كان ذنبه ترك واجب قام بفعله وتداركه إن أمكن وإن كان ذنبه بفعل محرم أقلع عنه وابتعد عنه ومن ذلك إذا كان الذنب يتعلق بمخلوقين فإنه يؤدي إليهم حقوقهم أو يستحلهم منها.
الشرط الرابع العزم على ألا يعود في المستقبل بأن يكون في قلبه عزم مؤكد ألا يعود إلى هذه المعصية التي تاب منها.
والشرط الخامس أن تكون التوبة في وقت القبول فإن كانت بعد فوات وقت القبول لم تقبل وفوات وقت القبول عام وخاص أما العام فإنه طلوع الشمس من مغربها فالتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها لا تقبل لقول الله تعالى (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) وأما الخاص فهو حضور الأجل فإذا حضر الأجل فإن التوبة لا تنفع لقول الله تعالى (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) أقول إن الإنسان إذا تاب من أي ذنب ولو كان ذلك سب الدين فإن توبته تقبل إذا استوفت الشروط التي ذكرناها ولكن ليعلم أن الكلمة قد تكون كفراً وردة ولكن المتكلم بها قد لا يكفر بها لوجود مانع يمنع من الحكم بكفره فهذا الرجل الذي ذكر عن نفسه أنه سب الدين في حال غضب نقول له إن كان غضبك شديداً بحيث لا تدري ما تقول ولا تدري حينئذ أنت في سماء أم في أرض وتكلمت بكلام لا تستحضره ولا تعرفه فإن هذا الكلام لا حكم له ولا يحكم عليك بالردة لأنه كلام حصل عن غير إرادة وقصد وكل كلام حصل عن غير إرادة وقصد فإن الله سبحانه وتعالى لا يؤاخذ به يقول الله تعالى في الأيمان (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) ويقول تعالى في آية أخرى (لا

يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) فإذا كان هذا المتكلم بكلمة الكفر في غضب شديد لا يدري ما يقول ولا يعلم ماذا خرج منه فإنه لا حكم لكلامه ولا يحكم بردته حينئذ وإذا لم يحكم بالردة فإن الزوجة لا ينفسخ نكاحها منه بل هي باقية في عصمته ولكن ينبغي للإنسان إذا أحس بالغضب أن يحرص على مداواة هذا الغضب بما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله رجل فقال يا رسول الله أوصني فقال لا تغضب فردد مراراً قال لا تغضب فليحكم الضبط على نفسه وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم وإذا كان قائماً فليجلس وإذا كان جالساً فليضطجع وإذا اشتد به الغضب فليتوضأ فإن هذه الأمور تذهب عنه غضبه وما أكثر الذين ندموا ندماً عظمياً على تنفيذ ما اقتضاه غضبهم ولكن بعد فوات الأوان.
***
بارك الله فيكم فضيلة الشيخ هذا الشاب من مصر يقول بأنه ارتكب بعض المعاصي فتاب إلى الله توبةً نصوحاً فهل لي من توبة من ذلك مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أروي قصة (رواها لنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن رجلٍ كان فيمن سبق قتل تسعة وتسعين نفساً بغير حق ثم ذهب إلى راهب يعني عابد من العباد فقال له إنه قتل تسعة وتسعين نفساً بغير حق فهل لي من توبة قال الراهب ليس لك توبة لأن الراهب استعظم الأمر أن يكون قتل تسعة وتسعين نفساً ثم يتوب قال ليس لك من توبة فلم يعجبه هذا الجواب فقتل الراهب فأتم به المائة فصار مائة نفس قتلهم بغير حق ثم دل على عالم فسأله وقال إني قتلت مائة نفس فهل لي من توبة قال له ومن يحول بينك وبين التوبة باب التوبة مفتوح ولكن أنت في دارٍ يعني في بلدٍ أهلها أهل سوء لكن اذهب إلى القرية الفلانية أو قال البلد الفلاني يعني فإن فيها قوماً صالحين فذهب وفي أثناء الطريق جاءه الموت فنزلت إليه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب واختصموا أيهم يقبض روحه نسأل الله تعالى أن يتولى قبض أرواحنا ملائكة الرحمة تنازعوا فبعث الله إليهم من يحكم بينهم وقال قيسوا ما بين القريتين فإلى أيهما كان أقرب فهو من أهلها فقاسوا ما بينهما فكان أقرب إلى قرية أهل الصلاح فقبضته ملائكة الرحمة) هذا وهو ممن كان قبلنا ممن كانت عليهم الآصار والأغلال وهذه الأمة ولله الحمد رفع عنها بنبيها صلى الله عليه وسلم الآصار والأغلال وقال تعالى في كتابه (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) وقال تعالى ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (69) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ

يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) فهؤلاء قومٌ أشركوا وقتلوا النفس بغير حق وزنوا فانتهكوا حق الله الذي هو أعظم الحقوق وانتهكوا دماء النفوس المحرمة وانتهكوا الأعراض ومع ذلك يقول الله عز وجل فيهم (إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) حتى المنافقون إذا تابوا تاب الله عليهم لقوله تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً) فنقول لهذا الأخ السائل إذا تبت إلى الله من أي ذنب فإن الله يتوب عليك مهما عظم الذنب وربما تكون بعد التوبة أحسن حالاً منك قبل التوبة ولكن إذا كان الذنب يتعلق بآدمي فابرأ منه فإذا كان مالاً فرده إليه وإن كان مظلمة عرض كما لو اغتبته في المجالس فاستحله إن كان علم أنك اغتبته أو خشيت أن يعلم وإن لم يعلم بالغيبة ولا تخشى أن يعلم فاستغفر له وأثني عليه بما هو فيه من الخير والخصال الحميدة في المواطن التي كنت اغتبته فيها ونسأل الله لنا ولكم التوبة.
***
رجلٌ ترك الصلاة لعدة سنوات أثناء دراسته في الخارج وترك الصيام لمدة ثلاث سنوات وعندما عاد إلى بلده تاب فهل يقضي الصلاة والصيام؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجب عليه قضاء الصلاة والصيام فيما مضى ولكن عليه أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى وأن يكثر من الطاعات كالصلاة والذكر والصدقات والصيام والحج والعمرة فإن الحسنات يذهبن السيئات وهذه قاعدة ينبغي على الإنسان أن يعتبرها كل عبادة مؤقتة بوقت إذا أخرجها الإنسان عن وقتها بدون عذر شرعي فإنه لا يقضيها لأنه لو قضاها لم تصح منه لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي مردودٌ عليه ومن المعلوم أنه من أخر العبادة المؤقتة عن وقتها ثم فعلها بعد خروج وقتها فقد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردوداً وحينئذٍ لا فائدة له من فعل العبادة بل عليه أن يتوب إلى الله عز وجل ويرجع إليه ويتوب الله على من تاب.
***
أحسن الله إليكم السائل من جدة ع ع د يقول شخص نوى أن يفعل معصية ونوى في نفس الوقت بأنه إذا انتهى من فعل هذه المعصية أن يتوب إلى الله هل تقبل هذه التوبة أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا فعل المعصية بهذه النية فإن هذه النية لا تنفعه ولا تخفف عنه من عقوبة المعصية لكن إذا فعل المعصية ثم تاب توبة نصوحاً قبلها الله عز وجل لقول الله تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
***
هذا السائل بدر من المجمعة يقول بأنه فتى يبلغ من العمر الثالثة والعشرين يقول كنت لا أصلى ولكن الآن أحرص على الصلاة في مواقيتها والحمد لله والتزمت في كل شيء وأحافظ على السنن الرواتب ولكنني أشرب الدخان و حاولت كثيرا أن أقطع هذه العادة فلم أستطع بماذا توجهونني جزاكم الله خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أقول الحمد لله الذي هداه حتى صار يصلى فهو في الحقيقة أسلم بعد رده فعليه أن يشكر الله تعالى على هذه النعمة، أما ما يتعلق بشرب الدخان فهناك وسائل تعينه على ترك الدخان:
منها أن يترك الدخان شيئا فشيئا فيقلل من شربه أولا حتى يزول ما في جسمه من آثار هذا الدخان.
ثانيا أن يستعمل بعض العقاقير بمشورة الطبيب التي تحجبه عن الرغبة في شرب الدخان.
ثالثا أن يبتعد عن مجالسة أهل الدخان لأن الإنسان إذا جالسهم فإنه قد يشتاق إلى شرب الدخان مع زملائه الذين جلس إليهم.
رابعا أن يحرص على صحبة الرفقة الطيبة لأنه إذا صحبهم فسوف يمتنع عن الدخان ما دام معهم وهذا مما يعينه على تركه.
خامسا وهو من أقواها أن يكون لديه عزيمة قوية يدع بها الدخان ولقد كان رجلاً مسافرا مع أحد الطيبين وكان هذا يشرب الدخان فلما أخرج البكت من أجل أن يشرب الدخان قال له الرجل الطيب يا فلان نحن ما سافرنا لنكتسب إثما ونحن إذا شاركناك في الجلوس وأنت تشرب الدخان صرنا آثمين كإثمك فإما أن تدع هذا الدخان وإما أن نترك السفر فما كان من هذا الشارب للدخان إلا أن انفعل ثم أخذ علبة البكت وقطعها ومزقها ورمى بها يقول شارب الدخان فما عدت إليه بعد ذلك لأنه عزم وصمم وقال ما هذا الشراب الذي يمنعني أن يصاحبني الطيبون فانتقد نفسه وصار ذلك من أسباب ترك الدخان هذا مع معونة الله عز وجل وتوفيقه.
***
السائل خالد أ أ يقول في هذا السؤال تخرجت من الثانوية ولكنني قد غشيت في بعض المواد الإنجليزية وأنا الآن علي مشارف الجامعة ماذا يلزمني في ذلك هل يلزم التوبة في مثل هذه الحالة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يلزم عليك التوبة إلى الله عز وجل وألا تعود لمثل هذا وذلك لأن الغش في الامتحان في أي مادة يعتبر غشا كما هو لفظه وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال (مَنْ غش فليس منا) فعليك أن تتوب إلى الله وادخل الجامعة الآن مع التوبة واستمر في مجانبة الغش وإذا قدر لك شهادة جامعية بدون غش فإن الله سبحانه وتعالى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.
***
أفيدكم أنني في بداية شبابي كنت على الطريق غير الإسلامي حيث كنت لا أبالي بالعبادات أحيانا أصلى وأصوم وأحيانا لا أصلى ولا أصوم وكنت لا أكترث للمحرمات ولمدة خمسة عشر عاما تقريبا إلا أنني الآن استقمت وحافظت على العبادات وقد تبت إلى الله توبة نصوحاً لله عز وجل عمّا كنت عليه وأنا نادم أشد الندم وأرجو من الله أن يتقبل توبتي وسؤالي يا فضيلة الشيخ ماذا علي من ناحية الصلاة والصوم التي لم أقم بتأديتها في أوقاتها علما بأنني لا أحصي تلك الأيام لطول المدة وهل التوبة تكفي تكفيرا لذنبي؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أولا أهنئك بتوبة الله عليك وتوفيقك للتوبة وأسأل الله تعالى أن يثبتك على ذلك وأن يمن علينا جميعا بالتوبة النصوح التي يمحو الله بها ما سلف من ذنوبنا وأن يعصمنا في مستقبل عمرنا ثانيا أبشرك بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (التوبة تهدم ما قبلها والإسلام يهدم ما قبله) وتوبتك هدمت ما سلف من ذنوبك وليس عليك قضاء ما فات ولكن اسأل الله الثبات على طاعته إلى أن تلقاه واحرص بقدر ما تستطيع أن تدعو إخوانك الذين كانوا مثلك إلى ما من الله به عليك من التوبة والتزام الصراط المستقيم (فلأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) وهذا من شكر نعمة الله عليك أن تدعو إخوانك الذين أسرفوا على أنفسهم إلى التوبة النصوح والاستقامة على دين الله.
***

هذا السائل الذي رمز لاسمه بـ م م يقول في هذا السؤال سمعنا بأن تارك الصلاة جميع ما يقوم به لا يؤجر عليه ولكن إذا هداه الله عز وجل للصلاة هل يحتسب له ما كان يقوم به من عمل طيب في الوقت الذي كان لا يصلى فيه أم يبدأ ثواب الأعمال من تاريخ التزامه بالصلاة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا تاب الإنسان من كفره سواء كان كفره بترك الصلاة أو بالاستهزاء بدين الله أو بسب الله أو بسب رسوله صلى الله عليه وسلم أو بسب شريعة من شرائع الله فإنه يغفر له ما قد سلف لقول الله تبارك وتعالى (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) ولأن الردة تهدم ما قبلها والتوبة تهدم ما قبلها يقول الله تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) ويقول تبارك وتعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) فإذا تاب غفر الله له ما سبق من ذنبه وعاد إليه ما عمل من الأعمال الصالحة قبل ردته لأن الله تعالى اشترط في حبوط العمل فيمن ارتد أن يموت على الردة فقال (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) بل إنما عمله من خير حال ردته يكتب له لقول النبي صلى الله عليه وسلم (أسلمت على ما

أسلفت من خير).
***
هذا السائل يقول يعتريني أحيانا شعور بالذنب وتأنيب الضمير والإحساس بالنقص وأستحضر الأخطاء التي وقعت فيها ولو لم تكن برغبتي والأشياء الصغيرة التي مضى عليها سنوات كثيرة فهل هذا من وساوس الشيطان وما الحل والعلاج؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحل والعلاج هو التوبة إلى الله عز وجل فكلما تذكر الإنسان الذنب أحدث لنفسه توبة ولكن لا يجوز له أن يسيء الظن بالله فيظن أن الله لا يتوب عليه لأن من تاب توبة نصوحا تتم فيها الشروط تاب الله عليه ولا بد قال الله تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ) ولكن التوبة لها شروط:
الشرط الأول أن تكون خالصة لله.
الشرط الثاني أن يندم الإنسان على ما فعل من الذنب.
الشرط الثالث أن يقلع عن الذنب في الحال.
الشرط الرابع أن يعزم على ألا يعود.

الشرط الخامس أن تكون في زمن تقبل فيه التوبة أما الإخلاص فضده الشرك فإذا تاب الإنسان للخلق لا لله فتوبته غير مقبولة لقول الله تعالى في الحديث القدسي (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) وأما الندم فلأن الإنسان إذا لم يكن منه ندم صارت السيئة وعدمها سواء عنده وهذا يعني أنه غير مبال ولا مكترث فلا بد أن يكون هناك ندم وجزع في النفس على ما فعل من الذنب إما ترك واجب أو فعل محرم وأما الإقلاع فمعلوم أنه لا توبة مع الإصرار يقول أتوب إلى الله من الربا وهو يتعامل بالربا كيف يكون هذا ويقول أتوب إلى الله من الغيبة وهو يغتاب الناس فالتوبة الرجوع من معصية الله إلى طاعته فمن لم يقلع عن الذنب فليس بتائب ولهذا يجب على من عنده مظالم للناس إذا تاب إلى الله أن يرد المظالم إلى أهلها فلو سرق إنسان من شخص سرقة وتاب إلى الله فلا بد أن يرد السرقة إلى صاحبها وإلا لم تصح توبته ولعل قائلا يقول مشكلة إن رددتها إلى صاحبها أفتضح وربما يقول صاحبها أن السرقة أكثر من ذلك فيقال يستطيع أن يتحيل على هذا بأن يكتب مثلا كتاب ولا يذكر اسمه ويرسله إلى صاحب السرقة مع المسروق أو قيمته إن تعذر ويقول في الكتاب هذه لك من شخص اعتدى فيها وتاب إلى الله ومن يتقِ الله يجعل له مخرجا وأما أن يقول أخاف أن أفتضح أو أخاف أن يدعي صاحب المال أن المال أكثر فهذا لا يعفيهم من رده.
***

رسالة من سوريا بعث بها أمجد أ. أ. يقول توفي والدي وهو غير راضٍ عني وأنا في الخامسة عشرة من عمري لأنني كنت في طريق الشيطان والمخالفات والمعصية وعندما بلغت العشرين عدت إلى الله وإلى ديني وإلى صلواتي وتغيرت حالتي وأخذ الندم مني ما أخذ بسبب عدم رضا والدي عني والآن أنا شاب عدت إلى الله وأعيش مع والدتي التي لم يبقَ لي في الدنيا سواها لم يمر يومٌ إلا وأبكي بحرقة على تفريطي عندما أقرأ عن بر الوالدين ولكن ما يطمأنني أنني عشت مع كتاب الله رفيقي الوحيد في هذه الدنيا استأنس بتلاوته تعبداً لله عز وجل فيهدأ قلبي وتسكن جوارحي ويذهب عني الحزن والغم وأتذكر والدي الذي توفي وهو غير راضٍ عني لكن عزائي الوحيد في هذه الدنيا بأنني كرست جهدي في محبة والدتي والمشاركة في أعمال الخير والدعوة إلى الله عسى ربي أن يتوب علي فهل من نصيحة يا فضيلة الشيخ تطمئنني بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يقال إن التمر لا يستبضع إلى هجر وحال الرجل الذي التي سمعناها حالٌ طيبة لا يستطيع الناصح مهما بلغ من النصح أن يوصل المنصوح إلى مثل هذه الحال التي ذكرها عن نفسه وأبشره بأنها حالٌ طيبة أرجو الله سبحانه وتعالى أن يمحو بها ما سلف من ذنوبه وآثامه وتقصيره في حق والده وأقول له إنك قد قرأت قول الله عز وجل (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) وأرجو أن يكون هذا الوصف منطبقاً عليه أنه أناب إلى الله وأسلم له وأسأل الله لي وله الثبات على دينه إلى الممات أقول هنيئاً له بما من الله عليه من هذا الرجوع إلى ربه عز وجل والاستقامة على دينه وبره بوالدته وحبه للخير وأسأل الله أن يزيده من فضله ويحقق لي وله ولإخواني السامعين والمسلمين جميعاً ما نرجوه من نصرٍ وعزٍ في الدنيا ومن كرامةٍ في الآخرة إنه على كل شيء قدير.
***
المستمع رمز لاسمه بـ ن. م. ع. يقول إذا تاب الإنسان ورجع إلى ربه حيث كان لا يصلى هل يلزمه النطق بالشهادتين والاغتسال؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا تاب الإنسان الذي كان لا يصلى إلى الله عز وجل وعاد إلى صلاته فإنه يكون مسلماً بصلاته لأن من كفر بالشيء صار مسلماً بفعله وهو سوف يقول في نفس الصلاة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وأما الاغتسال فهو مبنيٌ على وجوب الاغتسال إذا أسلم الكافر فمن قال إن الكافر إذا أسلم وجب عليه الغسل قال إن هذا إذا عاد إلى صلاته وجب عليه الغسل ومن قال بعدم وجوب الغسل على من أسلم قال إنه لا يجب على هذا أن يغتسل ولكن لا شك أن الأفضل له أن يغتسل خروجاً من الخلاف وإبراءً للذمة.
***
هذه المستمعة أم نزار تقول في هذا السؤال فضيلة الشيخ بالنسبة للتائب هل يلزمه التشهد والاغتسال للدخول في دين الله من جديد
فأجاب رحمه الله تعالى: أما التائب من الكفر فإنه يغتسل إما وجوبا على رأي كثير من العلماء وإما استحبابا على رأي آخرين وأما التائب من المعصية التي دون الكفر فلا يشرع له أن يغتسل لأنه لم يخرج من الإسلام بل العاصي مسلم ولو عظمت معصيته إذا لم توصله معصيته إلى حد الكفر هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة أن كبائر الذنوب مهما عظمت إذا لم تصل إلى حد يخرج الإنسان من الملة فإنه لا يكفر بها الإنسان ثم إن مات وقد تاب منها فإن الله يتوب على من تاب كما قال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) وإن مات قبل التوبة فهو داخل في قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) فهو تحت المشيئة إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له
***

هذا مستمع رمز لاسمه بـ ج. ع. م. يقول بأنه شاب في الثانوية ولم أكن أصلى وإذا أمرت بالصلاة من الأهل فأنا أصلى بغير وضوء لوجود غشاوة على قلبي والحمد لله لقد اهتديت لله سبحانه وتعالى وأصبحت من أصحاب المساجد بحمد من الله وإن شاء الله لن أغير منهجي هذا إلى اليوم المكتوب وحقيقة سبب هدايتي لله سبحانه وتعالى عندما سمعت خبر موت في حادث حصل لأحد الأقارب الأعزاء فاهتديت إلى الله فكانت عبرة لي بحمد من الله والحقيقة إنني خائف إن كان الله سبحانه وتعالى سوف يقبل عودتي للهداية لهذا السبب أو العبرة التي مرت عليّ أم لا وما الواجب عليّ في هذه الحالة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التوبة إلى الله سبحانه وتعالى مقبولة بأي سبب كانت فمن تاب تاب الله عليه والحوادث والمصائب تكون أحياناً خيراً يتعظ بها الإنسان ويتوجه إلى الله عز وجل ويلين قلبه والله سبحانه وتعالى قد جعل لكل شيء سببا وعليه فإن توبة السائل مقبولة إن شاء الله تعالى وما تركه من العبادات في أيام سفهه فلا قضاء عليه فيها ولكن ندعوه إلى أن يكثر من التطوع والأعمال الصالحة والاستغفار والذكر ونسأل الله لنا ولهم الثبات وحسن الخاتمة والعاقبة.
***
كيف تمحو الحسنةُ السيئةَ هل تذهب السيئة وتبقى الحسنة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هكذا قال الله عز وجل (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) فعلى هذا إذا فعل الإنسان حسنة بعد سيئة فإنها تذهبها وتمحوها محواً ولا سيما إذا كانت الحسنة هي التوبة من ذلك الذنب فإن التوبة تجب ما قبلها قال الله تبارك وتعالى (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
***

ما حكم من تاب من إحدى الكبائر وعاهد الله على كتابه وأمام بيته الكعبة المشرفة أن لا يعود إلى تلك المعصية ثم خانته نفسه وضحك عليه إبليس اللعين وعاد إلى تلك المعصية ثم تذكر وندم وتأسف فما حكمه وهل عليه كفارة وهل له توبة أفيدونا جزاكم الله عنا خير الجزاء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت نفسه خانته ثم تذكر وندم فإنه يتوب إلى الله سبحانه وتعالى ويستغفر من هذا الذنب ويكفر كفارة يمين لأنه لم يف بالنذر الذي عاهد الله عليه فعليه كفارة يمين مع التوبة والاستغفار.
***
هذه رسالة وردتنا من المرسل ح خ ق ن من الظهران يقول في رسالته أولاً من عمل عملاً لا يرضي وجه الله ثم تاب ثم عاد إلى هذا العمل مراراً وتكراراً فهل له من توبة أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم له توبة لعموم قوله تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) فهذا الرجل إذا تاب من هذا الذنب توبة نصوحاً تاب الله عليه ثم إن دعته نفسه فيما بعد ذلك إلى مقارفة هذا الذنب ففعله ثم تاب منه توبة نصوحاً مخلصاً فإن الله يتوب عليه وهكذا كلما فعل ذنباً ثم تاب منه توبة نصوحاً صادقة ثم غلبته نفسه فيما بعد على فعله ثم أعاد التوبة فإنه يكون على آخر أحواله إن كان آخر أحواله التوبة النصوح فإنه كمن لا ذنب له وإن كان آخر أحواله أنه مصر على هذا الذنب فإن له حكم المصرين عليه.
***
المستمع أ. ب. ع. مصري يقول في رسالته لقد ارتكبت ذنباًَ ثم توجهت بالتوبة إلى الله عن هذا الذنب وقضيت عنه كفارة ثم ارتكبت الذنب مرة أخرى وقضيت الكفارة عن هذا الذنب مرة أخرى وحتى الآن وأنا تائب عن هذا الذنب ما حكم الشرع في نظركم في عملي هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا أذنب الإنسان ذنباً ثم تاب إلى الله توبةً نصوحاً مستوفية لشروط التوبة الخمسة وهي أن تكون توبته خالصة لله عز وجل وأن يندم على ما حصل منه من الذنب وأن يقلع عنه في الحال وأن يعزم على ألا يعود في المستقبل وأن تكون التوبة في وقت تقبل فيه بأن تكون قبل حلول الأجل وقبل طلوع الشمس من مغربها فإذا تاب هذه التوبة فإن الله تعالى يتوب عليه ثم إن عاد إلى الذنب مرة أخرى وتاب فإن الله تعالى يتوب عليه وهكذا كلما تاب تاب الله عليه وما دامت حاله الآن على الاستقامة والتوبة فإنه يرجى له الخير في المستقبل ونسأل الله تعالى أن يمن علينا وعليه بالتوبة النصوح.
***
أغضبت والدتي عدة مرات حتى إنني تطاولت عليها بالسب والشتم والكلام غير اللائق لأسباب تافهة ظناً مني بأنها تحب أخي الأكبر أكثر مني بمعاملتها السيئة لي وأنا أعلم بأن غضبها من غضب الله ورضاها من رضا الله والآن هي تكلمني وراضية عني فماذا أفعل لأكفر عما فعلت أرشدوني بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إن إغضابك لوالدتك وكلامك عليها ذلك الكلام السيئ محرم ولا يجوز لأن الله تعالى يقول (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً(23)وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم (من أحق الناس بحسن صحبتي يا رسول الله قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أبوك) وهذا دليل على أن إحسان الصحبة للأم أوجب و أوكد من الأب ومع ذلك فإن كلاً من الأم والأب له حق يجب على الإنسان أن يقوم به وإذا حصلت من أحد إساءة لأبويه أو أحدهما فإن طريق الخلاص من مثل ذلك أن يستحلهما وإذا استحلهما وعفوا عنه ورضيا فإن التوبة تجب ما قبلها ولا يعاقب على ما صدر منه إذا علم الله تعالى من نيته صدق التوبة والإخلاص فيها.
***
المستمع أبو محمد من القطيف يقول لقد نويت أن أصوم لله شهرين متتابعين تكفيراً عما ارتكبته في حياتي وحينما علم بذلك بعض زملائي سألوني إن كنت قد ارتكبت عملاً يوجب كفارة صيام شهرين متتابعين فقلت لهم لا فقالوا ليس عليك شيء لو لم تكمل الصيام بل لا يجوز لك ذلك فامتثلت كلامهم وقطعت الصيام فهل كلامهم هذا صحيح وماذا يجب علي أن أفعل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: كلامهم صحيح والإنسان لا يمكن أن يفعل من العبادات إلا ما أذن الله فيه ولم يأمر الله تعالى عباده أن يصوموا شهرين متتابعين احتياطاً عما قد يكون وقع منهم من الذنوب ولكن الإنسان مأمور بأن يكثر من التوبة والاستغفار فإن النبي عليه الصلاة والسلام حث على ذلك حيث قال (يا أيها الناس توبوا إلي ربكم فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة) هذا وهو النبي صلى الله عليه وسلم وأما قطعك الصيام حين أخبروك فهذا حق وهو من كمال الإيمان أن يقف الإنسان عند الحق متى تبين له فقد أحسن من انتهى إلى ما سمع والذي أنصحك وسائر إخواني المسلمين ألا يتعبدوا لله تعالى بشيء حتى يعلموا أنه من شريعة الله ليعبدوا الله تعالى على بصيرة فالشرع ليس إلينا وإنما هو إلى الله ورسوله ولهذا عاب الله تعالى وأنكر على من اتخذوا شركاء معه يشرعون للعباد فقال (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ).
***
سؤال الأخ من الجمهورية العراقية من مدينة كركوك عما يعانيه المسلمون الآن من الذل والهوان فهل يمكن أن نقول المسلم الذليل تطلب منه التوبة عن ذلته وهل تعتبر الذلة أيضاً معصية؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الذل أثر من آثار المعاصي وعقوبة وليست هي المعصية بل المعاصي من فعل العبد والذلة من قضاء الله وقدره عليه بسبب معاصيه ويمكن أن يتوبوا من المعاصي فتعود إليهم العزة لأن الله يقول سبحانه وتعالى (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) والإيمان وصف فوق وصف مطلق الإسلام (قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) فالآن هذه الآية التي كانت في الأعراب في عهد الرسول الله صلى الله عليه وسلم تنطبق اليوم على كثير من المسلمين حاضرتهم وباديتهم يقولون آمنا ولكن في الحقيقة نقول لهم قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وذلك لكثرة المعاصي والمخالفات التي تنقص من إيمانهم فنحن نقول يمكن أن تعود العزة إلى المسلمين اليوم إذا كانوا مؤمنين ورجعوا إلى دينهم حقاً فإن الله سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين وأعدل العادلين.
***
أحسن الله إليك هل صحيح بأن دعاء سيد الاستغفار ينوب عن الاستغفار سائر اليوم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: سيد الاستغفار أن تقول (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) هذا سيد الاستغفار وهو أفضله ولكن ينبغي للإنسان أن يكثر من ذكر الله ومن استغفار الله فإن هذا دأب الصالحين ودأب عباد الرحمن قال الله عز وجل (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ).
***
ورد حديث فيه (من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر الله له ذنبه ولو كان فاراً من الزحف) هل معنى ذلك أنه يدخل في الحديث الكبائر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الفرار من الزحف من كبائر الذنوب قال الله تبارك وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ *ومَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) وعده النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الموبقات أي من المهلكات وذلك لما يترتب عليه من إذلال المؤمنين وإعزاز الكافرين أما إذلال المؤمنين فمن المعلوم أنه إذا ذهب واحد من الصف انكسرت قلوبهم وصار فيهم ذل وأما إعزاز الكافرين فإن الكافرين يقولون هذا أول الهزيمة شدوا عليهم فيبقون على مجابهة المسلمين ولهذا كان من كبائر الذنوب.
***
يقول السائل إبراهيم أبو حامد ما هي فوائد الاستغفار الدينية والدنيوية وهل هناك كتاب مؤلف في ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: فوائد الاستغفار أن الإنسان إذا استغفر ربه بصدق وإخلاص وحسن ظن بالله عز وجل فإن الله تعالى يغفر ذنبه كما قال الله تبارك و تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) وإذا غفر الله له ذنبه واتقى الله سبحانه وتعالى كان من فوائد ذلك أن الله تعالى يجعل له من أمره يسرا ويرزقه من حيث لا يحتسب كما قال الله تبارك وتعالى (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ من أمره يسرا) وقال (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ).
***
هل صحيح بأن كل شخص يقول كلمة استغفر الله يغفر له؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا قال الإنسان استغفر الله بنية خالصة وصدق في طلب المغفرة وتمت شروط التوبة في حقه فإن الله سبحانه وتعالى يتوب عليه بل يحب ذلك منه كما قال الله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم (أن فرح الله بتوبة عبده كفرح الإنسان بوجود ناقته التي ضلت عنه وعليها طعامه وشرابه فالتمسها فلم يجدها فاضطجع تحت شجرة ينتظر الموت فإذا بخطام ناقته متعلقاً بالشجرة فأخذ بخطام الناقة وقال اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح) ولا أحد يقدر قدر هذا الفرح إلا من أصيب بمثل هذه المصيبة فالله تعالى يحب من عبده أن يتوب ويحب من عبده أن يستغفر وقد أمر الله تعالى بالاستغفار في كتابه في عدة آيات والاستغفار هو طلب والمغفرة والمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه لأنها مأخوذة من المغفر الذي يغطي به الإنسان رأسه في القتال يتقي به السهام ففيه ستر ووقاية وهكذا المغفرة فيها ستر للذنوب ووقاية من عقوباتها فإذا استغفر الإنسان ربه بصدق وإخلاص مع مراعاة شروط التوبة فإن الله سبحانه وتعالى يتوب عليه ويتوب الله على من تاب.
***
أحسن الله إليكم السائل الذي رمز لاسمه خ. ف. م. ع يقول إذا اغتاب شخص ما بعض الناس وذمهم وقام بعمل صدقة لهم جارية عمّا تحدث عنهم من ذكر سيئ هل يكفي هذا؟ وهل يوفي هذا من حقوقهم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الحقوق التي تجب على الإنسان لغيره نوعان حقوق مالية وحقوق عرضية أما الحقوق المالية فلا بد أن نردها إلى أصحابها مهما كان الأمر فلو أن شخصاً جحد حقاً لآخر وليس به بينة للمدعي ثم تاب إلى الله وجب عليه أن يرد الحق إلى صاحبه على أي حال كان وأما الحقوق العرضية من سب وقدح ونحوه فلابد أيضا من استحلال صاحبها إذا علم أن هذا صدر منه لأنه إن لم يفعل بقي في نفس صاحبه شيء فلابد أن يستحله ويتخذ واسطة بينه وبينه إذا خاف أنه إذا ذهب إليه يستحله لم يفعل وتكون الواسطة واسطة خير وأما إذا كان لم يعلم بما انتهكه من عرضه يعني لم يعلم أنه اغتابه أو أنه ذمه في شيء فإنه لا يحتاج إلى أن يخبره ولكن يثني عليه في المجالس التي كان اغتابه فيها ويستغفر الله له وهذا يكفي إن شاء الله.
***
أحسن الله إليكم ما رأيكم يا فضيلة الشيخ بالشخص الذي تصدق عن كل من اغتابه بعد أن تاب إلى الله من ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا تاب الإنسان من الغيبة توبة نصوحاً فإن من تمام توبته أن يستحل الشخص الذي وقعت منه الغيبة عليه إن كان يعلم أنه قد بلغه أنه قد اغتابه أما إذا كان لم يعلم فيكفي أن يستغفر له وأن يذكر محاسنه في المكان الذي كان يغتابه فيه لأن الرجل إذا أحسن إلى من اغتابه بالثناء عليه بما هو أهله فالحسنات يذهبن السيئات.
***
إذا اغتاب شخص شخصاً آخر ولم يستطع التحلل منه فهل يكفي الاستغفار والدعاء له؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الصحيح فيمن اغتاب أحداً من الناس أنه لا يمكن أن يكون منه في حل حتى يستحله شخصياً إذا كان هذا الذي أغتيب قد علم بالغيبة فإن كان لم يعلم بذلك فإنه يكفي أن يستغفر له ويذكره بالخير في المجالس التي اغتابه فيها وذلك لأن الغيبة من كبائر الذنوب وهي ذكرك أخاك بما يكره لقول النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الغيبة (الغيبة ذكرك أخاك بما يكره) وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على أن الغيبة من كبائر الذنوب التي لا تغفر إلا بتوبة فلا تكفرها الصلاة ولا الصدقة ولا الصيام ولا الحج بل لا بد فيها من توبة وليعلم أن الغيبة من كبائر الذنوب لعامة المسلمين فإذا كانت لخاصتهم كاغتياب العلماء أو ولاة الأمور كانت أشد وأشد إثماً وذلك لأن اغتياب العلماء ليس اغتياباً لهم شخصياً ولكنه اغتياب لهم شخصياً وتقليل لقيمتهم العلمية وهم هداة الأمة فإذا قلّت قيمتهم العلمية قلّ اهتداء الناس بهم وكان ذلك إضعاف لمصدر من مصادر الشريعة وهم العلماء وأقول لمصدر من مصادر الشريعة لأننا لا نعلم الشريعة إلا عن طريق أهل العلم فإنهم هم ورثة الأنبياء فإذا قلنا قولاً يقلل من شأنهم ثم قلت قيمتهم بين الناس قل قبول الناس لقولهم وانجرحت الشريعة بسبب ذلك وأما اغتياب ولاة الأمور ففيه أيضاً تقليل لهيبتهم وإضعاف لامتثال الناس أمرهم وسبب للتمرد عليهم فكانت غيبتهم أعظم من غيبة عامة الناس وأشد خطراً وأكبر إثماً فلذلك أحذر إخواني المسلمين من غيبة العلماء وغيرهم من ولاة الأمور ولست بذلك أقول كفوا عن مساويهم ولا أن هؤلاء العلماء أو الأمراء معصومون بل هم يخطئون كغيرهم ولكن الطريق السليم أن نتصل بالعلماء الذين بلغنا أو رأينا منهم ما يجب التنبيه عليه فنذكر لهم ما أخطئوا فيه وهم بخطئهم قد يكونوا معذورين إما بتأويل أو بجهل في الواقع أو لغير ذلك من الأعذار فإذا اتصلنا بهم وبينا لهم ما نرى إنه خطأ وناقشناهم فيه فقد يكون الصواب

معهم ونكون نحن مخطئين وقد يكون الصواب معنا وحينئذٍ يلزمهم أن يرجعوا إلى الصواب والخلاصة أن الغيبة من كبائر الذنوب لأي واحد من المسلمين وأنها تتعاظم ويكبر إثمها فيما إذا كانت للعلماء أو ولاة الأمور فنسأل الله تعالى أن يحمي ألسنتنا مما يغضبه ونسأل الله تعالى أن يكفنا عن مساوئ غيرنا ويكف غيرنا عن مساوينا وإن يجعلنا ممن رأى الحق حقاً واتبعه ورأى الباطل باطلاً واجتنبه.
***
بارك الله فيكم هذا المستمع سعود من بريده يقول فضيلة الشيخ اغتبت أحد الأشخاص في مجلس من المجالس نظرا لأنه أساء إليّ ثم ذهبت إليه لأستسمحه عن هذه الغيبة فقدمت له عذري وقلت له أعتذر منك فقد اغتبتك وأرجو أن تسامحني ولكنه قال أذهب الله لا يحلك فما حكم الشرع في عملي هذا مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول إن الواجب على الإنسان إذا تاب من مظلمة لأخيه عليه أن يؤدي إليه مظلمته في الدنيا قبل أن تأخذ من أعماله الصالحة في يوم القيامة إن كانت مالا فليؤده إليه وإن كانت عرضا فليستحل منه وإذا بذل ما يستطيع من طلب إحلاله منه فأبى من له حق فإنه مع التوبة الصادقة النصوح يقضي الله عز وجل عنه ما تحمله لأخيه والذي أشير به على إخواني المسلمين أن الإنسان إذا جاءهم معتذرا من عدوان اعتدى عليهم به فليقبلوا عذره ليقبل الله أعذارهم منهم يوم القيامة فإن من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته فالله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه وكيف يتحمل الإنسان أن يأتيه أخوه معتذرا نادما يطلب منه أن يحلله ثم يقول لا حللك الله هذا شيء ينبغي أن لا يوجد في مجتمع مسلم يود لأخيه ما يود لنفسه فها هنا أمران الأمر الأول نصيحة هذا الذي اغتاب غيره بأن يحرص غاية الحرص على أن يحلله في الدنيا فإن بذل كلما يستطيع ولم يحصل هذا فإننا نرجو من الله عز وجل أن يتحمل عنه وأما بالنسبة للذي جاء إليه أخوه يعتذر منه فإننا نحثه على قبول عذره فإن ذلك مما يزيل العداوة والبغضاء ويصفي القلوب ويدني بعضها من بعض وإذا عفا عن عباد الله عفا الله عنه.
***
المستمع عوض عبد الوهاب يقول في رسالته كيف يتخلص الشخص من حقوق العباد سواء كان مالاً أو غير ذلك ولم يستطع الوفاء به.

فأجاب رحمه الله تعالى: حقوق العباد إما مالية وإما بدنية فإن كانت تتعلق ببدن الشخص فالتخلص منها ألا يمانع الإنسان من له الحق في أخذها فإذا وجب عليه قصاص في جرح أو في عضو من الأعضاء فالتخلص من ذلك أن يمكن من له الحق من الأخذ بالقصاص وأما إذا كانت مالية فإن التخلص من ذلك أن يؤدي الحق إلى صاحبه فيؤدي المال إليه إن كان موجوداً أو إلى ورثته إن كان معدوماً فإن لم يكن له ورثه أدى ذلك إلى بيت المال وبهذا يتخلص منه أما إذا عجز عن أداء الحقوق إلى أهلها فإنه قد ثبت في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) فإذا كان هذا الإنسان حريصاً على الأداء ساعياً فيه ما أمكن ولكنه عجز وكان من نيته أن يؤدي فإن الله تعالى يؤدي عنه الحق لمن له الحق بمنه وكرمه وتبقى ذمة هذا العاجز بريئة وأما من أخذ أموال الناس لا يريد أداءها وإنما يريد إتلافها عليهم وأكلها بالباطل فإن الله تعالى يتلفه بالنقوص في أمواله وربما يتلفه أيضاً بالأخذ من حسناته كما جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال (من تعدون المفلس فيكم قالوا من لا درهم عنده ولا متاع قال المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال ثم يأتي وقد ظلم هذا وشتم هذا وضرب هذا وأخذ مال هذا فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن بقي من حسناته شيء وإلا أخذ من سيئاتهم فطرح عليه ثم طرح في النار) وعلى المرء أن يتخلص من حقوق العباد ما دام في زمن المهلة وأن يؤديها إليهم وألا يماطل بها لقول النبي صلى الله عليه وسلم (مطل الغني ظلم).
***

المستمع من السودان يقول في سؤاله الثاني نسي عندي أحد الأخوة من السعوديين مبلغاً من المال قدره خمسمائة ريال نتيجة خطأ حسابي ولا أعرف مكانه وهو لا يعرف هذا الخطأ وأريد أن أتخلص من هذا المبلغ إبراءً لذمتي هل يجوز لي أن أتصدق بهذا المبلغ بالريال السعودي أم بالعملة السودانية على بعض الفقراء والمحتاجين من أقاربي وجيراني أم أن هناك طريقة أخرى؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب عليك أن تبحث عن هذا الرجل فإذا يئست منه فلك أن تتصدق بالخمسمائة ريال على الفقراء هنا أو في السودان وسواءٌ تصدقت بها بالنقد السعودي أو تصدقت بها بالجنيه السوداني المهم أنه يجب عليك أولاً أن تبحث عنه فإذا يئست فتصدق به وهكذا نقول في كل مالٍ مجهولٍ صاحبه إذا بقي عندك ويئست منه فلك أن تتصدق به عنه ثم إن قدم يوماً من الدهر فخيره قل له إن المال الذي لك تصدقت به بناءً على أني لا أتمكن من الاتصال بك والآن أنت بالخيار إن شيءت أجزت ما فعلته ويكون الأجر لك وإن شيءت أعطيتك مالك ويكون الأجر لي.
***
هذا المستمع رمز لاسمه بـ س. س. أبو عبد الله السعودية جدة يقول فضيلة الشيخ كيف يتحلل الإنسان من مظالم الناس سواءٌ كانت أموال أو غيبة أو نميمة وإذا كانت أموالاً ولا يعرف كيف يردها فماذا يفعل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يتحلل الإنسان من حقوق الناس بأحد أمرين إما بالوفاء وإما بالإبراء أما الوفاء فإذا كانت أموالاً يردها إلى أصحابها إن كان يعلمهم وإن كان قد نسيهم فليتذكر وإن كان يجهل محلهم فليبحث فإذا تعذر العثور عليهم فليتصدق بها عنهم يكون لهم أجرها وله هو أجر التوبة وإن كان أصحابها قد ماتوا وخلفوا ورثة فإنه يبحث عن ورثتهم ويسلم إليهم المال لأن المال انتقل إلى الورثة بعد موت المورث فإن جهل الورثة ولم يعلم عنهم شيئاً ولم يتمكن من العثور عليهم فعل ما سبق يتصدق به عنهم لأنه انتقل إليهم وإذا كان الحق عرضاً بأن يكون قد تكلم في عرضه وسبه فإنه يتحلل منه بأن يطلب منه العفو فيقول إني أرجو أن تعفو عما قلت فيك فقد قلت كذا وكذا وينبغي من المظلوم الذي طلب منه العفو أن يعفو لأن هذا أخاه جاء يعتذر إليه فينبغي أن يقبل عذره (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) وكما قال الله تعالى (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) وقال تعالى (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) وإن كان هذا المظلوم في عرضه لم يعلم بأنك قد اغتبته فمن أهل العلم من يقول اذهب إليه وأخبره واطلب منه العفو ومنهم من يقول لا تخبره ما دام لم يعلم ولكن استغفر له وأثني عليه بالصفات التي هو متصفٌ بها وهي حميدة في الأماكن التي اغتبته فيها فإن الحسنات يذهبن السيئات وإن كان حقوقاً أخرى فعلى هذا الباب تذهب إليه وتستحله وإذا حللك فإن هذا من تمام توبتك فإن قدر أنك قد اغتبت شخصاً قد مات ولا تتمكن من الاستحلال من الغيبة فإن الله إذا علم من قلبك صدق النية فهو سبحانه وتعالى أكرم الأكرمين ربما يتحمل عنك هذه المظلمة ويأجر صاحبها ويثيبه عليها.
***

بارك الله فيكم هذا المستمع أ. أ. ف. مقيم بالمدينة المنورة بعث بهذا السؤال يقول كنت أعمل موظفا في إحدى الشركات وكانت توكل إلي أحيانا مهمة الصرف للعمال رواتبهم ولكني كنت لا أقوم بها على الوجه الأكمل وذلك لأنني كنت آخذ جزءاً يسيرا من راتب كل واحد منهم بحجة أنه لا يوجد لدي صرف وسرت على هذه الطريقة لمدة عام وقد تركت العمل بها منذ أربعة أعوام وندمت ندما شديدا على ما فعلت خصوصا لما علمت أن حق العباد لا تكفي فيه التوبة بل لابد من إرجاعه إلى أصحابه وأصحابه يتعذر علي معرفتهم الآن خصوصا وأن عهدي بهم قد طال وكذلك يتعذر علي معرفة نصيب كل واحد منهم على وجه التحديد فماذا أفعل أفيدوني أثابكم الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ما قاله السائل بأن التوبة لا تتم فيما يتعلق بحق العباد إلا بأداء الحق إليهم أو استحلالهم منه هذا صحيح والطريق إلى التخلص من حق هؤلاء الذين ظلمتهم به أن ترجع إلى السجلات في الوقت الذي كنت تعمل هنالك فإذا رجعت عرفت الموظفين الذين تصرف لهم ثم تتصل بهم وتستحلهم مما صنعت فإن أحلوك فذاك وإن لم يحلوك فإنك تتفق معهم على مصالحه وأي مصالحة تتفقون عليها فإن ذلك جائز فإن تعذر عليك هذا الأمر وصار أمرا غير ممكن فإنك تتصدق بما يغلب على ظنك أنك أخذته منهم تنوي بذلك الخلاص منه لا التقرب به إلى الله لأن التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بما لا يحل لا يكون قربة للفاعل لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً).
***
هذه الرسالة وردتنا من مكة يقول مرسلها م ب ش أني حصلت على ثوب شخص في بيته وأخذت منه فلوس عدة مرات كثيرة ولا أدري والله ما عدد الفلوس التي أخذتها ويوم كبرت تبت إلى الله وسمعت حديث يشدد فيمن أخذ مثل هذه النقود أفيدونا والله يحفظكم ويرعاكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب عليك أن تتوب إلى الله سبحانه وتعالى مما فعلت وأن تتصل بصاحب هذه النقود وتصطلح معه على ما تتفقان عليه مما تدفعه له عما أخذت فأنت ابحث عن الرجل هذا واتفق معه على أي شيء تتفقان قليلاً كان أم كثيراً يحصل به المقصود وبراءة الذمة.
***
السائل م م ح من المنطقة الشرقية يقول الذنوب التي بين العبد وبين خالقه يغفرها الله ولكن الذنب الذي علي لشخص آخر يجب أن أذهب إليه وأن أطلب منه العفو والسماح ولكنني لا أستطيع أن أتوجه إليه ولا أستطيع أن أواجه هذا الشخص مهما كانت الأسباب لأنني أنا في منتهى الإحراج منه وسمعتي عنده طيبة وقد ظلمته وسببت إليه بعض الإشكال ماذا أفعل أفيدوني أفادكم الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب عليك أن تستحل من ظلمته في عرضه أو ماله أو بدنه في الدنيا قبل الآخرة لأنك إن لم تستحله في الدنيا فسوف يأخذ من حسناتك يوم القيامة بقدر مظلمتك إياه إن كانت المظلمة كبيرة أخذ من حسناتك الكثيرة وإن كانت صغيرة بقدرها فلابد أن تستحله لكن إذا كنت لا تستطيع مواجهته فإنه يمكنك أن تكتب إليه رسالة بغير قلمك بل بالمطبعة وتقول رجل نادم حزين على ما صنع إليك من الإساءة في عرضك أو مالك أو ما أشبه ذلك يطلبك العذر ولك من الله الأجر وهو بنفسه إذا ورد إليه مثل هذا الخطاب فالذي ينبغي له أن يعفو ويعذر لقول الله تبارك وتعالى (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ولقوله تعالى (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) وهذا الرجل النادم لاشك أن العفو عنه إصلاح فإذا عفى عنه فإن أجره على الله وكون أجره على الله أعظم من كونه أجره يؤخذ من حسنات الظالم ثم يَرِدُ سؤال هل يجب أن أعين ما ظلمته فيه أم يكفى أن يحللني عن المظالم مطلقا الذي يظهر لي إذا كانت المظلمة قد بلغته فلابد أن يعين وأما إذا لم تكن بلغته فإنه لا حرج أن يطلب منه العفو على سبيل الإطلاق.
***

إنسان سرق من إنسان آخر حاجة بسيطة أيام جهله وعدم معرفته بالأمور وعواقبها وهذا الشيء قد لا يساوي عشرين ريال، وضاع هذا الشيء الذي سرق، فلما كبر وعقل وأرشد هذا السائل ندم على فعله هذا وهو يعرف صاحبه، ولكن يستحي منه أن يصرح له بالأمر فماذا يفعل هل يتصدق بقيمتها بعد أن يقومها ويعرف كم تساوى أو ماذا يفعل افتنا أثابكم الله تعالى؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان يعلم صاحبها فالواجب عليه أن يستحله بأي طريقة لأن هذا حق معصوم معين فيجب إيصاله إليه، وأما الحياء فلا ينبغي أن يستحي الإنسان من الحق، فإن الحياء من الحق خور وجبن وضعف في النفس، فالواجب عليه أن يخبر صاحبه إن طلب رد عوض ما سرق فليعطه، أو طلب مثله وأمكن أن يوجد له مثل فليرسل له مثله، وليس في ذلك شيء إطلاقاً، وأنا سمعت قبل أيام عن شخص محترم كان قد أخذ شيئاًَ زهيداً من آخر وقت صباه، فجمع الله بينهما على غير ميعاد فقال له إنني أطلب منك أن تحللني عن شيء أخذته منك في زمن الصبا وسمى له الذي أخذ، فضحك صاحبه، وقال هذا شيء أنت مسامح فيه، فلعل صاحبنا هذا يكون مثله.
***
هذه الرسالة وردتنا من تبوك يقول سؤالي هو أني سرقت حوالي خمسة كفرات سيارة وبعد الصلاة ندمت على ما فعلت ولأني ما ينفعني الندم تمنيت أن يدي تقطعت أرشدوني والله يجيركم ويثيبكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الكفرات التي سرقتها إن كنت تعلم صاحبها وجب عليك ردها إليه بأي وسيلة وإذا كان صاحبها قد مات وجب عليك أن تردها إلى ورثته وإذا لم يكن له ورثة فإنك تردها إلي بيت المال أو تصرفها في المصالح العامة إذا لم يكن هناك من يتقبلها من جهة الدولة وإذا كنت لا تعلم صاحبها سرقتها من سيارة لا تدري من هي له فإنه يجب عليك أن تصدق بقيمتها لأن المجهول كالمعدوم فلما تعذر علم هذا الشخص الذي سرقت منه هذه الكفرات فإنك تتصدق بها عنه أي بقيمتها والله تبارك وتعالى يعلمه ويصل إليه ذلك وأنت تبرأ بها من ذمتك.
***
بارك الله فيكم السائل ع. ح. ب. من السودان يقول إذا جمع شخص أموالاً كثيرة من تجارة في أشياء محرمة ثم تاب إلى الله فهل يجوز له أن يحج من ذلك من المال أو يتصدق منه أو يتزوج منه أو يبني منه مسجداً لله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: كل من اكتسب كسباً على وجه محرم فإن هذا الكسب لا يحل له ويجب عليه التخلص منه وذلك بأن يرده إلى أصحابه إن كان ظلماً محضاً لم يأخذ عنه عوضاً وإلا فإنه يتصدق به تخلصاً منه أو يبني به مسجداً أو ما أشبه ذلك من طرق الخير ولكن لا بنية التقرب إلى الله لأن ذلك لا يفيده فإن من تقرب إلى الله بكسب محرم لم يقبله الله منه لأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً ولا تبرأ ذمته منه أيضاً لأنه لم يرد الخلاص بهذه الصدقة منه ولكن على من اكتسب مالاً محرماً وتاب إلى الله أن يبذله فيما يرضي الله سبحانه وتعالى تخلصاً منه لا تقرب به وبهذا تبرأ ذمته.
***
بارك الله فيكم هذا مستمع للبرنامج لم يذكر الاسم هنا يقول في سؤاله الأول هناك شخص كان عليه دين وبعد مدة ليست بالقصيرة نسي هذا الشخص هل سدد هذا الدين لمستحقيه أم لا فماذا يفعل هذا الشخص؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان على الإنسان دين وشك في تسديده فالأصل بقاؤه حتى يتيقن أنه قد سدده ولكن الوصول إلى اليقين في هذه المسألة سهل يتصل بأصحاب الدين الذين لهم الحق ويسألهم هل قضاهم أم لا وحينئذٍ يعمل بما يجيبونه به ولكن ربما يتيقن أن عليه ديناً لشخص ولكن نسي هذا الشخص ونسي أن يكون قضاه ففي هذه الحالة يُخرج هذا الدين صدقة للفقراء أو مساهمة في بناء مسجد أو في غير ذلك من وجوه الخير ثم إن قدر أن صاحب الدين أتى إليه يخبره فيقول له إن الدين الذي لك علي قد صرفته في كذا وكذا لأني أيست من العثور عليك فإن شيءت فهو ماضٍ والأجر لك وإن لم تشأ فأنا أعطيك هذا الدين ويكون الأجر لي.
***
هذا المستمع رمز لاسمه بـ م. ص. س يقول فضيلة الشيخ بأنه متزوج ومعه عدد من الأطفال وكان غير مهتدي إلى الطريق المستقيم فقد لعبت الميسر وشربت الخمر وأسرفت علي نفسي وعلي أولادي وبعد ذلك هداني الله إلى الطريق المستقيم وقراءة القران والصلاة والصوم بعد أن كنت لا أصوم رمضان أفيدوني جزاكم الله خيرا هل من كفارة عما بدر مني في الأيام السالفة أرجو الإفادة من فضيلة الشيخ مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن هذا سؤال عظيم مهم وفيه ما ذكره السائل من المنكرات العظيمة كالخمر والميسر وما أشار السائل إلى عظمه من الذنوب ولكني أقول إن باب التوبة لم يزل مفتوحاً ولله الحمد فقد فتح الله بابه للتائبين في كل وقت يبسط جل وعلا يده في الليل ليتوب مسيء النهار وبالنهار ليتوب مسيء الليل وقد بين الله سبحانه وتعالى في كتابة أنه يغفر الذنوب جميعا لمن تاب فقال الله تعالى وتبارك (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) وقال الله تعالي (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (69) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) فذكر الله في هذه الآية الشرك وقتل النفس بغير الحق والزنا فالشرك عدوان على الله وقتل النفس عدوان على النفوس والزنا عدوان على الأعراض ومع ذلك بين أن من تاب من هذه الذنوب العظيمة فإن الله سبحانه وتعالى يبدل سيئاته حسنات وقال تعالى (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ) وإذا كان الكافر إذا انتهى عن كفره وتاب إلى الله منه غفر الله له ما سلف فكذلك العاصي إذا انتهى عن معصيته وتاب منها غفر الله له ما قد سلف ولكن الحقوق المتعلقة بالعباد كغصب الأموال وأخذها بغير حق يجب على التائب أن يردها إلى أصحابها فإن كانوا قد ماتوا ردها إلى ورثتهم فإن

جهلهم فإنه يتصدق بها عنهم وتصل إليهم وتبرأ بها ذمته هذا إن لم يكن أخذ هذه الأموال بمعاوضة وعقد بمعاملة مع أصحابها فإذا كان أخذ هذه الأموال بعقد ومعاملة ومعاوضة مع أصحابها فإنه لا يردها إليهم مثل الميسر الذي ذكره السائل إنه كان يأخذه فإن هذا بعقد صادر عن رضا من الآخر فلا يلزمه إن يعيد إليه ما أخذه منه ولكن يتصدق به تخلصا منه ولا يرده إلي صاحبه لأنه لو رده إلى صاحبه لجمع له بين العوض والمعوض أو لو رده إلى صاحبه لرده إليه وهو راض بخروجه منه على وجه محرم نعم لو فرض أن صاحبه جاهل بأن الميسر حرام فهنا نقول رده على صاحبه لأنه أعطاه إياك معذورا وخلاصة القول إن من تاب من أي ذنب فإن الله يتوب عليه لكن إذا كان الذنب متعلق بحقوق الآدميين التي يجب ردها إليهم فإنه لا تتم التوبة إلا برد هذه الحقوق إلى أهلها.
***
هذا السائل يقول بأنه سرق من بيت أحد الأصدقاء قميصاً ولكنني أستحي جداً أن أرده علماً بأنني نادم أشد الندم على فعلتي فماذا أفعل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب عليك أن ترد القميص إلى صاحبه فإن كان قد تلف وجب عليك رد مثله فإن لم يكن له مثل بأن كان مثله قد هجر وتركه الناس وجب عليك رد قيمته ولكن يقع الإنسان في حرج في مثل هذا كيف يرد ما سرقه على صاحبه إن قال هذا مالٌ قد سرقته منك وقع في إشكال فربما يأخذه إلى الجهات المسئولة وربما يدعي أن ماله أكثر من ذلك وما أشبه هذا فماذا يصنع فالجواب يعطي من يثق به هذا المسروق سواءٌ كان مالاً أو دراهم ويقول يا فلان اذهب بها إلى فلان يعني صاحبها وقل له هذه من شخص أعطانيها لك وكفى وإن كانت دراهم يمكن أن يجعلها الإنسان في ظرف ويرسلها في البريد وما أشبه ذلك فإذا وصلت إلى صاحبها بنية أنها أداءٌ لما في ذمته لهذا الرجل فإنها تجزئ.
***

إذا كان الإنسان لصاً وعاش على اللصوصية ثم تاب هل يجب عليه رد كل شيء فعله وثانياً إذا اكتسب إنسان مالاً غير حلال ثم تاب فما حكم هذا المال؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إن الإنسان إذا تاب من اللصوصية فإن من تمام توبته أن يرد الأموال إلى أهلها إن كانوا أحياءً أو إلى ورثتهم إن كانوا أمواتاً ولا تتم توبته إلا بذلك وإن كان يجهلهم مثل أن يكون قد نسيهم أو تغيرت محلاتهم ولا يدري أين ذهبوا فإنه يتصدق بذلك لا تقرباً إلى الله لأنها لا تقربه إلى الله فإن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً ولكن يتصدق به للتخلص منه وإبراء ذمته من تبعته فيتصدق به بنية أنه لصاحبه الذي أخذه منه والله سبحانه وتعالى عليم بذلك يعلم صاحبه وينفعه به وأما ما أخذه من أهله من أهل الأموال بطريق محرم فهذا ينقسم إلى قسمين أحدهما أن يكون برضا الدافع والثاني أن يكون بغير رضاه فما أخذه برضا الدافع فإنه إن تقاضى الدافع عوضاً عنه فلا يرده إليه لأنه إذا رده إليه جمع له بين العوض والمعوض وإن لم يأخذ الدافع عوضاً عنه رده عليه مثال الأول رجل استعمل كاهناً في كهانة فتكهن له والكهانة حرام (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم) ولهذا كان كسبه خبيثاً حراماً لكن لنفرض أن الأمر وقع فتكهن له وأعطاه حلوانه يعني أجرته ثم تاب هذا الكاهن فإنه لا يرد هذا الحلوان إلى الذي أعطاه إياه لأن الذي أعطاه إياه قد أخذ عوضه حيث تكهن له الكاهن ولكنه أي الكاهن يتصدق بهذا العوض الذي أخذه على وجهٍ محرم ولا يرده إلى صاحبه وأما إذا كان أخذه برضى صاحبه ولم يعوضه عنه فإنه يرده إليه مثل أن يتوسط لشخص بأمرٍ واجبٍ عليه أن يتوسط فيه كدفع ظلمٍ عنه فهذا واجبٌ على كل مسلم أن يعين أخاه بدفع الظلم عنه فإذا لم يفعل إلا بعوضٍ يأخذه كان هذا العوض حراماً عليه فإذا تاب وجب عليه أن يرد العوض إلى صاحبه الذي سلمه له وذلك لأنه في مقابلة أمرٍ واجبٍ على

الفاعل وما كان واجباً عليه فإنه لا يجوز أن يأخذ عنه عوضاً هذا إذا كان برضى الدافع وهو يعلمه ففيه هذا التقسيم إن كان قد أخذ عوضاً عنه فلا يرده عليه وإلا رده عليه أما إذا كان المكتسب بغير رضاً من الدافع مثل أن يدعي على شخصٍ ما ليس له ثم يأتي ببينة كاذبة ويحكم له على هذا المدعى عليه فيأخذه فهذا يجب عليه إذا تاب إلى الله أن يرده إلى صاحبه بكل حال وكذلك إذا غصب من أحدٍ شيئاً والغصب غير السرقة لأن السرقة يأخذ من حرزه خفية والغصب يأخذه عياناً جهراً بالقوة كذلك لو غصب من أحدٍ شيئاً وتاب إلى الله فعليه أن يرد هذا المغصوب إلى صاحبه لأنه بغير رضاً منه.
***
السائلة تقول بأنني كنت أقوم بإعطاء الدروس الخصوصية نظراً لأنني مدرسة وكنت لا أعتقد أنها حرام لأن معظم المدرسين يفعلون ذلك أما الآن فقد تأكدت بأنها لا تجوز وندمت على ذلك ولكن هل المال الذي جمع من هذه الدروس حرام أم لا وما السبيل إلى التوبة وهل تكفي لتطهير المال وإن كان حراماً فكيف أتصرف فيه خاصة بأن هذا المال وضعت عليه راتبي من الرواتب السابقة طول المدة فكيف لي التخلص من ذلك مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: من المعلوم أن هذا العمل المحرم ليس محرماً شرعاً في حد ذاته لكنه محرم لنهي ولاة الأمور عنه وهذا العوض الذي أخذته السائلة قد أدت مقابله إلى المتعلمين فهي أعطت عوضاً وأخذت عوضاً وإذا تبين لها الأمر ثم تابت فما اكتسبته حلال ولا يلزمها أن تتصدق به لقول الله تبارك وتعالى في المعاملين بالربا (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ) فلتهنأ بهذا المال الذي اكتسبته ولتعلم أنه لا شبهة فيه ولا إثم عليها فيه.
***
بارك الله فيكم هذا السائل سوداني رمز لاسمه بـ أ. أ. م. يقول فضيلة الشيخ إذا أخذ الإنسان من أخيه حق بغير علمه وأراد أن يرده له وخاف من الفتنة ماذا يعمل مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: السائل يقول إذا أخذ من أخيه حقاً ولعله أراد إذا أخذ من أخيه شيئاً ثم منّ الله عليه فتاب فإن الواجب عليه أن يرده إليه بأي وسيلة وليسلك الوسيلة التي ليس فيها ضرر مثال ذلك لو سرق منه مائة درهم مثلاً ثم تاب وأراد أن يردها إليه من المعلوم إنه لو قال إني سرقت منك هذه الدراهم وإني تبت إلى الله وأردها عليك إنه ربما يحصل في هذا شر وربما يقول المسروق منه إنك سرقت أكثر من ذلك فيحصل خصومة ونزاع فحينئذٍ يمكن أن يجعلها في ظرف ويرسلها مع صديقٍ مأمون ويقول لهذا الصديق أعطها فلان وقل له إن هذه من شخص كان أخذها منك سابقاً ومن الله عليه فتاب وهذه هي وحينئذٍ لو قال له صاحب المال أخبرني من هذا الشخص فإنه لا يلزمه أن يخبره به وله أن يتأول إذا ألجأه إلى أن يخبره به فيقول والله لا أعرفه وينوي بقوله والله لا أعرفه يعني والله لا أعرفه على حالٍ معينة غير الحال التي هو عليها فبذلك تبرأ ذمة الآخذ ويحصل لهذا الواسطة خيرٌ وأجرٌ كثير.
***
بارك الله فيكم السائل من السودان يقول عندما كان شاباً كانوا يخرجون مع بعض الشباب إلى البر ويسرقون ما يجدون من ماعز أو بقر ويقومون بذبح هذا الذي سرقوه ويأكلونه والحمد لله تبنا إلى الله وهدانا إلى الطريق المستقيم مع العلم بأن أصحاب هذه المواشي موجودون الآن وإذا صارحناهم قد تحصل مشاكل لا حد لها وبعضهم قد مات ماذا نفعل يا فضيلة الشيخ أفتونا مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب عليكم وأنتم تعرفون من هي له هذه البقر والغنم أن تؤدوا المظالم إلى أهلها فإن لم تفعلوا فسوف يأخذون هذه المظالم من أعمالكم يوم القيامة وبذلك تكونون مفلسين فقد حدث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذات يوم أصحابه قال (من تعدون المفلس فيكم قالوا من لا درهم عنده ولا متاع قال إن المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات كالجبال فيأتي وقد ظلم هذا وشتم هذا وأخذ مال هذا فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته وهذا من حسناته فإن لم يبق من حسناته شيء أخذ من سيئاتهم وطرح عليه ثم طرح في النار) والمشاكل التي قد تحدث فيما لو صارحتموهم بأنكم سرقتم يمكن تلافيها بأن تعطوا قيمة هذا المسروق من تثقون به من الناس فيسلمها لهم فإن هذا الذي تثقون به إذا كان من معارفهم فلن يتهموه بأنه هو الذي سرق وفي هذه الحال أقول إنكم تعطونهم القيمة لأن الرجوع إلى القيمة هنا قد يكون من الضرورة و إلا فإن الواجب على من أتلف حيوانا لشخص أن يرد عليه مثل هذا الحيوان لأن الحيوان من الأشياء المثلية على القول الراجح من أقوال أهل العلم وإذا لم تجدون من تثقون به من معارفهم الذين يؤدون إليهم حقهم فبإمكانكم أن ترسلوا هذا بالشيك أو بجنيه سوداني في البريد فإن خفتم أن يطلعوا على ذلك بواسطة اسمكم على الشيك تعين أن ترسلوه بالجنيه السوداني أما إذا كان صاحب البقر أو الغنم غير معلوم عندكم فإنكم تتصدقون بقيمة ذلك تخلصا مما في ذممكم ليكون أجره لصاحب البقر والغنم.
***
البائع الذي يخطئ في الحساب قد يعطي للزبون بالزيادة وبالأقل وبدون قصد هل يدفع الخسارة ويأخذ الزيادة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجب على البائع إذا علم أن المشتري أعطاه أكثر مما له يجب عليه أن يرده إليه إن علمه فإن كان قد مات رده إلى ورثته فإن لم يعلمه وأيس من رجوعه فإنه يتصدق به عنه وأما إذا تبين أن المشتري أعطاه أنقص مما له فله أن يبحث عن هذا المشتري ويطالبه بالناقص لكن هل يقبل أو لا يقبل هذا أمر يرجع على المحكمة.
***
هذه السائلة امرأة تقول مرضت ثم نامت في المستشفي لعدة أيام وعند خروجها أخذت معها ما يقارب من أربعين كوبا زجاجيا وأشياء أخرى معها ولم تكن تعلم بحكم عملها هذا وانتقلت من منطقتها إلى منطقة أخرى ماذا يجب عليها هل تقوم بإرجاع ذلك أم تتصدق بثمنها مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أرجو ألا يكون على هذه المرأة إثم فيما أخذت من الأكواب الزجاجية حيث ظنت أن أخذها لا بأس به لكن يجب عليها أن تردها إلى المستشفى سواء انتقلت عن البلد الذي كانت فيه أم بقيت فيه لأن هذا حق لآدمي وحق الآدمي لابد من إيصاله إليه أو استئذانه منه وعلى هذا فيجب عليها أن ترد هذه الكؤوس التي أخذتها إلى المستشفى الذي أخذتها منه.
***
هذا السائل يقول في إحدى الحلقات كانت لكم إجابة على أحد السائلين بأن الرجل الذي أكل مال غيره بغير وجه حق إذا تاب توبة نصوحاً عليه أن يرد المال لصاحبه ولكن إذا كان هذا المال من المال العام فكيف يفعل أفيدونا مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان هذا المال الذي أخذه على غير وجه شرعي من المال العام فليرده إلى من أخذه منه مثلا أخذه من وزارة يرده للوزارة أخذه من مدرسة يرده إلى مدير المدرسة أو قائدها أو ما أشبه ذلك لكن لو أخذ مالا من شخص ثم تاب وكان هذا الرجل المأخوذ منه مجهولا لا يدري أين مكانه ولا يعلم عن أصله ولا نسبه فهنا يتصدق به عنه ثم إذا قدر أنه جاء يوماً من الدهر فليخبره بأنه تصدق به عنه فإن أجاز الصدقة به فثوابه له وإن قال لا أعطني مالي فليعطه ماله وتكون الصدقة للتائب الذي أخذه من قبل.
***
هل التوبة تكفر الربا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التوبة تكفر كل شيء وتهدم ما قبلها من الربا وغيره لكن الربا يقول الله تعالى فيه (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ) يعني إذا تاب الإنسان من معاملة ربوية والمطلوب لم يوفه بعد فإنه ليس له إلا رأس ماله فقط مثال ذلك رجل أعطى شخصاً ألف ريال على أن يكون ألفاً ومائتين بعد سنة فهذا ربا فإذا منّ الله عليه وتاب فلا يأخذ من صاحبه إلا ألف ريال فقط لقوله تعالى (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ).
***
هذا سائل من جمهورية مصر العربية ممدوح يقول تبت إلى الله وعندي مال اكتسبته من الحرام ويستحيل عليّ أن أرده لأهله فماذا أفعل به وإذا تصدقت به فما هو موقف المتصدق عليه إذا كان يعلم إن هذا المال حرام جزاكم الله خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا المال الذي اكتسبه من حرام إذا كان مأخوذا من صاحبه قهرا كالمسروق والمغصوب والمنهوب وما أشبه ذلك وهو يعلم صاحبه فلا بد أن يوصله إلى صاحبه بأي حال من الأحوال مهما كانت النتيجة لأن هذا حق مسلم خاص معلوم صاحبه فعليه أن يوصله إليه بأي وسيلة إما عن طريق شخص موثوق وإما عن طريق البريد وإما بأي وسيلة ولابد من هذا وأما إذا كان صاحبه غير معلوم بأن يكون هذا الرجل أخذ أموالا من أناس كثيرين لكن لا يدري من هم فحينئذٍ يتصدق به تخلصا منه عن أصحابه وهم عند الله تعالى معلومون أما بالنسبة للمتصدق عليه فهو حلال له ولا حرج عليه فيه لأنه كصاحبه الذي تصدق به عليه لا يعلم مالكه فهو له حلال هذا إذا كان أخذه بغير رضا صاحبه أما لو أخذه برضا صاحبه كما لو كانت معاملات ربويه أو ما أشبه ذلك من الأشياء التي تعقد بإذن صاحبها وهي حرام شرعا فإنه لا يردها على صاحبها ولكن يتصدق بها تخلصا منها ولا ينويها عن صاحبها أيضا بل ينوي التخلص فقط وهي حلال لمن تصدق بها عليه.
فضيلة الشيخ: يقول هل يجوز أن أتصدق من هذا المال على أهلي؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز أن يتصدق به على أهله لأنه إذا تصدق به على أهله فكأنه ملكه.
***

الدعاء
السائل يقول حدثونا عن فضل الدعاء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الدعاء هو سؤال الله عز وجل وهو من العبادة لقول الله تعالى (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) وهو في الحقيقة من أسباب معرفة الإنسان قدر نفسه وقدر ربه لأنه لا يسأل ربه إلا وهو يعتقد أنه بحاجةٍ إلى الله وأن الله تعالى عالمٌ بحاله وأنه غني وأنه كريم وقد يتأكد الدعاء في مواطن منها آخر الليل لأنه (ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له) وكذلك بين الأذان والإقامة وكذلك في حال السجود فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمنٌ أن يستجاب لكم) وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) وكذلك عند دخول الإمام يوم الجمعة ما بين مجيئه إلى أن تقضى الصلاة فإن هذا موطن إجابة فيدعو الإنسان بعد فراغ المؤذن من الأذان وإذا شرع الخطيب في الخطبة سكت ويدعو بين الخطبتين ويدعو في صلاة الجمعة كل هذه مواطن إجابة وكذلك يدعو إذا فرغ المؤذن من الأذان وصلى على النبي صلى الله عليه على آله وسلم ودعا لنفسه فإنه حريٌ بالإجابة بل هذا أوسع فإن كل ما بين الأذان والإقامة وقت إجابة للدعاء.
***
هذا مستمع يسأل عن موانع الإجابة في الدعاء وعن أوقات إجابة الدعاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً يجب أن نعلم أن الدعاء نفسه عبادة وأنه يحصل به القربى إلى الله عز وجل لقول الله تعالى (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) ولأن الإنسان إذا دعا ربه فإنه معترف لنفسه بالقصور ولربه بالكمال ولهذا توجه إليه سبحانه وتعالى بالدعاء وهذا تعظيم لله عز وجل وتعظيم الله تعالى عبادة، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدعاء عبادة وإذا كان كذلك فإن الإنسان يحصل له التقرب إلى الله تعالى بمجرد دعائه، ثم إنه إذا دعا حصل له مع العبادة إما ما دعا به يعني يحصل له مقصوده الذي دعا الله أن يحصله، وإما أن يصرف عنه من الشر ما هو أعظم من النفع الحاصل بمطلوبه، ومن ذلك أن يكون هذا المطلوب لو حصل للإنسان لكان له به فتنة، وإما أن يدخر الله له أجره عنده يوم القيامة فكل من دعا الله سبحانه وتعالى فإنه لا يخيب أبداً ولكن الدعاء له شروط بل له آداب منها أن يعتقد الإنسان حين الدعاء أنه في ضرورة إلى ربه وفي افتقار إليه وأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله، ومنها أن يعتقد كمال ربه عز وجل وكمال رحمته وإحسانه وفضله وقدرته ومنها أن يكون مؤمِّلاً وراجياً للإجابة، لا يدعو وهو شاك هل يحصل هذا الشيء أو لا يحصل بل يدعو وهو موقن بالإجابة ومنها ألا يعتدي في دعائه وذلك بأن يسأل الله سبحانه وتعالى ما لا يمكنه شرعاً أو قدراً فإن سأل الله ما لا يمكن قدراً فهذا لا يجوز وهو نوع من السخرية بالله عز وجل، وكذلك لو سأل الله ما لا يمكن شرعاً فإنه طعن في الدعاء ونوع من السخرية بالله عز وجل، ومن الآداب ألا يدعو بما لا يحل شرعاً فلا يدعو بإثم ولا بقطيعة رحم، ومن الآداب أيضاً ألا يكون مطعمه وملبسه من الحرام أي أن يكون مطعمه وملبسه ومسكنه حلالاً فإن الحرام يمنع إجابة الدعاء كما قال النبي صلى

الله عليه وسلم (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بحرام فأنى يستجاب لذلك) فاستبعد النبي صلى الله عليه وسلم أن يستجيب الله لهذا الرجل الذي كان مطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام وهذه المسألة الأخيرة أعني اجتناب الحرام قد تكون عزيزة نادرة في كثير من الناس فمن الذي يسلم من أكل الحرام كثير من الناس يأكل أموال الناس بالباطل بالكذب بالغش بالتمويه والتزوير أو ينقص من واجب وظيفته أو غير ذلك من الأسباب الكثيرة التي توقع الإنسان في الحرام، هذه الستة كلها من آداب الدعاء ينبغي للإنسان أن يراعيها وأن يحرص عليها، أما أوقات الإجابة والأحوال التي ترجى فيها الإجابة فمنها الثلث الأخير من الليل فقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى (ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له) ومنها ما بين الأذان والإقامة فإن الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد ومن الدعاء بين الآذان والإقامة أن تدعو الله في السنة التي تكون قبل الصلاة فإن السنة التي تكون قبل الصلاة فيها دعاء في السجود وفيها دعاء بين السجدتين وفيها دعاء في التشهد ومن الأحوال التي ترجى فيها الإجابة أن يكون الإنسان ساجداً فإن الدعاء في السجود أقرب ما يكون للإجابة قال النبي صلى الله عليه وسلم (ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً فأما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فأكثروا من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم) أي

حري أن يستجاب لكم، وقال النبي عليه الصلاة والسلام (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) فينبغي للإنسان بعد أن يؤدي الذكر الواجب في السجود وهو قوله (سبحان ربي الأعلى) ويكمل ذلك بما ورد مثل (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي) (وسبوح قدوس رب الملائكة والروح) أن يكثر من الدعاء في حال سجوده لأنه أقرب إلى الإجابة، لكن إذا كان إمام فلا ينبغي له أن يطيل إطالة تشق على المؤمنين وتخرج عن السنة التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفعلها وكذلك إذا كان مأموماً لا يتأخر عن الإمام في حال السجود من أجل أن يطيل الدعاء.
يافضيلة الشيخ: وماذا عن ليلة القدر ويوم عرفة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذه أيضاً من أوقات الإجابة عشية عرفة وليلة القدر وهي خير من ألف شهر وهي كغيرها من الليالي بالنسبة للإجابة أي أن آخر الليل فيها وقت إجابة وهي خير من ألف شهر بالدعاء فيها وفي بالبركة التي تحصل بها كما قال تعالى (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ).
***
ما هي أوقات إجابة الدعاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أوقات الإجابة وأحوال الإجابة وأمكنة الإجابة كل هذه ينبغي للإنسان أن يتحراها فمن أوقات الإجابة الثلث الأخير من الليل لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقي ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له حتى يطلع الفجر) وكذلك الدعاء بين الأذان والإقامة فإن الدعاء بين الأذان والإقامة لا يُردُّ، وأما الأحوال فمن الأحوال التي ترجى بها الإجابة حال المضطر فإن المضطر إذا دعا الله استجاب له لقول الله تعالى (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ) ومن ذلك أيضاً إذا كان مظلوماً فإن المظلوم مستجاب الدعوة لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ ابن جبل حين بعثه إلى اليمن (إياك وكرائم أموالهم يعني أخذها في الزكاة واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) ومن الأحوال التي ترجى فيها الإجابة إذا كان الإنسان ساجداً فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً فأما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن يستجاب لكم) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) وأما الأمكنة فإن المساجد ترجى فيها الإجابة أكثر مما ترجى في الأماكن الأخرى، ومن الأماكن التي ترجى فيها الإجابة الطواف بالبيت وقد كان من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم في طوافه بين الركن اليماني والحجر الأسود (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار).
***
ما هي موانع إجابة الدعاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: موانع إجابة الدعاء لا يمكن حصرها في الحقيقة لأن هناك موانع خفية وهي ما يقوم بالقلب من استبعاد الإجابة وما أشبه ذلك ولكن من الموانع الحسية أن يكون الدعاء مشتملاً على ظلم مثل أن يدعو على شخص وهو غير ظالم له أو يدعو بقطيعة رحم أو يكون ممن يأكل الحرام فإن أكل الحرام من أقوى موانع الإجابة قال النبي عليه الصلاة والسلام (إن الله طيب لا يقبل إلا طيب وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم (الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام و غذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك) فاستبعد النبي صلى الله عليه وسلم أن يستجيب الله دعاء آكل الحرام المتغذي به اللابس له مع أنه قد أتى بأسباب إجابة الدعاء فأكل الحرام من أقوى موانع الاجابة سواء كان هذا الحرام حصل بالغش أو الكذب أو الربا أو الظلم أو غير ذلك.
***
في سؤاله الثاني يقول المواضع التي يستجاب فيها الدعاء ما هي وما هي الأماكن كذلك وما هي آداب الدعاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من الأوقات التي يستجاب فيها الدعاء آخر الليل وفي الجمعة ساعة لا يوفقها عبد مسلم يسأل الله شيئاً وهو قائم يصلى إلا أعطاه الله إياه وفي عشية يوم عرفة أي في آخر النهار وفيما بين الأذان والاقامة ومن الأماكن التي يستجاب فيها الدعاء أن يكون الإنسان ساجداً فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً فأما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم) ومع ذلك ينبغي للإنسان أن يكون ملحاً على الله عز وجل في كل وقت في الدعاء لعله يصادف نفحة من نفحات الله سبحانه وتعالى يسعد بها في الدنيا والآخرة وأما آداب الدعاء فكثيرة من أهمها بل هو أهمها الإخلاص لله عز وجل بأن يوقن الإنسان في قلبه حال الدعاء أنه يدعو إلهاً قريباً مجيباً ومنها اجتناب الحرام في الأكل لأن أكل الحرام والتغذي به من الأسباب التي تمنع إجابة الدعاء كما جاء ذلك في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً) (وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين) فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم (الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يارب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك) فاستبعد النبي صلى الله عليه وسلم أن يستجاب لهذا الرجل الذي مطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام ومن آداب الدعاء أن يرفع الإنسان يديه إلا في المواضع التي دلت السنة على أنه لا رفع ومن آداب الدعاء أن يدعو الإنسان ربه وهو على جانب كبير من الأمل بأن الله سبحانه وتعالى

يستجيب دعاءه نسأل الله أن يوفقنا وإخواننا والمسلمين لما فيه الخير وأن يستجيب دعاءنا بما ينفعنا.
***
تقول السائلة سمعت مرة من أستاذ التربية الدينية أن من أكل لقمة واحدة من حرام فإن الله لا يستجيب لدعائه أربعين نهاراً فهل هذا صحيح أرجو إفادتنا مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا أعلم صحة هذا الحديث ولكن له أصل وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام قال النبي صلى الله عليه وسلم (فأنى يستجاب لذلك) فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من كان مطعمه حرام وملبسه حرام وغذاؤه حرام فإنه يبعد أن الله يستجيب دعاءه وهذا يدل على أنه يجب الحذر من أكل الطعام الحرام والتغذي به ولباسه لأنه حري أن تمنع بسببه إجابة الدعاء.
***
المستمع يحي قاسم يقول ما هي الأعمال التي إذا عملها الإنسان قبل أو بعد الدعاء كانت الإجابة مؤكدة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أهم شيء لتحقيق إجابة الدعاء الإخلاص لله عز وجل يعني يدعو الإنسان ربه ويشعر بأنه مفتقر إليه سبحانه وتعالى ومن المهم اجتناب أكل الحرام لأن أكل الحرام مانع من موانع إجابة الدعاء لما ثبت في الحديث الصحيح (إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً) وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم (الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يارب يا رب وملبسه حرام ومطعمه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك) فإذا صدق الإنسان في اللجوء لله عز وجل والافتقار إليه وأخلص لله واجتنب أكل الحرام فإنه حري أن يجاب وليعلم أن الله عز وجل إذا لم يجب العبد في دعائه فإن الله تعالى يدخر ذلك له يوم القيامة أو يصرف عنه من السوء ما هو أعظم من ذلك والداعي لربه على خير على كل تقدير فليدعو ربه وليؤمل الإجابة ولا ييئس من رحمة الله.
***
السائلة منى إبراهيم تقول ما الحكمة في أن دعاء المسافر مستجاب وهل هذا حديث؟
فأجاب رحمه الله تعالى: السفر من أسباب إجابة الدعاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم (ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك) هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام (فأنى يستجاب لذلك) يعني بعيدٌ أن الله تعالى يستجيب لهذا الداعي لكونه متغذياً بالحرام مطعمه أو ملبسه وكذلك تغذيته بالحرام فإنه بعيدٌ أن يستجيب الله دعاءه فقوله يطيل السفر يدل على أن إطالة السفر من أسباب إجابة الدعاء والحكمة في ذلك أن المسافر يكون متفرغ القلب ليس عنده ما يشغله كما يشغله في المدن والقرى ثم إن المسافر في الغالب يدعو دعاء مضطر ملتجئ إلى الله عز وجل لأنه في سفر ولا سيما إذا كان السفر سفر خوفٍ وقلق فإن الداعي سوف يكون إلحاحه بالدعاء وإقباله على الله أكبر مما لو كان على خلاف ذلك وهذا من أسباب إجابة الدعاء.
***
ما هي الأوقات التي يستجاب فيها الدعاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الدعاء له أوقاتٌ وأحوال تكون أقرب إلى الإجابة أما الأوقات فمنها ثلث الليل الآخر لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له) ومنها ما بين الأذان والإقامة فإن ما بين الآذان والإقامة لا يرد الدعاء ومنها ساعة الجمعة وهي ما بين دخول الإمام إلى أن تقضى الصلاة أو آخر ساعةٍ بعد العصر فإن هذه الساعة لا يوافقها عبدٌ مسلم وهو قائمٌ يصلى يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه أما الأحوال التي ترجى فيها الإجابة فهي أحوال السجود فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم) وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) ومنها حال الضرورة فإن الله سبحانه وتعالى يجيب المضطر إذا دعاه ومعلومٌ أن المضطر يدعو بإخلاص وافتقار واعتقاد أن الله قادرٌ على رفع هذه الضرورة ولهذا يستجيب للمضطر ولو كان كافرا كما قال الله تعالى (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) الآية ومنها إذا كان الإنسان مظلوماً فإن دعوة المظلوم لا ترد لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمعاذٍ حين بعثه إلى اليمن (واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) هذه مواضع وأحوال مما ترجى فيه إجابة الدعوة.
***
ما شروط الدعاء المستجاب وحدثونا عن آدابه وما رأي فضيلة الشيخ لمن ينشرح صدره ويبتسم أثناء الدعاء إيماناً بالله ويقيناً بالإجابة واستحضاراً لعظمة الاتصال برب العالمين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من أهم شروط الدعاء الإخلاص لله عز وجل بأن يكون الإنسان بدعائه لله عز وجل مستشعراً فقره إلى ربه وغنى ربه عنه مستشعراً قرب الله تبارك وتعالى عند الدعاء وإجابة الله تعالى للدعاء قال الله تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) ومن آداب الدعاء أن يرفع يديه عند الدعاء لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً) وذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الرجل (يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يقول يا رب يا رب) ومن آداب الدعاء أن يلح الإنسان في الدعاء ويكرر حتى وإن تخلفت الإجابة في أول مرة أو ثاني مرة فليكرر فإن الله تعالى قد يمنع الإجابة عن العبد في أول مرة من أجل أن يزداد في دعاء ربه وافتقاره إليه وأيضاً يكون امتحاناً للعبد هل يستمر في دعائه لله أو يستحسر فيمتنع فألح أيها الأخ المسلم على ربك في الدعاء فإن الله يحب الملحين في الدعاء ولا يحل لإنسان أن يدعو بإثم أو قطيعة رحم لأن هذا من الاعتداء في الدعاء والاعتداء في الدعاء محرم فلو دعا على شخص بشيء لا يستحقه هذا الشخص فقد اعتدى في دعائه فلا يحل له وللدعاء آداب كثيرة معروفة ويرجع في ذلك إلى الكتب المؤلفة في هذا الباب.
***
السائلة إلهام أختكم في الله من الأحساء لها مجموعة من الأسئلة تقول في السؤال الأول من أسباب إجابة الدعاء أن يفتتح بالحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله فهل الأفضل القيام بذلك عند الدعاء بعد التشهد في الصلاة وفي السجود أيضاً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الصلاة كلها حمد وثناء فالإنسان من حين أن يدخل فيها يقول (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك) ثم يقرأ الفاتحة أو يقول (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد) ودعاء الله ثناء عليه لأنه اعتراف من العبد بالقصور واعتراف منه بكمال الله عز وجل ورحمته وعلمه فالصلاة كلها ثناء في التشهد الأخير الذي هو محل الدعاء فيه ثناء على الله وصلاة على رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو يبتدئ التشهد بالتحيات لله والصلوات والطيبات وهذا ثناء على الله ثم يسلم على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم على نفسه وعلى عباد الله الصالحين ثم يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم فلا يحتاج بعد ذلك إلى صيغة معينة في الحمد والثناء على الله أو في الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بل إذا فرغ من قوله (أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال) دعا بما أراد.
***
السائلة ص م من الكويت تقول سمعت بأن الدعاء بعد صلاة العصر من يوم الجمعة مستجاب إن شاء الله فكيف يكون الدعاء وما هي الآيات المفضلة وهل يكون الدعاء والقراءة صلاة؟ …

فأجاب رحمه الله تعالى: (في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلى يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه الله إياه) وقد اختلف العلماء في هذه الساعة على أقوال كثيرة وأرجاها ساعتان الساعة الأولى إذا خرج الإمام لصلاة الجمعة يعني إذا دخل المسجد وجلس على المنبر إلى أن تقضى الصلاة فهذه أرجى ساعة في إجابة الدعاء وذلك لأن الناس في هذه الساعة مجتمعون على صلاة وانتظار صلاة ويمكن للإنسان أن يدعو في صلاة الجمعة في السجود وبعد التشهد الأخير ويدعو بما يشاء والساعة الثانية التي ترجى فيها إجابة الدعاء ما بعد صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس لكن هذا يشكل عليه إن الحديث فيه قيد وهو أن الداعي قائم يصلى وأجاب العلماء رحمهم الله عن ذلك بأن الإنسان إذا كان في انتظار صلاة المغرب فهو في صلاة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل يتوضأ من بيته يسبغ الوضوء ثم يخرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخطو خطوة إلا رفع الله له بها درجة وحط عنه بها خطيئة فإذا أتى المسجد وصلى وجلس ينتظر الصلاة فإنه لا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة وعلى هذا فإذا ارتقب الإنسان غروب الشمس وهو جالس ينتظر صلاة المغرب ودعا فإنه يرجى أن يستجاب له وليدعو الله تعالى بما شاء وبما أحب من أمور الدين والدنيا سواء كان على سبيل العموم مثل أن يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أو على سبيل الخصوص مثل أن يقول اللهم ارزقني بيتا واسعا وارزقني مالا كثيرا طيبا وارزقني كذا وكذا لأن دعاء الله تعالى عبادة على كل حال قال الله تعالى (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) حتى لو دعوت الله عز وجل بشي من أمور الدنيا الطفيفة فإن ذلك عبادة لذلك نحث إخواننا على كثرة دعاء الله عز وجل لأنه يحصل له بذلك واحد من أمور ثلاثة إما إن يستجيب

الله له دعاءه وإما أن يدخره عنده إلى يوم القيامة وإما إن يصرف عنه من السوء ما هو أنفع له.
***
هل صحيح بأن الدعاء لا يصعد للسماء للقبول إلا إذا كان قبله وبعده صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وما الدليل على ذلك أفيدونا مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قبل الدعاء والبداءة بحمد الله والثناء عليه قبل الدعاء هذا هو الأفضل وهو المشروع فإذا أراد أحد أن يدعو الله عز وجل فليبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو بما شاء ولو دعا بدون ذلك فلا حرج عليه فيه وليس تركه للحمد والثناء على الله تعالى والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم بمانع من قبول دعوته بل قد يقبل دعاؤه وإن لم يفعل وأما الحديث الذي أشار إليه فإنه ما يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله (الدعاء موقوف بين السماء والأرض حتى تصلى على نبيك) ولكنه لا يحضرني الآن مدى صحة هذا الحديث.
***
ما حكم الدعاء أثناء الأذان؟

فأجاب رحمه الله تعالى: متابعة المؤذن وإجابته أفضل من الدعاء فإذا قال الله أكبر فقل الله أكبر وإذا قال أشهد أن لا اله إلا الله فقل أشهد أن لا اله إلا الله وإذا قال أشهد أن محمدا رسول فقل أشهد أن محمداً رسول الله وإذا قال حي على الصلاة فقل لا حول ولا قوة إلا بالله وإذا قال حي على الفلاح قل لا حول ولا قوة إلا بالله وإذا قال الصلاة خير من النوم في الأذان لصلاة الفجر فقل الصلاة خير من النوم وإذا قال الله أكبر فقل الله أكبر وإذا قال لا اله إلا الله فقل لا اله إلا الله وهذا أفضل من الدعاء وأفضل من قراءة القرآن لأنه ذكر خاص يفوت بفوات وقته ولكن إذا فرغ المؤذن فقل (اللهم صلِّ على محمد) (اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمد الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد) ثم ادع الله تعالى بما شيءت فإن الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد
***
رسالة وصلت من المستمع عزت يوسف طه يقول فيها يقول الله تبارك وتعالى (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) ونحن ندعو كثيراً ولم يستجب لدعائنا ترى ما الأسباب في ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أسأل الله تعالى لي ولإخواني المسلمين التوفيق للصواب عقيدة وقولاً وعملاً يقول الله عز وجل (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) ويقول السائل إنه دعا الله عز وجل ولم يستجب الله له فيستشكل هذا الواقع مع هذه الآية الكريمة التي وعد الله تعالى فيها من دعاه أن يستجيب له والله سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد والجواب على ذلك أن للإجابة شروطاً لا بد أن تتحقق وهي:
الشرط الأول الإخلاص لله عز وجل بأن يخلص الإنسان في دعائه فيتجه إلى الله سبحانه وتعالى بقلب حاضرٍ صادقٍ في اللجوء إليه عالم بأنه عز وجل قادر على إجابة الدعوة مؤملاً الإجابة من الله سبحانه وتعالى.

الشرط الثاني أن يشعر الإنسان حال دعائه بأنه في أمس الحاجة بل في أمس الضرورة إلى الله سبحانه وتعالى وأن الله تعالى وحده هو الذي يجيب دعوة المضطر ويكشف السوء أما أن يدعو الله عز وجل وهو يشعر بأنه مستغن عن الله سبحانه وتعالى وليس في ضرورة إليه وإنما يسأل هكذا عادة فقط فإن هذا ليس بحري بالإجابة.
الشرط الثالث أن يكون متجنباً لأكل الحرام فإن أكل الحرام حائل بين الإنسان والإجابة كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً وإن الله أمر به المؤمنين بما أمر المرسلين ثم قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) وقال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً) ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يطيل السفر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسة حرام وغذي بالحرام قال النبي صلى الله عليه وسلم فأنى يستجاب لذلك) فاستبعد النبي صلى الله عليه وسلم أن يستجاب لهذا الرجل الذي قام بالأسباب الظاهرة التي بها تستجلب الإجابة وهي رفع اليدين إلى السماء يعني إلى الله لأنه تعالى في السماء فوق العرش ورفع اليد إلى الله عز وجل من أسباب الإجابة كما جاء في الحديث الذي رواه أحمد في المسند (إن الله حي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً).

ثانياً هذا الرجل دعا وتوسل إلى الله تعالى يا رب يا رب والتوسل إلى الله تعالى بهذا الاسم من أسباب الإجابة لأن الرب هو الخالق المالك المدبر لجميع الأمور وبيده مقاليد السموات والأرض ولهذا تجد أكثر الدعاء الوارد في القرآن بهذا لاسم (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) فالتوسل إلى الله تعالى بهذا الاسم من أسباب الإجابة.

ثالثاً هذا الرجل كان مسافراً والسفر غالباً من أسباب الإجابة لأن الإنسان في السفر يشعر بالحاجة إلى الله عز وجل و الضرورة إليه أكثر مما إذا كان مقيماً في أهله وأشعث أغبر كأنه غير معني بنفسه كأن أهم شيء عنده أن يلتجيء إلى الله ويدعوه على أي حال كان هو سواء كان أشعث أغبر أم مترفاً والشعث و الغبر له أثر في الإجابة كما في الحديث الذي روى عن النبي عليه الصلاة والسلام (أن الله تعالى يتجلى إلى السماء الدنيا عشية عرفة يباهي الملائكة بالواقفين فيها يقول أتوني شعثاً غبراً ضاحين من كل فج عميق) هذه الأسباب الثلاثة لإجابة الدعاء لم تجد شيئاً لكون مطعمه حراماً وملبسه حراماً وغذي بالحرام قال النبي عليه الصلاة والسلام (فأنى يستجاب لذلك) هذه الشروط في إجابة الدعاء إذا لم تتوفر فإن الإجابة تبدوا بعيدة فإذا توفرت ولم يستجب الله تعالى للداعي فإنما ذلك لحكمة يعلمها الله عز وجل ولا يعلمها هذا الداعي (وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ) وإذا تمت هذه الشروط ولم يستجب الله عز وجل فإنه إما أن يدفع عنه من السوء ما هو أعظم وإما أن يدخرها له يوم القيامة فيوفيه الأجر أكثر وأكثر لأن هذا الداعي الذي دعا بتوفر الشروط ولم يستجب له ولم يصرف عنه من السوء ما هو أعظم يكون قد فعل الأسباب ومنع الجواب لحكمة فيعطى الأجر مرتين مرة على دعائه ومرة على مصيبته بعدم الإجابة فيدخر له عند الله عز وجل ما هو أعظم وأكمل ثم إن من المهم أيضاً ألا يستبطىء الإنسان الإجابة فإن هذا من أسباب منع إجابته أيضاً كما جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل قالوا كيف يعجل يا رسول قال يقول دعوت ودعوت فلم يستجب لي) فلا ينبغي للإنسان أن يستبطىء الإجابة ويستحسر عن الدعاء ويدع الدعاء بل يلح في الدعاء فإن كل دعوة تدعو بها الله عز وجل فإنها عبادة تقربك إلى الله سبحانه وتعالى وتزيدك أجراً فعليك يا أخي

بدعاء الله سبحانه وتعالى في كل أمورك العامة والخاصة والشديدة واليسيرة ولو لم يكن من الدعاء ألا أنه عبادة لله سبحانه وتعالى كان جديراً بالمرء أن يحرص عليه
***
السائلة من الأردن تقول أرجو من فضيلة الشيخ أن يعلمني الطريقة المناسبة للدعاء وهل هو في يوم الجمعة فقط وهل في يوم الجمعة ساعة مستجابة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الدعاء عبادة من العبادات لقول الله تبارك وتعالى (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) ومن دعا الله عز وجل فهو غانم على كل حال لأن مجرد الدعاء عبادة ثم إن الدعاء لا يشترط لإجابته ساعة معينة بل الله تعالى أطلق فقال (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) وقال تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي) لكن هناك حالات تكون أقرب إلى الإجابة وأوقات تكون أقرب إلى الإجابة وربما أمكنة تكون أقرب إلى الإجابة أما الحالات التي تكون أقرب إلى الإجابة فهي حال المضطر فإن الله تعالى يجيب دعوة المضطر ولو كان كافراً لقول الله تعالى (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) وقوله تعالى (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ) ومنها حال الظلم فإن المظلوم تجاب دعوته لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ ابن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن بما أوصاه به من شرائع الدين فقال له (واتقِ دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) ومنها كون الإنسان ساجدا في صلاته فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وهناك أزمنة ترجى فيها الإجابة كآخر الليل فإن الله تعالى ينزل إلى السماء

الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول (من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له) وكذلك (في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلى يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه) وأقرب ما تكون هذه الساعة هي ما بين أن يخرج الإمام إلى أن تقضى الصلاة ثم ما بعد العصر ومنها أي من الأزمنة التي ترجى فيها الإجابة ما بين الأذان والإقامة فإن الدعاء ما بين الأذان والإقامة لا يرد وأما الأمكنة فالظاهر أن الدعاء في المساجد أقرب إلى الإجابة من الدعاء في غير المساجد لا سيما في المساجد الثلاثة المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى لكن للدعاء شروط منها أكل الحلال فإن أكل الحرام مظنة رد الدعاء (لقول النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك) فاستبعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يستجاب لهذا الرجل لأنه كان يأكل ويشرب الحرام ويتغذى به ومن الشروط أن يخلص في الدعاء فيدعو الله عز وجل بعزم وثبات وإيقان بالإجابة إلا لسبب وأما أن يدعو دعاء المستغني الذي لا يبالي أُجيب أم لم يجب فإن إجابته بعيدة ثم إن للدعاء آداب فمن آداب الدعاء أن يرفع يديه إلا في المواضع التي لم يرد فيها رفع اليدين إما صريحا وإما ظاهرا فالأفضل ألا يرفع يديه فمثلا الدعاء في التشهد لا ترفع فيه الأيدي والدعاء في خطبة الجمعة لا ترفع فيه الأيدي إلا في الاستسقاء أو في الاستصحاء ودعاء الاستفتاح اللهم باعد بيني وبين خطاياي لا ترفع فيه الأيدي والاستغفار بعد الصلاة لا ترفع فيه الأيدي والمهم أن من آداب الدعاء أن يرفع الإنسان يديه إلا إذا وردت السنة صريحا أو ظاهرا بعدم الرفع فلا ترفع الأيدي ومن آداب الدعاء أن يبدأه بالحمد لله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويختمه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم

وليعلم أن الله لا يقبل الدعاء بإثم ولا بقطيعة رحم ولا بظلم فلو دعا الإنسان دعاء يأثم به فلن يستجيب الله عز وجل له ولو دعا الله تعالى بقطيعة رحم فلن يستجيب الله عز وجل له ولو دعا الله بظلم بأن دعا على شخص بغير سبب يبيح له الدعاء عليه فإن الله لا يستجيب له لأن الدعاء حينئذٍ ظلم وقد قال الله تعالى (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ).
***
السائل ر. م. ك يقول فضيلة الشيخ ما هي مواضع إجابة الدعوة وأوقاتها وهل بقول يا رب ثلاث مرات وقول يا أرحم الراحمين ثلاث مرات يكون الدعاء مستجاب؟
فأجاب رحمه الله تعالى: من أهم وسائل إجابة الدعوة الإخلاص لله عز وجل قال الله تعالى (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ولهذا إذا أخلص اٌلإنسان الدعاء ولا سيما في حال الشدة استجاب الله دعاءه ولو كان كافرا" كما قال الله تبارك وتعالى (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) فهذا أعني الإخلاص وظهور الافتقار إلى الله عز وجل من أكبر أسباب الإجابة.
ثانيا أن الإنسان إذا دعا ربه فلا يدعوه تجربة فيقول في قلبه سأنظر هل يستجيب الله دعائي أو لا بل إذا دعا الله يدعو ربه وهو موقن بالإجابة إلا أن يكون هناك مانع يمنع بسبب فعل العبد.

ثالثاً ألا يعتدي في الدعاء بأن يسأل ما لا يمكن أو ما هو بعيد أن يستجاب وأريد ببعيد أي من حيث الشرع فمثلا لو سأل الله تعالى أن يجمع له بين النقيضين هذا محرم ولا يجوز لأن هذا غير ممكن عقلاً أو سأل الله تعالى أن يرزقه نكاح هند وأختها فهو أيضا محرم لأنه ممتنع شرعا وما أشبه ذلك فلا بد أن يكون الدعاء لا عدوان فيه ومن أسباب إجابة الدعاء أن يفعل الأسباب التي تستجلب الإجابة مثل رفع اليدين والتوسل إلى الله تعالى بربوبيته والتوسل إلى الله بالإيمان والعمل الصالح وما أشبه ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر الرجل يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب وهو قد أطال السفر أشعث أغبر.
ومن أسباب الإجابة أن يكون الإنسان في وقت ترجى فيه الإجابة وذلك مثل آخر الليل فإن الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا فيقول (من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له).
ومنها أن يكون الإنسان ساجدا فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (أما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم) وقال (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) لكن هنا شيء مهم وهو أن أكل الحرام مانع من موانع الإجابة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك فاستبعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يستجاب للرجل إذا كان يتغذى بالحرام طعاما وشرابا وكسوة وهذا يوجب للمؤمن أن يحذر حذرا عظيما من أكل المحرم والحرام كل ما أخذ بغير حق سواء كان سرقة أم غصبا أم زيادة الثمن بالغش أم زيادة الثمن بالربا المهم كل مال أخذه الإنسان بغير حق فإنه من الحرام وإذا تغذى به والعياذ بالله فإنه بعيد أن يستجاب دعاؤه ولو كان قد اتصف بالأوصاف الجالبة للقبول.
***
حدثونا عن آداب الدعاء وما هي أوقات الاستجابة وما موانع الدعاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من آداب الدعاء وهو أهمها
أن يخلص الإنسان في دعائه لله عز وجل وأن يعلم أن الله على كل شيء قدير وأن الأمر بيده وأنه إذا أراد شيئا قال له كن فيكون.
ثانيا أن يحسن الظن بالله تبارك وتعالى وأن الله سيجيب دعاءه ولا يستحسر فيقول دعوت ودعوت فلم يستجب لي
ثالثا أن يحرص على الأدعية الواردة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنها خير الدعاء وأجمعه وأنفعه
رابعا أن يرفع يديه إلى الله عز وجل في غير المواضع التي وردت السنة بعدم الرفع فيها فإنه لا يرفع يديه فيها
خامسا أن يبدأ بالثناء على الله عز وجل والصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأن هذا من أسباب إجابة الدعاء.
أما موانع إجابة الدعاء:
فمنها أن يدعو الإنسان ربه وهو شاك متردد.
ومنها أن يكون معتديا في دعائه فإن الله تعالى لا يحب المعتدين ولا يجيب دعاءهم.

ثالثا أن يكون آكلا للحرام لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا) وأن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً) ثم ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك أما مواطن إجابة الدعاء فمنها السجود فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم) وقال (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) ومنها الدعاء بعد التشهد الأخير لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما ذكر التشهد قال (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه) ومنها الدعاء في آخر الليل (فإن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له) ومنها الدعاء بين الأذان والإقامة فإنه لا يرد ومنها الاضطرار فإن الله تبارك وتعالى لا يرد دعوة المضطر كما قال تعالى (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) ومنها الظلم فإن المظلوم لا ترد دعوته لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن وأمره أن يأخذ الزكاة قال (إياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب).
***
هذه رسالة وردت من المرسل محمد جميل حسين مصطفي من الجمهورية العراقية يقول إن من أحد شروط الدعاء هو التكرير ثلاثاً وقد قرأ الخطيب في يوم الجمعة وذكر الدعاء مرة واحدة بعد خطبة المسجد هل يجوز هذا أرجو توضيح ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس الأمر كما فهم هذا الأخ بأنه من شروط الدعاء أن يكرر ثلاثاً بل هذا من الآداب التي ليست بشرط ويجوز للإنسان أن يدعو الله تعالى مرةً واحدة بدون أن يكرر الجملة التي دعا بها فتكرارها من باب الأدب لا من باب الشروط.
***
ما أحسن الدعاء الذي يستحب أن يردد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أفضل الدعاء وأجمعه قوله تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) فهذا أجمع ما يكون من الدعاء لأنه جمع بين خيري الدنيا والآخرة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو به كثيرا فيدعو الإنسان بهذا الدعاء وكذلك بالأدعية الواردة حتى يكون عاملاً بالسنة من جميع الوجوه.
***
ما حكم الاستثناء في الدعاء بقولنا إن شاء الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الاستثناء في الدعاء نوعان أحدهما جائز والثاني ممنوع أما الجائز فمثل دعاء الاستخارة اللهم إن كنت تعلم أن هذا خير لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي هذا دعاء معلق كذلك في آية اللعان في سورة النور إذا رمى الرجل زوجته بالزنا والعياذ بالله قيل له أقم البينة وإلا فحد في ظهرك أو ملاعنة فإذا اختار الملاعنة فسيشهد على زوجته بأنها زنت أربع مرات ويقول في الخامسة (أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ) وتقول هي إنه كاذب وتشهد أربع شهادات بالله (إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ) فهذا استثناء جائز لا بأس به ومن ذلك ما ذكره ابن القيم رحمه الله عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية أنه كان يقدم إلى الناس جنائز من أهل البدع فيشكل عليه أهم كفار أم مسلمون يقول إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فسأله عن هذه المسألة فقال له عليك بالشرط يا أحمد وأحمد اسم شيخ الإسلام ابن تيميه وعليك بالشرط يعني اشترط وكيفية الاشتراط أن يقول اللهم إن كان هذا الميت مسلما فاغفر له وارحمه والله يعلم إن كان مسلما فقد دعوت بحق وإن كان غير مسلم فقد فوضت الأمر إلى الله فهذا الاستثناء في الدعاء جائز.
النوع الثاني استثناء لا يجوز لما يوهمه من معنى لا يليق بالله عز وجل مثل أن يقول القائل اللهم اغفر لي إن شيءت اللهم ارحمني إن شيءت اللهم أجرني من النار إن شيءت اللهم أدخلني الجنة إن شيءت هذا لا يجوز لأن هذا الاستثناء يوهم معنيين فاسدين.
المعنى الأول أن هذا أمر عظيم يشق على الله عز وجل فتقول إن شيءت كما تأمر غيرك بأمر وتشك في قدرته عليه فتقول إن شيءت حتى لا ترهقه.

المعنى الثاني أن هذا يوهم أن الله تعالى يجيب السائل مكرها فيقول الرجل إن شيءت فكأن وراء الله من يستطيع أن يمنعه ومعلوم أن الله لا مكره له ولا يعجزه شيء ولا يتعاظمه شيء أعطاه فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا فقال (لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شيءت اللهم ارحمني إن شيءت وليعزم المسألة فإن الله لا مكره له) ثم إن فيه محظوراً آخر أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله وليعزم المسألة وهو أنه إذا قال إن شيءت فكأن هذا الداعي مستغني عن الله فكأنه يقول إن شيءت فافعل وإن شيءت فلا تفعل فأنا لا يهمني فلذلك ينهى عن الاستثناء على هذا الوجه أما قول إن شاء الله فهذا ينظر إن قصد الإنسان بقوله إن شاء الله أن هذا الأمر يقع بمشيئة الله فهذا لا ينهى عنه وأما إذا كان بمعني إن شيءت فهذا ينهى عنه ولم نجزم بأنه بمعنى إن شيءت لأن الإنسان لم يخاطب الله به بل قال إن شاء الله على سبيل تعظيم الله عز وجل لكن مع هذا نرى أن الأفضل ألا يقول غفر الله لك إن شاء الله ردك الله سالما إن شاء الله وما أشبه ذلك بل نقول اجزم.
فإن قال قائل أليس من دعاء عيادة المريض أن يقول العائد للمريض (لا بأس طهور إن شاء الله) فالجواب بلى لكن هذا من باب الخبر ليس من باب الدعاء يعني أرجو الله أن يكون طهورا لك إن شاء الله فهو من باب الرجاء لأن المرض قد يكون طهورا للإنسان وقد لا يكون فالإنسان إذا صبر صار طهوراً له كما قال النبي عليه الصلاة والسلام (ما من شيء يصيب المسلم هم أو غم أو أذى إلا كفر الله به عنه حتى الشوك يشاكها) هذا الحديث أو معناه.
***
صلاح عبد الله من السودان بعث برسالة يقول فيها كيف أدعو بالأسماء الحسنى هل أدعو بالتسعة والتسعين اسماً جميعاً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يقول الله عز وجل (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) وليس المعنى أن ندعوه بجميع هذه الأسماء لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو الله بأسمائه من غير أن يجمعها كلها وكيفية الدعاء بالأسماء أن تقدمها بين يدي دعائك متوسلاً بها إلى الله أو أن تختم بها دعاءك مثال الأول أن تقول اللهم يا غفور اغفر لي يا رحيم ارحمني وما أشبه ذلك ومثال الثاني أن تقول رب اغفر لي و ارحمني إنك أنت الغفور الرحيم وقد طلب أبو بكر الصديق من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته فقال له النبي صلى الله عليه وسلم قل (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) وكما يجوز التوسل إلى الله تعالى بأسمائه عند الدعاء فإنه يجوز أن يتوسل الإنسان بصفات الله عند الدعاء كما في الحديث الصحيح (اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيراً لي) فهذا توسل إلى الله تعالى بعلمه وقدرته وكذلك قول القائل في دعاء الاستخارة (اللهم إني استخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب) فالتوسل إلى الله تعالى في الدعاء بأسمائه أو بصفاته سواء كان ذلك على سبيل العموم أو على سبيل الخصوص هو من الأمور المطلوبة وقد عرفت الأمثلة في ذلك ومن التوسل بأسماء الله على سبيل العموم ما جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه في دعاء الهم والغم (اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي فإنه ما دعا به داعٍ مهموم أو مغموم إلا فرج الله به عنه) ففيه التوسل بأسماء الله عامة اسألك بكل

اسم هو لك سميت به نفسك لكنه لم يعددها.
***
يقول السائل نشاهد بعض الناس يضعون الوريقات على سياراتهم وعلى أبوابهم فيها دعاء الخروج ودعاء كفارة المجلس ودعاء الركوب فما حكم هذا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا لا أظن فيه بأساًَ لأنه تذكير للناس وكثير من الناس لا يحفظون هذه الأدعية فإذا كتبت أمامهم سهل عليهم تلاوتها وقراءتها ولا حرج في هذا مثل أن يكتب الإنسان في مجلسه دعاء كفارة المجلس حتى ينبه الجالسين إذا قاموا أن يدعو الله سبحانه وتعالى بذلك وكذلك ما يكون في الملصقات الصغيرة أمام الراكب في السيارات من دعاء الركوب والسفر فإن هذا لا بأس به.
***
هذا أخوكم مجدي مقيم بدولة العراق وهو من جمهورية مصر العربية يقول في سؤاله فضيلة الشيخ نريد القول الفصل في رفع اليدين في حال الدعاء وعند القنوط؟
فأجاب رحمه الله تعالى: القول الفصل في هذا أن الأصل أن من آداب الدعاء أن يمد الإنسان يديه إلى ربه كالفقير المستجدي ويدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم (إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً)وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، إلا إذا دلت السنة على عدم الرفع، وهذه المسألة لها أقسام:

القسم الأول ما وردت السنة بتركه، مثل رفع اليدين في الدعاء حال خطبة الجمعة فإن الصحابة رضى الله عنهم أنكروا على بشر بن مروان رفع يديه في خطبة الجمعة حين الدعاء إلا في شيء واحد وهو الدعاء بالاستسقاء أو الاستصحاء فإنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه في خطبة الجمعة فقد دخل رجل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس فقال يا رسول الله (هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يغيثنا، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال (اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، ورفع الناس أيديهم معه، فأنشأ الله سحابة مثل الترس ثم لما توسطت السماء انتشرت ورعدت وبرقت ونزل المطر قبل أن ينزل النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر، ما نزل إلا والمطر يتحدر من لحيته، وبقي المطر أسبوعاً كاملاً، وفي الجمعة الثانية دخل رجل أو الرجل الأول وقال يا رسول الله غرق المال وتهدم البناء فادع لله يمسكها عنا، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال اللهم حوالينا ولا علينا وجعل يشير إلى النواحي فما يشير إلى ناحية إلا انفرجت وخرج الناس يمشون في الشمس، ففي حال الاستسقاء يرفع الإنسان يديه إلى ربه عز وجل ولو في خطبة الجمعة.
القسم الثاني ما ظاهر السنة فيه عدم الرفع وذلك في الدعاء في الصلاة، فإن الظاهر أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه فهو يجلس بين السجدتين ويقول رب اغفر لي وارحمني، ولم ينقل عنه أنه رفع يديه مع حرص الصحابة على تتبع أقواله وأفعاله في صلاته ونقلها.
القسم الثالث أن تكون السنة قد وردت بالرفع فيه، كما ثبت ذلك في الدعاء على الصفا وعلى المروة، وفي الدعاء في عرفة، وغير ذلك حتى أوصلها بعض العلماء إلى أكثر من ثلاثين موضعاً مما جاءت السنة فيه صريحة بالرفع، والأمر في هذا ظاهر أن الإنسان يرفع يديه.

القسم الرابع ما لم ترد السنة به لا بهذا ولا بهذا فالأصل الرفع، وإن لم يرفع فلا بأس، ولا شك أن الرفع فيه زيادة ابتهال إلى الله عز وجل وطمعاً في رحمته ولهذا كان من آداب الدعاء إلا ما وردت السنة بخلافه.
***
ماحكم رفع اليدين في الدعاء بعد كل صلاة هل يعتبر بدعة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: رفع اليدين بالدعاء من أسباب إجابة الدعاء ومن آداب الدعاء كقول النبي عليه الصلاة والسلام (إن الله حيي كريم يستحي من عبده إ ذا رفع يديه أن يردهما صفرا ً) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى الله يا رب يا رب وهذا يدل على أن رفع اليدين في الدعاء من آداب الدعاء ومن أسباب الإجابة، وعلى هذا فالأصل أنه يسن لكل من دعا الله عز وجل أن يرفع يديه إلا ما دل الدليل على خلافه، فمما دل الدليل على خلافه وأنه لا يرفع يديه في الدعاء، الدعاء في خطبة الجمعة فإن الدعاء في خطبة الجمعة لا ترفع فيه الأيدي لا من الإمام ولا من المستمعين للخطبة إلا في حال الاستسقاء فإنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه وهو يخطب يقول (اللهم أغثنا، اللهم أغثنا) اللهم أغثنا، ورفع الصحابة أيديهم معه، وكذلك في الاستصحاء فإنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه الرجل يشكو إليه أن المطر هدم البناء وأغرق المال رفع يديه صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس يوم الجمعة فقال (اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر) أما إذا دعا في خطبة الجمعة بغير ذلك فإنه لا يرفع يديه ولهذا أنكر الصحابة رضي الله عنهم على بشر بن مروان حين دعا في خطبة الجمعة ورفع يديه وقالوا قبح الله هاتين اليدين فنهوه عن ذلك، ومن المواضع التي لم يرد رفع اليدين فيها بل الظاهر فيها عدم الرفع الدعاء في الصلاة بين السجدتين والدعاء في الصلاة في آخر التشهد وأما دعاء القنوت فإنه ترفع فيه الأيدي لأن ذلك جاء

عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وأما الدعاء بعد الصلاة فإننا نقول الأصل أنه لا دعاء بعد الصلاة وأن الدعاء إنما يكون قبل السلام، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر التشهد في حديث ابن مسعود رضى الله عنه قال (ثم ليتخير من الدعاء ما شاء وليدع به) فالدعاء إنما يكون قبل أن تسلم ما دمت بين يدي الله عز وجل تناجي ربك فهذا أقرب إلى الإجابة مما لو دعوت بعد الانصراف من الصلاة، لأنه إذا انصرف الإنسان من صلاته انقطعت المناجاة بينه وبين ربه ولا شك أن دعاءه حال المناجاة لربه عز وجل أقرب إلى الإجابة من الدعاء بعد انقطاع المناجاة، حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال إنما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل حين قال له (لا تدعنَّ أن تقول دبر كل صلاة مكتوبة اللهم أعني على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك) قال إن هذا يكون قبل السلام في آخر الصلاة وقال إن المراد بدبر الصلاة آخرها، لأن دبر كل شيء منه ولهذا يقال دبر الحيوان لمؤخره منه، وما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله من أن الدعاء إنما يكون قبل السلام في آخر الصلاة هو الأقرب، وبناء على ذلك نقول ما قيد بدبر الصلاة فإن كان ذكراً فمحله بعد السلام، وإن كان دعاء فمحله قبل السلام، فيكون حديث معاذ بن جبل رضى الله عنه قبل السلام في آخر الصلاة لأنه دعاء، ويكون التسبيح والتحميد والتكبير المقيد بدبر الصلاة يكون بعد السلام لأنه ذكر، وقد قال الله تعالى (فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) فمحل الذكر بعد السلام فإذا ورد ذكر مقيد بدبر الصلاة فإنه يكون بعد السلام، ومحل الدعاء قبل السلام في آخر التشهد لحديث ابن عباس الذي ذكرناه آنفاً فيكون ما قيد بدبر الصلاة من الدعاء قبل السلام، أما ما يعتاده بعض الناس من كونهم إذا سلموا من صلاة الفريضة أو النافلة رفعوا أيديهم بصفة مستمرة فهذا بلا شك ليس

من السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واتخاذه قربة يتقرب بها الإنسان إلى ربه ويجعل هذا المكان موضعاً له على سبيل التقييد لا شك أنه بدعة وأنه ينبغي للإنسان أن يتجنبه، لكن لو دعا أحياناً ورفع يديه بعد النافلة أو بعد الفريضة فأرجو ألا يكون في ذلك بأس لأنه فرق بين الأمور الراتبة التي يجعلها الإنسان سنة يستمر فيها وبين الأمور العارضة، فالأمور العارضة قد يتسامح فيها بخلاف الأمور المستمرة الدائمة فلابد من ثبوت أنها سنة.
***
هل ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرفع يديه بالدعاء بعد صلاة الفريضة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرفع يديه للدعاء بعد الفريضة ولا بعد النافلة أيضاً بل إن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد أمته إلى أن يكون دعاؤهم قبل السلام ففي حديث عبد الله بن مسعود (حين علمه النبي صلى الله عليه وسلم التشهد قال ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) فمن أراد أن يدعو الله عز وجل فليدع الله قبل أن يسلم لأنه في حال مناجاة الله عز وجل ولأنه يصيب الموضع الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا كان تأخير الدعاء إلى ما بعد السلام مخالف لما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم ولما يقتضيه النظرالصحيح لأن النظر الصحيح يقتضي أن يكون الدعاء حين مناجاة الله عز وجل قبل أن يسلم الإنسان من صلاته وينصرف منها وهذا أولى من أن يؤخر الدعاء إلى ما بعد مناجاته لله وانصرافه من صلاته.
***
ما حكم السجود عند الدعاء في غير الصلاة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا أعلم ذلك مشروعا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم وليس من هيئة الدعاء المستحبة أن يسجد الإنسان عند الدعاء لأن السجود عبادة معينة خاصة لا بد أن يكون لها سبب شرعي دلت عليه السنة لكن من آداب الدعاء أن يرفع الإنسان يديه إلى الله عز وجل (فإن الله تعالى حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفراً) وقد أشار (النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم إلى أن رفع اليدين من أسباب إجابة الدعاء في قوله حين ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام قال فأنَّى يستجاب لذلك) وهذا يدل على أن رفع اليدين عند الدعاء من أسباب الإجابة.
***
يقول السائل نحن نقرأ القرآن والحمد لله في كل يوم نقرأ جزء فما حكم الدعاء الذي نفعله بعد الانتهاء من الجزء هل هذا جائز في الشرع أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يقول الله عز وجل (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) وليس من هدى النبي صلى الله وعليه وسلم أنه كان إذا فرغ من القراءة دعا بل قد ثبت عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قرأ عنده عبد الله بن مسعود من سورة النساء فلما بلغ قوله تعالى (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً) قال النبي صلى الله عليه وسلم حسبك قال فنظرت إلى النبي صلى الله وعليه وسلم فإذا عيناه تذرفان ولم يدع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا ولا دعا عبد الله بن مسعود أيضا لكن لو قال الإنسان دعاء يسيرا سهلا مثل أن يقول الحمد لله اللهم تقبل مني لا على أنه سنة ولا على أنه قول راتب كلما قرأ فأرجو أن لا يكون به بأس.
***
هل يجوز قراءة الأدعية والأذكار من كتب الأدعية؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت هذه الكتب لا يذكر فيها إلا الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أو الحسن فلا بأس أن يأخذ الإنسان كتابا منها ويذكر الله عز وجل بما فيها من الأذكار لأن كثيراً من الأذكار لا يمكن للإنسان أن يحفظها عن ظهر قلب وبالمناسبة أود أن أنبه على ما يحمله بعض الطائفيين أو بعض الساعين في حج أو عمرة فتجد كل واحد يحمل كُتيباً فيه دعاء الشوط الأول ودعاء الشوط الثاني ودعاء الشوط الثالث إلى آخره فإن هذا بدعة نص أهل العلم على ذلك ولا ينبغي للإنسان أن يحمل هذه الكتيبات لأن الأذكار الواردة فيها إن كانت صحيحة فهي ليست في هذا المحل بل في محل آخر وتخصيصها بهذا المحل يعتبر بدعة وإن لم تكن صحيحة فهي أبعد وأبعد من السنة ولهذا ننصح إخواننا المعتمرين والحجاج والمتطوعين بالطواف أن لا يعتمدوا على هذه الكتيبات وأن يعتمد الإنسان على ما في نفسه فيدعو الله تعالى بما يشاء من خيري الدنيا والآخرة ولو أن يكرر اللهم اغفر لي اللهم اغفر لي اللهم ارحمني اللهم ارزقني أو يكرر لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحمد له الملك وهو على كل شي قدير أو يقرأ ما شاء من القرآن.
***
تقول السائلة عندما أدعو ببعض الأدعية ينتابني الشك فأقوم بتكرارها مرارا في نفس الوقت فأخاف بأنني لا أحسن الظن بربي أو لا أدعوه وأنا مؤمنة بالإجابة فيصيبني القلق بسبب ذلك فماذا تسمون مثل هذه الحالة جزاكم الله خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أقول إن تكرار الدعاء أمر مطلوب كلما كرر الإنسان الدعاء كان ذلك أفضل وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه إذا دعا. دعا ثلاثا هذا في غالب الأحيان وعلى هذا فتكرار الدعاء لا بأس به لأن الدعاء عبادة لله عز وجل وليعلم أن الداعي بصدق وإخلاص لابد أن يغنم إما أن يستجيب الله تعالى له ما أراد وإما أن يدفع عنه من السوء ما هو أعظم وإما أن يدخر له الأجر يوم القيامة لأن الدعاء عبادة فلابد فيه من خير وأما قولها أنها تخشى أن تكون قد أيست من الإجابة أو ما أشبه ذلك فهذا غلط منها والواجب على الإنسان أن يحسن الظن بالله تعالى والله سبحانه وتعالى عند ظن عبده به فإذا أحسنت الظن بربك وهو جل وعلا محل إحسان الظن ومحل الثناء فإن ذلك أقرب إلى الإجابة ولا تقنطوا من رحمة الله فإنه لا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون عليكِ بالرجاء وإن تأخرت الإجابة.
***
السائل سعد العتيبي يقول في سؤاله الدعاء بين الأذان والإقامة مستجاب هل أستطيع أن أرفع يدي بالدعاء أم لا أستطيع؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التعبير بهذا هل أستطيع أو لا غير سليم لأنه يستطيع أن يرفع يديه لكن لو قال هل يستحب أن أرفع يدي فجوابه نعم يستحب أن الإنسان إذا دعا بين الأذان والإقامة أن يرفع اليدين لأن الأصل إن رفع اليدين في الدعاء مشروع ومن آداب الدعاء ومن أسباب الإجابة لكن ما لم ترد السنة برفع الأيدي فيه فلا ترفع فيه الأيدي وهذه المسألة النصوص فيها على ثلاثة أقسام:

القسم الأول ما علمنا أنه لا رفع فيه وذلك مثل الدعاء أثناء خطبة الجمعة فإنه لا ترفع فيه الأيدي لا من الإمام الخطيب ولا من المستمعين إلا في حال واحدة إذا دعا في الاستسقاء يعني دعا الله تعالى أن يغيث الخلق فهنا يرفع يديه ويرفع الناس أيديهم أيضا وكذلك إذا دعا بالاستصحاء فإنه يرفع يديه ودليل ذلك (حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلا دخل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا ورفع الناس أيديهم معه فما نزل من منبره إلا والمطر يتحادر من لحيته عليه الصلاة والسلام بقي المطر على المدينة أسبوعا كاملاً لم يروا الشمس وسالت الأودية فدخل رجل يوم الجمعة الثانية أو الرجل الأول وقال يا رسول الله غرق المال وتهدم البناء فادعوا الله يمسكها عنا فرفع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يديه وقال اللهم حوالينا و لا علينا اللهم على الآكام والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر فانفرج السحاب عن المدينة وصار المطر حولها وخرج الناس يمشون في الشمس) ما عدا ذلك فإن الخطيب لا يرفع يديه أثناء الدعاء في الخطبة وعلمنا ذلك من أن الصحابة رضي الله عنهم أنكروا على بشر بن مروان حينما رفع يديه في الدعاء حال الخطبة كذلك نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه في الدعاء في التشهد ولا في الجلوس بين السجدتين بل يداه موضوعتان على فخذيه عليه الصلاة والسلام.
القسم الثاني أن لا نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه ولا يكون هو ظاهر الحديث فحينئذٍ لا نرفع الأيدي وذلك مثل الدعاء عند القبر فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل) ولم يرد في ذلك رفع يدين فالظاهر عدم الرفع.

القسم الثالث ما عدا ذلك فالأصل في الدعاء الرفع لأن رفع اليدين من آداب الدعاء وأسباب الإجابة هذه هي خلاصة رفع اليدين في الدعاء وعلى هذا نقول إن الدعاء بين الأذان والإقامة من هذا النوع أن الإنسان يرفع يديه ويدعو الله تعالى بما أحب من خير الدنيا والآخرة.
***
يقول السائل إذا نسي الرجل البسملة عند دخول الحمام فذكر البسملة أثناء وضوءه في الحمام فهل يجوز له أن يسمي الله وهل الدعاء عند دخول الحمام يقوم مقام البسملة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الدعاء عند دخول الحمام لا يقوم مقام البسملة لكن ينبغي إذا أراد أن يدخل الخلاء الذي يتخلى فيه أن يقول (بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث) وإن اقتصر على قوله أعوذ بالله من الخبث والخبائث كفى وأما في داخل الحمام إذا أراد أن يتوضأ فليسم الله ولو كان داخل الحمام ولا حرج عليه في ذلك لأن البسملة ليست قرآناً بل هي من أنواع الذكر وإن سمى بقلبه دون لسانه فحسن وإن ترك التسمية بلسانه وقلبه فلا حرج عليه.
***
أحسن الله إليكم في رسالة السائلة ن أ الحربي تقول ما حكم الدعاء للمعلمة التي تؤدي واجبها على أكمل وجه وصورة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الدعاء لها طيب لأن هذه من المحسنات والدعاء للمحسنين من الأمور المطلوبة لكن الدعاء لها مقابلة إن خشي منه فتنة بأن تزهو المعلمة بنفسها أو تحابي هذه التي دعت لها فلا تدعو أمامها بل تدعو لها وهي لا تسمع.
***
السائل م. ش. ب. من الإحساء يقول هل يجوز في الدعاء ما بين الأذان والإقامة أن نصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وإن جاز ذلك فما صفة هذه الصلاة مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: كل دعاءٍ ينبغي فيه شيئان أولهما الحمد والثناء على الله عز وجل وثانيهما الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سواءٌ كان فيما بين الأذان والإقامة أم في غير ذلك إلا أن الدعاء الذي في الصلاة يتبع فيه ما جاءت به السنة فمثلاً إذا جلس الإنسان بين السجدتين يدعو فيقول ربّ اغفر لي وارحمني... الخ ولا يحتاج إلى البدء بالحمد ولا إلى الختم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لأن الصلاة شيء واحد والإنسان إذا جلس للتشهد الأخير يصلى على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
***
يقول السائل إذا انتهيت من دعاء الله عز وجل والتضرع بين يديه والبكاء من خشية الله أظن ظناً جازماً بأن الله عز وجل سيستجيب لي وأظن أن الله أحبني سبحانه وتعالى فهل ظني جائز؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الظن جائز بل هو مطلوب أن يحسن الإنسان الظن بربه إذا وفقه للعمل أن يرجو القبول إذا دعاه وأن يرجو الإجابة وهلم جرا فإن الله سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي (أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني) وإحسان الظن بالله من أسباب القبول والإجابة ولكن لا يعجب الإنسان بعمله هذا ويقول في نفسه أنا الذي فعلت وأنا الذي فعلت لا يقول هكذا لأنه مهما فعل فإنما يفعل لنفسه والله تبارك وتعالى غنيٌ عنه كما قال الله وتعالى (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) فإن قال قائل وهل يفرح الإنسان إذا وفقه الله للدعاء أو للعبادة الجواب نعم يفرح ويسر ويؤمل خيراً وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن).
***
ما رأي فضيلتكم في استخدام هذه الصيغة عند الدعاء اللهم إني أسألك باسمك الطيب الطاهر المقدس المكنون المخزون؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا بدعة ولا يدعى به بل يقال يا حي يا قيوم يا منان يا بديع السماوات والأرض يا عالم الغيب والشهادة وما أشبه ذلك مما جاءت به السنة وأما هذه الصيغ المحدثة فالحذر الحذر منها.
***
ما هو اسم الله الأعظم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: اسم الله الأعظم هو الحي القيوم تقول يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام وقد ذكر هذان الاسمان الحي القيوم في ثلاثة مواضع من كتاب الله ذكر ذلك في آيه الكرسي (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) وذكر في أول سورة آل عمران (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) وذكر في سورة طه من قوله تعالى (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ).
***
هذا سائل يقول ما صحة حديث الذي يقول أسألوا لأخيكم التثبيت فإنه الآن يسأل وهل يكون هذا الدعاء جماعي مثلاً يدعو شخص ويؤمن الآخرون أم يكون على انفراد؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل) اللهم ثبتنا يا رب العالمين يقول استغفروا لأخيكم أي اسألوا الله له المغفرة قولوا اللهم اغفر له اللهم اغفر له اللهم اغفر له واسألوا له التثبيت قولوا اللهم ثبته اللهم ثبته اللهم ثبته وإن شيءت فقل اللهم ثبته بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وقوله فإنه الآن يسأل يعني بعد انتهاء دفنه يسأل أي يسأله ملكان عن ربه ودينه ونبيه فأما المؤمن الموقن جعلنا الله وإياكم منهم فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد فينادي منادٍ من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له باباً إلى الجنة فيفتح له بابٌ إلى الجنة ويأتيه من روحها ونعيمها ويفسح له في قبره مد البصر ويرى أنه انتقل من الدنيا إلى ما هو خيرٌ منها وأما المرتاب أعاذنا الله وإياكم من ذلك فيقول هاه هاه لا أدري فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعها الإنسان لصعق فحينئذٍ يجدر بنا أن نسأل الله لهذا الميت المغفرة والتثبيت ولكن الدعاء لا يكون جماعياً بل كل إنسان يدعو بنفسه ولهذا كان الحديث كما سمعتم يقف النبي صلى الله عليه وسلم ويقول استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل ولم يكن يدعو بهم عليه الصلاة والسلام.
***
هل يجوز للابن الدعاء لأبيه الذي مات تاركاً للصلاة.

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز لهذا السائل أن يدعو لأبيه الذي مات تاركاً للصلاة وذلك لأن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة على القول الراجح والكافر لا يجوز لأحد أن يدعو له بالمغفرة والرحمة لقوله تعالى (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)
***
هل يجوز الدعاء للشخص الفاسق والذي لا يؤدي واجبات الدين الإسلامي؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الدعاء للشخص الفاسق بالهداية بأن يهديه الله عز وجل ويصلح أمره هذا أمرٌ مشروعٌ مطلوب وأما الدعاء له دعاءً قد يكون معيناً له على فسقه وتماديه في الباطل فهذا لا يجوز وأما الدعاء له بعد موته بالمغفرة والرحمة فهذا جائزٌ بل مشروعٌ لعل الله تعالى أن يستجيب الدعاء وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (ما من مسلمٍ يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه).
***
هل يجوز أن يدعو الإنسان لنفسه بالتوفيق للزواج من فتاة ويذكر اسمها بقلبه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز للإنسان أن يسأل الله تعالى أن ييسر له التزوج بفتاة معينه ولا حرج عليه في ذلك ولكني أنصح هذا وأمثاله من أن يتعلق قلبه بها تعلقا تخشى منه الفتنة.
***
أحسن الله إليكم العامة قد يقولون لا نحفظ الأدعية المأثورة في العمرة فبماذا يدعون؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول ادعوا بما شيءتم ويروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن أعرابياً قال له يا محمد أنا لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ ولكني أسأل الله الجنة وأستعيذ به من النار فقال (حولهما ندندن) فكل مسلم يعرف أن يقول اللهم اغفر لي ولو كرر اللهم اغفر لي في الطواف كله كفى فالمسلم يدعو لحاجاته المختلفة يقول اللهم اغفر لي اللهم ارحمني اللهم اغنني من الفقر اللهم اقض ديني اللهم هيئ لي زوجة صالحة اللهم أصلح لي في ذريتي كلنا نعرف هذا لكن مع الأسف أن الناس ابتلوا بأشياء ما أنزل الله بها من سلطان ومن ذلك الأدعية التي تقال في الطواف في كل شوط تجد غالب الطائفين - وإن كانوا والحمد لله الآن صاروا يقلون - معهم كتيب فيه دعاء الشوط الأول ودعاء الشوط الثاني والثالث والرابع إلى آخره حتى أنهم يقولون هذا مقام العائذ بك من النار يريدون مقام إبراهيم وهم بالجهة الغربية ومقام إبراهيم بعيد عنهم لكن لأنه شيء محفوظ وتجد بعضهم يحرف الدعاء سمعناه يقول اللهم أغننا بجلالك عن جرامك يريد بحلالك عن حرامك لكن يمكن فيها نقطة مصحَّفة فالحاصل أن كل إنسان له حاجة يدعو ربه بها والحاجات مختلفة وكل الناس يريدون هذين الشيئين أن الله يقيهم عذاب النار ويدخلهم الجنة نسأل الله لنا ولكم ذلك.
***
يقول في السؤال الثاني عندنا في شهر رمضان المبارك قبيل صلاة الظهر والعصر يرفع الجالسون في المسجد أصواتهم بدعاء جماعي هو أشهد أن لا إله إلا الله واستغفر الله نسألك الجنة ونعوذ بك من النار ثلاثاً وبعد هذا الدعاء اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا ثلاثاً ثم تقام الصلاة فما رأيكم بهذا الدعاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: رأينا في هذا الدعاء أنه دعاء بدعي فإن ذلك لم يكن معروفاً في عهد النبي عليه الصلاة والسلام أن الناس يقومون يدعون الله دعاء جماعياً قبل الإقامة أو بعد الصلوات أيضاً وما كان محدثاً فإنه ضلالة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) فنصيحتي لهؤلاء الإخوة أن يرجعوا إلى سنة الرسول الله صلى الله عليه وسلم وأن ينظروا ماذا كان يفعل فيتبعوه في فعله وماذا كان يترك فيتبعوه في تركه فإن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم فعل وترك فما وجد سببه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله علم أن تركه هو السنة وهم إذا رجعوا إلى ما جاء في السنة في هذا المسألة علموا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يفعل ذلك ولا فعله خلفاؤه الراشدون فيما نعلم والمؤمن حقاً هو الذي إذا قضى الله ورسوله أمراً لم يكن له الخيرة من أمره.
***
هذه المستمعة ن. م. تقول ما حكم الدعاء على النفس بالموت وما جزاء ذلك وماذا يفعل الإنسان إذا أحس بضيق في نفسه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يحل لأحد أن يدعو على نفسه بالموت لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يتمنينّ أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان لا بد فاعلاً فليقل اللهم أحييني ما علمت الحياة خيراً لي وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي) وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتمنى الإنسان الموت فكيف بالذي يدعو على نفسه بالموت والواجب على من أصيب بأمر يضيق به صدره ويزداد به غمه أن يصبر ويحتسب الأجر من الله عز وجل وينتظر الفرج فهذه ثلاثة أمور الصبر واحتساب الأجر وانتظار الفرج من الله عز وجل وذلك أن الإنسان إذا أصيب بمصيبة من غم أو غيره فإنه يكفر الله بها عنه سيئاته وخطيئاته وما أكثر السيئات والخطيئات من بني آدم (فكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون) وإذا صبر واحتسب الأجر من الله أثيب على ذلك أي حصل له أمران التكفير والثواب وإذا انتظر الفرج من الله عز وجل أثيب على ذلك مرة ثالثة لأن انتظار الفرج حسن ظنٍ بالله عز وجل وحسن الظن بالله سبحانه وتعالى عمل صالح يثاب عليه الإنسان وإذا استعمل الإنسان في حال الغم والهم ما يزيل ذلك من الأذكار مثل قوله تعالى (لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) فإنه ينتفع بذلك كما قال الله تبارك وتعالى في ذي النون (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) أي مثل هذا الإنجاء بهذا السبب ننجي المؤمنين ثم ليعلم أن من أصيب بمثل هذا ثم أكثر من ذكر الله بلسانه وقلبه فإنه لا بد أن تتغير حاله ويطمئن قلبه كقول الله تعالى (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) ولم تكثر الإصابة بهذه الأمور في العصر الحاضر إلا بسبب تكالب

الناس على الدنيا والتماسهم ترفيه أبدانهم دون تنقية قلوبهم ولهذا تجد مع كثير من الناس غفلة عن ذكر الله عز وجل وإعراضاً عنه وتكالب على الدنيا وزهرتها فلهذا كثرت الإصابات جداً في هذا العصر في هذه الأمور أعني الأمراض النفسية والهموم والغموم ولو أن الناس كثر تعلقهم بالله سبحانه وتعالى وبذكره لزالت عنهم هذه الأمور قال الله عز وجل (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) وهذا هو حال كثير من الناس اليوم مع الأسف أن الله أغفل قلوبهم عن ذكره واتبعوا أهواءهم وكانت أمورهم فرطاً تمضي عليهم الساعات بل الأيام وهم لم ينتجوا شيئاً.
***
هذه المستمعة أم أسامة إبراهيم تقول فضيلة الشيخ ما حكم دعاء الأم على أولادها وتقول بأن ذلك ليس من قلبي؟
فأجاب رحمه الله تعالى: دعاء الأم على أولادها يخشى أن يستجاب ولا ينبغي لها أن تعود نفسها على الدعاء على أولادها بل الذي ينبغي لها أن تعود نفسها على الدعاء لهم فتقول يا بني الله يهديك لما فعلت كذا وما أشبه ذلك من الكلام الذي ينفع الولد ولا يضرها والإنسان إذا عود نفسه حسن الكلام وطيب الكلام اعتاد عليه وسهل عليه وأما إذا أطلق للسانه العنان عند الغضب فإنه يقول أشياء يندم عليها بعد ذلك فنصيحتي لهذه الأم أن تحرص غاية الحرص على ضبط لسانها ومقالها وأن لا تتعود مثل هذا الدعاء.
***
يقول هذا السائل هناك بعض الناس بعد صلاة الفريضة يدعو وفي نهاية الدعاء يقول الفاتحة إلى روح سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ويمسح وجهه ويقرأ الفاتحة وكذلك يقرأ الفاتحة لأمواته وأموات المسلمين فما توجيه فضيلتكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: توجيهنا لهؤلاء أن يلتزموا بالسنة والسنة بعد صلاة الفريضة التسبيح والتكبير والتهليل كما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يفعل وكما أمر بذلك وأما الدعاء جماعة ثم قراءة الفاتحة فهذا بدعة.

فهذه سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهدي أصحابه ليس فيها ذلك أبدا وهم أعلم منا بشريعة الله وهم أعمق منا إيمانا وهم أقوى منا محبة لله ورسوله وهم قدوتنا كما قال عز وجل (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) فعلينا أن نرجع إلى ما سلف من عمل الصحابة رضي الله عنهم في عهد نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبعده فإنهم خير القرون وأفضل الأمة وليس لنا أن نبتدع في دين الله تعالى ما ليس منه بل إن بدعتنا لا تزيدنا من الله إلا بعدا والعياذ بالله لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (كل بدعة ضلالة) وماذا بعد الحق إلا الضلال.
***
السؤل: ما حكم الدعاء على الأقارب أو غيرهم إذا كانوا أعداء لي فهل يجوز لي أن أدعو عليهم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: دعاء الإنسان على غيره إن كان لمظلمة ظلمها إياه فلا بأس لقول الله تبارك وتعالى (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن (اِتقِ دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) وأما العداوة فليست مبيحة للدعاء على العدو بل الواجب على الإنسان أن يسعى لإزالتها بقدر الإمكان ولا سيما إذا كان من الأقارب وعليه أن يسأل الله تعالى أن يؤلف بين قلبه وقلب من عاداه لأن الله تعالى قال في كتابه (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) ولا يجوز للإنسان أن يسترسل مع الشيطان في بقاء العداوة بينه وبين أخيه المسلم لا سيما إذا كان من القرابة فإن بقاء العداوة بين الأقارب يؤدي إلى قطع صلة الرحم التي هي من كبائر الذنوب وقال فيها النبي صلى الله وعليه وسلم (لا يدخل الجنة قاطع) يعنى قاطع رحم فهذا هو الجواب على سؤال المرأة وحاصله أنه إذا كانت العداوة بينهما فإن الواجب السعي في إزالتها وإذا كان ذلك عن ظلم فللمظلوم أن يدعو على قدر مظلمته فيه.
***
من ليبيا السائل سليمان جمال الدين يقول هل يجوز قراءة سورة الفاتحة في الدعاء أو آخر الدعاء وهل ذلك من البدع أم لا جزاكم الله خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إن قراءة الفاتحة بين يدي الدعاء أو في خاتمة الدعاء من البدع لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يفتتح دعاءه بالفاتحة أو يختم دعاءه بالفاتحة وكل أمر تعبدي لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإن إحداثه بدعه نعم ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الفاتحة رقية أي يقرأ بها على المرضى يستشفى بها وهذا شيء واقع مجرب فإن قراءة الفاتحة على المريض من أقرب العلاج للشفاء.
***
أحسن الله إليكم وبارك فيكم هذه رسالة وصلت من المستمعة ف. أ. من عسير تقول فضيلة الشيخ أمٌ دعت على أبنائها أن يجعلهم الله في الدرك الأسفل من النار فطلبوا منها بعد فترة السماح فسامحتهم فهل سيكونون فعلاً في النار وماذا يجب عليها أن تفعله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يحل للمرأة ولا لغير المرأة أن تدعو على مسلم أن يكون في الدرك الأسفل من النار لأن هذه دعوة عظيمة ثم لا يدري الداعي لعله يكون ظالماً للمدعو عليه فيعود الدعاء عليه.
ثانياً أطمئن هؤلاء الأولاد من بنين وبنات لهذه المرأة أطمئنهم على أن دعاءها لن يستجاب إذا كان بغير حق لأنه إذا كان بغير حق كان ظلماً والله سبحانه وتعالى لا يعين الظالم على ظلمه بل قد أخبر عز وجل (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) ولا ينالون مقصودهم فليبشروا أن أمهم إذا دعت عليهم بهذا الدعاء أو غيره من غير حق أن ذلك لن يصيبهم أبداً فليطمئنوا أما مسامحة أمهم لهم بعد ذلك فهذا يسقط حقها إن كانوا لم يبروا بها فسامحتهم عن ذلك فإنه يزول إثمهم لأن أمهم سامحتهم.
***
أحسن الله إليكم من السودان السائل عبد الناصر يقول أسأل عن الدعاء الجماعي بعد الصلاة مثل الإمام يدعو والبقية يقولون آمين. آمين هل الدعاء يستجاب في مثل هذه الحالة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما استجابة الدعاء فإلى الله عز وجل وأما هذا العمل فبدعة فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يكن يدعو بأصحابه بعد الصلاة بل كان يستغفر ثلاثاً ويقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام وأما بعد الصلاة ليس فيه دعاء إلا ما وردت به السنة فقط وذلك لأن الله تعالى أمر بعد انتهاء الصلاة بذكره فقال جل وعلا (فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) ولم يأمر بالدعاء والأمر بالدعاء يكون بعد التشهد الأخير فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما ذكر التشهد قال (ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) فمحل الدعاء قبل السلام هذا هو ما تقتضيه الأدلة الشرعية وما بعد السلام فمحل ذكر ولقد كان بعض الناس يجعل الدعاء بعد السلام وهذا لا ينبغي الذي ينبغي أن يكون دعاؤك إن كان لك دعاء قبل السلام أما ما بعد السلام فإن كان محل ذكر فاذكر الله وإن كان نافلةً فلا أعلم أنه ورد بعد النافلة ذكرٌ لله عز وجل.
***
هل يسن مسح الوجه باليدين بعد الدعاء أم أن هذا بدعة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في هذا فمنهم من قال إنه ينبغي إذا فرغ من الدعاء وهو رافعٌ يديه أن يمسح بهما وجهه واستدلوا بحديث ضعيف لكن قال ابن حجر رحمه الله له طرقٌ يقوي بعضها بعضاً ومجموعها يقضي بأنه حديثٌ حسن ومن العلماء من قال إنه لا يمسح وجهه بيديه والأحاديث في هذا ضعيفة فيكون مسحه بيديه بدعة وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وأرى أنه لا ينكر على من مسح ولا يؤمر بمسح من لم يمسح.
***
ما حكم مسح اليدين على الوجه بعد الدعاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الصحيح أنه لا يسن مسح الوجه بهما لأن الأحاديث الواردة في ذلك ضعيفة جدا لا تقوم بها حجة ولا يلتئم بعضها ببعض فالصواب أن مسح الوجه باليدين بعد الدعاء ليس بسنة ولكن الإنسان لا يفعله ولا ينكر على من فعله لأن بعض العلماء استحبه.
***
هذا سائل يستفسر عن دعاء الكرب وهل هو وارد اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شيءت سهلا يقول ما هو الحزن في هذا الدعاء
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الدعاء المذكور لا أعلمه واردا في إزالة الكرب وأما الحزن فمعناه الصعب.
***
ما معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم (اللهم أعوذ بك من علمٍ لا ينفع)؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الدعاء اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع علم مقيد بهذا أن لا يكون نافعاً وذلك لأن العلم إما نافعٌ وإما ضار لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (القرآن حجةٌ لك أو عليك) فالعلم بالشريعة لا يمكن أن يخرج عن أحد هذين الأمرين إما نافعٌ لصاحبه إذا عمل به عملاً وتعليماً ودعوة وإما ضارٌ له إذا لم يقم بواحدٍ من هذه الأمور الثلاثة فقولك اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع كقولك اللهم إني أعوذ بك من علمٍ يضر.
***
ما معنى قولنا في الدعاء لا نحصي ثناء عليك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معناه أن الله عز وجل لكمال صفاته الذي لا منتهى له لا يمكننا أن نحصي الثناء عليه وذلك لأن الله سبحانه وتعالى موصوف بصفات الكمال التي هي أكمل شيء وهو سبحانه وتعالى ذو نعم لا تحصى وكل نعمة ينعم بها فإنه يستحق عليها الثناء ومن المعلوم أننا لا نحصي كمالات صفاته و لا نحصي إنعامه أيضاً فنحن لا نحصي ثناء عليه ولكن هو كما أثنى على نفسه وهذا ثناء مجمل معناه أنك يا ربنا كما أثنيت على نفسك من الثناء الذي لا نبلغه نحن.
***
يقول المستمع سمعت أحد الأئمة وهو يدعو في قنوت النازلة يقول إلهنا هتكت الأعراض وشرد الأطفال فقال أحد العوام هذا لا يصح لأنه غير دعاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا من باب التوسل لله عز وجل بذكر حال الداعي أو المدعو له وهو مما يستجلب به رحمة الله عز وجل وفضله وإحسانه وهو من جملة التوسل المشروع في الدعاء كما قال موسى عليه الصلاة والسلام (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) وقال زكريا (رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً).
***
تقول السائلة عندما يأتي شخص لعمل خير وأنا خائفة منه أدعو بهذا الدعاء أقول اللهم اجعل كيده في نحره فهل هذا يعتبر من التعدي في الدعاء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم من التعدي في الدعاء ومن إساءة الظن بالمسلم والأصل في المسلم عدم إساءة الظن ولكن ممكن أن يقول الإنسان إذا خاف خوفا مبنياً على حقيقة أن يقول اللهم إن كان هذا قد أراد بي كيدا فاجعل كيده في نحره فيشترط.
***
هذا سائل يسأل ويقول عندما يدعو العبد ربه بقوله اللهم وفقني إلى ما أسموا إليه ولا تجعلني من القانطين فهل هناك خطأ في هذا الدعاء في قوله أسمو؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ليس فيه خطأ إذا كان يسمو إلى خير من علم نافع وعمل صالح وخلق حسن وما أشبه ذلك لكن الأولى أن يُعَيِّن يقول اللهم وفقني لما تحب و ترضى اللهم وفقني للإخلاص لك اللهم وفقني للمتابعة لرسولك اللهم وفقني لأحسن الأخلاق والأعمال وما أشبه ذلك.
***
أحسن الله إليكم من أسئلة هذه السائلة تقول عبارة اللهم لا شماتة هل هي دعاء وهل يجوز أن نقول ذلك إذا تيقنا بأنه ليس من الأحاديث؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا بأس أن يقول اللهم لا شماتة فهي كقول لا تشمت بي الأعداء.
***
تقول في كتاب حصن المسلم دعاء للنبي صلى الله عليه وسلم عند لقاء العدو وهو قوله عليه السلام اللهم أنت عضدي وأنت نصيري بك أحول وبك أصول وبك أقاتل فأنا أستعمل هذا الدعاء وما يشابهه عند الاختبار فهل علي شيءٌ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الأحسن أن تقولي اللهم لا حول ولا قوة إلا بك اللهم أعني على هذا وما أشبهها لأن هذا ليس مقابلة عدو هذا امتحان واختبار ليس مقابلة عدو.
***
أحسن الله إليكم يا شيخ يقول السائل بأن عليه ديون حوالي خمسين ألف ريال يقول ما هو الدعاء الذي يقال لقضاء الدين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أن يلجأ الإنسان إلى ربه ويسأله بأن يقضي عنه الدين ويغنيه من الفقر.
***
هل ورد أدعية مخصصة عن الرسول صلى الله عليه وسلم عند الإفطار وعند السحور؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما عند السحور فلا أعلم في ذلك أدعية خاصة لكن هناك أدعية عامة عند الأكل والشرب في جميع الأحوال مثل التسمية عند الأكل أو الشرب ومثل الحمد إذا فرغ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن أبي سلمة وهو ربيبه قال له (يا غلام سمِّ الله وكل بيمينك وكل مما يليك) وأخبر عليه الصلاة والسلام (أن الله تعالى يرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها) وأما ما يفعله بعض العامة عند انتهائه من السحور فيقول اللهم إني نويت الصيام إلى الليل فإن هذا من البدع لأن التكلم بالنية في جميع العبادات بدعة لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند فعل العبادة نويت أن أفعل كذا وكذا فلم يكن يقول عند الوضوء نويت أن أتوضأ ولا عند الصلاة نويت أن أصلى ولا عند الصوم نويت أن أصوم وذلك لأن النية محلها القلب لأنها قصد الشيء عازماًَ عليه والله عز وجل عالم بما يكون في قلب العبد كما قال الله تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) وأما الدعاء عند الفطر فقد وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أحاديث منها (ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله) وإن دعا الإنسان بشيء آخر عند فطره بما يحب من سؤال المغفرة والرحمة والقبول وغير ذلك فهو حسن لأن دعوة الصائم عند فطره حرية بالإجابة إن شاء الله.
***

الأذكار
ما المراد بذكر الله هل المراد تلاوة القرآن وحده أم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وكل الأدعية المأثورة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ذكر الله عند الإطلاق يشمل كلما يقرب إلى الله عز وجل سواء كان ذلك في القلب أو في اللسان أو في الجوارح وأما عند التقييد مثل قوله تعالى (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) فإن ما يراد به ما جاءت فيه السنة من الذكر المعروف من التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد والاستغفار والثناء على الله سبحانه وتعالى بقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام والمهم أن الذكر الذي يحمد عليه العبد أعم من الذكر الخاص فالذكر يكون بالقلب ويكون باللسان ويكون بالجوارح فذكر الله بالقلب مثل التفكر بآياته الشرعية والكونية وكذلك التوكل عليه والرغبة إليه والإنابة إليه والمحبة وما أشبه ذلك وأما ذكر الله باللسان فواضح وهو كل قول يقرب إلى الله تعالى من الأذكار الخاصة وقراءة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم العلم وغير ذلك وأما بالجوارح فكل فعل يقرب إلى الله تعالى مثل الصلاة كقيامها وقعودها وركوعها وسجودها والصدقات والنفقات وما أشبهها فالمهم أنه ينبغي أن نعرف الفرق بين الذكر المطلق العام وبين الذكر الخاص.
***
المستمعة ف. ح. ع. من الحبشة تسأل عن الذكر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الذكر يعني ذكر الله عز وجل يكون باللسان ويكون بالقلب ويكون بالجوارح، أما الذكر باللسان فواضح مثل التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد وغير ذلك، وضابطه العام أن كل قول يقرب إلى الله عز وجل فهو من ذكر الله فيكون بذلك قراءة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم العلم وكل قول يقرب إلى الله هذا الضابط العام، وأما بالمعنى الأخص فذكر الله هو التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد وما أشبه ذلك مما يثنى به على الله عز وجل، وأما الذكر بالقلب فهو استحضار اللسان لعظمة الله عز وجل وأن يكون قلبه دائماً مرتبطاً بالله سبحانه وتعالى خوفاً ورجاءً وتوكلاً وقصداً وغير ذلك، وهذا النوع من الذكر هو الذي تنبني عليه الأذكار كلها في الحقيقة لأن الأذكار بدونه جوفاء ليس لها روح، وأما الذكر بالجوارح فضابطه كل عمل يتقرب به الإنسان إلى الله كالركوع والسجود والحج والصوم وغيرها، هذه الأنواع العامة من الذكر، هناك أنواع خاصة في ذكر اللسان مقيدة بأوقات أو مقيدة بأسباب فمن أمثلة المقيدة بالأوقات الأذان مثلاً فإن الأذان مقيد بوقت معين وهو حضور الصلاة لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم) فلو تعبد الإنسان لله بالأذان في غير وقت الصلاة لم يكن ذلك الفعل عبادة بل يكون من البدع فالذكر المخصوص في وقت لا يشرع إلا في ذلك الوقت الذي خص به، وهناك أذكار مقيدة بأسباب كالحمد عند الأكل والشرب والتشهد عن الفراغ من الوضوء والتسمية على الأكل والشرب وعلى الوضوء وما أشبه ذلك هذه لها أسباب تتقيد بأسبابها، ومما يتقيد بالأسباب الذكر الوارد بعد الصلاة كالاستغفار والتهليل ونحوها فإن الإنسان إذا سلم من الصلاة يسن له أن يستغفر الله فيقول استغفر الله، استغفر الله، استغفر الله، ويقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ويقول لا إله إلا الله وحد لا شريك له له

الملك وهو الحمد وهو على كل شيء قدير ثلاثاً بعد صلاة الظهر والعصر والعشاء، ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات بعد صلاة المغرب والفجر، ويقول لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون لا حول ولا قوة إلا بالله اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع الجد منك الجد، وأما التسبيح ففيه أربع صفات إما أن يقول سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاث وثلاثين مرة وهذه تسعة وتسعون ويقول تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، أو يقول سبحان الله ثلاثاً وثلاثين مرة، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين مرة، والله أكبر أربعاً وثلاثين مرة فهذه مائة، أو يقول سبحان الله عشراً والحمد لله عشراً والله أكبر عشراً فهذه ثلاثون، أو يقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمساً وعشرين مرة فهذه مائة، فيقول هذا مرة وهذه مرة يعني ينوع كما جاءت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أنواع الذكر المقيدة في اليوم والليلة أن يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة ويقول سبحان الله وبحمده مائة مرة وليعلم أن ذكر الله تعالى مشروع في كل وقت وفي كل حال لقول الله تعالى (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ) ولحديث عائشة رضى الله عنها قالت (كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه) ولكن لا يقيد شيء من الذكر بعدد معين ولا بوقت معين ولا بسبب معين إلا بدليل من الشرع، فلو قال الإنسان أنا سأتعبد لله بأن

أذكر الله خمساً وخمسين مرة قلنا هذا ليس بمشروع لماذا تعين العدد بخمس وخمسين مرة بدون دليل هذا لا يمكن، ولو قال قائل أنا أريد أن أذكر الله تعالى عشر مرات عند زوال الشمس قلنا هذا أيضاً غير مشروع لأنك عينت عدداً وزمناً لم يقم الدليل على تعيينه، فالقاعدة العامة الآن أن ذكر الله تعالى المشروع مشروع كل وقت ولكن تقييد الذكر بعدد معين أو بوقت معين أو بسبب معين يحتاج إلى دليل من الشرع، ومن ذلك أيضاً أن يقيد بصفة معينة مثل أن يجتمع عليه الناس فيذكرون الله ذكراً جماعياً بصوت واحد فإن هذا يحتاج إلى دليل فإن لم يقم عليه دليل لم يكن مشروعاً.
***
بارك الله فيكم ما سبب انصراف الناس وإحجامهم عن التحصين بالذكر؟
فأجاب رحمه الله تعالى: له أسباب:
منها الجهل فإن كثيراً من الناس يجهل هذه الأذكار والأوراد ويجهل فوائدها ولهذا ينبغي أن يكون رب البيت حريصاً على تعليم أبنائه وبناته وأهله لهذه الأذكار والكتيبات والحمد لله موجودة بكثرة في هذا الموضوع.
ثانياً ضعف الإيمان فإن بعض الناس يقرأ هذه الأوراد ولكن ليس بقلبه والمسلم إذا قرأها بقلب حاضر فقد أحاط نفسه بجدار حصين من شر الشياطين بل بعض الناس يقرأها على سبيل التبرك وهي لا تنفع إلا من قرأها مؤمناً بها غاية الإيمان لا شاكاً ولا مجرباً فإن قرأها وهو شاك أو قرأها على سبيل التجربة ويقول سأجرب هل تنفع أو لا فإنها لن تنفعه.

ثالثاً اعتماد الناس على الأمور المادية وغفلوا عن الأمور المعنوية القلبية ولهذا تجد المرء إذا أصابه مرض هرع إلى الطبيب ولم ينظر في الأدعية الواردة في الشفاء من المرض فمن ذلك مثلاً أن الإنسان إذا أصيب بأدنى وجع في أحد مفاصله أو أعضائه ذهب مباشرة وبسرعة إلى الطبيب مع أن السنة جاءت بأن الرجل إذا وضع يده على موضع الألم وقال (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر سبع مرات) فإنه يزول عنه الألم لكن إذا قال ذلك مؤمناً به وكذلك إذا قرأ الفاتحة على لديغ أي على من لدغته حية أو لسعته عقرب فإنه يبرأ بإذن الله كما في قصة الصحابة الذين بعثهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنزلوا على قوم فلم يضيفوهم فتنحوا ناحية ثم لدغ سيدهم فبحثوا عن قارئ فقالوا لعل هؤلاء القوم معهم من يقرأ فجاؤوا إلى الصحابة رضي الله عنهم يسألوهم قارئاً فقالوا لن نقرأ عليه إلا بجعل فجعلوا لهم قطيعاً من الغنم ثم ذهب القارئ يقرأ على هذا اللديغ بسورة الفاتحة فقط فقام اللديغ كأنما نشط من عقال ولما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه قال للقارئ (وما يدريك إنها رقية) فالفاتحة لها تأثير عجيب في قراءتها على المرضى عموماً وعلى اللدغاء خصوصاً لكن الناس كما قلت في غلفة عن هذا اعتمدوا الآن على المادة فقط وهذا هو الذي جعل كثيراً من الناس الآن يصابون بهذا الفزع وربما يصابون بتسلط الجن عليهم وتسلط السحرة وغير ذلك مما كثر أخيراً نسأل الله لنا ولكم السلامة.
***
ما هو الدعاء الذي يقوله الإنسان إذا أراد أن يسافر لأنني أسمع كلام الناس لكنهم لا يرفعون أصواتهم ورغم أني حريص على التصنت عليهم إلا أنني لم أعرفه أرجو إن كان يحضركم أن تقولوه لنا وفقكم الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول أولاً المسافر إذا ركب دابته واستوى على ظهرها فليذكر نعمة الله سبحانه وتعالى بقلبه ويستحضر هذه النعمة الكبيرة على ما يسر له من هذه المخلوقات التي توصله إلى بلد لا يكون بالغه إلا بشق الأنفس ثم يقول (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون) ويكبر ثلاثاً ويحمد الله سبحانه وتعالى ويقول اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ويدعو أيضاً بما تيسر من الدعاء الوارد اللهم هون علينا سفرنا هذا واطوِ عنا بعده اللهم زودنا في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى اللهم أنت الخليفة في الأهل والمال ويدعو بما جاء به الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
***
هل يجوز للمرأة الغير متطهرة أن تقوم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز للمرأة الحائض أن تصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وأن تقول جميع الأذكار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأن تقرأ الأوراد من كتاب الله عز وجل وذلك لأنها غير ممنوعة من الذكر، وإنما اختلف العلماء رحمهم الله في منعها من قراءة القرآن. والصحيح أنه يجوز لها أن تقرأ القرآن للحاجة كما لو كانت تريد أن تعلم أو تتعلم أو تقرأ الأوراد الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل آية الكرسي فإن آية الكرسي (من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح).
***
هل يصح الذكر من تكبير وتهليل وتحميد وصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم من غير وضوء حتى يكون اللسان رطب بذكر الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يجوز للإنسان أن يذكر الله سبحانه وتعالى على غير طهارة لما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت (كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه) ولا يشترط للذكر أن يكون الإنسان طاهراً لكن الأفضل ألا يذكر الله إلا على طهارة يعني أن الأفضل أن يتطهر الإنسان إذا أراد أن يذكر الله ولكن هذا ليس بواجب حتى وإن كان الإنسان على جنابة فإن له أن يذكر الله إلا القرآن فإنه لا يقرأ القرآن على جنابة حتى يغتسل (لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُقرئ أصحابه القرآن ما لم يكن جنباً).
***
المستمع عبد المعروف أحمد سوداني مقيم بالدمام يسأل عن دعاء دخول المنزل هل يجب ذكره في كل مرة عند دخول المنزل مثلاً عند ذهابي لأداء فريضة الصلاة في المسجد وعند عودتي ثانياً إلى المنزل هل يجب عند دخولي ثانياً ذكر الدعاء أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ذكر دخول المنزل مشروع كلما دخل الإنسان إلى منزله. اللهم إلا إذا كان فارقه بنية أنه سيعود عن قرب كما لو خرج من البيت إلى دكان قريب من البيت ليأخذ منه حاجة ثم يعود أو خرج من البيت ليكلم صديقاً له عند البيت بنية أن يعود عن قرب كما لو كان عند عتبة الباب ونحو ذلك فإنه لا يحتاج إلى ذكر دخول المنزل وليعلم السائل أن ذكر دخول المنزل ليس واجباً كما يفهم من عبارة سؤاله بل هو من الأمور المستحبة على أن بعض أهل العلم ذكر كلاماً في الحديث الوارد في هذا الباب.
***
ما هو الدعاء المستحب ذكره عند النوم وما هي فائدته؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الدعاء المستحب عند النوم منه قراءة آية الكرسي (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) ومنه قراءة (قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس) ومنه باسمك اللهم أحيا وأموت اللهم بك وضعت جنبي وبك أرفعه فإن أمسكت روحي فاغفر لها وارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين ومنها أن يسبح الله ثلاثاً وثلاثين ويحمد الله ثلاثاً وثلاثين ويكبر الله أربعاً وثلاثين وعلى كل حال فهناك أيضاً أذكار معروفة وننصح الأخ أن يرجع إلى الكلم الطيب لشيخ الإسلام ابن تيمية وتصحيحه للشيخ ناصر الدين الألباني وكذلك كتاب الأذكار للنووي وإلى الوابل الصيب للإمام القيم والكتب في هذا معروفة فليرجع إليها ولكن ينبغي أن يعتمد على ما كتبه العلماء الموثوقون لأن الأذكار كثر بين أيدي الناس تداول الكتب فيها وهذه الكتب التي يتداولها الناس منها ما هو كذب موضوع على الرسول صلى الله عليه وسلم يجب الحذر منه.
والمهم أنني أنصح هذا الأخ السائل وغيره أن لا يتورطوا فيما كتب من الأذكار فإنه كتب فيها أشياء لا حقيقة لها بل أشياء موضوعة مكذوبة على الرسول صلى الله عليه وسلم وأن يعتمدوا في ذلك على ما كتبه العلماء الموثوقون في علمهم ودينهم.
يافضيلة الشيخ: هل هناك فؤائد مصرح بها في بعض الأحاديث لأذكار النوم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من الفوائد أن هذا ذكر لله عز وجل وأن الإنسان إذا نام على ذكر الله كان ذلك أطيب لنومه وأهدى وأبعد أن يرى في منامه ما يكره مما يعرضه الشيطان عليه ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن من قرأ آية الكرسي في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح ومنها أن التسبيح والتحميد والتكبير سبب لنشاط الإنسان وقوته والسيطرة على عمله ولهذا لما سألا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وفاطمة النبي صلى الله عليه وسلم خادماً فقال (ألا أدلكما على خير من ذلك ثم أمرهما بأن يسبحا ويحمدا ويكبرا ثلاثاً وثلاثين).
***
السائل أبو شاهين من مصر يقول هل يجب أن يقول الإنسان الأذكار بصوت مسموع أم يكفي أن يتلفظ بها في لسانه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يكفي أن يتلفظ بها في لسانه ما دام أخرج الحروف وأما إمراره على القلب فلا يكفي لكن هنا مسألة وهي أن الجهر بالذكر بعد الصلوات المفروضة سنة كما قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم) وكثير من الناس الآن أهملوا هذه السنة فلا تجدهم يجهرون بذلك ولكن الحق أحق أن يتبع فالجهر هو الأفضل إلا إذا كان إلى جنبك رجل يقضي ما فاته وتخشى إن رفعت صوتك أن تشوش عليه فهنا لا ترفع الصوت.
***
بارك الله فيكم هذا السائل أبو أسامة يقول فضيلة الشيخ أفيدكم بأنني ولله الحمد منذ صغري قد نشأت على طاعة الله عز وجل حتى كبرت وهذا من فضل الله علي ولكن يا فضيلة الشيخ سؤالي بأنني أذكر الله واستغفر بصوتٍ مرتفع وهذا خارج عن إرادتي ودائماً يدخل علي الشيطان ويوسوس علي ويقول أنت ترائي وهذا رياء ويعلم الله أنني تعودت على ذلك منذ الصغر وأخشى من زملائي في العمل فهل أترك ذلك وجهوني مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إن نصيحتي لك أن تستمر على التزامك وأن تحمد الله سبحانه وتعالى على هذا وأن لا تعجب بعملك واحرص على أن يكون عملك سراً اللهم إلا إذا ذكرته من أجل تشجيع غيرك فالأعمال بالنيات وأما بالنسبة لرفع الصوت فلا ترفع الصوت على وجهٍ يؤذي من حولك فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج على أصحابه وهم يصلون ويرفعون أصواتهم بالقراءة فقال صلى الله عليه وسلم (لا يؤذين بعضكم بعضاً بالقراءة) وإن كان لا يؤذي وخشيت على نفسك من الرياء وهو من الأذكار التي لا يسن رفع الصوت بها فلا ترفع صوتك وحاول أن تمرن نفسك على ذكرٍ واستغفارٍ ليس فيه رفع صوت وإنما قلت الأ?ذكار التي لا يسن رفع الصوت بها احترازٌ من الأذكار التي يسن رفع الصوت بها كالأذكار عقب الصلاة فإن المشروع في الأذكار عقب الصلاة المفروضة أن يرفع الإنسان صوته بها لقول ابن عباسٍ رضي الله عنهما كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم واحترازٌ أيضاً من التلبية فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر أصحابه أن يرفعوا صوتهم بالإهلال يعني بالتلبية وكانوا يرفعون أصواتهم بذلك حتى تبح أصواتهم وكانوا يصرخون بذلك صراخاً فالمهم أن الأفضل في الذكر أن يكون خفيةً وسراً فإن آذى الجهر به كان الجهر به حراماً وإن لم يؤذِ الجهر به فلا بأس به إلا أن يخشى الإنسان على نفسه الرياء كما أفاده سؤال السائل فليسر به هذا ما لم يكن الذكر فيما يشرع فيه الجهر فليجهر به.
***
المستمع من الجزائر يقول في هذا السؤال فضيلة الشيخ يقول بعض الناس الذكر أفضل من الصلاة المكتوبة بدليل قوله تعالى (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) فهل الذكر أفضل من الصلاة كما يقولون؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إن الصلاة من ذكر الله سبحانه وتعالى بل هي أكبر أنواع الذكر وهي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام) فهي روضة من رياض الذكر فيها قراءة القرآن وفيها التكبير وفيها الثناء على الله عز وجل وفيها أنواع التعظيم لله سبحانه وتعالى وفيها الدعاء فهي روضة فيها من كل زوج بهيج.

ولا شك أنها أي الصلاة فريضة ونافلة فالفريضة ركن من أركان الإسلام وهي أفضل أنواع الذكر كما قلنا بعد الشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وليس الذكر المجرد أفضل منها بل هي أفضل منه فلو قال لنا شخص هل الأفضل أن أتضرع بذكر الله من التسبيح والتكبير والتهليل أو ما أشبه ذلك أو أن نتضرع بالصلاة قلنا تضرعك بالصلاة أفضل لأنها تجمع بين أنواع متعددة من الذكر وأما قوله تعالى (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) فإن الآية تدل على أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولكن ما فيها من ذكر الله أكبر من ذلك كما يتضح عند تلاوة الآية الكريمة (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) أي ما فيها من ذكر الله أكبر من النهي عن الفحشاء والمنكر ولكن هنا تنبيه وهو أن الذكر المقيد في موضعه أفضل من مطلق الصلاة يعني مثلا لو أن شخصا قال هل الأفضل إذا انتهيت من صلاة الفريضة أنه أبادر و أقوم وأصلى تطوعا أو الأفضل أن آتي بالأذكار المشروعة بعد الصلاة قلنا له الأفضل أن تأتي بالأذكار المشروعة بعد الصلاة لأنه ذكر مقيد في حال معينة فالذكر في موضعه إذا كان مقيدا أفضل من مطلق الصلاة ولهذا لو قال لنا قائل أنا أقرأ القرآن فسمعت المؤذن فهل الأفضل أن أستمر في قراءة القرآن ولا أتابع المؤذن أو الأفضل أن أتابع المؤذن؟ الأفضل أن تتابع المؤذن لأنه ذكر مقيد بحال معينة فكان أفضل من قراءة القرآن الذي ليس له وقت محدد وبإمكانك أن تقرأ القرآن في وقت آخر.
***
يقول السائل يا فضيلة الشيخ بأنه يذكر الله مائة مرة هل هذا الذكر وارد أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم الذكر مائة مرة وارد وفيه خير كثير تقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة تقوله في الصباح وكذلك تقول سبحان الله وبحمده مائة مرة في المساء لأن من قال سبحان الله وبحمده مائة مرة غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر قال العلماء والأفضل أن يجعلها في آخر النهار يعني عند النوم لتغفر ذنوبه إلى وقت نومه.
***
يقول ما معنى لا حول ولا قوة إلا بالله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معنى لا حول ولا قوة إلا بالله لا تحول من حال إلى حال فحول بمعنى التحول يعني لا أحد يملك أن يتحول من حال إلى حال ولا أحد يقوى على ذلك إلا بالله عز وجل يعني إلا بتقدير الله والاستعانة به ولهذا نجد الإنسان يريد الشيء ثم يحاول أن يحصل عليه ولا يحصل لأن الله لم يرد ذلك ونرى أيضاً كثيراً من الناس إذا أرادوا الشيء واستعانوا بالله وفوضوا الأمر إليه فإن الله تعالى يعينيهم وييسر لهم الأمر ومن ثم كان ينبغي للإنسان إذا أجاب المؤذن أن يقول عند قول المؤذن حي على الصلاة حي على الفلاح لا حول ولا قوة إلا بالله يعني لا أستطيع أن أتحول من حالي التي أنا عليها إلى الصلاة ولا أقوى على ذلك إلا بالله عز وجل فهي كلمة استعانة يستعين بها الإنسان على مراده.
***
المستمع الشريف حسين من الأردن يقول في رسالته ما هو الوقت المحدد لأذكار الصباح والمساء الواردة في السنة المطهرة فمثلاً هل وقت أذكار المساء ما بين المغرب والعشاء أو ما بين العصر والمغرب؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي يظهر أن الوقتين كلاهما من المساء ما بين العصر إلى المغرب وما بين المغرب إلى العشاء وقد أمر الله سبحانه وتعالى أن نسبحه قبل طلوع الشمس وقبل الغروب فأفضل ما تكون الأذكار في الصباح ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس وفي المساء ما بين صلاة العصر وغروب الشمس ولكن الوقت يمتد إلى أكثر من ذلك فوقت الصباح قد يمتد إلى إشراق الشمس وكذلك وقت المساء قد يمتد إلى طائفة من أول الليل والأمر في ذلك واسع لكن ما ورد تخصيصه بالليل فإنه لا يفعل في النهار كما في قوله صلى الله عليه وسلم في آية الكرسي (من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح) فمثل هذا النص واضح في تخصيص ذلك بالليل.
***
بارك الله فيكم يقول هذا السائل من السودان هل أذكار الصباح لها وقت معين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أذكار الصباح أذكارٌ مضافة إلى الصباح وهذه إضافة بمعنى في فإذا قلنا أذكار الصباح فهو بمنزلة قولنا أذكارٌ في الصباح فيكون محلها من حين طلوع الفجر إلى أن تشرق الشمس ويكون الضحى فإذا كان الضحى انتهى الإصباح وكذلك في المساء أذكار المساء يعني أذكارٌ تكون في المساء والمساء من صلاة العصر إلى هزيعٍ من الليل كل ذلك يسمى مساءً لكن ما قيد في الليل فهو في الليل كآية الكرسي مثلاً ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن من قرأها في ليلة فإنه لا يزال عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطانٌ حتى يصبح) وكذلك الآيتان آخر سورة البقرة (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون) إلى آخر السورة أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن من قرأهما في ليلةٍ كفتاه فأقول ما قيد في الليل فهو في الليل وما قيد في المساء فهو أوسع وأشمل يكون من صلاة العصر إلى هزيع من الليل والله أعلم.
***

من الأردن السائلة ن س ر تقول متى تذكر أذكار الصباح والمساء على وجه التحديد هل نذكرها في الصباح قبل طلوع الشمس وهل يجوز ذكرها بعد طلوعها وبالنسبة لأذكار المساء هل نذكرها قبل الغروب وهل يجوز ذكرها بعد غروبها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الأمر في هذا واسع فأذكار الصباح من حين يطلع الفجر إلى أن ترتفع الشمس ضحى وأذكار المساء من حين أن تصفر الشمس إلى منتصف الليل أو قريباً منه لكن أحياناً تأتي أذكار معينة محددة مثل (من قرأ آية الكرسي في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه الشيطان حتى يصبح) فما قيد بالليل فهو في الليل.
***
أم عبد الله من القصيم تقول ما حكم تأخير أذكار الصباح إلى الساعة الحادية عشرة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان لعذر كما لو كان الإنسان نائما ولم يستيقظ إلا في هذا الوقت فأرجو ألا يكون فيه بأس وإن كان لغير عذر فأذكار الصباح في الصباح.
***
يقول السائل أنا عامل وأمي لا أقرا ولا أكتب واسمع أن هناك ورد بالليل وورد بالنهار فكيف احفظ الأذكار وإذا اقتصرت على بعض الأوراد فهل يكفي ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الاقتصار على بعض الأوراد إن دلت السنة على كفايته كما في قوله صلى الله عليه وسلم عن الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة (من قرأهما في ليلة كفتاه) وقوله في آية الكرسي (من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح) فالأمر واضح ويكفي و أما إذا كان لا بد من اقتران الورد بشيء آخر فإنه لا بد من هذا الشيء الآخر ومرجع السائل في هذه الأمور إلى الكتب المؤلفة في ذلك مثل كتاب الأذكار للنووي وكتاب الوابل الصيب لابن القيم وكتاب الكلم الطيب لشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرها مما ألف في ذلك مما كتب في هذا الباب فليرجع إليه السائل ليتبين له ما يريد
***
ما صحة قول اللهم صل على محمد وعلى آل محمد في يوم الجمعة ألف مرة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا صحة لتحديدها بعدد معين وأما الإكثار منها في يوم الجمعة فإنه مشروع فينبغي للإنسان أن يكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كل وقت ولا سيما في يوم الجمعة فإن من صلى عليه صلى الله عليه وسلم مرة واحدة صلى الله عليه بها عشراً.
***
يقول السائل في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أحياناً ونحن نستمع إلى قولٍ أو فعلٍ للرسول صلى الله عليه وسلم نكون معجبين مسرورين فنقول صدقت يا سيدي يا رسول الله أو عليك الصلاة والسلام يا سيدي يا رسول الله هل يجوز ذلك أقصد بالتحديد ياء النداء أو كاف المخاطب ثم هل يجوز في دعائنا أن نقول اللهم شفع فينا محمد أفيدونا مأجورين ونسأل الله لنا ولكم التوفيق؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكره من القيام بحقه صلوات الله وسلامه عليه وحق رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا أعظم من أي حقٍ لمخلوق ولهذا يجب على الإنسان أن يفديه بنفسه فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عندك فصل عليه وسلم عليه ولا حرج أن تقول عليك السلام يا رسول الله فنحن نقول في صلاتنا السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ومن المعلوم أن أيها النبي منادى حذفت منها ياء النداء وأصلها يا أيها النبي وأيضاً يجوز أن تقول صلى الله عليه يا رسول الله أو أيها النبي وما أشبه ذلك وأما صدقت فالأولى أن تقول صدق رسول الله أو صدق الله ورسوله أو ما أشبه ذلك حتى تبتعد عن تصور المخاطبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم مخاطبة الحاضر إلا فيما ورد به النص.
***
هذا السائل ر. م. ك العسيري يقول هل آثم إذا سمعت ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ولم أصلِ عليه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم فمن العلماء من يقول إنه يجب على من سمع ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يصلى عليه للحديث المشهور (إن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك قل آمين فقال آمين) فهذا يدل على أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة على من ذكر اسم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنده ولا شك أن الذي يذكر عنده الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يصل عليه لا شك أنه فوت نفسه خيرا كثيرا وعرض نفسه لهذه العقوبة.
***
السائل من حضرموت يقول أنا استمع إلى إذاعة القرآن الكريم لبعض المحدثين وأثناء حديثهم يقومون بذكر الرسول صلى الله عليه وسلم فهل أصلى على الرسول أثناء ذكرهم له صلى الله عليه وسلم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا سمع الإنسان ذكر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فليصل عليه فإن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم (رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك قل آمين فقال النبي صلى الله عليه وسلم آمين) ولهذا قال بعض أهل العلم إنه يجب على من سمع ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلى عليه وعلى هذا إذا سمعت في برنامج نور على الدرب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فصل عليه وأنت يا أخي إذا فعلت ذلك نجوت من هذا الوعيد ثم حصل لك أجر لأن من صلى على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مرة واحدة صلى الله عليه بها عشر فأنت إذا صلىت على النبي عليه الصلاة والسلام حصلت على ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى امتثال أمر الله تبارك وتعالى فإن الله يقول (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً).

الفائدة الثانية أن ذلك من حق الرسول عليه الصلاة والسلام أن تصلى عليه لأن الله أنقذك به من الضلالة ودلك إلى الرشد عن طريقه عليه الصلاة والسلام فلا طريق يوصل إلى رضوان الله تعالى وجنته إلا طريق محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم والإنسان لو دله شخص على طريق بلد من البلاد التي يقصدها لرأى له معروفاً عليه فكيف بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي دلك على الطريق الموصل إلى الجنة فمن حقه عليك أن تصلى عليه، عليه الصلاة والسلام.
الفائدة الثالثة أنك إذا صلىت عليه مرة واحدة صلى الله عليك بها عشراً ومعنى الصلاة على النبي أن يثني الله على نبيه صلى الله عليه وسلم في الملأ الأعلى هكذا قاله أبو العالية رحمه الله فإذا كان هذا معنى الصلاة من الله على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكذلك أنت يرفع الله تعالى لك الذكر ويصلى عليك ويثني عليك عند الملائكة المقربين وهذه نعمة والحسنة بعشر أمثالها ولله الحمد ولهذا ينبغي للإنسان أن يكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كل وقت وحين.
***
هل يصح أن نقول صلى الله عليه وسلم مع اسم كل نبي أو رسول يذكر اسمه أم أنها خاصة بمحمد ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الصلاة والسلام على الأنبياء غير رسول الله صلى الله عليه وسلم جائزة بلا شك فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أفضل طبقات الخلق الذين أنعم الله عليهم قال الله عز وجل (وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) وأفضل الأنبياء الرسل وأفضل الرسل أولي العزم منهم وهم خمسة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم ومحمد صلى الله عليه وسلم وهو أفضلهم فتجوز الصلاة والسلام على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عند ذكرهم أما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيختص بتأكد الصلاة عليه عند ذكره بل قد قال بعض أهل العلم إن على من ذكر عنده اسم النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلى عليه لحديث أبي هريرة (أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك قل آمين فقال آمين).
***
هل ورد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الجمعة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يكثر المسلم من الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم الجمعة مع أن الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله سلم في كل وقت أمر مشروع.
***
بارك الله فيكم السائل م. م. بريدة يقول هل يجوز قراءة الأذكار في الصباح والمساء وأنا محدث وما حكم الدعاء للوالدين والمسلمين بعد الفراغ من الأذكار؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم لا حرج أن يذكر الإنسان ربه عز وجل وهو محدث سواء كان حدثه أصغر أم أكبر ولقول عائشة رضي الله عنها (كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يذكر الله على كل أحيانه) لكن لا يقرأ القرآن إذا كان جنبا حتى يغتسل وأما الدعاء للوالدين ولمن شاء من المسلمين بعد الفراغ من الذكر فلا يتخذه سنة ولكن لا بأس أن يدعو بما شاء.
***

بارك الله فيكم المستمعة للبرنامج عائشة إبراهيم تسأل وتقول في سؤالها هل التسبيح بالمسبحة بدعة وكما يقولون بأنها بدعة حسنة وهل في الإسلام بدعة حسنة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التسبيح بالمسبحة لا نقول إنه بدعة لأن التسبيح بالمسبحة لا يقصد به التعبد إنما يقصد به ضبط العدد فهو وسيلةٌ وليس بغاية فعلى هذا لا نقول إنه بدعة ولكننا نقول إن التسبيح بالأصابع أفضل لأن هذا هو الذي أرشد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله (اعقدن بالأنامل فإنهن مستنطقات) وهذا يدل على أن الأفضل العقد بالأنامل لأنها سوف تشهد يوم القيامة بالعمل الذي حركت فيه والتسبيح بالمسبحة فيه شيء.
أولاً أنه خلاف ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم.
وثانياً أنه قد يجر إلى الرياء كما يشاهد بعض الناس الذين يتقلدون مسابح في أعناقهم في المسبحة ألف خرزة كأنما يقول للناس انظروا فإننا نسبح ألف مرة فهو يحمل على الرياء.
ثالثاً أن من يسبح بالمسبحة تجد قلبه غافلاً يفرغ هذا الخرز وعيناه تدوران يميناً وشمالاً أويتجول يميناً وشمالاً فاستعمال المسبحة أقرب للغفلة من استعمال الأصابع ولهذا ينبغي للإنسان أن يعقد التسبيح بأصابعه والأفضل أن يكون ذلك باليد اليمنى وإن عقد باليدين جميعاً فلا بأس.
***
ما حكم استخدام السبحة في التسبيح؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الأفضل أن يسبح الإنسان بأصابعه لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لنساء كن يسبحن بالحصا قال (اعقدن بالأنامل فإنهن مستنطقات) فلا ينبغي للإنسان أن يسبح بالمسبحة لا في أذكار الصلوات ولا في الأذكار المطلقة بل يسبح بأصابعه.
***
يقول السائل ما حكم السبحة في الإسلام مع ذكر الأدلة الصحيحة في اخراج الاحاديث وجزاكم الله عنا كل خير؟

فأجاب رحمه الله تعالى: السبحة يريد بها السائل الخرز التي تنظم في سلك بعدد معين يحسب به الإنسان ما يقوله من ذكر وتسبيح واستغفار وغير ذلك وهذه جائزة لا بأس بها لكن بشروط:
أولاً: ألا تحمل الفاعل على الرياء أي على مراءاة الناس كما يفعله بعض الناس الذين يجعلون لهم مسابح تبلغ ألف خرزة ثم يضعونها قلادة في أعناقهم كأنما يقولوا للناس انظروا إلينا نسبح بمقدار هذة السبحة أو ما أشبه ذلك.
الشرط الثاني ألا يتخذها على وجه مماثل لأهل البدع الذين ابتدعوا في دين الله مالم يشرعه من الأذكار القولية أو الاهتزازات الفعلية لأن (من تشبه بقوم فهو منهم) ومع ذلك فإننا نقول إن التسبيح بالأصابع أفضل لأن النبي صلى الله علية وسلم أرشد إلى ذلك فقال (اعقدن بالأنامل فإنهن مستنطقات) أي سوف يشهدن يوم القيامة بما حصل فالأفضل للإنسان أن يسبح بالأصابع لوجوه ثلاث:
الأول أن هذا هو الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم.
الثاني أنه أقرب إلى حضور القلب لأن الإنسان لا بد أن يستحضر العدد الذي يعقده بأصابعه بخلاف من كان يسبح بالسبحة فإنه قد يمرر يده على هذه الخرزات وقلبه ساه غافل.
الثالث أنه أبعد عن الرياء كما أشرنا إليه آنفا.
***

الدعوة إلى الله
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
فضيلة الشيخ لا شك أن الداعي إلى الله يشترط فيه شروطاً حبذا إذا بينتموها للدعاة إلى الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: من شروط الداعي إلى الله عز و جل أن يكون مخلصا لله في دعوته بأن يكون قصده في دعوته إقامة دين الله وإصلاح عباد الله لا أن ينتصر لنفسه وأن يظهر قوله على قول الناس لأنه إذا كان قصده أن ينتصر لنفسه وأن يظهر قوله على قول الناس صار داعية لنفسه لا إلى سبيل الله عز وجل فلا بد من الإخلاص والمخلص في دعوته إلى الله إذا تبين له أن الحق في خلاف قوله رجع إليه وانقاد له واستغفر الله تعالى من الخطأ الذي وقع فيه وإن كان مأجوراً عليه إذا كان قد صدر منه باجتهاد لأنه قد يكون فرط في اجتهاده ولم يستقص.
ثانياً أن يقصد في ذلك إصلاح عباد الله وهو داخل في الإخلاص في الدعوة وإذا كان قصده إصلاح عباد الله فإنه لا بد أن يسلك الطريق الأمثل لحصول هذا المقصود الأعظم بحيث يدعوهم إلى الله عز وجل على وجه الرفق واللين والمداراة دون المداهنة لأن المداراة شيء والمداهنة شيء آخر المداهنة ترك الحق للغير أي من أجل الغير وأما المداراة فهي إيصال الحق إلى الغير بالطريق الأسهل فالأسهل وإن هذا الشرط قد يختل عند بعض الناس فيقصد بدعوته إلى الله انتقاد ما هم عليه وحينئذٍ تفسد دعوته وتنزع البركة منها لأن الذي يقصد انتقاد غيره ليس داعيا له في الواقع ولكنه معيّر له وعائب عليه صنيعه وفرق بين شخص يدعو الغير لإصلاحه وبين شخص يصب جام اللوم والعتاب على غيره بحجة أنه يريد إصلاحه

الثالث من الآداب الواجبة أن يكون عند الداعية علم بشريعة الله فلا يدعو على جهل لقول الله تعالى لنبيه صلى الله علية وسلم (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي) فلا بد من أن يكون عند الإنسان علم يدعو به لأن العلم هو السلاح والداعي إلى الله بغير علم قد يفسد أكثر مما يصلح والداعي إلى الله بغير علم ربما يجعل الشيء حلالاً وهو حرام وربما يجعل الشيء حراما وهو حلال وربما يوجب على عباد الله ما لم يوجبه الله عليهم فلا بد من العلم المتلقى من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان الداعي قادرا على ذلك بنفسه وإلا فبتقليد من يثق به من أهل العلم وفي هذه الحال أي فيما إذا كان مقلداً لغيره في الدعوة إلى الله إذا ذكر حكماً من الأحكام فإنه ينسبه إلى من قلده فيقول قال فلان كذا وقال فلان كذا إذا كان قد سمعه من فمه أو قرأه من كتاب بيده أما إذا سمعه من شريط فإنه لا يقول قال فلان بل يقول سمعت شريطا منسوبا لفلان لأن هذا أدق في التعبير.
ومن آداب الداعية أن يكون على بصيرة فيمن يدعوه لينزله منزلته ودليل ذلك أن رسول الله لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له (أنك تأتي قوماً أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) وذكر تمام الحديث والشاهد أن النبي صلى الله علية وسلم أخبره بحالهم ليكون على استعداد لمواجهتهم ولينزلهم منزلتهم اللائقة بما عندهم من العلم وهكذا الداعية إلى الله فينبغي للداعية إلى الله أن يكون على بصيرة بحال من يدعوهم حتى يكون مستعدا للحال التي هم عليها.

ومن آداب الداعية أن يكون أول من يمتثل دعوته فيقوم بما يأمر به ويدع ما ينهى عنه لأن هذا مقتضى العقل ومقتضى الشرع كما قال الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) وقال الله تعالى موبخاً بني إسرائيل (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) فلابد للداعية أن يكون متأدبا بهذا الأدب العظيم أن يكون فاعلا لما يأمر به وتاركا لما ينهى عنه ومع أن هذا مقتضى الشرع ومقتضى العقل فإنه أقرب إلى قبول الناس لدعوته لأن الناس إذا رأوه يسبق غيره فيما دعا إليه فعلا أو تركا وثقوا به وقالوا إن هذا صادق فيما دعا إليه وإنه أمين فتابعوه على ذلك وانقادوا له وإذا رأوه بالعكس سقط من عيونهم ولم يتابعوه وشكوا في دعوته فكان من أهم آداب الداعية أن يكون أول سابق لما يدعوا إليه فعلا لما دعا إلى فعله وتركاً لما دعا إلى تركه.
***
السائلة أختكم في الله ل ع أ تقول أمنيتي أن أصبح داعية إسلامية أدعو الناس إلى الهداية وإلى هذا الدين القيم فماذا أفعل كي تتحقق هذه الأمنية وهذا لاشك أنه أمنية لكل فتاة مسلمة في هذا المجتمع المسلم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: على من أراد أن يصبح داعية إلى الله عز وجل أن يتعلم

أولا: إلى ماذا يدعو لأن الإنسان قد يدعو إلى الله تعالى عن جهل فيكون إفساده أكثر من إصلاحه يفعل ذلك لا عن عمد وإرادة سوء لكن لجهله يظن أنه عالم فيتفوه بما لا يعلم وحينئذ يقع في الإثم أولا ثم في إضلال الناس ثانيا أما وقوعه في الإثم فلقوله تعالى (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) ولقوله تعالى (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً) وأما إضلال الناس فلأنه قد يدعوهم إلى محرم وهو لا يدري أنه محرم فقد يبيح لهم ما حرم الله وقد يوجب عليهم ما لم يوجبه الله فلابد لكل داعية إلى الله عز وجل من أن يكون عالما بما يدعو إليه

ثانيا لابد أن يكون مخلصا في دعوته إلى الله بأن يقصد بدعوته إصلاح الخلق وامتثال أمر الله تعالى بقوله (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) وحصول الدين الحقيقي لقول النبي صلى الله عليه وسلم (الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) دون أن يقصد بالدعوة إلى الله الانتصار لنفسه أو إطفاء لهيب الغيرة الذي في قلبه لأن هذا قد يقع من بعض الناس لكن لاشك أن نية الإصلاح والنصيحة لعباد الله هي الطريق الأسلم والأوفر ولابد للداعية أيضا من أن يكون حكيما في دعوته بحيث ينزل كل إنسان منزلته ولهذا قال الله عز وجل (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) فذكر الله تعالى ثلاثة أشياء الحكمة وهي بيان الحق وإيضاحه والاطلاع على محاسن الدين الإسلامي ثم بالموعظة إذا لم ير قبولا ممن دعاه يعظه الموعظة الحسنة التي تلين قلبه وترققه وتوجب الانصياع لما دعوته إليه والثالث المجادلة بالتي هي أحسن وذلك فيما إذا كان المدعو معانداً مجادلا فلابد أن يجادل بالتي هي أحسن. أحسن في عدة أمور أولا من حيث العرض فيكون المجادلة بالأدلة النقلية من كتاب الله وسنة رسوله أو الأدلة العقلية التي تؤيد ما جاء في الكتاب والسنة وكذلك يكون من حيث الإقناع بمعنى أن يأتي بالأدلة الواضحة التي لا تحتمل المعارضة دون الأدلة التي قد يعارض فيها المجادل ولهذا لما حاج الرجل الكافر إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقال له إبراهيم (رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) فعدل إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن مناقشته في هذا الأمر وقال له (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) وعجز عن الرد فلا ينبغي للمجادل أن يسلك

طريقا يحتمل الأخذ والرد بل يسلك الطريق الذي يكون قاصم الظهر لا مكان للمحاجة فيه وثالثا أن تكون مجادلته بالتي هي أحسن إذا كان المقام يقتضي ذلك فإن كان لا يقتضي ذلك فليجادل بوجه آخر ولهذا قال الله تعالى (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) فجعل للذين ظلموا مرتبة فوق مرتبة الذين يجادلون بدون ظلم والمهم أن الداعية إلى الله لابد أن يكون عنده علم بهذه الأمور التي أشرنا إليها ثم إذا كان الأمر يتوقف على مراجعة المسؤولين في هذا حتى لا ينفرط السلك وتحصل الفوضى فليكن ذلك بعد مراجعة المسؤولين لئلا يقع الإنسان في محظور فيندم على ذلك.
***
هذه رسالة وصلت من المستمع صالح سلمان من السودان يقول أرجو منكم عرض هذه الرسالة على فضيلة الشيخ محمد وهي ما هي الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها الداعي إلى الله جل وعلا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال سؤال مهم وهي الآداب التي ينبغي أن يكون عليها الداعي إلى الله عز وجل
فمن الآداب المهمة إخلاص النية لله عز وجل بأن يكون الداعي قاصدا بدعوته رضا الرب وإصلاح الخلق لا أن يكون له جاه وإمامه ورياسة بين الخلق وذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كان هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كان هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه).

ثانيا أن يكون على بصيرة فيما دعا إليه وهو شريعة الله عز وجل بأن يكون لديه علم بالشرع فيما يدعو إليه فإذا كان يدعو للتوحيد وجب أن يكون لديه علم بالتوحيد في مسائله طردا وعكسا إيجابا ونفيا حتى يتمكن من المحاجة إذا حاجه أحد في ذلك لأن من دعا بغير علم فكمن نزل إلى ميدان القتال بغير سلاح ويدل لهذا الأدب قوله تعالى (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي) ولأن الجاهل يحتاج هو إلى أن يعلم فكيف يكون معلما لغيره بجهله ولأن الذي يدعو بجهل قد يدعو إلى باطل وهو لا يشعر به فيضل ويضل لأن الذي يدعو بجهل يقف حيران حينما يورد عليه المبطل حجة باطلة ليدحض بها الحق الذي قاله هذا.
الثالث أن يكون على علم بحال المدعو حتى ينزله منزلته ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث معاذ إلى اليمن فقال له حين بعثه (إنك تأتي قوماً أهل كتاب) أخبره بحالهم ليكون مستعدا لهم وليقابلهم بما تقتضيه حالهم وهكذا الداعي يجب أن يكون عالما بحال من يدعو لينزله منزلته لأن هناك فرقا بين شخص معاند تدعوه إلى الله وشخص جاهل غافل لا يدري عن شي فالأول يحتاج إلى حجة قوية يدحض بها عناده واستكباره عن الحق والثاني يكفي فيه أدنى حجة وأدنى الكلام لأنه جاهل غافل ليس عنده ما يجادل به وعلى هذا يتنزل قوله تعالى (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) فإن الناس منهم من يحتاج إلى الموعظة وتكفيه ومنهم من لا تكفيه الموعظة بل يجادل فأمر الله سبحانه وتعالى أن تكون الدعوة بالحكمة وبالموعظة أحياناً وبالمجادلة أحياناً حسب ما تقتضيه حال المدعو.

ومن آداب الداعي أن يكون بليغا في منطقه قويا في حجته بحيث يستطيع إقناع المستمع المدعو إقناعا تطمئن إليه نفسه وينقاد إلى الدعوة بيسر وسهولة لأن من الناس من يكون لديه علم لكن ليس لديه بيان بالقول فيفوته شيء كثير فإذا كان لدى الإنسان علم وبيان بالقول فبإمكانه أن يقنع غيره إقناعا تاما يستجيب به المدعو.
ومن آداب الداعية أن يكون عاملا بما يدعو إليه من الحق ليكون داعية بمقاله وفعاله ولا شك بأن عمل الداعية بما يدعو إليه له تأثير كبير في قبول ما يدعو إليه فإن الناس إذا رأوا من هذا الداعية أنه عاملا بما يدعوا إليه وثقوا به وعرفوا أنه صادق في دعوته وإذا كان لا يعمل بما يدعو إليه شكوا في أمره ولم يجعل الله تعالى في دعوته بركه أرأيت لو أن شخصاً قام يدعو الناس إلى صلاة الجماعة ويحث الناس عليها ولكنه لا يصلى مع الجماعة فماذا تكون نظرة الناس إلى دعوته ستكون نظرة الناس إلى دعوته هزيلة ولا ينظرون إليه نظر المتقبل لأنه لم يكن يقوم بما يدعو الناس إليه
ومن آداب الداعية أن يكون حليماً صبوراً على ما يصيبه من الأذية القوليه أو الفعلية لأن الداعية قائم مقام الرسل والرسل ينالهم من الأذى القولي والفعلي ما يصبرون عليه حتى ينالوا درجة الصابرين قال الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا) فلا بد للداعية من أن يتحلى بالصبر والحلم لينال درجة الصابرين ويلتحق بطريق المرسلين عليهم الصلاة والسلام
ومن آداب الداعية أن يكون بشوشا دائم البشر طليق الوجه حتى يحبه الناس قبل أن يدعوهم لأن قبول الناس للإنسان شخصيا يؤدي إلى قبوله معنويا وإلى الالتفاف حوله وعلى هذا يتنزل قوله تعالى (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ).

ومن آداب الداعية أن ينزل الناس منازلهم وأن يتحين الوقت المناسب والمكان المناسب للدعوة فلا يدعو الناس في مكان لم يتهيئوا ويستعدوا لدعوته لأن ذلك يلحقهم الملل والسآمة والكراهية لما يدعوا إليه ولو كان حقا ولهذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتخول أصحابه بالموعظة مخافة السآمة والداعية إذا كثر عليهم الموعظة.... فإنهم يملون ولا يكون عندهم التقبل الذي يكون فيما لو راوح بين المواعظ والدروس هذا ما حضرني الآن من آداب الداعية ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإخواننا هداة مهتدين دعاة إلى الحق صالحين.
***
هذا المستمع للبرنامج رمز لاسمه بـ وليد ع. س. يقول ما الصفات والشروط التي يجب أن تتوفر في الداعية؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الداعية إلى الله سبحانه وتعالى عمل عملاً من أحسن الأعمال الطيبة قال الله تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ) ولكن لا بد للداعية من أمور
الأمر الأول أن يكون عالماً بما يدعو إليه أي عالماً بشرع الله حتى لا يدعو الناس إلى ضلال وهو لا يشعر ولا يعلم فلا بد أن يتعلم أولاً ما هي السبيل التي يدعو إليها وما هي الأعمال التي يدعو إليها وما هي الأقوال التي يدعو إليها وما هي الأعمال التي ينهى عنها وهكذا.
ثانياً أن يكون عالماً بأحوال من يدعوهم لأن المدعويين تختلف أحوالهم فمنهم ذو العلم الذي يحتاج إلى قوة في الجدل والمناظرة ومنهم من دون ذلك ومنهم المعاند ومنهم من ليس كذلك فتختلف الأحوال بل تختلف الأحكام باختلاف الأحوال ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن قال له إنك تأتي قوماً أهل كتاب فبين له حالهم من أجل أن يكون مستعداً لهم لينزلهم منزلتهم

ثالثاً أن يستعمل الحكمة في دعوته فينزل كل إنسان منزلته وينزل كل شأن منزلته فيبدأ بالأهم فالأهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذ إلى اليمن قال له (وليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) فرتب النبي عليه الصلاة والسلام الدعوة بحسب أهمية ما يدعو إليه وليس من الحكمة أن ترى رجلاً كافراً يشرب الدخان فتنهاه عن شرب الدخان قبل أن تأمره بالإسلام وهذا أمر مهم يخفى على كثير من الدعاة حيث تجده يتعلق بالأمور الجزئية دون الأمور الكلية العامة
رابعاً ينبغي للداعية أن يكون على جانب من الخلق القولي والفعلي والهيئي بمعنى أن تكون هيئته لائقة بالداعية وأن يكون فعله لائقاً بالداعية وأن يكون قوله لائقاً بالداعية حيث يكون متأنياً مطمئناً ذا نظر بعيد حتى لا يتجشم الصعاب مع إمكان تلافيها وحتى لا يرتكب عنفاً مع إمكان الدعوة باللين وهكذا يجب أن يكون الإنسان على حال يدعو الناس إلى دين الله باعتبار هذه الحال لأن كثيراً من الناس ربما يدعو الناس إلى الله عز وجل ولكن أعماله وأقواله لا توجب قبول ما يقول لكونه مخالفاً لما يدعو الناس إليه ومن الناس من يكون داعياً إلى الناس بحاله قبل أن يكون داعياً بمقاله بمعنى أن الناس إذا رأوه ذكروا الله عز وجل واطمأنوا ولانوا إلى الحق فلا بد للداعية أن يراعي مثل هذه الأمور ليكون قبول الناس لدعوته أكثر وأتم.
***
فضيلة الشيخ محمد العلماء والدعاة والمصلحون عليهم مسؤولية عظيمة في بيان أقسام التوحيد وتوجيه الضالين هل من كلمة لهم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الكلمة هي أن الداعي يجب عليه أن يراعي أحوال المدعوين فإذا كانوا مقصرين في الصلاة مثلاً فليركز على الحث على الصلاة وعدم التهاون بها وبيان عقوبة من تركها وحكمه في الدنيا والآخرة وإذا كان عندهم شيء من الشرك فليركز على التوحيد والإخلاص وما أشبه ذلك وإذا كان عندهم تهاون بالزكاة فليركز على الزكاة المهم أن الداعية من الحكمة أن يراعي أحوال المدعوين وكذلك يراعي أحوالهم بالنسبة للشدة واللين فإذا رأى منهم انقياداً وسهولة قابلهم باللين والسهولة وإذا رأى منهم عتواً ونفوراً فليقابلهم بما تقتضيه الحال وتحصل به المصلحة ثم إن من أهم ما يكون في الداعية أن يكون هو أول من يتلبس بما أمر به ويبتعد عما نهى عنه فليس من اللائق شرعاً ولا عقلاً أن يأمر بشيء ولا يفعله أو أن ينهى عن شيء ويفعله فإن الإنسان إذا كان على هذا الحال لم يقبل منه الناس اللهم إلا من لا يعرف حاله وأما من عرف حاله فإنه يقول إن هذا الرجل كاذب لو كان صادقاً فيما أمر به لكان هو أول من يمتثل له ولو كان صادقاً فيما نهى عنه لكان أول من يجتنبه وعلى الداعية أن يلاحظ الزمان والمكان في الدعوة إلى الله عز وجل فيدعو في المكان الذي تكون فيه الإجابة أقرب وكذلك في الزمان لأن مراعاة هذه الأمور من الحكمة التي قال الله تعالى فيها (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ).
***
السائل محمد العنزي من القصيم يقول إن شيخ الإسلام رحمه الله يقول في الدعاة المبتدعة الذين يدعون إلى الإسلام مثل الأشاعرة والمعتزلة إن عملهم محمود لأنهم ينقلون هؤلاء من الكفر الذي يخلد صاحبه في النار إلى الإسلام وإن كان صاحبه مبتدعا وفي هذا العصر وجد من هم على هذا النمط من الدعاة المنحرفين عن منهج أهل السنة والجماعة فما رأي فضيلة الشيخ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: رأينا بقطع النظر عن صحة هذا الكلام عن شيخ الإسلام أولاً لأنني لم أعثر عليه ولكني لم أكن أحطت بما كتبه شيخ الإسلام رحمه الله لكن أقول إن الدعوة إلى الخير خير من أي أحد جاءت وقبول الحق واجب من أي أحد كان حتى إن الله عز وجل أقر الحق الذي قاله المشركون في قوله تعالى (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) فأنكر قولهم (واللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا) وسكت عن قولهم (وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا) لأنه حق ولما قال الشيطان لأبي هريرة ألا أدلك على آية في كتاب الله إذا قرأتها في ليلة لم يزل عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فأخبر أبا هريرة بذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال صدقك وهو كذوب ولما جاء حبر من اليهود أي عالم من علمائهم إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال إنا نجد أن الله تعالى يجعل السماوات على إصبع والأرضين على إصبع الحديث ضحك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تصديقاُ لقول الحبر وقرأ (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) فالحق مقبول لكن أنا أخشى أن هذا الداعي الذي لديه بدع أن ينقل الناس إلى بدعته لا سيما إذا كان عنده فصاحة وبيان وحينئذ يعيش الناس على بدعة وهذه هي المشكلة ولا شك أن نقل الناس من الكفر إلى البدعة التي لا تكفر أحسن لكني أخشى أن تبقى هذه البدعة في قلوبهم ويعتقدون أنها هي السنة.
***
ما الأسرار من وراء دعوة الرسول السرية لمدة ثلاث سنوات في مكة المكرمة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الرسول صلى الله عليه وسلم بعث في مكة وكان أهلها ليسوا على دين وقل منهم من يعرف شيئاً عن الأديان في ذلك الوقت ولهذا وصفوا بأهل الجاهلية ومن المعلوم أنه إذا ظهر رجل كهذا لمجتمع عارم بالجهل والشرك والكفر فإنه إن لم تكن دعوته على سبيل الحكمة والسداد لم يتوصل إلى الفلاح والرشاد ولا ريب أن من الحكمة أن تكون دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك الوقت سرا يأتي إلى الرجل يتوسم فيه الخير ويدعوه إلى الله سبحانه وتعالى وتقع هذه الدعوة من قلبه كل موقع فيدخل في الإسلام ويأتي إلى الثاني وإلى الثالث ثم الذين دُعوا إلى الإسلام وأسلموا كذلك يتصلون بمن يتوسمون فيهم الخير والقبول فيدعونهم إلى الله سبحانه وتعالى وهكذا حتى يكون حوله المجتمع وحينئذ يكون من المناسب أن يجهر بالدعوة ويعلنها لأن لديه أعواناً فهذا هو السر في أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يؤمر بإعلان الدعوة من أول وهلة وإنما أخر الأمر حتى يكون حوله أناس فهذه هي الحكمة في أن أول الدعوة كانت سراً وهكذا ينبغي للداعية إلى لله سبحانه وتعالى أن تكون دعوته في مجتمع عارم بالجهل والضلال على هذا النحو يدعو فلاناً وفلاناً وفلاناً حتى يتكون حوله أناس وتقوى جبهته وحينئذٍ يعلن ما دعا إليه لأنه لو أعلن ما دعا إليه من أول الأمر لحصلت فتنة ومشادات ومنازعات ولم يتمكن من الوصول إلى مقصوده.
***
المسلم مطلوب منه أن يتفقه في دينه و أن يتحقق من العقيدة كيف توجهون المسلمين في ذلك وفي معرفة دينهم.

فأجاب رحمه الله تعالى: أولا كلمة إلى علمائهم فإنه يجب على علماء المسلمين أن يبصروا عامتهم لأن العلماء بمنزلة النجوم في الأرض يهتدى بهم في ظلمات الجهل فعلى العلماء أن يتقوا الله عز وجل وأن يستمدوا علمهم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومنهج السلف الصالح رضي الله عنهم ثم يرشدوا الناس إلى هذا والناس إذا صلح علماؤهم صلحوا وإذا انحرف علماؤهم صاروا سببا لانحرافهم فعلى العلماء أن يتقوا الله تعالى في تبصير الأمة ثم على العامة أن يأخذوا بقول علمائهم المعروفين بالعلم والأمانة دون أن يأخذوا من علماء جهال أو من علماء ليسوا أمناء على دين الله ولا على عباد الله والكتب المبنية على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرة وذلك مثل كتب شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله وتلميذه ابن القيم وغيرهما من العلماء المتقدمين والمتأخرين.
***
السائل أبو شاهين من مصر يقول أحكي للأطفال قصص غير حقيقية وذلك لتحبيبهم في الصلاة والصدق وأمور الخير فهل يعد هذا من الكذب فهم صغار لا يدركون ولا يعقلون وهذه القصص قصص الأنبياء والصالحين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت القصص واقعية فلا بأس أما إن كانت غير واقعية بأن ينسب إلى شخص من الناس أنه صلى الفجر وحصل له كذا وكذا وهو ليس بحقيقة فلا يجوز لأن هذا كذب.
***
السائل أبو عبد الله يقول يقوم بعض محبي الخير بنشر بعض الورقات التي قد تحمل في طياتها أحاديث ضعيفة أو موضوعة وقد يذكر بعض الاجتهادات التي لا دليل عليها هل من توجيهٍ لهؤلاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التوجيه لهؤلاء أن أذكرهم بآيةٍ من كتاب الله وهي قول الله تبارك وتعالى (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً) وما ينشره هؤلاء أحياناً منامات وأحياناً أحاديث موضوعة مكذوبة على عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأحياناً أذكار مبتدعة ما أنزل الله بها من سلطان ولكن العوام يقبلون كل شيء خصوصاً إذا كان فيها ترغيب وترهيب والواجب على من أراد أن ينشر شيئاً أن يسأل أولاً أهل العلم الذين هم أهل العلم ما ترون في هذا ثم ما ترون في نشره فإذا قالوا هذا صحيح وأذنوا بنشره نشره وإذا كان هناك جهات مسئولة عن توزيع هذه المنشورات فلا يوزعها حتى يتصل بالجهة المسئولة كي لا تصبح الأمور فوضى كلٌ ينشر ما شاء.
***
السائل يقول في بعض المساجد وخاصة بعد صلاة العصر يقرأ الشخص أو أحد الإخوان عدة أحاديث من رياض الصالحين في كل يوم فهل هذا العمل من البدع؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ليس هذا من البدع بل هذا من الأمور التي فيها نشر العلم فإذا اعتاد الناس قراءة شيء من الأحاديث أو من تفسير القرآن الكريم كل يوم بعد العصر أو بعد العشاء أو بعد المغرب فهذا خير وليس من البدع والناس لا يفعلون هذا على أنه مقدمة للصلاة ومن توابع الصلاة لكن يفعلون هذا على أن فيه تذكرة للناس واعتاد الناس أن تكون التذكرة في هذا الوقت كما اعتاد الناس أيضا في كل زمان ومكان أن يكون دراسة العلم بعد صلاة الفجر على المشايخ واعتاد الناس أن تكون الدراسة في المدارس النظامية في وقت محدد كل هذا ليس فيه بأس ولا يعد من البدع الدينية
***
هذه السائلة من مكة المكرمة (نورة ح ص هـ) تقول ما حكم من عمل من أجل الله عز وجل ولكن يخبر به من يرى لكي يقوم بمثل هذا العمل لكي يعم الخير؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا لا بأس به لأنه من باب التعاون على البر والتقوى مثال ذلك رجل صائم قدم له شراب من شاي أو قهوة أو ماء فقال إني صائم من أجل أن يشجع الآخرين على الصيام فهذا طيب أو يقوم في الليل ويخبر إخوانه أنه قام في الليل ليشجعهم على هذا أو يتصدق بصدقة ويخبر عنها من أجل أن يقوي إخوانه على البذل فهذا لا بأس به والأعمال بالنيات أما إذا أراد أن يمدحه الناس فلا شك أن هذه نية غير صحيحة لأن الذي يبتغي وجه الله لا يهمه اطلع الناس عليه أم لم يطلعوا.
***
هذا سائل للبرنامج يقول في هذا السؤال أنا طالب أدرس في كلية الشريعة وأعاني من مشكلة وهي أنني عندما يطلب مني المدرس القراءة أمام الزملاء لا أستطيع القراءة ويصيبني خوف واضطراب شديد وإذا كنت إماما في الصلاة الجهرية فإني لا أستطيع أن أقرأ أيضا وأنا شديد الخجل وسؤالي يا فضيلة الشيخ ما هو الحل لهذه المشكلة وما العلاج وبماذا تنصحونني؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إن هذا الخجل الذي يعتري السائل خجل زائد فوق ما ينبغي أن يكون الإنسان عليه ودواء ذلك أن يشعر بأن الذين حوله من الناس إنما هم من جنسه لا يختلفون عنه وأن يشعر نفسه أنه إذا تكلم وإن أخطأ فكل الناس يخطئون ليس الخطأ مقصوراً على طائفة دون أخرى ومن دواء ذلك أن يمرن نفسه في أمكنة خاصة مثل أن يقوم يتحدث مع زملائه اثنين أو ثلاثة أو نحو ذلك وإن لم يستطع فليتحدث إلى نفسه فقط في حجرته يقوم ويتكلم كأنما يتكلم على أناس حتى يزول عنه الخجل شيئا فشيئا لأنه إن بقي على هذه الحال فإن الناس سوف يفقدون الانتفاع بعلمه اللهم إلا عن طريق الكتابة لذلك أنصح أخانا بأن يكون شجاعا وأن يمرن نفسه شيئا فشيئا حتى يقوى على مواجهة الناس بالكلام.

والعجب أنه ذكر أن هذا يعتريه حتى في قراءة الصلاة مع أنه إذا كان إماما فالناس وراءه وهو يقرأ كتاب الله عز وجل لا يأتي بكلام من عنده والخطأ في القرآن في مستوى كمستوى هذا السائل سيكون قليلا فنصيحتي له أن يمرن نفسه حتى ينفع الله به وبعلمه والله الموفق.
***
السائل حامد عبد الرزاق من الأردن يقول فضيلة الشيخ ما رأيكم بالداعية الذي إذا غضب من شخص رفع صوته عليه وذكره بأخطائه الماضية وهذا الداعي إلى الله يخطب بالمسجد ويرفع صوته على والديه كذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي نرى أن الداعي إلى الله عز وجل يجب أن يكون هو أول من يفعل ما يدعو إليه وأول من يترك ما ينهى عنه لأنه يدعو إلى الله وإذا كان صادقا في ذلك فليتجنب ما ينهى الله عنه ورسوله وليفعل ما أمر الله به ورسوله، وكونه يتكلم على الناس عند الدعوة إلى الله وينتهرهم فيزجرهم يكون بهذا الأسلوب مخطئا لقول الله تبارك وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) ولأن الله تعالى يعطي بالرفق ما لا يعطيه على العنف ولأن الله تعالى يحب الرفق في الأمر كله ألم يبلغ هذا الداعية ما جاء في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن أعرابياً دخل المسجد النبوي مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فتنحى إلى طائفة من المسجد وجعل يبول فزجره الناس وصاحوا به كيف يبول بمسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولكن النبي صلى الله عليه وسلم الذي آتاه الله الحكمة نهاهم عن ذلك وقال لا تزرموه يعني لا تقطعوا عليه البول دعوه يكمل ولما انتهى أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصب على البول ذنوب من ماء أي دلو أو شبهه ودعا الأعرابي وقال له إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى والقذر إنما هي للصلاة والتكبير وقراءة القرآن أو كما قال صلى الله عليه وسلم فقال الأعرابي اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحدا فهو سر بقول الرسول عليه الصلاة والسلام لأنه كلمه بلطف ولين وعلمه بالحكمة إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى والقذر إنما هي للصلاة والتكبير وقراءة القرآن أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

فنصيحتي لكل داعية أن يكون رفيقا في الدعوة إلى الله وأن يبين الشريعة على وجه يطمئن الناس إليها ويفرحون بها لأنه يدعو إلى الله ليس يدعو إلى نفسه و ليس يريد بدعوته أن يطفئ حرارة غيرته بل إنما يريد إصلاح الخلق فليتبع أقرب الطرق وأيسر الطرق إلى إقناع الخلق وهدايتهم.
***
السائل يقول أسكن في حي ويوجد لدي جيران لا يؤدون الصلاة معنا في المسجد مع العلم بأنه لا يوجد أي شيء يمنعهم من الصلاة في المسجد وقد قمت بزيارتهم في منازلهم وقمت بحثهم على الصلاة وقالوا سوف نصلى ولم نراهم معنا في المسجد هل علي ذنب في ذلك وهل تكون ذمتي برئت من ذلك أرجو التوجيه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان للإنسان جيران لا يصلون مع الجماعة فقام بنصحهم وإرشادهم وتوجيههم وتحذيرهم من المخالفة فقد برأت ذمته سواء صلوا أو لم يصلوا لأن الإنسان إذا أدى ما أوجب الله عليه من النصيحه فقد برأت ذمته وليس على الإنسان إلا البلاغ أما الهداية فهي بيد الله عز وجل وقد قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) وقال تعالى (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ) (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصيْطِرٍ) وقال تعالى (إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ) فالحاصل إن الإنسان إذا أدى النصيحة الواجبة فإن اهتدى المنصوح فهذا المطلوب وهو من نعمة الله عليه وعلى الناصح وإن كانت الأخرى فالآثم المنصوح لأنه قامت عليه الحجة وأما الناصح فلا شيء عليه من إثمه.
***
كيف يبلغ المسلم الدعوة إلى الله وما هي السبل والطرق المثلى في الدعوة إلى الله مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يبلغ المسلم الدعوة إلى الله بأن يتجول في بلاد الله عز وجل ويتكلم على الناس ويعظهم وأما الدعوة العامة فتكون في المساجد وفي المدارس وفي المجامع وأحسن ما يدعى به عباد الله كلام الله عز وجل ثم كلام رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لقوله عليه الصلاة والسلام (إن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم).
***
آخر سؤال للمستمعة أم جويرية من الكويت تقول إنني ممن تحب النصيحة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما أمر الشرع بذلك في قضايا كثيرة خاصةً التبرج وترك الحجاب وخاصةً السلوك الغير مستحب ولكنني أخشى العاقبة وردة الفعل خاصةً إذا كنت نصيحتي لأناسٍ لا أعرفهم فبماذا تنصحونني يا فضيلة الشيخ مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ننصحك بأن تستمري على الدعوة ِإلى الله عز وجل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنتائج ليست إليك أنت مأمورة بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأما النتيجة فهي إلى الله كما قال الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم (إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ) وقال سبحانه وتعالى (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمصيْطِرٍ) وقال تعالى (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) وقال تعالى (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) فأنت استمري في الدعوة إلى الله والنصح لعباده والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحكمة ومع النية الصادقة يحصل خيرٌ إن شاء الله تعالى.
***
تقول السائلة إذا وجدت معي بحكم العمل فتاة غير مسلمة فهل من الواجب علي أن أدعوها للإسلام وإن لم أفعل فسوف أسأل عنها يوم القيامة أم أن الدعوة لأناس معينين قادرين على ذلك وجزاكم الله خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب على من كان معه شريك في العمل من غير المسلمين أن يدعوه للإسلام لكن برفق وطمأنينة وعرضاً للإسلام الحق الذي يرغب فيه كل من عرض عليه وليس مقياس الإسلام عمل المسلمين لأن من المسلمين من يعمل أعمالاً لا تمت إلى الإسلام بصلة من الكذب والخيانة والمماطلة فيظن أن أخلاق هذا هي ما جاء به الدين الإسلامي والدين الإسلامي جاء بالصدق وأداء الأمانة والوفاء بالعهد قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وقال تعالى (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً) بل قد قال الله تعالى (لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) فبين الله تعالى أنه لا ينهانا أن نعامل هؤلاء الذين لم يقاتلونا في الدين ولم يخرجونا من ديارنا لا ينهانا عن أن نعاملهم بالإحسان أو بالعدل على الأقل أن تبروهم وتقسطوا إليهم وأما من أساء إلى عماله من مسلمين أو غير مسلمين فهو في الحقيقة قد أساء إليهم شخصياً وإلى الإسلام معنوياً لأن هؤلاء يظنون أن هذا خلق الإسلام وهذا ليس من الإسلام في شيء وخلاصة ما أجيب به على هذه المرأة أن أقول لها ادعي إلى سبيل الله ادعي إلى دين الله بيني لهؤلاء الذين يشاركونك في العمل من غير المسلمين محاسن الإسلام ومقاصد الإسلام وأخلاق الإسلام وفي ظني أن أي عاقل يدرك ما يعرض عليه سوف لا يختار ديناً سوى الإسلام.
***

السائل من الدمام يقول فضيلة الشيخ كما هو معروف عندنا في بعض المساجد وبعد صلاة الفريضة يقرأ الإمام برياض الصالحين أو بالترغيب والترهيب أو بكتاب موجود ولكن عرفنا أنه بعد السلام يشرع التسبيح والتهليل المشروع عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال لي أحد الأخوة أليس من الأفضل أن يترك مجال للناس للتسبيح والتهليل والتكبير بدل القراءة عليهم فما رأي الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين في ذلك حيث أن بعض الناس فور انتهاء الإمام من الحديث بعد العصر يخرجون أرجو الإفادة مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هو لا شك أن الصلاة يشرع بعد انتهائها أن يستغفر الإنسان ثلاثاً ويقول اللهم أنت السلام منك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام ثم يذكر الله سبحانه وتعالى بما جاءت به السنة هذا هو الأصل لكن الذين يتكلمون بعد الصلاة بما يتكلمون به من أحاديث مكتوبة في كتبٍ سابقة أو من ورقةٍ مكتوب بها أحاديث نافعة أو ارتجالاً إنما يبادرون بالكلام لأنهم يخشون أن يخرج الناس لو انتظر حتى يسبح الناس ثم إنه يشفع لبعض الناس أن طلب العلم أفضل من الأذكار التي تقال بعد الصلاة لأن طلب العلم لا يعدله شيء كما قال الإمام أحمد رحمه الله العلم لا يعدله شيء فهم يقولون نحن نتكلم بالعلم النافع ومن أراد أن يسبح فليسبح وإن كنا نقرأ أو نتكلم ومن أراد أن يستمع لنا ثم يسبح بعد ذلك فله ذلك ومن لم يتمكن من الجمع بينهما ثم استمع إلى الحديث النافع والعلم ثم خرج إلى شغله فلا حرج

نعم لو الناس اعتادوا على أن تكون الموعظة بعد انتهائهم من التسبيح بحيث يكون لدى الناس علم بأنه ستلقى كلمة أو موعظة أو حديث بعد التسبيح فهنا أفضل أن يدع الناس يسبحون ثم يتكلم لكن الناس لم يعتادوا هذا وأكثرهم لا يصبر ولذلك رأى الأئمة الذين يتكلمون ويحدثون على الناس أن يكون الحديث أو الكلام بعد الاستغفار ثلاثاً وبعد قول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يكلم أصحابه بعد الصلاة إذا سلم انصرف إليهم ثم كلمهم.
***
هذا المستمع أبو عبد الله يقول أرجو عرض هذا السؤال على فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين يقول السلام عليكم ورحمة الله فضيلة الشيخ في إحدى المناسبات في الزواج كنا من الحاضرين أنا ووالدي وعندما حضر أقارب الزوج إلى مكان الحفل واكتمل العدد قام أحد الاخوة وجزاه الله خيراً وارتجل كلمة طويلة أقصد أنها كانت نصيحة في الترهيب والحقيقة لو أن الكلمة كانت قصيرة لكانت أبلغ في التأثير ولكن لطولها واستشهاده بالأحاديث أطالت الكلمة فقام أحد الحاضرين وقاطعة وقال يكفي يكفي ما قدمت جزاك الله خيراً فغضب المتحدث و قال كأنك لا تحب الذكر فهل على الذي قال يكفي أو كفى إثم نريد من فضيلة الشيخ توجيه في هذا مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أقول وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته أيها السائل وما ذكرته من فعل بعض الاخوة أنهم يقومون ليلة الزفاف يتحدثون ويوعظون الناس فلا ريب أن الذين فعلوا هذا إنما قصدوا الخير وتذكير الناس وموعظتهم ولكن ينبغي للإنسان للواعظ للناس أن يكون حكيماً في موعظته فيتخير الوقت المناسب والمكان المناسب والحالة المناسبة بل والأشخاص لأن الإنسان قد يكون في بعض الأوقات متهيئاً لقبول النصيحة والموعظة والتذكير وفي بعضها لا يكون مستعداً لذلك فتراعى حاله وكذلك أيضاً قد يكون في بعض الأماكن لا ينبغي التحدث لأن الناس في شغل آخر وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة عليهم وهذه هي الحكمة ولا شك أن ليالي الزفاف ليالي أنس وفرح وسرور ولهذا رخص للغناء والدف في تلك الليلة على وجه الفرح والسرور لكن بشرط أن يكون ذلك بالدف لا بالطبل وإن يكون الغناء غناء المديح المجرد عن الفتنة فإذا كان الناس على هذا الاستعداد والنفوس متهيئة للفرح والسرور ولملاقاة بعضهم بعض وربما يكون بعضهم قد لاقى أخاه ولم يلقه من زمان بعيد فيفرح بلقائه ويتحدث إليه بأحواله وأحوال أهله فإذا كانت هذه الموعظة سئموها وملوها فالإنسان ينبغي له أن يتحرى الوقت المناسب والمكان المناسب والحالة المناسبة لأن المقصود هو قبول الناس واتجاههم وتهيئهم لسماع ما ينقل إليهم وانتفاعهم به ولو أن هذا الأخ المذكر جزاه الله خيراً اختصر واقتصر على الأهم لأن الوقت لا يناسب التطويل لكان خيراً له

وأرى في هذه المناسبة ألا يتكلم أحد إلا إذا رأى الناس متهيئون لهذا بأن طلبوا منه أن يتكلم أو طلب منه صاحب البيت أن يتكلم أو طلب منه السائل أن يتكلم بصوت مرتفع لينتفع الناس فهذا طيب ويكون الناس للقبول أقرب منهم للإعراض وكذلك لو رأى منكراً فقام وتكلم فوعظ ونصح هذا أيضاً مناسب فلكل حال مقال ونسأل الله أن يجعلنا جميعاً من الهداة المهتدين الموفقين للحكمة والرحمة والخوف.
***
المستمعة نور تقول بعض الطالبات يلحن في القرآن الكريم وأحياناً يزدن أو ينقصن في أحرف الآيات فإذا أرشدناهن إلى الصواب يغضبن ويقلن ليس قصدكنَّ تصحيح القراءة بل الاستهزاء بنا فهل نتركهن على الخطأ أم نبين لهن الصواب وهل علينا إثم إذا تركنا هذا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب على من سمع أخاً له يلحن في كتاب الله أن ينبهه عليه لأن هذا من باب التعاون على البر والتقوى ولايجوز لأحد أن يتعمد تغيير كتاب الله عز وجل باللحن لأن الله تكلم بالقرآن بلسان عربي مبين على الوجه الموافق للغة العربية وإذا حصل اللحن كان تحريفاً للكلم عن مواضعه وتعمده حرام وإذا كان تعمده حراماً كان التنبيه عليه واجباً فيجب على المعلمة أو على غير المعلمة إذا سمعت من يلحن في القرآن أن تنبهه عليه سواء غضب أم رضي وكون المخطئ الذي لحن في القرآن ينحى هذا المنحى المشارإليه في السؤال وهو إساءة الظن بأخيه الذي أعانه على البر والتقوى من الخطأ بل الواجب على من قدم له أخوه نصيحة أن يحملها على الظن الحسن وأن يشكر له هذه النصيحة لأن الناصح يكون معيناً له على طاعة الله وتجنب محارمه ولو أننا تركنا التعاون على البر والتقوى والتناهي عن المنكر من أجل غضب من وجه له ذلك ما استقام أمر ولا نهي.
***
نلاحظ في الطرق الطويلة لوحات كتب عليها عبارة مثل اذكروا الله أو صلوا على النبي أو سبحوا الله أو لا تنسوا ذكر الله فهل هذا العمل بدعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي أرى أن مثل هذا العمل جائز لما فيه من التذكير بأمر مشروع وهو ذكر الله عز وجل وذكر الله عز وجل مشروع في كل وقت قال الله تبارك وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً) (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) وذكر الله كثيرا من الأوصاف الحميدة الموجبة للمغفرة والأجر العظيم (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) وبناء على ذلك فإن التذكير بهذا الأمرالمشروع ليس ببدعة لأنه وسيلة لأمر مشروع ووسيلة الأمر المشروع مشروعة ويجب علينا أن نعرف الفرق بين الغايات والوسائل فإذا كانت الغايات مشروعة كانت الوسائل الموصلة إليها مشروعة ولا تعد من البدع.
***
تقول السائلة مشكلتي إني عندما أشاهد ما يغضب الله أصرخ وأثور وأغضب غضباً شديداً وأبين أن هذا حرام ولكن بصراخ خاصة إذا كان الذي أمامي لم يقتنع ولا يريد أن يقتنع وحينها أقدم الأدلة فيفسرونها على غير تفسيرها فأغضب أكثر وقرأت أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أخبر شخصاً سأله فقال لا تغضب ثلاث مرات وقرأت حديثاً آخر بما معناه أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يغضب لنفسه ولكن يغضب إذا انتهكت محارم الله أرجو توضيح كيف كان غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انتهكت محارم الله وما دورنا نحن وكيف يجب أن يكون غضبنا وما هو الغضب المنهي عنه في الحديث الأول؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن الإنسان إذا كان عنده غيرة على محارم الله لا شك أنه سيغضب ويثور ولكن ينبغي للإنسان أن يطمئن نفسه وأن يعلم أن الهداية بيد الله عز وجل كما قال الله تعالى لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) وعليه أن يعالج الأشياء بحكمة كما قال الله تعالى (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) والغضب الذي أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتركه هو الغضب الذي يتمكن الإنسان من التحكم فيه وأما ما جاء غيرةً لله ولدينه ولرسوله صلى الله عليه وسلم من غير أن يتمكن الإنسان من كظمه فإن الإنسان لا يؤاخذ عليه وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يغضب أحياناً في خطبه إذا وعظ الناس بانتهاكهم شيئاً من محارم الله عز وجل كما قام غضبان حين ذكر له أن رجلاً طلق زوجته ثلاثاً وكما ذكر جابر رضي الله عنه في صفة خطبه قال (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيشٍ يقول صبحكم ومساكم) ولكن يجب على الإنسان إذا غضب أن يحرص غاية الحرص على الاتزان وأن لا تخرج منه كلمات نابية منفرة كما يكون من بعض الوعاظ تجده يتكلم بكلامٍ نابٍ وربما يكون منفراً للناس عن قبول موعظته فعلى الإنسان أن يكون حاكماً لنفسه متمكناً منها حتى يتصرف باتزان
***
المستمع للبرنامج سعد الدوسري من وادي الدواسر يقول في هذا السؤال هل يجوز لإمام المسجد أن يسمع الجماعة في المسجد أشرطة مسجلة مسجل عليها ندوات ومحاضرات وخطب لبعض المشايخ والخطباء إذا كان الجماعة لا يتأثرون بالأحاديث أو المواعظ التي يلقيها عليهم لأنهم ألفوا ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا أن نقول إن من نعمة الله سبحانه وتعالى علينا في هذا العصر أن يسر لنا هذه الوسائل العظيمة لحفظ العلم ونشره بين الأمة من آلات الطباعة والنسخ وأشرطة التسجيل التي نفع الله بها خلقاً كثيراً وهذا من آيات الله سبحانه وتعالى الدالة على رحمته بعباده وإن هذا التسجيل الذي يحدث ليدلنا على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى حيث أنعم على عباده وعلمهم هذه الصناعة العجيبة الغريبة المفيدة فعلينا أن نشكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة ليزيدنا من فضله لأن الله يقول (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) ومن نعم الله تعالى علينا في هذه الأشرطة أن الإنسان يستطيع أن يسمع صوت العالم الذي يحب أن يسمع صوته ولو كان بينه وبينه مسافات بعيدة بل ولو كان هذا العالم قد مات وقد قالوا:
الخط يبقى زماناً بعد كاتبه وكاتب الخط تحت الأرض مدفون
ونحن نقول:
الصوت يبقى زماناً بعد قائله …وصاحب الصوت تحت الأرض مدفون
فهذا الإمام الذي يأتي بهذه الأشرطة ليسمعها جماعته نقول لا بأس بذلك لأن الذي يقال في المساجد مباشرة يجوز أن يلقى في المساجد بواسطة ما دام هذا القول مفيداً ونافعاً ولكن الأفضل والأولى بلا شك أن يكون هو الذي يتكلم بما يرى أن فيه مصلحةً للجماعة لأن كلامه هو بنفسه أشد تأثيراً على الجماعة من أن يسمعوا صوتاً في مسجل ولأن الجماعة ربما يتفرقون إذا سمعوا هذا بناءً على أن هذا الشريط موجودٌ في أماكن بيعه فيقول الإنسان أنا أشتريه وأستمع إليه ولو كنت على سيارتي وما أشبه ذلك فإن هذا الإمام لم يأتِ بجديد فالأولى أن يكون هو الذي يعطي الدروس بما فتح الله عليه إن كان ذا علم أو بكتب أهل العلم الموثوق بعلمهم وأمانتهم يقرؤها على الجماعة هذا هو الأولى والأحسن.
***

المستمع من جمهورية مصر العربية يقول بأنه يقوم بتحفيظ القرآن ودروس دينية لبعض البنات وأعمارهن الثالثة عشر في منزله فهل في ذلك شيء يقول مع العلم بأنني بمثابة مدرس لهن حيث أقوم بتدريسهن في هذا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الذي أرجو من هذا الشخص أن يلقي دروساً على زوجته أو على أخته أو من عنده في البيت من محارمه ثم تلقي هذه المرأة الدروس التي ألقاها عليها على هؤلاء النساء اللاتي يأتين إلى بيته وأما أن يتولى هو تدريسهن وهم في هذه السن فإني أخشى عليه من الفتنة لأن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم وبإمكانه إذا كان يخاف أن لا تقوم أخته أو زوجته أو من عنده في البيت من محارمه بالواجب فبإمكانه أن يلقى الدرس عن طريق التسجيل ثم تباشر هذه المرأة من محارمه تقديمه لهؤلاء الطالبات ففي هذا حصول الفائدة والابتعاد عن المحظور والفتنة وإذا حصل منهن سؤال فليكن عندهن آلة تسجيل تسجل هذا السؤال من الطالبات ثم يجيب عنه الرجل في مكانٍ آخر ويعاد إليهم.
***
يقول المستمع من السودان بعض العلماء عندنا عندما يريد أن يلقي كلمة أو موعظة من حين لآخر يقف ويقول صلوا على رسول الله ثم يتحدث قليلاً ثم يقول لهم بعد ذلك صلوا على رسول الله هل هذا وارد عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الخطب والمواعظ أنه يبدأ بحمد الله والثناء عليه ولا حرج أن يصلى الإنسان على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فيتشهد ويقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ويصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يقول أما بعد ويبدأ في موضوع الخطبة لكن بعض الخطباء إذا رأى من الناس غفلة فمنهم من يقول قولوا لا إله إلا الله أو اذكروا الله ومنهم من يقول صلوا على النبي صلى الله عليه وسلم وينوي بذلك أن ينبه الناس ومنهم من يقول انتبه استمع وما أشبه ذلك فالذي يظهر لي أن هؤلاء الذين يقولونها في أثناء الخطبة هم لا يريدون بهذا التعبد لله تعالى بذلك وإنما يريدون بذلك تنبيه الموعوظين والمخطوب فيهم ومثل هذا لا أرى فيه بأساً إن شاء الله
***
المرأة إذا كان لديها علم وحماس وتريد أن تدعو إلى الله فما هي الطريقة التي تتبعها وما هي المجالات التي تستطيع أن تدعو إلى الله فيها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الطريقة التي تتبعها هي ما أمر الله به في قوله (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وأما المجالات فهي مجامع النساء كالمدارس وغيرها تحضر إليهن وتدعوهن إلى الله عز وجل ولكل مقام مقال وبإمكانها أن تعرف هل المقام يقتضي الترغيب أو الترهيب أو الجمع بينهما بحسب الحال فمجالات عملها إنما هو مجامع النساء فقط أما مجامع الرجال فإنه للرجال.
***
هذا المستمع من جمهورية مصر العربية كفر الدوار يقول في رسالته إنني المرسل أتابع برنامجكم برنامج نور على الدرب واسمي ج ع ع وسؤالي بالنسبة للدعوة الإسلامية على أيام الرسول عليه الصلاة والسلام هل وصلت إلى الدول الأوروبية وخلافها وما موقفهم منها وكيف كانت تنقل إليهم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: جوابنا على هذا السؤال أن الدعوة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في عهده لم تصل إلى الدول الأوروبية وإنما كانت في جزيرة العرب وما حولها فقط ولكنها انتشرت إلى الدول الغربية بعد ذلك وسوف تصل إلى جميع أقطار الدنيا لأن هذه الرسالة عامة فستقوم الحجة على جميع أهل الأرض في هذه الرسالة ومن مات منهم قبل أن تبلغه رسالة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يحكم له في الدنيا بحكم الكفار وأما في الآخرة فأمره إلى الله عز وجل وأرجح الأقوال عندي في هذا وأمثاله أنهم يمتحنون يوم القيامة بما يشاء الله عز وجل.
***
إبراهيم أبو حامد من الرياض يقول ما هي رسالة المسجد في المجتمع حدثونا عن ذلك مأجورين.
فأجاب رحمه الله تعالى: المسجد ليس له رسالة المسجد جماد لا يرسل لكن لو قال ما هي المصالح والمنافع التي تترتب على الدروس في المساجد وعلى الدروس والمواعظ بعد الصلوات وما أشبه ذلك لكان خيراً أما رسالة المسجد فلم أسمع بها إلا أخيراً والذي ينبغي لنا أن نتبع ألفاظ السلف الصالح ما استطعنا فأقول لا شك أن المسجد موضع الذكر والقراءة والصلاة وأن الناس ينتفع بعضهم ببعض في الحضور إلى المسجد من التآلف والمحبة ومعرفة أحوال إخوانهم في هذا الحي ولهذا كان الموفق هو الذي إذا فقد أخاه في الصلوات سأل عنه أين فلان فقد يكون مريضاً يحتاج إلى عيادة وقد يكون معسراً مختبئاً عن أهل الدين فيحتاج إلى مساعدة وما أشبه ذلك والذي ينبغي لإمام المسجد أو غيره ممن يتكلم في موعظة الناس أن لا يملهم بالطول أي في طول الحديث أو بالتكرار مثل أن يعظهم كلما انتهت الصلاة فإن هذا يملهم ويسأمون من المواعظ بل يتحين الفرص فإن كانت الكلمة مجرد وعظ فلتكن حين توجد المناسبة وإن كانت الكلمة دراسة علم يقرأ كتاب ثم يشرح ويبين للناس معناه فهذه تكون في إحدى الصلوات الخمس ويختار الصلاة المناسبة للناس.
***

ما هي ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومتى يجوز الإنكار علانية والإنكار سرا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية وإذا لم يكن إلا واحد تعين عليه لكن يشترط ألا يتغير المنكر إلى ما هو أعظم فإن تغير المنكر إلى ما هو أعظم وجب الكف لقول الله تبارك وتعالى (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) فإذا قدرنا أن شخصا يشرب الدخان فلو أنكرنا عليه لترك الدخان ولكن يذهب إلى شرب الخمر فهنا لا ننكر لأن شرب الدخان أهون من شرب الخمر وكذلك لو رأينا أحدا مغرما بالنظر إلى النساء وملاحقتهن ولو نهيناه لافتتن بالصبيان فهنا لا ننهاه ولكن مع ذلك نراقب ونحاول كل فرصة أن ننهاه عن المنكر.
***
إذا حضرت حفلة لأقربائي وكان فيها منكرات كثيرة وحضوري لهذه الحفلة كان بسبب الدعوة وخوفا من زعلهم هل أنكر هذه المنكرات أو أخرج من الحفلة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا دعي الإنسان إلى دعوة فيها منكر فإن كان يقدر على إزالته وجب عليه الحضور لسببين
أولا لإجابة الدعوة إذا كانت مما تجب إجابته.

والثاني لإزالة المنكر وإذا كان لا يقدر الإنسان على إزالة المنكر فلا يجيب لأن الإنسان إذا حضر مجلسا فيه منكر شاركهم في الإثم وإن لم يشاركهم في الفعل لقول الله تعالى (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ) وأما قول بعض الناس إنه يحضر المنكر وينكر بقلبه فهذا غير صحيح لأنه لو كان صادقا في إنكاره بالقلب ما بقي ولفارق. وإذا حضر إلى الوليمة يعتقد أنه ليس بها منكر ثم صار المنكر فالواجب عليه أن ينكر فإن حصل مقصوده فذاك وإن لم يحصل وجب عليه أن يغادر.
***
هذا السائل خليل ح رمز لاسمه بهذا الرمز يقول فضيلة الشيخ أشتكي إلى الله ثم لكم من أبي سامحه الله وهداه إلى طريق الصواب فللأسف الشديد هو سيء الخلق عاق لوالديه وتارك للصلاة ولا يصوم وكثير المشاكل مع الأهل والأقارب ويقوم بتصرفات سيئة لدرجة أنه يخرج إلى السطوح للنظر إلى نساء الناس وغير ذلك من التصرفات السيئة فوجهوني ماذا أعمل معه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إن الواجب عليك أن تنصح أباك عما يفعله وعما ترك من واجبات دينه لأن هذا من بره وليكن ذلك بالرفق واللين والحكمة فإن هداه الله للحق فهذا هو المطلوب وإن لم يهتد فإن الواجب عليك رفعه إلى الجهات المسؤولة لأن إنسانا حاله كما وصفت كافر مرتد عن الإسلام معتد على عباد الله بكشف عوراتهم من على سطح البيت ومثل هذا يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا وجب قتله كافرا مرتدا لا حرمة له فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن مع المسلمين ولا يدعى له بالرحمة لأنه إن مات على ذلك فهو من أصحاب النار نسأل الله لنا وله الهداية ولا يجوز لك أبدا أن تقره على هذه الحال لما في ذلك من الإقرار على الردة والإقرار على العدوان على عباد الله بكشف عوراتهم.
***

تقول هذه السائلة امرأة كثيراً ما تجلس في مجالس النساء وكثيراً ما يحصل في هذه المجالس من الغيبة والاحتقار وأنا أتضايق من هذا الشيء ولا أريده ولكنني لا أستطيع أن أغير هذا المنكر ولا حتى القيام من المجلس الذي أنا فيه فهل أعتبر في مثل هذه الحالة شريكة لهم في الإثم مع أنني أكره ذلك في داخلي وأتضايق منه لكنني لا أستطيع عمل شيء سوى ذلك ما العمل في مثل هذه الحالة أرجو نصحي وتوجيهي؟
فأجاب رحمه الله تعالى: العمل في هذه الحالة أن تقوم من المجلس ولا يحل لها أن تبقى حتى ولو كانت كارهةً ذلك بقلبها فالواجب عليها أن تخرج من المجلس لأنه لا مكره لها أما لو أنها هددت وقيل لها إذا قمت من المجلس فسنضربك والمهدد يقدر أن يفعل ذلك فحينئذٍ تكون مرغمةً على البقاء فلا حرج عليها.
***
من الجزائر أخوكم عبد الله يقول في هذا السؤال فضيلة الشيخ هل وجود الشخص في مكانٍ توجد به منكرات شرعية يعتبر من المحظورات؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم لا يحل لإنسان أن يجلس مجلساً فيه منكرات إلا إذا كان قادراً على إزالتها فالواجب عليه أن يبقى حتى تزول وأما إذا كان غير قادر فالواجب عليه مغادرة المكان لقول الله تبارك وتعالى (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ) يعني إنكم إن قعدتم مثلهم أي في الإثم والواجب على المرء إنكار المنكر بقدر ما يستطيع لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) والإنكار بالقلب لا يمكن مع بقاء الإنسان في محل المنكر أبداً لأن الإنكار بالقلب هو كراهة المنكر ومغادرة المكان إذا لم يستطع أن يغير المنكر.
***

تقول الأخت السائلة عندما أرى منكراً لا أعلم الحكم الشرعي له تماماً فإنني لا أنهى صاحب هذا المنكر فهل أنا على صواب أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم على صواب إذا كان الإنسان لا يعلم أن هذا الفعل الواقع من شخصٍ ما منكر فإنه لا يجوز أن ينكره لأنه لو أنكره وهو غير منكر في دين الله لكان قد قال على الله بلا علم والقول على الله بلا علم محرم تحريماً شديداً حتى إن الله تعالى قرنه بالشرك به فقال جل وعلا (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) لكن لو فرض أن الإنسان قد قيل له إن هذا منكر فهنا لا بأس أن يقول لفاعله يا فلان أنت فعلت كذا وكذا وقد قيل لي إنه منكر فلو سألت عنه حتى يكون عملك على بصيرة فهذا لا بأس به أما شيءٌ ليس عند الإنسان فيه علم لا من قبل نفسه ولا من قبل غيره فلا يجوز أن ينهى عنه.
***
بارك الله فيكم السائل عبد الله من الرياض يقول أقيم في المملكة وأعمل في إحدى المؤسسات الأهلية وبحكم عملي لاحظت أن المحاسب لدينا يختلس بعضا من الأموال وذلك ببيعه مواد وعدم كتابة فواتير بثمن هذه المواد فما واجبي هل أن أنبهه وأنصحه ليقلع عن هذا العمل أم أبلغ صاحب المؤسسة وجهوني بهذا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الذي أرى أن تبلغ صاحب المؤسسة بدون أن تذكر اسمك له أو إذا كان صاحب المؤسسة أميناً تذكر اسمك له وتقول لا يطلع عليه المحاسب لأني أخشى إن نصحت المحاسب ولم يوفق لقبول النصيحة واستمر على ما هو عليه من الاختلاس ثم اضطررت بعد ذلك إلى إخبار صاحب الشركة أن يتهمك بأنك أنت الذي بلغت ثم يكيد لك كيدا.
***

هذه رسالة لطبيبة مقيمة بالمملكة تقول هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون للمسلمين وغير المسلمين أم هو للمسلمين فقط جزاكم الله خيراً؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام يشمل المسلمين وغير المسلمين لكنه يختلف في الكيفية أما المسلم فيؤمر بكل معروف وينهى عن كل منكر وأما الكافر فإنه يدعى إلى الإسلام أولاً كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله في بعث الدعاة إلى الله قال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه وقد بعثه إلى اليمن (إنك تأتي قوماً أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أجابوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) وأما الكفار المقيمون في بلادنا الذين دخلوا بلادنا إما بعهد أو أمان فإنهم ينهون عن إظهار المنكر أو إظهار شيء من شعائرهم لأن ذلك إهانة للمسلمين ولأنه من الشروط الذي أخذها عمر رضي الله عنه على أهل الذمة والمعاهد والمستأمن من باب أولى فينهون عن إظهار الصلىب سواء على بيوتهم أو سياراتهم أو فيما يتقلدونه ولكن يتولى ذلك من يمكن أن يحصل بنهيه فائدة وأما من لا يحصل بنهيه فائدة فإنه قد لا يكون نهيه إلا زيادة في بقائهم على ما هم عليهم وإصرارهم على ذلك.
***
يقول السائل بعض الناس هداهم الله إذا أمرته بواجب ديني قال لكم دينكم ولي ديني فما موقف المسلم من ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هو صادق في قوله لكم دينكم ولي دين ولكن هذا لا يمنع من أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ولا سيما إلزامه بالشريعة إذا كان ملتزماً لها فإن المسلم ملتزم بالشريعة وما أسلم إلا وهو ملتزم بشرائع الإسلام فإذا فرط فيها وأضاعها الزُم بها ولذلك يقهُر على شرائع الإسلام أن يقوم بها فيقهر مثلاً على الصوم وعلى الزكاة وعلى الصلاة وعلى الحج ويجبر على ذلك ثم إن لم يفعله إلا لدفع الإكراه لم يقبل منه وإن فعله لله سبحانه وتعالى قُبل.
والمهم أن من دين الإنسان أن يأمر غيره بالمعروف وينهاه عن المنكر فهو إذا قال لي لكم دينكم ولي دين أقول نعم لك دينك ولي ديني لكن ديني يأمرني بأن آمرك بالمعروف وأنهاك عن المنكر فهو من ديني.
***
كثير من أصحاب السوق أصحاب البيع والشراء إذا نادى منادي الصلاة إما أغلق الباب وبقي خارج الدكان أو أغلقه على نفسه حتى ينتهي وقت الصلاة والعبرة بالصلاة لا بإغلاق المحل ما حكم عمل هؤلاء وما هو واجب الهيئة نحو ذلك اللهم إني بلغت فاشهد؟

فأجاب رحمه الله تعالى: فعل هؤلاء في الحقيقة محرم لأنهم تركوا ما يجب عليهم من إقامة الجماعة في المساجد والواجب على المسلم أن يقيم الصلاة جماعةً في مساجد المسلمين لأن هذا هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن يقيموا صلاة الجماعة في المساجد فهذا هو الواجب على كل مسلم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) وهكذا أيضاً إذا نودي لها في غير يوم الجمعة فإنه يجب على المسلمين أن يأتوا إلى هذه المساجد التي بنيت لإقامة الجماعة وقد هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحرق المتخلفين عن الجماعة بالنار أما بالنسبة لعمل الهيئة نحوهم فإن الهيئة يجب عليها أن تلزمهم بالصلاة مع الجماعة في المساجد فمن رأته واقفاً عند دكانه ألزمته بأن يصلى مع الجماعة ومن علمت أنه يغلق الدكان على نفسه كذلك أرغمته على أن يخرج من دكانه ويحضر الجماعة وأما من أغلق دكانه على نفسه والناس لا يعلمون به فهذا أمره إلى الله وبالنسبة للهيئة وغيرهم لا يلزم عليهم أن يدقوا الدكاكين وينظروا هل فيها أحد ولكن إذا تبين وعلم أن هذا الرجل يختفي في دكانه وجب عليهم أن يفتحوا الدكان وأن يخرجوه وأن يلزموه بالجماعة ومن خفي على الهيئة أو على غيرهم من المسلمين فإن أمره لله سبحانه وتعالى وتخصيص الأخ الهيئة في هذا الأمر هو أيضاً فيه نظر فإن تغيير المنكر ليس خاصاً بالهيئة فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه) ومن رأى منكم اسم شرط وأسماء الشرط كلها دالة على العموم فكل من رأى منكراً وجب عليه أن يغيره بهذه المراتب الثلاثة بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه لكن يجب على الهيئة ما لا يجب على غيرهم يعني يتأكد وجوب عمل الهيئة أكثر من غيرهم لأنه معهم سلطة من الدولة فهم يتمكنون من تغيير المنكر

أكثر مما يتمكن غيرهم
***
يقول بعض الناس إن علينا بأنفسنا فقط وليس لنا بالناس الآخرين شيء أي أننا نصوم ونصلى ونؤدي ما فرضه الله علينا ولا علاقة لنا بالآخرين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا القول ليس بصحيح لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه) ولقوله تعالى (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)، (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) وفي قوله ولا تفرقوا بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دليل على أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يوجب تفرق الأمة وتشتتها وكون كل واحد منهم له منحى ينحو إليه ويذهب إليه ويصير عليه ولأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سياج هذه الأمة وقيام عزها وكرامتها ولأن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سببٌ للخسران لقوله تعالى (وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) نعم لو فسد الزمان وفسدت الأمة ولا يمكن الإصلاح بحال فحينذٍ نقول للإنسان (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) وعليك بخاصة نفسك والله المستعان.
***

التاريخ والسير
بارك الله فيكم المستمع عبد الله يقول في سؤاله الثاني يقول متى بنيت الكعبة ومن الذي رفع قواعدها ولماذا سميت بهذا الاسم.
فأجاب رحمه الله تعالى: قال الله تبارك وتعالى (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) فإبراهيم عليه الصلاة والسلام هو الذي بنى الكعبة ورفع قواعدها بمشاركة ابنه إسماعيل عليهما الصلاة والتسليم وقد جاء في بعض الآثار أن الكعبة بنيت في عهد آدم عليه الصلاة والسلام ولكنها اندثرت وتهدمت ثم جدد إبراهيم بناءها فالله أعلم وأما لماذا سميت كعبة فلأنها بناءٌ مربع وكل بناءٍ مربع له أركان أربع يسمى كعبة وقد أضاف الله تعالى هذا البيت إلى نفسه فقال جل وعلا (وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) وفرض الله سبحانه وتعالى على عباده أن يتوجهوا إليه في صلواتهم وفرض عليهم أن يحجوا إليه مرةً في العمر.
***
أين كان يسكن قوم ثمود وما هي قصة عقرهم الناقة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ثمود كانوا يسكنون بلاد الحجر وهي معروفة مر بها النبي عليه الصلاة والسلام في طريقه إلى تبوك وهذه الديار ديار قوم أهلكهم الله عز وجل بالصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين وهم أعني ثمود قوم صالح أعطاهم الله تعالى آية عظيمة وهي الناقة التي لها شرب ولهم شرب يوم معلوم يشربون من لبنها وتشرب الماء هي في اليوم الثاني ولكنهم والعياذ بالله كفروا هذه النعمة وعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وتحدوا نبيهم صالحاً بقولهم (ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) وهذه البلاد لا يجوز لأحد دخولها إلا معتبراً خائفاً ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام (لا تدخلوا ديار هؤلاء إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوها) والمعنى أنه لا يحل للإنسان أن يدخلها إلا معتبراً خائفاً وجلاً أما أن يذهب إليها على سبيل الفرجة والتنزه فإن هذا قد نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام قال (إن لم تكونوا باكين فلا تدخلوها).
***
المستمع عبد الله فهمي عبد الرحيم من جمهورية مصر العربية يعمل بالمدينة المنورة يسأل عن مريم العذراء هل عندما حملت كان حملها كالحمل العادي تسعة أشهر أم ماذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: قبل الإجابة على هذا السؤال أود أن أقول إن مثل هذه الأسئلة التي قد يكون الجواب عليها عديم الفائدة لا ينبغي للإنسان أن يشغل نفسه بها فالإنسان لديه مسؤوليات لله عز وجل ولعباد الله لديه مسؤوليات لله تعالى عقيدة وقولاً وعملاً فعليه أن يهتم بذلك دون مثل هذه الأمور التي من فضول العلم فلا ينبغي للإنسان أن يتشاغل بما ليس له فيه فائدة ويدع ما له فيه فائدة لا ينبغي أن يسأل عن لون كلب أصحاب الكهف ولا ينبغي أن يسأل عن اسم الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه ولا ينبغي أن يسأل عن قومية الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف ولا ينبغي أن يسأل عن البعض الذي أمر الله سبحانه وتعالى أن يضرب به القتيل من بني إسرائيل وما أشبه ذلك من الأمور التي الجهل بها لا يضر ولو كان العلم بها نافعاً لبينه الله عز وجل لعباده ومن ضمن ذلك هذا السؤال الذي أورده السائل هل كان حمل مريم رضي الله عنها الحمل المعتاد عند النساء أم كان له صفة أخرى نقول من المعلوم أن الذي يهمنا من ذلك أن حملها رضي الله عنها لم يكن بواسطة رجل كغيرها من النساء وإنما بين الله تعالى ذلك مفصلاً في سورة مريم فقال (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً) (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً) (قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً) (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً) (قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً) (قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً فَحَمَلَتْهُ) وقد بين الله عز وجل في آية أخرى أن ذلك بواسطة نفخه من روحه فقال عز وجل

(وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا) وحملت الولد وذكر الله تعالى آخر القصة فالذي يهمنا كيف نشأ هذا الحمل أما كم بقي في بطنها وهل كانت مدة كثيرة أو قليلة فإن هذا لا يعنينا ولذلك لم يبينه الله تعالى لنا في كتابه لنا.
***
المستمع علي إبراهيم صومالي مقيم بجمهورية تنزانيا يقول نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد تزوج تسع نساء معاً فما هي الحكمة في ذلك مع أن شرعه صلى الله عليه وسلم لا يبيح لغيره جمع أكثر من أربع نساء وكيف أن ابنه إبراهيم من مارية القبطية مع أنها ليست من زوجاته أي أنها أمةً كان يملكها صلى الله عليه وسلم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من المعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام توفي عن تسع نساء وكان عليه الصلاة والسلام قد تزوج خديجة أم المؤمنين وهي أول امرأة تزوج بها ورزق منها أولاده سوى إبراهيم وتزوج أيضاً زينب بنت خزيمة ولكن هاتين المرأتين توفيتا قبله صلى الله عليه وسلم أما اللاتي توفي عنهن فهن تسع وهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم في النكاح والحكمة من إباحة أكثر من أربع للنبي عليه الصلاة والسلام لأنه صلى الله عليه وسلم باتصاله بهن يكون فيه شرف لهن ولقبائلهن ولأنه باتصاله بهن يكثر العلم لأن كل واحدة منهن عندها من العلم ما لا يكون عندها لو لم تكن زوجة له ولله عز وجل أن يخص من شاء من خلقه بحكم من الأحكام لسبب من الأسباب وكما خصه الله عز وجل بالزواج زيادة على أربع فقد خصه بجواز التزوج بالهبة بأن تأتي امرأة وتقول إني قد وهبت نفسي لك يا رسول الله فتكون زوجة له بذلك كما قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) فبين الله عز وجل أن ذلك خاص به دون المؤمنين والحكمة من ذلك والله أعلم هو ما أشرنا إليه من قبل من أجل أن يتيسر النكاح للنبي صلى الله عليه وسلم حتى يتزوج بدون مهر وبدون عناء إذا شاء وذلك للمصالح التي أشرنا إلى شيء منها وأما كون ولده يأتيه من سريته فإن هذا أمر لا يسأل عنه لأن هذا بقضاء الله وقدره فكما أنه عليه الصلاة والسلام لم يولد له من زوجته عائشة وقد تزوجها بكراً ولا من زوجاته الأخر سوى خديجة وقد تزوجهن ثيبات فإننا

لا نقول لماذا لم يولد له من تلك النساء وولد له من خديجة ومن مارية ولله تعالى الحكمة فيما شاء (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً) ولعل من الحكمة أن الله عز وجل جعل له أولاداً من صنفين من المحللات له صنف الزوجات الأحرار وصنف المملوكات الإماء.
***
لماذا سميت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بأمهات المؤمنين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: سميت بأمهات المؤمنين من باب الاحترام والتعظيم وليس يترتب على هذه الأمية شيءٌ من تحريمٍ أو تحليل سوى الاحترام فإنه يجب على المسلمين احترامهن لأنهن أمهاتهم وأما تحريم نكاحهن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك من باب تعظيم حرمة النبي صلى الله عليه وسلم حيث لا تحل أزواجه لمن بعده أبداً ولهذا جعل الشارع أربعة أشهرٍ وعشرة أيام لمن توفي عنها زوجها احتراماً لحق الزوج الميت فإن ذلك من باب حقوق الميت ويدل على هذا أن المرأة تتربص أربعة أشهر وعشراً سواءٌ كانت من ذوات الحيض أم من الآيسات ولا يرد على هذا أن الحامل تنتهي عدتها إذا مات زوجها بوضع الحمل ولو في أقل من أربعة أشهر لأننا نقول لما انقضت العدة انفصلت من الزوج وبانت منه فلم يبقَ للزوج تعلقٌ بها فلهذا تنقضي العدة بوضع الحمل.
***
ما الأسرار من وراء دعوة الرسول السرية لمدة ثلاث سنوات في مكة المكرمة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الرسول صلى الله عليه وسلم بعث في مكة وكان أهلها ليسوا على دين وقل منهم من يعرف شيئاً عن الأديان في ذلك الوقت ولهذا وصفوا بأهل الجاهلية ومن المعلوم أنه إذا ظهر رجل كهذا لمجتمع عارم بالجهل والشرك والكفر فإنه إن لم تكن دعوته على سبيل الحكمة والسداد لم يتوصل إلى الفلاح والرشاد ولا ريب أن من الحكمة أن تكون دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك الوقت سرا يأتي إلى الرجل يتوسم فيه الخير ويدعوه إلى الله سبحانه وتعالى وتقع هذه الدعوة من قلبه كل موقع فيدخل في الإسلام ويأتي إلى الثاني وإلى الثالث والذين دُعوا إلي الإسلام وأسلموا كذلك يتصلون بمن يتوسمون فيهم الخير والقبول فيدعونهم إلى الله سبحانه وتعالى وهكذا حتى يكون حوله المجتمع وحينئذ يكون من المناسب أن يجهر بالدعوة ويعلنها لأن لديه أعواناً فهذا هو السر في أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يؤمر بإعلان الدعوة من أول وهلة وإنما أرجأ الأمر حتى يكون حوله أناس فهذه هي الحكمة في أن أول الدعوة كانت سراً وهكذا ينبغي للداعية إلى لله سبحانه وتعالى أن تكون دعوته في مجتمع عارم بالجهل والضلال على هذا النحو يدعو فلاناً وفلاناً وفلاناً حتى يتكون حوله أناس وتقوى جبهته وحينئذٍ يعلن ما دعا إليه لأنه لو أعلن ما دعا إليه من أول الأمر لحصلت فتنة ومشادات ومنازعات ولم يتمكن من الوصول إلى مقصوده.
***
ما قصة الجذع الذي كان يخطب عليه الرسول صلى الله عليه وسلم فلما تركه الرسول صلى الله عليه وسلم لفترة صار له صوت أو حنين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: قصته كما روى السائل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب إلى جذع نخلة فلما صنع له المنبر وهو أعواد من خشبٍ لها درج صنع من أثل الغابة تركه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخطب على المنبر فجعل هذا الجذع يحن كحنين العشار على أولادها فنزل النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر وجعل يسكته فسكت وهذه آية من آيات الرسول صلى الله عليه وسلم وليست هذه أكبر آية ولا آخر آية ولا أول آية.
***
أحمد حسين العراق محافظة نينوى يقول في رسالته كيف كان الاستقبال للرسول صلى الله عليه وسلم عندما هاجر من مكة إلى المدينة المنورة ومن هم الذين كانوا بصحبة الرسول صلى الله عليه وسلم أفيدونا في ذلك بارك الله فيكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: كان استقبال النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم إلى المدينة مهاجراً من مكة استقبالاً عظيماًَ يدل على فرح الصحابة رضي الله عنهم بمقدمه وحبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم لما علموا بخروجه من مكة كانوا يخرجون إلى الحرة ينتظرون النبي صلى الله عليه وسلم وفي يوم من الأيام خرجوا ينتظرونه حتى ضربهم حر الشمس ثم رجعوا وإذا رجل من اليهود على أطم من آطام المدينة ينظر إلى حاجة له فأبصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فنادى بأعلى صوته أيها العرب هذا جدكم الذي تنتظرون أي هذا حظكم فخرج المسلمون يستقبلون النبي صلى الله عليه وسلم فلما دخل المدينة فرحوا به فرحاً عظيماً وأما أصحابه فكان الذي معه صاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي أشار الله تعالى إلى صحبته في كتابه حيث قال (إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) وكان معهما رجل يقال له عبد الله بن أريقط يدلهما الطريق.
***
ما هي صفات الرسول صلى الله عليه وسلم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: صفات الرسول التي نستفيد منها أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم على خلق عظيم وأنه أكرم الناس جوداً بالنفس والمال وأنه أشجع الناس عليه الصلاة والسلام وأنه أرق الناس قلباً وألطف بالضعيف حتى كان عليه الصلاة والسلام يلاطف الصبيان ويمازحهم ويعطيهم ما يشتهون ففي يوم من الأيام كان ساجداً وهو يصلى فجاءه ابنه الحسن رضي الله عنه ابن علي ابن أبي طالب وهو ساجد فركبه الحسن ركب جده محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأطال السجود وقال صلى الله عليه وسلم للناس (إن ابني ارتحلني فأردت أن يقضي نهمته) وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحمل ابنة بنته وهي أمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم -وهو جدها من أمها- يحملها وهو يصلى بالناس إذا قام حملها وإذا سجد وضعها وكان صبي صغير معه طير صغير يسمى النغير يلعب به الصبي ويفرح به كما جرت به عادة الصبيان فمات هذا الطائر فحزن الصبي فكان الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يمازحه يقول يا أبا عمير ما فعل النغير يعني ماذا صنع وأين راح فهذا خلق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن خلق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مراعاة أصحابه فلا يشق عليهم وما خير بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً واسمع إلى قصة عجيبة كان أبو برزة الأسلمي رضي الله عنه في إحدى جبهات القتال وكان معه فرس قد أمسك بزمامها والفرس جعلت تنازعه تريد أن تنطلق وهو في صلاته يمشي معها يغلبها تارة وتارة تغلبه فرأى خارجي من الخوارج أبا برزة يفعل هذا الفعل وهو يصلى فجعل يقول انظروا إلى هذا الشيخ ماذا يفعل فعل الله فيه كذا وكذا يسبه فلما سلم أبو برزة رضي الله عنه قال لقد سمعت ما قلت ولقد غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم ست غزوات أو سبع غزوات أو ثمان غزوات فرأيت من تيسيره عليه الصلاة والسلام وإني خفت أن تنطلق هذه الفرس إلى مكانها الذي تألف سواء في المرعى

أو في الرباط ولو فعلت لشق علي أن أصل إلى أهلي يعني فعملي هذا أهون من تعبي فيما بعد والشاهد من هذا الحديث قوله فرأيت من تيسيره وله عليه الصلاة والسلام مواقف كثيرة في هذا الأمر أي في التيسير حتى كان ينهى أصحابه عن الوصال بالصوم يعني أن لا يفطر بين اليومين درءاً للمشقة عليهم فقالوا إنك تواصل قال نعم لكن أنا لست كهيئتكم فنهيه عن الوصال تيسيراً على الأمة عليه الصلاة والسلام فهذا أبرز ما نتحدث عنه من خلقه صلى الله عليه وسلم أما في الشجاعة فمضرب المثل لا يساويه أحد في ليلة من الليالي سمعوا صيحة في المدينة فظنوا أنه عدو فخرجوا وإذا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يلاقيهم راجعاً من مكان الصوت قد استبرأه عليه الصلاة والسلام فقال ارجعوا لن تراعوا فهذه شجاعة عجيبة وفي غزوة حنين حين انهزم الناس كان يركب بغلته نحو العدو ويقول أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب فهو المثل في الشجاعة والكرم واللطف وغير ذلك من الأخلاق الحميدة وهذا هو الذي يهمنا من خلق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أما في العبادة فحدث ولا حرج كان الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقوم في الليل حتى تتورم قدماه تتورم القدم من طول القيام وفي ليلة من الليالي قام معه في البيت حذيفة بن اليمان رضي الله عنه فشرع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقرأ في البقرة فقال حذيفة يمضي إلى مائة آية فوصل مائة آية واستمر إلى آخر البقرة إلى سورة النساء كاملة إلى آل عمران كاملة ثلاث سور قدرها خمسة أجزاء وربع جزء في وقفة واحدة وفي ليلة أخرى كان معه عبد الله بن مسعود وهو شاب فقام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلى فقام معه عبد الله بن مسعود فأطال القيام قال عبد الله بن مسعود حتى هممت بأمر سوء قالوا بماذا هممت يا أبا عبد الرحمن قال هممت أن أقعد وأدعه هذا في العبادة ولكنه صلى الله عليه وسلم كان يراعي الأفضل فالأفضل وربما ترك الفاضل

إلى المفضول لما يترتب عليه من المنفعة والمصلحة ها هو حث على اتباع الجنائز مثلاً وأحياناً تمر به الجنازة وهو في أصحابه ولا يتبعها لأنه مشتغل بالتعليم والتوجيه وهو أفضل من اتباع الجنائز وهلم جرا فعليك أخي السائل والمستمع أن تبحث عن أخلاق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشمائله من الطرق الصحيحة لأنه ليس كل ما نقل عن الرسول عليه اللصلاة والسلام صحيحاً لكن ابحث عن الصحيح وتأسى به فهو خير لك قال الله تعالى (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً).
***
ما الفرق بين ابن العربي وبين ابن عربي؟
فأجاب رحمه الله تعالى: على كل حال يجب أن يفرق لأن ابن عربي معروف بأن له شطحات تصل إلى حد الكفر والعياذ بالله وابن العربي من علماء المالكية ومن أهل السنة فيما نعلم ففرق بين الرجلين الفرق بينهما كما بين المشرق والمغرب أو بين السماء والأرض.
***
يقول هذا السائل يا فضيلة الشيخ ما هي الدروس المستفادة من قول عمر رضي الله عنه (يا سارية الجبل يا سارية الجبل)؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يستفاد منها ظهور كرامة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإن عمر بن الخطاب على ما ذكر في الرواية كان يخطب الناس يوم الجمعة على المنبر فكشف له عن سارية وهو في العراق يقود سريةً معه والعدو قد حاصرهم فقال في أثناء الخطبة يا سارية الجبل يعني اصعد الجبل لينجو به عن عدوه فاستغرب الناس هذا القول من أمير المؤمنين عمر في أثناء الخطبة فأخبرهم أن القضية كذا وكذا فيستفاد من ذلك ثبوت كرامات الأولياء وكرامات الأولياء كل أمرٍ خارقٍ للعادة يجريه الله تبارك وتعالى على يد وليٍ من أوليائه تكريماً له وتصحيحاً لمنهجه الذي يسير عليه وعلى هذا فتكون كل كرامة ولي آيةً ومعجزةً للرسول الذي اتبعه ولكن من هو الولي: الولي هو المؤمن التقي قال الله تعالى (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) والكرامة قد تكون لتخليص الولي من شدة وقد تكون إعزازاً لما يدعو إليه من دين الله من جهةٍ أخرى ويستفاد من قصة سارية أن الإنسان قائد الجيش يجب عليه أن يفعل ما يرى أنه أسلم وأصلح للجيش فإذا حاصره العدو وليس له به طاقة فليلجأ إلى معاذ إلى مغارات أو جبال رفيعة يسيطر منها على عدوه ويتقي شر عدوه ويستفاد من ذلك أيضاً أن الخليفة هو القائد الأعلى للجيش لأنه وجه أمره إلى قائد الجيش ويستفاد من هذا أيضاً أن الخبر إذا وصل إلى المخبر بأي طريق ثبت حكمه وفي وقتنا الحالي قد لا تتأتى هذه الكرامة لكل إنسان لكن الله أبدل عباده بشيءٍ مشابه وهو الاتصال الهاتفي وكاميرات الفيديو والفواكس فإنها ترسل الأخبار إلى المقصود بكل سهولة والحمد لله.
***
ما حكم الشرع فيما يروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى سارية وهو يخطب على المنبر في المعركة في موقف حرج مع الأعداء فقال له يا سارية الجبل هل هذه القصة حقيقة حدثت أم من الخيال؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه القصة مشهورة عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه كان يخطب الناس يوم الجمعة على منبر النبي صلى الله عليه وسلم وكان سارية رضي الله تعالى عنه قائداً لأحد السرايا في العراق فحصر الرجل فأطلع الله تعالى أمير المؤمنين عمر على ما أصابه فخاطبه عمر من المنبر وقال له يا سارية الجبل يعني اصعد الجبل أو لذ بالجبل أو ما أشبه ذلك من التقديرات فسمعه سارية فاعتصم بالجبل فسلم ومثل هذه الحادثة تعد من كرامات الأولياء فإن للأولياء كرامات يجريها الله تعالى على أيديهم تثبيتاً لهم ونصرة للحق وهي موجودة فيما سلف من الأمم وفي هذه الأمة ولا تزال باقية إلى يوم القيامة وهي أمر خارق للعادة يظهره الله تعالى على يد الولي تثبيتاً له وتأييداً للحق ولكن يجب علينا الحذر من أن يلتبس علينا ذلك بالأحوال الشيطانية من السحر والشعوذة وما أشبهها لأن هذه الكرامات لا تكون إلا على يد أولياء الله وأولياء الله عز وجل هم المؤمنون المتقون قال الله عز وجل (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) قال شيخ الإسلام رحمه الله أخذاً من هذه الآية (من كان مؤمناً تقياً كان لله ولياً) وليست الولاية بتطويل المسبحة وتوسيع الكم وتكبير العمامة والنمنمة والهمهمة وإنما الولاية بالإيمان والتقوى فيقاس المرء بإيمانه وتقواه لا بهمهمته ودعواه بل إني أقول إن من ادعى الولاية فقد خالف الولاية لأن دعوى الولاية معناه تزكية النفس وتزكية النفس معصية لله عز وجل والمعصية تنافي التقوى قال الله تعالى (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُم ْمِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) ولا نعلم أحداً من أولياء الله المؤمنين المتقين قال للناس إني أنا ولي فاجتمعوا إلي وخذوا

من بركاتي ودعواتي وما أشبه ذلك لا نعلم هذا إلا عن الدجالين الكذابين الذين يموهون على عباد الله ويستخدمون شياطين الجن للوصول إلى مآربهم وإن نصيحتي لأمثال هؤلاء أن يتقوا الله عز وجل في أنفسهم وفي عباد الله ونصيحتي لعباد الله أن لا يغتروا بهؤلاء وأمثالهم.
***
المستمع محمد عبد الحميد عبد الرحمن مصري مقيم في الدمام يقول في رسالته أرجو الإجابة على سؤالي هذا مأجورين في غزوة مؤتة هل كان استشهاد القادة الثلاثة زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبدالله بن أبي رواحة السبب الأساسي وراء هزيمة المسلمين أم السبب الكثرة العددية للروم وحلفائها من القبائل هو السبب؟
فأجاب رحمه الله تعالى: السبب هو كثرة أعداء المسلمين في هذه الغزوة ولهذا لما أخذ الراية خالد بن الوليد رضي الله عنه وانحاز بهم في مكان آمن قال النبي صلى الله عليه وسلم ثم أخذها خالد ففتح الله عليه أو قال فتح الله على يديه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم السلامة من الهزيمة فتحاً لأن بها خلاصاً للمؤمنين من عدوهم.
***
من هم أصحاب الصفة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما أصحاب الصفة فهم الذين يهاجرون من مكة إلى المدينة وهم فقراء لا يجدون مأوى فيأتون إلى هذه الصفة التي في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ويعيشون فيها على ما تجود به أيدي الناس وهم غير معينين بأشخاصهم ولا محصورين بعدد بل يزيدون وينقصون ويخرج واحد منهم ويرجع آخر وهكذا.
***
رسالة وردتنا من محافظة الحسكة بسوريا يقول مرسلها ممتاز سليمان لماذا سميت السيدة أسماء رضى الله عنها بذات النطاقين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً كلمة السيدة أصبحت عرفاً عاماً عند الناس الآن، كل امرأة يسمونها سيدة إذا كانت كبيرة أو متزوجة وما دونها يسمونها فتاة فإن قصد بالسيادة المعنى الحقيقي لها فهذا لا ينبغي لأن النساء مَسُودَات ولسنا سيدات وإن قصد أنه اسم جامد لا يراد به إلا مجرد أن يكون علماً للمرأة فهذا لا بأس به ولكني أخشى أن يكون هذا متلقى من الغرب الذين يُسوِّدُون النساء ويجعلون السيادة لهن، على كل حال هذا بحث عارض، لكن سميت أسماء بنت أبي بكر رضى الله عنها وعنه بذات الناطقين لأنها حين أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يهاجر أعطته نطاقيها لأجل أن يشد بها رحله أو شيء من متاعه الذي معه، فهذا هو السبب في تلقيبها بهذا اللقب.
***

بر الوالدين
رسالة وصلت من الدوحة من الأخ أبي بكر محمد يقول فضيلة الشيخ أرجو من السادة العلماء الإفادة بحقوق الوالد على أبنائه
فأجاب رحمه الله تعالى: أشكر الله عز وجل على هذه النعمة العظيمة الجليلة في هذا البرنامج نور على الدرب حيث كان يصل إلى بلاد أخرى غير بلادنا وينتفع به المسلمون وهذا من توفيق الله سبحانه وتعالى للقائمين بهذا البرنامج وعلى هذا البرنامج وعلى من ينتفع به من المسلمين في كل مكان فنسأل الله تعالى أن يزيد الجميع من فضله ويرزقنا جميعا العلم النافع والعمل الصالح أما الإجابة على هذا السؤال حقوق الوالد على أولاده فحقوق الوالد الأم و الأب على أولادهما حقوق كبيرة عظيمة جعلها الله عز وجل بعد حقه فقال سبحانه وتعالى (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) وقال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) وقال تعالى (وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنا) (وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانا) والآيات في هذا المعنى كثيرة وكذلك الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عيه وآله وسلم في بيان فضل بر الوالدين بالحث عليه كثيرة معلومة لكثير من الناس وقد أشار الله عز وجل في سورة الإسراء إلى حال يصل بها الوالدان إلى سآمة الولد منهما وملله وتعبه وينهى سبحانه تعالى الولد أن يتضجر منهما إذا وصلا إلى هذه الحال فقال الله تعالى (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه جعل عقوق الوالدين من أكبر الكبائر فقال في حديث أبي بكر رضي الله عنه

(أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين) فالواجب على الولد من ذكر أو أنثى أن يقوم بحق والديه على الوجه الذي يرضى به الله عز وجل وأن لا يفرط في حقهما وليعلم أن البر كما يقول العامة أسلاف وأن من بر بوالديه بر به أولاده ومن عق والديه عوقب بعقوق أولاده إلا أن يتوب إلى الله مما صنع فإنه من تاب تاب الله عليه.
***
السائلة رمزت لاسمها بـ م. ص. تقول أكرمنا الله عز وجل بدخول دين الإسلام أنا وبعض أخواني وسؤالي ما هي حقوق الوالدين الكافرين على الأبناء المسلمين وكذلك الأشقاء والأقارب من حيث الزيارات والنفقة والصلة ومتى تكون النفقة واجبة ومتى تكون مستحبة بارك الله فيكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب على الولد المسلم تجاه والديه أن يبرهما فيما يتعلق بأمور الدنيا لقول الله تبارك وتعالى (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً) فأمر الله تعالى أن نصاحب الوالدين الكافرين في الدنيا معروفا فننفق عليهما ونكسوهما ونهدي إليهما ومع ذلك ندعوهما إلى الإسلام فلعل الله أن يدخل في قلوبهم الإسلام حتى يسلموا وكذلك يقال في الأرحام أي الأقارب أي الذين ليسوا بمسلمين يقال إن لهم رحماً لا بد من صلتها فتوصل ويدعى هذا القريب الموصول إلى الإسلام لعل الله أن يفتح عليه.
***
بارك الله فيكم المستمع حمادي له سؤال يقول توفي والدنا وعليه ديون كثيرة وله مجموعة من الأبناء البعض ميسور الحال والبعض غني فهل على الأولاد الأغنياء أن يسددوا عن والدهم وهل تسقط عن الأولاد الفقراء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا هلك هالك وعليه ديون للناس فإن خلف تركة وجب قضاء الديون من التركة وإن لم يخلف تركة لم يجب على أحد قضاء دينه عنه لكن ينبغي لأولاده الأغنياء إذا كان له أولاد أغنياء أن يقضوا دينه لأن هذا من البر وإن لم يقضوا دينه فلا إثم عليهم لقول الله تعالى (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).
***
بارك الله فيكم المستمع ق. ح. من بلاد زهران يقول في هذا السؤال يا فضيلة الشيخ توفي والدي قبل ثلاثين سنة وكان عليه حقوق للناس كثيرة حيث إنه مات ولم يسدد هذا الدين الذي في ذمته وكان ذلك للأسباب التالية أولاً إنه معسر ولم يوجد لديه شيء ثانياً يقول إنه لم يعرف أصحاب هذه الديون وأنا الآن محتار تجاه والدي ماذا أفعل لكي نسدد ما بذمته وأنا كذلك لا أعرف أصحاب الديون فهل يجزئ أن أتصدق بشيء من مالي ونية الثواب لأهل الديون أم ماذا أصنع أفيدونا جزاكم الله خيراً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان أبوك حين توفي وهو معسر قد أخذ أموال الناس يريد أداءها فإن الله تعالى يؤدي عنه يوم القيامة لكن الوالد رحمه الله فرط في كونه لم يقيد هذه الديون التي عليه فإن الجدير بالمرء الحازم المؤمن الذي له شيء يريد أن يوصي به ألا يبيت ليلتين إلا وصيته عنده كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) فالوالد رحمه الله فرط في عدم كتابة ما عليه وهذا إن كان لم يكتب وقد يجوز أنه كتب ما عليه ولكن ضاعت الورقة مثلاً وعلى كل حال الوالد مات وما أنه دام لم يخلف شيئاً من المال فليس عليكم أن تقضوا ما عليه لأن القضاء إنما يجب من تركته أما أنتم فمتبرعون فإن تيسر لك أن تعرف أصحاب الديون وتوفِيهم فهذا خير لك ولأبيك وإن لم يتيسر فلا حرج عليك في عدم ذلك فأكثر من الدعاء والاستغفار والترحم على الوالد ونسأل الله أن يعفو عنا وعنه وعنكم وعن جميع المسلمين.
***
ع. ب. أ. الخرطوم يقول في رسالته كيف يكون البر للوالدين بعد مماتهما وما هي الأعمال الصالحة التي تجب على الولد تجاه والديه بعد ممات والديه أفيدونا بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إن بر الوالدين هو كثرة الإحسان إليهما بالمال والبدن قولاً وفعلاً والبر الواجب جعل الله تعالى منزلته بعد منزلة حقه وحق رسوله صلى الله عليه وسلم (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) (وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ُ) فالبر في الحياة يكون ببذل المال وبخدمة البدن وبلين القول وبالدفاع عنهما وعن عرضهما وعن مالهما وعن أنفسهما وهو منوط بكل ما يسميه الناس براً وأما برهما بعد وفاتهما فمنه الدعاء لهما والاستغفار لهما وصلة القرابة التي لا صلة لك بها إلا بهما وإكرام صديقهما كل هذا من البر بهما بعد وفاتهما فأما إهداء القرب لهما فهو من البر ولكن غيره من الدعاء أفضل وأكمل جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت لتصدقت أفتصدق عنها قال نعم واستفتاه سعد بن عبادة رضي الله عنه أن يجعل مخرافه وهو بستان يخرف من الثمر أن يجعله صدقة لأمه فإذن له النبي صلى الله عليه وسلم وإذا أردت أن تبر والديك بعد موتهما فأكثر من الدعاء لهما وصل الرحم التي هم سبب اتصالك بها وأكرم صديقهما.
***
ما أفضل شي يفعله الولد تجاه والديه المتوفين حيث كان مقصرا في حقهما كثيرا حيث كان خارج البلاد أثناء موتهما أرجو عرض رسالتي هذه على سماحة الشيخ محمد حفظه الله وأريد إجابة ليطمئن قلبي مع أنني عدت إلى بلدي وتمسكت بعقيدتي وصلاتي ولزمت المسجد كثيرا فهل يكفي الدعاء فقط أرجو الإجابة مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس عليك شيئا بالنسبة لأبويك ما دمت قائما بما تستطيع من برهما في حياتهما ولك أن تبرهما بعد موتهما بالدعاء لهما والاستغفار والصدقة وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي ليس لك صلة بها إلا بهما فأنت والحمد لله حسب ما فهمت من سؤالك مستقيم حريص على بر والديك فأكثر من الدعاء لهما وبذلك يحصل لك تمام البر في الحياة وبعد الممات.
***
السائل خالد حمد من المنطقة الشرقية يقول ما هو أفضل شيء يعمله المسلم تجاه والديه في حياتهما؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أفضل شيء يعمله الإنسان لوالديه في حياتهما هو البر الذي أمر الله به وقال الله جل وعلا (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) والإحسان يختلف قد يكون بالقول وقد يكون بالفعل وقد يكون بالمال المهم أن تفعل بوالديك كل ما يعد إحساناً بحسب ما تقتضيه الحال.
***
ما الأعمال التي أبر بها والدي بعد وفاته غير الدعاء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الصدقة والاستغفار وصلة الرحم وإكرام صديقهم كل هذه مما يبر به بعد موته لكن الدعاء والاستغفار لهما أفضل شيء فعليك أخي المسلم بالدعاء لأمواتك واجعل الأعمال الصالحة لنفسك فأنت محتاجٌ للأعمال الصالحة وسيأتيك اليوم الذي تتمنى أن في صفحة حسناتك حسنة واحدة.
***
تقول السائلة أرشدوني مأجورين إلى أعمال الخير التي أقوم بها كي أصل والدي؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أعمال الخير التي يمكن أن تصل إلى والدها أفضلها وأحسنها وأفيدها ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث قال (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقةٍ جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) فالدعاء أفضل ما أهداه الإنسان إلى ميته من أبٍ أو أمٍ أو قريب أو صاحب ولهذا أرشد إليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يذكر العمل يعني لم يذكر أن يعمل الإنسان شيء إلى الميت بل قال أو ولد صالح يدعو له فالذي ينبغي لنا أن نكثر الدعاء لأمواتنا وأن نجعل أعمالنا الصالحة لنا فإننا سوف نحتاج إلى هذه الأعمال كما يحتاج إليها هؤلاء الأموات.
***
يقول السائل والدي متوفى منذ فترة طويلة وهو بعيدٌ عني ولا أستطيع أن أقوم بزيارته إلا بعد السنتين أو الثلاثة فهل باستطاعتي أن أبره بشيء وأنا بعيدٌ عنه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المقصود بزيارة الموتى هو الدعاء لهم والدعاء لهم واصلٌ في أي مكانٍ كان الداعي لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علمٌ ينتفع به أو ولدٌ صالحٌ يدعو له) فأنت ادع الله لوالدك في أي مكانٍ كنت بعيداً كنت أم قريباً ولا حاجة إلى زيارة قبره نعم لو كنت في نفس البلد جئت لحاجة وذهبت تزور أباك فلا بأس به أما أن تشد الرحل إلى قبره لتزوره فهذا منهيٌ عنه.
***
توفي والدي ونحن صغار وقد ربتنا الوالدة جزاه الله خيرا ولكن هناك مشكلة ترتبط بالوالدة فهي تؤمن بالأولياء وتطلب منهم الحاجات وفي حال مواجهة أي مشكلة لها تنطلق إليهم وقد نصحناها كثيراً وكانت تحتفظ بكثير من الأوراق التي تأخذها من الأماكن التي تذهب إليها عند هؤلاء الأولياء وفي الأخير قمت بجمع الأوراق والأشياء التي أراها محرمة وأتلفتها فغضبت علي وقاطعتني وجهوني ماذا أعمل وهل أكون قاطعاً للصلة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إن من أبر البر بالوالدين أن يدعوهما إلى توحيد الله عز وجل وإلى طاعته فإن في ذلك إنقاذاً لهما من النار وهو أبلغ من برهما بإعطاء المال والنفقات والخدمة البدنية وغير ذلك فالواجب عليكم أن تناصحوا هذه الأم وأن تخوفوها بالله عز وجل وأن تبينوا لها أنَّ الذهاب إلى الأولياء إن كان إلى قبورهم والاستغاثة بهم والاستنجاد بهم وطلب الحوائج منهم فإن هذا شرك أكبر مخرج من الملة وهو أظلم الظلم وأعظم الآثام وقد قال الله تبارك وتعالى (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) وإن كان من يزعمونهم أولياء أحياءً فإنه لا يحل لها أن تعلق قلبها بهؤلاء الأولياء وأن تجعلهم الملجأ عند حلول الحوادث والنكبات والشدائد وأن تعلق قلبها برب العالمين الذي خلقها وأوجدها من العدم وأمدها بالنعم ثم إن هؤلاء الأولياء الذين يزعمون أنهم أولياء لله قد يكونون من أعداء الله عز وجل قد يدعون الناس إلى أن يرفعوهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله وربما لو فتشت ما فتشت لرأيت منهم قصوراً فيما أمرهم الله به أو انتهاكاً لما حرم الله عليهم فما كل من يدعي الولاية يكون ولياً حتى وإن ظهر بمظهر الناسك العابد الزاهد في الدنيا فقد يكون ظاهره هكذا ولكن باطنه يحترق احتراقاً على الدنيا والجاه وتعظيم الناس له
والخلاصة أن الواجب عليكم بر هذه الوالدة وأن تناصحوها وترشدوها وتأتوا لها بالأشرطة المفيدة والكتب النافعة أما إحراقك ما رأيت عندها من الأدعية والأوردة الباطلة المحرمة فهذا من برك بها ولا يضرك لو غضبت عليك بل هذا من تمام أجرك أن تؤذى في الله وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولقد دعا إبراهيم أباه لعبادة الله عز وجل فقال له أبوه (لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً).
***

هذه رسالة وصلت من مستمعة للبرنامج تقول إن والدي قد توفي منذ سنوات قليلة وقد كان لا يداوم على الصلاة بسبب المرض الشديد (الغرغرينة) وكان ينطق بالشهادتين دائما وقد نطق بها قبل وفاته وكان موحداً لله تبارك وتعالى والسؤال هل يجب علي موالاة أبي في هذه الحالة وأن أبره بالدعاء له بالمغفرة والرحمة والصدقة وهل هذه الحالة لا ينطبق عليها الحديث الشريف (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث وذكر من ذلك الولد الصالح يدعو له) وذلك لأنني أحبه حباً كثيرا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الوالد الذي سألت عنه المرأة الذي يصلى أحياناً من العلماء من يرى أنه كافر وإذا كان كافراً فإنه لا يجوز أن يدعى له بالمغفرة ولا بالرحمة ولا يتصدق عنه بأي شيء والقول الراجح أنه لا يكفر إذا كان يصلى ويخلي هذا الراجح عندي أنه لا يكفر وإنما يكفر من ترك الصلاة تركاً مطلقاً وحال الرجل الذي سألت عنه المرأة تقتضي على القول الراجح ألا يكون كافراً فإذا دعت له بالمغفرة والرحمة وأكثرت من ذلك فإنه يرجى بأن الله ينفعه بهذا.
***
بارك الله فيكم المستمع يقول أردت بيع بيتي ولكن الوالد رفض ذلك رفضا قاطعا فكرهت البيع وهو غير راغب فهل يجوز لي البيع والحال ما ذكر؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كره والدك أن تبيع بيتك فلا تبعه اتباعا لما يرضى والدك اللهم إلا في حال الضرورة والحاجة كما لو كان البيت رفيع الثمن وأنت محتاج إلى الدراهم وتريد أن تبيعه وتشتري دونه فلا حرج عليك في هذه الحال أن تبيعه ولو كره أبوك ذلك ولكن ينبغي لك أن تداري والدك في هذه الحال وأن تحاول إقناعه بكل ما تستطيع أما إذا لم يكن حاجة فإن اتباع رضا والدك خير لك وربما يكون خيراً لك أيضا في الدنيا ربما يكون عدم بيعه خيرا لك في المستقبل
***

بارك الله فيكم يقول المستمع أنا غير عاق لوالدي ولله الحمد وهذا من فضله على ولم يجدا مني إلا كل خير ولكنني ليس عندي الاحتفاء الكامل بهما والجلوس الطويل معهما وهما راضين عني تمام الرضى فهل على شيء في هذا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا أن نقول معاملة الإنسان لوالديه على ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى العقوق والعياذ بالله بأن يقطعهما حقهما ولا يفيه لهما بما أوجب الله لهما فهذا عليه إثم العاق وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن العقوق من أكبر الكبائر كما في حديث أبي بكرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين)
المرتبة الثانية البر بهما ببذل المعروف المالي والبدني والجاهى والانطلاق معهما والسرور برؤيتهما والانبساط إليهما وما أشبه ذلك من أنواع البر فهذا في الدرجة العليا وله أجر البار

المرتبة الثالثة بين بين لا يكون بارا ولا يكون عاقا فهذا لا يقال إنه بار فلا يناله ثواب البر ولا يقال إنه قاطع فلا يناله إثم القطيعة لكنها حالة رديئة ومثل هذا السائل نرى أنه فوق المرتبة الوسطى وهو إلى البر أقرب ولكن نحثه إلى أن يكون بره أعلى وأكمل مما ذكر عن نفسه ثم رضى والديه عنه نعمة من نعم الله عليه أنهما سامحاه في هذا البر الذي يعتبر براً ناقصا ونسأل الله تعالى أن يعينه على تمام البر وأن يجزي والديه عنه خيراً حيث قبلا منه ما تيسر ومن هنا نذكر أنه ينبغي أن لكل إنسان عاشر شخصا وصاحبه أن يأخذ منه ما تيسر وأن يعفوا عما تعثر امتثالا لقول الله تعالى (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) فأمر الله تعالى الإنسان أن يأخذ بما عفا من أخلاق الناس ومعاملاتهم وأن يأمر بالعرف حيثما هو معروف من الخير والإحسان وأن يعرض عن الجاهلين الذين يجهلون عليه ويعتدون عليه والإنسان إذا أخذ هذه الطريقة وأخذ من أخلاق الناس ومعاملتهم ما عفا وتغاضى عما صعب نال رضى الجميع و استراح قلبه وانشرح صدره وجرب تجد.
***
هذا المستمع ط. ك. من العراق بغداد يقول في رسالته أنا شاب أبلغ من العمر ثمانية عشر عاماً والحمد لله أؤدي الصلاة وأعمل لنيل رضى والدي وطاعته ولكن منذ ولادتي حتى الآن لم أر والدتي ولكني أعلم أين تقيم الآن وهي بعيدة عني والحقيقة بيّنها لي والدي حيث أنه طلقها وأنا أريد رؤيتها لأنها أمي وسيحاسبني الله عليها إن لم أزرها مع العلم أنني لم أذكر لأبي بأنني أريد أن أراها لأني أخاف أن أبين له هذا فيغضب علي وخاصة وهو متزوج من امرأة ثانية ولديه له منها عدة أطفال فما حكم الشرع في نظركم في حالتي هذه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي نرى أنه يجب عليك أن تزور أمك وأن تصحبها بالمعروف وأن تبرها بما يجب عليك برها به لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل من أحق الناس بحسن صحابتي (قال أمك قيل ثم أي قال أمك قيل ثم أي قال أمك قيل ثم أي قال ثم أبوك) فلا يحل لك أن تقاطع أمك هذه المقاطعة بل صلها وزرها ولك في هذه الحال أن تداري والدك حيث لا يعلم بزيارتك لأمك ومواصلتك إياها وبرك بها فتكون بذلك قائماً بحق الأم متلافياً غضب والدك.
***
المستمع يقول أحياناً يطلب مني والدي شراء دخانٍ له هل علي إثمٌ في هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: شرب الدخان محرم لعمومات الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى يقول (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) ويقول جل وعلا (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) ويقول سبحانه وتعالى (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) وإذا كان الله تعالى نهى عن الإسراف في الأكل والشرب المباح فما بالك بالشرب المحرم وقال النبي عليه الصلاة والسلام (لا ضرر ولا ضرار) وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه (نهى عن إضاعة المال) ولا يشك عاقل أن صرف المال في شرب الدخان من إضاعة المال وعلى هذا فيكون الكتاب والسنة قد دل كلٌ منهما على تحريم شرب الدخان والنظر يدل على ذلك أيضاً فإنه قد ثبت عند الأطباء الآن بما لا يدع مجالاً للشك أن الدخان مضر على البدن والعاقل لا يمكن أن يتناول ما يضره فضلاً عن المؤمن الكيس الحازم فإذا تبين تحريم الدخان صار المعين عليه معيناً على محرم واقعاً فيما نهى الله عنه في قوله (وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) فإذا أمرك أبوك بأن تشتري له الدخان فلا تطعه لأنه لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق ولكن لا تقابله بالعنف والجفاء اعتذر منه اعتذاراً رقيقاً وقل له إن هذا شيء محرم وأنا أنصحك عن شربه لما فيه من الضرر والمعصية وبين له الأدلة التي توجب تحريمه ثم قل له مثلاً وأنا أرجو منك أن تعذرني في عدم إحضاره إليك لأنني أرى أنه حرام وأن المعونة على الحرام حرام المهم أن تقول له قولاً ليناً بدون عنف ولا جفاء وأن تكرر عليه النصيحة دائماً وأبداً لعل الله يهديه على يديك.
***

بارك الله فيكم يا فضيلة الشيخ هذه رسالة وصلت من محمد الطيب من السودان بعث برسالة يقول فيها إذا غضب الوالد غير الملتزم بأمورٍ دينية من صلاةٍ وصيامٍ وزكاة من ابنه عندما ينصحه ويحاول معه بأن يلتزم بأمور الشرع هل يأثم الابن من هذا الغضب وهل يدخل في باب العقوق؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نصيحة الابن لأبيه أو لأمه أو لأقاربه ليست عقوقاً للوالدين ولا قطيعةً للأقارب بل هذا من بر الوالدين وصلة الأقارب فالواجب على الإنسان أن يبر بوالديه بنصيحتهما وأن يصل أقاربه بنصيحتهم كما قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) وإذا غضب الوالدان أو الأقارب من هذه النصيحة فغضبهم عليهم وليس عليك منهم شيء ولا يعد إغضابهم بالنصيحة قطيعةً ولا عقوقاً ولكن يجب عليك أن تكون حكيماً في النصيحة بأن تتحرى الأحوال التي يكونون بها أقرب إلى الإجابة والقبول وأن لا تعنف وتسب وتشتم لأن هذا قد ينفر من توجه إليهم النصيحة فإذا أتيت بالتي هي أحسن مخلصاً لله عز وجل ممتثلاً لأمره ناصحاً لعباده كان في هذا خيرٌ كثير ولا يضرك غضب من غضب ألم تر إلى هذه القصة التي جرت بين إبراهيم الخليل وأبيه في سورة مريم حيث قال عليه الصلاة والسلام لأبيه (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً) فتأمل هذا التلطف في الخطاب يقول له (يَا أَبَتِ) وهو يعلم أنه مشرك (لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً) ولم يقل يا أبتِ إني عالم وأنت جاهل بل قال إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فلم يشأ أن يصف أباه بالجهل مع أن أباه لا شك أنه جاهلٌ بما عند إبراهيم من علم (يَا أَبَتِ لا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ

لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً) فماذا قال له الأب (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً) فهل تجد غضباً أشد من هذا الغضب يقول لابنه (لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ) ويقول (وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً) طويلاً ماذا قال له (قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً) فاتخذ من هذه القصة عبرة فإن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أفضل الأنبياء بعد محمد عليه الصلاة والسلام وهو الذي قال الله لنبيه (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) ومع هذا يخاطب أباه المشرك بهذا الخطاب وهذه المحاورة ثم يقول في الأخير (قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً) المهم أن الواجب عليك أن تنصح والدك على ما هو عليه من المعاصي لعل الله أن يمن عليه بالتوبة والهداية ولو غضب فلا يهمنك غضبه فإنما غضبه على نفسه.
***
بارك الله فيكم هذا أخ مستمع يعمل في التسجيلات الإسلامية يقول فضيلة الشيخ محمد إني أحبك في الله ولي أخت شقيقة وأبي وليها ولا يزوجها إلا لموظف أو من لم يكن لديه زوجة فإذا أتيت له بشاب صالح له زوجة وكذبت عليه وقلت إنه رجل عزوبي فهل يجوز الكذب في مثل هذه الحالة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أقول للسائل وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وأحبك الله الذي أحببتنا فيه وأقول له إن أباك أخطأ في كونه لا يزوج ابنته إلا من عنده مال أو لا يزوج ابنته من معه زوجة فإن هذا ليس هو مناط الحكم والتزويج بل المدار كله على الدين والخلق كما جاء ذلك في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوه تكن فتنة وفساد كبير أو قال عريض) ولا يحل لأبيك أن يمنع ابنته إذا رضيت بالكفء من أن يزوجه منها فإن فعل سقطت ولايته ولك أن تتولى أنت عقد نكاحها إذا أتاها من يُرضى في دينه وخلقه ورضيت به أما أن تكذب عليه إذا خطبها كفء له زوجة وتقول له إنه لا زوجة له فإن هذا لا يجوز لأن أباك سوف يعلم بذلك عن قريب أو بعيد فيقع بينك وبينه من المشاكل بل ربما يقع بينه وبين الزوج من المشاكل ما يكدر الصفو ويجعل العداوة بينكم وبينه فأنت أخبر بالصدق وأنصحه وأرشده أنه يجب عليه أن يزوجها إذا رضيت بهذا الكفء الذي خطبها.
***
أنا شاب في السادسة عشرة من عمري أبي يمنعني من أداء الصلاة في المسجد ويمنعني من أداء صلاة الجمعة وإنه لو استطاع لمنعني من الصلاة ولكنه يعرف الشرع في هذا المضمار لكنه في نفس الوقت يحاول أن يشدني من التيارالذي أنا فيه إلى تيار الفسق والفجور فهل أطيعه أفيدوني أفادكم الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن طاعة الوالد واجبة والذي أوجب طاعة الوالد هو الله سبحانه وتعالى ولكنها لا تجب طاعة الوالد في كل شيء إنما تجب فيما لا يكون فيه معصيةٌ لله ورسوله أما إذا كانت في طاعته معصيةٌ لله ورسوله فإنه لا يجوز للولد طاعة والده في ذلك وعلى هذا فلا يجوز لك ترك الجماعة ولا الجمعة بسبب منع والدك وعليك أن تسعى إلى الجماعة وإلى الجمعة بكل طريقٍ ممكن ثم إن لأبيك عليك حقاً وهو أن تمنعه وأن ترشده وتهدي له من الكتب النافعة التي يقرؤها لعل الله أن يهديه ويرده إلى الاستقامة والثبات على الحق لأن هذا من أعظم البر بالوالد.
***
السائل يقول شاب يعمل ويعطي حصيلة عمله لوالده حيث إن والده يقوم بشتمه وسبه دائما ويتهمه بالتقصير بأنه يخبئ بعض الشيء من راتبه ويعطيه لزوجته فهل الراتب يعطى للأب بالكامل وجهونا حول هذا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الراتب ملك لمستحقه ففي هذا المثال يكون الراتب ملكا للابن ليس لأحد عليه سلطان إلا الأب فله أن يأخذ من مال ولده ما شاء ما لم يضره لكني أنصح الأب وأقول إذا لم يكن فيك حاجة فدع ابنك وماله يتوسع به على نفسه وعلى أهله لأن ذلك من صلة الرحم أما كونك تضيق عليه وتقول لابد أن تعطيني راتبك ثم تتصرف فيه أنت كما شيءت فهذا يوجب قطيعة الرحم ويوجب أن يبغضك الابن وألا يقوم ببرك فهنا نخاطب الابن ونخاطب الأب أما الابن فنخبره بأنه هو وماله لأبيه وأن لأبيه أن يأخذ من ماله ما شاء ما لم يضره وأما الأب فإننا ننصحه ألا يتعرض لمال ابنه إلا إذا كان محتاجا فإن على الابن أن يزيل حاجة أبيه سواء أخذ بنفسه أم أعطاه الابن.
***

هذه سائلة للبرنامج تذكر بأنها معلمة تحب فعل الخيرات وتحب مساعدة المحتاجين تقول وعندما أريد أن أتصدق من مالي على ذوي أرحامي وصديقاتي المحتاجات تقف والدتي ضد هذه الأعمال بحجة أنني أبدد مالي فيما لا يفيد وأنني بحاجة إلى أن أدخر هذا المال فيما ينفعني فيما بعد فهل لوالدتي الحق في التدخل في راتبي وهل يصح أن أتصدق وأعطي دون أن أخبرها بذلك أم ماذا أفعل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الوالدة ينبغي لها أن تشجع أولادها من ذكور وإناث على الصدقة إذا كانت لا تضر بهم لأن الصدقة خير والمعونة عليها خير قال الله تبارك وتعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) وإذا كانت الوالدة تغضب إذا تصدقت ابنتها بشيء من مالها أو أهدت إلى صديقاتها فلا حرج على البنت أن تتصدق وتهدي سراً لا تتطلع عليه الوالدة لأن المال مالها ولها أن تتصرف فيه كما شاءت في حدود ما أنزل الله عز وجل لكن لا ينبغي للإنسان أن يتصدق بأكثر من ثلث المال لأن أبا لبابة لما أراد أن يتصدق بماله شكراً لله تعالى على توبته قال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أمسك عليك بعض مالك) وأمره أن لا يتصدق بجميع ماله.
***
تقول السائلة بأنها فتاة لها صديقة لم ترها منذ سنوات وتريد أن تزور هذه الصديقة هل يجوز لها أن تذهب إليها دون علم والدها علماً بأن أمي تأذن لي في الذهاب والذي يذهب بي ويرجع هو أخي ولكن إذا علم أبي سوف يغضب هل من الأفضل أن استأذن الوالد أو أذهب بغير علمه أفتونا مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الذي أرى أن تستأذن من أبيها لأن أباها أعلم بمصالحها ولولا أنه يرى أن ذهابها إلى هذه الصديقة فيه مضرة على ابنته ما غضب إذا ذهبت فلهذا أقول من بر الوالد أن لا تذهب هذه المرأة إلى صديقتها إلا بإذن والدها.
***

نحن ثلاثة أخوة نعمل بالمملكة وكل واحد منا له رزقه وظروفه وقد اتفقنا بين أنفسنا على أن نساهم في نفقات الحج لوالدتنا وذات يوم أرسلت أمي برسالة تطلب فيها أن نشتري لها جنيه ذهب فأرسلت إليها بالرد أنني أفضل شراء قطعة ذهب مكتوب عليها لفظ الجلالة سبحانه وتعالى بدلاً من الجنيه لأنه مرسوم عليه صورة جورج فأرسلت لي بأنها ترغب الجنيه الذهب وكذلك سلسلة ذهب فأرسلت إليها بأنه بدلاً من هذا وذاك سوف أدفع لك مبلغاً كي تؤدي فريضة الحج مساهمة مع أشقائي ورفضت مبدأ شراء الذهب علماًَ بأن قيمة تكلفة مساهمتي في الحج أكثر من شراء الذهب ولم يأت الرد منها ومضى على ذلك حوالي شهرين وأشعر الآن بضيق نفسي شديد لعدم إرسالها لي أي خطاب وسؤالي هل بتصرفي معها أصبحت عاقاً لأمي وماذا أفعل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب أن فعلك هذا فعل حسن وهو خير لأمك ولكن مع ذلك لو أنك اشتريت لها ذهباً ليس عليه رسم إنسان ولا كتب عليه اسم الله عز وجل لكان ذلك أحسن لأن الذهب الذي كتب عليه اسم الله قد يكون ممتهناً من لابسه وهذا أمر لا يليق بما كتب عليه اسم الله عز وجل والذي رسم عليه الصورة لا يحل لبسه لأن لبس ما فيه الصورة سواء كان حُلياً أم ثياباً محرم لا يجوز لما فيه من استصحاب الصورة التي قال فيها رسول الله صلى عليه وسلم إن الملائكة (لا تدخل بيتاً فيه صورة) وأنت لا تقلق على تأخر الجواب ولكن تابع المسألة واكتب إليها مرة أخرى وخذ رأيها بعد ذلك لكن إن اختارت شيئاً ممنوعاً فلا تطعها وأقنعها بأن هذا ممنوع وأن في المباح ما يغني عنه ويسلم به الفاعل من الإثم.
***
المستمع عبد الرحيم من المملكة المغربية يقول هل يجوز للأب أن يرغم ابنه الشاب على الجلوس في المنزل وعدم البحث عن عمل شريف يكسب منه حلالاَ وماذا يفعل الابن في هذه الحالة هل تلزمه طاعة أبيه أم يجوز له أن يخالف أمره فالإسلام يحث على العمل والاكتساب الحلال؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان هذا الشاب بالغاً عاقلاً محسناً للتصرف فإنه لا يجوز لوالده أن يمنعه من الكسب الحلال وذلك لأنه في هذه الحال ليس عليه حجر وليس عليه منع من التكسب مادام يريد أن يكتسب اكتساباً حلالاً فإن الإنسان محتاج إلى أن يعف نفسه بالزواج وإلى أن يكف نفسه عن المسألة ولا طريق إلى ذلك إلا بالسعي في طلب الرزق الحلال ثم إنه لو فرض أن الأب عنده مال يستطيع به أن يكمل لهذا الشخص ما يحتاجه من نفقة وزواج فإن بقاء الإنسان بدون عمل قد يضره نفسياً وبدنياً لأن الإنسان كما جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام (حارث وهمام كلكم حارث وهمام) لابد أن يكون له شيء يحرك همته وشيء يحرك بدنه حتى يكون قد فرج عن نفسه ما يكمن في داخلها وعلى هذا فالذي أشير به وأنصح به هذا الوالد ألا يحجر على ولده وأن يدعه يتكسب بما هو حلال مادام بالغاً عاقلاً رشيداً وأما الولد فإني أنصحه ألا يعصي والده معصية ظاهرة ويبادره بالعصيان وإن كان الوالد ليس له حق في أن يمنعه من التكسب ولكن يصانع والده ويداريه ويترجى منه بإلحاح أن يرخص له في طلب العمل لعل الله أن يهديه فإن لم يفعل والده فإن كان محتاجاً إلى هذا الكسب فليس عليه أن يطيع أباه بتركه وإن كان غير محتاج فإنه ينظر في هذا الأمر وأيهما أنفع وأصلح في أن يوافق والده أو يخالفه وهذا ما لم يكن الأب في ضرورة إلى بقاء ابنه في البيت فإن كان في ضرورة إلى بقائه في البيت بحيث يكون مريضاً أو به عاهة تمنعه من القيام بمصالح بيته ففي هذا الحال يجب على الابن أن يوافق أباه لأن ذلك من البر والبر واجب.
***

يقول السائل أفيدكم أنني شاب بلغت سن الرشد ولم أوفق في دارستي لظروفي الخاصة وطلبت من والدي مساعدتي بالزواج لي وأن أقوم بمساعدته حيث لديه مال ومزارع ومع ذلك فهو طاعن في السن ولكنه رفض ما طلبته ولم يسمح لي بالسفر للبحث عن العمل آمل من فضيلتكم التكرم بإرشادي إلى الطريقة التي أعمل بها لأنني لا أريد عصيان والدي أملي فيكم كبير بعد الله وفقكم الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً نوجه الكلام إلى والدك فوالدك يجب عليه أن يزوجك مادام قد أغناه الله وليس عندك ما يمكنك أن تتزوج به من المال فواجب عليه شرعاً وهو محاسب عليه أمام الله أن يزوجك وإذا لم يقم بهذا الواجب عليه فلا حرج عليك في أن تسافر لطلب الرزق والعفاف ولو منعك والدك من هذا لأنه منعك بغير حق وهو ظالم لك من وجهين الوجه الأول أنه لم يقم بما أوجب الله عليه لك من التزويج والأمر الثاني أنه منعك مما هو حق لك في طلب الرزق لتتوصل به إلى العفاف فإذا كان الأمر كما قلت بأنه لم يزوجك ومنعك من السفر فلا حرج عليك أن تسافر في طلب الرزق لتحصل على العفاف ولو كان في ذلك معصية له لأن هذه المعصية لا تضرك إذ أنه لا حق له في منعك.
***
هذه رسالة وردتنا من الجمهورية السودانية الديمقراطية بعث بها الأخ في الله الحسين فتح الرحمن محجوب يقول في رسالته رجل يحب والديه وأراد أن يتأسى بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام وأعفى لحيته ووجد مضايقة من أبيه وأمه حتى غضبا عليه فما حكم الإسلام في ذلك هل يُغضب الوالدين ويعفي لحيته؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن رضا الله عز وجل مقدمٌ على رضا غيره وطاعة الله سبحانه وتعالى مقدمةٌ على طاعة غيره ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولهذا قال الله تعالى في حق الوالدين مخاطباً الولد (وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً) ففي هذه الآية دليل على أنه لا يجوز للمرء أن يطيع والديه في معصية الله سبحانه وتعالى فأنت حين هداك الله -وأسأل الله لي ولك التثبيت على هدايته- إلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم بإعفاء اللحية ووجدت من والديك مضايقة فإني أنصحك أن تصبر وتحتسب على هذه المضايقة وتستمر في اتباع شريعة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه ولو غضب لذلك والداك وإني أنصح والديك أمك وأباك بأن يتقيا الله عز وجل وأن يكونا عوناً لابنهما على طاعة الله لا أن يكونا منفرين له عن طاعة الله سبحانه وتعالى بهذه المضايقة وأقول لهما إن منة الله على ابنكما بالتزام الشريعة هو من حظكما ومن توفيقكما فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول (إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به من بعده أو ولد صالح يدعو له) فنصيحتي لكما أيها الأبوان أن تتقيا الله عز وجل وأن تشجعا ابنكما وكذلك سائر أولادكما على طاعة الله عز وجل وأن تريا أن هذا من نعمة الله عليكما فتحمدا الله على هذه النعمة وتستمرا في تنشيط أولادكم على طاعة الله سبحانه وتعالى.
***

المستمع سعيد السيد محمد يقول لقد مضت فترة حوالي سنتين وأنا كنت أغلط على والدي ووالدتي وأتعدى عليهم لفظياً وذلك لحالات عصبية ولكن ليس من كل قلبي ولا أقصد ذلك ولكن مع ذلك أرجع وأحاسب ضميري وأندم على ما فعلت ولكنني لم أقصر على حاجات البيت فكل شيء موجود والحالة المادية بشكل عام كانت جيدة أما سبب عصبيتي فكانت بسبب زواجي من امرأة كانت تخلق المشاكل بينها وبين الوالدة والوالد وبسبب ذلك تؤثر على أعصابي وعصبيتي وغلطاتي الكبيرة تجاه والدي ووالدتي أما الآن فأنا أحس بالندم لما فعلت بالوالد والوالدة على حد سواء وقد عزمت على الطلاق وفعلاً طلقت وارتحت من مشاكلي مع الوالد والوالدة فهل أحمل ذنب ما فعلت سواء مع الوالد والوالدة أو مع الزوجة التي طلقتها علماً بأنها لم تنجب أطفالاً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا السؤال أن تلفظ هذا السائل على أمه وأبيه بالألفاظ الدالة على التضجر والألفاظ النابية التي لا تليق من الولد بوالديه وقوع في الإثم وفيما نهى الله عنه فإن الله عز وجل يقول (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) وقال تعالى (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) فإذا كان الله سبحانه وتعالى نهى أن يقول الولد لوالديه أفٍ وهي كلمة تدل على التضجر في حال كبرهما التي تستدعي غالباً الإثقال على الولد والإشقاق عليه فما بالك بما سوى هذه الحال وما تشعر به من الندم على ما فعلت إذا كان مقروناً بالعزم على أن لا تعود إليه مع الإقلاع عما فعلت فإن هذه توبة والله سبحانه وتعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين ومن تاب إلى الله توبة نصوحاً تاب الله عليه وأما ما فعلته مع الزوجة حيث طلقتها لأنها هي سبب المشاكل بينك وبين والديك فإنه لا إثم عليك ولا حرج لأن الطلاق والحمد لله مباح عند الحاجة إليه وهذه حاجة من أهم الحاجات وأشدها إلحاحاً لأن من يحاول أن يفرق بينك وبين والديك أو يفسد الود بينك وبينهما فإن الأولى البعد عنه وقد قال الله تعالى (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ) فعسى الله أن يوفقها لرجلٍ تعيش معه عيشة حميدة ويكون طلاقك لها تأديباً لها في المستقبل وعسى الله تعالى أن يوفقك لامرأة تعيش معها عيشة حميدة أنت ووالداك.
***

نبدأ هذه الحلقة برسالة وصلت من المستمع م. ج. ج. سامراء العراق يقول في هذا السؤال إنني منذ سنوات وبعد وفاة والدي أوذي أمي بكلامي أو بأسلوبي الغليظ ولكنني بعد فترة وجيزة أندم وأتألم على هذا وأعزم على أن أتوب إلى الله توبةً نصوحاً ولكنني بانفعالي وحالتي العصبية لا تجعلني أغير من معاملتي لأمي أرشدوني يا فضيلة الشيخ مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إنه لا يخفى على أحد عظم حق الوالدين وأنه يجب على الإنسان أن يبرهما بقوله وفعله وجاهه وماله وبكل ما أمكن من البر وقد جعل الله تعالى حق الوالدين بعد حقه وحق رسوله فقال تعالى (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) وقال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) وأوصى الله سبحانه وتعالى بالوالدين إحساناً فقال تعالى (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً) وأمر الله سبحانه وتعالى أن ندعو لهما فقال (وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) وأمرنا عز وجل أن نخفض لهما جناح الذل من الرحمة وأمرنا سبحانه وتعالى أن نقول لهما قولاً كريما والأحاديث الواردة في بر الوالدين كثيرة حتى جعلها النبي صلى الله عليه وسلم في المرتبة الثانية بعد الصلاة على وقتها ففي حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم (أي العمل أحب إلى الله قال الصلاة على وقتها قلت ثم أيٌ قال بر الوالدين قلت ثم أيٌ قال الجهاد في سبيل الله) وسأل النبي صلى الله عليه وسلم رجل (أي الناس أحق بحسن صحبتي قال أمك قلت ثم من قال أمك قلت ثم من قال أمك وفي الرابعة قال ثم أبوك) فالواجب على المرء أن يبر والديه وأن يحسن صحبتهما سواءٌ كانا مسلمين أو كافرين ولهذا قال الله تعالى (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا

وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً) وإنني أنصح هذا الأخ السائل أن يتقي الله عز وجل في أمه وأن يحسن صحبتها وإذا رأى من نفسه الغضب أن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأن يضطجع إن كان قاعدا وأن يقعد إن كان قائماً يضطجع إن كان قاعداً كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان صادقاً في نيته محباً لبرها فإن الله سبحانه وتعالى يعينه على ذلك وعليه في تحقيق توبته أن يستحلها فيما صنع معها لأن هذا حق آدمي وحق الآدمي لا تتم التوبة منه إلا بالتحلل منه بإبراءٍ أو أداء وليعلم أن البر كما قال الناس أسلاف أي أنك إذا أسلفت بر والديك فإن أولادك سوف يبرون بك وإن كان الأمر بالعكس فانتظر عقوق أولادك.
***
بارك الله فيكم هذا سوداني يعمل بالخليج يقول والدي كثيرا ما يتلفظ بألفاظ الطلاق على والدتي ومتساهل في أداء الصلوات ووالدتي بعكسه امرأة مصلىة عابدة وهذا من فضل الله عليها وكثيرا ما نصحت والدي بعدم التساهل بألفاظ الطلاق فلم يبالي وأنا الآن على وشك العمل وأريد أن أرسل لوالدتي مصروف دون أبي مع أن حالته ضعيفة جدا جداً هل يجوز لي هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجل فقال: (من أحق الناس بحسن صحابتي قال أمك قيل ثم من قال أمك قيل ثم من قال أمك قيل ثم من قال ثم أبوك) وعلى هذا فإذا كانت الأم محتاجة وكان الأب محتاجا فالمقدم حاجة الأم فإذا كنت إذا أرسلت إلى أبيك شيئا استأثر به ولم يصل إلى أمك منه شيء فأرسل إلى أمك ولا حرج وإذا كان لديك سعة في المال فأرسل إليهما جميعا فإن ذلك من البر ولكن خيرا من ذلك أن ترسل إلى أبيك هدية النصيحة وتخويفه من الله عز وجل و أمره بتقوى الله سبحانه وتعالى لأن ذلك خير ما تهديه إلى أبيك وأبوك في الحقيقة على خطر في تهاونه بالصلاة فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وهي عمود الدين وإذا أخل بها الإنسان فقد أخل بعمود الدين وإذا أخل بها الإنسان لم يكن لديه ناه عن الفحشاء المنكر ثم إن تساهله بألفاظ الطلاق من المشاكل الكبرى لأنه إذا طلق بنية فإن امرأته تطلق إذا لم يوجد مانع من وقوع الطلاق وإذا طلقت مرتين فإنها في الثالثة لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فعليك أن تكرر النصيحة عليه في هذه المسألة حتى لا يطأ فرجا حراما عليه وهو لا يدري وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.
***
هذا المستمع أ. ب. س. يقول بأنه شاب متغرب عن والده ويعمل في هذا البلد المبارك وقبل مجيئي هنا أسرفت على نفسي بل ارتكبت أكبر الكبائر ولكنني بعد فترة تبت إلى الله ولكني شكيت في توبتي لأني سمعت حديثاً يقول ثلاثة لا ينفع معهن العمل وعدّ منها عقوق الوالدين فهل لي مخرج وهل لي أن أحج قبل الرجوع إليهما مع أني لو سافرت هناك قبل أن أحج محال عليّ الرجوع إلى هنا لصعوبة الطريق علي وهل تقبل مني الأعمال الصالحة أرجو النصح والتوجيه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أقول إن الأعمال الصالحة تقبل من هذا الرجل الذي تاب إلى الله سبحانه وتعالى من عقوق والديه ولكن نظراً إلى كون العقوق من حقوق الآدميين فإنه لا بد من استرضاء الوالدين واستسماحهما ولا حرج عليه لو حج قبل ذلك أو عمل عملاً صالحاً قبل ذلك لأن العقوق ليس ردة تبطل الأعمال ولكنها من كبائر الذنوب فمن تحقيق توبته إلى الله سبحانه وتعالى أن يسترضي والديه ويستسمحهما عما جرى منه من العقوق.
***
بارك الله فيكم يقول ع. ع. أ. مقيم بالرياض هل مناداة الوالدة باسمها يعد عقوقاً لها وإذا كنت متعوداً على ندائها باسمها وهي ترضى بذلك فهل هذا جائز؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يجوز للإنسان أن ينادي أبويه أو أحدهما باسمه لكنه ليس من الأدب أن يفعل ذلك بل يقول يا أمي يا والدي يا أبي وإذا أضاف الاسم إلى هذا لا بأس مثل أن يقول يا والدي فلان يا والدتي فلانة أما أن يذكر اسميهما بدون أن يذكر وصف الأبوة أو الأمومة فإن هذا يعتبر خلاف الأدب.
يافضيلة الشيخ: إذا قال يا أم فلان؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان كل الناس لا يعدون هذا مخالف للأدب فيجوز.
وهناك ملاحظة عما سبق وهو أن الجواب السابق عما إذا ناداهما باسمهما أي في النداء أما فيما لو أخبر عن أبيه وعن أمه فلا حرج أن يقول قال فلان كما وقع ذلك لبعض الصحابة رضي الله عنهم فمثلاً إذا كان أبوه اسمه عبد الله قال عبد الله بن فلان كذا وكذا قالت فلانة كذا وكذا لكن النداء شيء والخبر شيء آخر فالنداء يعد الناس هذا من سوء الأدب أن يناديه باسمه العَلَم دون أن يقرنه وصف الأبوة أو الأمومة وأما الخبر فلا يعدون ذلك سوء أدب ولا بأس به.
***

بارك الله فيكم المستمع من جده له سؤال يقول شخص توفي والداه وهما غاضبان عليه لأنه كان عاقاً لهما فقيل له إن من عق والديه لا يجد رائحة الجنة وبذلك فقد فقد الأمل في دخول الجنة ولكي لا يصاب بيأس من رحمة الله قال له شخص آخر إنك تستطيع برهما بعد الموت وذلك بالدعاء لهما والاستغفار لهما والصدقة عنهما وإن الله سبحانه وتعالى سيجمع بينكم يوم القيامة ويخبر والديك بأنك فعلت كذا وكذا من أجلهما فإن رضيا عنك فإن الله سيعفو عنك والسؤال هو هل هناك أصل لما قاله هذا الشخص بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه القضية عبرة لمن اعتبر تفيد أن الإنسان العاقل ينتهز الفرصة في القيام بما أوجب الله عليه لئلا تفوته الفرصة فبإمكان هذا السائل أن يكون باراً بوالديه قبل موتهما ولكنه سوّف وأهمل وفرّط حتى فات الأوان وانتقلا من الدنيا إلى الآخرة ولكني أقول له إن باب التوبة مفتوح فإذا علم الله من عبده أنه قد ندم على ما صنع واستغفر ربه فإن الله تعالى يغفر له ولا يترتب على فعله السابق شيء مما يكون في تركه وتضييعه فلا إثم عليه ولا عقوبة وأرجو من الأخ السائل أن يستمع إلى هذه الآية الكريمة (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً) (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً) (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) فهذه الجرائم العظيمة الشرك وهو أعظم الذنب وقتل النفس وهو أعظم العدوان على البدن والزنا وهو أعظم العدوان على العرض إذا تاب الإنسان منها وآمن وعمل عملاً صالحاً فإن الله يبدل سيئاته حسنات ويغفر له ومن المعلوم أن الشرك لا يغفره الله (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً) ومع هذا إذا تاب الإنسان منه غفر الله له ورحمه وإذا اتصف بالأوصاف الثلاثة تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً بدل الله سيئاته حسنات فليبشر هذا السائل إذا كان قد تاب إلى الله وندم على ما جرى منه من تقصير في حق والديه فليبشر بمغفرة الله له وليسأل الله الثبات وليكثر مما أرشده إليه أخوه من الاستغفار لوالديه والدعاء لهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم

التي لا توصل إلا بهما فإذا فعل ذلك عفا الله عنه وغفر له.
***
السائلة فتاة تقول إنني حينما أكون أشتغل أو يأتي وقت ضيق أو يأتي والدي لطلب شيء قد رفعته أو قد وضعته أرفع صوتي عليهم فهل هذا حرام مع أنني أكره هذا الفعل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا لا شك أن مثاره الغضب وضيق النفس والذي ينبغي للإنسان أن يملك نفسه عند الغضب لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل فقال أوصني قال (لا تغضب فردد مراراً قال لا تغضب) فالذي ينبغي للإنسان أن يملك نفسه عند الغضب ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم إذا أحس به حتى يهدأ وإذا كانت تملك نفسها حينئذٍ عن رفع صوتها فإنه لا يجوز لها أن ترفع صوتها عليهم لقوله تعالى (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) ومن المعلوم أن الوالدين إذا بلغا الكبر يحصل منهما دائماً ما يضيق به المرء ويحرج المرء وما يغضبه ومع هذا قال الله تعالى (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) فالواجب عليها أن تتأدب مع والديها وأن تملك نفسها عند الغضب وأن لا تفعل ما فيه زجرٌ ونهرٌ لهما
***
بارك الله فيكم السائل أبو بكر حميد من جدة يقول بأنه شاب ويحمد الله على ذلك ولكنني أشكو إلى الله أولاً ثم إليكم ذنباً كلما تبت منه رجعت إليه وهو عقوق الوالدين حيث أنني أرفع صوتي فوق صوتهما أحياناً وأفعل أشياء تؤذيهما فما حكم ذلك مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: عقوق الوالدين من كبائر الذنوب لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ألا أنبأكم بأكبر الكبائر ثلاثاً قالوا بلى يا رسول قال الإشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور وكان متكئاً فجلس عند ذكر شهادة الزور) ومازال يكررها قال أبو بكرة راوي الحديث حتى قلنا ليته سكت، فلا يحل لإنسان أن يعق والديه بل عليه أن يحسن إليهما وإذا علم الإنسان أن قاطع الرحم لا يدخل الجنة كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا يدخل الجنة قاطع) يعني قاطع رحم فإنه في هذه الحال يخاف وينزجر عن عقوق الوالدين وقطيعة الرحم وليمرن نفسه على ذلك وإذا خاف أن يشتد القول مع والديه فليخرج من البيت حتى يبعد غضبه ويحاسب نفسه.
***
تقول السائلة عندي والدة حفظها الله كلما طلبت مني أمراً لبيت طلبها بسرعة ولا أتأفف أمامها ولا أظهر لها التضجر ولكن عندما أذهب إلى بعض أخواتي في الله أشكو لهن من والدتي بأن ما تطلبه والدتي كثير جداً فهل يعتبر هذا من عقوق الوالدين أفيدوني بارك الله فيكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أرى أن هذا من عقوق الوالدين لأنه غيبة للوالدة وإذا كانت هذه المرأة ترضي والدتها بما تطلب ابتغاء وجه الله فإنه لا يجوز أن تمن بذلك أو أن تؤذي أمها بذلك بسبها عند صاحباتها قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى) فعلى هذه المرأة أن تتوب إلى الله عز وجل مما صنعت وأن تقلع عنه في المستقبل وأن ترجو بإرضاء والدتها بما تطلب منها وجه الله عز وجل وأن تسأل لها الهداية.
***
هذا السائل للبرنامج يقول بالنسبة من رفع صوته على والديه في حالة غضب هل يأثم في ذلك وهل يطلب رضاهم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يحل للولد أن يرفع صوته على أبويه لقول الله تبارك وتعالى (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) والغالب أن الأبوين إذا بلغا الكبر حصل منهما إيذاء لأولادهما وإشقاق عليهم ومع ذلك نهى الله سبحانه وتعالى الولد أن يتضجر منهما أو ينهرهما وأمرهم أن يقول لهم قولا كريما فمن رفع صوته على أبيه أو أمه فليستغفر الله عز وجل وليتحلل من أبيه وأمه وليعلم أن البر أسلاف كما يقول العامة وقد جاء في الحديث (بروا آباءكم تبركم أبناؤكم).
***
السائل جمال أحمد يقول ما حكم من يتشاجر مع والده كلما رآه ينتهك حدود الله أو يستهزئ بأمور الدين ولكنه بار به ويكفيه جميع ما يعنيه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أقول إن كونه يعتب على أبيه ما يحصل منه من المعاصي التي ربما تؤدي إلى الكفر كسب الدين فإنه من بره بوالده لأنه أمر بمعروف ونهي عن منكر وأحق الناس أن تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر هو أبوك وأمك لأنهم أقرب الناس إليك ولأنك بضعة منهم وقد كان الرسل عليهم الصلاة والسلام يتكلمون مع آبائهم في ترك المنكر وفعل المعروف لكن ينبغي أن يكون بالأسلوب الحسن الذي لا ينجرح به قلب واحد منهم واستمع إلى المحاورة التي جرت بين إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام وبين والده في سورة مريم حيث قال (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً) (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً) (يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً) (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً) إلى آخر القصة تجد كلاما لينا من إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأبيه فأنت بالنسبة لأبيك إذا أردت أن تنصحه عما كان عليه من المعاصي فليكن ذلك باحترام ورفق ولين لأن الأب يرى أن له حق عليك وأنه أكبر منك وهو فعلا أكبر منك وله حق عليك حتى إن الله تعالى قال (وَإِنْ جَاهَدَاكَ على أن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا) يعني إن بذل جهداً على أن تشرك بالله (فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً) وقال تعالى (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) فأنت لا تلام إذا نصحت والدك لكن ليكن ذلك بالرفق واللين حتى يحصل المقصود وليس هذا من العقوق بل هذا من البر فإن أعظم

هدية يهديها الإنسان إلى أبيه وأمه أن يأمرهما بالمعروف وينهاهم عن المنكر ولكن بأدب واحترام.
***
هل الشخص الذي يرفع صوته على والديه في وقت الغضب الشديد ثم بعد الهدوء من ذلك الغضب يندم على ذلك الفعل أشد الندم هل يعتبر هذا من عقوق الوالدين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان الإنسان لا يملك نفسه حال الغضب حتى رفع صوته على أبيه أو أمه فإنه لا يؤاخذ بهذا لكن عليه إذا زال الغضب أن يتحلل من والديه وعلى والديه أن يقدرا هذه الحال وأن يحللاه لا سيما إذا جاء معتذراً.
ولكني أنصح هذا وغيره من أولئك القوم العصبيين أن يتداووا بما وصفه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو:
أولاً أن لا يغضبوا يعني أن يحاولوا منع الغضب فيفرجوا على أنفسهم لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جاء إليه رجل وقال له يا رسول الله أوصني قال (لا تغضب فردد مراراً فقال لا تغضب) لعلمه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن هذا الرجل كان غضوباً وإلا لأوصاه بتقوى الله عز وجل التي أوصى الله بها الأولين والآخرين هذا واحد فأولاً يمنع الغضب أصلاً يحاول أن لا يغضب وأن يكون بارد الطبع.
ثانياً وإن غضب فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم فإن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً غاضباً فقال (إني لأعلم كلمةٌ لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) وذلك لأن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب الإنسان فتنتفخ أوداجه وتحمر عيناه ويفور.
ثالثاً إذا كان قائماً فليقعد وإذا كان قاعداً فليضطجع لأنه بتغيير حاله يبرد الغضب عنه.
رابعاً أن يتوضأ وضوءه للصلاة الوضوء المعتاد يعني يغسل وجهه ويتمضمض ويستنشق ويغسل يديه إلى المرفقين وما أشبه ذلك وبهذا يسلم من الغضب.
***

رسالة وصلت من المملكة العربية السعودية من المستمع ج ع ش ملخصها يقول بأنه شاب يبلغ من العمر الثالثة والعشرين متزوج على سنة الله ورسوله من فتاة وهي بنت عمه شقيق والده ويقول بعد فترة من الزواج ما يقارب من أربعة أشهر وكان يسكن هو وزوجته في بيت أبيه وفي ذات يوم حصل سوء تفاهم بين زوجته وبين أهله فذهبت زوجتي إلى بيت أبيها وبعد ذلك طلبت مني زوجتي أن استأجر شقة على قدر الحال لنسكن أنا وهي وحدنا ونبعد عن المشاكل أو أن نسكن في بيت أبيها بشرط أن لا تنقطع صلتي بأهلي أبداً وأن أكون سائلاً عنهم دوماً فوافقت على ذلك الأمر وعرضت ذلك على أهلي ولكنهم رفضوا ذلك وأصروا على أن أسكن عندهم هل علي ذنب يا فضيلة الشيخ إذا خالفتهم على إصرارهم وسكنت أنا وزوجتي في شقة أو في بيت أبيها أفيدونا أفادكم الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هذه المشكلة التي حكاها السائل تقع كثيراً بين أهل الرجل وزوجته والذي ينبغي في مثل هذه الحال أن يحاول الرجل الالتئام بين وزوجته وأهله والائتلاف بقدر الإمكان في هذا المجال بقدر الإمكان وأن يؤنب من كان منهم ظالماً معتدياً على حق الآخر على وجه لبق ولين حتى تحصل الإلفة والاجتماع فإن الاجتماع والإلفة كلها خير فإذا لم يمكن الإصلاح والالتئام فلا حرج عليه أن ينعزل في مسكن لوحده بل قد يكون ذلك أصلح وأنفع للجميع حتى يزول ما في قلوب بعضهم على بعض وفي هذه الحال لا يقاطع أهله بل يتصل بهم كل يوم ويحسن أن يكون البيت الذي ينفرد به هو وزوجته قريباً من بيت أهله حتى تسهل مراجعتهم ومواصلتهم فإذا قام بما يجب عليه نحو أهله ونحو زوجته مع انفراده مع زوجته في مسكن واحد حيث تعذر أن يسكن الجميع في محل واحد فإن هذا خير وأولى.
***

بارك الله فيكم المستمع أ. س. س. من الأردن بعث برسالة يقول فيها لقد اخترت فتاةً على خلقٍ ودين لتكون زوجةً لي ولكن عندما أخبرت والدي بذلك رفض وحاولت إقناعه ولكنه أصر فأردت أن أعرف السبب فقال ليس هناك من سبب وأنا حائر بين طاعته أو صرف النظر عن هذه الفتاة التي اخترتها رغم ما يسببه لي ولأسرتها من آلامٍ نفسية فأرجو النصيحة إلى الطريق الصحيح جزاكم الله خيرا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال يقتضي أن نوجه نصيحتين:
النصيحة الأولى لوالدك حيث أصر على منعك من التزوج بهذه المرأة التي وصفتها بأنها ذات خلقٍ ودين فإن الواجب عليه أن يأذن لك في تزوجها إلا أن يكون لديه سببٌ شرعي يعلمه فليبينه حتى تقتنع أنت وتطمئن نفسك وعليه أن يقدر هذا الأمر في نفسه لو كان أبوه منعه من أن يتزوج امرأة أعجبته في دينها وخلقها أفلا يرى أن ذلك فيه شيء من الغضاضة عليه وكبت حريته فإذا كان هو لا يرضى أن يقع من والده عليه مثل هذا فكيف يرضى أن يقع منه على ولده مثل هذا وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) فلا يحل لأبيك أن يمنعك من التزوج بهذه المرأة بدون سببٍ شرعي وإذا كان هناك سببٌ شرعي فليبينه لك حتى تكون على بصيرة
أما النصيحة التي أوجهها إليك أيها السائل فأنا أقول إذا كان يمكنك أن تعدل عن هذه المرأة إلى امرأةٍ أخرى إرضاءً إلى أبيك وحرصاً على لمَّ الشعث وعدم الفرقة فافعل وإذا كان لا يمكنك بحيث يكون قلبك متعلقاً بها وتخشى أيضاً أنك إن خطبت امرأةً أخرى أن يمنعك أبوك عن الزواج بها أيضاً لأن بعض الناس قد يكون في قلبه غيرة أو حسد ولو لأبنائه فيمنعهم مما يريدون فإذا كنت تخشى هذا ولا تتمكن من الصبر عن هذا المرأة التي تعلق بها قلبك فلا حرج عليك أن تتزوجها ولو كره والدك ولعله بعد الزواج يقتنع بما حصل ويزول ما في قلبه ونسأل الله أن يقدر لك خير الأمرين.
***

بارك الله فيكم من مصر بعث المستمع توفيق محمد خليفة مصري الجنسية بهذه الرسالة يقول فيها إنني متزوج من بنت خالتي وبعد زواجي منها بسنة غادرت إلى العراق للكسب وعندما وصلت إلى العراق قام والدي ووالدتي بطرد زوجتي علماً بأنني أنجبت منها طفلة وأريد السفر من العراق إلى مصر حيث أنها موطني بعد غربة استمرت ثلاث سنوات وأنا في حيرة من أمري هل عند وصولي البلد أذهب أولاً إلى والدي ووالدتي أم أذهب إلى زوجتي وابنتي علماً بأن والدي ووالدتي يرغبون في طلاقها أرجو منكم الإفادة بارك الله فيكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نقول إن كلاً من والديك وزوجتك وابنتك له حق عليك ولكن الأفضل أن تبدأ بوالديك فتذهب إليهما وتسلم عليهما وتجلس معهما ما شاء الله ثم تنصرف إلى زوجتك وابنتك ومعلوم أن إقامتك الأكثر سوف تكون عند زوجتك وابنتك وسوف تأتي إلى والديك على سبيل الزيارة.
***
يقول فضيلة الشيخ محمد لقد تركت والدي ووالدتي منذ زمن وذلك للأسباب التالية أولا وهو المهم لأن أخواني جميعهم شباب بالغين ولكنهم لا يصلون وكل أمور اللهو والفساد عندهم موجودة وقد نصحهم أبي وأمي ونصحت لهم أنا ولكن لا فائدة من ذلك ثانيا إنني أريد أن أتزوج إن شاء الله قريبا والبيت صغير جدا وكما تعلمون لا يجوز أن تكشف زوجتي لإخواني هل أنا آثم حين تركت والدي ووالدتي وإذا كنت آثماً ماذا علي أن أفعل جزاكم الله خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: قبل الإجابة على هذا السؤال أوجه نصيحة إلى إخوان السائل الذين وصفهم بأنهم لا يصلون وأن جميع آلات اللهو الفاسدة عندهم أقول لهم هداهم الله إنكم لم تخلقوا في هذه الدنيا عبثا تتمتعون كما تتمتع الأنعام وإنما خلقتم لعبادة الله سبحانه وتعالى وأجل العبادات بعد التوحيد والشهادة بالرسالة الصلاة فإنها عمود الإسلام ومن أقامها وحفظها حفظ الله عليه دينه وكانت سببا في حفظه من الفحشاء والمنكر لقول الله تبارك وتعالى (وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) وإضاعتها من أسباب الغي والهلاك والشقاء وإضاعتها كفر مخرج من الملة على القول الراجح من أقوال أهل العلم لدلالة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم على ذلك وإضاعتها سبب لضيق النفس وضيق الصدر وضيق الرزق ولهذا قال الله تعالى (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) وإضاعتها سبب لإضاعة غيرها من العبادات لأن من أضاع صلاته مع أهميتها وخفتها وقلتها فهو لما سواها أضيع وإضاعتها بتركها بالكلية سبب لرد الأعمال الصالحة سواها وذلك أن الكافر لا يقبل له عمل صالح حتى يؤمن فلو قدر أن هذا الرجل التارك للصلاة صام أو تصدق أو حج أو اعتمر فإن صيامه وصدقته وحجه وعمرته لا تقبل منه لقول الله تعالى (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ) فأقول لهؤلاء الذين ذكر عنهم أخوهم ما ذكر اتقوا الله في أنفسكم واتقوا الله في أمكم وأبيكم وأخيكم اتقوا الله في مجتمعكم لأن معاصيكم قد تكون شؤما على المجتمع كله لقول الله تعالى (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا

مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) ثم بعد ذلك أقول للسائل إذا كان لا يمكنك تغيير المنكر في البيت ولا التخلص منه بحيث يكون البيت صغيرا ولا يمكنك أن تنفرد بحجرة أو غرفة فإن الواجب عليك أن تخرج من البيت سواء تزوجت أم لم تتزوج وأما إذا كان بقاؤك في البيت يمكنك أن تتخلص من المنكر ويكون بقاؤك تخفيفا وتوسعة لصدر أبيك وأمك فابق في البيت وخفف المنكر ما استطعت وربما يكون في مداومة نصيحتك لإخوانك ما يزول به المنكر.
***
بارك الله فيكم يقول هذا السائل أعيش أنا ووالدي ووالدتي وامرأتي وإخوتي في بيت واحد أحيانا أحضر لزوجتي شيء من الأكل دون علم والدي ووالدتي ونأكل دون أن يرانا أحد فما حكم ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا حرج عليك أن تخص زوجتك بشيء من الطعام بشرط أن تكون قائما بما يجب عليك نحو عائلتك أي نحو أبيك وأمك وأخواتك لكن في هذه الحال ينبغي أن يكون ذلك سرا لا يعلمون به لئلا يؤزهم الشيطان فيلقي بينك وبينهم العداوة.
***

رسالة طويلة وصلت من السائل حسين أ. من مكة المكرمة يقول في هذا السؤال أعرض عليكم فضيلة الشيخ مشكلتي مع زوجتي فقد تزوجت بعد وفاة الوالد رحمه الله بسنتين وترك الوالد أمانةً في عنقي وهم أمي وإخوتي الصغار القصر وأنا المعيل الوحيد بعد الله عز وجل لهم وتقدمت لخطبة زوجتي بشرط أن لا أستقل ببيتٍ مستقلٍ لها لظروفي الخاصة كما ذكرت ووافق أهل زوجتي على شرطي وتم الزواج وبعد ستة أشهر من الزواج بدأت زوجتي تخلق المشاكل لأجل بيتٍ مستقلٍ لها وهي تعلم جيداً أني لا أستطيع لظروفي ولدخلي المحدود حيث أنني أعمل براتب قدره ألف ريال شهرياً وخيرتني بين أمي وبينها وذهبت إلى بيت أهلها دون أي اعتبارٍ بمشاعري ورزقني الله منها بولد وحرموني من زيارته وأنا أحاول أن أعيدها إلى بيتي بشتى الطرق ولكن دون جدوى والآن أنا محتار يا فضيلة الشيخ هل أختار أمي التي ربتني أم هذه الزوجة أم ولدي أفيدوني مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ما دام بينكما الشرط عند العقد أن لا تجعل لها بيتاً مستقلاً فأمركم إلى القاضي والقاضي هو الذي يحكم بينكما أسأل الله الهداية للجميع وينبغي لك أن تعرف ما هي المشاكل التي حصلت بين أمك وزوجتك وتحاول حلها بقدر الاستطاعة لأنها قد تكون مسألة سهلة يسيرة ولكن الشيطان ينزغ بين الناس فأرى قبل الوصول إلى التحاكم أرى أن تنظر في المشكلة إذا أمكن حلها فهذا أحسن وإذا لم يمكن فليس هناك إلا التحاكم إلى القاضي ونسأل الله للجميع التوفيق.
***

هذه الرسالة من أحد المستمعين يقول فيها أرجو أن ترشدوني إلي ما فيه الخير إني متزوج من خمسة أعوام ودائماً يحصل بين الأسرة مشاجرة ولي والدة وأخوان صغار ما معاهم سوى وجه الله وأنا الذي أعمل وأصرف عليهم ودائماً تحصل مشاجرة بين زوجتي ووالدتي نتيجة الإخوان فهم يأتون بالمشاكل ولم أدر ماذا أفعل ولي بيت يبعد ثلاثة أمتار من بيت إخواني بنيته بخمسين ألف ريال يمني ولا أدري هل أبقى مع والدتي وإخواني أم انتقل إلى هذا البيت المجاور لهم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أقول إنه إذا لم يمكن العيش بسلام بين الأسرة فإنه لا حرج عليك أن تنقل زوجتك إلى محل آخر تسكن معها وتستطيع أن ترضي والدتك بما تطيب بها نفسها وهذا أهون من بقاء الجميع في نكد لا يتمتعون بحياة سعيدة لا أنت ولا هم وكونك تنفرد بأهلك في مكان آخر ليس هذا من العقوق بل هذا من الإصلاح والله تبارك وتعالى لا يضيع أجر المصلحين فالذي نرى لك أن تنفرد وزوجتك في مكان وتكون مع أمك بقلبك وقالبك وتأتي إليها بين ساعة وأخرى.
***
المستمع رشدي من مصر يقول كيف يوفق المسلم بين إرضاء الوالدين الأم والأب وبين الزوجة حيث إن والديّ لا يرتاحان إلى زوجتي كثيراً وكذا زوجتي لا ترتاح لهم فأنا سعيد مع زوجتي وأبنائي فبماذا تنصحونني؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ننصحك بأن تحرص غاية الحرص على التوفيق بين زوجتك وبين أبيك وأمك فإن حصل التوفيق فهذا من نعمة الله على الجميع وإن لم يحصل فاستأذن والديك أن تخرج في بيت وحدك أنت وزوجتك وأولادك ويحسن أن يكون قريباً من بيت الوالدين حتى تسهل الزيارة لهما وأنت إذا انفردت عن والديك من أجل هذا الغرض فإن انفرادك صحيح وليس عليك فيه حرج لأن هذا خير من بقاء الحياة الزوجية في نكد وعيش والديك في نكد أو أن تفارق زوجتك وأولادك.
***

بارك الله فيكم هذا المستمع س. ع. و. من سكاكا الجوف بعث برسالة يقول فيها تزوجت من دولةٍ عربية مجاورة وزوجتي راضٍ عنها ديناً وخلقاً فهي محافظة على الصلوات والصيام ومطيعة إلى أبعد الحدود لكن المشكلة تكمن في أهلها فهم لا يصلون ولا يصومون ولا يقيمون وزناً للدين فهل يجوز أن نزورهم ونتصل بهم أم أن لي الحق في أن أمنع أهلي وأولادي من زيارتهم خوفاً من الفتنة خاصةً وأن أولادي سيرافقون زوجتي في هذه الزيارة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: من المعلوم أن الذي سيعاشر الزوج زوجته فقط فإذا كانت مستقيمةً في دينها وخلقها فإنه لا يضره أن يكون أهلها منحرفين عن دين الله عز وجل وله في هذه الحال أن يمنعها من الذهاب إليهم إذا خاف عليها من الفتنة في دينها أو خاف على أولاده من الفتنة في دينهم ولكن لو كان يرجو بالذهاب إليهم أن يستقيموا ويهديهم الله عز وجل وصار يذهب إليهم ليعرض عليهم الحق ويحذرهم من المخالفة فإن هذا من باب الدعوة إلى الله عز وجل ولا بأس به لكن إذا لم يجد تقبلاً ولم يجد إلا استهزاءً وسخرية فإن له الحق في أن يهجرهم ولا يذهب إليهم وأن يمنع زوجته وأولادها منهم إذا خاف عليهم الفتنة.
***
هذا المستمع عطية من جمهورية مصر العربية يقول فضيلة الشيخ هل يجوز لي أن أمنع زوجتي من زيارة والديها حيث إنهم يعملون أعمالاً تخل بالشريعة الإسلامية من طواف حول الأضرحة والاستغاثة بهم والتبرك بالأولياء وهذا خوفاً مني على زوجتي أن تقع بهذه الأمور الشركية؟

فأجاب رحمه الله تعالى: زيارة زوجتك لأهلها ولا سيما إذا كان والداها من البر والصلة ولقد قال الله تعالى (وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً) فأمر الله بمصاحبة الوالدين بالمعروف في الدنيا مع إنهما مشركان ويجاهدان ولدهما على الشرك فدل هذا على أن المعاصي لا توجب قطيعة الرحم ولا عقوق الوالدين بل صل رحمك وبر بوالديك وإذا احتجت إلى شيء من أمور الدنيا فلا حرج عليك أن تستنجد بهما لأنهما أبواك وينبغي لك إذا أذنت لزوجتك أن تزور أهلها وهم في هذه الحال أن تحثها على نصيحتهم وعلى بيان الحق لهم فإنه ربما تكون هدايتهم على يدك وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي بن أبي طالب (انفذ على رسلك فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم).
***
المستمع ح هـ ن من العراق يقول والدتي على قيد الحياة وقد تزوج والدي غيرها ولكنها سيئة المعاملة لنا ولوالدنا وقد أثارت الكثير من الفتن والمشاكل بيننا وبين والدنا حتى تسببت في الفرقة بيننا إلى أن انتقل هو وزوجته الأخرى وأبناؤه منها إلى منزل آخر وهجرونا من كل شيء حتى أنها تسب والدي وتشتمه وقد جعلتني أكرهها كثيرا وأدعو عليها وعلي بالموت فهل علي إثم في ذلك وهي ماذا عليها في فعلها ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن العدوان على المسلم ولا سيما من بينك وبينه صلة أنه محرم ولا يجوز لأحد أن يعتدي على أخيه المسلم بالأذى بقول أو فعل لقول الله تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) والواجب عليها وعليكم أيضاً التواد والتآلف وعدم النزاع والخصومة وأن تزيلوا ما في نفوسكم من الأحقاد والأضغان والكراهية وإن الإنسان ليأخذه العجب أن يقع هذا من والدة لأولادها ومن زوجة لزوجها ولكن الهداية بيد الله عز وجل وعليكم أن تبدؤا الحياة من جديد وأن تناصحوا أمكم بما فيه الخير والصلاح حتى لا تلجئ الوالد إلى الخروج بزوجته الجديدة وأبنائها وإذا أمكن إعادة الأمور إلى مجاريها وأن يرجع الوالد إلى بيته الأول وتسكنوا جميعاً عيشة واحدة وبيتا سعيداً فإن هذا هو الأولى وأما ما ذكرت من أنك تدعو على نفسك وعليها بالموت فهذا حرام ولا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به) فعليك أن تصبر وأن تحتسب وأن تسأل الله الهداية لوالدتك والله سبحانه وتعالى مقلب القلوب إذا شاء واقتضت حكمته أن تعود الأم إلى ما يجب عليها فإن هذا ممكن وليس على الله بعزيز وعليك يا أخي بالصبر وكثرة الدعاء بأن الله سبحانه وتعالى يهدي والدتك بما فيه الخير والالتئام والائتلاف.
***
أم محمد المملكة العربية السعودية تقول في رسالتها لي ولد في الثانية والعشرين من عمره يقاطعني من عشرين سنة تقريباً وأنا قلبي دائماً يدعو له بالتوفيق والهداية ولم أعمل له أي عمل يجعله يقاطعني هذه المدة الطويلة عدا أنه حصل طلاق بيني وبين والده وحتى الآن لم يَلِنْ قلبه أو يأتي إلي ليعتذر فضيلة الشيخ هل يجب علي أن أدعو له أم لا لأن قلبي لا يتحمل أن أدعو عليه وما حكم عمله هذا بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الولد الذي انفصل عنك مع أبيه منذ عشرين سنة وكان لا يهتم بك ولا يزورك ولا يصلك قد أتى أمراً عظمياً من المنكر وذلك لأنه أخل بالبر الذي أمر الله به في قوله (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) وقوله (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) وقوله تعالى (وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) فعلى هذا الولد أن يتوب إلى الله عز وجل من هذه القطعية ومن هذا العقوق وأن يرجع إلى رشده ويقوم بواجب الإحسان وواجب البر وإلا فإنه على خطر عظيم والعياذ بالله أما بالنسبة لك أنت فأنت مشكورة على ما تقومين به من الدعاء له وأنت على خير وأنت بهذا العمل تكونين قد وصلت الرحم وقد التزم الله عز وجل للرحم أن يصل من وصلها وأن يقطع من قطعها فأنت استمري في الدعاء له ولعل الله أن يهديه بدعائك له أما نصيحتي لهذا الابن بأن يقلع عن عقوقه وقطيعته وأن يتجه إلى البر والإحسان إليك والشكر لك على ما قدمت له وإذا تاب تاب الله عليه.
***
المستمع ص. ي. ن. من الأردن بعث برسالة يقول فيها بأنه شاب يبلغ الخامسة والعشرين من العمر والدي ووالدتي في خصام مستمر طول أيامهما إن بررت الأول غضب ونفر الثاني وإن بررت الثاني غضب الأول واتهمني بالعقوق ماذا أفعل يا فضيلة الشيخ لكي أبرهما وهل أعتبر عاقاً بالنسبة لأمي بمجرد أنني بررت بأبي أو العكس نرجو من فضيلة الشيخ إجابة مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الإجابة على هذا أن نقول إن بر الوالدين من أوجب الواجبات التي تجب للبشر على البشر لقول الله تعالى (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) وقوله (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) وقوله تعالى (أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ)، والأحاديث في هذا كثيرة جداً فالواجب على المرء أن يبر والديه كليهما الأم والأب يبرهما بالمال والبدن والجاه وبكل ما يستطيع من البر حتى إن الله تعالى قال في سورة لقمان (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً) فأمر بمصاحبة هذين الوالدين المشركين الذين يبذلان الجهد في أمر ولدهما بالشرك أمر ولدهما وهم أعداء الله أن يصاحبهما في الدنيا معروفا وإذا كان كذلك فالواجب عليك نحو والديك الذين ذكرت أنهما في خصام دائم وأن كل واحد منهما يغضب عليك إذا بررت الآخر أمران:
الأمر الأول بالنسبة للخصام الواقع بينهما أن تحاول الإصلاح بينهما ما استطعت حتى يزول ما بينهما من الخصام والعداوة والبغضاء لأن كل واحد من الزوجين يجب عليه للآخر حقوق لابد أن يقوم بها ومن بر والديك أن تحاول إزالة هذه الخصومات حتى يبقى الجو صافياً وتكون الحياة سعيدة.

الأمر الثاني الواجب عليك نحوهما أن تقوم ببر كل واحد منهما وبإمكانك أن تتلافى غضب الآخر إذا بررت صاحبه بإخفاء البر عنه فتبر أمك بأمر لا يطلع عليه والدك وتبر والدك بأمر لا تطلع عليه أمك وبهذا يحصل المطلوب ويزول المرهوب، ولا ينبغي أن ترضى ببقاء والديك على هذا النزاع وهذه الخصومة ولا على هذا الغضب إذا بررت الآخر والواجب عليك أن تبين لكل واحد منهما أن بر صاحبه لا يعني قطيعة الآخر بل كل واحد منهما له من البر ما أمر الله به ورسوله.
***
بارك الله فيكم تقول السائلة بإني أريد أن أقوم بزيارة لوالدي وإخواني وأخواتي كل عام في اليمن برضى من زوجي فإذا وجد المحرم وتسهلت الظروف فهل أعتبر مبذرة لأموال زوجي بسبب هذه الزيارات كل عام علماً بأنني لا أكلفه إلا في حدود طاقته وأنا لا أستطيع أن أقطع الصلة عن والدتي وأهلي أكثر من عام فهل علي حرج في هذا السفر؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ليس عليك حرج في هذا السفر لأن هذا السفر سفر طاعة يقصد به بر الوالدين وزوجك جزاه الله خيراً على مساعدته إياك وهو مثاب ومأجور ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يخلف عليه ما أنفقه على هذا السفر ولا شك أن من أعان على خير فله مثل أجر فاعله.
***

السائلة التي رمزت لاسمها بـ هـ. م. ش كتبت هذا السؤال بأسلوبها الخاص تذكر بأنها فتاة تعاني من معاملة والدها القاسية ومن ظلمه وقهره وجبروته لدرجة أنها أحياناً تشك في أبوته مما أراه منه وأسمعه من كلامه الجارح ولا أخفي عليكم أنني أكرهه كثيراً ولكن في نفس الوقت أدعو له بالهداية دائماً وكثيراً ما أقع في سبه والكلام في غيبته وأتدارك فعلي هذا بالاستغفار له وبالدعاء له ولا أحب أن أواجهه بل أتهرب منه وهو أيضا لا يسأل عني ولا يهتم بأمري ولكنني أحاول بقدر الإمكان أن أقوم بطاعته إذا أمرني حاولت مرارا تقديم النصيحة له لكنني لم أجد الجرأة الكافية وهو أيضا لا يعطي لأحدنا فرصة لمواجهته ولا يستجيب لا لأهله ولا لغيرهم بل يفعل ما يمليه عليه رفقاء السوء دون أن يفكر هل ما يفعله صحيح أم خطأ دون النظر لعواقب الأمور وأفيدكم علما بأنه مثقف ودائما يردد بعض الأحاديث والعجيب إن تلك الأحاديث تناقض فعله وسؤالي يا فضيلة الشيخ محمد هل علي إثم في عدم محادثته والتهرب منه حيث أن ذلك رغم إرادتي وجهوني في ضوء ذلك وهل يعتبر ذلك من العقوق؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من المعلوم أن للوالدين حقا على أولادهم من ذكور وإناث وللأولاد حق على آبائهم وأمهاتهم ولكن حق الوالدين على الأولاد أعظم من حق الأولاد على الوالدين لهذا أنصحك أولا بالصبر على ما يحصل من أبيك من الأذية والجور والظلم وأرجو لك بالصبر والاحتساب الثواب من عند الله عز وجل ولا تقاطعيه إذا حصل منه هذا الشيء بل صلىه وبري به وأنت الرابحة أما بالنسبة للأب فإني أنصحه بأن يكون عوناً لأولاده من ذكور وإناث على بره وأن يتلطف إليهم وأن يكون رفيقا بهم وليعلم أن التعسف والجور والظلم على البنات من أعمال الجاهلية فإن أهل الجاهلية هم الذين يكرهون الإناث ويكرهون وجودهن حتى إن أحدهم إذا بشر بالأنثى (ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) كانوا في الجاهلية من كراهتهم للنساء إذا ولد للإنسان مولودة ذهب يحفر لها ويدفنها وهي حية والعياذ بالله حتى ذكروا أن بعضهم كان يدع البنت إلى أن تميز أو تكون قريبة من التمييز ثم يخرج بها إلى البر ويحفر لها الحفرة فإذا أصاب لحيته شيء من التراب جعلت تنفض لحيته تنقيها من التراب وهو يحفر لها الحفرة ليدفنها والعياذ بالله ثم يدفنها وأنَّ بعضهم تستغيث به ابنته إذا رأته ألقاها في الحفرة تستغيث به يا أبتي يا أبتي ولكنه لا يرق لها بل يرمسها والعياذ بالله وهذه القلوب أقسى من قلوب الذئاب فكل إنسان يكره النساء ويعاملهن المعاملة السيئة ففيه شبه من أهل الجاهلية فنصيحتي لهذا الأب أن يتقي الله عز وجل فيما رزقه من الإناث وأن يعلم أنه إذا صبر عليهن وأدبهن كن له حجابا من النار كما جاءت بذلك السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم فليرفق بهن لعل الله أن يرفق به إذا لاقاه يوم القيامة.
***

بارك الله فيكم أمامي رسالة وصلت بالفاكس وهي طويلة من ثلاث ورقات من السائل ر. ش. الدمام يذكر في هذه الرسالة بأنه شاب يبلغ من العمر الخامسة والثلاثين ولديّ والدتي وهي كبيرة في السن وأعيش معها في البيت وكانت حياتي مع والدتي منذ الطفولة جميلة مملوءة بالسعادة حتى أتى عام 1401هـ تقريبا وبدأت معاملتها لي تختلف فأصبح الحب كراهية وصارت يا فضيلة الشيخ حياتي معها صعبة جدا وصارت تكثر علي الأسئلة عن ذهابي وإيابي فهذا العذاب الذي عشته مدة أربعة عشر سنة تقريبا لخصته لفضيلتكم آملا أن أجد الإجابة الشافية الواضحة التي هي مستمدة من شريعتنا السمحة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أرى أن الواجب عليك أن تصبر على هذه الأسئلة التي توردها أمك عليك لأنه لا يضرك أن تقول لها ذهبت إلى كذا وذهبت إلى كذا وفي ظني أنها لا تسأل هذه الأسئلة إلا لما في قلبها من محبتها لحالك وكيف تقضي حياتك وهل يضرك شيئا إذا قلت فعلت كذا وفعلت كذا ولكن الشيطان يوحي إليك أنك إذا سألتك هذه الأسئلة كأنها نزلت من قيمتك وكأنها جعلتك في منزلة الصبي وهذا من وحي الشيطان ولو فكرت لرأيت أن سؤالها هذا يعني الشفقة الشديدة عليك.
يافضيلة الشيخ: في النقطة الثانية يذكر بأنها تغتابه عند الجيران والمعارف والأقارب؟

فأجاب رحمه الله تعالى: وأما النقطة الثانية وهي كونها تغتابه عند الجيران والمعارف والأقارب فإني أوجه إليها النصيحة وأقول لها إن اغتيابها لولدها من كبائر الذنوب ويزداد كبيرة إذا كانت الغيبة لولدها لأن ولدها من أقاربها بل هو أقرب الناس إليها وفي غيبته قطع للرحم وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا يدخل الجنة قاطع) يعني قاطع رحم وقال الله تعالى في كتابه (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) فنصيحتي لهذه الأم أن تكف عن غيبة ابنها أما بالنسبة للابن فعليه أن يصبر ويحتسب ويقابل ذلك بالعفو والسماح عن أمه حتى لا يأتي اليوم الذي يكون خصيما لها عند الله عز وجل.
يافضيلة الشيخ: يقول بعد إيضاحي للنقاط يقول إنها كثيرة التهديد إن تركتها في البيت لوحدها فستذهب للشرطة والمحاكم وتبلغ عني بحكم أني أنا من أعولها شرعاً؟
فأجاب رحمه الله تعالى: وهذا أيضا نقطة مهمة لأن كونك تجعلها في البيت وحدها ربما يضيق صدرها ويرد على قلبها تخيلات فاسدة وأوهام لا صحة لها فلا تصبر هي على ذلك وربما يكون غيبتها لك عند الأقارب والجيران سببه هذا أنك تضيق صدرها إذا خرجت عنها وتركتها في البيت وحدها وأنت تعرف أن الكبيرة ليست كالشابة فنصيحتي لك أن تتزوج وأن تجعل امرأتك عند أمك حتى تعيش في حياة سعيدة.
يافضيلة الشيخ: يقول بعد إيضاحي للنقاط أقول في هذا السؤال بعد ما رأيت منها منذ أربعة عشر سنة الماضية لا أريد أن أكون مسؤولا عنها مع أنني أنا من أعولها شرعا فهذا الإلزام الشرعي هل بالإمكان أن يعفيني منه الشرع؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يعفيك الشرع من بر والدتك بل عليك أن تبر والدتك بكل ما تستطيع قال الله تبارك وتعالى (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) وتذكر أنه إن طال بك زمان فإنك سوف تكون على مثل ما كانت عليه من سوء التصرف وقصر النظر وربما يعاقبك الله في الدنيا قبل الآخرة فيقيض لك من الأولاد من لا يبر بك.
يافضيلة الشيخ: نقطة أخيرة في هذه الرسالة فضيلة الشيخ محمد يقول هل أكون آثما إذا استأجرت منزلا لوحدي بدلا من بقائي معها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الذي يظهر لي أنك تكون آثماً بذلك لأنها إذا كانت في حال تأخرك عن المجيء إليها تضجر وتتألم وتتأذى فإنك لو استأجرت بيتا سيكون هذا أشد عليها وأثقل وبذلك تكون جررت على نفسك إثماً وبعدت عن أمك نسأل الله أن يهديك لها وأن يهديها لك وأن يعيننا وإياك على بر والدينا أحياء وأمواتاً.
***
هذه السائلة تقول فضيلة الشيخ من المسلم به بأن الحب هو شيء خارج عن إرادة الإنسان وليس بيده فهل يأثم الشخص إذا كان يحب أحد الوالدين دون الآخر وإذا كان أحدهما متوفى فهل هذا يوجب أنه يستحق الدعاء أكثر فوالدي رحمه الله وأسكنه الجنة كان له الفضل بعد الله في نجاحي في حياتي وهو الذي منحني الثقة التي كنت أفتقدها فما هي أعمال الخير التي يجب أنه أعملها تجاهه مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم الأمر كما قالت السائلة أن الإنسان لا يملك الحب أو البغض فهو أمر يضعه الله تعالى في القلب لكن الإنسان يجب عليه ألا يتأثر بهذا الحب إلا بمقدار الحكم الشرعي فمثلا إذا كان الرجل يحب أحد أبنائه أكثر من الآخر وهذا أمر وارد فإنه لا يجوز أن يفضل هذا المحبوب على إخوانه بما لا يلزمه القيام به فمثلا لا يعطيه سيارة ولا يمنحه أرضا ولا يعطيه مالا دون إخوانه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما منح بشير بن سعد ابنه النعمان عطية فذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليشهده على هذا قال له (ألك بنون قال نعم يا رسول الله قال هل نحلتهم مثل هذا يعني أعطيتهم مثل هذا قال لا فقال اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) ما قال أيهما أحب إليك ومن أحببت فانحله دون الآخرين فالمهم أن الحب بيد الله كما قالت السائلة ولا يمكن للإنسان دفعه ولا زيادته ولا نقصه لكن لا يجوز أن يكون لهذا الحب أثر في مخالفة أمر الله ورسوله أما ثناؤها على أبيها فأبوها غفر الله له وجزاه خيرا على ما صنع إليها من معروف وأحسن شيء تهدي إليه أن تدعو له لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) فلتكثر من الاستغفار له والدعاء ولتكرم صديقه إذا كان له صديق ولتصل الرحم التي هو الصلة بينها وبينهم.
***

هذا السائل أحمد من القاهرة يقول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فضيلة الشيخ أنا طالبٌ في السنة النهائية بكلية الطب البشري ولكنني لم أحضر الامتحانات لمدة عامين وذلك لأنني في الأصل التحقت بهذه الكلية بناءً على رغبة والديّ فهما يريدان مني أن أصبح طبيباً ولكنني لا أحب هذه المهنة وكنت أجد صعوبة بالغة في الدراسة والحفظ وكنت دائماً مكتئباً وحزيناً وأنا أرى المرضى والموتى ولكنني كنت أجاهد نفسي وأغصبها على الدراسة إرضاءً لوالدي وبراً بهما مستعيناً بالله عز وجل في ذلك إلى أن وصل الأمر إلى نهايته في السنة الخامسة فأصبت بحالة اكتئابٍ شديد ويأسٍ من الحياة ولم أعد أستطيع المواصلة ولم أعد قادراً على المذاكرة والنظر في الكتب والمذكرات ولكنني كنت أخفي على والديّ ذلك ولم أستطع دخول الامتحانات ولكنني لم أستطع كذلك أن أخبرهم بأنني لم أدخل الامتحانات وذلك خوفاً على صحتهما ولكي لا أكون سبباً في حزنهما اضطررت إلى الكذب عليهما وأخبرتهما بأنني دخلت الامتحانات ونجحت فيها وأنا الآن أقضي سنة التدريب السؤال يا فضيلة الشيخ أنا أعيش في حالة حزنٍ واكتئاب وغير راضٍ عن نفسي في هذا الكذب الذي أردت به أن أبر والدي وأدخل السرور عليهما فهل أخبرهم بالحقيقة مع ما يترتب عليه من ضررٍ لهما وحزن وفجيعة وهل من كلمة إلى أولياء الأمور بأن يتفهموا قدرات أبنائهم وأن لا يجبروهم على دراسةٍ بعينها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أقول بارك الله تعالى في هذا الولد وجعله باراً بوالديه وهو نيته طيبة لكن عمله سيئ أما نيته فإنه كذب على والديه درءاً لما قد يحصل لهما من المرض أو الاكتئاب أو نحو ذلك ولإدخال السرور عليهما وهذا حسن لكن كذبه سيئ بلا شك فعليه أن يتوب إلى الله تعالى من هذه الكذبة ولا يعود ولا حاجة لأن يخبر بوالديه بالواقع ما دام الأمر قد فات فليجعله على ما هو عليه وليحاول بقدر الاستطاعة أن يتم دراسته فلعل الله تعالى يجعل فيها بركة حيث قام بها إرضاءً لوالديه ومن فعل شيئاً لله أعانه الله عليه أما نصيحتي للأولياء فنصيحتي لهم أن يدعوا أبناءهم وبناتهم على ما يحبون أن يتجهوا إليه فالولد ذكراً كان أم أنثى أعلم بنفسه وأعلم بما يستريح له من العلوم إلا إذا اختار الولد ذكراً أو أنثى علوماً ضارة في دينه أو دنياه فحينئذٍ لا بأس أن يعارضوه وأن يشيروا عليه بتركه وأن يضغطوا عليه حتى يتركه لأن في ذلك نهياً عن المنكر ودرءاً للمفسدة.
***
تقول هذه السائلة من عسير لنا جدٌ كبير في السن سيئ الخلق فنحن نخاف الله إذا تركناه يجلس لوحده وإذا جلسنا معه يتكلم بكلام بذئ جداً لا يتناسب مع من هو في سنه وإذا أردنا السلام عليه فإنه يفعل ما لا يليق به ودائم الشك فهل نأثم في فعلنا معه وامتناعنا عن التحدث درءاً للمفاسد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما الجلوس إليه وإدخال السرور عليه فهذا من الأمور المحمودة ومن بره وأما التحدث معه فإذا كان التحدث معه يفضي إلى أن يتكلم بكلامٍ بذئ محرم فلا تتكلموا معه واكتفوا بالسلام وكيف أنت يا والدنا وما أشبه ذلك وإن شيءتم فاستمروا معه في الكلام ثم إن تكلم بكلام لا يليق انصحوه.
***
يقول هذا السائل رجلٌ عنده أولادٌ كبار موظفين وهو كبيرٌ في السن ويسكن في البر هل يصح لأحد الأبناء أن يأخذ والدته عن أبيه ويتركه وحيداً؟