ج 04.doc

تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : فتاوى نور على الدرب النصية
المؤلف : فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله.
الناشر (مصدر الكتاب): مؤسسة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين الخيرية
الطبعة :.الإصدار الأول[1427-2006]
عدد الأجزاء : قرص واحد
تنسيق :فاعل خير.
[
الكتاب ]

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا كلام مسجوع معناه صحيح لكن لا حاجة إليه يكفي عنه أن يقول القائل اللهم يسرنا لليسرى وجنبنا العسرى واغفر لنا في الآخرة والأولى ومن المعلوم أن الله عز وجل قادر على أن يجعل السهل صعبا والصعب سهلا لأنه على كل شيء قدير فبهذه المناسبة أنصح إخواني الحريصين على الدعاء في الصلاة وفي أوقات الدعاء مثل الدعاء بين الأذان والإقامة وفي الدعاء في عرفة وفي الدعاء في مزدلفة أن يحرصوا أتم الحرص على الدعاء بما جاءت به السنة لأن الداعي بذلك أعلم الخلق بما يليق وبما ينفع من الدعاء فليتحروا الأدعية التي دعا بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الأحاديث الصحيحة أيضا لأن هناك أحاديث ضعيفة فيها أدعية غير صحيحة ويا حبذا لو أن إخواني طلبة العلم كتبوا ما تيسر من الأدعية الصحيحة الواردة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إما مطلقة وإما مقيدة في الصلاة أو في وقوف عرفة أو في الطواف أو في السعي لو فعلوا ذلك لحصل خير كثير في حفظ هذه السنن والبعد عن الأدعية الكثيرة المسجوعة التي لا خير فيها بل ربما تشتمل على أمور تخل بالعقيدة.
***
ما صحة هذا الحديث (إذا خرجت من منزلك فصل ركعتين تمنعانك من مخرج السوء وإذا دخلت إلى منزلك فصل ركعتين تمنعانك مدخل السوء)؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث غير صحيح ولا يعمل به لكن الإنسان مأمور إذا دخل بيته أن يتسوك أول ما يدخل ثم يسلم على أهله (لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان أول ما يبدأ به إذا دخل بيته أن يتسوك ثم يسلم على أهله) وقد قال الله تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) فحث الله تعالى على أن يكون لنا أسوة حسنة في رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن التأسي به أن نبدأ إذا دخلنا بيوتنا بالسواك.
***

(111/97)

ما معنى هذا الحديث وهل هو صحيح يقول (إذا خرج أحدكم من بيته فليقل بسم الله لا حول ولا قوة إلا بالله ما شاء الله توكلت على الله حسبي الله ونعم الوكيل)؟
الشيح: لا أعلم هذا الحديث واردا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
***
هل هناك دعاء معين مأثور لمن ركبته الديون حتى تقضى عنه ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا أعلم في ذلك حديثا خاصا لكن الإنسان يدعو الله عز وجل فيقول اللهم اقض عني الدين وأغنني من الفقر ويلح على ربه سبحانه وتعالى فإن الله يحب الملحين في الدعاء.
***
م ن من المدينة النبوية يقول أسأل عن هذا الدعاء هل هو وارد (اللهم يا من لا تراه العيون ولا يصفه الواصفون)؟

(111/98)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا هذا غلط هذا غلط عظيم لأنه إذا قال اللهم يا من لا تراه العيون وأطلق صار في هذا إنكار لرؤية الله تعالى في الآخرة وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة عيانا بأبصارهم كما يرون الشمس صحوا ليس دونها سحاب وكما يرون القمر ليلة البدر) وقد أنكر قوم رؤية الله عز وجل وقالوا إن الله لا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة وذلك بناء على عقولهم التي يعتمدون في إثبات الصفات لله عز وجل ونفيها عنه عليها أي على عقولهم وهذا خطأ عظيم أن يحكم الإنسان عقله في أمر من أمور الغيب لأن أمور الغيب لا يمكن إدراكها إلا بمشاهدتها أو مشاهدة نظيرها أو خبر الصادق عنها فتجدهم ينكرون رؤية الله ويحرفون كلام الله ورسوله بناء على عقيدتهم المبنية على العقل الفاسد لأن حقيقة تحكيم العقل أن يسلم الإنسان لما أخبر الله به ورسوله تسليما تاما فإن هذا مقتضى العقل ومقتضى الإيمان قال الله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) وهؤلاء المنكرون لرؤية الله تعالى في الآخرة لم يسلموا تسليما بل أنكروا ذلك وقالوا لا يمكن فقيل لهم سبحان الله النصوص واضحة في هذا في القرآن الكريم قال الله تعالى (وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة) ناضرة أي حسنة (إلى ربها ناظرة) أي تنظر إلى الله عز وجل وإضافة النظر إلى الوجوه يعني أنه بالعين لأن أداة النظر في الوجه هي العين فحرفوا الكلم عن مواضعه وقالوا (إلى ربها ناظرة) أي إلى ثواب ربها ناظرة وهذا تحريف زادوا في الآية كلمة كما زادت بنو إسرائيل حرفا حين قيل لهم قولوا حطة فقالوا حنطة وقيل لهم إن الله سبحانه وتعالى يقول (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار)

(111/99)

وهذه الآية تدل على ثبوت أصل الرؤية لأن معنى لا تدركه أي تراه ولا تدركه لأنه أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته والعجب أنهم يستدلون بهذه الآية على نفي الرؤية وهي حجة عليهم وقيل لهم إن موسى عليه الصلاة والسلام قال (رب أرني أنظر إليك) ولو كانت الرؤية ممتنعة على الله عز وجل لكانت غير لائقة به وموسى أحد الرسل أولي العزم لا يمكن أن يسأل الله مالا يليق به أبدا مستحيل قالوا إن الله قال له (لن تراني) نعم قال (لن تراني) يعني في الدنيا لن تثبت لرؤيتي ولهذا ضرب الله لهم مثلا فقال (انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا) اندك الجبل ساوى الأرض حينئذ خر موسى صعقا مما رأى فيكون بهذه الآية التي استدلوا بها على نفي الرؤية دليل عليهم والحمد لله وقيل لهم إن الله تعالى يقول في الفجار (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) وجعل هذا عقابا عليهم ولو كان الأبرار لا يرونه لاستوى في هذا الحكم الفجار والأبرار ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله إن الله لم يحجب هؤلاء عنه في حال الغضب إلا وقد أذن للأبرار أن يروه في حال الرضا أو كلمة نحوها وهذا استدلال جيد وقيل لهم إن الله تبارك وتعالى قال (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) وقد فسر أعلم الخلق بكلام الله وأنصح الخلق لعباد الله وأفصح الخلق فيما يقول قال (إن الزيادة هي النظر إلى وجه الله) وقيل لهم إن الله تعالى قال (لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد) وقد فسر المزيد بأنه النظر إلى وجه الله كما فسر به النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة، وقيل لهم إن الله تعالى قال (فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون (34) على الأرائك ينظرون) وحذف المفعول ليعم كل نظرة يستمتعون بها ويتلذذون بها وأجلها رؤية الله عز وجل فهم ينظرون الرب عز وجل وينظرون ما أعد الله لهم من

(111/100)

النعيم وينظرون الكفار الذين كانوا في الدنيا يضحكون بهم وإذا مروا بهم يتغامزون، وقيل لهم إن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أعلم الخلق بالله وأنصحهم لعباد الله وأفصحهم في المقال وأسدهم في القول قال (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته فإذا استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا) وأخبر أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة عيانا بأبصارهم كما يرون الشمس صحوا ليس دونها سحاب، فانظر إلى هذا التثبيت والتقرير والتوكيد لرؤية الله عز وجل بضرب هذه الأمثلة التي لا يشك فيها أحد الشمس في حال الصحو ليس معهاسحاب لا يشك أحد في رؤيتها والقمر ليلة البدر لا أحد يحتجب عنه رؤيته كل يراها ولهذا أجمع الصحابة رضي الله عنهم وأئمة الأمة على ثبوت رؤية الله عز وجل في الآخرة لم يرد عن أحد منهم أنه نفى ذلك أبدا وأدنى ما يقال لهؤلاء ائتوا إلينا لنجلس في أحد المساجد ولندعو الله عز وجل فنقول اللهم من أنكر رؤيتك في الآخرة فاحرمه منها يا رب العالمين لا أظن أن يثبت لهم قدم على ذلك أبدا لن يصبروا أن يأتوا ويدعوا الله عز وجل بهذا الدعاء مما يدل على أن إيمانهم بانتفاء الرؤية ليس إيمانا عن يقين، والخلاصة أن رؤية الله سبحانه وتعالى ثابتة بالقرآن والسنة وإجماع السلف ونسأل الله تعالى لمن أنكرها أن يهديهم إلى الحق حتى يلقوا الله عز وجل وهم مؤمنون بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومتبعون للصحابة رضي الله عنهم في هذه المسألة البينة الواضحة.
***
هل كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحيي ليلتي العيدين بالقيام أو قراءة القرآن وهل يوجد حديث للترغيب في قيام هاتين الليلتين.

(111/101)

فأجاب رحمه الله تعالى: فيهما أحاديث ضعيفة في فضل إحيائهما وأما من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يكن يفعل ذلك لم يكن يحيي الليل وما قام الليل كله إلا في ليالي العشر الأخيرة من رمضان رجاء لليلة القدر فإنه (كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل العشر أحيا الليل كله).
***
هل من أجر لمن يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وأنه يوقى من فتنة القبر كما جاء في الحديث؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا أعلم في هذا حديثا صحيحا والإنسان موته ليس باختياره فإذا مات يوم الجمعة فليس من كسبه أو يوم الاثنين فليس من كسبه قال الله تبارك وتعالى (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت) فالإنسان يجهل بأي أرض يموت هل في بلده أو في بلد آخر هل هو داخل مملكته أو خارج مملكته كذلك أيضا لا يدري متى يموت لأن علم الموت كعلم الساعة مجهول هو عند الله تعالى وحده فإذا كان كذلك فمات الإنسان في أي يوم فإن موته في أي يوم الجمعة أو الاثنين أو الخميس أو غيره أو غيرها ليس من كسبه حتى يثاب عليه لكن إن ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك حديث فالواجب الإيمان به والتسليم له.
***
م س يقول ما صحة هذا الحديث (إن لله في كل يوم وليلة مائة وعشرين رحمة تنزل على هذا البيت ستون للطائفين وأربعون للمصلىن وعشرون للناظرين إليها أي إلى الكعبة)؟

(111/102)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والنظر إلى الكعبة ليس بعبادة بل النظر إلى الكعبة إن قصد الإنسان بذلك أن يتأمل هذا البناء المعظم الذي فرض الله على عباده أن يحجوا إليه وأزداد بهذا التفكير إيمانا صار مطلوبا من هذه الناحية وأما مجرد النظر فليس بعبادة وبهذا يتبين ضعف قول من يقول إن المصلى يسن له إذا كان يشاهد الكعبة أن ينظر إليها دون أن ينظر إلى موضع سجوده فإن هذا القول ضعيف لأنه ليس عليه دليل ولأن الناظر إلى الكعبة والناس يطوفون حولها لابد أن ينشغل قلبه والسنة للمصلى أن ينظر إلى موضع سجوده إلا في حال التشهد فإنه ينظر إلى موضع إشارته أي إلى إصبعه وهو يشير بها وكذلك الجلوس بين السجدتين فإنه يشير بإصبعه عند الدعاء فينظر إليه.
***
محمد حسن من اليمن يقول هل الأذان في أذن المولود والإقامة في أذنه الأخرى سنة أم لا وما صحة الأحاديث في هذا الأمر؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما حديث الإقامة في اليسرى فإنه ضعيف وأما حديث الأذان في أذنه اليمنى فلا بأس به على أن فيه مقالا أيضا ولكن هذا يكون حين الولادة مباشرة قال العلماء والحكمة في ذلك أن يكون أول ما يسمعه الأذان الذي هو النداء إلى الصلاة والفلاح وفيه تعظيم الله وتوحيده والشهادة لنبيه صلى الله عليه وسلم بالرسالة.
***
ما صحة هذا الحديث (من صلى علي يوم الجمعة ثمانين مرة غفرت ذنوبه)؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ليس بصحيح
***
قولهم (اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت) هل ورد فيه حديث؟

(111/103)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا ورد أيضا لكنه أعل بالإرسال لأنه عن أحد التابعين عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو معاذ بن زهرة وهو تابعي فالحديث مرسل وعند علماء الحديث أنه إذا كان الحديث مرسلا -يعني- رفعه التابعي أو الصحابي الذي لم يسمع من الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يكون منقطعا فلا يحكم بصحته حتى يعلم من الواسطة بين هذا الرجل وبين النبي صلى الله عليه وسلم.
***
ليلى الغامدي من الباحة تقول أسأل عن هذا الحديث عن أنس رضي الله عنه قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من صلى علي في يوم ألف مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة) هل هذا الحديث صحيح؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ليس بصحيح ولكن لاشك أن الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خير للمرء فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر (أن من صلى عليه مرة واحدة صلى الله عليه بها عشر) فأكثر من ذكر الله وأكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإن ذلك خير قال الله تبارك وتعالى(إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (190) الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم).
***
أيمن عبد المنعم من مصر يقول سمعت حديثا ينص على أن الصلاة لابد وأن يقابلها متعة من الفرد وسعادة فإن لم يكن كذلك فإن أبواب السماء تغلق لتلك الصلاة هل هذا صحيح؟

(111/104)

فأجاب رحمه الله تعالى:هذا الحديث ليس بصحيح لكنه لا شك أن الإنسان الذي تكون صلاته متعة له وقرة عين له فإن له حظا كبيرا مما كان عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم (حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة) فإذا دخل الإنسان في صلاته وأعتقد أنه يناجي ربه وأن حياته في الحقيقة هي ما أمضاه في طاعة الله وأن هذا هو عمره الحقيقي فإنه لا شك أن الصلاة ستكون قرة عينه وراحة نفسه وأنه سيألفها وإذا سلم منها انتظرها مرة أخرى وأنه يجد بعد ذلك نورا وسعادة وانتهاء عن المنكر والفحشاء كما قال الله تبارك وتعالى (اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) أما من فرط فيها وأضاعها وثقلت عليه وكان من حين ابتدائه بها إلى أن ينتهي وقلبه يفكر ويدور يمينا وشمالا فإن الصلاة ستكون شاقة عليه وسوف يخرج منها كخروج الهارب من السبع ولا يرى أنه اغتنم هذا الوقت الذي كان يصلى فيه وأنه هو عمره الحقيقي ولهذا أقول إنه ينبغي للإنسان إذا قام إلى الصلاة أن يستشعر عظمة من قام بين يديه وأن يؤمن إيمانا كاملا بأنه تبارك وتعالى يعلم ما توسوس به نفسه وأن يحرص غاية الحرص أن يجمع قلبه على ما يقول ويفعل في صلاته وألا يذهب يجول يمينا وشمالا وإذا حدث له ذلك فهنا الدواء الناجع الذي وصفه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لرجل من أصحابه شكا إليه أنه إذا دخل في الصلاة يوسوس يعني يفكر يمينا وشمالا (فأمره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا وجد ذلك أن يتفل عن يساره ثلاثا ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم قال الرجل ففعلت ذلك فأذهب الله عني ما أجد) نسأل الله أن يعيننا جميعا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
***

(111/105)

يقول السائل سمعت حديثا شريفا (أن الشهداء خمسة وذكر منهم المبطون) فمن هم الباقون إن كان الحديث صحيحا وما معنى المبطون؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث صحيح رواه البخاري ومسلم وغيرهما والباقون هم المطعون ، والغريق ، وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله، ولكن هذه الشهادة تختلف أحكامها في الدنيا فإن الشهيد في سبيل الله لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه وإنما يدفن في ثيابه التي استشهد فيها بخلاف هؤلاء الأربعة -يعني- يجب تغسيلهم وتكفينهم والصلاة عليهم والمبطون: هو الذي أصيب بداء البطن بمعنى أنه يكون فيه إسهال أو وجع في بطنه ومنه ما يسمى بالزائدة إذا انفجرت وما أشبه ذلك فكل أدواء البطن التي تكون سببا للموت فإنها داخلة في قوله صلى الله عليه وسلم (المبطون) لا سيما التي يكون الموت فيها محققا عاجلا.
***
تقول السائلة أم عبد الرحمن من اليمن هل هذا الكلام من الحديث النبوي:( أبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما وأحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما)؟

(111/106)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا روي حديثا لكنه لا يصح أما معناه فصحيح يعني أنه لا ينبغي للإنسان أن يفرط في الحب فإنه ربما كان هذا الحبيب يوما من الأيام بغيضا لك ومن المعروف أن الإنسان إذا أفرط في الحب أفضى إلى حبيبه بكل ما عنده من سر وأخبره بكل حالاته فإذا قدر أنه صار بغيضا له يوما من الأيام فإن هذا البغيض سوف يفشي سره ويبينه للناس ثم إن المحبة المفرطة غالبا ما تفضي إلى بغض مفرط لأن المحبة المفرطة توجب لصاحبها أن يكون حساسا بالنسبة إلى حبيبه فيغار إذا رأى أحدا إلى جنبه أو أحدا يكلمه أو ما أشبه ذلك وتكون الحبة عنده من هذا الحبيب قبة وحينئذ لقوة الغيرة والمحبة تنقلب هذه المحبة بغضاء وكذلك بالعكس قد يبغض الرجل الإنسان بغضا شديدا ثم يقلب قلبه مقلب القلوب فيحبه بعد ذاك حبا شديدا لهذا لا ينبغي للإنسان أن يفرط في المحبة ولا في البغضاء فإن قال قائل المحبة لا يملكها الإنسان والبغض أيضا لا يملكه الإنسان يعني لا يملك أن يجعل محبته خفيفة أو ثقيلة أو بالعكس فالجواب أن الأمر كذلك ولكن يجب عليه أن يقلل من آثار هذه المحبة ومن آثار هذا البغض بحيث لا يسرف في الملازمة عند المحبة ولا في المباعدة عند البغضاء وهذا يمكن للإنسان أن يتصرف فيه وكذلك لا يسرف في بذل المال لمن أحبه ولا في تقديمه على نفسه وما أشبه ذلك من مقتضيات المحبة التي يمكن للإنسان أن يتصرف فيها.
***
هل إذا نظر شخص إلى سوءة أخيه بدون قصد يكون آثما كما في حديث(من نظر إلى سوءة أخيه المسلم فهو ملعون) ؟

(111/107)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث ضعيف ويرويه بعض الناس بلفظ (لعن الله الناظر والمنظور) ولكن لا يحل للرجل أن ينظر إلى عورة أخيه لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة) ويجب عليه إذا رأى أخاه كاشفا عورته يقضي حاجته مثلا يجب عليه أن يكف بصره ولا يحل له أن ينظر إليها لأن في ذلك امتهانا لأخيه وإثارة للفتنة فقد يصور له الشيطان هذه العورة بصورة ليست على ما هي عليه ويحصل بهذا فتنة للناظر والمنظور ولكن على الإنسان أيضا أن يحفظ عورته إلا من زوجته أو ما ملكت يمينه وعليه أن يلبس الثياب الساترة وبهذه المناسبة أود أن أنبه ما يفعله بعض الناس من لباس سراويل قصيرة تغطي نصف الفخذ ثم يلبس فوقها ثوبا شفافا لا يستره فإن ذلك حرام عليهم ولا تصح صلاتهم في هذا السروال القصير الذي ليس عليه إلا ثوب رهيف لأن الواجب على المصلى الرجل أن يستر ما بين السرة والركبة بثوب ساتر.
***
السائل يقول في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو عن ابن عباس باختصار الحديث (جاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقال للرسول إني تفلت مني القرآن فعلمه الرسول صلى الله عليه وسلم دعاء وصلاة أربع ركعات مخصوصة بقراءة) فذكر هذا الحديث مفصلا في الكتاب الصغير وروى هذا الحديث الترمذي ورواه الحاكم فهل هذا الحديث صحيح؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث ليس بصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا عبرة به ، لكن مما يعين على الحفظ ما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام في قوله (تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها) فأمر بتعاهده لئلا ننساه ، والتعاهد أن يكرر الإنسان تلاوته بحضور قلب فإذا كرر تلاوته بحضور القلب فهذا هو التعاهد فيكون ذلك معينا على بقاء القرآن وحفظ القرآن.
***

(111/108)

سمعت حديثا يقول (من كثر لغطه في مجلس فليقل بعد أن يقوم سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك تغفر خطاياه في ذلك المجلس)؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هذا أيضا حديث صحيح ينبغي للإنسان أن يختم مجلسه به لأنه كالطابع على المجلس (سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك).
***
ما صحة الحديث القدسي التالي يقول قال الله تعالى (إذا أطعت رضيت وإذا رضيت باركت وليس لبركتي نهاية)؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث بلفظه لا أعرف عنه شيئا لكن لا شك أنه إذا أطيع فإن طاعة الله سبحانه وتعالى سبب لرضاه ورضاه سبب لكل خير وبركة قال الله تبارك وتعالى (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا) وقال الله تعالى (ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب).
***
محمد أحمد من الأردن يقول أسأل عن صحة حديث نبوي سمعته من أحد الإخوة قبل أكثر من سنة فقد سمعته يقول بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (صلاة بعمامة خير من أربعين صلاة بدون عمامة) هل هذا حديث أم لا؟

(111/109)

فأجاب رحمه الله تعالى:هذا الحديث حديث باطل موضوع مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والعمامة كغيرها من الألبسة تتبع عادات الناس فإن كنت في أناس اعتادوا لبس العمامة فالبسها وإذا كنت في أناس لا يعتادون لبس العمامة وإنما يلبسون الغترة أو يبقون بلا شيء يستر رؤوسهم فافعل كما يفعلون فالعمامة ليست من الأمور المطلوبة شرعا لكنها من الأمور التابعة لعادات الناس والإنسان مأمور أن يلبس ما يلبسه الناس إلا إذا كان محرما لأنه إذا خالف الناس في لباسهم صار لباسه شهرة وقد (نهي عن لباس الشهرة) اللهم إلا إذا كان في بلد غريب وكان لباس أهل هذا البلد يخالف لباس هذا الرجل القادم إليهم فحينئذ لا بأس أن يبقى على لباسه في بلده لأن الناس يعرفون أن هذا رجل غريب وأنه لا غرابة أن يكون لباسه مخالفا للباسهم كما يوجد الآن عندنا ولا سيما في مكة والمدينة أناس يلبسون ثيابهم على الزي الذي كانوا عليه في بلادهم ولا أحد يستنكر ذلك وخلاصة القول أن نقول هذا الحديث الذي أشار إليه السائل حديث باطل موضوع مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم
ثانيا أن نقول لبس العمامة ليس سنة ولكنه خاضع لعادات الناس الذين يعيش بينهم هذا الرجل فإن كانوا يلبسون العمامة لبسها وإن كانوا لا يلبسونها لم يلبسها وأقول إن السنة موافقة الناس الذين تعيش فيهم في لباسهم ما لم يكن لباسا ممنوعا شرعا فإنه يجب اجتنابه عليك وعليهم ثم إني ذكرت أن الإنسان إذا قدم إلى بلد يخالف لباسهم لباس أهل بلده وهو معروف أنه غريب فلا حرج عليه أن يبقى على زي أهل بلده لأنه لا يعد ذلك شهرة.
***
(
عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) هل هذا حديث وإن كان حديثا فما درجته؟

(111/110)

فأجاب رحمه الله تعالى:هذا الحديث صحيح المعنى وإن كان في سنده ما فيه لكن تشهد له نصوص الكتاب والسنة فالخطأ معفو عنه معذور به الإنسان لقول الله تبارك وتعالى (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) قال الله قد فعلت وكذلك النسيان لهذه الآية وكذلك الإكراه لقول الله تبارك وتعالى (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) هذه نصوص عامة تشمل كل ما يقع من خطأ أو نسيان أو إكراه وهناك نصوص خاصة تبين ذلك أيضا فمنها ما ثبت في صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها وعن أبيها (أن الناس أفطروا في يوم غيم على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم طلعت الشمس ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالقضاء) لأنهم أفطروا عن ظن أخطؤوا فيه وكذلك (عدي بن حاتم رضي الله عنه كان يتسحر ويأكل وكان قد جعل تحت وساده عقالين أحدهما أسود والثاني أبيض وكان يأكل حتى تبين العقال الأبيض من العقال الأسود ثم أمسك فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يأمره بالقضاء) وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) وعلى هذا الخطأ والنسيان والإكراه كلها معفو عنها في هذه الشريعة الميسرة المسهلة نسأل الله تعالى أن يزيدنا تمسكا بها وثباتا عليها إلى الممات لكن ما نسي من الواجبات فإنه يقضى إذا لم يفت سببه فإذا نسي الإنسان أن يصلى فإنه يصلى إذا ذكر لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك ثم تلا قوله تعالى (وأقم الصلاة لذكري)).
***

(111/111)

ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم حديث معناه أن (من صلى صلاة الصبح في جماعة وجلس يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين فإن ذلك يعدل حجة وعمرة تامة تامة) هل هذا صحيح؟
فأجاب رحمه الله تعالى: مختلف في صحته لكن الإنسان إذا فعل ذلك راجيا ثواب الله فأرجو ألا يكون عليه في ذلك بأس.
***
ما صحة حديث (أول من يفتح باب الجنة أنا وأم اليتيم)؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما كونه صلى الله عليه وسلم هو أول من يستفتح باب الجنه فصحيح وأما كون أم اليتيم معه فلا أدري.
***
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من استطاع الحج ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا) مامعنى ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث في صحته نظر والمعنى إن صح الحديث أنه إذا مات فإنه يخشى أن يكون كافرا إما مع اليهود وإما مع النصارى.
***
يقول السائل ما صحة حديث (من تهاون بالصلاة عاقبه الله بخمس عشرة عقوبة)؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هذا مما ينشر أيضا وهو كذب لا أصل له ولا يجوز لأحد نشره إلا أن يكتب عليه مبينا أن هذا حديث موضوع مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فحينئذ يكون هذا من باب العلم وليكن تعليقه عليه بمحل لا يمكن أن يقص ويبقى الأصل المكذوب يعني بعض الناس لو علق مثلا وجعل مسافة بين تعليقه وبين الأصل المعلق عليه جاء بعض الناس وقص هذا التعليق وأبقى الأصل معلقا عليه وكما تعلم الآن أن آلات التصوير يمكن أن يتصرف فيها الإنسان على ما يشاء.
***
ما المراد بقول النبي صلى الله عليه وسلم عن افتراق الأمة (كلهم في النار إلا واحدة) وما هي الواحدة وهل الاثنتان والسبعون فرقة كلهم خالدون في النار؟

(111/112)

فأجاب رحمه الله تعالى: أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن اليهود افترقوا على إحدى وسبعين فرقة والنصارى افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وعلى الرغم من محاولة العلماء تعداد هذه الفرق فإنهم لم يصلوا إلى النتيجة إلا بتكلف والأولى أن نبهم ما أبهمه الرسول عليه الصلاة والسلام نقول ثلاث وسبعون فرقة وأما كيفية هذا الافتراق فإن ضبطه صعب جدا جدا وقوله (كلها في النار إلا واحدة) يشمل ما إذا كانت الفرقة التي حصلت مخرجة من الملة أو غير مخرجة لأن من الأعمال من توعد فاعله بالنار مع أنه لا يخرج من الإسلام مثل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) ومثل قوله تعالى (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) ومثل قوله صلى الله عليه وسلم (ما أسفل الكعبين ففي النار) يعني من الإزار وأما الواحدة الناجية فقد بينها الرسول عليه الصلاة والسلام بأنها من كانت على مثل ما عليه هو وأصحابه ومن تمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده فهو من الناجين والفرقة الناجية هي المنصورة إلى قيام الساعة سواء حصل منها قتال مع ضدها أم لم يحصل لأنها منصورة بظهور أمرها وسنتها وهذا ما يوحي به كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث قال في العقيدة الوسطية في أولها أما بعد فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة وعلى هذا فيجب على الإنسان أن يتحرى سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسنة الخلفاء الراشدين والصحابة المرضيين الذين قال الله تعالى عنهم: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين

(111/113)

اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه).
***
وجدت في تفسير ابن كثير حديثا يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم ما معناه (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) فهل هذا الحديث صحيح وما هي الفرقة الناجية من هذه الفرق الضالة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث صحيح بكثرة طرقه وتلقي الأمة له بالقبول فإن العلماء قبلوه وأثبتوه حتى في بعض كتب العقائد وقد بين النبي عليه الصلاة والسلام (أن الفرقة الناجية هي الجماعة) الذين اجتمعوا على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من عقيدة وقول وعمل فمن التزم ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من العقائد الصحيحة السليمة و الأقوال والأفعال المشروعة فإن ذلك هو الفرقة الناجية ولا يختص ذلك بزمن ولا بمكان بل كل من التزم هدي الرسول عليه الصلاة والسلام ظاهرا وباطنا فهو من هذه الجماعة الناجية وهي ناجية في الدنيا من البدع والمخالفات وناجية في الآخرة من النار.
***
سألني أحد الزملاء في العمل عن صحة الحديث هذا نصه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي) فما مدى صحة هذا الحديث جزاكم الله خيرا.
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا حديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا يجوز للإنسان أن ينشره بين الناس لا بالكتابة ولا بالقول إلا إذا كان الحديث مشهورا بين الناس وأراد أن يتكلم ويبين أنه موضوع فهذا طيب وأما إذا لم يكن مشهورا بين الناس فالإعراض عنه أولى حتى لا ينتشر بين الناس وهو ليس صحيحا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
***
ما صحة الحديث الذي يقول (من تصبح بسبع تمرات لا يضره سحر ولا سم)؟

(111/114)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هذا حديث صحيح إذا تصبح الإنسان بسبع تمرات فإنه لا يصيبه ذلك اليوم سم ولا سحر ولكن في بعض ألفاظ الحديث أن هذه التمرات قيدت بتمر العجوة وفي بعضها قيدت بتمر العالية فمن العلماء من قال إنه يتقيد بهذا التمر وليس ذلك ثابتا لكل تمر ومنهم من أخذ بالحديث المطلق وهو أن أي تمر يتصبح به الإنسان فإنه إذا تصبح بسبع تمرات لا يصيبه في ذلك اليوم سم ولا سحر وعلى كل حال فالإنسان إذا أفطر بهذه السبع يعني تصبح بها فإن كان الحديث مطلقا حصل له ذلك وإن لم يكن مطلقا وكان مقيدا بتمر العجوة أو بتمر العالية فإن هذه السبع لا تضره ونحن قلنا أنه إذا كان التصبح بسبع تمرات ليس على الإطلاق فإنه لا يضره بناء على أن اللفظ المطلق يجب الأخذ بإطلاقه ويكون اللفظ المقيد إذا كان مطابقا للمطلق في حكمه ليس ذلك على سبيل القيد وإنما هو ذكر لبعض الأفراد بخلاف من أراد أن يتخذ شيئا سنة ولم يرد به نص فإنه لا يوافق على هذا ولكن هذا قد ورد فيه نص محتمل فنحن نقول ما دام النص محتملا فإن كان الإنسان بأكله التمرات السبع موافقا لما أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم فذاك وإن لم يكن موافقا فإنه لا يضره.
***
ما صحة حديث (الساعي على الأرملة والمسكين له أجر شهيد)؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا لا أعلم عنه لكن جاء في حديث آخر (الساعي على الأرملة والمساكين كالمجاهد في سبيل الله قال الراوي وأحسبه قال كالصائم لا يفطر وكالقائم لا يفتر).
***
ما صحة حديث (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)؟

(111/115)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا أعلم عن صحته بهذا اللفظ لكن لا شك أن التائب من الذنب إذا كانت التوبة نصوحا فإن هذا الذنب لا يؤثر عليه بل ربما يزداد إيمانا وعملا صالحا بعد التوبة ويكون بعد التوبة خيرا منه قبلها ألا ترى إلى قول الله تعالى (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون) وكل هذه من الكبائر العظيمة شرك وقتل نفس عمدا بغير حق وزنى ففيها اعتداء على حق الله بالشرك وعلى حق المخلوق بالنفس وعلى حق المخلوق بالعرض ومع ذلك يقول. يقول تعالى (ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا (69) إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما) ألا ترى إلى آدم حيث حصل منه ما حصل بأكل الشجرة التي نهاه الله سبحانه وتعالى عن أكلها قال الله تعالى (وعصى آدم ربه فغوى (121) ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) فحصل له الاجتباء والتوبة والهداية والتوبة من الذنوب واجبة وتجب المبادرة بها لئلا يحضر الإنسان أجله فلا تنفعه التوبة ويحسن بنا أن نذكر شروط التوبة النصوح فنقول التوبة النصوح لها خمسة شروط
الشرط الأول الإخلاص لله تعالى بها بحيث لا يحمله على التوبة الخوف من الناس أو مراءاة الناس أو الوصول إلى منصب أو ما أشبه ذلك فتكون توبته لله عز وجل فرارا من عقابه ورجاء لثوابه
الشرط الثاني الندم على ما وقع منه من الذنب بحيث يشعر في نفسه تحسرا وغما لما حصل منه حتى ينكسر قلبه لله عز وجل وتخضع نفسه لله وتذل لله عز وجل بندمه على ما صدر منه

(111/116)

الشرط الثالث الإقلاع عن الذنب فلا توبة مع الإصرار على الذنب بل التوبة مع الإصرار على الذنب نوع من السخرية فإذا أراد الإنسان مثلا أن يتوب من الربا ولكنه يمارس الربا مستمر عليه فإن دعواه التوبة منه كذب وهي إلى الاستهزاء بالله أقرب منه إلى تعظيم الله ولو أراد الإنسان أن يتوب من شرب الخمر ولكنه يمارس شرب الخمر فإن توبته لا تصح لأنه كيف يكون صادقا في توبته وهو يفعل الذنب أراد أن يتوب من غيبة الناس ولكنه يغتابهم فالتوبة لا تصح لأنه لا بد أن يقلع عن الذنب أراد أن يتوب من غصب أموال الناس وأموالهم عنده ولم يردها عليهم فكيف تصح توبته
الشرط الرابع العزم على أن لا يعود في المستقبل يعني بأن ينطوي قلبه على أنه لا يعود إلى هذا الذنب أبدا فإن قال إنه تائب وهو بنيته أنه متى سنحت له فرصة فعل هذا الذنب فإنه ليس بتائب بل لا بد من أن يعزم على أن لا يعود في المستقبل فإن عاد في المستقبل بعد أن عزم أن لا يعود فإن توبته الأولى لا تفسد لكن لا بد من تجديد التوبة
الشرط الخامس أن تكون قبل حضور الأجل فإذا بقي الإنسان مصرا على المعصية حتى حضره الأجل فتاب فإنه لا يقبل منه ذلك لقول الله تعالى (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن) وكذلك لا تصح التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها) فهذه الشروط الخمسة هي الشروط لكون التوبة نصوحا مقبولة عند الله.
***
ما صحة الحديث القائل (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد الحديث) وما معنى ذلك مأجورين؟

(111/117)

فأجاب رحمه الله تعالى:هذا الحديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الحديث ومعناه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ينهى أن تشد الرحال للسفر إلى مساجد غير المساجد الثلاثة وهي المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والمسجد الأقصى الذي في فلسطين وذلك لأن هذه المساجد الثلاثة لها من المزية والفضل ما ليس لغيرها فالصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وأخرج مسلم هذا الحديث من طريق آخر بلفظ (إلا مسجد الكعبة) أما المسجد الحرام وهو مسجد الكعبة فالصلاة فيه بمائة ألف صلاة والمسجد الأقصى الصلاة فيه بخمسمائة صلاة وهذه المزية ليست للمساجد الأخرى فلا تشد الرحال إليها وإذا كانت المساجد وهي بيوت الله لا تشد الرحال إليها بقصد مكانها إلا هذه المساجد الثلاثة فغير ذلك من باب أولى فلا تشد الرحال إلى المقابر ليعبد الله هناك وأشد من ذلك وأقبح أن يعتقد الإنسان أن للعبادة حول القبور أو بين القبور مزية على غيرها وليعلم أنه ليس من شد الرحل المنهي عنه أن يشد الرحال إلى بلد لطلب العلم أو طلب الرزق أو لأجل أن يحضر خطبة ينتفع بها أكثر من الخطب التي تلقى في بلده فإن هذا ليس شدا للرحل إلى المسجد ولكنه شد رحل إلى العلم وشد الرحل إلى العلم أمر مطلوب لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة) وقد التبست على بعض الناس هذه المسألة فظنوا أن الرجل إذا ذهب من بلد إلى آخر من أجل أن يستمع إلى خطبة الخطيب في المسجد الذي شد الرحل إليه داخل في هذا النهي وليس الأمر كذلك بل هذا كما قلت شد رحل إلى العلم وشد الرحل إلى العلم لا يدخل فيما نهي الرسول عليه الصلاة والسلام من شد الرحل إلى الأماكن.
***

(111/118)

المستمع حمود بن سليمان الجهني من المدينة المنورة يقول فضيلة الشيخ وجدت في أحد الكتب وفي أحد المساجد حديث من أدى فريضة في رمضان فذلك يعادل سبعين فريضة ومن أدى نافلة كمن أدى فريضة وفيما سواه ومن أفطر يوما من رمضان متعمدا لم يقبل منه القضاء ولو صام الدهر كله) وقرأت أن هذا الحديث ضعيف بينما أئمة المساجد يتحدثون بهذا الحديث بأنه صحيح وكذلك في الإذاعة فأرجو من فضيلة الشيخ إجابتي وإرشادي جزاكم الله خيرا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحديث المذكور كما ذكر الأخ السائل حديث ضعيف لكن بعض أهل العلم غفر الله لنا ولهم يتساهلون في الحديث إذا كان ضعيفا وهو في فضائل الأعمال ويقولون إن المقصود به الترغيب فإن كان صحيحا فهذا هو المطلوب وإن لم يكن صحيحا فإنه لا يضر لأنه يعطي الإنسان قوة في الطاعة إذا كان في الترغيب أو بعدا عن المعصية إذا كان في الترهيب ولكن القائلين بهذا يقولون لابد من ثلاثة شروط
الأول أن لا يكون الضعف شديدا
والثاني أن يكون لهذا الحديث أصل صحيح مثل أن يرد حديث في فضل صلاة الجماعة وهو ضعيف فهذا له أصل لأن الشرع حث على صلاة الجماعة
والثالث أن لا يعتقد صحته إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا ينسبه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بصيغة الجزم بل يقول يروى أو يذكر أو ما أشبه ذلك لكن بعض العلماء المحققين قالوا لا يجوز رواية الضعيف وإلقاؤه بين الناس سواء تمت فيه هذه الشروط أم لم تتم وذلك لأن في ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم كفاية وهذا أقرب إلى الصواب لأن الباب الأول لو فتح لم يميز الناس بين الضعيف الشديد الضعف والضعيف الخفيف الضعف ولتعلق الناس بأحاديث ضعيفة وحفظوها في صدورهم وأصبحت كالعقيدة عندهم وفي ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضائل الأعمال كفاية.
***
من جدة المستمع أبو زاهر يقول هل هذا حديث (صوموا تصحوا )؟

(111/119)

فأجاب رحمه الله تعالى: أي نعم هو حديث لكنه ضعيف فلا عمل عليه.
***
ماصحة هذا الحديث (رحم الله امرأ عرف قدر نفسه )هل له أصل وهل هو وراد في الأحاديث
فأجاب رحمه الله تعالى: لا أعلم له أصلا لكن معناه صحيح لأن الإنسان إذا عرف قدر نفسه خضع لربه وقام بعبادته وعرف أنه لا غنى له عن ربه طرفة عين وإذا عرف نفسه عرف قدره بين الناس فتحمله هذه المعرفة على أن لا يتكبر عليهم ولا يحتقرهم لأن الكبرياء من كبائر الذنوب وغمط الناس من الأمور المحرمة ولهذا لما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الكبر قالوا يا رسول الله كلنا يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا فقال عليه الصلاة والسلام (إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس) فبطر الحق يعني رده وغمط الناس يعني احتقارهم وازدراءهم فإذا عرف الإنسان قدر نفسه عرف منزلته بين الناس ونزل نفسه منزلتها فتواضع لخلق الله عز وجل ومن تواضع لله رفعه الله
***
سمعت حديثا في المذياع (أن أناسا يأتون يوم القيامة بحسنات مثل الجبال فيمحوها الله قيل من هم يا رسول الله قال هم الذين إذا خلو بمحارم الله انتهكوها) فكيف يمكن الجمع بين هذا الحديث وبين الحديث (كل أمتي معافى إلا المجاهرين)؟

(111/120)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث الذي ذكره لا أعلم ما حاله ولا أدري عنه لكن ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال( من تعدون المفلس فيكم قالوا من لا درهم عنده ولا دينار أو قالوا ولا متاع فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما المفلس الذي يأتي يوم القيامة بحسنات مثل الجبال فيأتي وقد ظلم هذا وشتم هذا وضرب هذا وأخذ مال هذا فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن بقي من حسناته شيء وإلا أخذ من سيئاته فطرح عليه ثم طرح في النار) هذا هو الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أما ما ذكره السائل فلا أعلم عن حاله وأما (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) فنعم كل الأمة معافاة إلا المجاهر في المعصية فيأتي بها جهارا أمام الناس أو أتى بها سرا ثم جعل يحدث بها لأن الإنسان لا يجوز له الجهر بالمعصية لا سرا ولا جهرا فإذا فعلها سرا وستر الله عليه فإنه لا ينبغي أن يكشف ستر الله بل يتوب الى الله عز وجل فيما بينه وبين ربه ويكون ذلك اسلم لعرضه وأبرأ لسمعته.
***
ما صحة حديث (من شغله القرآن عن مسألة الله أعطاه الله أفضل مما يعطي السائلين)؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا أيضا ضعيف (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين) لأن مسألة الله تعالى من عبادته كما قال الله تعالى (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) فالإنسان مأمور بالذكر ومأمور بالدعاء ولا يغني أحدهما عن الآخر.
***
ورد في معنى الحديث (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب) ما صيغة ذلك الاستغفار فضيلة الشيخ؟

(111/121)

فأجاب رحمه الله تعالى: أولا هذا الحديث ضعيف ولكن معناه صحيح لأن الله تعالى قال (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله) وقال تعالى عن هود (ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين) ولا شك أن الاستغفار سبب لمحو الذنوب وإذا محيت الذنوب تخلفت آثارها المرتبة عليها وحينئذ يحصل للإنسان الرزق والفرج من كل كرب ومن كل هم فالحديث ضعيف السند لكنه صحيح المعنى.
***
ماصحة حديث (من كتم علما ألجمه الله بلجام من نار) نرجو التفصيل وكيف يكون الكتمان؟

(111/122)

فأجاب رحمه الله تعالى: كتمان العلم يكون بإخفائه حين تدعو الحاجة إلى بيانه والحاجة التي تدعو إلى بيان العلم بالسؤال إما بلسان الحال وإما بلسان المقال فالسؤال بلسان الحال أن يكون الناس على جهل في دين الله بما يلزمهم في الطهارة في الصلاة في الزكاة في الصيام في الحج في بر الوالدين في صلة الأرحام فيجب حينئذ بيان العلم أو بلسان المقال بأن يسألك إنسان عن مسألة من مسائل الدين وأنت تعرف حكمها فالواجب عليك أن تبينها ومن كتم علما مما علمه الله فهو على خطر عظيم قال الله تعالى (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (159) إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم) وقال تعالى (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه) وليعلم طالب العلم أنه كلما بين العلم ازداد هذا العلم فإن العلم يزيد بزيادة نفسه قال الله تعالى (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم).
***
ما مدى صحةحديث (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم)وما معناه ؟

(111/123)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث صحيح (إن الله تعالى تجاوز عن هذه الأمة ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم) وهو شامل لكل شيء لأن حديث النفس لا يستقر فإن استقر في القلب واطمأن الإنسان إليه واعتقده صار عملا لكنه عمل القلب ليس عمل جوارح أما مجرد حديث النفس مثل الوساوس والهواجيس التي لا يركن إليها الإنسان ولا يعتمدها ولا يعتقدها ولا يقر بها فإن الإنسان لا يؤاخذ عليها وهذا من تخفيف الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة لأن الإنسان لا يخلو أحيانا من مثل هذه الأحاديث النفسية.
***
(
من شرب الخمر فقد كفر بما أنزل الله تعالى على أنبيائه ومن سلم على شارب الخمر أو صافحه أحبط الله تعالى عمله أربعين سنة)هل هذا حديث؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا ليس بحديث ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم لكن شرب الخمر محرم بإجماع المسلمين الاجماع الذي ينبني على الكتاب والسنة فقد قال الله عز وجل (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون*إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون) وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (كل مسكر حرام) وأنه قال (ما أسكر من الفرق أي الإناء الواسع الكبير فملء الكف منه حرام) و (ما أسكر كثيره فقليله حرام) فلا يجوز للإنسان شرب الخمر بإجماع المسلمين المبني على الكتاب والسنة وقد ورد التحذير من شربه بأن من شربه في الدنيا لم يشربه في الآخرة وأما السلام على شارب الخمر فإنه ينظر فيه فإن كان هجره سببا لصلاحه وتركه الخمر فليهجر وإن كان لا يستفيد من الهجر شيئا بل ربما يزداد في طغيانه فإنه لا يهجر.
***

(111/124)

( إذا كنت في صلاة فدعاك أبوك فأجبه وإن دعتك أمك فأجبها) هل هذا حديث؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا ليس بحديث ولكنه حكم من الأحكام فإذا دعا المصلى أبوه أو أمه فإن كان في صلاة فريضة فإنه لا يجوز له أن يجيبهما بالكلام أو بعبارة أعم فإنه لا يحل له أن يجيبهما بما تبطل به الصلاة لأن صلاة الفريضة يجب إتمامها اللهم إلا أن يضطر إلى ذلك لإنقاذهم من هلكة فحينئذ يجب عليه أن يقطع الصلاة ويقوم بما يجب وأما إذا كانت الصلاة نافلة ودعاه أبواه أو أحدهما فإنه ينظر إن كان يخشى إذا لم يجبهما أن يقع في نفوسهما شيء فليجب وليستأنف الصلاة بعد ذلك وإذا كان يعرف أن أبويه إذا علما أنه يصلى لم يكن في نفوسهما شيء فليعمل ما يبين لهما أنه في صلاة حتى يعذراه مثلا لو ناداه أبوه أو أمه وهو يصلى فتنحنح أو رفع صوته بالقراءة حتى يعلم أبوه أو أمه أنه في صلاة فيقتنعا بذلك لكن بعض الوالدين لا يقتنع بهذا حتى ولو كان أبنه في صلاة فإنهما يريدا منه أن يجيبهما وفي هذه الحال كما قلت يقطع صلاته ويجيب دعوتهما.
***
م. ع. ج. تقول ما معنى هذا الحديث (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لأخرتك كانك تموت غدا)؟

(111/125)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا القول المشهور لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو من الأحاديث الموضوعة ثم إن معناه ليس هو المتبادر إلى أذهان كثير من الناس من العناية بأمور الدنيا والتهاون بأمور الآخرة بل معناه على العكس وهو المبادرة والمسارعة في إنجاز أعمال الآخرة والتباطؤ في إنجاز أمور الدنيا لأن قوله اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا يعني أن الشيء الذي لا ينقضي اليوم ينقضي غدا والذي لا ينقضي غدا ينقضي بعد غد فاعمل بتمهل وعدم تسرع لو فات اليوم فما يفوت اليوم يأتي غدا وهكذا أما الأخرة فاعمل لأخرتك كأنك تموت غدا أي بادر بالعمل ولا تتهاون وقدر كأنك تموت غدا بل أقول قدر كأنك تموت قبل غد لأن الإنسان لا يدري متى يأتيه الموت وقد قال ابن عمر رضي الله عنهما (إذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك) هذا هو معنى هذا القول المشهور إذا فالجواب أن هذا لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن معناه ليس كما يفهمه كثير من الناس من إحكام عمل الدنيا وعدم إحكام عمل الآخرة بل معناه المبادرة في أعمال الآخرة وعدم التأخير والتساهل فيها وأما أعمال الدنيا فالأمر فيها واسع ما لا ينقضي اليوم ينقضي غدا وهكذا.
***
هدى من الطائف تقول فضيلة الشيخ تسأل هل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث الشريف(أنت مع من أحببت) وإذا ثبت فكيف نكون مع الأنبياء والشهداء الذين نحبهم وقد فضلوا علينا كثيرا ونحن أقل منهم في العمل وفي الفضل وفي المنزلة بكثير جدا أرجو بهذا توجيهي مأجورين؟

(111/126)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم فقال النبي عليه الصلاة والسلام( المرء مع من أحب) والمعية لا تقتضي المساواة المعية تدل على مطلق المصاحبة ولا يلزم أن يكون مساويا له في الدرجة وفي الأجر والثواب أرأيت لو قلت فلان مع فلان في الحجرة لكن أحد الرجلين يجلس على كنب مستريحا وتقدم له الأكلات الطيبة الشهية والآخر يجلس على حصير وتقدم له أكلات مناسبة فهنا هما معا في مكان واحد لكن يختلف كل واحد عن الآخر فإذا كان المرء مع من أحب فالمعنى أنه معهم مصاحب لهم ولكنه لا يلزم من هذه المصاحبة والمعية أن يكونوا سواء في الثواب.
***
مامعنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم (فضل العالم على الجاهل يوم القيامة كفضلي على سائر الناس)؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الظاهر لي أن هذا الحديث ضعيف ولكن لا شك أن العالم لا يساويه الجاهل بأي حال من الأحوال لقول الله تعالى (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) وقوله تعالى (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير) أما أن يفضله بهذا المقدار المعين فإن الحديث في ظني ضعيف ولم أكن أحرره والله أعلم.
***
عودة مرعي يعمل بالاتصالات السعودية يقول قرأت في كتاب مختار الأحاديث النبوية تأليف السيد أحمد الهاشمي رحمه الله حديثا رواه ابن ماجه (من باع دارا ولم يجعل ثمنها في مثلها لم يبارك له فيها أو لم يبارك له فيه) السؤال ما صحة هذا الحديث؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث شواهد الشريعة تدل على أنه ليس بصحيح لأن الإنسان إذا باع بيته فإنه يتصرف في ثمنه بما شاء لأنه ملكه سواء اشترى به بدله أو حج به أو بذله في إعانة على طلب العلم أو غير ذلك مما أباح الله له.
***

(111/127)

ع. ع. ف. من السودان أبو سليم تقول ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه وجد حلقة علم وحلقة ذكر فجلس في حلقة العلم فهل هذا صحيح وإن كان كذلك فكيف كان يذكر أولئك الذين كانوا في حلقة الذكر أو ماذا يقولون والرسول صلى الله عليه وسلم لم يمنعهم ولكنه فضل حلقة العلم وهل يعتبر هذا دليلا على أن حلق الذكر الجماعي بدعة مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إن كان صحيحا لم ينههم عن ذلك وإنما اجتنبهم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث لا أعلم صحته ولا أظنه يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن الاجتماع على العلم لاشك أنه من أفضل الأعمال لأن العلم نوع من الجهاد في سبيل الله فإن الدين إنما قام بالعلم والبيان والقتال لمن نابذه وعارضه ولم يخضع لأحكامه وأما الذكر فإن الاجتماع أيضا على الذكر لا بأس به ولكنه ليس الاجتماع الذي يفعله بعض الصوفية يجتمعون جميعا ويذكرون الله تعالى بصوت واحد أو ما أشبه ذلك إنما لو اجتمعوا على قراءة القرآن أو ما أشبه هذا مثل أن يقرأ أحد والآخرون ينصتون له ثم يديرون القراءة بينهم فهذا ليس فيه بأس ولا حرج فيه.
***
ماصحة هذا الحديث قال الرسول صلى الله عليه وسلم (من قرأ حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك)؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا ضعيف لا يصح.
***
هل هناك أحاديث واردة في سورة الواقعة بأنها تفرج عن الفاقة عند قراءتها في كل مساء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم ورد حديث لكنه ضعيف.
***
ما صحة الحديث: قال الرسول صلى الله عليه وسلم (من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا).
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا حديث ضعيف .
***
ما صحة هذا الحديث: (ألا أدلكم على كلمة تنجيكم من الشرك تقرؤون قل ياأيها الكافرون عند منامكم)؟

(111/128)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث لا يصح فلم يثبت استحباب قراءة يا أيها الكافرون عند المنام وأما كون هذه السورة إخلاصا فهو صحيح فإن فيها نفي عبادة غير الله ونفي التعبد بغير ما شرع الله قال الله تعالى (قل يا أيها الكافرون) (لا أعبد ما تعبدون* ولا أنتم عابدون ما أعبد*ولا أنا عابد ما عبدتم*ولا أنتم عابدون ما أعبد*لكم دينكم ولي دين) ففي هذه الآية البراءة من الشرك وأهله وهذا خالص التوحيد ولهذا تسمى هذه السورة مع سورة قل هو الله أحد سورتي الإخلاص لأن في هذه السورة قل يا أيها الكافرون إخلاص العبادة وفي قل هو الله أحد إخلاص المعبود.
***
ماصحة هذا الحديث قال الرسول صلى الله عليه وسلم (من قرأ قل هو الله أحد ألف مرة فقد اشترى نفسه من الله تعالى)؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث ضعيف و يجب التنبيه على أن كثيرا من الأحاديث التي وردت في فضائل بعض السور أو بعض الآيات ضعيفة أو قد تصل إلى حد الوضع كذلك يجب التنبه لهذا وأن يعرض الإنسان هذه الأحاديث على أهل العلم بالحديث حتى يتبين الصحيح من الضعيف.
***
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من قال سبحان الله وبحمده في اليوم مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر) متفق عليه. هل هذا الحديث صحيح ومن هم أصح الرواة في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ؟

(111/129)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث صحيح أن من قال سبحان الله وبحمده في اليوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر لأن فضل الله واسع وعطاؤه جل وعلا أحب إليه من منعه والحديث متفق عليه كما قال السائل أي رواه البخاري ومسلم وأزيد القاري فائدة وهي قول الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي ختم به البخاري صحيحه (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) فأكثر منها أخي المسلم سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم فإنهما كلمتان فيهما هذه الفوائد العظيمة حبيبتان إلى الرحمن ثقيلتان في الميزان ولا يشقان على أحد لأنهما خفيفتان على اللسان.
ويقول السائل ما هو أصح الأحاديث فنقول له أصح الأحاديث ما اتفق عليه الأئمة كالبخاري ومسلم وأبي داود الترمذي وابن ماجه والإمام أحمد والإمام مالك وما أشبه ذلك فإذا اتفق هؤلاء عليه فهو أصح ما يكون ثم عند الانفراد نقول أصحها البخاري ثم مسلم فما اتفقا عليه فهو أصح وما انفرد به البخاري فهو أصح مما انفرد به مسلم ثم ما كان على شرطهما ثم ما كان على شرط البخاري ثم ما كان على شرط مسلم وهكذا يرتبها أهل العلم في مرتبة القوة والضعف.
***
ما صحة هذا الحديث (إن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل إزاره)؟

(111/130)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث روي عن النبي صلى الله عليه واله وسلم لكنه ضعيف لا تقوم به حجة والمسبل إزاره وإن قبلت صلاته فهو آثم بل إثمه كبيرة من كبائر الذنوب لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توعد ما كان أسفل من الكعبين بالنار فقال عليه الصلاة والسلام (ما أسفل من الكعبين ففي النار) أي ما كان أسفل من الكعبين فإنه في النار أي يعذب به صاحبه على قدر ما نزل من ثوبه والتعذيب هنا التعذيب الجزئي للمكان الذي وقعت فيه مخالفة وليس تعذيبا للبدن كله فالتعذيب المجزأ أمر واقع ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (ويل للأعقاب من النار) لما رأى بعض أصحابه توضؤوا وخففوا غسل الأقدام قال (ويل للأعقاب من النار) فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الوعيد على ما حصلت فيه المخالفة فقط أما إذا جر ثوبه خيلاء فإن الأمر أشد وأعظم قال النبي عليه الصلاة والسلام (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) قال أبو ذر وهو راوي الحديث خابوا وخسروا من هم يا رسول الله قال (المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) وفي حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه) فالعقوبة في جر ثوب الخيلاء أشد وأعظم وعلى هذا فمن أسبل ثوبه أو سرواله أو مشلحه إلى أسفل من الكعبين فهو آثم بكل حال ولكنه إن كان خيلاء فعليه هذا الوعيد الشديد وقد تهاون بعض الناس في هذا الأمر فعلى إخواني الذين ابتلوا بهذا الأمر أن يتوبوا إلى الله عز وجل مما صنعوا وأن لا يبدلوا نعمة الله كفرا بها بل يشكروه على ما يسر لهم من اللباس ويستعملوه على الوجه الذي ليس فيه سخط الله عز وجل وقد جاء شاب من الأنصار إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين طعن جاء إليه يعوده فلما ولى هذا الشاب إذا إزاره قد نزل فقال له يا ابن أخي (ارفع ثوبك فإنه

(111/131)

أتقى لربك وأبقى لثوبك) فأمره عمر رضي الله عنه بأن يرفع ثوبه وبين له فائدتين عظيمتين فائدة دينيه وهي التقوى وفائدة دنيوية وهي بقاء الثوب لئلا تأكله الأرض بحكه عليها.
***
ما مدى صحة هذا الحديث وما المقصود به (لعن الله الواصلة والمستوصلة إلى آخره) فما المقصود من هذا الحديث وهل يقصد به الشعر المصنوع من الشعر الذي سقط أو الشعر المصنوع من الألفاف وغيرها من المصنوعات؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الواصلة هي التي تصل رأس غيرها والمستوصلة هي التي تطلب أن يفعل ذلك بها ووصل الشعر شعر الرأس بالشعر محرم بل هو من الكبائر لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن من فعله ووصل الشعر بغير شعر اختلف فيه أهل العلم فمنهم من قال إنه لا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى أن تصل المرأة بشعرها شيئا) وكلمة (شيئا) عامة تشمل الشعر وغيره وعلى هذا فالشعور المصنوعة التي تشبه الشعور التي خلقها الله عز وجل لا يجوز أن توصل بالشعور التي خلقها الله سبحانه وتعالى بل هي داخلة في هذا الحديث والحديث فيه الوعيد الشديد على من فعل ذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم (لعن الله الواصلة والمستوصلة)واللعن معناه الطرد والإبعاد عن رحمة الله وقد ذكر أهل العلم أن كل ذنب رتب الله تعالى عليه عقوبة اللعن فإنه يكون من الكبائر.
***
ما رأي الشرع في نظركم في زواج الشغار وهل الحديث الذي يقول (لا شغار في الإسلام) صحيح؟

(111/132)

فأجاب رحمه الله تعالى: نظري في نكاح الشغار أنه حرام لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه كما في حديث ابن عمر وكما في الحديث الذي أشار إليه السائل حيث قال (لا شغار في الإسلام) والشغار أن يزوج الرجل موليته على أن يزوجه الآخر موليته بدون مهر أو يسمى لهما مهر قليل على سبيل الحيلة وإنما كان الشغار محرما باطلا لأن الله تعالى قال (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم) فجعل الله تعالى حل المرأة مشروطا بدفع المال وهكذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه (نهى عن نكاح الشغار).
***
راشد علي الحربي يقول سمعت حديثا عن المصطفى صلى الله عليه وسلم قال (أنت ومالك لأبيك) وقد سمعت بأن في هذا الحديث ضعفا ما صحة هذا يا فضيلة الشيخ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث الصحيح أنه ليس بضعيف وأنه حجة وأن الإنسان وماله لأبيه ومعنى ذلك أن الإنسان إذا كان له مال فإن لأبيه أن يتبسط بهذا المال وأن يأخذ منه ما شاء لكن بشروط:
الشرط الأول ألا يكون في أخذه ضرر على الابن فإن كان في أخذه ضرر كما لو أخذ غطاءه الذي يتغطى به من البرد أو أخذ طعامه الذي يدفع به جوعه فإن ذلك لا يجوز للأب.
الشرط الثاني ألا تتعلق به حاجة الابن فلو كان عند الابن أمة يتسراها فإنه لا يجوز للأب أن يأخذها لتعلق حاجة الابن بها وكذلك لو كان للابن سيارة يحتاجها في ذهابه وإيابه وليس لديه من الدراهم ما يمكنه أن يشتري بدلها فليس للأب أن يأخذها في مثل هذه الحال.

(111/133)

والشرط الثالث ألا يأخذ المال من أحد أبنائه ليعطيه لابن آخر لأن في ذلك إلقاء للعداوة بين الأبناء ولأن فيه تفضيلا لبعض الأبناء على بعض إذا لم يكن الثاني محتاجا فإن كان محتاجا فإن إعطاء الأب أحد ابنائه لحاجته دون إخوته الذين لا يحتاجون ليس فيه تفضيل بل واجب عليه على كل حال هذا الحديث حجة أخذ به العلماء واحتجوا به ولكنه مشروط بما ذكرنا فإن الأب ليس له أن يأخذ من مال ولده ما يضره وليس له أن يأخذ من مال ولده ما يحتاجه الابن وليس له أن يأخذ من مال ولده ليعطي ولدا آخر والله أعلم.
***
عصام محمد محمود سليم من العراق محافظة نينوى يقول ماصحة هذا الحديث وما معناه (إذا سجد أحدكم فليضع يديه قبل ركبتيه ولا يبرك بروك البعير)؟

(111/134)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث معناه أن الرسول صلى الله عليه وسلم (نهى أن يبرك الإنسان في سجوده كما يبرك البعير) لأن الله تعالى فضل بني آدم على الحيوانات ولاسيما في العبادة التي هي من أجل العبادات وهي الصلاة فتشبه الإنسان بالبهائم مخالف لمقصود الصلاة ومخالف للحقيقة التي عليها بنو آدم والتفضيل على البهائم والحيوانات ولهذا لم يذكر الله تعالى مشابهة الإنسان للحيوان إلا في مقام الذم كما في قوله تعالى (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا) وكما في قوله تعالى (فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) وكما في قوله صلى الله عليه وسلم (الذي يتكلم يوم الجمعة والإمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفارا) وكقول صلى الله عليه وسلم (العائد في هبته كالكلب يقيئ ثم يعود في قيئه) فالتشبه بالحيوان في أداء العبادة يكون أشد وأعظم والبعير إذا برك كما نشاهده يبدأ بيديه فأول ما يصل يديه ويخر عليهما ثم يكمل بروكه فنهى النبي صلى الله عليه وسلم الساجد أن يبرك كما يبرك البعير وذلك بأن يقدم يديه قبل ركبتيه فإذا قدم يديه قبل ركبتيه في حال السجود فقد برك بروك البعير وعلى هذا يكون المشروع أن يبدأ بركبتيه قبل يديه كما روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من فعله أنه كان يسجد على ركبتيه ثم يديه كما أن هذا الموافق للنزول باعتبار البدن فتنزل الأسافل أولا بأول كما ترتفع الأعالي أولا بأول فلهذا عند النهوض من السجود يبدأ بالجبهة والأنف ثم باليدين ثم بالركبتين وفي النزول كذلك يبدأ بالأسفل بالركبتين ثم باليدين ثم بالجبهة والأنف وأما قوله في الحديث (وليبدأ بركبتيه قبل يديه) فهذا مما انقلب على الراوي كما حقق ذلك ابن القيم في زاد المعاد وكما هو ظاهر من اللفظ لأنه لو قدر أن الحديث ليس فيه انقلاب لكان آخره

(111/135)

مخالفا لأوله لأنه إذا بدأ بيديه قبل ركبتيه فإنه قد برك كما يبرك البعير والنهي لا يبرك كما يبرك البعير مقدم على المثال لأن النهي محكم والتمثيل قد يقع فيه الوهم من الراوي وحينئذ فنقول صواب الحديث وليبدأ بركبتيه قبل يديه ليكون المثال مطابقا للقاعدة وهي النهي عن البروك كما يبرك البعير فإن قال قائل إن البعير يبرك على ركبتيه لأن ركبتيه في يديه فإذا وضع الإنسان ركبتيه قبل يديه فقد برك على ما يبرك عليه البعير قلنا نعم ركبتا البعير في يديه ولا إشكال في ذلك ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير حتى نقول إنك إذا بدأت بالركبتين عند السجود فقد بركت على ما يبرك عليه البعير وهو الركبتان وإنما قال صلى الله عليه وسلم (كما يبرك البعير) فالنهي عن الكيفية والصفة وليس عن العضو المسجود عليه وبهذا يتبين جليا أن حديث أبي هريرة رضي الله عنه في النهي عن البروك كبروك البعير موافق لحديث وائل بن حجر المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه (كان يبدأ بركبتيه قبل يديه) والله أعلم.
***
من الزبير البصرة ف. أ. ف. يسأل عن هذا الحديث عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يوما يقصر الصلاة) فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا وإذا زدنا أتممنا ما صحة هذا الحديث يا فضيلة الشيخ؟

(111/136)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث صحيح أخرجه البخاري وغيره وذلك (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة في رمضان وأقام فيها تسعة عشر يوما يقصر الصلاة وأفطر أيضا بقية الشهر) لأنه فتحها في آخر الشهر ذكروا أنه فتح مكة يوم الجمعة الموافق العشرين من شهر رمضان في السنة الثامنة من الهجرة ولم يصم بقية الشهر كما ثبت ذلك في صحيح البخاري من حديث ابن عباس أيضا يقول ابن عباس نحن إذا أقمنا تسعة عشر يوما قصرنا وإذا زدنا أتممنا وهذا رأيه رضي الله عنه في المدة التي ينقطع بها حكم السفر بالنسبة للمسافر والعلماء مختلفون في هذه المسألة أي فيما إذا أقام المسافر متى ينقطع حكم السفر في حقه على أكثر من عشرة أقوال ذكرها النووي رحمه الله في شرح المهذب وهذا يدل على أنه ليس هناك سنة صحيحة صريحة في تحديد المدة التي ينقطع بها حكم السفر والمسألة مسألة اجتهادية وليس هذا موضع ذكر آراء العلماء في ذلك لكن كأن السائل والله أعلم أشكل عليه ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما مع المشهور بين الناس في أن المدة التي ينقطع بها حكم السفر خلاف ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما من ولكن ليعلم السائل أن هذه من مسائل الخلاف.
***
فوزي عبد الحميد حسن مصري الجنسية ومقيم بعمان الأردن يقول ما مدى صحة الحديث القائل فيما معناه (من بر الوالدين بعد مماتهما أن تصلى لهما مع صلاتك وأن تصوم لهما مع صيامك)؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث ضعيف لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن من بر الوالدين بعد مماتهما أن تستغفر لهما وتدعو الله لهما وتكرم صديقهما وتصل الرحم التي هم الصلة بينك وبينها هذا من بر الوالدين بعد موتهما وأما أن تصلى لهما مع صلاتك الصلاة الشرعية المعروفة أو أن تصوم لهما فهذا لا أصل له.
***

(111/137)

من مصر المستمع شريف عبد القادر يقول مامعنى حديث عن عطاء بن يسار رضي الله عنه قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم ثائر الرأس واللحية فأشار إليه صلى الله عليه وسلم كأنه أمره بإصلاح شعره ففعل ثم رجع فقال صلى الله عليه وسلم (أليس هذا خيرا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان) أخرجه مالك السؤال ما القصد بهذا الحديث وهل هذا الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم نرجو بهذا إفادة
فأجاب رحمه الله تعالى: الحديث كما ساقه السائل مرسل فإن عطاء بن يسار لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم والحديث المرسل عند أهل العلم من قسم الضعيف إذ أن المرسل لا يقبل حتى يأتي موصولا من وجه آخر أو يكون الحديث المرسل مشهورا معمولا به ومتلقى بالقبول من الأمة فإن هذه الشهرة والعمل وتلقيه بالقبول يجعله ثابتا أو يكون له شاهد متصل من حديث آخر يتقوى به أما إصلاح الشعر من حيث هو إصلاح فإنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرجل شعره وأنه عليه الصلاة والسلام يبدأ بيمينه كما قالت عائشة رضي الله عنها (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وفي طهوره وفي شأنه كله) وينبغي أن يكون تسريح الشعر وترجيله غبا أي يوما بعد يوم اللهم إلا إذا دعت الحاجة إلى ترجيله كل يوم كما لو كان الإنسان يزاول أعمالا تقتضي الشعث والغبرة ويحب أن يرجله كل يوم ونحن نتكلم عن الشعر الذي ينبغي اتخاذه وأما ما يفعله بعض الناس من اتخاذ الشعر على وجه لا يقره الشرع فإننا ننهاه أصلا عن اتخاذ الشعر على كيفية لا يقرها الشرع.
***
من الجزائر ب عثمان يقول ما صحة الحديث (العين حق) وإن كان كذلك فما هو العلاج الذي يسلكه المؤمن لاتقاء العين وكيف تصيب العين الإنسان وإن كان هناك علاج فما هي الطريقة في نظركم مشكورين؟

(111/138)

فأجاب رحمه الله تعالى:الحديث صحيح والعين حق والواقع يشهد بذلك والعين عبارة عن صدور شيء من نفس حاسد يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله فهو أي العائن شرير لا يريد من الناس أن يتمتعوا بنعم الله فإذا رأى في شخص نعمة من نعم الله عليه فإن هذا الحسد الكامن في نفسه ينطلق حتى يصيب ذلك المتنعم بنعم الله عز وجل والطريق إلى الخلاص من العين بالنسبة للعائن أن يبرك على من رآه متنعما الله فيقول اللهم بارك على فلان وما أشبه ذلك من الكلمات التي تطمئن نفسه وتكبت ما فيها من حسد وأما بالنسبة للرجل الخائف من العين فإن العلاج لذلك أن يكثر من قراءة الأوراد صباحا ومساء كآية الكرسي وسورة الإخلاص وسورة (قل أعوذ برب الفلق) (قل أعوذ برب الناس) وغيرها مما جاءت به السنة هذا علاج للوقاية منها قبل الإصابة أما بعد أن يصاب بها فإنه يؤخذ من وضوء العائن أو مما يغتسل به من الماء يؤخذ منه فيصب على المصاب بالعين أو يحثو منه فإذا فعل ذلك فإنه يبرأ منها بإذن الله فيؤمر العائن بأن يتوضأ أو يغتسل ويؤخذ ما تناثر من مائه ويصب على المصاب أو يحثو منه أو يجمع بين الأمرين وبذلك يزول أثر العين.
فضيلة الشيخ: الغبطة هل تدخل في الحسد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الغبطة لا تدخل في الحسد لأن الحاسد يتمنى زوال نعمة الله على غيره والغابط يغبط هذا الرجل بنعمة الله عليه ولكنه لا يتمنى زوالها.
***
خ. و. خ. تقول ماصحة هذا الحديث سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤالا من وفد اليمن قالوا له نجد في أنفسنا أشياء نتعاظم أن نقولها فقال لهم (ذلك هو الإيمان) فإذا جاءك خاطر يضايقك التفكير منه و تبعده عن ذهنك فهذا هو الإيمان وعليك بالاستمرار بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم هل هذا الحديث يا فضيلة الشيخ صحيح وما معناه؟

(111/139)

فأجاب رحمه الله تعالى:هذا الحديث بهذا اللفظ لا أعرفه لكن ورد معناه في أكثر من حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخواطر التي يلقيها الشيطان في قلوب ابن آدم وأن الإنسان يجد في نفسه ما يحب أن يخر من السماء أو أن يكون حممة أي فحمة ولا يتكلم به فقال النبي صلى الله عليه وسلم (أوجدتم ذلك قالوا نعم قال ذلك صريح الإيمان) يعني ذلك خالص الإيمان وهذا يدل على أن هذه الوساوس لا تؤثر في الإيمان ولا تخدشه ولا تنقصه ذلك لأنها وساوس يلقيها الشيطان في قلب الإنسان إذا علم منه أنه مؤمن حقا ليفسد بذلك إيمانه ويوقعه في الشكوك والشبهات أما إذا كان القلب مريضا فإن الشيطان لا يتسلط عليه بمثل هذا الأمر وإنما يتسلط عليه من نواح أخرى كالسلوك والمعاملات السيئة وما أشبه ذلك المهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما شكا إليه الصحابة عما يجدونه في نفوسهم من مثل هذه الوساوس أرشدهم إلى أمرين قال (فليستعذ بالله ولينته يستعذ بالله من الشيطان الرجيم فإن ملجأ الإنسان هو ربه عز وجل الذي بيده ملكوت السماوات والأرض فإذا أحسست بمثل هذه الوساوس فقل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أي اعتصم بالله عز وجل من الشيطان الرجيم
والأمر الثاني الذي أرشد إليه الرسول عليه الصلاة والسلام في هذه الحال أن ينتهي أي أن ينتهي من وقع في قلبه من هذه الوساس عن التفكير فيها أو الركون إليها فيدعها ويلتفت إلى شؤونه إلى عبادته إلى معاملاته مع أهله إلى معاملاته إلى من يتعامل معه ويتناسى هذا بالكلية وبهذا تزول هذه الوساوس والشكوك ويبقى القلب صافيا لاتؤثر فيه هذه النزغات التي تأتي من عدوه الشيطان قال الله تعالى (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم).
***

(111/140)

عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه أن أعمى أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (فقال يا رسول الله أدع الله أن يكشف عن بصري قال أو أدعك قال يا رسول إنه قد شق علي ذهاب بصري قال فأنطلق فتوضأ ثم صلى ركعتين ثم قل اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي حاجتي وتذكر حاجتك اللهم فشفعه) ما صحة هذا الحديث وما معناه يا فضيلة الشيخ
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث اختلف أهل العلم في صحته فمنهم من قال إنه ضعيف ومنهم من قال إنه حسن ولكن له وجهة ليست كما يتبادر من اللفظ فإن هذا الحديث معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر هذا الرجل الأعمى أن يتوضأ ويصلى ركعتين ليكون صادقا في طلب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم له وليكون وضوؤه وصلاته عنوانا على رغبته في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم والتوجه به إلى الله سبحانه وتعالى فإذا صدقت النية وصحت و قويت العزيمة فإن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع له إلى الله عز وجل وذلك بأن يدعو النبي صلى الله عليه وسلم له فإن الدعاء نوع من الشفاعة كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه) فيكون معنى هذا الحديث أن هذا الأعمى يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله له لأن هذا الطلب نوع شفاعة أما الآن وبعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فإن مثل هذه الحال لا يمكن أن تكون لتعذر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأحد بعد الموت كما قال صلى الله عليه وسلم (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) والدعاء بلا شك من الأعمال التي تنقطع بالموت بل الدعاء عبادة كما قال تعالى (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين

(111/141)

يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) ولهذا لم يلجأ الصحابة رضي الله عنهم عند الشدائد وعند الحاجات إلى سؤال النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله لهم بل قال عمر رضي الله عنه حين قحط المطر اللهم إنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا وطلب من العباس رضي الله عنه أن يدعو الله بالسقيا فدعا فسقوا وهذا يدل على أنه لا يمكن أن يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته أن يدعو لأحد لأن ذلك غير ممكن لأن ذلك متعذر لانقطاع عمله بموته صلى الله عليه وسلم وإذا كان لا يمكن لأحد أن يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له بعد موته أي موت النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يمكن ومن باب أولى أن يدعو أحد النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بشيء من حاجاته أو مصالحه فإن هذا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله والذي حرم الله على من اتصف به الجنة قال الله تعالى (ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين) وقال تعالى (فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين) وقال الله عز وجل (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون) وقال تعالى (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار) فالمهم أن من دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته أو غيره لدفع ضرر أو جلب منفعة فهو مشرك شركا أكبر مخرجا عن الملة وعليه أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى وأن يوجه الدعاء إلى العلي القدير الذي يجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويكشف السوء وإني لأعجب من قوم يذهبون إلى قبر فلان وفلان يدعونه أن يفرج عنهم

(111/142)

الكربات ويجلب لهم الخيرات وهم يعلمون أن هذا الرجل كان في حال حياته لا يملك ذلك فكيف بعد موته بعد أن كان جثة وربما يكون رميما قد أكلته الأرض فيذهبون يدعونه ويدعون دعاء الله عز وجل الذي هو كاشف الضر وجالب النفع والخير مع أن الله تعالى أمرهم بذلك وحثهم عليه فقال (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم) وقال (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) وقال تعالى منكرا على من دعاء غيره (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أءله مع الله) نسأل الله تعالى أن يهدينا جميعا إلى صراط مستقيم
***
ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم والراوي عثمان بن حنيف أن أعمى أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (يا رسول الله ادع الله أن يكشف عن بصري قال أو أدعك قال يا رسول الله إنه قد شق علي ذهاب بصري قال فانطلق فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي حاجتي وتذكر حاجتك اللهم شفعه في) ما صحة هذا مأجورين؟

(111/143)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث اختلف العلماء في صحته فمنهم من أنكره وقال إنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ومنهم من قال إنه صحيح وعلى تقدير صحته فإنه ليس من باب التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه من باب التوسل بدعائه بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم كما هو ظاهر ولكن أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلى ركعتين تمهيدا وتوطئة لاستجابة الله سبحانه وتعالى لشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم فيه لأنه كلما تحقق الإيمان في الشخص كان أقرب إلى نيل شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ولهذا في هذا الحديث يقول يا رسول الله يقول اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فإن قوله يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حاضرا وأن هذا طلبا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع فيه إلى الله عز وجل ثم سأل الله عز وجل أن يقبل هذه الشفاعة وقال اللهم شفعه في وهذا لا يكون دليلا على التوسل بذات الرسول صلى الله عليه وسلم وإني بهذه المناسبة أقول إن التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء على نوعين نوع جائز ونوع ممنوع والجائز على عدة وجوه:
الوجه الأول أن نتوجه إلى الله تعالى بأسمائه.
والثاني أن نتوجه إلى الله تعالى بصفاته.
والثالث أن نتوجه إلى الله تعالى بالإيمان به وبرسوله.
والرابع أن يتوجه إلى الله تعالى بالعمل الصالح.
والخامس أن يتوجه إلى الله تعالى بذكر حاله وفقره إلى ربه.
والسادس أن يتوجه إلى الله عز وجل بدعاء من ترجى إجابته

(111/144)

أما الأول وهو التوجه إلى الله تعالى بأسمائه فقد يكون باسم خاص وقد يكون بالأسماء عموما ففي حديث ابن مسعود رضي الله عنه الحديث المشهور (أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك) هذا من التوسل بالأسماء على سبيل العموم وقول السائل اللهم إني أسألك أن تغفر لي فإنك أنت الغفور الرحيم هذا من التوسل بالاسم الخاص المناسب لما تدعو الله به وهو داخل في قوله تعالى (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها)
وأما التوسل بالصفات بصفات الله فقد يكون بصفات معينة وقد يكون بالصفات عموما فتقول اللهم إني أسألك بصفاتك العليا أن تغفر لي وقد يكون بصفة خاصة مثل قولك اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرا لي وتوفني ما علمت الوفاة خيرا لي فتوسلت إلى الله بعلمه وقدرته وهنا صفتان خاصتان
والتوسل إلى الله تعالى بالإيمان به وبرسوله مثل قوله تعالى (ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار)
ومثال التوسل بالعمل الصالح توسل الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار فلم يستطيعوا أن يزحزحوا الصخرة التي سدت عليهم الباب فتوسل أحدهم إلى الله تعالى بكمال بره والثاني بكمال عفته والثالث بكمال وفائه بالعقد والقصة مشهورة
ومثال التوسل بمثل حال الداعي مثل أن تقول اللهم إني فقير إليك ذليل بين يديك وما أشبه ذلك ومنه قول موسى (رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير)

(111/145)

ومثال التوسل إلى الله تعالى بدعاء من ترجى إجابته توسل الصحابة رضي الله عنهم بدعاء النبي صلى الله عذه وسلم كما في حديث أنس أن رجلا دخل يوم جمعة وأن النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال يا رسول الله هلكت الأموال وتقطعت السبل فادع الله يغيثنا فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال (اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا) قال أنس رضي الله عنه فوالله ما في السماء من سحاب ولا قزع يعني ما في السماء سحاب واسع ولا قزع من الغيم وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار فخرجت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ورعدت وبرقت وأمطرت فما نزل النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته صلوات الله وسلامه عليه ثم بقي المطر أسبوعا كاملا فدخل الرجل أو رجل آخر في الجمعة الأخرى والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال يا رسول الله تهدم البناء وغرق المال فادع الله يمسكها فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال (اللهم حوالينا ولا علينا) وجعل يشير إلى النواحي عليه الصلاة والسلام وما يشير إلى ناحية إلا انفرج السحاب عنها وخرج الناس يمشون في الشمس فهذا من التوسل بدعاء من ترجى إجابته وفي الصحيح أيضا من حديث عمر رضي الله عنه أنه استسقى فقال اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقينا وإننا نتوسل إليك بعم نبينا ابن عباس ادع الله فيدعو الله فيسقون هذه أصناف التوسل الجائز أما التوسل الممنوع فأن نتوسل بشيء ليس وسيلة وليس سببا في حصول المقصود مثل أن يتوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم أو بجاه النبي صلى الله عليه وسلم فإن التوسل بذاته أو بجاهه ليس سببا في حصول المقصود لأنك إذا لم يكن لديك سبب يوصل إلى حصول المقصود لم ينفعك جاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ربه لأن جاهه إنما ينفعه هو صلوات الله وسلامه عليه ولهذا لم ينتفع أبو لهب بجاه النبي صلى الله عليه وسلم ولا بذاته لأنه ليس لديه

(111/146)

وسيلة تمنعه من عذاب الله وكذلك توسل أصحاب الأوثان بأوثانهم الذين قالوا (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفا) فإن هذا التوسل لا ينفعهم بشيء لأنهم مشركون وإنني أنصح إخواني المسلمين أن يحرصوا على إتباع الآثار فيما يتوسلون به إلى الله وما أحسن الامتثال لقوله تعالى (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) وهذا خير ما يتوسل به المرء أن يتوسل إلى الله تعالى بأسمائه الدالة على صفاته العظيمة وعلى ذاته فهذا خير متوسل به.
***
ما معنى هذا الحديث وهل هو صحيح (إن الله سبحانه وتعالى يغضب يوم القيامة غضبا لم يغضب قبله ولن يغضب بعده) لماذا هذا الغضب
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هكذا ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أما لماذا هذا الغضب فلا أعلم ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم بما يحدثه سبحانه وتعالى في خلقه
***
فضيلة الشيخ في كتاب تنبيه الغافلين حديث يقول (من قال لا إله إلا الله من قلبه خالصا صافيا ومده بالتعظيم كفر الله عنه أربعة آلاف ذنب من الكبائر) هل هذا صحيح

(111/147)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا ليس بصحيح والحديث عليه علامة الوضع ظاهرة وهذا الكتاب الذي أشار إليه السائل كتاب تنبيه الغافلين هو من كتب الوعظ التي يكون فيه الغث والسمين والصحيح والحسن والضعيف والموضوع وأصحاب هذه الكتب يأتون بالأحاديث الضعيفة أو الموضوعة عن حسن نية ليرققوا بذلك قلوب الناس ويخوفوهم من غضب الله عز وجل وهذه الطريق غير سديدة لأن غنى الناس بما في كتاب الله من المواعظ وبما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منها كاف في إصلاح الخلق ولأن أهل الوعظ اقتصروا في وعظهم على ما جاء في كتاب الله وما صح في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان ذلك كافيا ومجزئا عن كل ما سواه (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا) والقرآن الكريم كله موعظة وشفاء وبيان وهدى كما قال الله تعالى (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين) أما ما جاء في كتب الوعظ من الأحاديث الضعيفة والموضوعة فهو من العمل الصادر عن اجتهاد ولكنه ليس من العمل الذي يحمد عليه فاعله لكن يرجى له المغفرة والعفو من الله عز وجل مع حسن نيته
***
ما صحة حديث رواه الترمذي والحاكم ومعناه أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان ينفلت منه القرآن فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك فقال الرسول صلى الله عليه وسلم (صل ليلة الجمعة أربعة ركعات تقرأ من الأولى الفاتحة وسورة يس وفي الثانية الفاتحة وسورة الدخان وفي الثالثة الفاتحة والسجدة وفي الرابعة الفاتحة وسورة الملك فإذا فرغت فاحمد الله وصل عليه واذكر هذا الدعاء وذكر دعاء مطولا قال الرسول صلى الله عليه وسلم افعل ذلك ثلاث أو خمس أو سبع مرات تجب بإذن الله)؟

(111/148)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام كما ذكر أهل العلم ولكن الذي يعين على حفظ القرآن وبقائه هو تعاهد القرآن كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال (تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها) فإذا كنت تريد أن يبقى القرآن معك فأكثر من تلاوته بحسب ما تخشى على نفسك إذا كنت تخشى أن تنساه إلا أن تقرأه في ثلاثة أيام فاقرأه في ثلاثة أيام أو في سبعة أو عشرة المهم أن هذا يرجع إلى الشخص نفسه وبقاء حفظ القرآن يكون بتعاهد تلاوته واعلم أنك إذا تلوت القرآن فلك بكل حرف عشر حسنات ليس حسنة واحدة بل عشر حسنات والإنسان يحب الخير ويحب كثرة الثواب أما هذا الحديث الذي ذكره فإنه لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
***
محمد أبو زهرة مصري يقول عن معقل بن يسار رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (قلب القرآن يس ما قرأها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر الله له اقرؤها على موتاكم)ما مدى صحة هذا الحديث فضيلة الشيخ؟
فأجاب رحمه الله تعالى:هذا الحديث ضعيف لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم وسورة يس استحب بعض العلماء قراءتها على المحتضر لحديث آخر ورد في ذلك وفيه أيضا نظر وهو قول الرسول عليه الصلاة والسلام (اقرأوا على موتاكم يس) ومن المعلوم أن فضائل الأعمال سواء كانت من القرآن أو من غيره لا يمكن أن يثبت بها حكم شرعي إلا بدليل صحيح وإن كان بعض العلماء رحمهم الله وعفا عنهم يرخص في الأحاديث الواردة في فضائل الأعمال أو في الترهيب ولا يشدد فيها لكن الأولى أن يقتصر على ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترغيبا وترهيبا والذين ذكروا إثبات الفضائل بالأحاديث الضعيفة اشترطوا ثلاثة شروط:
1.
أن لا يكون الضعف شديدا
2.
وأن لا يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك

(111/149)

3. وأن يكون لهذا العمل الذي رتب عليه هذا الفضل أصل ثابت بطريق صحيح قالوا فهذا قالوا فهذه الشروط تصور ذكر فضيلة العمل إن كان مطلوبا أو الترهيب منه إن كان منهيا عنه لأنه لم يدخل فيه حكم شرعي غاية ما فيه أن النفس ترجو ما فيه من فضائل وتحذر من المساوئ.
***
يقول سمعت حديثا من أحد الخطباء قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أتعرفون من هم أكثر الناس إيمانا قالوا الملائكة قال وكيف لا يؤمنون وهم عند الله قالوا فهم الأنبياء قال وكيف لا يؤمنون وهم ينزل عليهم الوحي قالوا فنحن قال فكيف لا تؤمنون وبينكم رسول الله قالوا فمن هم قال هم قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني) فهل هذا الحديث صحيح؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أنا لا أعلم عن صحته ولكن لا شك أن الذي يؤمن عن مشاهدة ونظر ورؤية ليس كالذي يؤمن بالغيب ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام ذات يوم (ليتنا نرى إخواننا قالوا يا رسول الله أو لسنا إخوانك قال أنتم أصحابي ولكن إخواني من يأتون بعدي يؤمنون بي ولم يروني) هذا الحديث أو معناه وكل أحد يعرف الفرق بين أن يؤمن الإنسان بشيء يشاهده وبين أن يؤمن بشيء يخبر عنه فإن المشاهدة عين يقين والإخبار علم يقين وبينهما فرق أما الحديث الذي ساقه السائل فلا أعلم عنه.
***
هل صحيح (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا مشى لا يرى له ظل) نرجو بهذا إفادة؟

(111/150)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا غير صحيح بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كغيره من البشر له ظل ويحتاج ما يحتاج إليه البشر من الأكل والشرب واللباس والدفء والبرودة وغير ذلك وقد ثبت في الصحيح من حديث المغيرة بن شعبة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لابسا جبة شامية في غزوة تبوك) (وكذلك كان يصب على رأسه الماء في أيام الصيف وهو صائم من العطش ليتبرد) وكذلك كان يجوع ويعطش عليه الصلاة والسلام ويروى ويشبع ويحتاج إلى النوم فينام ويمرض ويبول ويتغوط وكل ما يعتري البشر من الأحكام البشرية فهو ثابت له عليه الصلاة والسلام وقد ذكر الله تعالى ذلك في قوله (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي) فقال (قل إنما أنا بشر) وقال (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم)فوصفهم بأنهم رجال فلهم ما للرجال وعليهم ما على الرجال أما الخصائص النبوية التي خص الله بها الأنبياء فلنبينا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أكملها وأتمها.
***
عبد الله العربي من مصر يقول ماصحة القول (إذا ضاقت الصدور فعليكم بزيارة القبور) هل هذا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وإذا كان حديثا فنرجو التوضيح له مأجورين؟

(111/151)

فأجاب رحمه الله تعالى: الظاهر أن السائل لم يضبط هذه الكلمة والذي أسمع عن هذه الكلمة أنهم يقولون إذا ضاقت الأمور فعليكم بأصحاب القبور يعني إذا ضاقت عليك الأمور فاذهب لأصحاب القبور وادعهم ليغيثوك وينجوك مما وقع بك ولا شك أن هذا الأمر شرك أكبر أي أن الإنسان يذهب إلى أصحاب القبور ليدعوهم لينجوه مما وقع به من البلاء لا شك أنه شرك أكبر يخرج الإنسان عن الإسلام موجب للخلود في النار والعياذ بالله كما قال الله تعالى (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار) فالدعاء لا يكون إلا لله عز وجل قال الله تعالى (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) وقال تعالى (ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون) فدعاء أصحاب القبور لا يجدي شيئا بل هو يضر الإنسان ويخرجه من الإسلام فإن قال قائل إنه قد حدثت وقائع تدل على انتفاع الداعي بدعوة أصحاب القبور فيدعو الإنسان صاحب القبر في إنجائه من هلكة أو في حصول مطلوب له فينجو من الهلكة ويحصل المطلوب فالجواب على ذلك أن نقول إن هذا الذي حصل إثر دعاء صاحب القبر لم يحصل بدعاء صاحب القبر قطعا وإنما حصل عنده فتنة له أي للداعي فإن الله تعالى قد يفتن الإنسان بشيء يستمر فيه الإنسان المفتون على معصية الله والله سبحانه وتعالى حكيم وأما أن يحصل هذا الشيء أي النجاة من المكروب وحصول المطلوب بدعاء أصحاب القبور فهذا أمر لا يمكن أبدا لأن الله سبحانه وتعالى أخبر بأن الذي يدعو من دون الله لا يستجيب للداعي إلى يوم القيامة وأما الكلمة التي قالها السائل إذا ضاقت عليكم الأمور فعليكم بزيارة القبور فهذا

(111/152)

ليس بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يصح بل إن زيارة القبور تذكر الآخرة فينبغي أن يقال إذا رأيت من نفسك الغفلة عن الآخرة والانغماس في الدنيا والترف فعليك بزيارة القبور لتتعظ وتعتبر بأصحابها فإن أصحابها الذي كانوا محبوسين فيها الآن هم قرناؤك بالأمس على ظهر الأرض وربما يكونون أكثر منك غنى وأشد منك قوة وأعظم منك فتوة ومع ذلك صاروا مرتهنين محبوسين في قبورهم فالإنسان إذا زار المقبرة تذكر الآخرة ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (زوروا القبور فإنها تذكر الآخرة) وينبغي لمن زار القبور أن يدعو لهم بالدعاء الوارد عن الرسول صلى الله عليه وسلم مثل (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم).
***
قال صلى الله عليه وسلم (يغفر الله للشهيد كل ذنب إلا الدين) هل معنى هذا الحديث صحيح؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أي نعم معنى هذا الحديث صحيح يعني أن أن الله عز وجل يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين لأن الدين حق للآدمي فلا بد من وفائه ولكن الدين إذا كان الإنسان أخذه يريد أداءه فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) فإن كان هذا الشهيد الذي عليه الدين قد أخذ أموال الناس يريد أداءه فإن الله تعالى يؤدي عنه إما بأن ييسر أحدا في الدنيا يقضي عنه هذا الدين وإما بأن يوفيه الله تعالى عنه يوم القيامة فيزيد الدائن درجات أو يكفر عنه سيئات.
***
أ ع س يقول هل هذا الحديث يا فضيلة الشيخ (لعن الله الشارب قبل الطالب) وارد لأنه يتردد على ألسنة كثير من الناس؟

(111/153)

فأجاب رحمه الله تعالى:هذا الحديث الذي ذكره السائل (لعن الله الشارب قبل الطالب) هذا لا أصل له ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه من الأحاديث التي اشتهرت على ألسن الناس وليس لها أصل وهي كثيرة تتردد بين عامة الناس والواجب على الإنسان أن يتحرى فيما ينسبه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير لأن الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم ليس كالكذب على أحد منا لأنه كذب على شريعة الله سبحانه وتعالى وقد صنف العلماء رحمهم الله في الأحاديث الواردة على ألسن الناس وليس لها أصل صنفوا في هذا كتبا ومنها تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث ومن الأحاديث المشتهرة على ألسن الناس وليس لها أصل قولهم (حب الوطن من الإيمان) وقولهم (خير الأسماء ما حمد وعبد) وقولهم (المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء) وأمثال ذلك كثير والوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأسماء قوله (أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن) وثبت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم والمهم أنه يجب على الإنسان أن يتحرى فيما ينسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يقع في الوعيد الشديد الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم (من كذب علي متعمدا فليتأبوا مقعده من النار) وقال (من حدث عني بحديث يرى أو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين).
***
عن أنس رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يقنت الصبح حتى فارق الدنيا) ما حكم القنوت في صلاة الصبح وما مدى صحة هذا الحديث افتنوني جزاكم الله خيرا؟

(111/154)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم لأن جميع الواصفين لصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم لم يذكروا أنه قنت في الفجر إلا في النوازل فإنه كان يقنت في الفجر وفي غير الفجر أيضا بل يقنت في جميع الصلوات الخمس وبناء على ذلك فإنه لا يسن القنوت في صلاة الفجر إلا إذا كان هناك سبب كنازلة تنزل بالمسلمين والنازلة إذا نزل بالمسلمين فإن القنوت لا يختص بصلاة الفجربل يكون فيها وفي غيرها وذهب بعض أهل العلم إلى أن القنوت في صلاة الفجر سنة ولكن ما هو القنوت الذي يقنت في صلاة الفجر ليس هو قنوت الوتر كما يظنه بعض العامة ولكنه قنوت يدعو فيه الإنسان بدعاء عام للمسلمين مناسب للوقت الذي يعيشه وإذا ائتم الإنسان بشخص يقنت في صلاة الفجر فإنه يتابعه ويؤمن على دعائه ولا ينفرد عن المصلىن كما نص على ذلك إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله.
***
السائل إبراهيم ب ع الكويت يقول ما صحة حديث (أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر)؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يحضرني سند هذا الحديث ولا أدري ما سنده لكن اختلف العلماء رحمهم الله في معناها فمنهم من قال (أسفرو بالفجر أو بالصبح فإنه أعظم لأجوركم) المعني أخروا صلاة الفجر حتى يكون الإسفار التام ومنهم من قال أسفرو بالصبح أي لا تتعجلوا حتى يتبين الصبح لأن الصبح يكون خفيا أول ما يطلع ولهذا لم يرتب الله تعالى الأحكام علي طلوع الصبح بل على تبين الصبح حيث قال تعالى في الصيام ( فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) وهذا القول أن المراد به تحقق الفجر هو الصواب لأن السنة بينت ذلك فقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلى الصبح بغلس.
***

(111/155)

هذا أخونا السائل إبراهيم أبو حامد يقول في هذا السؤال ما صحة هذه الأحاديث يا فضيلة الشيخ الأول (إن الأمة لا تجتمع على ضلالة)؟
فأجاب رحمه الله تعالى:هذا الحديث بهذا اللفظ لا يصح أن أمة النبي صلى الله عليه وسلم لا تجتمع على ضلالة لكن قد دلت الأدلة على أن إجماع الأمة حجة وأن الأمة معذورة بالعمل به وما كان ضلالة فإنه لا عذر للأمة بالعمل به ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) فإن ظاهر قوله (فإن تنازعتم في شيء) يدل على أنه إذا حصل الاتفاق فإن قولهم كالذي قام به الدليل من الكتاب والسنة ومن الأدلة على ذلك أي على أن إجماع المؤمنين حجة قول الله تبارك وتعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) وعلى هذا فيكون الإجماع أي إجماع الأمة والمراد إجماع علماء الأمة المجتهدين يكون دليلا صحيحا يؤخذ به في الأحكام لكن الغالب أن ما أجمع عليه العلماء من الأحكام يكون قد دل عليه الكتاب والسنة إما بطريق المنطوق أو المفهوم أو الإشارة وقد يكون الدليل معلوما لعامة العلماء وقد يكون خفيا على بعض العلماء.
***
ماصحة هذا الحديث (أبغض الحلال إلى الله الطلاق)؟

(111/156)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا ليس بصحيح بل هو ضعيف لكن الطلاق لا شك أنه خلاف الأولى وقد أمر الله تعالى بالصبر على المرأة وكذلك جاء في السنة، فقال الله تبارك وتعالى (فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) وهذه إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يصبر على المرأة ولو كره منها ما كره وفي السنة (لا يفرك مؤمن مؤمنة - أي لا يبغضها - إن كره منها خلقا رضى منها خلقا آخر) وعلى هذا فلا ينبغي للإنسان أن يطلق إلا عند الحاجة الملحة أو الضرورة وكذلك إذا سألت هي الطلاق لتضررها من الزوج أو تأذيها أو ما شبه ذلك من الأسباب فإنه ينبغي للزوج أن يوافقها على طلبها، وإن كان من النساء من تطلب الطلاق لسبب يسير لكن عند الغضب تطلب الطلاق من أجله فإذا وقع الطلاق ندمت ندما عظيما ورجعت إلى زوجها تطلب منه المراجعة وقد يكون ذلك بعد فوات الإمكان وقد تكون هي الطلقة الثالثة فيطلق الزوج استجابة لرغبة الزوجة ثم يحصل الندم منه ومنها وإنني بهذه المناسبة أود أن أوجه نصيحتين:
النصيحة الأولى إلى الزوج وهي ألا يتسرع في إجابة الزوجة إذا طلبت الطلاق لأن المرأة ناقصة العقل والتفكير تفكيرها لا يتجاوز قدمها فقد تطلب الطلاق في حال غضب ثم تندم ندما عظيما إذا وقع فليكن الزوج أوسع منها صدرا وأبعد منها نظرا وليمنعها أي لا يجيبها إلى ما سألت وإذا ضيقت عليه فليخرج من البيت ثم يرجع مرة أخرى فلعلها تكون بردت عليها سورة الغضب المهم ألا يتسرع وهو إذا تسرع في هذه الحال لا عذر له لأن بعض الأزواج يقول أنا أكرهت على الطلاق لأنها طلبت مني ذلك وألحت علي أو لأن أباها طلب ذلك وألح علي أو ما أشبه ذلك وهذا لا يعد إكراها ولا عذرا له فيه والطلاق واقع.

(111/157)

أما النصيحة الثانية فهي للزوجة لا تتسرع في طلب الطلاق من الزوج بل عليها أن تصبر وتتحمل المرة تلو الأخرى حتى إذا أيست من الصلاح والإصلاح فلا بأس لأن الله تعالى قد جعل لكل ضيق فرجا لكن كونها تتسرع وتريد من الزوج أن يكون على هواها في كل شيء لا ينبغي منها ذلك وأكثر ما يقع هذا فيما إذا تزوج الزوج بزوجة أخرى فإنها حينئذ تسارع إلى طلب الطلاق والإلحاح به وتندم حين لا ينفع الندم فنصيحتي لها أن تصبر وتحتسب الأجر من الله عز وجل على صبرها وتحملها الأذى وسيجعل الله تعالى لها فرجا ومخرجا.
فضيلة الشيخ: يستفسر أيضا عن صحة هذا الحديث (أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسابع جار)؟

(111/158)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا أيضا لا يصح لكن ثبت (عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوصى بالجار خيرا) كما هو في القران (والجار ذي القربى والجار الجنب) وقال عليه الصلاة والسلام (مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) وقال صلى الله عليه وسلم (من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فليكرم جاره) وقال صلى الله عليه وسلم (والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه) والأحاديث في هذا كثيرة وللجار حق حتى ولو كان كافرا وهو حق الجوار فإنه ينبغي للإنسان أن يحسن إلى جيرانه ولو كانوا أعداء له في الدين ولو كانوا أعداء له عداوة شخصية لا مبرر لها امتثالا لأمر الله عز وجل وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ...إلى قوله.. (والجار ذي القربى والجار الجنب) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره) وقد ذكر العلماء رحمهم الله أن الجار إن كان كافرا بعيدا في النسب يعني ليس من أقاربك فله حق الجوار وإن كان مسلما فله حق الجوار والإسلام وإن كان قريبا فله حق الجوار والإسلام والقرابة.
***
السؤال: ما صحة هذاالحديث (إذا شرب اثنين في إناء واحد غفر لهما أو دخلا الجنة)؟

(111/159)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا لا أعلم عنه لكن لا أظن أنه يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم وشرب الاثنين من الإناء الواحد لا بأس به ولاحرج فيه والتنزه عن مثل هذا أمر صعب ولو أراد الإنسان أن يتنزه عن كل إناء شرب فيه غيره للحقه بذلك حرج شديد ولم يكن في بدنه مناعة لما يدخل إليه من المكروبات التي تكون عند كثير من الناس وهو خال منها وقد كان المترفون يتحرزون من أن يشربوا بإناء شرب فيه غيرهم فيصابون بأمراض أكثر مما يصاب الآخرون والذي ينبغي للإنسان ألا يشق على نفسه في مثل هذه التحرزات لأن فيها حرجا ولأنه يبقى جسمه لا مناعة فيه وحينئذ يتأثر بأدنى سبب وبلغني أن كثيرا من الناس في الأمم المتطورة في الحياة الدنيا رجعوا عن هذا التحرز الشديد إلى الحالة الطبيعية التي عليها كثير من الناس في كون الإنسان لا يشق على نفسه في هذا التحرز الشديد نعم لو فرض أن أحدا من الناس مصاب بوباء جرت العادة أنه معد فهذا ليس من المستحسن أن يشرب الإنسان في هذا الإناء الذي شرب فيه هذا المصاب بالمرض الذي جرت العادة بأنه يعدي لقول النبي صلى الله عليه وسلم (فر من المجذوم فرارك من الأسد) ولكن مع هذا يجب أن نؤمن بأن العدوى لا تكون معدية بطبيعتها الذاتية ولكنها معدية بإذن الله عز وجل فإن الله تعالى قد جعل لكل شيء سببا.
***
ماصحة هذا الحديث (إن الله لا ينظر إلي الصف الأعوج)؟

(111/160)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث غير صحيح ولكن لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتسوية الصفوف وكان عليه الصلاة والسلام يمر بالصف يمسح صدورهم ومناكبهم ويأمرهم بالتسوية فخرج ذات يوم وقد عقلوا عنه فرأى رجلا باديا صدره أي متقدما فقال عليه الصلاة والسلام (لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) أي بين قلوبكم حتى تكونوا أعداء متباغضين وهذا وعيد لمن ترك تسوية الصف وهو دليل على وجوب التسوية كما ذهب إلى ذلك بعض أهل العلم وما نشاهده الآن من التهاون في تسوية الصف لا بالنسبة للإمام ولا بالنسبة للمأمومين أمر يؤسف له فإن كثيرا من الأئمة يلتفت يمينا وشمالا يقول استووا اعتدلوا سووا صفوفكم وربما يكون يرى الصف غير مستو ولا يقول يا فلان تقدم ويا فلان تأخر مما يفهم الناس أن هذه كلمة كأسطوانة تجر عليها الإبرة وتحدث صوتا أي أنه لا قيمة لهذه الكلمة عند الناس الآن لأنهم لا يشاهدون فعلا يؤكد هذه الكلمة والذي ينبغي في حق الإمام أن يلتفت يمينا وشمالا وأن يستقبل الناس بوجهه وإذا رأى شخصا متأخرا قال تقدم يا فلان أو متقدما قال تأخر يا فلان حتى يحس الناس بأن هذه الكلمة لها معنى أي استووا اعتدلوا كذلك أيضا المأمومون تجد أنهم لا يبالون يكون الرجل إلى يمين صاحبه أو إلى يساره متقدما عليه أو متأخرا عنه لا يحاول إن يسوي الصف وهذا من الغلط وكذلك أيضا أهمل كثير من الأئمة وكثير من المأمومين مسألة التراص فتجد الصف تكون فيه الفرج الكثيرة لا يسدها أحد وهذا غلط لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتراص وأخبر أن الملائكة عند الله عز وجل يتراصون، وبعض الناس فهم فهما خطأ في كون الصحابة رضي الله عنهم يلصق الرجل كعبه بكعب أخيه ومنكبه بمنكبه فجعل يفرج بين رجليه تفريجا بالغا حتى يلصق كعبه بكعب أخيه ومابين الأكتاف منفرج انفراجا بقدر انفراج الرجلين وهذا أيضا من الغلط ومن فهم

(111/161)

النصوص على غير مرادها ليس المراد مجرد إلزاق الكعب بالكعب والمنكب بالمنكب فإلصاق الكعب بالكعب ليس مقصودا لذاته بل هو مقصود لغيره وهو التراص والتسوية لكن المشكل أن بعض الناس يفهم الشيء فهما خاطئا ثم ينشره بين الناس ثم يشيع وكأنه هو السنة التي أرادها الصحابة رضي الله عنهم كذلك أيضا يخطئ كثير من الناس بكيفية التسوية فبعض الناس يظن التسوية هي استواء الأصابع وهذا فهم خاطئ والتسوية استواء الأكعب يعني أن يكون كعب الإنسان مساويا لكعب جاره لا يتقدم عليه ولا يتأخر وأما الأصابع فقد تكون رجل الرجل طويلة تتقدم أصابعه على أصابع الرجل التي تكون قدمه قصيرة وهذا لا يضر فالمساواة إنما هي بالأكعب لأن الكعب هو الذي عليه اعتماد الجسم حيث إنه في أسفل الساق والساق يحمل الفخذ والفخذ يحمل الجسم وليس التساوي بأطراف الأصابع بل بالأكعب أكرر ذلك لأني رأيت كثيرا من الناس يجعلون مناط التسوية رؤوس الأصابع وهذا غلط هناك أمر آخر يخطئ فيه المأمؤمون كثيرا ألا وهو تكميل الصف الأول فالأول ولا سيما في المسجدين المسجد الحرام والمسجد البنوي فإنهم لا يبالون أن يصلوا أوزاعا أربعة هنا وأربعة هناك أو عشرة هنا وعشرة هناك أو ما أشبه ذلك وهذا لا شك أنه خلاف السنة. والسنة إكمال الأول فالأول حتى إن الرجل لو صلى وحده خلف الصف مع أن الصف لم يتم فإن صلاته غير صحيحة بل هي باطلة يجب عليه أن يعيدها لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى رجلا يصلى وحده خلف الصف فأمره أن يعيد الصلاة وقال (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) فإن قال قائل إذا كنت لو ذهبت إلى طرف الصف فاتتني الركعة فهل أصلى وحدي خلف الصف اغتناما لإدراك الركعة نقول: لا، اذهب إلى طرف الصف ولو فاتتك الركعة ولو كانت الركعة الأخيرة لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) وأنت مأموربتكميل الأول فالأول فافعل ما أمرت به وما أدركت فصل وما

(111/162)

فاتك فاقضه هذه تنبيهات أرجوالله سبحانه وتعالى أن تجد آذانا صاغية من إخواننا الأئمة والمأمومين ذكرتها تعليقا على قول السائل إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج حيث إن هذا الحديث لايصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
***
ماصحة هذا الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يدخل الجنة أقوام قلوبهم وأفئدتهم مثل أفئدة الطير) وما معنى هذا الحديث بالتفصيل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: قبل أن أجيب على هذا السؤال أحب أن أنبه أنه إذا كان المتكلم بالحديث لا يدري عن صحته عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنه لا يجزم في نسبته للرسول صلى الله عليه وسلم بل يقول ما مدى صحة ما يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أو ما يروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى يسلم من الجزم بنسبة الحديث إلى رسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهولا يدري أيصح عنه أم لا أما معنى هذا الحديث فهو أن أهل الجنة إذا أرادوا دخول الجنة فإن الله سبحانه وتعالى يحبسهم على قنطرة بين الجنة والنار أي يوقفهم على قنطرة بين الجنة والنار بعد عبور الصراط ثم يقتص من بعضهم لبعض حتى ينزع ما في صدورهم من غل فيدخلون الجنة وأفئدتهم كأفئدة الطير ليس فيها حقد ولا غل بل هي قلوب بريئة نزيهة طاهرة يقول الله عز وجل(ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين (47) لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين ) أما عن صحة الحديث فإنه يحتاج إلى مراجعة.
***
ما معنى هذا الحديث ومدى صحته عن عبدالله بن أبي قتادة قال دخل علي أبي وأنا أغتسل يوم الجمعة فقال غسلك هذا من جنابة أو للجمعة قلت من جنابة قال أعد غسلا آخر إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (من اغتسل يوم الجمعة كان في طهارة إلى الجمعة الأخرى) رواه الطبراني في الأوسط؟

(111/163)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث لا يحضرني الآن حكمه هل هو صحيح أو غير صحيح لكن غسل الجمعة مؤكد جدا بل هو واجب على القول الراجح عندي واجب على من يحضر الجمعة ودليل ذلك حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) وقال صلى الله عليه وسلم (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) ولما دخل عثمان بن عفان رضي الله عنه يوم الجمعة وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب يخطب كأنه لامه على تأخره فقال والله ما عدوت على أن توضأت ثم جئت فقال والوضوء أيضا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) قال ذلك وهو يخطب الناس وكأنه رضي الله عنه يرى أن هذا الأمر لابد منه، وكيف والذي نطق به أفصح الخلق وأنصح الخلق وأعلم الخلق يقول غسل الجمعة واجب ثم يعقب ذلك بذكر وصف مناسب للتفريق والإلزام وهو قوله على كل محتلم أي على كل بالغ وليس لهذا الحديث ما يعارضه إلا الحديث الذي اختلف فيه حديث سمرة (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل) وفي القلب من هذا الحديث شيء أولا من جهة اختلاف العلماء في سماع الحسن بن سمرة إما مطلقا أو فيما سوى حديث العقيقة وثانيا أن التركيب اللفظي فيه ليس كالتركيب المعهود من كلام النبي صلى الله عليه وسلم لأنه من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم أفصح العرب وصياغة هذا الحديث فيها شيء من الركاكة وفي القلب منه شيء ، وإذا كان كذلك فإنه لا ينبغي أن يعارض به الحديث الصريح الصحيح الواضح (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) و(إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) وإذا كان من المعروف عند أهل العلم أن الأصل في الأمر الوجوب ثم عقب النبي صلى الله عليه وسلم هذا الوجوب في قوله غسل الجمعة واجب فلا مناص عن العمل بذلك، وإذا اجتمع على الإنسان غسل الجمعة وغسل الجنابة فلا بأس أن ينويهما بغسل واحد لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال

(111/164)

بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) وكما لو دخل الإنسان المسجد فصلى الفريضة فإنها تجزئ عن تحية المسجد وقال بعض أهل العلم إنه لابد أن يغتسل أولا من الجنابة ثم يغتسل ثانيا للجمعة ولكن القول الأول أولى وهو الاكتفاء بغسل واحد عن الجنابة وعن غسل الجمعة لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) فإذا نوى هذا الغسل عنهما جميعا حصل.
***
ما صحة هذا الحديث (عمرة في رمضان تعدل حجة معي)؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه بلفظين أحدهما (عمرة في رمضان تعدل حجة) والثاني (عمرة في رمضان تعدل حجة معي) وهو دليل على أن العمرة في رمضان لها مزية عن غيره من الشهور فإذا ذهب الإنسان إلى مكة في رمضان وأحرم للعمرة وأداها فإنه يحصل له هذا الثواب الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم.
***

(111/165)

أصول الفقه
المستمع عثمان محمد عبد الله سوداني يقول لقد ظهرت عندنا في السودان دعوات كثيرة منها الدعوة إلى تجديد الفقه الإسلامي كيف يكون ذلك التجديد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يقول السائل إنه ظهرت عندهم دعوات جديدة في بلادهم منها الدعوة إلى تجديد الفقه الإسلامي فهذا التجديد إن أراد به مقترحه أن يجدد التبويب وعرض المسائل الفقهية حتى يكون ملائما للذوق العصري فهذا لا بأس به وما هو إلا تغير أسلوب من حال إلى حال ليقرب المعنى إلى أذهان الناس على أن التجديد على هذا الوجه له مساوئ منها أننا نرى كثيرا من المعاصرين الذين يكتبون فيما كتبه السابقون يطيلون الكلام والتفصيلات حتى يذهب آخر الكلام أوله ويضيع الإنسان بين هذه التقسيمات وبين الكلام الذي يعتبر حشوا وهذه سيئة عظيمة تبدد الفكر وتضيع الأوقات في مسائل قد يدركها الإنسان بنصف الوقت الذي يقضيه في قراءة هذه الكتب الجديدة ولا أقول إن هذا وصف لكل كتاب جديد بل في كثير من الكتب المصنفة الجديدة ما يكون على هذا النمط.
وإن أرادوا مقترحوا التجديد في الفقه أن يغير بهذا التجديد ما دلت النصوص على حكمه فإن هذا مبدأ خطير مبدأ باطل إذ لا يجوز للإنسان أن يغير شيئا من أحكام الله عز وجل فإن أحكام الله تعالى باقية ما بقي هذا الدين وهذا الدين سيبقى إلى يوم القيامة لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا ما من خالفهم حتى يأتي أمر الله) هذا هو رأينا نحو هذا الاقتراح الذي اقترحه هذا المقترح من تجديد علم الفقه.
***
محمد مصري مقيم بالرياض يقول ما الفرق بين الجائز والحلال ؟

(112/1)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا فرق بينهما فالحلال هو الجائز والجائز هو الحلال إلا إن الجائز أحيانا يراد به ما يقابل المستحيل والواجب الوجود فيقولون الأشياء باعتبار الوجود ثلاثة أقسام مستحيل الوجود وواجب الوجود وجائز الوجود أما شرعا فإنه لا فرق بين الجائز والحلال.
***
نجيب أحمد يقول البعض يقول بأن السنة يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها هل هذا صحيح وهل إذا ترك الشخص سنة من السنن المؤكدة يعاقب عليها أم أنه حرم نفسه الأجر العظيم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الذي ذكره السائل هو حق وهو الذي عليه أهل العلم أن ترك السنة لا يوجب الإثم اللهم إلا إذا تركها كراهة لها أو زهدا فيها أو رأى نفسه أنه مستغن عنها أو ما أشبه ذلك فهذا له حكمه أما مجرد أن يقول إن الله فرض علي الفرائض والحمد لله الذي هداني لها وأنني أقمتها على الوجه المطلوب وأما النوافل فأنا في سعة منها فهذا لا بأس به ولا إثم عليه لكن قد تكون السنة مؤكدة جدا جدا إلى قريب الوجوب فهذه كره بعض العلماء أن ندعها خوفا من الإثم ومن ذلك ما يذكر عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال (من ترك الوتر فهو رجل سوء لا ينبغي أن تقبل له شهادة) مع أنه أي الإمام أحمد يرى أن الوتر سنة وليس بواجب لكن لتأكد السنية كأن الإمام أحمد رحمه الله رأى أن تهاونه به يدل على عدم مبالاته ولهذا قال (لا ينبغي أن تقبل له شهادة) لأنه إذا كان لا يبالي بالوتر مع أهميته وآكديته فإنه قد يتهاون بالشهادة أيضا.
***
هل كل ما كان يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم يعتبر من السنة ويثاب على فعله المسلم أقصد الأمور الخصوصية؟

(112/2)

فأجاب رحمه الله تعالى: الأمور الخاصة بالرسول عليه الصلاة والسلام خاصة به ليس لنا فيها تعلق ومنها قوله تعالى (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين) فالنكاح بالهبة لا ينعقد ولا يصح إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله قال (خالصة لك من دون المؤمنين)
الوصال في الصوم وهو ألا يفطر الإنسان بين اليومين منهي عنه إلا للرسول عليه الصلاة والسلام ولهذا لما نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الوصال) قالوا يا رسول الله إنك تواصل فقال (إني لست كهيئتكم) فبين الرسول عليه الصلاة والسلام أن الأمة لا تساويه في هذا الحكم فما كان خاصا بالرسول عليه الصلاة والسلام فهو خاص به لا يشمل حكمه الأمة وأما ما لم يقم دليل على الخصوصية به فإن الأصل أن الأمة تتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم فيما فعل لقوله تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) وهذا في الأمور التعبدية ولهذا قال (لمن كان يرجو الله واليوم الآخر).

(112/3)

أما الأمور العادية فإن فعل النبي عليه الصلاة والسلام لها يدل على إباحتها ولكنها تكون تبعا للعادة لا يحكم عليها بأنها سنة مطلوبة بعينها وهناك أشياء يفعلها النبي عليه الصلاة والسلام على سبيل الجبلة والطبيعة كالأكل والشرب والنوم فهذا ليس له حكم لأنه يفعله عليه الصلاة والسلام بمقتضى الطبيعة والجبلة لكن قد يكون هذا النوع مشتملا على أمور مشروعة مثل النوم على الجنب الأيمن مثل الأكل باليمين والشرب باليمين وما أشبه ذلك فالحاصل أن أفعال الرسول عليه الصلاة والسلام قسمها أهل العلم على أقسام متعددة والبحث فيها مطول موجود في أصول الفقه فمن أحب أن يراجعه فليراجعه هناك.
***
ع م ف الرويلي يقول في رسالته وبعد أبعث لكم هذه الرسالة وأقول لكم فيها إن لي خالة متزوجة وبعد أنها مخلوعة الشعور -يقصد بها جنون تقريبا- وبعده ذهبت مع زوجها وزوجها أخذها وهي كمثل ما أقول لكم وبعد أنها أحرقت نفسها أهل عليها خطأ من هذا الحرق أم لا وهل هي من أصحاب الجنة أو النار أفيدونا أفادكم الله عن هذا الأمر ولكم جزيل الشكر؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الذي فهمت من قوله مخلوعة الشعور أنها ليس لها عقل فإذا كان ما فهمته هو الواقع فإن فعل المجنون لا يعاقب عليه المرء لأن المجنون لا عقل له والله تبارك وتعالى إنما يعاقب من كان عاقلا ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصغير حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق) فهذه المرأة التي أحرقت نفسها ليس عليها ذنب مادامت أحرقت نفسها في هذه الحال وأما هل هي في النار أو في الجنة فهذا أمره إلى الله سبحانه وتعالى.
***
السائل مصري يقول ما هي أنواع الإكراه التي رخص الله لعباده عند وقوعها وما الفرق بين أكره واستكره مأجورين؟

(112/4)

فأجاب رحمه الله تعالى:الإكراه والاستكراه معناهما واحد والإكراه أن يرغم الإنسان على فعل الشيء أو على قول الشيء ومن أكره على شيء قولي أو فعلي فإنه لا حكم لقوله ولا حكم لفعله لقوله تعالى (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) فإذا كان الكفر وهو أعظم الذنوب إذا أكره عليه الإنسان فإنه لا حرج عليه ولا إثم فما دونه من الذنوب من باب أولى فلو أكره الصائم على الأكل مثلا فأكل فإن صومه صحيح ولو أكره الرجل على أن يطلق امرأته فطلق فلا طلاق عليه ولو أكره الإنسان على إن يشرك بالله فأشرك فلا إثم عليه إذا كان قلبه مطمئنا بالأيمان واختلف العلماء رحمهم الله فيمن أكره علي الطلاق فطلق ناويا الطلاق لكنه بغير اختيار منه هل يقع طلاقه أو لا يقع فمن العلماء من قال إن طلاقه يقع لأنه نواه وأن الذي يرفع عنه الطلاق أن يطلق دفعا للاكراه ولكن الصحيح أنه لا طلاق عليه حتى ولو نوى الطلاق لأنه مجبر على هذه النية وكثير من العامة لا يفرقون بين هذا وهذا.
***
المستمع ص. من محافظة قنا مركز نقاوة جمهورية مصر العربية يقول ما هي الضرورات الخمس التي أمرنا الشارع الحكيم بالحفاظ عليها؟

(112/5)

فأجاب رحمه الله تعالى: من المعلوم أن هذه الشريعة الإسلامية جاءت لجلب المصالح أو تكميلها ودفع المضار أو تقليلها وهذا عام يشمل كل ما يحتاج الإنسان إليه في أمور دينه ودنياه ولا ينحصر الأمر في الضرورات الخمس التي أشار إليها السائل بل هو عام لكل مصلحة سواء كانت تتعلق بالنفس أو بالمال أو بالبدن أو بالعقل أو بالدين بل كل شيء تحصل به المصلحة أو يحصل به تكميل المصلحة فهو أمر مطلوب لا بد منه فهو أمر مطلوب إن كان أمرا لا بد منه فإنه يكون على سبيل الوجوب وإن كان أمرا دون ذلك فإنه يكون على سبيل الاستحباب وكل شيء يتضمن ضررا في أي شيء كان فإنه منهي عنه إما على سبيل وجوب الترك وإما على سبيل الأفضل والأكمل وهذه القاعدة العظيمة لا يمكن أن تنحصر جزيئاتها وهي مفيدة لطالب العلم لأنها ميزان صادق مستقيم ويدل عليه آيات من كتاب الله عز وجل وأحاديث من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم فمن ذلك قول الله تعالى (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) فهنا أشار الله عز وجل إلى أن في الخمر والميسر إثم كبير ومنافع متعددة للناس ولكن الإثم أكبر من النفع ولهذا جاءت الشريعة الكاملة بالمنع منهما منعا باتا في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون) ومن هنا نعلم أن من جملة الحكم التي حرم الله من أجلها الخمر والميسر والأنصاب والأزلام أنها توقع العداوة والبغضاء بين الناس وهذه مفسدة اجتماعية مع ما فيها من المفاسد الأخرى كالإخلال بالعقل والإخلال بالدين فإن الأزلام تؤدي إلى المغامرة في الإقدام والإحجام والأنصاب شرك وأنصاب تعبد من دون الله عز وجل ومن ذلك أيضا قوله تعالى (ولا تقتلوا

(112/6)

أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) وهذا أمر لحفظ النفس ووقايتها من كل ضرر ومن ذلك أيضا قوله تعالى (وإن كنتم مرضى أو على سفر فجاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) فأمر بالتيمم في هذه الحال خوفا من الضرر أو استمرار الضرر بالمرض الذي يخشى من استعمال الماء فيه ومن ذلك قوله تعالى في آية الصيام (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) والسنة في ذلك أيضا كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص (إن لنفسك عليك حقا وإن لربك عليك حقا وإن لأهلك عليك حقا) ومن ذلك أيضا تأنيبه الذين قال بعضهم أصوم ولا أفطر وقال الثاني أقوم ولا أنام وقال الثالث لا أتزوج النساء فقال صلى الله عليه وسلم (أنا أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) والخلاصة أن هذه الشريعة الكاملة جاءت بتحصيل المصالح أو تكميلها وبدرء المفاسد أو تقليلها.
***
الأخ السائل س ص ع من الرياض يقول أرجو تفسير هذه العبارة الضرورات تبيح المحظورات؟

(112/7)

فأجاب رحمه الله تعالى: معنى هذه العبارة أن الإنسان إذا اضطر إلى شيء من المحرم على وجه تندفع به الضرورة صار هذا المحرم مباحا مثال ذلك رجل في مخمصة أي في جوع شديد وليس عنده إلا ميتة فإن أكل الميتة سلم من الهلاك وإن لم يأكل هلك فهنا نقول يحل له أن يأكل الميتة ، لأنه في ضرورة. كذلك لو لم يكن عنده إلا لحم خنزير وهو جائع جوعا شديدا فإن أكل من لحمه بقي وإن لم يأكل هلك فنقول له هذا جائز لأن الضرورات تبيح المحظورات وأما فيما يتعلق بالدواء فإن بعض الناس يظن أن هذه العبارة يدخل فيها الدواء وأن الإنسان يجوز أن يتداوى بمحرم إذا اضطر إليه كما زعم وهذا غلط لأن الدواء لا تندفع به الضرورة يقينا ولأنه قد يستغني عنه فيشفى المريض بدون دواء ، أما الأول فكم من إنسان تداوى بدواء نافع ولكنه لم يستفد منه وأما الثاني فكم من إنسان ترك الدواء وشفاه الله بدون دواء.
***
كيف نحكم على نواهي النبي صلى الله عليه وسلم بأنها نواهي تحريم أو نواهي كراهية؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا أيضا موضع خلاف بين الأصوليين هل النهي للتحريم أو للكراهة فمنهم من يرى أنه للتحريم ومنهم من يرى أنه للكراهة ومنهم من فصل في ذلك فقال إن كان النهي يتعلق بالعبادات فهو للتحريم وإن كان النهي يتعلق بالآداب فهو للكراهة وليس هناك في الواقع ضابط شامل لكل نهي يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنك يمر بك مناه حملها العلماء على الكراهة ومناه أخرى حملها العلماء على التحريم وعلى هذا فينظر الإنسان في كل نهي بعينه هل هذا النهي يقتضي التحريم بمقتضى قواعد الشريعة أو يقتضي الكراهة بمقتضى قواعد الشريعة وخلاصة الجواب أن نقول للعلماء في مقتضى النهي ثلاثة أقوال:
القول الأول أنه التحريم مطلقا وعلى هذا من صرف نهيا لغير التحريم طولب بالدليل.
والقول الثاني أنه للكراهة مطلقا وعلى هذا فمن صرف نهيا للتحريم طولب بالدليل.

(112/8)

والقول الثالث التفصيل فإن كان النهي فيما يتعلق بالآداب والأخلاق فهو للكراهة وإذا كان فيما يتعلق بالعبادات فهو للتحريم.
***
بعض الناس يقولون بأن الواجب موجود فقط في القرآن وأن ما قاله الرسول سنة فقط ليست إلزامية فماذا نرد على مثل هؤلاء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يعني يقولون إن الأوامر التي في القرآن على الوجوب والتي في السنة على الاستحباب نقول هؤلاء أخطؤوا خطأ كبير لأن ما جاءت به السنة كالذي جاء به القرآن قال الله تبارك وتعالى (من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا) وقال تعالى (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا) وقال تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) بل إن ما جاءت به السنة جاء في القرآن لأن الله أمرنا أن نطيع الله ورسوله فقال (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم) وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) ولا فرق بين السنة والكتاب في هذه الأمور نعم يفرق بين السنة والكتاب في الثبوت فالقرآن ثابت بالنقل المتواتر والسنة منها المتواتر ومنها الصحيح ومنها الحسن ومنها الضعيف ومنها الموضوع المكذوب على الرسول عليه الصلاة والسلام فيتثبت فيها وأما إذا ثبتت عن الرسول عليه الصلاة والسلام فما ثبت عن الرسول فهو كالذي جاء في القرآن.
***
هناك بعض الأمور التي سنها الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يؤكد عليها فهل يجوز لنا العمل بها؟

(112/9)

فأجاب رحمه الله تعالى: أما ما لم يسنه الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه بدعة وقد حذر النبي عليه الصلاة والسلام من البدع بل قال الرسول عليه الصلاة والسلام (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) وأما ما سنه ولم يؤكده فإنه إذا ثبت أنه من سنته عليه الصلاة والسلام كان من سنته وكان في المرتبة التي تليق به وإن كان مؤكدا صارت سنة مؤكدة وإن كان دون ذلك صارت سنة غير مؤكدة ومثال السنة غير المؤكدة قوله صلى الله عليه وسلم (صلوا قبل المغرب صلوا قبل المغرب صلوا قبل المغرب وقال في الثالثة لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة) أي أن يتخذها الناس سنة مؤكدة راتبة فالخلاصة أن ما لم يسنه الرسول عليه الصلاة والسلام فهو بدعة ولا يجوز لأحد أن يتعبد لله به وما سنه وما لم يؤكده كان سنة ثم ثبت الذي جعله الشارع فيها وما سنه وأكده فإنه قد يكون واجبا وقد يكون سنة مؤكدة حسب ما تقضيه النصوص الشرعية.
***
نسمع من العلماء عبارة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ما معنى ذلك وما الدليل عليها جزاكم الله خيرا؟

(112/10)

فأجاب رحمه الله تعالى: معنى ذلك أنه إذا ورد النص على سبب خاص فإن العبرة بعمومه ومثال ذلك قوله تعالى (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير) ثم قال (الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم) ثم قال (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) فهنا سبب نزول هذه الآيات أن رجلا ظاهر من امرأته وجاءت المرأة تشتكي إلى رسول صلى الله عليه وسلم وهو في حجرته عند عائشة فنزلت الآيات فالسبب خاص والحكم عام وفي هذه القصة قالت عائشة رضي الله عنها (الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات والله إني لفي الحجرة وإنه ليخفى علي بعض حديثها) تقول رضي الله عنها (الحمد لله) وهذا ثناء على الله عز وجل ووصف له بالكمال أن وسع صوت هذه المرأة من فوق سبع سماوات وعائشة رضي الله عنها في نفس الحجرة ويخفى عليها بعض حديثها وهذا حق أن الله تعالى يسمع السر وأخفى ، وإذا آمن الرجل بذلك فإنه بلا شك سوف يقيم لسانه وسوف لا يتكلم إلا بما يرضي الرب عز وجل وبما أذن فيه لأنه يعلم أن كل كلمة يقولها فإن الله تعالى يسمعها فوق سبع سماوات وحينئذ يجب التحرز من إطلاق قول اللسان فلقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمعاذ بن جبل (أفلا أخبرك بملاك ذلك كله - بعد أن ذكر له أشياء من شرائع الإسلام - قال:قلت بلى يا رسول الله. فأخذ بلسان نفسه ، وقال: كف عليك هذا. فقال معاذ: يا رسول الله أئنا لمؤاخذون بما نتكلم به قال: ثكلت أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم-أو قال- على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) فليحذر اللبيب العاقل المؤمن من إطلاق لسانه فكم من كلمة أوجبت لصاحبها النار والعياذ بالله وكم من كلمة أدخلت

(112/11)

الجنة يتكلم الرجل بالكلمة مما يرضي الله عز وجل فيرتقي بها إلى درجات العلى ويتكلم بالكلمة من غضب الله يهوي بها في النار ولعل السائل فهم الآن معنى قول العلماء العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فإن آيتي الظهار شاملة لكل من ظاهر من امرأته. والظهار أن يقول الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي وهذا يعني تحريمها التحريم المغلظ لأن ظهر الأم من أعظم وأغلظ المحرمات وقد قال الله تعالى في هذا الظهار (وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا) فمنكر لأن الشرع لا يقره وزور لأنهم كذبوا فليست الزوجة كظهر الأم.
***
يقول بعض علماء الأصول من موانع اعتبار الدليل - مفهوم المخالفة- ولذلك يقدمون المنطوق من الآيات والأحاديث على المفهوم منها عند التعارض فهل لقاعدتهم هذه نص ينص عليها من الكتاب والسنة أم لا؟ وإذا لم يكن لها نص من الكتاب والسنة فما حكم هؤلاء في الإسلام لأنهم يرفضون بشدة حكم المفهوم من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية إذا تعارض مع المنطوق فمثلا يرفضون حكم ما تضمنته آية المائدة وهي قوله تعالى (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم) بدعوى أنها مفهوم ويأخذون ما تضمنته آية الأنعام وهو قوله تعالى (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين) ويحتجون بهذه الآيات ونحوها بتحليل ذبحية كل من في الأرض جميعا إذا ذكر الله عند ذبح الذبيحة وإن كان الذابح وثنيا أو مرتدا أجيبونا بارك الله فيكم عن هذا الموضوع؟

(112/12)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه القاعدة التي ذكرها أهل الأصول في أن دلالة المنطوق أقوى من دلالة المفهوم ظاهرة جدا لأن دلالة المنطوق واضحة في محل النطق أما دلالة المفهوم فإن اللفظ يدل عليها لا في محل النطق وما دل عليه اللفظ في محل النطق فإنه أولى ولأن دلالة المفهوم قد تكون غير مرادة وقد تصدق ببعض الصور دون بعض بخلاف دلالة المنطوق فإنها دالة على كل صورها دلالة مطابقة ودلالة تضمن ودلالة إلتزام وأما ما ذكره السائل من التمثيل بآية المائدة مع آية الأنعام فإنه لا ريب أن غير أهل الكتاب لا تحل ذبيحتهم لأن الله تعالى خصص ذلك بقوله (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) وهذا القيد ليس من باب اللقب كما قاله بعضهم وإنما هو من قيد الوصف إذ أن صلة الموصول بمنزلة الوصف فأنت إذا قلت يعجبني الذي فهم فهو بمنزلة قولك يعجبني الفاهم والفاهم وصف وله مفهوم يعلق به الحكم فطعام الذين أوتوا الكتاب هو كقولك طعام المؤتين الكتاب وهذا وصف وليس لقبا كما ادعاه بعضهم وبناء على ذلك تكون دلالة المنطوق فيه ظاهرة ودلالة المفهوم فيه ظاهرة لأن الحكم إذا علق على وصف ثبت بوجوده وانتفى بانتفائه فيكون منطوق الآية طعام الذين أوتوا الكتاب حل وطعام غير الذين أوتوا الكتاب ليس بحل وبهذا يكون قوله تعالى (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) أي مما ذبحه من هو أهل للذبح وهو المسلم والكتابي من اليهود والنصارى هذا هو القول الراجح الذي عليه جمهور أهل العلم.
***
نقرأ كثيرا في كتب التفاسير عن الحرف الزائد في القرآن مثل ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فيقولون بأن الكاف زائدة قال لي أحد الإخوة ليس في القرآن شيء اسمه زائد أو ناقص أو مجاز فإن كان الأمر كذلك فما القول في قوله تعالى (واسأل القرية) (وأشربوا في قلوبهم العجل)؟

(112/13)

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول إن القرآن ليس فيه شيء زائد إذا أردنا بالزائد ما لا فائدة فيه فإن كل حرف في القرآن فيه فائدة أما إذا أردنا بالزائد ما لو حذف لاستقام الكلام بدونه فهذا موجود في القرآن ولكن وجوده يكون أفصح وأبلغ وذلك مثل قوله تعالى (وما ربك بظلام للعبيد) فالباء هنا نقول إنها زائدة في الإعراب ولو لم تكن موجودة في الكلام لاستقام الكلام بدونها ولكن وجودها فيه فائدة وهو زيادة تأكيد نفي أي نفي أن يكون الله ظالما للعباد وهكذا جميع حروف الزيادة ذكر أهل البلاغة أنها تفيد التوكيد في أي كلام كانت ولهذا نقول إنها أي الباء في مثل قوله تعالى (وما ربك بظلام للعبيد) أو الكاف في قوله تعالى (ليس كمثله شيء) نقول إنها زائدة كيف نقول زائدة أي بمعنى أنها لو حذفت لاستقام الكلام بدونها ولكنها مفيدة معنى ازداد بها الكلام بلاغة وهو التوكيد وأما قوله ليس في القرآن مجاز فنعم ليس في القرآن مجاز وذلك لأن من أبرز علامات المجاز كما ذكره أهل البلاغة صحة نفيه وليس في القرآن شيء يصح نفيه وتفسير هذه الجملة أن من أبرز علامات المجاز صحة نفيه أنك لو قلت رأيت أسدا يحمل سيفا بتارا فكلمة أسد هنا يراد بها الرجل الشجاع ولو نفيتها عن هذا الرجل الشجاع وقلت هذا ليس بأسد لكان نفيك صحيحا فإن هذا الرجل ليس بأسد حقا فإذا قلنا إن في القرآن مجازا استلزم ذلك أن في القرآن ما يجوز نفيه ورفعه ومعلوم أنه لا يجرؤ أحد على أن يقول إن في القرآن شيء يصح نفيه وبذلك علم أنه ليس في القرآن مجاز بل إن اللغة العربية الفصحى كلها ليس فيها مجاز كما حقق ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم و أطنب في الكلام على هذه المسألة شيخ الإسلام في الإيمان و ابن القيم في الصواعق المرسلة فمن أحب أن يراجعهما فليفعل وأما قوله تعالى (واسأل القرية التي كنا فيها) ما الذي يفهم السامع

(112/14)

من هذا الخطاب سيكون الجواب يفهم منه أن المسؤول أهل القرية كلها ولا يمكن لأي عاقل أن يفهم من هذا الخطاب أن نسأل القرية التي هي مجتمع القوم ومساكنهم أبدا بل بمجرد ما يقول اسأل القرية ينصب الفهم والذهن أن المراد اسأل أهل القرية وعبر بالقرية عنهم كأنهم يقولون اسأل كل من فيها وكذلك قولهم أشربوا في قلوبهم العجل فإنه لا يمكن لأي عاقل أن يفهم من هذا الخطاب أن العجل نفسه صار في القلب وإنما يفهم منه أن حب هذا العجل أشرب في القلوب حتى كأن العجل نفسه حل في قلوبهم وهذا فيه من المبالغة ما هو ظاهر أعني في مبالغة هؤلاء في حبهم للعجل والأمر هذا ظاهر جدا فكل ما يفهم من ظاهر الكلام فهو حقيقته فلتفهم هذا أيها الأخ الكريم أن كل ما يفيده ظاهر الكلام فهو حقيقته ويختلف ذلك باختلاف السياق والقرائن فكلمة القرية مثلا استعلمت في موضع نعلم أن المراد بها أهل القرية واستعملت في موضع نعلم أن المراد بها القرية التي هي مساكن القوم ففي قوله تعالى (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة) لاشك أن المراد بذلك أهل القرية لأن القرية نفسها وهي المساكن لا توصف بالظلم وفي قوله تعالى (إنا مهلكوا أهل هذه القرية) لا شك أن المراد بالقرية هنا المساكن ولذلك أضيفت لها أهل فتأمل الآن أن القرية جاءت في سياق لا يفهم السامع منها أن المراد بها أهل القرية وجاءت في سياق آخر لا يفهم السامع منها إلا المساكن مساكن القوم وكل ما يتبادر من الكلام فإنه ظاهره وحقيقته وبهذا يندفع عنا ضلال كثير حصل بتأويل بل بتحريف الكلم عن مواضعه بادعاء المجاز فما ذهب أهل البدع في نفيهم لصفات الله عز وجل جميعها أو أكثرها بل بنفيهم حتى الأسماء إلا بهذا السلم الذي هو المجاز.
***
ح. س. س. من الظهران يقول ما المقصود بقاعدة الاستصحاب ومتى يؤخذ بها وهل يلزمني الأخذ بها أم أنا مخير؟

(112/15)

فأجاب رحمه الله تعالى: المقصود بقاعدة الاستصحاب البناء على الأصل لأن الأصل الثابت يجب استصحابه إلا بدليل يرفعه فمثلا لو توضأ إنسان ثم طرأ عليه شك هل أحدث أم لا فإنه لا يلتفت إلى هذا الشك استصحابا للأصل الذي هو الوضوء ولو أحدث الإنسان ثم أراد الصلاة وشك هل توضأ بعد حدثه أو لا فإنه يجب عليه استصحابا للأصل وهو الحدث وهذه القاعدة لها أصل في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الرجل يجد الشيء في الصلاة فقال (لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) فإن هذا استصحاب للأصل وهو بقاء الوضوء حتى يتبين زواله ولها أي لهذه القاعدة أدلة كثيرة يعرفها المتأمل في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
***
تقول السائلة هل يحتج بالقاعدة التي تقول المعروف عرفا كالمشروط شرطا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم المطرد عرفا كالمشروط وبعضهم يعبر عن هذه القاعدة بقوله الشرط العرفي كالشرط اللفظي وهذه القاعدة قد أحال الله تعالى عليها في الكتاب العزيز فقال جل وعلا (وعاشروهن بالمعروف) وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في النساء (له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) فما كان العرف فيه مطردا لا يتبادر إلى الأذهان إلا ما كان عليه الناس فهو كالمشروط لفظا يجب الوفاء به إذا كان شرطا إذا كان يثبت حقا على أحد فإنه يجب على من هو عليه الحق أن يوفي به.
***
ما المراد بتعبير بعض العلماء بقولهم هذا معلوم بالضرورة من الدين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: تعبير العلماء بقولهم هذا معلوم بالضرورة من الدين يعني أن الدين الإسلامي جاء به ضرورة لابد أن يأتي به فمثلا وجوب الصلوات الخمس معلوم بالضرورة من الدين تحريم الخمر بعد أن حرمت كذلك فالشيء الذي لا يمكن لأحد من المسلمين جهله هو المعلوم بالضرورة من الدين.
***
ما المراد بقاعدة المشقة تجلب التيسير؟

(112/16)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الكلمة فيها شيء من النظر لكن لو قيل اليسر مع المشقة لكان أولى كما قال عز وجل (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) والمعنى أن الإنسان إذا شق عليه القيام بالواجب فإنه يعفى عنه كما في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعمران بن الحصين (صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب) وقال عز وجل في الصيام (فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون).
***
سيد حسن سيد يوسف من العراق محافظة قضاء زاهون ناحية العلا يقول من المجتهد وما هي شروط الاجتهاد وهل يكفي للعالم مثلا أن يدعي الاجتهاد بمجرد مطالعته للكتب واستنباط ما يحتاجه منها أم لا؟

(112/17)

فأجاب رحمه الله تعالى: المجتهد هو من بذل جهده أي طاقته للوصول لمعرفة الحكم الشرعي بدليله فإذا كان عند الإنسان علم بمدلولات الألفاظ وعلم بأدلة الكتاب والسنة وما فيها من عموم وخصوص وإطلاق وتقييد وناسخ ومنسوخ وكان لديه أيضا اطلاع بما قاله أهل العلم ومدارك علومهم فإنه يمكنه أن يكون مجتهدا فيما يبذل جهده فيه للوصول إلى معرفة الحق والاجتهاد يمكن أن يتجزأ فيكون في باب من أبواب العلم كباب الطهارة مثلا أو باب الصلاة أو باب الزكاة أو باب الصوم أو باب الحج ويمكن أن يكون في مسألة من مسائل العلم كمسألة في كتاب الطهارة أو في كتاب الصلاة أو في كتاب الزكاة أو في كتاب الصيام أو في كتاب الحج أو في النكاح أو غير ذلك مما يمكن للإنسان أن يبذل فيه جهدا ويطلع على الأدلة وعلى مدارك العلماء ومآخذهم حتى يصبح عنده ملكة يستطيع بها أن يرجح بين هذه الأقوال فيما توصل إليه من البحث والقول بأن باب الاجتهاد قد أغلق قول ليس على إطلاقه بل إن الاجتهاد كما قلت يمكن إن يتجزأ في باب أو في مسألة من مسائل العلم ولا يمكن أن نهجر الاستدلال بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مع أن الكتاب والسنة باقيان والحمد لله بأيدينا إلى اليوم فلا يمكن أن نقول للناس لا تأخذوا أحكام دينكم من كتاب الله ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولكن خذوه مما كتبه أهل العلم الذي قد يكون ما كتبوه خطأ وقد يكون صوابا والإنسان إنما يكلف بحسب ما يستطيع ولكن مع ذلك لا أرى أن كل إنسان يمكنه أن يأخذ الحكم من الكتاب والسنة بحيث إذا رأى نصا أخذ به مع احتمال أن يكون له تقييد أو تخصيص أو نسخ في مكان آخر بل على الإنسان أن يبقى ويتمهل وينظر ويحرر ويحقق حتى يتبين له الحق.
***

(112/18)

المهندس أبو محمد س. م. من إيران طهران بعث برسالة يقول نقرأ في بعض الكتب أن لأحمد بن حنبل في المسألة الفلانية قولين أو ثلاثة فلا أدري هل يعني ذلك أن هذه الأقوال هي عدة آراء رآها الإمام أحمد ولم يترجح عنده أحدها أم أنها آراء قد نسخ اللاحق منها السابق أم ماذا نرجو بيان ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: بيان ذلك أن العلماء الكبار المجتهدين قد تختلف اجتهاداتهم من آن إلى آخر بحسب ما يبلغهم من العلم والإنسان بشر وطاقة محدودة قد يكون عنده في هذا الوقت علم ثم يتبين له أن الأمر بخلافه في وقت آخر إما بسبب البحث ومراجعة الكتب وإما بالمناقشة فإن الإنسان قد يركن إلى قول من الأقوال ولا يظن أن هناك معارضا له ثم بالمناقشة معه يتبين له أن الصواب في خلافه فيرجع والحاصل أن الإمام أحمد إذا روي عنده في مسألة أقوال متعددة فإن معنى ذلك أنه رحمه الله يتطلع في القول الثاني على أمر لم يطلع عليه في الأمر الأول فيقول به ثم هل نقول إن هذه الآراء باقية أو نقول إن آخرها نسخ أولها؟ نقول إن هذه الآراء باقية وذلك لأن هذه الآراء صادرة عن اجتهاد والاجتهاد لا ينقل باجتهاد مثله فقد يكون الصواب في قوله الأول مثلا فتبقى هذه الأقوال اللهم إلا إذا صرح برجوعه عن القول الأول مثل قوله رحمه الله كنت أقول بطلاق السكران حتى تبينته فتبينت أنني إذا قلت بوقوع الطلاق أتيت خصلتين حرمتها على زوجها الأول وأحللتها إلى زوج آخر وإذا قلت وإذا قلت بعدم الطلاق أتيت خصلة واحدة أحللتها للزوج الأول فهذا صريح في أنه رجع عن القول الأول فيؤخذ بالقول الثاني أما إذا لم يصرح فإن القولين كلاهما ينسب إليه ولا يكون الثاني ناسخا وربما يقال إنه إذا أيد القول الثاني بنص واستدل له فإنه يعتبر رجوعا عن القول الأول لأن النص واجب الإتباع فإذا قيل بهذا فله وجه وحينئذ يكون قوله الثاني هو مذهبه والله أعلم
***

(112/19)

عبد الله يقول بعض الأخوة يقول بأنه لا تجوز المذهبية أي تقليد أحد المذاهب الأربعة وإنما العمل بالدليل لكن ذلك يجعلني أتساءل دائما لقد كانت منابع هؤلاء الأئمة الكتاب والسنة والسؤال هل يجوز تقليد أي مذهب من المذاهب الأربعة دون التعصب لها مع العلم أني لست عالما ولا طالب علم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يستخرج الحكم بنفسه من الكتاب والسنة فما عليه إلا التقليد لقول الله تبارك وتعالى (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ومن المعلوم أن العامي لا يمكن أن يستخلص الحكم من الأدلة لأنه عامي فما عليه إلا أن يقلد وفي هذه الحال يجب عليه أن يقلد من يرى أنه أقرب إلى الصواب لسعة علمه وقوة دينه وأمانته ولا يحل لإنسان أن يقلد على وجه التشهي بمعنى أنه إذا رأى القول السهل الميسر تبعه سواء كان من فلان أو من فلان فهذا ربما يقلد عشرة أشخاص في يوم واحد حسبما يقتضيه مزاجه والواجب إتباع من يرى أنه أقرب إلى الصواب لعلمه وأمانته أما التزام التمذهب بمذهب معين يأخذ برخصه وعزائمه على كل حال فهذا ليس بجائز وذلك لأنه فيه طاعة غير الله ورسوله على وجه الإطلاق ولا أحد تجب طاعته والعمل بقوله على وجه الإطلاق إلا الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
***
من باكستان يقول ما هو التقليد وما هو الاجتهاد وهل التقليد كان موجودا في زمن الصحابة والتابعين فيقلد بعضهم بعضا أم لا؟

(112/20)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم الاجتهاد هو بذل الجهد في الوصول إلى حكم شرعي من الأدلة الشرعية الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح هذا هو الاجتهاد ومن المعلوم أنه لا يصلح للاجتهاد إلا من كان عارفا بطرقه وعنده علم ودراية حتى يتمكن من الوصول إلى استنباط الأحكام من أدلتها التي أشرت إليها وأما التقليد فهو الأخذ بقول مجتهد من غير معرفة دليله بل يقلده ثقة بقوله والتقليد في الواقع حاصل من عهد الصحابة رضي الله عنهم فإن الله تعالى يقول (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ولا شك أن من الناس في عهد الصحابة رضي الله عنهم وإلى عهدنا هذا من لا يستطيع الوصول إلى الحكم بنفسه لجهله وقصوره ووظيفة هذا أن يسأل أهل العلم وسؤال أهل العلم يستلزم الأخذ بما قالوا والأخذ بما قالوا هو التقليد وعلى هذا فنقول من لا يتمكن من الوصول إلى الحق بنفسه فليتمكن من الوصول إليه بتقليد غيره من أهل العلم الذين أمر بسؤالهم إذا لم يكن عالما ولكن إذا سألنا سائل من أقلد فالجواب أن الواجب أن تقلد من تراه أقرب إلى الحق لأن أهل العلم كالأطباء فهم أطباء القلوب وإذا كان الواحد منا إذا مرض وكان في البلد أطباء كثيرون فإنه سوف يختار من كان أحذق وأعرف بالطب والأدوية والعلاج ولا يمكن لأحد أن يذهب إلى طبيب قاصر مع وجود من هو أحذق منه إلا عند الضرورة كذلك في التقليد اختر من تراه أقرب إلى الحق لكونه أعلم وأتقى لله عز وجل وفي هذه الحال تكون قد امتثلت أمر الله تعالى في قوله (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون).
***
علي إبراهيم من الرياض يقول ما هي شروط الاجتهاد ومن هو المقلد؟

(112/21)

فأجاب رحمه الله تعالى: أما شروط الاجتهاد فإن العلماء مختلفون فيها لكن لا بد من أن يكون الإنسان لديه اطلاع على الأدلة الشرعية وعلى مواقع النزاع بين أهل العلم وأن يكون لديه ملكة يستطيع بها أن يرجح الراجح ويزيف المرجوح والاجتهاد قد يتجزأ بمعنى أنه قد يكون الإنسان مجتهدا في باب من أبواب العلم دون غيره أو في مسألة من مسائل العلم دون غيرها فقد يكون الإنسان لديه اجتهاد في كتاب الطهارة مثلا يحرره ويحققه وينظر آراء العلماء وينظر الأدلة ويخلص من هذا إلى أن يستطيع الترجيح بين الأقوال حسب القواعد المعروفة عند أهل العلم وقد يكون مجتهدا في مسألة من مسائل الطهارة مثلا كالوضوء ولكنه في غيره ذلك لا يستطيع الاجتهاد وأما المقلد فهو الذي ليس عنده علم وإنما يأخذ العلم من غيره تقليدا كقوله تعالى (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وقد أجمع العلماء كما ذكره عبد البر رحمه الله على أن المقلد لا يعد من أهل العلم مهما بلغ في التقليد ومهما بلغ من الاطلاع على كتب من قلدهم لأنه في الحقيقة إن تكلم فهو ناقل عن غيره وإن رجع إلى كتب من قلدهم فهو تابع لغيره فليس من العلماء ولهذا لا يجوز للإنسان أن يستفتي شخصا مقلدا مع أنه يمكنه أن يستفتي من لديه اجتهاد ثم المقلد إذا دعت الضرورة إلى استفتائه فإنه لا يفتي بالشيء مضيفا له إلى نفسه بل يقول قال فلان كذا أو قال فلان كذا أو قال الحنابلة كذا أو الشافعية كذا أو ما أشبه ذلك ممن يفتي بتقليدهم أو من يفتي بناء على تقليدهم.
***
هل هناك شروط للمجتهد أو للاجتهاد ؟

(112/22)

فأجاب رحمه الله تعالى: العلماء ذكروا للاجتهاد شروطا أهمها أن يكون عند الإنسان علم وملكة علم بأدلة الشرع وملكة يتمكن بها من استنباط الأحكام من أدلتها لأن من ليس عنده علم من الشرع كيف يكون مجتهدا في شيء لا علم له فيه ومن عنده علم لكن ليس عنده ملكة يتمكن بها من استنباط الأحكام صار كمن بيده سيف لكن لا يعرف أن يقتل به فلا بد من أن يكون عند الإنسان علم وملكة فإذا كان عند الإنسان علم وملكة صار من أهل الاجتهاد ولا فرق بين أن يكون مجتهدا اجتهادا عاما أو اجتهادا خاصا فإن بعض الناس قد يكون مجتهدا في مسألة معينة يعلم أدلتها ويتمكن من التطبيق على هذه الأدلة ولكنه في مسائل أخرى جاهل بمنزلة الأمي فيوجد من طلبة العلم من يكون عنده علم في مسائل العبادات يمكن أن يجتهد به ولكن في المعاملات ليس عنده علم أو يكون عنده علم في المعاملات العقدية كالبيوع والإيجارة والرهن والوقف وما أشبه ذلك وليس عنده علم في مسائل المواريث والفرائض فعلى كل حال قد يتجزأ الاجتهاد فيكون الإنسان مجتهدا في مسألة أو باب من أبواب العلم دون المسائل الأخرى.
***
أبو ساطع الحديثي من العراق محافظة الأنبار يقول إن هناك عدة مذاهب في الإسلام منها المذهب الشافعي والمذهب الحنبلي والمذهب الحنفي والمذهب المالكي ويقال إنه في بعض مذاهب أخرى هل تلك المذاهب كانت موجودة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم.

(112/23)

فأجاب رحمه الله تعالى: ليست هذه المذاهب موجودة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهذه المذاهب في الحقيقة ما هي إلا آراء اجتهادية من أئمتها رحمهم الله وهم مع ذلك مجمعون قاطبة على أنه متى تبين الدليل فإن الواجب إتباعه وطرح آراءهم خلافا للمتعصبين لهم الذين يجعلون أقوال هؤلاء الأئمة بمنزلة النصوص الشرعية التي لا تجوز مخالفتها والتي يعتبرون مخالفتها منكرا وهذا حرام عليهم ولا يجوز لهم فكل من تبين له الدليل واستبانت له السنة فإنه يحرم عليه أن يقدم عليها قول أحد كائنا من كان حتى ولو كان أبا بكر وعمر وعثمان وعليا رضي الله عنهم أجمعين فإن الواجب بإجماع أهل العلم على من استبانت له السنة أن يتبعها على أي مذهب كان وبهذا نعرف أنه ينبغي لأهل العلم أن يكون أكبر همهم الدأب على البحث في مصادر السنة بل في مصادر الشريعة وهما الكتاب والسنة علما وفهما وتفهيما وعملا حتى يرجع الناس إلى ما كان عليه السلف الصالح من الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وحتى يحصل الاتفاق والائتلاف بينهم لأنه لا يمكن أن يحصل تمام الاتفاق والائتلاف مع وجود التنازع في الآراء والاختلاف حتى ولو كانت فقهية من الأمور التي يسمونها فرعية فإنه لابد أن يحصل تباين وتباعد بين المسلمين إذا تعصب كل منهم لما كان عليه إمامه مع أن الأئمة رحمهم الله وجزاهم خيرا والمحققون من أتباعهم والعلماء كلهم يرون أنه لا يجوز لأحد تستبين له السنة أن يخالفها لأقوالهم.
فضيلة الشيخ: أيضا يقول في أي زمن ظهرت هذه ولماذا ظهرت؟

(112/24)

فأجاب رحمه الله تعالى: ظهرت هذه بعد انقراض العصر الأول من الصحابة رضي الله عنهم في القرن الثاني من قرون هذه الأمة أما ولماذا ظهرت فهذا السؤال لا يمكن الإجابة عليه لأن ظهورها لم تظهر لأجل أن تتبع ولكن الذين قالوا بها من الأئمة هذا هو اجتهادهم لكن صار لهم أتباع وطلاب أخذوا عنهم ثم نشروا هذه المذاهب وما زالت تتسع باتساع الأمة الإسلامية حتى كثر أتباعها غالب المسلمين انحصروا في هذه المذاهب الأربعة مع أن هناك مذاهب أخرى لها ما لهذه المذاهب وعليها ما على هذه المذاهب من التصويب والتخطئة لأن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
***
هل من الواجب على المسلم أن يعتنق مذهبا معينا من هذه المذاهب؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الصحيح أنه لا يلزم أحدا من المسلمين أن يعتنق مذهبا من هذه المذاهب وإنما يجب عليه أن يعتنق ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولكنه إذا كان ليس أهلا لذلك أي ليس أهلا لأخذ الأحكام من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإن عليه أن يسأل أهل العلم سواء كانوا منتمين إلى هذه المذاهب أم غير منتمين أن يسألهم ليعمل بما يقولون لقول الله تعالى (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) فهذا الواجب عليه إذا كان لا يستطيع أن يصل إلى معرفة الحق بنفسه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإن الواجب عليه أن يسأل من يثق به من أهل العلم.
***
ما حكم تقليد مذهب من المذاهب الأربعة؟

(112/25)

فأجاب رحمه الله تعالى: ينقسم الناس إلى أقسام بالنسبة لالتزام المذاهب فمن الناس من ينتسب إلى مذهب معين لظنه أنه أقرب المذاهب إلى الصواب لكنه إذا تبين له الحق اتبعه وترك ما هو مقلد له وهذا لا حرج فيه وقد فعله علماء كبار كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بالنسبة لمذهب الإمام أحمد بن حنبل فإنه أعني ابن تيمية كان من أصحاب الإمام أحمد ويعد من الحنابلة ومع ذلك فإنه حسب ما اطلعنا عليه في كتبه وفتاويه إذا تبين له الدليل اتبعه ولا يبالي أن يخرج على ما كان عليه أصحاب المذهب وأمثاله كثير فهذا لا بأس به لأن الانتماء إلى المذهب ودراسة قواعده وأصوله يعين الإنسان على فهم الكتاب والسنة وعلى أن تكون أفكاره مرتبة.
ومن الناس من هو متعصب لمذهب معين يأخذ برخصه وعزائمه دون أن ينظر في الدليل بل دليله كتب أصحابه وإذا تبين الدليل على خلاف ما في كتب أصحابه ذهب يؤوله تأويلا مرجوحا من أجل أن يوافق مذهب أصحابه وهذا مذموم وفيه شبه من الذين قال الله فيهم (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا (60) وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا) وهم وإن لم يكونوا بهذه المنزلة لكن فيهم شبه منهم وهم على خطر عظيم لأنهم يوم القيامة سوف يقال لهم ماذا أجبتم المرسلين لا يقال ماذا أجبتم الكتاب الفلاني أو الكتاب الفلاني أو الإمام الفلاني.

(112/26)

القسم الثالث من ليس عنده علم وهو عامي محض فيتبع مذهبا معينا لأنه لا يستطيع أن يعرف الحق بنفسه وليس من أهل الاجتهاد أصلا فهذا داخل في قول الله سبحانه وتعالى (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ويتفرع على هذا السؤال سؤال آخر وهو إذا سأل العامي شيخا من العلماء فأفتاه وسمع شيخا آخر يقول خلاف ما أفتي به ممن يأخذ بقوله؟ يتحير العامي أيأخذ بقول هذا أو هذا وهو ليس عنده قدرة على أن يرجح أحد القولين بالدليل فيقال في جواب هذا السؤال لا يكلف الله نفسا إلا وسعها انظر ما يميل إليه قلبك من الأقوال واتبعه فإذا مال قلبك إلى قول فلان لكونه أعلم وأورع فاتبعه وإذا تساوى عندك الرجلان فقيل يؤخذ بأشدهما وأغلظهما احتياطا وقيل يؤخذ بأيسرهما وأسهلهما لأنه الأقرب إلى قاعدة الشريعة والأصل براءة الذمة وقيل يخير والأقرب أنه يأخذ بالأيسر لقول الله تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) والأدلة متكافئة أو لأن المفتيين كلاهما في نظر السائل على حد سواء.
***
هل العوام غير العالمين بالمذاهب ملزمون باتباع مذهب معين من المذاهب الأربعة وما هو المذهب الذي تحبذون اتباعه وجزاكم الله عنا خير الجزاء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الصحيح أنه لا يلزم أحدا أن يتبع مذهبا دون مذهب إلا مذهبا واحدا وهو مذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهؤلاء الأئمة الأربعة كلهم يريدون أن يتمسكوا بمذهب الرسول عليه الصلاة والسلام ولكنهم بشر يخطئون ويصيبون ولا نرى أن واحد منهم يجب إتباع قوله إتباعا مطلقا بل نقول من تبين أن الصواب في قوله وجب اتباعه من أجل أنه صواب لا من أجل أنه قول فلان أو فلان هذا ما نراه في هذه المسألة.
***
ما حكم الإفتاء إذا علمت فتوى السؤال من شيخ من كبار العلماء؟

(112/27)

فأجاب رحمه الله تعالى: الإفتاء بقول بعض العلماء الذين تثق بهم، لا بأس به ولكن لتكون صيغة الإفتاء بقولك قال فلان كذا وكذا، إذا كنت متيقنا من قوله ومن أن هذه الصورة التي سئلت عنها هي التي يقصدها هذا العالم، وأما أن تفتي به جزما فهذا لا ينبغي لأنك إذا أفتيت به جزما نسبت الفتوى إليك، وأما إذا نقلتها عن غيرك فأنت ناقل وتسلم من أن ينسب إليك ما لست أهلا له فالإنسان المقلد ينبغي له أن ينسب القول إلى من قلده لا إلى نفسه بخلاف الذي يستدل على حكم المسألة من الكتاب والسنة وهو من أهل الاستدلال فلا بأس أن يفتي ناسبا الشيء إلى نفسه.
***
حامد إبراهيم بالرياض يقول إذا أفتى الإنسان فتوى لأحد من الناس ثم ذهب هذا المفتي وبعد حين من الزمن راجع هذا المفتي أقوال أهل العلم فوجد فتواه خطأ فماذا يعمل وهل عليه اثم نرجو الافادة بهذا؟

(112/28)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت الفتوى الأولى عن اجتهاد وكان هو جديرا بأن يجتهد ثم بعد البحث والمناقشة تبين له خطأ اجتهاده الأول فإنه لا شيء عليه وقد كان الإئمة الكبار يفعلون مثل هذا فتجد عن الواحد منهم في المسألة الواحدة عدة أقوال أما إذا كانت فتواه الأولى عن غير علم وعن غير اجتهاد ولكنه يظن ظنا وبعض الظن اثم فإنه يحرم عليه أصلا أن يفتي بمجرد الظن أو الخرص لأنه إذا فعل ذلك فقد قال على الله بلا علم والقول على الله بلا علم من أكبر الذنوب لقوله تعالى (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) وعليه أن يبحث عن الذي استفتاه حتى يخبره بأن فتواه خطأ وغلط فإذا فعل هذا فأرجو أن يتوب الله عليه ومسألة الفتيا بغير علم مسألة خطيرة لأنه لا يضل بها المستفتي وحده بل ربما ينشرها المستفتى بين الناس ويضل بها فئام من الناس وهي خطأ وظلم.
***
ما هي الشروط التي يجب أن تتوفر في المفتي ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الشروط في المفتي هي أن يكون مطلعا على غالب أقوال أهل العلم ومطلعا على الأدلة الشرعية في هذا الحكم الذي أفتى به وأما مجرد الظن والتقليد فإنه لا يفتى به لكن التقليد إذا كان ليس هناك مجتهد وليس بإمكان الإنسان أن يجتهد وهو من طلبة العلم الذين يعرفون ما كتبه العلماء فلا حرج عليه أن يفتي به للضرورة.
***
كنت أجلس في أحد المجالس وسمعت أختين لا أعرفهما تسأل إحداهما الأخرى عن حكم شرعي فأجابتها بأنها لا تعلم عن الحكم وكانت هذه المرأة قد سمعت حكم هذا الأمر من أحد العلماء في برنامج نور على الدرب فهل تقول أخبرها رغم أنها لم توجه لها السؤال؟

(112/29)

فأجاب رحمه الله تعالى: خلاصة هذا السؤال أن امرأة سألت أخرى عن حكم مسألة شرعية فقالت لا أدري وكان إلى جانبهما امرأة تعرف الحكم الشرعي فهل تخبر هذه السائلة مع أنها لم تسألها فالجواب نعم تخبرها لأنها محتاجة كما لو أن المرأة سألت أخرى درهما لتشتري به خبزا لها فقالت ليس معي شيء والأخرى معها الدرهم فتعطيها بل هذا أبلغ لأنه علم شرعي فتقول مثلا المرأة الثالثة إني سمعت في نور على الدرب أن هذه المسألة حكمها كذا وكذا وحينئذ تنتفع السائلة والمسئولة.
***
صالح سلمان من السودان يقول لقد شاع في هذا الزمان التسرع بالفتوى من غير علم ولا بصيرة فما حكم الشرع في نظركم في مثل هذا الموضوع؟

(112/30)

فأجاب رحمه الله تعالى: حكم الشرع فيما نرى ويراه غيرنا من أهل العلم أنه لا يجوز التسرع في الفتوى بغير علم بل إن الفتوى بغير علم من أعظم الذنوب قرنها الله تعالى بالشرك في قوله تعالى (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) فالمفتي معبر عن الله عز وجل ومعبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم معبر عن الله لأنه يتكلم عن أحكام الله في عباد الله ومعبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأن العلماء ورثة الأنبياء فإذا كان الأمر كذلك فيا ويله إن افترى على الله كذبا وعلى رسوله فليتحرز الإنسان من التسرع في الفتوى وليقتدي بالسلف الصالح حيث كانوا يتدافعونها كل منهم يدفعها إلى الأخر ليسلم من مسئوليتها وليعلم أن الإمامة في الدين لا تكون بمثل هذا بل إن الناس إذا رأوا المتسرع في الفتوى وعرفوا كثرة خطئه فإنهم سوف ينصرفون عنه ولا يثقون بفتواه وأما إذا كان رصينا متأنيا لا يفتى إلا عن علم أو عن غلبة ظن فيما يكفى فيه غلبة ظن فإنه حين إذن يكون وقورا محترما بين الناس ويكون لكلامه اعتبار وقبول
***

(112/31)

المستمع من جمهورية مصر العربية رمز لاسمه بـ م ل م يقول هناك ممن ينتسبون إلى العلم يفتي بدون دليل فإن طولب بالدليل غضب وثار وقال هل أفني عمري في البحث عن الأدلة ومن العجب أنه علم تلاميذه ومريديه عبارة غريبة فحواها بأن العالم لا يسأل عن الدليل ما الحكم في مقولة هذا الذي ينتسب إلى العلم وما الحكم أيضا في فتواه وأيضا غضبه من طلب الدليل وما الحكم في مقولة تلاميذه ومريديه من أن العالم لا يسأل عن الدليل ثم ما الحكم في استفتاء من حاله كهذا أفيدونا في هذا الأمر الخطير جزاكم الله عنا خير الجزاء على أن تكون الإجابة مشفوعة بالأدلة؟

(112/32)

فأجاب رحمه الله تعالى: الحقيقة أن ما ذكره السائل قد يوجد من بعض الناس ولاسيما من كان أكبر همه أن يكون ذا جاه بين العامة فإن من الناس من يفتي سواء كانت فتواه مستندة إلى دليل أم كانت فتواه مجرد تقليد لمن يعظمه من العلماء السابقين أو اللاحقين وقد ذكر ابن عبد البر رحمه الله إجماع العلماء على أن المقلد لا يعد من العلماء لأن المقلد ليس إلا نسخة كتاب من مذهب من يقلده وليس من العلماء في شيء ولهذا أرى أن التقليد لا يجوز إلا عند الضرورة وقد شبه شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله التقليد بأكل الميتة يجوز عند الضرورة وأما مع القدرة على الدليل فإن التقليد لا يجوز وهذا مفهوم من قوله تعالى (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) أما حال هذا الرجل الذي إذا طلب منه الدليل غضب وقال كيف أفني عمري في طلب الدليل فإن هذا يدل على جهله وعلى جهالته أيضا لأن الإنسان العالم ينبغي له أن يفرح إذا طلب منه السائل الدليل لأن طلب السائل للدليل إذا لم يكن المقصود به الإعنات والإشقاق يدل على محبة هذا السائل لكونه يبني عقيدته أو قوله أو عمله على أساس من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ليعبد الله على بصيرة فإن الحقيقة أن العلم معرفة الهدى بدليل والإنسان سوف يسأل يوم القيامة ماذا أجاب المرسلين كما قال الله تعالى (ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين) وليس يقال له ماذا أجبت فلانا أو فلانا من الناس سوى الرسل عليهم الصلاة والسلام ونصيحتي لهذا العالم أن يتق الله تعالى في نفسه وأن لا يفتي إلا بدليل من الكتاب والسنة اللهم إلا عند الضرورة وأن يحرص تلاميذه على طلب الدليل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويمرنهم عليه وعلى استنباط الأحكام من أدلتها حتى ينفع الله به ونحن جربنا بأنفسنا فأحيانا تمر بنا المسألة نطلبها فيما عندنا من كتب أهل العلم فلا نجد لها

(112/33)

حكما ثم إذا رجعنا إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وجدناها قريبة يتناولها اللفظ بعمومه أو بمفهومه أو بإشارته أو بلازمه أو غير ذلك من أنواع الدلالة المعروفة إما في القرآن وإما في السنة وهذا يدل على قصور بني آدم وأنه مهما بلغوا من الذكاء وتفنيد الأحكام على دلائلها فإنهم لم يحيطوا بما تتطلبه أحوال الخلق وما يجب عليهم لكن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هما اللذان يحتويان ذلك كله ولكن هذا أيضا يعتمد على قوة الفهم لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وقوة الفهم تكون هبة من الله عز وجل على العبد إما تفضلا منه وإما بهداية الله له بممارسة الكتاب والسنة والتأمل فيهما والنظر في دلالاتهما ولهذا فإني أحث إخواني ولاسيما طلبة العلم أن يكون مرجعهم دائما إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأن يستعينوا على فهمهما واستنباط الأحكام منهما بما كتبه أهل العلم الراسخون فيه من القواعد والضوابط التي تعين طالب العلم على استنباط الأحكام من أدلتها فإنه في الحقيقة لا غنى لطالب العلم عما كتبه السلف في كيفية استخراج الأحكام من أدلتها و أما قول هذا الشيخ أن العالم لا يطلب منه الدليل فهذا خطأ بل العالم حقا هو الذي يعرض الدليل أولا بقدر ما يستطيع وبحسب فهم السائل فإن لم يفعل وطلب منه الدليل فليكن منشرح الصدر في سؤال أو في طلب الدليل وليأتي بالدليل وكما أسلفت آنفا أن تمرين الطلبة على استخراج الأحكام من أدلتها من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هو بالحقيقة من أكبر الوسائل التي تعين على انتشار الأحكام واستخراج أحكام المسائل الجديدة التي لم تكن معروفة في سلفنا الصالح.
***

(112/34)

فضيلة الشيخ محمد حقيقة في حلقة سابقة استمعنا إلى سؤال عن أحد الأشخاص الذي أدى العمرة وقد أفتاه مجموعة من الإخوان ما بين فدية وقال آخر تحرم من التنعيم تسرع بعض الناس في الفتوى فضيلة الشيخ هل لكم تعليق عليه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم لنا تعليق على هذا وهو أنه يحرم على الإنسان أن يسارع في الفتية بغير علم لقول الله تبارك وتعالى (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والأثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) ولقول الله تبارك وتعالى (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) ولقول الله تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) وربما يدخل هذا في قول النبي صلى الله عليه وسلم (من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار) وفي الأثر (أجرؤكم على الفتية أجرؤكم على النار) وكان السلف رحمهم الله يتدافعون الفتيا كل منهم يحيلها على الآخر ولكن الذي يظهر لي أن هذا السائل لم يفته أحد من العلماء لكنه فتوى مجالس من العامة أي قال كل واحد منهم أظن أن عليك كذا أن عليك كذا ومع ذلك فإننا لا نعذره لأن الواجب عليه أن يسأل أهل العلم الذين هم أهل للإفتاء لكنني أحذر صغار الطلبة الذين يتسرعون في الإفتاء فتجد الواحد منهم يعرف دليلا في مسألة وقد يكون هذا الدليل عاما مخصوصا أو مطلقا مقيدا أو منسوخا غير محكم فيتسرع في الفتيا على ضوئه دون أن يراجع بقية الأدلة وهذا غلط محض يحصل فيه إضلال المسلمين عن دينهم ويحصل فيه البلبلة والإشكال حتى فيما يقوله العلماء الذين يفتون عن علم لأن

(112/35)

هذا الإفتاء الذين حصل لهم بغير علم والذي فيه مخالفة الحق ربما يضعه الشيطان في قلوبهم موضع القبول فيحصل بذلك عندهم التباس وشك لهذا نقول لإخواننا إياكم والتسرع في الفتيا واحمدوا ربكم أنه لا يلزمكم أن تقولوا بشيء إلا عن علم أو عن بحث تصلون فيه على الأقل إلى غلبة في الظن وكم من مفسدة حصلت في الإفتاء بغير علم ربما يحصل بذلك إفطار في صوم أو قضاء صوم غير واجب أو ربما تصل إلى حد أكبر كما يرد علينا أمور كثيرة في هذا الباب والله المستعان.
***
أحسن الله إليكم من الأردن هذا شاب يقول أنا شاب في العشرين من عمري ترك والدي رحمه الله مبلغا من المال فاشترى أخي الكبير بالمال أراضي وقام بتسجيل الأراضي التي قمنا بشرائها باسم الأخوة الذكور فقط وأضاف مبلغ عليه وأنا الآن أريد هذه الحصة نقدا ولا أريد هذه الأرض أفتونا يا فضيلة الشيخ في ذلك مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نفتيه بأن نرده إلى الحاكم الشرعي هناك لأن مسائل الخصومة أو ما يقدر أن يكون فيها خصومة لا يجيب عنها المفتي وإذا أجاب عنها المفتي فقد يكون عند خصمه ما لم يذكره للمفتي هذه من جهة وقد يكون رأي المفتي غير رأي الحاكم في المسائل الخلافية لذلك ننصح إخواننا المفتين إذا عرضت عليهم أي مشكلة بين اثنين ألا يفتوا فيها لأن هذا ما فيه ألا جر النزاع وربما ترفع القضية للحاكم ويحكم الحاكم بغير ما أفتى به هذا المفتي فيتحدث الناس قال المفتي كذا وقال الحاكم كذا مع إنه قد يدلى عند الحاكم بحجة لم تذكر عند المفتي فنصيحتي لإخواني المفتيين سواء في السعودية أو غيرها ألا يفتوا بما فيه نزاع نعم لو فرض أن المستفتي سأل عن مسألة يكون الحق فيها عليه هو فهنا قد نقول إن للمفتي رخصة أن يفتي بها لأجل أن يقطع النزاع بين المستفتي وبين خصمه ويختصر الطريق أما إذا كانت المسألة محتملة أن تكون لهذا أو لهذا أو هي له على خصمه فهنا نقول لا تفتي وحولها إلى الحاكم وذمتك بريئة.

(112/36)

***
أحسن الله إليكم وبارك فيكم هذا السائل من الرياض أ. أ. يقول لدينا أحد الزملاء يفتي الزملاء في العمل في كل صغيرة وكبيرة ونعلم خطورة الفتوى بغير علم فحدثونا عن خطر ذلك مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المفتي في الأمور الشرعية معبر عن دين الله فلا يحل لأحد أن يفتي بغير علم فإن ذلك من كبائر الذنوب قال الله تبارك وتعالى (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) وقال الله تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا) وقال تعالى (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (116) متاع قليل ولهم عذاب أليم) ومن أفتى بغير علم فقد وضع نفسه شريكا مع الله عز وجل في تشريع الأحكام فنصيحتي لهذا الذي نصب نفسه مفتيا في كل صغيرة وكبيرة أن يتوب إلى الله عز وجل وأن لا يفتي إلا بما علم أنه من شرع الله عز وجل أو غلب على ظنه أنه من شرع الله بعد الاجتهاد التام وقد اتخذ بعض الناس الفتوى حرفة يترفع بها على من أفتاه ويري الناس أنه ذو علم وهذا خطأ وسفه في العقل وضلال في الدين وقد قال الله تعالى في كتابه (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) ولم يقل الذين يفتون ، فعلى المرء أن يعرف قدر نفسه وأن يكل الأمر إلى أهله وأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويذكر الوعيد فيمن قال على الله ما لا يعلم.
***

(112/37)

بارك الله فيكم هذا السائل أحمد حسين يقول إذا سئل المسلم عن شيء يعرفه في أمور الدين وهو ليس متفقها في أمور الدين فهل يجب عليه أن يخبره بهذا الشيء وإذا كان المسئول يعمل هذا العمل فهل يحرم عليه أن يخبر غيره بهذا الشيء أم أنه يظل صامتا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا سئل المسلم عن شيء يعرفه من أمور الدين فإن عليه أن يجيب لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (بلغوا عني ولو آية) ولكن إذا قال له السائل مثلا من أين علمت أن هذا حكمه كذا وكذا فليسنده إلى من سمعه منه من العلماء حتى يكون السائل مطمئنا أما إذا كان لا يعلم فإنه لا يجوز له أن يخبره ولا عبرة لما يشتهر بين العامة فإن العامة قد يشتهر عندهم أن هذا الشيء جائز وهو ليس بجائز وقد يشتهر عندهم أن هذا ليس بجائز وهو جائز لكن إذا كان يعلم الحكم عن عالم من العلماء الموثوق بعلمهم فعليه أن يخبر به وإلا فإنه يجب عليه أن يتوقف لقول الله تبارك وتعالى (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) ولقوله تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا).
***
سمعت من بعض الناس أن علماء آخر الزمان يتوسعون في الدين أي يبيحون كل شيء بحيث إنهم يقولون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تأخذوا من علماء آخر الزمان فهم يضلونكم هل هذا حديث صحيح؟

(112/38)

فأجاب رحمه الله تعالى: إن هذا الحديث الذي ذكرت لا أصل له وليس بصحيح وعلماء الضلال موجودون في أول هذه الأمة من بعد عصر القرون المفضلة إلى اليوم وإلى ما بعد اليوم والله أعلم وليس هذا خاصا بآخر الزمان فقد ورد في صدر هذه الأمة بعد القرون المفضلة ورد علماء مضلون صاروا أئمة لمن بعدهم في الضلال والدعوة إلى الضلال والعياذ بالله وليس هذا خاصا بآخر هذه الأمة وأما ما نسمعه من بعض كبار السن من إنكارهم ما يسمعون من العلم فإن هذا من جهلهم في الحقيقة وليس غريبا أن يقع منهم مثل هذا الإنكار لأنهم جهلة ولو كان عندهم علم لكانوا يطلبون لما سمعوه من هذه العلوم يطلبون الدليل فإذا وجدوا الدليل علموا أن ما قيل ليس بجديد ولكن الذي جد هو سماع هؤلاء له ولا يلزم من تجدد سماع هؤلاء لما سمعوه من العلم أن يكون العلم جديدا فالواجب على المسلم إذا سمع شيئا ليس في معلومه من شريعة الله سبحانه وتعالى الواجب عليه أن يبحث عن دليل هذا الذي سمع فإذا كان دليلا صحيحا وجب عليه القبول وإن لم يكن صحيحا فله الحق في أن يرفض بل يجب عليه أن يرفض إذا كان يخالف دليلا آخر أصح منه.
فضيلة الشيخ: إذن نستطيع أن نقول أن انتشار العلم وكثرة العلماء والبحث هو الذي أدى إلى هذه المعرفة التي كانت خافية عليهم؟

(112/39)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هو هذا لكن في الحقيقة الذي يخشى منه الآن هو أن بعض الناس يتسرعون في الفتوى ولا يحققون ما يقولون وهذه هي المسألة الخطيرة جدا لأننا نسمع هذا كثيرا ونقرأه كثيرا وينقل إلينا كثيرا مسائل أفتي فيها نعلم أن المفتي لو أنه بحث وفتش لوجد أن الصواب في خلاف ما أفتى به ولكنه لم يشأ أن يتكلف المشقة في طلب الحق فتجده يفتي بما يراه يقول أرى كذا وأرى كذا والعامة لا يميزون بين قوله أرى كذا وبين قوله هذا حكم الله فهم يرون أن من يعتقدونه عالما أنه إذا قال أرى كذا فمعناه أن هذا هو الشرع مع أن الأمر بخلافه والذي أنصح به إخواني ألا يتسرعوا فإن التسرع إلى الفتوى بدون بحث وتحقيق وعلم هو في الحقيقة مرض خطير ويجب على المرء أن يعلم بأنه إذا أفتى بحكم من أحكام الشريعة فإنما هو مبلغ عن شريعة الله سبحانه وتعالى لخلقه وهو مسؤول عن ذلك فليحذر هذا الأمر العظيم.
فضيلة الشيخ: إذن هناك سؤال لابد من طرحه مادمتم تفضلتم بهذا الحديث وهو هل يجوز للمفتى أن يقول أرى وهو يجد نصا أو يجد فتوى سابقة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان النص صريحا فإنه لا يقول أرى إذا كان النص صريحا يقول هذا حكم الله لقوله تعالى أو لقول النبي صلى الله عليه وسلم وإذا كان النص غير صريح فلا حرج أن يقول أرى لأن الحديث ليس بصريح فيما يقول وقد يكون رأيه أو فهمه للحديث ليس بصحيح فحينئذ يقول هذا رأيي وأما الرأي المجرد الذي ليس له مستند فهذا لا يجوز الفتوى به مطلقا لأنه لو قيل كذلك لكان من الذين يقولون في القرآن برأيهم لأن من قال في القرآن برأيه كما أنه لتفسير القرآن فهو أيضا لبيان أحكام القرآن والشريعة فمجرد الرأي لا يجوز الفتوى به حتى يكون له مستند من نص أو إجماع أو قياس صحيح يكون به الرائي من أهل النظر والقياس والمعرفة.
فضيلة الشيخ: بالنسبة للفتوى إذا كان هناك فتوى سابقة؟

(112/40)

فأجاب رحمه الله تعالى: كذلك بالنسبة للفتوى السابقة لا يجب عليه أن يلتزم بها لأن الفتوى السابقة يجوز عليها الخطأ كما يجوز على الفتوى اللاحقة وإنما يعتمد فيما يفتي إذا استطاع على الكتاب والسنة.
***
هل من توجيه لأولئك الذين يفتون دون علم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هناك توجيه واجب أن نوجه إخواننا الذين يتسرعون في الفتوى ونقول لهم إن الأمر خطير لأن المفتي يعبر عن شريعة الله فهل هو على استعداد إذا لاقى الله عز وجل وسأله عما أفتى به عباده من أين لك الدليل أما المفتي بلا علم ليس عنده دليل حتى لو أصاب فقد أخطأ لقول الله تبارك وتعالى (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) والقول على الله بلا علم يشمل القول عليه في ذاته أو أسمائه أو صفاته أو أحكامه وقال الله تعالى(ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا) وقال تعالى (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم) وفي الحديث (أجرأكم على الفتيا أجرؤكم على النار) وكان السلف رحمهم الله يتدافعون الفتيا حتى تصل إلى من يتعين عليه الإجابة وإني أقول لهؤلاء الذين يريدون أن يسبقوا إلى السؤدد والإمامة أقول لهم اصبروا فإن كان الله قد أراد بكم خيرا ورفعة حصلتم ذلك بالعلم وإن كانت الأخرى فإن جرأتكم على الفتيا بلا علم لا تزيدكم إلا ذلا بين العباد وخزيا يوم الميعاد وإني لأعجب من بعض الإخوة الذين أوتوا نصيبا قليلا من العلم أن يتصدروا للإفتاء وكأن الواحد منهم إمام من أئمة السلف حتى قيل لي عن بعضهم حين أفتى بمسألة

(112/41)

شاذة ضعيفة إن الإمام أحمد بن حنبل يقول سوى ذلك فقال هذا المفتي لمن أورد عليه هذا الإيراد ومن أحمد بن حنبل أليس رجلا إنه رجل وإنا نحن رجال ولم يعلم الفرق بين رجولته التي ادعاها ورجولة الإمام احمد إمام أهل السنة رحمه الله وأنا لست أقول إن الإمام أحمد قوله حجة لكن لا شك أن قوله أقرب إلى الصواب من قول هذا المفتي الذي سلك بنيات الطريق والله أعلم بالنيات.
***
هل من نصيحة إلى من يتصدر للفتيا من دون علم وقد يوقع غيره في الخطأ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نصيحتنا لهذا وأمثاله الذين يفتون بغير علم أن يتقوا الله عز وجل وأن يعلموا بأنهم إذا أفتوا إنما يتكلمون عن الله سبحانه وتعالى ويقولون على الله وقد حرم الله على عباده أن يقولوا عليه ما لا يعلمون وقرن ذلك بالشرك به فقال سبحانه (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) فليحذر المؤمن من أن يكون واقعا فيما حرمه الله عليه ولا يفتي إلا بعلم إن كان من أهل العلم فبما أعطاه الله من العلم وإن كان من العامة فبما سمعه وتيقنه من أهل العلم ومع هذا فإنه ينبغي للعامي أن يتحرز غاية التحرز إذا استفتى أحدا من أهل العلم فإن بعض العامة يستفتون فيصورون الشيء بغير حقيقته فيفتون على ضوء ما سمعه المفتي ويحصل بذلك الخطأ العظيم وبعض العامة يصور الشيء على حقيقته ولكنه لا يفهم الجواب على حقيقته فيقع أيضا في خطر عظيم فيضل ويضل الناس.
***

(112/42)

المياه
أحسن الله إليكم ما هي أقسام المياه وما حكم الاغتسال من المياه الراكدة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المياه قسمان فقط لا ثالث لهما إما طهور وإما نجس فالنجس ما تغير بالنجاسة طعمه أو لونه أو ريحه والطهور ما عدا ذلك ويجوز الاغتسال بالماء الراكد لكن الأفضل ألا ينغمس فيه ولكن يأخذ بيديه ويغتسل خارج الماء يعني خارج مجمع الماء، هذا إذا كان الماء راكدا لا يصب فيه شيء كالغدران في البر وأما إذا كان يأتيه ماء آخر ويتجدد كماء البرك في البساتين فهذا لا بأس به، كذلك أيضا إذا كان الماء كثيرا كماء البحار وماء الأنهار فلا بأس أن يغتسل الإنسان في نفس الماء وهنا سؤال لو أن الإنسان نوى رفع الجنابة وانغمس في الماء والماء يشمل جميع جسده وخرج وتمضمض واستنشق فهل يجوز أن يصلى بدون وضوء؟ وجواب هذا السؤال نعم يجوز أن يصلى بدون وضوء لأنه فعل ما أمر الله به وهو قول الله تعالى (وإن كنتم جنبا فاطهروا) ولم يذكر وضوءا ولكن لا بد من المضمضة والاستنشاق لأنهما في حكم الظاهر أي لأن الفم وداخل الأنف في حكم الظاهر أي لا بد من المضمضة والاستنشاق لكن لا شك أن الغسل الكامل أن يتوضأ الإنسان أولا وضوءا كاملا ثم يغتسل فيفيض الماء على رأسه ثلاث مرات ثم على سائر جسده.
***
هذه رسالة من المستمع عمر أحمد عوض عبد الكريم سوداني مقيم بالكويت يقول هل يصح الوضوء بالماء المالح بطبيعته أو المستخرج من الأرض بواسطة المكائن؟

(113/1)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يصح الوضوء بالماء المالح بطبيعته أو بوضع ملح فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الوضوء بماء البحر فقال (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) ومن المعلوم أن مياه البحار مالحة فيجوز للإنسان أن يتوضأ بالماء المالح سواء كان الملح حادثا فيه طارئا عليه أو كان مالحا من أصله وكذلك يجوز الوضوء بالماء الذي أخرج بالمكائن وغيرها من الآلات الحديثة لأن هذا داخل في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم - إلى قوله- وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه)
***
بارك الله فيكم يقول السائل في قريتنا الريفية نعتمد كل الاعتماد على مياه الأمطار وفي قريتنا مجموعة من المساجد وفي نفس المسجد توجد بركة للماء أي للوضوء وتجلس هذه البرك أحيانا أكثر من عشر سنوات لم يتبدل الماء فيها وأحيانا يكون لون الماء أخضر فهل نتوضأ من هذا أم ماذا نفعل علما بأنه لا يوجد لدينا مياه جارية فاعتمادنا على الأمطار أفيدونا جزاكم الله كل خير؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الماء الذي يتغير من طول مكثه يجوز الوضوء به والغسل منه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الماء طهور لا ينجسه شيء) و أجمع العلماء على أن الماء إذا تغير بالنجاسة صار نجسا وهذا التغير الذي يحدث للماء من طول مكثه ليس تغيرا بالنجاسة حتى وإن أخضر أو صارت له رائحة كريهة فإنه طهور يجوز التطهر به غسلا ووضوءا وإزالة للنجاسة.
***

(113/2)

المستمع عوض ناصر أحمد اليافعي من الطائف يقول في سؤاله يوجد عندنا مسجد في القرية وهو مهجور منذ فترة طويلة ولا أحد يصلى فيه وكذلك الماء لا يوجد فيه إلا أيام الأمطار وإن وجد هذا الماء فالمصلون يتوضؤون بهذا الماء الوضوء الكامل فهل يجوز ذلك علما بأنه يبقى فترة طويلة وتخرج منه رائحة ويتغير لونه ولازالوا يتوضؤون منه فما هو الحكم في ذلك وهل يجوز بناء مسجد آخر قريب منه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحكم في ذلك أن وضوءهم من هذا الماء المتغير بمكثه لا بأس به وهذا الماء طهور وإن تغير لأنه لم يتغير بممازج خارج عنه إنما تغير بطول مكثه في هذا المكان وهذا لا بأس به، يتوضؤون منه ووضوؤهم صحيح. أما إقامة مسجد آخر بقرب هذا المسجد فإنه لا يجوز لأن ذلك من الإضرار بالمسجد الأول وقد ذكر أهل العلم أن ذلك محرم وأنه يجب هدم المتأخر منهما لأنه هو الذي حصل به الإضرار ولا يخفى على الجميع قول الله عز وجل (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله) لا يخفى على أحد هذه الآية وأن كل من بنى مسجدا يحصل به الإضرار بالمسجد الآخر وتفريق المسلمين فإنه يكون له نصيب من هذه الآية
فضيلة الشيخ: لكن لو عمل على إصلاح هذا المسجد وإعادة بنائه من جديد وتحسينه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لكن هذا إذا كان هذا المسجد القديم لا يمكن الانتفاع به فإنه لا بأس من تجديد بنائه على وجه يكون به راحة المصلىن ومثل هذا ينبغي أن تراجع فيه الجهات المسؤولة حتى لا يتلاعب الناس بالمساجد القديمة.
***
نحن مجموعة من الشباب نلعب في ملعب مزروع زراعة طبيعية ولكنه يسقى من مياه المجاري أعزكم الله وإخواني المستمعين بعد تكريرها فهل علينا الاغتسال قبل الصلاة لأنه يحصل أن يسقط أحدنا على الزرع فأرجو الإفادة بهذا؟

(113/3)

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس عليكم الاغتسال يعني أن تغسلوا ثيابكم أو أبدانكم من هذا الماء المكرر لأن هذا الماء المكرر قد زالت نجاسته بما أضيف إليه من المواد الكيماوية التي ذهبت بالنجاسة والماء النجس يكون تطهيره بإضافة شيء إليه يزول به أثر النجاسة من طعم أو لون أو ريح بل قال العلماء إن الماء النجس إذا زال تغيره بنفسه صار طهورا لكن بعض العلماء اشترط أن يكون كثيرا أي بالغا للقلتين فإذا زال تغيره بنفسه وقد بلغ القلتين فهو طهور وإن كان دون القلتين فإنه لا يطهر إلا بإضافة ماء طهور كثير إليه ولكن القول الراجح أنه متى زالت النجاسة من الماء النجس بأي مزيل فإنه يكون طهورا لا ينجس الثياب ولا الأبدان.
***
أحسن الله إليكم هذا سؤال من المستمع حسين محمود موسى من جمهورية مصر العربية الأقصر يقول إذا كان إنسان يغتسل من الجنابة من إناء بقربه وقد تسقط من جسمه قطرات من الماء في ذلك الإناء الذي يغترف منه فهل تفسد طهارته أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا تفسد طهارته إذا كان الإنسان يتوضأ أو يغتسل من إناء وينزل من الماء إلى الإناء الذي يغترف منه فإن هذا لا بأس به ولا حرج لأن هذه القطرات ليست نجسة حتى تنجس الماء وإذا لم تكن نجسة فإن الماء يبقى على طهارته والماء لا ينجس إلا إذا تغير بنجاسة وأما إذا تغير بغير نجاسة كما لو تغير بشيء طاهر وبقي على اسم الماء فإنه يكون طهورا مطهرا.
***
رسالة وردتنا من المستمع من الحفر صالح محمد صالح يقول في رسالته إذا كان الحاج معه ماء من زمزم فقط وحضرت الصلاة فهل يتوضأ منه أو يتيمم؟ نظرا لأن ماء زمزم مبارك ويتخذ للشرب فقط؟

(113/4)

فأجاب رحمه الله تعالى: ماء زمزم كما قال الأخ هو مبارك وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن (ماء زمزم لما شرب له) ولكن -يقال- من بركته أيضا أن يتطهر به العبد لأداء الصلاة فالوضوء به جائز ولا حرج لأنه ماء فيدخل في عموم قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) إلى أن قال (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) فعلى هذا يجب عليه أن يستعمل هذا الماء أي ماء زمزم في طهارته ولا يجوز له العدول إلى التيمم ما دام هذا الماء موجودا.
***
من الدمام مستمع رمز لاسمه بـ أ. أ. يقول جماعة أدركتهم الصلاة وهم في سفر وليس معهم ماء للوضوء ومع أن الجو كان ممطرا والغدير كان على جانب الطريق إلا أنهم شكوا في هذا الماء أنه غير طاهر لاسيما أن هناك عمالا يعملون على الطريق ليسوا بمسلمين وخوفا من أن يكون هؤلاء العمال قد استعملوا هذا الماء فإنهم قرروا عدم استعمال الماء وتيمموا مع أن الأرض كانت مبتلة وليس هناك غبار وقبل انتهاء وقت الصلاة وجدوا الماء ما حكم الشرع في نظركم في هذه الحالة يا شيخ محمد؟

(113/5)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه القضية اشتملت على أمور أولا أنهم تركوا استعمال الماء خوفا من أن يكون نجسا مع أنه ماء نزل من السماء وقد قال الله تعالى (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) فالماء النازل من السماء من أطهر المياه فهو طهور مطهر والشك الذي وقع في نفوسهم من أجل قرب العمال حوله وهم غير مسلمين شك لا يمنع من استعماله لأن الأصل بقاء طهارته وكان الواجب عليهم أن يتوضؤوا بهذا الماء دون اللجوء إلى التيمم لأنه إذا شك الإنسان في طهارة الماء أو نجاسته فإنه يبني على الأصل، فإذا كان أصل الماء طاهرا لم يؤثر الشك في نجاسته وإن كان أصله نجسا فالأصل بقاؤه على نجاسته وهذا الماء الذي في الغدير الأصل فيه الطهارة بل هو طهور مطهر ثانيا قال السائل إن الأرض كانت رطبة فتيمموا عليها وليس فيها غبار وجوابه أن نقول إن التيمم على الأرض رطبة كانت أم يابسة ترابية كانت أم رملية أم صخرية جائز لعموم قوله تعالى (فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) والصعيد كل ما تصاعد على الأرض ولقول النبي صلى الله عليه وسلم (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل) فالتيمم على الأرض جائز على أي صفة كانت ثالثا قال هذا الرجل السائل إنهم صلوا ثم وجدوا الماء والإنسان لو تيمم وصلى وهو عادم للماء ثم وجد الماء ولو في الوقت فإنه لا يعيد لأن ذمته قد برئت من التيمم عند فقد الماء والصلاة لكن هؤلاء القوم تيمموا في حال لا يحل لهم فيها التيمم لأن الواجب عليهم أن يتطهروا بهذا الماء الذي في الغدير فالاحتياط في حق هؤلاء أن يعيدوا الصلاة التي صلوها إذا لم يكونوا قد أعادوها في ذلك الوقت وإعادتهم لها تكون على صفة ما وجبت عليهم فإن كانت صلاة مقصورة فإنهم يعيدونها مقصورة ولو كانوا في بلادهم لأن القول الراجح أن من أعاد صلاة مقصورة قصرها ومن أعاد صلاة تامة

(113/6)

أتمها لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك) فإن قوله صلى الله عليه وسلم (فليصلها) يشمل أداءها على صفتها.
***
تقول في رسالتها أنا معلمة في منطقة بعيدة عن سكن الأهل تستوجب وظيفتي أن أسكن في سكن المعلمات الذي خصصته الحكومة لنا وكان من ضمن المعلمات اللواتي معي في نفس الغرفة معلمة غير مسلمة وهي تشاركني في الأكل والشرب وكذلك في ماء الغسيل لأننا نجلب الماء من الشاطئ ونخزنه فأنا أضطر في صلاة المغرب أن أتوضأ من هذا الماء لأنني أخاف الخروج ليلا إلى النهر وخاصة أن المنطقة ريفية وموحشة ليلا وبقيت على هذه الحال أربع سنوات فهل صلاتي صحيحة وأيضا هل معاشرتي لها صحيحة أفيدوني في ذلك بارك الله فيكم؟

(113/7)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال تضمن سؤالين السؤال الأول عن حكم استعمال الماء المخزن بينكما أي بين المرأة السائلة وبين من كانت معها وهي غير مسلمة فهذا الماء المخزن طاهر مطهر وذلك لأن بدن الكافر ليس بنجس نجاسة حسية بل نجاسة الكافر نجاسة معنوية لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة (إن المسلم لا ينجس) وعلى هذا فيجوز للإنسان أن يتوضأ بالماء الذي خزنه غير المسلم وكذلك يجوز أن يلبس الثياب التي غسلها غير المسلم و أن يأكل الطعام الذي طبخه غير المسلم وأما ما ذبحه غير المسلمين فإن كان الذابح من اليهود والنصارى فذبيحته حلال لقول الله تعالى (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم) قال ابن عباس رضي الله عنهما (طعامهم ذبائحهم) ولأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه أكل من الشاة التي أهدتها له اليهودية) (وأجاب يهوديا على إهالة سنخة وخبز شعير) وأقر عبد الله بن مغفل على (أخذ الجراب من الشحم الذي رمي به في فتح خيبر) فثبت بالسنة الفعلية والسنة الإقرارية أن ذبائح أهل الكتاب حلال ولا ينبغي أن نسأل كيف ذبحوا ولا هل ذكروا اسم عليه أم لا فقد ثبت في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها (أن قوما قالوا: يا رسول الله إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سموا أنتم وكلوا، قالت: وكانوا حديثي عهد بكفر) يعني أنهم جديدو الإسلام، ومثل هؤلاء قد تخفى عليهم الأحكام الفرعية الدقيقة التي لا يعلمها إلا من عاش بين المسلمين ومع هذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء السائلين إلى أن يعتنوا بفعلهم هم بأنفسهم (فقال: سموا أنتم وكلوا)

(113/8)

أي سموا على الأكل وكلوا وأما ما فعله غيركم ممن تصرفه صحيح فإنه يحمل على الصحة ولا ينبغي السؤال عنه لأن ذلك من التعمق والتنطع ولو ذهبنا نلزم أنفسنا بالسؤال عن مثل ذلك لأتعبنا أنفسنا إتعابا كثيرا لاحتمال أن يكون كل طعام قدم إلينا غير مباح فإن من دعاك إلى طعام وقدمه إليك فإنه من الجائز أن يكون هذا الطعام مغصوبا أو مسروقا ومن الجائز أن يكون ثمنه حراما ومن الجائز أن يكون اللحم الذي ذبح فيه لم يسم الله عليه وما أشبه ذلك فمن رحمة الله تعالى بعباده أن الفعل إذا كان قد صدر من أهله فإن الظاهر أنه فعل على وجه تبرأ به الذمة ولا يلحق الإنسان فيه حرج وأما ما تضمنه السؤال الثاني وهو معاشرة هذه المرأة الكافرة فإن مخالطة الكافرين إن كان يرجى منها إسلامهم بعرض الإسلام عليهم وبيان مزاياه و فضائله فلا حرج على الإنسان أن يخالط هؤلاء ليدعوهم إلى الإسلام ببيان مزاياه وفضائله وبيان مضار الشرك وآثامه وعقوباته وإن كان الإنسان لا يرجو من هؤلاء الكفار أن يسلموا فإنه لا يعاشرهم لما تقتضيه معاشرتهم من الوقوع في الإثم فإن المعاشرة تذهب الغيرة والإحساس وربما تجلب المودة والمحبة لأولئك الكافرين وقد قال الله عز وجل (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه) ومودة أعداء الله ومحبتهم وموالاتهم مخالفة لما يجب على المسلم فإن الله سبحانه وتعالى قد نهى عن ذلك فقال (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) وقال الله

(113/9)

تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق) ولا ريب أن كل كافر فهو عدو لله وعدو للمؤمنين قال الله تعالى (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين) فكل كافر هو عدو لله ولايليق بمؤمن أن يعاشر أعداء الله عز وجل وأن يوادهم ويحبهم لما في ذلك من الخطر العظيم على دينه وعلى منهجه نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق والعصمة مما يغضبه.
***
أحسن الله إليكم السائل سوداني مقيم في المملكة يقول لدينا أحواض للماء يا فضيلة الشيخ في الخلاء تشرب منها الغنم وهي أقل من القلتين وتشرب منها الكلاب في الليل فهل يجوز الوضوء من ذلك وغسل الملابس منها رغم أن الماء يتجدد يوميا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هذا الماء طاهر سواء بلغ القلتين أم لم يبلغ القلتين إلا إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه بالنجاسة فيكون نجسا ولكن الغالب إذا كان يتجدد كل يوم أنه لا يتغير وكذلك إذا كان كثيرا فالغالب أنه لا يتغير والقاعدة التي ينبني عليها الحكم هي: إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه بنجاسة فهو نجس وإن لم يتغير فهو طهور.
***
تقول السائلة وقعت هرة في بئر ولم يخرجها أحد وتغيرت رائحة الماء وبعد أكثر من شهر أخذنا من هذا الماء وتوضأنا منه للصلاة ولا تزال الرائحة متغيرة فهل هذا الماء نجس أم لا وإن كان نجس فهل علينا أن نعيد تلك الصلوات أفيدونا مأجورين؟

(113/10)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا سقطت في البئر هرة وماتت ثم تغير الماء برائحتها فإنه يكون تغير بنجاسة وإذا تغير الماء بنجاسة فهو نجس بالإجماع وإذا كان نجسا فإنه لا يمكن أن يطهر بل النجس يتطهر منه ولا يتطهر به وعلى هذا فيكون وضوؤكم من هذا الماء المتغير بالنجاسة وضوءا فاسدا غير صحيح وتكون صلاتكم غير صحيحة لأنكم صلىتم بغير وضوء صحيح وتكون ثيابكم التي تلطخت بهذا الماء نجسة وصلىتم بثياب نجسة وتكون أبدانكم التي تلطخت بهذا الماء نجسة أيضا وتكونون صلىتم وعليكم نجاسة في أعضائكم فالواجب إذا أن تحصوا الصلوات التي صلىتم بها بهذا الوضوء الذي كان من هذا الماء النجس وأن تعيدوا تلك الصلوات وليعلم أن الميتة نوعان ميتة طاهرة فهذه إذا تغير الماء بها لم يكن نجسا كميتة الجراد مثلا وميتة السمك لأن ميتة السمك طاهرة ولو سقط آدمي في ماء وأنتن الماء من رائحته بعد موته فإن الماء يكون طاهرا غير نجس لأن ميتة الآدمي طاهرة وعلى هذا فنقول إذا تغير الماء بميتة نجسة فهو نجس وإن تغير بميتة طاهرة فهو طاهر مطهر.
***
بارك الله فيكم هذا مستمع للبرنامج من السودان يقول لدينا مكان يمتلئ بماء الأمطار وهذا الماء عرضة للتلوث ويتبول فيه الأطفال أعزكم الله وإخواني المستمعين وأيضا تتبول فيه البهائم وليس لدينا مصدر للماء غير هذا هل لنا أن نتوضأ منه يا فضيلة الشيخ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الماء الذي ذكره السائل يجب أن ينظر في أمره وأن يحرص على منع الناس منه ما دام متلوثا بما يسبب المرض وما دام يبال فيه ويتلوث بالنجاسة، وإبقاؤه هكذا مفتوحا للعامة فيه خطر عليهم في صحتهم وفي طهارتهم.

(113/11)

أما من حيث صحة الوضوء به فإنه إن لم يتغير بالنجاسة لا طعمه ولا لونه ولا ريحه فلا حرج أن يتوضأ الإنسان منه لأن الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على طعمه أو لونه أو ريحه بنجاسة فإذا لم يتغير شيء من صفاته الثلاث الطعم واللون والريح بنجاسة فإنه يجوز الوضوء به ولكن كما أسلفت ينبغي بل قد يجب منع الناس منه لأنه مضر ما دام عرضة للتلوث لما يسبب من الأمراض.
***
هذه الرسالة وردتنا من مجموعة من المستمعين يقولون في رسالتهم مشكلتنا هي أننا مجموعة من المدرسين من دولة عربية إسلامية نعمل في اليمن الشقيق ونحن في إحدى القرى وهذه القرية بها مسجد ولها إمام والمسجد به بركة من الماء وهذه البركة يأتي إليها المصلون من أهل القرية فتجد من يتطهر فيها أي يستحم ويتطهر ونجد من يستنجي حولها وكذلك يتوضأ فيها أي أن هذه البركة لكل شيء للتطهر والاستنجاء والوضوء وماؤها يتغير كل أسبوع تقريبا وحاولنا نهيهم عن ذلك فلم يستمعوا إلينا والمشكلة الأكبر هي إمام المسجد فهو يتوضأ أيضا منها ولم يستمع إلى كلامنا فما هو رأيكم في ذلك؟

(113/12)

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول إن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى أن يغتسل الإنسان في الماء الراكد أو الدائم الذي لا يجري) وعلى هذا نقول لهؤلاء لا تغتسلوا في هذا الماء إذا أردتم الاغتسال فخذوا منه بإناء أو اغرفوا منه بأيديكم وليكن ما يتساقط من جلودكم خارج هذا المجتمع من الماء وكذلك بالنسبة للوضوء إذا كانوا يتوضؤون منه وما يتساقط يكون خارجا عنه فهذا لا بأس به وكذلك الاستنجاء إذا كانوا يغترفون منه وما تسرب يكون خارجا عنه فإن هذا لا بأس به ولكن المشكل ما ذكر السائلون بأنهم كانوا يغتسلون فيه فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم (أن يغتسل الإنسان جنبا في الماء الدائم الذي لا يجري) فينهى هؤلاء عن ذلك ثم إنه من الناحية الصحية قد يكون مضرا أيضا وينبغي أن ينظر في هذا من الناحية الطبية فإذا كان هذا الماء يتلوث بهذه الأعمال فإنهم ينهون عنه.
***
المستمع آدم من السودان يقول عندما كنت منتدبا في الجمهورية العربية اليمنية شاهدت معظم السكان لديهم بركة ماء بجانب المسجد يتوضأ بداخلها هؤلاء ويسبحون بداخلها علما بأن الماء الذي بداخلها قد تغير لونه وطعمه ورائحته ويقولون بأن هناك قدرا من الماء يمكن للإنسان الوضوء فيه السؤال ما هي نصيحتكم لهم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نقول إن هذا الماء الذي في البركة إذا كان دائما لا يجري فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الاغتسال فيه فقال: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري) لأن الاغتسال في هذا الماء الدائم الذي لا يجري يجعله وسخا وربما يكون في الإنسان أمراض تؤثر على غيره فنصيحتي لهؤلاء أن يتجنبوا هذا العمل الذي يعملونه في هذا الماء الدائم الراكد الذي لا يجري وكذلك ربما يكون منهم كشف للعورة فيكون هذا إثما ظاهرا لأنه لا يحل لإنسان أن يكشف عورته لأحد من الناس يراها وبإمكانهم أن يجعلوا هناك حمامات وخزانا فوق هذه الحمامات يتوضؤون منه ويغتسلون.

(113/13)

***

(113/14)

باب الآنية
يقول هل يجوز الانتفاع بجلود الميتة وعظامها وشعرها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت من حيوان يباح بالذكاة كبهيمة الأنعام فيجوز الانتفاع بجلدها لكن بعد الدبغ لأنه بالدبغ الذي يزول به النتن والرائحة الكريهة يكون هذا الجلد طاهرا يباح استعماله في كل شيء حتى في غير اليابسات على القول الراجح لأنه يطهر بذلك كما قال النبي عليه الصلاة والسلام (يطهرها الماء والقرظ) وأما إذا كان الجلد من حيوان لا يحل بالذكاة فهذا موضع خلاف بين أهل العلم والله أعلم.
***
بارك الله فيكم هذا سؤال من المستمع عبد الرحمن م س من مقديشو الصومال يقول أنا أسكن مع بعض أقاربي في منزلهم ويوجد عندهم كلب في المنزل يقولون أنه لحراسة منزلهم وكثيرا ما يلمسونه بأيديهم ويغسلون جسمه بأيديهم أيضا هل يجوز استعمال الكلاب لمثل هذا الغرض في المنزل فقط وهل يؤثر لمسه باليد على صحة الوضوء أم يعتبر ناقضا وما حكم استعمال الآنية التي قد يلعق طعامه وشرابه فيها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: استعمال أو اقتناء الكلاب لا يجوز إلا فيما رخص به الشارع والنبي عليه الصلاة والسلام رخص في ذلك في ثلاثة أمور:
كلب الماشية يحرسها من السباع والذئاب.
وكلب الزرع يحرسه من المواشي والأغنام وغيرها.
والثالث كلب الصيد ينتفع به الصائد.

(114/1)

هذه الثلاث التي رخص النبي صلى الله عليه وسلم فيها باقتناء الكلب وما عداها فإنه لا يجوز وعلى هذا فالمنزل الذي يكون في وسط البلد لا حاجة إلى أن يتخذ الكلب لحراسته فيكون اقتناء الكلب لهذا الغرض في مثل هذه الحال محرما لا يجوز وينتقص من أجور أصحابه كل يوم قيراط أو قيراطان فعليهم أن يطردوا هذا الكلب وألا يقتنوه أما لو كان هذا البيت في مكان في البر خال ليس حوله أحد فإنه يجوز أن يقتنى لحراسة البيت ومن فيه وحراسة أهله أبلغ في الحفاظ من حراسة المواشي والحرث وأما مس هذا الكلب فإن كان مسه بدون رطوبة فإنه لا ينجس اليد وإن كان مسه برطوبة أي حيث يمس الإنسان ظهره وهو رطب أويده أو يد الماس رطبة فإن هذا يوجب تنجيس اليد على رأي كثير من أهل العلم ويجب غسلها أي غسل اليد بعده سبع مرات إحداها بالتراب وأما الأواني التي يعطى فيها الطعام والشراب فإنه إذا ولغ في الإناء أي شرب منه غسل الإناء سبع مرات إحداها بالتراب كما ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة (عن النبي عليه الصلاة والسلام: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا إحداها بالتراب) .
***

(114/2)

باب الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة
المرسل ماطر المطيري من القصيم عنيزة يقول أرجو أن تفيدوني عن ذكر الله سبحانه وتعالى هل يجوز ذكر الله داخل الحمام أم لا يجوز؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا ينبغي للإنسان أن يذكر ربه في داخل الحمام لأن المكان غير لائق لذلك أما إن ذكره في قلبه فلا حرج عليه بدون أن يلفظ به بلسانه وإلا فالأولى ألا ينطق به بلسانه في هذا الموضع وينتظر حتى يخرج منه.
***
رسالة وصلت من المستمع ع. ص. ج. شبوة اليمن يسأل عن البسملة قبل الاستنجاء في الحمام وأرجو الدليل على ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم التسمية على الاستنجاء سواء كان داخل الحمام أو خارجه و إنما يشرع لمن أراد أن يدخل الحمام الذي يقضي فيه حاجته أن يقول (أعوذ بالله من الخبث والخبائث) وإن قال قبل ذلك (باسم الله) فهو حسن أما قوله (أعوذ بالله من الخبث والخبائث) فقد ثبت في الصحيحين وأما (باسم الله) فقد جاء فيه حديث في السنن لا بأس بالأخذ به والعمل به ولكن التسمية مشروعة عند الوضوء إما وجوبا على رأي بعض أهل العلم وإما استحبابا على القول الثاني لأهل العلم وهو الراجح وعلى هذا فإذا انتهى من الاستنجاء وستر عورته وأراد أن يتوضأ فإنه ينبغي له أن يقول (باسم الله).
***
علي صالح فتاح من العراق يقول هل يجوز للإنسان أن يذكر الله في الحشوش أي الحمامات ودورات المياه التي تقضى فيها الحاجات كأن يقول سبحان الله أو أستغفر الله وهو جالس في الخلاء أجلكم الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المعروف عند كثير من أهل العلم أن ذلك من المكروه إذا ذكر الله تعالى بلسانه وأما ذكره له بالقلب وإمرار هذا على قلبه فلا بأس به ولا حرج.
***
يقول السائل بالنسبة للإنسان يتوضأ في الحمام ويخرج إلى الغسالات وهي في الأبنية الحديثة تبدو ظاهرة جدا هل يجوز أن يذكر الله عند تكملة وضوئه على الغسالة غسالة الأيدي؟

(115/1)

فأجاب رحمه الله تعالى: غسالة الأيدي إذا كانت خارج الحمام وخارج محل قضاء الحاجة فلا حرج أن يذكر الله تعالى عندها أما إذا كانت داخل محل قضاء الحاجة فإنه لا يذكر الله تعالى بلسانه فيها في هذا الموضع كما أشرنا إليه أولا ولكن يذكر الله بقلبه لا حرج عليه فيه.
***
يقول السائل مع كثرة تلاواتي للقرآن الكريم والحمد لله عندما أدخل إلى الخلاء أجد نفسي وبدون شعور أذكر بعض الآيات التي تعلقت بالذهن فما حكم ذلك يا شيخ محمد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ذكر أهل العلم أنه لا يجوز للإنسان أن يقرأ القرآن وهو جالس يقضي حاجته لأن في ذلك نوعا من الامتهان له وعليه يجب عليك أن تتحفظ وأن تدخل إلى هذا المكان وأنت في شعور تام تدرك ما تقول ولا يمضي بك الوسواس حتى تقرأ شيئا من القرآن أي إني أقول اضبط نفسك إذا دخلت هذا المكان حتى لا تقرأ شيئا من كتاب الله عز وجل.
***
سؤال من الأخوات من جنوب المملكة المغربية السؤال يقول هل يجوز لنا الكلام أو التحدث مع الآخرين داخل دورات المياه؟ علما بأننا نقوم ببعض الأشغال داخل هذه الدورات كغسل الثياب مثلا نظرا لظروفنا أرجو إفادة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا حرج على الإنسان أن يتكلم في داخل دورات المياه إذا كان ليس على قضاء حاجته أما إذا كان على قضاء حاجته وهو كاشف عورته فإنه لا يتحدث وكذلك أيضا لا يتحدث بكلام الله عز وجل فلا يقرأ القرآن وهو في هذه الأماكن لأن القرآن أكرم وأجل من أن يقرأه الإنسان في هذه الأماكن التي هي موضع الأذى والقذر.
***

(115/2)

بارك الله فيكم مستمع رمز لاسمه بـ م ل م من مصر يقول عندنا في مصر يقولون لمن يخرج من الخلاء (شفيتم؟) فيقال لهم (شفاكم الله وعافاكم) فهل في هذا حرج أم أن ذلك يعد من البدع وإن كان من البدع فنرجو الدليل وما الذي يفعله المصلى إذا فرغ من قراءة الفاتحة خلف الإمام في الصلاة الجهرية ولم يبدأ الإمام في قراءة السورة هل يسكت أم يعيد قراءة الفاتحة مرة أخرى أم يبدأ في قراءة السورة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما المسألة الأولى: وهي أنهم إذا خرج الخارج لقضاء حاجته قالوا له: شفاك الله، فإن هذا لا أصل له ولم يكن السلف الصالح يفعلون ذلك وهم خير قدوة لنا والإنسان مشروع له إذا أراد دخول الخلاء ليقضي حاجته من بول أو غائط أن يقدم رجله اليسرى ويقول عند الدخول (باسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث) وإذا خرج قدم اليمنى وقال: (غفرانك الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني) وإن اقتصر على قول (غفرانك) فحسن أما هذا الدعاء الذي أشار إليه السائل فلا أصل له ولا ينبغي أن يتخذه الناس عادة لأن مثل هذه الأمور إذا اتخذت عادة صارت سنة وظنها الناس مشروعة وهي ليست مشروعة.

(115/3)

وأما المسألة الثانية: وهي إذا سكت الإمام بعد قراءة الفاتحة ثم قرأها المأموم قبل أن يشرع الإمام بقراءة السورة فماذا يصنع المأموم بعد قراءته الفاتحة والإمام لم يزل على سكوته، فالجواب على ذلك أننا نقول للإمام أولا لا ينبغي لك أن تسكت هذا السكوت الطويل بين قراءة الفاتحة وقراءة ما بعدها والمشروع لك أن تسكت سكتة لطيفة بين الفاتحة والسورة التي بعدها ليتميز بذلك القراءة المفروضة والقراءة المستحبة والمأموم يشرع في هذه السكتة اللطيفة بقراءة الفاتحة ويتم قراءة الفاتحة ولو كان الإمام يقرأ وأما السكوت الطويل من الإمام فإن ذلك خلاف السنة ثم على فرض أن الإمام كان يفعل ذلك ويسكت هذا السكوت الطويل فإن المأموم إذا قرأ الفاتحة وأتمها يقرأ بعدها سورة حتى يشرع الإمام في قراءة السورة التي بعد الفاتحة وحينئذ يسكت لأنه لا يجوز للمأموم أن يقرأ والإمام يقرأ إلا قراءة الفاتحة فقط.
***
يقول السائل البعض يقضي حاجته أو يستنجي في المكان المخصص للوضوء مما يجعل عورته تنكشف لمن حوله فهل يجوز ذلك أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا لا يجوز له، لا يجوز لإنسان أن يكشف عورته بحيث يراها من لا يحل له النظر إليها فإذا كشف الإنسان عورته في الحمامات المعدة للوضوء والتي يشاهدها الناس فإنه يكون بذلك آثما وقد ذكر أهل الفقه رحمهم الله أنه في هذه الحال يجب على المرء أن يستجمر بدل الاستنجاء بمعنى أن يقضي حاجته بعيدا من الناس وأن يستجمر بالأحجار أو بالمناديل ونحوها مما يباح الاستنجاء به حتى ينقي محل الخارج بثلاث مسحات فأكثر قالوا إنما يجب ذلك لأنه لو كشف عورته للاستنجاء لظهرت للناس وهذا أمر محرم وما لا يمكن تلافي المحرم إلا به فإنه يكون واجبا وعلى هذا نقول في الجواب إنه لا يجوز للمرء أن يتكشف أمام الناظرين لاستنجاء بل يحاول أن يكون في محل لا يراه أحد.
***

(115/4)

يقول السائل إنني أتوضأ دائما في الحمام هل يجوز الوضوء الصغير في الحمام أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز الوضوء في الحمام ولا حرج فيه ولكن ينبغي للإنسان أن يتحفظ من إصابة النجاسة له فإذا تحفظ من ذلك فليتوضأ في أي مكان كان.
***
بارك الله فيكم المستمع ممدوح مقيم بالدمام يقول ما حكم الوضوء داخل دورات المياه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا بأس أن يتوضأ الإنسان داخل دورات المياه ولكن يشكل على هذا أن الوضوء تشرع فيه التسمية إما وجوبا وإما استحبابا فكيف يسمي وهو في داخل دورة المياه نقول يسمي إما بقلبه بدون أن ينطق به وإما أن ينطق بذلك والعلماء الذين قالوا إنه يكره ذكر اسم الله في داخل المراحيض يقولون إنه في هذه الحال يسمي بقلبه ويكتفي بالتسمية، على أن التسمية على القول الراجح ليست بواجبة وإنما هي سنة إن أتى بها الإنسان فهو أكمل وإن لم يأت بها فوضوؤه صحيح ولا حرج عليه.
***
يقول هل يشترط ستر العورة في الوضوء بمعنى هل يجوز الوضوء في الحمام بعد الاستحمام بدون ستر العورة أي قبل لبس الملابس؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الأفضل أن الإنسان إذا انتهى من الاغتسال يلبس ثيابه لئلا يبقى مكشوف العورة بلا حاجة ولكن لو توضأ بعد الاغتسال من الجنابة قبل أن يلبس ثوبه فلا حرج عليه في ذلك ووضوؤه صحيح ولكن هذا الوضوء ينبغي أن يكون قبل أن يغتسل فإن النبي عليه الصلاة والسلام (كان يتوضأ عند الغسل قبل الاغتسال) أما بعد الغسل فلا وضوء ولو أن الإنسان نوى الاغتسال واغتسل بدون وضوء سابق ولا لاحق أجزأه ذلك لأن الله تعالى لم يوجب على الجنب إلا الطهارة بجميع البدن حيث قال عز وجل (وإن كنتم جنبا فاطهروا) ولم يوجب الله تعالى وضوءا وعلى هذا فلو أن أحدا نوى رفع الحدث من الجنابة وانغمس في ماء بركة أو بئر أو في البحر وهو قد نوى رفع الحدث الأكبر أجزأه ذلك ولم يحتج إلى وضوء.
***

(115/5)

السؤال من المستمعة ع.م الحربي المدينة النبوية تقول هل يجوز الوضوء داخل الحمام؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يصح للإنسان أن يتوضأ داخل الحمام وهذا يقع كثيرا تكون المغسلة التي تغسل بها الأيدي في داخل الحمام ويتوضأ الإنسان في داخل الحمام ولا حرج في هذا، لكن إذا كان الحمام حمام مسجد والناس ينتظرون هذا ليخرج وفي المسجد محل للوضوء فهنا نقول لا تتوضأ داخل الحمام لأن الناس محتاجون إليه وليس لك الحق أن تحجزه عن الناس بل إذا استنجيت فاخرج وتوضأ في المواضئ.
***
يقول السائل كما تعلمون فضيلة الشيخ أعزكم الله وإخواني المستمعين أن انتشار المدنية والمباني الحديثة قد أدى غالبا إلى وجود الحمامات والأحواض للأيدي والوجوه ودورات المياه في مكان واحد فهل يجوز الوضوء في هذه الأماكن أم يجب حمل ماء الوضوء خارج هذا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز للإنسان أن يتوضأ في المكان الذي تخلى فيه من بوله أو غائطه لكن بشرط أن يأمن من التلوث بالنجاسة بأن يكون المكان الذي يتوضأ فيه جانبا من الحمام بعيدا عن مكان التخلي أو ينظف المكان الذي ينزل فيه الماء من الأعضاء في الوضوء حتى يكون طاهرا نظيفا.
***
بارك الله فيكم ما حكم الشرع في نظركم فضيلة الشيخ في من يدخلون دروات المياه وفي جيوبهم إما مصاحف أو أوراق فيها ذكر أو حديث أرجو بهذا إفادة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما دخولهم بالمصاحف فإنه قدصرح كثير من أهل العلم بأن ذلك حرام وأنه لا يجوز للإنسان أن يدخل المراحيض ومعه مصحف تكريما للمصحف وأما ما عدا ذلك فإن الدخول فيه ليس بمحرم والإنسان يحتاج كثيرا إلى الدخول بأوراق فيها أحاديث، فيها ذكر، فيها كلام لأهل العلم، وليس هناك دليل صحيح صريح يدل على كراهة ذلك.
***
بارك الله فيكم المستمع جمال عبده يقول هل يصح أن يدخل المسلم دورة المياه أعزكم الله وإخواني المستمعين وهو يحمل أوراقا فيها اسم الله تعالى نرجو بهذا إفادة؟

(115/6)

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب يجوز له أن يدخل بهذه الأوراق إذا كانت في جيبه ومستورة فيه لأن هذا أمر تدعو الحاجة إليه بل قد تدعو الضرورة إليه أحيانا بحيث يكون الإنسان في حمامات عامة لا يمكنه أن يخرج ما في جيبه من هذه الأوراق لأنه يخشى عليها وهو مضطر لأن تكون معه والمسلم إذا دخل بمثل هذه الأشياء في بيت الخلاء فإنه لا يمكن أن يريد بذلك امتهانها أبدا.
***
يقول السائل م. ش. ب. فضيلة الشيخ أنا مؤذن لجامع الحي ومن العادة غالبا أكون آخر من يخرج من المسجد ولكنني قبل الخروج النهائي منه أقوم بالإشراف على دورات المياه والتفحص فيها وقبل دخولي فيها أخرج ما عندي من أوراق وكتيبات، كتب فيها أسماء الله وحتى المحفظة، حتى لا أنال الإثم بإدخالي لها فهل عملي هذا صحيح أم هو مجرد مبالغة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا هذا مبالغة ولا حاجة إليه.
***
تقول السائلة قرأت في كتاب للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله عن الوضوء يقول فيه أن من شروط الوضوء (الاستجمار أو الاستنجاء قبله) فهل يعني ذلك بأنه لا يصح الوضوء إلا بالاستنجاء أو الاستجمار قبله دائما؟
فأجاب رحمه الله تعالى: مراد الشيخ رحمه الله أن الإنسان إذا بال أو تغوط ثم توضأ قبل أن يستنجي فوضوؤه غير صحيح يعني لا بد أن يستنجي أولا ثم يتوضأ وأما إذا لم يكن بول ولا غائط فإنه لا يجب الاستنجاء بل يتوضأ بدون ذلك مثاله رجل بال في الساعة الحادية عشرة صباحا ولم يتوضأ ثم أذن لصلاة الظهر فهنا نقول يتوضأ بدون استنجاء لأنه استنجى أولا ولا حاجة لإعادته هذا معنى كلام الشيخ رحمه الله.
***
يقول السائل إذا غسلت العورة ثم لبست السروال وانتصفت في الوضوء ثم أحدثت هل أبدأ الوضوء من جديد أو أتجدد أرشدوني جزاكم الله خيرا لأني في حيرة؟

(115/7)

فأجاب رحمه الله تعالى: الإنسان إذا غسل عورته وأنقى المحل لا يجب عليه إعادة غسل العورة مرة ثانية إلا إذا خرج منه شيء وعلى هذا فالرجل السائل إذا كان أحدث في أثناء وضوئه أي في أثناء تجديده كما يقول العامة فإنه لا يعيد غسل فرجه إذا لم يخرج منه خارج محسوس فالريح لا يجب غسل الفرج منها إذا لم يخرج معها بلل، فعليه إذا أحدث بريح في أثناء وضوئه فإنه لا يعيد غسل فرجه والمراد بريح لا رطوبة معها فإنه لا يعيد غسل فرجه، وإنما يعيد الوضوء من جديد بمعنى أنه يعود فيغسل كفيه ويتمضمض ويغسل وجهه... الخ
***
أحسن الله إليكم يقول السائل إذا خرج من الإنسان ريح هل يجب عليه أن يعيد الاستنجاء أم يكتفي بالوضوء بدون استنجاء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الريح لا توجب الاستنجاء إلا إذا خرج معها بلل وإلا فمجرد الريح لا يجب فيه الاستنجاء وعليه فلو خرج منه ريح وهو على وضوء ثم أراد الصلاة وجب عليه أن يتوضأ ولا يجب عليه أن يستنجي.
***
بارك الله فيكم يقول السائل هل خروج الريح أعزكم الله وإخواني المستمعين يفسد الاستنجاء وهل من ضرورة لإعادة الاستنجاء مرة ثانية حتى يتوضأ الشخص؟

(115/8)

فأجاب رحمه الله تعالى: خروج الريح من الدبر ناقض للوضوء لقول النبي عليه الصلاة والسلام (لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) لكنه لا يوجب الاستنجاء أي لا يوجب غسل الفرج أعني غسل الدبر لأنه لم يخرج شيء يستلزم الغسل و على هذا فإذا خرجت ريح انتقض الوضوء ويكفي الإنسان أن يتوضأ أي أن يغسل وجهه مع المضمضة والاستنشاق ويديه إلى المرفقين ورأسه يمسحه و يمسح أذنيه ويغسل قدميه إلى الكعبين و هنا أنبه على مسألة تخفى على كثير من الناس وهي أن بعض الناس يبول أو يتغوط قبل حلول وقت الصلاة ثم يستنجي فإذا جاء وقت الصلاة وأراد الوضوء فإن بعض الناس يظن أنه لا بد من إعادة الاستنجاء وغسل الفرج مرة ثانية وهذا ليس بصواب فإن الإنسان إذا غسل فرجه بعد خروج ما يخرج منه فقد طهر المحل وإذا طهر فلا حاجة إلى إعادة غسله لأن المقصود من الاستنجاء أو الاستجمار الشرعي بشروطه المعروفة المقصود به تطهير المحل فإذا طهر فلن يعود إلى النجاسة إلا إذا تجدد الخارج مرة ثانية.
***
هل يلزم الاستنجاء عند كل وضوء أم عند الحدث الأصغر فقط؟

(115/9)

فأجاب رحمه الله تعالى: الاستنجاء هو تطهير المحل القبل أو الدبر من التلوث بالنجاسة التي حصلت فإذا تطهر الإنسان من هذه النجاسة فقد طهر المحل ولا حاجة إلى إعادة غسله مرة ثانية إلا إذا حصل بول أو غائط من جديد وعلى هذا فلو أن الإنسان قضى حاجته بعد طلوع الشمس ثم استنجى أو استجمر استجمارا شرعيا ثم حان وقت صلاة الظهر وتوضأ من غير أن يغسل فرجه كان ذلك جائزا وكان عملا صحيحا لأن الله عز وجل يقول (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) ولم يذكر الله سبحانه وتعالى غسل الفرج فدل هذا على أن الوضوء يختص بهذه الأعضاء الأربعة فقط الوجه واليدان والرأس والرجلان وأما غسل الفرج فإنه لسبب وهو تلوث المحل بالنجاسة فإذا طهر المحل من هذه النجاسة لم يحتج إلى إعادة تطهيره مرة أخرى إلا بنجاسة جديدة.
***
يقول السائل أفتونا في تجديد الوضوء هل يستنجي له أم يبدأ من الكف مباشرة دون الاستنجاء؟

(115/10)

فأجاب رحمه الله تعالى: التجديد لا يحتاج إلى استنجاء لأن الاستنجاء إنما هو لتطهير القبل في البول والدبر في الغائط فقط فمتى طهر هذا المحل ولم يحدث بول ولا غائط بعد ذلك فلا حاجة إلى إعادة غسله مرة أخرى فمثلا لو أن الإنسان نقض وضوءه ببول في الساعة العاشرة ضحى ثم حان وقت صلاة الظهر ولم يبل بعد ذلك فإنه لا يحتاج إلى غسل ذكره بل يتوضأ وضوءا فقط والوضوء المعروف هو أن يغسل كفيه ويتمضمض ويستنشق ثلاثا بثلاث غرفات ويغسل وجهه ثلاثا ويديه إلى المرفقين ثلاثا ويمسح رأسه وأذنيه ويغسل رجليه هذا هو الوضوء ويجب أن نصحح اللفظ عند كثير من الناس فإن كثيرا من الناس يجعل الوضوء بمعنى غسل الفرجين وهذا غلط الوضوء هو غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس غسل الوجه واليدين والرجلين ومسح الرأس مرتبه كما ذكر الله تعالى في قوله (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين)
***
سائلة تقول: هل يجب الاستنجاء والوضوء لكل صلاة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجب الاستنجاء لكل صلاة ولا الوضوء فإذا دخل وقت الصلاة وهي على طهارة فلتصل وإذا بقي حتى دخول الوقت الثاني فلتصل لأن الوضوء لا يجب إلا من حدث، ثم إن بعض الناس يظن أن الاستنجاء تابع للوضوء فتجده لا يتوضأ إلا واستنجى قبله وإن لم يحصل منه بول ولا غائط، ويسأل بعض الناس فيما لو حصل منه بول أو غائط قبل صلاة الظهر بساعة ثم قضى حاجته واستنجى استنجاء تاما ثم أذن الظهر هل يكتفي بالاستنجاء الأول أم لابد أن يعيد الاستنجاء مرة أخرى؟ فنقول: بل يكتفي بالاستنجاء الأول ولا حاجة أن يستنجي مرة أخرى لأن الاستنجاء إنما هو لتطهير المحل من الخارج منه وهذا قد طهر المحل فلا حاجة لأن يعيد مرة ثانية.
***

(115/11)

السائل ع. ع. من جمهورية مصر العربية يقول هل الاستنجاء بالتراب الطاهر يجوز مع العلم بوجود الماء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم الاستجمار بالأحجار أو بالتراب أو بالخرق المنقية بدلا عن استعمال الماء في إزالة الخارج من السبيلين جائز إلا أنه يشترط أن يكون ثلاث مسحات فأكثر وأن تكون منقية وألا يكون الاستجمار بشيء نجس ولا بشيء محترم كالطعام ولا بعظم ولا بروث لأن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى أن نستنجي بعظم وروث) وعلل ذلك (بأنها طعام إخواننا من الجن وطعام بهائمهم فالعظام يجدونها أوفر ما تكون لحما والأرواث يجدونها علفا لدوابهم) هكذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإذا كنا نهينا أن نستجمر بطعام الجن وطعام دوابهم فطعامنا وطعام دوابنا من باب أولى بالنهي ويجوز الاستجمار بدون استعمال الماء بالشروط التي ذكرتها وإن كان الماء موجودا وعلى هذا فتطهير محل الخارج يكون بواحد من أمور ثلاثة إما بالأحجار وحدها أو ما ينوب عنها من التراب والثياب والخرق، وإما بالماء وحده، وإما بالتراب والماء جميعا.
***
يقول السائل ما حكم قضاء الرجل الحاجة قائما وهل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل ذلك؟

(115/12)

فأجاب رحمه الله تعالى: حكم قضاء الرجل الحاجة خاصة البول قائما لا بأس به لكن بشرطين، الشرط الأول: أن يأمن من التلوث بالبول والشرط الثاني: أن يأمن من ناظر ينظر إليه، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث حذيفة رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم -السباطة الزبالة- فبال قائما) صلى الله عليه وسلم وعلى هذا فلا يكون البول قائما محرما كما يفهمه كثير من العامة ومن العجائب أن العامة كما -قيل إن العوام هوام- أنهم ينكرون إنكارا بالغا أن يبول الإنسان قائما ولكنه يهون عليهم أن يبول الإنسان والناس ينظرون إلى عورته ولهذا تجدهم لا يهتمون بهذا الأمر اهتماما كبيرا والذي ينبغي للإنسان أن يستتر عن الأعين حتى ببدنه أما بعورته فيجب أن يكون ساترا لها عن الأعين فإذا كان الإنسان يبول في صحراء أو يتغوط في صحراء فمن الأفضل أن يبعد حتى يتوارى عن الناس إما بشجرة أو أكمة أو واد أو نحو ذلك هذا من الآداب الشرعية وأما الاستتار عن الأعين بالنسبة للعورة فهو أمر واجب لابد منه وبهذه المناسبة أود أن أنبه إلى أنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه (قال -أعني النبي صلى الله عليه وسلم-: لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا) وهذا عام في الصحراء والبنيان ولهذا (قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله عز وجل) وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث (ولكن شرقوا أو غربوا) هذا خاص بأهل المدينة ومن كان على سمتهم ممن إذا شرقوا أو غربوا لا يستقبلون القبلة وهو من حسن تعليم الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه كان من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم أنه إذا ذكر شيئا ممنوعا فتح للأمة الباب الجائز حتى لا توصد الأبواب أمامها وهذا هو أيضا طريقة القرآن كما قال الله تعالى (يا أيها

(115/13)

الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا) لما نهاهم أن يقولوا (راعنا) فتح لهم القول الجائز أن يقولوا (انظرنا) وكذلك ثبت عن (النبي عليه الصلاة والسلام في قصة التمر الذي جاء به بلال إليه وكان تمرا جيدا فقال له: أكل تمر خيبر هكذا قال: لا ولكننا نأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: لا تفعل ولكن بع الجمع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيبا - أي جيدا) فلما ذكر له الممنوع فتح له الجائز وهكذا ينبغي لكل داعية يدعو إلى الله عز وجل يأمر الناس وينهاهم إذا نهاهم عن أمر منكر أن يفتح لهم الباب الجائز من نوعه حتى يلج الناس منه، عودا على الحديث الذي أشرت إليه يقول النبي عليه الصلاة والسلام (ولكن شرقوا أو غربوا) ولكن قد ثبت في الصحيحين من (حديث ابن عمر أنه قال: رقيت يوما على بيت حفصة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة) وهذا يدل على أنه إذا كان في البنيان فإنه يجوز استدبار الكعبة فيبقى النهي عن استقبالها قائما غير مخصص وعلى هذا فإذا بنى الإنسان بيتا فإنه يجب أن يلاحظ هذه المسألة بحيث لا تكون وجوه الجالسين على قضاء الحاجة مستقبلة القبلة بل تكون القبلة عن أيمانهم أو عن شمائلهم وهذا هو الأفضل أو عن أدبارهم أما استقبالها فلا يجوز لا في الفضاء ولا في البنيان.
***

(115/14)

هذه رسالة وردت من السائل شعيب خليفة عثمان من بنغازي بليبيا يقول قمت بزيارة لإحدى الدول الإسلامية ولقد أعجبني كثيرا حرص أهلها على حضور الصلوات الخمس في مواعيدها جماعة ولكن لفت نظري شيء حول عملية قضاء الحاجة فإنه يوجد بجوار كل مسجد دورات للمياه ولكن يتم قضاء الحاجة وقوفا رغم وجود دورات مياه عادية والذي ساءني أكثر أنني أراهم بعد قضاء الحاجة مباشرة ينصرفون إلى الوضوء دون استنجاء جهلا منهم وظنا أن الاستنجاء إنما يكون من الغائط فقط فأرجو توجيه نصحية إلى هؤلاء وإرشادهم إلى وجوب التطهر قبل بدء الوضوء للصلاة؟

(115/15)

فأجاب رحمه الله تعالى: نشكر الأخ السائل على اهتمامه بأحوال المسلمين فإن من اهتم بأمر المسلمين كان ذلك دليلا على محبته وشفقته عليهم أما بالنسبة لما يصنعه أولئك الإخوة فإن كونهم يبولون قياما لا بأس به فإن البول قائما يجوز بشرطين أحدهما: أن يأمن من التلوث بالبول، والثاني: أن يأمن من النظر إلى عورته، وأما كون هؤلاء الإخوة لا يستنجون من البول بل ينصرف الإنسان منهم دون أن يتطهر لا باستنجاء ولا باستجمار فإن هذا غلط منهم كبير وهو سبب للعقوبة وعذاب القبر لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبرين، فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة) فبين رسول الله عليه الصلاة والسلام أن هذين الرجلين يعذبان في قبورهما بسببين السبب الأول عدم الاستبراء من البول وهو ينطبق على حال هؤلاء ثم إن كثيرا من أهل العلم يقولون إن الوضوء لا يصح إلا بعد أن يتم الاستنجاء أو الاستجمار الشرعي وعلى هذا فيكون هؤلاء قد صلوا بغير وضوء صحيح ومن صلى بغير وضوء صحيح فإن صلاته لا تصح ولا تقبل منه لقول النبي عليه الصلاة والسلام (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) فأوجه النصيحة إلى هؤلاء الإخوان أن يتقوا الله عز وجل وأن يستنجوا من البول ويستبرئوا منه وأن يستنجوا بعد البول بالماء أو يستجمروا بأشياء مباحة أي مما يباح الاستجمار به فيمسح المحل ثلاث مسحات فأكثر تكون منقية فإن الاستجمار الشرعي الذي تتم به الشروط يجزئ عن الاستنجاء بالماء.
***

(115/16)

حفظكم الله يقول السائل سمعنا (حديث جابر رضي الله عنه بأنهم عند فتح بلاد الشام كانوا يجدون حمامات متجهة إلى القبلة قال فكنا ننحرف عنها ونستغفر الله) فهل لا يجوز استقبال القبلة عند التخلي حتى وإن كان ذلك في البيوت ثم ماذا عن (حديث ابن عمر ورؤيته للرسول صلى الله عليه وسلم وهو يتخلى في الفضاء مستقبلا القبلة)؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما قوله في الأول (حديث جابر أنهم قدموا الشام فوجدوا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة) فليس الحديث لجابر رضي الله عنه بل هو لأبي أيوب الأنصاري (يقول: إنهم قدموا الشام فوجدوا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة -يعني وجوهها نحو الكعبة- قال: فكنا ننحرف عنها ونستغفر الله عز وجل) وأبو أيوب هو الذي روى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه (قال: لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا) وأما حديث ابن عمر فإنه كان (يقول: رقيت يوما على بيت حفصة فرأيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقضي حاجته مستقبلا الشام مستدبر الكعبة) وحديث ابن عمر لا يعارض حديث أبي أيوب رضي الله عنه لأن حديث أبي أيوب في الاستقبال وحديث ابن عمر في الاستدبار وبينهما فرق وعلى هذا فنقول في تحرير حكم المسألة إنه في الفضاء لا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها بغائط ولا بول وأما في البنيان فيجوز استدبارها دون استقبالها وعلى هذا فمن بنيت حماماته على استقبال الكعبة فليعدلها حتى تكون الكعبة عن يمينه أو عن شماله.
***

(115/17)

باب السواك وسنن الفطرة
بارك الله فيكم هذا السائل من ليبيا بنغازي أسعد ن. أ. يقول حدثونا عن فضل السواك وعن أوقاته؟
فأجاب رحمه الله تعالى: فضل السواك قال فيه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) وهاتان أعظم فائدتين، الفائدة الأولى: الطهارة الحسية وهو طهور الفم من الأوساخ وتطهير الأسنان واللثة واللسان والفائدة الثانية: وهي أعظم أنه مرضاة لله عز وجل وفي هذا الحديث حث على السواك لذكر الفائدتين العاجلة والآجلة فالعاجلة تطهير الفم والآجلة رضا الرب عز وجل ويدل لفضله أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) يعني لأمرتهم أمر إيجاب ولا يجب الشيء إلا لمصلحته العظيمة التي اقتضت أن يكون الناس ملزمين به ولكن عارضت هذه المصلحة العظيمة المشقة التي خافها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أمته فترك إلزامهم بذلك أما مواضع السواك المؤكدة فهي،
أولا: عند الوضوء ومحل ذلك عند المضمضة وإن أخر التسوك إلى أن ينتهي من الوضوء كله فلا حرج.
الثاني عند الصلاة سواء كانت الصلاة صلاة الفريضة أو نافلة وسواء كانت صلاة ذات ركوع وسجود أو ليس فيها ركوع ولا سجود كصلاة الجنازة.
الثالث: عند القيام من النوم فإنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك).
الرابع: عند دخول المنزل فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (كان إذا دخل منزله فأول ما يبدأ به السواك) وما عدا ذلك فإنه مشروع كل وقت لكن يتأكد في هذه المواضع الأربعة.
***
أحسن الله إليكم السائلة أ.م تقول هل استعمال معجون الأسنان يغني عن السواك وهل يثاب من استعمله بنية طهارة الفم أي هل يعادل السواك في الأجر الذي رغب فيه الرسول صلى الله عليه وسلم لمن يستاك؟

(116/1)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم استعمال الفرشاة والمعجون يغني عن السواك بل وأشد منه تنظيفا وتطهيرا فإذا فعله الإنسان حصلت به السنة لأنه ليس العبرة بالأداة العبرة بالفعل والنتيجة، والفرشاة والمعجون يحصل بها نتيجة أكبر من السواك المجرد لكن هل نقول إنه ينبغي استعمال المعجون والفرشاة كلما استحب استعمال السواك أو نقول إن هذا من باب الإسراف والتعمق ولعله يؤثر على الفم برائحة أو جرح أو ما أشبه ذلك؟ هذا ينظر فيه.
***
بارك الله فيكم المستمع من جازان يحيى قاسم يقول ما حكم السواك أثناء الصلاة؟

(116/2)

فأجاب رحمه الله تعالى: بدعة إن قصد الإنسان أن يتعبد لله بالسواك حال الصلاة وعبث وحركة مكروهة إن كان الإنسان لا يريد هذا ولكنه يريد أن يطهر فمه والسواك المشروع إنما يكون قبل الصلاة إذا أراد فعلها وكذلك عند الوضوء فالسواك عند الوضوء سنة والسواك عند الصلاة سنة وأما السواك في أثناء الصلاة فهو إما عبث مكروه وإما بدعة يكون بدعة إن قصد الإنسان التعبد لله به ويكون عبثا مكروها إن لم يقصد التعبد، وعلى كل حال فلا يتسوك الإنسان وهو يصلى وإنني بهذه المناسبة أحب أن أتوسع قليلا في حكم الحركات في الصلاة الحركات في الصلاة قال العلماء إنها تنقسم إلى خمسة أقسام حركة واجبة وحركة مستحبة وحركة مباحة وحركة مكروهة وحركة محرمة فأما الحركة الواجبة فهي التي تتوقف عليها صحة الصلاة أي الحركة التي إن فعلتها صحت صلاتك وإن لم تفعلها بطلت مثال ذلك رجل يصلى فرأى في غترته نجاسة فهنا يجب عليه أن يتحرك ليخلع غترته حتى لا يكون حاملا للنجاسة ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم (صلى بأصحابه ذات يوم وعليه نعلاه فخلعهما في أثناء الصلاة ثم خلع الناس نعالهم فلما سلم سألهم لماذا خلعوا نعالهم، قالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا. فقال: إن جبريل أتاني وأخبرني إن فيها قذرا) وكذلك لو كان الإنسان يصلى إلى غير القبلة فجاء رجل فقال له إن القبلة على يمينك فهنا يجب عليه أن ينحرف إلى جهة القبلة وهذه الحركة واجبة لأنه لو بقي على ما استقبله أولا لبطلت صلاته ودليل ذلك (أن أهل مسجد قباء كانوا يصلون صلاة الصبح إلى جهة الشام فجاءهم آت فقال إن النبي صلى الله عليه وسلم نزل عليه القرآن وأمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها واستداروا إلى الكعبة) وصارت القبلة التي كانوا يصلون إليها أولا خلفهم لأن مستقبل الشام مستدبر الكعبة ومستقبل الكعبة مستدبر الشام و(كان النبي صلى الله عليه وسلم أول ما قدم المدينة يصلى إلى بيت المقدس وبقي

(116/3)

على ذلك سنة وأربعة أشهر أو سنة وسبعة أشهر ثم بعد هذا أمر أن يتوجه إلى الكعبة) قال الله تعالى (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) إذا الحركة الواجبة هي التي يتوقف عليها صحة الصلاة. الحركة المستحبة هي التي يتوقف عليها تمام الصلاة لا صحتها ومن ذلك (فعل النبي عليه الصلاة والسلام لابن عباس رضي الله عنهما فإن ابن عباس رضي الله عنهما من حرصه على العلم بات ذات ليلة عند خالته ميمونة أم المؤمنين زوج النبي صلى الله عليه وسلم فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم يصلى من الليل قام ابن عباس رضي الله عنهما فوقف عن يساره فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأسه من ورائه فجعله عن يمينه) فهذه حركة من النبي صلى الله عليه وسلم ومن ابن عباس لكنها لإكمال الصلاة وكذلك لو كان المصلى يصلى في الصف فرأى فرجة في الصف الذي أمامه فإنه يستحب له أن يتقدم إلى هذه الفرجة لأن ذلك من تمام الصلاة وكذلك لو كان في جيبه أي في مخباته شيء يؤذيه في صلاته ويشوش عليه فأخرجه من جيبه ووضعه في الأرض فإن هذه الحركة مستحبة لأنها من تكميل صلاته. أما الحركة المباحة وهي القسم الثالث فهي الحركة اليسيرة إذا كانت لحاجة حركة يسيرة لحاجة فإنها تكون مباحة ومن ذلك لو أن رجلا من الناس أتى إليك وأنت تصلى فقال أعطني القلم من فضلك لأكتب به فأخذته من جيبك وأعطيته إياه فلا حرج فهذه حركة يسيرة لحاجة ومن ذلك أيضا (أن النبي صلى الله عليه وسلم فتح الباب لعائشة وهو يصلى) ومن ذلك أيضا (أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلى بالناس وهو يحمل أمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جدها من قبل أمها فكان يحملها وهو يصلى بالناس فإذا قام حملها وإذا سجد وضعها على الأرض)

(116/4)

هذه حركة لكنها يسيرة لحاجة فهي جائزة وأما الحركة المكروهة وهي القسم الرابع فهي الحركة اليسيرة إذا لم يكن لها حاجة كما يفعله كثير من الناس تجده يخرج الساعة ينظر إليها بدون حاجة يخرج القلم من جيبه بدون حاجة يعدل إستيك الساعة بدون حاجة ربما يتجرأ على أعظم من هذا ربما يكون قد نسي شيئا فذكره وهو يصلى فأخرج القلم وكتب ما نسيه إما براحته وإما بورقة يخرجها من جيبه كل هذا مكروه لأنه عبث لا يحتاج إليه الإنسان ولا تتعلق به مصلحة الصلاة وأما المحرم من الحركات وهو القسم الخامس فهو كل حركة كثيرة متوالية لغير ضرورة مثل أن يتحرك الإنسان حركات كثيرة في حال القيام في حال القعود وتتوالى هذه الحركات بدون ضرورة فإنها محرمة وتبطل الصلاة أما إذا كانت لضرورة كما لو هاجمه أسد أو هاجمته حية فعمل عملا كثيرا لمدافعتها فإن ذلك لا يضره لقول الله تعالى (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون)
***
يقول السائل ماحكم السواك أثناء خطبة الجمعة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: السواك أثناء خطبة الجمعة مما يشغل الإنسان عن استماع الخطبة واستماع الخطبة واجب ولكن إذا كان السواك من أجل استماع الخطبة بحيث يصيب الإنسان نعاس فيتسوك لطرد النعاس فإن هذا لا بأس به بل قد يكون مأمورا به لأن هذا السواك من مصلحة استماعه للخطبة.
***
ما حكم الختان بالنسبة للفتاة وهل صحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عنه وأن له أضرارا في مستقبل الفتاة؟

(116/5)

فأجاب رحمه الله تعالى: الختان بالنسبة للفتاة ذهب بعض أهل العلم إلى أنه واجب كما أنه واجب في حق الفتى وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن الختان واجب على الذكر والأنثى وذهب بعض أهل العلم إلى أنه سنة في حق الأنثى واجب في حق الذكر وهذا هو الذي عليه عمل الناس في بلادنا هذه وهو أنه واجب في حق الفتى غير واجب في حق الفتاة وفيه قول ثالث لأهل العلم أنه سنة في حقهما جميعا في حق الفتى والفتاة وأقرب الأقوال عندي أنه سنة في حق الفتاة واجب في حق الذكر ومن طرق أدلة وجوبه ما قاله بعض أهل العلم وهو أن قطع شيء من البدن محرم ولا يستباح المحرم إلا بشيء واجب لأن المستحب لا يستباح به محرم وهذه طريقة لا بأس بها إلا أنه قد تنتقض علينا في مسألة المرأة.
***
بارك الله فيكم المستمعة أم محمد من القاهرة تقول هل يجوز صبغ شعر الرجل بأي لون ما عدا الأسود أرجو بهذا إفادة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الظاهر أنه لا يجوز للرجل أن يصبغ شعره باللون الأسود ليزيل عنه البياض الذي حصل بالشيب أو بأي سبب آخر لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد) والظاهر أنه إذا ابيض بغير الشيب يعني بسبب من الأسباب فإنه لا يجوز أن يصبغ بالسواد أما صبغ الشيب بالسواد فالحديث ظاهر بوجوب تجنبه وأما صبغ الرجل شعره بغير الأسود فهذا إنما يكون للزينة ولا يليق بالرجل أن يصبغ شعره للزينة لأنه ليس امرأة حتى ينشأ في الزينة والحلية فأرى أن لا يصبغ شعر رأسه بغير الأسود ولا يجوز بالأسود إذا كان لتغيير الشيب.
***
تقول السائلة ما حكم نتف الشيب؟

(116/6)

فأجاب رحمه الله تعالى: نتف الشيب إذا كان في الوجه فإنه من كبائر الذنوب لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لعن النامصة والمتنمصة) قال العلماء والنمص هو نتف شعر الوجه أما من غير الوجه كشيب الرأس فقد كرهه أهل العلم وقالوا يكره نتف الشيب ولا أدري ماذا يصنع هذا الشائب إذا كان كلما ابيضت شعرة نتفها فسوف يقضي على رأسه كله لأن الشيب كالنار يشتعل في الرأس كما قال زكريا عليه الصلاة والسلام (رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا).
***
يقول السائل ما حكم اللحية في الإسلام نريد من سيادتكم الأحاديث أو بعض الأحاديث التي وردت فيها وماذا نفعل حيث أصبح كل ملتح في المجتمع ينظر له نظرة غريبة من قبل الناس ويضطهد أيضا في بعض الأحيان وكي لا يقع الإنسان في حلقها كما يقع كثير من الشباب الذين يطلقونها نريد الطريق وفقكم الله؟

(116/7)

فأجاب رحمه الله تعالى: اللحية في الإسلام هي من هدي الرسل عليهم الصلاة والسلام فقد كان نبينا (صلى الله عليه وسلم عظيم اللحية) وقال الله تعالى عن موسى وهارون قال هارون لموسى (يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي) فهي من هدي المرسلين وهي أيضا من سنن الفطرة كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال (عشر من الفطرة وذكر منها اللحية) وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعفائها وإرخائها وهذا يدل على أن حلقها محرم لمخالفته الفطرة وللوقوع في معصية الرسول صلى الله عليه وسلم وأما كون معفيها ومبقيها ينظر إليه نظرة استغراب واستنكار واستهانة فهذا من البلاء الذي يبتلى به المرء على دينه هل يصبر عليه أو يراعي فيه غير الله وقد قال الله تعالى (الم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (2) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) والواجب على المسلم أن يصبر على طاعة الله وعن معصية الله وعلى ما يناله من الأمور المؤذية في جانب الله تبارك وتعالى فنصيحتي للأخ أن يصبر ويحتسب وسوف تنفرج الأمور وسوف تكون العاقبة للمتقين.
***
المستمع عبد الله سوداني يقول ما حدود اللحية في الشرع وهل الشعر الذي يبتدئ من جوار الأذنين إلى الذقن تابع للحية أم لا، وما حكم من يحصر اللحية في الذقن بمعنى يحلق الشعر الذي في الخدين أفيدوني في سؤالي جزاكم الله خيرا؟

(116/8)

فأجاب رحمه الله تعالى: اللحية هي شعر الخدين والوجه ولكن لكل جزء منها اسم فالذي على اليمين واليسار يسميان العارضين والذي في ملتقاهما من أسفل يسمى الذقن وكل ذلك يدخل في مسمى اللحية فاللحية إذا تشمل جميع ما على الوجه من الشعر ولا يجوز لأحد أن يحلق منها شيئا لأن ذلك خلاف ما أمر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله (خالفوا المشركين وفروا اللحى وحفوا الشوارب) وقوله (خالفوا المجوس اعفوا اللحى وحفوا الشوارب) وفي رواية (وفروا اللحى) وليعلم أن بعض الناس التبس عليهم الأمر بصنيع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حيث (كان إذا حج قبض على لحيته فقص منها ما زاد على القبضة) فظن بعض الناس أن هذا من ابن عمر رضي الله عنهما تشريع وأن ما زاد على القبضة يسن أخذه بل بالغ بعضهم حتى قال إن ما زاد على القبضة من الإسبال المحرم ولا شك أن هذا خطأ عظيم في الفهم والعبرة بكلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
***
يقول السائل هل الشعر النابت على العنق من الأمام يعتبر من اللحية وما حكم حلقه؟

(116/9)

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس الشعر النابت على الرقبة تحت الحنك من اللحية ويجوز حلقه لأنه ليس منها والمحرم إنما هو حلق اللحية فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر بإعفاء اللحى وقال (خالفوا المجوس) وقد كان هدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إعفاء اللحية فقد قال هارون لأخيه موسى (يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي) وهذا يدل على أن لهارون لحية وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عظيم اللحية كثيف اللحية فهل يليق بالمسلم أن يتأسى برسل الله صلى الله عليهم وسلم وعلى رأسهم نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه أم يتأسى بالمجوس والمشركين أعتقد أنه لا إشكال في أن المؤمن يريد أن يتأسى بالرسل عليهم الصلاة والسلام لعله يكون ممن قال الله فيهم (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا).
***
يقول السائل ما حكم صبغ اللحية بالصبغة السوداء حيث إنني رأيت البعض من الناس يصبغون لحاهم أرجو الإجابة في سؤالي؟
فأجاب رحمه الله تعالى: صبغ الشيب أمر مطلوب لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر به فقال: (غيروا هذا الشيب) ولكن لا يحل أن يصبغ بالسواد لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (جنبوه السواد) ولما ورد في ذلك من الوعيد حيث جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (يكون قوم في آخر الزمان يخضبون لحاهم بالسواد حتى تكون كحواصل الطير لا يريحون رائحة الجنة) أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولكن يمكن أن يستغني عن السواد الخالص بلون بني بين الأسود والأصفر ويحصل بذلك على فعل السنة وعلى تجنب المحرم.
***
يقول السائل بالنسبة لصبغ اللحية بالأسود هل هو جائز؟

(116/10)

فأجاب رحمه الله تعالى: الصحيح أن صبغ اللحية بالأسود حرام لا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر بتغيير الشيب و(قال: جنبوه السواد) وورد الوعيد على من صبغ بالسواد وإذا اجتمع الأمر باجتنابه والوعيد على فعله كان ذلك دليلا على أنه أي الصبغ بالسواد حرام.
***
أحسن الله إليكم يقول السائل هل مشط اللحية و القيام بتطييبها يوميا يدخل ضمن (النهي عن الترجل إلا غبا)؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الترجل هو تسريح الشعر ودهنه وتحسينه وتزيينه وقد (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الترجل إلا غبا) أي يوما فيوما ذلك أنه إذا اشتغل الإنسان بإصلاح هندامه وصار هو أكبر همه فإنه يشتغل به عن أمور أهم وأعظم أما إذا فعله غبا يعني يوما يترجل ويوما لا يترجل أو يوما يترجل ويومين لا يترجل أو يومين يترجل ويوما لا يترجل صار هذا دليلا على أنه ليس ذلك عنده بأهمية كبيرة تشغله عن ما هو أهم فلذلك نقول لا ينبغي للإنسان أن يبالغ ويسرف في الترجيل ترجيل الشعر ولا أن يهمله أيضا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما تحدث عن الكبر (قالوا يا رسول الله إنا نحب أن يكون النعل حسنا والثوب حسنا فقال عليه الصلاة والسلام: إن الله جميل يحب الجمال أي يحب التجمل الكبر بطر الحق وغمط الناس) ولهذا ليس المتكبر من يلبس الثياب الحسنة والجميلة أو النعل الحسن و الجميل الكبر أن يرد الحق وأن يغمط الناس ويحتقرهم حتى ولو كان عليه ثياب خلقة فإنه قد يكون متكبرا في قلبه والعياذ بالله مستكبرا على دين الله وعلى عباد الله وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر) فعلى الإنسان أن يكون متواضعا لله متواضعا لخلق الله يقدم شريعة الله على هوى نفسه وينزل عباد الله منزلتهم ولا يستطيل على أحد ولا يفخر على أحد.
***

(116/11)

بارك الله فيكم سؤال من المستمع ص ق ح يقول هل يجوز نتف الشيب الموجود بالرأس أو اللحية بالنسبة للرجل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نتف الشيب من اللحية من النمص لأن النمص نتف شعر الوجه والنمص ملعون فاعله فهو من كبائر الذنوب وأما نتف شعر الشيب من الرأس فإنني أقول إذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن صبغه بالسواد الذي فيه إخفاء الشيب فإن نتفه أشد من صبغه بالسواد وعلى هذا فلا ينتفه ونقول لهذا الذي نتف الشعرة أو الشعرتين من الشيب في رأسه نقول إنه إذا بدأ الشيب في الرأس فسوف يعمه فهل كلما ابيضت شعرة من رأسه ينتفها إن فعل ذلك فإنه لم يبقى على رأسه شعرة.
***
بارك الله فيكم المستمع م. أ. يقول ما حكم الشرع في نظركم فضيلة الشيخ في حلق اللحية؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الذي نرى أن حلق اللحية محرم لأنه معصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن عصى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد عصى الله ولأنه مشابهة للمشركين والمجوس وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بمخالفة المشركين والمجوس و(قال: من تشبه بقوم فهو منهم) فلا يجوز للإنسان أن يحلق لحيته بل الواجب عليه توفيرها وإرخاؤها وإعفاؤها كما جاءت في ذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
***
أحسن الله إليكم هل حلق اللحية معصية للرسول صلى الله عليه وسلم ويعاقب عليها؟

(116/12)

فأجاب رحمه الله تعالى: حلق اللحية معصية للرسول صلى الله عليه وسلم وخروج عن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباع لسنة المجوس والمشركين دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم (خالفوا المجوس خالفوا المشركين وفروا اللحى وحفوا الشوارب) فقال عليه الصلاة والسلام (خالفوا المشركين خالفوا المجوس) وبين وجه المخالفة في قوله (وفروا اللحى وحفوا الشوارب) فمن حلق لحيته فقد عصى أمر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله (وفروا اللحى) ومن حلق لحيته فقد اتبع سبيل المجوس والمشركين ومن حلق لحيته فقد خالف هدي الأنبياء والمرسلين فإنهم عليهم الصلاة والسلام لهم لحى ألم تسمعوا إلى قول الله تبارك وتعالى عن هارون أنه قال لموسى (قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي) ألم يبلغكم أن (النبي صلى الله عليه وسلم كان كثيف اللحية عظيمها) ثم إنه أي حالق اللحية مخالف للفطرة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر (أن إعفاء اللحية من الفطرة) وعلى هذا فيكون حالق لحيته واقعا في هذه المحاذير الأربعة مخالفة هدي الأنبياء والمرسلين موافقة هدي المجوس والمشركين معصية الرسول صلى الله عليه وسلم مخالفة الفطرة التي فطر الله الناس عليها فعلى الذين ابتلاهم الله بذلك أن يتوبوا إلى الله تعالى بصدق وإخلاص وألا يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون.
***
بارك الله فيكم هذا السائل من جمهورية مصر العربية ع. ع. م. يقول هل يعتبر حلق اللحية من الكبائر وهل يوجد حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم يبين فيه العقاب الشديد لمن حلق لحيته أرجو منكم إفادة؟

(116/13)

فأجاب رحمه الله تعالى: حلق اللحية من الكبائر باعتبار إصرار الحالقين يعني أن الذين يحلقون لحاهم يصرون على ذلك ويستمرون عليه ويجاهرون بمخالفة السنة فمن أجل ذلك صار حلق اللحى كبيرة من حيث الإصرار عليه أما الأحاديث الواردة في ذلك فقد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها من الفطرة أي أن إعفاء اللحى من الفطرة وبناء على ذلك يكون من حلقها مخالفا لما فطر الناس عليه، ثانيا أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن حلق اللحية من هدي المجوس والمشركين ونحن مأمورون بمخالفة المجوس والمشركين بل وكل كافر لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من تشبه بقوم فهو منهم) قال شيخ الإسلام ابن تيمية (في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم -سنده جيد وأقل أحواله يقتضي التحريم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم) ثالثا: أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بإعفاء اللحية وقال (أعفوا اللحى) وفي لفظ (وفروا) وفي لفظ (أرخوا) وقال (خالفوا المشركين خالفوا المجوس) والأصل عند أكثر العلماء أن أوامر الله ورسوله للوجوب حتى يوجد ما يصرفها عن ذلك ووجه آخر أظنه الرابع أن إعفاء اللحية هدي النبي عليه الصلاة والسلام وهدي الرسل السابقين والقارئ يقرأ قول الله تعالى عن هارون حين قال لأخيه موسى (قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي) والعالم بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم قد بلغه أنه (عليه الصلاة والسلام كث اللحية عظيم اللحية) ولو خير العاقل بين هدي الأنبياء والمرسلين وهدي المشركين فماذا يختار إذا كان عاقلا فسيختار هدي الأنبياء والمرسلين ويبتعد عن هدي المجوس والمشركين لهذا ننصح إخواننا المسلمين أن يتقوا الله أقول اتقوا الله امتثلوا أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في إعفاء اللحية فإن الله قال (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو

(116/14)

يصيبهم عذاب أليم) قال الإمام أحمد (أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من البغي فيهلك) فالمسألة عظيمة فنحن نخاطب جميع إخواننا المسلمين أن يتقوا الله عز وجل وأن يتمسكوا بهدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى يؤجروا على ذلك ويحصل لهم مع طيب المظهر باللحية التي جمل الله بها وجه الرجل الطيب المبطن وهو طيب القلب لأن الإنسان كلما ازداد تمسكا بدين الله ازداد قلبه طيبا ولنستمع إلى قول الله تعالى (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) (فلنحيينه حياة طيبة) ما قال فلنكثرن ماله فلنرفهنه، قال (فلنحيينه حياة طيبة) حتى لو كان فقيرا قلبه مطمئن راض بقضاء الله وقدره فحياته طيبة نسأل الله تعالى أن يطيب قلوبنا بذكره والإيمان به وأن يهدي جميع المسلمين لسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
***
يقول السائل من المعروف أن تربية اللحية للرجال سنة مؤكدة ولكن إذا كانت زوجة الرجل تقول لازم تحلق لحيتك وإلا لا أمكنك من نفسي أرجو أن تتحدثوا عن هذا الموضوع بإمعان مع العلم أنني ممن هو واقع في ذلك مع زوجتي بحيث أقنعتها ولم تقتنع؟

(116/15)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز للرجل أن يراعي أحدا بالطاعة في معصية الله فلا يطيع زوجته ولا أمه ولا أباه ولا من ولي عليه في معصية الله أبدا لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وحلق اللحية محرم مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وهدي الأنبياء من قبله وهدي المسلمين عموما فإنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (خالفوا المجوس وفروا اللحى وحفوا الشوارب) وثبت (أنه صلى الله عليه وسلم كان كث اللحية) وقال هارون لأخيه موسى (يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي) وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن إعفاء اللحية من الفطرة التي فطر الناس عليها فيحرم على الرجل أن يحلق لحيته حتى وإن اعتاد الناس ذلك حتى وإن طالبته زوجته بهذا حتى ولو هددته بأن تشارعه وهو إذا شارعها فإن المحكمة الشرعية التي تحكم بشريعة الله لن تمكنها من أي عمل ينافي الزوجية بسبب هذا التمسك بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم أما هذه الزوجة فإني أنصحها بأن تتقي الله عز وجل في زوجها وأن لا تأمره بمعصية الله عز وجل فإنها إذا أمرته بمعصية الله كانت آثمة وإن لم يفعل المعصية لأنها تحب منه أن يفعلها وهو لا يجوز له أن يوافقها في ذلك.
***
بارك الله فيكم يقول السائل هل صحيح أن مقدار اللحية قبضة يد كما ورد ذلك عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وكيف كانت لحية الرسول صلى الله عليه وسلم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: اللحية لا تحد بالقبضة لعموم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعفائها فهي ليس لها حد وفعل ابن عمر رضي الله عنه اجتهاد منه والاجتهاد لا يقابل ولا يدفع به النص والنبي عليه الصلاة والسلام عمم قال (أعفوا اللحى) (أرخوا اللحى) (وفروا اللحى) فليس للحية قدر محدد أما رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أخبروا عن أوصافه أخبروا بأنه (صلى الله عليه وسلم واسع اللحية عظيمها) ولكن لم يذكروا لها طولا محددا فيما اعلم.
***

(116/16)

بارك الله فيكم رسالة المستمع رأفت من جمهورية مصر العربية يقول ما حكم الشرع في نظركم فضيلة الشيخ في تقصير اللحية ورفع اليدين بعد كل صلاة للدعاء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: تقصير اللحية مخالف لأمر النبي صلى الله عليه وسلم في اعفاء اللحى فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإعفاء اللحية وإرخائها وتركها على ما كانت عليه وأخبر عليه الصلاة والسلام أن هذا مخالفة للمجوس فقال عليه الصلاة والسلام (خالفوا المجوس: أعفوا اللحى وحفوا الشوارب) وعلى هذا فإنه لا يقص شيئا من شعر لحيته بل يبقيها على ما هي عليه والإنسان كلما تمسك بالشرع ازداد إيمانا ويقينا ومحبة لطاعة الله وسهل عليه مخالفة العادات التي يعتادها أهل بلده وأهل زمنه.

(116/17)

وأما رفع اليدين للدعاء بعد كل صلاة فإن هذا ليس من السنة والسنة للإنسان إذا أراد أن يدعو الله عز وجل أن يدعوه بعد إكمال التشهد وقبل السلام كما أمر بذلك النبي عليه الصلاة والسلام حيث قال بعد أن ذكر التشهد قال (ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) ومعلوم أن كون الإنسان يدعو قبل أن يسلم أولى من حيث النظر من كونه يدعو بعد أن يسلم لأنه إذا كان في صلاته كان يناجي ربه فإذا انصرف من صلاته انقطعت المناجاة وكون الإنسان يدعو الله عز وجل في حال المناجاة أولى من كونه يدعوه بعد انقضاء المناجاة إذا فقد دل الأثر والنظر على أن الدعاء قبل السلام أفضل من الدعاء بعده ثم إننا نقول هل كان من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام أنه كلما سلم دعا؟ لا ليس من هديه لا في الفريضة ولا في النافلة ونحن نعلم علم اليقين أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم فاتخاذ هذا سنة في الراتبة أي كلما فرغ من الصلاة دعا في فرض أو نفل يعتبر من البدع التي لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم لكن لو دعا الإنسان أحيانا فإننا نرجو أن لا يكون في ذلك بأس. أقول نرجو أن لا يكون في ذلك بأس ما لم يكن الإنسان أسوة وقدوة كالعالم الذي إذا رآه العامة ربما يرون أن هذه سنة راتبة دائمة فإنه في هذه الحال لا يدعو بل يجعل دعاءه قبل أن يسلم.
***
أحسن الله إليكم من جامعة الملك سعود بالرياض السائل م. ف. س يقول هل يجوز للشخص أن يقصر من لحيته وما هو الحد الأدنى في ذلك أو يطلقها كاملة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب إطلاقها كاملة لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (خالفوا المجوس أعفوا اللحى وحفوا الشوارب) وفي لفظ (أرخوا اللحى وحفوا الشوارب) وفي لفظ (وفروا اللحى وحفوا الشوارب) فالواجب إبقاء اللحية كما هي ولا يتعرض لها بقص ولا بحلق.
***

(116/18)

المستمع م. ج من الرياض يقول فضيلة الشيخ عرفنا حكم حلق اللحية ولكن ما حكم من أخذ بعضا من لحيته هل يدخل هذا في الحلق أيضا يا فضيلة الشيخ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: حلق اللحية إننا عرفنا أنه حرام من قول النبي عليه الصلاة والسلام (خالفوا المجوس وفروا اللحى وحفوا الشوارب) وفي لفظ (أرخوا اللحى) وفي لفظ (أوفوا اللحى) والقص منها مخالفة لهذا الأمر لأن من قصها فإنه لم يعفها ولم يوفها ولم يوفرها ولكنه لاشك أن القص أخف من الحلق لأن الحلق إذهاب للشعر بالكلية والقص إذهاب لبعضه وإذهاب البعض ليس كإذهاب الكل لكن هو داخل في المعصية إذا أخذ منها شيئا وعلى هذا فالواجب على من يتقي الله عز وجل أن يتجنب حلق اللحية والأخذ منها وسيسهل عليه ذلك إذا كان قد عزم وصمم واحتسب الأجر من الله فإنه يهون عليه الأمر يهون عليه إعفاء اللحية وإبقاؤها ولو طالت لأن الإنسان إذا كان يحتسب ما يقوم به على الله عز وجل وينتظر ثوابه بذلك فإنه يهون عليه كل شيء.
***
هذه الرسالة من عبد الله صلاح من المدينة المنورة يقول أنا شاب جامعي والحمد لله هديت إلى تربية اللحية ولكني آخذ منها قليلا من ناحية الرقبة ومن ناحية أعلى الخد وقد عارضني البعض وقال غير جائز، علما أن هذا الشعر الزائد يضايقني فما رأي فضيلتكم أشيروا علي هداكم الله وإيانا المرسل عبد الله صلاح؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما ما تحت الحلق فإنه ليس من اللحية لأنه ليس نابت على اللحيين وأما ما كان على الخدين فمقتضى كلام أهل اللغة إنه من اللحية وعلى هذا فإننا لا نري لهذا الأخ أن يأخذ منه شيئا وأن يبقي الشعر على الخدين وعلى العارضين كما هو لأنه من اللحية حسب ما في كلام أهل اللغة العربية.
***

(116/19)

هذه رسالة وردتنا من المستمع ع ش ع يقول في رسالته أنا الحمد لله أعفي لحيتي وأقص من شاربي غير أنني أقص من طول لحيتي بالمقص ولا آخذ منها شيئا بالموسى لا من أعلاها ولا من أسفلها مع أن الشعر الذي أقصه إذا تركته يضايقني ولا أستطيع تركه أفيدوني وفقكم الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: سؤال الأخ هذا يتضمن أمرا محمودا ثبت الأمر به من قبل الشارع وأمرا غير محمود أما الأمر المحمود فهو كونه يقص من شاربه فإن قص الشارب من الفطرة التي فطر الله العباد على استحسانها وعلى أنها مكملة للطهارة والنظافة وهي أيضا مما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وأما الأمر غير المحمود فهو كونه يأخذ من لحيته فإن أخذه من لحيته مخالف لأمر النبي صلى الله عليه وسلم حيث أمر بإعفاء اللحية مخالفة للمجوس والمشركين وإذا كان في هذا مخالفة للنبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا ينبغي للمؤمن أن يفعله لقول الله تعالى (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) وهاهنا مسألة وهي أن بعض الناس يظنون أن الأمر بإعفاء اللحى من أجل مخالفة المجوس والمشركين ويقولون إن من المشركين اليوم من يعفي لحيته وعلى هذا فلا يكون في إعفائها مخالفة لهم فنقول ليس هذا فقط هو العلة في الأمر بإعفاء اللحية بل هناك علة أخرى وهي أنها من الفطرة كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (عشر من الفطرة وذكر منها إعفاء اللحية) وعلى هذا فإعفاء اللحية من الفطرة ثم إن كوننا يشرع لنا هذا العمل من أجل مخالفة المشركين في الأصل لا يقتضي إذا وافقونا عليه في النهاية أن ندعه نحن لأن الحقيقة أنهم إذا أعفوا لحاهم فهم الذين تشبهوا بنا في ثاني الحال لأن الأصل أننا مأمورون بمخالفتهم حين

(116/20)

التشريع على أننا لا نسلم أن كل المشركين اليوم يعفون لحاهم كما هو الواقع والمشاهد.
***
بارك الله فيكم هذا المستمع أبو عبد الرحمن ع. ك. يقول شعر لحيتي في الجزء الأيمن أكثف من الجزء الأيسر فهل علي إثم إذا قمت بتسويتها حتى تتساوى مع الجهة الأخرى أرجو إفادة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه (قال: خالفوا المجوس وفروا اللحى وحفوا الشوارب) وفي رواية أخرى (أرخوا اللحى) وكل هذا يدل على أنه لا يجوز للإنسان أن يحلق شيئا من لحيته وظاهر الحديث العموم فيشمل حتى هذه الحال التي ذكرها السائل اللهم إلا أن يكون ذلك مشوها لوجهه كثيرا فهذا ربما ينظر فيه وأما مجرد انه فوت الجمال فإن هذا لا يبيح له أن يأخذ شيئا من لحيته وهو إذا اتقى الله سبحانه وتعالى وفعل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم فسيجعل الله له فرجا ومخرجا.
***
يقول السائل أنا مستمع للبرنامج وأسأل عن الحكم فيمن أخذ من لحيته بما يسمى التزيين وقص شيئا منها أفيدونا جزاكم الله خيرا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: تزيين اللحية إنما يكون باتباع ما أرشد إليه النبي عليه الصلاة والسلام في قوله (خالفوا المجوس وفروا اللحى وحفوا الشوارب) ولا ثوب للإنسان ولا حلية للإنسان أحسن من ثوب وحلية التقوى قال الله تعالى (ولباس التقوى ذلك خير) والإنسان إذا اتقى الله عز جل كساه الله تعالى جمالا يظهر على وجهه وعلى أخلاقه حتى يكون خيرا مما فاته مما يكون فيه معصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
***
بارك الله فيكم مستمع للبرنامج يقول ما حكم ترك إزالة شعر الإبط لفترة طويلة وهل هناك مدة معينة يجب إزالته عند مضيها؟

(116/21)

فأجاب رحمه الله تعالى: إزالة شعر الإبط من الفطرة التي فطر الله الخلق عليها وجاءت بها الشرائع منزلة من الله عز وجل وكذلك قص الأظافر والشارب وحلق العانة والختان فهذه الأشياء كلها من الفطرة التي يرتضيها كل عاقل لم تتغير فطرته وقضتها الشرائع المنزلة من عند الله عز وجل وقد (وقت النبي صلى الله عليه وسلم في الشارب والعانة والإبط والأظافر وقت لها أربعين يوما) فلا تترك فوق أربعين يوما وعلى هذا فنقول إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام قد وقت لأمته هذه المدة فهي المدة القصوى وإن حصل سبب يقتضي أن تزال قبل ذلك فإنها تزال كما لو طالت الأظافر أو كثرت الشعور في الإبط أو الشارب طال قبل الأربعين فإنه يزال لكن الأربعين هي أقصى المدة وغايتها ومن العجب أن بعض الجهال يبقي أظافره مدة طويلة حتى تطول وتتراكم فيها الأوساخ وهؤلاء قد تنكروا لفطرتهم وخالفوا السنة التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقتها لأمته ولا أدري كيف يرضون لأنفسهم أن يفعلوا ذلك مع ما فيه من الضرر الصحي فوق المخالفة الشرعية وبعض الناس يبقي ظفرا واحدا من أظفاره إما الخنصر وإما السبابة وهذا أيضا جهل وخطأ فالذي ينبغي للمسلمين أن يترسموا وأن يتمشوا على ما خطه النبي عليه الصلاة والسلام ورسمه لهم من فعل هذه السنن التي تقتضيها الفطرة قص الأظفار و الشارب وحلق العانة ونتف الآباط أما الختان فإنه معروف يفعل في الصغر وهو الأفضل وأرجح الأقوال فيه أنه واجب في حق الرجال سنة في حق النساء.
***
المستمعة ل. ج. م. من الموصل من العراق تقول ما الحكم في تطويل الأظافر مع العلم أنها نظيفة وهل قصها سنة أم فرض أفيدونا بذلك؟

(116/22)

فأجاب رحمه الله تعالى: تقليم الأظافر أو قصها من سنن الفطرة التي فطر الله الخلق على استحسانها قدرا وسنها لهم شرعا وقد (وقت النبي صلى الله عليه وسلم فيها وفي قص الشارب وحلق العانة ونتف الآباط أن لا تترك فوق أربعين يوما) وعلى هذا فلا تترك الأظافر فوق أربعين يوما لا تقص سواء كانت نظيفة أم وسخة لأن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وعدم قصها مخالف للفطرة التي فطر الناس عليها و إبقاؤها أكثر من أربعين يوما إذا كان الحامل له على ذلك الاقتداء بالكفار الذين انحرفت فطرهم عن السلامة فإن ذلك يكون حراما لأن النبي صلى الله عليه وسلم (قال: من تشبه بقوم فهو منهم) رواه الإمام أحمد بإسناد جيد قال شيخ الإسلام ابن تيمية (أقل أحوال هذا الحديث التحريم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم) أما إذا كان الحامل لإبقائها وتركها أكثر من أربعين يوما بمجرد هوى في نفس الإنسان فإن ذلك خلاف الفطرة وخلاف ما وقته النبي صلى الله عليه وسلم لأمته.
***
حفظكم الله السائلة تسأل عن حكم تربية الأظافر لمدة معينة لستة شهور؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الأظافر والعانة والإبط والشارب (وقت فيها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن لا تترك فوق أربعين يوما) فإذا تمت الأربعون فلا بد من إزالتها حتى ولو كانت قصيرة لأن الناس يختلفون في نمو الأظافر والشعور لكن لا تزيد على أربعين يوما فمثلا لو قدر أن الإنسان مضى له أربعون يوما وأظافره ليست طويلة ولكنه يمكن قصها فإنه يقصها ولو كانت قصيرة وكذلك يقال في شعر العانة والشارب والإبط وأما ما تفعله بعض النساء تقليدا لنساء الكفار من إطالة الأظفار أو إطالة بعضها فإن هذا خلاف السنة وأخشى أن يكون الفاعل آثما لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (وقت أن لا تترك فوق أربعين).
***

(116/23)

السائلة ريهام محمود تقول سمعت من بعض الناس بأنه من اللازم أن تقصر الأظافر بعد أربعين ليلة فنرجو من فضيلتكم إيراد النص سواء من الكتاب أو السنة يؤيد هذا القول وهل المقصود أظافر اليدين والرجلين أم أظافر اليدين فقط؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال (وقت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشارب والإبط والعانة والأظفار ألا تترك فوق أربعين يوما أو قال ليلة) فالمسألة ليس خاصة بالأظفار بل هي في الأظفار وفي الإبط وفي العانة وفي الشارب لا تترك فوق أربعين يوما ومن الخطأ أن بعض النساء خاصة تبقي أظفارها تطول وبعضهن تقص أظفارها إلا ظفر إصبع واحدة فتبقيها حتى تكون كرأس الحربة وكل هذا من الجهل وإلا فأظن أن المسلم إذا علم بحكم الله ورسوله فلن يحيد عنه، المهم ألا تترك هذه الأربعة فوق أربعين يوما.
***
أحسن الله إليكم تقول السائلة من الرياض هناك كثير من الطالبات إذا نصحناهن بأن تطويل الأظافر مخالف للسنة تساهلت بهذا وقالت بأن السنة يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها فهل من توجيه لهؤلاء النسوة؟

(116/24)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم أوجه كلمتي هذه إلى جميع النساء الصغار منهن والكبار وأقول على المرأة أن تتقي الله عز وجل وأن تنجي نفسها من النار فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه وجد أن أكثر أهل النار النساء وعليها أي على المرأة أن تتبع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وقد قال أنس رضي الله عنه (إن النبي صلى الله عليه وسلم وقت في الأظفار وشبهها مما يؤخذ أربعين يوما) وظاهر هذا الحديث أنه لا يجوز تأخير تقليم الأظفار أكثر من أربعين يوما وأما قولها إن السنة يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها فهذا تهاون منها ألم تعلم أنها سيأتيها اليوم الذي تتمنى أن يكون في حسناتها زيادة حسنة واحدة ثم إن هذه الموضة من أين أخذت إنها ليست معروفة لا في أمهاتنا ولا في جداتنا ثم إن هذه الموضة التي يكون فيها المناكير يكون فيها شيء يمنع من وصول الماء إلى الظفر وهذا يخل بالوضوء إذ من شرط صحة الوضوء إزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة أو إلى الظفر ثم إن من هذه الموضات حسب ما سمعنا أن بعضهن تجعل إصبعا واحدا فيها المناكير وتطول ظفره والباقي تقلم وهذه مخالفة ظاهرة لأن الأظافر طريقها واحد إما أن تقلم كلها وإما أن تترك كلها وتركها فوق أربعين يوما خلاف ما وقته النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأمته.
***
تقول السائلة هل يجوز لي تقليم أظافري في فترة الحيض؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم تقليم الأظافر سنة وفي أي وقت وعلى أي حال وقد (وقت النبي صلى الله عليه وسلم لتقليم الأظافر وحف الشارب ونتف الإبط وحلق العانة ألا تترك فوق أربعين يوما) وبهذا نعرف خطأ بعض الناس الذين يبقون هذه الأشياء أكثر من أربعين يوما فتجد أظفارهم تطول طولا فاحشا لا يقصها وكذلك شاربه وكذلك إبطه وكذلك عانته والذي ينبغي للمسلم أن يتقيد بما قيده النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا يترك هذه الأشياء فوق أربعين يوما.
***

(116/25)

بارك الله فيكم المستمعة فاطمة من السودان تقول ماذا يفعل الإنسان بالشعر المتساقط أو الأظافر هل يتم حرقها أم وضعها في التراب أرجو بهذا إفادة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ذهب بعض أهل العلم أنه ينبغي للإنسان أن يدفن ما يزيل عن نفسه من شعر وظفر واستدلوا لذلك (بفعل الصحابة رضي الله عنهم) فإن تيسر هذا فذاك وإن لم يتيسر فلا بأس أن يضعه في أي مكان كان.
***
تقول السائلة عندما أقصر من شعري أو أظافري أضع ذلك في كيس النفايات ما حكم ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا أرى في هذا بأسا ومن العلماء من قال ينبغي أن يدفن ذلك (لفعل بعض الصحابة رضي الله عنهم).
***

(116/26)

باب فروض الوضوء وصفته
ما حكم التسمية في الوضوء وإذا كان الإنسان في موضع لا يذكر فيه اسم الله فهل تكفي النية وإذا نسي الإنسان التسمية فهل يصح وضوؤه أفيدونا وفقكم الله
فأجاب رحمه الله تعالى: التسمية في الوضوء مشروعة لأن هذا من الأفعال الهامة التي تنقص بركتها إذا لم يسم الله عليها ولكنها ليست بواجبة على ما نراه وإن كان بعض العلماء يرى أنها واجبة لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) لكن عندنا نحن لم يثبت قال الامام أحمد: (لا يثبت في هذا الباب شيء) وعلى هذا فيكون القول بوجوبه قولا ضعيفا أو قولا مرجوحا فيما نراه والذين يقولون بالوجوب يرون أنها تسقط بالسهو وأن الرجل لو سها عنها حتى أتم وضوءه فوضوؤه صحيح وإن سها عنها ثم ذكرها أثنائه سمى واستمر في وضوئه وأما إذا كان في موضع لا ينبغي فيه ذكر الله فإنه يسمي بقلبه ولا ينطق بها بلسانه ويكون بذلك قد فعل ما ينبغي.
***
رسالة وصلت للبرنامج من المستمع راجح ضويحي يقول من المعلوم أن من واجبات الوضوء التسمية مع الذكر عند بدء الوضوء هل تجوز التسمية إذا كان الوضوء داخل دورة المياه؟

(117/1)

فأجاب رحمه الله تعالى: قول السائل من المعلوم وجوب التسمية في الوضوء هذا صحيح بالنسبة للمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله ولكن المسألة فيها خلاف بين أهل العلم فمنهم من يرى الوجوب بناء على صحة الحديث عنده وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) ومنهم من يرى أن التسمية لا تجب لأن هذا الحديث لم يثبت عنده كما قال الإمام أحمد رحمه الله (لا يثبت في هذا الباب شيء) فوجوب التسمية على الوضوء محل خلاف بين أهل العلم لكن من قال بالوجوب فإنه إذا توضأ الإنسان في مكان لا ينبغي فيه ذكر الله فإنه يسمي ولاحرج عليه في ذلك لأن الواجب لا يسقطه الشيء المكروه فإذا قلنا بكراهة الذكر في الحمام مثلا فإن ذلك لا يسقط وجوب التسمية في الوضوء لأن الواجب أوكد من ترك المكروه فيسمي ولا حرج عليه في ذلك.
***
هذا مستمع من جمهورية مصر العربية المنصورة محمود السعيد عبد الخالق يقول السادة القائمين على هذا البرنامج الجليل نور على الدرب إني لأتوجه لفضيلتكم بوافر الشكر لإتاحتكم لي هذه الفرصة لتتفضلوا مشكورين بالإجابة على أسئلتي يقول ما هو موقف الإسلام الحنيف من الوضوء وما يستلزمه من ذكر اسم الله في مكان كالخلاء؟

(117/2)

فأجاب رحمه الله تعالى: التسمية على الوضوء سنة إذا سمى الإنسان فهو أكمل وأفضل وإن لم يسم فلا إثم عليه ولا فساد لوضوئه بل وضوؤه صحيح وذلك أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) قد اختلف العلماء رحمهم الله في ثبوته وفي مدلوله فمن العلماء من ضعفه حتى قال الإمام أحمد رحمه الله (لا يثبت في هذا الباب شيء) ومن العلماء من قال إنه حجة ثم اختلفوا أيضا هل هذا النفي نفي للكمال أو نفي للصحة فمنهم من قال إنه نفي للكمال وإن الوضوء بالتسمية أتم ولا تتوقف صحته عليها ومنهم من قال إنه نفي للصحة وإن الوضوء بدون التسمية ليس بصحيح لأن هذا هو الأصل في النفي لأن الأصل في النفي أن يكون المنفي معدوما إما حقيقة وإما شرعا إلا أن يقوم دليل على أن المراد بذلك نفي للكمال والأقرب عندي أن التسمية عند الوضوء سنة وذلك لأن جميع الواصفين لوضوء الرسول صلى الله عليه وسلم ليسوا يذكرون عنه التسمية مع أنهم يذكرون الوضوء في مقام التعليم للناس كما كان أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه يدعو بالطشت فيه الماء فيتوضأ والناس ينظرون إليه ليعلمهم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن يذكر التسمية فإن سمى الإنسان على وضوئه كان أكمل وإن لم يسم لا إثم عليه ووضوؤه صحيح ثم إن التسمية في الخلاء وشبهه لا بأس بها لأن غالب المخليات عندنا نظيفة فإن الماء يزيل النجاسة ويذهب بها وإن أحب أن يسمي بقلبه بأن يستحضر التسمية بقلبه بدون أن ينطق بها بلسانه فهذا طيب.
***
يقول عندما أشرع في الوضوء وعند غسل الوجه أشك أنني هل ذكرت البسملة في البداية أم لا أود معرفة ما إذا كان يتوجب علي إعادة الوضوء أم أواصل تكملة الوضوء جزاكم الله خيرا

(117/3)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا شك الإنسان هل سمى عند الوضوء أم لم يسم فإنه يسمي حينئذ ولا يضره ذلك شيئا وذلك لأن غاية ما فيه أن يقال إنه نسي التسمية في أوله والإنسان إذا نسي التسمية في أول الوضوء ثم ذكر في أثنائه فإنه يسمي ويبني على ما مضى من وضوئه ومع ذلك فإن أهل العلم رحمهم الله اختلفوا هل التسمية في الوضوء واجبة أم سنة. والأقرب أنها سنة وليست بواجبة لأن الحديث الوارد فيها قال عنه الإمام أحمد رحمه الله: (لا يثبت في هذا الباب شيء) وجميع الواصفين لوضوء النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكروا التسمية فيما نعلم وحينئذ تكون التسمية سنة إن أتى بها الإنسان كان ذلك أكمل لوضوؤه وإن لم يأت بها فوضوؤه صحيح.
***
سائل يقول في سؤاله ما حكم من ترك التسمية عند وضوئه ولم يتذكر إلا بعد فراغه من الوضوء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: من نسي التسمية على الوضوء حتى فرغ منه فإنه لا شيء عليه ووضوؤه صحيح حتى لو فرض أنه تعمد ترك التسمية عند الوضوء فإن في صحة وضوئه خلافا بين العلماء فمنهم من يقول إن وضوءه صحيح ولا شيء عليه وذلك لأن الأحاديث المتكاثرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في وصف وضوئه ليس فيها ذكر للتسمية وحديث (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ) ليس بثابت مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال: (لا يثبت في هذا الباب شيء) وذهب بعض أهل العلم إلى أن التسمية على الوضوء واجبة وأنه إذا تعمد تركها لم يصح وضوؤه ولكن القول الأول أقرب إلى الصواب أي إن التسمية على الوضوء سنة إن أتى بها الإنسان فهو أكمل وأفضل وإن لم يأت بها فوضوؤه صحيح.
***
بارك الله فيكم يقول هذا السائل فضيلة الشيخ إذا توضأت ونسيت البسملة هل يصح الوضوء؟

(117/4)

فأجاب رحمه الله تعالى: التسمية على الوضوء سنة وليست بواجبة بل هي من مكملات الوضوء لأن أكثر الواصفين لوضوء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يذكروا أنه يسمي لكن ورد عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه (قال: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) وقد اختلف العلماء في ثبوت هذا الحديث وعدمه فالإمام أحمد رحمه الله قال: (لا يثبت في هذا الباب شيء) كما نقله عنه صاحب البلوغ، ومن العلماء من جعل هذا الحديث حجة أي إنه ثابت عنده عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكن يبقى النظر في هذا النفي هل هو نفي للصحة أو هو نفي للكمال؟ وإذا كانت النصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في وضوئه لم تذكر هذه البسملة في أكثر ما ورد إن لم يكن كل ما ورد من فعل الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه يتعين أن يحمل ذلك على الكمال فالتسمية على الوضوء أكمل لكن لو تركها الإنسان متعمدا فإن وضوءه صحيح ولا إثم عليه.
***
بارك الله فيكم هذا مستمع من القصيم يقول فضيلة الشيخ هل يستحب استقبال القبلة حال الوضوء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ذكر بعض الفقهاء أنه يستحب استقبال القبلة حال الوضوء وعلل ذلك بأنه عبادة وأن العبادة كما يتوجه الإنسان فيها بقلبه إلى الله فينبغي للإنسان أن يتوجه بجسمه إلى بيت الله حتى أن بعضهم قال إن هذا متوجه في كل عبادة إلا بدليل ولكن الذي يظهر لي من السنة أنه لا يسن أن يتقصد استقبال القبلة عند الوضوء لأن استقبال القبلة عبادة ولو كان هذا مشروعا لكان نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أول من يشرعه لأمته إما بفعله وإما بقوله ولا أعلم إلى ساعتي هذه أن النبي صلى الله عليه وآله سلم كان يتقصد استقبال القبلة عند الوضوء.
***
ما الحكم في البدء بالأعضاء الشمال قبل اليمين في الوضوء؟ وهل الصلاة التي أديت على هذا النحو صحيحة أم تجب إعادتها؟

(117/5)

فأجاب رحمه الله تعالى: البداءة بالشمال قبل اليمين في الوضوء في غسل اليدين والرجلين خلاف السنة فإن السنة أن يبدأ الإنسان باليمين لقول عائشة رضي الله عنها (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) ولقوله عليه الصلاة والسلام (ألا فيمنوا ألا فيمنوا ألا فيمنوا). فالبداءة باليمين أفضل ولكن لو بدأ بالشمال فإنه يكون مخالفا للسنة ووضوؤه صحيح لأنه لم يدع شيئا واجبا في الوضوء وترك السنن في العبادات لا يوجب فسادها وإنما يوجب نقصها وكلما كانت العبادة أكمل كان أجرها أعظم والحاصل أن هذا الرجل الذي بدأ بشماله قبل يمينه في وضوئه. وضوؤه صحيح وصلاته التي صلاها بهذا الوضوء صحيحة.
فضيلة الشيخ: حتى لو كان متعمدا لم يكن ناسيا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم ولو كان متعمدا لأنه كما قلت سنة وليس بواجب.
***
يقول السائل يا فضيلة الشيخ هل تخليل اللحية يكون بعد غسل الوجه أم أثناء غسل الوجه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: تخليل اللحية يكون أثناء غسل الوجه لأن ما ظهر من اللحية من الوجه فيكون تخليلها تبعا لغسل الوجه أي مع غسل الوجه.
***
يقول ما حكم تخليل اللحية والأصابع عندما يتوضأ المسلم؟

(117/6)

فأجاب رحمه الله تعالى: أما تخليل الأصابع فقد ورد فيه حديث لقيط بن صبرة وهو حديث جيد (أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال له "خلل بين الأصابع") ولا سيما أصابع الرجلين لأنها متلاصقة وأما تخليل اللحية فقد ورد فيه عن الرسول عليه الصلاة والسلام حديث ضعيف أنه (كان يخلل لحيته في الوضوء) ولكنه ليس كتخليل الأصابع والشعر الذي على الوجه من لحية وشارب وحاجب إن كان كثيفا لا ترى منه البشرة اكتفي بغسل ظاهره إلا في الغسل من الجنابة فيجب غسل ظاهره وباطنه وأما إذا كان غير كثيف وهو ما ترى منه البشرة فلابد من أن يغسله غسلا يوصل الماء البشرة لأنه لما ظهرت البشرة من وراء الشعر صدق عليها اسم المواجهة التي من أجلها اشتق الوجه.
***
يقول السائل ما هو الدعاء الذي يمكن أن أقوله قبل وضوئي وبعده؟
فأجاب رحمه الله تعالى: قبل الوضوء تقول (باسم الله) أما بعد الوضوء فإنك تقول (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) وأما ما ذكره بعض أهل العلم من أن لكل عضو ذكرا مخصوصا فإن هذا لا أصل له ولهذا لا يسن للإنسان أن يدعو الله سبحانه وتعالى كلما غسل وجهه قال اللهم حرم وجهي على النار وإذا غسل يديه قال ذكرا بعده وكذلك مسح رأسه قال ذكرا هذا لا أصل له في الشرع والتعبد لله به من البدع.
***
تقول السائلة ما حكم التشهد عند الوضوء هل هو واجب أم سنة وهل يلزم النطق به عند تأدية كل صلاة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التشهد بعد الوضوء سنة وليس بواجب ولكن فيه ثوابا عظيما قال النبي صلى الله عليه وسلم (ما من أحد يسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء) وهذا ثواب عظيم لا ينبغي للإنسان أن يتهاون به ولكنه ليس بواجب.
***

(117/7)

السائل يقول هل ورد هذا الدعاء بعد الوضوء (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين)؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم ورد ذلك وهو دعاء مناسب لأن الله تعالى قال في كتابه (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) فإذا سألت الله تعالى أن يجعلك من هؤلاء فهذا يستلزم أنك دعوت الله سبحانه وتعالى أن تكون من أحبابه الذين يحبهم.
***
تقول السائلة ما حكم رفع الأصبع في التشهد بعد الوضوء مع المداومة على ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا أعلم له أصلا وإنما المشروع لمن انتهى من الوضوء أن يقول (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) وكفاية.
***
يقول المستمع ما الفضل الذي يناله المسلم إذا استمر على الوضوء بعد كل حدث؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الفضل الذي يناله المسلم إذا استمر على الوضوء بعد كل حدث أنه يبقى طاهرا والمكث على الطهر والبقاء على الطهر من الأعمال الصالحة ولأنه ربما يذكر الله سبحانه وتعالى في احواله كلها فيكون ذكر الله تعالى على طهر ولأنه قد يعرض له صلاة في مكان ليس فيه ماء يسهل الوضوء منه فيكون مستعدا لهذه الصلاة المهم أن كون الإنسان يبقى على طهارة دائما فيه فوائد كثيرة.
***
هل يجوز نطق النية جهرا عند الوضوء الصغير أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التكلم بالنية والنطق بها في الوضوء أو الغسل أو الصلاة أو الصيام أو الزكاة أو غيرها من العبادات كله مخالف لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه ليس من هديه أن ينطق بالنية والنية محلها القلب فإنها هي القصد والقصد والإرادة محلهما القلب وهي بينك وبين الله عز وجل والله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور فلا حاجة إلى أن تذكر ما نويت لأن الله تعالى يعلمه ولكن عليك أن تصحح أعمالك باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم.
***

(117/8)

يقول السائل سمعت أن من شروط صحة الوضوء استصحاب النية وقد زادت الوساوس عندي عندما سمعت هذا فإذا وصلت إلى مسح الرأس أعدت الوضوء من أوله أو إلى اليد اليسرى كذلك أعدته وقد تتكرر هذه الحالة أكثر من أربع مرات فبماذا تنصحونني؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ننصحك بأن نعلمك بأن النية استصحابها معناه ألا تنوي قطع الوضوء، هذا معنى ألا تنوي قطعه وليس معنى استصحاب النية أن تكون على تذكر لها من أول الوضوء إلى آخره فإذا عزبت عن خاطرك ونسيتها وغفلت عنها فإن ذلك لا يضر لأن الاستصحاب معناه ألا ينوي القطع فإذا وصلت إلى غسل رأسك أو غسل ذراعك اليسرى وشككت هل أنت استمررت في هذه النية أم لم تستمر فإن الأصل بقاؤها والاستمرار فلا تعد الوضوء، وإني أحذرك من أن تسترسل في هذا الأمر لأنك إذا استرسلت فيه لا يقتصر على الوضوء فقط بل يتعدى ذلك إلى الصلاة وإلى غيرها من العبادات وحينئذ تبقى دائما في حيرة وفي قلق والنبي عليه الصلاة والسلام قطع هذا الأمر حين (سئل عن الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ فقال عليه الصلاة والسلام لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) فأنت يا أخي اقطع الوساوس عنك واعلم أنك لو كلفت أن تعمل بدون نية ما استطعت كل إنسان عاقل يعي ما يفعل أو يقول فإنه لن يقول شيئا إلا بنية ولن يفعل شيئا إلا بنية.
***
يقول السائل هل يشترط في الوضوء تسمية الصلاة التي سيصلىها بهذا الوضوء ولو كان لأكثر من صلاة؟

(117/9)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يشترط أن يسمي الصلاة التي توضأ لها يعني لا يشترط أن ينويها وكذلك لا ينطق بها بلسانه كما هو المعروف أن النطق بالنية ليس من الأمور المستحبة لكن إذا توضأ لصلاة الظهر مثلا فله أن يصلى الظهر ويتنفل بهذا الوضوء وله أن يصلى العصر والمغرب والعشاء ما دام على وضوئه ولا حاجة إلى تعيين الصلاة كما أنه لو توضأ بنية رفع الحدث بدون أن ينوي صلاة أو غيرها فإنه يرتفع حدثه وله أن يصلى به ما شاء.
فضيلة الشيخ: ولو سمى لا يتقيد بالتسمية؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم ولو سمى لا يتقيد بالتسمية.
فضيلة الشيخ: مثل لو نوى بوضوئه صلاة الظهر مثلا يجوز له أن يصلى العصر والمغرب؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم.
***
يقول السائل هل يجوز أن يقول قبل الوضوء اللهم إني نويت رفع الحدث للصلاة الفلانية وكذا وكذا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا يعبر عنه بالتكلم بالنية أو النطق بالنية وهو بدعة وذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن من هديه أن يتكلم بالنية في أي عبادة من العبادات وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ثم إن النية بينك وبين الله والله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى أن يعلم بما نويت فإنه يعلم السر وأخفى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ولو قلنا إنك تتكلم بالنية لقلنا تقول أيضا اللهم نويت أن أتوضأ فأغسل وجهي وأغسل يدي وأمسح رأسي وأغسل رجلي وأذهب إلى الصلاة وما أشبه ذلك.
***
يقول السائل هل أستطيع الوضوء قبل الأذان أي قبل دخول وقت الصلاة وذلك كي أستطيع أن أصلى صلاة السنة القبلية والتبكير إلى الصلاة في المسجد وإدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هو هذا ما أشار إليه قبل قليل أنه يمكنه أن يتوضأ قبل الوقت بزمن ينقطع فيه هذا البول
***
بارك الله فيكم هذا السائل يسأل عن كيفية الطهارة قبل الأذان أم وبعده؟

(117/10)

فأجاب رحمه الله تعالى: كيفية الطهارة قبل الأذان ككيفيتها بعد الأذان وإذا تطهر للصلاة قبل الأذان فلا حرج إلا من كان به سلس بول (*فإنه لا يتطهر للصلاة إلا إذا دخل وقتها).
(*
هذا رأي الشيخ في القديم وقد تراجع عنه انظر فتوى 199،198،197 )
***
أثابكم الله فضيلة الشيخ هذا فلاح حسن الحمداني من نينوى العراق يقول السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سلامي وتحياتي إلى علمائنا الأفاضل وإلى أسرة برنامج نور على الدرب إنني أسأل يا فضيلة الشيخ عن الطريقة الصحيحة في الوضوء والأقوال والكلمات الواجب ذكرها وهل تعتبر بعض القطرات من البول أعزكم الله وإخواني المسلمين التي تلامس الملابس بعد الخروج من دورة المياه ناقضة للوضوء مع العلم أنني أبقى لفترة طويلة في الدورة حتى لا تتكرر العملية عندي ولكن ما العمل أرشدوني بارك الله فيكم؟

(117/11)

فأجاب رحمه الله تعالى: الوضوء هو غسل الوجه ومنه المضمضة والاستنشاق وغسل اليدين إلى المرفقين من أطراف الأصابع إلى المرفقين ومسح الرأس ومنه الأذنان وغسل الرجلين من أطراف الأصابع إلى الكعبين وليس فيه قول واجب إلا التسمية فإن العلماء اختلفوا في وجوبها، فمنهم من قال: إنها واجبة لأنه صح عنده قول الرسول عليه الصلاة والسلام (لا وضوء لمن لا يذكر اسم الله عليه) ومنهم من قال إنها سنة لأنه لم يثبت عنده قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا وضوء لمن لا يذكر اسم الله عليه) ولأن الواصفين لوضوء النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكروا أنه كان يسمي أما الذكر بعد الوضوء وهو قول المتوضئ إذا فرغ من وضوئه (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين و اجعلني من المتطهرين) فليس بواجب وأما ما ذكر من كونه يذكر الله عند غسل وجهه وعند غسل يديه وعند مسح رأسه وعند غسل رجليه فإن هذا لا أصل له ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم الذكر عند كل عضو من أعضاء الوضوء، وأما ما ذكره السائل عن نفسه من كونه إذا بال ثم استنجى خرج منه قطرات من البول بعد أن يخرج من محل نقض الوضوء فإن هذه القطرات لا تخلو من إحدى حالين إما أن تكون مستمرة بحيث لا يحصل فيها توقف فهذه لها حكم سلسل البول أي إن الإنسان إذا توضأ تحفظ بقدر ما يستطيع بعد أن يغسل فرجه ثم توضأ وضوءه للصلاة ثم صلى (*ولا يتوضأ للصلاة قبل دخول وقتها) هذا إذا كانت هذه القطرات مستمرة لا تتوقف، أما إذا كانت تتوقف ولكنها تحصل بعد البول بنحو ربع ساعة أو ما أشبه ذلك فإنه ينتظر حتى تتوقف فإن خرجت بعد هذا انتقض وضوؤه لأن ما خرج من السبيلين ناقض للوضوء بكل حال.
(*
هذا رأي الشيخ في القديم وقد تراجع عنه انظر فتوى 199،198،197 )
***

(117/12)

هذه رسالة وردتنا من طالب العلم أحمد شرهان مزهري من جيزان يقول في رسالته بعد الدعاء بطول العمر لمن يجيبون على الأسئلة وأن ينفع بإجابتهم يقول وبعد فأنا أعرف أن أتوضأ جيدا فيما أعتقد لا بل إنني أعلم الكثير من الناس والوضوء كما أعرفه هو أبدأ بغسل القبل والدبر ثم أتمضمض وأستنشق ثم أغسل وجهي جيدا ثم أغسل يدي إلى المرفقين ثم أخذ قليلا من الماء وأضعه على رأسي كله ثم أضع يدي في الماء وأمسح أذني ثم أمسح رقبتي وكل ذلك ثلاث مرات ثم أغسل الرجل اليمنى ثم اليسرى وهذا العمل أخذته من عائلتي أليس هذا العمل صحيحا؟

(117/13)

فأجاب رحمه الله تعالى: تكرر من الإخوان الذين يقدمون الأسئلة الدعاء بطول العمر لمقدمي البرنامج وأحب أن يقيد طول العمر على طاعة الله فيقال أطال الله بقاءك على طاعته أو أطال الله عمرك على طاعته لأن مجرد طول العمر قد يكون خيرا وقد يكون شرا فإن (شر الناس من طال عمره وساء عمله) وعمر الإنسان في الحقيقة ما أمضاه بطاعة الله عز وجل أما مالم يمضه بطاعة الله فإنه خسران فإما أن يكون عليه وإما أن يكون لا له ولا عليه وهذه النقطة أكثر الذين يدعون بذلك إنما يريدون البقاء في الدنيا فقط ولهذا أرجو من إخواننا الذين يقدمون مثل هذه العبارة لنا أو لغيرنا أن يقيدوها بطول العمر على طاعة الله سبحانه وتعالى وأما ما ذكره الأخ من أنه يعلم كيف يتوضأ ثم وصف كيف يتوضأ فإن ما ذكره فيه خطأ وصواب أولا الخطأ يقول أنه كان إذا أراد أن يتوضأ يغسل فرجه ودبره يعني يغسل الفرجين فهذا ليس بصحيح وليس من الوضوء غسل الفرجين وإنما غسل الفرجين سببه البول أو الغائط فإذا بال الإنسان غسل فرجه المقدم وإذا تغوط غسل دبره وإذا لم يكن منه بول ولا غائط فلا حاجة إلى غسلهما ثم إنه ذكر بعد ذلك يغسل وجهه ولكنه سقط عنه غسل الكفين قبل غسل الوجه ثم إنه ذكر أيضا أنه يأخذ ماء ويصبه على رأسه وأنه يأخذ ماء لأذنيه فيمسحهما وأنه يفعل ذلك ثلاث مرات وكل هذا ليس بصحيح فإن الرأس لا يبل بالماء وإنما يمسح ببلل اليد فقط فتغمس يدك في الماء ثم تمسح بها رأسك مرة واحدة لكن تبدأ به من مقدم الرأس إلى أن ينتهي إلى منابت الشعر من الخلف ثم تردهما وتمسح الأذنين بما بقي من بلل اليدين بعد مسح الرأس ولا تأخذ لهما ماء جديدا إلا إذا يبست اليد فخذ لهما ماء جديدا ثم إنه ذكر أنه يمسح الرقبة وليس مسح الرقبة بمشروع بل هو من البدع لأنه لم يذكر في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه هي الأخطاء التي ذكرها السائل في كيفية الوضوء وهي تقديم غسل

(117/14)

الفرجين، إسقاط غسل الكفين قبل غسل الوجه، غسل الرأس بدلا عن مسحه، أخذ ماء جديد للأذنين، مسح الرقبة خمسة أشياء والآن نصوغ كيفية الوضوء على الوجه المشروع فنقول أولا تقول (باسم الله) والتسمية على الوضوء سنة مؤكدة بل قال بعض العلماء إنها واجبة وأنه لا يصح الوضوء بدون تسمية ثم تغسل كفيك ثلاث مرات ثم تتمضمض وتستنشق ثلاث مرات وتستنثر بعد الاستنشاق ثم تغسل وجهك ثلاث مرات ثم تغسل يدك اليمنى من أطراف الأصابع إلى المرفق والمرفق داخل في الغسل ثلاث مرات ثم اليسرى كذلك ثم تمسح رأسك بيديك من مقدمه إلى مؤخره ثم ترجع ثم تمسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما تدخل السبابتين في الصماخين وتمسح بالإبهامين ظاهر الأذنين ثم تغسل رجلك اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات ثم اليسرى كذلك ثم تقول بعد هذا (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) وإن اقتصرت في المضمضة وغسل الوجه وغسل اليدين وغسل الرجلين إن اقتصرت على واحدة فلا حرج عليك وإن اقتصرت على اثنتين فلا حرج عليك وإن غسلت بعض الأعضاء مرة وبعضها مرتين فلا حرج عليك لكن الرأس لا يكرر مسحه بل هو مرة واحدة في كل حال هذه صفة الوضوء المشروعة وأرجو من الأخ أن ينتبه لها وأن يحرص على تطبيقها.
فضيلة الشيخ: قلتم لو اقتصر بأخذ غرفة واحدة أو باثنتين على بعض الأعضاء لكن لو زاد على الثلاث؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الزيادة عن الثلاث غير مشروعة بل هي إما مكروهة أو محرمة فلا ينبغي أن يزيد على ذلك.
***
بارك الله فيكم سؤال من المستمع ف. ر. ج. من سوريا يقول المضمضة والاستنشاق هل تكون في آن واحد أم كل على حده؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المضمضة والاستنشاق تكونان بكف واحد إلا أن لا يستطيع الإنسان فإن بعض الناس لا يستطيع أن يجمع بين المضمضة والاستنشاق بكف واحد فتجده يفرد المضمضة بكف والاستنشاق بكف آخر ولا حرج في ذلك إن شاء الله.

(117/15)

***
السائل يقول هل يجوز المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه واليدين إلى المرفقين مرة واحدة أو مرتين تكفي؟
فأجاب رحمه الله تعالى: تكفي مرة واحدة يعني يكفي أن يغسل وجهه ويديه ورجليه مرة واحدة لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم توضأ (مرة مرة) و(مرتين مرتين) و(ثلاثا ثلاثا) ويجوز أن يغسل وجهه ثلاثا ويديه مرتين ورجليه مرة ويجوز العكس والواجب هو أن يعم العضو بالغسل مرة واحدة والثانية أفضل من الواحدة والثالثة أفضل من الاثنتين والرابعة لا تجوز.
***
المستمعة أمل عبد الكريم من العراق محافظة القادسية تقول في رسالتها ما حكم الشرع في نظركم في غسل الوجه والأيدي بالصابون عند الوضوء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب أن غسل الأيدي والوجه بالصابون عند الوضوء ليس بمشروع بل هو من التعمق والتنطع وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه (قال: هلك المتنطعون هلك المتنطعون -قالها ثلاثا-) نعم لو فرض أن في اليدين وسخا لا يزول إلا بهذا أي باستعمال الصابون أو غيره من المطهرات المنظفات فإنه لا حرج في استعماله حينئذ وأما إذا كان الأمر عاديا فإن استعمال الصابون يعتبر من التنطع والبدعة فلا تستعمل.
***
فضيلة الشيخ هذا السائل من المدينة المنورة رمز لاسمه ب م. م يقول هل يلزم المتوضئ أن يغسل وجهه بكفيه؟

(117/16)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا أدري ما وجه هذا السؤال هل يلزم المتوضئ أن يغسل وجهه بكفيه وهل هناك أداة لغسل الوجه سوى الكفين ولعله أراد هل يجوز للمتوضئ أن يغسل وجهه قبل غسل كفيه فإن كان أراد ذلك فإننا نقول لا حرج على المتوضئ أن يغسل وجهه قبل غسل كفيه لقول الله تبارك و تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) ولم يذكر غسل الكفين لكن الأفضل أن يبدأ بغسل الكفين ثلاثا ولاسيما إذا كان قائما من نوم الليل فإنه يتأكد في حقه ألا يغمس يديه في الإناء حتى يغسلهما ثلاثا لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) هذا ما نظنه مراد السائل فإن كان أراد شيئا سوى ما ظنناه فليكتب مرة ثانية إلى البرنامج وليوضح سؤاله.
فضيلة الشيخ: لعله يقصد أنه يغسل وجهه بكف واحد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان يريد ذلك فلا بأس.
***
السائل رمز لاسمه ب ر م ك الشهري يقول هل مسح الأذنين يكون من ظاهرهما أم من الظاهر والباطن؟
فأجاب رحمه الله تعالى: مسح الأذنين كيفيته أن يدخل الإنسان سبابتيه يعني إصبعيه ما بين الوسطى والإبهام في صماخ الأذنين دون أن يرصها حتى تتألم يدخلها في الصماخ، والإبهام يمسح به ظاهر الأذنين وهو الصفحة التي تلي الرأس.
***
أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ السائلة تقول ما هي صفة مسح المرأة لرأسها في الوضوء؟

(117/17)

فأجاب رحمه الله تعالى: صفة مسحها رأسها في الوضوء كصفة الرجل بمعنى أنها تبدأ من مقدم الرأس حتى تنتهي إلى آخره ثم تعود إلى المكان الذي بدأت منه وليعلم أن الأصل تساوي الرجل والمرأة في العبادات إلا ما دل عليه الدليل ولهذا لما قال الله تبارك وتعالى (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم) كانت هذه الآية شاملة للنساء والرجال مع أنها لفظا في النساء فقط ولما قال الله تبارك وتعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون) كان هذا عاما فيمن قذف الرجل أو قذف المرأة مع أن اللفظ في النساء ولما قال الله تبارك وتعالى (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) كان هذا عاما للرجال والنساء وإن كان اللفظ للرجال فالمهم أن هذه القاعدة مفيدة ولأن الأصل تساوي الرجل والمرأة في الأحكام الشرعية إلا ما قام عليه الدليل ومما قام عليه الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجال الحازم من إحداكن قالوا: يا رسول الله وما نقصان دينها؟ قال: أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصوم، قيل: وما نقصان عقلها؟ قال أليس شهادة الرجل بشهادة المرأتين) وكذلك في العقيقة للذكر شاتان وللأنثى شاة واحدة وكذلك في الميراث ميراث الأولاد وميراث الإخوة لغير أم يكون للذكر مثل حظ الأنثيين وكذلك في الأبوين الأم ترث أقل من الأب في جميع المواضع.
***
مسح الشعر بالنسبة للمرأة في الوضوء هل هو من منابت الشعر إلى أطرافه؟

(117/18)

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب مسح الرأس فقط دون ما استرسل من الشعر فيكون منبت الشعر هو الذي يمسح.
***
بارك الله فيكم السؤال للمستمعة ن. ف. من جدة تقول مسح الرأس مع الأذنين في الوضوء مرة أم ثلاث مرات وهل الرقبة تدخل معهما في الوضوء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: مسح الرأس والأذنين إنما يكون مرة واحدة وهكذا كل ممسوح لا يمسح إلا مرة واحدة المسح على الجوربين أو الخفين مرة واحدة والمسح على الجبيرة مرة واحدة وهكذا كل ممسوح فإنه لا يكرر لأن الممسوح خفف في كيفية تطهيره وفي كميته أيضا وأما الرقبة فإنها لا تدخل في الرأس فلا تمسح بل مسح الرقبة مع الرأس من البدع التي ينهى عنها لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يمسح رقبته وكل شيء يتعبد به الإنسان مما لا أصل له عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه بدعة.
***
تقول السائلة هل المسح في الرأس يكون شاملا حتى الجوانب وإذا مسحت من الأمام إلى الخلف ثم أقوم بإرجاع يدي إلى الأمام سوف أضطر إلى إرجاعها مرة أخرى إلى الخلف لأن شعري سيكون منقوشا فهل هذا صحيح؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب في مسح الرأس في الوضوء أن يكون شاملا لجميع الرأس من الجبهة إلى العنق ومن الأذن إلى الأذن ويكفي في المسح إن يمر الإنسان يديه على رأسه من ناصيته إلى عنقه مارا بجوانبه ولكن الأفضل أن يمر بيديه من الناصية إلى الخلف ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه وحينئذ لا حرج على المرأة إذا انتفش شعرها أن تمر يديها عليه لا تعبدا ولكن من أجل تسكين الرأس.
***
بارك الله فيكم المستمعة من ليبيا تقول هل يجب على المرأة مسح الرأس وإذا كان الشعر طويلا ماذا تفعل؟

(117/19)

فأجاب رحمه الله تعالى: يجب على المرأة أن تمسح رأسها في الوضوء وأن تغسله في الغسل من الجنابة والحيض والمسح في الوضوء يكون من مقدم الرأس إلى مؤخره من منابت الشعر وأما ما استرسل فإنه لا يلزم مسحه لأن المسح إلى حد منابت الشعر فقط فما كان من الرقبة فأنزل فإن مسحه ليس بواجب.
***
هل يجب على المرأة أثناء الوضوء وأثناء المسح على الرأس أن تعيده أو أن تقوم بإرجاعه إلى الوراء وما كيفية المسح على الرأس بالنسبة للمرأة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المرأة والرجل على حد سواء يبدأ المتوضئ بمقدم رأسه حتى ينتهي إلى قفاه ثم يرد يديه إلى المكان الذي بدأ منه.
***
بارك الله فيكم السائلة نور من ليبيا تقول من المعلوم أن مسح الرأس يبدأ من الأمام إلى الخلف ثم الرجوع باليدين إلى الأمام لكنني تقول عندما أريد العودة باليدين من الخلف إلى الأمام لا تنسحب يدي إلى الأمام وإنما يعرقلها الشعر فكيف العمل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يعرقلها الشعر إذا ضغطت على الرأس أما إذا مسحت مسحا خفيفا فإن الشعر لا يعرقلها فيما يظهر وعلى كل حال فالواجب مسحه مرة واحدة من الأمام إلى الخلف وكذلك من الجانبين فإذا استوعبت الرأس بالمسح على أي صفة كانت فقد أبرأت الذمة لكن الرجوع إلى الوراء ثم الرجوع إلى قدام هذا من باب السنة وليس من باب الواجب.
***
رسالة وردت إلينا من السائل ح م د من الوشم يقول توضأت أمام شخص فغسلت يدي إلى منتصف العضدين ورجلي إلى منتصف الساقين فأنكر علي فعلي هذا بقوله من زاد في غسل الأعضاء في الوضوء فقد تعدى حد الله ورسوله فقلت له إنه ورد حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما معناه أنه (قال تدعى أمتى يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) فقال هذا الحديث لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أرجو إفادتنا عن ذلك ولكم جزيل الشكر؟

(117/20)

فأجاب رحمه الله تعالى: أما ما ذكره من الحديث فهو صحيح ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء) وهذا ثابت لا شك فيه فأما قوله (فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل) فقد اختلف فيه أهل العلم بالحديث فمنهم من قال إنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ومنهم من قال إنه من كلام أبي هريرة ورجح هذا ابن القيم رحمه الله في كتابه النونية حيث قال:
وأبو هريرة قال ذا من كيسه فغدا يميزه أولو العرفان
وعلى هذا فإن صدر الحديث من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وهو قوله (إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء) أما من الناحية العملية وهي كون هذا الرجل الذي توضأ زاد حتى بلغ نصف العضد ونصف الساق فإن هذا أيضا محل خلاف بين أهل العلم بناء على صحة آخر الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن رأى أنه من قوله قال إنه ينبغي مجاوزة محل الفرض ومن رأى أنه ليس من قوله قال إن الله تعالى في القرآن حدد إلى الكعبين في الرجلين وإلى المرفقين في اليدين فلا نتعدى ما حده الله تعالى وكذلك الأحاديث الواردة في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم تحدد اليدين بالمرفقين والرجلين بالكعبين وأكثر ما ورد في ذلك فيما أعلم حديث أبي هريرة أنه (توضأ فغسل يديه حتى أشرع بالعضدين وغسل رجليه حتى أشرع في الساقين) وهذا الإشراع معناه أنه تجاوز المحل لكن ليس إلى هذا الحد وهذا الذي فعل أبو هريرة ذكر أنه وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فالذي ينبغي أن يعدو الكعبين قليلا وأن يعدو المرفقين قليلا وفائدة ذلك هو التحقق من غسل ما أوجب الله غسله إلى المرفقين وإلى الكعبين.
***
هل يجوز للإنسان أن يزيد في غسل الأعضاء عند الوضوء كغسل القدمين إلى الأعلى؟

(117/21)

فأجاب رحمه الله تعالى: ذكر الله سبحانه وتعالى في آية الوضوء والغسل والتيمم حدودا للأعضاء التي تغسل في الوضوء فقال جل وعلا (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) فلم يحدد الله سبحانه وتعالى الوجه ولم يحدد الرأس لأن حدهما معلوم أما اليدان فإنهما عند الإطلاق صالحان لأن يكون حد اليد إلى الكتف وأن يكون حد الرجل إلى أعلى الفخذ فلهذا احتاج المحل إلى القيد فقيد الله تعالى غسل اليدين إلى المرافق والمرافق داخلة فيما يجب غسله وقيد غسل الرجلين إلى الكعبين والكعبان داخلان فيما يجب غسله فليس من السنة أن نتعدى ما حدد الله عز وجل وأما قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء) فهو بيان للواقع ولما يثاب عليه العبد وأنهم محجلون من آثار الوضوء والوضوء قد علمنا حده من كتاب الله عز وجل فيكون التحديد منتهيا إلى الكعبين حتى لو فرض أن الإنسان زاد في وضوئه إلى نصف الساق مثلا أو نصف العضد فإن التحجيل لا يزيد على الحد الذي ذكره الله عز وجل وخلاصة الجواب أنه لا يسن للإنسان أن يزيد في الوضوء على ما حدده الله عز وجل.
***
السائلة أ.ع تقول توضأت ولا أدري هل غسلت أحد الأعضاء ثلاثة أم لا فماذا أفعل وهل أعيد الوضوء؟

(117/22)

فأجاب رحمه الله تعالى: غسل الأعضاء ثلاثة ليس بواجب والواجب غسلة واحدة تعم جميع العضو الذي يجب تطهيره وعلى هذا فلا شيء عليك ما دمتي قد تيقنت أنك قد غسلته غسلة واحدة تعم جميع المكان الذي يجب تطهيره ثم اعلمي أن الشك بعد الفراغ لا عبرة به يعني لو فرغ الإنسان من الوضوء وبعد فراغه شك هل تمضمض واستنشق أم لا؟ فلا شيء عليه. شك هل غسل ذراعه أو لا فلا شيء عليه، إلا إذا تيقن أنه لم يغسله فحينئذ يجب العمل بمقتضى هذا اليقين أي يجب إعادة الوضوء كله إذا كان قد طال الزمن أو إعادة العضو الذي ترك وما بعده إن كان الزمن قصيرا.
***
إذا غسل المتوضئ يده أو رجله ثلاث مرات ولكنها لم تنظف فهل يزيد على ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يزيد على ذلك تعبدا بالوضوء ولكن يجعل الزيادة للتنظيف لا للوضوء لأن الوضوء لا يزاد فيه على ثلاث غسلات.
فضيلة الشيخ: إذا شك المتوضئ في أثناء الوضوء هل استنشق أم لا فماذا يفعل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان هذا الشك كثيرا ما يقع من هذا المتوضئ فإنه لا عبرة به لأن الشك الكثير يكون وسواسا أما إذا كان شكا طارئا حقيقة فإنه إذا شك هل تمضمض أم لا، يعيد المضمضة ويعيد غسل اليدين وما بعد ذلك من أجل مراعاة الترتيب فإذا مسح رأسه ثم طرأ عليه الشك هل تمضمض أم لا، فإنه يتمضمض ثم يغسل يديه ثم يمسح رأسه ثم يغسل رجليه.
***
تقول السائلة إني امرأة اغتسل من أسفل السرة إلى الرجل ثم أتوضأ أفعل ذلك في كل صلاة وبعض الناس يقولون لي بأن هذا من الوسوسة وهل الغسل يجزئ عن الوضوء؟

(117/23)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الذي تفعلين من غسل أسفل البدن لا أصل له والمرأة إذا كان عليها غسل من جنابة أو حيض أو نفاس وجب عليها أن تغسل جميع بدنها كالرجل إذا وجب عليه غسل من الجنابة فإنه يجب عليه أن يغسل جميع بدنه أما ما عدا ما يوجب الغسل فإن عملك هذا غير مشروع وللمرأة إذا قضت الحاجة من بول أو غائط أن تغسل ما أصابته النجاسة فقط دون ما سواه ثم تتوضأ للصلاة وأما هذا العمل الذي تعملينه فلا شك أنه من الوسواس ومن الإسراف ومجاوزة الحدود فعليك أن تستغفري الله وأن تمتنعي عنه.
***
ما مقدار الماء الذي يتوضأ به المصلى لأني سمعت (أن النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد تارة وبثلثيه مرة أخرى) وكم يساوي المد بالكيلوات وفقكم الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المد بالكيلوات يساوي نصف كيلو وعشرة غرامات هذا تقديره بالكيلوات وأما ما مقدار الماء الذي يتوضأ به فقد ذكر الأخ ما صح به الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه (كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد) ولكن إذا لم يسبغ بهذا القدر فإنه يجب عليه إسباغ الوضوء يعني لو فرض ما عرف كيف يؤدي فرض الوضوء بهذا المقدار فإنه يجب عليه أن يؤدي فرض الوضوء ولو زاد على هذا المقدار ولكن لاشك أن الإنسان البصير يمكنه أن يتوضأ بالمد كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
***
ما المقصود بثلثي المد وهل يكفي الشخص؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المقصود بثلثي المد يعني اثنين من ثلاثة من المد وقد عرفت مقداره بالكيلو من قبل وأما هل يمكن الوضوء به؟ نقول يمكن بالنسبة للإنسان البصير الذي يستطيع أن يدبر الماء ولا سيما إذا كان عليه خف أو جورب وكانت الرجل لا تحتاج إلى غسل فإنه ما يبقى عنده للغسل إلا وجهه ويداه وهذا أمر بسيط ربما يمكن بثلثي المد.
***
يقول السائل ما حكم الإسراف في الغسل أو الوضوء أو اللباس؟

(117/24)

فأجاب رحمه الله تعالى: الإسراف هو مجاوزة الحد في كل شيء وقد قال الله تعالى (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا) فأمر بالأكل والشرب ونهى عن الإسراف ثم ختم النهي بقوله (إنه لا يحب المسرفين) ونفي الله تعالى المحبة عن المسرفين تدل على كراهته له أي للإسراف وعلى هذا فيكون الإسراف محرما في المآكل والمشارب والملابس والمساكن وغيرها وكذلك أيضا بالنسبة للغسل وبالنسبة للوضوء لا يتجاوز الإنسان ما حده الشرع في ذلك والنبي عليه الصلاة والسلام (توضأ مرة مرة) و(مرتين مرتين) و(ثلاثا ثلاثا) وتوضأ وضوءا متفاوتا بعض الأعضاء ثلاثا وبعضها مرتين وبعضها مرة فلا ينبغي للمرء المؤمن أن يتجاوز ما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء ولا في الغسل.
***
بارك الله فيكم المستمع فاضل من تركيا يقول هل مرور الماء فقط على الأماكن التي يتوجب غسلها عند الوضوء دون غسلها يجوز؟ أي دون غسل تلك الأماكن؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب في الوضوء والغسل أن يمر الماء على جميع العضو المطلوب تطهيره وأما دلكه فإنه ليس بواجب لكن قد يتأكد الدلك إذا دعت الحاجة إليه كما لو كان الماء باردا جدا أو كان على العضو أثر زيت أو دهن أو ما أشبه ذلك فحينئذ يتأكد الدلك ليتيقن الإنسان وصول الماء إلى جميع العضو الذي يراد تطهيره.
***
أحسن الله إليكم وبارك فيكم تقول السائلة هل يبلغ الوضوء لو وضع الإنسان يده أو رجله تحت الصنبور دون المسح عليها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يحصل الوضوء إذا عم الماء جميع الرجل فإنه يكفي لكن إذا دلكها أي الرجل أو اليد فهو أحسن خصوصا إذا كان فيها أثر دهن أو زيت لأن أثر الدهن أو الزيت يجعل الماء يتفرق وربما لا يصيب بعض الأماكن فالغسل هو الفرض والتدليك ليس بفرض.
***
أحسن الله إليكم إذا توضأ الرجل للصلاة ووجد بعد الانتهاء من الوضوء أن جزءا بسيطا من اليد لم يأت عليه الماء ماذا يفعل؟

(117/25)

فأجاب رحمه الله تعالى: يعيد الوضوء والصلاة لأن وجود شيء يمنع وصول الماء في الأعضاء التي يجب تطهيرها يعني أنه لم يطهر العضو فقد قال الله تبارك وتعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) فإن كان على الوجه شيء يمنع وصول الماء فإن هذا غسل بعض وجهه وكذلك يقال في بقية الأعضاء ولهذا اشترط العلماء رحمهم الله لصحة الوضوء إزالة ما يمنع وصول الماء كالعجين والبوية والجبس وما أشبهها.
***
السائلة ن س س تقول إذا صلىت وبعد الصلاة تذكرت أنني لم أغسل ذراعي هل أعيد الصلاة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا تيقنت أنها لم تغسله وجب عليها أن تعيد الوضوء والصلاة وأما إذا كان مجرد شك فليس عليها شيء صلاتها صحيحة ووضوؤها تام.
***
بارك الله فيكم المستمعة م. ع. ج. تسأل عن الأقراط التي تغطي جزءا من الأذن وكذلك المشابك التي توضع على الشعر هل تعتبر حائلا يمنع الوضوء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا تعتبر حائلا يمنع الوضوء ولا سيما الأقراط التي في الأذن والمشابك التي تمسك الشعر إنما هي في شيء ممسوح وهو الرأس والشيء الممسوح يجوز ويهون فيه الحائل لهذا جاز المسح على العمامة وجاز المسح على خمر النساء عند كثير من أهل العلم فهذا لا يضر ولا يمنع من صحة الوضوء لكن إذا جاء الغسل فلا بد أن يصل الماء إلى أصول الشعر كما يصل إلى ظاهر الشعر.
***
رسالة وصلت من مستمع للبرنامج رمز لاسمه بـ. د ص أ يقول في رسالته سمعت من أحد الشيوخ أن الزيت حائل على البشرة عند الوضوء وأنا أحيانا عندما أعمل بالطبخ تساقط بعض قطرات الزيت على شعري وأعضاء الوضوء فهل عند الوضوء لا بد من غسل هذه الأعضاء بالصابون أو الاغتسال حتى يصل الماء إليها كما أنه أضع بعض الزيت على شعري كعلاج له ماذا أفعل أرجو إفادة؟

(117/26)

فأجاب رحمه الله تعالى: قبل الإجابة على هذا السؤال أود أن أبين بأن الله عز وجل قال في كتابه المبين (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) والأمر بغسل هذه الأعضاء ومسح ما يمسح منها يستلزم إزالة ما يمنع وصول الماء إليها لأنه إذا وجد ما يمنع وصول الماء إليها لم يمكن غسلها وبناء على ذلك نقول إن الإنسان إذا استعمل الدهن في أعضاء طهارته فإما أن يبقى الدهن جامدا له جرم فحينئذ لا بد أن يزيل ذلك قبل أن يطهر أعضاءه وإن بقي الدهن هكذا جرما فإنه يمنع وصول الماء إلى البشرة وحينئذ لا تصح الطهارة أما إذا كان الدهن ليس له جرم وإنما أثره باق على أعضاء الطهارة فإنه لا يضر ولكن في هذه الحال يتأكد أن يمر الإنسان يده على العضو لأن العادة أن الدهن يتمايز معه الماء فربما لا يصيب جميع أعضاء جميع العضو الذي يطهره فالسائل إذا نقول له إن كان هذا الدهن أو الزيت الذي يكون على اعضاء طهارتك جامدا له جرم يمنع وصول الماء فلا بد من إزالته قبل أن تتطهر وإن لم يكن له جرم فإنه لا حرج عليك أن تتطهر وإن لم تغسله بالصابون لكن أمر يدك على العضو عند غسله لئلا ينزلق الماء عنه.
***
المستمعة خ. ج من الطائف تقول أنهم يستعملون دهنا لترطيب البشرة وعندما نستعمل هذا من الملاحظ أن الماء ينزل من البشرة بسرعة ولا نشعر بالماء هل هذا الدهن يمنع وصول الماء إلى البشرة في الوضوء للصلاة؟

(117/27)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان هذا الدهن له طبقة يعني قشرة فإنه يمنع وصول الماء ولا بد من إزالته قبل الوضوء وإذا لم يكن له قشرة وإنما ينزلق الماء من فوقه انزلاقا فإن ذلك لا يمنع وصول الماء لكن في هذه الحال ينبغي للإنسان أن يمر يده على العضو الذي يغسله ليتيقن أن الماء مر على جميعه لأن الماء إذا كان ينزل من العضو فربما يكون بعض المواضع لا يصلها الماء.
***
هل يجوز للمرأة أن تصلى وهي تضع المكياج على وجهها علما بأنها توضأت ثم وضعت المكياج؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الظاهر أن المكياج ليس له طبقة تمنع وصول الماء فليس هناك فرق بين أن تضعه المرأة قبل الوضوء أو بعده ولكن يبقى النظر في استعمال المكياج هل هو جائز أو غير جائز نقول إن كان خديعة وغشا مثل أن تتمكيج المرأة عند رؤية خطيبها لها فهذا لا يجوز لأنه غش وخديعة من وجه ولأنه ليس للمخطوبة التي يريد خاطبها أن ينظر إليها أن تتجمل لأنها مازالت أجنبية من الرجل وأما إذا لم يكن غشا ولا خداعا فليسأل الأطباء هل هذا ضار في المستقبل أو لا لأننا سمعنا أن المكياج الذي يعطي البشرة جمالا يكون في النهاية ضررا على المرأة بحيث تتغير بشرة الوجه بسرعة فليراجع الأطباء في هذا.
***
بارك الله فيكم مستمعة تقول إذا دهن الإنسان جسمه بالكريم وأراد الوضوء هل يزيل الكريم مع العلم أن مثل هذه الزيوت إذا ادهن بها الإنسان وأراد أن يغسل يديه ينزل الماء بسرعة فماذا يفعل؟

(117/28)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الدهون إذا كانت جامدة تمنع وصول الماء فإنه لابد من إزالتها، وإن كانت مائعة وتشربها الجلد ولم يبق لها أثر ظاهر على الجلد فإنه لا حرج أن يتوضأ الإنسان أو يغتسل دون أن يستعمل الصابون في إزالتها وذلك لأن المحظور هو ما يمنع وصول الماء إلى البشرة، فأما ما لا يمنع فلا يضر أن يمر به الماء سريعا ويزل عنه سريعا ما دام ليس هناك ما يمنع وصول الماء إلى البشرة، إذا الجواب على التفصيل: إذا كان هذا الدهن جامدا له طبقة تمنع وصول الماء فلابد من إزالته، وإن لم يكن له طبقة تمنع وصول الماء فلا حرج أن يتطهر ولو كان الماء ينزلق بسرعة ولا يثبت لأنه ليس في هذا العضو ما يمنع وصول الماء.
***
يقول السائل لقد وصف لي أحد الأطباء نوعا من الأدوية عبارة عن دهان ذي قوام فهل لو استعملته لا يؤثر على صحة الوضوء لأنه ربما قد يحول بين الماء والبشرة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز لك أن تستعمل الدواء الذي يمنع وصول الماء إلى البشرة لأنه ليس علاجا يزيله أما إذا كان هذا علاجا يزيله فلا حرج عليك أن تستعمله لأن مدته مؤقتة أما إذا كان شيئا يخفيه ويمنع وصول الماء فإنه لا يجوز والحمد لله هذا أمر يكون في كثير من الناس والإنسان إذا اعتاد هذا الأمر هان عليه والأمر يكون شاقا عليه أول ما يخرج به ولكن إذا اعتاده وصار الناس ينظرون إليه فإنه لا شك أنه يزول عنه هذا الاحساس الذي يحس منه.
***
من محمد أبي عبد الله يقول في هذا السؤال فضيلة الشيخ هل تحجب بعض الدهونات مثل الفازولين الماء عن البشرة؟

(117/29)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الدهونات مثل الفازلين تحجب الماء عن البشرة إذا كانت جامدة ولها طبقة أما إذا لم تكن جامدة فإنها لا تحجب، لكن ينبغي على من كان على يده أو رجله أو شيئمن أعضاء وضوئه شيء من هذا أنه إذا غسل هذا العضو أن يمر يده على مكان هذا الدهن لأنه إذا لم يمر يده فإنه ربما ينزلق الماء عن المكان ولا يصيبه فهذا هو الذي ينبغي أن يتفطن له والحاصل أن هذه الدهون إن كانت جامدة بحيث تمنع وصول الماء لكونها كالقشرة على الجلد فإنه لا بد من إزالتها قبل الطهارة وإذا لم تكن جامدة فلا حرج فيها.
***
بارك الله فيكم فضيلة الشيخ محمد المستمعة م. ر من مكة المكرمة تقول عند وضعي للدهون على بشرتي هل يجوز أن أغسل وجهي للوضوء؟

(117/30)

فأجاب رحمه الله تعالى: وضع الدهون على البشرة التي يجب غسلها في الطهارة ينقسم إلى قسمين القسم الأول دهون لا يكون لها قشر لكن لها أثر على الجلد بحيث إذا مر الماء من فوقها تمزق يمينا وشمالا فهذه لا تؤثر لأنها لا تمنع من وصول الماء إلى البشرة والثاني ما له طبقة تبقى على الجلد تمنع وصول الماء فهذه لابد من إزالتها قبل الوضوء إذا كانت على أعضاء الوضوء لقول الله تبارك وتعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) ومعلوم أنه إذا كان على هذه الأعضاء طبقة مانعة من وصول الماء إليها فإنه لا يقال إنه غسلها بل غسل ما فوقها ولهذا قال العلماء رحمهم الله من شروط صحة الوضوء إزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة لكن ما يوضع على الرأس من الحناء وشبهه لا يضر إذا مسحت عليه المرأة لأنه ثبت (عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ملبدا رأسه في حجة الوداع) وتلبيد الرأس يمنع من مباشرة الماء عند المسح للشعر ولأن طهارة الرأس طهارة مخففة بدليل أنه لا يجب غسله بل الواجب مسحه حتى وإن كان الشعر خفيفا بل حتى وإن لم يكن على الرأس شعر فإن طهارته خفيفة ليست إلا المسح فلهذا سمح فيه فيما يوضع عليه ولهذا جاز للإنسان للرجل أن يمسح على العمامة مع أنه بإمكانه أن يرفعها ويمسح رأسه لكن هذا من باب التخفيف وكذلك على قول كثير من العلماء أنه يجوز للمرأة أن تمسح على خمارها الملفوف من تحت ذقنها.
***
أحسن الله إليكم السائلة مرئية محمود من ليبيا تسأل هل يعتبر الزيت حائلا بين الشعر ووصول ماء الوضوء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يعتبر الزيت حائلا بين الماء والشعر إلا أن يكون جامدا له طبقة فنعم يكون حائلا لكن إذا لم يكن له طبقة فليس بحائل.
***

(117/31)

تقول السائلة إذا صبغ الرجل لحيته بالكتم أو المرأة إذا صبغت شعرها بأحد الأصباغ أو الألوان فهل يكون ذلك حائلا لوصول الماء إلى الشعر أثناء الوضوء وما حكم استخدامهم ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أنا لا أدري هل هذه الأشياء لها جرم وقشرة تمنع وصول الماء أم لا فينظر وأما صبغ الشيب بالسواد الخالص فلا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (جنبوه السواد) وورد حديث في السنن بالوعيد على ذلك لكن إذا كان الإنسان يريد أن يغير الشيب ولا بد فليجعله بنيا لا أسود محضا ولا أصفر محضا.
***
ما حكم صلاة المرأة التي تضع المناكير على يديها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا لم يصح وضوؤها لم تصح صلاتها لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) فمادام الوضوء غير صحيح فالصلاة غير صحيحة أيضا.
فضيلة الشيخ: هل تلزمها الإعادة في هذه الحال؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت تعرف أن هذا لا يجوز فإنه يلزمها الإعادة وإذا كانت تجهل فإنه لا إعادة عليها بناء على القاعدة المعروفة عند أهل العلم والتي دل عليها الكتاب والسنة وهي: أن الجاهل لا يلزم بإعادة ما ترك من واجب ولا يأثم بفعل ما فعل من محظور لكن قد يكون هذا الجاهل مفرطا لم يسأل ولم يبحث فنلزمه بالواجب من هذه الناحية حيث إنه ترك ما يجب عليه من التعلم أما إذا لم يحصل منه التفريط وإنما كان غافلا غفلة نهائية ولا يعرف عن هذه الأمور ولا تحدثه نفسه بأنها حرام أو ما أشبه ذلك فإنه يرفع عنه ولهذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم المسيء في صلاته الذي كان لا يطمئن فيها لم يأمره بإعادة ما مضى من صلاته وكان لا يحسن غير ما كان يصنع أمام الرسول صلى الله عليه وسلم وقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم (ارجع فصل فإنك لم تصل) وإنما أمره بإعادة الصلاة الحاضرة لأن وقتها لم يخرج فهو مطالب بفعلها على وجه التمام.

(117/32)

فضيلة الشيخ: إذا نستطيع نقول للمسلمات اللواتي استمعن لإجابتكم هذه يجب عليهن إزالة هذه المناكير وإن صلت بعد سماع هذه الإجابة وعليها مناكير فيلزمها الإعادة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم فهي آثمة وعليها الإعادة.
***
إذا نسي الإنسان أثناء الوضوء ولم يتشهد هل يبطل وضوؤه وكذلك إن لم يلتزم بالترتيب التام؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التشهد لا يكون في أثناء الوضوء كما هو ظاهر سؤال الأخ وإنما التشهد بعد الفراغ من الوضوء ومع هذا فالتشهد سنة فإن من توضأ فأسبغ الوضوء ثم قال (أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء) فهو سنة وليس بواجب أي التشهد بعد الفراغ من الوضوء وأما من نسي الترتيب فبدأ بغسل عضو قبل الآخر فإن ذلك موجب لبطلان وضوئه إذا كان متعمدا لأن (رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أقبل على الصفا قرأ (إن الصفا والمروة من شعائر الله) ثم قال: أبدأ بما بدأ الله به) وفي رواية للنسائي (إبدؤوا بما بدأ الله به) بلفظ الأمر وإذا قرأنا آية الوضوء وجدنا أن الله تعالى بدأ بغسل الوجه ثم غسل اليدين ثم مسح الرأس ثم غسل الرجلين وعلى هذا فيجب الترتيب بين هذه الأعضاء الأربعة على ما أمر الله تعالى به في كتابه لكن إذا نسي الترتيب فلم يرتب فقد اختلف أهل العلم هل يصح وضوؤه حينئذ أولا يصح والأحوط والأولى أن يعيد الوضوء فيما خالف ترتيبه فمثلا إذا كان قد غسل وجهه ثم مسح رأسه ثم غسل يديه نقول له أعد مسح الرأس لأنه وقع في غير محله ثم أغسل الرجلين ولا حاجة إلى أن تعيد الوضوء من أوله، لأنه عندما تعيد ما حصل فيه مخالفة الترتيب تعيد العضو وما بعده أي العضو الذي حصل فيه المخالفة وما بعده.
***
هل يجوز أن نصلى فريضتين بوضوء واحد دون نية؟

(117/33)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز للإنسان إذا توضأ لصلاة الظهر مثلا ثم حضرت صلاة العصر وهو على طهارة أن يصلى صلاة العصر بطهارة الظهر وإن كان لم ينوها حين تطهره لأن طهارته التي تطهرها لصلاة الظهر رفعت الحدث عنه وإذا ارتفع حدثه فإنه لا يعود إلا بوجود سببه وهو أحد نواقض الوضوء المعروفة بل إن الإنسان لو توضأ بغير نية الصلاة توضأ بنية رفع الحدث فقط فإنه يصلى بذلك ما شاء من فروض ونوافل حتى تنتقض طهارته.
***
ما حكم من يصلى أربعة فروض بوضوء واحد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب أن هذا لا بأس به لا بأس أن يصلى الإنسان بالوضوء أربع صلوات أو أكثر. وإن توضأ فهو أحسن وأفضل لأنه تجديد للوضوء فقد ثبت ذلك من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
***
هل يصلى بوضوء واحد أكثر من صلاة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يصلى بالوضوء الواحد أكثر من صلاة سواء صلاها في وقت واحد كما لو كان عليه فوائت وقضاها في وقت واحد أو صلاها في أوقاتها فلو توضأ لصلاة الفجر ولم ينتقض وضوؤه إلا بعد صلاة العشاء فصلى الصلوات الخمس كلها بوضوء واحد فلا حرج عليه.
***
بارك الله فيكم هذا المستمع ج م ع الجيزة مصر يقول فضيلة الشيخ توضأت بنية صلاة الجنازة ثم أذن العصر فهل وضوء الجنازة يكفي لصلاة العصر أم أتوضأ لصلاة العصر مرة ثانية؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا توضأت لصلاة الجنازة فلا بأس أن تصلى به صلاة الفريضة أو توضأت لصلاة النافلة فلا بأس أن تصلى به صلاة الفريضة أو توضأت لرفع الحدث فلا بأس أن تصلى به صلاة الفريضة أو توضأت لقراءة القرآن فلا بأس أن تصلى به صلاة الفريضة أو توضأت لذكر الله فلا بأس أن تصلى به صلاة الفريضة لأن الحدث يرتفع إذا توضأت لهذه الأشياء وإذا ارتفع الحدث جاز لك فعل الصلاة ويستمر ذلك إلى دخول وقت الصلاة ولو طال الوقت مادمت على طهارتك حتى لو فرض أنك توضأت لصلاة الفجر وبقيت إلى صلاة العشاء على طهارتك فلا حرج عليك.

(117/34)

***
تقول السائلة أحيانا أجد بعض فضلات الطعام على أسناني فهل يجب إزالة هذه الفضلات قبل الوضوء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الذي يظهر لي أنه لا يجب إزالتها قبل الوضوء لكن تنقية الأسنان منها لا شك أنه أكمل وأطهر وأبعد عن مرض الأسنان لأن هذه الفضلات إذا بقيت فقد يتولد منها عفونة ويحصل منها مرض للأسنان وللثة فالذي ينبغي للإنسان إذا فرغ من طعامه أن يخلل أسنانه حتى يزول ما علق بها من أثر الطعام وأن يتسوك أيضا لأن الطعام يغير الفم وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في (السواك إنه مطهرة للفم مرضاة للرب) وهذا يدل على أنه كلما احتاج الفم إلى تطهير فإنه يطهر بالسواك.
***
يقول السائل ما هي أنواع المأكولات والمشروبات التي يجب على المسلم أن يتمضمض بعد أكلها أو شربها إذا كان على وضوء للصلاة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجب على المسلم أن يتمضمض مما أكل مطلقا سواء كان لحما أم خبزا أم غير ذلك لكن إذا أكل شيئا فيه دسم فإن الأفضل أن يتمضمض تطهيرا لفمه من هذا الدسم الذي علق به سواء كان على وضوء أو كان على غير وضوء سواء أراد الصلاة أم لم يرد فالمأكولات نوعان نوع خال من الدسم ونوع فيه دسم فالذي فيه دسم ينبغي أن يتمضمض منه ولا يجب والذي ليس فيه دسم ينظر إن كان مما يتلوث به الفم فإنه يتمضمض منه وإن كان لا يتلوث به فإنه لا يتمضمض.
***
هل يجوز تنشيف الأعضاء بعد الوضوء؟

(117/35)

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب نعم يجوز للإنسان إذا توضأ أن ينشف أعضاءه وكذلك إذا اغتسل يجوز له أن ينشف أعضاءه لأن الأصل فيما عدا العبادات الحل حتى يقوم دليل على التحريم وأما (حديث ميمونة رضي الله عنها أنها جاءت بالمنديل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن اغتسل فرده وجعل ينفض الماء بيده) فإن رده للمنديل لا يدل على كراهته لذلك فإنها قضية عين يحتمل أن يكون المنديل فيه ما لا يحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يتمندل به من أجله ولهذا (جعل النبي صلى الله عليه وسلم ينفض الماء بيده) وقد يقول قائل إن إحضار ميمونة المنديل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم دليل على أن ذلك أمر جائز عندهم وأمر مشهور وإلا فما كان هناك داع إلى إحضارها للمنديل وأهم شيء أن تعرف القاعدة التي أشرنا إليها وهي أن الأصل فيما سوى العبادات الأصل الحل حتى يقوم دليل على التحريم.
***
أحسن الله إليكم هذا سائل يقول بالنسبة للكلام أثناء الوضوء هل هو مكروه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الكلام في أثناء الوضوء ليس بمكروه لكن في الحقيقة أنه يشغل المتوضئ لأن المتوئ ينبغي له عند غسل وجهه أن يستحضر أنه يمتثل أمر الله وعند غسل يديه ومسح رأسه وغسل رجليه يستحضر هذه النية فإذا كلمه أحد وتكلم معه انقطع هذا الاستحضار وربما يشوش عليه أيضا وربما يحدث له الوسواس بسببه فالأولى ألا يتكلم حتى ينتهي من الوضوء لكن لو تكلم فلا شيء عليه.
***
رسالة من الطالب فاضل ناصر من الجمهورية العراقية بغداد يقول فيها هل يجوز شرب الماء أثناء الوضوء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز أن يشرب الإنسان الماء أثناء الوضوء لكن إذا كان مكان الماء بعيدا بحيث تنقطع الموالاة إذا ذهب ليشرب فإنه ينتظر حتى ينتهي من وضوئه ثم يذهب ويشرب.
***

(117/36)

أثابكم الله هذه رسالة من المستمع رمز لاسمه بالأحرف م. غ. ط. من العراق يقول إذا كان الإنسان فاقدا لأحد أعضاء الوضوء كاليد أو الرجل مثلا فهل يلزمه التيمم عن غسل ذلك العضو المفقود وما الحكم لو ركب له عضو صناعي فهل يلزمه غسله في الوضوء أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا فقد الإنسان عضوا من أعضاء الوضوء فإنه يسقط عنه فرضه إلى غير تيمم لأنه فقد محل الفرض فلم يجب عليه حتى لو ركب له عضو صناعي فإنه لا يلزمه غسله ولا يقال إن هذا مثل الخفين يجب عليه مسحهما لأن الخفين قد لبسهما على عضو موجود يجب غسله أما هذا فإنه صنع له على غير عضو موجود لكن أهل العلم يقولون إنه إذا قطع من المفصل فإنه يجب عليه غسل رأس العضو مثلا لو قطع من المرفق وجب عليه غسل رأس العضد ولو قطعت رجله من الكعب وجب عليه غسل طرف الساق.
***
بارك الله فيكم هذا مستمع للبرنامج يقول بأنه شاب حدث له حادث مرور ولا مرد لقضاء الله سبحانه وتعالى ويقول سبب لي هذا الحادث إصابة بالعمود الفقري وأدى ذلك إلى عدم التحكم في عملية الخروج والعجز عن الوضوء سؤالي بما أنني لا أستطيع الوضوء ولعسر التيمم ماذا أفعل يا فضيلة الشيخ هل أصلى بدون وضوء وتيمم؟

(117/37)

فأجاب رحمه الله تعالى: أما العجز عن الوضوء فإن كان السائل يقصد بالوضوء ما يقصده كثير من العوام وهو غسل الفرج من البول أو الغائط أقول إن كان يقصد ذلك فإنه بإمكانه أن يستجمر بالمناديل استجمارا شرعيا يكون ثلاث مسحات فأكثر منقية و يجزئه ذلك عن الماء وأما إذا كان يريد بالوضوء غسل الأعضاء أو بعبارة أصح تطهير الأعضاء الأربعة وهي الوجه واليدان و الرأس والرجلان وأنه لا يستطيع أن يتوضأ على هذا الوجه فإنه يتيمم فيضرب الأرض بيديه ويمسح بهما وجهه وكفيه فإن عجز عن ذلك وليس عنده من ييممه فإنه يصلى على حسب حاله ولا حرج عليه لقول الله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).
***
يقول كيف يصلى ويتوضأ المريض أفيدونا بذلك مشكورين؟

(117/38)

فأجاب رحمه الله تعالى: أما كيف يتوضأ فإن الواجب عليه أن يتوضأ بالماء إذا قدر على استعماله بلا ضرر لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) يعني واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين فإن كان الماء يضره أو كان غير قادر على استعماله فإنه يتيمم لقوله تعالى (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا) فتيمموا وكيفية التيمم أن يضرب الأرض بيديه ضربة واحدة ثم يمسح بهما وجهه وكفيه ويسمح كفيه بعضهما ببعض هذه هي كيفية التيمم لمن لا يستطيع التطهر بالماء وإذا تيمم المريض فإن تيممه هذا يقوم مقام الوضوء فما دام باقيا على طهارته لم تنتقض بشيء من النواقض فإنه لا يلزمه إعادة التيمم حتى ولو بقي من الصباح إلى العشاء لأن الله سبحانه وتعالى قال بعد ذكر التيمم (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) والطهور بالفتح ما يتطهر به فدلت الآية الكريمة والحديث النبوي على أن التيمم مطهر إلا أن طهارته مؤقتة متى زال العذر المبيح للتيمم فإنه يجب عليه أن يستعمل الماء فلو تيمم عن جنابة لعدم الماء ثم وجد الماء فإنه يجب عليه أن يغتسل و إن لم تتجدد الجنابة ودليل ذلك حديث أبي سعيد الذي رواه البخاري مطولا (في قصة الرجل الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم معتزلا لم يصل في القوم فسأله ما منعه أن يصلى في القوم؟ فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء، فقال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك. ثم جيء بالماء إلى النبي صلى الله عليه وسلم واستقى الناس منه و ارتووا وبقي منه

(117/39)

بقية فأعطى هذا الرجل هذه البقية، وقال له: خذ هذا أفرغه على نفسك) فدل ذلك على أن التيمم إنما يكون مطهرا في الوقت الذي يكون استعماله جائزا وأما إذا زال العذر المبيح له فإن حدثه يعود عليه ويجب عليه استعمال الماء عند إرادة الصلاة وأما كيف يصلى المريض فقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لعمران بن حصين (صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنبك) فيجب على المريض أن يستقبل القبلة و يصلى قائما ولو كان معتمدا على عصا أو على جدار أو على عمود أو نحو ذلك فإن لم يستطع القيام فإنه يصلى قاعدا وفي حال قعوده يكون متربعا لا مفترشا و يومئ بالركوع، وفي السجود يسجد على الأرض إن تمكن فإن لم يتمكن أومأ بالسجود أيضا ويجلس بين السجدتين وفي التشهد كما كان يجلس في العادة ويجب على المريض أن يتجنب في صلاته كل ما يتجنبه الصحيح من النجاسات وغيرها فيصلى في ثياب طاهرة ويصلى على فراش طاهر فإن كان عليه ثياب نجسة لا يتمكن من خلعها صلى فيها ولا إعادة عليه لعدم قدرته على خلع هذه الثياب إلا إذا كان يمكن أن يغسلها مثل أن تكون النجاسة في أسفلها ويمكن أن يغسلها فليغسلها وكذلك الفراش إذا كان متنجسا فإن الواجب عليه إزالته ليصلى على طاهر فإن لم تمكن إزالته بسط عليه شيئا طاهرا وصلى عليه فإن لم يمكن ذلك صلى عليه ولو كان نجسا إن كان لا يمكنه أن يتحول عنه وكل هذه التسهيلات كلها مأخوذة من قوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) وقوله (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) ومن قول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).
***
يقول السائل رجل يداه مقطوعتان لا يستطيع الغسل بهما هل يسقط عنه الغسل في مثل هذه الحالة وكذلك إذا أراد أن يقرأ من المصحف هل له أن يضعه على رجليه؟

(117/40)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت اليدان المقطوعتان قد قطعتا من فوق المرفق فإن غسلهما يسقط وأما إذا قطعتا من مفصل المرفق فإنه يجب عليه أن يغسل بطرف العضد وإذا كانتا قد قطعتا من نصف الذراع مثلا فإنه يجب عليه أن يغسل ما بقي من الذراع مع المرفق فهذه ثلاث أحوال الحالة الأولى أن يكون القطع من فوق المرفق مما يلي العضد فلا يجب عليه أن يغسل شيئا الثانية أن يكون القطع من المرفق فيجب عليه أن يغسل رأس العضد الثالثة أن يكون القطع من نصف الذراع مثلا فيجب عليه أن يغسل ما بقي من الذراع مع المرفق أما مس المصحف فإنه لا بأس أن يضع الرجل المصحف على فخذيه وهو جالس ويقرأ منه.
***

(117/41)

باب المسح على الخفين
بارك الله فيكم سؤال من مستمعة للبرنامج تقول ما الحكمة من المسح على الخفين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحكمة من المسح على الخفين هي أن هذا المسح يقوم مقام غسل الرجل وذلك لأن الواجب على الإنسان في الوضوء أن يطهر أربعة أعضاء الوجه واليدين والرأس والرجلين فمن رحمة الله تعالى بعباده أن الإنسان إذا كان لابسا جوارب أو خفين فإنه لا يكلف أن ينزعهما ثم يغسل قدميه لما في ذلك من المشقة في النزع والإدخال مرة أخرى وستكون الرجل أيضا رطبة بالماء فيترطب الجورب أو الخف فيزداد أذى بهذه الرطوبة فمن رحمة الله سبحانه وتعالى أن شرع لعباده أن يمسحوا على الخفين أو الجوربين بدلا عن غسل الرجلين ولكنه في مدة محددة وهي يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر تبتدئ هذه المدة من أول مرة مسحها بعد الحدث وما قبلها لا يحسب من المدة فإذا قدر أن شخصا لبس الجوربين لصلاة الفجر وبقي على طهارته إلى صلاة المغرب ومسحهما أول مرة بعد الحدث لصلاة المغرب فإن ما قبل صلاة المغرب لا يحسب من المدة فله أن يمسح إلى المغرب من اليوم الثاني إذا كان مقيما وإلى ثلاثة أيام إذا كان مسافرا، وإنه بهذه المناسبة ينبغي أن نعرف أن المسح على الخفين لا بد له من شروط:
الشرط الأول: أن يلبسهما على طهارة.
والشرط الثاني: أن يكونا طاهرين ودليل هذا قول النبي صلى الله وسلم للمغيرة بن شعبة حينما أراد أن يخلع خفيه (قال له النبي عليه الصلاة والسلام: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين).
الشرط الثالث: أن يكون ذلك في الحدث الأصغر لا في الجنابة فإن حصل عليه الجنابة وجب عليه خلع الجوربين أو الخفين وغسل الرجلين ودليل ذلك حديث صفوان بن عسال رضي الله عنه (قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا سفرا ألا ننزع خفافنا إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم).

(118/1)

والشرط الرابع: أن يكون في المدة التي قدرها النبي صلى الله عليه وسلم وهي يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر فلو مسح بعد انتهاء مدة المسح فإن وضوءه غير صحيح وعليه أن يعيده ويتوضأ من جديد وضوءا كاملا يغسل فيه قدميه هذه الشروط التي دلت عليها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
***
هذه رسالة من المستمع إبراهيم محمد يقول في سؤاله كيف تقدر مدة المسح على الخفين أهي بالساعات أم بالفروض وكيف ذلك بالنسبة للمسافر والمقيم وهل تقاس عليها العمامة التي تربط على الرأس بإحكام ولا يسهل خلعها عند كل وضوء أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة من أهم المسائل التي يحتاج الناس لبيانها ولهذا سوف نجعل الجواب أوسع من السؤال إن شاء الله تعالى فنقول إن المسح على الخفين ثابت بدلالة الكتاب والسنة أما الكتاب فهو من قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (أرجلكم) بكسر اللام فتكون معطوفة على قوله (برؤوسكم) فتدخل في ضمن الممسوح والقراءة التي يقرؤها الناس في المصاحف (وامسحوا برءوسكم وأرجلكم) بفتح اللام فهي معطوفة على (وجوهكم) فتكون من ضمن المغسول وحينئذ فالأرجل بناء على القراءتين إما أن تمسح وإما أن تغسل وقد بينت السنة متى يكون الغسل ومتى يكون المسح يكون الغسل حين تكون القدم مكشوفة ويكون المسح حين تكون مستورة بالخف ونحوه أما السنة فقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم المسح على الخفين وعده أهل العلم من المتواتر كما قال الناظم:
مما تواتر حديث من كذب ..... ومن بنى لله بيتا واحتسب
ورؤية شفاعة والحوض ..... ومسح خفين وهذي بعض

(118/2)

فمسح الخفين مما تواترت به الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم والمسح على الخفين إذا كان الإنسان قد لبسهما على طهارة أفضل من خلعهما وغسل الرجل ولهذا لما أراد المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن ينزع خفي رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وضوئه (قال له: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، ثم مسح عليهما) وللمسح على الخفين شروط:
الشرط الأول: أن يلبسهما على طهارة كاملة من الحدث الأصغر والأكبر فإن لبسهما على غير طهارة فإنه لا يصح المسح عليهما.
والشرط الثاني: أن يكون المسح في مدة المسح كما سيأتي بيان المدة إن شاء الله تعالى.

(118/3)

والشرط الثالث: أن يكون المسح في الطهارة الصغرى، أي في الوضوء أما إذا صار على الإنسان غسل فإنه يجب عليه أن يخلع الخفين ليغسل جميع بدنه ولهذا لا يمسح على الخفين في الجنابة كما في حديث صفوان بن عسال رضي الله عنه. هذه الشروط الثلاثة هي من شروط جواز المسح على الخفين، أما المدة فإنها يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر ولا عبرة بعدد الصلوات بل العبرة بالزمن فالرسول عليه الصلاة والسلام وقتها يوما وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر واليوم والليلة هو أربع وعشرون ساعة وثلاثة الأيام بلياليها اثنتان وسبعون ساعة لكن متى تبتدئ هذه المدة؟ تبتدئ هذه المدة من أول مرة في المسح وليس من لبس الخف ولا من الحدث بعد اللبس لأن الشرع جاء بلفظ المسح والمسح لا يتحقق إلا بوجوده فعلا (يمسح المقيم يوما وليلة ويمسح المسافر ثلاثة أيام) فلا بد من تحقق المسح، وهذا لا يكون إلا بابتداء المسح في أول مرة فإذا تمت أربع وعشرون ساعة من ابتداء المسح انتهى وقت المسح بالنسبة للمقيم وإذا تمت اثنتين وسبعين ساعة انتهى المسح بالنسبة للمسافر ونضرب لذلك مثلا يتبين به الأمر رجل تطهر لصلاة الفجر ثم لبس خفيه ثم بقي على طهارته حتى صلى الظهر وهو على طهارته وصلى العصر وهو على طهارته وبعد صلاة العصر في الساعة الخامسة تطهر لصلاة المغرب ثم مسح فهذا الرجل له أن يمسح إلى الساعة الخامسة من اليوم الثاني فإذا قدر أنه مسح في اليوم الثاني في الساعة الخامسة إلا ربعا وبقي على طهارته حتى صلى المغرب وصلى العشاء فإنه حينئذ يكون صلى في هذه المدة صلاة الظهر أول يوم والعصر والمغرب والعشاء والفجر في اليوم الثاني والظهر والعصر والمغرب والعشاء فهذه تسع صلوات صلاها، وبهذا علمنا أنه لا عبرة بعدد الصلوات كما هو مفهوم عند كثير من العامة حيث يقولون إن المسح خمسة فروض، هذا لا أصل له وإنما الشرع وقته بيوم وليلة تبتدئ

(118/4)

هذه المدة من أول مرة مسح وفي هذا المثال الذي ذكرنا عرفت كم صلى من صلاة في لبس الخفين وفي هذا المثال الذي ذكرناه تبين أنه إذا تمت مدة المسح فإنه لا يمسح بعد هذه المدة، ولو مسح بعد المدة - أي - بعد تمامها فمسحه باطل لا يرتفع به الحدث، لكن لو مسح قبل أن تتم المدة ثم استمر على طهارته بعد تمام المدة فإن وضوءه لا ينتقض بل يبقى على طهارته حتى يوجد ناقض من نواقض الوضوء فهذا المثال الذي ذكرنا أنه مسح في اليوم الثاني في تمام الخامسة إلا ربعا أي قبل تمام المدة بربع ساعة ثم بقي على طهارته إلى المغرب وإلى العشاء فيصلى المغرب والعشاء بطهارته وذلك لأن القول بأن الوضوء ينتقض بتمام المدة أي بتمام مدة المسح قول لا دليل له فإن تمام المدة معناه أنه لا مسح بعد تمامها وليس معناه أنه لا طهارة بعد تمامها فإذا كان المؤقت هو المسح دون الطهارة فإنه لا دليل على انتقاضها بتمام المدة وحينئذ نقول في تقرير دليل ما ذهبنا إليه: هذا الرجل توضأ وضوءا صحيحا بمقتضى دليل شرعي صحيح فإذا كان كذلك فإنه لا يمكن أن نقول بانتقاض هذا الوضوء إلا بدليل شرعي صحيح ولا دليل على أنه ينتقض بتمام المدة وحينئذ تبقى طهارته حتى يوجد ناقض من نواقض الوضوء التي ثبتت بالكتاب أو السنة هذه خلاصة موجزة عن المسح على الخفين وله فروع كثيرة لكنه ليس هذا موضع ذكرها وهي معلومة في كتب أهل العلم والحمد لله، أما المسافر فإن له ثلاثة أيام بلياليها أي اثنتان وسبعون ساعة تبتدئ من أول مرة مسح، ولهذا ذكر فقهاء الحنابلة رحمهم الله أن الرجل لو لبس خفيه وهو مقيم في بلده ثم أحدث في نفس البلد ثم سافر ولم يمسح إلا بعد أن سافر، قالوا: فإنه يتم مسح مسافر في هذه الحالة فاعتبروا ابتداء المدة من المسح من أول مرة مسح وهذا مما يدل على ضعف القول بأن ابتداء المدة من أول حدث بعد اللبس، أما مسألة العمامة فالعمامة قد ثبت عن النبي صلى الله عليه

(118/5)

وسلم جواز المسح عليها وهي من حيث النظر أولى بالمسح من الخفين لأنها ملبوسة على ممسوح فهي أصلا طهارة هذا العضو - أي المسح - وطهارة الرأس أخف من طهارة الرجلين لأن طهارته تكون بالمسح فالفرع عنه وهو العمامة يكون كذلك بالمسح ولكن هل يشترط فيها ما يشترط في الخف بأن يلبسها على طهارة وتتقيد مدتها بيوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر أو المسح عليها مطلق متى كانت على الرأس مسحها سواء لبسها على طهارة وبدون توقيت - إلا أنه في الحدث الأكبر لا يمسح عليها لأنه لا بد من الغسل في جميع البدن - هذا فيه خلاف بين أهل العلم والذين قالوا بأنه لا يشترط لبسها على طهارة ولا مدة لها قالوا لأنه ليس في ذلك دليل عن النبي صلى الله عليه وسلم وقياسها على الخفين كما يقولون قياس مع الفارق لأن الخفين لبسا على عضو مغسول طهارته لا بد من الغسل فيها وأما هذه فقد لبست على عضو ممسوح وطهارته أخف فلهذا لا يشترط للبسها طهارة ولا توقيت لها ولكن لا شك أن الاحتياط أولى، والأمر في هذا سهل فإنه ينبغي أن لا يلبسها إلا على طهارة وأن يخلعها إذا تمت مدة المسح ويمسح رأسه ثم يعيدها.
فضيلة الشيخ: ما هي الأشياء التي تبطل المسح على الخفين أو على العمامة غير انتهاء المدة؟

(118/6)

فأجاب رحمه الله تعالى: يبطل المسح أيضا خلع الخف إذا خلع الخف بطل المسح في أي وقت كان لكن الطهارة باقية ودليل كون خلع الخف يبطل المسح حديث صفوان بن عسال (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ننزع خفافنا) فدل هذا على أن النزع يبطل المسح فإذا نزع الإنسان خفه بعد مسحه بطل المسح عليه بمعنى أنه لا يعيد لبسه فيمسح عليه إلا بعد أن يتوضأ وضوءا كاملا يغسل فيه الرجلين وأما طهارته إذا خلعه فإنها باقية فالطهارة لا تنتقض بخلع الممسوح وذلك لأن الماسح إذا مسح تمت طهارته بمقتضى الدليل الشرعي فلا تنتقض هذه الطهارة إلا بمقتضى دليل شرعي وليس هناك دليل شرعي على أنه إذا خلع الممسوح بطل الوضوء وإنما الدليل على أنه إذا خلع الممسوح بطل المسح ولا يعاد المسح مرة أخرى إلا بعد غسل الرجل في وضوء كامل وعليه فنقول أن الأصل بقاء هذه الطهارة الثابتة بدليل شرعي حتى يوجد الدليل، وإذا لم يكن دليل فإن الوضوء يبقى غير منتقض وهذا هو القول الراجح عندنا.
***
يقول ما هي أحكام المسح على الخفين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المسح على الخفين له حكم واحد وهو أن الإنسان إذا لبسهما على طهارة بالماء فإنه يجوز له أن يمسح عليهما لكن بثلاثة شروط:
الشرط الأول: هو ما أشرنا إليه أن يكون قد لبسهما على طهارة بالماء ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه (أنه صب على النبي صلى الله عليه وسلم وضوءه فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم فأهوى المغيرة إلى خفيه لينزعهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما) فقوله صلى الله عليه وسلم (فإني أدخلتهما طاهرتين) تعليل لقوله (دعهما) والحكم يدور مع علته وجودا وعدما فدل هذا على أنه إذا لبسهما الإنسان على طهارة جاز له المسح وإذا لبسهما على غير طهارة فإنه لا يمسح

(118/7)

الشرط الثاني: أن يكون ذلك في الحدث الأصغر دون الأكبر لحديث صفوان بن عسال (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام بلياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم) فقوله (إلا من جنابة) يدل على أنه لا يجوز مسحهما مع الجنابة بل يجب نزعهما.
الشرط الثالث: أن يكون في المدة المحددة شرعا وهي للمقيم يوم وليلة وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها للمقيم يوم وليلة تبتدئ من أول مرة مسح وليس من الحدث بعد اللبس وليس من اللبس وذلك لأن النصوص جاءت بأن يمسح يوما وليلة ولا يتحقق المسح إلا بوجوده فعلا فالمدة التي تسبق المسح لا تحسب من المدة التي قدرها النبي صلى الله عليه وسلم فإذا قدر أن الرجل توضأ لصلاة الفجر ثم بقي على طهارته وانتقض وضوؤه قبل الظهر بساعتين ثم توضأ لصلاة الظهر ومسح فإن ابتداء المدة يكون من مسحه حين مسح لصلاة الظهر وليس من الحدث الذي سبق الظهر بساعتين فيكمل على هذا المسح يوما وليلة إن كان مقيما وثلاثة أيام بلياليهن إن كان مسافرا وقد اشتهر عند بعض الناس أن الإنسان يمسح خمسة أوقات إذا كان مقيما وهذا ليس بصحيح وإنما يمسح يوما وليلة كما جاء به النص وهذا يمسح وقد يصلى أكثر من خمس صلوات فلو أنه مسح في الساعة الثانية عشرة ظهرا فلما كان اليوم الثاني مسح في الساعة الثانية عشرة إلا ربعا ظهرا ثم بقي على طهارته حتى صلى العشاء فإنه في هذه الحالة يكون صلى تسع صلوات ظهر اليوم الأول والعصر والمغرب والعشاء والفجر وظهر اليوم الثاني والعصر والمغرب والعشاء وذلك لأن المدة إذا تمت وقد مسحت قبل أن تتم وبقيت على طهارتك فإن طهارتك لا تنتقض وقول من قال إن الطهارة تنتقض بتمام المدة لا دليل عليه والأصل بقاء الطهارة حتى يقوم دليل على انتقاضها لأن القاعدة الشرعية أن ما ثبت بدليل لا يرتفع إلا بدليل ولم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من تمت مدة مسحه

(118/8)

انتقضت طهارته فإذا لم يرد ذلك وجب أن يبقى الوضوء على حاله والنبي عليه الصلاة والسلام إنما وقت المسح ولم يوقت الطهارة لو كان النبي صلى الله عليه وسلم وقت الطهارة لكانت الطهارة تنتقض بتمام اليوم والليلة وهو إنما وقت المسح، نعم لو مسح الإنسان بعد تمام المدة ولو ناسيا فإنه يجب عليه أن يعيد الوضوء وأن ينزع خفيه ويغسل قدميه حتى لو صلى بهذا الوضوء الذي كان بعد تمام المدة ومسح فيه فإنه يجب عليه إعادة الصلاة ولو كان ناسيا، وأما إذا كان مسافرا فإنه يمسح ثلاثة أيام بلياليها ويكون ابتداء المدة كما أسلفت من أول مرة مسح ثم لو مسح (*في الحضر ثم سافر فإنه يتم مسح مقيم) يوما وليلة أما لو لبس الخفين في الحضر ولم يمسح إلا في السفر فإنه يتم ثلاثة أيام ولو أنه ابتدأ المسح في السفر ثم وصل إلى بلده فإنه لا يمسح إلا مسح مقيم فإن كانت مدة مسح المقيم قد انتهت وجب عليه الخلع وغسل رجله إذا توضأ وإن كانت لم تنته فإنه يتمها على مسح مقيم يوما وليلة من أول مرة مسح.
(*
هذا رأي الشيخ في القديم انظر فتوى 155)
فضيلة الشيخ: لو كان يلبس أكثر من جورب فالحكم يكون على الأعلى حيث لو فسخ الأعلى ينتقض الحكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا لبس الجوربين فأكثر فإن لبس الثاني قبل أن يحدث فله الخيار بين أن يمسح الأعلى أو الذي تحته لكنه إذا مسح أحدهما تعلق الحكم به.
فضيلة الشيخ: أول مرة يعني أول مسح؟

(118/9)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم إذا مسح أحدهما أول مرة تعلق الحكم به فلو خلعه بعد مسحه فإنه لابد أن يخلع الثاني عند الوضوء ليغسل قدميه وقال بعض أهل العلم إنه لو لبس جوربين ومسح الأعلى منهما ثم خلعه فله أن يمسح الثاني مادامت المدة باقية لأن هذين الخفين صارا كخف واحد فهو كما لو كان عليه خف له بطانة وظهارة فمسح الظهارة ثم تمزقت الظهارة أو انقلعت فإنه يمسح البطانة لأن الخف واحد قال هؤلاء العلماء رحمهم الله فالخفان الملبوسان كأنهما خف واحد، ولكن الأحوط ما ذكرته آنفا من أنه إذا مسح الخف الأعلى ثم نزعه فلا بد أن يخلع ما تحته وبناء على ذلك نقول من لبس جوربا وخفا يعني كنادر على الشراب وصار يمسح الكنادر فإنه إذا خلع الكنادر بعد مسحها لا يعيد المسح عليها مرة أخرى بل يجب عليه أن يخلعهما عند الوضوء ويخلع الجوارب ليغسل قدميه إلا على القول الثاني الذي أشرت إليه ولكن الأحوط هو القول الأول وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
***
بارك الله فيكم فضيلة الشيخ هذا المستمع م ع ص من ثادق يقول فضيلة الشيخ نرجو من فضيلتكم بيان شيء عن أحكام المسح على الخفين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المسح على الخفين من الشرائع التي جاء الإسلام بها وهي فريضة من فرائض كثيرة تدل على يسر الإسلام وسهولته وأن الله سبحانه وتعالى من علينا بدين ميسر فالإنسان قد يحتاج إلى لبس الخفين أو الجوارب أو الشراب اتقاء للبرد أو اتقاء للغبار أو ما أشبه ذلك مما تختلف فيه أغراض الناس فمن ثم رخص للعباد أن يمسحوا على الجوارب أو على الكنادر وألا يشقوا على أنفسهم بنزعها وغسل الرجل ولكن للمسح على ذلك شروط لا بد منها

(118/10)

الشرط الأول: أن يلبسها على طهارة فإن لبسها على غير طهارة لم يجز المسح عليها لقول النبي صلى الله عليه وسلم للمغيرة حين أهوى لينزع خفيه أي خفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين) فإن لبسهما على غير طهارة ونسي فمسح وجب عليه أن يعيد الوضوء ويغسل رجليه من جديد ويعيد الصلاة إن كان صلى بالوضوء الذي مسح فيه ما لبسه على غير طهارة.
الشرط الثاني: أن يكون ذلك في الحدث الأصغر أما الحدث الأكبر فإنه إذا أجنب الرجل وعليه جوارب لبسها على طهارة وجب عليه خلعهما وغسل قدميه لأن طهارة الحدث الأكبر أشق من طهارة الحدث الأصغر ولذلك تعم جميع البدن وليس فيها شيء ممسوح إلا الجبيرة للضرورة ويجب إيصال الماء في الطهارة الكبرى إلى ما تحت الشعر ولو كان كثيفا فهي أشد وأغلظ ولهذا جاءت السنة بأن لا يمسح في الطهارة الكبرى على الجوارب أو الخفين ودليل ذلك حديث صفوان بن عسال رضي الله عنه قال (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام بلياليها إلا من جنابه ولكن من غائط وبول ونوم).

(118/11)

الشرط الثالث: أن يكون المسح في المدة التي حددها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر تبتدئ هذه المدة من أول مرة مسح بعد الحدث لا من اللبس ولا من الحدث بل من المسح في وضوء بعد الحدث حتى يتم ثلاثة أيام إن كان مسافرا أو يوما وليلة إن كان مقيما مثال ذلك إذا تطهر لصلاة الفجر ولبس ثم أحدث في الساعة العاشرة ضحى ثم لم يتوضأ ثم تطهر في الساعة الثانية عشرة ومسح فإن ابتداء المدة يكون من الساعة الثانية عشرة لا من الفجر ولا من الساعة العاشرة بل من الساعة الثانية عشرة لأنها الساعة التي ابتدأ المسح فيها. وليعلم أن الرجل إذا مسح وهو مقيم ثم سافر قبل تمام مدة مسح المقيم فإنه يتم مسح مسافر مثال ذلك رجل لبس خفيه ثم مسح عليهما لصلاة الظهر مثلا ثم سافر بعد الظهر أو بعد العصر فإنه يتم مسح مسافر أما إن تمت مدة مسح المقيم قبل أن يسافر فإنه لا يبني على مدة تمت بل يجب عليه أن يغسل قدميه إذا توضأ وكذلك العكس بالعكس لو مسح وهو مسافر ثم وصل البلد فإن مسحه مسح المقيم فإن كان مضى له يوم وليلة للسفر فعليه أن يخلع ويغسل قدميه عند الوضوء وإن بقي من اليوم والليلة شيء أتمه يوما وليلة فقط وليعلم كذلك أن مدة المسح إذا تمت وهو على طهارة فإن طهارته لا تنتقض بل يبقى طاهرا حتى تبطل طهارته بناقض من النواقض المعروفة فإذا قدر أن شخصا ما مسح أول مرة في الساعة الثانية عشرة من يوم الأحد وهو مقيم ثم مسح من يوم الاثنين الساعة الحادية عشرة والنصف أي بقي عليه نصف ساعة ويتم يوما وليلة ثم مضت عليه الثانية عشرة والواحدة والثانية وهو لا يزال على طهارته فإن طهارته باقية لم تنتقض بانتهاء المدة لكنه إذا انتقض وضوؤه بعد اكتمال المدة وجب عليه أن يغسل قدميه إذا توضأ لأن المدة قد تمت. إذا فالمسح على الخفين أو الجوارب سنة إذا كان الإنسان لابسا لهما لكن بشروط ثلاثة

(118/12)

الشرط الأول: أن يلبسها على طهارة.
الثاني: أن يكون ذلك في الحدث الأصغر دون الأكبر.
والثالث: أن يكون ذلك في المدة المحددة وهي يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر تبتدئ هذه المدة من أول مرة مسح بعد الحدث.
***
نأمل بشرح أحكام المسح على الخفين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المسح على الخفين من السنة ودليله أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم توضأ وكان المغيرة بن شعبة رضي الله عنه يصب عليه وضوءه فأهوى لينزع خفي الرسول عليه الصلاة والسلام فقال (دعهما - يعني لا تخلعهما - ومسح عليهما) فدل ذلك على أن لابس الخفين الأفضل له أن يمسح ولا يخلعهما ليغسل قدميه. وللمسح على الخف شروط أهمها:
الشرط الأول: أن يلبسهما أي الخفين على طهارة فيتوضأ وضوءا كاملا ثم يلبس فإن لبسهما على غير طهارة لم يجز المسح عليهما بل عليه أن يخلعهما ويغسل قدميه ثم يلبسهما على الوضوء
والشرط الثاني: أن يكون المسح في الحدث الأصغر دون الأكبر لحديث صفوان بن عسال قال (إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم) فقال (إلا من جنابة) فالجنابة لابد فيها من خلع الخفين وغسل الرجلين لأن الجنابة لا يمسح فيها إلا للضرورة وذلك بأن يكون على الإنسان جبيرة إما جبس أو لزقة أو دواء فهذا يمسح في الحدث الأصغر والأكبر أما ما سوى الضرورة فإنه لا مسح في طهارة الجنابة.

(118/13)

الشرط الثالث: أن يكون المسح في المدة التي رخص فيها الشارع بالمسح وهي يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر فمن مسح بعد انتهاء المدة لم يصح وضوؤه ويجب إذا تمت المدة وأراد الإنسان أن يتوضأ أن يخلعهما ويتوضأ ويغسل قدميه وابتداء المدة يكون من أول مرة مسح بعد الحدث لا من اللبس ولا من الحدث ولكن من أول مرة مسح بعد الحدث مثال ذلك لو أن رجلا توضأ لصلاة الفجر يوم الاثنين ولبس الخفين وبقي على طهارته إلى الليل ثم نام وقام لصلاة الفجر وتوضأ ومسح فابتداء المدة هنا من مسحه لصلاة الفجر يوم الثلاثاء فتكون المدة التي مضت قبل المسح غير معدودة عليه لأن المدة تبتدئ من أول مرة مسح بعد الحدث ولو أنه توضأ لفجر يوم الاثنين ولبس الخفين وبعد ارتفاع الشمس أحدث ولكن لم يتوضأ حتى أذن الظهر فتوضأ الساعة الثانية عشرة من ظهر يوم الاثنين فهنا يمسح إلى ما قبل الثانية عشرة من يوم الثلاثاء ونحن قلنا إنه أحدث قبل الزوال في يوم الاثنين فهنا نقول المدة تبدأ من وقت المسح من الثانية عشرة وله أن يمسح إلى الثانية عشرة إلا دقيقة واحدة من اليوم الثاني وكذلك يقال في المسافر إنه تبتدئ مدته من أول مرة مسح بعد الحدث وهناك شروط أخرى اختلف فيها العلماء رحمهم الله هل هي شرط أو ليست بشرط؟ فلنضرب عنها صفحا.
***
بارك الله فيكم فضيلة الشيخ حدثونا عن المسح على الخفين عن كيفيته ومدته؟
فأجاب رحمه الله تعالى: كيفية المسح على الخفين أن يمسح الإنسان من أطراف الأصابع إلى الساق ظاهر الخفين لا باطنهما ولكن يشترط للمسح على الخفين شروط:
الشرط الأول: أن يلبسهما على طهارة فإن لم يلبسهما على طهارة لم يصح المسح عليهما لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين أراد المغيرة بن شعبة أن ينزع خفيه قال (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين) ثم مسح عليهما

(118/14)

والشرط الثاني: أن يكون المسح في المدة المحددة وهي يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر وتبتدئ هذه المدة من أول مسحة مسحها بعد الحدث فلو قدر أن رجلا مقيما لبس خفيه لصلاة الفجر ولم يمسح عليهما من الحدث إلا لصلاة العشاء أي بقي كل يومه طاهرا فإن مدته تبتدئ من مسحه عند صلاة العشاء لا من لبسه للخفين والمهم أنه لابد أن يكون المسح في المدة المحددة وهي ثلاثة أيام للمسافر ويوم وليلة للمقيم.
الشرط الثالث أن يكون ذلك في الحدث الأصغر وهو ما أوجب الوضوء فأما الحدث الأكبر وهو ما أوجب الغسل فإنه لا يمسح فيه على الخفين لحديث صفوان بن عسال رضي الله عنه قال (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن لا ننزع خفافنا إذا كنا سفرا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم).
***
ما هي مدة المسح على الخفين للمقيم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: مدته يوم وليلة أربع وعشرون ساعة تبتدئ هذه المدة من أول مرة مسح إلى دورها من اليوم الثاني فإذا مسح في تمام الساعة الثانية عشرة من اليوم فإنه له أن يمسح إلى تمام الساعة الثانية عشرة من اليوم الذي يليه وإذا مسح قبل انتهاء المدة وبقي على طهره فإنه إذا انتهت المدة وهو على طهره فإنه لا ينتقض وضوؤه ويبقى على وضوئه حتى ينتقض بناقض معلوم.
فضيلة الشيخ: إذا المدة التي قبل المسح لا يعتد بها كأن يتوضأ مثلا للفجر ويستمر على طهارته الظهر والعصر والمغرب ثم يتوضأ للعشاء الآخرة تبدأ المدة من العشاء الآخرة لمدة أربع وعشرين ساعة؟

(118/15)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم وأقول لك أيضا لو فرض أنه صلى العشاء الآخرة بوضوء الفجر ولم يمسح إلا الفجر من اليوم الثاني فإن المدة تبتدئ من الفجر من اليوم الثاني ولنفرض أنه قبل زمن بداية المسح من اليوم الثالث مسح قبل انتهاء المدة وبقي على طهارته إلى العشاء من الليلة الثالثة أو الرابعة فإن ذلك صحيح أيضا ولهذا يخطئ بعض العوام الذين يقولون الذي يلبس الخفين يصلى فيهما خمسة أوقات، والصحيح أنه ربما يصلى أكثر من خمسة أوقات.
***
السائل دحماني رضا يقول بالنسبة للمسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوما وليلة وقد سمعنا حديثا عن (عمر رضي الله عنه بأن المسافر يمسح أسبوعا) فهل هذا الأثر صحيح؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الذي ثبت بالسنة أن المسافر يمسح ثلاثة أيام بلياليها فعليك بما صحت به السنة ودع عنك الآراء مهما كان قائلها ما دام عندك أصل من السنة فهو المعتمد وهو الذي تسأل عنه يوم القيامة كما قال الله عز وجل (و يوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين) .
***
يقول السائل إذا صلى المسلم فرضا بعد أن انتهى وقت المسح على الشراب فهل يعيد الصلاة أم ماذا عليه مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يعيد الصلاة لأنه إذا تمت مدة المسح ثم انتقض الوضوء وجب عليه أن يخلع ثم يلبس على طهارة من جديد لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقت ذلك (بيوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر) فمثلا إذا قدرنا أنه انتهى وقت المسح قبل الظهر بساعة ثم انتقض وضوءه ومسح ناسيا فعليه أن يتوضأ ويعيد صلاة الظهر وأما إذا انتهت المدة وهو على طهارة فليستمر في طهارته حتى ينقضها يعني يستمر يصلى ولا حرج ولو تمت المدة لأن تمام المدة معناه امتناع المسح من جديد لا انتقاض الوضوء.
***
بارك الله فيكم السائل يقول هل يلزم إعادة الوضوء بعد انتهاء مدة المسح أم يكتفي بغسل الرجلين فقط وإعادة لبس الجوربين؟

(118/16)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا انتهت مدة المسح فإنه إذا توضأ يجب عليه أن ينزع الجوربين ويتوضأ عند الصلاة وضوءا كاملا ولا يجزىء أن يغسل رجليه فقط ويلبس الجوربين لأن من شرط جواز المسح على الجوربين أو الخفين أن يلبسهما على طهارة كاملة.
***
بارك الله فيكم ما صحة المسح على الجوارب وهل لهذه الجوارب شروط إذا كان المسح عليها جائزا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الراجح من أقوال أهل العلم جواز المسح على الجوربين فإنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه قد مسح عليهما) ولأن العلة التي من أجلها أبيح المسح على الخفين موجودة في الجوربين فإن العلة في جواز المسح على الخفين مشقة النزع وغسل الرجل بالماء ثم إدخالها في الخف وهذا موجود في الجوربين بل قد يكون نزع الجوربين أشق من نزع الخفين وشروط المسح على الجوربين:
الأول: أن يلبسهما على طهارة ودليل ذلك حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه (أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فتوضأ قال المغيرة فأهويت لأنزع خفيه فقال دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما)
الثاني: أن يكون ذلك في الحدث الأصغر لا في الأكبر لحديث صفوان بن عسال رضي الله عنه قال (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم)
الشرط الثالث: أن يكون ذلك في المدة المحددة شرعا وهي يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر وابتداء المدة من أول مسح حصل بعد الحدث وليس من اللبس ولا من الحدث نفسه، نضرب لذلك مثلا برجل لبس خفيه حين توضأ لصلاة الفجر وأحدث في منتصف الضحى ولم يتوضأ وتوضأ لصلاة الظهر بعد الزوال فإن ابتداء المدة يكون من الوقت الذي مسح فيه لصلاة الظهر أي من بعد الزوال وما قبل ذلك لا يحتسب من المدة.

(118/17)

الشرط الرابع: وهو أن يكون الجوربان أو الخفان طاهرتين فإن كانتا نجستين فإنه لا يمكن المسح عليهما وذلك لأن الخفين أو الجوربين إذا كانتا نجستين فإن الصلاة فيهما ممنوعة لما ثبت في السنن من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (صلى بأصحابه ذات يوم في نعاله وفي أثناء الصلاة خلعهما فخلع الناس نعالهم فلما انصرف من صلاته سألهم ما بالهم خلعوا نعالهم قالوا يا رسول الله رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا قال فإن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا) وهذا يدل على أنه لا تجوز الصلاة في نعل فيه قذر والخف مثله وعلى هذا فلا بد أن تكون الجوربان أو الخفان طاهرتين فهذه أربعة شروط وهناك شروط اختلف فيها العلماء رحمهم الله ولكن كل شرط لا يثبت بدليل من الكتاب والسنة أو إجماع فإنه لا عبرة به.
***
أحسن الله إليكم يقول السائل هل يجوز المسح على الجوربين في الوضوء وهل له شروط؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز المسح على الجوربين بشروط:
الشرط الأول: أن يلبسهما على طهارة.
والشرط الثاني: أن يكون ذلك في الحدث الأصغر لا في الجنابة لأن الجنابة لا يمسح فيها إلا على الجبيرة.
والشرط الثالث: أن يكون في المدة المحددة شرعا وهي للمقيم يوم وليلة وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها تبتدئ هذه المدة من أول مسحة بعد الحدث مثال ذلك لو أن رجلا لبس الجوربين من صلاة الفجر بعد أن تطهر لصلاة الفجر ولم يمسح إلا لصلاة الظهر فإن المدة تبتدئ من صلاة الظهر لأن ما قبل المسحة الأولى بعد الحدث لا يحسب من المدة وإذا تمت المدة والإنسان على طهارة بقي على طهارته حتى تنتقض فإذا انتقضت فليتوضأ من جديد ويغسل رجليه.
***
ما الحكم في المسح على الجوارب أثناء الوضوء وخصوصا عند ما يكون الإنسان في عمل أجير عند الغير؟

(118/18)

فأجاب رحمه الله تعالى: المسح على الجوارب سنة إذا لبسها الإنسان على طهارة ولم يحصل عليه غسل وكان ذلك في المدة المحددة شرعا وهي يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر فإذا كان على الإنسان جوارب لبسها على طهارة فإنه يمسحها بدلا عن غسل الرجلين لكن في المدة المحددة فقط وهي يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام ولياليها للمسافر وفي الحدث الأصغر فقط وإذا تمت مدة المسح والإنسان على طهارة فإن طهارته باقية لا تنتقض بتمام المدة لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما وقت المسح ولم يوقت الطهارة لكنه لا يسمح بعد تمام المدة لأن ما خرج عن الحد الشرعي فهو مردود على فاعله قال النبي عليه الصلاة والسلام (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد).
***
هذه رسالة وردت من م. م. م. من حوطة بني تميم يقول كثير من الناس يمسحون في الوضوء على الكندرة فما الحكم في هذا أفيدونا جزاكم الله خيرا
فأجاب رحمه الله تعالى: الحكم في هذا أن المسح على الكندرة أو على الشراب مستحب، ولكن لابد فيه من أن يوضع على طهارة، وأن يكون في المدة المحددة، وأن لا يكون على الإنسان غسل، لأن مسح الكندرة أو الشراب يختص بالحدث الأصغر فإذا تمت هذه الشروط الثلاثة وكان الممسوح عليه طاهرا، فالمسح عليه سنة، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حين توضأ فأراد المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن ينزع خفيه (قال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين ومسح عليهما).
***
المستمعات طالبات من ثانوية تحفيظ القرآن بالمدينة المنورة يسألن ما الدليل على المسح على الشراب لا على الخفين حيث إن كثيرا من الناس ينكر ذلك بحجة أن الدليل ورد في المسح على الخفين ولم يرد في المسح على الشراب وهل يلزم عند المسح على الشراب أن لا يصل الماء إلى البشرة نرجو من فضيلة الشيخ إجابة؟

(118/19)

فأجاب رحمه الله تعالى: أولا: المسح على الخفين سنة بمعنى أنه لو كان على الإنسان خفان وتوضأ وأراد أن يخلعهما ثم يغسل قدميه لم يكن آثما بذلك لكنه مخالف للسنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وعليه خفان فأراد المغيرة بن شعبة أن ينزع خفيه فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما)
ثانيا: المسح على الجوارب و هي الشراب قد ورد فيه حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصح عن غير واحد من الصحابة أنه مسح على الجوارب ولو قدرنا أنه ليس فيه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا أثر عن الصحابة فإن القياس الصحيح الجلي يقتضي جواز المسح على الجوربين - أي الشراب - وذلك لأننا نعلم أن الحكمة من جواز المسح على الخفين هي المشقة التي تحصل بخلعهما عند الوضوء ثم غسل الرجل ثم إدخالها وهي رطبة فإن في ذلك مشقة من جهة النزع و اللبس ومن جهة إدخال الرجل وهي رطبة وهذه الحكمة المعقولة الواضحة تكون تماما في الجوربين فإن في نزعهما مشقة وفي إدخالهما والرجل رطبة مشقة أخرى لذلك نرى أن النص والنظر كلاهما يدل على جواز المسح على الجوربين ولكن هل يشترط في الجوربين أي الشراب أن يكونا صفيقين بحيث لا يرى من ورائهما الجلد أو لا يشترط؟ هذا محل خلاف بين العلماء منهم من قال يشترط أن يكونا ثخينين لا يصفان البشرة وإنه عليهما لو حصل خرق ولو يسير كمبط فإنه لا يجوز المسح عليها ومنهم من قال يشترط أن يكونا ثخينين يمنعان وصول الماء إلى الرجل وإن لم يكونا ساترين و على هذا فيجوز المسح على الجوربين إذا كانا من النايلون الشفاف ومنهم من قال لا يشترط ذلك كله وأنه يجوز المسح على الجوربين الرقيقين ولو كان يرى من ورائهما الجلد ولو كانا يمكن أن يمضي الماء منهما إلى القدم وهذا القول هو الصحيح لأنه لا دليل على الاشتراط والحكمة من جواز المسح موجودة في الرقيقين كما هي موجودة في الثخينين وعلى

(118/20)

هذا فيجوز المسح على الجوربين الخفيفين كما يجوز على الجوربين الثخينين.
***
بارك الله فيكم المسمع منجاد من حائل يقول إنه يعاني من تشقق في مؤخرة قدمه من أثر الوضوء فلبس شرابا خفيفا ومسح عليه يوما وليلة أو أقل بما في ذلك صلاة الفجر يقول بعد ما أصحو من النوم وأتوضأ وأمسح عليه مرة واحدة علما بأن مدة المسح لم تنته فما رأيكم حول هذا والله يرعاكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: رأينا أن هذا العمل جائز ولا بأس به أن الإنسان يلبس الجوارب إما للتدفئة وإما لغرض آخر وهذا الرجل مادام لا يمسح على هذه الجوارب إلا في المدة التي قدرها النبي عليه الصلاة والسلام وهي يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر فإنه قد أتى معروفا ولا إنكار عليه فيه هذا.
***
رسالة من السودان عباس حسن يقول ما حكم من يتوضأ ويمسح على الشراب الذي يلبسه في رجليه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: حكم وضوء الإنسان إذا كان عليه جوارب أو خفان فمسحهما أن وضوءه صحيح وصلاته صحيحة لكن بشرط أن يلبس هذه الجوارب أو الخفين على طهارة وأن يكون المسح في الطهارة الصغرى دون الجنابة وأن يكون في الوقت المحدد شرعا وهو يوم وليلة من أول مرة مسح للمقيم وثلاثة أيام بلياليها من أول مرة مسح للمسافر فإذا مسح الجوارب أو الخفين على الوجه المشروع فإنه يصلى فيهما ما شاء من فروض ونوافل إلى أن تنتهي المدة.
***
يقول السائل ما كيفية المسح على الشراب وهل يجوز المسح على الشراب عند القيام من النوم للصلاة وما هي المدة وجهونا في ذلك مأجورين؟

(118/21)

فأجاب رحمه الله تعالى: كيفية المسح على الشراب أن يبل الإنسان يديه بالماء ثم يمسح من أطراف الأصابع إلى الساق يمر بيده مرة واحدة من أطراف الأصابع إلى الساق ثم إن شاء مسح اليمنى قبل اليسرى وإن شاء مسحهما جميعا لأن السنة في ذلك محتملة لهذا ولهذا والأمر في ذلك واسع ولا يكرر المسح لأن القاعدة عند الفقهاء رحمهم الله أن كل شيء ممسوح فإنه لا يسن تكرار المسح عليه لأن طهارته مخففة فينبغي أن يكون مخففا في الكيف ومخففا في الكم.
وأما المسح على الشراب عند القيام من النوم فنقول ما دامت المدة باقية فامسح حتى تنتهي والمدة يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر فإذا كان مقيما ومسح أول مرة في الساعة الثانية عشرة من ظهر يوم الأربعاء فله أن يمسح إلى قبيل الساعة الثانية عشرة من يوم الخميس يعني أربعا وعشرين ساعة سواء نام أم لم ينم وإذا تمت المدة وهو على طهارة بقي على طهارته حتى تنتقض ولكنه لا يمسح بعد تمام المدة بل عليه إذا أراد أن يتوضأ أن يخلع الجوارب وأن يتوضأ وضوءا كاملا بغسل القدمين.
***
هل يجوز للمصلى أن يتوضأ بدون غسل رجله والمسح على النعل؟

(118/22)

فأجاب رحمه الله تعالى: الوضوء لا بد فيه من أن يغسل الإنسان وجهه ومن ذلك المضمضة والاستنشاق وأن يغسل يديه من أطراف أصابعه إلى المرفقين وأن يمسح بجميع رأسه وبأذنيه وأن يغسل رجليه فإذا لم تتم هذه الطهارة على هذا الوجه فإنها طهارة غير صحيحة ولا تصح بها الصلاة وأما المسح على النعل فإنه لا يجوز المسح على النعل بل لا بد من خلع النعل وغسل الرجل أما الخف وهو ما يستر الرجل فإنه يجوز المسح عليه سواء كان من جلد أو من قطن أو من صوف أو من غيرها بشرط أن يكون مما يحل لبسه أما إذا كان مما يحرم لبسه كالحرير على الرجل يعني لو لبس جرابا من الحرير فإنه لا يجوز له أن يمسح عليه لأنه محرم عليه لبسه فإذا كان مباحا جاز المسح عليه إذا لبسه على طهارة وكانت المدة المقررة شرعا وهي يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر وتبتدئ هذه المدة من أول يوم مسح وتنتهي بتمام أربع وعشرين ساعة بالنسبة للمقيم واثنتين وسبعين ساعة بالنسبة للمسافر.
***
بارك الله فيكم المستمع سعد يسأل ويقول هناك من يقول بجواز المسح على كل خف سواء كان مخرقا أو ممزقا وسواء أمكن متابعة المشي فيه أم لا، بل لو كان على قدميه لفافة لجاز المسح على ذلك كله وحجتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للمسلمين في مسح الخفين في أحاديث كثيرة ليس في شيء منها افتراض سلامة الخف من الشق وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز نرجو من فضيلة الشيخ بيان مدى صحة هذا القول جزاكم الله خيرا

(118/23)

فأجاب رحمه الله تعالى: إن هذا القول الذي أشار إليه السائل وهو جواز المسح على كل ما لبس على الرجل هو القول الصحيح وذلك أن النصوص الواردة في المسح على الخفين كانت مطلقة غير مقيدة بشروط وما ورد عن الشارع مطلقا فإنه لا يجوز إلحاق شروط به لأن إلحاق الشروط به تضييق لما وسعه الله عز وجل ورسوله والأصل بقاء المطلق على إطلاقه و العام على عمومه حتى يرد دليل على التقييد أو التخصيص وقد حكى بعض أصحاب الشافعي عن عمر وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما جواز المسح على الخف وعلى الجورب الرقيق وهذا يعضد هذا القول الذي أشار إليه السائل وهو جواز المسح على الجوارب الخفيفة الرقيقة وعلى الجوارب المخرقة وكذلك الخف وكذلك على القول الراجح المسح على اللفافة بل إن جواز المسح على اللفافة أولى لمشقة حلها ولفها وهذا هو الذي يتمشى مع قوله عز وجل حين ذكر آية الطهارة في الوضوء والغسل والتيمم قال (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون) .
***
السائل علاء حسين يقول هل يجوز المسح على الخف الممزق أثناء الوضوء؟

(118/24)

فأجاب رحمه الله تعالى: القول الراجح أنه يجوز المسح على الخف المخرق وعلى الجورب الخفيف الرهيف الذي تبدو منه البشرة لأنه لا دليل على اشتراط أن لا يكون فيه خرق أو شق أو أن لا يكون خفيفا ولو كان هذا شرطا لجاء في الكتاب والسنة والأصل في جواز المسح على الجورب والخف التخفيف على الأمة فإذا اشترطنا شروطا لا دليل عليها من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عاد التخفيف تثقيلا فالصواب جواز المسح على الجورب مادام اسمه باقيا سواء كان خفيفا أم ثقيلا مخرقا أم سليما ومن المعلوم أن مدة المسح للمقيم يوم وليلة بشرط أن يلبس على طهارة وأن لا تحصل له جنابة فإن لبس على غير طهارة لم يجز المسح وإن أصابته جنابة وجب عليه الخلع وغسل الرجلين أما المسافر فالمدة في حقه ثلاثة أيام والعبرة بالزمن لا بالصلوات وأما ما اشتهر عند العامة أن المدة خمس صلوات فغلط فالسنة إنما جاءت بيوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام للمسافر وتبدأ المدة من أول مرة مسح بعد الحدث فلو فرض أن الرجل لبس الجورب حين توضأ لصلاة الفجر من يوم الأحد وبقي على طهارته كل اليوم ومسح أول مرة لصلاة الفجر يوم الاثنين فابتداء المدة يكون من المسح يوم الاثنين لأن ما قبل المسح لا يعتبر من المدة ولا يحسب من المدة.
***
بارك الله فيكم السائل يقول هل يجوز المسح على الشراب ولو كان رقيقا أو به قطع بسيط؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز المسح على الشراب وإن كان خفيفا وإن كان به خروق لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يشترط أن يكون صفيقا وألا يكون فيه خروق بل كل ما سمي جوربا أو خفا جاز المسح عليه على أي صفة كان وعلى أي حالة كان لكن ليعلم أن المسح على ذلك لابد فيه من شروط:

(118/25)

الشرط الأول: أن يلبسه على طهارة ودليل ذلك (حديث المغيرة بن شعبة أنه أهوى لينزع خفي الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين) يعني أنه أدخلهما على طهارة،
الشرط الثاني: أن يكون ذلك في الحدث الأصغر لا في الجنابة ونحوها لحديث صفوان بن عسال رضي الله عنه قال (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم).
الشرط الثالث: أن يكون المسح في المدة المحددة وهي يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، وابتداء المدة من أول مرة مسح بعد الحدث وانتهاؤها معلوم مما ذكرنا فهي أي المدة أربع وعشرون ساعة للمقيم واثنتان وسبعون ساعة للمسافر ففي هذه المدة يمسح الإنسان لكن كما قلنا في الحدث الأصغر دون الأكبر لأن الأكبر لابد فيه من غسل البدن ومنه القدمان.
***
ما حكم لبس الجورب اليمين قبل غسل الرجل اليسرى؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا بأس به يعني لا بأس أن يلبس الجورب في الرجل اليمنى قبل غسل الرجل اليسرى ولكن اختلف العلماء في هذه الحال هل يمسح عليهما إذا لبسهما وتوضأ بعد ذلك أو لا يمسح، فيه خلاف بين العلماء ولا شك أن الاحتياط أن ينتظر الإنسان حتى يغسل الرجل اليسرى ثم يلبس بعد كمال الوضوء تماما.
***
كيف يكون المسح على الشراب هل نبدأ بالمسح على الرجل اليمنى ثم اليسرى أو نمسح عليهما معا بكلتا اليدين ولا بأس في ذلك علما أن هذا هو عمل الناس اليوم؟

(118/26)

فأجاب رحمه الله تعالى: يرى بعض أهل العلم أن المسح على الخفين كالمسح على الأذنين أنه يمسحهما مرة واحدة أي جميعا بدون أن يقدم اليمنى على اليسرى فيمسح الرجل اليمنى باليد اليمنى والرجل اليسرى باليد اليسرى كما أنه يمسح الأذنين كذلك دفعة واحدة والراجح عندي أنه يمسح الرجل اليمنى قبل اليسرى وذلك لأن مسح الرجلين قائم مقام غسلهما وهما عضوان كل عضو مستقل عن الآخر وإذا كان المسح بدلا عن الغسل والغسل يشرع فيه تقديم اليمنى على اليسرى فإن البدل يكون له حكم المبدل ولا يصح قياسهما على الأذنين لأن (الأذنين من الرأس) وهما عضو واحد وكما أن الرجل إذا مسح على رأسه يمر بيديه عليه ويكون مسحه لجانب الرأس الأيمن والأيسر دفعة واحدة كذلك أيضا المسح على الأذنين يكون دفعة واحدة لأنهما من الرأس وأما الرجلان فإنهما عضوان كل عضو مستقل عن الآخر فيكون لكل عضو حكمه وقد (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله).
***
يقول السائل من لبس الجوربين على طهارة كاملة ثم أحدث ولبس جوربا آخر هل يمسح على الأعلى ثم الأسفل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا لبس جوربا على طهارة ثم لبس فوقه آخر على طهارة بمعنى أنه لبس الجورب لصلاة الفجر ثم عند صلاة المغرب وجد أنه محتاج إلى جورب آخر فتطهر لصلاة المغرب ومسح على الجورب الأول ثم لبس الجورب الثاني فوقه فإنه يمسح لصلاة العشاء على الجورب الأعلى ولا يمسح على الأسفل ولكن هذا المسح مبني على مسح الجورب الأول بمعنى أنه إذا تم يوم وليلة من مسحه على الجورب الأول انتهت مدة المسح إن كان مقيما وثلاثة أيام إن كان مسافرا ولا يحتسب المدة من مسحه على الجورب الأعلى لأن الجورب الأعلى فرع عن الجورب الأسفل وأما مسح الجوربين جميعا فليس بمشروع.
***

(118/27)

رجل مسح على خفيه أو على الجوارب ثم نسي بعد ذلك ونزعهما دون أن ينتقض وضوؤه فهل عليه غسل رجليه أم الوضوء كاملا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا مسح الإنسان على خفيه في الوقت المحدد شرعا وهو يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر فإذا مسح على الخف ثم نزعه بعد المسح عليه فإن طهارته لا تنتقض بل هو باق على طهارته وذلك لأن نقض الطهارة بخلع الخف يحتاج إلى دليل وليس في السنة بل ولا في القرآن أيضا ما يدل على أن خلع الخف ينقض الوضوء فإذا لم يكن هناك دليل على أن خلع الخف ينقض الوضوء فالأصل بقاء الطهارة لأن الطهارة ثبتت بمقتضى دليل شرعي فلا يمكن أن تنتقض إلا بدليل شرعي ولا دليل في المسألة ومع أن الذي علل به بعض الذين يقولون بأنه إذا خلع ما مسح عليه انتقض وضوؤه ما عللوا به من أن الممسوح عليه قد زال نقول الجواب عنه أن المسوح عليه كان مسحه فرعا عن غسل الرجل وكان مسحه يعتبر تطهيرا للرجل لأنه قام مقام الغسل فإذا كان فرعا عن طهارة غسل الرجل فإن الرجل مازالت باقية والحدث عنها قد ارتفع بمسح الخف الذي كان عليها وعلى هذا فلا تأثير لخلع الخف ثم إن هناك قياسا بينا فيما لو مسح الرجل رأسه ثم حلقه بعد مسحه فإن طهارته لا تنتقض مع أن الشعر الذي كان ممسوحا قد زال ومع ذلك فإن طهارته لا تنتقض ولا فرق بين هذا وهذا والقول بأن هذا أي مسح الرأس أصلى ومسح الخفين بدل لا تأثير له في الأمر لأن العلة الموجبة للنقض على قول من يقول به هي أن الممسوح قد زال وهو حاصل فيما إذا حلق رأسه بعد مسحه ومع ذلك فإننا لا نقول بانتقاض طهارته فيما إذا حلق رأسه بعد مسحه فكذلك لا نقول بانتقاض طهارته فيما إذا خلع خفه بعد مسحه.
فضيلة الشيخ: لكن إذا كان المسح فرعا من غسل الرجل وزال الفرع بانت الرجل وانكشفت؟

(118/28)

فأجاب رحمه الله تعالى: لكنها بانت بعد أن تمت الطهارة فإنه لما مسح تمت الطهارة الآن وتمام الطهارة معناه أنه لا يمكن أن يزول هذا التمام إلا بوجود دليل شرعي.
فضيلة الشيخ: إذا لو انشق الجورب مثلا بعد مسحه وبانت الرجل فلا شيء عليه في هذه الحالة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم.
فضيلة الشيخ: ولو مسح على الخف ثم صلى بالشراب لا بأس به أيضا أي مسح على الكندرة وخلعها وصلى بالشراب؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا مسح على الكندرة ثم خلعها فلا حرج عليه ولكنه في هذه الحال ما يمكن أن يعيد الكندرة إلا بعد غسل رجله لو أراد أن يتوضأ مرة ثانية وذلك لأن الإنسان إذا خلع الممسوح فإنه لا يمكن أن يعاد هذا الممسوح إلا على طهارة بالماء
فضيلة الشيخ: يعني لابد من نزع الشراب؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لابد من نزع الشراب ما دام أنه كان يمسح على الكنادر أما لو كان يمسح على الشراب من الأصل من أول مرة فلا حرج عليه فيما إذا خلع الكنادر أو أبقاها.
فضيلة الشيخ: هذه الظاهر أنها غير مفهومة كونه مثلا خلع الكندرة وعليه الشراب وقد مسح على الكندرة ثم صلى هذا الوقت بالشراب ثم جاء وقت آخر وقد لبس الكندرة على الشراب لأنه خرج من المسجد ثم مسح فهل له أن يمسح على الشراب بدون غسل الرجل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يمسح لا على الشراب ولا على الكندرة لأنا قلنا إنه إذا خلع الممسوح فإنه لا يمكن أن يعاد هذا الممسوح إلا على طهارة. طهارة بالماء فإذا كان كذلك فإنه يلزم من نزع الممسوح ألا يلبسه وإلا على طهارة بماء.
فضيلة الشيخ: إذا إذا كان المسلم يريد أن يبقي الشراب والكنادر على رجليه فعليه أن ينزع الكنادر ويمسح على الشراب باستمرار؟
فأجاب رحمه الله تعالى: من أول الأمر.
***
أحسن الله إليكم أبو عوضة من عسير يقول إذا لبست الخفين ثم خلعتهما عند النوم وعند الفجر لبستهما ومسحت عليهما ومدة المسح عليهما لم تنته فهل هذا جائز؟

(118/29)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا ليس بجائز لأن الإنسان إذا مسح الخف ثم خلعه بعد مسحه فإنه لا يعيد المسح عليه إلا بعد أن يتوضأ وضوءا كاملا يغسل فيه رجليه ثم يلبس الخف من جديد وعلى هذا فمن كان يعتاد أن يخلع خفه عند النوم أو عند دخول المسجد أو عند دخول المجالس فإنه يمسح على الجورب الذي تحته حتى يكون في سعه.
***
السائل محمد أحمد مصري ومقيم بالرياض يقول إذا تطهر الرجل ثم لبس الجوارب ثم أحدث ثم توضأ مرة أخرى ومسح على الجوارب ثم خلع الجورب ولبسه مرة أخرى فهل يصلى بذلك الوضوء أي الثاني وكذلك هل يمسح على الجورب إذا أراد الطهارة لصلاة أخرى؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا لبس الإنسان الجورب ثم أحدث ومسحه تمت طهارته فإذا خلعه بعد المسح فهو باق على طهارته يصلى ما شاء حتى ينتقض وضوؤه فإذا أنتقض وضوؤه فإنه لا يحل له أن يلبس الجورب مرة ثانية إلا بعد الوضوء وضوءا كاملا يغسل فيه القدمين وأعطي السائل والمستمعين قاعدة مفيدة وهي أنه متى خلع ما مسحه من جورب أو خف فإنه لا يعيده مرة أخرى إلا بعد أن يتوضأ وضوءا كاملا يغسل فيه القدمين وعلى هذا نقول إذا خلع الجورب الذي مسحه أو الخف الذي مسحه وهو على طهارة فإنه يبقى على طهارته ولا تبطل الطهارة بهذا الخلع لكن يبطل المسح بمعنى أنه لا يمكن أن يعيده فيمسح عليه إلا بعد أن يتوضأ وضوءا كاملا يغسل فيه القدمين.
***
بارك الله فيكم يقول السائل لبست الجوارب وعند الوضوء نسيت هل لبستهما على طهارة أم لا فماذا علي؟

(118/30)

فأجاب رحمه الله تعالى: يجب عليك أن تخلعهما وأن تغسل قدميك وذلك لأن هذا شك في وجود الشرط والأصل عدم الوجود فلا يحل لك أن تمسح على الجوارب وأنت في شك هل لبستهما على طهارة أم لا، والمسح على الخفين جائز بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أما في كتاب الله ففي قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) على قراءة الجر لأن في قوله (وأرجلكم) قراءتين قراءة بالنصب (وأرجلكم) فتكون معطوفة على قوله (وجوهكم) وتكون حينئذ مغسولة وقراءة بالجر (وأرجلكم) وحينئذ تكون معطوفة على قوله (برءوسكم) فتكون ممسوحة وقد بينت السنة متى يكون مسح الرجل ومتى يكون غسلها فيكون غسلها إذا كانت مكشوفة ويكون مسحها إذا كانت مستورة بالجوارب أو الخفين والسنة قد تواترت بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله وممن روى ذلك عنه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد قال بعض العلماء بيتين يعد فيهما بعض ما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم من السنة فقال:
مما تواتر حديث من كذب ..... ومن بنى لله بيتا واحتسب
ورؤية شفاعة والحوض ..... ومسح خفين وهذي بعض
قال الإمام أحمد رحمه الله (ليس في قلبي من المسح شيء فيه أربعون حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه) ولكن لا بد لجواز المسح من شروط:
الشرط الأول: أن يلبسهما على طهارة لقول المغيرة بن شعبة رضي الله عنه (كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فتوضأ فأهويت لأنزع خفيه فقال دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين ثم مسح عليهما) فلو لبسهما على غير طهارة فإنه لا يجوز المسح عليهما.

(118/31)

والشرط الثاني: أن يكون المسح في المدة المحددة وهي يوم و ليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر وتبتدئ هذه المدة من أول مرة مسح بعد الحدث ولا تبتدئ من اللبس ولا من الحدث بعد اللبس حتى يمسح لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقت المسح فقال (يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام) يعني في مسح الخفين ولا يتحقق المسح إلا بفعله وعلى هذا فلو أن أحدا توضأ لصلاة الفجر ولبس الخفين أو الجوربين ثم أحدث قبل الظهر بساعتين ولم يتوضأ ثم توضأ لصلاة الظهر فإن ابتداء المدة من الوضوء لا من الحدث الذي قبل الظهر بساعتين ولو قدر أنه توضأ لصلاة الفجر ولبس خفيه أو جوربيه وبقي على طهارته إلى صلاة العشاء ثم نام ولم يتوضأ ثم قام لصلاة الفجر من اليوم الثاني ومسح فإن ابتداء المدة يكون من فجر اليوم الثاني. والقاعدة في هذا أن المدة التي تسبق المسح أول مرة لا تحسب من المدة وبهذا نعرف أن ما اشتهر عند العامة من تقييد المدة بخمس صلوات ليس مبنيا على أصل صحيح لأن المثال الثاني الذي ذكرناه قد مضى على هذا الرجل اللابس أربع صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء وكلها لا تحسب من المدة وسيكون ابتداء المدة من المسح لصلاة الفجر من اليوم الثاني.
أما الشرط الثالث: فهو أن يكون المسح في الحدث الأصغر أي في الوضوء لا في الغسل من الجنابة أو غيرها من موجبات الغسل ودليل ذلك حديث صفوان بن عسال رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم (أمرهم أن يمسحوا يوما وليلة للمقيم وثلاثة أيام للمسافر وألا ينزعوا خفافهم إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم).

(118/32)

الشرط الرابع: طهارة الخف أو الجورب فلو لبس خفا مصنوعا من شيء نجس كجلد الحيوان النجس فإنه لا يمسح عليه هذه الشروط الأربعة التي لا بد من تحققها لجواز المسح على الخف أو الجورب. وأما الخروق التي تكون في الجورب فإنها لا تضر مادام اسم الجورب باقيا وذلك لأنه لا دليل على اشتراط ذلك ولأن السلامة منها قد تكون نادرة أو قليلة ولأن كل شرط يضاف إلى عمل من الأعمال فإنه يضيقه ويقيده وما كان كذلك فإنه لا بد فيه من دليل عن الشارع وليس هناك دليل يدل على اشتراط ألا يكون الجورب أو الخف مخرقا وإذا لم يدل دليل على ذلك فإن الواجب إطلاق ما أطلقه الله ورسوله لئلا نضيق على عباد الله فيما يسره الله لهم وإذا تمت مدة المسح فإنه لا يجوز للإنسان أن يمسح بعد تمامها فإن مسح ولو ناسيا فإن وضوءه لا يصح لأنه مسح على وجه ليس عليه أمر الله ورسوله وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) ولكن طهارته التي تمت قبل انقضاء المدة تبقى كما هي ولا تنتقض بانتهاء المدة مادام لم يحدث بعد انتهاء المدة فيصلى بطهارته ما شاء من فروض ونوافل ويفعل جميع ما يفعله من كان على طهارة لأن الطهارة التي سبقت انتهاء المدة تمت على وجه شرعي وما تم على وجه شرعي فإنه لا يجوز نقضه أو إفساده إلا بدليل شرعي وبناء على هذه القاعدة يتبين أيضا أن الإنسان لو مسح على الجورب في أثناء المدة ثم خلعه فإن طهارته لا تنتقض أيضا بل يبقى على طهارته حتى يحدث وإذا أحدث فلا بد من غسل رجليه مع وضوئه وذلك لأن هذا الذي خلع ما مسحه من الجوربين أو الخفين قد تمت طهارته قبل الخلع بمقتضى الدليل الشرعي وما تم بمقتضى الدليل الشرعي فإنه لا يجوز إفساده أو إبطاله إلا بدليل شرعي.
***
يقول السائل لي عم موظف ودائما أنا معه في خصام لأنه أحيانا يمسح على ناصيته وعلى الغترة لأنه لابس العقال عليها ولا يدخل يده تحت الطاقية فهل هو على حق أم لا؟

(118/33)

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس على حق بل الواجب عليه مسح الرأس لقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم) وكان النبي عليه الصلاة والسلام (يمسح على جميع رأسه من مقدمه إلى قفاه ثم يرد يديه) ولكنه عليه الصلاة والسلام إذا كان عليه عمامة مسح على ناصيته وعمامته ولا يدخل يده من تحت العمامة لأن العمامة كما هو معروف ليات متعددة يلويها الإنسان على رأسه ففي حلها نوع من المشقة بخلاف العقال والغترة والطاقية فإنه ليس فيها شيء من المشقة فيما لو أدخل يده ومسح على رأسه وعلى هذا فلا يقاس العقال والغترة والطاقية على العمامة التي كان الرسول عليه الصلاة والسلام يمسح عليها لما بينهما من الفرق نعم يقاس عليها بعض القبوعة والقبوعة يلبسها الناس في أيام الشتاء تكون شاملة للرأس كله ولها طوق من تحت الحنك فهذه فيها مشقة في نزعها ثم في نزعها في البرد بعد دفء الرأس بها غالبا ما يكون عرضة للتأثر لذلك يجوز أن يمسح الإنسان على هذه القبوعة لما فيها من المشقة مشقة النزع والتعرض للمرض بخلعها في حال الدفء ثم يهب بها الهواء فيتأثر.
فضيلة الشيخ: في كثير من الدول الإسلامية وبالأخص السودان يعملون عمامة قريبة أو شبيهه بعمامة الرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا يلفونها لفا على الرأس وتزيد على المترين طولها فيجوز لهم أن يمسحوا عليها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز لهم أن يمسحوا عليها بلا شك.
***
أحسن الله إليكم أم معاذ من الرياض تسأل وتقول عن الوضوء عند المسح على الشعر إذا كان عليه حناء هل يجوز ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز أن تمسح المرأة على رأسها ولو كان مغطى بالحناء لأن (النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أحرم بالحج لبد رأسه) ومن المعلوم أنه يتوضأ ويمسح عليه.
***

(118/34)

بارك الله فيكم ما حكم المسح على الجبيرة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المسح على الجبيرة جائز على القول الراجح والجبيرة هي ما يوضع على الكسر أو على الجرح أو نحوه من لفائف ولكن يجب أن نعلم أن الجبيرة لا يجوز أن تتعدى موضع الحاجة وهي ما يحتاج فيه إلى شدها ولو تجاوز محل الألم أو الكسر المهم أن يقال إن الجبيرة في حاجة إلى هذه اللفافة وتختلف الجبيرة عن المسح على الخفين:
بأن مسحها ضرورة يعني لا يجوز إلا للضرورة.
وأنه لا يشترط أن يلبسها على طهارة.
وأنه ليس لها مدة.
وأنه يجوز المسح عليها في الحدث الأصغر والأكبر.
وأن المسح يعم جميعها إذا كانت في محل ما يجب تطهيره فإن كانت في محل بعضه يجب تطهيره وبعضه لا يجب مثل أن تكون الجبيرة في المرفق ضافية على العضد والذراع فما كان في مكان التطهير فإنه يمسح عليه وما زاد عليه فإنه لا يمسح فلا فيجب المسح على الجبيرة جميعها أما في الخف أو الجورب فإنما يمسح أكثر ظاهره وكيفية مسحه أعني مسح الخف والجورب أن تبل يديك بالماء ثم تمرهما على ظاهر الخف أو الجورب من الأصابع إلى الساق ولا يمسح أسفله ولا يمسح عقبه فعن علي رضي الله عنه أنه قال (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح أعلى الخف) وقوله رضي الله عنه (لو كان الدين بالرأي) يعني بالرأي المجرد بدون نظر وتأمل وإلا فإن الإنسان إذا نظر وتأمل في المسح على الخف أو الجورب وجد أن أعلاه أولى بالمسح لأن أسفله يلاقي الأرض ويحمل معه أوساخا فلو مسح لكان في ذلك زيادة تلويث لأن المسح ليس كالغسل يزيل الأذى والوسخ ولكنه عبادة يفعله الإنسان تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يستفيد من مسح أسفل الخف ما يستفيده من مسح أعلاه ولهذا كان الدين موافقا للعقل تماما في أن أعلى الخف أولى بالمسح من أسفله.
***

(118/35)

السائل سوداني ومقيم في جدة يقول في هذا السؤال تعرضت لحرق نار على إصبعي وأنا متوضئ فوضعت عليه اللصقة لصقة جروح ثم توضأت لباقي الصلوات ولمدة خمسة أيام تقريبا وأنا أمسح على اللصقة فقط دون أن يلامس الماء الجرح فهل فعلي صحيح أفيدوني مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الفعل صحيح وذلك أن الإنسان إذا كان على يده لصقة على جرح أو جبس على كسر أو ما أشبهه فإنه يمسح عليه كله حتى يبرأ ولا يشترط أن يلبس ذلك على طهارة لأنه لا دليل على اشتراط لبسه على طهارة بخلاف الجوارب والخفين فإنه لا يمسح عليهما إلا إذا لبسهما على طهارة.
***

(118/36)

باب نواقض الوضوء
المستمع م. ز. خ. من العراق الموصل بعث يقول ما هي نواقض الوضوء التي لو حصل للمتوضئ شيء منها بطل وضوؤه وهل كشف العورة من فوق الركبة من نواقض الوضوء بمعنى لو انكشفت عورة إنسان فوق ركبتيه فهل يلزمه إعادة الوضوء وهل الاستحمام للجسد كله يكفي عن الوضوء أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال تضمن ثلاثة أسئلة في الواقع ونذكرها لا على التفصيل،
أولا: يقول هل الاستحمام يكفي عن الوضوء؟ نقول الاستحمام إن كان عن جنابة فإنه يكفي عن الوضوء لقوله تعالى (وإن كنتم جنبا فاطهروا) فإذا كان على الإنسان جنابة وانغمس في بركة أو في نهر أو ما أشبه ذلك ونوى في ذلك رفع الجنابة فإنه يرتفع الحدث عنه الأصغر والأكبر لأن الله تعالى لم يوجب عند الجنابة سوى أن نطهر أي أن نعم جميع البدن بالماء غسلا وإن كان الأفضل للمغتسل عن الجنابة أن يتوضأ أولا حيث كان النبي عليه الصلاة والسلام (يغسل فرجه بعد أن يغسل كفيه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يفيض الماء على رأسه فإذا ظن أنه أروى بشرته أفاض عليه ثلاث مرات ثم يغسل باقي جسده) أما إذا كان الاستحمام للتنظف أو التبرد فإنه لا يكفي عن الوضوء لأن ذلك ليس من العبادة وإنما هو من الأمور العادية وإن كان الشرع يأمر بالنظافة لكن النظافة لا على هذا الوجه بل النظافة مطلقا بأي شيء يحصل به التنظيف وعلى كل حال إذا كان الاستحمام للتبرد أو للنظافة فإنه لا يجزئ عن الوضوء.
المسألة الثانية: التي تضمنها السؤال كشف العورة هل ينقض الوضوء؟ والجواب أنه لا ينقض الوضوء حتى لو نظر إليه أحد فإنه لا ينتقض وضوؤه لا هو ولا الناظر وإن كان عند العامة أو عند بعض العامة أن النظر إلى العورة ناقض للوضوء أو أن كشفها ناقض للوضوء فهذا لا أصل له.
أما المسألة الثالثة فهي نواقض الوضوء فنقول نواقض الوضوء مما حصل فيه خلاف بين أهل العلم لكن نذكر ما يكون ناقضا بمقتضى الدليل:

(119/1)

فمن نواقض الوضوء الخارج من السبيلين أي الخارج من القبل أو الدبر فكل ما خرج من القبل أو الدبر فإنه ناقض للوضوء سواء كان بولا أو غائطا أم مذيا أم منيا أم ريحا كل شيء يخرج من القبل أو الدبر فإنه ناقض الوضوء لكن إذا كان منيا وخرج بشهوة فمن المعلوم أنه يوجب الغسل وإذا كان مذيا فإنه يوجب غسل الذكر والأنثيين مع الوضوء أيضا
ومما ينقض الوضوء أيضا النوم إذا كان كثيرا بحيث لا يشعر النائم لو أحدث أما إذا كان النوم يسيرا يشعر النائم بنفسه لو أحدث فإنه لا ينقض الوضوء ولا فرق في ذلك بين أن يكون نائما مضطجعا أو قاعدا معتمدا أو قاعدا غير معتمد والمهم هو حالة حضور قلبه فإذا كانت هذه الحال بحيث لو أحدث أحس بنفسه فإن وضوءه لا ينتقض وإذا كان في حال لو أحدث لم يحس بنفسه فإنه يجب عليه الوضوء وذلك لأن النوم نفسه ليس بناقض وإنما هو مظنة الحدث فإذا كان الحدث منتفيا لكون الإنسان يشعر به لو حصل منه فإنه لا ينتقض الوضوء والدليل على أن النوم بنفسه ليس بناقض أن يسيره لا ينقض الوضوء ولو كان ناقضا لنقض يسيره وكثيره كما ينقض البول يسيره وكثيره.

(119/2)

ومن نواقض الوضوء أيضا أكل لحم الجزور أي الناقة أو الجمل فإذا أكل الإنسان لحما من لحم جزور الناقة أو الجمل فإنه ينتقض وضوؤه سواء كان نيئا أم مطبوخا لأنه ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث جابر بن سمرة (أنه سئل عليه الصلاة والسلام أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال إن شيءت قال أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال نعم) فكونه يجعل الوضوء من لحم الغنم راجعا إلى مشيئة الإنسان دليل على أن الوضوء من لحم الإبل ليس براجع إلى مشيئته وأنه لابد منه وعلى هذا فيجب الوضوء من لحم الإبل إذا أكله الإنسان نيئا كان أم مطبوخا ولا فرق بين اللحم الأحمر واللحم غير الأحمر فينقض الوضوء أكل الكرش والأمعاء والكبد والقلب والشحم كل شيء داخل في حكم اللحم فإنه ينقض الوضوء وجميع أجزاء البعير ناقض لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفصل وهو يعلم أن الناس يأكلون من هذا ومن هذا ولو كان الحكم يختلف لكان النبي عليه الصلاة والسلام يبينه للناس حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم ثم إننا لا نعلم في الشريعة الإسلامية حيوانا يختلف حكمه بالنسبة لأجزائه فهو أعني الحيوان إما حلال أو حرام وإما موجب للوضوء أو غير موجب وأما أن يكون بعضه له حكم وبعضه له حكم آخر فهذا لا يعرف في الشريعة الإسلامية وإن كان معروفا في شريعة اليهود كما قال الله تعالى (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم) ولهذا أجمع العلماء على أن شحم الخنزير محرم مع أن الله تعالى لم يذكر في القرآن إلا اللحم فقال (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به) ولا أعلم خلافا بين أهل العلم في أن الشحم - أي شحم الخنزير - محرم وعلى هذا فنقول اللحم

(119/3)

المذكور في الحديث بالنسبة للإبل يدخل فيه الشحم ويدخل فيه الأمعاء والكرش ولأن الوضوء من هذه الأجزاء أحوط وأبرأ للذمة فإن الإنسان لو أكل من هذه الأجزاء من الكبد أو الأمعاء أو الكرش لو توضأ وصلى فصلاته صحيحة لكن لو لم يتوضأ وصلى فصلاته باطلة عند كثير من أهل العلم وعلى هذا فيكون أحوط وما كان أحوط فإنه أولى لأنه أبرأ للذمة وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) .
***
من الظهران المستمع ح. س. س. يقول من المعروف أن من نواقض الوضوء الحدث الأصغر والسؤال هو إذا أحدث رجل هل عليه الوضوء فقط أم الوضوء والاستنجاء معا وإذا أراد الصلاة أو قراءة القرآن ما الحكم في ذلك نرجو الإفادة وما الحكم فيمن يعاني من هذه الغازات إذ أنها تشكل عليه أثناء كل صلاة؟

(119/4)

فأجاب رحمه الله تعالى: الحدث الأصغر هو كل ما يوجب وضوءا وينقسم إلى أقسام فإن كان الحدث ببول أو غائط وجب فيه الاستنجاء والوضوء وإن كان بغيرهما لم يجب فيه الاستنجاء لأن الاستنجاء إنما يجب لإزالة النجاسة ولا نجاسة إلا في البول والغائط فعلى هذا إذا خرجت الريح من شخص وهو متوضئ فما عليه إلا الوضوء وهو غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين وليس عليه استنجاء لأنه لم يوجد سبب يقتضيه وأما ما يظنه بعض العامة من وجوب الاستنجاء قبل كل وضوء فهذا لا أصل له وأما ما ذكر السائل من الغازات التي تحدث له أثناء صلاته فإن هذه الغازات لا تؤثر شيئا إذا لم تخرج لأن (النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يجد الشيء في الصلاة؟ فقال عليه الصلاة والسلام لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) يعني حتى يتيقن ذلك تيقنا محسوسا إما بسماع الصوت أو بشم الرائحة وأما مجرد الوهم الذي يحصل من الغازات في البطن فإن ذلك لا يؤثر وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده أنه لا يرتفع اليقين إلا بيقين فالطهارة المتيقنة لا ترتفع إلا بحدث متيقن وذلك لأن وجود الوضوء بيقين لا يرفعه إلا يقين وكذلك لو شك الإنسان في حدوث حدث دلت عليه النصوص ولم يتيقن أنه حدث معه فإنه لا وضوء عليه وخلاصة الجواب أن نقول من انتقض وضوؤه ببول أو غائط وجب عليه الاستنجاء والوضوء ومن انتقض وضوؤه بحدث غير البول أو الغائط فليس عليه إلا الوضوء فقط وأن من شك وهو في الصلاة أو خارج الصلاة بانتقاض وضوئه لوجود غازات في بطنه فإنه لا شيء عليه ولا يلزمه الوضوء حتى يتيقن.
***
يقول السائل إذا شرعت في الوضوء أحس بوجود ريح فإذا توقفت عن الوضوء لإخراج الريح أحيانا لا يخرج فهل إذا نويت إبطال الوضوء يبطل الوضوء بالنية أم لا بد من الحدث حقيقة أرجو الإفادة؟

(119/5)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا نوى قطع الوضوء فإن وضوءه ينقطع وعليه أن يبتدئه من جديد أما إذا نوى أن يحدث ولكنه لم يحدث فإن هذا نوى فعل محظور فإذا لم يفعل هذا المحظور بقي على ما كان عليه كما لو أن أحدا يصلى فقرع عليه الباب فهم أن يكلمه ثم عاد من هذا الهم واستمر في صلاته فإنه لا بأس بذلك ولهذا قال العلماء في ضابط هذه المسألة إذا نوى قطع العبادة انقطعت لا إن عزم على فعل محظور فلم يفعله فإنها لا تبطل إلا بفعل هذا المحظور فهذا الرجل الذي عزم على أن يحدث ولم يفعل يبقى على نية الوضوء ويستمر في تكميل وضوؤه فأما إذا نوى قطعه فإنه ينقطع وعليه أن يعيده من جديد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى).
***
السائل عبد الله أبو عمرو من الرمثة الأردن يقول فضيلة الشيخ حفظكم الله أنا أعاني من مشكلة تسبب لي الهم وهي أنني وبعد الخروج من الخلاء دورة المياه أجلكم الله أشعر وأحس بنزول قطرات من البول في أثناء الوضوء أو في الصلاة أو قبل ذلك أو بعد ذلك وتستمر إلى نصف ساعة ثم تنقطع هذه القطرات وتجف تماما وأنا مريض بهذا المرض منذ سنوات وقد تعالجت ولكن لم ينفع العلاج وسؤالي يا فضيلة الشيخ هل وضوئي وصلاتي صحيحة أم علي أن أنتظر حتى تجف القطرات علما بأنها تجف وتنقطع بعد نصف ساعة ولكن هذا الانتظار يشق علي ويسبب لي الحرج في بعض المرات؟

(119/6)

فأجاب رحمه الله تعالى: أولا ينبغي أن نسأل عن السبب الذي يوجب مثل هذا المرض فمن أسبابه أن بعض الناس إذا فرغ من بوله جعل يعصر ذكره وربما أمر يده من أصل الذكر على قنوات البول زعما منه أن ذلك يؤدي إلى فراغ هذه القنوات من البول وهذا يوجب استرخاء هذه العضلات وربما تتمزق فيحصل بذلك ضرر على الإنسان ولهذا كان الذين يفعلون هذا الشيء يسرع إليهم هذا السلس الذي أشار إليه هذا السائل ومما يسبب ذلك أيضا أن بعض الناس يتوهم أنه خرج منه شيء ويلقي الشيطان في قلبه أنه خرج شيء فيذهب يفتش في ذكره ويعصر رأس الذكر وهذا خطأ وعلاج هذين السببين أما الأول فعلاجه أن يكف عنه وألا يعصر الذكر وإذا انتهى البول غسل رأس الذكر وانتهى كل شيء وأما الثاني وهو الشك هل نزل شيء أم لا فدواؤه ما ثبت (عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الرجل يجد في بطنه شيئا فيشكل عليه أخرج منه شيء أم لا فقال عليه الصلاة والسلام لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) وهذا دواء ناجع بإذن الله لأنه وصفة من طبيب هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(119/7)

ثانيا مما يتعلق بالجواب على هذا السؤال أن أهل العلم يقولون إن صاحب السلس إذا كان له عادة أن ينقطع سلسه بعد ربع ساعة أو نصف ساعة أو في زمن يتسع للصلاة قبل خروج وقتها فإنه ينتظر حتى ينقطع فإذا انقطع استنجى ثم توضأ وصلى وعلى هذا فنقول للأخ احرص على أن يكون بولك قبل دخول وقت الصلاة بزمن ينقطع فيه هذا البول في أول الوقت حتى تدرك صلاة الجماعة وهذا وإن حصل فيه مشقة على الإنسان فإن الأجر على قدر المشقة لن تضيع هذه المشقة سدى لأنها مشقة من أجل إقامة عبادة الله عز وجل ومتى حصلت المشقة من أجل إقامة العبادة فإنه يؤجر الإنسان عليها كما جاء في الحديث (أجرك على قدر نصبك) فليستعن هذا السائل بالله عز وجل ويصبر على ما يحصل له من المشقة ويسأل الله المثوبة والعافية ونحن نسأل الله له العافية والشفاء إنه على كل شيء قدير.
***
أثابكم الله فضيلة الشيخ هذا فلاح حسن الحمداني من نينوى العراق يقول السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سلامي وتحياتي إلى علمائنا الأفاضل وإلى أسرة برنامج نور على الدرب إنني أسأل يا فضيلة الشيخ عن الطريقة الصحيحة في الوضوء والأقوال والكلمات الواجب ذكرها وهل تعتبر بعض القطرات من البول أعزكم الله وإخواني المسلمين التي تلامس الملابس بعد الخروج من دورة المياه ناقضة للوضوء مع العلم أنني أبقى لفترة طويلة في الدورة حتى لا تتكرر العملية عندي ولكن ما العمل أرشدوني بارك الله فيكم؟

(119/8)

فأجاب رحمه الله تعالى: الوضوء هو غسل الوجه ومنه المضمضة والاستنشاق وغسل اليدين إلى المرفقين من أطراف الأصابع إلى المرفقين ومسح الرأس ومنه الأذنان وغسل الرجلين من أطراف الأصابع إلى الكعبين وليس فيه قول واجب إلا التسمية فإن العلماء اختلفوا في وجوبها، فمنهم من قال: إنها واجبة لأنه صح عنده قول الرسول عليه الصلاة والسلام (لا وضوء لمن لا يذكر اسم الله عليه) ومنهم من قال إنها سنة لأنه لم يثبت عنده قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا وضوء لمن لا يذكر اسم الله عليه) ولأن الواصفين لوضوء النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكروا أنه كان يسمي أما الذكر بعد الوضوء وهو قول المتوضئ إذا فرغ من وضوئه (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين و اجعلني من المتطهرين) فليس بواجب وأما ما ذكر من كونه يذكر الله عند غسل وجهه وعند غسل يديه وعند مسح رأسه وعند غسل رجليه فإن هذا لا أصل له ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم الذكر عند كل عضو من أعضاء الوضوء، وأما ما ذكره السائل عن نفسه من كونه إذا بال ثم استنجى خرج منه قطرات من البول بعد أن يخرج من محل نقض الوضوء فإن هذه القطرات لا تخلو من إحدى حالين إما أن تكون مستمرة بحيث لا يحصل فيها توقف فهذه لها حكم سلسل البول أي أن الإنسان إذا توضأ تحفظ بقدر ما يستطيع بعد أن يغسل فرجه ثم توضأ وضوءه للصلاة ثم صلى ولا يتوضأ للصلاة قبل دخول وقتها، هذا إذا كانت هذه القطرات مستمرة لا تتوقف، أما إذا كانت تتوقف ولكنها تحصل بعد البول بنحو ربع ساعة أو ما أشبه ذلك فإنه ينتظر حتى تتوقف فإن خرجت بعد هذا انتقض وضوؤه لأن ما خرج من السبيلين ناقض للوضوء بكل حال.
فضيلة الشيخ: هل يستطيع بهذا الوضوء وبعد صلاة الفرض إلى صلاة الفرض التالية أن يقرأ القرآن وأن يمسك بالمصحف ويصلى نوافل وغير ذلك؟

(119/9)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يستطيع هذا ما دمنا قلنا إنه ينتظر حتى ينقطع البول ثم يتوضأ فوضوءه باق حتى يحدث.
***
السائل شهاب أحمد يقول في هذا السؤال بعد أن يتوضأ الإنسان ويكمل الوضوء تخرج منه بعض قطرات من البول فما الحكم في ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحكم في هذا أنه إذا تأكد يقينا أنه خرج البول فعليه أن يغسل ما أصابه من البول أو أصاب بدنه وأن يستنجي الاستنجاء الشرعي وأن يعيد الوضوء لكن يجب أن يعلم أن هذا قد يكون وسواسا ووهما لا حقيقة له فلا يلتفت إلى ذلك وليتله عنه وليعرض عنه وليشتغل بما سواه ويتناس هذا الأمر مع الاستعاذة بالله عز وجل وحينئذ يرفع الله عنه هذه الوساوس لكن نحن نجيب على أن الأمر متيقن والحكم كما ذكرنا أنه يستنجي ويغسل ما أصاب ثوبه أو بدنه من النجاسة ويتوضأ.
***
أحسن الله إليكم يقول هذا السائل عندما أتبول وأستنجي بالماء أحس بقطرات تخرج مني وهذا مما يضايقني عند أداء الصلوات وهذه القطرات تستمر لفترة هل الماء يقطع الشك باليقين أفتونا في هذا السؤال علما بأنني سئمت وضاق صدري بسبب هذا أرجو منكم الإجابة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: السائل يقول أحس بقطرات ومجرد الإحساس ليس بشيء ولا ينبغي أن يلتفت إليه بل يتلهى عنه ويعرض أما إذا تيقن أنه يخرج شيء فنعم لا بد أن يغسل ما أصاب ثوبه أو بدنه من هذا البول وأن يعيد الوضوء ما لم يكن حدثه دائما - أي باستمرار - يخرج منه البول فهذا له شأن آخر فنقول له إذا أردت أن تصلى فاغسل الذكر وما أصابه البول ثم صل ولو خرج بعد ذلك فإنه لا يضر ولكن ينبغي له أن يتحفظ بقدر المستطاع.
***

(119/10)

هذه الرسالة وردتنا من طالب في متوسطة ابن هشام بالرياض ورمز إلى اسمه بحرف ي ع ع ح يقول في رسالته أنا عندما أتبول لا ينزل جميع البول وإنما يبقى منه قليلا وأحاول إنزاله ولكن لا أستطيع وبعد ذلك أتوضأ للصلاة وأنا في الطريق إلى المسجد أو في الصلاة أحس أن الباقي قد نزل فأذهب إلى البيت وأغسل مكان النجاسة فهل تصح صلاتي وما هو الحكم والحل في هذه الحالة وفقكم الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحل في هذه الحالة أن تراجع الطبيب المختص في المسالك البولية لعلك تجد عنده ما يشفي الله به هذا المرض وأما بالنسبة لحكم الشرع في ذلك فإنه ينبغي لك أن تتقدم قبل أن يحين فعل الصلاة فتتبول وتبقى على بولك حتى يخرج جميع البول فإذا غلب على ظنك أنه خرج جميع البول فقمت بعد الاستنجاء وتوضأت ثم خرجت إلى المسجد وأحسست بأنه نزل فإن لم تتيقن أنه خرج فلا شيء عليك وإن تيقنت أنه خرج فقد انتقض وضوؤك وعليك أن ترجع إلى البيت وتغسل ثيابك وما لوثك من البول وتعيد الوضوء لتصلى صلاة صحيحة.
***
السائل أ. ع. م. يقول إنني أبلغ من العمر عشرين سنة وقد هداني الله لأداء الواجبات والحقيقة أنني أعاني من مشكلة وهي بعد ما أنتهي من قضاء البول أعزكم الله وأغسل الأثر وبعدما ألبس وأقوم يسقط على الثياب قليل منه دون قصد مني وإذا كنت في الصلاة وقمت من السجود يسقط أيضا دون قصد مني أرجو أن توضحوا لي هل تصح صلاتي وماذا أفعل هل أغسل الثياب الداخلية كلما سقط عليها؟

(119/11)

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب إذا كان هذا الخارج الذي يخرج من ذكرك يخرج دائما باستمرار فإن حكمه حكم سلسل البول وحكم سلسل البول أن الإنسان (*لا يتوضأ للصلاة حتى يدخل وقتها) إن كانت ذات وقت أو حتى يوجد سببها إن كانت ذات سبب وكيفية الوضوء لها أن يغسل فرجه وما لوثه ثم يتحفظ بحفاظة عصابة يضعها على المحل لئلا ينتشر الخارج إذا خرج إلى الثياب والسراويل ثم بعد ذلك يتوضأ ولا يضره ما خرج بعد هذا وهذا إذا كان الخارج باستمرار أما إذا كان الخارج إنما يخرج في زمن قليل بعد انقضاء البول ثم بعد ذلك يمسك فإنه ينتظر حتى يخلص هذا الخارج ثم بعد ذلك يغسل ما أصابه و يتوضأ كالمعتاد.
(*
هذا رأي الشيخ في القديم وقد تراجع عنه انظر فتوى = 197 ، 198 ، 199 )
***
كيف يصلى المصاب بسلس البول وكيف يطمئن على صحة وضوئه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: سلس البول هو استمرار خروجه بدون إرادة من الإنسان وهو من الأمراض التي قد تعالج ويشفي الله المريض منها ولهذا ننصح من حصل له ذلك أن يعرض نفسه على الطبيب أولا وقبل كل شيء فلعل الله سبحانه وتعالى أن يجعل في ذلك شفاء ورحمة أما بالنسبة لوضوئه فوضوئه صحيح حتى ولو خرج منه شيء أثناء الوضوء أو بعده ذلك لأنه لا طاقة له في منع هذا الخارج وقد قال الله تبارك وتعالى (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) وقال تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وقال تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) لكن أهل العلم رحمهم الله قالوا (*إنه يجب عليه أن يتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها) فإذا توضأ بعد دخول الوقت صلى ما شاء من فروض ونوافل إلى أن يخرج الوقت ويجب عليه في هذه الحال أن يتحفظ بأن يضع شيئا على ذكره ليقلل انتشار البول إلى ملابسه وبدنه نسأل الله لإخواننا السلامة والعافية.
(*
هذا رأي الشيخ في القديم وقد تراجع عنه انظر فتوى = 197 ، 198 ، 199 )
***

(119/12)

ما رأي فضيلتكم في رؤية نقطة أو نقطتين من الماء الأبيض الرقيق تنزل قبل نزول البول عندما تكون كمية قليلة وأحيانا أخرى تكون هذه الرؤية بعد الاستيقاظ من النوم دون تذكر أي رؤيا في أثناء النوم وأيضا بدون ظهور أي شيء على الملابس الداخلية وهل لون الملابس له دخل في الحلم بل أحيانا تكون الرؤية بعد أداء أكثر من فرض بوضوء واحد وبدون الشعور بلذة أو نظر أدى إليها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يبدو لي أن هذا ليس ناتجا عن شهوة أو تذكر كما قاله في آخر السؤال وعلى هذا فإن هذا الماء الأبيض الرقيق لا يعتبر مذيا ولا منيا وإنما هي رواسب فيما يبدو في قنوات البول تنعقد على هذا الوجه وتخرج قبل البول وربما تخرج بعده أحيانا فعليه يكون حكمها حكم البول تماما بمعنى أنه يجب تطهيرها وتطهير ما أصابت ولا يجب أكثر من ذلك.
***
عندما أداعب زوجتي يخرج مني أشياء دون ما يخرج عادة من الجماع فهل يعتبر جنابة أو ناقضا للوضوء وفقكم الله
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الذي يخرج منك عند الملامسة والمداعبة وتكرار النظر لشهوة لا يعتبر منيا لأن المني هو الذي يخرج دفقا بلذة وهو غليظ ويحس الإنسان به عند خروجه إحساسا خاصا ولكن هذا السائل الذي يخرج أقرب ما يكون مذيا والمذي لا يوجب الغسل وإنما يوجب غسل الذكر والأنثيين فقط ثم الوضوء كغيره مما يخرج من السبيلين حيث يوجب الوضوء لكن المذي يوجب غسل الذكر والأنثيين وإن لم يصبهما ويوجب الوضوء أيضا وقد ذكر أهل العلم أن الذي يخرج من الذكر أربعة أنواع:
البول: وهو معروف.
والودي: وهو ماء أبيض يخرج عند انتهاء البول.
والمذي: وهو ماء لزج يخرج عقب الشهوة بدون أن يحس به الرجل.
والمني: وهو هذا الماء الدافق الذي يخرج بلذة وبإحساس مخصوص. وهذه الأنواع لكل واحد منها حكم.
أما البول والودي فهما نجسان يوجبان غسل ما أصابه شيء منهما ويوجبان الوضوء أيضا.

(119/13)

وأما المذي فإنه نجس لكن نجاسته خفيفة يجزئ فيه النضح فيما أصابه منه ينضح بالماء ويوجب غسل الذكر والأنثيين وإن لم يصبهما شيء منه ويوجب الوضوء.
وأما المني فإنه طاهر ويوجب الغسل لجميع البدن وقد (كانت عائشة رضي الله عنها تغسل رطب المني وتفرك يابسه من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم).
***
أحسن الله إليكم تقول هذه الأخت السائلة في فتوى لفضيلتكم حفظكم الله وسدد خطاكم ذكرتم بأن المرأة التي تنزل منها السوائل باستمرار يجب عليها الوضوء لكل صلاة وأنا أخجل أن أخبر بهذا الحكم لكل امرأة أصادفها علما بأنني لا أعلم هل هذه المرأة تنزل منها السوائل أم لا مع أنني أحاول في كثير من الأحيان إخبار النساء اللاتي أعرفهن؟

(119/14)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم المرأة التي تنزل منها السوائل دائما لا ينتقض وضوؤها إذا خرج هذا السائل لكنها على المشهور من مذهب الحنابلة رحمهم الله أنه يجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة يعني مثلا إذا دخل وقت الظهر تتوضأ لصلاة الظهر لكن بعض أهل العلم يقول لا يجب عليها أن تتوضأ إلا أن يوجد ناقض غير هذا السائل مثال ذلك امرأة توضأت الساعة الحادية عشرة صباحا والخارج يخرج منها باستمرار نقول وضوؤها صحيح تصلى ما شاءت فإذا دخل وقت الظهر وجب عليها الوضوء عند الحنابلة رحمهم الله وقال بعض العلماء إنه لا يجب عليها أن تتوضأ لصلاة الظهر لأنها قد توضأت من قبل وهذا الحدث دائم وهو لا ينقض الوضوء فإذا كان لا ينقض الوضوء فمن الذي قال إن دخول وقت الصلاة ينقض الوضوء؟ بل نقول إنها تصلى بالوضوء الذي قامت به الساعة الحادية عشرة إلا إن وجد ناقض آخر كخروج ريح من الدبر أو ما أشبه ذلك من نواقض الوضوء فهنا تتوضأ لوجود الناقض وهذا القول ليس بعيدا من الصواب وكنت فيما سبق أجزم بما عليه الفقهاء الحنابلة وأوجب الوضوء لكل صلاة وبعد الإطلاع على هذا القول الثاني وهو عدم الوضوء وقوة تعليله فإني أرجع عن كلامي الأول إلى الثاني وأقول ليس عليها الوضوء إلا أن يحصل حدث آخر غير هذا الخارج السائل فأرجو الله تعالى أن يكون فيما ذهبت إليه أخيرا صواب وموافقة لشريعة الله عز وجل.
***
امرأة تعاني من كثرة الإفرازات مما يعرضها للمتاعب من حيث كثرة الوضوء وخصوصا خارج المنزل هل يشرع لها أن تصلى الظهر والعصر بوضوء واحد والمغرب والعشاء بوضوء واحد وهل يشرع لها الجمع تقديما وتأخيرا مع القصر أو بدون سبب؟

(119/15)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الإفرازات التي تخرج من المرأة هي إفرازات طبيعية لكن بعض النساء تكون باستمرار وبعض النساء لا تستمر فإذا استمرت هذه الإفرازات مع المرأة فهي أولا طاهرة لأنه لا دليل على نجاستها والنساء قد ابتلين بهذا من عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم ينقل عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يأمرهن بغسل هذه الرطوبة.
ثانيا هي أيضا لا يجب الوضوء لها إذا توضأ الإنسان لأول مرة من حدث بقي على طهارته ولا حاجة إلى إعادة الوضوء عند كل صلاة إن توضأت فهو أفضل وإلا فليس عليها بواجب بل تبقى على طهارتها الأولى حتى تنتقض بناقض وعلى هذا لو توضأت لصلاة الظهر وبقيت على طهارتها ولم يحصل حدث آخر من غائط أو بول أو ريح أو أكل لحم الإبل أو ما أشبه ذلك فإنها تصلى العصر بدون وضوء لأن الوضوء لشيء لا ينقطع لا فائدة منه حتى لو توضأت فالشيء باق هذا هو القول الراجح الذي ترجح عندي أخيرا ولا يخفى ما فيه من اليسر على النساء ما دام لم يكن هناك نص صريح واضح في هذا الأمر وأما حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة فقد اختلف الحفاظ في ثبوت هذه اللفظة (توضيء لكل صلاة) عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم إن فيه احتمالا أن المعنى توضيء لكل صلاة بدون اغتسال - يعني - لا يجب عليك الغسل كما أوجب عليها الغسل إذا انتهت عادتها الطبيعية.
***
ما ينزل من المرأة من إفرازات هل يلزمها الوضوء أم أنها لا تتوضأ؟

(119/16)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان ذلك بصفة مستمرة فإنها تتوضأ وتبقى على طهارتها حتى تحدث بحدث آخر فمثلا إذا تطهرت هذه المرأة التي يخرج منها هذا السائل دائما لصلاة الظهر ولم تحدث ببول ولا غائط ولا ريح حتى دخل وقت العصر فإنها تصلى العصر بالطهارة الأولى لأن طهارتها لم تنتقض فالحدث الدائم لا ينقض الوضوء على القول الراجح وإنما ينتقض بناقض آخر وكذلك لو توقف هذا السائل المستمر ثم عاد فلا بد أن تتوضأ.
***
بارك الله فيكم فضيلة الشيخ المستمع غ. م. ج. الشمري من المنطقة الشرقية الجبيل يقول هل خروج الريح يبطل الوضوء وهل يكفي وضوء الأطراف فقط أم لا؟

(119/17)

فأجاب رحمه الله تعالى: خروج الريح من الدبر ينقض الوضوء لأن النبي صلى الله عليه وسلم (قال: إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) وهذا دليل على أن الريح تنقض الوضوء وهو كذلك فإذا تيقن الإنسان خروج الريح من دبره وجب عليه الوضوء ولكنه لا يجب عليه الاستنجاء الذي هو غسل الفرج لأنه لم يحصل شيء يلوث الفرج ويكفيه أن يغسل وجهه ويديه ويمسح رأسه ويغسل رجليه، وبهذه المناسبة أود أن أبين بأن الاستنجاء لا علاقة له بالوضوء فإن الاستنجاء يراد به تطهير المحل من النجاسة التي تلوث بها سواء توضأ الإنسان أو لم يتوضأ، وبناء على ذلك لو أن أحدا بال في أول النهار واستنجى ثم أذن الظهر وأراد أن يتوضأ للصلاة فإنه لا يحتاج إلى الاستنجاء مرة ثانية وإنما يكفيه أن يغسل وجهه ويديه ويمسح رأسه ويغسل رجليه، ومن المعلوم أن غسل الوجه يدخل فيه المضمضة والاستنشاق وأن مسح الرأس يدخل فيه الأذنان، وقد كان بعض العامة يظن أن الاستنجاء مرتبط بالوضوء حتى أنه إذا بال مثلا في أول النهار ثم أراد أن يتوضأ لصلاة الظهر أعاد الاستنجاء وإن كان لم يخرج منه شيء، وهذا لا أصل له، هذا جهل، فينبغي للإنسان أن يتعلم من أحكام دينه ما تقوم به شعائر الله.
***
السائل م م ح من المنطقة الشرقية يقول هل نقض الوضوء مثل خروج الريح أثناء الطواف يبطل الطواف ويلزمني الإحرام مرة ثانية وإن لم أتوضأ فهل علي ذنب وماذا أفعل؟

(119/18)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا انتقض وضوء الطائف في أثناء الطواف فإن طوافه يبطل عند جمهور العلماء كما لو أحدث في أثناء الصلاة فإن صلاته تبطل بالإجماع وعلى هذا فيجب عليه أن يخرج من الطواف ويتوضأ ثم يعيد الطواف من أوله لأن ما سبق الحدث بطل بالحدث ولا يلزمه أن يعيد الإحرام وإنما يعيد الطواف فقط وذهب شيخ الإسلام رحمه الله إلى أن الطائف إذا أحدث في طوافه أو طاف بغير وضوء فإن طوافه صحيح وعلى هذا فيستمر إذا أحدث في طوافه يستمر في الطواف ولا يلزمه أن يذهب فيتوضأ وعلل ذلك بأدلة من طالعها تبين له رجحان - قوله - رحمه الله ولكن إذا قلنا بهذا القول الذي اختاره شيخ الإسلام لقوة دليله ورجحانه فإنه إذا فرغ من طوافه لا يصلى ركعتي الطواف لأن ركعتي الطواف صلاة تشترط لها الطهارة بإجماع العلماء.
***
هذا السائل من جدة المملكة العربية السعودية يقول إنه شخص مصاب بالغازات ولكن هذه الغازات لا يصاحبها رائحة وإنما فقط في بعض الأحيان أصوات وأحيانا تكون هذه الأصوات خفيفة هل هذه الغازات تنقض الوضوء وتبطل الصلاة وإذا كان كذلك يا فضيلة الشيخ هل يلزمه الوضوء لكل صلاة إذا دخل وقتها أم يجوز له أن يتوضأ قبل وقت الصلاة؟

(119/19)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت هذه الغازات ملازمة له ولا يمكنه منعها فإن حكمها حكم سلس البول وعلى هذا فلا يتوضأ للصلاة (*إلا بعد دخول وقتها) وإذا توضأ فلا يضره ما خرج بعد ذلك لأنه بلا اختيار منه لكن لو توضأ قبل دخول وقت الصلاة ولم يخرج منه شيء وبقي حتى دخل وقت الصلاة وصلى فصلاته صحيحة لأن وضوءه الأول صحيح ولم يوجد له ناقض فيبقى على وضوئه ويصلى به الصلاة بعد دخول وقتها وأنا أنصح مثل هذا الأخ أقول اعرض نفسك على الأطباء و انظر ما هو الداء وما سببه قد يكون سببه اختلاف المآكل أو المشارب فإذا كان سببه اختلاف المآكل أو المشارب فليتجنب ما يكون سببا لهذه الغازات وإذا كان مرضا في الأمعاء فليحاول الاستشفاء بالأدوية أو غيرها.
(*
هذا رأي الشيخ في القديم وقد تراجع عنه انظر فتوى = 197 ، 198 ، 199 ).
***
ماذا يجب على من به سلس البول أو الريح من حيث الطهارة للصلاة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يجب على من به سلس بول أو ريح ألا يتوضأ للصلاة (إلا بعد دخول وقتها*) فإذا غسل فرجه تلجم بشيء حتى لا تتعدى النجاسة إلى ثيابه وإلى فخذيه ثم يتوضأ ويصلى الصلاة وله أن يصلي فروضا ونوافل أما إذا كان يريد صلاة نافلة في غير وقت الفريضة فإنه إذا أراد أن يفعل هذه النافلة فعل ما ذكرنا غسل فرجه وتحفظ بشيء ثم توضأ ثم صلى.
(*
هذا رأي الشيخ في القديم وقد تراجع عنه انظر فتوى = 197 ، 198 ، 199 )
***
أحسن الله إليكم يقول السائل قرأت في بعض الكتيبات الصغيرة عن نواقض الوضوء وكان من ضمن نواقض الوضوء هذا الشرط وهو (النجاسة الفاحشة الخارجة من الجسد) أفيدونا عن معرفة هذا؟

(119/20)

فأجاب رحمه الله تعالى: مراد القائل بذلك (الخارج النجس من البدن) يعني من غير الدبر والقبل كما لو جرح الإنسان فخرج منه دم وكان هذا الدم كثيرا أو تقيأ الإنسان وخرج منه قيء كثير فإنه نجس ينقض الوضوء والصحيح أنه لا ينقض الوضوء لأنه لا دليل على نقض الوضوء وإذا لم يكن فيه دليل على نقض الوضوء بذلك فإنه لا يجوز أن نفسد عبادة الخلق بما لا دليل فيه لأن الوضوء ثبت بدليل شرعي وما ثبت بدليل شرعي فإنه لا يجوز رفعه إلا بدليل شرعي كيف نجسر على أن نفسد عبادة عباد الله بشيء ليس فيه دليل من الله عز وجل وسوف يسأله الله عن ذلك يوم القيامة كل من ادعى مفسدا لأي عبادة من العبادات من صلاة أو صيام أو وضوء أو غيرها بلا دليل فليستعد للمساءلة يوم القيامة لأنه كما لا يجوز أن نثبت عبادة إلا بدليل فلا يجوز أن نفسد عبادة إلا بدليل فالقول الراجح في هذه المسألة أن الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء وأما الخارج من السبيلين إذا كان دائما لا يمكن للإنسان دفعه ولا إمساكه كسلس البول فإنه لا ينقض الوضوء يتوضأ الإنسان أول مرة ثم لا يلزمه إعادة الوضوء إلا إذا وجد ناقض غير هذا البول الذي يخرج قال بهذا طائفة من أهل العلم رحمهم الله وقال آخرون بل إنه لا ينقض الوضوء ولكن عليه أن يتوضأ لوقت كل صلاة.
***
ما حكم الدم الخارج من جسد الإنسان سواء كان من الأنف أو غيره هل يعتبر نجسا يجب غسل ما أصابه من الملابس وينقض الوضوء وما هو الدم المسفوح الذي نهينا عن أكله؟

(119/21)

فأجاب رحمه الله تعالى: الدم المسفوح الذي نهينا عن أكله هو الذي يخرج من الحيوان في حال حياته مثل ما كانوا يفعلونه في الجاهلية كان الرجل إذا جاع فصد عرقا من بعيره وشرب دمه فهذا هو المحرم وكذلك الدم الذي يكون عند الذبح قبل أن تخرج الروح، هذا هو الدم المحرم النجس ودلالة القرآن عليه ظاهرة في عدة آيات من القرآن بأنه حرام ففي سورة الأنعام صرح الله تبارك وتعالى بأنه نجس فإن قوله تعالى (فإنه رجس) يعود على الضمير المستتر في قوله (إلا أن يكون) وليس كما قيل يعود على الخنزير فقط ولو تأملت الآية وجدت أن هذا هو المتعين (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون) ذلك الشيء (إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس) أي أن ذلك الشيء الذي استثني من الحل هو الذي يكون نجسا فالتعليل تعليل للحكم الذي يتضمن هذه الأمور الثلاثة وهذا أمر ظاهر لمن يتدبره وليس من باب الخلاف هل يعود الضمير إلى بعض المذكور أو إلى كل المذكور بل هذا واضح لأنه تعليل لحكم ينتظم ثلاثة أمور هذا هو الدم المسفوح.
أما الدم الذي يبقى في الحيوان الحلال بعد تذكيته تذكية شرعية فإنه يكون طاهرا حتى لو انفجر بعد فصده فإن بعض العروق يكون فيها دم بعد الذبح وبعد خروج الروح بحيث إذا فصدتها سال منها الدم وهذا الدم حلال وطاهر وكذلك دم الكبد ودم القلب وما أشبهه كله حلال وطاهر.

(119/22)

وأما الدم الخارج من الإنسان فالدم الخارج من الإنسان إن كان من السبيلين من القبل أو الدبر فهو نجس وناقض للوضوء قل أم كثر لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر النساء بغسل دم الحيض مطلقا وهذا دليل على نجاسته وأنه لا يعفى عن يسيره وهو كذلك فهو نجس لا يعفى عن يسيره وناقض للوضوء قليله أو كثيره وأما الدم الخارج من بقية البدن من الأنف أو من السن او من جرح بحديدة أو بزجاجة أو ما أشبه ذلك فإنه لا ينقض الوضوء قل أو كثر هذا هو القول الراجح أنه لا ينقض الوضوء شيء خارج من غير السبيلين من البدن سواء من الأنف أو من السن أو من غيره سواء كان قليلا أو كثيرا وأما نجاسته فالمشهور عند أهل العلم أنه نجس وأنه يجب غسله إلا أنه يعفى عن يسيره لمشقة التحرز منه والله أعلم.
***
حمود قاسم من اليمن الشمالي يقول في رسالته هل خروج الدم إذا جرح الإنسان يبطل الوضوء أم يكفي تطهير العضو الذي خرج منه الدم نرجو إفادة بارك الله فيكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الصحيح أن الدم الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء سواء خرج من الأنف كالرعاف أو خرج من جرح أو خرج من أجل اختبار الدم عمدا من الإنسان فكل هذا لا ينقض الوضوء سواء كان قليلا أم كثيرا هذا هو القول الراجح وذلك لعدم الدليل على النقض والنقض حكم شرعي يحتاج إلى دليل والوضوء قد ثبت بمقتضى دليل شرعي وما ثبت بمقتضى دليل شرعي لا يرتفع إلا بدليل شرعي وليس هناك دليل شرعي يدل على انتقاض الوضوء بخروج شيء من البدن من غير السبيلين سواء كان دما أم قيحا أم قيئا ما دام من غير السبيلين فإنه لا ينقض لا قليله ولا كثيره ولكن إذا خرج من العضو وكان كثيرا فإنه يغسله كما ورد في الحديث الصحيح (أن فاطمة رضي الله عنها كان تغسل الدم من وجه الرسول صلى الله عليه وسلم حين جرح في غزوة أحد).
***

(119/23)

بارك الله فيكم ما حكم الدم إذا خرج من إنسان يصلى هل يقطع الصلاة أم لا أرجو الإفادة مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان الدم الذي خرج من المصلى خارجا من القبل أو الدبر فإنه ناقض للوضوء وفي هذه الحال يجب عليه أن ينصرف وأن يغسل ما أصابه من الدم ويتوضأ من جديد ويبدأ الصلاة من جديد وأما إذا كان من غير السبيلين أي من غير القبل والدبر مثل أن يكون من الأنف أو من الأسنان أو من جرح آخر أو من جرح انبعث فإنه يبقى في صلاته إن تمكن من أدائها بدون انشغال بهذا الدم ويكمل الصلاة لأن القول الراجح أن الدم لا ينقض الوضوء ولو كان كثيرا ولكن إذا كان كثيرا فإن أكثر أهل العلم يرون أن الدم نجس إذا كثر ولا يعفى عنه وحينئذ لا بد أن يخرج من الصلاة حتى يطهر ما أصابه من الدم ثم يعود ويصلى بلا وضوء على القول الراجح أي يبدأ الصلاة من جديد وأما إذا كان الدم يسيرا فإنه يستمر في صلاته ولا حرج عليه.
***
يقول السائل إذا كنت أؤدي الصلاة ونزل من أنفي رعاف أثناء الصلاة فوقع على ثوبي فهل تبطل الصلاة أم لا وهل الرعاف ناقض للوضوء أم لا؟

(119/24)

فأجاب رحمه الله تعالى: الرعاف ليس بناقض للوضوء سواء كان كثيرا أم قليلا وكذلك جميع ما يخرج من البدن من غير السبيلين فإنه لا ينقض الوضوء مثل القيء والمادة التي تكون في الجروح فإنه لا ينقض الوضوء سواء كان قليلا أم كثيرا لأن ذلك لم يثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم والأصل بقاء الطهارة فإن هذه الطهارة ثبتت بمقتضى دليل شرعي وما ثبت بمقتضى دليل شرعي فإنه لا يمكن أن يرتفع إلا بمقتضى دليل شرعي وليس هناك دليل على أن الخارج من غير السبيلين من البدن ينقض الوضوء وعلى هذا فلا ينتقض الوضوء بالرعاف ولا بالقيء سواء كان قليلا أم كثيرا ولكن إذا كان يزعجك في صلاتك ولم تتمكن من إتمامها بخشوع فلا حرج عليك أن تخرج من الصلاة حينئذ وكذلك لو خشيت أن تلوث المسجد إذا كنت تصلى في المسجد فإنه يجب عليك الانصراف لئلا تلوث المسجد بهذا الدم الذي يخرج منك أما ما وقع على الثياب من هذا الدم وهو يسير فإنه لا بأس به ولا ينجس الثوب.
***
يقول السائل كنت في صلاة فخرج دم من أنفي فهل صلاتي باطلة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الصلاة ليست باطلة إذا خرج الدم من الأنف ، أما لو خرج من الدبر أو من القبل فإن الوضوء ينتقض فتبطل الصلاة وأما إذا خرج من الأنف أو من جرح آخر فإن الصلاة لا تبطل بذلك ، لكن ربما يكون عاجزا عن إتمامها إذا كثر خروج الدم ففي هذه الحال ينصرف من صلاته حتى يقف الدم ثم يتوضأ ويعيد الصلاة من جديد.
***
بارك الله فيكم ما حكم خروج الدم من الفم بعد الوضوء سواء بالسواك أو من غير سواك؟

(119/25)

فأجاب رحمه الله تعالى: خروج الدم من الفم بعد الوضوء لا ينقض الوضوء بل لو خرج من غير الفم دم كثير أو قليل فإنه لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من السبيلين القبل أو الدبر فإنه ينقض الوضوء ولكن إذا خرج الدم من الفم فإنه لا يجوز ابتلاعه لقوله تعالى (حرمت عليكم الميتة والدم) وليعلم أن جميع ما يخرج من البدن سوى البول والغائط والريح وهي تخرج من السبيلين أعني هذه الثلاثة فما عداها لا ينقض الوضوء قد يحتجم الإنسان فلا ينتقض وضوؤه قد يرعف أنفه فلا ينتقض وضوؤه قد تجرح قدمه فلا ينتقض وضوؤه وذلك لأنه لا دليل على نقض الوضوء بخروج شيء من البدن سوى الخارج من السبيلين وإذا لم يكن دليل فإن الأصل بقاء الطهارة على ما هي عليه لأنها ثابتة بدليل شرعي وما ثبت بدليل شرعي فإنه لا ينقض إلا بدليل شرعي.
***
السائل عبدالكريم الزهراني من المدينة المنورة يقول أفتونا يا فضيلة الشيخ فيمن يعمل غسيل كلى هل خروج الدم أثناء غسيل الكلى ينقض الوضوء وكيف يصوم ويصلى أثناء الغسيل الكلوي بالنسبة لكبار السن قد يتوافق غسيل الدم أثناء قيام الصلاة وجهونا في ذلك؟

(119/26)

فأجاب رحمه الله تعالى: أما نقض الوضوء فإنه لا ينقض الوضوء وذلك لأن القول الراجح من أقوال العلماء أن الخارج من البدن لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من السبيلين فما خرج من السبيلين فهو ناقض للوضوء سواء كان بولا أم غائطا أم رطوبة أم ريحا كل ماخرج من السبيلين فإنه ناقض للوضوء وأما ما خرج من غير السبيلين كالرعاف يخرج من الأنف والدم يخرج من الجرح وما أشبه ذلك فإنه لا ينقض الوضوء لا قليله ولا كثيره وعلى هذا فغسيل الكلى لا ينقض الوضوء. أما بالنسبة للصلاة فإنه يمكن أن يجمع الرجل المصاب بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء وينسق مع الطبيب المباشر في الوقت بحيث يكون الغسيل لا يستوعب أكثر من نصف النهار لئلا تفوته الظهر والعصر في وقتيهما فيقول له مثلا أخر الغسيل عن الزوال بمقدار ما يصلى به الظهر والعصر أو قدمه حتى أتمكن من صلاتي الظهر والعصر قبل خروج وقت العصر، المهم أنه يجوز له الجمع دون تأخير الصلاة عن وقتها وعلى هذا فلا بد من التنسيق مع الطبيب المباشر.
وأما بالنسبة للصيام فأنا في تردد من ذلك أحيانا أقول إن هذا ليس كالحجامة لأن الحجامة يستخرج منها الدم ولا يعود إلى البدن وهذا مفسد للصوم كما جاء به الحديث والغسيل يخرج الدم وينظف ويعاد إلى البدن لكن أخشى أن يكون في هذا الغسيل مواد مغذيه تغني عن الأكل والشرب فإن كان الأمر كذلك فإنها تفطر وحينئذ إذا كان الإنسان مبتلى بذلك أبد الدهر يكون ممن مرض مرضا لا يرجى برؤه فيطعم عن كل يوم مسكينا وأما إذا كان ذلك في وقت دون آخر فيفطر في وقت الغسيل ويقضي بعد ذلك وأما إذا كان هذا الخلط الذي يخلط مع الدم عند الغسيل لا يغذي البدن لكن يصفي الدم وينقيه فهذا لا يفطر الصائم وحينئذ له أن يستعمل الغسيل ولو كان في الصوم ويرجع في هذا الأمر إلى الأطباء.
***

(119/27)

يقول السائل أنا شاب وكثيرا ما يظهر على وجوه الشباب ما يسمى بحب الشباب وأحيانا أضع يدي عليها فتخرج بعض القطرات من الدم فهل هذه القطرات تفسد الوضوء وفقكم الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذه القطرات لا تفسد الوضوء وليست نجسة أيضا بل هي طاهرة ولا تضرك وأعلم أيها السائل أن جميع ما يظهر من البدن من الدم والقيح وغيره لا ينقض الوضوء أيضا إلا إذا كان خارجا من السبيلين من القبل أو الدبر فلو انجرحت أو رعف أنفك أو حصل دم من ضرسك أو ما أشبه ذلك وخرج دم ولو كثيرا فإن وضوءك باق لم ينتقض هذا هو القول الصحيح وذلك لأنه لا دليل على نقض الوضوء بذلك والأصل بقاء الطهارة وأما ما خرج من السبيلين فهو ناقض ولا إشكال فيه.
***
من جمهورية مصر العربية المستمعة س. م,ع تقول فضيلة الشيخ هل القيء ينقض الوضوء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: القول الراجح أن القيء لا ينقض الوضوء سواء كان قليلا أم كثيرا وذلك لأنه لا دليل على كونه ناقضا والأصل بقاء الوضوء وهذه قاعدة مفيدة لطالب العلم وغيره أن ما ثبت بدليل لا يمكن أن ينقض إلا بدليل وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم دليل على أن القيء ناقض للوضوء وكذلك يقال في الجروح إذا خرج من الجرح دم ولو كان كثيرا فإنه لا ينقض الوضوء ولا ينقض مما يخرج من الجسد إلا البول والغائط والريح وكذلك ما خرج من مخرج البول والغائط من دم أو قيح أو نحوهما.
***
أحسن الله إليكم وبارك فيكم يقول السائل هل إذا نام الإنسان في السجود في صلاة الجماعة هل عليه أن يعيد الوضوء؟

(119/28)

فأجاب رحمه الله تعالى: النوم لا ينقض الوضوء إلا إذا كان نوما عميقا بحيث لو أحدث الإنسان لم يحس بنفسه فحينئذ ينتقض وضوؤه وأما إذا غاب عن الدنيا لكنه لو أحدث لأحس بنفسه فإنه لا ينتقض وضوؤه سواء كان في الصلاة أو خارج الصلاة وسواء كان قاعدا أو مضطجعا لأن المدار كله على فقد الإحساس فمتى فقد الإحساس بحيث لو أحدث لم يحس بنفسه انتقض وضوءه وإذا كان لم يفقد الإحساس بحيث لو أحدث لأحس بنفسه فإن وضوءه لا ينتقض هذا هو القول الراجح الذي تجتمع به الأدلة في مسألة انتقاض الوضوء بالنوم.
***
رجل مصاب بمرض عصبي فيأتيه الإغماء أحيانا ويستمر به مدة ثم يفيق فما الحكم بالنسبة للوضوء هل ينتقض بالإغماء أم لا وكذلك لو طالت مدة الإغماء حتى فاتت عدة فروض من الصلوات فهل يقضيها أم لا يقضيها؟

(119/29)

فأجاب رحمه الله تعالى: أما الوضوء فإنه ينتقض بالإغماء، لأن الإغماء أشد من النوم، والنوم ينقض الوضوء إذا كان مستغرقا بحيث لا يدري النائم لو خرج منه شيء، أما النوم اليسير الذي لو أحدث النائم لأحس بنفسه فإن هذا لا ينقض الوضوء سواء كان من نائم أو قاعد متكئ أو قاعد غير متكئ أو أي حال من الأحوال مادام لو أحدث لأحس بنفسه فإن نومه لا ينقض الوضوء، فالإغماء أشد من النوم، فإذا أغمي على الإنسان فإنه يجب عليه الوضوء، أما لو أغمي عليه مدة فات بها عدة صلوات أو صلاة واحدة فإن العلماء اختلفوا في هذا، هل يجب عليه القضاء مدة الإغماء أو لا يجب؟ فمنهم من قال إنه يجب عليه قضاء الصلوات التي تفوته في مدة الإغماء، قالوا: لأن الإغماء كالنوم والنائم يجب عليه قضاء الصلاة لقول النبي عليه الصلاة والسلام (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)، وقال بعض أهل العلم: إنه لا يجب على المغمى عليه قضاء الصلاة وذلك لأنه لا يصح قياسه على النائم لأن النائم إذا استيقظ أوقظ وصحا بخلاف المغمى عليه فإنه لا يملك إيقاظ نفسه ولا يملك أحد أن يوقظه فبينهما فرق ومع وجود الفارق لا يصح القياس ولكن الاحتياط والأولى أن يقضي إبراء لذمته، ثم إن كان هذا واجبا عليه بمقتضى الشرع فقد أبرأ ذمته وإن لم يكن واجبا عليه فإن ذلك يكون تطوعا يؤجر به عند الله.
***
يقول السائل صلىت الفجر في المسجد وأثناء قراءة الإمام في الركعة الأولى حصل عندي دوخة ثم أغمي علي وأفقت ثم قمت فأكملت الصلاة معهم فماذا يجب علي؟

(119/30)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا أغمي على الإنسان وهو على وضوء فإن وضوءه ينتقض لأن الإغماء أشد من النوم والنوم المستغرق الذي لا يدري النائم فيه أحدث أم لم يحدث ناقض للوضوء لحديث صفوان بن عسال في المسح على الخفين قال (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نمسح على خفافنا إذا كنا سفرا ثلاثة أيام بلياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم) والإغماء أشد فقدا للوعي والإحساس من النوم فمن أغمي عليه وهو على وضوء انتقض وضوؤه ووجب عليه أن يتوضأ إذا أراد الصلاة وبناء على ذلك فإنه يجب عليك الآن أن تعيد صلاة الفجر التي أغمي عليك فيها ثم أتممتها بدون وضوء.
***
من ليبيا المستمع محمد حمودة عبد القادر يقول هل الغفلة تبطل الوضوء وهل يجب في هذه الحالة أن يتوضأ المسلم وضوءا كاملا؟

(119/31)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا أدري ماذا يريد بالغفلة هل يريد بها النوم؟ فإن كان يريد النوم فإن النوم ناقض للوضوء بشرط أن يكون عميقا وعلامة العميق أن يكون النائم لا يحس بنفسه لو أحدث فإذا نام الإنسان هذه النومه أي إنه نام نومة لو أحدث لم يحس بنفسه فإن عليه أن يتوضأ لحديث صفوان بن عسال قال (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا سفرا ألا ننزع خفافنا إلا من جنابة ولكن ما غائط وبول ونوم) وفي الحديث (العين وكاء السه فإذا نامت العينان استطلق الوكاء) لكن إذا كان النوم خفيفا يحس بنفسه الإنسان لو أحدث فإنه لا ينقض الوضوء سواء أكان الإنسان جالسا أو مضطجعا أو مستندا أو غير مستند لأن المدار كله على العقل أي عقل الشيء وفهمه فإن كان السائل يريد بالغفلة النوم فهذا جوابه أما إذا كان يريد بالغفلة الغفلة عن ذكر الله فإن هذا لا ينقض الوضوء ولكن الذي ينبغي للإنسان أن يديم ذكر الله تعالى كل وقت فإن هذا هو العقل قال الله تعالى (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (190) الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار)
***
ما حكم مس العورة سواء كان قبلا أو دبرا أثناء الوضوء؟

(119/32)

فأجاب رحمه الله تعالى: يعني كأنه يقصد نقض الوضوء بذلك الصواب عندي أن مس العورة لا ينقض الوضوء لأن الأحاديث الواردة في ذلك مختلفة والأصل عدم النقض إلا أن الجمع بين حديث طلق بن علي حين (سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه وضوء؟ قال إنما هو بضعة منك) وحديث بسرة (من مس ذكره فليتوضأ) يمكن أن يؤخذ من هذين الحديثين أن الإنسان إذا مس ذكره لشهوة وجب عليه الوضوء وإذا مسه لغير شهوة لم يجب عليه الوضوء ويكون هذا جمعا بين الحديثين ويدل لهذا الجمع أن الرسول صلى الله عليه وسلم علل عدم النقض بأنه (بضعة) يعني فإذا كان (بضعة منك) فإن مسه كمس بقية الأعضاء: كما لو مس الإنسان يده الأخرى أو مس رجله أو مس رأسه أو مس أنفه أو مس أي طرف منه فإنه لا ينتقض وضوؤه كذلك الذكر فإن مسه لغير شهوة كمس سائر الأعضاء وأما إذا مسه لشهوة فإنه يختلف عن مس سائر الأعضاء فيكون هنا الجمع بين الحديثين أن يقال إذا مس ذكره لشهوة انتقض وضوؤه وإن مسه لغير شهوة لم ينتقض وجمع بعض العلماء بجمع آخر بأن الأمر في قوله (فليتوضأ) ليس على سبيل الوجوب وإنما هو على سبيل الاستحباب وعلى كل حال فوجوب الوضوء من مس الذكر مطلقا أو الفرج مطلقا فيه نظر والصواب عندي خلافه.
فضيلة الشيخ: لكن مس الإنسان لقبله في الصلاة لا يكون إلا من وراء حائل وهذا يمكن أن يكون؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان من وراء حائل لا يعتبر مسا فلا يقال مسه لأن المس هو المباشرة أي مباشرة الشيء بالشيء وأما إذا مسه من وراء حائل فإنما هو مس الثوب ثم إنه يمكن أن يمسه بدون حائل لا سيما في الزمن الأول ليس عليهم إلا الوزرة فيمكن أن يدخل يده لحكه أو نحوه.
***
إذا اغتسل ثم لمس عورته فهل عليه شيء؟

(119/33)

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس عليه شيء - يعني - أن مس الذكر لا ينقض الوضوء لكن إذا كان لشهوة فإنه ينقض الوضوء لأنه بهذا التفصيل تجتمع الأدلة فإن (النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه وضوء؟ قال لا إنما هو بضعة منك) أي جزء منك ومس الإنسان لجزء من نفسه لا يعتبر ناقضا للوضوء فهو كما لو مس رجله بيده فإن وضوءه لا ينتقض والحديث الآخر حديث بسرة بنت صفوان (أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال من مس ذكره فليتوضأ) يدل على وجوب الوضوء من مس الذكر والجمع بينه وبين الحديث الأول أن يقال إن مسه الإنسان لشهوة فإنه يخالف مس بقية الأعضاء فينتقض وضوؤه وأما إذا مسه لغير شهوة فإنه لا ينتقض وضوؤه وليعلم أن المس هو المس بلا حائل أما إذا كان مع حائل فإن ذلك لا يعد مسا فلا ينقض الوضوء حتى لو كان لشهوة فإنه لا ينقض الوضوء إلا إذا خرج منه ما يوجب الوضوء.
***
هل تنظيف الأطفال وما ينتج عن ذلك من لمس أعضائهم الخاصة ينقض الوضوء وهل لمس المرء لذكره بدون شهوة ينقض الوضوء؟

(119/34)

فأجاب رحمه الله تعالى: تغسيل الأطفال لا ينقض الوضوء ولو مست المرأة ذكر طفلها أو فرج ابنتها القبل أو الدبر وكذلك لو مس الإنسان ذكره بغير شهوة فإنه لا ينتقض وضوؤه لأن (النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في حديث طلق بن علي رضي الله عنه حين سأله عن الرجل يمس ذكره في الصلاة قال أعليه الوضوء؟ قال لا ثم قال إنما هو بضعة منك) أي عضو من أعضائك وهذا التعليل تعليل لا يمكن زواله لأنه علل بأنه عضو من الأعضاء وتعليله إياه بأنه عضو من الأعضاء يدل على أنه إذا مسه لشهوة فعليه الوضوء لأن مسه لشهوة مس خاص بالعضو أي بالذكر فالإنسان لا يمكن أن يمس ساقه لشهوة ولا فخذه لشهوة ولا أذنه لشهوة إنما تكون الشهوة في نفس الذكر والخلاصة أن القول الراجح من أقوال العلماء في هذه المسألة أنه إن مسه لشهوة وجب عليه الوضوء وإن كان بغير شهوة لم يجب عليه سواء تعمد أم لم يتعمد.
***
هل النظر إلى عورة رجل ما أو امرأة ما سواء كان شابا أم طفلا أم شيخا ينقض الوضوء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا ينقض الوضوء وما علمت أحدا من أهل العلم قال إن النظر للعورة ينقض الوضوء لكن هذا مشهور عند العامة ولا أصل له.
***
هل ينتقض وضوء المرأة إذا غسلت ولدها من النجاسة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا ينتقض وضوء المرأة إذا غسلت ولدها من النجاسة لأن القول الراجح أن مس الفرجين لا ينقض الوضوء إلا مس الذكر إذا مسه لشهوة فإنه ينتقض الوضوء وهذا القول الذي فصلناه هو القول الذي تجتمع به الأدلة ومن المعلوم أن المرأة إذا غسلت ولدها من النجاسة فإنه لا يمكن أن تمسه لشهوة وعلى هذا فلا ينتقض وضوؤها.
***
تقول السائلة هل تنظيف الطفل من النجاسة ينقض الوضوء؟

(119/35)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا لم يمس الفرج فإنه لا ينتقض الوضوء وهذا لا إشكال فيه ولا أظن السائلة تريده لكن إذا مست الفرج فالصحيح أيضا أنه لا ينتقض الوضوء ولكن إن توضأت احتياطا فهو أولى ولا فرق بين الذكر والأنثى.
***
هل مس المرأة يبطل الوضوء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم رحمهم الله في مس المرأة هل ينقض الوضوء أم لا؟ فمنهم من قال إنه لا ينقض الوضوء مطلقا ومنهم من قال إنه ينقض الوضوء مطلقا ومنهم من قال إن كان لشهوة نقض الوضوء وإن كان لغير شهوة لم ينقض الوضوء والقول الراجح أنه لا ينقض الوضوء مطلقا إلا أن يخرج شيء من المس كالمذي وشبهه فإن الوضوء ينتقض بهذا الخارج وقد استدل القائلون بأن اللمس ينقض مطلقا بقوله تعالى (أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا) وفي قراءة أخرى سبعية (أو لمستم النساء) بناء على أن المراد باللمس ملامسة الرجل للمرأة باليد أو بغيرها من الأعضاء والصواب أن المراد بالملامسة في هذه الآية هو الجماع كما فسر ذلك ابن عباس رضي الله عنه ويدل لهذا أن الآية الكريمة ذكر الله تعالى فيها الطهارتين الأصلىتين وطهارة البدل وذكر الله تعالى فيها السببين سبب الطهارة الكبرى وسبب الطهارة الصغرى ففي قوله تعالى (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) في هذا ذكر الطهارة الصغرى التي سببها الحدث الأصغر وفي قوله (وإن كنتم جنبا فاطهروا) ذكر الله تعالى الطهارة الكبرى وسببها وهو الجنابة وفي قوله (فتيمموا) ذكر الله تعالى طهارة البدل وهي التيمم وعلى هذا فيكون قوله (أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء) يكون فيه إشارة إلى ذكر الموجبين للطهارتين ففي قوله (أو جاء أحد

(119/36)

منكم من الغائط) ذكر موجب الطهارة الصغرى وفي قوله (أو لامستم النساء) ذكر موجب الطهارة الكبرى ولو حملنا اللمس على اللمس باليد وغيرها من الأعضاء بدون جماع لكان في الآية ذكر لموجبين من موجبات الطهارة الصغرى وإغفال لموجب الطهارة الكبرى وعلى كل حال هذه الآية ليس فيه دلالة لما ذهب إليه أولئك القوم الذين قالوا بنقض الوضوء إذا مس الرجل المرأة والأصل براءة الذمة وبقاء الطهارة وما ثبت بدليل لايرتفع إلا بدليل مثله أو أقوى منه فإذا كانت الطهارة ثابتة بدليل شرعي فإنه لا ينقضها إلا دليل شرعي مثل الذي ثبتت به أو أقوى.
***
لمس المرأة أهو ناقض للوضوء على المذهب الشافعي أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحقيقة أنا شخصيا لا أجيب السؤال على من طلب أن تكون الإجابة على مذهب من لا يجب اتباعه سواء كان مذهب الشافعي أو الإمام أحمد أو الإمام مالك أو الإمام أبي حنيفة لأن الفرض على المسلم أن يسأل عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم لأنه هو الذي يجب اتباعه لا أن أسأل عن مذهب فلان وفلان أما الجواب على السؤال فأنا أقول له مقتضى الأدلة الشرعية أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقا سواء كان لشهوة أم غير شهوة إلا أن يحدث إنزال أو مذي فإن حصل بذلك إنزال أو مذي أو غيرهما من الأحداث وجب الوضوء بهذا الحدث لا بمجرد المس.

(119/37)

إذا نقول لا دليل على بطلان الوضوء من مس المرأة فإذا لم يقم دليل صحيح صريح فإننا لا يمكن أن ننقض طهارة ثبتت بمقتضى دليل صريح صحيح، أما قوله تعالى (أو لامستم النساء) فالمراد بالملامسة الجماع لأن قوله (أو لامستم) إنما جاء في معرض التيمم لا معرض الغسل وهي مقابلة لقوله في الطهارة بالماء (وإن كنتم جنبا فاطهروا) ولتسمعوا إلى الآية (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) هذا الوضوء (وإن كنتم جنبا فاطهروا) هذا الغسل بالماء (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط) هذا موجب الطهارة الصغرى لكن في التيمم الآية انقسمت إلى قسمين القسم الأول منها في طهارة الماء عن الحدث الأصغر بغسل الأعضاء الأربعة وعن الحدث الأكبر بالتطهير الكامل للبدن القسم الثاني الطهارة بالتراب عن الحدث الأصغر قوله (أو جاء أحد منكم من الغائط) وعن الحدث الأكبر قوله (أو لامستم النساء) فتبين الآن أن الآية ليس فيها دليل على نقض الوضوء بمس المرأة وإنما فيها مقابلة قوله (وإن كنتم جنبا فاطهروا) في طهارة الماء بقوله (أو لامستم النساء) في طهارة التيمم. ثم إننا لو قلنا إن قوله (أو لامستم النساء) يراد به الحدث الذي ينقض الوضوء لكان في الآية تكرار لأن قوله (أو جاء أحد منكم من الغائط) فيه الإشارة إلى الحدث الأصغر فيكون في الآية لو حملنا قوله تعالى (أو لامستم النساء) على ما ينتقض به الوضوء لكان في الآية تكرار لذكر موجبين للوضوء وإغفال موجب الغسل وهذا بلا شك خلاف ما تقتضيه بلاغة القرآن وبيانه.

(119/38)

وأقول للأخ الذي يطلب الحكم على مذهب الشافعي أولا أرجو منه ومن غيره أن يكون طلبهم الحكم على ما تقتضيه شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام وهديه لا على ما يقتضيه رأي فلان وفلان لقوله تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) وقوله (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) وليس معنى قولي هذا الحط من قدر أهل العلم أبدا بل إن من رفع قدر أهل العلم أن نقبل كلامهم وتوجيهاتهم والشافعي رحمه الله وغيره من الأئمة كلهم يأمروننا ويوجهوننا إلى أن نتلقى الأحكام مما تلقوه هم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقول إن كون الإنسان يتجه إلى مذهب معين لفلان أو فلان لا شك أنه ينقص من اتجاهه إلى السنة ويغفل عنها حتى كأنك لتجده لا يطالع إلا كتب فقهاء مذهبه ويدع ما سواها وهذا في الحقيقة ليس بسبيل جيد فالسبيل الجيد أن يتحرى الإنسان ويكون هدفه اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فقط سواء وافق فلانا أم خالفه ولا حاجة لي الآن إلى أن أسوق أقوال هؤلاء الأئمة في وجوب تلقي الشريعة من الرسول عليه الصلاة والسلام دون أن نقلدهم وهذا أمر معلوم يمكن الرجوع إليه في كتب أهل العلم والذي أعرف من المذهب الشافعي رحمه الله أنه يرى نقض الوضوء بمس المرأة مطلقا إذا كان باليد ولكنه قول مرجوح كما عرفنا مما قررناه سابقا والله الموفق.
***
رسالة وردتنا من المرسل فوزي المتولي من جمهورية مصر العربية والإقامة في الأفلاج يقول هل لمس النساء ينقض الوضوء أم لا؟

(119/39)

فأجاب رحمه الله تعالى: أقول في الجواب اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال ثلاثة منهم من يقول إن مس المرأة لا ينقض مطلقا ومنهم من يقول إن مسها ينقض مطلقا ومنهم من توسط وقال إن مسها لشهوة ينقض الوضوء وإن مسها لغير شهوة لا ينقض الوضوء والصواب من هذه الأقوال أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقا ولو بشهوة لكنه مع الشهوة يستحب الوضوء من أجل تحرك الشهوة إلا إذا خرج منه شيء كالمذي مثلا فإنه يجب عليه أن يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ وضوءه للصلاة يعني أنه ينتقض وضوؤه وأما بدون خارج فإنه لا ينتقض وذلك لأن الأصل براءة الذمة ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث يدل على نقض الوضوء بمس المرأة بل إنه روي عنه صلى الله عليه وسلم (أنه قبل بعض نسائه وخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ) وهذا الحديث وإن كان بعضهم يضعفه لكنه يوافق الأصل وهو عدم النقض وأما قوله تعالى (أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء) إلى آخر الآية فإن المراد بالملامسة هنا الجماع كما فسرها بذلك ابن عباس رضي الله عنهما وهو أيضا مقتضى سياق القرآن الكريم لأن قوله (أو جاء أحد منكم من الغائط) إشارة إلى أحد أسباب الوضوء وقوله (أو لامستم النساء) إشارة إلى أحد أسباب الغسل فتكون الآية دالة على الموجبين موجب الوضوء وموجب الغسل ولو قلنا المراد بالملامسة اللمس لكانت الآية دالة على موجبين من موجبات الوضوء ساكتة عن موجبات الغسل وهذا نقص في دلالة القرآن فعليه نقول إن حملها على الجماع كما فسرها به أبن عباس هو مقتضى بلاغة القرآن وإيجازه ودلالته فعليه يكون في الآية ذكر الموجبين للطهارة الطهارة الصغرى والطهارة الكبرى كما أنه ذكر سبحانه وتعالى الطهارتين الصغرى والكبرى والطهارتين الأصلىة والبدلية فذكر الوضوء وذكر الغسل وذكر الطهارة الأصلىة بالماء وذكر الطهارة الفرعية

(119/40)

بالتيمم وذكر أيضا الموجبين للطهارتين الطهارة الصغرى والطهارة الكبرى وهذا هو مقتضى البلاغة والتفصيل في القرآن
وعليه فنقول إذا قبل رجل زوجته ولو بشهوة أو ضمها إليه ولو بشهوة أو باشرها ولو بشهوة بدون جماع فإنه لا ينتقض وضوؤه إلا إن خرج شيء وكذلك بالنسبة إليها لا ينتقض وضوؤها وأما إذا حصل الجماع ولو بدون إنزال فإنه يجب عليهما جميعا الغسل لحديث أبي هريرة (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل وإن لم ينزل).
***
هل مس المرأة ينقض الوضوء سواء كانت زوجة الرجل أو غيرها وهل في هذا خلاف بين المذاهب الأربعة فأنا ملتزم بالمذهب الشافعي؟
فأجاب رحمه الله تعالى: مس المرأة إذا كانت غير محرم للإنسان محرم سواء كان لشهوة أم لغير شهوة وعلى هذا فلا يجوز لرجل أن يصافح امرأة ليست من محارمه مطلقا سواء كان لشهوة أم لغير شهوة وأما إذا كانت المرأة زوجته فإنه يجوز أن يمسها لشهوة ولغير شهوة والصحيح أن وضوءه لا ينتقض سواء مسها لشهوة أم لغير شهوة إلا أن يخرج منه خارج بسبب هذا المس فينتقض وضوؤه من الخارج كما لو أمذى مثلا وأما مجرد المس ولو بشهوة فإنه لا ينقض هذا هو القول الراجح من أقوال أهل العلم وأما سؤال السائل هل في ذلك خلاف بين أهل العلم، نعم فيه خلاف فمن أهل العلم من يرى أن مس المرأة ينقض سواء كان بشهوة أو بغير شهوة ومنهم من يرى أنه لا ينقض سواء كان لشهوة أم لغير شهوة ومنهم من يفصل فيقول إن مسها لشهوة انتقض وضوؤه وإن مسها لغير شهوة لم ينتقض وضوؤه ولكن الصواب أنه لا ينتقض مطلقا ما لم يخرج منه خارج.
***
السائل علي بن كمال مصري ومقيم بالطائف يقول الرجاء من فضيلة الشيخ توضيح الحكم الراجح في هل ينقض وضوء من لمس المرأة بدون حائل؟

(119/41)

فأجاب رحمه الله تعالى: الراجح أن مس المرأة لا ينقض الوضوء سواء كان بشهوة أو بغير شهوة وسواء كان بحائل أو بغير حائل فلو قبلها أو ضمها أو باشرها بدون جماع ولكنه لم يخرج منه شيء لا مني ولا مذي فإن وضوءه صحيح لأنه لا دليل على أن المس ينقض الوضوء وإذا لم يكن دليل فالأصل بقاء الوضوء لأن ما ثبت بدليل لا يرفع إلا بدليل فإذا ثبت أن هذا وضوؤه صحيح وأنه باق عليه فإنه لا يمكن أن ينقض هذا الوضوء إلا بدليل وذلك لأن النقض وعدم النقض أمر حكمي شرعي مرجعه إلى الله ورسوله فإن جاء عن الله ورسوله ما يدل على أن مس المرأة بشهوة ناقض فعلى العين والرأس وإن لم يأت فليس لنا أن نفسد عبادة عباد الله إلا ببرهان من الله.
***
بارك الله فيكم المستمع ع م من جدة يقول هل مس الزوجة ينقض الوضوء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: مس الزوجة لا ينقض الوضوء إلا إذا خرج من الماس شيء فإن كان مذيا وجب عليه غسل الذكر والأنثيين أي الخصيتين والوضوء وإن كان منيا وجب عليه أن يغتسل أما إذا لم يخرج شيء فإن مسها لا ينقض الوضوء ولو حصل انتشار الذكر.
***
أحسن الله إليكم هذا السائل من اليمن من تعز يقول هل لمس المرأة ينقض الوضوء لأن الرجل في بيته قد يلامس يد زوجته من خلال تناول الأشياء وما تفسير قوله تعالى (أو لامستم النساء)؟
فأجاب رحمه الله تعالى: مس المرأة بشهوة لا ينقض الوضوء إلا أن يحدث إنزال فيوجب الغسل أو يحدث مذي فيوجب الوضوء أما إذا لم يحصل شيء فإنه لا ينقض الوضوء حتى لو قبلها لشهوة وضمها لشهوة وقبض على يدها لشهوة فكل هذا لا ينقض الوضوء وأما قول الله تبارك وتعالى (أو لامستم النساء) فالمراد بالملامسة الجماع كما فسرها بذلك عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
***
أنا طبيب أقوم بمعالجة النساء وذلك للكشف على النبض ولقد سمعت من بعض الناس بأن مس المرأة ينقض الوضوء ولو كان بغير شهوة وجهوني بعملي هذا مأجورين؟

(119/42)

فأجاب رحمه الله تعالى: جواب هذا السؤال يتطلب شيئين الشيء الأول مباشرة المرأة لمعالجتها فهذا إن كان الرجل يحس بالشهوة عند مس المرأة فإنه يحرم عليه أن يمسها لأنها أجنبية منه ولأن مس النساء بشهوة من دواعي الفاحشة فالواجب عليه إذا أحس بذلك أن يتوقف وكذلك إذا علم من نفسه أنه قوي الشهوة وأن شهوته تتحرك عند أدنى ملامسة للمرأة فإن الواجب عليه الكف عن هذا أما إذا كان لا تتحرك شهوته ولا يبالي بمس المرأة ويمسها وكأنه يمس الرجل أو المرأة من بناته فلا حرج عليه عند الضرورة أن يمسها بل لا حرج عليه أن يمس كل ما تدعو الحاجة إليه أما الشيء الثاني فهو نقض الوضوء بمس المرأة فنقول إن مس المرأة لا ينقض الوضوء بكل حال حتى لو مس الرجل امرأته بشهوة أو باشرها لشهوة فإن وضوءه لا ينتقض ما لم يخرج منه مذي أو مني وإن خرج منه مني وجب عليه الغسل.
***
المستمع أحمد أحمد من مصر مقيم في الرياض يقول في رسالته إذا قبل الزوج زوجته وكان متوضئا فهل ينتقض الوضوء ويلزم إعادة الوضوء إذا أدى الصلاة أفيدونا بارك الله فيكم؟

(119/43)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا قبل الرجل امرأته بشهوة ولم يخرج منه شيء فإن القول الراجح أن وضوءه لا ينتقض ولكن إن توضأ فهو أفضل وذلك لأن الوضوء إذا تم بمقتضى الدليل الشرعي فإنه لا ينتقض ولا يفسد إلا بدليل شرعي لأن ما ثبت بدليل لا يمكن رفعه إلا بدليل مساو لذلك الدليل أو بما هو أقوى منه وليس في القرآن ولا في السنة ما يدل على أن تقبيل الزوجة ناقض للوضوء أما قول الله تعالى (أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء) فإن المراد بالملامسة هنا الجماع وتفسيره باللمس باليد بعيد جدا وذلك لأننا إذا قرأنا هذه الآية تبين لنا أنه يتعين أن يكون المراد بالملامسة الجماع كما فسرها به عبد الله بن عباس رضي الله عنهما واستمع إلى الآية يقول الله عز وجل (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) هذه الطهارة الصغرى التي سببها الحدث الأصغر ثم قال تعالى (وإن كنتم جنبا فاطهروا) وهذه الطهارة الكبرى الاغتسال التي سببها الحدث الأكبر كالجنابة ونحوها ثم قال (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا) فذكر الله سبحانه وتعالى السببين الموجبين للطهارة الأصغر والأكبر فقال (أو جاء أحد منكم من الغائط) وهذا السبب الأصغر وهو ما نعنيه بقولنا الحدث الأصغر وقال (أو لامستم النساء) وهذا هو السبب الأكبر الذي نعنيه بقولنا الحدث الأكبر فتكون الآية قد دلت على الطهارتين الكبرى والصغرى وعلى سببيهما أي على سبب الصغرى وهو المجيء من الغائط وسبب الكبرى وهو ملامسة النساء ولو جعلنا الملامسة هنا بمعنى اللمس باليد

(119/44)

وأنه ناقض للوضوء لكان في الآية زيادة ونقص تكون في الآية زيادة حيث جعلنا (لامستم) موجب للطهارة الصغرى أيضا فيكون في الآية ذكر سببين من أسباب الطهارة الصغرى وهذا زيادة إذ أن ذكر سبب واحد كاف وفيه أيضا إهمال ذكر سبب الطهارة الكبرى وهذا نقص وعليه فيكون سياق الآية دالا على أن المراد بالملامسة الجماع ليتم بذلك التفصيل والتقسيم وإذا كان المراد بالملامسة الجماع فإنه لا دليل على أن لمس المرأة باليد أو بالتقبيل ناقض للوضوء فيبقى الوضوء على حاله لعدم وجود دليل يفسده.
***
هل التسليم على الأجنبية ينقض الوضوء أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التسليم عليها بالقول باللسان لا ينقض الوضوء ولا تأثير له والتسليم بالمصافحة إذا التزم الإنسان ما شرطناه بأن يكون من وراء حائل لا ينقض الوضوء أيضا وأما التسليم على الأجنبية مباشرة بدون حائل باليد فإنه محرم ولا يجوز ومع ذلك لو فعل فإنه لا ينتقض وضوؤه لأن مس المرأة لا ينقض الوضوء حتى لو مس الرجل امرأته لشهوة أو قبلها لشهوة فإنه لا ينتقض وضوئه بذلك إلا أن يخرج منه خارج، فإن خرج منه خارج وجب عليه أن يفعل ما يقتضيه ذلك الخارج من غسل إن كان منيا أو من غسل الذكر والأنثيين إن كان مذيا مع الوضوء.
***
هل ملامسة المرأة الأجنبية تنقض الوضوء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ملامسة المرأة الأجنبية محرمة لا شك وعلى المرء أن يتوب إلى الله تعالى منها وأن يحرص على أن يتزوج لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج) ولكنه لا ينقض الوضوء إلا إذا خرج منه شيء إذا خرج منه مذي وجب عليه غسل ذكره وخصيتيه والوضوء وإذا خرج منه مني وجب عليه الغسل والمهم أنه يجب على المرء أن يربأ بنفسه عن هذه السفاسف وأن يبتعد عما يوجب الفتنة فإن ذلك أسلم لدينه وعرضه.
***

(119/45)

هذا السائل من جمهورية مصر العربية يقول بأنه رجل مساعد طبيب في الريف يعالج المرضى ويتعرض لمخالطة النساء بدون قصد وذات مرة يقول قمت بمعالجة إحدى العجائز في إحدى القرى فقدمت لها مغذيا وعند نهاية المغذي قبل صلاة العشاء أمسكت بيد المرأة لإبعاد المغذي عنها وذهبت للصلاة بدون وضوء لأنني كنت على وضوء فهل لمس المرأة ينقض الوضوء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لمس المرأة لا ينقض الوضوء حتى لو أن الإنسان مس زوجته وقبلها لشهوة ولم يحدث مذي ولا مني فإن وضوءه باق لأن القول الراجح من أقوال العلماء أن مس المرأة لشهوة لا ينقض الوضوء.
***
هل أكل لحم الجزور ينقض الوضوء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الراجح أن أكل لحم الجزور ناقض للوضوء موجب له (لقول النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال نعم قال أنتوضأ من لحوم الغنم قال إن شئت) فلما جعل الوضوء من لحوم الغنم راجعا إلى مشيئة الإنسان علم أن الوضوء من لحم الإبل ليس راجعا إليه وأنه واجب إذ لو كان غير واجب لكان راجعا إليه وقد جاء الأمر بذلك صريحا حيث قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم (توضؤوا من لحوم الإبل) والأصل في الأمر الوجوب وعلى هذا فلو أكل الإنسان لحم إبل نيئا أو مطبوخا قليلا أو كثيرا هبرا أو كبدا أو كرشا أو مصران أو أي شيء من أجزائها فإن وضوءه ينتقض وعليه أن يتوضأ من جديد لكن ليس عليه أن يغسل فرجه لأنه لم يبل ولم يتغوط.
***
بارك الله فيكم هل الوضوء من أكل لحم البعير يشمل المعدة والكبد والأحشاء عموما أم هو خاص باللحم؟

(119/46)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم على النحو التالي أولا هل لحم الإبل ينقض الوضوء أو لا ينقض وثانيا هل هو عام بكل البعير أم هو خاص بما يعرفه العامة عندنا بالهبر اللحم الأحمر والراجح من أقوال أهل العلم أنه ينقض الوضوء سواء من لحم الهبر أو الكرش أو الكبد أو الأمعاء أو غيره لعموم قول الرسول صلى الله عليه وسلم (توضؤوا من لحوم الإبل) ولعموم قوله (حين سئل أنتوضأ من لحوم الإبل قال: نعم قال أنتوضأ من لحوم الغنم قال إن شيءت) ولأن هذا اللحم سواء كان أحمر أو أبيض من حيوان واحد والحيوان الواحد في الشريعة الإسلامية لا تختلف أجزاؤه في الحكم إن كان حلالا فهو للجميع وإن كان حراما فهو للجميع بخلاف شريعة اليهود فإن الله تعالى يقول (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم) أما هذه الشريعة فليس فيها حيوان تختلف أجزاؤه حلا وحرمة أو أثرا بل إن الأجزاء كلها واحدة لأنها تتغذى من طعام واحد وبشراب واحد وبدم واحد وعلى هذا فيكون الراجح هو العموم أن جميع أجزاء البعير يكون ناقضا للوضوء قليله وكثيره لعموم الأدلة بذلك وإطلاقها ولأن الله تعالى لما حرم لحم الخنزير قال (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) فكان ذلك شاملا لجميع أجزاء الخنزير سواء كان المعدة أو الكبد أو الشحم أو غير ذلك وعليه يجب على من أكل شيئا من لحم الإبل من كبدها أو قلبها أو كرشها أو أمعائها أو لحمها الأحمر أو غير ذلك يجب عليه أن يتوضأ للصلاة لأمر النبي صلى الله عيه وسلم بذلك ثم إنه حسب ما علمناه أن ذلك له فائدة طبية لأنهم يقولون إن للحم الإبل تأثيرا على الأعصاب لا يهدئه ويبرده إلا الماء وهذا من حكمة الشرع وسواء

(119/47)

كانت هذه الحكمة أم كانت الحكمة غيرها فنحن متعبدون بما أمرنا به لقوله تعالى (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) ولهذا يقول الأطباء لا ينبغي للإنسان العصبي أن يكثر من أكل لحم الإبل لأن ذلك يؤثر عليه والله أعلم.
فضيلة الشيخ: يفهم من هذا أنه ليست هناك علة واضحة بل هو أمر تعبدي؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا عند أكثر أهل العلم الذين يقولون بنقض الوضوء به أن الأمر تعبدي وقال بعض العلماء أن له هذه العلة.
فضيلة الشيخ: علة طبية؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم.
***
السائل عبد الكريم س. ع يقول يوجد مدرس عندنا يقول إن لحم الإبل لا ينقض الوضوء قلنا له ولماذا قال أنه على (زمن الرسول صلى الله عليه وسلم اجتمعوا عند أحدهم فأكلوا الإبل فطلع من أحدهم رائحة كريهة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكي لا يحرج صاحبه الذي أطلع الرائحة من أكل لحم الإبل فليتوضأ فتوضأ الصحابة لكي لا يحرجوا صاحبهم) يقول المدرس فصارت عادة من أكل لحم الإبل فليتوضأ يقول السائل ونحن الطلاب درسنا في الابتدائي أن من أكل لحم الإبل فليتوضأ ولم يقل لنا هذه القصة أفيدونا أفادكم الله؟

(119/48)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه القصة لا أصل لها إطلاقا كذب على النبي صلى الله عليه وسلم والنبي عليه الصلاة والسلام يستطيع أن يقول من احدث فليتوضأ في تلك الساعة ولا يلزم الناس جميعا أن يتوضئوا من أجل جهالة الذي وقع منه هذا الصوت وعلى كل حال هذه القصة باطلة والصواب من أقوال أهل العلم وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل سواء أكله نيئا أو مطبوخا قليلا كان أم كثيرا من جميع أجزاء البدن لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (توضئوا من لحوم الإبل) (وسأله رجل فقال يا رسول الله أتوضأ من لحوم الغنم قال إن شيءت قال أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال نعم) فلما وكل الوضوء من لحم الغنم إلى مشيئته دل ذلك على أن الوضوء من لحم الإبل ليس راجعا إلى مشيئته وهذا هو معنى وجوب الوضوء من لحم الإبل.
***
ما الحكمة في أن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء وباقي اللحوم لا تستوجب ذلك؟

(119/49)

فأجاب رحمه الله تعالى: الحكمة في هذا هي طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال (توضؤوا من لحوم الإبل) (وسئل صلى الله عليه وسلم أتوضأ أي سأله سائل فقال أتوضأ من لحوم الغنم قال إن شيءت قال أتوضأ من لحوم الإبل قال نعم) فكونه جعل الوضوء من لحم الغنم عائدا إلى مشيئة الإنسان وفي لحم الإبل (قال نعم) دل ذلك على أنه لا بد من الوضوء من لحم الإبل وأنه لا يرجع لاختيار الإنسان ومشيئته وإذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بشيء فإنه حكمة ويكفي المؤمن أن يكون الأمر أمرا لله ورسوله قال الله تعالى (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) (ولما سئلت عائشة رضي الله عنها عن المرأة الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة قالت كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) فجعلت الحكمة هي الأمر فإذا أمر الله ورسوله بشيء فالحكمة في فعله على أن بعض أهل العلم أبدى حكمة في ذلك وهي أن لحوم الإبل فيها شيء من إثارة الأعصاب والوضوء يهدئ الأعصاب ويبردها ولهذا أمر الرجل إذا غضب أن يتوضأ والأطباء المعاصرون ينهون الرجل العصبي عن كثرة الأكل من لحم الإبل فإن صحت هذه الحكمة فذاك وإن لم تصح فإن الحكمة الأولى هي الحكمة وهي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والتعبد لله تعالى بتنفيذ أمر نبيه صلى الله عليه وسلم.
***
يقول السائل من نواقض الوضوء أكل لحم الإبل فهل لبنها ينقض الوضوء أم لا؟

(119/50)

فأجاب رحمه الله تعالى: من نواقض الوضوء أكل لحم الإبل أي لحم كان سواء الكبد أو الكلية أو الأمعاء أو الكرش أو اللحم الأحمر كل شيء إذا أكله الإنسان منه انتقض وضوؤه به لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم (قال توضؤوا من لحوم الإبل) (وسأله رجل أنتوضأ من لحوم الإبل قال نعم قال أنتوضأ من لحوم الغنم قال إن شئت) فكونه جعل الوضوء من لحم الغنم راجعا إلى مشيئة الإنسان وأما الإبل (فقال نعم) دليل على أن الوضوء من لحم الإبل ليس راجعا إلى مشيئة الإنسان وأنه لا بد منه أما لبنها ففيه حديث إسناده حسن في الأمر بالوضوء منه لكنه ليس على سبيل الوجوب والدليل (أن العرنيين الذين جاؤوا إلى المدينة اجتووها أمرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يلحقوا بإبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها) ولم يقل توضؤوا مع أن الحاجة داعية إلى بيان ذلك لو كان واجبا فالصواب أن الوضوء من ألبانها سنة وليس بواجب وأما من لحومها فواجب لا بد منه.
***
بارك الله فيكم أبو عبد الله يقول شخص تناول طعام العشاء عند أحد زملائه وشك بعد الصلاة هل اللحم لحم غنم أم لحم جمل فهل يسأل أم لا وإذا تعذر السؤال هل يعيد الصلاة أم لا أفيدونا بهذا؟

(119/51)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا أكل الإنسان لحما وشك هل هو لحم إبل أو لحم غيره فإنه لا يلزمه أن يسأل ولكن إذا علم ولو فيما بعد فعليه أن يعيد الصلاة وبهذا السؤال نعرف أن السائل يعرف الفرق بين لحم الإبل ولحم غيرها فإن لحم الإبل ينقض الوضوء لقول النبي صلى الله عليه وسلم (توضؤوا من لحوم الإبل) ولأنه (سئل أنتوضأ من لحوم الغنم قال إن شيءت قالوا أنتوضأ من لحوم الإبل قال نعم) فجعل الوضوء من لحم الغنم عائدا إلى مشيئة العبد وجزم بالوضوء من لحم الإبل فدل على أن لحم الإبل يجب الوضوء منه وأنه لا يعود إلى مشيئة العبد ولحم الإبل يشمل جميع أجزاء البعير كالكبد والكرش والأمعاء والقلب وغير ذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يخصص منها شيئا فدل هذا على العموم ومما يدل على أن اللحم إذا أضيف إلى الحيوان فهو شامل لجميع أجزائه قول الله تعالى (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) ومن المعلوم أن لحم الخنزير يشمل الأمعاء والكرش والقلب والكبد وغير ذلك أما لحم غير الإبل فإنه لا ينقض الوضوء لكن ذكر كثير من أهل العلم أنه يستحب الوضوء مما مست النار لأن الوضوء مما مست النار كان مأمورا به لكنه ليس على سبيل الوجوب.
***
الوطء بالقدم على النجاسة وهي لا تزال رطبة هل هذا ينقض الوضوء لو كان الإنسان متوضئا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا ينقض الوضوء ولا دخل للنجاسة في الوضوء حتى لو تلوث الإنسان بالنجاسة ببدنه أو بثوبه فإن وضوءه باق.
فضيلة الشيخ: إذا عليه فقط أن يطهر الموضع؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم عليه أن يطهر ما يجب تطهيره.
***
بارك الله فيكم السائل يقول إذا أصابت رجلي أو يدي نجاسة فغسلتها فهل أبقى على طهارتي بعد ذلك أم أن النجاسة نقضت وضوئي جزاكم الله خير؟

(119/52)

فأجاب رحمه الله تعالى: النجاسة لا تنقض الوضوء فإذا أصاب الإنسان نجاسة فإن وضوءه باق ولكن يغسل هذه النجاسة. وبهذه المناسبة أود أن أنبه إلى أن جميع الخارج من البدن لا ينقض الوضوء إلا البول والغائط فأما الدم إذا خرج من الأنف أو إذا خرج من جرح أو نحو ذلك فإنه ليس بنجس ولا ينقض الوضوء سواء كان قليلا أم كثيرا.
***
أحسن الله إليكم هذه السائلة تقول تقليم الأظافر بعد الوضوء هل يبطله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: تقليم الأظافر بعد الوضوء لا يبطل الوضوء حلق الرأس بالنسبة للرجال بعد الوضوء لا ينقض الوضوء وقد استدل بعض العلماء بكون حلق الرأس بعد الوضوء لا ينقض الوضوء استدل لذلك بأن خلع الخفين بعد الوضوء لا ينقض الوضوء فكذلك حلق الرأس بعد الوضوء ولا شك أن القول الراجح في مسألة الخفين أن نزعهما لا ينقض الوضوء لعدم الدليل على ذلك والوضوء ثبت صحيحا بمقتضى دليل شرعي وما ثبت بمقتضى دليل شرعي فإنه لا يرفع إلا بدليل شرعي.
***
بارك الله فيكم المستمعة ن. ع. من الزلفي تقول فضيلة الشيخ أنا أعاني من كثرة الوساوس وبالخصوص في الصلاة والوضوء فعندما أتوضأ أشك في وضوئي فأعيده كذلك في الصلاة أحيانا أشك بعدم قراءتي للفاتحة أو غير ذلك ما الحل أرشدوني مأجورين؟

(119/53)

فأجاب رحمه الله تعالى: الحل أن يتعوذ الإنسان من الشيطان الرجيم إذا حصلت له هذه الشكوك وألا يلتفت إليها وأن يعرض عنها إعراضا تاما وقد أرشد إلى مثل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين (شكي إليه الرجل يخيل إليه إنه يجد الشيء في الصلاة فقال لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) فإذا توضأت وشككت هل أنت أتممت الوضوء أم لم تتميه فالأصل الإتمام لا تلتفتي وإذا شككت أنك نويت أم لم تنوي فالأصل النية وإذا شككت سميت أم لم تسمي فالأصل التسمية وأقول هذا فيمن ابتلي بالوسواس لأن الذي ابتلي بالوسواس لا تكون شكوكه إلا وهما ليس لها أساس وعلى هذا فلا تلتفتي إلى مثل هذه الشكوك أبدا لا في الصلاة ولا في الوضوء وأنا أظن كما هو الواقع كثيرا أنك إذا ضغطتي على نفسك ولم تلتفتي إلى هذا الوسواس فستجدين مشقة وضيقا وألما نفسيا ولكن هذا يزول قريبا فاصبري عليه وفي مدة يسيرة يزول.
***
السائلة تقول بأني أغسل العضو المراد غسله في الوضوء أكثر من المطلوب بسبب الوسواس وأيضا في الصلاة أعيد قراءة الفاتحة اكثر من مرة واكرر أيضا التسليم عدة مرات وفي إحدى المرات دار خلاف بيني وبين زوجي حول هذا الموضوع فقال بأن هذا محرم فما رأيكم فضيلة الشيخ؟

(119/54)

فأجاب رحمه الله تعالى: رأينا أن الزيادة في الوضوء على ثلاث من تعدي حدود الله وقد قال الله تبارك وتعالى (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أنه توضأ مرة مرة) (ومرتين مرتين) (وثلاثا ثلاثا) وقال (من زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم) وكذلك يقال في الصلاة لا يكرر المصلى أذكار الصلاة أكثر من مرة إلا ما وردت به السنة فلا يكرر الفاتحة ولا التكبيرة ولا قراءة سورة مع الفاتحة وأما ما ورد فيه التكرار كالتسبيح في الركوع وفي السجود لا بأس به يكرر ما شاء وإني أنصح هذه المرأة من التمادي في الوسواس وأقول إنه ربما تصل إلى حال شديدة لأن الشيطان يستدرج بني آدم من الأصغر إلى الأكبر والعياذ بالله فعليها أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وألا تزيد على ما جاءت به الشريعة لا في وضوءها ولا في صلاتها.
***
الحاج تركي أسود يقول عندما أبدأ في الصلاة وفي منتصفها أشك في نقض الوضوء أحيانا ولذلك أتوضأ مرتين أو أكثر وسبب نقض الوضوء هو يقول انحناء في الظهر نرجو منكم إفادة؟

(119/55)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال أجاب عنه النبي صلى الله عليه وسلم حيث (سئل عن الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) فما دمت في صلاة الفريضة ثم طرأ عليك هذا الشك هل أحدثت أم لم تحدث فإنه لا يحل لك أن تخرج منها بل الواجب أن تستمر في صلاتك حتى تنتهي إلا إذا تيقنت أن شيئا خرج فإذا تيقنت ذلك فعليك أن تخرج ولا يحل لك أن تمضي بعد أن أحدثت وهذا الحديث الذي أفتانا به رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتبر قاعدة عظيمة من قواعد الشرع وهي أن اليقين لا يزول بالشك وأن الأصل بقاء ما كان على ما كان فما دامت الطهارة متيقنة فإنها لا تزول بالشك وما دامت باقية فإن الأصل بقاؤها حتى يثبت زوالها وفي هذا الحديث راحة للإنسان وطمأنينة للنفس حيث يبقى بعيدا عن الوساوس والشكوك لأنه بهذا الحديث يطرح الشك ويبني على ما استيقن وهي الطهارة أما إذا تيقن الحدث في أثناء الصلاة فإنه يجب عليه أن يخرج منها وهذا أمر قد يقع في أثناء الصلاة وبعض الناس يبقى في صلاته إذا كان في المسجد جماعة يخجل أن ينصرف من صلاته أمام الناس فهذا خطأ فإن الله تعالى أحق أن يخشى وأحق أن يستحي منه وفي هذه الحال أعني فيما إذا أحدث في أثناء صلاة الجماعة فإنه يخرج ويضع يده على أنفه كأنه حصل له رعاف حتى يزول عنه الخجل والحياء ثم يتوضأ ويرجع إلى المسجد ليدرك مع الجماعة ما بقي من الصلاة.
***
من المرسلة الحائرة أ. ص. ع. م. وردتنا هذه الرسالة تقول فيها أنا دائما أتوضأ للصلاة خمس مرات أو أكثر لأنني أشك في الطهارة فما هو الحل لديكم وفقكم الله؟

(119/56)

فأجاب رحمه الله تعالى: الحل لدينا أن تكثر هذه المرأة من ذكر الله تعالى والاستعاذة من الشيطان الرجيم وأن لا تلتفت إلى ما عملت بعد انتهاء عملها منه فإذا توضأت أول مرة فإنها لا تعيد الوضوء مرة ثانية مهما طرأ على بالها من الشك والوسواس لأنها إذا فتحت على نفسها هذا الأمر فربما يصل بها الوسواس إلى أن تشك في صلاتها وفي إيمانها وإسلامها وهذا ضرر وخطر عظيم فالواجب عليها الإكثار من ذكر الله والاستعاذة من الشيطان الرجيم عند حدوث هذا وألا تلتفت إليه ما دام فعلته فلا تعيده مرة ثانية.
***
أبو عبد الله يقول إذا دخل الشخص دورة المياه وفي نيته أنه يتوضأ لكن بعد الخروج لا يدري هل توضأ أم لا وقد تكرر ذلك عنده عدة مرات؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان هذا الشك الذي يعتريه شكا دائما فإنه لا يلتفت إليه لأنه يشبه الوسواس بل هو وسواس أما إذا كان طارئا فإنه يجب عليه أن يتوضأ لأنه شك في وجود الوضوء والأصل عدم وجوده وقد ذكر بعض العلماء ضابطا للشك.
فقال (والشك بعد الفعل لا يؤثر.....وهكذا إذا الشكوك تكثر) فنقول لهذا السائل إذا كانت أكثر عادتك أنك تتوضأ وكثرت عليك الشكوك في أنك لم تتوضأ فابني على العادة الأكثر وعلى أنك متوضئ أما إذا كان الشك نادرا فإنه يجب عليك أن تتوضأ لأن الأصل عدم وجود الوضوء.
***
من سلطنة عمان، صحار السائل س. م. ج. يقول كنت ذات يوم أصلى إماما لصلاة الجمعة وفي التشهد الأخير من صلاتي بالناس شككت في وضوئي هل توضأت أم لا علما أنني قبل موعد الصلاة بربع ساعة تقريبا اغتسلت غسل الجمعة ولكني لم أتأكد هل توضأت بعده أم لا فهل يكفي ذلك الغسل وإن كنت لم أنو به الطهارة من الحدث الأصغر أم لا وإن لم يكن كافيا فماذا علي أن أفعل وما الحكم في صلاة المأمومين خلفي؟

(119/57)

فأجاب رحمه الله تعالى: قبل الإجابة على هذا السؤال أحب أن أبين قاعدة نافعة في باب الحدث وغيره وهي أن الأصل بقاء ما كان على ما كان وهذا الأصل مبني على ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (في الرجل يخيل إليه أنه أحدث فقال لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) ومن أمثلة هذا الأصل إذا كان الإنسان قد توضأ فشك هل أحدث أم لا فإنه يبقى على وضوئه وطهارته لأن الأصل بقاء الطهارة وعدم الحدث ومن هذا الأصل إذا أحدث الإنسان ثم شك هل رفع حدثه أم لم يرفعه فإن الأصل بقاء الحدث وعدم رفعه فعليه أن يتوضأ إن كان الحدث أصغر وأن يغتسل إن كان الحدث أكبر وبناء على ذلك فإننا نقول في مثل هذه الحال التي ذكرها السائل لو شك الإمام في أثناء الصلاة في التشهد الأخير أو فيما قبله هل تطهر من حدثه أم لا فإن الأصل عدم الطهارة وحينئذ يجب عليه أن ينصرف من صلاته وأن يعهد إلى أحد المأمومين بإتمام الصلاة بهم إماما فيقول مثلا تقدم يا فلان أكمل الصلاة بهم ويبنون على ما مضى من صلاتهم هذا هو القول الراجح في هذه المسألة وبه يتبين أن صلاة المأمومين ليس فيها خلل سواء ذكر الإمام في أثناء الصلاة أو بعد تمام صلاته أنه ليس على طهارة فإن ذكرها بعد تمام صلاته فقد انتهت صلاة المأمومين على أنها صحيحة ولا إشكال فيها وإن ذكر في أثناء صلاته فإن المأمومين لم يفعلوا شيئا يوجب بطلان صلاتهم لأنهم فعلوا ما أمروا به من متابعة هذا الإمام والأمر الخفي الذي لا يعلمون به ليسوا مؤاخذين به لقوله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وكوننا نلزمهم بأمر خفي يتعلق بالإمام هذا من الأمور التي لا تدخل تحت الوسع وعلى هذا فنقول إذا تبين للإمام في أثناء صلاته أنه ليس على وضوء أو أحدث في أثناء الصلاة فإنه يعهد إلى واحد من المأمومين أن يتقدم ويكمل بهم الصلاة ولا حرج في ذلك وعلى هذا فنقول للأخ السائل إذا حدث منك مثل هذا في صلاة الجمعة

(119/58)

فإنك تعهد إلى أحد المأمومين يتقدم يكمل بهم صلاة الجمعة وأما أنت فتذهب وتتطهر ثم ترجع فإن أدركت ركعة من الصلاة مع الجماعة في الجمعة فأت بعدها بركعة واحدة لتكون لك جمعة وإن أدركت أقل من ركعة بأن جئت بعد أن رفع الإمام رأسه من الركوع في الركعة الثانية فقد فاتتك الجمعة فتصلىها ظهرا.
***
تقول السائلة إذا وطئت بقدمي الفراش وهو مبلول بالماء الذي غسل به فهل تكون رجلي قد تنجست من هذا البول وما العمل لو تركت النجاسة حتى جف موضعها واشتبه علينا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا وطئت برجلك وهي رطبة على هذا الموضع الذي طهر فإنه لا يؤثر لأن المكان صار طاهرا وأما ترك هذا المكان حتى يجف ويشتبه فإن هذا لا ينبغي وإذا قدر أنه وقع واشتبه الأمر فإنه يجب التحري بقدر الإمكان ثم يغسل المكان الذي يظن أنه هو الذي أصابته النجاسة وقلت أنه لا ينبغي تأخير غسل النجس لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان منهجه المبادرة في إزالة النجاسة فإنه (أتي له بصبي فوضعه في حجره فبال على حجره فدعا عليه الصلاة والسلام بماء فاتبعه إياه) ولم يؤخر غسله ولما (بال الأعرابي في طائفة المسجد أي في جانب منه أمر النبي عليه الصلاة والسلام بذنوب من ماء فأريق عليه فورا) فعلم من هذا أن هدي الرسول عليه الصلاة والسلام هو المبادرة في إزالة النجاسة وذلك لسببين.
أولا: المسارعة إلى إزالة الخبث والأذى فإن الأذى والخبث لا يليق بالمؤمن فالمؤمن طاهر وينبغي أن يكون كل ما يلابسه طاهرا.

(119/59)

وثانيا: أنه إذا بادر بغسله فإنه أسلم له لأنه ربما ينسى إذا أخر غسله من فوره وحينئذ قد يصلى بالنجاسة وربما يتلوث أو ربما تعدى ماء النجاسة إلى مكان آخر. وأقول ربما يصلى بالنجاسة وليس معنى ذلك أنه إذا صلى بالنجاسة ناسيا أن صلاته تبطل فإن القول الراجح أنه إذا صلى بالنجاسة ناسيا أو جاهلا فإن صلاته صحيحة مثل لو أصاب ثوبه نجاسة تهاون في غسلها أي لم يبادر بغسلها ثم صلى ناسيا غسلها فإن صلاته تصح لقوله تعالى (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) وكذلك لو كان جاهلا بها ولم يعلم بها إلا بعد أن صلى فإن صلاته تصح للآية السابقة. لكن إذا صلى وهو محدث ناسيا أو جاهلا فإنه يجب عليه إعادة الصلاة مثل لو نقض وضوءه ثم حضرت الصلاة فصلى ناسيا نقض وضوءه ثم ذكر بعد ذلك فإنه يجب عليه أن يعيد الصلاة بعد الوضوء وكذلك لو دعي إلى وليمة فأكل لحما لا يدري ما هو وصلى ثم تبين له بعد صلاته أنه لحم أبل فإنه يجب عليه أن يتوضأ ويعيد الصلاة وإن كان جاهلا حين أكله أنه لحم أبل والفرق بين هذا وبين الأول يعني الفرق بين من صلى محدثا ناسيا أو جاهلا فإنه يجب عليه إعادة الصلاة دون من صلى بنجاسة ناسيا أو جاهلا فإنه لا يجب عليه إعادة الصلاة الفرق بينهما أنه في مسألة الحدث ترك مأمور وترك المأمور ناسيا أو جهلا يسقط الإثم بتركه لكن لا يسقط إعادة الصلاة لأن المطلوب فعلها على الوجه الصحيح ولا يمكن ذلك إلا بإعادة الصلاة، وأما من صلى بثوب نجس ناسيا أو جاهلا فإن هذا من باب فعل المحظور وفعل المحظور ناسيا أو جاهلا يسقط به الإثم لجهله ونسيانه وإذا سقط الإثم صار لم يفعل محرما وحينئذ تكون الصلاة كأنه لم يفعل فيها هذا المحرم.
***
أحسن الله إليكم السائل سلطان عبد الرحمن يقول هل يجوز مس المصحف من غير وضوء مع وضع حاجز قماش أو نحوه؟

(119/60)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز للإنسان أن يضع قماشا يحول بينه وبين مس المصحف ويقرأ فيه ولو كان على غير وضوء وهنا يقول السائل هل يجوز مس المصحف مع وضع قماش؟ وهذا التعبير غير صحيح لأنه إذا كان هناك قماش لم يكن هناك مس المس لا يمكن إلا إذا لم يكن هناك حائل والصحيح أنه لا يجوز مس المصحف والإنسان على غير وضوء بدون حائل لقوله في الحديث الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن حازم (أن لا يمس القرءان إلا طاهر) وهذا الحديث وإن كان مرسلا لكنه قد اعتبره أهل العلم وأخذوا به وفرعوا عليه مسائل كثيرة في الفقه وعليه فلا يجوز مس المصحف إلا إذا كان على طهارة وأما إذا وضع حائلا فإنه ليس بماس له فلا حرج فإن قال قائل ما تقولون في الصبيان الذين يحملون جزءا من القرآن الكريم وهم على غير وضوء؟ نقول إن بعض العلماء قال إن الصبيان يستثنون من هذا لأن الصبي غير مكلف فلا يجب عليه شيء ومنهم من قال إنه وإن لم يجب عليه شيء لكن يجب على وليه أن يمنعه من مس المصحف بلا وضوء ولكن هنا الحاجة قائمة لمس المصحف بدون وضوء لأن الصبي قد يكون غير عارف بالوضوء ثم لو توضأ فليس مضمونا أن يحفظ نفسه من الحدث فيعفى عن ذلك للمشقة والله أعلم.
***
بارك الله فيكم تقول هذه السائلة هل يجوز مس المصحف بغير وضوء ولو كان الفرد مثلا في سيارة وأراد أن يقرأ من المصحف وهو غير متوضيء فهل يجوز له مس المصحف؟

(119/61)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا أراد الإنسان أن يقرا القرآن من المصحف وهو غير متوضيء فلا حرج عليه لكنه لا يباشر مس المصحف بل يجعل بينه وبينه حائلا إما بأن يلبس قفازين وإما بان يضع منديلا يحول بينه وبين مس المصحف وهذا هو القول الراجح من أقوال العلماء وذلك لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في الكتاب الذي كتبه لعمرو ابن حزم (لا يمس القرآن إلا طاهر) وهذا الكتاب وإن كان مرسلا تكلم فيه العلماء لكن تلقاه أهل العلم بالقبول وعملوا بما فيه من أحكام وتلقي الأمة بالقبول لحديث مرسل يدل على أن له أصلا ولأن الوضوء من تعظيم كتاب الله عز وجل فكان ينبغي للإنسان ألا يمس القرآن إلا وهو متوضيء.
***
تقول السائلة من القصيم البعض من المعلمات تضطر أن تمسك المصحف وهي غير طاهرة وذلك في مجال التعليم الابتدائى علما بأن المصحف مضافا إلى كتاب التوحيد والفقه فهل يعتبر هذا في حكم المصحف؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان المصحف مضافا إلى كتاب التوحيد والفقه وكان هذا المجلد أكثر ما فيه من غير القرآن فإنه لا بأس بمسه لأنه لا يعد مصحفا إذ أن أكثره ليس من القرآن وأما إذا أضيف إلى غيره وأكثره من القرآن فإنه في حكم المصحف فلا يجوز لمن عليه حدث أكبر أو أصغر أن يمسه بيده مباشرة ولكن يمكن أن يمسه من وراء حائل بأن يجعل على يده منديلا أو تلبس المرأة قفازين أو ما أشبه ذلك.
***
محمد عثمان معلم باليمن الشمالي يقول في رسالته أعمل في مدرسة وهي بعيدة عن القرية وأدرس التلاميذ القرآن الكريم ولا يوجد ماء في المدرسة أو بالقرب منها للوضوء والقرآن (لا يمسه إلا المطهرون) فماذا أفعل في هذه الحالة أثابكم الله؟

(119/62)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا لم يكن في المدرسة ماء ولا في قربها فإنه ينبه على الطلبة أن لا يأتوا إلا وهم متطهرون وذلك لأن المصحف لا يمسه إلا الطاهر لحديث عمرو بن حزم الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم له -وفيه- (أن لا يمس القرآن إلا طاهر) والطاهر هنا الرافع للحدث بدليل قوله تعالى في آية الوضوء والغسل والتيمم (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون) ففي قوله (ليطهركم) دليل على أن الإنسان قبل أن يتطهر لم تحصل له الطهارة وعلى هذا فلا يجوز لأحد أن يمس القرآن إلا وهو طاهر متوضئ إلا أن بعض أهل العلم رخص للصغار أن يمسوا القرآن لحاجتهم لذلك وعدم إدراكهم للوضوء ولكن الأولى أن يؤمر الطلاب بذلك أي بالوضوء حتى يمسوا المصحف وهم على طهارة وأما قول السائل لأن القرآن (لا يمسه إلا المطهرون) فكأني به يريد أن يستدل بهذه الآية على وجوب التطهر لمس المصحف والآية ليس فيها دليل لهذا لأن المراد بقوله (لا يمسه إلا المطهرون) الكتاب المكنون وهو اللوح المحفوظ والمراد بالمطهرون الملائكة ولو كان يراد بها المتطهرون لقال لا يمسه إلا المطهرون أو إلا المتطهرون ولم يقل (إلا المطهرون) وعلى هذا فليس في الآية دليل على أنه لا يجوز مس المصحف إلا بطهارة لكن الحديث الذي أشرنا إليه آنفا هو الذي يدل على ذلك.
***
المستمع ف. ر. ج. من سوريا يقول فضيلة الشيخ هل تصح قراءة القرآن بغير وضوء أرجو منكم إجابة مأجورين؟

(119/63)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم تجوز قراءة القرآن بغير وضوء وقد قالت عائشة رضي الله عنها (كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه) وقراءة القرآن من ذكر الله لكنها لا تجوز إذا كان الإنسان جنبا حتى يغتسل (لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرئ أصحابه القرآن ما لم يكونوا جنبا) كما جاء ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأما مس المصحف فلا يجوز إلا بوضوء لأن في حديث (عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: لا يمس القرآن إلا طاهر) وهذا الحديث وإن كان مرسل إلا أن الأمة تلقته بالقبول والمرسل إذا تلقته الأمة بالقبول صار صحيحا والطاهر هنا الطاهر من الحدث وليس المؤمن لأنه لم يكن من عادة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يعبر عن المؤمن بالطاهر ويدل على أن الطاهر هو المتوضئ قول الله تبارك وتعالى في آية الوضوء التي جمع الله فيها بين الوضوء والغسل والتيمم (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم) وعلى هذا فلا يحل للإنسان إذا كان على غير وضوء أن يمس المصحف إلا من وراء حائل بأن يجعل منديلا على يده أو قفازا أو يتصفح المصحف بسواك أو نحوه.
***
السائل عبد الرحمن يوسف يقول هل يجوز لي أن أقرأ القرآن على صدري وأنا على غير وضوء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز لحافظ القرآن أن يقرأ القرآن على غير وضوء ولكن الأفضل أن يكون على وضوء أما من يقرأ في المصحف فلا بد أن يتوضأ لأنه لا يتسنى له أن يمس المصحف إلا بوضوء لكن يمكن أن يقرأ من المصحف وإن لم يتوضأ بان يلبس قفازا أو يجعل معه منديلا يقلب به الأوراق أو مسواكا يقلب به الأوراق ويقرأ.
***
السائل محمد علي من المنطقة الجنوبية يقول هل يجوز أن أقرأ القرآن بغير وضوء؟

(119/64)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز أن تقرأ القرآن بغير وضوء لكن لا تمس المصحف فإن احتجت إلى مس المصحف فأجعل بينك وبينه حائلا بأن تمسه بواسطة المنديل أو المسواك تقلب به الورق أو ما أشبه ذلك لأن القول الراجح أنه لا يجوز أن يمس القرآن إلا طاهر كما في حديث عمرو بن حزم المشهور المستفيض أما قراءة القرآن بدون مس المصحف فهي جائزة للمحدث إلا أن يكون الإنسان جنبا فإنه لا يقرأ القرآن حتى يغتسل من الجنابة (لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرئ القرآن أصحابه ما لم يكن جنبا).
***

(119/65)

باب الغسل
كيف يكون غسل الجنابة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: غسل الجنابة له صفتان واجبة ومستحبة أما الواجبة فهي أن يغسل الإنسان بدنه كله لقوله تعالي (وإن كنتم جنبا فاطهروا) فإذا غسل الإنسان بدنه كله على إي صفة كانت بنية أجزأه ذلك ومن المعلوم أن المضمضة والاستنشاق داخلان في هذا لأن الأنف والفم في حكم الظاهر لا في حكم الباطن ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتمضمض ويستنشق في الوضوء وهذا في تفسير قوله تعالى (فاغسلوا وجوهكم) فعلى كل حال هذه الصفة الواجبة في الغسل أن يعم الإنسان جميع بدنه بالماء مرة واحدة ومن ذلك المضمضة والاستنشاق وأما الصفة المستحبة فهو أن يغسل فرجه وما لوثه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة وضوءا كاملا يغسل وجهه بعد المضمضة والاستنشاق ويغسل يديه إلى المرفقين ويمسح رأسه وأذنيه ويغسل رجليه ثم بعد ذلك يفيض الماء على رأسه حتى يروي أصوله إذا كان ذا شعركثير ثم يفيض عليه ثلاثة مرات على الرأس ثم يغسل سائر جسده هذا على صفة ما روته عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أما ما روته ميمونة رضي الله عنها فإن الأمر يختلف بعض الشيء فإنه يغسل فرجه وما لوثه ويضرب بيده على الأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثة لينظفها بعد هذا الغسل ويغسلها ثم يتمضمض ويستنشق ويغسل وجهه ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثم يغسل رأسه غسلا كاملا ولا يغسل رجليه ثم بعد ذلك يفيض الماء على سائر جسده ثم يغسل رجليه في مكان آخر هكذا روته أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها والأفضل للإنسان أن يفعل الصفتين جميعا بمعني أن يغتسل على صفة ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها أحيانا وعلى صفة ما جاء في حديث ميمونة أحيانا ليكون عاملا للسنتين جميعا وإذا كان الإنسان لا يدرك إلا صفة واحدة من هاتين الصفتين فلا حرج عليه في ملازمتها, ولا يلزم إعادة الوضوء لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتوضأ بعد الغسل

(120/1)

لكن إن مس ذكره فإنه يجب عليه الوضوء لا من أجل جنابة سابقة ولكن من أجل الحدث الطارئ وهو مس الذكر إذا قلنا بأن مس الذكر ينقض الوضوء لأنها مسألة خلافية بين أهل العلم والله الموفق.
***
هذه الرسالة وردتنا من عبد الله عمر من جدة فيها أسئلة كثيرة كلها تدور حول الغسل من الجنابة وخرجنا من مجملها بالسؤال التالي ما هي كيفية الغسل من الجنابة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: للغسل من الجنابة كيفيتان واجبة ومستحبة أما الواجبة فهي تعميم جميع الجسم بالغسل بمعنى أن يغسل جميع جسمه بالماء على أي كيفية كانت ومنها لو نوى وانغمس في بركة أو في ساقيه تمشي انغمس كله حتى عم الماء جميع بدنه فإنه بذلك يكون قد تطهر من الجنابة والكيفية الثانية المستحبة هي كالآتي:
أولا: يغسل يديه أي كفيه ثلاث مرات.
ثانيا: يغسل فرجه وما تلوث به من أثر الجنابة.
ثالثا: يتوضأ وضوءه للصلاة أي يتمضمض ويستنشق ويغسل وجهه وذراعيه ويمسح رأسه وأذنيه ويغسل رجليه.
رابعا: يغسل رأسه فإذا ظن أنه أروى بشرته أفاض عليه ثلاث مرات ولا بد أن يصل الماء إلى أصول الشعر.
خامسا: يغسل بقية جسمه بالماء مرة واحدة فهذه كيفية مشروعة كما جاء ذلك في حديث عائشة رضي الله عنها في صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة وإن اغتسل على ما جاء في حديث ميمونة رضي الله عنها فلا حرج وهو قريب من هذه الصفة إلا أنه يختلف بأنه لا يغسل رجليه إذا توضأ في أول الأمر وإنما يؤخر غسلها حتى ينتهي من الغسل ويغسلها بعد ذلك كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم.
***
أحسن الله إليكم يا شيخ أبو فيوض العتيبي من الرياض يقول هل غسل الجنابة مثل غسل يوم الجمعة أو غسل التنظف؟

(120/2)

فأجاب رحمه الله تعالى: ينبغي أن يقول هل غسل الجنب الجمعة كغسل الجنابة لأن هذا أولى. غسل الجنابة وغسل الجمعة سواء بمعنى أن الإنسان عندما ينظف فرجه من أثر الجنابة يتوضأ وضوءا كاملا ثم يفيض الماء على رأسه حتى يرويه ثلاث مرات ثم يغسل سائر جسده هذا في الغسل من الجنابة ومثله الغسل يوم الجمعة ومثله الغسل عند الإحرام بحج أو عمرة وإذا أغتسل من الجنابة واقتصر عليه كفاه عن الوضوء فيما بعد ولكن يجب أن يلاحظ أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الوضوء وواجبان في الغسل لابد منهما فإذا اغتسل بنية رفع الجنابة مع المضمضة والاستنشاق وهما من الغسل وإنما ذكرتهما لأن بعض الناس يظن أن الغسل ليس فيه مضمضة ولا استنشاق فإنه يكفيه عن الوضوء حتى لو انغمس في بركة ماء ثم خرج وكان أنغمس بنية غسل الجنابة ثم خرج وتمضمض وأستنشق فليذهب فليصل لأن غسل الجنابة مبيح للصلاة قال الله تبارك وتعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا) ولم يذكر الله سبحانه وتعالى في الجنابة إلا التطهر والاغتسال ولم يذكر الوضوء فدل هذا على أن الغسل من الجنابة رافع للحدث الأصغر والأكبر.
***

(120/3)

أولا أود أن أخبركم بأنني أحبكم في الله وأحب كل من ينتفع بعلمه المسلمين وجزاكم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء ورزقكم الدرجات العليا من الجنة إن شاء الله وأقول لكل من يساهم في هذا البرنامج جزاه الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء ثانيا أرسل لفضيلتكم برفقة هذا الخطاب صور من كتاب كيفية الصلاة وفي هذا الكتاب يتحدث المؤلف عن كيفية الصلاة حيث تناول من ضمن ذلك الحديث عن الغسل حيث ذكر الأحوال التي يجب فيها الغسل كما ذكر فرائض الغسل وذكر من ضمن الفرائض النية حيث ذكر الكاتب بأنه عندما يريد الإنسان أن يغتسل عليه أن ينوي بقلبه لفرض وأن يتلفظ بالنية بأن يقول نويت فرض الغسل فلا مانع ويجوز منه ذلك. والسؤال هل يجوز التلفظ بالنية مع أننا نعرف بأن التلفظ بالنية بدعة فهل هذا صحيح وذلك موضح لديكم بالصورة المرفقة بالخطاب وأيضا ذكر الكاتب بأن الفرض الثاني هو تعميم الجسد بالماء؟

(120/4)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال مطول كما استمع إليه من يستمع هذا البرنامج وفيه تقول أنها تحبنا في الله فأسأل الله تعالى الذي أحبتنا فيه أن يحبها وفيه أيضا حينما دعت بالتوفيق ورفعة الدرجات قالت في نهاية دعائها (إن شاء الله) ولا ينبغي للإنسان إذا دعا الله سبحانه وتعالى أن يقول إن شاء الله في دعائه بل يعزم المسألة ويعظم الرغبة فإن الله سبحانه وتعالى لا مكره له وقد قال سبحانه وتعالى (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم) فوعد بالاستجابة فحينئذ لا حاجة لأن يقال إن شاء الله فإن الله سبحانه وتعالى إذا وفق الإنسان للدعاء فإنه يجيبه إما بمسألته أو بأن يرد عنه شرا أو يدخرها له يوم القيامة وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا يقول أحدكم اللهم اغفر لي إن شيءت اللهم ارحمني إن شيءت ولكن ليعزم المسألة وليعظم الرغبة فإن الله تعالى لا مكره له) فإن قال قائل ألم يثبت (عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول للمريض لا بأس طهور إن شاء الله) فنقول بلى ولكن هذا يظهر أنه ليس من باب الدعاء وإنما هو من باب الخبر والرجاء وليس دعاء فإن الدعاء من آدابه أن يجزم به المرء وهذا التعبير يقع من كثير من الناس وأما ما ذكرته من أن الرجل إذا دخل مغتسله فإنه يستقبل القبلة عند الغسل فهذا ليس بصحيح فإن جميع الذين نقلوا صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكروا أنه كان يستقبل القبلة حين اغتساله ولو كان هذا من الأمور المشروعة لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته إما بقوله وإما بفعله فلما لم نجد ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وجود سببه لو كان مشروعا علم أنه ليس بمشروع وهذه القاعدة تنفع الإنسان في هذا المقام وغيره وهو أن كل شيء وجد سببه في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ولم يشرع له قول أو فعل فإنه ليس بمشروع أي فإنه لا يشرع له قول ولا فعل ومن ذلك النية نية العبادة أي

(120/5)

التلفظ بها فإن العبادات كان الرسول عليه الصلاة والسلام يفعلها ولا يتلفظ بالنية لها ولو كان هذا مشروعا لفعله ولو فعله لنقل إلينا كذلك استقبال القبلة حين الغسل نقول هذا وجد سببه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وهو الغسل ولم ينقل عنه أنه كان يتجه إلى القبلة حين اغتساله ولو كان مشروعا لفعله ولو فعله لنقل إلينا.
***
عندما يحتلم الشخص فهل يغسل جميع جسمه أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا احتلم الرجل أو المرأة فإن رأيا آثر المني بعد اليقظة وجب عليهما الغسل ويجب تعميم البدن بالماء أما إذا احتلم الإنسان ولم ير شيئا فإنه لا يجب عليه الغسل لأن النبي صلى الله عليه وسلم (سئل عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل هل عليها الغسل قال نعم إذا هي رأت الماء) فقيد النبي صلى الله عليه وسلم وجوب الغسل بما إذا رأت الماء.
***
أحسن الله إليكم السائل طاهر أحمد من اليمن يقول هل الوضوء وترتيب غسل الأعضاء في غسل الجنابة شرط لصحة الغسل أم يكفي النية وغسل الجسم مرة واحدة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يكفي غسل الجسم مرة واحدة مبتدءا بأي جهة منه مع المضمضة والاستنشاق لكن الأفضل أن يغسل الإنسان فرجه أولا وما لوثه من الجنابة ثم يتوضأ وضوءا كاملا ثم يفيض الماء على رأسه ثلاثة مرات فإذا أرواه أفاض الماء على سائر جسده مبتدئا بالأيمن من الجسد هذا هو الأفضل وإن أتى بالغسل مرة واحدة كفى لقول الله تعالى (وإن كنتم جنبا فاطهروا) ولم يذكر وضوءا وعلى هذا فلو أن إنسانا نوى الغسل من الجنابة وانغمس في نهر أو بحر أو بركة ثم خرج وتمضمض واستنشق فقد ارتفع عنه الحدث فيصلى وإن لم يتوضأ.
***
بارك الله فيكم هذا المستمع إبراهيم سوداني يقول رجل اغتسل غسل الجنابة ولم يصب الماء ثلاثة مرات على رأسه فهل غسله صحيح أم لا؟

(120/6)

فأجاب رحمه الله تعالى: الغسل الواجب الذي تبرأ به الذمة أن يعم الإنسان الماء جميع بدنه بمعنى أن يوصل الماء إلى جميع بدنه من رأسه وماتحت الشعر إلى جميع الجسد على أي صفة كانت لقول الله تعالى (وإن كنتم جنبا فاطهروا) ولكن الأفضل أن يغتسل كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وصفته أن يغسل كفيه ثلاثا ثم يغسل فرجه وما لوثه ثم يتوضأ وضوءا كاملا ثم يحثي الماء على رأسه ثلاث مرات حتى يرويه ثم يغسل سائر جسده هذا هو الأكمل والأفضل وأما الواجب فأن يعم الماء جميع بدنه وبناء على هذا يتبين أن ما فعله السائل صحيح وأن الجنابة قد ارتفعت به.
***
أحسن الله إليكم سائلة تسأل هل كيفية الغسل من الجنابة مثل كيفية الغسل من الحيض - أعني - غسل المرأة من الحيض مع توضيح ذلك مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: غسل الجنابة وغسل الحيض شيء واحد إلا أن الحائض ينبغي لها أن تبالغ في التنظيف وتغسل رأسها أيضا بالسدر لأنه أنظف وأطيب.
***
أحسن الله إليكم هذا السائل يقول هل يجوز للشخص أن يغتسل بالماء العادي دون أن يستعمل منظفات كالشامبو مثلا إذا كان عليه حدث؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم قال الله تبارك وتعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا) وذلك بالماء فالماء يكفي في الاغتسال من الجنابة ولكن إذا قدر أن على جسده دهن أو كانت مادة الدهن في جسده كثيرة فهنا لابد أن يمر يده على جسمه حتى يتيقن من أن الماء أصاب جميع جسده لأن غسل الجنابة لا بد أن يشمل جميع البدن ومن ذلك المضمضة والاستنشاق.
***
المستمعة أم عمر من العراق تسأل هل غسل الجسم والمسح على الرأس والتشهد دون تبليل الرأس يعتبر تطهر من الجنابة؟

(120/7)

فأجاب رحمه الله تعالى: يقول الله عز وجل في كتابه العزيز (وإن كنتم جنبا فاطهروا) فلابد من تطهير جميع الجسد من الجنابة حتى الرأس وحتى ما تحت الشعر، فيجب على المرأة وعلى الرجل ذو الرأس الكثيف الشعر يجب عليهما جميعا أن يغسلا رؤوسهما غسلا يصل إلى أصول الشعر ويدخل فيما بين الشعر ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم عند الاغتسال (يصب على رأسه حتى إذا ظن أنه أروى بشرته أفاض عليه ثلاث مرات) قال أهل العلم ويخلل الشعر من أجل أن يتيقن دخول الماء إلى أصوله، وأما المسح على الرأس في غسل الجنابة فإنه لا يجزئ لأن المسح إنما يكون في الوضوء فقط كما قال الله تعالى (وامسحوا برءوسكم).
***
إذا ألصق الرجل على جسمه لصقه عن مرض في جسمه في ناحية من أنحاء الجسم ووجب عليه الغسل فهل يكفي الغسل أم يتعفر بالتراب أفتونا جزاكم الله عنا خير؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان على شيء من أجزاء جسمه لصقة وضعها لحاجة فإنه يمسحها إذا أغتسل أو إذا توضأ وهي في أعضاء الوضوء وهذا المسح قائم مقام الغسل كما أن المسح على الخفين في الرجلين قائم مقام غسلهما فإذا مسح عليهما أجزئه عن التيمم الذي هو العفور عند العامة ولا يجمع بين التيمم والمسح لأنه جمع بين طهارتين كل منهما بدل عن الأخرى ولا يجمع بين البدل والمبدل منه وعلى هذا فنقول إذا أصابتك الجنابة واللصقة في صدرك مثلا أو في ظهرك فامسحها عند الاغتسال ويجزئك ذلك عن التيمم وتكون طهارتك تامة.
***
امرأة وضعت على أظافرها مناكير ثم اغتسلت عن الحدث الأكبر وهي لم تزل هذه المناكير عن أظافرها ولم تتذكر إلا بعد ثلاث أو أربع ساعات فهل يلزمها إعادة الغسل بعد إزالة هذا المناكير؟

(120/8)

فأجاب رحمه الله تعالى: أولا لابد أن نسأل عن لبس هذا المناكير ولبس هذا المناكير فيما أعرف أنها أظافر طويلة إذا رآها الإنسان ظن أن أظافر المرأة طويلة وهذا لا شك أنه تقبيح وإظهار لأمر تخالف به المرأة الفطرة لأن الفطرة قص الأظافر وهذه عكس قص الأظافر بمعنى أنها تظهر المرأة وكأن أظافرها طويلة فهي تريد أن تتجمل بما يخالف الفطرة ونصيحتي لأخواتي أن يدعن هذه المناكير ثم إنها تقبح أصابع المرأة ولا تجملها ويحدث أحيانا أن تنسى المرأة إزالتها ثم تتوضأ أو تغتسل وهي عليها فلا يصح لها غسل ولا وضوء لأن هذه المناكير تمنع وصول الماء أما الإجابة عن السؤال فنقول إن عليها أن تعيد الغسل وأن تعيد الصلاة التي صلتها في هذا الغسل يعني في الغسل الأول الذي لم يصح.
***
السائل فتحي منصور من الجماهيرية الليبية يقول أنا أشكو من كثرة الشك في الطهارة من الجنابة لدرجة أنني أعيد الغسل مرة أخرى أو مرتين فما الحكم في هذا وماذا يجب علي؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحكم في هذا أن الشكوك إذا كثرت فإنه لا يلتفت إليها لأنه وسواس كما نص على ذلك أهل العلم وعليه فإذا كثرت الشكوك فاطرحها ولا تلتفت لها ولا تبال بها ولا تعد الغسل بل استمر في صلاتك وعبادتك ولا تعد شيئا من طهارتك.
***
يقول السائل ما حكم من أخر غسل الجنابة يوما أو أكثر بدون عذر؟

(120/9)

فأجاب رحمه الله تعالى: من أخر ذلك بدون عذر فإنه لا شك أنه آثم وأنه فعل جرما عظيما حيث صلى بدون طهارة والصلاة بدون طهارة من كبائر الذنوب حتى ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يكفر بذلك لأن ذلك من باب اتخاذ آيات الله هزوا لكن المشهور عند جماهير أهل العلم أنه لا يكفر من صلى محدثا ولكنه قد فعل إثما عظيما والعياذ بالله وعليه في مثل هذه الحال أن يتوب إلى ربه سبحانه وتعالى وأن يعيد الصلاة التي صلاها وعليه الجنابة لأنه صلى صلاة بغير طهور وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) .
***
أحسن الله إليكم هذا سائل من سوريا يقول بأنه طالب يدرس في سوريا والبرد في الشتاء يكون قارسا جدا يقول عندما أحتلم يصعب علي الغسل في الصباح الباكر خوفا من التعرض إلى المرض خاصة أنني أكون ذاهب إلى المدرسة ماذا أفعل مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: اغتسل من الجنابة والأمر الحمد لله متيسر السخانات في الحمامات ومن ليس عنده سخانا أمكنه أن يسخن الماء في القدر ونحوه ويغتسل ويكون اغتساله في محل لا يتعرض فيه للهواء والبرد ولا يحل له أن يدع الاغتسال إلا أن يكون مريضا يخشى على نفسه من زيادة المرض أو بطء البرء أو ما أشبه ذلك فلا بأس أن يتيمم حتى يسخن الجو ويغتسل بعد ذلك.
***
شكر الله لكم هذا الهادي محمد من اليمن الشمالي يقول في رسالته احتلمت في ليلة شديدة البرودة يتعذر فيها الاستحمام فقمت لصلاة الصبح وتيممت وصلىت الصبح وجاء الظهر فنسيت الجنابة وتوضيت وصلىت إماما وجاء العصر فتذكرت الجنابة فقمت واغتسلت وأعدت صلاة الصبح والظهر ولكن الجماعة تفرقوا أرجو أن تفيدوني عن هذا العمل وعن حكم صلاة الجماعة؟

(120/10)

فأجاب رحمه الله تعالى: أما صلاتك الصبح التي صلىتها بالتيمم نظرا لأنه لا يمكنك استعمال الماء لشدة برودته فإن كان عندك شيء يمكنك أن تسخن الماء فيه أو أن تسخن الماء به فإن تيممك لا يصح لأنه يمكنك أن تسخن الماء وتغتسل به ثم تصلى وإن لم يكن عندك ما تسخن به الماء وخفت على نفسك من البرد وتيممت فإن صلاتك الصبح صحيحة بالتيمم ولا حاجة إلى إعادتها وأما صلاة الظهر التي نسيت أن تغتسل عن الجنابة لها فإنها غير صحيحة ويجب عليك أن تعيدها وأما الجماعة الذين صلوا خلفك فإنه لا إعادة عليهم ذلك لأنهم لا يعلمون عن جنابتك شيئا وكل إمام فعل مفسدا في الصلاة لا يعلم عنه المأموم فإن صلاة المأموم لا تتأثر بفساد صلاته حتى إن الإمام لو دخل في الصلاة ناسيا لحدثه ثم ذكر في أثناء الصلاة فإن صلاة المأمومين لا تبطل بذلك بل في هذه الحال إذا تذكر أنه على غير طهارة في أثناء صلاته يجب عليه أن ينصرف من الصلاة وأما بالنسبة للمأمومين فإنه يقول لأحد منهم تقدم يا فلان فأتم بهم الصلاة فإن لم يفعل ذلك فلهم أن يتموها فرادا ولهم أن يقدموا أحدهم يتم بهم الصلاة وصلاتهم صحيحة على كل حال.
***
سؤال من المرسل عبد الكريم س. ع. من قبيلة سمر يقول أنه في ذات يوم قام قبل صلاة الفجر وقد احتلم وكان هذا اليوم شديد البرد فذهب إلى المدرسة بعد أن تعفر وصلى الفجر، ثم وهو في الطريق إلى المدرسة أراد أن يعود لكي يغتسل ولكنه لم يفعل وذهب إلى المدرسة ولما رجع الظهر أيضا لم يغتسل ويقول أرجو أن يبين أمري في هذا الموضوع؟

(120/11)

فأجاب رحمه الله تعالى: أمره في هذا الموقف أما بالنسبة لما مضى فإن عليه إعادة الصلاتين اللتين صلاهما بدون غسل من الجنابة لأنه في البلد ويستطيع أن يسخن الماء ويغتسل به وأما بالنسبة للمسألة من حيث هي فإن الرجل إذا استيقظ وعليه جنابة وخاف من البرد وليس لديه ما يسخن به فإنه يتيمم ولكنه إذا دفيء أو وجد ما يسخن به وجب عليه الغسل. ولو فرض أنه في سفر في بر والماء عنده لكنه بارد وليس عنده ما يسخن به ففي هذه الحال يجوز أن يتيمم عن هذه الجنابة وإذا قدر على استعمال الماء وكان لا يضره وجب عليه أن يغتسل.
***
عندما استيقظ من النوم متأخرا لصلاة الفجر وقد أحدثت حدثا يستدعي الغسل فإن عملية الغسل تفوتني إدراك الجماعة هل يجوز أن أتيمم وأدرك الجماعة أم لا بد من الغسل ولو فاتتني صلاة الجماعة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا بد من الغسل وإن فاتتك صلاة الجماعة لقول الله تعالى (وإن كنتم جنبا فاطهروا) ولأن الغسل من الجنابة شرط لصحة الصلاة وأما صلاة الجماعة فالصحيح أنها ليست بشرط لصحة الصلاة بل تصح صلاة الإنسان منفردا ولكنه يأثم إذا كان قادرا على حضور الجماعة ولم يحضر.
***
يقول المستمع إذا كان على الإنسان أكثر من غسل في البرية وتيمم لهذه الموجبات لعدم الماء ثم وصل بعد وقت إلى المدينة فهل من الأفضل أو من السنة أن يغتسل أم يجب عليه وجوبا الاغتسال عن تلك الجنابات؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يجب عليه وجوبا أن يغتسل عن الجنابات التي كانت عليه وتيمم عنها فإذا تيمم عن جنابة من أجل عدم الماء ثم وجد الماء وجب عليه أن يغتسل وإذا تيمم عن جنابة من أجل المرض ثم برئ من المرض يجب عليه أن يغتسل لأنه كما أسلفنا قبل قليل إذا زال المبيح للتيمم انتقض التيمم ووجب استعمال الماء وفي الحديث (فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته).
***

(120/12)

المستمع عبد المنعم دفع الله سوداني مقيم في القصيم يقول في رسالته إذا أصابت الرجل جنابة و أوجبت عليه الغسل وهو في نفس الوقت مريض بمرض يمنعه من الغسل بالماء فهل التيمم يغني عن الغسل بالماء حتى ولو زال المانع بعد أيام وهل التيمم لرفع الجنابة يغني عن الوضوء للفريضة إذا دخل وقتها في نفس وقت أداء رفع الجنابة أفيدونا بذلك مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا أصابت الرجل جنابة أو المرأة وكان مريضا لا يتمكن من استعمال الماء فإنه في هذه الحال يتيمم لقول الله تبارك وتعالى (وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) وإذا تيمم عن هذه الجنابة فإنه لا يعيد التيمم عنها مرة أخرى إلا بجنابة تحدث له أخرى ولكنه يتمم عن الوضوء كلما انتقض وضوءه والتيمم رافع للحدث مطهر للمتيمم لقول الله تعالى حين ذكر التيمم وقبله الضوء والغسل قال الله سبحانه وتعالى (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون) وثبت (عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) والطهور ما يتطهر به الإنسان وهذا يدل على أن التيمم مطهر لكن طهارته مقيدة بزوال المانع من استعمال الماء فإذا زال المانع من استعمال الماء فبريء المريض أو وجد الماء من كان عادما له فإنه يجب عليه أن يغتسل إذا كان تيممه عن جنابة وأن يتوضأ إذا كان تيممه عن حدث أصغر ويدل لذلك ما رواه البخاري من حديث أبي سعيد - الطويل - وفيه (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم فسأله ما الذي منعه فقال يا رسول الله أصابتني جنابة

(120/13)

ولا ماء فقال عليك بالصعيد فإنه يكفيك ثم حضر الماء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستقى الناس منه وبقى منه بقية فقال للرجل خذ هذا فأفرغه على نفسك) وهذا دليل على أن التيمم مطهر وكاف عن الماء لكن إذا وجد الماء فإنه يجب استعماله ولهذا أمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يفرغه على نفسه بدون أن يحدث له جنابة جديدة وهذا القول الذي قررناه هو القول الراجح من أقوال أهل العلم.
***
هذه رسالة وردتنا من سورية من محمد صلاح الدين يعقوب تتعلق بالحج يقول منذ سنتين قضيت فرض الحج والحمد الله، ولكن عندما كنت في الليلة الثالثة في منى احتلمت وأصبحت اليوم الثالث جنبا، وقبل طلوع الشمس تيممت وصلىت حتى المساء ورجمت الشيطان، وعند عودتي إلى مكة المكرمة اغتسلت وصلىت المغرب والعشاء وطفت طواف الإفاضة ومضيت، يقول حتى الآن لم أذبح أرجو إعلامي هل كان حجي صحيحا؟ وهل الذبح واجب أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لم يذكر تفاصيل الحج وكيفيته من أوله إلى أخره، لكن الذي ذكر الآن لا يوجب بطلان حجه، فحجه لا يفسد بما ذكره ولكن يجب عليه إذا احتلم في منى أو غيرها من المشاعر أن يغتسل فإن تعذر عليه ذلك وخاف فوات الوقت فإنه يتيمم، ولكن إذا تيمم لصلاة الفجر مثلا التي خاف فوات وقتها فإنه يتعين عليه أن يطلب الماء في النهار ليغتسل ويصلى بغسل.
فضيلة الشيخ: ألا يكفي التيمم عن الغسل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يكفي إلا إذا تعذر استعمال الماء فإن الواجب التطهر بالماء فإذا تعذر إما لعدم وجود الماء، وإما لخوف الضرر باستعماله جاز أن يتيمم.
فضيلة الشيخ: بالنسبة للبادية الذين يقيمون في البر يكون عليهم عدة جنابات ويتيممون عنها، هل يلزمهم إذا وردوا للبلد أن يغتسلوا؟

(120/14)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يلزمهم إذا وردوا إلى البلد وقدروا على الماء أن يغتسلوا عن الأشياء الماضية لأن الجنابة بالتيمم لا ترتفع ارتفاعا مطلقا وإنما ارتفاع حتى يوجد الماء، وهكذا أيضا في الوضوء إذا تيمم عن حدث أصغر ووجد الماء وجب عليه أن يتوضأ لقول النبي صلى الله عليه وسلم (الصعيد الطيب طهور المسلم أو قال وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجده فليتق الله وليمسه بشرته) فلابد من هذا، عودا على سؤال الأخ نقول وأما الهدي فلا ندري هل يجب عليه أم لا لأنه إذا كان متمتعا وهو قادر على الهدي وقت حجه وجب عليه أن يهدي، وكذلك إذا كان قارنا، أما إذا كان غير قارن ولا متمتع وهو مفرد فإنه لا يجب عليه الهدي.
***
بارك الله فيكم هذه رسالة وصلت من المستمع أ. ع. مقيم في الرياض يقول كنت جنبا في يوم كان شديد البرودة فخشيت على نفسي فلم أغتسل الغسل الكامل لجسدي بالماء بل اغتسلت من أسفل جسدي من السرة إلى أسفل وتوضأت وصلىت بغسلي هذا جميع الأوقات قرابة أسبوع فهل صلاتي تلك صحيحة أم علي الإعادة أرجو الإفادة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الاغتسال الذي قام به لا يجزئه وذلك لأن الاغتسال لا بد أن يعم جميع البدن والرجل هذا لم يغسل إلا أسافل بدنه ثم إن الظاهر من سؤاله أنه لم يتيمم وعلى هذا فيكون قد صلى بغير طهارة لا طهارة تيمم ولا طهارة ماء فتلزمه الإعادة أي إعادة ما صلى لأنه فرط في عدم السؤال وكان عليه أن يسأل من يومه عن هذا العمل ثم إني أقول إذا أصاب الإنسان جنابة في يوم شديد البرد وخاف على نفسه ولم يجد ما يسخن به الماء فإنه يتيمم ولا حاجة أن يغسل أسافل بدنه بل يتيمم عن الجنابة وإذا هيئ له فيما بعد أن يغتسل وجب عليه أن يغتسل.
***
بارك الله فيكم من ليبيا السائل م. م. أ. يقول من عليه جنابة واغتسل ليؤدي فريضة وبعد أن صلى نافلة قبل الفريضة انتقض غسله فهل يعيد الغسل أم يتوضأ وفقكم الله؟

(120/15)

فأجاب رحمه الله تعالى: من انتقض غسله فكأنه أصابته جنابة أخرى لأن الغسل لا ينتقض إلا بجنابة وعلى هذا فيلزمه أن يغتسل مرة ثانية لترتفع عنه الجنابة يعني لو أن الإنسان اغتسل من الجنابة ثم صلى نافلة ثم أجنب مرة ثانية وجب عليه أن يغتسل للصلاة المقبلة سواء كانت فريضة أم نافلة.
***
يقول السائل إذا اتصل الرجل بزوجته ولامسها حيث يكون الاتصال بالزوجة جنسيا وجاء وقت الصلاة ثم قام وتوضأ ثم صلى هل تصح صلاته مع أنني اتصلت بزوجتي في الفراش وقمت في الليل ولامستها ثم جاء وقت صلاة الصبح فقمت وتوضئت حيث أديت الوضوء بصورة كاملة ثم صلىت فهل صلاتي صحيحة أم علي إعادتها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت المباشرة موجبة للغسل فإن صلاتك هذه غير صحيحة وعليك إعادتها بعد الغسل وإذا كانت هذه المباشرة لا توجب الغسل فإن صلاتك صحيحة لأنك توضأت في حال لا يجب عليك سوى الوضوء والمباشرة التي توجب الغسل هي واحدة من أمرين إما جماع وإن لم يحصل إنزال فمتى جامع الرجل زوجته فإنه يجب عليه وعليها الغسل سواء حصل الإنزال منهما أو لم يحصل لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل) زاد مسلم (وإن لم ينزل) الأمر الثاني الذي يجب فيه الغسل الإنزال فمتى أنزل الإنسان وجب عليه الغسل سواء عن جماع أو مباشرة أو تذكر أو أي شيء كان متى أنزل أي دفق المني بشهوة فعليه الغسل وفي هذه الحال قد يجب الغسل على المرأة دون الرجل وقد يجب على الرجل دون المرأة وقد يجب عليهما جميعا فإذا حصل الإنزال من الرجل دون المرأة فإن عليه الغسل وحده وليس عليها غسل وإذا أنزلت هي دون الرجل فعليها الغسل دون الرجل وإذا أنزلا جميعا فعليهما جميعا الغسل وهذه الصورة كما عرفنا سابقا إذا كانت بدون إيلاج أما الإيلاج فهو موجب للغسل عليهما جميعا وإن لم يحصل إنزال.
***

(120/16)

يقول السائل هل الرجل الذي يجامع إذا اغتسل بعد الجماع ولم يبول قبل أن يغتسل لا ترتفع عنه الجنابة لأنه سمع أنه لا نقاء من الجنابة إلا بعد البول قبل الغسل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا صحة لما سمع فالطهارة من الجنابة تحصل وإن لم يكن البول لأن الله تعالى يقول (وإن كنتم جنبا فاطهروا) يعني اغتسلوا ولا يشترط أن يتبول الإنسان بعد جماعه ولكنه إذا بال فإنه أحسن من الناحية الطبية لئلا تبقى فضلات المني في مجاريها أي في مجاري البول فإذا بال فإنها تظهر ولهذا يقال تبول بعد الجماع ولو بنقطة حتى يزول ما بقي أما أن يكون شرطا لارتفاع الحدث فهذا ليس بصحيح.
***
إذا اغتسل الشخص من الجنابة بعد الحدث مباشرة وبعد أن انتهى ولبس ملابسه أحس بخروج شيء أو وجد أثرا لسائل قد خرج منه فماذا عليه في هذه الحالة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السائل الذي خرج منه إذا لم يكن هناك شهوة جديدة أوجبت خروجه فإنها بقية ما كان من الجنابة الأولى فلا يوجب الغسل وإنما عليه أن يغسله ويغسل ما أصابه ويعيد الوضوء فقط.
***
يقول السائل اثناء تنظيفي من البول أشاهد مادة تخرج وهي تشبه المني فهل هذا يوجب الاغتسال أفيدونا جزاكم الله خيرا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا لا يوجب الاغتسال لأن ذلك ليس بمني بل هو فضلات راسبة في القنوات المنوية تخرج أثناء البول إذ المني الذي يوجب الغسل هو ما يخرج بشهوة، هذا هو المني الذي يوجب الغسل فأما ما خرج بدون شهوة فليس فيه غسل إلا إذا كان من نائم فإن النائم إذا استيقظ من نومه ووجد عليه أثر المني وجب عليه أن يغتسل سواء ذكر احتلاما أو لم يذكر أما اليقظان فلا يجب عليه الغسل بخروج المني إلا إذا كان بلذة.
***
أحسن الله إليكم يقول السائل إذا شك الرجل أنه احتلم فلما استيقظ من نومه لم يجد للاحتلام أي أثر لا في الثوب ولا على الجسم هل في مثل هذه الحالة يجب الاغتسال؟

(120/17)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجب عليه الاغتسال إذا احتلم وهو نائم ثم أصبح ولم ير شيئا من آثار الجنابة فإنه لا غسل عليه لأن (أم سليم سألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قالت يا رسول الله هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت قال نعم إذا هي رأت الماء) فاشترط النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لوجوب الغسل عليها أن ترى الماء يعني الجنابة.
***
هل يلزمني الغسل إذا احتلمت ورأيت أني قد اغتسلت غسل الجنابة في المنام؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت هذه الجنابة التي رأيت الماء فيها - أي المني - بعد استيقاظك وجب عليك أن تغتسل، وإن لم تره لم يجب عليك الغسل، لأن (النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن المرأة ترى في منامهن ما يرى الرجل هل عليها غسل؟ قال نعم إذا هي رأت الماء) ، فإذا لم تر الماء لم يجب عليك الغسل، وإن رأيت الماء وجب عليك الغسل، واغتسالك في المنام ليس بشيء، كما أنك لو رأيت المني ولم تر حلما فإنه يجب عليك أن تغتسل.
***
هل الغسل يجزئ عن الوضوء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الغسل المشروع كغسل الجنابة يجزئ عن الوضوء لأن الله تبارك وتعالى يقول (وإن كنتم جنبا فاطهروا) ولم يذكر وضوءا فالجنابة إذا اغتسل الإنسان عنها أجزأته عن الوضوء وجاز أن يصلى وإن لم يتوضأ وأما إذا كان الغسل غير مشروع كالغسل للتبرد ونحوه فإنه لا يجزئ عن الوضوء لأنه ليس بعبادة.
***
أحسن الله إليكم هل الغسل يجزئ عن الوضوء أم لابد من الوضوء بعد الغسل؟

(120/18)

فأجاب رحمه الله تعالى: الغسل أنواع غسل عن جنابة يجزئ عن الوضوء وغسل للجمعة لا يجزئ عن الوضوء وغسل للتبرد لا يجزئ عن الوضوء وغسل الجنابة يجزئ عن الوضوء سواء نوى الوضوء معه أم لم ينو لقول الله تبارك وتعالى (وإن كنتم جنبا فاطهروا) ولم يذكر وضوءا ولأن (النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الرجل الذي كان على جنابة ماء وقال خذ هذا أفرغه على نفسك) ولم يذكر له صلى الله عليه وعلى آله وسلم ترتيبا لكن الأفضل في غسل الجنابة أن يغسل الإنسان ما أصابه من التلويث ثم يتوضأ وضوءا كاملا بغسل الوجه واليدين إلى المرفقين ومسح الرأس والأذنين وغسل الرجلين ثم يفيض الماء على رأسه حتى يظن أنه أرواه ثلاثة مرات ثم يغسل سائر جسده هذا هو الأفضل ولو أن الإنسان كان في مسبح أو في بركة ونوى غسل الجنابة وأنغمس في الماء ثم خرج لم يبق عليه إلا المضمضة والاستنشاق فإذا تمضمض واستنشق ارتفعت الجنابة.
***
إذا اغتسل الرجل من الجنابة هل يعيد الوضوء أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يعيد الوضوء ما دام قد تمضمض واستنشق وعم بدنه بالغسل فلا وضوء عليه لقول الله تبارك وتعالى (وإن كنتم جنبا فاطهروا) وهو يكفي لأن الآية في سياق القيام إلى الصلاة (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) إلى قوله (وإن كنتم جنبا فاطهروا) فدل ذلك على أن تطهر الجنب أي غسله جميع بدنه كاف في رفع الجنابة.
***
بارك الله فيكم إذا لم يكن الاستحمام لغسل الجنابة عن طريق غمس الجسد كله في ماء يعمه بل كان مثلا بالوسائل الموجودة حاليا أو بإناء صغير يغترف منه أو بنحو ذلك بمعنى أنه يتعرض إلى لمس فرجيه بيديه هل يؤثر هذا الوضوء أم لا؟

(120/19)

فأجاب رحمه الله تعالى: غسل الفرج يكون قبل الاغتسال كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعله وحتى لو فرض أن الإنسان في أثناء الغسل مس ذكره فإنه لا ينتقض وضوءه على القول الراجح عندنا لأنه ليس بقصد منه ثم إن الأحاديث في ذلك متعارضة فمن العلماء من جمع بينهما ومنهم من رجح بعضها على بعض والذي نرى في هذه المسألة أن مس الذكر لا ينقض الوضوء إلا إذا كان لشهوة فإن كان بغير شهوة فالوضوء منه على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الوجوب هذا الذي نراه في هذه المسألة ويرى بعض أهل العلم أنه لا ينقض مطلقا ويرى آخرون أنه ينقض مطلقا.
***
إذا أصابت الإنسان جنابة هل يكتفي بالاستحمام دون الوضوء أم أنه يلزمه الوضوء بعد الاستحمام؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا أصاب الإنسان جنابة فإنه يكفيه الغسل عن الوضوء لكن لابد من المضمضة والاستنشاق ودليل ذلك قوله تبارك وتعالى (وإن كنتم جنبا فاطهروا) ولم يذكر صفة معينة فإن قال قائل هذا مجمل والسنة بينت أنه لابد من الوضوء قبل الغسل ومن غسل الرأس ثلاثا قبل غسل بقية البدن حسب ما جاءت به السنة قلنا هذا الإيراد وارد لكن قد ثبت في صحيح البخاري في حديث عمران بن حصين -الطويل- (في قصة الرجل الذي أعتزل قومه ولم يصل فسأله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك فقال أصابتني جنابة ولا ماء فقال عليك بالصعيد فإنه يكفيك ثم حضر الماء فأعطى هذا الرجل منه وقال خذ هذا أفرغه على نفسك) ولم يبين له صلى الله عليه وسلم كيفية معينة فدل هذا على أنه متى حصل تطهير جميع البدن ارتفعت الجنابة ويدخل الحدث الأصغر في الحدث الأكبر كما تدخل العمرة في الحج فيمن حج قارنا.
***
المستمع عبد الله أبو بكر من الرياض يقول: إذا توضأ الإنسان واغتسل لرفع الحدث الأكبر هل يجوز له أن يصلى بعد الاغتسال بذلك الوضوء أم يتوضأ ثانية؟

(120/20)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان على الإنسان جنابة واغتسل فإن ذلك يجزئ عن الوضوء لقوله تعالى (وإن كنتم جنبا فاطهروا) ولا يجب عليه إعادة الوضوء بعد الغسل إلا إذا حصل ناقض من نواقض الوضوء وأحدث بعد الغسل فيجب عليه أن يتوضأ و أما إذا لم يحدث فإن غسله عن الجنابة يجزئه عن الوضوء سواء توضأ قبله أم لم يتوضأ لكن لابد من ملاحظة المضمضة والاستنشاق فإنه لا بد منهما في الوضوء والغسل.
***
السائل حامد عبد الرزاق من الأردن يقول هل الاستحمام يغني عن الوضوء وتجوز الصلاة به من غير وضوء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان الاستحمام عن جنابة فإنه يكفي عن الوضوء لكن يجب أن يلاحظ أنه لا بد من المضمضة والاستنشاق وأما إذا كان الاستحمام للتنظيف أو للتبرد فإنه لا يجزيء عن الوضوء بل لا بد أن يتوضأ الإنسان بعد أن يفرغ من الاستحمام.
***
السائل م م ع يقول رجل اغتسل من الجنابة واغتسل بقصد النظافة فهل ذلك يغنيه عن الوضوء للصلاة أم لابد من الاغتسال الكامل للبدن؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما من اغتسل من أجل الجنابة فإنه يجزئه عن الوضوء لقول الله تبارك وتعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا) ولم يذكر الله تعالى وضوءا وأما الاغتسال للتبرد فإنه لا يجزئ عن الوضوء لأن الاغتسال للتبرد ليس عن حدث فلا يكون مجزئا بل لابد أن يتوضأ بعد أن ينتهي من الاغتسال للتبرد.
***
رسالة وصلت من القصيم المستمع ق ب د يقول هل يجوز للجنب قراءة القرآن أو المعوذات وآية الكرسي وبعض الأذكار الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل نومه وهو جنب؟

(120/21)

فأجاب رحمه الله تعالى: قراءة القرآن والإنسان جنب لا تجوز على أصح أقوال أهل العلم وهو قول جمهور أهل العلم فيما أعلم وذلك لأن الجنب بإمكانه أن يغتسل ويزيل عنه المانع خلاف الحائض فإن الأصح من أقوال أهل العلم أن الحائض تقرأ القرآن للمصلحة أو الحاجة، فقراءتها إياه للمصلحة كقراءة الأوراد القرآنية كآية الكرسي والآيتين الأخيرتين في سورة البقرة و(قل هو الله أحد) والمعوذتين وقراءتها للحاجة كقراءتها إياه خوفا من النسيان أو من أجل أداء الاختبار في المدارس أو من أجل تعليم أبنائها أو ما أشبه ذلك و الفرق بين الحائض وبين الجنب أن الحائض لا يمكنها إزالة المانع بخلاف الجنب وعلى هذا فنقول للجنب إذا كنت تريد أن تقرأ الأوراد القرآنية فاغتسل ثم اقرأها وهذا أفضل وأطيب وأما الأذكار والأوراد غير القرآنية فإنه لا بأس للجنب أن يقرأها لقول عائشة رضي الله عنها (كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه) ولكن ذكر الله تعالى على طهارة أفضل مما إذا لم يكن على طهارة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام (إني أحب أن لا أذكر الله إلا على طهارة) أو كلمة نحوها ولكن لا يمتنع أن يذكر الإنسان ربه وهو جنب بشيء غير القرآن وله أيضا أي الجنب أن يذكر الله تعالى بما يوافق القرآن إذا لم يقصد القراءة فله أن يقول (بسم الله الرحمن الرحيم) وله أن يقول إذا أصيب بمصيبة (إنا لله وإنا إليه راجعون) وله أن يقول (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) وله أن يقول (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) إذا لم يقصد القراءة.
***
جزاكم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء فضيلة الشيخ هذه سائلة تقول ما حكم التلفظ بآيات من القرآن الكريم شفهيا عند النوم أو غير ذلك وهي على جنابة أو حيض؟

(120/22)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان الإنسان على جنابة فإنه لا يقرأ القرآن إلا إذا اغتسل لكن لو دعا بأدعية من القرآن قاصدا الدعاء دون التلاوة فلا بأس مثل لو قال (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب) (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم) وهو يريد بذلك الدعاء دون التلاوة فلا حرج.
***
إذا جاز للجنب أن يذكر الله وهو جنب وكان ضمن بعض الأدعية والأذكار بعض الآيات الكريمة مثل (وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد) و(إنا لله وإنا إليه راجعون) إلى غير هذه الآيات الكريمة فهل يجوز للجنب قراءتها أثناء الذكر أو الدعاء وهل يجوز للجنب أن يقول (بسم الله الرحمن الرحيم)؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز للجنب أن يذكر الله تعالى بما يوافق القرآن مثل الآيات التي قالها السائل (إنا لله وإنا إليه راجعون) (وأفوض أمري إلى الله) (الحمد لله رب العالمين) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (بسم الله الرحمن الرحيم) كل هذه إذا لم يقصد بها التلاوة فإنها تجوز ولا حرج فيها وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم لأن الله تعالى يقول (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) .
***
المستمع م. خ. ف. يسأل ما حكم الشرع فيمن يقرأ أو يردد آيات قرآنية سرا أو جهرا وهو جنب أو من يقضي وقتا أو أياما وهو على جنابة دون الاغتسال؟

(120/23)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال من شقين الشق الأول قراءة القرآن والإنسان جنب والراجح من أقوال أهل العلم أن هذا حرام، وأنه لا يحل للجنب أن يقرأ شيئا من القرآن على سبيل التلاوة لأنه قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه ما يدل على منع الجنب من قراءة القرآن، ومن ذلك حديث علي بن أبي طالب رضى الله عنه قال (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرئنا القرآن ما لم نكن جنبا)، ومعلوم أن إقراء النبي صلى الله عليه وسلم القرآن لأصحابه واجب لأنه من تبليغ الرسالة التي أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا كان لا يقرئهم إياه وهم جنب دل ذلك على تحريم قراءة القرآن على الجنب لأن الواجب لا يمنعه إلا شيء محرم ولا يصح قياس هذا على الحائض والفرق بينهما أن الجنب يمكنه أن يتلافى هذا المانع من قراءة القرآن فيغتسل بخلاف الحائض فإن حيضها ليس بيدها، والحائض على القول الراجح لها أن تقرأ القرآن عند الحاجة إليه كالمعلمة والمتعلمة ومن تقرأه من أجل الورد عند النوم أو في الصباح أو في المساء، أما قراءة الجنب للقرآن فإنه حرام حتى يغتسل.

(120/24)

الشق الثاني: في السؤال وهو أنه يبقى أياما لا يغتسل للجنابة فهذا يستلزم أنه لا يصلى أو أنه يصلى وهو جنب، وكلا الأمرين محرم بلا شك فالجنب لا يحل له أن يصلى بإجماع المسلمين حتى إن بعض أهل العلم يقول إذا صلى الإنسان وهو جنب فقد ارتد عن الإسلام لأن صلاته وهو جنب تدل على أنه مستهزئ وساخر بآيات الله كيف يقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) إلى قوله (وإن كنتم جنبا فاطهروا) ، ويقول (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل) ثم يقوم هذا الرجل فيصلى وهو جنب، يتقرب إلى الله بما نهى الله عنه، ومن لا يرى أنه يكفر بذلك يرى أنه قد فعل كبيرة من كبائر الذنوب، وأنه على خطر، وإن كان هذا الرجل الذي يبقى أياما وهو جنب لا يصلى فالأمر أخطر وأعظم فإن ترك الصلاة على القول الراجح كفر مخرج عن الملة كما قررنا أدلة ذلك في غير موضع من هذا المنبر نور على الدرب ونصيحتي لهذا الرجل أن يتقي الله تعالى في نفسه وأن يبادر بالاغتسال من الجنابة فإنه كلما كان الإنسان أطهر كان أنقى ولا شك أنه لا يحل له إذا حانت الصلاة أن يدع الاغتسال من الجنابة فيدع الصلاة أو يصلى بلا غسل.
***
هل يجوز التشهد على الجنابة في دورة المياه وذكر اسم الله أفيدونا أفادكم الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التشهد يكون بعد الفراغ وهذا يمكن أن يكون بعد خروجك من هذا المكان إذا خرجت تقول (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) وأما التسمية فليست بواجبة عند الوضوء ولا عند الغسل على القول الراجح وإنما هي سنة فإن أتيت بها فهو أولى وإن لم تأت بها فيكفي التسمية بالقلب.

(120/25)

فضيلة الشيخ: كثيرا من المنازل الجديدة من الفلل وغيرها يكون الحمام في مكان واحد مع مغاسل اليدين فقد يستنجي الإنسان في الحمام ثم يخرج إلى هذا المغاسل ويتوضأ عليها فهل يجوز التسمية والتشهد عند هذه الغسالات مثلا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم ما دامت الغسالات خارج المكان
فضيلة الشيخ: خارج المكان لكن السقف واحد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يضر
فضيلة الشيخ: وإذا قطعت بجدار؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا قطعت بحاجز أو باب فهذا وحده وهذه وحدها فلا حرج فيها. وهنا مسألة وإن لم تكن في السؤال أحب أن أنبه عليها وهي أن بعض الناس يجعل إتجاه الحمامات إلى القبلة إذا جلس لقضاء حاجته وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام (لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها) وثبت في الصحيح من حديث ابن عمر (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة) وعلى هذا فإن الحديث الأول يدل على تحريم استقبال القبلة مطلقا في البنيان وغير البنيان وهو الذي فهمه راويه أبو أيوب حيث قال (فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله) والحديث الثاني يدل بظاهره على أن استدبار القبلة في البنيان لا بأس به ولكن بعض الناس كما أشرت إليه قد يبنونها مستقبل القبلة فهؤلاء عليهم أن يغيروها لتكون القبلة عن أيمانهم أو شمائلهم.
***
من العراق بغداد محمد جاسم يقول إذا حدثت لي الجنابة فهل يجوز لي أن أحمد الله وأدعو بهذا الدعاء عند الاستيقاظ من النوم (الحمد لله الذي أماتني ثم أحياني وإليه النشور) وإذا عطست فهل يجوز لي أن أحمد الله وإذا تثاءبت فهل يجوز لي أن استعيذ بالله من الشيطان وقد تأتي في بالي بعض الآيات فهل يجوز أن أقرأها عن ظهر قلبي وأنا محدث الحدث الأكبر؟

(120/26)

فأجاب رحمه الله تعالى: أما ذكر الله تعالى وأنت على جنابة فإنه لا بأس به فإن (النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه) كما ثبت ذلك عنه من حديث عائشة فتجيب المؤذن وتذكر الله بعدما تقوم من النوم وكذلك تذكر الله عند الأكل وعند الشرب وتحمد الله عند العطاس وأما الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم عند التثاؤب فليس فيها سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم واتخاذها سنة ليس بصحيح وهي لم ترد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والنبي عليه الصلاة والسلام أرشد من يتثاءب لسنة فعلية وهي كظم التثاؤب إن استطاع وإلا فليضع يده على فيه ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم من تثاءب أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ولا ثبت ذلك أيضا من فعله فيما أعلم وعلى هذا فلا ينبغي أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم عند التثاؤب ومن علم بسنة في ذلك فليتبعها فإننا لا نقول إلا ما بلغه علمنا والعلم عند الله تبارك وتعالى وأما قراءة القرآن للجنب فالأحوط عليه ألا يقرأ ولكن له أن يذكر الله تعالى فيما يوافق القرآن إذا لم يقصد القراءة كما لو قال مثلا (الحمد لله رب العالمين) فإن هذه آية من كتاب الله ومع ذلك إذا لم يقصد بها القراءة فلا حرج عليه فيها.
***
جزاكم الله خيرا ما حكم الاغتسال يوم الجمعة وهل وردت فيه أحاديث؟

(120/27)

فأجاب رحمه الله تعالى: الاغتسال يوم الجمعة واجب على كل بالغ عاقل لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) فصرح النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه واجب ومن المعلوم أن أعلم الخلق بشريعة الله رسول الله ومن المعلوم أن أنصح الخلق لعباد الله رسول الله ومن المعلوم أن أعلم الناس بما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أفصح العرب فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة وقال (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) فكيف نقول ليس بواجب لو أن هذه العبارة جاءت في متن من المتون الذي ألفه عالم من العلماء وقال فيه فصل غسل الجمعة واجب لم يشك أحد يقرأ هذا الكتاب إلا أن المؤلف يرى وجوبه هذا وهو آدمي معرض للخطأ والصواب فكيف والقائل بذلك محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قيد هذا الوجوب بما يقتضي الإلزام حيث قال (على كل محتلم) أي بالغ وهذا يدل على أن الغسل ملزم به وأما ما يروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غسل الجمعة (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل) فهذا فيه نظر من جهة سنده ومن جهة متنه ثم لا يمكن أن يعارض به حديث أبي سعيد الثابت في الصحيحين وغيرهما الصريح الواضح وهو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) ولكن متى يبتدئ هذا الوجوب أقرب ما يقال أنه يبتدئ إذا طلعت الشمس لأن ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وقت للفجر فالأحوط أن يكون اغتساله بعد طلوع الشمس والأفضل أن يكون عند إرادة الذهاب إلى المسجد وإذا قلنا إنه واجب فهل تصح الجمعة بدونه يعني لو تعمد تركه وصلى هل تصح فالجواب نعم تصح لأن هذا غسل ليس عن جنابة ولكنه أو جبه النبي صلى الله وسلم ليتبين ميزة هذا اليوم عن غيره ويدل لهذا أنه ثبت عن (أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه

(120/28)

كان يخطب فدخل عثمان وهو يخطب فكأنه عرض به أي عرض بعثمان أنه تأخر إلى الخطبة فقال عثمان والله يا أمير المؤمنين ما زدت على أن توضأت ثم أتيت فقال عمر رضي الله عنه: والوضوء أيضا وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) وصلى عثمان بدون غسل وفي هذا الأثر عن عمر رضي الله عنه دليل واضح على أن غسل الجمعة واجب وإلا فكيف يوبخ عمر رضي الله عنه عثمان رضي الله عنه أمام الناس على تركه.
فضيلة الشيخ: لو اغتسل ليلا أو بعد الفجر ونوى به غسل الجمعة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا اغتسل قبل الفجر فلا ينفعه لأن اليوم لم يدخل بلا إشكال وإن اغتسل بعد الفجر ففيه احتمال لكن الأفضل أن يكون بعد طلوع الشمس.
***
المستمع أبو عبد العزيز يقول إذا أراد المسافر أن يصلى الجمعة مع المسلمين فهل يلزمه الغسل أم لا؟

(120/29)

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا السؤال ينبني على هل غسل الجمعة واجب أو سنة مؤكدة في هذا للعلماء ثلاثة أقول القول الأول أنه واجب مطلقا والقول الثاني أن سنة مطلقا والقول الثالث تفصيل فإن كان على الإنسان وسخ كثير يخشى من ثوران رائحته في هذا الاجتماع الكبير فإنه يجب عليه الغسل إزالة للأذى وإلا فإن الغسل في حقه سنة والذي يتبين من الأدلة الشرعية أنه واجب على الإطلاق لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال غسل الجمعة واجب على كل محتلم) فتأمل كلمة (واجب) ممن صدرت وبماذا أحيطت هذا الكلمة صدرت من أفصح الخلق وأعلمهم بما يقول وأنصحهم فيما يريد وهو محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا شك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم معنى كلمة (واجب) فلو لم يرد بها الإلزام لكان التعبير بها فيه إهانة ومن المعلوم أن رسول صلى الله عليه آله وسلم لا يأتي بعبارة مبهمة يريد بها خلاف ظهرها بل لا يأتي بعبارة إلا وهو يريد ما يستفاد منها من ظاهر اللفظ لأنه أفصح الخلق وأعلمهم بما يقول وأنصحهم لعباد الله ثم إن هذه الكلمة أحيطت بما يدل أن المراد بها الوجوب الإلزامي وهو قوله (على كل محتلم) أي على كل بالغ فإن البلوغ وصف يقتضي إلزام المخاطب بما يوجه إليه من خطاب فهو وصف مناسب لعلة الإجابة وعلى هذا فلا مناص من القول بوجوب الغسل على من أراد الجمعة وأتى إليها ويدل لذلك أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه (كان يخطب يوم الجمعة فدخل عثمان فسأله يعني لما تأخر فقال والله يا أمير المؤمنين ما زدت على أن توضأت يعني ثم جاء فقال له عمر وهو يخطب الناس والوضوء أيضا وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) وعلى هذا فمن ترك غسل الجمعة فهو آثم لتركه الواجب لكن الصلاة صحيحه لأن هذا الغسل واجب عن غير حدث فلا يمنع صحة

(120/30)

الصلاة وحينئذ يتبين جواب سؤال السائل أنه إذا كان مسافرا وحضر الجمعة فهل عليه الغسل نقول نعم عليه الغسل لقول النبي صلى اله عليه وآله وسلم (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) ولكن إذا كان يشق عليه ذلك بكونه لا يجد الماء أو لا يجد إلا ماء بارد في أيام الشتاء ويخاف على نفسه من البرد فأنه لا أثم عليه في هذه الحال لأن الله تعالى يقول (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) ويقول جل ذكره (فاتقوا الله ما استطعتم) وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) ومن هذه النصوص أخذ العلماء قاعدة مفيدة جدا لطالب العلم وهو أنه (لا واجب مع عجز) كما أنه (لا محرم مع الضرورة) لقوله تعالى (وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه).
***
نعلم أنه من المستحب للرجل يوم الجمعة الغسل والتطيب ولبس أحسن الثياب فهل هذا ينطبق حتى على المرأة أيضا ولها نفس الأجر؟ وهل يصح الاغتسال قبل الجمعة بيوم أو يومين وينوى به الجمعة أم لا يصح إلا في يومها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الأحكام خاصة بالرجل لأنه هو الذي يحضر الجمعة وهو الذي يطلب منه التجمل عند الخروج وعلى هذا فإنه هو الذي يطلب منه أن يغتسل يوم الجمعة ويتنظف ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه ويبكر إلى الجمعة أما النساء فلا يشرع في حقهن ذلك ولكن كل إنسان ينبغي له إذا وجد في بدنه وسخا أن ينظفه فإن ذلك من الأمور المحمودة التي ينبغي للإنسان ألا يدعها وأما الاغتسال للجمعة قبلها بيوم أو يومين فلا ينفع لأن الأحاديث الواردة في ذلك تخصه بيوم الجمعة وهو ما بين طلوع الفجر إلى صلاة الجمعة هذا هو محل الاغتسال الذي ينبغي أن يكون وأما قبلها بيوم أو يومين فلا يجزئه ولا ينفعه عن غسل الجمعة.
***
إذا اغتسل المسلم للجنابة قبيل فجر الجمعة أو بعده هل يكفي هذا لغسل الجمعة؟

(120/31)

فأجاب رحمه الله تعالى: أما ما كان قبل الفجر فلا يكفي لأنه لم يدخل اليوم وأما بعد الفجر فيكفي لكن الأفضل أن يعيده بعد طلوع الشمس حتى يتأكد أنه حصل في يوم الجمعة ثم إن العلماء رحمهم الله قالوا إن الأفضل أن يكون الاغتسال عند المضي إلى الصلاة فمثلا إذا قدرنا أنه يذهب إلى الصلاة قبل الزوال بساعتين فإنه يغتسل في ذلك الوقت ووجه ذلك أنه إذا تطهر عند المضي صار أبلغ وأضمن من أن يحصل له وسخ بعد ذلك.
***
بارك الله فيكم هل يشرع للعيد غسل كالجمعة ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا أعلم في ذلك سنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يغتسل لصلاة العيد ولكن ذكر عن بعض السلف أنه كان يغتسل لصلاة العيد وأخذ بذلك كثير من أهل الفقه وقالوا أنه يسن أن يغتسل لصلاة العيد لأنها صلاة اجتماع عام فشرع فيها الأغتسال كيوم الجمعة فإن اغتسل الإنسان فحسن وإن لم يغتسل فلا يقال أنه فوت سنة.
***
ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه اغتسل من الإغماء فهل هو واجب أم مستحب؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الاغتسال من الإغماء ليس بواجب وإنما هو مستحب لأنه يجدد للبدن نشاطه ويعيد عليه ما تخلف من الهلع بواسطة الإغماء وليس بواجب لأن ذلك لم يثبت إلا من فعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال أهل العلم وما ثبت بفعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقد فعله على سبيل التعبد فإنه يكون مشروعا ولا يكون واجبا لأنه لم يصحبه أمر من الرسول صلى الله عليه وسلم.
***

(120/32)

باب التيمم
المستمع ع. ع. أ. مقيم بالعراق يقول في رسالته ما صفة التيمم المشروعة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: صفة التيمم المشروعة أن ينوي الإنسان أنه يريد أن يتيمم لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل أمرئ ما نوى) ثم يضرب الأرض بيده ضربة واحدة يمسح بها وجهه وكفيه وبهذا يتم تيممه ويكون طاهرا يحل له بهذا التيمم ما يحل له بالتطهر بالماء لأن الله عز وجل لما ذكر التيمم قال (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون) فبين الله تعالى أن الإنسان بالتيمم يكون طاهرا وقال النبي صلى الله عليه وسلم (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) والطهور بالفتح ما يتطهر به ولهذا كان القول الراجح من أقوال أهل العلم أن التيمم رافع للحدث ما دام الإنسان لم يجد الماء فيجوز له إذا تيمم ولم يحصل منه حدث أن يصلى ما شاء من فروض ونوافل ويرتفع حدثه فلا يبطل بخروج الوقت فلو تيمم لصلاة الظهر مثلا حتى دخل وقت العصر فله أن يصلى صلاة العصر بهذا التيمم وإذا تيمم من الجنابة أول مرة فإنه لا يعيد التيمم عنها مرة أخرى بل يتيمم للوضوء فقط.
***
بارك الله فيكم يقول هذا السائل ما هي كيفية التيمم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أولا لابد أن نعلم أن التيمم لا يجوز إلا إذا تعذر استعمال الماء بفقد الماء أو تضرر باستعماله فإذا جاز التيمم فصفته أن يضرب الأرض بيديه ضربة واحدة ثم يمسح وجهه كله بكفيه ويمسح براحة كل يد على ظهر الأخرى وكذلك يمسح الراحتين بعضهما ببعض
***
ما هي صفة التيمم وبماذا يبطل وماذا يعمل من وجد ماء يكفي لبعض وضوئه؟

(121/1)

فأجاب رحمه الله تعالى: صفة التيمم أن يضرب التراب بيديه ضربة واحدة فيمسح وجهه كله بباطن كفه ثم يمسح يده اليمنى باليسرى وبالعكس هذه هي الصفة المشهورة قال أهل العلم وينبغي أن يخلل أصابعه وأما ما يبطل به التيمم فإن التيمم إن كان عن جنابة بطل بكل ما يوجب الغسل وإن كان عن وضوء بطل بما يوجب الوضوء هذا ما دامت إباحة التيمم قائمة فأما إذا لم يبح التيمم مثل أن يتيمم لفقد الماء ثم يجده فإنه يبطل تيممه بوجود الماء وكذلك لو تيمم لمرض ثم شفي منه فإنه يبطل تيممه بشفائه من هذا المرض ولا يبطل التيمم بخروج الوقت على القول الراجح وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) والطهور بالفتح ما يتطهر به كالوضوء بالفتح ما يتوضأ به والسحور بالفتح ما يتسحر به وقال الله عز وجل بعد أن ذكر الطهارة بالماء والتيمم قال (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم) فدل هذا على أن التيمم مطهر وإذا كان مطهرا فإنه لا تبطل طهارته إلا بما تبطل به طهارة الماء لأن التيمم بدل عنه والبدل له حكم المبدل فلو تيمم الإنسان عن جنابة مثلا فإنه يرتفع حدثه ولا يعيد التيمم عن هذه الجنابة إلا إذا حصل له جنابة أخرى أو موجب للغسل سواها وإذا تيمم عن ناقض من نواقض الوضوء فإنه يبقى على طهارته حتى يوجد أحد النواقض فلو تيمم الرجل لصلاة الفجر وبقي على طهارته إلى صلاة الظهر أو إلى صلاة العصر لم يأت بناقض من نواقض الوضوء من بول ولا نوم ولا غائط ولا أكل لحم إبل ولا غيرها مما ينقض الوضوء فإنه في هذه الحال يصلى بالتيمم الذي تيمم به لصلاة الفجر.
فضيلة الشيخ: وماذا يعمل من وجد ماء يكفي لبعض وضوئه؟

(121/2)

فأجاب رحمه الله تعالى: من وجد ماء يكفي لبعض وضوئه فإنه يستعمله ويتمم للباقي بناء على قوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) وقول النبي صلى الله عليهم وسلم (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) وهذا الرجل استطاع أن يستعمل الماء في بعض أعضاء وضوئه فلزمه استعماله وعجز عن استعماله بالبقية لفقد الماء فيتمم لذلك.
***
أحسن الله إليكم وبارك فيكم هذا سائل يقول هل يشترط في مسح الوجه عند التيمم تعميم جميع الوجه بالصعيد الطاهر أم مجرد امرار اليدين على الوجه فقط؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب على الإنسان في التيمم أن يمسح جميع الوجه لقول الله تبارك وتعالى (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) فكما يجب تعميم الرأس المستفاد من قوله تعالى (وامسحوا برءوسكم) كذلك نستفيد تعميم الوجه في قوله تعالى (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) وأما ما يفعله بعض الناس من كونه يمسح الأنف وما حوله فهذا غلط بل الواجب أن يمسح من الأذن إلى الأذن عرضا ومن منحنى الجبهة إلى أسفل اللحية طولا.
***
من أحمد شرهان مزهري من جيزان يسأل كيف يتيمم من عدم الماء لأنني خرجت مع مجموعة من الطلاب فكان لكل مجموعة منهم طريقة فمنهم من يضرب الأرض أربع مرات واحدة للوجه وواحدة لليدين إلى المرفقين وواحدة للرأس والأذنين وواحدة للرجلين وبعضهم ضرب ضربتين واحدة منهن للوجه والثانية لليدين فقط أما أنا فقد أنكروا فعلي لأني ضربت ضربة واحدة للوجه واليدين فقط فقالوا من علمك هذا التيمم فقلت سمعته من محدث في المسجد فقالوا وهل كل ما سمعت في المسجد صحيح وهذا ما دفعني للسؤال عبر برنامجكم وفقكم الله؟

(121/3)

فأجاب رحمه الله تعالى: الأخ ذكر أن جماعة اختلفوا في كيفية التيمم على ثلاثة وجوه وأصح هذه الوجوه هو ما عمله الأخ السائل حيث ضرب بيديه الأرض مرة واحدة مسح بها وجهه وكفيه وهذه الصفة هي الصفة الصحيحة التي دل عليها حديث عمار بن ياسر في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم له كيفية التيمم فإن (عمار بن ياسر رضي الله عنه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة فأجنب فلم يجد الماء فتمرغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة ثم أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فبين له النبي عليه الصلاة والسلام أنه يكفيه أن يقول بيديه هكذا وضرب بيديه الأرض مرة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه) وهذه هي الكيفية المشروعة المستحبة وأما ضرب الأرض مرتين واحدة في الوجه والثانية للكفين فهذه الصفة قال بها بعض أهل العلم بناء على حديث ضعيف في ذلك ولكن الصواب ما أشرنا إليه من قبل وأما الذين ضربوا أربع مرات وجعلوا واحدة للوجه وواحدة لليدين وواحدة للرأس وواحدة للرجلين فما أشبه اجتهادهم هذا باجتهاد عمار بن ياسر الذي أشرنا إليه حيث ظنوا أن طهارة التيمم كطاهرة الماء تشمل الأعضاء الأربعة ولكن الصواب معك أنت أيها السائل حيث ضربت مرة واحدة وأما قولهم هل كل ما سمعت يكون صوابا فنقول كما قالوا ليس كل ما يسمع يكون صوابا بل الصواب ما وافق الكتاب والسنة وكثيرا ما نسمع أشياء تقال لا سيما على سبيل الوعظ والتخويف والترغيب وهي ليست بصحيحة وعلى هذا فينبغي الحذر في مثل هذه الأمور مما يسمع أو يكتب.
فضيلة الشيخ: قلتم أنه يضرب الأرض بيديه ثم يمسح اليمنى على اليسرى ثم يمسح وجهه وظاهر كفيه لكن لو ضرب الأرض ومسح مباشرة وجهه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا حرج يبدأ بالوجه أولا ثم باليدين ثانيا لأن الله يقول (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) فقدم الوجه

(121/4)

فضيلة الشيخ: لكن إذا فرك أو مسح يدا بيد ألا يذهب الغبار من اليدين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يضر ذهاب الغبار ليس بواجب بل إنه في صحيح البخاري (أن الرسول صلى الله عليه وسلم نفخ في كفيه حينما أراد أن يضرب بهما الأرض نفخ فيهما ثم مسح) فهذا يدل على أن مسألة الغبار ليس بلازمة ولهذا يجوز التيمم على القول الراجح على الأرض التي لا غبار فيها كالرمل والأرض المبلولة بالماء والمطر وما أشبهها.
***
سائلة تقول إذا لم تستطع أن تتوضأ هل تتيمم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم إذا لم تستطع الوضوء فإنها تتيمم لقول الله تعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه)
فضيلة الشيخ: وما هي طريقة التيمم إذا كانت مريضة عاجزة عن التيمم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أن يأتي أهلها بالتراب فيضرب الرجل الذي هو محرم لها أو المرأة يديها على الأرض ثم يمسح وجه المريضة وكفيها، وإذا تيممت مثلا لصلاة الظهر وبقيت على طهارتها إلى العصر فلا يحتاج إلى إعادة تيمم، لأن التيمم لا يبطل بخروج الوقت ولها أي لهذه المرأة أن تجمع بين الظهر والعصر وأن تجمع بين المغرب والعشاء إذا شق عليها أداء كل صلاة في وقتها لكن بدون قصر لأنها ليست مسافرة.
***
المستمع عبد المنعم دفع الله سوداني مقيم في القصيم يقول في رسالته إذا أصابت الرجل جنابة و أوجبت عليه الغسل وهو في نفس الوقت مريض بمرض يمنعه من الغسل بالماء فهل التيمم يغني عن الغسل بالماء حتى ولو زال المانع بعد أيام وهل التيمم لرفع الجنابة يغني عن الوضوء للفريضة إذا دخل وقتها في نفس وقت أداء رفع الجنابة أفيدونا بذلك مأجورين؟

(121/5)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا أصابت الرجل جنابة أو المرأة وكان مريضا لا يتمكن من استعمال الماء فإنه في هذه الحال يتيمم لقول الله تبارك وتعالى (وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) وإذا تيمم عن هذه الجنابة فإنه لا يعيد التيمم عنها مرة أخرى إلا بجنابة تحدث له أخرى ولكنه يتمم عن الوضوء كلما انتقض وضوءه والتيمم رافع للحدث مطهر للمتيمم لقول الله تعالى حين ذكر التيمم وقبله الضوء والغسل قال الله سبحانه وتعالى (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون) وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) والطهور ما يتطهر به الإنسان وهذا يدل على أن التيمم مطهر لكن طهارته مقيدة بزوال المانع من استعمال الماء فإذا زال المانع من استعمال الماء فبريء المريض أو وجد الماء من كان عادما له فإنه يجب عليه أن يغتسل إذا كان تيممه عن جنابة وأن يتوضأ إذا كان تيممه عن حدث أصغر ويدل لذلك ما رواه البخاري من حديث أبي سعيد - الطويل - وفيه (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم فسأله ما الذي منعه فقال يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء فقال عليك بالصعيد فإنه يكفيك ثم حضر الماء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستقى الناس منه وبقى منه بقية فقال للرجل خذ هذا فأفرغه على نفسك) وهذا دليل على أن التيمم مطهر وكاف عن الماء لكن إذا وجد الماء فإنه يجب استعماله ولهذا أمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يفرغه على نفسه بدون أن يحدث له جنابة جديدة وهذا القول

(121/6)

الذي قررناه هو القول الراجح من أقوال أهل العلم.
***
بارك الله فيكم هل يشترط الترتيب بين الوضوء والتيمم إذا كان في بعض أعضاء الوضوء جرح أرجو الإفادة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: القول الراجح أنه لا يشترط الترتيب بين الوضوء والتيمم فلو كان في يده جرح لا يمكنه غسله ولا يمسح عليه فإنه يتوضأ أولا ويتيمم للجرح بعد أن ينتهي وضوئه لأنه لم يغسل أو يمسح محل الجرح ولا يشترط أيضا الموالاة في هذه الحال فلو توضأ هذا الوضوء وذهب إلى المسجد ثم تيمم عن الجرح الذي كان في يده ولم يغسله ولم يمسح فلا بأس بذلك، ولعلنا نتكلم عن موضوع الجرح الذي يكون في أحد أعضاء الوضوء فنقول إن الجرح الذي يكون في أحد أعضاء الوضوء يجب أولا غسله إذا كان لا يتضرر بالماء فإن كان يتضرر بالماء وكان عليه لفافة فإنه يمسح هذه اللفافة وتغني عن غسله وعن التيمم وإن لم يكن عليه اللفافة وكان الماء يضره يمسحه بالماء إذا كان لا يضره المسح فإن كان يضره المسح تيمم عنه فالمراتب ثلاثة:
الأولى: أن لا يضره الغسل فيجب عليه الغسل.
الثانية: أن لا يضره المسح فيجب عليه المسح إما على اللفافة إن كان ملفوفا أو على الجرح مباشرة،
الثالثة: أن يضره الغسل والمسح فيتمم عنه ولا يشترط التيمم كما ذكرنا آنفا ترتيب ولا موالاة.
***
أحسن الله إليكم وبارك فيكم تقول السائلة من ليبيا هل التيمم بنية الغسل من الدورة الشهرية أو من الجنابة هل هو مثل تيمم الوضوء وإذا كانت هناك زيادات وإيضاحات أرجو بيانها مأجورين؟

(121/7)

فأجاب رحمه الله تعالى: التيمم لا يختلف فيه الحدث الأصغر والأكبر فالتيمم عن الجنابة أو عن غسل الحيض كالتيمم عن البول والغائط والريح دليل ذلك قول الله تبارك وتعالى (وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) وهذا من القرآن ومن السنة حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه في حاجة فأجنب فلم يجد الماء قال فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فقال إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا وضرب بيده الأرض مرة واحدة ثم مسح وجهه وكفيه ظاهرهما بباطنهما) فالتيمم عن الجنابة وعن غسل الحيض كالتيمم عن الحدث الأصغر والقول الراجح من أقوال العلماء أن التيمم رافع للحدث ما دام لم يجد الماء أو يشفى من المرض الذي تيمم من أجله و على هذا فإذا تيمم الإنسان لصلاة الفجر وبقي على طهارته لم ينقضها ببول أو غائط أو ريح أو غيرها مما ينقض الوضوء حتى جاء وقت الظهر فإنه يصلى الظهر بتيممه للفجر وكذلك لو استمر إلى العصر صلى العصر وإذا تيمم الإنسان لصلاة نافلة صلى به فريضة كما لو تيمم لصلاة الضحى وبقي على طهارته إلى أن جاء وقت الظهر وصلى الظهر بالتيمم الذي تيممه من أجل صلاة الضحى فإن صلاته الظهر صحيحة لأن حكم التيمم حكم طهارة الماء سواء بسواء ما لم يجد الماء أو يشفى من مرضه إن كان تيممه من أجل مرض وإذا أصابته جنابة فتيمم لها ثم انتقض وضوءه وأراد الصلاة فإنه لا يعيد التيمم عن الجنابة وإنما يتيمم للحدث الأصغر لأن الجنابة ارتفعت بالتيمم الأول لكن إذا وجد الماء فإن عليه أن يغتسل لأن رفع التيمم للحدث رفع موقت ويدل لذلك (أن النبي صلى الله عليه وسلم

(121/8)

صلى ذات يوم فرأى رجلا منعزلا لم يصل في القوم فسأله فقال يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء فقال عليك بالصعيد فإنه يكفيك وكان حينئذ لا ماء ثم أتى الماء فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل) فدل ذلك على أن التيمم يرفع الجنابة لكنه رفع موقت إذا وجد الماء وجب عليه أن يغتسل ويدل لذلك أيضا إن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجده فليتق الله وليمسه بشرته).
***
هل هناك فارق بين التيمم بدلا من الوضوء والتيمم بدلا من الغسل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ليس بينهما فرق فإذا تيمم عن جنابة بقي على طهارته هذه من الجنابة ولا يعيد التيمم لكل صلاة بل لا يعيده إلا إذا أجنب مرة ثانية فيعيد التيمم عن هذه الجنابة الأخيرة أو إذا وجد الماء فإنه يجب عليه أن يغتسل وإن لم تتجدد الجنابة لأنه كما أسلفنا زوال المبيح للتيمم يوجب انتقاضه وأما إذا تيمم عن الوضوء فهو أيضا باق على طهارته حتى يوجد ناقضا من نواقض الوضوء فإذا وجد ناقض من نواقض الوضوء وجب عليه أن يتيمم عن الوضوء وعلى هذا فلا فرق بينهما إذا تيمم عن جنابة لا يعيد التيمم لها إلا بوجود سبب وجوبه وإذا تيمم للوضوء لا يعيد التيمم له إلا بوجود سبب وجوبه وهو الحدث الأصغر.
فضيلة الشيخ: لكن أنا فيما أعتقد أن السائل يقصد بالفرق الفرق في الهيئة أو في الكيفية لأنا كما عرفنا منكم سابقا أن التيمم ضربة واحدة يمسح الإنسان وجهه وظاهر كفيه بها ولكن مثلا التيمم عن الجنابة هل هو مثل التيمم للوضوء؟

(121/9)

فأجاب رحمه الله تعالى: التيمم كيفيته عن الجنابة وعن الوضوء واحدة ولا فرق بينهما لأن الله سبحانه وتعالى يقول (وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا) فلا فرق بين هذا وهذا كله على حد سواء وذلك لأن التيمم فرع وليس بأصل حتى يلحق به بل هو فرع طهارة مستقلة ثم إن المقصود منه إظهار التعبد لله سبحانه وتعالى وهذا كاف في التيمم عن الجنابة وعن الحدث الأصغر.
***
المستمع أ أ الرياض يقول في رسالته إذا كان الإنسان جنبا وتعذر عليه استعمال الماء لشدة البرد وأراد أن يتيمم وقد نزل المطر على الأرض فبالتالي لا يوجد غبار في هذا التراب ومن شروط التيمم أن يكون في التراب المستعمل له غبار فماذا يفعل يا فضيلة الشيخ أرجو إفادة؟

(121/10)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان الإنسان جنبا فإن عليه أن يغتسل لقول الله تعالى (وإن كنتم جنبا فاطهروا) فإن كانت الليلة باردة ولا يستطيع أن يغتسل بالماء البارد فإنه يجب عليه أن يسخنه إذا كان يمكنه ذلك فإن كان لا يمكنه أن يسخنه لعدم وجود ما يسخن به الماء فإنه في هذه الحال يتمم عن الجنابة ويصلى لقول الله تعالى (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون) وإذا تيمم عن الجنابة فإنه يكون طاهرا بذلك ويبقى على طهارته حتى يجد الماء فإذا وجد الماء وجب عليه أن يغتسل لما ثبت في صحيح البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل وفيه (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم قال ما منعك قال أصابتني جنابة ولا ماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم عليك بالصعيد فإنه يكفيك ثم حضر الماء بعد ذلك فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ماء وقال أفرغه على نفسك) فدل هذا على أن المتيمم إذا وجد الماء وجب عليه أن يتطهر به سواء كان ذلك عن جنابة أو عن حدث أصغر والمتيمم إذا تيمم عن جنابة فإنه يكون طاهرا منها حتى يحصل له جنابة أخرى أو يجد الماء وعلى هذا فلا يعيد تيممه عن الجنابة لكل وقت وإنما يتمم بعد تيممه عن الجنابة يتمم عن الحدث الأصغر إلا أن يجنب وقول السائل إنه قد نزل المطر فلم يجد ترابا فيه غبار وأن من شرط التيمم أن يتيمم بتراب ذي غبار نقول إن القول الراجح أنه لا يشترط للتيمم أن يكون بتراب فيه غبار بل إذا تيمم على الأرض أجزاه سواء أن كان فيها غبار أم لا وعلى هذا فإذا

(121/11)

نزل المطر على الأرض فاضرب يديك على الأرض وامسح وجهك وكفيك وإن لم يكن للأرض غبار في هذه الحال لقول الله تعالى (فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يسافرون إلى جهات ليس فيها إلا رمال وكانت الأمطار تصيبهم وكانوا يتيممون كما أمر الله عز وجل فالقول الراجح أن الإنسان إذا تيمم على الأرض فإن تيممه صحيح سواء كان على الأرض غبار أم لم يكن.
***
هل يحتاج التيمم بالتراب إلى أن يكون به غبار؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التيمم بالتراب لا يحتاج إلى غبار على القول الراجح لأن الله تعالى قال (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) وهذا عام في كل الأوقات ومعلوم أن المسافرين قد يكونون على أرض رملية ليس فيها غبار وقد يكونون في زمن الأمطار وبلل الأرض فلا يكون غبار فالصحيح أن الغبار ليس بشرط.
فضيلة الشيخ: وهل التيمم لا يصح إلا بتراب؟
فأجاب رحمه الله تعالى: بكل ما على الأرض لكن في الطائرة ما يتمكن الإنسان إلا إذا كان معه تراب فهنا يمكن أن يتيمم.
***
يقول السائل عندما أذهب من بلدتي حوالي ثلاثين كيلو متر ويأتي وقت الصلاة وأنا في مكان أرض سبخة والبحر بعيدا عني وما عندي ماء غير التيمم فهل صلاتي جائزة عندما أتيمم من هذه السبخة أفيدونا جزاكم الله عنا خيرا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التيمم بجميع الأرض جائز لقوله تعالى (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) ولكن إذا كنت تريد الرجوع في الوقت قبل خروجه فتدرك الماء فإن الأولى أن تنتظر حتى ترجع وتدرك الماء وتصلى بالماء فهو أفضل لك من أن تصلى بالتيمم في أول الوقت وأما إذا كنت لا ترجو أن تلحق الماء قبل خروج الوقت فصل بالتيمم ولا حرج.
***

(121/12)

السائل طه من السودان يقول هل يجوز التيمم على الحجر أم لا وهل يجوز التيمم على الأرض إذا كانت بها مطر جزاكم الله خيرا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز التيمم على الأرض سواء كانت رملا أم ترابا يابسا كان أم مبلولا وسواء كانت أحجارا أو غير أحجار لعموم قول الله تبارك وتعالى (فتيمموا صعيدا طيبا) ولعموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام (وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) ولأن الله تعالى يعلم أن الناس تدركهم الصلاة وهم في بر مطير أو في بر حجري أو غير ذلك وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم هذا ومع ذلك لم يستثن شيئا من هذا النوع فدل ذلك على العموم وأن الإنسان متى أدركته الصلاة فليصل فيتيمم على أي أرض كانت إلا ما كان نجسا فالنجس لا يتيمم به لقوله تعالى (فتيمموا صعيدا طيبا) ولا يصلى عليه لأن (النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر أن يصب على بول الأعرابي الذي بال في المسجد) فدل هذا على أنه لابد أن تكون البقعة التي يصلى عليها طاهرة.
***
هل يجوز أن يتيمم المصلى على فرش المساجد اليوم أو على البلاط لأنه يتعذر وجود التراب الطاهر خاصة في المدن الكبيرة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نقول التيمم على الأرض وما اتصل بها من الحيطان جائز لأنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام (أنه تيمم على الحائط) وعلى هذا فالتيمم على البلاط جائز لأنه متصل بالأرض وأما التيمم على الفرش فلا ينبغي أن يتمم على الفرش إن لم يكن عليها غبار ولا يصح التيمم عليها وإن كان عليها غبار فإنه يصح التيمم عليها من أجل الغبار الذي هو من جنس الأرض ولكن مع ذلك لا ينبغي أن يتيمم عليها إلا إذا لم يجد شيئا يتيمم به من الأرض وما يتصل بها من الحيطان ونحوها.
***
بالنسبة للتيمم هل يلزم أن يكون على صعيد طيب أو في الجدار أو في الفراش؟

(121/13)

فأجاب رحمه الله تعالى: الجدار من الصعيد الطيب فإذا كان الجدار مبنيا من الصعيد سواء كان حجرا أو كان مدرا يعني لبنا من الطين فإنه يجوز التيمم عليه أما إذا كان الجدار مكسوا بالأخشاب أو بالبوية فهذا إن كان عليه غبار فإنه يتيمم به ولا حرج فيكون كالذي يتمم على الأرض لأن الغبار من مادة الأرض أما إذا لم يكن عليه غبار فإنه ليس من الصعيد في شيء وإذا كان عليه بويه فقط وليس عليه غبار فإنه ليس من الصعيد وأما بالنسبة للفرش فنقول إن كان فيها غبار فليتيمم عليها وإلا فلا يتيمم عليها لأنها ليست من الصعيد.
فضيلة الشيخ: وكيف يتيمم، هل يحضر له التراب في إناء مثلا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم لكن حسب سؤال المرأة أنه لا يمكن من ذلك إنما إذا أمكن يحضر له.
***
أحسن الله إليكم هذه سائلة تسأل ما حكم التيمم بضرب السجاد الذي به أثر للغبار وإذا لم يكن عليه غبار فما الحكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التيمم على الفراش الذي به غبار جائز وأما إذا لم يكن عليه غبار فإنه لا يجوز التيمم عليه لأنه ليس من جنس الأرض وليس متصلا بها بل هو منفصل عنها لكن إذا كان فيه غبار فالغبار من تراب الأرض فيجوز التيمم عليه وعلى هذا فإذا قدر أن مريضا في المستشفى والمعروف أن الأسرة في المستشفى نظيفة ليس فيها غبار فإن أذن له بتراب يتيمم به فهذا المطلوب وإن لم يؤذن له فإنه يصلى ولو بلا طهارة يعني ولو بلا تيمم لقول الله تبارك وتعالى (فاتقوا الله ما استطعتم).
***
بارك الله فيكم المستمع من جدة طالب في جامعة الملك عبدالعزيز يسأل إذا صادفني جنابة في منطقة شديدة البرودة فهل يجوز لي التيمم؟

(121/14)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا أصاب الإنسان جنابة في مكان شديد البرودة فالواجب عليه أن يسخن الماء فإن لم يتمكن من تسخينه أو تمكن من تسخينه لكنه لم يجد شيئا يلوذ به عن الهواء البارد فله أن يتيمم ويصلى فإذا زال المانع وجب عليه أن يغتسل ولا يقول إن التيمم كاف عن الغسل لأن التيمم يكفي عن الغسل على وجه مؤقت حتى يزول المانع من استعمال الماء ودليل ذلك ما ثبت في صحيح البخاري من حديث عمران بن حصين -الطويل- وفيه (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى رأى رجلا معتزل لم يصل في القوم فقال ما منعك قال أصابتني جنابة ولا ماء فقال عليك بالصعيد فإنه يكفك ثم جاء الماء فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل منه وقال اذهب فأفرغه على نفسك) فدل هذا على أن رفع الجنابة بالتيمم رفع مؤقت ويدل لذلك أيضا حديث أبي هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجده فليتق الله ويلمسه بشرته).
***
يقول السائل بالنسبة لتسخين الماء إذا كان الإنسان يتكاسل أو قام متأخرا من نومه في البرية ويخشى من فوات الوقت فما الذي يفعل هل يسخن الماء أم يتيمم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجب عليه أن يسخن الماء ولو كان يخشى خروج الوقت وذلك لأن النائم إذا قام من نومه فوقت الصلاة في حقه من استيقاظه وليس من دخول وقتها لقول النبي عليه الصلاة والسلام (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) فجعل وقتها عند الذكر بالنسبة للنسيان وكذلك عند الاستيقاظ بالنسبة للنوم فنحن نقول إذا قمت مثلا من نومك قبل طلوع الشمس بنحو خمس دقائق أو عشر دقائق إن تيممت أدركت الصلاة في الوقت وإن اغتسلت خرج الوقت فنقول اغتسل ولو خرج الوقت وذلك لأن وقت الصلاة في حقك كان عند استيقاظك من النوم وليس من طلوع الفجر لأنك معذور به.
***

(121/15)

رسالة من السائل مطر أحمد الزهراني يقول إذا كان الشخص ليس على طهارة وعنده ماء ولكنه بارد لا يستطيع استعماله فماذا يفعل، وإذا تيمم فهل تجوز صلاته أم لابد أن يقضيها حال دفيء الماء أو تسخينه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا يقول أن عنده ماء بارد لا يتمكن من استعماله فهل يجوز أن يتيمم والجواب على هذا السؤال أن نقول لا يجوز أن يتيمم بل يجب عليه أن يصبر ويستعمل هذا الماء البارد في الوضوء إلا إذا كان يخشى من ضرر يلحقه فإنه لا بأس أن يتيمم حينئذ وإذا تيمم وصلى فليس عليه إعادة الصلاة لأنه صلى كما أمر وكل من أتى بالعبادة على وجه أمر به فإنه ليس عليه إعادة الصلاة أما مجرد أن يتأذى من برودته فليس هذا بعذر فإنه غالبا ولاسيما من لم يكونوا في البلد الغالب أنه في أيام الشتاء لابد أن يكون الماء باردا ويتأذى الإنسان ببرودته لكنه لا يخشى من الضرر أما من يخشى من الضرر فإنه لا بأس أن يتيمم ويصلى ولا إعادة عليه ولا يجوز أن ينتظر حتى تخرج الشمس ويسخن الماء ويصلى لأن الواجب عليه أداء الصلاة في وقتها على الوجه الذي أمر به إن قدر على استعمال الماء بدون ضرر استعمله وإن كان يخشى من الضرر تيمم.
***
الأخ فاضل من تركيا يقول في فصل الشتاء ولشدة البرودة لا أتمكن من الوضوء بالماء لصلاة الفجر فهل يجوز لي أن أستخدم التراب للتيمم بدلا عن الماء أرجو الإفادة مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب عليك أن تسخن الماء لأنك في البلد ويمكنك أن تسخنه ولا يحل لك أن تعدل إلى التيمم مع إمكان تسخينه لأنك واجد للماء ولا ضرر عليك من استعماله بعد تسخينه أما إذا لم تسخنه فإن الغالب أن الذين يعيشون في المناطق الباردة يتحملون الماء البارد ولا يضرهم وفي هذه الحال لا يحل لك أن تتيمم ولا يجوز للإنسان أن يتهاون في مثل هذه الأمور وأن يترخص إلا في الموطن الذي رخص فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
***

(121/16)

المستمع محمد إدريس عبد الله سوداني يقول أنا شخص أعمل في رعي الإبل ومشكلتي أننا نصلى جماعة والحمد لله لكننا نتيمم طوال أيام السنة صيفا وشتاء والجدير بالذكر أن ماء الوايت في الصيف يمكث معنا ثلاثة أيام وفي الشتاء أكثر من اسبوع و أحيانا يبعد الماء عنا عشرين كيلو متر أو أربعين كيلو متر فما حكم الشرع في نظركم في عملنا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: عملكم هذا صحيح إذا كنتم لا تجدون الماء لقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون) فإذا لم تجدوا الماء أو كان بعيدا عنكم بعدا يشق عليكم في الذهاب إليه فتيمموا ولو طول السنة أما إذا كان الماء قريبا منكم أو في رحالكم فإنه لا يحل لكم أن تتيمموا ولو تيممتم في هذه الحال فإن تيممكم غير صحيح وصلاتكم التي صلىتموها به غير صحيحة أيضا فالواجب عليكم تقوى الله عز وجل وألا تتيمموا إلا عند وجود العذر الشرعي وهو عدم الماء أو التضرر باستعماله.
***

(121/17)

المستمع صلاح الدين أحمد محمود مصري يقول هناك البعض من الناس يتيممون لكل صلاة مع وجود سيارة ماء كبيرة يسقون منها الإبل والغنم ولكنني عندما أتيمم مثلهم لا أشعر بطعم الصلاة أو الخشوع فيها وأشعر بأنها باطلة لأنني أعرف أن التيمم يبطل في حال وجود الماء أرجو معرفة الرأي الشرعي في ذلك فضيلة الشيخ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لو قال السائل الحكم الشرعي لكان أحسن من الرأي الشرعي والحكم في هذه المسألة وهي أن يتيمم الإنسان مع وجود الماء وتوافره أن تيممه باطل ولا يحل له أن يصلى به وعلى هذا فإن هؤلاء القوم الذين يتيممون وعندهم الوايت من الماء لا يحل لهم أن يصلوا بهذا التيمم وإذا صلوا بهذا التيمم فإن صلاتهم باطلة لأن الله سبحانه وتعالى إنما أباح التيمم إذا لم نجد الماء ومن عنده وايت من الماء فقد وجده فلا يحل له أن يتيمم وعلى هؤلاء أن يتقوا الله عز وجل في أنفسهم وأن يستعملوا الماء لطهارتهم لأنهم واجدون له والغالب أن تحصيل هذا الماء سهل يذهبون إلى أماكن الماء ويملئون هذا الوايت ويكفيهم لعدة أيام.
***
هل يجوز لمن يخرجون للبرية في عطلة الربيع مثلا أن يتيمموا لقلة الماء أو لشدة البرد، وهم عندهم سيارات يذهبون بها إلى خارج المدينة ويعرفون أنهم سيقيمون كذا أيام في البرية؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا لم يكن عندهم ماء فإنه يجوز لهم أن يتيمموا عن الجنابة وعن الحدث الأصغر وأما إذا كانوا يخافون البرد فإن كان عندهم ما يسخنون به الماء وجب عليهم تسخينه واستعماله وإن لم يكن عندهم ما يسخنون به الماء فإنه يجوز لهم أن يتيمموا وفي كلتا الحالين إذا وجدوا الماء بعد ذلك وجب عليهم الغسل إن كان تيممهم عن جنابة والوضوء إن كان تيممهم عن حدث أصغر.
فضيلة الشيخ: لكن مثل هؤلاء كيف يخرجون من المدينة ومعهم السيارات ولا يأخذون ماء؟

(121/18)

فأجاب رحمه الله تعالى: قد تكون سيارات غير قابلة لحمل الماء فيها أو فيها مشقة في حمل الماء والله سبحانه وتعالى يقول (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا) وحمل الماء من أجل الوضوء به ليس بواجب لأنه قد يشق على الإنسان.
فضيلة الشيخ: لكن أليس على الإنسان أن يشتري الماء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يشتريه إذا حضر وقت الصلاة أما قبل ذلك فلا إذا حضر وقت الصلاة وجب عليه أن يتوضأ.
فضيلة الشيخ: لكن ألا يكلف نفسه بحمله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يكلف نفسه بحمله.
فضيلة الشيخ: هذا إذا كان فيه كلفة شديدة لكن إذا كان عنده وسائل نقل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: حتى إذا كان عنده وسائل نقل فلا يظهر لي وجوب حمله عليه من أجل الوضوء لأنه مأمور بالوضوء إذا حضرت الصلاة فإذا حضرت الصلاة إن وجد الماء توضأ به وإلا فلا.
***
أحسن الله إليكم يذكر هذا السائل بأنه يتيمم في كل وقت مع وجود الماء الخاص بشرب الأغنام وقد صلى عدة صلوات بالتيمم هل يلزمه شيء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان قادرا على استعمال الماء فإنه لا يحل له أن يتيمم لأن الله تعالى قال (فلم تجدوا ماء) فما مضى ووقع جهلا منه فأرجو أن لا يلزمه إعادة الصلاة التي صلاها بالتيمم لكن في المستقبل ما دام الماء كافيا فإنه يجب عليه أن يتطهر بالماء.
***
إذا كنت في الخلاء ولم يكن بحوزتي ماء إلا القليل الذي يكفيني للشرب فقط هل أتوضأ منه أم أتيمم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان مع الإنسان ماء يحتاجه للشرب وحان وقت الصلاة وليس عنده سوى هذا الماء فإنه يتيمم لأنه محتاج إلى هذا الماء ودفع الضرورة أمر مطلوب والله تبارك وتعالى أباح للإنسان أن يتيمم إذا لم يجد ماء وهذا الماء الذي يحتاجه لشربه وجوده كالعدم بالنسبة للوضوء به.
***

(121/19)

أنا أحد رعاة الأغنام وأحيانا لا يتوفر لدي الماء عند وقت الصلاة فهل يجوز لي التيمم أفيدونا بارك الله فيكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم إذا كنت راعيا للغنم وحضرت الصلاة وليس عندك ماء فإن الله عز وجل أباح لك التيمم قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما ذكر من خصائصه التي خصها الله بها وأمته قال عليه الصلاة والسلام (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل) إذا أدركتك الصلاة فصل إن كان عندك ماء تطهرت به وإن لم يكن عندك ماء تطهرت بالتراب ويجزئك ذلك.
***
المستمع العوضي الناجي سوداني مقيم في المملكة يقول أنا أعمل راعي مع أحد سكان البادية ومعنا ماء يكفي لمدة عشرة أيام ولكنه مخصص للشرب وصاحب العمل يمنعني من استعماله للوضوء هل يكفي التيمم في هذه الحالة نرجو الإفادة جزاكم الله خيرا؟

(121/20)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان ليس حولكم ماء يمكنكم أن تتوضؤا منه أو تغتسلوا من الجنابة به فإن لكم أن تتيمموا في هذه الحالة لقوله تعالى (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) ولكن إذا قدرتم على الماء فإنه يجب عليكم استعماله إن كان التيمم عن حدث أصغر فتوضئوا وإن كان التيمم عن حدث أكبر فاغتسلوا لأن الإنسان إذا وجد الماء بطل تيممه ووجب عليه استعماله لقول الرسول عليه الصلاة والسلام (الصعيد الطيب وضوء المسلم أو قال طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته) ولأنه ثبت في صحيح البخاري من حديث عمران بن حصين -الطويل- (أن رجلا لم يصل مع النبي صلى الله عليه وسلم فرآه النبي صلى الله عليه وسلم معتزلا لم يصل فقال ما منعك قال أصابتني الجنابة ولا ماء فقال عليك بالصعيد ثم حضر الماء فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل) وهذا دليل على أن التيمم يبطل بوجود الماء.
***
عماد أمين يقول قضيت فترة من الزمن ما يقارب من عشرة أيام وأنا أصلى بالتيمم وكنت أتيمم على صخرة لصعوبة الحصول على الماء فهل يجب علي إعادة الصلاة أفيدوني في ذلك بارك الله فيكم؟

(121/21)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجب عليك إعادة الصلاة إذا كنت حين التيمم لا تستطيع استعمال الماء لأن الله عز وجل قال (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل) فإذا كنت غير مستطيع لاستعمال الماء وتيممت وبقيت مدة طويلة تصلى بهذا التيمم فإنه لا شيء عليك ما دام الشرط موجودا وهو تعذر استعمال الماء.
***
رجل يرعى الإبل بعيدا عن المنازل ولم يجد الماء لمدة طويلة ويعيش على لبن الإبل بدل الماء في هذه الفترة وزوجته معه فهل يصح له أن يتيمم ويصلى وماذا يفعل من ناحية الغسل وما حكم صلاته وهو جنب بالتيمم فقط لو طالت المدة إلى شهر مثلا وهل السفر مع هذه الإبل بحثا عن الكلأ يعتبر سفرا يبيح أحكام السفر من قصر الصلاة الرباعية والإفطار في رمضان وغيرها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يجوز للإنسان المسافر العادم للماء أن يفعل كل ما يباح له في حال وجود الماء من جماع زوجته وتقبيلها وغير ذلك وإذا وجب عليه غسل من الجنابة فإنه يتيمم إذا لم يجد الماء وإذا تيمم فإن جنابته ترتفع لكنه ارتفاع مؤقت، إلى أن يجد الماء فإذا وجد الماء وجب عليه أن يغتسل وأما كونه يترخص برخص السفر فينظر إن كان هذا المكان الذي يرعى فيه مكان إقامته بحيث يعرف أنه مستمر في هذا دائما فإنه لا يترخص برخص السفر وإن كان يبقى فيه أياما ثم يرتحل إلى مكان آخر وهكذا وليس محل إقامته وإنما محل إقامته وسكناه محل سوى ذلك فإنه يترخص برخص السفر.
***

(121/22)

بارك الله فيكم هذا سائل مصري يقول كنت أسير في الطريق فلم أعلم إلا والصلاة تقام في مسجد قريب مني ولم أجد ماء قريب مني فتيممت وصلىت علما بأنني لو بحثت عن مسجد غير هذا المسجد لفاتتني الصلاة فهل تجوز صلاتي على هذه الحال أرجو إفادتي مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا تجوز الصلاة في هذه الحالة يعني أنه لا يجوز للإنسان أن يتيمم من أجل إدراك الجماعة لأن الصلاة تصح بدون الجماعة وإن كانت بدون الجماعة حراما لكنها تصح والواجب على هذا السائل الآن أن يعيد صلاته بعد أن يتوضأ لأن صلاته الأولى غير صحيحة لترك شرط من شروطها وهو الوضوء.
***
من الطائف من المستمع س. ع. يسأل عن التيمم لصلاة العيد يقول إذا انتقض الوضوء وأنا في صلاة العيد ولم يكن هناك وقت مع عدم وجود ماء في مسجد العيد فهل يجوز التيمم والله يرعاكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: جمهور أهل العلم على أنه لا يجوز له التيمم لأن من شروط التيمم عدم الماء وهذا ليس عادما للماء، فنقول له اذهب فتوضأ ثم أحضر إلى صلاة العيد فإن أدركتها فذاك وأن لم تدركها فقد تركتها لعذر.
فضيلة الشيخ: لكن إذا اعتقد أو جزم بأنه لن يدرك الصلاة لأن المسجد بعيد أو منزله أيضا بعيد أو الماء بعيد وجلس خلف الصفوف ليسمع الخطبة فقط ولا يؤدي الصلاة؟

(121/23)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا بأس، لا حرج عليه في هذا ولكن تبقى ملاحظة وهي أنه يفهم من كلامك أن صلاة العيد من السنن، والحقيقة أنها ليست من السنن، بل هي من الفروض والواجبات فالصحيح من أقوال أهل العلم أنها واجبة على الأعيان، وأنه يجب على المرء أن يصلى صلاة العيد ولا يتخلف عنها إلا لعذر لأن (النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها حتى الحيض وذوات الخدور إلا أن الحيض يعتزلن المصلى) وما أمر به فالأصل فيه الوجوب وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ولا يعارض هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي حين ذكر له الصلوات الخمس (قال هل علي غيرها قال لا إلا أن تطوع)، فإن صلاة العيد من الصلوات الواجبة لعارض ليست من الصلوات اليومية أما الصلوات اليومية فلا يجوز فيها سوى الخمس، أما الصلوات لعارض فهناك صلوات تجب وليست من الصلوات الخمس.
***
ما حكم تيمم الشيخ الكبير في السن مع القدرة على أن يحضر الماء إليه بواسطة الأبناء أو الزوجة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة الإنسان بالتيمم مع قدرته على الماء باطلة لأن الله تبارك وتعالى لما ذكر الطهارة بالماء قال (فتيمموا صعيدا طيبا) يعني عند تعذر الماء أو تعذر استعماله فإذا صلى بلا وضوء ولا تيمم بطلت صلاته ولكن إذا كان يشق عليه إحضار الماء فإنه يحل له أن يجمع بين صلاة الظهر والعصر في وضوء واحد وبين صلاة المغرب والعشاء في وضوء واحد فيتوضأ وضوءا واحدا للظهر والعصر ووضوءا واحدا للمغرب والعشاء ووضوءا ثالثا للفجر وأما أن يتيمم وهو قادر على استعمال الماء ثم يصلى فصلاته باطلة.
***
بارك الله فيكم تقول السائلة إذا كان في عيني مرض ومنعني الطبيب من الماء هل يصح لي التيمم لمدة طويلة؟

(121/24)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان في العين مرض وقال الطبيب إن الماء يضرها فإنه ينظر هل يمكن أن تمسح على العين مسحا بأن تبل يديها بالماء وتمسح عليها إن كان كذلك وجب عليها أن تمسح وإن لم يمكن وكان يضرها الغسل والمسح فإنها تغسل من وجهها ما لا يضره الماء وتتيمم عن الباقي لعموم قوله تبارك وتعالى (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) وقوله سبحانه وتعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) وقوله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) .
***
بارك الله فيكم يقول المستمع محمد عبد الله دخل والدي المستشفى وأجرى عملية جراحية وكان يتيمم للصلاة وليس في المستشفى تراب فكان يتيمم بالغرفة وبعد ذلك أحضرت له ترابا فما حكم هذا العمل فضيلة الشيخ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان هذا العمل أقصى ما تقدرون عليه فإنه عمل مجزئ لقول الله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) وقوله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).
***
هل يلزم المسلم أن يتيمم لكل صلاة ولو لم ينتقض التيمم؟

(121/25)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يلزمه أن يتيمم لكل صلاة إذا لم ينتقض التيمم وانتقاض التيمم يكون بوجود الماء فإذا وجد الماء فإنه يجب عليه أن يستعمل الماء ويكون انتقاض التيمم أيضا لبرء الجرح ونحوه مما تيمم من أجله فإذا برئ وأراد الصلاة لابد أن يتوضأ لزوال المبيح والمهم أن بطلان التيمم يكون بزوال المبيح الذي أباح التيمم سواء كان عدم الماء فوجده أو كان من أجل مرض ثم عوفي وكذلك أيضا يبطل التيمم بمطلات الوضوء إن كان عن وضوء ومبطلات الغسل إن كان عن غسل وأما خروج الوقت فإنه لا يبطل التيمم فلو تيمم لصلاة الظهر مثلا واستمر على طهارته حتى دخل وقت العصر فإنه يبقى على طهارته ولا حرج عليه لأن الله سبحانه وتعالى جعل التيمم طهارة فقال بعد ذكر التيمم (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون) وسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأرض طهورا والطهور ما يطهر فقال (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) فالأرض طهور والماء طهور فكما أن الماء يطهر فكذلك الأرض تطهر إذا تمت شروط أباحة التميم وفي الحديث أيضا عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال (الصعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين) فسماه الرسول وضوءا والوضوء ما يتوضأ به ويرفع الحدث فالتيمم مطهر رافع للحدث وإذا رفع الحدث فإنه لا يعود الحدث إلا بأسبابه وهي النواقض المعروفة.
***
بارك الله فيكم المستمع السوداني يقول هل من الممكن أن أصلى فرضين بتيمم واحد مع العلم بأن الفرضين في وقت واحد أحدهما قضاء والآخر حاضر وهل يمكن أن أصلى فرض وسنة بتيمم واحد فمثلا صلاة العشاء مع الشفع والوتر نرجو بهذا إفادة؟

(121/26)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يمكن أن تصلى فرضين بتيمم واحد سواء صلىتهما في آن واحد أو صلىت كل وقت في وقته ويمكن أن تصلى فريضة وراتبتها أو فريضة وسنة أخرى ويمكن أن تتيمم لسنة وتصلى به فريضة وذلك لأن التيمم بدل عن طهارة الماء والبدل له حكم المبدل والتيمم تحصل به الطهارة ودليل ذلك قوله تعالى (وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم) وهذا دليل على أن التيمم مطهر ولقول النبي عليه الصلاة والسلام (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) والطهور ما يتطهر به وهو دليل على أن التيمم مطهر وإذا كان مطهرا فإن الإنسان إذا تيمم ثبتت في حقه الطهارة وارتفع عنه الحدث فيبقى على طهارته حتى يتجدد له حدث آخر وعلى هذا فلو تيممت لصلاة الفجر ولم تحدث حتى حان وقت صلاة الظهر وصلىت الظهر بتيمم الفجر كانت صلاتك صحيحة لأن الطهارة باقية ولو بقيت على طهارتك إلى صلاة العصر فصلىت العصر أيضا فلا حرج عليك وصلاتك صحيحة ولو بقيت إلى المغرب والعشاء وصلىت المغرب والعشاء بالتيمم الذي كان لصلاة الفجر فلا حرج عليك في ذلك لأن طهارة التيمم لا تنتقض إلا بما تنتقض به طهارة الماء وطهارة الماء لا تنتقض بخروج الوقت وكذلك طهارة التيمم إلا أن طهارة التيمم تنتقض بوجود الماء فإذا وجدت الماء وجب عليك أن تتوضأ إذا وجبت الصلاة وأن تغتسل من الجنابة إن كنت تيممت عنها في حال عدم وجود الماء فتغتسل إذا وجدت الماء وتصلى ودليل ذلك ما رواه البخاري من حديث أبي سعيد -الطويل- وفيه (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه فرأى رجلا معتزلا لم

(121/27)

يصل في القوم فسأله لماذا لم يصل معهم قال يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء قال فعليك بالصعيد فإنه يكفيك ثم أحضر الماء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه الرجل وقال خذ هذا أفرغه على نفسك) وهذا دليل على أنه متى وجد الإنسان الماء ولو كان متيمما وجب عليه أن يتطهر به سواء كان ذلك من الحدث الأصغر أو الأكبر أما ما دام عادما للماء فإن طهارة التراب تقوم مقام طهارة الماء من كل وجه.
***
ما حكم صلاة من صلى بالتيمم في أول الوقت ثم وجد الماء بعد الفراغ من الصلاة والوقت باق لم يخرج؟
فأجاب رحمه الله تعالى: حكم من صلى بالتيمم في أول الوقت ثم وجد الماء في آخر الوقت أنه لا إعادة عليه وصلاته الأولى صحيحة لأنها جاءت على وفق الشريعة وما جاء على وفق الشريعة برئت به الذمة فإذا برئت ذمته فإنه لا يطالب بها مرة أخرى، وهذا الرجل الذي صلى بالتيمم لعدم وجود الماء مثلا نقول له إن صلاتك هذه صحيحة وإذا صحت برئت ذمته منها فإذا وجد الماء فلا إعادة عليه.
فضيلة الشيخ: حتى لو كان التيمم عن جنابة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: حتى لو كان عن جنابة لا يعيد الصلاة ولكنه كما أسلفنا قبل قليل يغتسل.
***
بارك الله فيكم هل يمكن أن نصلى الوقت بالتيمم ونصلى بهذا التيمم عدد من النوافل والسنن المؤكدة؟

(121/28)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز للإنسان إذا تيمم لصلاة أن يصلى بهذا التيمم عدة صلوات مفروضة أو نوافل، سواء صلاها في وقت الصلاة التي تيمم لها أو صلى في وقت آخر، فإذا تيمم لصلاة الظهر مثلا وبقي على طهارته إلى دخول وقت العصر فإنه يصلى العصر بلا إعادة التيمم لأن القول الراجح أن التيمم لا يبطل بخروج الوقت وكذلك لو بقي على طهارته هذه حتى دخل وقت المغرب فإنه يصلى المغرب بتيمم صلاة الظهر وكذلك لو بقي على طهارته إلى العشاء فإنه يصلى صلاة العشاء بتيمم صلاة الظهر لأن التيمم لا ينتقض إلا بنواقض الوضوء التي تنتقض بها طهارة الماء إلا إذا وجد الماء إن كان تيممه لعدم الماء فإنه لابد أن يتوضأ به وكذلك لو كان تيممه لمرض فبرأ منه فإنه لا بد أن يتوضأ بالماء.
***
المستمع محمد الشريف حامد سوداني الجنسية مقيم بمدينة عفيف يقول هل يجوز تأدية صلاتين بتيمم واحد حضرا أو سفرا جمعا وقصرا أو كل صلاة في وقتها فقد شاهدت بعض الناس يصلون بتيمم واحد فرضين وإن كان لا يجوز فماذا على هؤلاء فعله؟

(121/29)

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا السؤال ينبني على هل التيمم مبيح أو رافع للحدث وهو محل خلاف بين أهل العلم والراجح أن التيمم رافع للحدث ومطهر لأن الله سبحانه وتعالى يقول (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) فالتيمم مطهر على ما تقتضيه هذه الآية الكريمة والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وإذا كان مطهرا فإنه رافع للحدث وعلى هذا فيجوز للإنسان إذا تيمم لصلاة واستمر على طهارته ولم يوجد منه ناقض للوضوء يجوز له أن يصلى صلاتين فأكثر سواء صلاهما جمعا أو صلى كل صلاة وحدها وعلى هذا فإذا تيمم لصلاة الفجر مثلا وبقي لم يحدث منه ما ينقض الوضوء إلى الظهر فإنه يصلى صلاة الظهر بالتيمم الذي تيممه لصلاة الفجر وكذلك لو بقي إلى العصر وإلى المغرب وإلى العشاء لم يوجد منه ما يكون ناقضا للوضوء فإنه يكون على طهارته أي طهارة تيممه الذي تيممه لصلاة الفجر هذا هو القول الراجح ولا يبطل التيمم إلا بما يبطل طهارة الماء أو بوجود الماء إذا كان تيمم لعدم الماء أو بزوال مبيح من مرض أو غيره إذا تيمم لذلك فعلى هذا نقول إن هؤلاء الذين يراهم السائل يصلون صلاة فأكثر بيتمم واحد نقول إن صلاتهم هذه صحيحة وليس عليهم حرج ما داموا باقين على طهارتهم.
***
هل يجوز للمتيمم أن يصلى سنة الوضوء؟

(121/30)

فأجاب رحمه الله تعالى: طهارة التيمم طهارة كاملة رافعة للحدث مادام سبب التيمم قائما لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون) فقوله تعالى (ولكن يريد ليطهركم) يدل على أن التيمم مطهر رافع للحدث كالماء تماما ويدل لذلك أيضا قول النبي صلى عليه و آله وسلم (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) والطهور ما يتطهر به وعلى هذا إذا تيمم الإنسان التيمم المشروع الذي وجد سببه فإنه يصلى بهذا التيمم ما شاء من فروض ونوافل وهو على طهارته حتى ولو خرج الوقت فإنه يمكن أن يصلى به الصلاة الأخرى حتى يحصل ناقض من نواقض الوضوء فمثلا لو أن الإنسان تيمم لصلاة الظهر وصلى ما شاء من فروض ونوافل ثم بقي إلى صلاة العصر لم يفعل ما ينقض الوضوء ثم صلى العصر بتيمم صلاة الظهر فلا حرج عليه في هذا وأرجوا أن تكون السائلة قد فهمت الآن أنه يجوز لها أن تتنفل بطهارة التيمم كما تتنفل بطهارة الماء ولكن متى وجد الماء فإن الواجب عليها أن تتوضأ عند أرادت الصلاة أو تغتسل إن كانت على جنابة ودليل ذلك (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى ذات يوم رجلا معتزلا لم يصل في القوم يعني لم يصل مع الجماعة فسأله فقال يا رسول أصابتني الجنابة ولا ماء فقال عليك بالصعيد فإنه يكفيك ثم حضر

(121/31)

الماء فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ماء وقال خذ هذا أفرغه على نفسك) وهذا يدل على أن التيمم يبطل إذا وجد الماء.
***

(121/32)

باب إزالة النجاسة
من الرياض عثمان بن عيسى من المغرب يقول ما هي شروط إزالة النجاسة وهل يمكن أن ننطق بالنية جهرا أم سرا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: النجاسة نوعان نجاسة الكلب فيشترط في تطهيرها سبع غسلات إحداها بالتراب والأولى أن يكون التراب في الغسلة الأولى هكذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من (حديث أبي هريرة وغيره بأن نجاسة الكلب لابد فيها من سبع غسلات إحداها بالتراب) وأما نجاسة غير الكلب فإن الشرط فيها أن تزول عين النجاسة بأي عدد كان سواء بواحدة أو باثنتين أو بثلاث أو بأكثر المهم أن عين النجاسة لابد أن تزول وكذلك لابد من زوال العين حتى في نجاسة الكلب لكن نجاسة الكلب تمتاز عن غيرها بأنها لو زالت العين بثلاث غسلات فلابد من اكمال السبع التي لابد أن يكون واحدة منها بتراب هذا إذا كانت النجاسة على غير الأرض أما إذا كانت على الأرض فإنه يكفي أن تصب عليها ماء يغمرها لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الأعرابي الذي بال في المسجد قال (أريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء) وأما التلفظ بالنية فإنه ليس بشرط بل ولا مستحب وإزالة النجاسة ليس لها نية بدليل أنه لو كان في أعلى السطح نجاسة ونزل عليه المطر حتى زالت النجاسة به فإنه يطهر مع أن الإنسان ما نوى فإزالة النجاسة لا يشترط لها نية.
فضيلة الشيخ: كثيرا ما نسمع مثلا خاصة الطاعنين في السن إذا غسل لهم وأزيلت نجاسة من ثوب من ثيابهم يسألون هل شهد أي قيل عليه (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله) هل ورد في ذلك شيء؟

(122/1)

فأجاب رحمه الله تعالى: أبدا ما ورد أن الإنسان إذا غسل النجاسة يقول (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله) هذا وارد فيما إذا توضأ الرجل فيقول (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد عبده ورسول الله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) وأما التشهد على إزالة النجاسة فإنه من البدع التي ينهى عنها.
***
أحسن الله إليكم هل يجوز إزالة النجاسة بغير الماء كالخل وغيره من المزيلات أو المطهرات؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نقول إن إزالة النجاسة ليست مما يتعبد به قصدا أي أنها ليست عبادة مقصودة وإنما إزالة النجاسة هو التخلي من عين خبيثة نجسة فبأي شيء أزال النجاسة وزال أثرها فإنه يكون ذلك الشيء مطهرا لها سواء كان بالماء أو بالبنزين أو بأي مزيل يكون متى زالت عين النجاسة بأي شيء يكون فإن ذلك يعتبر تطهيرا لها حتى أنه على القول الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية لو زالت النجاسة بالشمس والريح فإنه يطهر المحل لأنها كما قلت هي عين نجسة خبيثة متى وجدت صار المحل متنجسا بها ومتى زالت عاد المكان إلى أصله أي إلى طهارته فكل ما تزول به عين النجاسة وأثرها فإنه يكون مطهرا لها إلا أنه يعفى عن اللون المعجوز عنه وبناء على ذلك نقول إن البخار الذي تغسل به الأكوات وثياب الصوف وما أشبهها إذا زالت به النجاسة فإنه يكون مطهرا.
***
بارك الله فيكم المستمعة من ليبيا خ. ي تقول إذا غسلنا الثياب بالماء والصابون وكانت فيها نجاسة هل يصح الصلاة بها وهل يكفي ذلك؟

(122/2)

فأجاب رحمه الله تعالى: غسيل الثياب بالماء والصابون يطهرها بشرط أن تزول عين النجاسة فإذا كانت النجاسة شيئا جامدا فلا بد من حكه أولا بالماء ثم غسله بعد حكه وإزالته لأنه لا يمكن أن تطهر الثياب وعين النجاسة باقية فيها وإذا طهر الثوب من أي نجاسة كانت سواء كانت من البول أو الغائط أو دم الحيض فإن الصلاة فيه تجوز ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المرأة إذا حاضت وأصاب ثوبها دم الحيض (أن تقرصه ثم تغسله بالماء ثم تصلى فيه).
***
جزاكم الله خيرا السائلة أم أحمد من المدينة النبوية تقول هل يطهر الغسيل عند غسله في الغسالات الأتوماتيكية التي تغسل لوحدها دون تدخل الشخص؟
فأجاب رحمه الله تعالى: مراد السائلة فيما يظهر أنه إذا غسل الثوب النجس في هذه الغسالات التي تدور على الكهرباء هل يطهر أم لا؟ والجواب أنه يطهر لأن هذا الماء ينقي والمقصود من إزالة النجاسة هو أن تزول عينها بأي مزيل حتى لو فرض أن الإنسان نشر ثوبه على السطح ثم نزل المطر وطهره يكون طاهرا لأن إزالة النجاسة لا يشترط لها النية.
***
ما صفة تطهير الفرش الكبير من النجاسة وهل العصر في الغسل للنجاسة معتبر بعد إزالة عينها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: صفة غسل الفرش الكبيرة من النجاسة أن يزيل عين النجاسة أولا إذا كانت ذات جرم فإن كانت جامدة أخذها وإن كانت سائلة كالبول نشفه بإسفنج حتى ينتزعه ثم بعد ذلك يصب الماء عليه حتى يظن أنه زال أثره أو زالت النجاسة وذلك يحصل في مثل البول بمرتين أو ثلاث وأما العصر فإنه ليس بواجب إلا إذا كان يتوقف عليه زوال النجاسة مثل أن تكون النجاسة قد دخلت في داخل هذا المغسول ولا يمكن أن ينظف داخله إلا بالعصر فإنه لابد أن يعصر.
***
يقول السائل سمعت في برنامجكم أن الأرض تطهر من نجاسة البول إذا جفت بتأثير الشمس فهل لابد من تأثير الشمس أم مجرد الجفاف وهل حكم الفرش داخل البيت كذلك سواء التصقت بالأرض أم لا؟

(122/3)

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس المراد بكون الأرض تطهر بالشمس والريح مجرد الجفاف بل لابد من زوال الأثر حتى لا يبقى صورة البول أو الشيء نجس وعلى هذا فنقول إذا حصل بول في أرض ويبس ولكن صورة البول لازلت موجودة يعني أثر البقعة فإنها لا تطهر بذلك لكن لو مضى عليها مدة ثم زال أثرها فإنها تطهر بهذا لأن النجاسة عين يجب التخلي منها والتنزه منها فإذا زالت هذه العين بأي مزيل فإنها تكون طاهرة وأما الفرش فلابد بأن تغسل الفرش التي تفرش بها الأرض سواء كانت لاصقة بالأرض أم منفصلة لابد أن تغسل وغسلها بأن يصب عليها الماء ثم ينشف بالإسفنج ثم يصب مرة ثانية وثالثة حتى يغلب على الظن أنه زال أثر النجاسة.
***
بارك الله فيكم تقول السائلة إذا كانت الأرض أو الشيء الذي يضع عليه الإنسان سجادة الصلاة وهي طاهرة نظيفة ولكن الأرض نجسة أو غير نظيفة فهل هذا حرام وهل يجوز ذلك إذا كانت السجادة طاهرة ولكن ما تحتها نجس؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا ليس في ذلك تحريم أي أنه لا يحرم على الإنسان أن يضع سجادته على شيء نجس يابس ويصلى عليها، إلا أن تكون لهذا النجس رائحة تؤذي الإنسان في صلاته فلا يصلى عليها لئلا يتأذى بها وذلك لأن ما يباشره المصلى طاهر ومن هذا أيضا ما يحدث كثيرا في الأحواش تكون فيها البيارة لكنها مطمورة مطمومة فيصلى عليها الإنسان فلا حرج وأما كراهة بعض العلماء لذلك لكونه اعتمد على ما لا تصح الصلاة عليه ففيه نظر لأنه لم يباشر النجس، ومثلها مسألة السجادة إذا وضعها على مكان نجس ولم يباشر النجس فيما إذا صلى على سقف البيارة.
***

(122/4)

جزاكم الله خيرا هذه السائلة ع. ع. من الكويت الصباحية تقول إنها مصابة بالوساوس في الطهارة والحدث في الصلاة فأما بالنسبة للطهارة فتقول إنني أتشدد في غسل كل شيء يقع عليه بول الأطفال لأنها أم لثلاثة أطفال ودائما أو كثيرا ما تتعرض للنجاسة حيث أنهم يبولون على السجاد أو على ملابسهم وعند ما تغسل ملابسهم النجسة تقع نقط من الماء على ملابسها فأصبحت لا تطيق النجاسة وتتضايق كثيرا عندما ترى أحد أطفالها قد بال على شيء أو بال في ملابسه وأصبحت تشك في كل شيء يلمسه الأطفال كمقبض الباب أو الطاولات أو السجاد وملابسهم ونحو ذلك فتقول أرجو أن تجدوا لي حلا لهذه الوساوس لأنني قد وصلت إلى درجة أنني أصبحت أتثاقل عن أداء الصلوات وأحسب لها ألف حساب فإذا بال الطفل على السجاد فكيف يمكن تطهيره وأقصد بالسجاد الذي يفرش في الغرف فلا يمكن نقله وكم يكفي من الماء لتطهيره وإذا وطئت بقدمي السجاد وهو مبلول بالماء الذي غسل به فهل تكون رجلي قد تنجست وما العمل لو تركت النجاسة حتى جف موقعها وأشتبه علينا فكيف يمكن تطهير السجاد الذي لا يمكن نقله وكم يكفي من الماء لتطهيره وكذلك كيف يطهر الطفل؟

(122/5)

فأجاب رحمه الله تعالى: قبل الإجابة على هاتين المسألتين الفرعيتين نجيب عن أصل الداء أصل الداء وهو الوساوس التي يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم والشيطان كما قال الله عز وجل (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير) وهو حريص على كل ما يقلق الإنسان ويحول بينه وبين السعادة في الدنيا والآخرة كما قال الله عز وجل (إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله) فالشيطان حريص على فساد ابن آدم والإفساد عليه في دينه ودنياه وهذه الوساوس التي تقع لبعض بني آدم سواء كانت وساوس في العقيدة فيما يتعلق بالرب جل وعلا أو فيما يتعلق بالرسول صلى الله وسلم أو فيما يتعلق بالإسلام عموما أو في مسألة من مسائل الدين كالصلاة والوضوء والطهارة وما أشبه ذلك ودواء ذلك كله ما أرشد الله إليه وأرشد إليه رسوله صلى الله عليه وسلم فقد قال الله تعالى (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله) و(قال النبي عليه الصلاة والسلام لرجل شكا إليه أن الشيطان يحول بينه وبين صلاته أن يقول إذا أحس به أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) فدواء هذا الداء الذي نسأل الله تعالى أن يعافينا وإخواننا المسلمين منه أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وأن يدعه وأن يلهو عنه وألا يلتفت إليه مطلقا حتى لو وسوس له الشيطان بنجاسة شيء أو بالحدث وهو لم يتيقن ذلك فلا يلتفت إليه وإذا داوم على تركه والغفلة عنه وعدم الألتفات إليه فإنه يزول بحول الله أما المسألتان فهما أولا إذا بال الصبي على فراش لا يمكن نزعه كالفرش الكبيرة التي تكون في الحجر والغرف فإن تطهيرها يكون بصب الماء عليها فإذا صب الماء عليها وفرك باليد يؤتى باسفنجة لتمتص هذا الماء ثم يصب عليه ماء آخر ويفعل به كذلك ثم

(122/6)

مرة ثالثة وبهذا يطهر المحل إذا كان مجرد بول أما إذا كان شيئا آخر له جرم فلابد من إزالة الجرم أولا ثم التطهير.
فضيلة الشيخ: بالنسبة لهذه الفقرة هل في هذا فرق بين ما إذا كان الطفل ذكرا أم أنثى؟
فأجاب رحمه الله تعالى: بالنسبة لغير البول لا فرق بين الذكر والأنثى وبالنسبة للبول فإن البول إذا كان من طفل ذكر لا يأكل الطعام فإنه يكفي فيه النضح، والنضح معناه أن يصب الماء صبا بدون فرك وبدون غسل.
فضيلة الشيخ: والبنت؟
فأجاب رحمه الله تعالى: البنت كغيرها لابد أن يغسل.
فضيلة الشيخ: الفقرة الثانية تقول إذا وطئت بقدمي الفراش وهو مبلول بالماء الذي غسل به فهل تكون رجلي قد تنجست من هذا البول وما العمل لو تركت النجاسة حتى جف موضعها واشتبه علينا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا وطئت برجلك وهي رطبة على هذا الموضع الذي طهر فإنه لا يؤثر لأن المكان صار طاهرا وأما ترك هذا المكان حتى يجف ويشتبه فإن هذا لا ينبغي وإذا قدر أنه وقع واشتبه الأمر فإنه يجب التحري بقدر الإمكان ثم يغسل المكان الذي يظن أنه هو الذي أصابته النجاسة وقلت أنه لا ينبغي تأخير غسل النجس لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان منهجه المبادرة في إزالة النجاسة فإنه (أتي له بصبي فوضعه في حجره فبال على حجره فدعا عليه الصلاة والسلام بماء فاتبعه إياه) ولم يؤخر غسله ولما (بال الأعرابي في طائفة المسجد أي في جانب منه أمر النبي عليه الصلاة والسلام بذنوب من ماء فأريق عليه فورا) فعلم من هذا أن هدي الرسول عليه الصلاة والسلام هو المبادرة في إزالة النجاسة وذلك لسببين.
أولا: المسارعة إلى إزالة الخبث والأذى فإن الأذى والخبث لا يليق بالمؤمن فالمؤمن طاهر وينبغي أن يكون كل ما يلابسه طاهرا.

(122/7)

وثانيا: أنه إذا بادر بغسله فإنه أسلم له لأنه ربما ينسى إذا أخر غسله من فوره وحينئذ قد يصلى بالنجاسة وربما يتلوث أو ربما تعدى ماء النجاسة إلى مكان آخر. وأقول ربما يصلى بالنجاسة وليس معنى ذلك أنه إذا صلى بالنجاسة ناسيا أن صلاته تبطل فإن القول الراجح أنه إذا صلى بالنجاسة ناسيا أو جاهلا فإن صلاته صحيحه مثل لو أصاب ثوبه نجاسة تهاون في غسلها أي لم يبادر بغسلها ثم صلى ناسيا غسلها فإن صلاته تصح لقوله تعالى (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) وكذلك لو كان جاهلا بها ولم يعلم بها إلا بعد أن صلى فإن صلاته تصح للآية السابقة. لكن إذا صلى وهو محدث ناسيا أو جاهلا فإنه يجب عليه إعادة الصلاة مثل لو نقض وضوءه ثم حضرت الصلاة فصلى ناسيا نقض وضوءه ثم ذكر بعد ذلك فإنه يجب عليه أن يعيد الصلاة بعد الوضوء وكذلك لو دعي إلى وليمة فأكل لحما لا يدري ما هو وصلى ثم تبين له بعد صلاته أنه لحم أبل فإنه يجب عليه أن يتوضأ ويعيد الصلاة وإن كان جاهلا حين أكله أنه لحم أبل والفرق بين هذا وبين الأول يعني الفرق بين من صلى محدثا ناسيا أو جاهلا فإنه يجب عليه إعادة الصلاة دون من صلى بنجاسة ناسيا أو جاهلا فإنه لا يجب عليه إعادة الصلاة الفرق بينهما أنه في مسألة الحدث ترك مأمور وترك المأمور ناسيا أو جهلا يسقط الإثم بتركه لكن لا يسقط إعادة الصلاة لأن المطلوب فعلها على الوجه الصحيح ولا يمكن ذلك إلا بإعادة الصلاة، وأما من صلى بثوب نجس ناسيا أو جاهلا فإن هذا من باب فعل المحظور وفعل المحظور ناسيا أو جاهلا يسقط به الإثم لجهله ونسيانه وإذا سقط الإثم صار لم يفعل محرما وحينئذ تكون الصلاة كأنه لم يفعل فيها هذا المحرم.
***

(122/8)