ج 08.doc

تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : فتاوى نور على الدرب النصية
المؤلف : فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله.
الناشر (مصدر الكتاب): مؤسسة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين الخيرية
الطبعة :.الإصدار الأول[1427-2006]
عدد الأجزاء : قرص واحد
تنسيق :فاعل خير.
[
الكتاب ]

فأجاب رحمه الله تعالى: المدرس الذي يسافر إلى بلد آخر ليدرس به أو ليدرس فيه قد اختلف أهل العلم رحمهم الله في انقطاع سفره فمن العلماء من يقول إن الرجل المسافر إذا نوى إقامة أكثر من أربعة أيام وجب عليه الإتمام ولم يترخص برخص السفر لكنه لا يعتبر مستوطنا فلا تنعقد به الجمعة ، ولا تجب عليه إلا بغيره فيحكمون له بحكم السفر من وجه وبحكم الإقامة من وجه آخر أو يقسمون الناس إلى ثلاثة أقسام إلى مسافر ومقيم ومستوطن وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن تقسيم الناس إلى هذه الأقسام الثلاثة مسافر ومقيم ومستوطن ليس عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع . ومن العلماء من يقول إن المسافر إذا نوى إقامة خمسة عشرة يوما أو أكثر لزمه الإتمام وما دون ذلك فهو على سفر ومنهم من يقول إذا نوى أكثر من تسع عشرة يوما لزمه الإتمام وإن نوى دون ذلك فهو مسافر والأقوال في هذا كثيرة حدها النووي رحمه الله في المجموع شرح المهذب وبلغت أكثر من عشرين قولا والذي يترجح عندي أنه على حسب نيته فإن كان قد نوى الإقامة المطلقة في هذا البلد الذي سافر إليه فهو مقيم ينقطع في حقه أحكام السفر ولا يجوز له القصر وأما إذا لم ينو ذلك وإنما نوى إقامة لحاجة متى انتهت رجع إلى بلده فهو مسافر سواء حدد المدة أم لم يحددها ولكني أقول إن الذي يقيم في بلد ولو يوما وليلة أو أقل أو أكثر ولو لم ينو الاستيطان أو الإقامة المطلقة فإنه يلزمه أن يصلى مع الجماعة ولا يحل له التخلف عنها لعموم الأدلة الدالة على وجوب الجماعة وعدم وجود مخصص يخرج المسافر من الوجوب ومعلوم أنه إذا صلى مع الجماعة وإمامه يتم فإنه يلزمه الإتمام لعموم قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) لكن لو فاتته الصلاة أو كان في بلد لا تقام فيهم الجماعة أو كان بعيدا عن المسجد ففي هذه الحال ينبني جواز قصره وعدمه على الخلاف الذي أشرنا إليه آنفا ومع

(185/29)

هذا لو أتم فإنه لا ينكر عليه لاختلاف العلماء في هذه المسألة.
***
بارك الله فيكم هذا طالب جامعي رمز لاسمه بأحمد أ. يقول إذا ذهب الإنسان للدراسة في خارج المملكة هل له أن يقصر الصلاة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أولا أقول الجواب على سؤال السائل وهو أنه هل يترخص المسافر الذي هناك برخص السفر أو لا يترخص هذا موضع خلاف بين أهل العلم فمن العلماء من قال إن المسافر إذا نوى إقامة أكثر من أربعة أيام فإنه ينقطع في حقه حكم السفر فلا يترخص بقصر الصلاة ولا بجمعها ولا بالمسح على الخفين أو الجوارب أكثر من يوم وليلة ومنهم من قيد ذلك بخمسة عشرة يوما ومنهم من قيد ذلك بتسعة عشر يوما والخلاف في هذا واسع منتشر وقد أوصله بعض أهل العلم إلى نحو عشرين قولا ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلام جيد حول هذا الموضوع ذكره ابن القاسم في مجموع الفتاوى في أول باب صلاة الجمعة فمن أحب الاطلاع عليه فليرجع إليه فإنه مفيد جدا.
***
إبراهيم بسيوني مصري ويعمل في المملكة يقول في هذا السؤال هل القصر يصح لمن مكث في غير وطنه أكثر من شهر؟

(185/30)

فأجاب رحمه الله تعالى: معنى قصر الصلاة الرباعية ركعتين أن يصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين والعشاء ركعتين وهو من سنن السفر المؤكدة حتى إن بعض العلماء قال بوجوبه ولكن الراجح أنه لا يجب وإنما هو سنة مؤكدة ولكن من أقام في مكان تقام فيه الجماعة فالواجب عليه أن يصلى مع الجماعة لأن المسافر لا تسقط عنه الجماعة بل هو مأمور بها ملزم بها لقول الله تعالى (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم) فأمر الله تعالى بصلاة الجماعة حتى في القتال ومعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قتاله في سفر فإذا أوجب الله على المجاهدين صلاة الجماعة دل هذا على أن صلاة الجماعة لا تسقط بالسفر ولكن لو قدر أنه في بلد ليس فيها من يقيم الصلاة أو كان المسجد بعيدا يشق عليه الوصول إليه أو فاتته الصلاة فإن له أن يقصر الرباعية إلى ركعتين ما دام على سفر لأن النصوص الواردة في القصر نصوص عامة ليس فيها تقييد بزمن معين مثل قوله تعالى (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة)(النساء: من الآية101) ومثل قول الله تعالى (علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله) ومن المعلوم أن الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله قد تطول مدتهم لشراء السلع وتصريفها المهم ما دام الإنسان على نية السفر وأنه متى انتهى شغله غادر البلد فإنه مسافر يترخص برخص السفر ولا يتقيد ذلك بأيام معلومة ولأنه لا دليل على هذا وذهب بعض العلماء إلى أنه إذا

(185/31)

نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام فإنه يتم وذهب آخرون إلى أنه إذا نوى إقامة أكثر من خمسة عشر يوما فإنه يتم، وذهب آخرون إلى أنه إذا نوى إقامة أكثر من تسعة عشر يوما فإنه يتم والخلاف في هذا كثير وقد ذكره النووي رحمه الله في شرح المهذب كتاب المجموع المعروف المشهور وذكر فيه نحو عشرة أقوال وكلها أقوال كما قال شيخ الإسلام رحمه الله أقوال متقابلة ولكن المرجع في ذلك إلى ظاهر النصوص ولم يرد في النصوص ما يدل على التقييد.
***
يقول السائل إذا أردت أن أقيم في مكان يومين أو ثلاثة أيام هل يجوز لي أن أقصر وأجمع جزاكم الله خيرا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نقول إذا كنت تريد أن تبقى في مكان وأنت على سفرك مدة يومين أو ثلاثة فلا حرج عليك أن تقصر بل هو أفضل لك من الإتمام وأما الجمع فهو جائز لك ولكن الأفضل عدمه حيث لا حاجة إلا أننا نقول إذا كنت مقيما في بلد وأنت تسمع النداء فلابد أن تجيب إليه ما لم يكن في ذلك حرج عليك وتضييق في سفرك فلا حرج أن تصلى في رحلك وإلا فما دمت تسمع النداء فيجب عليك الحضور وتصلى مع المسلمين تماما بدون جمع.
***
يقول السائل المسافر إذا أقام في بلد أقل من أربعة أيام هل يلزمه الصلاة في المساجد مع الجماعة أم يصلى أين شاء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة الجماعة واجبة على من تجب عليه من الرجال والنصوص الواردة فيها مطلقة وليس فيها إخراج المسافرين من هذا الوجوب فمتى كان الإنسان في بلد وأذن للصلاة فإنه مدعو بهذا الأذان فعليه أن يجيب المؤذن وأن يصلى مع المسلمين نعم لو كان في محل بعيد عن المساجد ويشق عليه مفارقة رحله أو يخاف على رحله إن ذهب فإنه لا بأس أن يصلى في مكانه وحينئذ يصلى قصرا يصلى الصلاة الرباعية ركعتين ما دام في هذا السفر.
***

(185/32)

هذه الرسالة وردتنا من الأخ في الإسلام حسن علي نينوى من بلد العراق يقول أسأل عن قصر الصلاة متى يكون وفي أي حالة و هل لصلاة القصر فترة محددة من الأيام وذلك لأنني قد بقيت مدة تزيد على الشهر وتقل عن الشهرين أقصر الصلاة لكوني عسكريا في الحرب فهل علي أن أستمر في قصر الصلاة أو أتمها وهل يجوز لي أن أجمع بين الصلوات في بعض الأحيان؟
فأجاب رحمه الله تعالى: السفر الذي تقصر فيه الصلاة لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم تحديد مدته وإنما أطلق السفر في القرآن والسنة (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة)(النساء: من الآية101) وفي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين فهذا دليل على أنه ليس محددا بمسافة معينة ولا بزمن معين وإنما يعتبر اسم السفر فمتى صدق على الرجل الذي خرج من بلده أنه مسافر فهو مسافر قد يكون الخروج سفرا إذا طالت مدة زمنه وإن قربت مسافته وقد يكون سفرا إذا بعدت مسافته ولو قل زمنه هذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم لعدم وجود الدليل على التحديد وكذلك بالنسبة لزمن الإقامة الذي ينقطع فيه حكم السفر فإنه لا حد له فلم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم تحديده بأربعة أيام ولا بخمسة ولا بعشرة بل أقام النبي صلى الله عليه وسلم إقامات مختلفة كان يقصر فيها الصلاة فأقام حجة الوداع في مكة المكرمة عشرة أيام منها أربعة قبل الخروج إلى منى وأقام بمكة عام الفتح تسعة عشر يوما وأقام في تبوك عشرين يوما وفي هذه الإقامات كلها كان يقصر الصلاة عليه الصلاة والسلام ولم يقل للناس من نوى عددا معينا من الأيام فليقصر وقد قدم لحجته صلى الله عليه وسلم في اليوم الرابع من ذي الحجة وكان يقصر الصلاة ولم يقل للناس الحجاج من قدم منكم قبل اليوم الرابع فعليه أن يتم الصلاة وهو يعلم صلى الله عليه وسلم

(185/33)

أن الناس يقدمون للحج قبل اليوم الرابع وبعده فلما لم يقل ذلك علمنا أنه لا تحديد له وأن قدوم الرسول صلى الله عليه وسلم في اليوم الرابع إنما وقع اتفاقا لا قصدا وما وقع اتفاقا لا قصدا فإنه لا يتعلق به حكم على هذا نقول للأخ ما دمت في الجبهة مسافرا فإنه يجوز لك أن تقصر الصلاة وهو المشروع في حقك وأما الجمع بين الصلاة المجموعتين كالجمع بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء فهذا جائز ولا حرج فيه ولكن الأفضل تركه إلا إذا كان في تركه شيء من المشقة أو كان في الجمع شيء من المصلحة فلتجمع أيضا ولا حرج عليك في ذلك.
***
إذا أقام المسافر في بلد ثلاثة أيام وهو ناو مواصلة السفر هل يجوز له الجمع أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يجوز له في هذه الحال أن يقصر الصلاة وأن يجمع لكن القصر أفضل من الإتمام وعدم الجمع أفضل من الجمع ولكنه إذا كان في البلد وهو يسمع الأذان فإنه يجب عليه أن يحضر صلاة الجماعة مع الناس ولا يجوز له أن يتخلف لأن صلاة الجماعة واجبة على المقيمين وعلى المسافرين.
***
السائل من جمهورية مصر العربية يقول في سؤاله رجل سافر إلى بلد تبعد عن بلده مسافة قصر الصلاة وسيمكث بها ما يقارب من أسبوعين مثلا ووصل في وقت الظهر فهل له أن يؤخر صلاة الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء ويجمعها جمع تقديم في هذا اليوم وهل تستحب صلاة الراتبة في السفر نرجو شرح شروط قصر الصلاة لأن الكثير من العامة لا يعلمها؟

(185/34)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا سافر الإنسان عن بلده إلى بلد آخر يقيم فيها أسبوعين أو ثلاثة أو أكثر ومن نيته أن يرجع إلى بلده متى انتهى شغله فإنه مسافر ويجوز له أن يفعل ما يفعله المسافرون ولكنه إذا كان في بلد يؤذن فيها للصلاة فإنه يجب عليه أن يحضر للمسجد ويصلى مع المسلمين لأن النصوص الواردة في وجوب صلاة الجماعة ليس فيها استثناء بل قد قال الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك) وهذا في القتال والجهاد في سبيل الله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاهد وهو خارج المدينة مسافر فأوجب الله صلاة الجماعة عليهم وهم مسافرون لكن لو فرض أن هذا الإنسان الذي أتى إلى هذه البلدة بعيد عن المسجد أو فاتته الصلاة فلا بأس أن يصلى ركعتين فيقصر الرباعية إلى ركعتين ما دام في هذا البلد حتى يرجع إلى بلده وكذلك تسقط عنه راتبة الظهر والمغرب والعشاء أما راتبة الفجر وبقية السنن كصلاة الضحى وصلاة الليل والوتر وغير ذلك فهي باقية في حقه لأن المسافر لا يسقط عنه إلا هذه الرواتب الثلاث فقط وهي راتبة الظهر والمغرب والعشاء أما راتبة الفجر فمسنونة حتى في السفر وأما العصر فليس له سنة راتبة ويجوز له في هذه الحال أن يمسح على الجوارب أو الخفين ثلاثة أيام بلياليها لأنه مسافر.
***
السائل يقول إنه يعمل في مدينة تبعد عن القرية التي هو بها مسافة أربعين كليومترا تقريبا فهل يجوز لي القصر بها علما بأنني قد أسافر يوم السبت إلى المدينة التي أعمل بها وأعود إلى القرية يوم الأربعاء أو قد أسافر يوميا إلى العمل أرجو بهذا إفادة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الأولى ألا يقصر في هذه الحال وذلك لوجهين الوجه الأول
أن المسافة وهي أربعون كيلا ليست هي المسافة التي يقصر فيها عند جمهور أهل العلم

(185/35)

وثانيا أن هذا الرجل قد جعل مدينة عمله أو قرية عمله كمسكنه الأصلى لأنه يعتبر نفسه مقيما فيه دائما إلا أنه يزور بلده في آخر الأسبوع وهذا شبه استيطان فالواجب عليه في هذه الحال أن يتم الصلاة وأن يقتصر على يوم وليلة في المسح على الخفين أو الجوربين وأن لا يفطر في رمضان إذا صادف رمضان وهو في محل عمله.
***
من الطائف من س. ع. يسأل عن قصر الصلاة والوضوء يقول أنا أريد أن أسافر إلى لندن وسوف أمكث هناك عشرين يوما فهل يجوز لي تقصير الصلاة هناك أم لا؟

(185/36)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم، يجوز لك أن تقصر الصلاة ما دمت قد حددت الإقامة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام في تبوك عشرين يوما يقصر الصلاة، وأقام في مكة عام الفتح تسعة عشر يوما يقصر الصلاة، وأقام في مكة عام حجة الوداع عشرة أيام يقصر الصلاة، كما سئل أنس بن مالك كم أقمتم بمكة عام حجة الوداع قال أقمنا بها عشرا، وأقام أنس بن مالك في الشام سنتين يقصر الصلاة، وأقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر حبسه الثلج يقصر الصلاة، فأنت لك أن تقصر الصلاة ولو كنت تريد الإقامة عشرين يوما، ولم يرد في السنة دليل على أن المدة التي تقطع حكم السفر محددة بأربعة أيام، أو بخمسة عشر يوما كما قاله أبو حنيفة وأصحابه، أو بتسعة عشر يوما أو بعشرين يوما، إنما هي وقائع أعيان وقعت اتفاقا، وما وقع اتفاقا فإنه لا يدل على التشريع، ولهذا لو أن الرسول عليه الصلاة والسلام قدم في حجة الوداع يوم الثالث من ذي الحجة لما تغير الحكم لأنه قدم في اليوم الرابع، ولو قدم في اليوم الثالث لما تغير الحكم بدليل أنه لو كان يتغير الحكم بذلك لنبه الأمة عليه لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يعلم أن من الحجاج من يقدم قبل اليوم الرابع . على كل حال القول الصحيح في هذه المسألة الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الذي ظهر لنا بتتبع الأدلة أنه يجوز لك أن تقصر ولو كنت تريد الإقامة عشرين يوما لأنك على سفر في الواقع ما حبسك إلا حاجتك فمتى انتهت رجعت إلى بلدك.
***
إذا سافر الإنسان إلى مدينة غير المدينة التي هو مقيم فيها ومكث فيها فترة من الزمن كأن يمكث فيها شهرا أو نصف الشهر هل يجوز له أن يقصر الصلاة وكم المدة التي يقصر الصلاة فيها وما هو الأفضل؟

(185/37)

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب على الإنسان إذا سافر إلى بلد ونزل فيها لقضاء حاجته ثم يرجع إلى بلده الواجب أن يصلى مع الجماعة لأن الجماعة لا تسقط عن المسافر بدليل أن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصلى بأصحابه جماعة في حال القتال وهذا يكون في السفر غالبا بل إنني لا أعلم حتى الآن أن النبي قاتل في الحضر فصلاة الجماعة واجبة على المسافرين وعلى المقيمين وعلى من أقام في بلد لقضاء حاجته ثم يرجع إلى بلده ولكن إذا فاتته الصلاة فلا حرج عليه أن يقصر الصلاة ما دام مسافرا لأنه ليس هناك دليل يدل على أن مدة القصر تنقطع بأيام معدودة معلومة بل ما دام الإنسان قد مكث بهذا البلد لقضاء حاجته ومتى انتهت رجع فإنه مسافر سواء حدد المدة أم لم يحددها هذا هو الذي ظهر لي من الأدلة الشرعية وبعض العلماء يرى أنه إذا نوى إقامة أكثر من أربعة أيام انقطع حكم السفر في حقه ووجب عليه الإتمام وبعضهم يرى إذا أقام تسعة عشر يوما وبعضهم يرى إذا أقام خمسة عشرة يوما والخلاف في هذا كثير حتى أنه تجاوز عشرين قولا لأهل العلم ولكن ليس هناك نص صريح صحيح في تحديد المدة بأي عدد كان.
***
ما أحكام صلاة القصر وإذا كانت هناك مدة معينة للقصر فكيف يكون حساب تلك المدة وهل يدخل يوم الوصول ويوم الخروج في مدة القصر؟

(185/38)

فأجاب رحمه الله تعالى: القصر سنة مؤكدة وقيل إنه واجب إذا سافر الإنسان أي فارق بلده لكنه إذا نزل في بلد تقام فيها الجماعة فالواجب عليه حضور الجماعة وإذا حضر الجماعة فهو سيتم وسيجب عليه الإتمام مع الإمام سواء أدرك الصلاة كلها أو بعضها لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) أما إذا كان في بلد لا تقام فيها الجماعة أو كان بعيدا عن المسجد يسقط عنه بالبعد حضور صلاة الجماعة فإنه يصلى ركعتين يعني يصلى قصرا حتى يرجع إلى بلده ولم يحدد الله تعالى ولا رسوله مدة يجوز فيها القصر وما زاد عليها لا يجوز بل السفر مطلق طال أو قصر.
***
السائل ياسر صالح يقول سافرت إلى مكة لأجل العمرة ولما قدمت في أول يوم حين وصولي إلى مكة صلىت العصر ركعتين قصرا مع العلم بأنني كنت أعلم أنني سوف أمكث في مكة أكثر من أسبوع فهل أنا على صواب أفيدوني مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هو على صواب لأن القول الراجح الذي تدل عليه الأدلة أنه ليس هناك حد للإقامة ينقطع به السفر بل الإنسان مسافر ما دام مغادرا بلده ولم ينو الإقامة في البلد الذي وصل إليه وعلى هذا فنقول إن فعله صواب وهكذا أيضا لو جرى مثل ذلك فلا بأس.
***
السائل يقول أود أن أعرف القول الراجح في مسألة القصر بالنسبة لطلاب الجامعة الوافدين إلى المملكة وبعد كل عام يسافرون إلى بلادهم في الإجازة ثم يعودون وهكذا حتى تنتهي مدة الدراسة علما بأننا نسمع من بعض العلماء بأنهم يقولون عليهم القصر بينما البعض من العلماء الآخرين لا يرى هذا أفتونا يا فضيلة الشيخ محمد في هذا الأمر جزاكم الله خيرا؟

(185/39)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة من المسائل الخلافية أعني هل تحدد مدة السفر في الإقامة التي تمنع الترخص برخص السفر أو لا تحدد وفيها خلاف بين أهل العلم يزيد على عشرين قولا والمرجع في الخلاف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والذي نرى في هذه المسألة أن الإنسان ما دام لم يستوطن البلد أو يعزم على الإقامة المطلقة فإنه مسافر ولو طالت مدته لأنه لم يتخذ هذا البلد وطنا ولم ينو الإقامة فيه إقامة مطلقة وإنما نوى إقامة مقيدة إما بزمن وإما بعمل فالمقيدة بزمن مثل: يقول إنه سيبقى في هذا البلد لمدة عشرة أيام عشرين يوما شهرا شهرين هذه مقيدة بزمن والمقيدة بعمل مثل أن يقول سأبقى في هذا البلد حتى ينتهي موسم التجارة وهو لا يدري متى ينتهي أو سأقيم في هذا البلد ما دام هذا العالم فيها يدرس أو يقول سأبقى في هذا البلد ما دمت أتلقى العلاج أو ما أشبه ذلك هذا أيضا قد حدد إقامته بعمل المسألة الثانية أعني تحديد الإقامة بالعمل نص الفقهاء كلهم على أنه ما دام لم يعزم إقامة مطلقة فإنه له أن يقصر الصلاة وهو موجود في مختصرات المتون ومطولاتها وأنه يقصر ولو بقي سنين يقصر أبدا فلو فرض أنه أقام للعلاج وطال علاجه سنوات فله أن يقصر لأنه لم ينو إقامة مطلقة إنما نوى إقامة مقيدة بهذا العمل أو بهذا الغرض وكذلك لو أقام ما دام هذا العالم موجودا وعمر العالم خمسين سنة أو ستين سنة فإنه يقصر بقينا في الإقامة المحددة بمدة من العلماء من ألحقها بالإقامة المحددة بعمل ومنهم من لم يلحقها ثم الذين لم يلحقوها بعضهم قال الإقامة ما زاد على أربعة أيام فمتى نوى إقامة أكثر من أربعة أيام وجب عليه الإتمام ولم يترخص برخص السفر ومع ذلك لم يعطوه حكم المقيم أو المستوطن بل قالوا إنه لا تنعقد به الجمعة ولا يصح أن يكون إماما فيها لأنه غير مستوطن ومن العلماء من قيد ذلك بأربعة أيام زائدة عن يوم الوصول ويوم المغادرة ومن العلماء من

(185/40)

قيد ذلك بخمسة عشر يوما ومنهم من قيد ذلك بتسعة عشر يوما وكل هذه أقاويل استنباطية والذي تدل عليه الأدلة الشرعية فيما أرى أنه ما دام لم يعزم إقامة مطلقة أو استيطانا فإن له حكم المسافر لأن هذا الدارس مثلا في الجامعة يقول لو أعطيت الشهادة اليوم لسافرت فأنا لست من أهل البلد ولا أريد الإقامة في البلد أنا أتيت لغرض الدراسة لكن الدراسة محددة بأربع سنوات أو أكثر فما دمت لم أتخرج فأنا مقيم بهذا البلد نظيره قول الذي يقول أنا سأبقى في هذا البلد حتى أشفى أو حتى يموت العالم الذي أدرس عنده أو ما أشبه ذلك ولا فرق وهذا الذي ذكرته هو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقد بحث المسألة بحثا مطولا في الفتاوى في باب صلاة الجمعة فمن أحب المزيد من ذلك فليرجع إليه.
***
السائل يقول سمعنا قولا بأنه يجوز قصر الصلاة لمن كان مسافرا في بلد غير بلده مهما طالت المدة ما لم ينو الاستيطان بها فنرجو توضيح هذه المسألة؟

(185/41)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة إذا سافر الإنسان إلى بلد غير بلده ونوى الإقامة لغرض من الأغراض فلا يخلو إما أن ينوي مدة معينة أو لا ينوى فإن لم ينو مدة معينة فإن له أن يقصر ويترخص برخص السفر مهما طالت المدة ما دام ينتظر هذا الشيء الذي جاء من أجله وأما إذا عينه بمدة فقد اختلف أهل العلم في ذلك فجمهور العلماء يحددون ذلك بمدة إما بأربعة أيام أو بخمسة عشر يوما أو نحوها وقد ذكر النووي رحمه الله في شرح المهذب أن فيها للعلماء عشرة أقوال أو أكثر وسردها ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لم يجعل لذلك حدا وقال إنه ليس في الكتاب ولا في السنة دليل على أن الإنسان إذا نوى مدة معينة انقطع بها حكم سفره بل الإنسان مسافر مادام ينتظر حاجة متى انتهت رجع إلى بلده سواء عين المدة التي يقيمها أم لم يعين لأن عمومات الكتاب والسنة تدل على ذلك فإن قوله تعالى (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا)(النساء: من الآية101) عام لم يخصص الله فيه ضربا دون ضرب وكذلك إقامات النبي عليه الصلاة والسلام مددا مختلفة دون أن يقول للناس من أقام هذه المدة فلا يقصر يدل على أنه ليس هناك تقدير ومعلوم أن التقدير بمدة معينة يحتاج إلى توقيف وليس في المسألة نص يدل على التحديد بمدة معينة فهذا وجه اختياره رحمه الله وقد بسط فيها القول في عدة مواضع من الفتاوي التي جمعها محمد بن قاسم فمن أراد أن يطلع عليها فليطلع.
***

(185/42)

السائل خالد من مدينة بريده يقول أنا أسكن في القصيم حيث هي بلدي التي أعد فيها أنني مقيم وأعمل في مدينة ينبع البحر أسافر كل شهر إلى العمل في مدينة ينبع وأقيم هناك حتى أنهي غرضي فمتى انتهت مهمتي رجعت إلى أهلي في القصيم علما بأن مدة إقامتي تزيد أحيانا عن أربعة أيام وأحيانا تنقص عنها ولا أعلم كم أقيم هناك فماذا يلزمني في مثل هذه الحالة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يلزمك تقوى الله عز وجل والقيام بطاعته سواء في بلدك الأصلى أو في البلد الذي تسافر إليه لغرض وترجع أما بالنسبة للسفر فأنت مسافر إذا فارقت بلدك ولك أن تترخص بجميع رخص السفر ولكن إذا كنت مقيما في بلد تقام فيها الجماعة وجب عليك أن تحضر صلاة الجماعة لعموم الأدلة الدالة على وجوب حضور الجماعة لكن لو قدر أن المساجد بعيدة عنك أو أنها فاتتك الصلاة فلك أن تقصر حتى ترجع إلى بلدك الأصلى.
***
السائل أحمد إسماعيل من الخرج يقول ما مقدار المسافة التي تقصر بها الصلاة وما هي الأسباب التي تجعل المصلى لا يخشع في الصلاة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال من فقرتين: …
الفقرة الأولى عن المسافة التي تقصر فيها الصلاة والمسافة التي تقصر فيها الصلاة اختلف فيها العلماء من محدثين وفقهاء وعامة أهل العلم على أنها ستة عشر فرسخا أي ما يقارب اثنين وثمانين كيلو ومن العلماء من ذهب إلى أن السفر الذي تقصر فيه الصلاة ليس له حد في الشرع لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه حدد ذلك لأمته فتحديده توقيف أي موقوف على ما ورد الشرع به و إذا لم يرد الشرع به كان مرجعه إلى العرف فما تعارف الناس على أنه سفر فهو سفر وما تعارف الناس على أنه ليس بسفر فليس بسفر فإن القاعدة أن كل ما جاء بالشرع غير محددا شرعا فإنه يرجع فيه إلى العرف وعلى هذا قول الناظم:
وكل ما أتى ولم يحدد في الشرع كالحرز فبالعرف احدد

(185/43)

وهذا الأخير اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وعلى هذا فإذا خرج الإنسان نحو عشرين كيلو ومكث هناك مكوثا يحمل من أجله الزاد والمزاد وتهيأ الراحلة فإنه يعتبر سفرا وأما إذا خرج إلى مثل هذه المسافة ورجع عن قرب كأن يكون مدعوا لوليمة أو نحوها ثم يرجع فإن هذا ليس بمسافر وهذا هو الذي تميل إليه النفس إلا أنه يشكل عليه أنه غير منضبط بخلاف القول الأول الذي يحدد المسافة بشيء معين فإنه يكون منضبطا وأقرب إلى فهم الناس فمن أخذ به فلا حرج عليه إن شاء الله.

(185/44)

الفقرة الثانية في السؤال ما الذي يعين على الخشوع في الصلاة أكبر معين على الخشوع في الصلاة أن يشعر الإنسان أنه إذا وقف يصلى أنه يناجي الله عز وجل يخاطبه وأن الله سبحانه وتعالى يرد عليه هذه المناجاة كما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و آله وسلم أنه قال: قال الله تعالى (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال الحمد لله رب العالمين قال الله حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم قال الله تعالى أثنى علي عبدي وإذا قال مالك يوم الدين قال الله مجدني عبدي وإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال هذا بيني وبين عبدي وإذا قال اهدنا الصراط المستقيم قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) فإذا شعر الإنسان بهذا الشعور فلا بد أن يستحضر ما يقوله ويفعله في صلاته لأنه بين يدي الله عز وجل الذي يعلم ما في قلبه ويعلم ما توسوس به نفسه ومما يعين على ذلك ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم فإذا أحس الوساوس والهواجس تفل عن يساره ثلاث مرات واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم فإن ذلك يذهب بإذن الله ولكن إذا كان الإنسان في جماعة فماذا يصنع كيف يتفل عن يساره ثلاث مرات نقول يكفي أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم بدون تفل لكي لا تؤذي من حولك ومما يعين على ذلك أن يتفرغ الإنسان للصلاة بحيث لا يكون عنده شاغل يشغله كاحتباس بول أو غائط أو فضول طعام يشتهيه أو ما أشبه ذلك لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان) ومما يعين على ذلك البعد عما يكون به التشويش والإشغال بأن يبتعد عن الضوضاء وعن المتحدثين وعن الدارسين بصوت مرتفع وما أشبه ذلك ومن هنا ننطلق إلى مسألة مهمة وهي أن بعض الناس يكون في المسجد يقرأ القرآن وله صوت رخيم مرتفع يترنم بالقرآن وحوله من يصلون فيشوش عليهم ويشغلهم عن صلاتهم وهذا مما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وآله

(185/45)

وسلم حيث رأى أصحابه في المسجد يصلون و يجهرون فقال صلى الله عليه وآله وسلم (لا يجهر بعضكم على بعض في القرآن) أو قال في القراءة وفي حديث آخر (لا يؤذين بعضكم بعضا) فجعله أذية وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن المصلي يتأذى في مثل هذه الحال ويشوش عليه ما يسمعه من أخيه القارئ فعلى القارئ أن يخفض صوته في مثل هذه الحال لكي لا يشوش على إخوانه فيفسد عليهم صلاتهم وننطلق أيضا انطلاقة أخرى إلى ما يفعله بعض الأئمة نسأل الله لنا ولهم الهداية من رفع الصلاة في مكبرات الصوت في المآذن فإن هذا يحصل به من التشويش ما قد شكى منه كثير من الناس حتى إن بعض المساجد إذا كانت قريبة وكانت الريح منصرفة إلى مسجد آخر أو متجهة إلى مسجد آخر ينشغل أهل المسجد الآخر بقراءة إمام المسجد الثاني عن استماعهم لقراءة إمامهم لاسيما إذا كانت قراءته جيده وصوته حسنا فإن الناس ينشغلون به كثيرا حتى سمعت أن بعض الناس أمن على قراءة الفاتحة دون إمامه ولا شك أنه يشغل المصلين إذا سجدوا وإذا ركعوا وهم يستمعون إلى قراءته من خلال مكبر الصوت على المآذن ومن المعلوم إن هذا ليس فيه مصلحة في الحقيقة أصلا وفيه هذه الأذية والإنسان العاقل لا يفعل شيئا إلا إذا كانت مصلحته خالصة لا مفسدة فيها أو راجحة على مفسدته أما ما هو لا مصلحة فيه وفيه الأذية فإن العاقل لا يفعله لاسيما وأنه يبلغه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (نهى أصحابه أن يجهر بعضهم على بعض في القراءة) ثم إنه أعني رفع الصوت من المئذنة بمكبر الصوت قد يؤذي حتى جيران المسجد قد يكون جار المسجد مشتغلا بورد خاص له أو بقراءة أو بمراجعة مسألة شرعية أو أي من مسائل العلم النافع فيشوش عليه هذا تشويشا بالغا وقد يكون مريضا يحتاج إلى الراحة والنوم حينما صلى الفجر فإذا أخذ في النوم وسمع هذا الصوت طار عنه النوم وعلى كل حال فهذه المسألة أعني رفع الصوت من المئذنة بالصلاة صاحبها لا يكون غانما

(185/46)

لأنه لا يترتب عليه شي من المصلحة فيما نعلم بل هو إما سالم وإما آثم بما يحصل من أذية إخوانه فنصيحتي لإخواني أن يقتصروا على الأقل على إقامة الصلاة في المئذنة وأن يدعوا نقل الصلاة من فوق رؤوس المآذن وأنا حينما أقول هذا لست أنكر استعمال المكبر في الصلاة لكنني أقول احذروا الأذية لإخوانكم أما استعمال المكبر في الصلاة فهذا إذا دعت الحاجة إليه بدون أذية كما لو كان المسجد كبيرا والجماعة كبيرة فهذا لا بأس به وقد نقول إنه مستحسن أما إذا لم يكن له داع فتركه أولى حتى في داخل المسجد لأن اعتياد الإنسان أن لا يتلذذ بالقرآن إلا بواسطة هذا الصوت المنقول على هذا المكبر فيه شيء من النظر لذلك ينبغي للإنسان في هذه الأمور وغيرها أن يتدبر ويتأمل ويقارن بين المصالح والمفاسد ويتبع ما يكون أرضى لله وأبعد عن إيذاء عباد الله ثم إنه قد شكي إلينا شيء أقل من ذلك ضررا وهو إقامة الصلاة من على المئذنة بمكبر الصوت فقالوا إن أولادنا ينتظرون حتى يسمعوا الإقامة ثم يقومون ويتوضؤون و يذهبون بسرعة وربما يفوتهم شيء من الصلاة أو كل الصلاة وربما يؤدون الوضوء من غير إسباغ وشكوا ذلك من أجل القول بمنع نقل الإقامة من على المئذنة ولكن في نفسي من هذا شيئا لأن سماع الإقامة من المسجد أمر وارد في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد قال عليه الصلاة والسلام (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) وهذا يدل على أنه لا حرج من أن تسمع الإقامة من خارج المسجد.
***
يقول السائل كان أحد الأئمة مسافرا ووضع نية السفر في قلبه ثم أتت صلاة العشاء فصلى بالجماعة ركعتين لأنه اعتبر نفسه قاصرا ثم سلم وبعده قام الذين صلى بهم وأتى كل بركعتين كل على حده فهل هذه الصلاة صحيحة أم لا ومتى يبدأ الإنسان في قصر الصلاة للمسافة التي يجب فيها القصر هل عند وضع النية أم عند الشروع في السفر؟

(185/47)

فأجاب رحمه الله تعالى: فعل هذا الإمام ليس بصواب فيما نرى لأن رخص السفر لا تبتدئ إلا بالشروع في السفر فإن الله تعالى يقول (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) فعلق الحكم على نفس الفعل وهو الضرب في الأرض والضرب في الأرض معناه السفر وعلى هذا فلا يجوز للمسافر أن يقصر ما دام في البلد حتى يخرج منها حتى لو فرض أنه قد عزم عزما أكيدا وحمل متاعه في سيارته أو طائرته أو سفينته فإنه ما دام في البلد فإنه لا يجوز له القصر وكذلك لا يجوز له الفطر في رمضان حتى يخرج و لو فرض أنه سافر بطائرة أو في سفينة وكان الميناء أو المطار خارج البلد فإنه يعتبر قد خرج من البلد لأنه إذا كان المطار بعيدا عن البلد فليس يعزى إليه وكذلك إذا كان الميناء لا يعد من البلد فإنه يكون قد خرج من البلد فله أن يقصر ما دام في انتظار الطائرة أو السفينة.
فضيلة الشيخ: يقول ماحكم صلاة الإمام والمأمومين في هذه الحالة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة الذين أتموا أربعا صحيحة لكن صلاة الإمام فيما نرى غير صحيحة فيجب عليه إعادتها ولو الآن يعيدها لا حرج.
***
السائلة حميدة سالم محمد من ليبيا بنغازي بعثت بسؤالين السؤال الأول تقول فيه أختي تدرس بجامعة بعيدة عنا بحوالي مائة كيلو متر تقريبا وبعد مضي عدة أيام تأتي إلينا وتمكث حوالي يومين أو ثلاثة فهل يجوز لها قصر الصلاة في هذه المدة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: في هذه المدة التي ترجع بها إليكم لا يجوز لها أن تقصر الصلاة وذلك لأنها رجعت إلى وطنها والمسافر إذا رجع إلى وطنه يجب عليه إتمام الصلاة حتى إن كان لا يمكث فيه إلا أياما قليلة لأنه عاد إلى الأصل وأما إذا كان الإنسان مسافرا فإنه يجوز له أن يقصر الصلاة وعلى هذا فيلزم أختك إذا رجعت إليكم أن تصلى صلاة تامة غير مقصورة.
***

(185/48)

السائل من سلطنة عمان يقول تبعد مدينتي عن العاصمة حوالي ثلاثمائة وخمسين كيلو متر وأنا أدرس في الجامعة ومقيم فيها وأيام العطل أي الخميس والجمعة أعود إلى مدينتي فهل يجوز أن أجمع واقصر الصلاة في الجامعة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب عليك أن تصلي مع الجماعة في المساجد وحينئذ لا بد أن تتم وأن لا تجمع لكن لو فرض أنك فاتتك الصلاة الرباعية فلك أن تقصر لأنك في الحال التي وصفت مسافر حيث لم تتخذ البلد الذي أنت تدرس به مقرا لك وسكنا وعموم النصوص من الكتاب والسنة تدل على أن الإنسان مسافر حتى يرجع إلى وطنه فقوله تعالى (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) لم يقدر بمدة فما دام ضاربا في الأرض أي مسافرا فيها فإنه يقصر الصلاة ولم يحدد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأمته حدا معينا بل أطلق وأقام عليه الصلاة والسلام إقامات مختلفة فأقام في مكة عام الفتح تسعة عشر يوما يقصر الصلاة وأقام في تبوك عشرين يوما يقصر الصلاة وأقام في حجة الوداع عشرة أيام يقصر الصلاة لأنه صلى الله عليه وسلم قدم في اليوم الرابع من ذي الحجة أي قدم مكة ولم يخرج منها إلا في صباح اليوم الرابع عشر وقول بعضهم إن النبي صلى الله عليه وسلم أنشأ السفر من حين أن خرج إلى منى في اليوم الثامن وإن المدة التي يقصر فيها الإنسان صلاته أربعة أيام فما زاد عليها وجب عليه الإتمام فيه قول بعيد من الصواب وذلك لأنه لا أحد يعتقد أن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما خرج من الأبطح إلى منى في اليوم الثامن أنشأ السفر مغادرا وكيف نقول إنه أنشأ السفر مغادرا مكة وهو إنما جاء لهذا الغرض الذي يتعلق بمكة وهو الوقوف والمبيت والرمي والطواف كيف نقول إنه غادر مكة قبل أن يأتي بالمقصود الذي سافر إلى مكة من أجله هذا بعيد جدا ولهذا سئل أنس بن مالك رضي الله عنه كم أقمتم بمكة في عام حجة الوداع قال أقمنا فيها

(185/49)

عشرا هكذا جاء في صحيح البخاري وغيره ثم إنه من المعلوم أنه لو كانت مدة الإقامة التي ينقطع بها السفر ما زاد على أربعة أيام لبينه النبي صلى الله عليه وسلم بيانا واضحا لأن هذا مما تتوافر الدواعي على بلاغه وعلى بيانه بل لنا أن نقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين بفعله وسكوته أن المدة لا تتقيد بأربعة أيام وجه ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قدم مكة في حجة الوداع صبيحة اليوم الرابع ولم يزل يقصر ولم يقل لأمته من أتى قبل اليوم الرابع إلى مكة فعليه الإتمام مع أنه من المعلوم أن من الحجاج من يقدم مكة في اليوم الرابع ومنهم من يقدمها قبل اليوم الرابع ولو كان يلزم من قدم إلى مكة قبل اليوم الرابع أن يتم لبينه الرسول عليه الصلاة والسلام ولما سكت عن تحديد المدة علم أنه لا حد فيها فما دام الإنسان مسافرا ينوي الرجوع إلى بلده متى انتهى شغله الذي قدم من أجله فإنه يعتبر مسافرا سواء حدد المدة أم لم يحددها.
***
السائل يقول نحن نسافر أسبوعيا تقريبا إلى مناطق تبعد أكثر من مائة كيلو هل يجوز لنا القصر في هذه الحالة وهل يجوز أداء صلاة العشاء حين وصولنا إلى المنزل؟

(185/50)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا سافر الإنسان هذه المسافة فإنه يقصر لقوله تعالى (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) إلا إذا كان في بلد فإنه يلزمه حضور الجماعة وإذا حضر الجماعة فسوف يتم لأن المسافر إذا ائتم بمن يتم لزمه الإتمام سواء كان هذا المسافر الذي ائتم بمن يتم قد أدرك الصلاة من أولها أم من آخرها فعلى هذا إذا أدرك المسافر مع الإمام ركعتين وجب عليه أن يأتي بعد سلام الإمام بركعتين لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) وهذا يعم المسافر والمقيم ولأن ابن عباس رضي الله عنه عنهما سئل ما بال المسافر يصلى مع الإمام أربعا ويصلى وحده ركعتين فقال تلك هي السنة وبناء على ذلك نقول إن المسافر إذا وصل إلى بلد تقام فيها الجماعة وجب عليه حضور الجماعة حتى ولو كان معه أصحاب يمكن أن يصلى معهم جماعة فإن الواجب عليهم جميعا حضور الجماعة إلا أن يكون في ذلك مشقة بأن يكون المسجد بعيدا أو يكون المسجد غير معلوم المكان عندهم فحينئذ يصلون جماعة وأما قول السائل هل يصلى إذا وصل إلى منزله فلا أدري ماذا يريد بهذا السؤال فإن كان يريد أنه إذا وصل إلى منزله وهو لم يصل الرباعية فهل يصليها قصرا أو يصليها تامة الجواب أن نقول إذا وصل الإنسان إلى بلده وهو لم يصل فإن الواجب عليه الإتمام لأن السفر انقطع مثال ذلك رجل أتى عليه الظهر في السفر فنوى أن يجمع جمع تأخير فأخر الظهر حتى وصل إلى البلد بعد أذان العصر فيجب عليه في هذه الحال أن يصلى الظهر أربعا والعصر أربعا لأن السفر قد انتهى والقصر إنما يجوز حال كون الإنسان مسافرا ولذلك كان الراجح من أقوال أهل العلم أن الرجل إذا دخل عليه الوقت وهو في بلده ثم خرج مسافرا قبل أن يصلى فإنه يصليها قصرا يعني لو أذن الظهر وأنت في بلدك ثم سافرت قبل أن تصلى فإنك تصليها ركعتين والعكس بالعكس

(185/51)

فلو أذن عليك الظهر وأنت بالسفر ثم قدمت إلى بلدك فالواجب عليك أن تصلى أربعا لأن العبرة بفعل الصلاة.
***
السائل يقول رجل يعمل سائقا في إحدى المؤسسات الحكومية وعمله متنقل من منطقة إلى منطقة والمسافة من المنطقة الأولى إلى المنطقة الثانية تقريبا يوم وليلة السؤال هل يجوز له أن يقصر الصلاة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت المسافة كما ذكر يوما وليلة بالسيارة فلا شك أنه يقصر الصلاة إذا سافر إلى البلد الثاني ولكن إذا كان في البلد وسمع الأذان فلا بد أن يجيب فالمسافر لا تسقط عنه صلاة الجماعة بل قد أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم إذا كان فيهم في الجهاد في سبيل الله أن تقوم طائفة من المصلىن معه على ما ذكر الله تعالى في سورة النساء وهذا يدل على أن صلاة الجماعة لا تسقط في حال الخوف وحال السفر فيجب على الإنسان إذا سمع النداء وهو في بلد قد سافر إليها أن يحضر إلى المسجد ويصلى مع الناس لكن لو فرض أنه كان بعيدا عن المسجد أو أن الصلاة فاتته فإن له أن يصلى الرباعية ركعتين ويقصر الصلاة لأنه في سفر.
***
هذه الرسالة وصلت من الدمام من المستمع ع. ع. س. يقول هل يعد الذاهب إلى دولة البحرين وهو مقيم بالدمام مسافرا يجوز له الجمع والقصر والفطر مع العلم أن البحرين تبعد ما يقارب خمسة وعشرين كيلومترا فقط عن الدمام؟

(185/52)

فأجاب رحمه الله تعالى: المسافر من المنطقة الشرقية إلى البحرين يعتبر مسافرا لأن الله تعالى قال (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) ولا شك أن المسافر من المنطقة الشرقية إلى البحرين ضارب في الأرض وكل الناس يعرفون أنه مسافر وأما كونه سافر خمسة وعشرين كيلا فهذا لا يضر لأن القول الراجح من أقوال العلماء أن تقدير المسافة التي يجوز فيها القصر لا دليل عليه وأن المرجع في ذلك إلى ما يسمى سفرا في عرف الناس وهذا القول هو الراجح وقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان النبي الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين يعني قصر الصلاة وعليه فنقول إن السفر من المنطقة الشرقية إلى البحرين سفر يترخص به الإنسان بجميع رخص السفر من قصر الصلاة والفطر في رمضان والمسح على الجوارب أو الخفين ثلاثة أيام.
***
السائل يقول أناس يعملون خارج مدينة الرياض مسافة مائة وثلاثين كيلومتر ويذهبون من الرياض ويقومون يوميا بجمع صلاة العصر مع الظهر جمع تقديم علما بأنهم يصلون إلى الرياض قبل صلاة العصر وذلك في حوالي الثانية ظهرا فهل يعد فعلهم هذا صحيحا ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ليس بصحيح فيما نرى لأن هؤلاء ليسوا مسافرين عرفا فلا يجوز لهم الجمع ولا القصر إلا إذا كان في ترك الجمع مشقة فلهم أن يجمعوا من أجل المشقة لا من أجل السفر هذا على ما نراه من أن السفر مقيد بالعرف أما إذا قلنا بأن السفر مقيد بالمسافة فهؤلاء مسافرون لهم القصر ولهم الجمع لأنهم تجاوزوا المسافة المحددة وهي ثلاثة وثمانون كيلو.
***
يقول السائل بأنه يسافر يوميا مسافة مائة وثمانين كيلومترا ذهابا وإيابا نظرا لظروف عمله ويدخل في ذلك وقت صلاة الظهر عند العودة وهو في الطريق فماذا يفعل؟

(185/53)

فأجاب رحمه الله تعالى: يصلى الظهر تامة لأن هذا لا يعد سفرا وكونه يذهب ويأتي بيومه لا يعده الناس سفرا لكن بعض أهل العلم حدد السفر الذي تقصر فيه الصلاة بمسيرة واحد وثمانين كيلو أو ثلاثة وثمانين كيلو وعلى هذا القول له أن يقصر الصلاة لكن الاحتياط أن لا يقصر.
***
متى يبدأ الإنسان في قصر الصلاة للمسافة التي يجب فيها القصر كلمة يجب فيها القصر هل يجب أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يبتدئ الإنسان القصر في الصلاة إذا فارق القرية يعني إذا خرج من حدود البلد الذي هو ساكن فيه وإن كان يرى البلد فإنه لا يضر المهم إذا خرج من حدوده فإنه يعتبر خرج إلى السفر الآن وفارق محل الإقامة فيبدأ أحكام السفر من قصر الصلاة والفطر في رمضان وغير ذلك من أحكام السفر المعروفة وأما تعبيره بكلمة يجب القصر فهذه الكلمة إن صدرت من شخص عامي فإن العوام لا يفرقون بين كلمة يجب وكلمة يسن وكلمة يجوز يعبرون عن الوجوب أحيانا بما هو سنة وبما هو جائز وإن كان هذا المعبر طالب علم فإنه من الذين يرون وجوب القصر في السفر والمسألة فيها خلاف بين أهل العلم فمن أهل العلم من يرى أن القصر في السفر واجب لما ثبت في صحيح البخاري من حديث عائشة أن أول ما فرضت الصلاة كانت ركعتين فلما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى ولهم أدلة كثيرة تدل على وجوب القصر في السفر ولكن جمهور أهل العلم على أن القصر في السفر ليس بواجب وإنما هو سنة صدقة تصدق الله بها على عباده فقبولها منه سنة ومشروع والله أعلم.
***
كم مقدار المسافة التي يجب للمسافر أن يقصر ويجمع فيها الصلاة وهل يجوز الجمع دون القصر؟

(185/54)

فأجاب رحمه الله تعالى: المسافة التي تقصر فيها الصلاة حددها بعض العلماء بنحو ثلاثة وثمانين كيلو وحددها بعض العلماء بما جرى به العرف أي ما قال الناس إنه سفر فهو سفر وإن لم يبلغ ثمانين كيلو وما قال الناس إنه ليس بسفر فإنه ليس بسفر ولو بلغ مائة كيلو وهذا الأخير هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وذلك لأن الله تعالى لم يحدد مسافة معينة لجواز القصر وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لم يحدد مسافة معينة بل قال أنس بن مالك رضي الله عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم (إذا خرج ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين) أي قصر الصلاة وهذا أقرب أعني قول شيخ الإسلام ابن تيمية أقرب إلى الصواب لكنه أحيانا يكون غير منضبط فإذا كان غير منضبط أو اختلف العرف فيه فانه لا حرج أن يأخذ الإنسان بالقول بالتحديد لأنه قال به بعض الأئمة والعلماء المجتهدين فليس عليه في ذلك بأس إن شاء الله أما مادام الأمر منضبطا فالرجوع إلى العرف هو الصواب وأما هل يجوز الجمع إذا جاز القصر فنقول الجمع ليس مرتبطا بالقصر الجمع مرتبط بالحاجة فمتى احتاج الإنسان إلى الجمع في حضر أو سفر فليجمع ولهذا يجمع الناس إذا حصل مطر يشق على الناس من أجله الحضور إلى المساجد ويجمع الناس إذا كان هناك ريح باردة شديدة في أيام الشتاء يشق على الناس الخروج إلى المسجد من أجلها ويجمع الإنسان إذا كان يخشى فوات ماله أو ضرر فيه أو ما أشبه ذلك يجمع الإنسان إذا كان مريضا وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر فقالوا ما أراد إلى ذلك قال أراد ألا يحرج أمته أي أن لا يلحقها الحرج في ترك الجمع وهذا هو الضابط وكلما حصل على الإنسان حرج في ترك الجمع جاز له الجمع وإذا لم يكن عليه حرج فلا يجمع لكن السفر مظنة الحرج بترك الجمع وعلى هذا فيجوز للمسافر أن يجمع سواء كان

(185/55)

جادا في السفر أو مقيما إلا أنه إذا كان جادا في السفر فالجمع أفضل وإن كان مقيما فترك الجمع أفضل ويستثنى من ذلك ما إذا كان الإنسان مقيما في بلد تقام فيه الجماعة فإن الواجب عليه حضور الجماعة وحينئذ لا يجمع ولا يقصر لكن لو فاتته الجماعة قصر بدون جمع ولو احتاج إلى الجمع جمع وقصر فيما لم يصل فيه خلف الإمام.
***
السائل يقول أنا عندي سيارة نقل وأنقل البضاعة على 280 كيلو مترا هل يجوز قصر الصلاة فيها وكم المدة من الأيام جزاكم الله خيرا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز قصر الصلاة في مسافة 280 كيلو إذا كان يبقى في البلد الآخر الذي سافر إليه يومين أو ثلاثة أو نحوها وله أن يقصر حتى يرجع إلى بلده ولو طالت المدة لكن يجب التنبه إلى شيء يهمله كثير من الناس جهلا أو تهاونا وهو الصلاة مع الجماعة فإن الواجب على المسافر إذا كان في بلد تقام فيه الجماعة أن يحضر إلى الجماعة لأن السفر ليس من مسقطات وجوب صلاة الجماعة بل قد أوجب الله الجماعة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه في السفر في حال الخوف فقال تعالى (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم) فأوجب الله صلاة الجماعة حتى في هذه الحال فكيف بحال الأمن ومن توهم أن المسافر ليس عليه جمعة ولا جماعة وهو في نفس البلد فلا وجه لوهمه هذا.
***

(185/56)

السائل خلف رشدان العازمي من الكويت يقول خرجت ذات يوم أنا وبعض أصحابي في نزهة إلى البر وكان المكان الذي ذهبنا إليه يبعد عن المدينة التي نسكن فيها بحوالي سبعين كيلو مترا ولما حان وقت صلاة رباعية اختلفنا حول جواز القصر في هذه المسافة لسببين أولهما أننا لسنا مسافرين وإنما خرجنا للنزهة وثانيهما أن المسافة التي بيننا وبين المدينة أقل من مسافة القصر ولكن منا من يقول إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقصر الصلاة لمسافة ثلاثة فراسخ فهي تقارب المسافة التي قطعناها وقصر بعده أصحابه رضي الله عنهم أجمعين فما رأيكم في هذا من ناحية جواز القصر لمن قطع مسافة وإن لم يكن مسافرا ومن ناحية ضبط المسافة بالكيلو متر ومقارنته بالفراسخ جزاكم الله خيرا؟

(185/57)

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا السؤال هو أن أهل العلم اختلفوا في جواز القصر هل يحدد بمدة أو بمسافة أو لا يحدد ويرجع في ذلك إلى العرف فأكثر أهل العلم يرون أنه محدد المسافة ومقدارها واحد وثمانون كيلا وثلاثمائة وبضعة عشر مترا فمن قطع هذه المسافة ولو في نصف يوم فإنه يحل له قصر الصلاة والفطر في رمضان ويرى آخرون من أهل العلم أنه لا يحدد بمسافة أعني السفر الذي يبيح القصر والفطر وإنما يرجع في ذلك إلى العرف فما سماه الناس سفرا فهو سفر وذلك بأن يكون الخروج مستعدا له الإنسان متأهبا له أهبة السفر يودع عند سفره ويستقبل عند قدومه وهذا القول هو ظاهر الأدلة فإن الله تعالى يقول (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) ولم يحدد الله تعالى مسافة هذا الضرب بل أطلقه فمتى كان الإنسان ضاربا في الأرض مفارقا لوطنه فإنه يحل له القصر وكذلك في الصحيح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان إذا خرج ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين) وهذا أقل بكثير مما ذكره السائل حيث ذكر أنهم بعدوا عن البلدة نحو سبعين كيلو والمهم أن هذا القول هو الراجح لأنه لا دليل يدل على تحديد المسافة فمتى سمى الناس هذا ضربا في الأرض وسفرا ثبتت له أحكام السفر قد تكون المسافة القصيرة سفرا باعتبار طول مدة الإقامة وقد تكون المسافة البعيدة غير سفر باعتبار قصر مدة الإقامة فهؤلاء الذين خرجوا إلى هذه النزهة إذا كان سيبقون يومين أو ثلاثة أو أكثر بمعنى أنهم متأهبون أهبة السفر مستعدون لهذه الرحلة فيجوز لهم القصر حتى وإن كانوا قد خرجوا للنزهة لأن الآية والنصوص عامة وأما إذا كان سيخرجون في الصباح ويرجعون في المساء فالظاهر أن هذا ليس بسفر وأنه لا يحل لهم القصر وليعلم أنه ينبغي أن نتخذ قاعدة مهمة وهي أننا إذا شككنا في وجود شروط الجواز فالأصل عدم الوجود

(185/58)

وعلى هذا فإذا شككنا هل هذا سفر أو ليس بسفر فإن الأصل ألا يكون سفرا فلا يستباح به القصر ولا الفطر لأن الأصل وجوب الإتمام فلا نعدل عن هذا الأصل إلا بوجود شيء متيقن يبيح لنا القصر وبناء على هذه القاعدة إذا شككنا في كون هذا سفرا أو غير سفر يكون الاحتياط ألا نقصر الصلاة.
فضيلة الشيخ: بوجود أو توفر وسائل النقل الحالية وسرعة قطع هذه المسافة التي هي مثلا ثمانون كيلو أو أكثر هل هذا يبيح أحكام السفر بالنسبة لقصر الصلاة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم على القول بتحديد السفر بالمسافة لا فرق بين أن يقطعها في يوم أو أقل أو أكثر .
فضيلة الشيخ: يعني ليست العلة هي المشقة والتعب؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا فرق بين أن يقطعها بيوم أو يومين أو نصف ساعة أو أكثر وقد صرح بذلك أهل العلم وليست العلة هي المشقة في السفر بل لأن السفر مظنة المشقة سواء وجدت أم لم توجد ولهذا يباح للإنسان أن يقصر الصلاة ركعتين وهو مقيم في سفره كما أقام النبي عليه الصلاة والسلام في سفره في الحج أقام أربعة أيام قبل خروجه إلى المشاعر وأقام ستة أيام في المشاعر وكان يقصر الصلاة عليه الصلاة والسلام.
***
يقول السائل إذا ركبت الطائرة وسافرت إلى أحد البلاد البعيدة وجاء وقت إحدى الصلوات ولا يوجد لدي ماء في الطائرة فما هي الطريقة لأداء الصلاة والوضوء؟

(185/59)

فأجاب رحمه الله تعالى: إن كنت تعرف أن الطائرة تصل إلى المطار وتهبط على الأرض قبل خروج وقت الصلاة فانتظر حتى تهبط وتصلى الصلاة بوضوء وباستقبال القبلة وقيام وركوع وسجود وطمأنينة، وإن كنت تعرف أنها لا تصل إلى المطار إلا بعد خروج الوقت فصل على حسب حالك، صل بوضوء إن أمكن، وبتيمم إن أمكن، فإن لم يمكن لا هذا ولا هذا، فصل بدون وضوء ولا تيمم واستقبل القبلة وقم واركع واسجد إذا أمكن ذلك فإن لم يمكن فقد قال الله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) وقال (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وقال تعالى (أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون * ولانكلف نفسا إلا وسعها).
***
السائل سعد من العراق يقول هل الصلاة في الباخرة تكون قصرا مع أني أعمل بها وأمكث فيها أكثر من ستة أشهر؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم السفر ليس له حد ينتهي به رخص السفر فما دام الإنسان مسافرا فإن رخص السفر ثابتة له سواء في سيارة أو في طائرة أو في باخرة وعلى هذا فإننا نقول للملاحين الذين في الباخرة أنتم مسافرون ما دام لكم أهل في بلد تأوون إليهم فمتى فارقتم الأهل أو البلد الذي فيه الأهل فأنتم مسافرون ولو طالت بكم المدة وعلى هذا فلكم قصر الصلاة ولكم الجمع لكن القصر سنة وأما الجمع فالأفضل تركه إلا إذا احتجتم إليه.
***
يقول السائل سافرت بالطائرة وحان وقت الصلاة فما هو الأفضل في حق المسافر الانتظار أم الصلاة في الطائرة أم يصلى إذا وصل إلى المطار؟

(185/60)

فأجاب رحمه الله تعالى: الصلاة في الطائرة لا يمكن أن يقوم الإنسان فيها بالواجب لكن إذا كانت نافلة فأمرها سهل يصلى النافلة وهو على سريره وعلى الاتجاه الذي عليه الطائرة أما الفريضة فإنه لا يمكنه أن يصلىها لأنه سوف يلزم بالقيام والركوع والسجود والاتجاه إلى القبلة وهذا لا يتوفر في غالب الطائرات المعروفة عندنا وبناء على ذلك نقول إذا حان وقت الصلاة وهي مما يجمع إلى ما بعدها وأنت في الطائرة فأخرها حتى تصل إلى المطار وتنزل ثم تجمع جمع تأخير وإن كانت الصلاة مما لا يجمع إلى ما بعدها كصلاة الفجر مثلا أو صلاة العصر لا تجمع إلى المغرب أو صلاة العشاء لا تجمع إلى الفجر ففي هذه الحال لا يصلى أيضا حتى ينزل في المطار ليتمكن من القيام بالواجبات فإن كان لا يمكن الوصول إلى المطار إلا بعد خروج الوقت فهنا يصلى في الطائرة ويتجه للقبلة إذا كانت القبلة أمامه فالأمر واضح وإذا لم تكن أمامه فإنه يجب أن يتجه إلى القبلة وفي هذه الحال فسوف نلزمه بالقيام يصلى قائما والقيام ممكن فيقوم مثلا من على الكرسي ويتجه إلى القبلة ثم يركع إن تمكن وإلا أومأ أو وإلا حنى ظهره على قدر ما يمكنه ثم يرفع وعند السجود يجلس ويسجد إن تمكن وإلا فيومئ بقدر ما يمكنه هذا إذا كان لا يمكن أن يصل إلى المطار قبل خروج الوقت أما إذا كان يمكنه أن يصل إلى المطار قبل خروج الوقت فإنه ينتظر حتى يصل.
***
المستمع محمد على الطيب سوداني مقيم بالعراق يقول في بعض الأحيان أكون مسافرا بالطائرة أو بالسيارة ثم يدخل وقت الصلاة أثناء الرحلة وهناك لا أعرف اتجاه القبلة ولا أتمكن من الركوع أو السجود ولست على وضوء ولم أجد ما أتيمم به فيكف تكون الصلاة في مثل هذه الظروف فأنا أؤجلها حتى أصل فأصليها قضاء فهل فعلي هذا صحيح أم لا؟

(185/61)

فأجاب رحمه الله تعالى: فعلك هذا ليس بصحيح فإن الصلاة يجب أن تفعل في وقتها لقوله تعالى (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) وإذا وجب أن تفعل في وقتها فإنه يجب على المرء أن يقوم بما يجب فيها بحسب المستطاع لقوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين (صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب) ولأن الله عز وجل أمرنا بإقامة الصلاة حتى في حال الحرب والقتال ولو كان تأخير الصلاة عن وقتها جائزا لمن عجز عن القيام بما يجب فيها من شروط وأركان وواجبات ما أوجب الله تعالى الصلاة في حال الحرب وعلى هذا يتبين أن ما فعله الأخ السائل من كونه يؤخر الصلاة إلى ما بعد الوقت فيصليها قضاء بناء على أنه لا يعرف القبلة وأنه ليس عنده ماء في الطائرة وأنه لا يتمكن من الركوع والسجود يتبين أن فعله هذا خطأ ولكن ماذا يصنع المرء في مثل هذه الحال نقول يتقي الله ما استطاع فبالنسبة للقبلة يمكنه أن يسأل المضيفين في الطائرة أين اتجاه القبلة فيتجه حيث وجهوه إليه وهذا في صلاة الفريضة أما النافلة فيصلى حيث كان وجهه كما هو معروف، بالنسبة للقيام والركوع والسجود نقول له قم لأن القيام ممكن والطائرة في الجو ونقول له اركع لأن الركوع ممكن لا سيما في بعض الطائرات التي يكون ما بين الكراسي فيها واسعا فإن لم يتمكن من الركوع قلنا له تومئ بالركوع وأنت قائم وفي حال السجود نقول اسجد والغالب أنه لا يمكنه إذا لم يكن في الطائرة مكان معد للصلاة فإذا لم يتمكن من السجود قلنا له اجلس بعد أن تقوم من الركوع وتأتي بالواجب اجلس وأومئ بالسجود وأنت جالس وأما القعود بين السجدتين والقعود للتشهد فأمره واضح وبهذا تنتهي الصلاة ويكون قد اتقى الله فيها ما استطاع وأما فيما يتعلق بالوضوء فنقول إذا لم يكن لديك ماء وليس هناك ما يمكن أن تتيمم به فإنك تصلى ولو

(185/62)

بلا وضوء ولا تيمم لأن ذلك هو منتهى استطاعتك وقدرتك فالمهم ألا تؤخر الصلاة عن وقتها إلا إذا كانت الصلاة مما يجمع إلى ما بعده كما لو كانت الرحلة في وقت الظهر فبإمكانك أن تؤخر الظهر إلى العصر فتجمعهما جمع تأخير في وقت العصر فهذا جائز بل يكون واجبا في هذه الحالة.
فضيلة الشيخ: بالنسبة للتيمم يعني لابد من التيمم بتراب له غبار؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التيمم بالتراب لا يحتاج إلى غبار على القول الراجح لأن الله تعالى قال (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا)(النساء: من الآية43) وهذا عام في كل الأوقات ومعلوم أن المسافرين قد يكونون على أرض رملية ليس فيها غبار وقد يكونون في زمن الأمطار وبلل الأرض فلا يكون غبار فالصحيح أن الغبار ليس بشرط.
فضيلة الشيخ: أقصد أن التيمم لا يصح إلا بتراب؟
فأجاب رحمه الله تعالى: بكل ما على الأرض لكن في الطائرة ما يتمكن الإنسان إلا إذا كان معه تراب فهنا يمكن أن يتيمم.
***

(185/63)

أحكام الجمع
ما حكم من يجمع بين الصلاتين المفروضتين من غير عذر شرعي؟
فأجاب رحمه الله تعالى: حكم من يجمع بين صلاتين من غير عذر شرعي أن صلاته التي جمعها إلى ما قبلها غير صحيحة مثل أن يجمع العصر إلى الظهر في وقت الظهر فإن صلاة العصر هنا لا تصح لأنه صلاها قبل وقتها والنبي صلى الله عليه وسلم وقت مواقيت محددة مفصلة فلا يجوز لإنسان أن يقدم الصلاة على وقتها إلا لعذر شرعي أو نحو ذلك وأما إذا كان جمعه جمع تأخير بأن يؤخر الأولى إلى الثانية فإن تأخير الأولى إلى الثانية إثم عظيم كبير واختلف العلماء في هذه الحال هل تصح أو لا تصح فجمهور العلماء أنها تصح مع الإثم والصحيح أنها لا تصح أي إنه إذا أخر الصلاة عن وقتها بلا عذر فإنها لا تصح ولو صلاها ألف مرة لأنه أخرجها عن وقتها بلا عذر كتقديمها عن وقتها بلا عذر يبيح ذلك لأن الكل داخل في مخالفة قول الرسول عليه الصلاة والسلام بل إن الكل داخل في مخالفة حدود الله عز وجل التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم (من عمل عملا ليس عليها أمرنا فهو رد) ولهذا يجب على الإنسان الحذر من تأخير الصلاة عن وقتها بلا عذر لأنه إذا أخرها لا تقبل منه أبدا ولو صلاها آلاف المرات.
***
هل يجوز الجمع بين الصلوات بدون أي عذر؟

(186/1)

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب لا يجوز الجمع بين الصلوات بدون عذر لقول الله تعالى (فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وقت الصلوات وجعل لكل صلاة وقتا محددا فتقديم الصلاة على وقتها أو تأخيرها عن وقتها بدون عذر شرعي من تعدي حدود الله عز وجل وقد قال الله تعالى (ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون) (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) فعلى المرء أن يصلى كل صلاة في وقتها ولكن إذا دعت الحاجة وشق على الإنسان أن يصلى كل صلاة في وقتها فلا حرج عليه أن يجمع حينئذ فيجمع بين الظهر والعصر إما جمع تقديم أو تأخير حسب الأيسر له وبين المغرب والعشاء إما جمع تقديم و إما جمع تأخير حسب الأيسر له لقول ابن عباس رضي الله عنهما جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر فسئل عن ذلك فقال أراد أن لا يحرج أمته أي أن لا يدخل عليها الحرج في ترك الجمع وهذه إشارة من ابن عباس رضي الله عنهما إلى أن الجمع لا يحل إلا إذا كان في تركه حرج ومشقة وهذا هو المتعين فإن جمع الإنسان بين الصلاتين بدون عذر شرعي فإن الصلاة المجموعة إلى وقت الأخرى غير مقبولة عند الله ولا صحيحة ذلك لأنه عمل عملا ليس عليه أمر الله ورسوله وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد).
***
السائل من العراق بغداد يقول يوجد أناس يصلون بشكل مختلف عن الآخرين فهناك من يصلى الصلاة بوقتها بشكل منفرد وهناك من يصلى الصلاة بجمع الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء ما صحة هذا ؟

(186/2)

فأجاب رحمه الله تعالى: قال الله عز وجل (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) ويقول جل وعلا في نبيه محمد صلى الله عليه وسلم (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون) فدين الإسلام إنما جاء بتوحيد الأمة وجمع كلمتها على شريعة الله التي جاء بها محمد صلى الله عليه و سلم واتبعه على ذلك أصحابه رضوان الله عليهم من الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ثم بقية الصحابة ثم التابعون لهم بإحسان من أئمة الهدى ومصابيح الدجى هذا هو الدين الإسلامي الذي أمر الله به وأن تكون أمة واحدة على هذا المنهاج الذي سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون والصحابة رضي الله عنهم وأئمة الهدى من بعدهم كالإمام أحمد بن حنبل والشافعي ومالك وأبي حنيفة وسفيان وغيرهم ممن عرفوا بالهدى والصلاح وإرادة الإصلاح ومن أهم ما يوجب الاجتماع على دين الله إقامة صلاة الجماعة في المساجد فإنها من الشعائر الظاهرة التي تحمل فوائد كثيرة وقد دل الكتاب والسنة على أنها فرض أي صلاة الجماعة فرض وأنه لا يجوز لأحد أن يتخلف عنها ويصلى منفردا تجد ذلك في القرآن قوله تعالى (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم) فأوجب الله سبحانه وتعالى الصلاة جماعة حتى في مواجهة الأعداء فإذا أوجبها الله تعالى في هذه الحال فإيجابها في حال الأمن والرخاء من باب أولى قال تعالى (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين) وأما

(186/3)

السنة فأدلة وجوب صلاة الجماعة فيها كثيرة فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة أنه قال (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلى بالناس ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة معنا فأحرق عليهم بيوتهم بالنار والذي نفسي بيده لو يجد أحدهم عرقا سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء) واستأذنه رجل أعمى ليس له قائد يقوده إلى المسجد أن يصلى وحده فأذن له فلما أدبر دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له هل تسمع النداء قال نعم قال فأجب وقال ابن مسعود رضي الله عنه (لقد رأيتنا يعني الصحابة رضي الله عنهم وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف) فالذين لا يشهدون جماعة المسلمين ويصلون فرادى خالفوا ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من الصلاة جماعة مع المسلمين وأما قول السائل إن من الناس من يجمع بين الصلوات فإن الجمع إن كان له سبب يبيحه فهو جائز وقد دلت السنة على جوازه كحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم (جمع في المدينة من غير خوف ولا مطر قالوا ما أراد بذلك قال أراد أن لا يحرج أمته) فإذا كان في ترك الجمع مشقة على المسلمين جاز لهم الجمع كما إذا كان الخروج في المطر يشق عليهم فجمعوا بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء من أجل المشقة فهذا لا بأس به وكذلك إذا كانوا مسافرين وأما إذا لم يكن عذر فإن الجمع يكون حراما ولا تصح الصلاة التي صلىت في غير وقتها فإذا جمع العصر إلى الظهر مثلا فإن العصر لا تصح لأنه صلاها قبل دخول وقتها ويجب عليه إعادتها في وقتها وإذا أخر الظهر إلى العصر فإنه يحرم عليه أيضا ذلك التأخير ولا تقبل منه الصلاة حينئذ لأنه أخرها بدون سبب شرعي وعلى المرء أن يتقي الله عز وجل وأن يقوم بما أوجب الله عليه وقد ثبت في

(186/4)

الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت المواقيت قال (وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر وقت العصر ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ووقت المغرب ما لم يغب الشفق ووقت العشاء إلى نصف الليل ووقت الفجر ما لم تطلع الشمس) حدد النبي صلى الله عليه وسلم الأوقات وبينها فمن أخرج الصلاة عن وقتها الذي حدده النبي صلى الله عليه وسلم فقد عمل عملا ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد).
***
صليت في أحد المساجد وقت الظهر وقد نزل مطر كثير وعند المسجد بحيرة من الماء فجمع الإمام الظهر مع العصر وأما مسجدنا فكان مناسبا لا يصلح معه الجمع فهل صلاتي في المسجد الآخر الذي جمع صحيحة وإذا كانت غير صحيحة فهل أعيد صلاة العصر الآن؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا صلىت مع جماعة وكان إمامهم يجمع بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء وكان سبب الجمع قائما وهو العذر فإن صلاتك صحيحة ولا يجب عليك إعادتها أما إذا أراد الإمام أن يجمع وكان سبب الإباحة للجمع غير قائم فإنك تنصحه أولا قبل أن يشرع في الجمع لأن الجمع بدون عذر شرعي كبيرة من كبائر الذنوب وإن الصلاة الثانية لا تصح إذا كانت جمع تقديم لأنها صليت قبل وقتها فإن أصر على أن يجمع فلا تنصرف أنت صل معهم وانوها نافلة فإذا جاء وقت العشاء أو العصر فصلها وذلك لأن خروجك في هذه الحال يؤدي إلى الشقاق والنزاع والكراهية منك أو عليك.
***
السائل صلاح الدين أحمد محمد من الأردن عمان يقول هل يجوز جمع التقديم أو التأخير في حال نزول المطر وهل ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم جمع في المطر؟

(186/5)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا نزل المطر وكان في الحضور إلى المسجد مشقة من أجل المطر فإنه يجوز الجمع إما تقديما وإما تأخيرا وذلك لما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في المدينة بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر فقوله رضي الله عنه من غير خوف ولا مطر يدل على أنه كان من عادته أن يجمع في المطر فقيل لابن عباس لم فعل ذلك قال أراد ألا يحرج أمته فدل قوله ألا يحرج أمته على أنه متى حصل بالصلاة في كل وقت مشقة فإنه يجوز الجمع.
***
هل يجوز للمرأة أن تجمع الصلوات في البرد والمطر كجمع الرجال؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز للمرأة أن تجمع للبرد والمطر لأن الجمع إنما يجوز عند الحاجة والمشقة في تركه والمرأة لا تحتاج إلى أن تجمع من أجل المطر والبرد لأنها لا تخرج من بيتها بخلاف الرجال الذين يخرجون من بيوتهم إلى المساجد فإنه يشق عليهم في البرد الشديد مع الريح الشديدة أن يرجعوا إلى المسجد وعلى هذا إذا كان الإنسان يصلى في بيته كالمرأة والمريض ونحوهما فإنهم لا يجمعون من أجل المطر أو من أجل البرد الذي يبيح الجمع ودليل ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في المدينة من غير خوف ولا مطر وسئل رضي الله عنه عن ذلك يعني لماذا جمع قال أراد أن لا يحرج أمته وهذا دليل على أن الجمع لا يجوز إلا إذا كان في تركه حرج أي مشقة.
***
يقول السائل إذا عارض مسلم بقية الجماعة في الجمع لأجل المطر والبرد لأنه لا يرى الجمع جائزا بسبب عدم وجود النية قبل الصلاة فأيهما أولى الصلاة مع الجماعة أو اعتزالها؟

(186/6)

فأجاب رحمه الله تعالى: أولا تقدم أن القول الصحيح أنه لا يشترط نية الجمع وأنه يجوز أن يجمع الإنسان إذا وجد السبب ولو في أثناء الصلاة الأولى والمعارضة إذا كان الإنسان يعارض عن تقليد أو عن اجتهاد فإنه لا يؤاخذ بذلك من جهة معارضته إذا كان هذا هو ما يستطيعه من تقوى الله عز وجل وإلا فالواجب على المسلم إذا تبين له الحق أن يتبعه سواء كان ذلك موافقا لما كان يعتقده بالأمس أم مخالفا له لأن المؤمن لا يتم إيمانه حتى يكون هواه تبعا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فإذا عارضهم هذا المسلم وهو يعتقد أن هذه المعارضة صحيحة وأنها هي دين الله الذي يقابل به ربه يوم القيامة فإن له ما اعتقد ولا يلزم أحد بالقول باجتهاد أحد إذا لم تقم الحجة البينة الظاهرة على صوابه وعلى هذا نقول لهذا المعارض لا حرج عليك إذا لم تجمع وأنت ترى أنه لا يصح الجمع ولكن نرى أن الأولى أن تصلى مع الجماعة بنية النافلة لأن الشذوذ عن جماعة المسلمين أمر لا ينبغي حتى أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر من صلى في رحله وأدى الفريضة ووجد جماعة أن يصلى معهم وقال إنها نافلة فالذي نرى أن يصلى معهم وينويها نافلة وإذا دخل وقت العشاء صلى العشاء.
***
السائل عبد الله بن عبد العزيز العبد الله من الرياض يقول إذا كان الوقت باردا وهطلت أمطار وأراد جماعة المسجد جمع المغرب مع العشاء هل تلزم النية للإمام والمأمومين في ذلك أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال له جانبان:

(186/7)

الجانب الأول الجمع بين المغرب والعشاء من أجل المطر والبرد ونحوهما وهذا لا شك أن القول الصواب فيه هو جواز الجمع لهذه الأمور التي تشق على المسلمين لأن حديث ابن عباس رضي الله عنهما صريح في ذلك حيث أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في المدينة من غير خوف ولا مطر فإن قوله ولا مطر يدل على أنه كان من المعتاد عندهم الجمع من أجل المطر وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن ذلك فقال أراد أن لا يحرج أمته أي أن لا يلحقها الحرج في أداء صلاة الجماعة وهذا هو الموافق لروح الدين الإسلامي الذي قال الله تعالى عنه في معرض آيات الصيام (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وقال سبحانه وتعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم) فالحاصل أنه يجوز الجمع لأجل المطر الذي يلحق به مشقة وكذلك لأجل الريح الباردة التي يلحق الناس بها مشقة إذا خرجوا إلى المسجد وإذا جاز الجمع فالعبرة بوجود السبب ولا يشترط النية وهذا هو الجانب الثاني من السؤال على القول الراجح فمتى وجد السبب وإن لم ينووا الجمع عند تكبيرة الإحرام للصلاة الأولى فإن الجمع يسوغ لهم وعلى هذا فلو طرأ العذر في أثناء الصلاة الأولى كما لو هطلت أمطار أثناء صلاة المغرب فإنه يجوز لهم أن يجمعوا بين المغرب والعشاء وإن لم يكونوا قد نووا الجمع وإن لم يكن السبب قد وجد عند افتتاح الصلاة الأولى بل إنه على القول الصحيح الذي نرى أنه أصح وأن العبرة بوجود السبب لو لم ينووا إلا بعد السلام فإنه يجوز لهم الجمع إذ لا علاقة بين الصلاتين بالنية ولهذا لا تبطل إحداهما ببطلان الأخرى حتى نقول لا بد من نية القرن بينهما وإنما المدار كله على وجود السبب وعلى هذا فإذا سلموا من صلاة المغرب مثلا وقد هطلت أمطار في أثناء الصلاة وأرادوا أن يجمعوا العشاء إليها فإن هذا لا بأس به على القول الراجح.
***

(186/8)

السائل جمال بسيوني محمد يقول في هذا السؤال بأنه صلى في مسجد بجوار سكنه صلاة المغرب وفي أثناء الصلاة نزل مطر خفيف لا يعوق الناس في الذهاب إلى المسجد مع العلم أن الطريق مسفلت وجمع الإمام المغرب مع العشاء فتركت الصلاة معه ولم أجمع العشاء فهل علي اثم في ذلك مع العلم بأن الإمام لم ينبه أنه سوف يجمع المغرب مع العشاء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما الفقرة الثانية وهي قوله مع العلم بأن الإمام لم ينبه على أنه سيجمع العشاء إلى المغرب فإن هذا لا يضر يعني أنه لا يلزم المأموم أن ينوي الجمع عند الإحرام لصلاة المغرب فإنه إذا وجد سبب الجمع جاز الجمع سواء نوى أم لم ينو كما أن السفر إذا حصل جاز للإنسان القصر سواء نوى القصر أم لم ينو لأن العبرة بوجود السبب وأما كون الإمام جمع في مطر خفيف فلعله يرى أن هذا المطر مبيح للجمع فإذا رأى أنه ميبح للجمع ساغ له أن يجمع وأنت لك أن تجمع معه لأن جمعك معه تحصل به فائدة الجماعة إلا إذا كنت تعرف أن هناك مساجد لا تجمع فهنا نقول الأفضل ألا تجمع معه مادمت تعتقد أن هذا العذر لا يبيح الجمع لكون المطر خفيفا فاخرج وصل في المسجد الآخر الذي لا يجمع.
ولكن هنا نقول لو خفت أن يقع في ذلك فتنة إذا خرجت فصل معهم وانوها نافلة وصل العشاء في وقتها في المساجد الأخرى.
***
ما هو الحكم الشرعي في جمع الصلوات جمع تقديم في المطر؟

(186/9)

فأجاب رحمه الله تعالى: القول في جواز الجمع ما أشار إليه ابن عباس رضي الله عنهما في حديثه حين حدث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه جمع في المدينة من غير خوف ولا مطر قالوا ما أراد إلى ذلك يعني لماذا فعل قال أراد أن لا يحرج أمته أي أن لا يلحقها الحرج فمتى كان في ترك الجمع حرج أي مشقة وضيق جاز الجمع سواء كان بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء فيجمع الإنسان للمرض ويجمع للمطر الذي يبل الثوب ويحصل معه مشقة ويجمع للوحل إذا كان بينه وبين المسجد شارع فيه وحل وزلق فيجمع الناس لهذا حتى لا يتفرقوا عن الجماعة ويجمع للسفر و لكن هل الجمع أفضل أم تركه أفضل؟ نقول إذا وجد سببه فهو أفضل لدخوله في عموم قول الله تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) وقوله تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وأما إذا لم يوجد له سبب فإنه حرام لأن الواجب أن تصلى كل صلاة في وقتها لقول الله تعالى (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) وقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم الأوقات بأوضح بيان فقال (وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم تحضر العصر ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ووقت المغرب ما لم يغب الشفق الأحمر ووقت العشاء إلى نصف الليل ووقت الفجر من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس) فالأصل وجوب كل صلاة في وقتها لكن إذا وجد سبب للجمع فإنه جائز بين المغرب والعشاء وبين الظهر والعصر تقديما كان أم تأخيرا وأما الفجر فلا يجمع إليها ما قبلها ولا ما بعدها كذلك الجمعة لا تجمع إليها صلاة العصر يعني لو أن مسافرا مر ببلد يوم الجمعة و أقام فيه إلى العصر وحضر صلاة الجمعة فإنه يصلى الجمعة ولا يجمع إليها العصر حتى وإن كان سيغادر البلد قبل العصر فإنه لا يجمع بل يقال انتظر حتى إذا جاء وقت صلاة العصر فصل العصر.
***

(186/10)

هذا السائل أ. ف. من سوريا يقول أعمل في رعي الأغنام وأحيانا يكون البرد شديدا جدا فأصلى بعض الصلوات في غير أوقاتها كأن أجمع الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء فوجهوني جزاكم الله خيرا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا حرج عليك أن تصلى جمعا فتجمع الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء إذا كان في صلاتك كل صلاة في وقتها حرج عليك لقول ابن عباس رضي الله عنهما (جمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر) قالوا ما أراد إلى ذلك يعني ما السبب أنه فعل هذا قال أراد ألا يحرج أمته فيؤخذ من هذا الحديث أن كل ما فيه حرج على الإنسان فإنه يجوز أن يجمع من أجله بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء فإذا كان البرد شديدا ويشق عليكم أيها الرعاة أن تتوضؤوا لكل صلاة فاجمعوا بين الظهر والعصر إما جمع تقديم أو جمع تأخير حسب الأيسر واجمعوا بين المغرب والعشاء إما جمع تقديم و إما جمع تأخير حسب الأيسر ولا حرج عليكم في هذا بل هذا مما يحبه الله عز وجل لأنه لكرمه وفضله يحب أن يأتي عباده ما رخص لهم فيه.
***
لو كان الإنسان قادما من سفر وقد أجل صلاة لكي يجمعها مع التي بعدها جمع تأخير فوصل المدينة في وقت الصلاة التي بعدها والجماعة يصلون تلك الصلاة كمن أخر المغرب ليصلىه مع العشاء ووصل المدينة وأهلها يصلون صلاة العشاء فهل ينضم معهم لصلاة العشاء أم يصلى المغرب قبلها؟

(186/11)

فأجاب رحمه الله تعالى: ينضم معهم بنية صلاة المغرب وفي هذه الحال إن كان قد دخل مع الإمام في الركعة الثانية وما بعدها فالأمر ظاهر فإن دخل مع الإمام في الركعة الثانية سلم معه لأنه يكون صلى ثلاثا وإن دخل في الثالثة أتى بعده بركعة أما إن دخل في الركعة الأولى من صلاة العشاء وهو يصلى بنية المغرب فإن الإمام إذا قام إلى الرابعة يجلس هو ويتشهد ويسلم ثم يدخل مع الإمام في بقية صلاة العشاء حتى يدرك الجماعتين في الصلاة ينفرد عن إمامه ويسلم وهذا الانفصال جائز لأنه لعذر والانفصال لعذر جائز كما ذكر ذلك أهل العلم ومن ذلك أي من الانفصال لعذر ما لو طرأ على الإنسان في أثناء الصلاة طارئ يستلزم السرعة في الصلاة فإن له أن ينفرد عن الإمام ويكمل صلاته خفيفة ثم يذهب إلى هذا الطارئ مثل لو حصل له ألم في بطنه أو اضطر إلى تبول أو تغوط أوحصل شيء في معدته يخشى أن يقيء في صلاته وما أشبه ذلك المهم أن الانفراد لعذر عن الإمام جائز وهذا انفراد لعذر ثم إنه لا حرج عليك في هذه الحال إذا أتيت وهم في صلاة العشاء أن تدخل معهم بنية صلاة العشاء ثم بعد ذلك تأتي بالمغرب لأن بعض أهل العلم يرى أن الترتيب يسقط بخوف فوت صلاة الجماعة.
***
السائل يقول في سؤاله جماعة مسافرون وجمعوا المغرب والعشاء جمع تأخير وفي أثناء الصلاة دخل أحدهم مع الجماعة ناسيا الجمع ونوى العشاء وأثناء الصلاة تذكر أن أصحابه يصلون المغرب فقلب النية من العشاء إلى المغرب ما حكم هذه الصلاة؟

(186/12)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الصلاة لا تصح لا للمغرب ولا للعشاء أما المغرب فلأنه أبطلها وعدل عنها إلى نية العشاء وأما العشاء فلأنه لم يبتدئها من أول الصلاة فإن أول الصلاة كان للمغرب وعلى هذا فيجب على هذا الأخ أن يصلى صلاة المغرب وأن يصلى صلاة العشاء وإذا كان في سفر فإنه يقضيها ركعتين لأنها وجبت عليه ركعتين فيقضيها ركعتين لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) فقوله فليصلها أي يصلى تلك الصلاة على صفتها ولهذا قال أهل العلم إن القضاء يحكي الأداء فمن قضى صلاة سفر في حضر صلى ركعتين ومن قضى صلاة حضر في سفر صلى أربعا ومن قضى صلاة ليل في النهار جهر بالقراءة ومن قضى صلاة نهار في الليل لم يجهر بالقراءة لأن العبرة بالقضاء أي بالمقضية.
***
يقول السائل شخص مسافر يتنقل بين الطائف ومكة وجدة هل يصح له أن يجمع الصلاة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يصح له ذلك إذا كان أيسر له فإن لم يكن أيسر فلا يجمع وإن جمع فلا بأس لأن الجمع للمسافر إن كان أيسر له فهو أفضل أن يجمع تقديما أو تأخيرا وإن لم يكن أيسر فالأفضل أن لا يجمع وإن جمع فلا بأس.
***
في بعض أسفاري أجمع جمع التقديم أثناء السفر مع غلبة الظن بأنني أصل مبكرا حتى أرتاح وأنام إذا وصلت؟

(186/13)

فأجاب رحمه الله تعالى: يقول العلماء مادام الإنسان في السفر فإن له أن يترخص برخص السفر إلى أن يصل إلى بلده فإذا دخل عليه وقت الصلاة الأولى وهو في السفر وأراد أن يجمع الثانية إليها فلا حرج عليه في ذلك لوجود سبب الجمع لكن الأفضل إذا كان يعلم أنه سيصل إلى البلد قبل دخول وقت الثانية أن لا يجمع لأن الجمع في هذه الحال لا حاجة له وأصل جواز الجمع مبني على المشقة لا على السفر ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يجمع إلا إذا جد به السير وربما جمع وهو نازل ولهذا يجوز الجمع في الحضر إذا دعت الحاجة إليه لقول ابن عباس رضي الله عنهما جمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المدينة من غير خوف ولا مطر قالوا ما أراد إلى ذلك قال أراد أن لا يحرج أمته وهذا دليل على أن الأصل في مشروعية الجمع هو دفع الحرج والمشقة وعلى هذا فمتى وجد الحرج والمشقة في ترك الجمع جاز الجمع ومتى انتفى الحرج والمشقة في ترك الجمع فإنه لا جمع وبهذا نعرف ما يفعله بعض الأئمة من التسرع في الجمع وقت المطر في الحضر حيث يجمعون بأدنى مطر وإن لم يكن فيه مشقة وإن لم يكن في ترك الجمع حرج وهذا خلاف ما دل عليه حديث ابن عباس رضي الله عنهما فإن ابن عباس رضي الله عنهما لما سئل ما أراد إلى ذلك أي في جمعه بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء وهو في الحضر قال أراد أن لا يحرج أمته ولم يقل أراد أن يبين أن الجمع جائز بكل حال بل بين أنه أراد انتفاء الحرج عن الأمة وهذا يدل على أنه لا يجوز الجمع إلا إذا وجد الحرج في تركه ووجه ذلك أن الله سبحانه وتعالى قال (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا)(النساء: من الآية103) أي محددا بوقت وقد بين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أوقات الصلوات كل صلاة في وقتها المحدد فصلاة الفجر من طلوع الفجر إلى أن تطلع الشمس وصلاة الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله وصلاة العصر

(186/14)

من ذلك الوقت إلى أن تصفر الشمس هذا الوقت المختار وإلى أن تغرب الشمس للضرورة ووقت المغرب من غروب الشمس إلى أن يغيب الشفق الأحمر ووقت العشاء من ذلك الوقت إلى نصف الليل هكذا جاءت السنة بتحديد الأوقات فمن صلى الصلاة قبل وقتها فصلاته مردودة ومن صلاها بعد الوقت بلا عذر فصلاته مردودة لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) فإذا تبين أنه لابد أن تصلى الصلاة في وقتها المحدود شرعا فإنه لا يجوز إخراجها عن وقتها بجمعها إلى ما بعدها أو فعلها قبل وقتها بضمها إلى ما قبلها إلا لعذر شرعي يبيح الجمع والعذر الشرعي هو ما أشار إليه ابن عباس رضي الله عنهما في قوله أراد أن لا يحرج أمته وهذا واضح لمن تأمله ولذلك أنصح إخواني أئمة المساجد وغيرهم أن لا يتسرعوا إلى الجمع بين الصلاتين بدون سبب شرعي يبيح ذلك الجمع لأنهم يعرضون أنفسهم لفساد الصلاة وللعقوبة من الله عز وجل.
***
ما هو الأفضل في حق المسافر جمع التقديم أو جمع التأخير؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الأفضل في حق المسافر أو غيره ممن يباح له الجمع أن يفعل ما هو أرفق به فإن كان الأرفق به أن يقدم قدم وإن كان الأرفق به أن يؤخر أخر لأن أصل جواز الجمع رخصه وتسهيل فكل ما كان أسهل فهو أولى وأحسن.
***
يقول السائل إذا نويت السفر وصليت الظهر في مكان إقامتي فهل يجوز لي تقديم العصر وجمعه مع الظهر إذا خشيت أن تفوتني صلاة العصر خصوصا وأن السيارة ليست ملكا لي وقد لا تقف في الطريق إلا بعد الغروب و هل يجوز أن أصلى وأنا جالس في السيارة وهي سائرة في طريقها أفيدونا جزاكم الله خيرا؟

(186/15)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا بأس أن تجمع في هذه الحال لأن الجمع رخصة كلما احتاج الإنسان إليه فإنه يجمع ولهذا ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في المدينة من غير خوف ولا مطر قيل له ما أراد بذلك قال أن لا يحرج أمته أي أن لا يلحقها حرج إذا صلت كل صلاة في وقتها فإذا كنت تعرف أن هذه السيارة ليست بيدك وأنها قد لا تتوقف إذا سارت من بعد الظهر إلى بعد الغروب فإنه يجوز لك أن تجمع الظهر إلى العصر وأنت في منزلك ولكن تصلىها في هذه الحال أربعا لا تصلىها ركعتين لأنك لم تبدأ السفر الآن.
***
يقول السائل بالنسبة لعطلة نهاية الأسبوع معلوم أنها تبدأ من بعد ظهر يوم الأربعاء ويستغلها الناس للخروج للبر وخصوصا في أيام الربيع وهم يقصرون الصلاة لأنهم مسافرون في هذه الحالة لكن بعضهم يجمع أيضا بالإضافة إلى القصر هل يجوز له الجمع؟

(186/16)

فأجاب رحمه الله تعالى: الجمع كما أسلفنا من رخص السفر ولكن تركه أفضل إلا عند الحاجة إليه فإذا احتاج الإنسان إليه لكون سفره جادا أو لكون سيره جادا فإنه أفضل من عدمه فالمقيم مثلا نقول له إن الأفضل أن لا تجمع لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع وهو مقيم في منى وكذلك لم يرد عنه الجمع حين أقام بمكة عام الفتح وإنما كان يقصر عليه الصلاة والسلام ولكن مع ذلك يجوز لك أن تجمع ولو أنك مقيم غير جاد بك السير لأن حديث أبي جحيفة في الصحيحين حينما أتى النبي صلى الله عليه وسلم في الأبطح فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من قبة له وركزت له العنزة فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين فإن ظاهر هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر مع أنه مقيم يعني غير جاد به السير وكذلك أيضا جمع في تبوك وهو مقيم غير جاد به السير فدل هذا على أن الجمع من رخص السفر سواء جد به السير أم لا ولكن الأفضل تركه إلا إذا كان أرفق به واحتاج إليه فالأفضل فعله.
***
السائلة م. ع. م. الأردن تقول بأنها طالبة وأحيانا يصادف وقت دوام المدرسة قبل موعد الصلاة أي في الساعة الثانية عشر ظهرا والرابعة والنصف عصرا ولا أستطيع الصلاة في المدرسة لعدم وجود المكان المناسب للصلاة ولذلك أضطر لأن أجمع عدة فروض في آن واحد تتعدى أحيانا ثلاثة فروض فما حكم صلاتي أرشدوني جزاكم الله خيرا؟

(186/17)

فأجاب رحمه الله تعالى: أما الجمع بين الصلاتين اللتين يجمع بينهما فلا بأس به في هذه الحال لأنه حاجة فلها مثلا أن تجمع بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء وأما الجمع بين العصر والمغرب مثلا فإنه لا يجوز إذ لا يجوز إخراج الصلاة عن وقتها بأي حال من الأحوال وعليها في هذه الحال إذا خافت أن يخرج وقت الصلاة الحاضرة التي لا تجمع لما بعدها عليها أن تصلىها على أي حال كانت وإذا كانت مثلا تذهب إلى المدرسة في وقت صلاة العصر ولا تتمكن من صلاة العصر هناك فلتجمع العصر إلى الظهر جمع تقديم وتذهب إلى المدرسة وقد أدت الواجب عليها والخلاصة أنه لا يجوز للمرأة ولا لغير المرأة أن تجمع بين صلاتين لا يجوز الجمع بينهما وإنما الجمع بين الصلاتين اللتين يجوز الجمع بينهما كالجمع بين الظهر والعصر إما تقديما وإما تأخيرا والجمع بين المغرب والعشاء إما تقديما وإما تأخيرا حسبما تكون الحاجة داعية إليه.
***
السائل عبد الرحمن محمد العسيري من فرنسا يقول هل يجوز لنا الجمع بين الصلوات لأننا لا نستطيع أن نصلى في أي مكان في البلد فنحن عندما نذهب لقضاء بعض الحاجات قد تمر ثلاثة فروض دون أن نجد مكانا نستطيع فيه أداء الفرائض؟

(186/18)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كنت لا تتمكن من الوقوف والصلاة في وقتها فإنه يجوز لك أن تجمع بين الصلاتين اللتين يصح الجمع بينهما وهما صلاة الظهر مع العصر أو صلاة المغرب مع العشاء وأما جمع ثلاث صلوات فلا يجوز وعلى هذا فإذا قدر أنه ضاق عليك الوقت في صلاة العصر حتى كادت الشمس تغرب فإن الواجب عليك أن تصلى ولو كنت في السيارة وعلى حسب حالك لأن تأخير الصلاة عن وقتها محرم قال الله تعالى (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) ولم يقل فأخروها فتأخير الصلاة عن وقتها لا يجوز إلا ما كان يجمع إلى ما بعده فإنه يؤخر ليجمع مع ما بعده حيث يجوز الجمع أما تأخير الصلاة عن وقتها بدون جمع فهذا لا يجوز بل تصلى كما قلت على حسب الحال.
***
ما حكم جمع أكثر من فرض ظهر وعصر ومغرب مضطرا نظرا لطبيعة عمل المصلي؟

(186/19)

فأجاب رحمه الله تعالى: الجمع بين الصلوات الخمس من كبائر الذنوب ومن تعمد إخراج صلاة عن وقتها بدون عذر شرعي فإن صلاته لا تقبل منه ولو صلى مائة مرة لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) أي مردود عليه غير مقبول منه والإنسان الذي يؤخر الصلاة عن وقتها بدون عذر شرعي لا شك أنه عمل عملا ليس عليه أمر الله ورسوله فتكون صلاته مردودة عليه فعلى هذا فإن جمع الصلوات الخمس من كبائر الذنوب بل من أكبر الكبائر ما عدا الشرك بالله عز وجل وعلى هذا فلا يجوز أن يفعل الإنسان ذلك من أجل العمل الذي هو مشغول فيه بل عليه أن يدع العمل إذا حان وقت الصلاة ويصلي ثم يرجع إلى عمله وإني أقول لهذا السائل ولكل من يسمع إن إقامة الصلاة من أسباب الرزق كما قال الله تعالى (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى) فعلى المؤمن أن يتقي الله عز وجل في نفسه وأن يدع العمل إذا حانت الصلاة ليؤدي صلاة الفريضة في وقتها وقد أشار الله عز وجل إلى مثل هذا في قوله (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون * وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين) فلا يجوز لمؤمن أبدا أن يؤخر الصلاة عن وقتها من أجل عمل أو تجارة بل عليه أن يصلى ثم يرجع إلى عمله وتجارته.
فضيلةالشيخ: ماذا يدخل ضمن العذر الشرعي السابق؟

(186/20)

فأجاب رحمه الله تعالى: يدخل في العذر الشرعي النوم والنسيان والإغماء والجهل أيضا وأريد بالإغماء الإغماء الذي يكون بسبب من الإنسان كما لو بنج حتى مضى عليه أوقات فإنه يجب عليه قضاؤها وأما الإغماء الذي ليس للإنسان فيه سبب كما لو أغمي عليه لشدة المرض أو لصدمة أو ما أشبه ذلك فإن أكثر أهل العلم على أنه لا قضاء عليه وهو القول الراجح.
***
يقول السائل م ح ع من مصر أنا طالب وكثيرا ما أذاكر ليلا إلى الفجر ثم أنام بعد الشروق وأحيانا أصحو وقد بقي على العصر حوالي عشر دقائق مما لا يكفي في بعض الأحيان للاغتسال وقضاء الحاجة فهل يشرع لي في مثل هذه الحالة أن أجمع الظهر مع العصر جمع تأخير فقد قرأت بأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في المدينة مرة دون عذر فلما سئل ابن عباس عن ذلك قال أراد ألا يحرج أمته؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما قول القائل إنه سمع أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جمع في المدينة مرة من غير عذر فهذا ليس بصحيح فالوارد في الحديث الذي رواه ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال جمع في المدينة من غير خوف ولا مطر فنفى شيئا معينا وهو الخوف والمطر فدل ذلك على أن الرسول صلى الله عليه وسلم يجمع للخوف ويجمع للمطر لكن ابن عباس سئل عن ذلك فقال أراد ألا يحرج أمته وهذا دليل على أنه لا يجوز الجمع إلا إذا كان في تركه حرج وأما إذا لم يكن في تركه حرج فالواجب أن يصلى الصلاة في وقتها بدون تأخير وبدون تقديم وما ذكره السائل عن نفسه فإنا ننصحه أن يغير هذا وأن يصلى الصلاة في وقتها وينويها وإني أظن أنه لو كان له موعد مع صاحب له في وقت الظهر ما نام عن هذا الموعد أو في وقت العصر ما نام عن هذا الموعد فليستعن بالله عز وجل وليكن حازما نشيطا في أداء عبادة الله وليجعل عنده منبها ينبهه إما ساعة رنانة وإما شخص يوكله فيقول أيقظني في الساعة الفلانية.
***

(186/21)

صلاة الخوف
ما هي صفة صلاة الخوف ومتى فرضت؟
فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة الخوف لها صفات متعددة منها حديث سعد بن أبي حثمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم الجيش إلى قسمين قسم جعلهم تجاه العدو وقسم آخر صلى بهم فصلى بهم ركعة ثم قام إلى الثانية فبقي قائما فأتموا لأنفسهم أي أنهم قرؤوا ما تيسر من القرآن مع الفاتحة ثم ركعوا وسجدوا و أتموا الصلاة وانصرفوا في مكان الطائفة التي تحرس ثم جاءت الطائفة التي تحرس والنبي صلى الله عليه وسلم لم يزل قائما فدخلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وصلوا معه الركعة التي بقيت ثم لما جلس للتشهد قاموا وأتموا صلاتهم وهو في تشهده ينتظرهم فلما جلسوا للتشهد وتشهدوا سلم بهم النبي صلى الله عليه وسلم فكانت المزية للطائفة الأولى أن أدركوا تكبيرة الإحرام وكانت المزية للثانية أن أدركوا التسليم مع النبي صلى الله عليه وسلم وهذا من تمام العدل والإنصاف وهذه الصفة هي الموافقة لظاهر القرآن قال الله تعالى (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم) ومعنى إذا سجدوا أي أتموا صلاتهم (فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم) وهذه الصفة التي ذكرناها تطابق ظاهر القرآن أما الصفة الثانية فهي ما إذا كان العدو أمامهم تجاه القبلة ولم يخافوا من كمين يأتيهم من وراء ظهورهم وهذه الصفة أن الإمام يجعل الجيش صفين صفا مقدما وصفا مؤخرا فيبتدئ الصلاة بهم جميعا فإذا ركع ركعوا جميعا ويقومون جميعا من الركوع فإذا سجد سجد معه الصف المقدم وبقي الصف المؤخر واقفا لئلا يأتي العدو فيدهم المصلىن فإذا قام إلى الركعة الثانية وقام معه الصف المقدم سجد الصف المؤخر فإذا قاموا تقدم

(187/1)

الصف المؤخر وصاروا في مكان الصف المقدم وتأخر الصف المقدم فكان في مكان الصف المؤخر ثم يفعلون في الركعة الثانية كما فعلوا في الأولى فإذا جلس النبي صلى الله عليه وسلم للتشهد وجلس معه الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود ثم جلسوا معهم ثم سلم بهم جميعا ففي هذه الصفة ابتدأ بهم النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة جميعا وسلم بهم جميعا وانظر إلى تمام العدل في شريعة الإسلام حيث إنه حتى في أماكن هؤلاء المصلىن الذين في الصف المقدم تأخروا وتقدم الصف المؤخر لئلا يقولوا لماذا يكون هؤلاء في الصف المقدم في كل الصلاة ونحن في الصف المؤخر في كل الصلاة وهناك صفات أخرى لصلاة الخوف كلها جائزة ولكن ليس معنى قولنا كلها جائزة أنها جائزة على التخيير بل إنها جائزة على صفة ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فمثلا الصفة الثانية التي ذكرناها لا تصح في مكان الصفة الأولى والصفة الأولى لا تصح مكان الصفة الثانية بل تصلى كل صلاة على صفتها المناسبة بحال القتال وقد استدل اهل العلم على أن صلاة الجماعة واجبة بما جاء في صلاة الخوف وقالوا إنها تتضمن أفعالا وحركات لا يمكن أن يفعلها الإنسان في حال الأمن كل ذلك من أجل مراعاة الجماعة فيدل ذلك على وجوبها أي وجوب صلاة الجماعة لقوله (ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك) دليل على أن صلاة الجماعة فرض عين ولو كانت فرض كفاية لاكتفي بجماعة في الطائفة الأولى.
***

(187/2)

أحسن الله إليكم السؤال الثاني يقول هناك رأي عن صلاة الخوف يقول إنها كانت مشروعة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم خاصة لقوله تعالى (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) وحكمة مشروعيتها في حياته صلى الله عليه وسلم أن ينال كل فريق فضيلة الصلاة خلفه صلى الله عليه وسلم وهم كانوا حريصين على إدراك هذه الفضيلة وقد ارتفع هذا الأمر بعده عليه الصلاة والسلام لأن كل طائفة تتمكن من أداء الصلاة بإمام خاص فلا يجوز أداؤها بصفة فيها ذهاب ومجيء ونحوهما مما يخالف صفة الصلاة في حال الأمن فما هو القول الصحيح في هذا وهل حضور العدو شرط في أداء صلاة الخوف كما أرجو من فضيلتكم شرحا موجزا لصفة صلاتها؟

(187/3)

فأجاب رحمه الله تعالى: القول الصحيح في هذا أن صلاة الخوف ما زالت باقية إلى يوم القيامة وذلك لأن ما شرعه النبي عليه الصلاة السلام فإنه باق ما بقيت أمته صلوات الله وسلامه عليه ولو أردنا أن نخصص الأحكام بحياته بمثل هذه التعليلات لفتحنا بابا كبيرا ينسد به كثير من الأمور المشروعة والصواب أن صلاة الخوف باقية ولهذا ما زال الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من أئمة المسلمين يعملون بها من غير نكير أما صفة صلاة الخوف فإنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها ستة أوجه أو سبعة وكلها جائزة حسب الحال التي تكون جائزة في الحذر من العدو وتوقي شره فمنها أن يقسم الإمام الجيش قسمين فيصلى بطائفة منهم ركعة فإذا قام إلى الركعة الثانية أتموا لأنفسهم ثم انصرفوا إلى وجه العدو ثم تأتي الطائفة الثانية التي كانت في نحر العدو فيصلون مع الإمام الركعة الثانية لأن الإمام لم يزل باقيا واقفا فإذا صلوا معه الركعة الثانية وجلسوا للتشهد قاموا هم قبل أن يسلم الإمام فأتوا بالركعة التي بقيت ثم سلم الإمام بهم فيكون الإمام في هذه الحال قد عدل بين الطائفتين فالطائفة الأولى أدركت معه تكبيرة الإحرام والطائفة الثانية أدركت معه التسليم هذه صفة والصفة الثانية إذا كان العدو تجاه القبلة أمامهم فإنه يصف الجيش صفين في الصلاة فيبدأ بهم الصلاة ويكبر ويركع فيركعون جميعا فإذا سجد سجد معه الصف الأول وبقي الصف الثاني قائمين للحراسة فإذا قام إلى الركعة الثانية سجد الصف المؤخر ثم إذا قاموا تأخر الصف المقدم وتقدم الصف المؤخر ثم فعل الصف المؤخر كما فعل الصف المقدم في الركعة الأولى بمعنى أنهم يركعون جميعا فإذا سجدوا سجد الصف المقدم مع الإمام وبقي الصف المؤخر قائما فإذا جلس الإمام للتشهد سجد الصف المؤخر ثم جلس للتشهد وسلموا جميعا لكن هذه إنما تكون إذا كان العدو أمامهم ولم يخشوا كمينا يأتي من ورائهم فإن خشوا ذلك صلوا كالصفة الأولى وهناك

(187/4)

صفات أخرى مذكورة في كتب الفقه.
فضيلة الشيخ: لو صلت كل طائفة بإمام مستقل هل في هذا شيء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا خلاف المشروع لأن الذي ينبغي أن يكون الناس على إمام واحد وكلما كانوا على إمام واحد فهو أجمع للكلمة وأبقى للائتلاف.
***

(187/5)

صلاة الجمعة
بارك الله فيكم تقول السائلة هل صلاة الجمعة لم تكن معروفة في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم لأنني سمعت في أحدى الخطب بأن أول من شرع صلاة الجمعة هو الصحابي الجليل مصعب بن عمير؟
فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة الجمعة موجودة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كيف لا تكون موجودة والله يقول في القرآن (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (9) فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (10) وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين) كيف لا تكون موجودة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وقد تواتر نقل فعل الرسول صلى الله عليه وسلم لها وهذا أمر لا يشك فيه أحد, صحيح أن مصعب بن عمير رضي الله عنه هو أول من جمع في المدينة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في مكة ففرضت الجمعة فصلى بهم مصعب بن عمير رضي الله عنه قبل أن يقدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة.
***
بارك الله فيكم يقول المستمع إبراهيم العبد الله ما حكم من ترك صلاة الجمعة ثلاث مرات متتاليات؟

(188/1)

فأجاب رحمه الله تعالى: ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال (من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه) وقال (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أي عن تركهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم فليكونن من الغافلين) فيجب الحذر من التهاون بصلاة الجمعة والواجب أن الإنسان إذا سمع النداء أن يسعى إليها وأن يترك البيع ويترك كل ما يلهيه لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) قال أهل العلم فلو باع أو اشترى بعد أذان الجمعة الثاني الذي يكون بين يدي الخطيب فإن بيعه وشراءه ليس بصحيح لأنه منهي عنه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) أي مردود لا يعتد به شرعا.
***
يقول السائل بأنه موظف يعمل بالورديات وتفوته صلاة الجمعة وقد يفوته أكثر من جمعتين متتاليتين هل لهذا الموظف من رخصة مع أنه لا يستطيع أن يترك هذا العمل لقلة الوظائف وهي مصدر الرزق؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا العمل الذي أشار إليه لا شك أن فيه فائدتين فائدة خاصة وفائدة عامة.
أما الفائدة الخاصة فهي ما ذكر أنه مصدر رزقه والرزق على الله عز وجل لكنه سبب.
والثانية أن فيه حفظا للأمن وللمصلحة التي وجه إليها ومعلوم أن الناس لو تخلوا عن هذه المصالح لحصل اختلال في الأمن وربما يحصل ضيق في الرزق إذا كانت مصادر الرزق قليلة في البلد وعلى هذا فيكون معذورا في ترك صلاة الجمعة ولا يأثم بذلك لكن ينبغي للمسؤولين عن هؤلاء الذين يشتغلون بالورديات كما قال السائل أن يجعلوا المسألة دورية بحيث تكون طائفة منهم يصلون الجمعة في هذا الأسبوع وطائفة أخرى يصلونها في الأسبوع الثاني وهكذا لأن ذلك هو العدل ولئلا يبقى الإنسان تاركا لصلاة الجمعة دائما.
***

(188/2)

يقول السائل جاء وقت صلاة الجمعة علينا ونحن في البحر نشتغل وبعد ميعاد الأذان للظهر بنصف ساعة خرجنا منه هل يصح لنا الأذان وصلاة الجمعة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة الجمعة لا تصح إلا في المساجد في المدن أو القرى ولا تصح من جماعة يشتغلون في بر أو بحر لأنه لم يكن من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقيم صلاة الجمعة إلا في المدن والقرى فقد كان عليه الصلاة والسلام يسافر الأيام العديدة ولم يكن يقيم صلاة الجمعة وأنتم الآن في البحر غير مستقرين ولكنكم عمال تنتقلون يمينا وشمالا وترجعون إلى الأوطان وإلى البلدان فالذي يجب عليكم هو صلاة الظهر دون صلاة الجمعة.
***
أنا أعمل في يوم الجمعة لظروف العمل والمسؤول لا يعطيني فرصة لقضاء صلاة الجمعة فما حكم الشرع في نظركم في هذا وما هو الواجب علي أن أتبعه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة الجمعة واجبة على كل مسلم إذا سمع النداء أن يجيب لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) فإن كان مكانك بعيدا عن المسجد كما لو كان في مزارع خارج البلد و لا تسمع النداء فإنه ليس عليك صلاة جمعة في هذه الحال وإنما تصلى ظهرا أما إذا كنت داخل البلد وتسمع أذان الجمعة وصاحبك يمنعك من حضورها فإن المرجع في ذلك إلى المحكمة عندكم وهي بدورها تقوم بما يجب نحو هذا الرجل.
***
هذه الرسالة وردتنا من الجمهورية العراقية محافظة دهوك يقول مرسلها سفر شمس طه إذا كلف الرجل بمهمة رسمية كدوام أو عمل ضروري جدا في يوم الجمعة فهل عليه أن يحضر صلاة الجمعة أم يصلىها ظهرا؟

(188/3)

فأجاب رحمه الله تعالى: يجب على كل مسلم أن يحضر صلاة الجمعة إذا سمع النداء لقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) أو كان في محل يسمع النداء ولا يجوز له أن يشتغل عن حضور الجمعة بشيء من أمور الدنيا لأن الله يقول (فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) وإذا كان البيع وهو أعم المعاملات وأكثرها شيوعا يجب تركه فغيره من باب أولى وإذا حضر الجمعة وانتهت فقد قال الله تعالى (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) وقد يكون حضوره الجمعة سببا ومفتاحا لرزق الله تبارك وتعالى له حيث قام بما يجب عليه من عبادة الله وإذا اتقى العبد ربه وقام بما يجب عليه فإنه يقول سبحانه وتعالى ووعده الحق وقوله الصدق (ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب) أما لو اشتغل بأمر أو بشغل يظن أنه ينتهي قبل الجمعة ثم أدركه الوقت وهو لا يمكنه أن يتخلص منه إلا بضرر فهنا لا بأس أن يبقى مشتغلا به ولو فاتته الجمعة لأنه في هذه الحال معذور.
***
هل يصح للمسلم أن يصلى صلاة الجمعة وراء الراديو علما بأني كنت في الجبل مقيما هناك ولا يوجد بجواري مساجد لكي أصلى فيها فهل تصح صلاتي أم لا؟

(188/4)

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول أما سكناك في الجبل وكونه ليس حولك مساجد فإنه لا تلزمك الجمعة بل تصلى بدلها ظهرا لأنك لست من أهل الجمعة مادمت لست في قرية وأما صلاتك خلف المذياع فإن هذا لا يجوز وذلك لأن الجمعة لابد أن يكون فيها اجتماع على إمام واحد وكيف الاجتماع وبينك وبين هذا الإمام مسافات بعيدة جدا هذا إذا قدر أن صلاة الجمعة تنقل مباشرة على الهواء من المسجد فكيف و يحتمل أنها لم تنقل على الهواء ولكننا نقول إن كانت لم تنقل على الهواء فإنها لا تصح بلا إشكال في ذلك وإن كانت تنقل على الهواء مباشرة فإنها لا تصلح أيضا وذلك لفوات المقصود من الجمعة وهو الاجتماع على إمام واحد في المكان والأفعال والمسافات البعيدة هذه لا يتحقق معها هذا الشرط الذي لابد منه في الجمعة والجماعة أيضا.
***
هل يجوز أن تؤدى صلاة الجمعة في البيت إذا كان المسجد بعيدا أو يقتدى في أدائها بالصلاة المنقولة عبر الإذاعة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز أن تؤدى صلاة الجمعة إلا مع المسلمين في المسجد ولكن إذا امتلأ المسجد واتصلت الصفوف بالشوارع فلا حرج في الصلاة بالشوارع لأجل الضرورة وأما أن يصلى الإنسان في بيته أو في دكانه فإنه لا يجوز ولا يحل له ذلك لأن المقصود من الجمعة ومن الجماعة أيضا أن يحضر المسلمون بعضهم إلى بعض وأن يكونوا أمة واحدة فيحصل فيهم التآلف والتراحم ويتعلم جاهلهم من عالمهم ولو أنا فتحنا الباب لكل أحد وقلنا صل على المذياع أو صل على مكبر الصوت وأنت في بيتك لم يكن لبناء المساجد وحضور المصلين فائدة فيجب على المرء أن يسعى إلى المساجد ليصلى فيها مع المسلمين.
***
نحن نجلس يوم الجمعة للاستماع إلى الخطبة من أحد المسجدين الحرم المكي أو الحرم النبوي عبر التلفاز فإذا انتهت قمنا لصلاة الظهر هل هذا صحيح وهل يجب علينا مراعاة آداب الخطبة؟

(188/5)

فأجاب رحمه الله تعالى: أولا أين أنتم لا بد نسأل هل هم في مكة مثلا وهل هم حول مسجد تقام فيه الجمعة فإذا كانوا كذلك فلا يحل لهم أن يصلوا الظهر بل يجب أن يحضروا الجمعة حتى لو كانوا مسافرين وهم في البلد يجب أن يحضروا الجمعة مع الناس أما إذا كانوا في مكان لا جمعة فيه مثل أن يكونوا في البر واستمعوا إلى الخطبة ثم قاموا فصلوا الظهر فلا حرج وهذه الخطبة لا يلزمهم استماعها يعني لهم أن يتحدثوا ولو كان الإمام يخطب لأن ذلك ليس إمامهم حتى يجب عليهم الإنصات له وبهذه المناسبة أقول لو أن الإنسان في البلد والبلد فيه جوامع متعددة وسمع أحد الجوامع يخطب وهو لا يريد أن يصلى معه وإنما يريد أن يصلى في جامع آخر فإن الكلام والبيع والشراء لا يحرم عليه حينئذ لأن هذا الخطيب ليس الخطيب الذي يريد أن يصلى خلفه ولو سمع الخطيب الذي يريد أن يصلى خلفه وجب عليه الإمساك عن الكلام وترك البيع والشراء وإن كان لم يصل إلى المسجد بعد.
فضيلة الشيخ: وإذا كانت السائلة امرأة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت السائلة امرأة فالمرأة لا تجب عليها الجمعة سواء كانت في البلد أو خارج البلد.
***
أحسن الله إليكم وبارك فيكم السائل سوداني ومقيم بالمملكة أ. أ. أ. يذكر بأنه يعمل راعي أغنام في الصحراء وله ستة عشر شهرا لم يصل أي جمعة لأنه بعيد عن البلد يقول وإذا طلبت من كفيلي السماح للذهاب إلى الجمعة لا يوافق ويقول صل في مكانك فهل علي إثم في تركي للجمع؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ليس على هذا السائل إثم لأنه لا يستطيع الوصول إلى الجمعة لبعد مكانه ولكنه إذا صلى في مكانه لا يصلي ركعتين بل يصلي أربعا أي يصلي الظهر أربعا.
***

(188/6)

بارك الله فيكم هذا السائل مقيم في المملكة يقول نحن عرب في البادية أي رحل ولا نقيم لنا في البادية صلاة جمعة علما بأن عندنا حفظة للقرآن الكريم ولكن الجماعة لا يقيمون صلاة الجمعة بحجة أنهم أهل بادية غير مقيمين فما حكم ذلك مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: البادية لا يصلون صلاة الجمعة لأن البوادي كانت حول المدينة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بإقامة الجمعة فالمسافرون في سفرهم وأهل البادية في باديتهم لا يصلون صلاة الجمعة وإنما يصلون بدلها ظهرا فإن كانوا مقيمين صلوا ظهرا أربعا وإن كانوا مسافرين صلوا ظهرا ركعتين.
***
هذا أخوكم سيد إبراهيم مرعي من جمهورية مصر العربية يقول إنني أعمل بالصحراء ويأتي يوم الجمعة علينا ونجد أن عددنا ثلاثة أو أربعة أفراد وأقرب مسجد يبعد عنا مسافة عشرة كيلو مترات وأسأل هل يجوز لثلاثتنا أو الأربعة إقامة صلاة الجمعة؟

(188/7)

فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة الجمعة لاتجوز إقامتها في البوادي سواء كان الإنسان مسافرا أو مقيما ولهذا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يقيم الجمعة في أسفاره وذكر أهل العلم أن البوادي التي كانت في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام لا تقام فيها الجمعة وإنما تقام الجمعة في القرى والأمصار وعليه فإنكم معشر القوم سواء كنتم ثلاثة أم أربعة أم أكثر لا تلزمكم الجمعة بل ولا تصح منكم صلاة الجمعة لأن مكانكم لا يصح أن تقام فيه الجمعة ولو كان مثل هذا المكان تقام فيه الجمعة لأقيمت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لأنه إذا كان هذا المكان مكانا للجمعة صارت إقامة الجمعة فيه من شريعة الله وإذا كانت من شريعة الله فلا بد أن تكون قائمة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ثم تنقل إلى الأمة لأن الله تعالى تكفل بحفظ دينه ولما لم تكن قائمة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام علم أنها ليست من دين الله ولا من شريعة الله وإذا لم تكن من دين الله ولا شريعة الله فقام بها أحد من الناس فإنها مردودة عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من عمل عملا ليس عليها أمرنا فهو رد) وعليكم أن تقيموا صلاة الظهر قصرا إن كنتم في حكم المسافرين وإتماما إن كنتم مقيمين.
***
يقول السائل إبراهيم بسيوني بأنه يعمل في منطقة نائية جدا وإنه يبعد عن المدينة التي تقام فيها صلاة الجمعة مسافة طويلة فهل يؤديها صلاة للظهر أم لا بد من الذهاب إلى المدينة لأداء الصلاة مع الجماعة؟

(188/8)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت المدينة بعيدة فإنه لا يلزمه أن يذهب إليها لأن الذهاب منوط بسماع النداء (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) فإذا كان خارج البلد في مكان بعيد فإنه لا يلزمه أن يذهب إلى البلد لأنه غير مدعو بهذا الأذان لبعده وأما إذا كان قريبا فإنه يجب عليه أن يذهب إلى صلاة الجمعة ليصلى مع المسلمين وفيما إذا كان لا يلزمه أن يذهب إلى الجمعة فإنه يصلى ظهرا ولا يصلى ركعتين كما قال به بعض أهل العلم فإن هذا قول ضعيف ليس عليه دليل بل إن الأدلة تدل على خلافه فإن صلاة الجمعة صلاة متميزة عن غيرها فهي صلاة مسبوقة بخطبة بل بخطبتين وهي صلاة يجتمع الناس فيها في مكان واحد وهي صلاة يجهر فيها بالقراءة وهي صلاة عيد الأسبوع ولهذا كانت كصلاة العيد عيد الفطر وعيد الأضحى في أنها ركعتان يجهر فيهما بالقراءة وإن كانت صلاة العيدين تختلف عنها بالتكبيرات الزوائد أما صلاة الظهر فإنها صلاة مستقلة أيضا منفردة لا يسبقها خطبتان ولا يجهر فيها بالقراءة ولا يجتمع الناس فيها في مكان واحد فحصل الفرق بين هذا وهذا فمن لم يصل الجمعة وجب عليه أن يصلى ظهرا كالنساء مثلا وكالمريض الذي يصلى في بيته وكالبعيد الذي لا يتمكن من الحضور إلى المسجد وكالذي جاء ووجد الناس قد صلوا وبهذه المناسبة أود أن أبين أن الإنسان إذا جاء إلى الجمعة فهل يصلى ظهرا أو جمعة نقول إن أدرك ركعة أتمها ركعة واحدة أي صلى جمعة وإن لم يدرك ركعة كاملة فإنه يصلى ظهرا فإذا جئت والإمام قد رفع من الركوع في الركعة الثانية وجب عليك أن تصلى ظهرا وإذا جئت والإمام في الركعة الثانية قبل الركوع فصل معه ركعة ثم ائت بعد تسليمه بركعة.
***
هل تجوز صلاة الجمعة في مكان شبه صحراء أي بدون مسجد؟

(188/9)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان هؤلاء المقيمون في هذا المكان يقيمون فيه صيفا وشتاء ويعتبرونه بمنزلة القرية أو المدينة فإنه يجب عليهم إقامة الصلوات جماعة وإقامة الجمعة ما داموا مقيمين في هذا المكان وفيه مساكن لهم بما جرت به العادة أما إذا كانوا غير مقيمين وإنما نزلوا في ذلك أياما من أجل موسم المطر أو لغير ذلك فإنه لا يجوز لهم إقامة الجمعة لأن الجمعة لا تقام في السفر فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يسافر وتصادفه الجمعة ولم يكن يقيمها ولو كانت مشروعة لأقامها النبي صلى الله عليه وسلم لأنه صلى الله عليه وسلم أحرص الناس على الخير ولأنه مشرع للأمة فلا يمكن أن يدع شيئا مشروعا لأن ذلك خلاف ما كلف به قال الله تعالى (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) وعلى هذا فإقامة الجمعة في السفر تعتبر من البدع ولا تصح وعلى من أقامها في السفر أن يعيدها ركعتين بنية الظهر أما من كان مسافرا ولكنه في قرية تقام فيها الجمعة فإنه يجب عليه أن يصلى الجمعة مع الناس لعموم قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (9) فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) ومن المعلوم أن الآية عامة يا أيها الذين آمنوا فكل من صدق عليه وصف الإيمان فإنه مطالب بحضور الجمعة إذا سمع النداء.

(188/10)

وكذلك على القول الراجح يجب على المسافر الذي في قرية أو مدينة أن يحضر صلاة الجماعة لأنه إذا نودي للجماعة وجب على كل من سمع النداء أن يجيب كما جاء ذلك في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن رجلا استأذنه في ترك الجماعة فرخص له فلما ولى ناداه فقال هل تسمع النداء قال نعم قال فأجب) والحاصل أن من كان في بلد فإنه يجب عليه حضور الجمعة والجماعة ولو كان مسافرا وأما من كان في البر وهو مسافر فإن الجماعة تجب عليه ولكن الجمعة لا تجب عليه بل ولا تصح منه فلو أقام المسافرون وهم في البر في السفر الجمعة فإن هذا حرام عليهم وصلاتهم غير صحيحة ويجب عليهم إعادة تلك الصلاة ظهرا لكنها لا تجب عليهم إلا مقصورة لأن صلاة المسافر تكون قصرا حتى لو نسي أن يصلى في السفر وهو مقيم في الحضر فإنه يصلىها ركعتين فقط لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) فإن قوله فليصلها الضمير فيه عائد على الصلاة المتروكة فيشمل قضاءها على صفتها عددا وهيئة ولهذا إذا نسي الإنسان صلاة الليل أي صلاة ليل يجهر فيها ثم قضاها بالنهار فإنه يقرأ فيها جهرا ومن القواعد المقررة عند الفقهاء قولهم إن القضاء يحكي الأداء.
***
يقول السائل أصلى يوم الجمعة في قرية مجاورة تبعد عن قريتي حوالي ثلاثة كيلومترات فهل يجوز لي أن أصلى في بيتي أيام الشتاء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: كأن ظاهر السؤال أنه ليس عندهم جمعة وما دامت قرية مستقلة عن الأخرى فمن الواجب أن يقيموا فيها الجمعة حتى لا يلحقوا بالناس العناء بالذهاب إلى القرية الأخرى أو يضطر الناس إلى ترك الجمعة وعلى كل حال فلو قدر أن هذه القرية الصغيرة تابعة للقرية الأم فإن الواجب على الإنسان أن يحضر الجمعة ما لم يشق عليه فإن شق عليه مثل أن تكون أمطار أو رياح شديدة باردة وصلى في بيته لا حرج ولكن يصلى ظهرا ولا يصلى جمعة.
***

(188/11)

محمد حسن المعافى من الجمهورية العربية اليمينة يقول أنا أسكن في قرية يبلغ سكانها من الرجال واحدا وعشرين رجلا بالغين عقلاء مقيمين بها ولكنهم لا يقيمون صلاة الجمعة وقد حاولت فيهم أن نصلى الجمعة وأنا مستعد للخطبة بهم والصلاة بهم فأنا أقرؤهم لكتاب الله ولكنهم يرفضون ذلك بحجة أن صلاة الجمعة يلزم لوجوبها أربعون من أهلها فما الحكم في مثل هذه الحالة هل هم على حق أم أنا وعليهم طاعتي في هذا أفيدونا بارك الله فيكم؟

(188/12)

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا السؤال ينبني على اختلاف أقوال أهل العلم وذلك أن العلماء اختلفوا رحمهم الله هل يشترط للجمعة عدد معين بأربعين أو لا يشترط أن يكون معينا بالأربعين فمن أهل العلم من يقول إن الجمعة لا تصح حتى يوجد أربعون من أهل وجوبها مستوطنون بالمكان الذي تقام فيه وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله ومنهم من يقول تجب إقامة الجمعة إذا وجد في المكان اثنا عشر رجلا مستوطنا فيه ومنهم من يقول تجب إقامة الجمعة إذا وجد ثلاثة فأكثر مستوطنون في هذا المكان والقول الراجح أنه تقام الجمعة إذا وجد في القرية ثلاثة فأكثر مستوطنون لأن الأدلة التي استدل بها من يشترطون اثني عشر أو أربعين ليست واضحة في الاستدلال والأصل وجوب الجمعة فلا يعدل عنه إلا بدليل بين وذلك أن الذين استدلوا بأنه لا بد من اثني عشر رجلا استدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب الناس يوم الجمعة فقدمت عير من الشام فانصرف الناس إليها وانفضوا ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلا والذين استدلوا على اشتراط الأربعين استدلوا بأن أول جمعة جمعت في المدينة كان عدد المقيمين لها أربعين رجلا ومن المعلوم أن العدد في الأول والعدد في الثاني إنما كان اتفاقا بمعنى أنه أقيمت الجمعة فوافق العدد أربعين رجلا وكذلك الذين انصرفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم كان الاتفاق أن بقي منهم اثنا عشر رجلا ومثل هذا لا يمكن أن يستدل به على أنه شرط إذ من الممكن أن يقال لو أقيمت الجمعة وكانوا أقل من أربعين فليس عندنا دليل على أنها لا تصح ولو أنهم انفضوا ولم يبق إلا عشرة فليس عندنا دليل على أنها أي الجمعة لا تصح كما أنه لو بقي أكثر من اثني عشر أو كانوا عند إقامة الجمعة أكثر من أربعين لم يمكنا أن نقول إنه يشترط أن يزيدوا على اثني عشر أو يزيدوا على أربعين وعلى هذا فنرجع إلى أقل جمع ممكن وهو بالنسبة

(188/13)

للجمعة ثلاثة لأن الله تعالى يقول (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) ومعلوم أن المنادي ينادي لحضور الخطيب فيقوم المنادي والخطيب والمأمور بالسعي إلى الجمعة وأقل ما يمكن في ذلك ثلاثة وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الراجح فإذا وجد في قرية جماعة مستوطنون يبلغون ثلاثة رجال فإن الجمعة واجبة عليهم أما قضيتكم المعينة في هذه القرية التي في اليمن فالذي أرى أن تراجع فيها المسؤولين عن شؤون المساجد لدى الجمهورية ثم تمتثلوا ما يوجهونكم إليه.
***
سمعت من إمام الجمعة بأنه يقول حرام على المسلم أن يصلى صلاة الجمعة في بيته وأنا في بعض الأحيان أصلى الجمعة في البيت وبقية الفروض فهل صلاتي صحيحة أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يحل للإنسان أن يصلى الجمعة في بيته بل الواجب عليه حضور المسجد مع الجماعة فإن كان لا يستطيع فإنه يصلى في بيته صلاة الظهر لأن الجمعة لا بد فيها من حضور الجماعة في المسجد ولا بد لها من الخطبة ولا يمكن أن يصلى الإنسان وحده في بيته صلاة الجمعة وأما بقية الصلوات فإنه يجب عليه أيضا أن يحضر الجماعة في المساجد إلا أن يكون معذورا بعجز أو نحوه فإنه يصلى في بيته.
***
هل يجوز حضور صلاة الجمعة وقد بقي على الإقامة خمس دقائق فقط؟

(188/14)

فأجاب رحمه الله تعالى: يجوز الحضور ولو كان قد شرع في الصلاة لكن الله قال (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) فيجب على الإنسان إذا سمع أذان الجمعة وهو الأذان الذي يكون عند حضور الإمام أن يسعى إليها ليدرك الاستماع للخطبة والصلاة كاملة أما قبل أن يؤذن الأذان الثاني فإنه لا يجب الحضور قال أهل العلم إلا من كان منزله بعيدا بحيث لا يصل إلى المسجد إلا بعد الأذان الثاني فيجب أن يسعى إلى الجمعة بحيث يصل إلى المسجد عند الأذان الثاني.
***
يقول هذا السائل إذا اغتسل المسلم للجنابة قبيل فجر الجمعة أو بعده هل يكفي هذا لغسل الجمعة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما ما كان قبل الفجر فلا يكفي لأنه ما دخل اليوم وأما بعد الفجر فيكفي لكن الأفضل أن يعيده بعد طلوع الشمس حتى يتأكد أنه حصل في يوم الجمعة ثم إن العلماء رحمهم الله قالوا إن الأفضل أن يكون الاغتسال عند المضي إلى الصلاة فمثلا إذا قدرنا أنه يذهب إلى الصلاة قبل الزوال بساعتين فإنه يغتسل في ذلك الوقت ووجه ذلك أنه إذا تطهر عند المضي صار أبلغ وأضمن من أن يحصل له وسخ بعد ذلك.
***
جزاكم الله خيرا هذا السائل يقول ما حكم الاغتسال يوم الجمعة وهل وردت فيه أحاديث؟

(188/15)

فأجاب رحمه الله تعالى: الاغتسال يوم الجمعة واجب على كل بالغ عاقل لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) فصرح النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه واجب ومن المعلوم أن أعلم الخلق بشريعة الله رسول الله ومن المعلوم أن أنصح الخلق لعباد الله رسول الله ومن المعلوم أن أعلم الناس بما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أفصح العرب فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة وقال (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) فكيف نقول ليس بواجب ولو أن هذه العبارة جاءت في متن من المتون الذي ألفه عالم من العلماء وقال فيه فصل غسل الجمعة واجب لم يشك أحد يقرأ هذا الكتاب إلا أن المؤلف يرى وجوبه هذا وهو آدمي معرض للخطأ والصواب فكيف والقائل بذلك محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قيد هذا الوجوب بما يقتضي الإلزام حيث قال (على كل محتلم) أي بالغ وهذا يدل على أن الغسل ملزم به وأما ما يروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غسل الجمعة (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل) فهذا فيه نظر من جهة سنده ومن جهة متنه ثم لا يمكن أن يعارض به حديث أبي سعيد الثابت في الصحيحين وغيرهما الصريح الواضح وهو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) ولكن متى يبتدئ هذا الوجوب أقرب ما يقال أنه يبتدئ إذا طلعت الشمس لأن ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وقت للفجر فالأحوط أن يكون اغتساله بعد طلوع الشمس والأفضل أن يكون عند إرادة الذهاب إلى المسجد إذا قلنا إنه واجب فهل تصح الجمعة بدونه يعني لو تعمد تركه وصلى هل تصح فالجواب نعم تصح لأن هذا غسل ليس عن جنابة ولكن أوجبه النبي صلى الله وسلم ليتبين ميزة هذا اليوم عن غيره ويدل لهذا أنه ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان

(188/16)

يخطب فدخل عثمان وهو يخطب فكأنه عرض به أي عرض بعثمان أنه تأخر عن الخطبة فقال عثمان والله يا أمير المؤمنين ما زدت على أن توضأت ثم أتيت فقال والوضوء أيضا وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) وصلى عثمان بدون غسل وفي هذا الأثر عن عمر دليل واضح على أن غسل الجمعة واجب وإلا فكيف يوبخ عمر عثمان رضي الله عنه أمام الناس على تركه.
فضيلة الشيخ: لو اغتسل ليلا أو بعد الفجر ونوى به غسل الجمعة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا اغتسل قبل الفجر فلا ينفعه لأن اليوم لم يدخل بلا شك وإن اغتسل بعد الفجر ففيه احتمال لكن الأفضل أن يكون بعد طلوع الشمس.
***
هذا السائل يقول يوجد في بلدي عدة مساجد وفي يوم الجمعة أكثر هذه المساجد تؤذن أذانين وهناك مساجد للإخوة السلفيين يؤذنون أذانا واحدا فسألت أحد الإخوة لماذا لا يكون الأذان مرتين فقال لي الآن المساجد كثيرة ولا داعي للأذانين فأرجو من سماحتكم أن تفتونا في هذا مأجورين؟

(188/17)

فأجاب رحمه الله تعالى: الأذان الأول لصلاة الجمعة ليس معروفا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وإنما كان الأذان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم واحدا وكذلك الحال في عهد أبي بكر وعمر وفي عهد عثمان رضي الله عنه زاد الأذان الأول فصار للجمعة أذانان الأول والثاني فالثاني هو الذي يكون عند حضور الإمام أي بين يدي الإمام والأول يكون قبل ذلك وهو من سنة الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضو عليها بالنواجذ) وإذا كان في البلد واحد يقوم بهذا الأذان الأول ويسمعه أهل البلد كما هو الحال حينما وجدت مكبرات الصوت فإنه يكفي عن بقية البلد وتحصل به الكفاية فإن قال قائل إذا قولوا بأنه تحصل به الكفاية في الأذان الثاني لأن الناس يسمعون الأذان من المساجد الأخرى قلنا لا سواء فإن الأذان الثاني إنما يكون عند حضور الإمام وحضور الإمام يختلف من مسجد لآخر.
***
في بعض المساجد يؤذن للجمعة أذانان بينما يؤذن للفجر أذان واحد فهل هناك دليل شرعي على ذلك حيث إني قرأت أن الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يؤذن للجمعة أذانا واحدا والفجر أذانين وما يحدث الآن مخالف لذلك فأرجو الإفادة عن سؤالي مأجورين؟

(188/18)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم أما الفجر فيؤذن له أذان واحد بعد طلوع الفجر والأذان الذي يكون قبل طلوع الفجر إنما كان من أجل إيقاظ النائم ورجع القائم كما قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم (إن بلالا يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم فإنه لايؤذن حتى طلوع الفجر) فأذان صلاة الفجر هوالأذان الذي يكون بعد طلوع الفجر وأما ما قبله فليس لصلاة الفجر ولكنه لإيقاظ النائم حتى يقوم ولرجع القائم حتى يتوقف عن القيام من أجل أن يتسحر وظاهر هذا أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يجعل أذانين إلا في رمضان من أجل أن يقوم الناس إلى السحور وأما الجمعة فليس فيها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعلى عهد أبي بكر وعلى عهد عمر رضي الله عنهما إلا أذان واحد وهو الأذان الذي يكون بين يدي الخطيب إذا حضر وسلم على الناس ولكن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه جاء بالأذان الثالث لما اتسعت المدينة وكثر الناس حثا لهم على الحضور والسرعة إلى المسجد وهذا الأذان يعتبر من سنة الرسول عليه الصلاة والسلام حيث إنه صلى الله عليه وسلم قال (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) ولا شك أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أحد الخلفاء الراشدين من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الخلفاء الراشدين من بعده أربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين.
***
هل الأذان الثاني في صلاة الجمعة جائز أم لا حيث إن هناك بعض الإخوة يقولون بأنه بدعة وضحوا لنا ذلك مأجورين؟

(188/19)

فأجاب رحمه الله تعالى: الأذان الثاني يوم الجمعة سنة بلا شك ولا أعلم أحدا خالف فيها وأما الأذان الأول الذي قبل هذا الأذان فقد سنه أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وسنة الخليفة الراشد متبعة بأمر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين قال (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) فإن قال قائل كيف نعمل بهذا والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يعمل به قلنا نعمل به لأن هذا من اجتهادات من له سنة متبعة وهو أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وليس في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما يخالفه فإن سبب زيادة هذا الأذان في عهد عثمان ليس موجودا في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن بلالا في رمضان يؤذن قبل الفجر لا للفجر ولكن ليوقظ النائم ويرجع القائم قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إن بلالا يؤذن بليل ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر).
والحاصل أن الأذان الثاني للجمعة مشهور لا ريب فيه ولا إشكال وموجود في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأما الأذان الأول فهو من سن عثمان رضي الله عنه وعثمان أحد الخلفاء الراشدين الذين لهم سنة متبعة.
***
متى شرع الأذان في يوم الجمعة وهل كان الأذان موجودا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم علما بأنه عندنا من أخذ بأذان واحد وترك الآخر مع سنة الجمعة وآخرون وهم الأغلبية يأخذون بالأذانين وبينهما سنة الجمعة فأيهم الصحيح نرجو أن توضحوا لنا ذلك مأجورين؟

(188/20)

فأجاب رحمه الله تعالى: أما الأذان الثاني الذي يكون عند حضور الإمام فإن هذا موجود في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) وأما الأذان الأول فهذا من سنن الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه حين كثر الناس في المدينة أمر أن يؤذن أذان سابق للأذان الأول من أجل أن يحضر الناس إلى الجمعة حتى لا يفوتهم شيء من الخطبة وهذا الذي فعله عثمان رضي الله عنه سنة أمر بها النبي عليه الصلاة والسلام في قوله (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) ولا ريب أن عثمان رضي الله عنه من الخلفاء الراشدين فيكون اتباعه في ذلك امتثالا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم.

(188/21)

فإن قال قائل هذه السنة مخالفة لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الجمعة كانت موجودة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وليس لها إلا أذان واحد فيكون هذا الأذان الأول زائدا على السنة فيقال إن السبب الذي من أجله سن عثمان رضي الله عنه هذا الأذان لم يكن موجودا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لأن المدينة كانت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام صغيرة فازدادت وازداد الناس واحتاج الناس إلى أن ينبهوا قبل حلول الأذان الثاني ومع كون هذه سنة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه الذي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع سنته لأنه من الخلفاء الراشدين فإن لها أصلا في السنة النبوية أيضا ففي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) فكان بلال يؤذن بليل قبل الفجر وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يؤذن ليوقظ النائم ويرجع القائم فكان هذا أذانا لحث الناس على الإقبال على سحورهم فيكون حث الناس على الإقبال إلى صلاة الجمعة أوكد وأوكد ولكن لما لم يكن سببه موجود في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر ولم يوجد إلا في عهد عثمان صار سبب المشروعية قائما في عهد عثمان رضي الله عنه فمن أجل ذلك شرعه رضي الله عنه وأقره الصحابة على ذلك وما نعلم أحدا من الصحابة أنكر على عثمان هذا الأذان وعليه فالصواب مع الذين يؤذنون مرتين في يوم الجمعة الأول والثاني.
***
ما حكم الركعتين اللتين يصلىهما الناس بين الأذان الأول والأذان الثاني قبيل خطبة الجمعة؟

(188/22)

فأجاب رحمه الله تعالى: أولا ليعلم أن الأذان الأول يوم الجمعة لا يكون إلا متقدما على الأذان الثاني بزمن يمكن فيه للناس أن يحضروا إلى الجمعة من بعيد لأن سبب مشروعية هذا الأذان أن الناس كثروا في عهد أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه واتسعت المدينة فرأى أن يزيد هذا الأذان من أجل أن يحضر الناس من بعيد ولا ريب أن عثمان رضي الله عنه من الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم والصحابة رضي الله عنهم لم ينكروا عليه فعله هذا فيكون هذا الفعل قد دلت عليه السنة ودل عليه عدم المعارضة من الصحابة رضي الله عنهم وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباع سنة الخلفاء الراشدين ولكن كما قلت ينبغي أن يكون متقدما بزمن يمكن حضور البعيدين إلى الصلاة وأما كونه قريبا من الأذان الثاني بحيث لا يكون بينهما إلا خمس دقائق وشبهها فإن هذا ليس بمشروع وغالب الناس الذين يتطوعون بركعتين إنما يفعلون ذلك فيما إذا كان الأذان الأول قريبا من الأذان الثاني ولكن هذا من البدع أعني التطوع بين هذين الأذنين المتقاربين لأن ذلك ليس معروفا عن الصحابة رضي الله عنهم فلا ينبغي للإنسان أن يصلى هاتين الركعتين وعلى هذا فنقول هذا الجواب يتضمن جوابين في الحقيقة الجواب الأول أنه ينبغي أن يكون بين الأذان الأول والثاني يوم الجمعة وقت يتمكن فيه الناس من الحضور إلى المسجد من بعيد لا أن يكون الأذان الثاني مواليا له أما الجواب الثاني فهو صلاة الركعتين بين الأذانين المتقاربين كما يوجد من كثير من الناس فهذا من البدع.
***
المستمع يونس الطائي من العراق الموصل يقول إذا حضر المرء إن كان ذكرا أو أنثى المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب وجلس حتى إذا ما انتهى الإمام من خطبته الأولى ثم قام وصلى ركعتين خفيفتين فهل هذه الصلاة جائزة في هذا الوقت أم لا؟

(188/23)

فأجاب رحمه الله تعالى: عمله هذا ليس بصحيح ولا بصواب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلى ركعتين) وهذا الرجل الذي جلس قد أخطأ وعصى النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر ولكن إذا دخل المسجد والإمام يخطب فليبادر قبل أن يجلس وليصل ركعتين خفيفتين لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب الناس يوم الجمعة فدخل رجل فجلس فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أصلىت قال لا قال (قم فصل ركعتين وتجوز فيهما) فهذا هو المشروع أن الإنسان إذا دخل والإمام يخطب ألا يجلس حتى يصلى ركعتين خفيفتين ثم ينصت للخطبة.
***
بارك الله فيكم هذا المستمع الذي رمز لاسمه م أ أ يقول إذا دخل الإنسان يوم الجمعة والمؤذن يؤذن للأذان الثاني فهل يصلى ركعتين أم ينتظر حتى يفرغ المؤذن؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا دخل الإنسان المسجد يوم الجمعة والمؤذن يؤذن للأذان الثاني الذي عند مجيء الخطيب فإنه يشرع في تحية المسجد وإن لم يتم المؤذن وذلك أنه إذا شرع في تحية المسجد صار مبادرا لتحية المسجد وإذا وقف ينتظر فراغ الأذان صار متأخرا في أداء التحية وأيضا إذا أتى بالتحية والمؤذن يؤذن تفرغ لسماع الخطبة وسماع الخطبة أوكد من سماع المؤذن وأيضا فإن بعض العلماء يقول إن المصلى يجيب المؤذن ولو كان في صلاته لأن الجميع ذكر وبناء على هذا القول فإنه إذا دخل في صلاته لا يفوته إجابة المؤذن وأما على القول الثاني أن المصلى لا يجيب المؤذن فإنه بإمكانه إذا فرغ من تحية المسجد أن يجيب المؤذن بعد فراغه إن لم يشرع الإمام في الخطبة فإن شرع في الخطبة فالاستماع لها أولى.
***

(188/24)

هذا السائل م. ح. ع. من جمهورية مصر العربية يقول في هذا السؤال هل ترك الأذان الأول في الجمعة أولى إذا كان لا يحصل منه فائدة حيث إن العادة عندنا في بلادنا أن الفاصل بين الأذانين لا يجاوز خمس أو سبع دقائق ويقوم المصلون فيصلون بين الأذانين ركعتين يعتقدون بأنها سنة للجمعة أفتونا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا العمل الذي ذكره السائل عن أهل بلده ليس هو العمل المشروع إذ إن الأذان الأول في صلاة الجمعة يكون بينه وبين مجيء الإمام فترة لأن أمير المؤمنين عثمان بن عفان لما سنه للمسلمين سنه من أجل أن يأتي إلى المسجد من كان بعيدا منه فإنه إنما سنه رضي الله عنه حين اتسعت المدينة وكثر أهلها فرأى بثاقب فقهه أن يؤذن أذان أول سابق على الأذان الذي يكون عند حضور الإمام فلو جعل بينه وبين الأذان الذي يكون عند حضور الإمام فترة طويلة يتمكن بها الناس البعيدون من الحضور لكان أولى يعني لو جعل بين الأول والثاني نحو ساعة أو ساعة وعشر دقائق أو ساعة إلا عشر دقائق كان هذا أولى وأرفق بالناس حتى ينتبهوا للجمعة ويتأهبوا لها ويحضروا إليها قبل مجيء الإمام هذا هو الأفضل أما ما ذكره عن بلاده فلا أعلم له أصلا.
***
هل السنة التي قبل صلاة الجمعة وبين الأذان الأول والثاني بدعة أم لا؟

(188/25)

فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة الجمعة ليس لها سنة راتبة قبلها بل إذا حضر الإنسان إلى المسجد صلى ما تيسر له من غير تعيين يصلى ركعتين يصلى أربعا يصلى ستا يصلى ما شاء ويسلم من كل ركعتين وأما ما يفعله بعض الناس من القيام للصلاة بين الأذانين الأول والثاني فإن هذا لا أصل له وليس بمشروع أما بعد صلاة الجمعة فإن الجمعة لها سنة بعدية فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلى ركعتين بعد الجمعة في بيته وقال عليه الصلاة والسلام (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعا) فهنا أربع أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهنا ركعتان فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن العلماء من يقول إنما نأخذ بفعله فتكون السنة بعد الجمعة ركعتين ومنهم من قال نأخذ بقوله فتكون السنة بعد الجمعة أربعا ومنهم من يقول نجمع بينهما فنصلى ستا ومنهم من فصل فقال إن صلى في بيته صلى ركعتين وإن صلى في المسجد صلى أربعا ومنهم من قال إن هذا من العبادات المتنوعة فتارة يصلى أربعا وتارة يصلى ركعتين وأقرب ما يقال في ذلك أن يقال إن صلى الراتبة بعد الجمعة في البيت فهي ركعتان فقط اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم وإن صلاها في المسجد فأربعا امتثالا لأمره صلى الله عليه وسلم.
***
هل يجوز أن أقوم أصلى ركعتين سنة قبل أن يدخل الإمام المنبر وقد قال بعض العلماء إنه جائز والبعض قال ليس بجائز؟

(188/26)

فأجاب رحمه الله تعالى: يفهم من هذا السؤال أنه يريد قبل مجيء الإمام يوم الجمعة نقول إذا كان ذلك لسبب كرجل دخل المسجد قبيل مجيء الإمام فإنه لا يجلس حتى يصلى ركعتين أما إذا كان لغير سبب كإنسان جاء متقدما ولما قارب مجيء الإمام قام يصلى فإن هذه المسألة كما قال السائل فيها خلاف بين أهل العلم فمنهم من يقول إن يوم الجمعة لا ينهى عن الصلاة فيه قبيل الزوال ومن العلماء من يقول إنه ينهى لأن الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك عامة واستثناء يوم الجمعة منها ضعيف ولكن بعض أهل العلم قرر الجواز لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون إلى مجيء النبي صلى الله عليه وسلم وهذا إقرار في زمن الوحي والإقرار في زمن الوحي حجة كما هو معلوم لأهل العلم فالأحوط أن لا يقوم الإنسان يصلى قبيل الزوال يوم الجمعة إلا إذا كان قد دخل المسجد فإنه لا يجلس حتى يصلى ركعتين وبهذه المناسبة أقول لو دخل الإنسان يوم الجمعة والمؤذن يؤذن فهل الأولى أن يجيب المؤذن ثم يصلى تحية المسجد أو الأولى أن يصلى تحية المسجد ثم يجيب المؤذن إما في الصلاة كما قيل به وإما بعد فراغه من الصلاة الأقرب هو أنك إذا دخلت والمؤذن يؤذن يوم الجمعة الأذان الثاني الذي يكون بعد مجيء الخطيب أن تصلى تحية المسجد ركعتين لأجل أن تتفرغ لاستماع الخطبة لأن استماع الخطبة واجب والتفرغ للواجب أولى من التفرغ للمسنون وإجابة المؤذن مستحبة ليست بواجبة على القول الصحيح وأما استماع الخطبة فإنه واجب لذلك نقول صل ركعتين لتستمع إلى الخطبة.
***
يسأل عما يسمى بالسنة القبلية في يوم الجمعة ونرجو أن تبينوا لنا ما هو المشروع يوم الجمعة في دخول الجامع حتى الخروج منه؟

(188/27)

فأجاب رحمه الله تعالى: الجمعة ليست لها سنة قبلية وما يفعله بعض الناس من القيام بالصلاة إذا أذن المؤذن الأول فلا أصل له وإنما للجمعة سنة بعدها والذي جاءت به السنة أن يصلى في بيته ركعتين لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلى في بيته ركعتين بعد الجمعة أو أربع ركعات لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعا) فالأربع ثبتت من قول الرسول عليه الصلاة والسلام والركعتان ثبتت من فعله فإذا صلى أربعا فقد أحسن وإذا صلى ركعتين فقد أحسن ولكن إذا جاء الإنسان يوم الجمعة متقدما إلى المسجد فإنه ينبغي أن يصلى حتى يحضر الإمام لأن الصلاة من أفضل العبادات ولهذا لما قال ربيعة بن مالك الأسلمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أسألك مرافقتك في الجنة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (أعني على نفسك بكثرة السجود) والسنة لمن أتى الجمعة أن يغتسل في بيته قبل أن يأتي إلى المسجد والاغتسال للجمعة واجب على القول الراجح لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) أي على كل بالغ فقول النبي عليه الصلاة والسلام واجب وتعليق الوجوب بوصف يقتضي التكليف والإلزام دليل على أن المراد بالوجوب هنا وجوب الإلزام لا وجوب التأكيد كما زعمه بعضهم فالصحيح أن غسل الجمعة واجب على كل من أتى الجمعة ويلبس أحسن ثيابه ويتطيب ويأتي إلى المسجد ويصلى ما شاء الله وكلما بكر الإنسان إلى المسجد يوم الجمعة فهو أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ومن راح في الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا حضر الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر وطووا الصحف وكانوا قبل مجيء الإمام على أبواب المساجد يكتبون الأول فالأول) وإني أحث إخواني المسلمين أن

(188/28)

ينتهزوا هذه الفرصة للتقدم إلى صلاة الجمعة بعد الاغتسال وأن لا يضيعوا هذا الوقت الفاضل بالتلهي والتسكع والنوم فيفوتهم خير كثير وإذا حضر الإمام وبدأ بالخطبة فإنه يجب الإنصات له ولا يجوز التكلم فمن تكلم والإمام يخطب فقد لغا بل (من تكلم والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا ومن قال لصاحبه أنصت فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له) أي إنه يحرم من أجر الجمعة ولا يجوز للإنسان والإمام يخطب يوم الجمعة أن يسلم على أحد إلى جانبه ولا يرد السلام ولا يشمت العاطس ولا يسكت المتكلم بالقول لأن ذلك سبب لحرمانه من ثواب صلاة الجمعة وإن كانت الجمعة تجزئ وتبرأ بها الذمة لكن يحرم من ثوابها.
***
هذه السائلة من الجبيل أختكم في الله م. م. م. تقول فضيلة الشيخ ما الواجب أن أفعله عند الدخول إلى الحرم المكي عندما يكون الإمام على المنبر لخطبة الجمعة هل يجب علينا الجلوس والإنصات إلى الخطبة أم نطوف ثم نجلس للاستماع؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا دخل الإنسان المسجد والإمام يخطب يوم الجمعة فإنه يصلى ركعتين خفيفتين ثم يجلس لما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخطب فجلس فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أصلىت قال لا قال (قم فصل ركعتين وتجوز فيهما) هذا هو الواجب على من دخل يوم الجمعة والإمام يخطب وهو مبني على القول بأن تحية المسجد واجبة أما على القول بأنها سنة فإن له أن يجلس لكنه لا شك على خطر عظيم بمخالفته أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وداخل المسجد الحرام كداخل المساجد الأخرى لا يشتغل إلا بركعتين خفيفتين تحية المسجد ولا ينبغي له أن يشتغل بالطواف لأن الاشتغال بالطواف يؤدي إلى الاشتغال عن سماع الخطبة وهو خلاف مقصود الشرع.
***
فضيلة الشيخ ما هي الشروط التي يجب أن يأخذ بها الخطيب في خطبة الجمعة وماذا يجب أن تشتمل عليه؟

(188/29)

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا أن يعلم أن خطبة الجمعة خطبة عظيمة مهمة أمر الله تعالى بالسعي إليها فقال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (9) فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) وأثنى الله سبحانه وتعالى على من قام بها وصلى فقال (قد أفلح من تزكى (14) وذكر اسم ربه فصلى) وحرم النبي عليه الصلاة والسلام الكلام حال الخطبة وأوجب الاستماع إليها فقال صلى الله عليه وآله وسلم (إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت) وقال (الذي يتكلم يوم الجمعة والإمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفارا) وهذا يدل على أهمية الخطبة وأنها مما يجب الاستماع إليه ولهذا لما دخل رجل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس قال له أصليت قال لا قال (فقم فصل ركعتين وتجوز فيهما) فأمره أن يتجوز في الصلاة حال الخطبة بأن لا ينشغل بتطويل الصلاة عن الاستماع للخطبة وإذا كانت هذه أهميتها فإن الواجب على الخطيب أن يخطب خطبة مؤثرة نافعة تعالج ما كان الناس عليه وذلك يختلف باختلاف الأحوال والأزمان فليراع الخطيب هذا أعني يراعى ما تقتضيه المصلحة فيما يلقيه من الخطب التي يعالج بها ما كان الناس عليه فمثلا إذا كان الخطيب يخطب بين يدي شهر رمضان فإن من المناسب أن يتكلم عن أحكام الصيام وأحكام القيام وأحكام الزكاة لأن كل هذه مما يفعل في شهر رمضان ، أما الصيام والقيام فظاهر وأما الزكاة فلأن غالب الناس يخرجون زكاة أموالهم أو على الأقل يحسبون أموالهم ليعرفوا الزكاة في شهر رمضان وإذا كان في زمن جفاف وجدب ذكر الناس بما يسبب هذا الجفاف

(188/30)

والجدب وأنه الذنوب والمعاصي كما قال الله تعالى (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) إذا كان في زمن غفلة من الناس عما ينبغي أن يقبلوا عليه من العبادة والعلم وما أشبه ذلك ذكرهم بما يفوتهم في هذا وإذا كان في زمن الحرب ذكرهم بما يناسب الحال وإذا كان في وقت يكثر فيه الوافدون إلى البلد كالبلاد السياحية أو البلاد ذات المشاعر ذكرهم بما يناسب حال هؤلاء الوافدين حتى يحملوا معهم إلى أقوامهم ما ينتفعون به هذا هو أهم ما تجب مراعاته بالنسبة للخطيب أما آداب الخطبة فإنها كثيرة منها أن يكون الخطيب قويا في خطبته مؤثرا منفعلا حسب ما يسوق من المعاني حتى يؤثر على الناس في استيقاظهم واستيعابهم لما يقول وشد ضمائرهم وقلوبهم إليه لينتفعوا بهذه الخطبة أما أن يلقيها إلقاء كما يلقي أي كتاب يقرؤه فإن هذا قد يجلب النوم للمستمعين بخلاف الذي ينفعل ويتفاعل ولهذا قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه وعن أبيه (كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم) وكذلك أيضا ينبغي للخطيب أن يبدأ في مقدمة الخطبة بالأهم فالأهم فمن ذلك حمد الله عز وجل في أول الخطبة وهو ركن من أركان الخطبة فيحمد الله عز وجل ويثني عليه بما هو أهله ومن خير ما تفتح به الخطب خطبة الحاجة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) و(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي

(188/31)

خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) و(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (70) يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما) ثم يأخذ في الموضوع الذي يريد أن يتحدث فيه ويفصل بين الخطبتين بجلسة خفيفة لا طويلة ويجعل الخطبة الثانية أقصر من الخطبة الأولى لأن الناس قد يكون لحقهم الملل والسآمة في الخطبة الأولى فتأتي الثانية على غير استعداد تام لاستماعها وهذا من الحكمة أن يراعي الإنسان أحوال مستمعيه ثم إنه مما ينبغي أن يعلم أن هذه الساعة ساعة حضور الإمام وإلقاء الخطبة وإقامة الصلاة من أرجى ساعات يوم الجمعة في الإجابة كما رواه الإمام مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه (أنها من حين أن يخرج الإمام إلى أن تقضى الصلاة) وهذا الوقت وقت مناسب لأن الناس فيه في حال اجتماع وعلى عبادة عظيمة وفي حال تفكير والاجتماعات كلها من أسباب إجابة الدعاء فينبغي للناس أن يستغلوا في هذه الساعة دعاء الله عز وجل سواء كان ذلك بين الخطبتين أو إذا دعا الخطيب فيؤمنون على دعائه لكن بغير رفع صوت أو إذا كان في أثناء الصلاة في حال السجود وبعد انتهاء التشهد الأخير ثم إنني أنبه هنا على مسألة يفعلها بعض الإخوان رجاء ثواب الله عز وجل وهم مجتهدون فيما يفعلون أن الواحد من الخطباء يأتي إلى المسجد متقدما و يصلي ما يشاء الله أن يصلي ثم يجلس ينتظر دخول الوقت وهذا خلاف السنة فإن السنة للخطيب يوم الجمعة أن يبقي في بيته أو في أي محل كان قبل أن يأتي للمسجد والسنة أن لا يأتي للمسجد إلا حين وقت الخطبة والصلاة كما كان رسول الله صلى عليه وآله وسلم

(188/32)

يفعل ذلك لأن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله سلم وليعلم الإمام الذي يتأخر وقت مجيئه إلى زوال الشمس أنه لن يحرم الأجر الذي حصل عليه من تقدم وذلك (أن من اغتسل يوم الجمعة في بيته وخرج من بيته مغتسلا فإنه إذا راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة وإذا راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة وإذا راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن وإذا راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة وإذا راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ثم إذا خرج الإمام طويت الصحف) ولم يكتب لأحد أجر من تقدم وإن كان يدرك أجر الجمعة ولكن يحرم أجر التقدم أما الإمام فلا يحضر إلا عند حضور وقت الصلاة.
***
لا شك أن لخطبة الجمعة شروطا معينة حبذا لو حدثتمونا عنها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أهم الشروط في خطبة الجمعة أن تكون مؤثرة تلين القلوب وتوقظها وتهدي الخلق إلى الحق وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبدأ خطبه بالحمد لله والثناء عليه فينبغي للإنسان أن يبدأ الخطب بالحمد والثناء على الله عز وجل ثم يدخل في موضوع الخطبة وينبغي أن يكون إلقاؤه للخطبة مناسبا للموضوع فإذا كان الموضوع موضوع وعظ وتذكير وتخويف فليكن بأسلوب قوي مؤثر كما (كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم) وينبغي أيضا أن يختار الخطيب من المواضيع ما يكون الناس إليه أحوج وهذا يختلف باختلاف الأحوال والأوقات.
***
هل يشترط لإمام الجمعة أن يخطب على مكان مرتفع أم يصلح أن يخطب في المحراب؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يشترط أن يكون على مكان مرتفع بل يجوز أن يكون في المحراب في الأرض لكن على مكان مرتفع أحسن لأنه أظهر وأبين للناس فكما هو معلوم أن السامع إذا رأى الخطيب يتأثر بخطبته أكثر ينتبه له أكثر ولهذا ينبغي أن يكون على مكان مرتفع يراه الحاضرون جميعا إذا تيسر.
***

(188/33)

هل تجوز صلاة الجمعة بخطبة واحدة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لابد لصلاة الجمعة من خطبتين لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يخطب للجمعة خطبتين ويقول عليه الصلاة والسلام في خطبة الجمعة (أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم) فلو اقتصر على خطبة واحدة لكان على غير هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا تصح جمعتهم فالجمعة لا بد فيها من خطبتين وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخطب خطبتين ويفصل بينهما بجلوس فلا يكفيه أن يفصل بينهما بالسكوت بل يجلس والجلوس بين الخطبتين من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو سنة مؤكدة ولا يتحقق الفصل بين الخطبتين إلا بالجلوس.
***
بارك الله فيكم هذا السائل يا فضيلة الشيخ يقول خطيب الجمعة في بلدي يخطب خطبة واحدة لا يجلس فيها الجلسة المعتادة من قبل الخطباء هل يعتبر هذا مخالفا للسنة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هذا مخالف للسنة بلا شك فإنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يخطب في يوم الجمعة بخطبتين يفصل بينهما بجلوس بل إن أكثر أهل العلم يقولون إن صلاة الجمعة لا تصح لأن من شرط صحة صلاة الجمعة أن يتقدمها خطبتان وعلى هذا فبلغ هذا الإمام أن عمله هذا مخالف للسنة وأن عمله هذا مقتض عند كثير من العلماء ألا تصح جمعته وقل له يتق الله عز وجل ويتابع النبي صلى الله عليه وسلم في هديه فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم نسأل الله لنا وله الهداية.
***
هذا السائل أخوكم في الله أبو عبد الرحمن من جازان يقول هل ورد في فضل الإمامة بالناس في الصلاة والخطبة بهم يوم الجمعة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وهل يؤجر المسلم إذا فعل مثل هذا جزاكم الله خيرا؟

(188/34)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا أعلم نصا خاصا في فضيلة الإمامة في صلاة الجمعة وخطبتها لكن النصوص العامة وإيماؤها وإشارتها تدل على فضل الإمامة سواء في الجمعة أو غيرها ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) وأما الخطبة فهي من الدعوة إلى الله ونشر شريعة الله في عباد الله فتدخل في عمومات الأدلة الدالة على فضيلة العلم ونشر العلم والدعوة إلى الله عز وجل فمن كان عنده قدرة على الخطبة التي تكون مبنية على ما يرقق القلب ويوقظ الهمم على وجه مؤيد بالأدلة من الكتاب والسنة فهذا خير بلا شك وعلى خطيب الجمعة أو من تكلم بكلام عام في محاضرة أو ما أشبه ذلك أن يتحرى ما يحتاج الناس إليه في مجتمعهم ويبين حكمه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
***
هذا السائل من أم القوين رمز لاسمه بـ م. إبراهيم يقول خطبة الجمعة يا فضيلة الشيخ هل يجب أن يكون موضوعها ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أم تكون عن مكافحة الخطايا وتوجيه الناس لأمور دينهم وهل هناك شروط لخطبة الجمعة أو لخطيب الجمعة؟

(188/35)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن خطبة الخطيب بما خطب به النبي صلى الله عليه وسلم هي الأفضل والأكمل لأن كلمات النبي صلى الله عليه وسلم كلمات موجزة جامعة نافعة فكون الإنسان يخطب بها أفضل وأكمل ولكن قد لا يتسنى للإنسان أن يكون عالما بها فيخطب بما تيسر له والمقصود بالخطبة هو موعظة الناس وتذكيرهم بما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم وينبغي للخطيب أن ينوع الخطبة بحسب الحاجة وبحسب ما يحدث فإذا حدث مطر مثلا ذكر الناس بنعم الله سبحانه وتعالى وذكرهم بآياته كيف يكون هذا المطر ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله ويبين ما فيه من آيات الله حيث ينزل على الأرض الهامدة الميتة التي لا ترى فيها خضراء بل هي غبراء مغبرة فإذا نزل عليها هذا المطر أصبحت مخضرة كما قال الله تعالى (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير) ثم يذكرهم بما يترتب على هذا من الأحكام الشرعية إذا كان يشق على الناس مثلا أن يصلوا الصلوات في أوقاتها فإنهم يجوز لهم أن يجمعوا بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء لما رواه مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال (جمع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة من غير خوف ولا مطر قالوا ما أراد إلى ذلك قال أراد أن لا يحرج أمته) المهم أن الإنسان ينبغي له أن تكون خطبته مناسبة في موضوعها للحاضر أو للواقع وفي أيام رمضان مثلا يذكر الناس في الخطبة بما يتعلق بالصيام والقيام والزكاة وما أشبه ذلك وفي أيام الحج كذلك يذكر للناس الحج وفضله وشروطه وآدابه وغير ذلك المهم أن أهم شيء في الخطبة هو الموعظة التي تلين بها القلوب وتحديث الناس بما يحتاجون إليه في الأوقات المناسبة أما شروط الخطبة فإن من شروطها أن تتقدم على صلاة الجمعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قبل أن يصلى الجمعة لقول الله تعالى

(188/36)

(فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) ومن مكملاتها وقيل بل من شروطها أي الخطبة أن تشتمل على حمد الله وعلى الشهادة له بالوحدانية ولنبيه بالرسالة وعلى الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلى قراءة آية من كتاب الله وهذه المسائل مبسوطة في كتب الفقه لكن أهم شيء في الخطبة هو موعظة الناس وتحريك قلوبهم وتوجيههم إلى ما يحتاجون إليه في أوقات المناسبات.
***
هل يجوز لخطيب الجمعة أن يخطب بغير اللغة العربية إذا كان مستمعوه غير عرب لكي يفهموا ما يرشدهم إليه أم لا تجوز الخطبة إلا باللغة العربية مهما كانت لغة المستمعين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الصحيح في هذه المسألة أنه يجوز لخطيب الجمعة أن يخطب باللسان الذي لا يفهم الحاضرون غيره فإذا كان هؤلاء القوم ليسوا بعرب ولا يعرفون اللغة العربية فإنه يخطب بلسانهم لأن هذا هو وسيلة البيان لهم والمقصود من الخطبة هو بيان حدود الله سبحانه وتعالى للعباد ووعظهم وإرشادهم إلا أن الآيات القرآنية يجب أن تكون باللغة العربية ثم تفسر بلغة القوم ويدل على أنه يخطب بلسان القوم ولغتهم قوله تعالى (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) فبين الله تعالى أن وسيلة البيان إنما تكون باللسان الذي يفهمه المخاطبون فعلى هذا له أن يخطب باللسان غير العربي إلا إذا تلا آية فإنه لابد أن تكون باللسان العربي الذي جاء به القرآن ثم بعد ذلك يفسر لهؤلاء القوم بلغتهم.
***
ما حكم ترجمة خطبة الجمعة إلى اللغات الأخرى حيث يوجد في بعض المساجد من لا يتكلمون العربية؟

(188/37)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان الحاضرون للجمعة قليلين فلا حاجة للترجمة اعتبارا بالأكثر وأما إذا كانوا كثرة فلا بد من مراجعة الجهات المسؤولة ليستأذن منها فإذا أذنت فإن ترجمتها جيدة مفيدة لأنه في بعض المناطق من البلاد يكثر الأجانب الذين لا يعرفون اللغة العربية وحضورهم لخطبة لا يفهمون ما فيها لا فائدة منه ولهذا قال الله تعالى (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) فبين الله عز وجل أنه لابد أن يكون المبلغ لشريعة الله بلسان من يخاطب حتى يفهم وفي هذه الحال أعني إذا كثر من لا يعرف اللغة العربية وأذن ولاة الأمر بالترجمة في هذه الحال تكون ترجمة الخطبة بعد الصلاة بحيث يوعز إلى هؤلاء القوم الذين لا يعرفون اللغة العربية و يكونون في جهة معينة من المسجد ويأتي من يترجم لهم هذه الخطبة ويشترط في هذا المترجم أن يكون أمينا وأن يكون عنده إلمام كامل في معرفة اللغتين المترجم منها والمترجم إليها وأن لا يتصدى للإجابة عن الأسئلة إلا أن يكون عنده علم يتمكن به من الإجابة.
***
ما رأيكم في قول من قال بأن عدد ركعات صلاة يوم الجمعة عشرون ركعة ومنها ركعتان تحية الوضوء وركعتان دخول المسجد وأربع ركعات قبل الجمعة وأربع ركعات بعد الجمعة وأربع ركعات سنة الوقت أو ما يسمونه بذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: كل هذا لا أصل له ولكن كل واحد على انفراده صحيح فالوضوء له سنة ودخول المسجد له سنة والصلاة بعد الجمعة سنة أيضا فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعا) هذا ما نعرفه لكن الصلاة قبل الجمعة غير محصورة بعدد يصلى الإنسان ما شاء حتى لو جاء في الساعة الأولى وصلى خمسين ركعة أو أكثر أو أقل فلا بأس.
***
هذا المستمع للبرنامج رمز لاسمه بـ أ. أ. يقول هل تجوز الصلاة في عشرة أشخاص يوم الجمعة؟

(188/38)

فأجاب رحمه الله تعالى: إن هذا موضع اختلاف بين العلماء فمنهم من قال إن الجمعة لا تنعقد بأقل من أربعين ومنهم من قال إنها لا تنعقد بأقل من اثني عشرة رجلا ومنهم من قال تنعقد بثلاثة رجال والصحيح أنها تنعقد بثلاثة رجال وبأربعة وبخمسة وبعشرة فما زاد إذا كانوا مستوطنين في هذه القرية فإنهم يقيمون الجمعة لأن الثلاثة جمع يكون إمام يخطب ومؤذن يؤذن ومأموم يتابع فيتقدم الإمام ويصلى بالرجلين وكذلك ما زاد هذا هو القول الراجح في هذه المسألة أن الجمعة تنعقد بثلاثة فأكثر إذا كانوا مستوطينين في بلد سواء كان كبيرا أم صغيرا قد يقول كيف يكونون مستوطنين في بلد كبير وهم ثلاثة نقول نعم يمكن هذا فيما لو كانت البلد بلد كفر وهؤلاء الثلاثة مسلمون لا يوجد غيرهم وهم ممن لا تجب عليهم الهجرة للعجزعنها أو لكونهم يستطيعون أن يقيموا شعائر دينهم في هذا البلد ففي هذه الحال يقيمون الجمعة وهم ثلاثة ولو كانت البلدة كبيرة.
***
هذه الرسالة وردت من المواطن ح س ن ق من القنفذة يقول في رسالته هذه عندي مسجد في قرية صغيرة سكانها حوالي واحد وأربعين ولم يصلوا يوم الجمعة كلهم بل يصلى أناس قليلون هل يجب عليهم الخطبة أم لا ولكم الشكر؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت القرية هذه ليس فيها مسجد جامع وليس حولها قرية يجمع فيها فإنه يجب عليهم أن يصلوا الجمعة فينصبوا إماما يخطب فيهم ويصلى فيهم صلاة الجمعة ومثل هذه المسألة ينبغي أن ترفع إلى الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد لأن مثل هذه المسائل هم الذين يبتون فيها.
***

(188/39)

يوجد لي أقارب في البادية البر وقد دعوني لوليمة عرس عندهم وكان ذلك في الجمعة بعد صلاة الظهر وقد احترت في ذهابي إليهم لعدم وجود مسجد للجمعة أو حتى للصلاة لأنهم بادية يصلون في الخلاء ولا جمعة عندهم فذهبت لإجابة الدعوة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم إذا دعيتم فأجيبوا ولكني لم أحضر لصلاة الجمعة للسبب المذكور فهل علينا في ذلك وزر أرجو لكم الثواب من الله تعالى؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان خروجك إليهم قبل دخول وقت الجمعة فلا حرج عليك وإن كان بعد دخولها بعد الأذان الثاني فإنه حرام عليك لأن الله يقول (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) ويمكنك أن تصلى الجمعة ثم تخرج إليهم فإما أن تنبههم من الأصل وتقول لهم أنا لا أخرج إلا بعد الصلاة وإما أن تخرج فإذا أتيت وهم قد انتهوا من الطعام فقد قمت بالإجابة المهم أنه لا يجوز لك أن تخرج إليهم بعد وجوب حضور الجمعة وذلك بندائها وأما إذا كان قبل ذلك فلا حرج عليك لا سيما إذا كان يترتب على ترك إجابتهم مفسدة كالاشمئزاز والنفور وقطيعة الرحم.
***
حدثونا حفظكم الله عن فضل التبكير لصلاة الجمعة؟

(188/40)

فأجاب رحمه الله تعالى: التبكير في صلاة الجمعة بينه الرسول عليه الصلاة والسلام (بأن من اغتسل في بيته ثم خرج وراح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ومن راح في الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الخامسة فكأنما قرب بيضة) هكذا بينه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإني أحث إخواني المسلمين على التبكير للجمعة لينالوا هذا الثواب وينتفعوا بتبكيرهم بالصلاة وقراءة القرآن والذكر وأن يغتسل الإنسان لهذه الصلاة والغسل لها واجب لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) وأن يتطيب الإنسان بأطيب ما يجد وأن يلبس أحسن ثيابه لأن هذه الصلاة.عيد فإن يوم الجمعة عيد الأسبوع وهو ما فضلنا الله به على اليهود والنصارى فكان لنا الجمعة وكان اليهود والنصارى لنا تبعا فلليهود السبت وللنصارى الأحد نسأل الله تعالى الذي فضلنا على هذه الأمم أن يجعلنا هداة مهتدين وصالحين ومصلحين وأن يجعلنا ممن يجاهد في سبيله لتكون كلمة الله هي العليا حتى نعلو على هؤلاء الكافرين الظالمين الضالين.
***
هل هناك دعاء معين وارد أو ذكر معين يقوله المصلى بين خطبتي الجمعة وهل ورد أن خطيب الجمعة يدعو بين الخطبتين أم لا؟

(188/41)

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس هناك ذكر مخصوص أو دعاء مخصوص لكن يدعو الإنسان بما أحب وذلك لأن هذا الوقت وقت إجابة فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر (أن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلى يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه) وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى أنها (ما بين خروج الإمام يعني دخوله المسجد إلى أن تقضى الصلاة) فهذا الوقت وقت إجابة فينبغي للإنسان أن يستغل الفرصة بالدعاء بين الخطبتين بما يشاء من خيري الدنيا والآخرة وكذلك يقال بالنسبة للإمام إنه يدعو بين الخطبتين لكن دعاء سريا بما يريده من أمر الدنيا والآخرة وكذلك أيضا في صلاة الجمعة في السجود بعد أن يذكر الأذكار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بما شاء وكذلك أيضا في التشهد يدعو قبل السلام بما شاء بعد أن يدعو بما ورد الأمر بالدعاء به.
***
البعض يدعو بين الخطبتين إذا جلس الإمام ويرفع يديه ما حكم ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما الدعاء في هذا الوقت فإنه خير ومستحب لأن هذا الوقت وقت ترجى فيه الإجابة فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر (أن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلى يدعو الله تعالى إلا استجاب له) وساعة الصلاة هي أقرب الساعات لأن تكون هي ساعة الإجابة لما رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (هي ما بين أن يخرج الإمام إلى أن تقضى الصلاة) فعلى هذا فينبغي أن ينتهز الفرصة فيدعو بين الخطبتين وأما رفع اليدين بذلك فلا أعلم به بأسا لأن الأصل في الدعاء أن من آدابه رفع اليدين فإذا رفع الإنسان يده فلا حرج وإذا دعا بدون رفع يد فلا حرج وهذا في الدعاء الذي بين الخطبتين أما إذا دعا الإمام في الخطبة فإنه لا يسن للإمام ولا للمأمومين أن يرفعوا أيديهم إلا في حالين.

(188/42)

الحال الأولى الاستسقاء إذا دعا خطيب الجمعة بالاستسقاء أي بطلب نزول المطر فإنه يرفع يديه ويرفع الناس أيديهم الثاني الاستصحاء يعني إذا دعا خطيب الجمعة بالصحو وأن الله يبعد المطر عن البلد فإنه يرفع يديه كذلك كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال (دخل رجل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخطب فقال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا فرفع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يديه ورفع الناس أيديهم وقال اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا قال أنس فوالله ما في السماء من سحاب ولا قزعة) أي من سحاب واسع ولا قزعة أي قطعة غيم (وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار) وسلع جبيل في المدينة تظهر من نحوه السحاب يقول (فنشأت من ورائه سحابة مثل الترس وارتفعت في السماء فلما توسطت انتشرت ورعدت وبرقت وأمطرت فما نزل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته وبقوا على هذا أسبوعا كاملا والمطر ينزل فلما كانت الجمعة الأخرى دخل رجل أو الرجل الأول فقال يا رسول الله تهدم البناء وغرق المال فادع الله يمسكها عنا فرفع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يديه وقال اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر وجعل يشير إلى كل ناحية وما أشار إلى ناحية من السماء إلا انفرجت وأصحت السماء فخرج الناس يمشون في الشمس) ففي هذين الموضعين يرفع الخطيب يديه في الدعاء في الاستسقاء والاستصحاء وأما في غير ذلك فلا يرفع يديه لأن الصحابة رضي الله عنهم أنكروا على بشر بن مروان حينما رفع يديه بالدعاء حال الخطبة وكذلك الناس لايرفعون أيديهم في خطبة يوم الجمعة لأن ذلك ليس مشروعا لهم فهم تبع لإمامهم فإذا لم يكن مشروعا للإمام الخطيب فإن المستمعين كذلك لا يشرع لهم رفع اليدين في حال الخطبة.
***

(188/43)

إذا جلس الإمام أثناء الخطبتين هل هناك دعاء يقوله المأموم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا ليس هناك دعاء معين لكن ينبغي أن ينتهز الفرصة في هذا الوقت فيدعو لأن ساعة الإجابة يوم الجمعة أحرى ما تكون إذا حضر الإمام حتى تقضى الصلاة.
***
لدينا خطيب يا فضيلة الشيخ كثيرا ما يستخدم في خطبه يوم الجمعة أثناء ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم قول حبيب الله فهل في هذا شيء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: من المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حبيب إلى الله ولا شك ولكن خير من أن نقول إنه حبيب الله أن نقول إنه خليل الله لأن الخلة أعلى أنواع المحبة فإذا وصفت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحبيب نزلته من مرتبة الخلة إلى المحبة فالأولى أن نقول خليل الله لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا) ويدلك على أن الخلة أعلى من المحبة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (لو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكرخليلا ولكن أخوة الإسلام ومودته) مع أن أبا بكر حبيب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وهو أحب الرجال إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وعائشة حبيبة الرسول عليه الصلاة والسلام وزيد بن حارثة حبيب الرسول وأسامة بن زيد حبيب الرسول وكل الصحابة أحباء للرسول عليه الصلاة والسلام ولكن لم يتخذ واحدا منهم خليلا لأن الخلة أعلى أنواع المحبة والرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن تكون خلته لله سبحانه وتعالى ويدل لذلك أيضا أن محبة الله للمؤمنين عامة فالله يحب المؤمنين ويحب المتقين ويحب المقسطين ويحب الصابرين ولكن لا نعلم أنه اتخذ خليلا إلا محمدا صلى الله عليه وسلم وإبراهيم وبهذا تبين أن الذين يصفون رسول الله صلى الله عليه وسلم بحبيب الله ويدعون الخلة أن فيهم نوعا من التقصير وأن الأولى أن يصفوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بخليل الله عن حبيب الله

(188/44)

ومعلوم أن الخلة إذا ثبتت فالمحبة من باب أولى.
***
السائل أحمد عباس من السودان يقول فضيلة الشيخ في صلاة الجمعة ماحكم الدعاء في نهاية الخطبة قبل الصلاة أقصد بالدعاء دعاء الإمام وما هو الدليل في ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الدعاء يوم الجمعة بين الخطبتين لا بأس به بل هو خير لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر أن (في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلى يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه وهي من خروج الإمام يعني دخول المسجد إلى أن تقضى الصلاة) فالدعاء بين الخطبتين دعاء في ساعة ترجى فيها الإجابة وكذلك الدعاء في الصلاة صلاة الجمعة وأما الدعاء بعد الخطبة الثانية فليس بمشروع لأن ما بعد الخطبة الثانية إقامة الصلاة ثم الصلاة وليس في هذا الوقت دعاء والدليل على ذلك أنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يدعو في هذا الموضع وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام لم ينقل عنه ذلك صار تركه من السنة ثم إن الإنسان إذا انشغل بالدعاء في هذا الوقت انشغل عن ملاحظة تسوية الصفوف والتراص فيها وما أشبه ذلك وتسوية الصفوف من تمام الصلاة حتى قال بعض أهل العلم أن التسوية واجبة لأن النبي صلى الله عليه وسلم حذر منها وقال (لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) والقول بوجوب تسوية الصفوف قول قوي لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يهدد بمثل هذا الأمر العظيم إلا في ترك الواجب لكن هل يقال ببطلان الصلاة إذا لم يسو الصف يحتمل أن يقال بذلك ويحتمل أن يقال إنها لا تبطل لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (تسوية الصفوف من تمام الصلاة) أو قال (من إقامة الصلاة) ثم إن هذا واجب للصلاة وليس واجبا فيها فالأقرب هو أن من لم يقم الصفوف فهو آثم ولكن صلاته صحيحة وأما التشاغل بالدعاء في هذا الوقت فيستلزم التشاغل عن إقامة الصفوف وتسويتها والتراص فيها وإكمال الأول فالأول.
***

(188/45)

إطالة الدعاء من الخطيب يوم الجمعة في أثناء الخطبة هل هو وارد عن الرسول صلى الله عليه وسلم وما الصواب في ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ورد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات في كل جمعة وهذا أصل في جواز الدعاء في الخطبة يوم الجمعة وأما إطالة الدعاء فهذا على حسب الحال قد تقتضي الحال أن يطيل الإنسان الدعاء كما لو نزلت بالمسلمين نازلة من حروب وفتن وغير ذلك فليطل الدعاء لأن الناس محتاجون إلى هذا وأما إذا لم يكن هناك حاجة فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه) أي علامة ودليل على فقهه والإنسان العاقل الحكيم يتوخى ما تقتضيه الحكمة من إطالة أو اختصار وما تقتضيه الحال من إطالة أو اختصار فالناس مثلا في شدة الحر والغم يكون أرفق بهم تقصير الخطبة وفي حال البرد المزعج كذلك يكون الأرفق تقصير الخطبة وفي الأيام المعتدلة كأيام الربيع والخريف تتغير الحال المهم أنه ينبغي للخطيب أن يراعي مثل هذه الأمور حتى تكون خطبته مقبولة وحتى يخرج الناس وهم لم يملوا منها.
***
ما حكم ختم خطبة الجمعة دائما بالآية الكريمة (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) إلى آخر الآية الكريمة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الأفضل أن لا يديم ذلك لأنه إذا أدام ذلك ظن الناس أن هذا من السنة وليس هذا من السنة وقد قيل إن أول من ختم الخطبة بهذه الآية عمر بن عبد العزيز رحمه الله.
***
المستمع س. م. ق. من ضواحي مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في السؤال الأول هل صحيح فضيلة الشيخ بأن ختم خطبة الجمعة الثانية بقوله تعالى (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما) بدعة كما يقول صاحب كتاب السنن والمبتدعات؟

(188/46)

فأجاب رحمه الله تعالى: أقول إن البدعة التي ورد النهي عنها والتحذير منها هي البدعة في الدين والعبادة وهي التعبد لله عز وجل بما لم يشرعه أي بخلاف ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه وأصحابه سواء كان ذلك في العقيدة أو في القول أو في العمل والتزام هذه الآية الكريمة (وأقم الصلاة) في آخر الخطبة الثانية يوم الجمعة من البدع لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يفعلها وإذا لم يكن يفعلها لا هو ولا أحد من خلفائه وأصحابه فإن التزامها يكون من البدع أما لو قالها الإنسان لمناسبة بحيث يكون موضوع الخطبة قريبا من هذا المعنى وختم الخطبة بذلك فإن ذلك لا بأس به ولا حرج فيه وليس من البدع وهذا أمر ينبغي التفطن له بين الأشياء التي تفعل على وجه الدوام والتي تفعل أحيانا فقد يكون الشيء بدعة إذا فعله الإنسان دائما وغير بدعة إذا لم يكن يفعله دائما ولنضرب لهذا مثلا بصلاة الجماعة في النافلة لو أن الإنسان اتخذ الجماعة سنة راتبة في صلاة الليل وصار لا يصلى الليل إلا بجماعة لقلنا إن هذا بدعة ولو صلى صلاة الليل جماعة أحيانا لقلنا إن هذا لا بأس به وليس بدعة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد يصلى معه بعض أصحابه في صلاة الليل كما فعل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه وحذيفة بن اليمان رضي الله عنه فينبغي أن يعرف الفرق بين الشيء الذي يتخذ راتبا مستمرا وبين الشيء الذي يفعل أحيانا ولا يخالف الشرع والمهم أن التزام الخطيب بختم الخطبة الثانية بهذه الآية الكريمة بدعة كما قال صاحب السنن والمبتدعات.
***
بارك الله فيكم المستمع مصري يقول في هذا السؤال خطيب الجمعة في مسجدنا في آخر الخطبة يقول وأقم الصلاة فهل هذا وارد عن السلف؟

(188/47)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا أعلم هذا واردا عن السلف أعني قول الخطيب إذا انتهى من الخطبة (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) وعلى هذا فلا ينبغي للإمام أن يقولها ولكن إذا انتهى من الخطبة نزل ثم أقيمت الصلاة كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعله وكذلك خلفاؤه الراشدون وأما هذه الزيادة التي لم ترد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن الخلفاء الراشدين ولا قالها أحد من الأئمة فإنه ينهى عنها.
***
في خطبة الجمعة ما حكم قول الناس لا إله إلا الله بعد أن يقول الخطيب يوم الجمعة في نهاية الخطبة الثانية فاذكروا الله يذكركم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أولا لا ينبغي للخطيب أن يتخذ هذا سنة راتبة بمعنى أن يختم بها كل جمعة لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولكن إذا قالها أحيانا وقال المستمعون لا اله إلا الله لكن بدون رفع صوت فلا بأس به.
***
مارأيكم بالنسبة لتطويل الخطبة وقصرها؟

(188/48)

فأجاب رحمه الله تعالى: المشروع في الخطبة أن تكون قصيرة لقول النبي عليه الصلاة والسلام (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنه من فقهه) ولكن الطول والقصر ليس على مزاج الناس فإن من الناس من يحب أن يقتصر الخطيب على كلمات يسيرة وينصرف ومن الناس من يحب أن يطيل ومن الناس أيضا من لا يمل الناس كلامه ويحبون أن يطيل ومن الناس من يكون بالعكس والمدار في الطول والقصر على ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يخطب الناس أحيانا بسورة (ق والقرآن المجيد) فما كان مثل هذه السورة أو قريبا منها أو زائدا عنها يسيرا فإن هذا قصير وغير ممل لكن أحيانا تدعو الحاجة إلى أن يطيل الخطيب أكثر من ذلك إما لأنه يريد أن يبين أحكاما شرعية يتصل بعضها ببعض تحتاج إلى تطويل أو لأنه يريد أن يزجر الناس عن أمر وقعوا فيه وهو أمر عظيم كبير فيكرر العبارات ويخالف بين الأساليب حتى يكون ذلك أشد تأثيرا والمهم أن يراعي الإنسان في ذلك ما تقتضيه الحكمة في إلقائه وطول خطبته وقصرها.
***
هناك خطباء يطيلون الخطبة مما يدخل الملل على المصلىن فهل هناك زمن محدد للخطبة والفقرة الأخرى تقول ما رأيكم يا فضيلة الشيخ في الذين يتأخرون عن الصلاة في يوم الجمعة حيث لا يخرجون من الصلاة إلا قبل الواحدة ظهرا؟

(188/49)

فأجاب رحمه الله تعالى: تطويل الخطبة على وجه ممل خلاف السنة ودليل على قصر فقه الخطيب لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه) وعلى هذا فالسنة للخطيب أن يقصر الخطبة وأن يقتصر على الأهم والمهم وأن لا يمل الناس لأن إملال الناس يجعلهم يكرهون الخطبة والموعظة أما إذا كان هناك سبب لتطويل الخطبة فإنه لا بأس به والغالب أنه إذا كان هناك سبب لتطويل الخطبة أن الناس يستمعون إليها جيدا ولا يحصل لهم الملل بهذا والإنسان الحكيم يعرف كيف تكون خطبته طويلة أم قصيرة ولكن ينبغي للخطيب أيضا أن يراعي ما تدعو الحاجة إليه في المواضيع التي يتكلم عنها وأن يكون ذا حكمة فيما يتكلم به فإذا رأى أن الكلام خير تكلم وإذا رأى أن السكوت خير سكت لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت) وليعلم أنه قد يكون الكلام حقا وخيرا لكن ذكره في هذا الوقت غير مناسب أو ذكره في هذا المكان غير مناسب أو ذكره في هذه الحال غير مناسب والحكيم يختار الموضوع الذي يتكلم به ويختار الزمن والمكان الذي يتكلم فيه فلا يتكلم إلا في زمن مناسب ومكان مناسب وفي حال مناسبة وفي موضوع مناسب.
***
يقول السائل في أحد المساجد تخلف الخطيب عن الحضور لصلاة الجمعة وأخذ البعض من المصلىن في الخروج من المسجد يبحثون عن مسجد آخر يصلون فيه صلاة الجمعة بينما جلسنا نحن والبعض من المصلىن حتى جاء موعد الصلاة وصلىنا صلاة الظهر رباعية ما هو الخطأ وما هو الصواب في ذلك جزاكم الله خيرا؟

(188/50)

فأجاب رحمه الله تعالى: الصواب في ذلك فعل من خرجوا من المسجد ليطلبوا مسجدا آخر إذا كان في البلد مسجد آخر وأما الذين مكثوا فكان الواجب عليهم أن يذهبوا إلى بيت الإمام ويسألوا عنه حتى يأتي فيخطب لأنه قد يكون نائما وليس عنده من يوقظه أو ساهيا ناسيا وليس عنده من يذكره فإن لم يكن فإنه يقوم أحدهم ويخطب بهم خطبتين تحصل بهما الكفاية ثم يصلون جمعة وأما صلاتهم ظهرا مع إمكان إقامة الجمعة فإن ذلك حرام عليهم ولا يحل لهم.
***
يقول لو تعذر على الخطيب يوم الجمعة إكمال خطبته إما لمرض مفاجئ ألم به أو نحو ذلك فماذا يكون على المصلىن في مثل هذه الحالة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: في مثل هذه الحال إذا كان الخطيب قد أتى بما يكفي في خطبته فإن الخطبة تعتبر كاملة فإن كانت الخطبة الأولى قام أحد المصلىن فخطب الخطبة الثانية ثم صلوا وإن كانت الخطبة الثانية صلوا لأن الخطيب أتى بخطبتين من قبل وإن لم يكن أتى بما يكفي من الخطبة الأولى فإنه يقوم أحد الحاضرين ويستأنف بهم الخطبة ويخطب خطبتين ثم يصلى بهم.
فضيلة الشيخ: يعني أنه لابد من إكمال الخطبة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم لأن الخطبتين شرط لصحة صلاة الجمعة.
***
إذا أحدث الخطيب وهو يخطب على المنبر يوم الجمعة وكان في الخطبة الأولى أو الثانية هل يكمل الخطبة أو ينصرف ويأمر أحد المصلىن بأن يصلى؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يكمل الخطبة ويستمر فإذا أتم الخطبتين نزل وذهب يتوضأ فان كانت الميضأة قريبة إما في المسجد أو في بيت له قريب فإنه يقول للناس انتظروا كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذات يوم خرج ليصلى وذكر أن عليه غسلا فقال للناس انتظروا ثم ذهب واغتسل وجاء وصلى بهم فكذلك أيضا هذا الرجل يقول للناس انتظرواسوف أتوضأ وأرجع فينتظر الناس ولا تقام الصلاة حتي يحضر.
***
ما حكم الإسلام في نظركم في صلاة الجمعة وراء خطيب يمجد نفسه في خطبته جزاكم الله خيرا؟

(188/51)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن هذا الخطيب إذا صح ما نسبت إليه من أنه يمجد نفسه في خطبة الجمعة لا شك أنه أخطأ الطريق والخطيب الذي يكون ناصحا لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم هو الذي يركز مواضيع خطبته على ما ينفع الناس في أمور دينهم ودنياهم أما من جهة تمجيد النفس فإنه يعتبر من السفه ومن ضعف الشخصية لأن قوة الإنسان وسمعته عند الناس لا تعتمد على كونه يمجد نفسه أو يعظم نفسه والناس ينظر بعضهم إلى بعض بأعين ويسمعون بآذان ويعرفون من يستحق التعظيم والإكرام ومن لا يستحق ولا يزيد هذا الخطيب إذا صح ما نسبته إليه من تمجيد نفسه إلا مهانة وذلا عند الناس والواجب عليه أن يعدل عن هذا وأن تكون خطبته خطبة توجيه وإرشاد لما فيه خير العباد.
***
السؤال الأخير يقول هل يجوز في يوم الجمعة أن يخطب شخص ويصلي آخر وقد تكون حجة من يفعل ذلك أن هذا خطيب ومستواه الدراسي جيد ولكنه يرتكب بعض المعاصي بينما الإمام الذي يصلى مستقيم وربما قد لا يكون في مستوى ذلك من حيث الدراسة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز في صلاة الجمعة أن يتولى الخطبة واحد ويتولى الصلاة غيره لأنه ليس من شرط صحة الخطبة أن يتولاها من يتولى الصلاة وقد ذكر ذلك أهل العلم رحمهم الله فإذا كان هذا الخطيب أبلغ وأفصح وأعلم فإنه لا حرج أن يتولى الخطبة ويتولى الإمام الراتب الصلاة وهذا يفعل كثيرا لكن هاهنا مسألة أحب أن أنبه عليها وهي أن بعض الناس يتولى رسميا الإمامة في هذا المسجد سواء كان يصلى فيه الجمعة أو لا يصلى ثم لا يصلى إماما في هذا المسجد بل يقيم غيره مقامه بنصف الراتب أو بربعه أو بأكثر من ذلك أو أقل فمثل هذا العمل لا يجوز من وجهين الوجه الأول أن فيه أكلا للمال بالباطل فإن هذا الراتب الذي يأخذه هذا الذي لا يصلى يأكله بغير حق لأن هذا الراتب إنما جعل لمن يكون إماما في هذا المسجد وهذا الرجل لا يكون إماما.

(188/52)

وثانيا أن في ذلك خيانة للدولة فإن الدولة إنما كلفتك أنت بشخصك لتكون إماما في هذا المسجد وقد تقيم فيه من لا ترضاه الدولة وكل عقد يكون المقصود به الشخص العاقد فإنه لا يجوز أن يقيم غيره فيه أو أن يقيم غيره مقامه إلا بعد إذن من تعاقد معه وعلى هذا فأولئك الذين يأخذون مساجد تقام فيها الجمعة ويقيمون غيرهم يصلى الصلوات الخمس فإذا جاءت الجمعة جاؤوا فخطبوا وصلوا هؤلاء آثمون وعليهم أن يتوبوا إلى الله عز وجل وأن يقوموا بمقتضى العقد الذي تعاقدوا به مع الدولة حتى يبرئوا بذلك ذممهم ويأكلوا مرتبا حلالا.
***
ما حكم من يخطب يوم الجمعة ثم لا يصلى بالناس؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا حرج أن يخطب رجل ويصلى آخر وهذا يقع كثيرا يكون الإمام الراتب لا يحسن أن يخطب فيوكل أحدا يخطب عنه ثم يصلى هو بالناس ولا بأس بذلك.
***
إذا تناوب شخصان في صلاة الجمعة الأول يخطب بالمصلىن والثاني يقوم بإمامتهم بالصلاة فهل يجوز ذلك؟
افأجاب رحمه الله تعالى : يجوز أن يكون الخطيب شخصا والمصلى شخصا آخر لكن الأفضل أن يكون الإمام هو الخطيب الا أنه أحيانا يتعذر على الإمام الراتب أن يقوم بالخطبة إما لنقص في علمه أو لقصور في تعبيره أو لغير ذلك فيقوم آخر عنه بأداء الخطبة.
***
تقول السائلة سمعت أنه في صلاة الفجر يوم الجمعة من الأفضل قراءة سورة السجدة في الركعة الأولى وسورة الإنسان في الركعة الثانية فهل هذا عام للرجال والنساء ففي بعض الأحيان عندما أقرأ سورة السجدة أنسى بعض الآيات وأقف في نصفها أو في ثلثها فهل يجوز لي أن أجعل المصحف قريبا مني وأفتحه لأقرأ ما نسيت أو أركع حيث أقف وحيثما نسيت؟

(188/53)

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول في الجواب على هذا السؤال ينبغي أن يعلم أن ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام في صلاته من أفعال أو قاله من أقوال فهو مشروع للرجال والنساء والمنفرد والإمام أيضا حتى يقوم دليل على التخصيص لقول النبي صلى الله عليه وسلم (صلوا كما رأيتموني أصلى) فهذا الحديث عام وشامل وكل ما قاله رسول الله عليه الصلاة والسلام أو قرأ به أو فعله في صلاته فإن الأصل فيه المشروعية لكل أحد وأما القراءة من المصحف عند خوف النسيان فإن هذا لابأس به فيجوز للإنسان أن يقرأ في المصحف عند خوف نسيان آية أو غلط فيها ولا حرج عليه.

(188/54)

وليس من المشروع أن يقرأ الإنسان سورة فيها سجدة في صلاة الفجر يوم الجمعة وإنما المشروع أن يقرأ الإنسان في صلاة فجر يوم الجمعة سورة (الم .تنزيل )السجدة وهي التي بين سورة لقمان وسورة الأحزاب يقرؤها كلها في الركعة الأولى وإذا وصل إلى موضع السجدة كبر وسجد وقال سبحان ربي الأعلى وما ورد فيها من ذكر ثم قام مكبرا ليكمل بقية الركعة ويقرأ في الركعة الثانية (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) وهي السورة التي بين سورة القيامة وسورة المرسلات يقرأ هاتين السورتين كاملتين كل سورة في ركعة هذا هو المشروع وليس من أجل السجدة التي في سورة السجدة ولكن من أجل أن هاتين السورتين تضمنتا المبدأ والمعاد مبدأ الخلق ومعاد الناس وجزاءهم وثوابهم ويوم الجمعة هو المبدأ والمنتهى إذ فيه خلق آدم وفيه أخرج من الجنة وفيه تقوم الساعة لهذا كان من المناسب جدا أن يقرأ في فجره هاتان السورتان وليعلم أن بعض الأئمة يفرطون في هذا فتجد بعضهم يقرأ (الم تنزيل ) السجدة في الركعتين جميعا وبعضهم ربما يقرأ سورة الإنسان في الركعتين جميعا وهذا خلاف السنة فنقول إما أن تقرأ كل سورة في ركعة أو تقرأ من غيرهما كما أن بعض الأئمة يقرأ في فجر يوم الجمعة أول سورة الكهف فيظن أنها مشروعة وبعضهم يقرأ في فجر الجمعة سورة الجمعة والمنافقون وكل هذا من الجهل لأن سورة الجمعة والمنافقون إنما تقرأان في يوم الجمعة في صلاة الجمعة لا في صلاة فجر الجمعة ولهذا ينبغي للأئمة أن يتعلموا صفة الصلاة وأحكام الصلاة حتى يكونوا مصلين بالمسلمين على بصيرة.
***
أحسن الله إليكم وبارك فيكم سائل يقول يا فضيلة الشيخ شاهدت إماما في المسجد في صلاة الفجر يوم الجمعة يقرأ السجدة من المصحف ينصفها نصفين فما حكم عمله هذا؟

(188/55)

فأجاب رحمه الله تعالى: فجر يوم الجمعة السنة أن يقرأ الإنسان في الركعة الأولى (الم . تنزيل )السجدة كاملة وفي الركعة الثانية (هل أتى على الإنسان حين من الدهر) كاملة ولا بأس أن يقرأ في المصحف عند الحاجة إلى ذلك ولكن لا يقسم (الم . تنزيل )السجدة نصفين لأنه إذا قسمها نصفين فقد رغب عن سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وليس هو أعلم بمصالح الأمة من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإذا كان يريد التأسي بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فليتبع السنة أما أن يشطر ما جعله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قسما واحدا فهذا غلط عظيم فنقول اقرأ (الم . تنزيل )السجدة في الركعة الأولى كاملة واقرأ (هل أتى على الإنسان حين من الدهر) في الركعة الثانية كاملة فإن لم تفعل فاقرأ سورا أخرى أما أن تأتي بالسنة وتشطرها فهذا فيه نظر ظاهر قد يقول إن الجماعة إذا قرأت بهم بسورة السجدة كاملة في الركعة الأولى وبسورة الإنسان كاملة في الركعة الثانية تعبوا وملوا نقول الحمد لله من تعب وشق عليه القيام فليجلس ولا يمكن لأحد أن يكره سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأن كراهة السنة أعاذنا الله وإياكم من ذلك ليست بالأمر الهين.
***
بعض الناس يقرأ بعد الجمعة بالفاتحة والإخلاص والمعوذتين سبع مرات هل ورد في السنة هذا جزاكم الله عنا خيرا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لم يرد في السنة تكرار قراءة هذه السور والآيات بل إنما ورد في السنة على كلام في الأحاديث الواردة فيها في هذه المسألة قراءة آية الكرسي وقل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس لكن مرة واحدة خلف الجمعة وغيرها من الصلوات المفروضة.
***
بارك الله فيكم السائل رمز لاسمه بأخيكم في الله ع. ح. يقول ما معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم (من مس الحصى فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له)؟

(188/56)

فأجاب رحمه الله تعالى: الحصى يعني بذلك الحجارة الصغيرة التي تكون كالحجارة التي ترمى بها الجمرات وكان مسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مفروشا بهذه الحجارة ومراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهذا من مس الحصى أي على وجه العبث واللعب كأن يشتغل أثناء الخطبة بمسح هذا الحصى والكتابة عليه وما أشبه ذلك مما يحصل من العبث فيقول عليه الصلاة والسلام (من مس الحصى - أي على وجه العبث - فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له) ففسر صلى الله عليه وسلم اللغو بأن الإنسان يحرم من فضيلة الجمعة وليس المراد أن صلاته لا تصح ونظير هذا قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت ومن لغا فلا جمعة له) والمراد أنه يحرم ثواب الجمعة وليس المراد أن جمعته لا تصح وإنني بهذه المناسبة أحذر مما يتهاون به بعض الناس من الكلام والإمام يخطب يوم الجمعة فإن ذلك من المحرمات وقد شبهه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالحمار يحمل أسفارا فإن قال قائل إذا كان هناك الإمام يخطب يوم الجمعة ولكني لا أريد الصلاة معه وأريد الصلاة في مسجد آخر فهل يلزمني أن أنصت لخطبته فالجواب لا يلزمك فلو مررت بمسجد يصلى الجمعة وإمامه يخطب وأنت قاصد مسجدا آخر فليس عليك أن تنصت لهذا الخطيب الذي يخطب لأنه ليس الخطيب الذي تريد أن يوجه إليك النصيحة وكذلك لو فرض أنك تنتظر مجيء الإمام إلى المسجد فسمعت مسجدا آخر يخطب فإنه لا يلزمك الإنصات لخطبته لأنك لا تريد أن تتلقى التوجيه من ذاك الخطيب وإنما تريد أن تتلقى التوجيه من خطيب المسجد الذي أنت فيه.

(188/57)

وإنني بهذه المناسبة أقول إن ما يفعله بعض الناس اليوم من رفع الخطبة أو الصلاة من سماعات المنارة حتى يشوش على الآخرين أمر منكر نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين سمع أصحابه وهم يصلون أوزاعا يجهر بعضهم بالقراءة فقال صلى الله عليه وسلم (لا يؤذين بعضكم بعضا في القراءة) وفي حديث آخر (لا يجهر بعضكم على بعض في القراءة) فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا إيذاء وصدق عليه الصلاة والسلام فإن هذا الصوت الذي يسمع من الخارج يؤذي المصلىن في المسجد الثاني ويشوش عليهم الاستماع إلى إمامهم بل ربما ينصرفون إلى الاستماع إلى هذا الإمام الخارج وينسون الاستماع إلى إمامهم لكون الأول أحسن قراءة وأندى صوتا وهذا إيذاء لإخوانهم المسلمين وقد حذر الله تعالى من إيذاء المؤمنين فقال (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا).
فنصيحتي لإخواني الذين يفعلون ذلك أن يتوبوا إلى الله عز وجل وأن يدعوا التشويش على إخوانهم ولا حرج فيما أرى أن تنقل الإقامة من المنارة لقول النبي عليه الصلاة والسلام (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة) فإن هذا يدل على أن الإقامة تسمع من الخارج أي من خارج المسجد وإن كان بعض الإخوة قد كرهها وقال إن فيها ضررا وهو أن الكسالى إذا قيل لهم قوموا إلى الصلاة بعد الأذان قالوا لم تقم الصلاة بعد سننتظر حتى تأتي الإقامة لكني أرى أنه لا بأس بها إن شاء الله أي لا بأس بنقل الإقامة من على المنارة إن شاء الله تعالى.
***
يقول في الحديث (من مس الحصى فقد لغا) ما معنى هذا؟

(188/58)

فأجاب رحمه الله تعالى: معناه أن من مس الحصى الذي فرش به المسجد لأن مسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان مفروشا بالحصى أي بالحصباء الصغار فمن مس هذه الحصاة على وجه اللعب والعبث فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له وهذا يدل على أن الإنسان ينبغي حال استماع الخطبة أن يكون خاشع البدن حاضر القلب منصتا للخطيب تماما ومثل ذلك قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إذا قلت صاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت) واللاغي هو الذي لا جمعة له ومعنى كونه لا جمعة له أنه يحرم من أجر الجمعة لا أن جمعته تبطل فالأجر المرتب على الجمعة يحرم منه هذا الذي فعل ما يقتضي اللغو.
***
بارك الله فيكم، يقول جاء في حديث نسب إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أنه قال (من مس الحصى فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له) ما المقصود بالمس في هذا الحديث؟ وهل الذي يمشى على الحصى بدون حذاء ينتقض وضوؤه؟ وما هي أنواع اللغو؟

(188/59)

فأجاب رحمه الله تعالى: أولا قوله صلى الله عليه وسلم (من مس الحصى فقد لغا) يعني في ذلك مس الحصى والإمام يخطب يوم الجمعة، والمراد بالحصى الحصباء التي فرشت على المسجد لأن مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام كان قد فرش بالحصباء فإذا مس هذا الحصى الذي هو الحصباء عبثا فقد لغا، لأن هذا العبث يلهيه عن استماع الخطبة، واستماع الخطبة واجب، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت) فكل ما يشغل عن استماع الخطبة يوم الجمعة فإنه لغو، ولكن ما المراد باللغو؟ المراد باللغو ما لا فائدة فيه ولكن هذا في الأصل، ولكن المراد باللغو في الحديث من حرم أجر الجمعة وذلك لأن صلاة الجمعة أفضل من غيرها وأعظم أجرا، فإذا لغا الإنسان بالكلام والإمام يخطب أو بمس الحصى والإمام يخطب فقد، فقد ثواب الجمعة الذي تزيد به على غيرها، وأما قول السائل هل الإنسان إذا مشى على الحصى حافيا ينتقض وضوؤه فالجواب أنه لا ينتقض وضوؤه ولا علاقة للوضوء بالمشي حافيا على الحصى، بل حتى من لغا والإمام يخطب بكلام أو غيره فإنه لا ينتقض وضوؤه بل وضوؤه باق لكن كما قلت يحرم ثواب الجمعة الذي اختصت به من بين سائر الصلوات.
***
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاحتباء يوم الجمعة والإمام يخطب فما هو الاحتباء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الاحتباء هو أن الإنسان يجلس على إليتيه وينصب ساقيه وفخذيه ويربط نفسه بسير أو شبهه فينضم بعضه إلى بعض ويكون أكمل راحة وهو إذا فعل ذلك يكون النوم إليه سريعا فينام عن الخطبة وعن استغلال الوقت بقراءة القرآن أو الصلاة قبل مجيء الإمام ولهذا نهي عنه.
***
هل النهي عن الاحتباء مع الخطبة أم قبلها؟

(188/60)

فأجاب رحمه الله تعالى: النهي عن الاحتباء لا يختص بالخطبة ولا بغير الخطبة ولكنه ينهى عنه إذا كان الإنسان يخشى أن تنكشف عورته مثل أن يحتبي بإزاره فإنه إذا احتبى بإزاره فربما تنكشف عورته وأما إذا كان لا يخشى انكشاف العورة فإنه لا بأس به لا في أثناء خطبة الجمعة ولا في غيرها.
***
لاحظت في أحد المساجد أشخاصا يتكلمون والإمام يخطب وهم في مؤخرة المسجد والإمام لا يراهم فهل أشير عليهم بالسكوت أم علي أن أتركهم حتى تنتهي الخطبة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الكلام حال الخطبة يوم الجمعة حرام بل إن النبي صلى الله عليه وسلم شبهه بالحمار يحمل أسفارا ولا يجوز أن نسكته بالقول أي لا يجوز أن نقول له أنصت لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت) أي فقد فاتك أجر الجمعة ولكن لا حرج أن تنبهم بالإشارة بأن تضع أصبعك على شفتيك إشارة لهم لأنك لم تتكلم وفي منعهم من الكلام حال الخطبة فك شر على غيرهم لأنهم إذا صاروا يتكلمون أثناء الخطبة شغلوا الناس وشوشوا عليهم فإذا سكتوا بالإشارة زال هذا المحظور.
***
هل يجوز تحدث بعض المأمومين مع الإمام أو مثلا إصلاح جهاز مكبر الصوت فيما لو حصل فيه عطل أثناء الخطبة لكي تعم الفائدة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التحدث مع الإمام فيما فيه المصلحة أو الحاجة لا بأس به فللإمام مثلا أن يقول لمن دخل وجلس قم فصل ركعتين وله أن يقول لمن يتردد بين الصفوف أو يتخطى الرقاب اجلس فقد آذيت وله أيضا أن يتكلم مع من يصلح جهاز مكبر الصوت إذا حصل فيه عطل أو يتكلم مع إنسان ليفتح الشبابيك إذا حصل على الناس غم وضيق تنفس أو ما أشبه ذلك المهم أن الخطيب له أن يكلم من شاء للمصلحة أو للحاجة وكذلك لغيره أن يكلمه للمصلحة أو للحاجة.
***

(188/61)

بارك الله فيكم هذا السائل عامر أحمد محمد من مكة المكرمة يقول في يوم الجمعة دخلت المسجد للصلاة وقام الإمام يخطب ودخل المسجد أحد المصلين فصلى تحية المسجد ثم جلس بجانبي وسلم علي باليد مصافحا والإمام يخطب فهل من حقي أن أصافحه باليد وأرد السلام عليه أو أعمل بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم (من مس الحصا فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له) فقد أومأت له برأسي وبعد أن فرغ الإمام من الخطبة سلمت عليه واعتذرت منه وأخبرته بالحديث فهل الحديث صحيح أم ضعيف وهل الحق معي فيما فعلت؟

(188/62)

فأجاب رحمه الله تعالى: الإنسان إذا جاء والإمام يخطب يوم الجمعة فإنه يصلى ركعتين خفيفتين ويجلس ولا يسلم على أحد فالسلام على الناس في هذه الحال محرم لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول (إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت) وكذلك قال (من مس الحصا فقد لغا) واللاغي معناه هو الذي أتى شيئا من اللغو وربما يكون هذا اللغو الذي حصل منه مفوتا لثواب الجمعة ولذلك جاء في الحديث (ومن لغا فلا جمعة له) وإذا سلم عليك أحد فلا ترد عليه السلام باللفظ فلا تقول وعليك السلام حتى لو قاله باللفظ لا تقل وعليك السلام أما مصافحته فإنه لا بأس بها وإن كان الأولى أيضا عدم المصافحة وغمزه ليشعر أن هذا ليس موضع مصافحة لأن في المصافحة نوعا من العبث الذي قد يخرج الإنسان عن تمام الاستماع إلى الخطبة وما صنعت من كونك نبهته حين انتهت الخطبة على أن هذا أمر لا ينبغي فهو حسن وليت مثلك كثير فإن بعض الناس يكون جاهلا في هذا الأمر فيرد السلام أو ربما يتركه ويهجره ولا يخبره إذا انتهى الخطيب لماذا صنع هذا على أن من أهل العلم من قال إن له رد السلام ولكن الصحيح أنه ليس له أن يرد السلام لأن واجب الاستماع مقدم على واجب الرد ثم إن المسلم في هذه الحال ليس له حق أن يسلم لأن ذلك يشغل الناس عما يجب الاستماع إليه فالصواب أنه لا رد ولا ابتداء للسلام والإمام يخطب.
***
إذا سلم عليك الشخص والإمام يخطب ومد يده لك هل تصافحه لأنك تجد حرجا كبيرا إذا لم تسلم عليه؟

(188/63)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم لك طريقان الأول أن تصافحه بدون كلام والثاني أن تشير إليه بأن الواجب الاستماع للخطبة وأنت انظر الرجل فمن الناس من لا يهتم إذا أشرت إليه أنه لا سلام في الخطبة ويعرف نفسه ويكف ومن الناس من يكون في خاطره فإن كان من النوع الأول تكفيه الإشارة وإن كان من الثاني فمد يدك إليه بدون أن تنطق والكلام يوم الجمعة والإمام يخطب محرم حتى أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شبهه بالحمار يحمل أسفارا فقال (الذي يتكلم يوم الجمعة والإمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفارا والذي يقول له أنصت ليست له جمعة) والمعنى يقتضي هذا لأننا لو أبحنا لكل إنسان أن يتكلم ضاعت فائدة الخطبة مع أن الخطبة واجبة وواجب السعي إليها كما قال الله عز وجل (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع).
***
جزاكم الله خيرا يقول هذا السائل هل يجوز تشميت العاطس أثناء خطبة الجمعة والإمام على المنبر؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز تشميت العاطس إذا حمد الله تعالى في أثناء خطبة الجمعة وذلك لأن الإنصات واجب وإذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت) مع أنه نهي عن منكر يتعلق باستماع الخطبة فهو دليل على أنه لا يجوز للإنسان أن يقول لصاحبه يرحمك الله في أثناء خطبة الجمعة.
***
ما الحكم إذا عطس شخص والإمام يخطب وأنت بجانبه فهل يجوز لك أن تشمته أم لا؟

(188/64)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز لك أن تشمته لأن استماع الخطبة أهم ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت) مع أن الكلام أثناء الخطبة محرم ومنكر يجب إنكاره لكن لما كان هذا الإنكار يتضمن التشاغل به عن استماع الخطبة دل هذا على أنه لا يجوز للإنسان أن يتشاغل بكل ما يشغله عن استماع الخطبة.
***
ما حكم التسوك والإمام يخطب يوم الجمعة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التسوك والإمام يخطب يوم الجمعة إن كان لحاجة كما لو بدأ النعاس فيه فتسوك لطرد النعاس فهذا طيب ويراد به الخير وإن كان لتغير رائحة الفم كما لو ازداد تغير الرائحة بسبب سكوته وتسوك لإزالة الرائحة الكريهة فلا حرج وفيما عدا ذلك لا ينبغي أن يتسوك لأن هذا يشغله عن استماع الخطبة وربما يشغل غيره أيضا ممن يصوب النظر إليه.
***
فضيلة الشيخ ذكرتم في سؤال سابق أنه إذا سمع في الخطبة شيئا وهو يريد أن يسأل عنه فإنه لا يلزم به، إذا كأني بأحد المستمعين يقول ما فائدة الخطبة إذا لم نلتزم بها ونطبقها على ما جاءت عليه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الفائدة أن الناس، يستفيدون منها بلا شك ولكن كونها ملزمة لي، لا، لأن المتكلم بالخطبة غير معصوم فقد يخطئ وقد يصيب، وإذا كان الخطيب موثوقا به لدى السامعين فسوف يأخذون كلامه على ما قال، لكن ليس معنى ذلك أنه كالذي يفتي لأن حضوره إلى الرجل واستفتاءه إياه معناه أنه ملتزم بقوله معتقد أنه حق، لكن سماعه لخطيب يخطب أو لواعظ يتكلم ليس معنى ذلك أنه ملتزم بما يقول، بل إذا صار عندي شك فيما يقول فلي أن أسأل، فهذا هو الفرق بين الرجل السامع والرجل المستفتي.
***
إذا قام الخطيب يوم الجمعة وقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فهل نرد عليه السلام؟

(188/65)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم إذا سلم الخطيب يسلم على جماعة والمسلم على جماعة يجب عليهم أن يردوا عليه لكن الرد فرض كفاية فإذا رد الصف الأول أو بعضهم وسمعهم الخطيب كفى وهذا إذا كان الإنسان في المسجد أما إذا كان في غير المسجد نظرنا إن كان يريد أن يصلى في هذا المسجد الذي جاء إمامه فليرد عليه وإن كان لا يريد الصلاة فيه فإنه لا يرد لأن الخطيب إنما سلم على من في المسجد وعلى من يريد أن يصلى في هذا المسجد ومن ثم نقول لو أن إنسانا أراد أن يصلى في مسجد غرب البلد ومر بخطيب يخطب في وسط البلد فهل يجب على هذا أن ينصت لخطبة الإمام أو نقول إنه لا يريد الصلاة معه فلا يجب؟ الجواب الثاني أنه لا يجب عليه أن ينصت لهذه الخطبة لأنه لم يرد أن يصلى في المكان الذي فيه خطيبها ولهذا لو باع أو اشترى وهو يستمع إلى خطبة الإمام الذي لا يريد الصلاة معه كان البيع والشراء صحيحا لأن المسجد الذي يريده لم يبدأ فيه الخطيب بالجمعة بل لم يناد فيه للجمعة.
***
إذا صعد الإمام المنبر وقال السلام عليكم كما هو معروف يوم الجمعة بصوت مرتفع يرد عليه المؤذن بنفس الصوت بالميكرفون فهل في هذا شيء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أرى أنه لا يفعل لأن السلام ليس على المؤذن وحده بل على الجميع لكن لا بد أن يصدر صوت يسمعه الخطيب ولو من الصف المتقدم يردون عليه أما أن يسكتوا كلهم لا يجيبون الخطيب إجابة مسموعة للخطيب ففي هذا نظر أخشى أن يأثموا جميعا.
***
المستمع. س. س. م. الشهري من تنومة يقول هل يجوز الرد على الخطيب يوم الجمعة إذا أخطأ في آية أو حديث أو الرد على من يرد عليه إن أخطأ أيضا؟

(188/66)

فأجاب رحمه الله تعالى: في خطبة الجمعة يجب على الحاضرين الإنصات والاستماع إليها ولا يجوز لهم التشاغل عنها بكلام ولا بصلاة ولا بقراءة حتى رد السلام وتشميت العاطس لا يجوز لهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول (إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت) والذي يتكلم والإمام يخطب يوم الجمعة كمثل الحمار يحمل أسفارا إلا أنه يجوز للخطيب ولمن يكلم الخطيب لحاجة ودليل ذلك (أن رجلا دخل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا) فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم بل دعا ودخل رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس فقال له (أصلىت قال لا قال قم فصل ركعتين وتجوز فيهما) وفي هذين الحديثين دليل على أنه يجوز للإمام وللحاضرين أن يتكلموا للمصلحة أو للحاجة وعلى هذا فإذا أخطأ الإمام في قراءة آية من كتاب الله فإنه يرد عليه ولا بأس في ذلك فإن رد عليه أحد فأخطأ في الرد فلغيره أن يرد على الإمام على الوجه الصحيح لا يقصد برده أنه يرد على هذا الذي أخطأ ولكن يقصد برده أن يرد على الإمام على الوجه الصحيح ولا بأس في ذلك.
***
كنا مسافرين ومررنا بقرية لنصلى الجمعة وأثناء بحثنا عن الماء خرج أحد الناس من المسجد ودلنا عليه والإمام يخطب فهل كلامه هذا يعتبر حراما أم لا؟

(188/67)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز للإنسان حال خطبة الجمعة أن يتكلم مع أحد إلاعند الضرورة مثل أن يرى شخصا يقع في مهلكة أو نحو ذلك فينبهه لئلا يقع في المهلكة وهذه الصورة التي ذكرها السائل أنهم كانوا يبحثون عن الماء فخرج أحد الرجال من المسجد والإمام يخطب ودلهم على موضع الماء شبيهة بالضرورة لأن هؤلاء محتاجون إلى الطهارة بالماء ولكن لو أن هذا الرجل الذي خرج من المسجد ليدلهم على الماء لو أنه سكت وصار يرشدهم بالإشارة لجمع هنا بين عدم الكلام وبين دلالة إخوانه على موضع الماء فيكون هذا أحسن من كونه يتكلم معهم كلاما يخشى أن يقع في المحظور إذا نقول إذا حصلت مثل هذه الحادثة فإن الأولى والأفضل أن يسلك الدليل الذي دلهم على الماء في دلالتهم طريق الإشارة فيشير إليهم بيده فيرشدهم إلى المكان بالاشارة.
***
هل يجوز للمرأة أن تتكلم أثناء خطبة الجمعة أم أن الحكم خاص لمن تجب عليه الجمعة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التكلم حال خطبة الجمعة حرام لمن جاء إلى المسجد ليستمع هذه الخطبة أما من كان في بيته وليس من أهل وجوب الصلاة فإنه لا بأس أن يتكلم وكذلك لو كان الرجل قاصدا مسجدا يريد أن يصلى فيه وسمع في مروره إلى مسجده الذي أراد خطيبا يخطب في مسجد غير الذي يريد الصلاة فيه فلا حرج عليه أن يتكلم حينئذ لأنه لا يريد الاستماع إلى خطبة هذا المسجد والمرأة في بيتها لا حرج عليها أن تتحدث وتتكلم والإمام يخطب أما إذا حضرت إلى المسجد وأرادت أن تصلى مع الناس فإنه لا يحل لها أن تتكلم في حال الخطبة لأنه صار لها حكم الحاضرين في هذا المسجد.
***

(188/68)

ذهبنا أنا وأصدقائي للعمرة في رمضان وكان يوم وصولنا إلى مكة يوم جمعة قبل صلاة الجمعة فطفنا حول الكعبة ثم جلسنا لكي نصلى الجمعة وبعدما بدأ يخطب الإمام وفي الخطبة كان بجنبي صديق لي فتكلمت معه لكي أسأله عن بعض ما بقي لنا من مناسك العمرة ولكن لم يرد علي فسكت ولم يكلمني وبعدما رجعنا إلى مدينتنا عرفت أن الذي يتكلم والإمام يخطب لا جمعة له هل علي أن أقضي الجمعة ظهرا أفيدوني أفادكم الله وشكرا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الفائدة في هذا أنه لا يجوز للإنسان أن يتكلم والإمام يخطب ومن تكلم والإمام يخطب فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له والمراد بنفي جمعته أن يحرم من ثوابها وفضلها وليس المراد أنه لا تجزئ عنه وعلى هذا فصلاتك الجمعة مجزئة ولا يجب عليك إعادتها بل لا يشرع لك إعادتها لأن المقصود بنفي الجمعة نفي فضلها وثوابها ومع هذا نقول لك أيها الأخ السائل ما دمت جاهلا بهذا الأمر حينما تكلمت فإنه ليس عليك إثم ولا يفوتك هذا الفضل لأن الله سبحانه وتعالى يقول (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) فقال الله تعالى قد فعلت كما ثبت ذلك في صحيح مسلم وعلى هذا فجمعتك تامة وقد نلت أجرها لأنك حينما تكلمت مع أخيك كنت جاهلا بالتحريم.
***
بارك الله فيكم هذا السائل يقول ماحكم التبليغ في صلاة الجمعة وبقية الصلوات الخمس؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التبليغ يعني أن يكبر أحد المأمومين مع الإمام وهو لا بأس به إذا دعت الحاجة إليه فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه خرج إلى الناس وهو في مرضه ووجد أبا بكر يصلى بهم فقام إلى يسار أبي بكر ثم جعل يصلى وأبو بكر يبلغ الناس تكبيره أما إذا لم يكن له حاجة فلا يبلغ بل يكتفى بصوت الإمام.
***

(188/69)

أحسن الله إليكم هذا السائل يقول خطيب مسجدنا يأتي مبكرا إلى الجامع ويجلس في الغرفة القريبة من المنبر وعندما يدخل الوقت يفتح الباب ويصعد للمنبر أيهما أفضل الجلوس في بيته أم في غرفة المسجد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الأفضل أن يبقى في بيته حتى يأتي وقت الصلاة لأن هذا هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا شك أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيبقى في بيته حتى يأتي وقت الصلاة ثم يأتي فإذا دخل المسجد سلم على من يمر به وإذا صعد المنبر اتجه إلى الناس جميعا وسلم عليهم.
***
هل الأفضل للإمام يوم الجمعة أن يبكر للمسجد مثل بقية المبكرين من المأمومين أم أن الأفضل البقاء في البيت أو خارج المسجد حتى إذا دخل صعد المنبر ما هو الأفضل والسنة في ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الأفضل والسنة في ذلك أن يبقى الإمام في بيته أو في أي مكان وأن لا يحضر إلى المسجد إلا عند حضور وقت الصلاة هذا هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا ينبغي العدول عن هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمجرد استحسان الإنسان للشيء فالإمام الذي يبقى ولا يأتي إلى المسجد إلا إذا جاء وقت الصلاة أفضل من الذي يتقدم ويحضر مبكرا.
***
يقول المستمع في هذا السؤال الرسول صلى الله عليه وسلم حث على التبكير لصلاة الجمعة فهل هذا يشمل إمام الجمعة علما بأن الخطباء لا يأتون إلا عند موعد حلول الخطبة وهل يفوته فضيلة التبكير للمسجد علما أنه يبكر للجمعة قبل تعيينه إماما للجامع؟

(188/70)

فأجاب رحمه الله تعالى: الحث على التبكير للجمعة إنما يكون للمأمومين فقط أما الإمام فإن السنة في حقه أن لا يأتي إلا عند صعوده إلى المنبر وما يفعله بعض الإخوة من أئمة الجوامع الذين يتقدمون إلى المسجد ويجلسون حتى يحين وقت الخطبة هو اجتهاد منهم لكنه اجتهاد غير مصيب بل الصواب هدي النبي عليه الصلاة والسلام وما كان عليه من الحق فالسنة في حق الإمام في الجمعة أن يتأخر إلى وقت صعود المنبر والخطبة ثم الصلاة وهذا أفضل من تقدمه لأن ما وافق السنة فهو أفضل على كل حال أما بالنسبة للمأموم فينبغي له أن يبكر ويغتسل في بيته ويتطيب ويتنظف ثم يأتي إلى المسجد ويصلى ما كتب له ثم إن رأى أن الأنفع له أن يستمر في الصلاة حتى يحضر الإمام فليفعل وإن رأى من نفسه مللا وأن الأنفع له أن يجلس ويقرأ القرآن فليفعل لأن القراءة خير والصلاة خير والمقصود بالأعمال الصالحة هو صلاح القلب فما كان أصلح للقلب وأنفع وأوفق للشرع فهو أفضل (فمن راح بعد اغتساله في بيته إلى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ومن راح في الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الخامسة فكأنما قرب بيضة) وهذه الساعات الخمس توزع من طلوع الشمس إلى مجيء الإمام وطولها وقصرها يختلف باختلاف الوقت فتطول في زمن الصيف وتقصر في زمن الشتاء وإنني بهذه المناسبة أحث إخواني المسلمين على أن يأتوا في يوم الجمعة بما ينبغي لهم أن يأتوا به وأن لا يحرموا أنفسهم الخير الكثير بإضاعة الوقت والتسكع بالأسواق وتضييع الوقت بالكلام الفارغ فإن يوم الجمعة يوم عظيم أضل الله عنه اليهود والنصارى وهدى هذه الأمة إليه فلا ينبغي لهذه الأمة أن تضيع فرصة الثواب فيه كما أنبه إخواني الحريصين على التقدم أن يحذروا أن يكون تقدمهم بعصيهم أو مناديلهم كما يفعله بعض الناس تجده يضع منديله أو عصاه في الصف

(188/71)

الأول ثم يذهب إلى بيته يتمتع بدنياه أو إلى دكانه للبيع والشراء فإذا قارب مجيء الإمام جاء إلى المسجد فإن هذا حرام ولا يحل لهم لأنهم يتحجرون أمكنة غيرهم أولى بها منهم فإن المكان للمتقدم ببدنه لا للمتقدم بعصاه ومنديله ثم إنهم يأتون أحيانا والصفوف قد اكتملت فيتخطون رقاب الناس ويؤذونهم وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام (أنه رأى رجلا يتخطى رقاب الناس فقال له اجلس فقد آذيت).
***
المستمع رمز لاسمه بالأحرف (هـ هـ ن) الشهري من تنومة يقول هل يحق للخطيب يوم الجمعة أن يبكر في دخوله المسجد قبل وقت الخطبة ومراده من ذلك مكثه في المسجد وقراءته للقرآن وهل تبكيره ذلك يمنع الملائكة من كتابة الأول فالأول؟

(188/72)

فأجاب رحمه الله تعالى: المشروع في حق إمام الجمعة أن يتأخر إلى وقت دخول الصلاة ولا ينبغي له أن يتقدم وإنما التقدم مشروع للمأمومين فبقاؤه في بيته حتى يحين وقت الصلاة ثم يأتي فيصعد المنبر هو الأفضل وهو هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لو تقدم إلى المسجد فليس ذلك بحرام عليه وأما من جاء إلى المسجد بعد مجيء الإمام فإنه يكتب له الأجر على حسب ما جاء به الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة) هذا إذا جاء إلى الجمعة مغتسلا لها ولهذا ينبغي بل يجب على القول الصحيح أن يغتسل الإنسان للجمعة لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو سعيد رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) وهذه الكلمة صدرت من النبي صلى الله عليه وسلم العالم بما يقول وبمدلول ما يقول الناصح لأمته وهي كلمة صريحة واضحة في الوجوب (واجب على كل محتلم) ولهذا (لما دخل عثمان رضي الله عنه وأمير المؤمنين عمر يخطب وقال له في تأخره قال ما زدت على أن توضأت فأتيت فقال له عمر والوضوء أيضا) وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) فعتب عليه عمر رضي الله عنه أن يقتصر على الوضوء ويحضر ولكن هذا الوجوب لا يعني أن صلاة الجمعة لا تصح بدون غسل لأن هذا الغسل ليس عن جنابة فلو أنه صلى الجمعة ولم يغتسل فصلاته صحيحه لكنه آثم لمخالفته لما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ولما أكد وجوبه بقوله (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) ومعنى قوله على كل محتلم أي على كل بالغ وليس المعنى على من احتلم بالفعل لأن من احتلم بالفعل فالغسل واجب عليه لاحتلامه لا ليوم الجمعة وهو واجب عليه أيضا في

(188/73)

الجمعة وفي غيرها إذا احتلم ووجد الماء والحاصل أن الإمام إذا تقدم إلى المسجد قبل مجيء وقت الصلاة فإن فعله خلاف الأفضل وليس بحرام ومن جاء بعد مجيء الإمام هذا في الساعات التي بين فيها النبي عليه الصلاة والسلام الفضل فإنه يكتب له ما جاء في الحديث ولو كان الإمام قد حضر لأن الإمام حضر قبل حضور وقت الصلاة.
***
يتقدم بعض الخطباء والبعض منهم يتأخر فهل هناك وقت محدد لدخول الخطيب إلى المنبر؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الأفضل أن الخطيب يحضر إذا زالت الشمس لأن هذا هو وقت صلاة الظهر ورخص بعض العلماء أن يتقدم قبل الزوال بساعة أو ساعتين بل بالغ بعضهم حتى قال إنه يجوز أن يصلى الجمعة إذا ارتفعت الشمس قيد رمح كما تصلى العيد لكن الاحتياط مراعاة الخلاف في هذا وأن لا يتقدم على الزوال ثم إن من الأحسن أن يكون مجيء الخطباء في وقت واحد حتى لا يكون هناك مجال لمبطل متهاون تجده في السوق مثلا والمسجد القريب منه يخطب أو يصلى فتقول له صل فيقول صلىت في المسجد الفلاني فقد يكون صادقا أو كاذبا فلهذا إذا قيل للناس اجعلوا مجيئكم إلى الجامع عند زوال الشمس كان هذا أحسن وأولى بالمسلمين.
***
أحسن الله إليكم يقول السائل أحيانا يؤذن لصلاة الجمعة قبل الزوال بربع ساعة حين صعود الخطيب المنبر والسؤال هل يجوز أن يصلى أهل الأعذار المرأة والمريض في هذا الوقت؟

(188/74)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يحل لمن يصلى في البيت أن يصلى قبل الزوال لأن الذين يصلون في بيوتهم تجب عليهم صلاة الظهر وصلاة الظهر لا يدخل وقتها إلا إذا زالت الشمس ولهذا كان الذي ينبغي لأئمة الجوامع أن لا يحضروا إلى الجمعة إلا إذا زالت الشمس حتى إذا أذن يكون بعد دخول وقت صلاة الظهر حتى لا تحصل هذه المشكلة وحضورهم بعد الزوال أفضل من وجه آخر حيث إن بعض أهل العلم يقول الجمعة لا تصح قبل الزوال لا صلاتها ولا خطبتها فيكون في تأخير مجيئه إلى الزوال مصلحة ثانية وهي الاحتياط من خلاف بعض العلماء ثم إن أئمة الجوامع إذا اجتمعوا على وقت معين صار هذا أضبط للناس فإن بعض الناس الذين لا يهمهم أن يصلوا الجمعة يفتحون دكاكينهم قبل أن تنتهي الجمعة في هذا المسجد وإذا قيل لهم لماذا قالوا إنا صلىنا في مسجد آخر فالذي أرى أن يتفق أئمة الجوامع على الحضور عند الزوال.
***
الخطيب يوم الجمعة هل يجوز له صلاة تحية المسجد ويجلس أو يصعد إلى المنبر مباشرة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة نجيب عنها على وجهين.
الوجه الأول أن بعض أئمة الجوامع يتقدمون ويأتون في الساعة الأولى أو الثانية رجاء أن يصيبوا أجر من تقدم ثم يصلون ما شاء الله ثم يجلسون إلى أن تزول الشمس ثم يقوم فيصعد المنبر وهذا اجتهاد لكنه خلاف الصواب فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يأتي يوم الجمعة ويجلس ينتظر الزوال ثم يقوم فيسلم على الناس بل كان عليه الصلاة والسلام يأتي حين الزوال أو حين يريد أن يخطب دون أن يتقدم.
الوجه الثاني أن الخطيب إذا دخل في الوقت الذي يريد أن يخطب فيه فإنه لا يصلى ركعتين بل السنة أن يتقدم إلى المنبر ويصعد إلى المنبر ويأتي بالخطبة قال أهل العلم ويسلم على المأمومين إذا دخل أي على من حول الباب ويسلم كذلك إذا صعد المنبر على عموم الجماعة.
***

(188/75)

هذه رسالة وصلت من المستمع فلاح مهدي من العراق يقول في هذا السؤال في يوم الجمعة وبعد صلاة العصر يقوم إمام المسجد بعمل الختم وهو أن يجلس في الوسط ويجتمع من حوله المصلون ثم يبدأ ويقول أستغفر الله ثلاث مرات ويقرأ الفاتحة ست مرات ويصلى على الرسول صلى الله عليه وسلم عشر مرات فهل هذا عمل جائز أم أنه بدعة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا العمل بدعة بلا شك وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول على المنبر وهو يخطب الناس (أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة) وصح عنه أنه قال (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجد وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) فكل عبادة يتعبد بها الإنسان إلى الله فإنه لابد فيها من أمرين.
الأول الإخلاص لله عز وجل.
والثاني المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تتحقق المتابعة إلا إذا كانت العبادة التي يتعبد بها موافقة للشرع في سببها وجنسها وقدرها وكيفيتها وزمانها ومكانها، وهذه العبادة أو الذكر الذي ذكره السائل لم ترد عن النبي عليه الصلاة والسلام لا في زمنها ولا في كيفيتها فهي بدعة يجب على من فعلها أن يتوب إلى الله عز وجل وأن يستغني بما شرع الله عما ابتدعه هذا وأمثاله فإننا عبيد لله عز وجل وإذا كنا عبيدا له فلا ينبغي لنا عقلا ولا يسوغ لنا شرعا أن نعدل عن الطريق التي رسمها للوصول إليه إلى طريق أخرى نتخذها من أهوائنا والله المستعان.
***
إذا أذن الأذان الأول لصلاة الجمعة جاء قارئ وجلس بالمسجد وأخذ يقرأ القرآن بصوت مرتفع والبقية يستمعون، وهناك من يجيد القراءة لكنه لا يقرأ، هل هناك توجيه في هذا؟

(188/76)

فأجاب رحمه الله تعالى: التوجيه في هذا أنه لا ينبغي هذا العمل لأنه بلا شك يؤلمنا ويشوش عليهم، وكثير من الناس يود أن يتطوع بالصلاة أو يقرأ خاصة لنفسه ثم يشغله هذا الصوت المرتفع ويشوش عليه، فهو داخل في النهي الذي ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
***
المستمع عبد الرحمن إبراهيم أحمد من جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية يقول في يوم الجمعة عندنا يقوم بعض الناس بالتسبيح ويقولون الصلاة وألف سلام يا سيدي يا رسول الله ويستدلون لهذا بقوله تعالى (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) الخ الآية فكيف نرد على مثل هؤلاء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نقول لهؤلاء ما ذكرتم من الآية (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) ما ذكرتموه من الآية دليل عليكم وليس دليلا لكم لأن الله عز وجل أمر بالصلاة والسلام على نبيه كل وقت ولم يخص ذلك بيوم الجمعة وأنتم جعلتم هذا في يوم الجمعة فقط ثم إن الله عز وجل لم يأمر بأن نصلى ونسلم عليه مجتمعين وأنتم جعلتم الصلاة والسلام عليه مجتمعين فخالفتم الآية حيث خصصتموها بيوم معين و بصفة معينة والواجب علينا أن نطلق ما أطلقه الله وأن نقيد ما قيده الله وأن لا نتجاوز ما جاءت به نصوص الكتاب والسنة ونصيحتي لهؤلاء الإخوة أن يتقيدوا بما جاء به الشرع من العبادات كمية وكيفية ونوعا ووقتا ومكانا لأن من شرط صحة العبادة وقبولها أن تتضمن أمرين.
الأمر الأول الإخلاص لله عز وجل.

(188/77)

والأمر الثاني المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ودليل الأمر الأول قوله تعالى (فادعوا الله مخلصين له الدين) وقوله (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) وقول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) ودليل الثاني قوله صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد أو من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) ولا تتحقق المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن تكون العبادة موافقة للشرع في أمور ستة في سببها وجنسها وقدرها وكيفيتها وزمانها ومكانها فإذا خالفت العبادة أحد هذه الأمور الستة لم تتحقق فيها المتابعة وكانت باطلة.
***
يوجد لدينا مسجد ونصلى فيه الجمعة ولكن رأيت فيه عادات لم أرها وهي أن الإمام يقوم بأداء الصلاة الإبراهيمية هو وجميع من في المسجد وبصوت عال وبشكل جماعي وذلك قبل الخطبة فهل هذا جائز أم لا ثانيا يقرؤون آية الكرسي ويسبحون ويهللون بصوت عال وبشكل جماعي أيضا ويختمون بالفاتحة على روح النبي صلى الله عليه وسلم وقد نصحتهم وقلت لهم إن هذا لا يجوز فقال لي إمام المسجد إنها سنة أو مستحبة فطلبت منه الدليل ولكنه رفض ذلك فنرجو منكم يا فضيلة الشيخ الإجابة الشافية والتوضيح لنا ولهم مع العلم بأنني ولله الحمد مستقيم ومتمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بعيدا عن الخرافات والاعتقادات الباطلة؟

(188/78)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال تضمن عدة مسائل المسألة الأولى الصلاة الإبراهيمية قبل الخطبة من الإمام ومن في المسجد بصوت جماعي والصلاة الإبراهيمية هي (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صلىت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد) وهذه الصلاة الإبراهيمية إذا أتى بها الإنسان كما وصف السائل قبل الخطبة بصوت جماعي فقد فعل بدعة لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام محذرا أمته (إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) والمشروع في المسجد قبل مجيء الإمام أن يشتغل بالصلاة وقراءة القرآن والذكر كل على انفراده دون أن يجتمعوا على ذلك وأما الإمام فالمشروع في حقه إذا دخل أن يسلم أولا على من هم حول الباب ثم يصعد المنبر ويتوجه إلى الناس فيسلم عليهم عامة ثم يجلس حتى فراغ الأذان ثم يقوم فيخطب الخطبة الأولى ثم يجلس ثم يخطب الخطبة الثانية ثم ينزل فيصلى بالناس هذا هو المشروع للإمام في يوم الجمعة ولا ينبغي للإمام أن يتقدم إلى المسجد قبل حلول وقت الخطبة والصلاة كما يفعله بعض الناس المحبين للخير الذين يرغبون في السبق إلى الطاعات وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يفعل هذا ولم يكن يتقدم إلى المسجد في يوم الجمعة لينتظر الخطبة والصلاة وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم والذي ينبغي للإنسان أن يكون متحريا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أما الجماعة الذين ينتظرون الإمام فإنهم كلما تقدموا إلى الجمعة كان ذلك أفضل كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام (أن من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ومن راح في الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الخامسة فكأنما قرب بيضة).

(188/79)

وأما المسألة الثانية فيما تضمنه هذا السؤال فهي قراءة الفاتحة والذكر بعد الصلاة وقراءة آية الكرسي بصوت مرتفع جماعي وهذا أيضا من البدع فإن المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم بعد الصلاة يذكرون الله تعالى بصوت مرتفع ولكن كل واحد منهم يذكر الله تعالى على انفراده دون أن يشتركوا فرفع الصوت بالذكر بعد صلاة الجمعة أو غيرها من الصلوات المفروضة سنة كما صح ذلك في البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأما قراءة الفاتحة سواء كان ذلك سرا أو جهرا فلا أعلم فيه حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ورد الحديث بقراءة آية الكرسي وقل هو الله أحد والمعوذتين فقط.
***
عندنا في صلاة الجمعة وقبل دخول الإمام إلى المنبر يقرأ أحد القراء ما يتيسر من القرآن والجميع ينصتون فهل هذا وارد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا ليس بوارد فلم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أن أحدا من الناس يقرأ والباقون يستمعون وهم في انتظار صلاة الجمعة ولا ينبغي للإنسان أن يفعل ذلك لأن هذا بدعة لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه و لأن هذا يشوش على الآخرين ولاسيما من دخل وصلى تحية المسجد فإنه سوف يلحقه من التشويش ما يجعله لا يستحضر ما يقول ويفعل في صلاته وهذا أذية للناس وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه ذات يوم وهم يصلون في المسجد ويجهرون فقال عليه الصلاة والسلام (كلكم يناجي ربه فلا يجهر بعضكم على بعض في القراءة) والمهم أن ما ذكره السائل بدعة وأنه لا يجوز لأحد أن يؤذي المصلىن في هذا أو غيره.
***
المستمع حميد يقول بعض الناس يصلون الظهر بعد فريضة الجمعة ما رأيكم في ذلك وما حكم الشرع في هذا العمل؟

(188/80)

فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة الظهر بعد صلاة الجمعة بدعة منكرة ليست مشروعة لا بكتاب الله ولا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بسنة الخلفاء الراشدين من بعده وعلى هذا فينهى الإنسان عن صلاتها بعد الجمعة ويقال أين الدليل من كتاب الله وسنة رسوله على أن الإنسان يلزمه أن يصلى فريضتين في وقت واحد فهل فرض الله على عباده جمعة وظهرا أبدا (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة) ويوم الجمعة ليس فيه إلا صلاة الجمعة فقط وأما الظهر ففي بقية الأيام وعلى هذا فينبغي على من رأى أحدا يفعل ذلك أن يناصحه ويبين له أن هذا بدعة حتى لا يفعله مرة أخرى ويقول له أنت الآن إذا فعلت ذلك فإنه لا يزيدك قربة من الله لأنك قمت بما لم يشرعه الله لك ولا رسوله فسلم ودع التعب والنصب يسلم دينك.
***
هل هناك صلاة ظهر بعد صلاة الجمعة؟

(188/81)

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس هناك صلاة ظهر بعد صلاة الجمعة إلا من فاتته صلاة الجمعة مع الإمام فإنه يجب أن يصلى ظهرا أما من أدرك الجمعة مع الإمام فإنه ليس عليه صلاة الظهر بل إعادة صلاة الجمعة ظهرا من البدع المحدثة التي لم تكن معروفة في عهد الصحابة رضي الله عنهم ولم يفرض الله سبحانه وتعالى على عباده أن يصلوا مرتين في الوقت الواحد فالوقت الواحد ليس فيه إلا فريضة واحدة وفي يوم الجمعة ليس على الإنسان في وقت الظهر إلا صلاة الجمعة أو صلاة الظهر إن فاتته وأما أن تقام صلاة الجمعة ثم تقام بعدها الظهر فإن هذا بدعة لا أصل له في شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولكن بعض أهل العلم قال بوجوب ذلك لأنهم يرون تحريم تعدد الجمعة وأنه إذا جهل أي الجمع أول صارت كل الجمع غير صحيحة فإذا صلىت وجب أن تصلى بعدها الظهر احتياطا ولكن هذا نظر غير صحيح وذلك أن الواجب أن لا تقام الجمعة في أكثر من مسجد واحد إلا عند الحاجة أو الضرورة فإذا دعت الحاجة أو الضرورة إلى ذلك فلا بأس من تعدد الجمعة في البلد الواحد بحسب الحاجة أو الضرورة وأما من دون حاجة ولا ضرورة فإنه يحرم أن تقام الجمعة في بلد واحد على وجه التعدد ولكن إذا كان الواقع هو هذا وكان لابد من إقامة الجمعة في أمكنة متعددة بدون حاجة كما هو الواقع في كثير من البلاد الإسلامية فإن الذنب هنا ليس ذنب المأمومين وإنما الذنب ذنب المسؤولين عن المساجد وأئمتها ومؤذنيها ومصالحها وهم الذين يحكمون في هذا ويمنعون ما لا تدعوا الحاجة إليه من الجمع ويقولون للناس اجتمعوا في مسجد واحد على إمام واحد بقدر الإمكان هذا هو الواجب على المسؤولين عن المساجد وأئمتها ومصالحها.
***
أحسن الله إليكم هل صحيح إذا وافق يوم العيد الجمعة أن صلاة العيد تغني عن صلاة الجمعة؟

(188/82)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم تغني عن صلاة الجمعة من صلى العيد مع الإمام أما الإمام نفسه فيجب عليه أن يقيم صلاة الجمعة ويكون من حضر صلاة العيد له الخيار إن شاء حضر الجمعة وإن شاء صلى ظهرا وأما من لم يحضر العيد فيجب عليه أن يحضر صلاة الجمعة فتبين الآن أن الإمام لا تسقط عنه صلاة الجمعة لا بد أن يقيم صلاة الجمعة لكن المأمومين هم الذين يفصل فيهم فيقال من حضر صلاة العيد مع الإمام فله أن يحضر الجمعة معه وهو الأفضل وله أن يصلى ظهرا في بيته ولكن لا تقام صلاة الظهر في المساجد وأما من لم يحضر صلاة العيد مع الإمام فإنه يجب عليه أن يحضر صلاة الجمعة.
***
بارك الله فيكم حمادي من المغرب يقول فضيلة الشيخ إذا وافق العيد يوم الجمعة هل تسقط عني صلاة الجمعة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا وافق العيد يوم الجمعة فإنه يجب على أهل البلد أن يقيموا الجمعة فتكون الجمعة فرض كفاية ولا تجب على من حضر صلاة العيد ولكن يجب عليه أن يصلى الظهر لأنه فرض الوقت أما من لم يصل مع الإمام صلاة العيد فإنه يجب عليه حضور الجمعة فصلاة الجمعة في حق الإمام ومن تحصل به الكفاية فرض وأما من سواهم ممن حضر صلاة العيد مع الإمام فهو مخير إن شاء حضر إلى الجمعة وهو أفضل وإن شاء صلى ظهرا.
***
بارك الله فيكم الأخ فهد الصعب من القصيم يقول ما حكم الشرع في نظركم في تعدد الجوامع في الحي الواحد مما يؤدي إلى قلة المصلىن في هذه المساجد؟

(188/83)

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي نرى أنه لا تجوز إقامة الجمعة في أكثر من مسجد واحد إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك كتباعد البلد أو ضيق المسجد أو خوف الفتنة أو ما أشبه ذلك وقد نص على ذلك أهل العلم رحمهم الله وأخص بذلك فقهاء الحنابلة لأن تعداد الجمعة لغير حاجة مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجمع في عهده إلا جمعة واحدة بل إن تعدد الجمعة لم يحصل إلا في القرن الثالث الهجري كما ذكر ذلك بعض أهل العلم ولأن تعدد الجمعة بدون حاجة يؤدي إلى فوات ميزتها على غيرها فإن صلاة الجمعة كاسمها لا بد فيها من اجتماع فإذا توزعت في المساجد لم يكن بينها وبين غيرها فرق فيفوت بهذا التعدد مقصود الجمعة وهو اجتماع الناس على إمام واحد وائتلافهم ومن مفاسد التعدد أنه يكون فتح باب للكسلان لأن الغالب أن الجمعة لا تتحد في فعل الصلاة ابتداء وانتهاء فربما يكون هذا حجة للمتكاسل أن يتأخر عن الجمعة وإذا قيل لماذا قال لأني صلىت في مسجد آخر ولأن هذا يؤدي إلى تفريق المسلمين وتوزيعهم في يوم عيدهم عيد الأسبوع وهذا ينافي ما تقتضيه الشريعة من الائتلاف والاجتماع والمخاطب في هذا ولاة الأمور الذين لهم ولاية على المساجد أما عامة الناس فلا حرج عليهم إذا صلوا في واحد من هذه الجوامع.
***
هل يجوز للمصلى في يوم الجمعة أن يترك المسجد الموجود في منطقته ويذهب إلى مسجد آخر بعيد المسافة وذلك لكون الخطيب الثاني لديه اطلاع واسع في أمور الدين وكذلك لديه أسلوب جيد في إلقاء الخطبة؟

(188/84)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم الأحسن أن يصلى أهل الحي في مسجدهم للتعارف والتآلف بينهم وتشجيع بعضهم بعضا وتطييب قلب الإمام الذي يصلى بهم فإذا ذهب أحد إلى مسجد آخر لمصلحة دينية كتحصيل علم أو استماع إلى خطبة تكون أشد تأثيرا وأكثر علما فإن هذا لا بأس به وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يأتون يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده لإدراك فضل الإمام وفضل المسجد ثم يذهبون يصلون في أهل حيهم كما كان معاذ رضي الله عنه يفعل ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعلم ولم ينكره صلى الله عليه وسلم.
***
بارك الله فيكم هذا مستمع للبرنامج سوداني يعمل في المملكة يقول يوجد في قريتنا مسجد تقام فيه صلاة الجمعة ولكن بعض الإخوان يفضلون الذهاب إلى مسجد في قرية أخرى تبعد حوالي ثلاثين كيلومتر واعترض عليهم البعض من الإخوان بأنه (لاتشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) كما هو معروف نرجو الإيضاح والتفصيل مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نقول إن هؤلاء الجماعة الذين يذهبون إلى مسجد خارج البلد لا يقصدون المسجد نفسه وإنما يقصدون ما يحصل لهم من العلم والمنفعة والموعظة بخطبة هذا الخطيب الذي يخطب في المسجد الذي يذهبون إليه وليس هذا من باب شد الرحل إلى مساجد غير المساجد الثلاثة بل هو من شد الرحل إلى العلم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة) فذهابهم إلى هذا الخطيب من أجل انتفاعهم بخطبته بالموعظة وبيان الأحكام الشرعية ليس من باب شد الرحل إلى المسجد لأن المقصود بشد الرحل إلى المسجد أن يشد الإنسان الرحل إلى نفس المسجد والبقعة فيجب معرفة الفرق بين هذا وهذا فعليه نقول إن فعلهم هذا لا بأس به بل إذا كانوا قد قصدوا فيه العلم يكون مطلوبا مأمورا به كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام (من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة).
***

(188/85)

إذا أقيمت جمع متعددة لغير حاجة فهل يصح ذلك حيث إن في منطقتنا جمعا كثيرة وبعض الأحيان يصلونها ظهرا لعدم وجود إمام للمسجد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: من حكمة الله تعالى أنه سبحانه وتعالى جعل لعباده اجتماعات متعددة فمنها اجتماعات الحي في الصلوات الخمس في مسجد واحد ومنها اجتماعات أهل البلد كلهم في مسجد واحد في يوم الجمعة ومنها اجتماعات عموم المسلمين في مناسك الحج والجمعة اجتماع عام لكل أهل البلد ولهذا خصت بأحكام لا توجد في صلاة الظهر فلا يجوز لأهل البلد أن يجعلوا جمعا متعددة إلا إذا كان هناك حاجة مثل أن تتباعد جهات البلد فيشق عليهم الذهاب إلى المسجد الواحد أو يكون المسجد ضيقا لا يتسع للمصلين فيحدثون مسجدا آخر تصلى فيه الجمعة والواجب على المسؤولين أن يبحثوا هذا الأمر في بلدكم وأن يلغوا الجمع الجديدة التي لا حاجة إليها وإلا فإن بعض أهل العلم يقول إنهم إذا صلوا جمعة بدون حاجة فإن الصلاة لا تصح لوجوب اجتماع الناس في مسجد واحد وعلى كل حال فالواجب عليكم الآن أن تتصلوا بالمسؤولين حتى يبحثوا في هذا الأمر ويفعلوا ما يجب عليهم من توحيد الجمعة ما استطاعوا.
***
جزاكم الله خيرا يقول لا يوجد في مدينتنا مسجد جامع معتمد يجتمع فيه الناس لصلاة الجمعة وفي الحي الذي نسكن فيه يوجد ثلاثة مساجد متقاربة كلها تقيم الجمعة فهل صلاتنا جائزة أم أننا يجب أن نجتمع في مسجد جامع جزاكم الله خيرا؟

(188/86)

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب أن تجتمعوا في مسجد واحد لأن هذه المساجد متقاربة والأصل في الجمعة ألا تقام في أكثر من موضع إلا لحاجة وعليكم أن تبلغوا وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد الموضوع حتى تتمكن من إرشادكم إلى ما يجب فإن لم يتيسر ذلك فصلوا في أي مسجد شئتم إلا أنكم تفضلون المسجد الأول الذي كانت تقام فيه الجمعة أولا لأنه أولى من المسجدين الآخرين حيث إن المسجدين الآخرين هما اللذان حصل بهما المخالفة والخلاصة أنكم تتبعون أولا إبلاغ وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بهذا ثانيا إذا لم يتيسر تغيير الأمر عما كان عليه فصلوا في أول المساجد الذي أقيمت فيه الجمعة.
***
يقول السائل ما حكم تقارب جوامع الجمعة بعضها من بعض؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا موكول إلى الوزارة المعنية بشؤون المساجد والأصل أنه لا يجوز تعدد الجمع إلا لحاجة إما لبعد المساجد بعضها عن بعض وإما لضيقها وإما لخوف فتنة بين القبائل وما أشبه ذلك هذا هو الأصل ولهذا لم يكن تعدد الجمع في صدر الإسلام إلا في القرن الثالث وإلا فالناس كلهم يجمعون في مسجد واحد وهذا هو معنى كون الجمعة عيدا أن الناس كلهم يجتمعون في مسجد واحد حتى يرى بعضهم بعضا وحتى يكبر الجمع ويكون لهذه الصلاة مزية على غيرها لكن هذا أمر موكول للمسؤولين عن المساجد في الدولة وعليها أن تنظر ما يطابق الشريعة أما عامة الناس فليصلوا في أي مسجد كان من هذه الجوامع.
***
هل يجوز للمرأة صلاة الظهر يوم الجمعة قبل انتهاء الرجال من صلاة الجمعة؟

(188/87)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت صلاة الجمعة قد صلىت قبل الزوال فإنه لا يجوز للمرأة أو لغيرها ممن لا يحضرون الجمعة كالمرضى من الرجال أن يصلوا قبل زوال الشمس لأن وقت الظهر لا يدخل إلا بعد زوال الشمس أما إذا كانت الجمعة لا تفعل إلا بعد الزوال كما هو الكثير الغالب وكما هو الأفضل أن لا يحضر الإمام يوم الجمعة إلا بعد زوال الشمس ثم يخطب خطبتين ثم يصلى ففي هذه الحال يجوز للمرأة ولمن لا يحضر الجمعة لعذر من الرجال أن يصلوا ولو قبل صلاة الناس الجمعة لأنه إذا دخل وقت الظهر جازت صلاة الظهر سواء كان الناس قد صلوها أم لم يصلوها ومثل ذلك لو أذن لصلاة الظهر وصلت المرأة أو من لا تلزمه الجماعة قبل أن يصلوا الجماعة فلا حرج في هذا.
***
بالنسبة لصلاة الجمعة للمرأة كم ركعة تصلى في بيتها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المرأة إن صلت الجمعة مع الإمام فإنها تصلى كما يصلى الإمام وأما إذا صلت في بيتها فإنها تصلى ظهرا أربع ركعات.
***
ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم بأن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد وفعلا نحن نصلى الجمعة في البيت وسؤالي هل تكون الصلاة للظهر يوم الجمعة بالنسبة للمرأة وقت الصلاة في المسجد أي بعد الخطبة أم عند سماع الأذان؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المرأة تصلى في بيتها يوم الجمعة صلاة الظهر فإذا جاء وقت أذان الظهر بالأمس تصلى يعني ليس لها علاقة بصلاة الجمعة إطلاقا ولا بخطبة الجمعة, متى جاء وقت الصلاة العادي فلتصل والناس اليوم والحمد لله معهم ساعات ويعرفون متى يدخل الوقت ومتى يخرج.
***
جزاكم الله خيرا السائلة أم خالد تقول هل سماع الخطبة بالنسبة للنساء من المذياع يعادل أجر الحاضرات إلى المسجد وهل النهي بالنسبة لمن حضر المسجد ينطبق على السامع في المنزل بأن لا يمس الحصى مثلا ولا يتكلم مع الذي بجانبه ولا يحدث شوشرة؟

(188/88)

فأجاب رحمه الله تعالى: استماع المرأة إلى خطبة الصلاة وهي في بيتها أفضل من حضورها المسجد لأن صلاتها في بيتها أفضل ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن) وإذا كانت في البيت تستمع إلى الخطبة والظاهر أنه لا يجب عليها الاستماع إن استمعت وانتفعت فهذا خير وإن لم تستمع فلا حرج عليها فيجوز لها أن تغلق المذياع ويجوز لها أن تتكلم ويجوز لها أن تقوم من مكانها وتأكل وتشرب ولا حرج.
***
هل يجوز للنساء كبار السن صلاة الجمعة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم تجوز لهن بشرط أن يخرجن على الوجه الشرعي غير متطيبات ولا متبرجات بزينة وأن يكن في مكان منفرد عن الرجال أو بعيدا عنهم لا يختلطن بالرجال وكذلك أيضا يبادرن بالقيام بعد سلام الإمام حتى يخرجن قبل الرجال وقبل مزاحمتهم فإذا صلين مع الإمام الجمعة صحت لهن وسقطت عنهن فريضة الظهر.
***
من الأخت خديجة صالح تقول هل على المرأة صلاة سنة الجمعة أي في البيت تصلىها أو تصلى مع المذياع عندما ينقل الصلاة، صلاة الجمعة من الكويت وأنا في العراق؟

(188/89)

فأجاب رحمه الله تعالى: يبدو أن قول السائلة هل على المرأة سنة الجمعة أنها تريد صلاة الجمعة كما يدل عليه آخر سؤالها، وجوابنا على ذلك أن نقول صلاة الجمعة إنما تشرع في حق الرجال فقط، ولا تشرع في حق المرأة إلا تبعا للإمام فلو حضرت الصلاة مع الناس، أي صلاة الجمعة فإنه يجوز أن تصلى الجمعة تبعا لهم. أما في بيتها فإن الواجب عليها أن تصلى صلاة الظهر، وهكذا من كان يصلى في بيته من الرجال لعذر كالمريض فإنه يجب عليه أن يصلى صلاة الظهر، أما الصلاة خلف المذياع فإنها لا تجوز وذلك لأن من شرط صلاة الجمعة أن تكون في جماعة والذي يصلى خلف المذياع ليس في جماعة أي ليس متصلا بالجماعة الذين يصلون، فبينه وبينهم مسافات كبيرة ولا يمكن أن يقال إن هؤلاء الذين يصلون خلف المذياع إنهم من جماعة المسجد الذي يأتمون بإمامه في المذياع، وصلاة الجماعة وكذلك صلاة الجمعة لابد أن يكون الناس فيها مجتمعين حقيقة وحكما على إمام واحد، وأما المنفصلون بمثل هذه المسافات البعيدة من غير أن تتصل الصفوف فإن صلاتهم لا تصح، وعلى هذا فلا يجوز للمرأة ولا لغير المرأة أن تصلى صلاة الجمعة ولا غير صلاة الجمعة خلف المذياع، هذا مع أنه يحتمل انقطاع التيار، وحينئذ يبقى الإنسان في حيرة، وإن كان هذا في الحقيقة ليس بمانع لأنه لو انقطع صوت الإمام وأنت في المسجد ولا يمكنك متابعته، فإنك تصلى ما بقي من صلاتك منفردا.
***
أيهما أفضل صلاة المرأة الجمعة مع الإمام أو في منزلها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الأفضل أن تصلى في منزلها صلاة ظهر، ولا تصلى مع الإمام لأن بيت المرأة خير لها من حضور الجماعة، إلا في صلاة واحدة وهي صلاة العيد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر النساء أن يخرجن إليها حتى الحيض وذوات الخدور إلا أن الحيض يعتزلن المصلى، ويجب عليها إذا خرجت أن تخرج غير متبرجة ولا متطيبة.
***

(188/90)

جزاكم الله خيرا هذه سائلة من اليمن تقول في سؤالها ورد عن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بأن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد فسؤالي هل صلاة الظهر يوم الجمعة بالنسبة للمرأة تكون بعد الخطبة أي وقت الصلاة في المسجد أم عند سماع الأذان؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المرأة الأفضل صلاتها في بيتها حتى في مكة والمدينة الأفضل أن تصلى في بيتها وفي يوم الجمعة إذا كان الإمام لا يدخل إلا بعد دخول وقت صلاة الظهر فإن المرأة تصلى الظهر بمجرد ما تسمع النداء وأما إذا كان الإمام يأتي قبل الزوال فلتنتظر حتى تزول الشمس لأن صلاة الظهر لا تصح قبل الزوال بأي حال من الأحوال.
***
أثناء المحاضرات تقام صلاة الجمعة فنقع في حرج فماذا يلزمنا في هذا وما هو توجيهكم بارك الله فيكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان لا يضركم أن تدعوا هذه المحاضرات وتصلوا الجمعة فافعلوا وإن كان يضركم هذا فإن الجمعة تسقط عنكم ولا يلزمكم الحضور إليها وحينئذ تصلون ظهرا.
***
ذهب رجل للمسجد لصلاة الجمعة وبعد أن حضر الإمام إلى المنبر وبدأ خطبة الجمعة جاء ابن هذا الرجل وقال إن حريقا شب في البيت فخرج الرجل مستنفرا البعض من المصلين فأطفؤوا الحريق وعادوا إلى المسجد وقد انتهت الصلاة فما حكم ذلك وما حكم الناس الذين فاتتهم الصلاة أرشدونا جزاكم الله خيرا؟

(188/91)

فأجاب رحمه الله تعالى: ذلك لا بأس به أي أن الإنسان إذا تخلف عن الجمعة أو غادر مكان الجمعة ولو بعد حضور الإمام من أجل إطفاء الحريق الذي في بيته أو في بيت أخيه المسلم فلا بأس به بل قد يكون هذا واجبا عليه وإذا فاتته الصلاة فإنه يكتب له أجرها كاملا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المعذور (من مرض أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما) فلا حرج على هذا الرجل الذي خرج بعد أن حضر الإمام حين قيل له إن بيتك قد شب فيه الحريق ولا حرج على الآخرين الذين قاموا بمساعدته وإذا كانوا رجعوا إلى المسجد بعد أن انتهت الصلاة فإنهم يصلونها ظهرا لأن كل من فاتته صلاة الجمعة فإنه يصلىها ظهرا أما من أدرك بعض صلاة الجمعة فينظر إن أدرك ركعة كاملة فإنه يصلىها جمعة وإن أدرك أقل من ركعة بأن جاء والإمام قد رفع رأسه من الركوع في الثانية فإنه يصلىها ظهرا.
***
الدرس الذي يكون قبل الأذان يوم الجمعة ما حكمه وما حكمه إذا كان بشكل مستمر؟

(188/92)

فأجاب رحمه الله تعالى: أما الدرس الخاص الذي يكون بين عالم وتلاميذه فهذا لا بأس به إلا أنه نهي عن التحلق يوم الجمعة إذا كان في ذلك تضييق على من يأتون إلى الجمعة وأما إذا كان عاما مثل أن يكون الدرس في مكبر الصوت عاما على جميع الحاضرين فإن هذا منكر وبدعة أما كونه منكرا فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على أصحابه حين كانوا يصلون أوزاعا فيجهرون بالقراءة فقال عليه الصلاة والسلام (كلكم يناجي ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا بالقراءة) لأنه إذا رفع صوته شوش على الآخرين فهذا وجه كونه منكرا فإن هذا الذي يحدث الناس بمكبر الصوت يوم الجمعة يؤذي الناس لأن من الناس من يحب أن يقرأ القرآن ومن الناس من يحب أن يتنفل بالصلاة ومن الناس من يحب أن يفرغ نفسه للتسبيح والتهليل والتكبير وليس كل الناس يرغبون أن يستمعوا إلى هذا المتحدث فيكون في هذا إيذاء لهم ومن أجل هذا أنكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أصحابه الذين يجهر بعضهم على بعض وأما كونه بدعه فلأن هذا لم يحدث في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو صلى الله عليه وسلم أحرص الناس على تبليغ الرسالة ولم يحصل وذلك لأنه سوف يحصل للناس التذكير والموعظة في الخطبة المشروعة التي ستكون عند حضور الإمام فنصيحتي لإخواني في أي بلد من بلاد المسلمين الذين يقومون بهذا أن يدعوا هذا العمل أن يدعوه لله تقربا إليه وإذا أرادوا أن يعظوا الناس فليعظوهم في وقت آخر حسبما تقتضيه الأحوال.
***
بارك الله فيكم هذا المستمع م ع. ص. يقول صلى شخص الجمعة في أحد المساجد وهو مسافر وبعد الصلاة قام وصلى العصر قصرا بحجة أنه مسافر وأنه سيتوجه إلى بلده قبل أذان العصر؟

(188/93)

فأجاب رحمه الله تعالى: الجمعة صلاة مستقلة تختلف عن صلاة الظهر في أمور كثيرة معروفة لأهل العلم ومما تفارق فيه الظهر أنه لا يجوز جمع العصر إليها إذا كان الإنسان مسافرا وذلك لأن الأحاديث الواردة في الجمع ليس فيها إلا الجمع بين الظهر والعصر وصلاة الجمعة لا تسمى صلاة ظهر بل الظهر بدل عنها إذا فاتت وعلى هذا فإني أقول لهذا الأخ الذي صلى العصر مع الجمعة أعدها الآن صلاة عصر مقصورة لأن الرجل إذا نسي صلاة وهو في سفر أو أخل بشيء منها يوجب عليه أن يعيدها فإنه يقضيها كما وجبت أي يقضي صلاة السفر إذا كان في الحضر ركعتين والعكس بالعكس فيقضي صلاة الحضر إذا ذكرها في السفر يقضيها أربعا لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) فقوله فليصلها الضمير يعود على هذه المنسية أو التي نام عنها يعود إليها بصفتها فإذا كانت الفائتة مقصورة صلاها قصرا وإذا كانت تامة صلاها تامة.
***
بارك الله فيكم السائل محمد القحطاني يقول ما حكم من جمع بين صلاة الجمعة وصلاة العصر جمعا وقصرا في وقت الأولى أثناء السفر وما العمل بالنسبة لمن فعل ذلك عدة مرات؟

(188/94)

فأجاب رحمه الله تعالى: أما من صلى الجمعة وهو في البر مسافر فصلاته باطلة لأن الجمعة لا تسن في السفر ولا تشرع وهي بدعة فإن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يسافر وتصادفه الجمع في سفره ولم يقم الجمعة ولا مرة واحدة حتى في أكبر مجمع للمسلمين يوم عرفة في حجة الوداع وكان ذلك اليوم يوم جمعة ومع ذلك لم يصل الجمعة بل صلى الظهر والعصر جمعا وقصر وأما إذا كان في بلد مر به في سفره وصادفته صلاة الجمعة ودخل في المسجد وصلى مع الناس صلاة الجمعة فهذه صلاة جمعة وليست ظهرا مقصورة فإذا جمع إليها العصر لم يصح الجمع لأن الجمع الوارد إنما هو بين الظهر والعصر وليس بين الجمعة والعصر والجمعة صلاة مستقلة لها خواص تفارق بها الظهر في أكثر من عشرين حكما وحينئذ لا يصح قياسها أي قياس الجمعة على الظهر في جواز جمع العصر إليها ومن فعل ذلك فإن كان أحد قد أفتاه بهذا فهو على ما أفتاه ولا إعادة عليه لكن لا يعود لذلك ومن كان عن غير فتوى فإن أعاد فهو أحسن وحينئذ يتحرى العدد الذي حصل فيه جمع العصر إلى الجمعة ويصلى وإذا شك هل ذلك عشر مرات أو تسع مرات فليجعله تسعا أي يأخذ بالأقل.
***
ما الأفضل في صلاة راتبة الجمعة ركعتان في المنزل أم أربعا في المسجد بعد الصلاة؟

(188/95)

فأجاب رحمه الله تعالى: ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعا) وثبت عنه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلى ركعتين في بيته فمن العلماء من قال إنه يصلى أربعا سواء في بيته أو في المسجد وعلل ذلك بأن قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مقدم على فعله ومنهم من قال بل يصلى ستا يصلى أربعا بمقتضى قوله ويصلى ركعتين بمقتضى فعله ومنهم من قال إن صلى في بيته صلى ركعتين تأسيا بفعله وإن صلى في المسجد صلى أربعا امتثالا لأمره والذي يترجح عندي أنه يصلى أربعا سواء في بيته أم في المسجد أخذا بما يقتضيه قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
***

(188/96)

صلاة العيد
جزاكم الله خيرا كم عدد التكبيرات في صلاة العيدين وما حكم صلاة من لم يأت بها في صلاته؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التكبيرات الزائدة على تكبيرة الإحرام والتكبيرات الزائدة في الركعة الثانية سنة وليست بواجبة فلو تركها الإنسان فلا شيء عليه وأما عددها فمختلف فيه بين السلف والمختار منها أن يكبر ست تكبيرات بعد تكبيرة الإحرام في الركعة الأولى وخمس تكبيرات إذا قام في الركعة الثانية.
***
هذه الرسالة وصلت من المستمع عوض السيد من السودان يقول لدينا مجموعة من الناس يصلون صلاة العيدين خلف مقابر المسلمين فترة طويلة وفي الفترة الأخيرة اختلف هؤلاء على هذا المكان مما دعاهم إلى الانقسام وأصبح جزء منهم يصلى في مكانه والجزء الآخر اتخذ جانب المقابر وكل منهم يقيم خطبته على مرأى من الآخرين الرجاء الإفادة حول صحة تلك الصلاة؟

(189/1)

فأجاب رحمه الله تعالى: قبل الإجابة على هذا السؤال أود أن أوجه نصيحة إلى إخواني المسلمين وهي أن الواجب عليهم الاجتماع على دين الله وإقامته وأن لا يتفرقوا فيه كما قال الله تعالى (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) وقال الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون) وقال الله تعالى (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) ففي هذه الآيات الكريمة نهى الله سبحانه وتعالى عن التفرق وأمرنا بإقامة الدين وبين أن نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بريء من هؤلاء المتفرقين ولا شك أن هذا التفرق يضر بالإسلام والمسلمين وأن هذا التفرق هو قرة عيون أعداء الله من الكفار والمنافقين وأن هذا التفرق يمزق المسلمين تمزيقا كما تمزق الرياح العاصفة الثياب البالية وأن هذا التفرق يكسر شوكة المسلمين ويعز أعداءهم عليهم وأن هذا التفرق يؤدي إلى العداوة والبغضاء بين المسلمين وهو الأمر الذي تكاد أن تقول إن كثيرا من النواهي مبنية على هذه العلة أي على إحداث العداوة والبغضاء تجد النواهي في البيوع والنواهي في المآكل والمشارب سببها إبعاد الناس عن العداوة والبغضاء وهذا التفرق في دين الله يؤدي ولا شك إلى العداوة والبغضاء ولا سيما إذا كان التفرق بين طلبة العلم في أمور الاجتهاد التي يسوغ فيها الخلاف فإن هذه المسائل التي يسوغ فيها الخلاف مسائل اجتهادية لا ينبغي أن يحدث بسبب الخلاف فيها اختلاف في القلوب لأن هذا الاختلاف في القلوب

(189/2)

مخالف لما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم فالصحابة رضي الله عنهم يختلفون في المسائل كثيرا ومع ذلك فإن قلوبهم متفقة لا تختلف وأنا أضرب مثلا لاختلاف الصحابة رضي الله عنهم حين ندبهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد الرجوع من غزوة الأحزاب إلى أن يخرجوا لبني قريظة وقال لهم (لا يصلىن أحد العصر إلا في بني قريظة) فخرجوا فأدركتهم صلاة العصر في الطريق فمنهم من صلاها في وقتها ومنهم من أخرها حتى وصل بني قريظة فصلى بعد الوقت ولم يعنف واحد منهم الآخر ولم يوبخ النبي صلى الله عليه وسلم طائفة منهم ولم تختلف قلوبهم في ذلك لأن الحديث فيه احتمال لهذا ولهذا فمن نظر إلى قوله لا يصلىن أحد العصر إلا في بني قريظة وأخذ بظاهره قال لا أصلى إلا في بني قريظة وكوني أصل إلى محل القتال عذر في تأخير الصلاة ومن نظر إلى أن المراد بقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلىن أحد إلا في بني قريظة هو المبادرة والإسراع وأخذ بعموم الأدلة الموجبة للصلاة أن تكون في وقتها صلى في الطريق فلكل وجهة فكذلك أيضا المسائل الاجتهادية التي تكون بين العلماء إلى يومنا هذا فإذا كان للخلاف مساغ فإنه يجب أن لا يكون هذا الخلاف سببا لاختلاف القلوب هذه نصيحة أود أن أذكر بها إخواني المسلمين ولا سيما بعض طلبة العلم الذين يتخذون من الخلاف في المسائل الاجتهادية سببا للتنافر والتباغض.

(189/3)

أما بالنسبة للسؤال الذي سأله السائل فإنني أقول إذا كانت القبور في قبلة المصلى مباشرة فإنه لا يجوز أن يصلى خلفها لأنه ثبت في صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها) فلا يجوز الصلاة إلى القبور أي أن يتخذ الإنسان القبر قبلة له فإذا كانت هذه القبور إلى قبلة المصلى فإن الواجب نقل القبور إلى مكان آخر ويكون الصواب مع الطائفة التي بعدت عن هذا المكان والواجب على الطائفة الأخرى أن تذهب وتصلى معها أما إذا كانت القبور بعيدة عن المصلى ولا تعتبر مباشرة له فلا بأس بالصلاة في هذا المكان لا سيما إذا كان المكان سابقا على القبور وعلى الطائفة التي انفردت أن ترجع وتصلى مع الطائفة الأخرى هذا هو الحكم بين الطائفتين وأما تفرقهما هؤلاء في مكان وهؤلاء في مكان حتى إن بعضهم ليسمع صلاة بعض مع كونهم مسلمين فهذا خلاف ما تقتضيه الشريعة الإسلامية ونصيحتي لهم أن يبنوا أمرهم على ما قلت إذا كانت القبور منفصلة عن المصلى ولا يعتبر المصلى فيه مصلىا إليها فالواجب على الطائفة التي انفردت أن ترجع وإذا كانت القبور مباشرة للمصلى والمصلى في هذا المصلى يعتبر مصلىا إليها فإن الواجب أن يرحلوا عن هذا المصلى وأن يكونوا مع الطائفة التي انفردت حتى يكونوا أمة واحدة كما وصفهم الله في قوله (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون).
***
إذا جاء الشخص إلى مصلى العيد ووجد الإمام في الخطبة وقد أدى الصلاة فهل يصلى ركعتي العيد أم أنه يجلس لاستماع الخطبة بحجة أن الصلاة قد فاتت أفتونا بهذا ؟

(189/4)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا جاء الإنسان يوم العيد والإمام يخطب فقد انتهت الصلاة كما هو معلوم ولكن لا يجلس حتى يصلى ركعتين تحية للمسجد فإن فقهاء الحنابلة رحمهم الله نصوا على أن مصلى العيد حكمه حكم المساجد ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم (أمر الحيض أن تعتزله) وهذا يدل على أن حكمه حكم المساجد وبناء عليه فإنه إذا دخله الإنسان لا يجلس حتى يصلى ركعتين تحية المسجد أما قضاء صلاة العيد إذا فاتت فقد اختلف فيه أهل العلم فمنهم من قال إنها تقضى على صفتها ومنهم من قال إنها لا تقضى والقائلون بأنها لا تقضى يقولون لأنها صلاة قد شرعت على وجه الاجتماع فلا تقضى إذا فاتت كصلاة الجمعة لكن صلاة الجمعة يجب أن يصلى الإنسان بدلها صلاة الظهر لأنها فريضة الوقت أما صلاة العيد فليس لها بدل فإذا فاتت مع الإمام فإنه لا يشرع قضاؤها وهذا هو اختيار شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله وهو عندي أقرب إلى الصواب من القول بالقضاء والله أعلم.
***
أحسن الله إليك إذا ذهبت المرأة لمصلى العيد فوجدت الصلاة قد انتهت وبدأت الخطبة فهل تقضي الصلاة أم تستمع للخطبة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: تصلى تحية المسجد لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلى ركعتين) وتكتفي بذلك أما قضاء صلاة العيد فالصحيح أنها لا تقضى لأنها صلاة شرعت على هذا الوجه فإن أدركها الإنسان على هذا الوجه فذاك وإن لم يدركها فإنه لا يقضيها فإن قال قائل كيف تقولون لا تقضى صلاة العيد مع أن صلاة الجمعة تقضى فالجواب أن صلاة الجمعة لا تقضى أيضا وإنما يصلى بدلها صلاة الظهر التي هي فرض الوقت في الأصل.
***
هذه رسالة وردتنا من سالم يقول في رسالته إنه لم يدرك صلاة العيد فقضاها في الضحى من النهار؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم، يجوز له ذلك ولا حرج عليه.
***

(189/5)

في صلاة الأعياد هل يجوز للشخص أن يصلى ركعتين قبل الصلاة وعند دخوله المسجد سواء في الفطر أو في الأضحى؟
فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة ركعتين عند دخول مصلى العيد لصلاة العيدين أو للاستسقاء مختلف فيها عند أهل العلم فمنهم من قال إنه يكره أن يتنفل قبل الصلاة وبعدها في موضعها وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله واستدلوا لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في صلاة العيد فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما ومن العلماء من يقول يتنفل قبل الصلاة ولا يتنفل بعدها لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتنفل بعدها وأما قبل الصلاة فلم يرد نهي عنه والأصل الإباحة إلا إذا كان في وقت نهي كما لو كان قبل ارتفاع الشمس قيد رمح فإن هذا وقت نهي لا يجوز أن يتطوع الإنسان فيه بالنفل المطلق وأما النفل الذي له سبب ففيه خلاف وسنذكره إن شاء الله ومن العلماء من يقول إن الصلاة غير مكروهة لا قبل الصلاة ولا بعدها وذلك لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي ولم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن ذلك ولكن الأفضل أن لا يصلى قبلها ولا بعدها إلا ما له سبب كتحية المسجد وهذا القول عندي أرجح الأقوال أي إنه لا كراهة في الصلاة قبلها ولا بعدها ولكن الأفضل أن لا يصلى قبلها ولا بعدها في موضعها إلا إذا كان وقت نهي بأن كان قبل أن ترتفع الشمس قيد رمح فالصلاة محرمة إلا تحية المسجد أي إذا دخل إلى مصلى العيد صلى ركعتين قبل أن يجلس لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلى ركعتين) فإن قال قائل مصلى العيد ليس هو المسجد بدليل أنه يسمى المصلى ولا يسمى مسجدا فالجواب أن العلماء مختلفون هل مصلى العيد مسجد أم لا والمشهور من مذهب الإمام أحمد أن مصلى العيد مسجد وهذا هو القول الراجح لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر النساء أن يخرجن لصلاة العيد وأمر الحيض أن يعتزلن المصلى وهذا يدل على أن له

(189/6)

حكم المسجد فالشيء يستدل بأحكامه عليه فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام أمر الحيض بأن يعتزلن مصلى العيد كان دليلا على أنه مسجد إذ إن الذي تمنع منه الحائض هو المسجد وإذا تبين أنه مسجد فإنه لا دليل على إخراجه من عموم قول الرسول صلى الله عليه وسلم (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلى ركعتين) ولكن مع ذلك لا ينبغي أن ينكر على من جلس ولم يصل ركعتين كما لا ينكر على من صلى ركعتين وذلك لأن هذه المسألة من مسائل الخلاف التي يسوغ فيها الاجتهاد والمسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد لا ينكر فيها على أحد تبع فيها أحد القولين إما بمقتضى الدليل عنده وإما بثقته بمن قال به و لكن لا شك أن من صلى ركعتين بدخول مصلى العيد أقرب للصواب ممن لم يصل.
***
عند صلاة عيد الفطر أو الأضحى بعض من الناس يجلس مباشرة عند دخوله مكان صلاة العيد والكثير من الناس يصلى ركعتين قبل جلوسهم أيهم الأصح والأفضل في ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: مصلى العيد مسجد بدليل أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم أمر الحيض اللاتي يخرجن إلى مصلى العيد أن يعتزلن المكان وهذا يدل على أنه مسجد وعلى هذا فإذا حضر الإنسان لصلاة العيد ودخل المصلى فإنه لا يجلس حتى يصلى ركعتين كغيره من المساجد لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلى ركعتين) وقال بعض أهل العلم إنه لا يصلى سواء دخل قبل طلوع الشمس أو بعد طلوع الشمس ولكن الأرجح ما ذكرناه أولا لأنه لا ينبغي أن ننكر على من صلى ولا على من جلس لأن المسالة ذات خلاف بين العلماء وأحد القولين محتمل للصحة أي لأن يكون هو الصحيح فإذا كان كذلك فإنه لا ينكر إذ لا إنكار في مسائل الاجتهاد التي ليس فيها نص يفصل بين الاجتهادين.
***
حفظكم الله السائل محمد صالح من اليمن يقول يا فضيلة الشيخ إذا وافق العيد يوم الجمعة وحضر إمام المسجد وصلى بالمأمومين صلاة الظهر بدون خطبة فما الحكم؟

(189/7)

فأجاب رحمه الله تعالى: الواقع أن المسألة فيها خلاف بين العلماء رحمهم الله والقول الراجح الذي دلت عليه السنة أن الناس يصلون صلاة العيد في مصلى العيد وأن الإمام يقيم صلاة الجمعة في مساجد الجمعة ويقول الإمام في خطبة العيد من حضر معنا صلاتنا هذه لم تلزمه الجمعة ويصلى في بيته صلاة الظهر ولا يقام في البلد إلا الجمعة فقط فالآن نقول إذا وافق الجمعة يوم العيد تصلى صلاة العيد ولابد ومن حضرها فله الخيار بين أن يصلى الجمعة مع الإمام أو يصلى في بيته ظهرا .
ثانيا يجب إقامة الجمعة في البلد فمن حضرها صلى جمعة ومن لم يحضرها فإنه يصلى في بيته.
ثالثا لا تقام صلاة الظهر في المساجد في ذلك اليوم لأن الواجب في المساجد الجمعة فلا تقام صلاة الظهر هذا هو القول الراجح الذي دلت عليه السنة.
***
امرأة تسأل عن صلاة العيد بالنسبة للنساء حيث لا يوجد لدينا مصلى للنساء فأجمع النساء في بيتى وأصلى بهن صلاة العيد فما الحكم في ذلك علما بأن بيتي مستور وبعيد عن الرجال؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحكم في ذلك أن هذا من البدعة فصلاة العيد إنما تكون جماعة في الرجال والمرأة مأمورة بأن تخرج إلى مصلى العيد فتصلى مع الرجال وتكون خلفهم بعيدة عن الاختلاط بهم وأما أن تكون صلاة العيد في بيتها فغلط عظيم فلم يعهد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا عن أصحابه أن النساء يقمن صلاة العيد في البيوت.
***
هل يجوز للمرأة أن تصلى صلاة العيد في بيتها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المشروع في حق النساء أن يصلىن صلاة العيد في مصلى العيد مع الرجال لحديث أم عطية رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر (أن يخرج النساء حتى الحيض وذوات الخدور يشهدن الخير ودعوة المسلمين ويعتزل الحيض المصلى) فالسنة أن يخرج النساء إلى مصلى العيد مع الرجال أما صلاة النساء في البيوت فلا أعلم في ذلك سنة والله أعلم.
***

(189/8)

بارك الله فيكم عند العيد أثناء الصلاة يحضر النساء لصلاة العيد خلف الرجال مع أن مكان الصلاة ليس جامعا وإنما أرض مكشوفة هل يجوز لهن الصلاة خلف الجماعة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز لهن ذلك بل إن صلاة العيد خاصة يندب لها خروج النساء فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج النساء في صلاة العيد حتى الحيض وذوات الخدور والعواتق إلا أن الحيض يعتزلن المصلى ولا حرج عليهن أن يقفن وراء الرجال بدون حاجز لكن يجب عليهن تغطية الوجوه لأن المرأة لا يحل لها كشف وجهها عند الرجال سوى محارمها وزوجها.
***
هذا يسأل عن التكبير المطلق ويقول ما هو التكبير المطلق وما هو التكبير المقيد ومتى وقته؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التكبير في ليلة عيد الفطر تكبير مطلق والتكبير في عشر ذي الحجة وأيام التشريق تكبير مطلق ومقيد فالمطلق من دخول شهر ذي الحجة إلى آخر يوم من أيام التشريق وهي الأيام الثلاثة بعد يوم العيد والتكبير المقيد من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق.
***
هل يكون التكبير في عيد الفطر وعيد الأضحى بعد الصلاة جماعة أو منفردا وما هي الصيغة الشرعية التي وردت في التكبير؟

(189/9)

فأجاب رحمه الله تعالى: التكبير ليلة عيد الفطر إلى مجيء الإمام وصفته أن يقول (الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد) أو يقول (الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد) الأمر في هذا واسع وابتداؤه في عيد الفطر كما قلت من غروب الشمس ليلة العيد إلى مجيء الإمام أما في عيد الأضحى فالتكبير من دخول شهر ذي الحجة إلى آخر أيام التشريق لكنه لا يسن يوم العيد والإمام يخطب لأن الإنسان مأمور أن يستمع للخطبة أما التكبير الجماعي بصوت واحد فهذا ليس من السنة بل كل واحد يكبر وحده لنفسه وهذا التكبير يسن للرجال أن يجهروا به وأما النساء فلا تجهر به لا في البيت ولا في السوق ولكن إذا كانت في بيتها وصار أنشط لها أن تجهر فلا بأس.
فضيلة الشيخ هل هذا التكبير يكون جماعيا وبصوت واحد وإذا فعلنا ذلك هل يكون من البدع؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الصحيح أنه لا يكون بصوت واحد وإنما يكبر كل إنسان لنفسه كما قال أنس بن مالك رضي الله عنه (إنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حجة الوداع منهم الملبي ومنهم المكبر) فكل إنسان يكبر بنفسه على حسب اللهجة التي يريدها وأما الاجتماع على التكبير بصوت واحد فلا أعلمه في السنة.
***
ما حكم التكبير ليلة العيد في صورة جماعية؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التكبير في ليلة العيد سنة لقول الله تبارك وتعالى بعد أن ذكر آيات في الصيام قال (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) ولكن يكبر كل إنسان على انفراده والتكبير الجماعي لا أصل له في السنة بل كان الصحابة يكبرون كل واحد يكبر بنفسه قال أنس بن مالك رضي الله عنه (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحج فمنا المكبر ومنا المهل) فدل ذلك على أنهم لا يكبرون تكبيرا جماعيا.
***

(189/10)

بارك الله فيكم هذا السائل يا فضيلة الشيخ من اليمن إب قرية السمراء يقول قبل عيد الأضحى وبعده كذلك يكبر الناس عندنا بصوت مرتفع في المساجد هل هذا العمل جائز؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التكبير في عشر ذي الحجة كلها من أول يوم إلى آخر أيام التشريق الثلاثة بعد العيد يكبر الناس في المساجد وفي الأسواق والبيوت ويجهرون بذلك هذا هو السنة وأما كونهم لا يكبرون إلا قبل العيد بثلاثة أيام فلا أعلم لهذا أصلا لكن بعض العلماء قال إنه من فجر يوم عرفة يكون التكبير المقيد أي الذي يكون بعد الصلاة المفروضة.
***

(189/11)

صلاة الكسوف
هذا مستمع من اليمن يقول فضيلة الشيخ هل صلاة الكسوف واجبة على كل مسلم وإذا كانت واجبة هل يصلىها الإنسان في المنزل أم يذهب إلى المسجد وإذا كان المسجد بعيدا ماذا يفعل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نود أن نبين أن الكسوف هو ذهاب أحد النيرين ذهابا كليا أي غيبوبته عن الأنظار أو ذهابا جزئيا فالأول يسمى كسوفا كليا والثاني يسمى كسوفا جزئيا ولا ريب أن هذا الكسوف واقع بإرادة الله سبحانه وتعالى وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم الحكمة منه في قوله (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن الله يخوف بهما عباده) فالكسوف إنذار من الله عز وجل للعباد بعقوبة متوقعة ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم إذا حدث كسوف الشمس أو خسوف القمر أن يبادر الناس إلى الصلاة والذكر والدعاء والتكبير والصدقة والعتق توبة إلى الله عز وجل ورجوعا إليه وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الكسوف حين كسفت الشمس في عهده في اليوم الذي مات فيه ابنه إبراهيم رضي الله عنه فأمر مناديا أن ينادي الصلاة جامعة فاجتمع الناس في المسجد وصلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم صلاة غريبة هي في الحقيقة آية شرعية لأنها مخالفة لبقية الصلوات وهي أيضا آية كونية مخالفة للعادة صلى بهم صلى الله عليه وسلم صلاة طويلة جدا جدا صلى ركعتين في كل ركعة ركوعان وسجودان ثم وعظهم بعد ذلك موعظة بليغة قال فيها (والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا) وقد اختلف العلماء رحمهم الله هل صلاة الكسوف للشمس أو القمر واجبة يأثم الناس بتركها أو إنها مستحبة فذهب أكثر العلماء إلى أنها مستحبة ولكن القول الراجح أنها فرض واجب إما على الكفاية وإما على الأعيان وذلك لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بها أي الصلاة وفعله لها وفزعه من أجل ذلك وقوله إن الله يخوف عباده بهذا الكسوف ومعلوم أن مقام التخويف ينبغي فيه بل يجب فيه

(190/1)

اللجوء إلى الله عز وجل حتى نكون منيبين إليه فالصواب أنها واجبة إما على الكفاية أو على الأعيان ولا يجوز لأحد أن يتخلف عنها إذا قلنا إنها فرض عين أما إذا قلنا إنها فرض كفاية وقام بها من يكفي فإنها تسقط عن الباقين وأما صلاتها فالأفضل أن تكون في الجامع الذي تصلى فيه الجمعة لأجل أن يجتمع الناس فيها على إمام واحد وإن صلاها الناس كل في مسجده فلا حرج وإن صلاها الإنسان في بيته كالنساء مثلا فلا حرج فالأمر في هذا واسع ولكن الأفضل أن يجتمع الناس فيها في الجامع على إمام واحد.
***
يقول السائل قرأت في كتاب عنوانه قصص الأنبياء عن الخسوف والكسوف يقول وفي الكتاب إن الشمس تدور على عجلة وفي العجلة ثلاثمائة وستون عروة وعلى كل عروة ملك من ملائكة الله وعندما يريد الله أن يخوف عباده يزيل الشمس من على العجلة ويحصل الكسوف ولكن العلم يقول وقوع القمر بين الشمس والأرض هو سبب الكسوف أرجو توضيح هذه القدرة الإلهية بارك الله فيكم؟

(190/2)

فأجاب رحمه الله تعالى: القدرة الإلهية أعظم مما ذكره السائل عن هذا الكتاب الذي هو قصص الأنبياء ويدلك على عظمة الخالق عز وجل قوله تعالى (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) وقوله عز وجل (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) وقوله تعالى عن البعث (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون) وقال عز وجل (فإنما هي زجرة واحدة (13) فإذا هم بالساهرة) فهذه القدرة العظيمة أن يصاح بالخلق وهم أموات في القبور ثم يخرجون بهذه الصيحة خروج رجل واحد حتى يحضروا عند الله عز وجل وقال تعالى (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة) فالقدرة الإلهية لا يبلغ العقل مداها أبدا لأن الله تعالى أعظم من أن يحيط أحد بذاته أو بصفاته أعني من حيث الكنه والحقيقة قال الله عز وجل (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما) وقال عز وجل (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) وهذا القول الذي ذكره السائل عن الشمس قول باطل لا صحة له ولا أصل له في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومثل هذه الأمور الموضوعة الكاذبة تسيء إلى الإسلام إساءة عظيمة لأن غير المسلمين إذا سمعوا مثل هذه الأقوال التافهة المنسوبة إلى الإسلام انقدح في أذهانهم أن الإسلام ليس بشيء وأنه خرافي وأنه لا يستقيم له أمر ما دام هذا وضعه وحينئذ يكون هؤلاء الوضاعون قد طعنوا في الإسلام من حيث لا يشعرون والكسوف حقيقته ما ذكره السائل من أن القمر يحول بين الشمس والأرض حتى يحصل الكسوف في الجزء المحاذي للقمر من الأرض ولهذا لا يحصل كسوف الشمس إلا في آخر الشهر

(190/3)

حيث يكون القمر قريبا منها يمكن أن يحول بينها وبين الأرض كما أنه لا يحصل خسوف القمر إلا في ليالي الإبدار حيث يكون بين القمر والشمس تمام المقابلة فيمكن أن تحول الأرض بين الشمس والقمر على جزء من القمر أو على كل القمر فيحصل الخسوف فسبب كسوف الشمس حيلولة القمر بينها وبين الأرض وسبب خسوف القمر حيلولة الأرض بينه وبين الشمس وكل هذا إنما يكون بأمر الله عز وجل وبقضاء الله وقدره و الله عز وجل يقضي ذلك من أجل أن يخوف العباد وهذا هو السبب الشرعي للكسوف والخسوف قال النبي صلى الله عليه وسلم (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته) وأمر صلى الله عليه وسلم عند حدوث ذلك بالصلاة والصدقة والاستغفار والتكبير والدعاء والعتق كل هذا تفاديا لغضب الله عز وجل الذي انعقدت أسبابه وجعل الله هذا الكسوف إنذارا به والنبي عليه الصلاة والسلام قال (يخوف الله بهما عباده) فالكسوف والخسوف إنذار وليس عقوبة حتى ينقدح في أذهان بعض الناس الشك في هذا الأمر يقول إن الكسوف والخسوف يحدث دائما ولا نجد بأسا فيقال إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل إنها عقوبة وغضب لا بد من وقوع العقوبة والغضب ولكنه قال إن الله يخوف بهما عباده لعلهم يحدثون له توبة فإذا قاموا وصلوا و فعلوا ما أمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى قد يرفع عنهم العقوبة بسبب هذه الأمور التي قد قاموا بها بأمر نبيهم صلى الله عليه وسلم ويقول بعض الناس إن أسباب الكسوف والخسوف معلومة تعلم من قبل حدوثها فيشك فيما جاءت به السنة من كون الخسوف والكسوف تخويفا من الله عز وجل للعباد والجواب على ذلك أنه لا شك في الأمر فإن الذي قدر هذه الأسباب هو الله عز وجل.
***
أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ السائل يقول ما حقيقة حدوث الخسوف والكسوف حيث يوجد في بعض الكتب أن الخسوف يحدث لوقوع الأرض بين القمر والشمس؟

(190/4)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الحقيقة محسوسة يعني أن الكسوف وهو اختفاء بعض ضوء الشمس أي بعض جرمها يكون سببه الحسي أن يحول القمر بين الشمس والأرض ولهذا لا يقع الكسوف إلا في آخر الشهر حيث يمكن أن يحول القمر بين الشمس والأرض أما خسوف القمر فإن سببه الحسي أن تحول الأرض بين القمر وبين الشمس ولهذا لا يقع إلا في تمام المواجهة بين القمر والشمس وذلك في ليالي الإبدار فلا يمكن كسوف الشمس في نصف الشهر ولا في أول الشهر ولا يمكن خسوف القمر في أول الشهر وفي آخر الشهر وهذه ظاهرة كونية معلومة حتى إن العلماء السابقين رحمهم الله تحدثوا عنها كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره وهذا لا ينافي ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الله تعالى يخوف عباده بالخسوف والكسوف لأن الله تعالى يخوف العباد بأمر سببه حسي ولا مانع كما أن قواصف الرعد والصواعق لها سبب حسي و مع ذلك يخوف الله به العباد كما قال تعالى(هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشيء السحاب الثقال (12) ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء) فالأمر الحسي لا ينافي الحكمة من إيجاده ولكن كوننا نبسط القول في هذا للناس حتى يظنوا أنه أمر عادي لا يفزعون عند الكسوف ولا عند الخسوف هذا هو الذي ينبغي أن يتجنبه الإنسان وأن لا يتحدث به بين العامة لأن العامي يضيق قلبه أن يجمع بين السببين الشرعي والحسي.
***
بارك الله فيكم هذا السائل يقول فضيلة الشيخ صلاة الكسوف هل ينادى لها مرة واحدة بقول الصلاة جامعة أو يشرع تكرارها؟

(190/5)

فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة الكسوف ينادى لها الصلاة جامعة بقدر ما يسمع الناس والمرة الواحدة لا تسمع الناس لا سيما في بلد تكثر فيه السيارات والأصوات فيكرر ذلك بقدر ما يسمع الناس إما ثلاثا أو أكثر من هذا لأن المقصود إبلاغ الناس بحضور هذه الصلاة.
***
أرجو شرح صلاة الخسوف والكسوف باختصار يوائم العامة والناس؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الخسوف للقمر والكسوف للشمس وقد يقال الخسوف لهما جميعا وقد يقال الكسوف لهما جميعا والأمر في هذا واسع أما كيفية صلاة الكسوف فإنه ينادى لها إذا حصل كسوف ينادى الصلاة جامعة مرتين أو ثلاثا أو خمسا أو سبعا حتى يغلب على ظنه أن النداء بلغ الناس وليس في النداء لها تكبير ولا تشهد وإنما يقال الصلاة جامعة فقط ولا يزاد صلوا يرحمكم الله لأن الاقتصار على ما ورد أفضل من الزيادة أما كيفية الصلاة فإنه يكبر ويستفتح ويقرأ الفاتحة وسورة طويلة جدا بقدر ما يستطيع حتى جاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قرأ فيها بنحو سورة البقرة ثم يركع ركوعا. طويلا يسبح الله فيه ويعظمه يقول سبحان ربي العظيم سبحان ذي الجبروت سبحان ذي الملكوت سبحان ذي العظمة ويكثر من تعظيم الله عز وجل لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أما الركوع فعظموا فيه الرب) سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي سبوح قدوس رب الملائكة والروح المهم أنه يأتي بكل ما ورد من تعظيم الله عز وجل ثم يرفع رأسه قائلا سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم يقرأ الفاتحه وسورة طويلة، لكنها دون الأولى ثم يركع ركوعا طويلا، يكثر فيه من تعظيم الله عز وجل إلا أنه دون الركوع الأول ثم يرفع رأسه قائلا سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ويقوم قياما طويلا، بقدر ركوعه وهو يسبح الله ويحمد الله ويثني عليه ولو كرر ذلك فلا بأس ثم يسجد سجودا طويلا طويلا جدا بقدر الركوع يكثر فيه من التسبيح سبحان ربي الأعلى ومن الدعاء لأن النبي

(190/6)

صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم) ثم يرفع من السجدة الأولى ويجلس بين السجدتين جلوسا طويلا بقدر السجود يدعو فيه بما أحب رب اغفر لي وارحمني وعافني واجبرني واهدني ووسع أمري واشرح صدري وما شاء من الدعاء ثم يسجد السجدة الثانية سجدة طويلة. كالأولى ثم يقوم فيقرأ الفاتحة وسورة طويلة لكنها دون الأولى ثم يركع ركوعا طويلا لكنه دون الأول ثم يرفع فيقرأ الفاتحة وسورة طويلة.لكنها دون الأولى ثم يركع الركوع الثاني ويطيل الركوع لكنه دون الأول ثم يرفع فيقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ويطيل الوقوف بقدر الركوع ثم يسجد ويطيل السجود لكنه دون الأول ثم يجلس بين السجدتين ويطيل الجلوس لكنه دون الأول ثم يأتي بالسجدة الثانية ويطيل السجود لكنه دون السجود في الركعة الأولى ثم يقوم ويتشهد ويسلم هذه صفة صلاة الكسوف التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين كسفت الشمس ثم بعد ذلك يخطب خطبة واعظة يعظ الناس فيها ويبين لهم الحكمة من الكسوف ويحذرهم من عقاب الله عز وجل كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين خطب في الناس بعد الصلاة خطبة واعظة تحرك القلوب وتلينها فإن الشمس كسفت في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في اليوم الذي مات فيه ابنه إبراهيم فقال الناس كسفت الشمس لموت إبراهيم يعني ابن محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنهم في الجاهلية يعتقدون أنها لا تنكسف إلا لموت عظيم أو حياة عظيم ولكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين لهم أن هذه عقيدة فاسدة كسفت في اليوم التاسع والعشرين من شهر شوال في السنة العاشرة من الهجرة هكذا قال المحققون الفلكيون حينما ارتفعت صباح ذلك اليوم قيد رمح فكسفت كسوفا كليا حتى صارت كأنها قطعة نحاس ففزع الناس فزعا عظيما حتى إن رسول الله صلى الله وسلم خرج فزعا عجلا يجر رداءه صلوات الله وسلامه عليه حتى لحق

(190/7)

بهم وأقام الصلاة وفي مقامه هذا عرضت عليه الجنة والنار ورأى ما فيهما فحين عرضت عليه الجنة عرض له عنقود من العنب فتقدم ليأخذ منه ثم بدا له ألا يفعل عليه الصلاة والسلام وعرضت عليه النار حتى تأخر عليه الصلاة والسلام فخاف أن يصيبه من لفحها وكان يوما مشهودا عظيما فزع فيه الناس فزعا عظيما وبه يدرك المرء شأن الكسوف وأنه يجب أن يهتم به الناس وأن من السنة أن يفزعوا فزعا مع الخوف من الله عز وجل ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا حدث الكسوف أن يفزع الناس إلى الصلاة والذكر والصدقة والعتق كل هذا خوفا من نزول عذاب أنذر الله منه عباده بهذا الكسوف نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرينا آياته على وجه نتعظ به ونعتبر به إنه على كل شيء قدير.
***
قراءة الفاتحة في صلاة الخسوف والكسوف مرتين أو أربع مرات ما الحكمة في هذا؟

(190/8)

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا السؤال أن نقول إن الأحكام الشرعية كلها لا شك أن لها حكمة لأنها صدرت من عليم حكيم يضع الأشياء مواضعها ولكن لقصور علومنا وأفهامنا لا يمكننا أن ندرك جميع الحكم في كل ما شرعه الله عز وجل فإن الله تعالى يقول(ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) فإذا كانت هذه الروح التي بين أضلاعنا والتي هي قيام حياتنا إذا كانت مجهولة لنا فما كان أبعد منها فنحن أولى بالجهل فيه من الروح وإذا كان كذلك فإنه لا يمكننا أن نحيط حكمة بكل ما شرعه الله عز وجل فلو قال قائل ما الحكمة من كون الصلوات خمسا في اليوم والليلة ما الحكمة من كون صلاة الظهر أربعا والعصر و العشاء لماذا لم تكن ثمانيا أو ستا ولماذا لم تكن الصلوات عشرا بدلا من خمس أو ثلاثا بدلا عن خمس كل هذا أمر لا يمكننا إدراك حكمته و موقف كل مؤمن فيما شرعه الله ورسوله أن يكون متبعا حكم الله ورسوله ولهذا لما سئلت عائشة رضي الله عنها ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة فقالت (كان يصيبنا ذلك وكنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) فبينت أن الحكمة أمر الله ورسوله وهو كذلك لكل مؤمن كما قال الله تعالى (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) وبناء على هذه القاعدة المهمة العظيمة يتبين الجواب عن سؤال السائل وهو ما الحكمة في تكرار الفاتحة والقراءة والركوع في صلاة الكسوف ولا مانع من أن نلتمس حكمة لذلك فإن وفقنا للصواب فذلك من فضل الله ورحمته وإن أخطأنا فذلك من عند أنفسنا والذي يظهر لي والله أعلم أن الحكمة في ذلك أنه لما كان هذا السبب لهذه الصلاة وهو الكسوف أو الخسوف سبب غير عادي شرع له عبادة تكون غير عادية فإن صلاة الكسوف خارجة عن هيئات الصلاة

(190/9)

المعتادة كما أن الكسوف خارج عن جريان الشمس والقمر المعتاد هذه حكمة وحكمة أخرى أنه كرر فيها الركوع والقراءة محافظة على الاقتصار على ركعتين فإن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى ولما كان زمن الكسوف يطول غالبا كرر الركوع والقراءة حتى لا يمل الناس بقراءة طويلة فجعل بين أجزاء القراءة جعل ركوعا يخضع فيه الإنسان لربه ويعظمه ثم يقوم فيقرأ يعيد القراءة مرة أخرى فهاتان حكمتان إن كانتا مرادتين لله عز وجل ورسوله فذلك من فضل الله وإن كان الأمر خلاف ذلك فذلك منا ونستغفر الله ونتوب إليه.
***
بارك الله فيك يا فضيلة الشيخ يقول السائل أبو عبد الله تنازع شخصان في الكسوف فقال أحدهما بأنه من غضب الله وقال الآخر بأنه تخويف من الله فمن المصيب في ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المصيب من قال إنه تخويف لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صرح بذلك فقال (يخوف الله بهما عباده) لكن قد يكون هذا التخويف لعقوبة انعقدت أسبابها ولهذا أمر الناس عند الكسوف بالفزع إلى الصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة والتكبير وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (صلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم) مما يدل على أنه إنذار وتخويف لعقوبات انعقدت أسبابها.
***

(190/10)

صلاة الاستسقاء
إذا جاء المصلى إلى صلاة الاستسقاء ووجد الإمام يخطب بعد الصلاة فهل يصلى ركعتي الاستسقاء أم يجلس وهل تسقط عنه إذا فاتته أو يقضيها ومتى يقضيها وكذلك في صلاة العيد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا جاء الإنسان إلى صلاة العيد أو إلى صلاة الاستسقاء والإمام يخطب فإنه لا يجلس حتى يصلى ركعتين لأن مصلى العيد مسجد كما نص على ذلك فقهاء الحنابلة رحمهم الله وكما هو ظاهر السنة حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم النساء أن يخرجن لصلاة العيد وأمر الحيض أن يعتزلن المصلى وهذا يدل على أن مصلى العيد له أحكام المساجد وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلى ركعتين) فإذا دخلت مسجد العيد والإمام يخطب في يوم العيد أو في يوم الاستسقاء فلا تجلس حتى تصلى ركعتين وإذا نويت بهما قضاء صلاة العيد فإنك تكبر تكبيرات العيد وكذلك إذا نويت بها قضاء صلاة الاستسقاء فإنك تكبر لأن سنة صلاة الاستسقاء كسنة صلاة العيد.
***
أحسن الله إليكم يقول السائل خطبة الاستسقاء هل هي قبل الصلاة أم بعد ذلك وهل يلزم أن تكون خطبتين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الاستسقاء يفعل كصلاة العيد تماما فإذا حضر الإمام صلى وإذا فرغ خطب خطبة واحدة بدون زيادة يدعو الله تبارك وتعالى بما ورد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإن لم يعرفه دعا الله بدعائه الذي يعرفه اللهم أغثنا اللهم اسقنا الغيث وما أشبهها والمهم أن صلاة الاستسقاء كصلاة العيد ركعتان بالتكبيرات الزوائد وما بقي من صفة الصلاة وخطبة واحدة بعد الصلاة.
***
أحسن الله إليكم متى يقلب الرداء وهل الشماغ يقوم مقام الرداء فيقلب أيضا؟

(191/1)

فأجاب رحمه الله تعالى: يقلب الرداء في أثناء الخطبة يتحول الإمام إلى جهة القبلة ثم يقلب رداءه يجعل الأيمن الأيسر والأيسر الأيمن وأما الشماغ فالظاهر أنه لا يقلب لأن الشماغ بمنزلة العمامة والذي ورد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو قلب الرداء.
***
ما حكم تحويل المرأة رداءها في صلاة الاستسقاء وهل هي مثل الرجل في الحكم أم أنه لا يجوز أن تحول رداءها علما بأنها تتكشف عند تحويلها هذا الرداء وهذا هو الملاحظ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت المرأة تتكشف عند تحويلها الرداء في الاستسقاء والرجال ينظرون إليها فإنها لا تفعل لأن قلب الرداء غاية ما فيه أنه سنة والتكشف أمام الرجال فتنة وأما إذا كانت لا تتكشف فالظاهر لي أن حكمها حكم الرجل لأن هذا هو الأصل أن يتساوى الرجال والنساء في الأحكام إلا ما دل عليه الدليل من الاختلاف بينهما.
***
هل يصح للنساء أن يصلىن خلف الرجال في صلاة الاستسقاء وهل هي مشروعة أم ممنوعة وما هي الأحاديث الواردة في ذلك؟

(191/2)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز للمرأة أن تخرج إلى مصلى العيد وتصلى صلاة الاستسقاء مع الناس ولكنها تكون خلف الرجال وكلما بعدت عن الرجال فهو أفضل لقول النبي صلى الله عليه وسلم (خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة العيد (أنه أمر النساء بأن يخرجن ويحضرن الخير ودعوة المسلمين وأمر الحيض بأن يعتزلن المصلى) فإذا خرجت المرأة إلى صلاة الاستسقاء لتحضر دعوة المسلمين وتلتمس الخير فلا حرج عليها في ذلك لكن يجب أن تكون غير متبرجة ولا متطيبة وهاهنا أمر يجب التفطن له وهو أن النساء إذا صلىن في المساجد مع الجماعة تجد بعضهن تصلى منفردة وحدها خلف الصف ولا يعتبرن الصفوف شيئا وهذا خلاف السنة فالنبي صلى الله عليه وسلم قال (خير صفوف النساء) فبين أن للنساء صفوفا وقال (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) فإذا كانت المرأة مع نساء فإنه لا يجوز لها أن تصلى منفردة خلف الصف إلا إذا كان الصف تاما فإنها تصلى خلف الصف ولا حرج عليها كالرجل.
***

(191/3)

أحكام المساجد
تقول السائلة يا فضيلة الشيخ بالنسبة للرباط بين الصلاتين إذا قعدت المرأة في المصلى وكان حولها أبناؤها يحادثونها في أمور الدنيا تقول وأنا أذكر الله تارة وأخاطب بناتي تارة أخرى فهل يصح الرباط بهذا الشكل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم الظاهر أن هذا داخل في قوله صلى الله عليه وسلم (انتظار الصلاة بعد الصلاة من الرباط) لأن هذا معنى الحديث
***
بارك الله فيكم يقول هذا السائل من ليبيا الكلام في المسجد في أمور الدنيا هل فيه إثم أم لا ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الكلام في المسجد ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول أن يكون فيه تشويش على المصلىن والقارئين والدارسين فهذا لا يجوز وليس لأحد أن يفعل ما يشوش على المصلىن والقارئين والدارسين.
القسم الثاني أن لا يكون فيه تشويش على أحد فهذا إن كان في أمور الخير فهو خير وإن كان في أمور الدنيا فإن منه ما هو ممنوع ومنه ما هو جائز فمن الممنوع البيع والشراء والإجارة فلا يجوز للإنسان أن يبيع أو يشتري في المسجد أو يستأجر أو يؤجر في المسجد وكذلك إنشاد الضالة فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قال (إذا سمعتم من ينشد الضالة فقولوا لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا) ومن الجائز أن يتحدث الناس في أمور الدنيا بالحديث الصدق الذي ليس فيه شيء محرم.
***
أحسن الله إليكم وبارك فيكم هل الكلام في المسجد من غير المصلحة كبيع أو شراء يجوز؟

(192/1)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم البيع والشراء والتأجير والاستئجار محرم في المسجد لأنه ينافي ما بنيت المساجد من أجله ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك فإن المساجد لم تبن لهذا) وكذلك إنشاد الضالة بأن يضيع للإنسان شيء ثم يقف في المسجد يا جماعة من عين كذا وكذا هذا حرام لأن المساجد لم تبن لهذا وأما إذا وجد الإنسان لقطة وقال للناس لمن هذه فهذا أهون مما إذا سأل عن الضائع ومع ذلك نقول أخرج إلى باب المسجد إلى الشارع وتكلم بما شيءت ببيع أو بشراء أو بإنشاد ضالة هذا هو الواجب نحو هذه المساجد لكن يبقى إشكال يقع عند كثير من الناس يمر بك مسكين يسأل ومعك ورقة فئة خمسين وأنت تريد أن تعطيه عشرة فقط فهل يجوز أن تعطيه الخمسين وتقول اعطني الأربعين هذا في الحقيقة لا يقصد به التجارة ولا تتم الصدقة إلا به لأنه بين أمرين إما أن يعطيك أربعين وتعطيه عشرة وإما أن تقول ما عندي عشرة وترد السائل فأظن والله أعلم أن مثل هذا لا بأس به لأنه لا يقصد به التجارة ولا يقصد به شيء من الدنيا إنما يقصد به شيء للآخرة لكن لا وسيلة لنا إلا هذا فأرجو ألا يكون في هذا بأس.
***
أحسن الله إليكم هذا السائل عبد الله من الرياض يقول ما حكم التحدث في المسجد عن أمور الدنيا مثل إقناع أحد بالسفر أو التحدث معه عن مشهد رأيته وغيره من الأمور المباحة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا بأس بها ما لم يكن ممنوعا مثل أن يرفع صوته بذلك فيشوش على من في المسجد أو يكون ذلك بيعا وشراء أو تأجيرا واستئجارا أو رهنا أو نحو ذلك مما يمنع من عقده في المسجد.
***

(192/2)

فضيلة الشيخ هل وجدت وأسست الجوامع والمساجد منذ عصر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وحتى الآن لغرض انتقال الناس إليها والتجمع فيها لقيام الصلاة وأداء بعض العبادات بصورة جماعية داخل المساجد أم وجدت وأسست لغرض نقل العبادات والصلوات جاهزة إلى بيوت الناس عبر مكبرات الصوت وبأعلى درجة ممكنة وشل عبادات الناس وتسبيحاتهم في بيوتهم وخاصة النساء والشيوخ والعجزة والمرضى الذين لا يستطيعون الذهاب إلى الجامع؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لاشك أن المساجد بنيت منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا للصلاة وقراءة القرآن والذكر وغير ذلك من الطاعات التي تشرع فيها وأهم شيء إقامة الصلاة فيها جماعة قال الله تعالى (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه) وقال الله تعالى (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا) وأما نقل الصلاة عبر مكبرات الصوت من على رؤوس المنائر فإنه كما قال السائل فيه تشويش على الناس في بيوتهم وشل لأذكارهم وتسبيحاتهم الخاصة وربما يكون فيه إزعاج لبعض النوم والمرضى الذين لم يجدوا راحة إلا في ذلك الوقت وإنه أيضا إيذاء للمساجد الأخرى التي بجوار هذا الصوت وتشويش عليهم وقد حدثني كثير من الناس الذين كانوا بجوار المساجد التي ترفع الأذان من على المنائر أنه إذا كان صوت الإمام في المسجد الذي نقلت صلاته عبر هذه المكبرات أحسن من صوت إمامهم وقراءته أحسن من قراءة إمامهم أنهم يتابعون ذلك الإمام الذي خارج مسجدهم ويدعون إمامهم ولا ينصتون لقراءة الإمام وحدثني أيضا بعض الناس أنهم يكبرون بتكبير إمام المسجد المجاور ظنا منهم أن هذا التكبير تكبير إمامهم وهذا أمر معلوم عند كثير من الناس وهو أيضا أمر لا ينضبط بمعنى أنه قد يقول قائل إن صوتي لا يبلغ المسجد الفلاني ولا يشوش على أهله فإن هذا أمر لا ينضبط لأن هذا خاضع لاتجاه الرياح

(192/3)

فإذا كانت الرياح متجة إلى المساجد المجاورة سمعوا الصوت وإذا كانت متجة إلى خلافها لم يسمعوا الصوت وربما يكون الصوت قويا جدا حوله على أي حال كان اتجاه الرياح وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديثين صححهما ابن عبد البر (أنه سمع الصحابة رضي الله عنهم يقرؤون ويجهرون فنهاهم عن ذلك وقال لا يجهر بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة) وفي لفظ آخر (لا يؤذين بعضكم بعضا) وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أنه ليس للإنسان أن يجهر جهرا يشوش على المصلين.

(192/4)

وإن نصيحتي لإخواني المسلمين أن يدعوا هذا العمل الذي يشوشون به على من بقربهم ويؤذونهم وهذا أمر قد جاء به النص عن النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا مجال للاجتهاد فيه فإذا علمنا أن في ذلك تشويشا على من حولهم من المساجد وتخبيطا لصلاتهم فإن هذا داخل فيما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم والمصالح التي قد تحصل أو قد يتوهم بعض الناس حصولها هي مغمورة جدا في المفاسد التي تترتب على ذلك فإن من الناس من يقول إن بقاء الصلاة من على المنائر قد يستمع إليه بعض النساء في البيوت وينتفعن بقراءة القارئ فنقول إن هذه المصلحة منغمرة في جانب المفاسد الأخرى لأن من الناس من لا يرغب أن يسمع هذا الصوت الذي يشغله كما قال السائل عن أذكاره الخاصة وقراءته الخاصة ومن الناس من يكون محتاجا للنوم لكونه سهر طول الليل لمرض أو قلق ثم ينام بعد أن يصلى الفجر لكونه لا يستطيع الخروج للصلاة في المساجد ثم يأتي هذا الصوت الذي يزعجه وينبهه من النوم فهذه مفسدة ثم إننا رأينا وشاهدنا كثيرا من الناس إذا أقبل على المسجد وسمع الإمام في آخر القراءة ذهب يسعى ويشتد سعيا أي يركض ليدرك الركوع مع الإمام وهذا وقوع فيما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم على كل حال المصلحة كل المصلحة أن يتبع الإنسان ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلا للمأمور وتركا للمنهي وإذا كان قد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهى أن يشوش المصلون بعضهم على بعض برفع أصواتهم في القراءة فهذا هو الفيصل في هذه المسألة ولا تحسين للعقول بعد وجود النص أبدا فنصيحتي لإخواني أن يدعوا هذا وإذا دعت الحاجة أو الضرورة إلى استعمال المكبر في داخل المسجد فليستعملوه في داخل المسجد كما لو كان المسجد كبيرا وفيه نساء لا يسمعن إلا بذلك أو كان ذلك في يوم الجمعة فليستعملوه وإذا لم تدع الحاجة إليه حتى في داخل المساجد

(192/5)

فلا ينبغي استعماله أيضا لأن ذلك يؤدي إلى أن يعتاد الإنسان على هذا المكبر فلا يخشع إلا إذا استعمله ولأن في هذا إضاعة المال بصرف الكهرباء وأرجو أن لا ينتقدنا أحد في هذه النقطة فيقول إن صرف الكهرباء هذا قليل جدا وما أكثر الكهرباء التي تصرف في غير فائدة فنقول إنها أمر يسير بالنسبة إلى واحد لكن إذا قدر أن في البلد مئات من المساجد واستعملت هذه المكبرات فكم تستهلك من كيلوات في خلال الخمس الصلوات في كل يوم وليلة على كل حال أهم شيء عندي في هذه المسألة أن في رفع الصوت من على المنائر ولاسيما في الصلاة الجهرية الليلية مع تقارب المساجد إيذاء للمصلىن بعضهم بعضا وقد يكون فيها أيضا إيذاء لمن كان حول المساجد من البيوت وإن كان قد يكون فيه مصلحة لبعض ساكني البيوت لكن قد يكون فيه مضرة أيضا وإيذاء لبعض ساكني البيوت والقاعدة الشرعية عند أهل العلم أن دفع المفاسد أولى من جلب المصالح عند التساوي.
فضيلة الشيخ هناك بعض الإخوة في بعض المساجد يجهرون بقراءة القرآن قبل الصلاة مما يشوش على المصلىن فما الحكم في ذلك؟

(192/6)

فأجاب رحمه الله تعالى: القرآن يجوز للقارئ أن يقرأه سرا ويقرأه جهرا وفي كل منهما خير ويفعل الإنسان ما هو أنشط له وأخشع فإذا كان الأنشط له والأخشع أن يقرأ سرا قرأ سرا وإن كان الأنشط والأخشع أن يقرأ جهرا قرأ جهرا هذا ما لم يكن في صلاة فإن كان في صلاة فليتبع في ذلك ما جاءت به السنة من إسرار أو جهر وهذا أيضا ما لم يكن حوله من يشوش عليهم لو جهر أو يؤذيهم فإن كان حوله من يشوش عليهم لو جهر أو يؤذيهم فإنه لا يجهر لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم يصلون أوزاعا ويجهر بعضهم فقال عليه الصلاة والسلام (كلكم يناجي ربه يعني في صلاته فلا يجهر بعضكم على بعض في القرآن أو قال في القراءة) هذا الحديث صححه ابن عبد البر رحمه الله وبناء عليه فإن هؤلاء الذين يقرؤون القرآن قبل إقامة الصلاة ويجهرون جهرا يشوشون به على غيرهم ينهون عن ذلك وهم إلى الإثم أقرب منهم إلى السلامة فإن كتاب الله عز وجل لم يجعل لإيذاء الغير وإنما هو قربة إلى الله سبحانه وتعالى بشرط ألا يحصل به أذية على إخوانه المسلمين ومن المعلوم أن الناس يأتون أرسالا إلى المسجد فمنهم من يأتي بعد الأذان بمدة ومنهم من يأتي بعد الأذان بأقل من ذلك ويشرعون في النافلة تحية المسجد أو غيرها وإذا كان حول المصلى أحد يرفع صوته فإنه يشوش عليه بلا شك ويحول بينه وبين الخشوع في صلاته لا سيما إذا كان صاحب الصوت حسن القراءة والأداء فإنه يأخذ بلب السامع حتى يشغله عما هو بصدد الإقبال عليه ولهذا فإني أنصح إخواني المسلمين المحبين للخير من هذا العمل الذي يؤذون به غيرهم.

(192/7)

وبهذه المناسبة أود أن أذكر بعض إخواننا من الأئمة الذين يرفعون الصلاة من مكبر الصوت على المنارات فإن هذا يحصل به أذية على من حولهم من المساجد وعلى من حولهم في البيوت فالمساجد المتقاربة يشوش بعضها على بعض إذا رفعت الصلاة من على المنارات حتى إننا سمعنا أن بعض المصلىن في مساجدهم إذا سمعوا قراءة من كان حولهم انشغلوا بها عن الاستماع إلى قراءة إمامهم قد يكون لحسن أداء القارئ أو لقوة صوته أو لغير ذلك مما يحصل وسمعت أن بعض الناس ركع لما سمع تكبير المسجد الذي حوله يظن أن ذلك إمامه ولا شك أن مثل هذه الأذية التي تخل بصلاة الآخرين لا شك أن الإنسان قد يأثم بها لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يجهر الناس بعضهم على بعض في القرآن كما أنه قد يؤذي جيران المسجد من أهل البيوت فقد يكون في البيت من هو نائم مستغرق في النوم من أهل البيت ومن يكون مريضا وقد يكون قد استراح ورقد فيستيقظ بصوت هذا القارئ وأقول إن من أهل البيوت من يكون نائما ممن لا صلاة عليهم مثل المرأة الحائض مثلا أو ممن أدى الصلاة من أول ما سمع الأذان ثم رقد وإلا فمن المعلوم أنه لا يحل لأحد تلزمه الجماعة أن ينام عن صلاة الجماعة في بيته ويدع المسجد وإني أكرر النصيحة لإخواني في هذه المسألة وأقول لهم انظروا في المصالح وانظروا في المفاسد ما هي المصلحة التي تعود إلى الإمام أو إلى المصلىن خلفه أو إلى الناس في كون الصلاة ترفع من على المنارة أي مصلحة في ذلك قد يكون في ذلك مفسدة قد يكون بعض الكسالى يبقون في بيوتهم حتى تكون آخر ركعة فإذا لم يبق إلا ركعة جاء يركض ويسعى سعيا شديدا وربما يدرك هذه الركعة وربما لا يدركها وقد اشتكى إلي بعض الناس بهذا وقالوا إننا نأمر أولادنا بالصلاة فيقولون الإمام في أول الصلاة انتظروا حتى يأتي الوقت الذي ندرك به الجماعة فالواجب على الإنسان أن يتبع في عمله ما كان أنفع له ولغيره وأن يدرأ ما فيه الضرر ويبتعد

(192/8)

عنه وأما ما يظنه بعض الناس من الفائدة في هذا العمل من كونه شعيرة من شعائر الإسلام وما أشبه ذلك فنقول إن الشعيرة التي ينبغي إعلانها هي الأذان وقد حصل وأما الصلاة فإنها عبادة تختص بالإمام وبمن خلف الإمام فقط وأما الخارج عن المسجد فلا علاقة له بها اللهم إلا ما ذكرت من كونه ينتظر آخر ركعة ثم يحضر وهذا ليس فيه فائدة بل فيه مضرة والعاقل إذا دار فعله بين الإثم أو السلامة فلا شك أنه سوف يدع هذا العمل أو يدع هذا الفعل إذا كان فيه إما سالما وإما آثما فكل أحد يختار أن يسلك سبيل السلامة.
***
يقول السائل ما حكم الصلاة في المسجدين المتقاربين بحيث يسمع أحدهما قراءة الآخر؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الصلاة في أحد المسجدين جائزة ولا بأس بها ولكن لا ينبغي أن يبنى مسجد بقرب مسجد آخر يحصل به تفريق جماعة وتشتيت فإن هذا يشبه مسجد الضرار الذي قال الله عنه (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل) نعم لو كانت المساجد صغيرة والسكان كثيرون لا يسعهم المسجد الواحد فلا بأس أن يبنى إلى جنبه مسجد آخر ولكن ينبغي أن يكون أحد المسجدين في طرف الحي من الجنوب مثلا والثاني في طرفه من الشمال من أجل أن يتباعد ما بين المسجدين.
***
أحسن الله إليكم يقول السائل بالنسبة للصلاة في سطوح المساجد حيث إن بعض المساجد لا تسع للمصلىن في حالة حدوث وفاة شخص بالمنطقة فإنه يحضر جمع كثير من الناس فلا يسع المسجد هؤلاء المصلىن فمنهم من يصلى في السطح ومنهم من يصلى في جوانب المسجد فما حكم ذلك؟

(192/9)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا جائز يجوز أن يصلى الإنسان في سطح المسجد وفي المسقف من المسجد وفي الخلوة التي يسمونها البدروم أسفل ما دام الإنسان داخل أسوار المسجد فصلاته جائزة لكن كلما قرب من الإمام فهو أفضل وأما الصلاة حول المسجد في السوق فإن كان المسجد ممتلئا فلا بأس وإن كان فيه مكان فلا يصح.
فضيلة الشيخ هل تصح الصلاة خارج المسجد إذا ازدحم المسجد بالمصلىن؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم إذا ازدحم المسجد بالمصلىن صلوا ولو في الشارع لأن هذا ضرورة وحاجة وأما إذا لم يزدحم بالمصلين وصلوا خارج المسجد فإنه لا صلاة لهم لأن الواجب أن تكون الصلاة في مكان الإمام الذي يصلى فيه إلا للضرورة.
***
ما حكم الصلاة التي نصليها في فناء المسجد وهل هذا الحديث ينطبق عليه قول (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) علما بأن الفناء في المسجد تابع له؟.
فأجاب رحمه الله تعالى: الصلاة في فناء المسجد إن كان جميع المصلين صلوا فيه فلا إشكال في جوازها وأما إذا كان المصلون يصلون في داخل المسقوف وهؤلاء صاروا في خارج فيقال خالفتم السنة لأن السنة أن تتقارب الصفوف بعضها من بعض وأن لا يصلوا في مكان والإمام يصلي في مكان آخر لكن صلاتهم على كل تقدير صحيحة.
***
ما حكم وضوء الرجل في مسجد ويصلي في مسجد آخر؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت الميضأة خارج المسجد فلا حرج أن يتوضأ في هذه الميضأة ويصلي في مسجد آخر اللهم إلا إذا كان هذا المسجد قد أقيمت فيه الصلاة فالأولى أن يصلي فيه وأما إذا كانت الميضأة داخل المسجد فإنه لا يجوز الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لسبب لأن أبا هريرة رأى رجلا خرج من المسجد بعد الأذان فقال (أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم) فإن كان هناك سبب مثل أن يريد الذهاب إلى المسجد الآخر لحضور مجلس العلم أو لضرورة فلا حرج عليه أن يخرج ولو كانت الميضأة داخل المسجد.
***

(192/10)

إذا كان هناك بيت مغصوب واضطر شخص فسكن في هذا البيت فهل صلاته في هذا البيت تكون صحيحة أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: البيت المغصوب اختلف أهل العلم في صحة الصلاة فيه فمنهم من قال إن الصلاة صحيحة لأن النهي إنما نهي عن سكن البيت وليس عن الصلاة فالنهي لا يختص بهذه العبادة وكل نهي لا يختص بالعبادة فإنه لا يبطلها ولهذا إذا اغتاب الصائم أحدا فإن هذا الفعل محرم ولا يبطل به الصوم لأنه ما حرم من أجل الصوم ولو أنه أكل أو شرب لفسد صومه لأن النهي يختص بالصوم فهنا الصلاة في المكان المغصوب ليس منهيا عنها لذاتها بل لكونه استولى على هذا البيت وغصبه ولهذا فالمكث في هذا البيت لصلاة أو غيرها يكون حراما وهذا رأي كثير من أهل العلم أن الصلاة في المكان المغصوب صحيحة ولكنه آثم بمكثه واستيلائه على هذا بغير حق والقول الثاني لأهل العلم في هذه المسألة أن صلاته تكون باطلة لأنها وقعت في مكان مغصوب فكانت كالصلاة التي تقع في زمان محرم فعلها فيه فصلاة النفل المطلقة إذا وقعت في وقت النهي تكون باطلة ذلك لأن الزمن يحرم فيه إيقاع هذه الصلاة وكذلك هذا المكان المغصوب لما كان يحرم المكث فيه مطلقا فالمكث فيه لصلاة يكون مكثا في مكان محرم المكث فيه فتقع الصلاة محرمة باطلة وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد بن حنبل لكن لو حبس في مكان مغصوب ولم يتمكن من الخلاص منه وصلى فإن صلاته صحيحة ولا إعادة عليه.
***
هذه الرسالة من القصيم ج م ش يقول هل يجوز بناء المسجد على أشكال هندسية مختلفة كشكل سداسي؟ وما هو بناء المسجد الصالح للصلاة وأنا في اعتقادي الشكل الرباعي والمستطيل هو الصالح وأسال هذا السؤال لأنني شاهدت مساجد والحمد لله أنها قلة على شكل سداسي في مملكتنا الحبيبة؟

(192/11)

فأجاب رحمه الله تعالى: بناء المسجد على أي شكل كان جائز مادام اتجاهه إلى القبلة سليما وظاهرا إلا إذا بني على وجه يشبه الكنائس أو معابد الكفار فهذا لا يجوز لما في ذلك من التشبه بهم وأما إذا بني على وجه لا يوافق شيئا من معابد الكفار من كنائس أو صوامع أو غيرها فإنه لا بأس به على أي شكل كان ما دام اتجاهه إلى القبلة سليما وبينا وواضحا.
***
السائل يقول قام جماعة من أهل الحي ببناء مسجد ووضعوا مؤذنا وإماما منهم مع وجود جامع قريب وكذلك مسجد أوقاف آخر قريب منهم مع العلم بأنهم إذا سافروا في الإجازات أغلق المسجد ولا يصلى فيه أحد هل الراتب الذي يستلمه المؤذن والإمام من الأوقاف حلال أم حرام؟

(192/12)

فأجاب رحمه الله تعالى: أولا لابد أن نعلم أنه لا يجوز بناء مسجد وبقربه مسجد آخر لأن هذا يشبة مسجد الضرار الذي نهى الله سبحانه وتعالى عن أن يقوم فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأن المنافقين بنوا مسجدا قرب مسجد قباء ليفرقوا المؤمنين ويضاروا بهم فقال الله تبارك وتعالى (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله).. إلى أن قال (لا تقم فيه أبدا) هؤلاء الذين بنوا مسجدا وبقربه مساجد أخرى وإن كان ليس بكفر إن شاء الله وليس بمضارة أي ولم يقصدوا المضارة ولكن فيه المعنى الثالث وهو التفريق بين المؤمنين فلا يجوز لهم أن يبنوا هذا المسجد ولا يجوز أيضا للمسؤولين عن المساجد أن يرخصوا لكل من أراد أن يبني مسجدا أن يبني بل الواجب النظر هل هذه الأحياء تحتاج إلى مساجد لتباعد ما بينها أو لا تحتاج فيبقى المسجد الأول هو المسجد وهؤلاء إن هداهم الله وصلوا فيه فهذا المطلوب وإن لم يصلوا فيه فالإثم عليهم أما أن يتخذ كل قوم أو جماعة لهم مسجدا يصلون فيه ويتركونه في أيام الإجازة وما أشبه ذلك فهذا لا شك أنه خطأ عظيم ولا يجوز للمسؤولين عن المساجد أن يسمحوا لهم بذلك وبالنسبة لهؤلاء الذين فعلوا ما صنعوا لا يحل للإمام أن يأخذ راتبا على ذلك لأنه ليس إمام مسجد للمسلمين بل هو إمام مسجد لهؤلاء الجماعة فقط ولذلك يغلق المسجد كما جاء في السؤال إذا ذهبوا إلى الإجازات.
***
ما حكم إحضار الطعام إلى المساجد بنية الصدقات؟

(192/13)

فأجاب رحمه الله تعالى: إحضار الطعام إلى المساجد ليأكله الفقراء لا بأس به لكن لا على سبيل الدوام لأنه إذا كان على سبيل الدوام فقد يصبح المسجد بيتا ومقرا أما إذا كان لأمر طارئ كالإفطار في رمضان فهذا لا بأس به بشرط أن لا يتأذى أهل المسجد ولا يتلوث المسجد وعمل الناس اليوم على هذا أما أن نجعل المسجد كأنه مقهى أو مطعم فهذا لا يجوز فالمساجد ما بنيت لهذا ففرق بين الأمور العارضة الطارئة وبين الأمور المستمرة الدائمة.
***
هل يجوز بناء المنارات على المساجد وهل هي سنة أم بدعة وهل كان ذلك معروفا في عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا أعلم أن بناء المنارات كان معروفا في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولكن المسلمين اتخذوا المنارات وأقروها ولم نعلم أن أحدا أنكرها اللهم إلا أن يكون بعض الناس ينكرونها لعدم وجودها في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا شك أنها تؤدي غرضا حميدا فإنها العلامة الظاهرة للمسجد وارتفاع الأذان منها يكون أبلغ وأوسع وأشمل فالغرض منها غرض مقصود محمود.
***
ما هي فضيلة الصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي وفقكم الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نقول ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن الصلاة في المسجد النبوي خير من ألف صلاة فيما عداه إلا المسجد الحرام) وفي مسند الإمام أحمد (أن الصلاة بالمسجد الحرام بمائة ألف صلاة فيما عداه) وعلى هذا فتكون الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة والصلاة في المسجد النبوي خير من ألف صلاة فيما عداه إلا المسجد الحرام.
***
بارك الله فيكم هذا السائل من الرياض يقول هل الصلاة في توسعة المسجد النبوي تحت المظلة تعتبر كالصلاة داخل المسجد النبوي؟

(192/14)

فأجاب رحمه الله تعالى: الصلاة في الزيادة التي في المسجد النبوي أو في المسجد الحرام تابعة للمسجد وقد ذكر العلماء رحمهم الله أن ما زيد في المسجد فهو منه ولو بلغت الزيادة مساحة كبيرة فمن صلى في هذه الزيادة فهو كمن صلى في المسجد الأول الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكن في صلاة الجماعة كلما قرب الإنسان من الإمام فهو أفضل وكذلك يقال في الزيادة التي في المسجد الحرام فإنها تابعة له لكن في صلاة الجماعة كلما قرب الإنسان من الإمام فهو أفضل.
***
يقول السائل مصلى المدرسة هل يأخذ أحكام المساجد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: مصلى المدرسة أو المصلى في البيت الذي أعده الإنسان للصلاة فيه لا يأخذ حكم المساجد وإنما هو مصلى يحترم لكون الناس يصلون فيه أما أن يعطى حكم المسجد من كونه إذا دخل فيه لا يجلس حتى يصلي ركعتين وإذا كان جنبا لا يجلس فيه إلا بوضوء ويعتكف فيه وما أشبه ذلك من أحكام المساجد فلا فالمصلى في مكان العمل والمصلى في البيت ليس بمسجد وليس له أحكام المسجد لكنه مكان اجتماع يصلى الناس فيه.
***
المستمع من السودان يقول هل يجوز للرجل أن يذهب إلى المسجد ومعه أطفاله الصغار دون الرابعة؟

(192/15)

فأجاب رحمه الله تعالى: الأطفال الذين دون الرابعة في الغالب لا يحسنون الصلاة لأنه لا تمييز لهم والسن الغالب للتمييز هو سبع سنين وهو السن الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن نأمر أولادنا بالصلاة إذا بلغوه فقال عليه الصلاة والسلام (مروا أولادكم أو أبناءكم بالصلاة لسبع) وإذا كان هؤلاء الأطفال الذين في الرابعة لا يحسنون الصلاة فلا ينبغي له أن يأتي بهم إلى المسجد اللهم إلا عند الضرورة كما لو لم يكن في البيت أحد يحمي هذا الصبي فأتى به معه بشرط ألا يؤذي المصلين فإن آذى المصلين فإنه لا يأتي به وإذا احتاج الطفل أن يبقى معه في البيت فليبق معه وفي هذه الحال يكون معذورا بترك الجماعة لأنه تخلف عن الجماعة لعذر وهو حفظ ابنه وحمايته.
***
أحسن الله إليكم السائل عبد الباسط من جمهورية مصر العربية يقول فضيلة الشيخ يوجد بجانبنا مسجد يبعد عنا كيلو ولا نصلى فيه إلا صلاة الجمعة ويصلى فيه التلاميذ صلاة الظهر وبعض المارة يصلون فيه صلاة العصر هل تجوز الصلاة فيه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم تجوز الصلاة في هذا المسجد ما دامت الجماعة تقام فيه لكن الصلاة في مسجد تقام فيه جميع الصلوات أفضل إلا أن هذا المسجد الذي أشار إليه السائل إذا كانت الجماعة لا تقام إلا بحضوره فإن حضوره أفضل.
***
أحسن الله إليكم هذه رسالة وصلت من مستمعة للبرنامج أم عبد الرحمن تقول في هذا السؤال إذا ذهبت المرأة مع زوجها للعمرة وبعد الانتهاء من العمرة ذهبوا إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم هل يجوز للمرأة أن تصلى في الروضة التي ما بين المنبر وحجرة عائشة رضي الله عنها؟

(192/16)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز لها أن تصلى في كل المسجد لكن بشرط أن لا تزاحم الرجال فإن كان لا يتيسر لها ذلك إلا بمزاحمة الرجال فلا تفعل والمسجد النبوي حكمه واحد في الثواب حتى التوسعات التي طرأت عليه حكمها حكم الأصل في الثواب وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة).
***
أحسن الله إليكم في آخر أسئلة هذا السائل من الجزائر يقول ما حكم الصلاة في مسجد بني على ملكية خاصة لأحد الخواص ولم يتنازل عن هذه الأرض؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا بني المسجد على أرض شخص باختياره وطوعه فلا بأس أن يصلى فيه وتكون هذه البنية أعلاها مسجد وأسفلها مملوك ولا حرج في ذلك.
***
أحسن الله إليكم وبارك فيكم من أسئلة السائلة أم ياسر تقول في مسجد الحي في القسم النسائي يوجد درج مفروش فهل يعتبر هذا الدرج من المسجد أم لا وما حكم الصلاة عليه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان الدرج داخل باب المسجد فهو من المسجد وإذا كان خارج باب المسجد فليس منه وأما الصلاة فيه فإن كان الإنسان إذا صلى اتجه إلى القبلة فلا بأس وإن كان لا يتجه إلى القبلة فإنه لا يجوز فكيف يصلى إلى غير القبلة.
***
أحسن الله إليكم وبارك فيكم هذا السائل يقول يا فضيلة الشيخ إذا قدمت من مكة إلى المدينة ومررت بمسجد قباء هل أصلى ركعتين علما بأنني لن أبقى بالمدينة طويلا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ابدأ أولا بالمسجد النبوي أفضل لأن المسجد النبوي أفضل من قباء ثم إذا نزلت في بيتك أو في شقة استأجرتها فتطهر واخرج إلى مسجد قباء فإن من تطهر في بيته وخرج إلى مسجد قباء فصلى فيه ركعتين كان كمن أدى عمرة هذا الأفضل وإن بدأت بقباء لأنه على طريقك فلا حرج.
***

(192/17)

أحكام المساجد
تقول السائلة يا فضيلة الشيخ بالنسبة للرباط بين الصلاتين إذا قعدت المرأة في المصلى وكان حولها أبناؤها يحادثونها في أمور الدنيا تقول وأنا أذكر الله تارة وأخاطب بناتي تارة أخرى فهل يصح الرباط بهذا الشكل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم الظاهر أن هذا داخل في قوله صلى الله عليه وسلم (انتظار الصلاة بعد الصلاة من الرباط) لأن هذا معنى الحديث
***
بارك الله فيكم يقول هذا السائل من ليبيا الكلام في المسجد في أمور الدنيا هل فيه إثم أم لا ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الكلام في المسجد ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول أن يكون فيه تشويش على المصلىن والقارئين والدارسين فهذا لا يجوز وليس لأحد أن يفعل ما يشوش على المصلىن والقارئين والدارسين.
القسم الثاني أن لا يكون فيه تشويش على أحد فهذا إن كان في أمور الخير فهو خير وإن كان في أمور الدنيا فإن منه ما هو ممنوع ومنه ما هو جائز فمن الممنوع البيع والشراء والإجارة فلا يجوز للإنسان أن يبيع أو يشتري في المسجد أو يستأجر أو يؤجر في المسجد وكذلك إنشاد الضالة فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قال (إذا سمعتم من ينشد الضالة فقولوا لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا) ومن الجائز أن يتحدث الناس في أمور الدنيا بالحديث الصدق الذي ليس فيه شيء محرم.
***
أحسن الله إليكم وبارك فيكم هل الكلام في المسجد من غير المصلحة كبيع أو شراء يجوز؟

(193/1)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم البيع والشراء والتأجير والاستئجار محرم في المسجد لأنه ينافي ما بنيت المساجد من أجله ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك فإن المساجد لم تبن لهذا) وكذلك إنشاد الضالة بأن يضيع للإنسان شيء ثم يقف في المسجد يا جماعة من عين كذا وكذا هذا حرام لأن المساجد لم تبن لهذا وأما إذا وجد الإنسان لقطة وقال للناس لمن هذه فهذا أهون مما إذا سأل عن الضائع ومع ذلك نقول أخرج إلى باب المسجد إلى الشارع وتكلم بما شيءت ببيع أو بشراء أو بإنشاد ضالة هذا هو الواجب نحو هذه المساجد لكن يبقى إشكال يقع عند كثير من الناس يمر بك مسكين يسأل ومعك ورقة فئة خمسين وأنت تريد أن تعطيه عشرة فقط فهل يجوز أن تعطيه الخمسين وتقول اعطني الأربعين هذا في الحقيقة لا يقصد به التجارة ولا تتم الصدقة إلا به لأنه بين أمرين إما أن يعطيك أربعين وتعطيه عشرة وإما أن تقول ما عندي عشرة وترد السائل فأظن والله أعلم أن مثل هذا لا بأس به لأنه لا يقصد به التجارة ولا يقصد به شيء من الدنيا إنما يقصد به شيء للآخرة لكن لا وسيلة لنا إلا هذا فأرجو ألا يكون في هذا بأس.
***
أحسن الله إليكم هذا السائل عبد الله من الرياض يقول ما حكم التحدث في المسجد عن أمور الدنيا مثل إقناع أحد بالسفر أو التحدث معه عن مشهد رأيته وغيره من الأمور المباحة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا بأس بها ما لم يكن ممنوعا مثل أن يرفع صوته بذلك فيشوش على من في المسجد أو يكون ذلك بيعا وشراء أو تأجيرا واستئجارا أو رهنا أو نحو ذلك مما يمنع من عقده في المسجد.
***

(193/2)

فضيلة الشيخ هل وجدت وأسست الجوامع والمساجد منذ عصر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وحتى الآن لغرض انتقال الناس إليها والتجمع فيها لقيام الصلاة وأداء بعض العبادات بصورة جماعية داخل المساجد أم وجدت وأسست لغرض نقل العبادات والصلوات جاهزة إلى بيوت الناس عبر مكبرات الصوت وبأعلى درجة ممكنة وشل عبادات الناس وتسبيحاتهم في بيوتهم وخاصة النساء والشيوخ والعجزة والمرضى الذين لا يستطيعون الذهاب إلى الجامع؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لاشك أن المساجد بنيت منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا للصلاة وقراءة القرآن والذكر وغير ذلك من الطاعات التي تشرع فيها وأهم شيء إقامة الصلاة فيها جماعة قال الله تعالى (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه) وقال الله تعالى (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا) وأما نقل الصلاة عبر مكبرات الصوت من على رؤوس المنائر فإنه كما قال السائل فيه تشويش على الناس في بيوتهم وشل لأذكارهم وتسبيحاتهم الخاصة وربما يكون فيه إزعاج لبعض النوم والمرضى الذين لم يجدوا راحة إلا في ذلك الوقت وإنه أيضا إيذاء للمساجد الأخرى التي بجوار هذا الصوت وتشويش عليهم وقد حدثني كثير من الناس الذين كانوا بجوار المساجد التي ترفع الأذان من على المنائر أنه إذا كان صوت الإمام في المسجد الذي نقلت صلاته عبر هذه المكبرات أحسن من صوت إمامهم وقراءته أحسن من قراءة إمامهم أنهم يتابعون ذلك الإمام الذي خارج مسجدهم ويدعون إمامهم ولا ينصتون لقراءة الإمام وحدثني أيضا بعض الناس أنهم يكبرون بتكبير إمام المسجد المجاور ظنا منهم أن هذا التكبير تكبير إمامهم وهذا أمر معلوم عند كثير من الناس وهو أيضا أمر لا ينضبط بمعنى أنه قد يقول قائل إن صوتي لا يبلغ المسجد الفلاني ولا يشوش على أهله فإن هذا أمر لا ينضبط لأن هذا خاضع لاتجاه الرياح

(193/3)

فإذا كانت الرياح متجة إلى المساجد المجاورة سمعوا الصوت وإذا كانت متجة إلى خلافها لم يسمعوا الصوت وربما يكون الصوت قويا جدا حوله على أي حال كان اتجاه الرياح وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديثين صححهما ابن عبد البر (أنه سمع الصحابة رضي الله عنهم يقرؤون ويجهرون فنهاهم عن ذلك وقال لا يجهر بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة) وفي لفظ آخر (لا يؤذين بعضكم بعضا) وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أنه ليس للإنسان أن يجهر جهرا يشوش على المصلين.

(193/4)

وإن نصيحتي لإخواني المسلمين أن يدعوا هذا العمل الذي يشوشون به على من بقربهم ويؤذونهم وهذا أمر قد جاء به النص عن النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا مجال للاجتهاد فيه فإذا علمنا أن في ذلك تشويشا على من حولهم من المساجد وتخبيطا لصلاتهم فإن هذا داخل فيما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم والمصالح التي قد تحصل أو قد يتوهم بعض الناس حصولها هي مغمورة جدا في المفاسد التي تترتب على ذلك فإن من الناس من يقول إن بقاء الصلاة من على المنائر قد يستمع إليه بعض النساء في البيوت وينتفعن بقراءة القارئ فنقول إن هذه المصلحة منغمرة في جانب المفاسد الأخرى لأن من الناس من لا يرغب أن يسمع هذا الصوت الذي يشغله كما قال السائل عن أذكاره الخاصة وقراءته الخاصة ومن الناس من يكون محتاجا للنوم لكونه سهر طول الليل لمرض أو قلق ثم ينام بعد أن يصلى الفجر لكونه لا يستطيع الخروج للصلاة في المساجد ثم يأتي هذا الصوت الذي يزعجه وينبهه من النوم فهذه مفسدة ثم إننا رأينا وشاهدنا كثيرا من الناس إذا أقبل على المسجد وسمع الإمام في آخر القراءة ذهب يسعى ويشتد سعيا أي يركض ليدرك الركوع مع الإمام وهذا وقوع فيما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم على كل حال المصلحة كل المصلحة أن يتبع الإنسان ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلا للمأمور وتركا للمنهي وإذا كان قد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهى أن يشوش المصلون بعضهم على بعض برفع أصواتهم في القراءة فهذا هو الفيصل في هذه المسألة ولا تحسين للعقول بعد وجود النص أبدا فنصيحتي لإخواني أن يدعوا هذا وإذا دعت الحاجة أو الضرورة إلى استعمال المكبر في داخل المسجد فليستعملوه في داخل المسجد كما لو كان المسجد كبيرا وفيه نساء لا يسمعن إلا بذلك أو كان ذلك في يوم الجمعة فليستعملوه وإذا لم تدع الحاجة إليه حتى في داخل المساجد

(193/5)

فلا ينبغي استعماله أيضا لأن ذلك يؤدي إلى أن يعتاد الإنسان على هذا المكبر فلا يخشع إلا إذا استعمله ولأن في هذا إضاعة المال بصرف الكهرباء وأرجو أن لا ينتقدنا أحد في هذه النقطة فيقول إن صرف الكهرباء هذا قليل جدا وما أكثر الكهرباء التي تصرف في غير فائدة فنقول إنها أمر يسير بالنسبة إلى واحد لكن إذا قدر أن في البلد مئات من المساجد واستعملت هذه المكبرات فكم تستهلك من كيلوات في خلال الخمس الصلوات في كل يوم وليلة على كل حال أهم شيء عندي في هذه المسألة أن في رفع الصوت من على المنائر ولاسيما في الصلاة الجهرية الليلية مع تقارب المساجد إيذاء للمصلىن بعضهم بعضا وقد يكون فيها أيضا إيذاء لمن كان حول المساجد من البيوت وإن كان قد يكون فيه مصلحة لبعض ساكني البيوت لكن قد يكون فيه مضرة أيضا وإيذاء لبعض ساكني البيوت والقاعدة الشرعية عند أهل العلم أن دفع المفاسد أولى من جلب المصالح عند التساوي.
فضيلة الشيخ هناك بعض الإخوة في بعض المساجد يجهرون بقراءة القرآن قبل الصلاة مما يشوش على المصلىن فما الحكم في ذلك؟

(193/6)

فأجاب رحمه الله تعالى: القرآن يجوز للقارئ أن يقرأه سرا ويقرأه جهرا وفي كل منهما خير ويفعل الإنسان ما هو أنشط له وأخشع فإذا كان الأنشط له والأخشع أن يقرأ سرا قرأ سرا وإن كان الأنشط والأخشع أن يقرأ جهرا قرأ جهرا هذا ما لم يكن في صلاة فإن كان في صلاة فليتبع في ذلك ما جاءت به السنة من إسرار أو جهر وهذا أيضا ما لم يكن حوله من يشوش عليهم لو جهر أو يؤذيهم فإن كان حوله من يشوش عليهم لو جهر أو يؤذيهم فإنه لا يجهر لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم يصلون أوزاعا ويجهر بعضهم فقال عليه الصلاة والسلام (كلكم يناجي ربه يعني في صلاته فلا يجهر بعضكم على بعض في القرآن أو قال في القراءة) هذا الحديث صححه ابن عبد البر رحمه الله وبناء عليه فإن هؤلاء الذين يقرؤون القرآن قبل إقامة الصلاة ويجهرون جهرا يشوشون به على غيرهم ينهون عن ذلك وهم إلى الإثم أقرب منهم إلى السلامة فإن كتاب الله عز وجل لم يجعل لإيذاء الغير وإنما هو قربة إلى الله سبحانه وتعالى بشرط ألا يحصل به أذية على إخوانه المسلمين ومن المعلوم أن الناس يأتون أرسالا إلى المسجد فمنهم من يأتي بعد الأذان بمدة ومنهم من يأتي بعد الأذان بأقل من ذلك ويشرعون في النافلة تحية المسجد أو غيرها وإذا كان حول المصلى أحد يرفع صوته فإنه يشوش عليه بلا شك ويحول بينه وبين الخشوع في صلاته لا سيما إذا كان صاحب الصوت حسن القراءة والأداء فإنه يأخذ بلب السامع حتى يشغله عما هو بصدد الإقبال عليه ولهذا فإني أنصح إخواني المسلمين المحبين للخير من هذا العمل الذي يؤذون به غيرهم.

(193/7)

وبهذه المناسبة أود أن أذكر بعض إخواننا من الأئمة الذين يرفعون الصلاة من مكبر الصوت على المنارات فإن هذا يحصل به أذية على من حولهم من المساجد وعلى من حولهم في البيوت فالمساجد المتقاربة يشوش بعضها على بعض إذا رفعت الصلاة من على المنارات حتى إننا سمعنا أن بعض المصلىن في مساجدهم إذا سمعوا قراءة من كان حولهم انشغلوا بها عن الاستماع إلى قراءة إمامهم قد يكون لحسن أداء القارئ أو لقوة صوته أو لغير ذلك مما يحصل وسمعت أن بعض الناس ركع لما سمع تكبير المسجد الذي حوله يظن أن ذلك إمامه ولا شك أن مثل هذه الأذية التي تخل بصلاة الآخرين لا شك أن الإنسان قد يأثم بها لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يجهر الناس بعضهم على بعض في القرآن كما أنه قد يؤذي جيران المسجد من أهل البيوت فقد يكون في البيت من هو نائم مستغرق في النوم من أهل البيت ومن يكون مريضا وقد يكون قد استراح ورقد فيستيقظ بصوت هذا القارئ وأقول إن من أهل البيوت من يكون نائما ممن لا صلاة عليهم مثل المرأة الحائض مثلا أو ممن أدى الصلاة من أول ما سمع الأذان ثم رقد وإلا فمن المعلوم أنه لا يحل لأحد تلزمه الجماعة أن ينام عن صلاة الجماعة في بيته ويدع المسجد وإني أكرر النصيحة لإخواني في هذه المسألة وأقول لهم انظروا في المصالح وانظروا في المفاسد ما هي المصلحة التي تعود إلى الإمام أو إلى المصلىن خلفه أو إلى الناس في كون الصلاة ترفع من على المنارة أي مصلحة في ذلك قد يكون في ذلك مفسدة قد يكون بعض الكسالى يبقون في بيوتهم حتى تكون آخر ركعة فإذا لم يبق إلا ركعة جاء يركض ويسعى سعيا شديدا وربما يدرك هذه الركعة وربما لا يدركها وقد اشتكى إلي بعض الناس بهذا وقالوا إننا نأمر أولادنا بالصلاة فيقولون الإمام في أول الصلاة انتظروا حتى يأتي الوقت الذي ندرك به الجماعة فالواجب على الإنسان أن يتبع في عمله ما كان أنفع له ولغيره وأن يدرأ ما فيه الضرر ويبتعد

(193/8)

عنه وأما ما يظنه بعض الناس من الفائدة في هذا العمل من كونه شعيرة من شعائر الإسلام وما أشبه ذلك فنقول إن الشعيرة التي ينبغي إعلانها هي الأذان وقد حصل وأما الصلاة فإنها عبادة تختص بالإمام وبمن خلف الإمام فقط وأما الخارج عن المسجد فلا علاقة له بها اللهم إلا ما ذكرت من كونه ينتظر آخر ركعة ثم يحضر وهذا ليس فيه فائدة بل فيه مضرة والعاقل إذا دار فعله بين الإثم أو السلامة فلا شك أنه سوف يدع هذا العمل أو يدع هذا الفعل إذا كان فيه إما سالما وإما آثما فكل أحد يختار أن يسلك سبيل السلامة.
***
يقول السائل ما حكم الصلاة في المسجدين المتقاربين بحيث يسمع أحدهما قراءة الآخر؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الصلاة في أحد المسجدين جائزة ولا بأس بها ولكن لا ينبغي أن يبنى مسجد بقرب مسجد آخر يحصل به تفريق جماعة وتشتيت فإن هذا يشبه مسجد الضرار الذي قال الله عنه (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل) نعم لو كانت المساجد صغيرة والسكان كثيرون لا يسعهم المسجد الواحد فلا بأس أن يبنى إلى جنبه مسجد آخر ولكن ينبغي أن يكون أحد المسجدين في طرف الحي من الجنوب مثلا والثاني في طرفه من الشمال من أجل أن يتباعد ما بين المسجدين.
***
أحسن الله إليكم يقول السائل بالنسبة للصلاة في سطوح المساجد حيث إن بعض المساجد لا تسع للمصلىن في حالة حدوث وفاة شخص بالمنطقة فإنه يحضر جمع كثير من الناس فلا يسع المسجد هؤلاء المصلىن فمنهم من يصلى في السطح ومنهم من يصلى في جوانب المسجد فما حكم ذلك؟

(193/9)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا جائز يجوز أن يصلى الإنسان في سطح المسجد وفي المسقف من المسجد وفي الخلوة التي يسمونها البدروم أسفل ما دام الإنسان داخل أسوار المسجد فصلاته جائزة لكن كلما قرب من الإمام فهو أفضل وأما الصلاة حول المسجد في السوق فإن كان المسجد ممتلئا فلا بأس وإن كان فيه مكان فلا يصح.
فضيلة الشيخ هل تصح الصلاة خارج المسجد إذا ازدحم المسجد بالمصلىن؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم إذا ازدحم المسجد بالمصلىن صلوا ولو في الشارع لأن هذا ضرورة وحاجة وأما إذا لم يزدحم بالمصلين وصلوا خارج المسجد فإنه لا صلاة لهم لأن الواجب أن تكون الصلاة في مكان الإمام الذي يصلى فيه إلا للضرورة.
***
ما حكم الصلاة التي نصليها في فناء المسجد وهل هذا الحديث ينطبق عليه قول (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) علما بأن الفناء في المسجد تابع له؟.
فأجاب رحمه الله تعالى: الصلاة في فناء المسجد إن كان جميع المصلين صلوا فيه فلا إشكال في جوازها وأما إذا كان المصلون يصلون في داخل المسقوف وهؤلاء صاروا في خارج فيقال خالفتم السنة لأن السنة أن تتقارب الصفوف بعضها من بعض وأن لا يصلوا في مكان والإمام يصلي في مكان آخر لكن صلاتهم على كل تقدير صحيحة.
***
ما حكم وضوء الرجل في مسجد ويصلي في مسجد آخر؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت الميضأة خارج المسجد فلا حرج أن يتوضأ في هذه الميضأة ويصلي في مسجد آخر اللهم إلا إذا كان هذا المسجد قد أقيمت فيه الصلاة فالأولى أن يصلي فيه وأما إذا كانت الميضأة داخل المسجد فإنه لا يجوز الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لسبب لأن أبا هريرة رأى رجلا خرج من المسجد بعد الأذان فقال (أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم) فإن كان هناك سبب مثل أن يريد الذهاب إلى المسجد الآخر لحضور مجلس العلم أو لضرورة فلا حرج عليه أن يخرج ولو كانت الميضأة داخل المسجد.
***

(193/10)

إذا كان هناك بيت مغصوب واضطر شخص فسكن في هذا البيت فهل صلاته في هذا البيت تكون صحيحة أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: البيت المغصوب اختلف أهل العلم في صحة الصلاة فيه فمنهم من قال إن الصلاة صحيحة لأن النهي إنما نهي عن سكن البيت وليس عن الصلاة فالنهي لا يختص بهذه العبادة وكل نهي لا يختص بالعبادة فإنه لا يبطلها ولهذا إذا اغتاب الصائم أحدا فإن هذا الفعل محرم ولا يبطل به الصوم لأنه ما حرم من أجل الصوم ولو أنه أكل أو شرب لفسد صومه لأن النهي يختص بالصوم فهنا الصلاة في المكان المغصوب ليس منهيا عنها لذاتها بل لكونه استولى على هذا البيت وغصبه ولهذا فالمكث في هذا البيت لصلاة أو غيرها يكون حراما وهذا رأي كثير من أهل العلم أن الصلاة في المكان المغصوب صحيحة ولكنه آثم بمكثه واستيلائه على هذا بغير حق والقول الثاني لأهل العلم في هذه المسألة أن صلاته تكون باطلة لأنها وقعت في مكان مغصوب فكانت كالصلاة التي تقع في زمان محرم فعلها فيه فصلاة النفل المطلقة إذا وقعت في وقت النهي تكون باطلة ذلك لأن الزمن يحرم فيه إيقاع هذه الصلاة وكذلك هذا المكان المغصوب لما كان يحرم المكث فيه مطلقا فالمكث فيه لصلاة يكون مكثا في مكان محرم المكث فيه فتقع الصلاة محرمة باطلة وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد بن حنبل لكن لو حبس في مكان مغصوب ولم يتمكن من الخلاص منه وصلى فإن صلاته صحيحة ولا إعادة عليه.
***
هذه الرسالة من القصيم ج م ش يقول هل يجوز بناء المسجد على أشكال هندسية مختلفة كشكل سداسي؟ وما هو بناء المسجد الصالح للصلاة وأنا في اعتقادي الشكل الرباعي والمستطيل هو الصالح وأسال هذا السؤال لأنني شاهدت مساجد والحمد لله أنها قلة على شكل سداسي في مملكتنا الحبيبة؟

(193/11)

فأجاب رحمه الله تعالى: بناء المسجد على أي شكل كان جائز مادام اتجاهه إلى القبلة سليما وظاهرا إلا إذا بني على وجه يشبه الكنائس أو معابد الكفار فهذا لا يجوز لما في ذلك من التشبه بهم وأما إذا بني على وجه لا يوافق شيئا من معابد الكفار من كنائس أو صوامع أو غيرها فإنه لا بأس به على أي شكل كان ما دام اتجاهه إلى القبلة سليما وبينا وواضحا.
***
السائل يقول قام جماعة من أهل الحي ببناء مسجد ووضعوا مؤذنا وإماما منهم مع وجود جامع قريب وكذلك مسجد أوقاف آخر قريب منهم مع العلم بأنهم إذا سافروا في الإجازات أغلق المسجد ولا يصلى فيه أحد هل الراتب الذي يستلمه المؤذن والإمام من الأوقاف حلال أم حرام؟

(193/12)

فأجاب رحمه الله تعالى: أولا لابد أن نعلم أنه لا يجوز بناء مسجد وبقربه مسجد آخر لأن هذا يشبة مسجد الضرار الذي نهى الله سبحانه وتعالى عن أن يقوم فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأن المنافقين بنوا مسجدا قرب مسجد قباء ليفرقوا المؤمنين ويضاروا بهم فقال الله تبارك وتعالى (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله).. إلى أن قال (لا تقم فيه أبدا) هؤلاء الذين بنوا مسجدا وبقربه مساجد أخرى وإن كان ليس بكفر إن شاء الله وليس بمضارة أي ولم يقصدوا المضارة ولكن فيه المعنى الثالث وهو التفريق بين المؤمنين فلا يجوز لهم أن يبنوا هذا المسجد ولا يجوز أيضا للمسؤولين عن المساجد أن يرخصوا لكل من أراد أن يبني مسجدا أن يبني بل الواجب النظر هل هذه الأحياء تحتاج إلى مساجد لتباعد ما بينها أو لا تحتاج فيبقى المسجد الأول هو المسجد وهؤلاء إن هداهم الله وصلوا فيه فهذا المطلوب وإن لم يصلوا فيه فالإثم عليهم أما أن يتخذ كل قوم أو جماعة لهم مسجدا يصلون فيه ويتركونه في أيام الإجازة وما أشبه ذلك فهذا لا شك أنه خطأ عظيم ولا يجوز للمسؤولين عن المساجد أن يسمحوا لهم بذلك وبالنسبة لهؤلاء الذين فعلوا ما صنعوا لا يحل للإمام أن يأخذ راتبا على ذلك لأنه ليس إمام مسجد للمسلمين بل هو إمام مسجد لهؤلاء الجماعة فقط ولذلك يغلق المسجد كما جاء في السؤال إذا ذهبوا إلى الإجازات.
***
ما حكم إحضار الطعام إلى المساجد بنية الصدقات؟

(193/13)

فأجاب رحمه الله تعالى: إحضار الطعام إلى المساجد ليأكله الفقراء لا بأس به لكن لا على سبيل الدوام لأنه إذا كان على سبيل الدوام فقد يصبح المسجد بيتا ومقرا أما إذا كان لأمر طارئ كالإفطار في رمضان فهذا لا بأس به بشرط أن لا يتأذى أهل المسجد ولا يتلوث المسجد وعمل الناس اليوم على هذا أما أن نجعل المسجد كأنه مقهى أو مطعم فهذا لا يجوز فالمساجد ما بنيت لهذا ففرق بين الأمور العارضة الطارئة وبين الأمور المستمرة الدائمة.
***
هل يجوز بناء المنارات على المساجد وهل هي سنة أم بدعة وهل كان ذلك معروفا في عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا أعلم أن بناء المنارات كان معروفا في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولكن المسلمين اتخذوا المنارات وأقروها ولم نعلم أن أحدا أنكرها اللهم إلا أن يكون بعض الناس ينكرونها لعدم وجودها في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا شك أنها تؤدي غرضا حميدا فإنها العلامة الظاهرة للمسجد وارتفاع الأذان منها يكون أبلغ وأوسع وأشمل فالغرض منها غرض مقصود محمود.
***
ما هي فضيلة الصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي وفقكم الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نقول ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن الصلاة في المسجد النبوي خير من ألف صلاة فيما عداه إلا المسجد الحرام) وفي مسند الإمام أحمد (أن الصلاة بالمسجد الحرام بمائة ألف صلاة فيما عداه) وعلى هذا فتكون الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة والصلاة في المسجد النبوي خير من ألف صلاة فيما عداه إلا المسجد الحرام.
***
بارك الله فيكم هذا السائل من الرياض يقول هل الصلاة في توسعة المسجد النبوي تحت المظلة تعتبر كالصلاة داخل المسجد النبوي؟

(193/14)

فأجاب رحمه الله تعالى: الصلاة في الزيادة التي في المسجد النبوي أو في المسجد الحرام تابعة للمسجد وقد ذكر العلماء رحمهم الله أن ما زيد في المسجد فهو منه ولو بلغت الزيادة مساحة كبيرة فمن صلى في هذه الزيادة فهو كمن صلى في المسجد الأول الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكن في صلاة الجماعة كلما قرب الإنسان من الإمام فهو أفضل وكذلك يقال في الزيادة التي في المسجد الحرام فإنها تابعة له لكن في صلاة الجماعة كلما قرب الإنسان من الإمام فهو أفضل.
***
يقول السائل مصلى المدرسة هل يأخذ أحكام المساجد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: مصلى المدرسة أو المصلى في البيت الذي أعده الإنسان للصلاة فيه لا يأخذ حكم المساجد وإنما هو مصلى يحترم لكون الناس يصلون فيه أما أن يعطى حكم المسجد من كونه إذا دخل فيه لا يجلس حتى يصلي ركعتين وإذا كان جنبا لا يجلس فيه إلا بوضوء ويعتكف فيه وما أشبه ذلك من أحكام المساجد فلا فالمصلى في مكان العمل والمصلى في البيت ليس بمسجد وليس له أحكام المسجد لكنه مكان اجتماع يصلى الناس فيه.
***
المستمع من السودان يقول هل يجوز للرجل أن يذهب إلى المسجد ومعه أطفاله الصغار دون الرابعة؟

(193/15)

فأجاب رحمه الله تعالى: الأطفال الذين دون الرابعة في الغالب لا يحسنون الصلاة لأنه لا تمييز لهم والسن الغالب للتمييز هو سبع سنين وهو السن الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن نأمر أولادنا بالصلاة إذا بلغوه فقال عليه الصلاة والسلام (مروا أولادكم أو أبناءكم بالصلاة لسبع) وإذا كان هؤلاء الأطفال الذين في الرابعة لا يحسنون الصلاة فلا ينبغي له أن يأتي بهم إلى المسجد اللهم إلا عند الضرورة كما لو لم يكن في البيت أحد يحمي هذا الصبي فأتى به معه بشرط ألا يؤذي المصلين فإن آذى المصلين فإنه لا يأتي به وإذا احتاج الطفل أن يبقى معه في البيت فليبق معه وفي هذه الحال يكون معذورا بترك الجماعة لأنه تخلف عن الجماعة لعذر وهو حفظ ابنه وحمايته.
***
أحسن الله إليكم السائل عبد الباسط من جمهورية مصر العربية يقول فضيلة الشيخ يوجد بجانبنا مسجد يبعد عنا كيلو ولا نصلى فيه إلا صلاة الجمعة ويصلى فيه التلاميذ صلاة الظهر وبعض المارة يصلون فيه صلاة العصر هل تجوز الصلاة فيه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم تجوز الصلاة في هذا المسجد ما دامت الجماعة تقام فيه لكن الصلاة في مسجد تقام فيه جميع الصلوات أفضل إلا أن هذا المسجد الذي أشار إليه السائل إذا كانت الجماعة لا تقام إلا بحضوره فإن حضوره أفضل.
***
أحسن الله إليكم هذه رسالة وصلت من مستمعة للبرنامج أم عبد الرحمن تقول في هذا السؤال إذا ذهبت المرأة مع زوجها للعمرة وبعد الانتهاء من العمرة ذهبوا إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم هل يجوز للمرأة أن تصلى في الروضة التي ما بين المنبر وحجرة عائشة رضي الله عنها؟

(193/16)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز لها أن تصلى في كل المسجد لكن بشرط أن لا تزاحم الرجال فإن كان لا يتيسر لها ذلك إلا بمزاحمة الرجال فلا تفعل والمسجد النبوي حكمه واحد في الثواب حتى التوسعات التي طرأت عليه حكمها حكم الأصل في الثواب وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة).
***
أحسن الله إليكم في آخر أسئلة هذا السائل من الجزائر يقول ما حكم الصلاة في مسجد بني على ملكية خاصة لأحد الخواص ولم يتنازل عن هذه الأرض؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا بني المسجد على أرض شخص باختياره وطوعه فلا بأس أن يصلى فيه وتكون هذه البنية أعلاها مسجد وأسفلها مملوك ولا حرج في ذلك.
***
أحسن الله إليكم وبارك فيكم من أسئلة السائلة أم ياسر تقول في مسجد الحي في القسم النسائي يوجد درج مفروش فهل يعتبر هذا الدرج من المسجد أم لا وما حكم الصلاة عليه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان الدرج داخل باب المسجد فهو من المسجد وإذا كان خارج باب المسجد فليس منه وأما الصلاة فيه فإن كان الإنسان إذا صلى اتجه إلى القبلة فلا بأس وإن كان لا يتجه إلى القبلة فإنه لا يجوز فكيف يصلى إلى غير القبلة.
***
أحسن الله إليكم وبارك فيكم هذا السائل يقول يا فضيلة الشيخ إذا قدمت من مكة إلى المدينة ومررت بمسجد قباء هل أصلى ركعتين علما بأنني لن أبقى بالمدينة طويلا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ابدأ أولا بالمسجد النبوي أفضل لأن المسجد النبوي أفضل من قباء ثم إذا نزلت في بيتك أو في شقة استأجرتها فتطهر واخرج إلى مسجد قباء فإن من تطهر في بيته وخرج إلى مسجد قباء فصلى فيه ركعتين كان كمن أدى عمرة هذا الأفضل وإن بدأت بقباء لأنه على طريقك فلا حرج.
***

(193/17)

الأحكام الطبية
السائلة تذكر أنها تعرضت لحادث وكانت حاملا وعندما بلغ الجنين خمسة أشهر أمرني الطبيب بإنزاله لأنه خطر على حياته وسؤالها تقول هل عليها إثم في إنزال الجنين علما بأنني كنت غير موافقة ولكن هذا قدر الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا بلغ الجنين في بطن أمه أربعة أشهر بعث الله تعالى إليه ملكا فنفخ فيه الروح وإذا نفخ فيه الروح صار إنسانا كاملا لا يحل إسقاطه بأي حال من الأحوال حتى لو قرر الأطباء أنه إذا لم ينزل كان خطرا على حياة أمه فإنه لا يجوز تنزيله ولو ماتت الأم بعدم تنزيله وذلك أنه إذا نفخت فيه الروح صار إنسانا حيا سويا ولا يحل لأحد أن يقتل أحدا من أجل إبقاء حياته فإن قال قائل في هذه الحالة: إذا ماتت الأم فسيموت الطفل فالجواب أن نقول وعلى هذا التقدير فليكن لأن موت الأم حينئذ ليس بفعلنا بل هو بفعل الله عز وجل بخلاف ما إذا نزل الحمل ومات بسبب تنزيله فإن موته يكون من فعلنا ولا يحل لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن.
***
نحن نعلم من القرآن الكريم أن تمام الرضاعة حولان كاملان فهل هذا دليل على جواز استعمال وسيلة منع الحمل خلال فترة الرضاعة لأننا نعلم أنه إذا حدث حمل أثناء الرضاعة يجف لبن الأم وبذلك يحرم الرضيع من أول حقوقه أفيدونا بذلك بارك الله فيكم؟

(194/1)

فأجاب رحمه الله تعالى: الآية الكريمة التي أشار إليها هي قوله تعالى (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) وهذه الآية لا تدل على أنه ينبغي استعمال حبوب الحمل في هذه المدة وذلك لأن استعمال حبوب الحمل خلاف ما ينبغي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بتزوج الودود الولود ولا شك أن كثرة الأمة عز لها وقوة ومنعة ولهذا امتن الله بها على بني إسرائيل في قوله (وجعلناكم أكثر نفيرا) وذكر قومه شعيب به حين قال (واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم) فالذي ينبغي للأمة الإسلامية أن تكثر من أسباب كثرة النسل ما أمكنها ذلك وإذا قدر أن المرأة حملت في أثناء الرضاع ثم نقص اللبن فإن الله تعالى سيجعل لهذا الطفل جهة أخرى يرضع منها قال الله تعالى (وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى) والله عز وجل لا يحرم عباده رزقه لقوله تعالى (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين).
***
إذا اتفق زوجان على استعمال حبوب منع الحمل وذلك ليس لأسباب مرض الزوجة بل اتفقا أن يكون لهما أربعة أولاد فقط وتحقق حلمهما واستعملت الزوجة بعد ذلك الحبوب بموافقة زوجها فما حكم ذلك وما حكمها لو استعملتها بعدم موافقته فهل في هذا إثم ومخالفة للشريعة؟

(194/2)

فأجاب رحمه الله تعالى: أما استعمال المرأة حبوب منع الحمل بدون رضا زوجها فهو حرام عليها لأن لزوجها الحق في الأولاد وكثير من الناس إنما يتزوج لطلب الأولاد وأما استعمالها للحبوب بإذن زوجها فهذا إن كان ثمة حاجة من كون المرأة يرهقها الحمل ويشق عليها إذا توالى عليها الحمل لا سيما إذا كانت ممن يحمل سريعا فإنه لا حرج حينئذ في استعمالها بإذن الزوج وأما إذا لم يكن ثمة داع ولا حاجة فإنه لا ينبغي استعمالها لأن ذلك ينافي ما هو المطلوب شرعا من كثرة الأولاد فإن كثرة الأولاد أمر مطلوب ومحفوظ أيضا وهو من عز الأمة وقد امتن الله تعالى به على بني إسرائيل حيث قال (وجعلناكم أكثر نفيرا) وذكره شعيب قومه حيث قال (واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم) والنبي عليه الصلاة والسلام يباهي بأمته الأنبياء يوم القيامة وكون هذا الرجل وزوجته يتفقان على أن يكون أولادهما أربعة فقط هذا خطأ منهما فإن هؤلاء الأربعة قد يموتون أو يموت بعضهم ثم إنه من الذي قال إن حد الأولاد أربعة فقط بل كلما كثروا فهو أفضل وأعز للإنسان وعسى الله أن يجعل فيهم خيرا وبركة وعلما وجهادا في سبيل الله فلا ينبغي هذا الفعل منهما.
***
المستمع أشرف رجب خليفة من جمهورية مصر العربية محافظة سوهاج يقول في رسالته عندنا في قريتنا الصغيرة تأتي عربة محملة بالدقيق للبقالين كل يوم أحد من كل أسبوع فيقوم البقالون بتوزيع هذا الدقيق ومن كثرة الناس وازدياد السكان منهم من يأخذ دقيقا ومنهم من لا يأخذ فالسؤال هل يجوز في هذه الحالة أن تتعاطى النساء حبوب منع الحمل لكي تنخفض نسبة السكان وكل إنسان يجد قوته من الدقيق أفيدونا أفادكم الله وبارك فيكم؟

(194/3)

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب تناول النساء حبوب منع الحمل لهذا الغرض الذي ذكره السائل وهو تقليل النسل خوفا من ضيق الرزق يتضمن سوء ظن بالله عز وجل وأن الله تعالى لا يرزق من خلقه ولو أن الإنسان أيقن بأنه ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها واعتمد على الله سبحانه وتعالى في جلب الرزق له ولعائلته ما طرأ على باله مثل هذا التصرف المشين الذي يتضمن ما يتضمنه من سوء ظن بالرب عز وجل كما أن هذا التصرف لهذا الغرض فيه شبه من المشركين الذين نهى الله تبارك وتعالى عن فعلهم في قوله (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم) وفي الآية الثانية (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم) فعلى المؤمن أن يكون واثقا بربه مصدقا بوعده وأن يعلم علم اليقين أنه ما ولد مولود إلا وقد كتب رزقه وأن الله عز وجل هو الذي تكفل بأرزاق عباده كما قال الله تعالى (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين) ولقد حكى لي بعض الثقات وكان من الدلالين الذين يبيعون السلع لأصحابها بأجرة حكى لي أنه كان ذا دخل محدود وأنه حين تزوج شعر بأن هذا الدخل ازداد ولما أتاه الولد الأول من أولاده شعر بزيادة أكثر وهو كان قد أتاه ولدان يقول فلما جاءني الولد الثاني ظهرت لي الزيادة ظهورا بينا لأن الإنسان إذا اعتمد على ربه ووثق بوعده فإن الله يرزقه من حيث لا يحتسب فتناول حبوب منع الحمل لهذا الغرض فيه هاتان المفسدتان سوء الظن بالله عز وجل ومشابهة المشركين من بعض الوجوه أما تناول حبوب منع الحمل لغير هذا الغرض كما لو كانت الأم ضعيفة الجسم أو كثيرة المرض ويشق عليها الحمل مشقة غير معتادة فتناولت الحبوب لأجل الراحة بعض الوقت وكان ذلك بإذن الزوج وبعد مراجعة الطبيب والأمن من

(194/4)

الضرر فإن هذا لا بأس به والله أعلم.
***
السائل ناصر أحمد جمهورية مصر العربية محافظة قنا يقول أسأل عن حكم الشرع في تعاطي المرأة حبوب منع الحمل هل يجوز أن تأخذه أم لا مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أقول لا ينبغي أن يوجه السؤال لعالم يخطئ ويصيب فيقال له ما حكم الشرع إلا أن يقيد فيقال ما حكم الشرع في نظرك وعليه فنقول نرى أن استعمال حبوب منع الحمل ممنوع وذلك لما يترتب عليه من الأضرار البدنية التي قد تتعدى إلى الجنين فيتشوه ولما يترتب عليه من الأضرار الشرعية حيث أن الحيضة من استعمال هذه الحبوب لا تترتب ولا تنتظم فتتشوش العبادة على المرأة ولا تدري الذي أصابها حيض هو أم غير حيض فقد تدع الصلاة في وقت لا يجوز تركها وقد تصلى في وقت لا يجوز فيه الصلاة لكن لو احتاجت المرأة إلى تقليل الحمل لسبب شرعي فلتستعمل أشياء أخرى تمنع الحمل سوى هذه الحبوب.
***
تقول السائلة أم مجاهد من الرياض تقوم بعض النساء باستخدام حبوب منع الحمل لسنوات طويلة حتى تصل إلى سن اليأس وذلك لسبب قوي لأن زوجها وهو إنسان مقتدر وغني لا يصرف عليها وعلى أبنائها وبناتها حيث أنه متزوج من ثلاث نساء ولا يعدل بينهن ولديه منهن إحدى عشر بنتا وستة أبناء فلا يهتم بتربيتهم ولا الاهتمام بهم ولا يهتم بالصرف عليهم في المأكل والمشرب والملبس والمسكن حيث قامت إحدى زوجاته ببيع ذهبها حتى تستطيع أن تصرف منها في تدريس أبنائها وتوفير المأكل والمشرب لهم حيث إنها غير متعلمة أمية وأحيانا كانت تقوم بدور الحاضنة لأطفال أختها الموظفة فتقوم أختها بإعطائها مبلغ بسيط من المال نظير هذه الحضانة لأطفالها فهل على هذه المرأة شيء باستخدام هذه الحبوب لسنوات طويلة حيث إنها لا تستطيع تحمل المسؤولية وحدها بالقيام بتربية الأبناء والصرف عليهم ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها أفتونا مأجورين؟

(194/5)

فأجاب رحمه الله تعالى: قبل الإفتاء أقول إنه يجب على الزوج أن ينفق على زوجاته وأولاده من بنين وبنات إذا كان قادرا على هذا وليعلم أنه إذا أنفق ماله قياما بالواجب واجب النفقة في حياته سلم من غائلة المال ومن إثم المال وإن لم يفعل فسوف ينفق من بعده قهرا عليه فيبوء بالإثم والعياذ بالله ويجمع لهؤلاء القوم الذين شح عليهم في حياته فعليه أن يتقي الله وأن يقوم بالواجب من الإنفاق على الزوجات الثلاث وعلى أولادهن من بنين وبنات فإن لم يفعل فلكل واحدة أن تأخذ من ماله بغير علمه ما يكفيها ويكفي أولادها كما أفتى بذلك النبي صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة حين شكت إليه زوجها أنه شحيح لا يعطيها ما يكفيها وأولادها فأذن لها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تأخذ من ماله ما يكفيها ويكفي أولادها أما الإفتاء فأقول لا تستعمل حبوب منع الحمل من أجل قلة الأولاد أي ليقل أولادها فإن أولادها رزقهم عند الله عز وجل وكلما كثر الأولاد انفتح للرزق أبوابا قال الله تبارك وتعالى (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين) وقال تعالى (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم) وقال في الآية الثانية (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم) ولكن كثرة الرزق بكثرة الأولاد لها شرط مهم وهو تقوى الله وصحة التوكل عليه لقول الله تعالى (ومن يتق الله يجعل له مخرجا*ويرزقه من حيث لا يحتسب*ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا) فأقول لهذه السائلة لا تستعملي حبوب منع الحمل واستعيني بالله وتوكلي عليه واعلمي أن رزق أولادك ليس إليك بل إلى من

(194/6)

خلقهم جل وعلا.
***
السائلة أم نشوى من المنطقة الشرقية تقول هي امرأة متزوجة من رجل من أقاربها يكبرها في السن وقد أنجبت منه الأبناء والبنات وهو يصلى ويصوم ولكنه أحيانا يرتكب بعض المحرمات التي تنسيه دينه وأهله فيترك كل شيء إضافة إلى سوء عشرته معهم في البيت وسوء أخلاقه فلا تعرف منه الكلمة الطيبة ولا السلام عندما يدخل البيت ولو كان غائبا عنها مدة أسبوع وقد جعلتها هذه الأمور تكرهه كثيرا وتتمنى أن يفارقها إلي الأبد أو يفارق الحياة وقد أخذ ابنها الأكبر يقلد أباه في فعل بعض المحرمات ولذلك فهي تكرهه أيضا لتقليده أباه في فعل الحرام وعدم خوفه من الله فتدعو عليه بالموت لذلك فهي تسأل أولا عن حكم الاستمرار في الحياة مع هذا الزوج وثانيا عن حكم الدعاء على الولد وهل في ذلك تفريق بين الأولاد في المعاملة لأن من أولادها من تحبهم وتعطف عليهم وثالثا تريد أن تعمل عملية تمنع أن تحمل من هذا الرجل الخبيث كما تصفه فهي تكره أن تنجب منه زيادة خوفا أن يسلكوا مسلكه ورابعا إن هي فارقته فمع من يكون الأولاد فهي تخشى عليهم إن بقوا مع والدهم أن يؤثر عليهم ويفسد أخلاقهم؟

(194/7)

فأجاب رحمه الله تعالى: قبل الجواب على هذا السؤال نوجه نصيحة إلى هذا الرجل إن كان ما قالته زوجته فيه صدقا أن يتوب إلى الله عز وجل وأن يرجع عما وصفته به زوجته حتى تستقر له الحياة وتطيب له فإن الله عز وجل وعد وعدا مؤكدا بأن من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن أن يحييه حياة طيبة قال الله عز وجل (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) وإذا رجع إلى الله عز وجل وتاب إليه وأناب وحافظ على ما أوجب الله عليه سيجد لذة وطعما للإيمان وانشراحا لشعائر الإسلام وتطيب له الحياة ويكون كأنه ولد من حينه ثم إن ما سألت عنه هذه المرأة من محاولة فراق زوجها أرى ألا تفارقه مادام لم يخرج عن الإسلام بذنوبه ولكن تصبر وتحتسب من أجل الأولاد وعدم تفرقهم وعليها أن تكرر النصيحة لزوجها فلعل الله سبحانه وتعالى أن يهديه على يديها وأما الدعاء على ولدها بالموت فهذا خطأ ولا ينبغي للإنسان إذا رأى ضالا أن يدعو عليه بالموت بل الذي ينبغي أن يحاول النصيحة معه بقدر الإمكان ويسأل الله عز وجل له الهداية فإن الأمور بيد الله سبحانه وتعالى والقلوب بين أصبعين من أصابعه سبحانه وبحمده يقلبها كيف يشاء وكم من شيء أيس الإنسان منه في تصوره فيسر الله تعالى حصوله فلا تستبعدي أيتها المرأة أن يهدي الله سبحانه ولدك ادعي له بالهداية وكرري له النصح والله على كل شيء قدير وأما محاولتها أن تمتنع من الإنجاب منه فهذه نظرية خاطئة وذلك لأن الإنجاب أمر محبوب في الشريعة وكلما كثرت الأمة كان ذلك أفضل وأكثر هيبة لها ولهذا امتن الله عز وجل على بني إسرائيل بالكثرة حيث قال سبحانه وتعالى (وجعلناكم أكثر نفيرا) وقال شعيب لقومه (واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم) وأمر النبي عليه الصلاة والسلام

(194/8)

بتزوج الودود الولود لتحقيق مباهاة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته يوم القيامة والأمة كلما كثرت قويت ماديا ومعنويا كما هو ظاهر وهو على العكس من تصور بعض الظانين بالله ظن السوء الذين يظنون أن الكثرة توجب ضيق المعيشة وهؤلاء أساؤوا الظن بالله عز وجل وخالفوا الواقع وقد قال الله تعالى (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) وقال سبحانه وتعالى (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها) وأولئك الأمم الذين ضاقت عليهم العيشة بكثرتهم إنما أتوا من حيث قلة اعتمادهم على الله عز وجل وتوكلهم عليه ولو أنهم توكلوا على الله وصدقوا بوعده ما ضاقت عليهم المعيشة وأما سؤالها الرابع عن أولادها ماذا يكونون لو فارقت زوجها فهذا أمره إلى المحكمة هي التي تبت في هذا الأمر وتنظر في الحال والواقع أي الأمرين أصلح أن يكونوا عند أبيهم أو عند أمهم.
فضيلة الشيخ: والمعتبر في هذا صلاح أمر الأولاد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المعتبر في هذا صلاح الأولاد لأن الحضانة إنما وجبت من أجل حماية الطفل وصيانته وإصلاحه ولهذا قال أهل العلم إن المحضون لا يقر بيد من لا يصونه ويصلحه ولو كان أحق من غيره من حيث الترتيب لأن المدار كما قلت على إصلاح الولد وصيانته عما يضره.
***
هل أخذ وسيلة لمنع الحمل لفترة معينة وهي فترة رضاعة الطفل حتى لا يؤثر الحمل الجديد بحرمانه من إكمال الرضاعة هل يجوز ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أولا يجب أن نعلم أن الحمل لا يؤثر على الرضيع ثانيا لو أرادت المرأة أن تمنع الحمل وقت الإرضاع لمشقة الحمل عليها فلا حرج أن تستعمل ما يمنع الحيض أو ما يمنع الحمل لكن بإذن الزوج لأن الزوج له حق في الأولاد.
***

(194/9)

ما حكم تحديد النسل أو بعضه خصوصا إذا لم يكن هناك مانع طبي للحمل ولكن التحديد للخوف من الرزق على المستوى الفردي وما حكم إذا كانت الدولة تأخذه كسياسة لها خصوصا أن بعض المرتزقة ممن يقال لهم علماء ويفتون لإرضاء الحاكم والحصول على أموال يفتون كل يوم أن الإسلام لا يحرم تحديد النسل ويلعبون بحديث العزل فما الحكم بذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نقول أن منع الحمل على نوعين أحدهما أن يكون الغرض منه تحديد النسل بمعنى أن الإنسان لا يتجاوز أولاده من ذكور أو إناث هذا القدر فهذا لا يجوز لأن الأمر بيد الله عز وجل ولا يدري هذا المحدد لنسله فلعل من عنده من الأولاد يموتون فيبقى ليس له أولاد والنوع الثاني من الحمل لتنظيم النسل بمعنى أن تكون المرأة كثيرة الإنجاب وتتضرر في بدنها أو في شؤون بيتها وتحب أن تقلل من هذا الحمل لمدة معينة مثل أن تنظم حملها في كل سنتين مرة فهذا لا بأس به بإذن الزوج لأن هذا يشمل العزل الذي كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلونه ولم ينه عنه الله ولا رسوله. موضوع تحديد النسل أو تنظيمه للخوف من الرزق هذا لا شك أنه سوء ظن بالله عز وجل وأنه يشبه من بعض الوجوه ما كان يفعله أهل الجاهلية من قتل أولادهم خشية الفقر وهذا لا يجوز لأن فيه هذين المحظورين هما سوء الظن بالله سبحانه وتعالى والثاني مشابهة عمل الجاهلية من بعض الوجوه والواجب على المسلم أن يؤمن بأنه ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها وأن الله تعالى إذا رزقه أولادا فسيفتح له أبوابا من الرزق حتى يقوم بشؤون هؤلاء الأولاد ورزقهم ثم إن بعض الناس قد يقول أنا لا أحدد النسل أو لا أنظمه من خوف ضيق الرزق ولكن من خوف العدل عند تأديبهم وتوجيههم وهذا أيضا خطأ فإن تأديبهم وتوجيههم كرزقهم فالكل بيد الله عز وجل وكما أنك تعتمد على الله عز وجل في رزق أولادك كذلك أيضا يجب أن تعتمد على الله سبحانه وتعالى في أدب أولادك وهدايتهم فإن الله تعالى

(194/10)

هو الهادي سبحانه وبحمده (من يهد الله فهو المهتدي) وعلى هذا فالذي ينظم نسله أو يحدده خوفا من عدم القدرة على تأديبهم هو أيضا مسيء الظن بربه تبارك وتعالى وإلا فالله سبحانه وتعالى بيده الأمور والذي ينبغي للإنسان أن لا يفعل شيئا من ما يقلل الأولاد إلا إذا دعت الحاجة لذلك أو الضرورة ثم ينبغي أن يعلم المستمعون أن كثرة الأمة وكثرة النسل من نعم الله عز وجل ولهذا شعيب عليه الصلاة والسلام ذكر قومه بهذه النعمة فقال (واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم) وكذلك من الله بها على بني إسرائيل حيث قال (وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا) فكثرة الأمة لا شك أنه سبب لعزتها وقيامها بنفسها واكتفائها بما لديها عن غيرها وربما لكثرتها تكون سببا لفتح مصادر كثيرة من الرزق كما أشرنا إليه أولا بأنه ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ونحن نعلم أن بعض الدول غزت دول أكبر منها وأشد منها قوة منها بسبب فقر أفرادها لأنهم صاروا يفتحون معامل ومصانع وينتجون إنتاجا بالغا ولهذا يجب على الأمة الإسلامية أن تعرف أن محاولة تحديد النسل أو تنظيمه إنما هو من كيد أعدائنا بنا وهي مخالفة لما يرمي إليه النبي صلى الله عليه وسلم ولما يوده من تكثير هذه الأمة وتحقيق مباهاته صلى الله عليه وسلم بها الأنبياء
***
ما حكم تعاطي الحبوب المنشطة لأجل الحمل علما بأن المرأة متزوجة من فترة طويلة وليس لديها أطفال؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الأمر يرجع إلى استشارة الطبيب في هذا فإذا قال إن تناول هذه الحبوب المنشطة للحمل لا يضر فإنه ينبغي استعمالها تحصيلا للحمل لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم).
***

(194/11)

رسالة وصلت من شاب من جمهورية مصر العربية أمين توفيق يقول بأنه يعمل في المملكة العربية السعودية في مدينة الزلفي يقول لقد رزقت بمولود ولله الحمد وفي يده اليمنى إصبع زيادة هل هناك حرج لو أزلت هذا الإصبع رغم أنه كان لي أخ قبل ابني له إصبع زيادة في يده وقد ذهبت إلى الدكتور وأزال هذا الإصبع الزيادة هل هناك حرج في نظركم في الشرع في هذا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب ليس هناك حرج في إزالة هذا الإصبع الزائد لأنه من باب إزالة العيوب وما كان من باب إزالة العيوب فإنه لا بأس به ولهذا أذن النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قطع أنفه أن يتخذ أنفا من ورق أي من فضة فلما أنتن جعله من ذهب وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وهنا يجب أن نعرف الفرق بين العملية التي قصد بها إزالة العيب وبين العملية التي يقصد بها زيادة الجمال ولهذا نقول إن العملية التي يقصد بها إزالة العيب لا بأس بها لأن المقصود بها التخلي مما يشوه كما دل على ذلك الأثر السابق وأما العملية التي يقصد بها زيادة التجميل فإنها محرمة ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن النمص بل لعن فاعله وعن الوشم وعن الوشر وهو برد الأسنان للتحسين ونهى أيضا عن الوصل وصل الشعر لأن فيه زيادة جمال للأنثى فكل عملية يقصد بها التجميل فهي محرمة قياسا على النمص والوشم وكل عملية يقصد بها زوال العيب فإنها جائزة ولا بأس بها قياسا على اتخاذ الصحابي أنفا من الذهب وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم له وعلى هذا فقطع الأصبع الزائدة وقطع الثالول وما أشبهها مما يكون عيبا مشوها لابأس به ولكن بشرط أن يستشار الأطباء المختصون حتى لا يعرض الإنسان نفسه للخطر.
***
يقول السائل منحني الله سبحانه وتعالى طفلين وظهر عند كل طفل من هؤلاء أربعة وعشرين أصبعا زيادة فما رأي فضيلتكم لو قطعتها عند الدكتور؟

(194/12)

فأجاب رحمه الله تعالى: ذكر أهل العلم في هذه المسألة أنه لا يجوز قطع الأصبع الزائدة والظاهر أن هذا لا يجوز لما فيه من الخطر على صاحب الأصبع وفي وقتنا هذا الخطر والحمد لله قليل والضرر بعيد فالذي نرى أنه لا بأس في هذه الحال من قطع الأصابع الزائدة المشوهة للخلقة أما إذا كانت الأصابع زائدة لكنها لا تشوه الخلقة فالذي ينبغي أن تبقى كما هي عليه.
***
عندي ولد عم تزوج أختي وأنجبت له ولدا وبنتا وهذه البنت بيدها ستة أصابع والأصبع السادس صغير فهل يجوز إزالته بواسطة عملية جراحية؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز إزالة الأصبع من يد أو رجل بواسطة عملية جراحية بشرط أن نأمن الخطر على هذا الذي نريد أن نزيل ما زاد من أصابعه ومثل ذلك لو كانت الزيادة في غير الأصبع أحيانا تكون الزيادة في الأذن يخرج منها شيء زائد أحيانا تكون الزيادة في الرأس شيء يتدلى من الرأس فالمهم أنه كل ما كان عيبا يشوه الخلقة فإنه لا حرج أن تجرى له عملية لإزالته وتجميل موضعه بشرط أن يكون الضرر والتلف مأمونا.
***
ما حكم كشف غير الوجه مثل العورة عند الدكتور لحاجة ماسة للعلاج للمرأة التي لم تنجب والزوج يعلم بذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا بأس أن المرأة تكشف عند الطبيب ما تدعو الحاجة إلى كشفه من العورة فما دونها لكن نقول ما تدعو الحاجة إلى كشفه بحيث تكون محتاجة إلى هذا الكشف ولا يوجد نساء طبيبات يقمن بهذا العمل فإذا لم يوجد طبيبات يقمن بهذا العمل فإنه لا بأس أن تكشف عند الطبيب الرجل لما في ذلك من الحاجة إليه.
***
إنني كسبت صنعة وهي زرق الإبر الطبية ويتردد علي رجال ونساء وأثناء زرق الإبر فإني ألامس أجسام النساء هل هذا فيه شيء من الحرام أم لا؟

(194/13)

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس فيه شي من الحرام إذا دعت الحاجة إليه بأن لم يوجد في المكان سوى هذا الرجل الذي يزرق الإبر فإن وجد امرأة تقوم مقامه فإنه لا يجوز للرجل ذلك ثم إذا جاز هذا عند الحاجة فإنه يجب عليه عند ملامسته جسد المرأة يجب عليه أن لا يكون لديه شعور بالشهوة أو تحريك لها بل يشعر نفسه بأنه طبيب معالج حتى يبتعد من محل الفتنة.
***
ما حكم الكشف على عورة المرأة لمعرفة أعراض المرض وما حكم الطلبة الذين تكشف لهم عورات المريضات للتعلم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: كشف المرأة ما يجب عليها ستره من أجل مصلحة الطب ببيان ما فيها من مرض وتشخيصه هذا لا بأس به لأنه لحاجة والحاجة تبيح مثل هذا المحرم إذ القاعدة المعروفة عند أهل العلم أن ما حرم تحريم الوسائل أباحته الحاجة وما حرم تحريما ذاتيا تحريم المقاصد فإنه لا يبيحه إلا الضرورة وذكروا لذلك أمثلة وهي النظر إلى ما لا يجوز النظر إليه من المرأة للحاجة كما يجوز نظر الخاطب إلى ما لا يجوز النظر إليه من أجل مصلحة النكاح وكما في هذه المسألة التي سأل عنها الأخ فإنه يجوز للطبيب أن يكشف عن المرأة ويعرف المرض ويشخص أعراضه.
***
بيننا طلبة غير مسلمين من أهل الكتاب ويكشفون معنا على عورات النساء المسلمات فما الحكم في ذلك ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحكم في ذلك لا بأس به عند الحاجة كما أسلفنا لكننا نزيد شرطا ثانيا هو أن نأمن من هؤلاء بحيث نثق بأمانتهم والكافر قد يؤمن في هذه الأمور فإذا أمنا جانبه ودعت الحاجة لذلك فلا بأس به كما أن المسلم أيضا ينبغي أن نزيد هذا القيد فيه فكم من مسلم لا يؤتمن على فروج المسلمات وما يستتر منه.
***
إذا كان هناك ضرس من الأضراس أطول من الباقية هل يجوز لي أن أقصه أو أحكه حكا حتى أساوي به الباقين أفتونا جزاكم الله خيرا؟

(194/14)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان يتأذى بهذا الضرس الزائد فلا حرج عليه في قصه فقص الزائد منه لإزالة الأذى عنه وكذلك إذا كان يتألم منه لسبب طوله فإنه لا بأس من أن يقص الزائد منه حتى يزول ذلك الضرر وإلا فيبقيه على ما هو عليه.
***
أنا شاب أبلغ من العمر عشرين سنة ومقبل على حياة زوجية ولكن الذي يعكر علي حياتي هو أنه يوجد في وجهي حبوب سوداء التي تسمى حبة الخال كثيرة ولكن بعضها ملفت للنظر مما يلفت الأنظار نحوي حيث أني كنت عرضة لاستهزاء بعض الناس خصوصا الصغار أو الأطفال يضحكون مني فكيف الكبار لذلك تجدني منطوي على نفسي وغارق في التفكير وأخيرا قررت أن أزيل بعضها وهي اثنتان فهل في هذا شيء وماذا لو أني أزلتهما في عملية جراحية؟

(194/15)

فأجاب رحمه الله تعالى: تغيير خلق الله سبحانه وتعالى على نوعين نوع يراد به التجميل ونوع يراد به إزالة السيئ فأما ما يراد به التجميل كالنمص والوشم والوشروالنمص نتف شعر الوجه والوشم غرز الجلد بلون أسود أو أخضر أو نحو ذلك من الزركشة التي نراها في أيدي بعض الناس أو وجوههم والوشر هو برد الأسنان لتجميلها فلجها أو تصغيرها أو نحو ذلك وظاهر النصوص بل صريحها أن ذلك محرم بل من الكبائر لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن فاعله والنوع الثاني على سبيل إزالة المؤذي والعيب فهذا لا بأس به بل قد دلت السنة على أن بعضه مطلوب كما في حديث سنن الفطرة من تقليم الأظفار وحف الشوارب والختان فإن هذا في الحقيقة إزالة أشياء مؤذية تنفر منها الطباع السليمة وقد جاء الشرع بطلب فعلها من هذا النوع بل أقول إنه من نوع آخر يكون مباحا إذا حصل للإنسان أشياء مؤذية وأراد أن يزيلها كما ذكر هذا السائل من بعض الحبوب التي يسميها العامة الخال أو حبة الخال فإنه لا بأس أن يزيلها الإنسان ولو بإجراء عملية إذا غلبت السلامة في إجراء هذه العملية ولهذا أمر الشرع بمداواة الأمراض وشبهها على وجه مشروع ولا شك أن هذه العيوب البدنية الجسمية أنها نوع من الأمراض ثم إنها إن لم تكن مرض يؤثر على الجسم بانحطاط قوته فهي مرض نفسي لأن الإنسان يتضايق منها كثيرا كما ذكر هذا الأخ الذي سأل فعليه نقول لا بأس من إجراء العملية لإزالة هذه الأشياء بشرط أن تغلب السلامة ويغلب على الظن النفع بهذه العملية.
***
المستمع أيضا يقول ما الحكم في إجراء عمليات التجميل؟

(194/16)

فأجاب رحمه الله تعالى: التجميل المستعمل في الطب ينقسم قسمين أحدهما تجميل بإزالة العيب الحاصل على الإنسان من حادث أو غيره فهذا لا بأس به ولاحرج فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لرجل قطع أنفه في الحرب أذن له أن يتخذ أنفا من ذهب لإزالة التشويه الذي حصل بقطع أنفه ولأن الرجل الذي عمل عملية التجميل هنا ليس قصده أن يطور نفسه إلى حسن أكمل مما خلقه الله عليه ولكنه أراد أن يزيل عيبا حدث أما النوع الثاني فهو التجميل الزائد الذي ليس من أجل إزالة العيب فهذا محرم ولا يجوز ولهذا (لعن النبي صلى الله عليه وسلم النامصة والمتنمصة والواشرة والمستوشرة والواشمة والمستوشمة) لما في ذلك من إحداث التجميل الكمالي الذي ليس لإزالة العيب أما بالنسبة للطالب الذي يقرر من ضمن دراسته هذا العلم فلا حرج عليه أن يتعلمه ولكنه لا ينفذه في الحال التي يكون فيها حراما بل ينصح من طلب منه هذا النوع من التجميل ينصحه بأن هذا حرام ولا يجوز ويكون في هذا فائدة لأن النصيحة إذا جاءت من الطبيب نفسه فإن الغالب أن المريض أو من طلب العملية يقتنع أكثر مما يقتنع لو أن أحدا غيره نصحه في ذلك.
***
بارك الله فيكم المستمعة أم أسامة تقول بأنها امرأة ضعيفة الجسم وقد ولدت طفلا بصعوبة لدرجة أنني كنت أصرخ لأنهم أعطوها تقول مادة سائلة يقولون بأنها طلق صناعي لأن طلقها تقول ضعيف ومع هذا الطلق الصناعي تقول كأنني أشعر كأني أفقد عقلي وتعبت كثيرا بعد الولادة وظل التعب لمدة سنة تقريبا تقول بأنها حملت بعد ذلك بابنها الثاني فنصحها البعض بالذهاب إلى مستشفى خاص وأعطوها إبرة تخدير لأنها لن تتحمل الطلق الصناعي أيضا وأيضا تقول بعد أن أعطوني إبرة التخدير لم أشعر بألم الولادة ونمت قليلا هل هذا جائز يا فضيلة الشيخ لأنني الآن تقول بأنها حامل في شهرها الثالث أرجو الإفادة جزاكم الله خيرا لأن البعض أخبرني بأن هذا لا يجوز؟

(194/17)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت المرأة يشق عليها الطلق والولادة وأخذت من الأدوية المباحة ما يعينها على ذلك فإنه هذا لا بأس به وهو من باب التنعم بنعم الله سبحانه وتعالى والله سبحانه وتعالى من كرمه وجوده وفضله يحب لعباده أن يتنعموا بنعمه التي من بها عليهم ويحب من عبده أن يرى أثر نعمته عليه واستعمال هذه المسكنات أو المقويات في الطلق أو ما أشبه ذلك من الأشياء المباحة لا بأس به ولا حرج لأن الله سبحانه وتعالى يحب اليسر لعباده كما قال الله تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر).
***
هل يجوز تشريح جثة المسلم بعد إصابته في حادث نرجو بهذا إفادة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المسلم حرام دمه وماله وعرضه والمسلم محترم في حياته وبعد مماته ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (كسر عظم الميت ككسره حيا) أخرجه أبو داوود إذا علم ذلك فإن تشريح جثة الميت المسلم بعد وفاته لا يجوز إلا إذا دعت الحاجة أو الضرورة لذلك وإذا دعت الحاجة أو الضرورة إلى ذلك فإن هذا يقدر بقدر الحاجة ثم يعاد الجسم كما كان بمعنى أننا إذا انتهينا من الشيء الذي نحتاج إلى فحصه مثلا فإنه ينظف الجسم ويخاط ويغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن مع المسلمين.
***
تقول السائلة لقد ابتليت بمرض الصرع والحمد لله وإنني أصرع ما بين الحين والحين ولقد أمرني الدكتور باستعمال حبوب وهذه الحبوب تصيب الجسم بتمديد وقد سمعت أنه يوجد بها مواد محرمة لكونها مخدرة مع العلم أنني إذا تركتها مرضت أفيدونا أفادكم الله لما فيه الخير والصلاح؟

(194/18)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الدواء الذي أشارت إليه إذا كان نافعا لها في تخفيف صرعتها وإزالتها فإنه لا بأس به وهذه المواد المخدرة إذا أعطت الجسم استرخاء فإنما ذلك لمصلحته وليس لمضرته فإذا قالوا أي الأطباء إن هذا أنفع لها وأنه لا يضر على جسمها في المستقبل فإنه لا بأس به ولا حرج وهذه الكمية البسيطة التي توجد فيه من أشياء مخدرة هي لا تبلغ درجة التخدير حسب كلامها وإنما فيها استرخاء الجسم وامتداده وهذا لا يوجب التحريم لا سيما وأن فيه المصلحة التي تربو على هذه المفسدة لكن إن خشي في المستقبل أن يكون سببا لانهيار الجسم فحينئذ تمنع وتنصح بأن تصبر على ما أصابها والله تبارك وتعالى يثيب الصابرين.
***
هذه رسالة وردتنا من الطالبة في كلية الطب جامعة الرياض تقول المستمعة ح ع أرجو من فضيلتكم إفتائي فيما يلي بحكم دارستي في كلية العلوم أو في كلية الطب احتفظ ببعض العظام فما حكم ذلك وإذا احتفظت بالهيكل العظمي في غرفتي الخاصة هل هذا يعتبر من الصور المجسمة أرجو إفتاءنا في ذلك علما أن دراستنا تعتمد على الدراسات النظرية والإطلاع على المجسمات الملموسة؟

(194/19)

فأجاب رحمه الله تعالى: أولا نقول إن هذا الهيكل هل هو هيكل إنسان أو هيكل حيوان آخر إن كان هيكل حيوان آخر فلا بأس من الاحتفاظ به ولا بأس من تشريحه ولا بأس أيضا من كل عمل يكون فيه مصلحة للطب لأن الله تعالى يقول (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا) فمتى كانت في هذه المخلوقات التي خلقها الله مصلحة لنا في ديننا ودنيانا فإنه ليس علينا حرج في أن ننتفع بها ولهذا يجوز لنا في الحيوان الذي أباح الله لنا يجوز لنا أن نذبحه ونقضي على حياته لأجل أن نستفيد بلحمه أما إذا كان هيكل إنسان فإن كان الإنسان محترما كالمسلم والذمي والمعاهد والمستأمن فإنه لا يجوز للمرء أن يمثل به وأن يحتفظ بهيكله وإذا كان إنسان غير محترم فإن هذا محل نظر ويحتاج إلى بحث ومراجعة وإصدار فتوى عامة ينتفع بها المسلمون أما بالنسبة للهيكل غير هيكل الإنسان فإنه لا بأس في الاحتفاظ به لدراسته أو لغير ذلك وليس هذا من الصور المجسمة لأن الصور المجسمة هي التي يصورها العبد مضاهاة لخلق الله عز وجل فيصنعها مضاه بها خلق الله أما ما كان من مخلوقات الله فإن هذا ليس من الصور قطعا.
***
ما الحكم الشرعي في نقل الدم في حالة إسعاف مصاب مهدد بالموت عن طريق التبرع من مسلم لكافر أو العكس؟

(194/20)

فأجاب رحمه الله تعالى: التبرع بالدم بنقله إلى مصاب إذا كان هذا المصاب مضطرا وكان ينتفع من هذا الدم الذي ينقل إليه فإن الدم حينئذ يحل له لأن الله حرم الدم في سورة المائدة بقوله تعالى (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب) إلى أن قال (فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم) فإذا اضطر المريض إلى حقن الدم به فإنه لا بأس أن يحقن به أما بالنسبة للمتبرع فإذا كان لا يضره أخذ الدم منه فلا حرج عليه أن يتبرع فإذا كان المتبرع له مسلما فإن هذا من الإحسان إلى المسلمين وإذا كان غير مسلم وهو ممن تجوز الصدقة عليه فإنه لا بأس أن يتبرع له لقوله تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) وأما إن كان من قوم يؤذون المسلمين ويخرجونهم من ديارهم ويقاتلونهم فإنه لا يتبرع له بدم ولا غيره
***
هل يعتبر المتوفى في عملية جراحية بسبب المخدر أو خطأ من الطبيب شهيدا وماذا على الطبيب الذي وقعت الوفاة تحت يده أو بسببه؟

(194/21)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يعتبر هذا شهيدا لأن هذا الموت حدث باختيار منه وبفعل منه وإن كان هو لم يقصده لكنه ليس كالحريق ولا الغريق ولا من مات بهدم ونحوه لأن أولئك الذين ماتوا بهذه الأسباب لم يكن ذلك ناشيءا عن فعلهم وأما بالنسبة للطبيب الذي عالجه فإن كان الطبيب ماهرا وكانت هذه الوفاة بسبب العملية نفسها دون خطأ من الطبيب فإنه لا شيء عليه وأما إذا كانت بخطأ منه أو كان غير ماهر فإنه يضمن لأنه إن كان غير ماهر فقد تعدى حيث لا يجوز لأحد أن يتطبب بشخص وهو لا يعلم الطب وإن كانت بخطأ منه فإن إتلاف الأموال والأنفس لا يعتبر فيه القصد بالنسبة للضمان ولهذا قال الله تعالى (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا) وهذا بخلاف إذا مات من العملية نفسها فإن العملية نفسها إذا كانت من ماهر عارف بالجراحة ليس فيها خطأ وليس فيها تعد فلا يكون الطبيب في هذه الحال ضامنا.
***
هذه المستمعة أمل من الأردن تقول في هذا السؤال هل يجوز استعمال الأسنان الصناعية في الفم عند سقوط الأسنان الطبيعية وذلك للحاجة لها وهل يجوز التبرع بأعضاء الميت بعد موته لإنقاذ حياة شخص آخر من الموت؟

(194/22)

فأجاب رحمه الله تعالى: يجوز للإنسان إذا سقطت أسنانه أن يستعيض عنها بأسنان أخرى صناعية لأن ذلك من إزالة العيب كما أذن الرسول صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة رضي الله عنهم الذي انقطع أنفه أن يتخذ أنفا من فضة فأنتن فأذن له أن يتخذ أنفا من ذهب فاتخذ أنفا من ذهب كذلك أيضا الأسنان إذا سقطت فللإنسان أن يضع بدلها أسنانا صناعية ولا حرج عليه في ذلك وأما التبرع بعضو من الأعضاء بعد الموت لمن يحتاج إليه من الأحياء فهذا موضع خلاف بين العلماء فالحنابلة رحمهم الله نصوا على تحريم ذلك وأنه لا يحل قطع عضو من الإنسان ولو أوصى به بعد موته ذكروا ذلك في كتاب الجنائز ومن العلماء من رخص في ذلك بشروط معينة.
***
السائلة طالبة بالمملكة من سريلانكا تقول في زماننا هذا كثر التبرع بالعين وربما بيعها ممن قد يئسوا من الحياة فأرجو إجابتكم على الحكم في الحالتين في التبرع والبيع؟

(194/23)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة كما ذكرت السائلة حدثت أخيرا في الأزمان المتأخرة واختلف أهل العلم فيها فمنهم من أجاز للإنسان أن يتبرع بأحد أعضائه التي يبقى له منها شيء ثم اختلف هؤلاء هل يجوز أن يتبرع فقط أو له أن يبيع ومن أهل العلم من منع ذلك مطلقا وقال لا يجوز لأحد أن يتبرع أو أن يبيع شيئا من أعضائه حتى وإن كان قد أيس من حياته وذلك لأن بدنه أمانة عنده لا يجوز له أن يتصرف فيه فالإنسان مملوك وليس مالكا وإذا لم يكن مالكا لشيء من أعضائه وإنما هي أمانة عنده فإنه لا يجوز له أن يتصرف فيها ببيع ولا غيره وتبرعه بعضو في بدنه من جنسه قد يقوم البدن بدون ذلك العضو الذي تبرع به ولكنه لاشك أن الله تعالى لم يخلق هاذين العضوين إلا لفائدة عظيمة وذلك بأن يتساعدا على المصلحة التي أوكلت إليهما ثم إنه إذا تبرع بأحد هذين العضوين لم يبق له إلا عضو واحد وفي هذه الحال ربما يتعطل ذلك العضو فيكون هذا المتبرع فاقدا للمنفعة كلها ثم إنه إذا تبرع به لغيره فإن تحقق المفسدة فيه قد حصلت حيث فقد ذلك العضو وحصول المصلحة للمتبرع له به أمر محتمل لأن العملية قد لا تنجح فمثلا لو أن أحدا تبرع بكليته لشخص فإنها إذا نزعت منه فقدها وهذه مفسدة ثم إذا زرعت في المتبرع له فإنها قد تنجح وقد لا تنجح فنكون هنا قد ارتكبنا مفسدة لمصلحة غير متيقنة والذي يترجح عندي أنه لا يجوز أن يتبرع أحد بشيء من أعضاء بدنه وإذا لم يجز التبرع فالبيع من باب أولى وأما التبرع بالدم فإن التبرع بالدم للمحتاج إليه لا بأس به وذلك لأن الدم يخلفه غيره فإذا كان يخلفه غيره صار النقص الذي يحصل على البدن مفقودا ويكون هنا فيه مصلحة إما متيقنة أو محتملة لكن بدون وجود مفسدة ومثل هذا لا تأتي الشريعة بمنعه فالتبرع بالدم لمن احتاج إليه جائز بشرط أن يقرر الطبيب أنه لا ضرر على هذا المتبرع إذا تبرع بدمه.

(194/24)

فضيلة الشيخ: حكم البيع وعرفناه حسب ما ترون ولكن حكم الشراء لو أراد أن يشتري وربما من غير مسلم يشتري عضوا من الجسد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا حرم البيع حرم الشراء إذا حرم البيع في شيء فإنه يحرم الشراء ولا فرق في هذا بين المسلم وغيره.
فضيلة الشيخ: إذا أنا مضطر لهذا العمل ربما أنقذ به حياة شخص؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ربما تنقذ به حياة شخص لكنك لا تتيقن أن تنقذ به حياة شخص ولهذا لو كانت المسألة من باب الأكل لا من باب زرع العضو في البدن الذي قد ينفر منه البدن ولا يقبله لو كانت المسألة أكلا لكان يجوز لك أن تأكل ما لا حرمة له ولهذا اختلف العلماء رحمهم الله فيما لو اضطر الإنسان إلى الأكل وليس عنده إلا ميت هل يجوز له أن يأكل منه أو لا يجوز فالمشهور من مذهب الحنابلة أنه لا يجوز أن يأكل الحي شيئا من الميت ولو أدى إلى موت الحي لاحترام الميت كاحترام الحي وذهب بعض أهل العلم إلى جواز أكل الحي من هذا الميت لدفع ضرورته قال لأن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت وهذا قول قوي بلا شك ولكن الأكل تندفع به الضرورة يقينا ولهذا لما حرم الله الميتة أباح للمضطر أن يأكل منها لأن ضرورته تندفع بذلك يقينا بخلاف الدواء والعلاج ومن ثم قال أهل العلم إنه لا يجوز التداوي بالمحرم ويجوز للإنسان أن يأكل المحرم لدفع جوعه ففرق بين شيء تحصل به المصلحة يقينا وتندفع به المضرة وبين شيء لا يتيقن فيه ذلك فإنه لا يرتكب المحظور المتيقن لحصول شي غير متيقن.
***

(194/25)

أنا أعمل طبيبا وهناك مشكلة تواجه الأطباء كثيرا وهي أنه قد يموت المريض ولم يعرف مرضه أو يكون قد عرف ولكن للأغراض العلمية وتطوير العلاج يستلزم الأمر أخذ عينة من جثة المريض أو من جثة الميت ويكون ذلك إما بوخز إبرة في جسمه أو إجراء عملية جراحية لاستئصال قطعة أو عضو لدراسته ثم يدفن هذا الجزء في المقبرة فما حكم ذلك العمل و إن كان جائزا فهل يجب استئذان أهل الميت قبل ذلك أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت القضية كما قال السائل وخز إبرة أو شبهها ممالا يحصل به جرح الجسم ولا قطع شيء منه فإن هذا جائز لما فيه من المصلحة وعدم الضرر على هذا الميت أما إذا كانت المسألة تحتاج إلى قطع شيء من الميت فإن ذلك لا يجوز إلا لمصلحة تتعلق بذلك الميت نفسه مثل أن يكون الغرض الاطلاع على سبب موته هل هو موت طبيعي أو بسبب شيء أعطي إياه أو ما أشبه ذلك يعني عند الشك في موته هل هو بسبب طبيعي أو أن أحدا اعتدى عليه بما يقتضي موته فمثل هذا لا بأس أن يؤخذ من الميت جزء يجرى عليه اختبار ثم بعد ذلك يعاد إلى نفس البدن بدن الميت ويدفن معه وأما إذا كان الغرض من ذلك مصلحة خارجية عن الميت ولا تعلق للميت بها فإنه لا يجوز لأن الميت محترم كما قال النبي عليه الصلاة والسلام (كسر عظم الميت ككسره حيا) وهذه مصلحة لا تتعلق به شخصيا فلا يجوز أن نعتدي عليه لمصلحة غيره
***
يقول السائل كثير من الأدوية الموجودة في الصيدليات تحتوي على نسبة من الكحول وقد يصعب الاستغناء عنها لحاجة الناس إليها فما حكم استعمالها؟

(194/26)

فأجاب رحمه الله تعالى: حكم استعمالها إذا كان هذا الجزء المختلط من الكحول بهذه الأدوية لا يؤثر أي أنه ليس له تأثير بحيث يسكر لو تناوله الإنسان أو تناول شيئا كثيرا منه فإن ذلك لا يضر لأن الكحول التي فيها لم يصبح لها أثر أما إذا كانت هذه الكحول نسبة كبيرة بحيث إذا تناول الإنسان منها شيئا أو أكثر سكر فإنه لا يجوز ويجب أن يستبدل عنها عقارا يكون خاليا من ذلك وقد بلغني أنهم توصلوا الآن إلى الاستغناء عن هذه الكحول بمواد أخرى ولعلها تكثر إن شاء الله بين المسلمين.
***
هل يجوز الاستخدام الظاهري للروائح والعطور التي تحتوي على نسبة من الكحول كما في تطهير الجروح وغيرها أفيدونا أفادكم الله؟

(194/27)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال يحتاج في الجواب عليه إلى أمرين الأمر الأول هل الخمر نجس أو ليس بنجس وهذا مما اختلف فيه أهل العلم وأكثر أهل العلم على أن الخمر نجس نجاسة حسية بمعنى أنه إذا أصاب الثوب أو البدن أو البقعة وجب التطهر منه ومن أهل العلم من يقول إن الخمر ليس بنجس نجاسة حسية وذلك لأن النجاسة حكم شرعي يحتاج إلى دليل وليس هناك دليل على أن الخمر نجس وإذا لم يثبت بدليل شرعي إن الخمر نجس فإن الأصل الطهارة وإذا كان الأصل الطهارة فإن من قضى بنجاسته يطالب بالدليل قد يقول قائل الدليل من كتاب الله في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) والرجس بمعنى النجس لقوله تعالى (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه) أي هذا المطعوم المذكور من الميتة ولحم الخنزير والدم المسفوح (فإنه رجس) أي نجس والدليل على أن المراد بالرجس هنا النجس قول النبي صلى الله عليه وسلم في جلود الميتة (يطهرها الماء والقرظ) فإن قوله يطهرها يدل على أنها كانت نجسة وهذا أمر معلوم عند أهل العلم فإذا كان الرجس بمعنى النجس فإن قوله تعالى في آية تحريم الخمر (رجس من عمل الشيطان) أي نجس ولكن يجاب على ذلك بأن المراد بالرجس هنا الرجس العملي لا الرجس الحسي بدليل قوله (رجس من عمل الشيطان) وبدليل أن الميسر والأنصاب والأزلام ليست نجسة نجاسة حسية كما هو معلوم والخبر هنا رجس من عمل الشيطان خبر عن الأمور الأربعة عن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام وإذا كان خبرا عن هذه الأربعة فهو حكم عليها جميعا بحكم تتساوى فيه ثم إن عند القائلين بأن الخمر ليس

(194/28)

بنجس نجاسة حسية دليلا من السنة فإنه لما نزل تحريم الخمر لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسل الأواني منها والصحابة رضي الله عنهم أراقوها في الأسواق ولو كانت نجسة ما أراقوها في الأسواق لما يلزم من تنجيس الأسواق وتنجيس المارين بها بل قد ثبت في صحيح مسلم في قصة الرجل الذي أهدى راوية خمر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (إنها حرمت) فساره رجل أي تكلم مع هذا الصحابي رجل آخر سرا يقول له بعها فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأخبره أنه يقول له بعها فقال صلى الله عليه وسلم (إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه) ففتح الرجل فم الراوية وأراق الخمر بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ولما يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بغسلها من هذا الخمر فدل ذلك على أن الخمر ليس بنجس نجاسة حسية هذا هو الأمر الأول الذي يحتاجه هذا السؤال أما الأمر الثاني فهو إذا تبين أن الخمر ليس بنجس وهو القول الراجح عندي فإن الكحول لا تكون نجسة نجاسة حسية بل نجاستها معنوية لأن الكحول المسكرة خمر لقول النبي صلى الله عليه وسلم (كل مسكر خمر) وإذا كانت خمرا فإن استعمالها في الشرب والأكل بأن تمزج في شيء مأكول ويؤكل حرام بالنص والإجماع وأما استعمالها في غير ذلك كالتطهير من الجراثيم ونحوه فإنه موضع نظر فمن تجنبه فهو أحوط وأنا لا أستطيع أن أقول إنه حرام لكني لا أستعمله بنفسي إلا عند الحاجة إلى ذلك كما لو احتجت لتعقيم جرح أو نحوه والله أعلم.
***
امرأة من ليبيا تقول أنها فتاة تبلغ من العمر ما يقارب من السادسة والعشرين متحجبة تحمد الله على ذلك وتعمل ممرضة بعيادة تقوم بمداواة الجرحى وتقوم أيضا بإعطاء الإبر للناس للرجال والنساء مما تضطر معه إلى لمس المريض لمداواته تقول هذا عملي ليس لي مصدر رزق غيره هل عملي هذا فيه شيء يا فضيلة الشيخ أفيدوني مأجورين؟

(194/29)

فأجاب رحمه الله تعالى: إن عملها هذا ليس فيه شيء لأن الحاجة إذا دعت إلى تمريض المرأة للرجل فلا حرج في ذلك وسواء لزم من ذلك أن تمسه أم لم يلزم لكن ينبغي لها أن تضع على يديها قفازين حتى لا تباشر المس بالنسبة للرجال.
***
هل كتمان المرض صدقة يؤجر عليه صاحبه وماذا لو سأل شخص عن صاحب المرض أو المريض نفسه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: كتمان المرض خير من إعلانه لكن إعلانه والإخبار به لا على وجه الشكوى لا بأس به فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (وا رأساه) فإذا سئل المريض لا بأس عليك ما الذي فيك وقال: في كذا وكذا بدون أن يقصد بهذا التشكي وإنما يقصد الإخبار فلا بأس ولهذا كان بعض المرضى يقول إخبارا لا شكوى في كذا وكذا ومن المعلوم أن العاقل لا يمكن أن يشكو الخالق إلى المخلوق لأن الخالق أرحم به من نفسه وأمه والشكاية للمخلوق تنافي الصبر لأن مضمونها التسخط من قضاء الله وقدره وما أصدق قول الشاعر:
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما ……تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم
***
هذه رسالة وصلت من طالب بكلية الطب بمصر يقول هل اسقاط الجنين الذي علم عن طريق الأشعة بأنه مشوه خلقيا يعتبر حرام ومثال ذلك كأن يكون ناقصا لعضو كساق أو غير ذلك مع العلم بأنه يمكن أن يعيش ولكن لم يكن ذلك سببا يدعو لوفاته عقب ولادته مباشرة يقول هذا السائل لكن هناك حالات يكون الجنين ناقص لعضو هام وبالتالي فهو يتوفى عقب الولادة كأن يكون ناقصا للمخ أو للقلب أو الرئتين أو غير ذلك من الأعضاء التي لا يمكن الحياة بدونها فهل إنزال مثل هذا الجنين وفي مثل هذه الحالة يعتبر حرام حتى لا تتعب الأم بإكمال الحمل مع العلم بأنه لن يعيش أفيدونا جزاكم الله خيرا.

(194/30)

فأجاب رحمه الله تعالى: إني أقول قبل الإجابة على هذا السؤال لقد كثر السؤال عن مثل هذه القضية أعني تشويه ما في بطون الأمهات وهذا لا شك أن له سببا فالسبب الأول هو المعاصي التي تقع من الناس عموما أو من هذه المرأة أو زوجها خصوصا لأن كل مصيبة وقعت فهي بسبب الذنوب قال الله تعالى (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) وهذه جملة شرطية وأسماء الشرط تفيد العموم أي كل مصيبة أصابتكم فإنها بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير وقد يصاب الإنسان بالمصيبة مع استقامته ليرفع الله بذلك درجاته ويزيد في ثوابه لكن الأصل أن المصائب سببها الذنوب السبب الثاني أنه قيل إن استعمال الحبوب المانعة للحمل من أسباب تشوه الأجنة واستعمال الحبوب المانعة للحمل في عصرنا هذا كثير لأن النساء يردن الترف يردن أن لا يتعبن بالحمل يردن أن لا يتعبن بالحضانة يردن أن يبقين مستريحات ولا أدري أنسين ذكريات أمهاتهن اللاتي يعانين من مشقة الحمل ومشقة الوضع ما لا تعانيه النساء في هذا الوقت لوجود المخففات للآلام وغير ذلك فإذا صح ما أخبرت به من أن حبوب الحمل التي تستعمل لمنع الحمل تكون سببا للتشويه فإن هذا يقتضي أن تمتنع النساء من أكل هذه الحبوب حتى ولو توالى عليهن الحمل بترك أكلهن فإن كثرة الولادة من نعم الله عز وجل على الإنسان وعلى الأمة وهو من الأمور التي يحبها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم المهم أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر بأن نتزوج الودود الولود فجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين السبب وبين المسبب فعلى كل حال نحن ننصح إخواتنا المسلمات عن استعمال حبوب منع الحمل ونقول إن كثرة الحمل من نعم الله عز وجل على الزوجين وعلى الأمة جميعا ثم إن الإنسان إذا اعتمد على ربه وسأله المعونة أعانه الله في أعباء الحمل وفي أعباء الحضانة ويسر الله له الأمر أما ركون المرأة إلى

(194/31)

الكسل والترف وأن لا تتعب بالحمل ولا بالوضع ولا بالحضانة فإن هذا نعتبره قصور نظر فعلى كل حال التشويهات في الأجنة كثر السؤال عنها وسبب هذه التشويهات فيما نراه هو ذلك السببان اللذان ذكرناهما فإذا تبين أن الجنين مشوه فإن كان قد بلغ أربعة أشهر ونفخت فيه الروح فإنه لا يجوز أبدا محاولة إسقاطه لأن هذا يؤدي إلى قتل نفس محرمة وقتل النفس المحرمة من أكبر الكبائر حتى لو أدى ذلك إلى موت أمه فإنه لا يجوز إسقاطه في هذه الحال لأنه لا يجوز إتلاف نفس لإحياء نفس أخرى وأضرب مثلا للسامع والمستمع برجل اشتدت فيه الضرورة إلى الأكل ولم يجد إلا آدميا معصوما فهل يجوز أن يذبح هذا الآدمي المعصوم من أجل أن يذهب ضرورته كل الناس يقولون لا يجوز فكذلك هذا الجنين إذا نفخت فيه الروح فإنه لا يجوز إنزاله ليموت ولو أدى ذلك إلى موت أمه ببقائه في بطنها فإذا نفخت الروح في الجنين فلا يجوز إنزاله إنزال يموت به مهما كانت الحال سواء كان مشوها بعدم يد أو عدم رجل أو عدم عضو أو عدم عين أو عدم أنف أو بأي حال من الأحوال يبقى حتى يخرجه الله عز وجل ثم يفعل الله به ما يشاء وأما إذا كان ذلك قبل نفخ الروح فيه فينظر إذا كان التشويه يسيرا محتملا كفقد أصبع من الأصابع مثلا أو زيادة أصبع وما أشبه ذلك مما يمكن إزالته أو مما لا يعتبر شيئا مروعا فإنه لا ينزل ما دام قد كان مضغة وخلق وإن كان تشويها بالغا كفقد عضو كامل كفقد يد أو رجل أو جمجمة أو ما أشبه ذلك فلا بأس من إنزاله حينئذ فإنه لم يكن نفسا حتى الآن كما يدل على ذلك حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك) فهذه أربعة أشهر (ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وعمله وأجله

(194/32)

وشقي أو سعيد فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل عمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل عمل أهل الجنة فيدخلها) فبين في هذا الحديث الشريف أن الجنين تنفخ فيه الروح إذا تم له أربعة أشهر وعلى هذا فمتى تم له أربعة أشهر فإنه لا يجوز إنزاله إنزالا يموت به على أي حال كان.
***
عن صحة قول: أنين المريض تسبيح وصياحه تكبير وتقلبه من جانب إلى جانب جهاد في سبيل الله هل هذا الكلام صحيح؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا ليس بصحيح بل أنين المريض إذا كان يعبر عن الشكوى فهو حرام ولهذا دخل رجل على الإمام أحمد رحمه الله وهو في مرضه فوجده يئن فقال له إن فلانا من التابعين وأظنه طاووسا يقول إن أنين المريض يكتب عليه لقوله تعالى (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) فأمسك رضي الله عنه أعني الإمام أحمد أمسك عن الأنين فإذا كان الأنين يعبر عن الشكوى فهو حرام وإذا كان بمقتضى الطبيعة وشدة المرض فإنه لا يؤاخذ عليه الإنسان لكنه لا يؤجر عليه وكذلك تقلبه من جنب إلى جنب فإنه ليس فيه أجر نعم إذا كان فيه راحة لبدنه فإن الإنسان يؤجر عليه من أجل طلب الراحة لبدنه لأن طلب الإنسان الراحة لبدنه أمر يثاب عليه حتى جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الرجل إذا أكل من ماله يبتغي بذلك وجه الله فإنه يؤجر ويكون أكله هو من ماله صدقة.
***
هل يجوز لامرأة مسلمة أن تعالج عند امرأة نصرانية؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز أن تعالج المرأة المسلمة عند امرأة نصرانية بشرط أن تكون هذه النصرانية موثوقا بها نأمن من غشها وخداعها وإذا تيسر أن تكون الطبيبة مسلمة فهو أفضل وأحسن لقوله تعالى (ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم).
***

(194/33)

بعض النساء يذهبن بأولادهن عند امرأة تعالج الأمراض بالطب العربي مثل الأشجار وغير ذلك ولكن أحيانا يدخل من ضمن العلاج لبن الأتان أنثى الحمار يشربه الطفل المريض فهل يجوز إعطاء الطفل هذا العلاج؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز لأحد أن يتداوى بألبان الحمير لأن ألبان الحمير محرمة ولم يجعل الله تعالى شفاء عباده بما حرم عليهم لأنه لو كان لهم فيها خير ما حرمها ولا يجوز للطبيبات أن يخلطن الدواء بشيء من ألبان الحمير وهن بذلك آثمات فعليهن أن يتقين الله وأن يبتعدن عن خلط الدواء بشيء محرم.
***
عندنا في السودان الأطباء توصلوا إلى معرفة الجنين داخل الرحم رحم أمه هل هو ذكر أم أنثى هل ذلك يخالف الآية الكريمة (ويعلم ما في الأرحام)؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا لا ينافي الآية الكريمة لأنهم إنما يعلمون بعد أن يخلق والملك الذي يؤمر بأن يكون الجنين ذكرا أو أنثى يعلم ذلك أيضا فإذا ثبت الشيء حسا فإنه لا يمكن أن يناقض القرآن أبدا لأن القرآن لا يأتي بالمحال وعلى هذا فنقول العلم المتعلق بما في الأرحام يشمل عدة أشياء أولا هل هو ذكر أو أنثى وهذا قد يختلف من زمان إلى زمان يعني قد يكون هناك زمان لا يمكن العلم بأنه ذكر أو أنثى ثم يرتقي الطب ويعلم فالثاني العلم هل يموت قبل خروجه أو يخرج حيا والثالث إذا خرج حيا هل تطول مدة بقائه في الدنيا أو لا والرابع هل هذا سيكتب واسع الرزق أو رزقه ضيق وهل يكتب سعيدا أم شقيا كل هذه العلوم تتعلق بالحمل بعضها نعلم علم اليقين أنه لن يستطيع أحد أن يصل إليها وحينئذ لا ينافي علم كون الجنين ذكرا أو أنثى قول الله تعالى (ويعلم ما في الأرحام).
***

(194/34)

وردتنا رسالة حول بعض الآبار يقول إن بعض الناس يقومون بالذهاب إلى البئر التي تقع على طريق المدينة المنورة ومثلها العين التي تقع في تهامة لقصد طلب الشفاء من بعض الأمراض والشافي هو الله سبحانه وتعالى وأنه عند العودة من هناك يخبروننا بأنهم قد شفي البعض منهم من كثير من الأمراض التي بهم والأمراض الصعبة فما رأيكم في صحة ما يذكرون عند اعتقادهم بأن الاغتسال من ذلك الماء يشفي المرضى والله يحفظكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: رأينا في هذا أنه إذا ثبت أن لهذا الماء تأثيرا حسيا في إزالة الأمراض فإنه لا بأس من قصده والاستشفاء به وذلك لأن الطب على نوعين أحدهما ما ثبت به الشرع فهذا مقبول بكل حال ولا يسأل عنه إنما يسأل عن هل هذا الذي ثبت بالشرع أنه دواء هل يكون دواء لهذا المرض المعين لأنه ليس كل ما كان دواء لمرض يكون دواء لكل مرض القسم الثاني من أقسام الطب شيء لم يثبت به الشرع لكنه ثبت بالتجارب وهذا كثير جدا من الأدوية المستعملة قديما وحديثا فإذا ثبت بالاستعمال والتجارب أن هذا له تأثير حسي في إزالة المرض فإنه لا بأس باستعماله وكثير من الأدوية التي يتداوى بها الناس اليوم إنما علمت منافعها بالتجارب لأنه لم ينزل فيها شرع فالمهم أن ما أشار إليه السائل من هذه المياه إذا ثبت بالتجارب أن لها تأثيرا في بعض الأمراض فإنه لا بأس بالاستشفاء بها والذهاب إليها.
***
وضحوا لنا كيفية توجيه المحتضر في الموت من حيث الجهات أين يكون رأسه ورجلاه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ذكر الفقهاء رحمهم الله أنه يسن توجيه المحتضر إلى القبلة ولكنني لا أعلم لهذا سنة خاصة وأما كون رأسه إلى اليمين أو اليسار فالأمر في هذا واسع سواء إلى اليمين أو اليسار.
***
جزاكم الله خيرا هذا السائل يقول حدثونا عن ثمرة الذكر عند الخاتمة جزاكم الله خيرا؟

(194/35)

فأجاب رحمه الله تعالى: ثمرة الذكر عند الخاتمة أن من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله مخلصا بها قلبه ختم لنا ولكم بها فإنه يكون من أهل الجنة (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة).
***
المستمع مصطفى حامد جمهورية السودان الخرطوم يقول فضيلة الشيخ الإنسان في أطوار النطفة والعلقة والمضغة يتحرك في بطن أمه ولم يكن قد دخلته الروح هل دخول الروح فيما بعد يمثل العقل والفكر عندما تنزع منه الروح في نهاية عمره يموت علما بأنه كان حيا في الأربعة الأشهر الأولى في حياته وقبل دخول الروح كيف تفسير ذلك؟

(194/36)

فأجاب رحمه الله تعالى: أما قول السائل أنه يتحرك قبل أن تنفخ فيه الروح فليست هذه حركة حياة ولكنها حركة ريح ولعل ذلك من أجل أن يتوسع مكانه في الرحم وليس عندي في هذا علم طبي في هذه المسألة ولا علم شرعي وأقول إن ثبت ما قاله السائل أن يتحرك قبل الأربعة أشهر فهذا وجهه والله أعلم أما بعد أن تنفخ فيه الروح وذلك بعد أن يمضي عليه أربعة أشهر فإنه يتحرك لأنه صار إنسانا حيا وهو لا تنفخ فيه الروح قبل أربعة أشهرلحديث بن مسعود رضي الله عنه قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق فقال (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد) ومنذ أن يمضي عليه أربعة أشهر في بطن أمه تنفخ فيه الروح إلى أن تخرج منه عند انتقاله من الدنيا إلى الآخرة والروح لا يمكن أن نعلم كيفيتها لأننا لا نعلم كيفية الشيء إلا بمشاهدته أو مشاهدة نظيره أو الخبر الصادق عنه ونحن لم يحصل لنا واحد من هذه الأمور الثلاثة بالنسبة للروح ولهذا قال الله تبارك وتعالى (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) لكن ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (إن الميت إذا قبض _يعني إذا قبضت روحه_فإن بصره يتبع روحه) أي يشاهد الروح خارجة من جسده ولكن لا يمكن أن يدرك كيفيتها وحقيقتها التي هي عليها ولو أدركها في هذه الحال لم يكن لنا سبيلا إلى الوصول إلى علمها.
***
هل يتألم المؤمن في وقت نزع الروح؟

(194/37)

فأجاب رحمه الله تعالى: الموت له سكرات وله شدة قال الله تبارك وتعالى (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد) وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إن للموت سكرات) والنزع يعني نزع الروح من البدن شديد لكنه يخف عن شخص ويشتد على آخر وقد يشدد الله سبحانه وتعالى النزع على الميت لذنوب ارتكبها فيكون في هذا التشديد كفارة له وإلا فلابد أن يكون هناك شدة لأن مفارقة الروح لهذا الجسد الذي ألفته مدة الحياة لابد أن يكون له أشد الأثر لكن الناس يختلفون في الشدة والخفة أحسن الله الخاتمة لنا ولكم.
***
هل أرواح الأموات تتعارف؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ذكر بعض أهل العلم أنها تتعارف وأنها تتزاور ولا يحضرني في هذا دليل من القرآن أو من السنة.
***
التلقين متى يكون وقته عند الاحتضار أم بعد الموت أو عند إدخاله اللحد عندما يدخل الميت القبر ثم يضعون عليه التراب ويجتمع الناس حول القبر ويأتي الشيخ ويقرأ آيات من القرآن ثم يلقنه في هذه اللحظة فهل هذا جائز؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التلقين إنما يكون عند الموت عند الاحتضار يلقن لا إله إلا الله كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام عند موت عمه أبي طالب حيث حضر فقال (قل يا عم لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله) ولكن عمه أبا طالب والعياذ بالله لم يقل هذا ومات على الشرك وأما التلقين بعد الدفن فإنه بدعة لعدم ثبوت الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ولكن الذي ينبغي أن يفعل ما رواه أبو داود حيث كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل) وأما القراءة عنده أو تلقينه فهذا بدعة ولا أصل له أعني عند القبر أما عند الموت فإنه يلقن كما قلت.
***
هل الموت يوم الجمعة من علامات حسن الخاتمة؟

(194/38)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا الموت يكون في كل يوم على حد سواء ولو كان للأيام مزية لكان يوم الاثنين أولى بها لأنه اليوم الذي مات فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكن لا أعلم ليوم من الأيام مزية في الموت فيه.
***
السائل يقول لقد سمعت وقرأت بأن من مات في يوم الجمعة أو في ليلتها من المسلمين فإن له منزلة جيدة فما رأيكم بذلك مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث الذي ورد في فضل الموت يوم الجمعة ليس بصحيح لأن الإنسان إنما يثاب على عمل فعله بنفسه وكان له فيه اختيار وموت الإنسان يوم الجمعة ليس باختياره لو حضره الموت يوم الخميس لا يستطيع أن يؤخره إلى يوم الجمعة ولا يستطيع أن يقدمه إن كان أجله يوم السبت إلى يوم الجمعة وكل حديث ورد في فضل الموت في يوم معين فإنه ليس بصحيح لأن الثواب على الأعمال التي تقع من العبد اختيارا.
***
إنسان قال لا إله إلا الله لكنه عند موته قالها وهو بعيد عن النفاق لكنه كان على غير سبيل الهدى في حياته الدنيا وإنما لو أوقف في هذا الموقف تذكر أعماله المنافية للإسلام وأراد أن يتوب وأن يقبل على الله عز وجل بعد ما رأى الموت؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هو إذا رأى الموت ولم يكن له عمل صالح من قبل فقد قال الله عز وجل (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن) هذا لا ينفعه إيمانه بعد أن يشاهد الموت لأنه صار إيمانا عن مشاهدة لكن المقصود إذا كان الإنسان عنده إيمان وعنده سيئات من قبل، ثم قال هذا عند موته، ولا يقولها إلا مخلصا فإنها تمحو السيئات التي سبقت منه.
***
كيف كان هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في زيارة المريض؟

(194/39)

فأجاب رحمه الله تعالى: كان عليه الصلاة والسلام يعود المرضى ويؤنسهم ويشرح صدورهم بعيادتهم ويرقيهم أحيانا وهكذا ينبغي للإنسان أن يعود إخوانه المرضى سواء كانوا في المستشفيات أو كانوا في بيوتهم لما في ذلك من إدخال السرور عليهم وإدخال السرور على المريض نصف الدواء في الوقع لأن نفسه تنبسط وصدره ينشرح وينسى الألم لا سيما إذا كان العائد له ذو قيمة في المجتمع فإن العيادة تتضاعف أجرها وينبغي لمن عاده أن يدخل السرور عليه وأن يقول له أنت اليوم خير من أمس والإنسان خير من أمسه سواء كان في شفاء أو في زيادة مرض إن كان في شفاء فهو صحة وعافية وإن كان في زيادة مرض فهو أجر وثواب ويذكره مثلا التوبة لكن بصفة لا يشعر فيها المريض أنه يعني دنو أجله مثل أن يقول له أنت الآن والحمد لله وإن انحبست عن الدنيا فقد تفرغت للعمل الصالح من قراءة القرآن والذكر والاستغفار وما أشبه ذلك من الكلمات التي تفيده بدون أن يشعر بأنك ترى دنو أجله كذلك أيضا ينبغي أن تسأله عن كيفية وضوئه وطهارته وكيفية صلاته لأن من الناس من يصلى خطأ مثال ذلك أن أحد الناس عاد مريضا في بلده في بلد المريض فسأله كيف صلاتك كيف طهارتك فأخبره فقال أما الصلاة فلي خمسة عشر يوما أجمع وأقصر وهو غير مسافر فانظر كيف ظن أنه متى جاز الجمع جاز القصر والأمر بالعكس متى جاز القصر جاز الجمع ولا عكس قد يجوز الجمع ولا يجوز القصر فالجمع في البلد جائز إذا وجدت أسبابه والقصر غير جائز كذلك بعض الناس مثلا يظن أن المريض إذا عجز عن الإيماء برأسه صلى بأصبعه فنصب أصبعه حال القيام ثم حناه قليلا حال الركوع ثم حناه أكثر حال السجود وهذا غلط لم يقل أحد من العلماء فيما نعلم إن المريض يصلى بأصبعه فتخبره مثلا تقول له صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا توميء بالركوع والسجود وتجعل السجود أخفض فإن لم تستطع فعلى الجنب توميء برأسك والأمر واسع وتبين له أنه إذا كان يشق عليه أن يصلى كل

(194/40)

صلاة في وقتها فله أن يجمع الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء المهم أن الموفق يجعل عيادته للمريض بمنزلة العيادة والتعليم حتى يفيد ويفيد ومن ذلك أيضا أن يذكره الوصية فيقول يا فلان إن كان لك وصية بقضاء دين عليك أو زكاة أو كفارة أو ما أشبه ذلك فيخبره بما يجب عليه في هذا.
***
هل يجوز لأهل الميت أن يستخدموا ملابس الميت؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم إذا مات الميت فجميع ما يملكه ملك للورثة من ثياب وفرش وكتب وأدوات كتابة وماصة وكرسي كل شيء حتى شماغه وغترته التي عليه تنتقل إلى الورثة وإذا انتقلت إلى الورثة فهم يتصرفون فيها كما يتصرفون بأموالهم فلو قالوا أي الورثة وهم راشدون ثياب الميت لواحد منهم ولبسها فلا بأس ولو اتفقوا على أن يتصدقوا بها فلا بأس ولو اتفقوا على أن يبيعوها فلا بأس هي ملكهم يتصرفون فيها تصرف الملاك في أملاكهم.
***

(194/41)

التعزية
بارك الله فيكم هذا المستمع يوسف محمد يقول كيف يكون العزاء على الميت؟
فأجاب رحمه الله تعالى: العزاء على الميت هو أن يذكر للإنسان المصاب بالميت ما يكون به تقوية له على الصبر وتحمل المصيبة وأحسن ما يعزى به ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام لإحدى بناته حين أصيب طفل لها فقال عليه الصلاة والسلام لرسول أرسلته إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى مرها فلتصبر ولتحتسب) هذا أحسن ما يعزى به المصاب وأن عزاه بغير ذلك من العبارات التي تفيد تصبير الرجل على المصيبة وتحميله للصبر عليها فإن ذلك لا بأس به لكن المحافظة على ما جاءت به السنة أولى من غيرها ثم إن العزاء ليس بالأمر الذي يعتبر شيئا لازما بحيث تفتح له الأبواب وتشعل له الأضواء وتقام له الكراسي وتصنع له الأطعمة هذا كله من البدع المحدثة التي ينهى عنها لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعدون صنع الطعام والاجتماع عليه عند أهل الميت من النياحة والنياحة محرمة بل من كبائر الذنوب لذلك نرى أن التعزية المشروعة أنك متى وجدت المصاب في البيت أو في السوق أو في المسجد إذا كان من أهل السوق والمسجد ورأيته محزون أن تصبره وأن تقول له اصبر واحتسب فلله ما أخذ وما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى وما كان فلن يتغير عن ما كان وهذه الدنيا كل راحل عنها وما أشبه ذلك من الكلمات التي تجعله يتحمل هذه المصيبة وأما ما أشرت إليه من ما يفعله بعض الناس في العزاء ويقيمونه كأنما يقيمون ليالي العرس فإن هذا بدعة منكر لا سيما أنه يحصل أحيانا اجتماع مختلط وأحيانا يحصل اجتماع على قاريء يأجرونه أن يقرأ على روح الميت زعموا وهو في الحقيقة لا ينتفع الميت بقراءته لأن هذا القارئ غالبا إنما يقرأ بالفلوس ومن قرأ للفلوس فلا ثواب له لأن ما يراد به وجه الله إذا أريدت به الدنيا فإنه باطل قال الله تعالى (من كان يريد الحياة

(195/1)

الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون (15) أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون) فنصيحتي لإخواني الذين اعتادوا هذه العادة السيئة أن يتوبوا إلى الله عز وجل وأن يغلقوا أبوابهم وأن لا يفتحوا لأحد كما أنصح لإخواني الذين يأتون من بعيد يتوافدون على أهل الميت لإقامة العزاء كما زعموا أنصحهم أن لا يحركوا ساكنا وأن يبقوا في بلادهم وأن يتصلوا على المصابين بالهاتف ويعزوهم أو يكتبوا لهم رسائل يعزونهم بها وأما هذه الوفود الجياشة التي تأتي من كل مكان فهي في الحقيقة تعب بدني ومالي وديني لأنه اجتماع على غير أمر مشروع بل على أمر محدث فهل كان الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه والتابعون لهم بإحسان هل كانوا يقيمون مثل هذا العزاء هذه سيرهم بين أيدينا لم يكونوا يفعلون ذلك أبدا وإنما هذا أمر محدث ولا يبعد أن يكون سببه استعمار النصارى لبعض البلاد الإسلامية فإن النصارى وغيرهم من الكفار يرون أن هذه المصائب مصائب مادية محضة فيريدون أن يسلوا أنفسهم بمثل هذه الاجتماعات عن التفكير فيها لكن المؤمن لا يتسلى بمثل هذه الأمور المؤمن يتسلى بإيمانه يتسلى بتوكله على الله واعتماده عليه يتسلى برضاه بقضائه وقدره يتسلى بأمور معنوية روحية ليست مادية محضة كما يفعل الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم لكن تلقفها بعض الناس وأخذوا بها ثم صارت عادة ونسأل الله لنا ولإخواننا أن يهدينا صراطه المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
***
تقول السائلة من السويد أحيانا نضطر لزيارة بعض المسلمين لأداء الواجب كالتعزية أو التهنئة ولكنهم لا يجلسون النساء على حدة والرجال على حدة أي لا يلتزمون بهذا الأمر الشرعي فهل نقوم بمقاطعتهم ولا نقوم بزيارتهم؟

(195/2)

فأجاب رحمه الله تعالى: عبرت هذه السائلة عن التعزية والتهنئة بالواجب وليس هذا بصواب فالتعزية ليست واجبة إنما هي سنة وليست سنة لكل قريب مات له قريب ولكنها سنة لتعزية المصاب بالميت سواء كان قريبا أو غير قريب وإذا كانت العلة هي المصيبة فمن كان لم يصب بالموت من قريبه فإنه لا يعزى ومن أصيب بموت صديقه أو زميله فإنه يعزى فليست العلة في التعزية القرابة ولكنها الإصابة متى علم أن هذا الإنسان مصاب فإنه يعزى ويقال له اصبر واحتسب فإن لله ما أخذ وله ما أبقى وكل شيء عنده بأجل مسمى وهذه الدار ليست دار بقاء والذي لم يمت اليوم يموت غدا وما أشبه ذلك من الكلمات التي تسليه وترفع عنه حر المصيبة وعلى كل ليست واجبة أعني التعزية بل هي من المستحب فإذا لزم من الحضور إلى التعزية اختلاط النساء بالرجال فإنها لا تجوز لأنه لا يمكن أن يفعل شيء مندوب لشيء محرم وكذلك التهنئة من باب أولى فإن التهنئة ليست بواجبة غاية ما في ذلك أنها مباحة فهي أقصر من التعزية لأن التعزية سنة للمصاب وهذه مباحة فقط فإذا لزم من التهنئة المخالطة بين الرجال والنساء فإنه لا يجوز الذهاب إليها إلا من كان له سلطة بحيث إذا ذهب أمكنه أن يعزل النساء عن الرجال فحينئذ يكون ذهابه واجبا من أجل إزالة هذا المنكر.
***
متى يكون العزاء هل هو بعد سماع نبأ وفاة الميت أم بعد الدفن؟
فأجاب رحمه الله تعالى: العزاء يكون من حين أن يموت الميت يعزى به لأنه انتقل عن الدنيا وذهب وليس من شرط ذلك أن يكون بعد الدفن ثم إنه أيضا لا يتقيد بالأقارب فقط قد يكون الإنسان مصابا بصديق له أو بصاحب له أكثر من إصابته بقريبه فكل مصاب بالميت من قريب أو صديق أو صهر أو غير ذلك يسن أن يعزى والمقصود من التعزية كما أسلفت تقوية الإنسان على تحمل هذه المصيبة.
***
ماذا يقول المعزي وماذا يقول المعزى؟.

(195/3)

فأجاب رحمه الله تعالى: أولا يجب أن نعلم أن كلمة تعزية معناها تقوية يعني تقوية المصاب على تحمل المصيبة والصبر عليها وعلى هذا فمن مات له ميت ولم تلحقه مصيبة بموته لا يعزى يعزى على أي شيء؟! ومن مات له ميت وأصيب به وحزن عليه فإنه يعزى سواء كان من أقاربه أو أصدقائه أو زملائه أو أهل بلده المهم أن نعلم أن هذا الرجل حزن لفراق هذا الميت فإننا نعزيه ما معنى نعزيه؟ أي نأتي بكلمات يتعزى بها ويستعين بها على الصبر ومن أحسن ذلك ما ورد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث قال لإحدى بناته وعندها صبي في النزع قال (فلتصبر ولتحتسب فإن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى) لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى هذا فيه أكبر تعزية فلتصبر يعني على المصيبة ولتحتسب يعني ثوابها عند الله عز وجل فإن لله ما أخذ وله ما أعطى تفويض الأمر إلى الله له ما أخذ وله ما أعطى، الخلق كله ملك لله عز وجل فلماذا نحزن أن تصرف في ملكه كما شاء كل شيء عنده بأجل مسمى يعني معناه شيء مؤجل لا يمكن تغييره الحزن لا يرد غائبا ولا يحي ميتا كل شيء بأجل مسمى محدد لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون هذه الكلمات العظيمة إذا وردت على قلب مصاب اطمأن قال إن صبرت واحتسبت أثبت على الصبر وعلى الاحتساب وإن نظرت إلى أن الملك ملك الله يتصرف فيه كما شاء اقتنعت هذا ملكه يفعل ما يشاء وإذا علمت أن كل شيء مؤجل علمت أن هذا الذي مات لا يمكن أن يتقدم ولا يتأخر لابد أن يقع الأمر كما كتب فيتسلى بهذا ويخف عليه الحزن وربما إذا تكرر هذا الدعاء من أشخاص يزول الحزن بالكلية إذن أحسن ما يعزى به هذا الكلام اصبر واحتسب لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى وإذا قال كلمات أخرى مما يناسب مثل أن يقول هذه هي الدنيا ونحن صائرون إلى ما صار إليه ولم يخلد أحد وما جعل الله لبشر الخلد وما أشبه ذلك فأرجو أن لا يكون به بأس ولو اقتصر على

(195/4)

الوارد لكان فيه خير أما بالنسبة للمعزى فيقول جزاك الله خيرا وأعاننا وإياك على الصبر وما أشبه ذلك من الكلمات المناسبة.
***
هذه رسالة وردتنا من مقدمها سالم عبده غالب من الأحساء العيون يقول تكلم أحد خطباء الجمعة فقال إن التعزية لأهل الميت لا تجوز إلا في المقبرة وأنها لم يفعلها لا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا صحابته رضي الله عنهم بينوا لنا عن ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نبين ذلك بأن نقول مقصود الأخ الخطيب أن الاجتماع للتعزية أمر ليس بمشروع مثل أن يجتمع أهل الميت وأقاربه في البيت فيأتي الناس إليهم فإن هذا ليس بمشروع وهو كما قال الخطيب فلم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه الراشدون ولهذا قال بعض أهل العلم إن جلوس الإنسان للتعزية في بيته مكروه وبعضهم قال إنه محرم فلا يجوز وإنما يعزى الإنسان حيث وجد في المسجد في السوق في المقبرة في أي مكان مادام لم ينس المصيبة أما إذا نسيها وزال أثرها عنه فإنه لا فائدة من إعادة التعزية لأنها تكون أي التعزية في هذه الحال تذكيرا للمصيبة والمقصود بالتعزية التقوية على تحمل الصبر على المصيبة فإذا فاتت بنسيانها وطول المدة فإنه لا يعزى.
***
تقول السائلة هل يكفي في العزاء المصافحة دون التقبيل؟

(195/5)

فأجاب رحمه الله تعالى: العزاء هو ما يقال للمصاب بمصيبة من كل كلام يقويه على المصيبة ويبين له أجر الصبر والاحتساب وليس فيه مصافحة وليس فيه تقبيل أيضا فإن ذلك لم يكن معروفا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم إن العزاء ليس مخصوصا بالكلمات المعروفة عند الناس وهي قولهم أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وغفر لميتك بل العزاء بما عزى به النبي صلى الله عليه وسلم إحدى بناته حين أرسلت إليه رسولا تخبره بأن طفلة لها محتضرة وتطلب منه الحضور فقال النبي صلى الله عليه وسلم للرسول الذي أرسلته إحدى بناته قال له (مرها فلتصبر ولتحتسب فإن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى) فهذه هي الكلمات التي فيها العزاء. العزاء العظيم لأنها كلمات جامعة نافعة صدرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله تعالى بالبينات والهدى ثم إنه يجب عند العزاء أن تجتنب النياحة وهي البكاء برنة كما تنوح الحمامة فإن النبي صلى الله عليه وسلم (لعن النائحة والمستمعة وقال النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب) والعياذ بالله ولهذا كره أهل العلم أن يصنع أهل الميت طعاما يدعون الناس إليه للاجتماع لأن هذا يفتح باب النياحة وباب الندب ويبقي أثر المصيبة حتى لا ينسى والذي يجب على المصاب أن يحتسب الأجر من الله سبحانه وتعالى وأن يصبر وأن يعلم أن المقدور كائن لا محالة وأن المقدر له هو الله الذي بيده ملكوت السماوات والأرض وله ما أخذ وله ما أبقى وكل شيء عنده بأجل مسمى.
***
بارك الله فيكم هذا المستمع عوض الله يقول في سؤاله هل يجوز الدعاء للميت بعد موته أو في مجلس من المجالس أرجو إفادة في هذا؟

(195/6)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز أن تدعو لأخيك المسلم بعد موته وفي حياته سواء كنت منفردا أو كنت في مجلس من المجالس وقد أثنى الله عز وجل على المؤمنين الذين جاؤوا من بعد المهاجرين والأنصار (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم) وقال النبي عليه الصلاة والسلام (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له).
***
ماحكم ما يفعله كثير من الناس من الإعلان في الصحف أو في المجلات عن قبول التعزية في منزل فلان أو التعزية في منزلنا الكائن في كذا وكذا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لاشك أن الإعلان هنا مكروه أو محرم بناء على القول بأن الاجتماع لها مكروه أو محرم فإن قلنا إن الاجتماع لها محرم صار الإعلان عنها محرما وإن قلنا أن الاجتماع لها مكروه صار الإعلان عنها مكروها ولا ينبغي أيضا للمصاب أن يعلن هذا حتى لو فرض أنه مباح فإنه لا ينبغي أن يعلن لأن معنى إعلانه أنه يقول للناس تعالوا عزوني وهذا أمر لا يستساغ طبعا وليس بمحمود شرعا.
***
بارك الله فيكم يقول يا شيخ محمد التعزية في الجرائد ما حكمها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التعزية بالجرائد أخشى أن تكون من النعي المذموم لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (نهى عن النعي) والغالب أن المقصود بالتعزية في الجرائد الإعلان عن موت هذا الرجل الذي يعزى به وإلا فيمكن للمعزي أن يكتب كتابا لأهل الميت أو يتصل بهم بالهاتف ويغني عن الإعلان.
***

(195/7)

تقول بأنها فتاة توفي والدها قريبا وقد نصحها كثير من الناس بأن لا تبكي على والدها فهل بكائي تقول على والدي يضره علما بأنه تقول في بعض المرات لا أستطيع أن أمنع نفسي من البكاء وخصوصا إذا رأيت ثيابه وأغراضه وأذكر ما يقوم به من مساندة لنا وجهونا مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إنه ليس عليها حرج في بكائها على أبيها لأن هذا أمر فطري ولا يمكن للإنسان أن يدفعه لا سيما إذا تذكر الإنسان مصابه أو رأى شيئا من آثاره من كتب أو ثياب أو مجالس أو ما أشبه ذلك ولكن الذي ينبغي للإنسان أن يعتصم بالله تبارك وتعالى وأن يتصبر ولا يكثر ذكر مصابه بمفقوده لأنه كلما أكثر تذكره تجدد الحزن والإنسان مأمور بأن يطرد الأحزان عن نفسه وأن يدخل عليها السرور بقدر المستطاع أما الإنسان الذي يستجلب البكاء فهذا هو الذي ينهى عنه لا سيما إذا كان معه نياحة أو ندبة فالنياحة أن يأتي بصوت البكاء كنوح الحمام، والندبة أن يندب الميت فيقول يا أبتاه يا من يأتي إلينا بكذا ويأتي للبيت بكذا وما أشبه ذلك وإنني بهذه المناسبة أود أن أذكر إخواني المسلمين بما قد يقع وهو قليل والحمد لله في بعض الصحف تجد الكاتب يكتب عن صاحب له مات فيخاطبه ويقول يا فلان يا من نستأنس به في مجالسنا يا من نخلو وإياه صباحا ومساء يا من يعلمنا بأحاديثه الطيبة وما أشبه ذلك وهذا من الندب المنهي عنه فينبغي للإنسان أن لا يثير الأحزان في نفسه ولا في غيره أيضا.
***
المستمعة أم عارف تقول في هذه الرسالة إننا قبائل ولنا عادات في العزاء وهي إذا مات الميت عند أحد منا أو عند أقاربنا يكون العزاء عنده ثلاث أيام بلياليهن دون أن يكون في هذا أي كلفة ولا تقدم القهوة ولكن يحضرون الناس عند صاحب المصاب من أقاربه يدومون ثلاثة أيام متواصلة وأنا علمت من برنامجكم أن الاجتماع هو نوع من النياحة فهل في ذهابي إلى التعزية حرج نرجو بهذا إفادة جزاكم الله خيرا؟

(195/8)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا ريب أن موت الحبيب مصيبة يصاب بها العبد كما قال الله تعالى (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين (155) الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون (156) أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) وهذه المصيبة يجب عليه أن يقابلها بالصبر وينبغي له أن يحتسب أجرها لله عز وجل فإن هذه المصائب مكفرة للذنوب وإذا صبر الإنسان عليها أثيب ثوابا آخر ثواب الصابرين فليصبر وليحتسب وليقل ما أرشده الله إليه (إنا لله وإنا إليه راجعون) وما جاءت به السنة (اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها) فإن الإنسان إذا فعل ذلك بإيمان آجره الله عليها وأخلف له خيرا منها كما جاء ذلك في حديث أم سلمة رضي الله عنها حين مات زوجها أبو سلمة وكان من أحب الناس إليها فقالت اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها وكانت تقول: من خير من أبي سلمة؟! يعني تتوقع من هذا الذي يكون خيرا منه فلما انتهت عدتها خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان خيرا لها من أبي سلمة ثم إن المصاب ينبغي لإخوانه المسلمين إذا رأوا مصابا متأثرا بالمصيبة أن يفعلوا ما يقويه على مكابدة هذه المصيبة وتحملها فيعزونه بما يكون عزاء له وتقوية له وأحسن ما يعزى به ما ثبت به الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لما إحدى بناته أرسلت له تخبره أن صبيا لها كان منهكا أو كان في النزع فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لمن أرسلته (مرها فلتصبر ولتحتسب فإن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى) هذه الكلمات العظيمة النيرة إذا تأملها الإنسان صبر واحتسب وعلم أنه لا راد لقضاء الله وأن الأمر من الله إليه وأن الحزن

(195/9)

والغم لا يأتيان بخير بل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (يعذب الميت ببكاء أهله عليه) يعني يشق عليه ذلك ويتألم ويهتم وليس هذا عذاب عقوبة لأنه (ولا تزر وازرة وزر أخرى) ولأن البكاء الذي يحصل للإنسان بمجرد الطبيعة وليس يتكلفه ليس فيه شيء فلا يعاقب عليه لا الباكي ولا الميت لكن الميت يحس بهذا البكاء ويتألم ويتعذب وهو نظير قوله صلى الله عليه وسلم (السفر قطعة من العذاب) ليس معنى أن السفر قطعة من العقوبة المهم أنه ينبغي للمسلم إذا رأى أخاه متأثرا أن يعزيه بالكلمات التي تقوي قلبه وتعينه على تحمل هذه المصيبة وليس المراد من العزاء إقامة المآتم والاجتماع بالناس يفدون من كل وجه وربما يصنعون أطعمة وربما يوقدون اللمبات الكثيرة وربما يضربون الخيام حول البيت وما أشبه ذلك من الأمور المنكرة التي ليس فيها إلا عنوان الاحتجاج على قدر الله عز وجل وعدم الرضا بقضائه أو إظهار الفرح والسرور بفقد هذا الميت لأن مثل هذا الفعل ينبيء بأحد أمرين إما السخط على قضاء الله وقدره ومقابلة ذلك بمثل هذه الأمور وإما أن الإنسان يفرح بموته ويجعل هذا كالنزهة لكن الغالب القصد الأول أن هذا إظهار السخط والألم والحزن وما أشبه ذلك وقد كان السلف يعدون الاجتماع إلى أهل الميت من النياحة فالواجب الحذر من هذا الشيء وحفظ الوقت وحفظ المال وحفظ التعب وإتعاب الناس وإزالة هذه الأشياء المنكرة ثم إن بعض الناس يهدي إلى أهل الميت أطعمة وغنما وما أشبه ذلك يتشبثون بقول الرسول عليه الصلاة والسلام (اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم) وهذا في الحقيقة لا مستند لهم فيه لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول (لقد أتاهم ما يشغلهم) فآل جعفر لما أتاهم خبر موته حزنوا لذلك ولم يكن لديهم التفرغ لصناعة الطعام فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يصنع لهم طعام ونحن الآن في وقتنا ولله الحمد لا يشغلنا مثل هذا الشيء عن إصلاح الطعام

(195/10)

لأن إصلاح الطعام ميسر وسهل تقوم به الخدم إن كان هناك خادم أو يشترى من أدنى مكان من المطاعم وليس في ذلك مشقة أبدا ثم إن الذي أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم إنما أمر أن يصنع لآل جعفر طعاما وليس أن يهدى إليهم الذبائح والغنم وما أشبه ذلك فالذي أدعوا إليه إخواني المسلمين أن يوفروا على أنفسهم التعب وإضاعة الوقت وإضاعة المال وأن يكفوا عن هذا الأمر لأنه ليس لهم فيه خير بل هم إلى الإثم أقرب منه إلى السلامة
***
ما حكم الذهاب من مدينة إلى أخرى لتقديم التعزية أو للصلاة على الميت؟

(195/11)

فأجاب رحمه الله تعالى: الأصل أن هذا لا باس به لكني أخشى أن ينفتح على الناس باب بالمباهاة فيه فيتعب الناس ويتعبون لأنه إذا صار هذا عادة صار المتخلف عنه عرضة للكلام وانتهاك عرضه فصار ما ليس بسنة سنة فالذي أرى أنه لا ينبغي أن يذهب للصلاة على الميت إذا كان مسافة قصر أو للتعزية اللهم إلا أن يكون قريبا جدا كالأب والأم والأخ والأخت والعم وابن الأخ والخال وابن الأخت فهذا قد يقال إنه لا بأس به لقوة القرابة ولأن هذا لا يتأتى لكل أحد فلا يخشى أن ينفتح الباب على الناس والتعزية المراد بها التقوية على تحمل المصيبة ليست تهنئة تطلب من كل واحد فهي تقوية للمصاب أن يصبر ويحتسب فإذا لم يكن مصابا بميت فلا يعزى أصلا لأن بعض الناس قد لا يصاب بموت ابن عمه مثلا لكونه في خصام معه قبل موته وتعب فلا يهمه أن يموت أو يحيى فمثل هذا لا يعزى. يعزى على ماذا؟! بل لو قيل إنه يهنأ بموته إذا كان متعبا له لكن إذا رأينا شخصا مصابا حقيقة متأثرا فإننا نعزيه تعزية تشبه الموعظة كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في إحدى بناته حينما أرسلت إليه أن ابنها أو ابنتها في سياق الموت فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للذي جاء يدعوه (مرها فلتصبر ولتحتسب فإن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى) مثل هذا إذا ورد على النفس اقتنع الإنسان وهانت عليه المصيبة أما أن نذهب لنعزي فنزيد الحزن حزنا ونجلس نتذكر محاسن الميت وأفعاله في حياته ومعاملته الحسنة فهذا من الندب المنهي عنه لذلك اتخذ الناس اليوم التعزية على وجه ليس بمشروع ففي بعض البلاد تقام السرادقات والإضاءات والكراسي وهذا داخل وهذا خارج حتى إنك لتقول إن هذه حفلة عرس ثم يأتون بقاريء يقرأ القرآن، يقرأ القرآن بأجرة مالية فيباع كتاب الله تعالى بالدراهم والدنانير وهذا الذي يقرأ القرآن لا يقرأ إلا بأجرة ليس له ثواب وليس له أجر ولا ينتفع بذلك الميت

(195/12)

فيكون بذل المال له إضاعة للمال ولا سيما إذا كان من التركة وفي الورثة أناس قاصرون فيكون انتهب من مال هؤلاء القصار مالا بغير حق بل بباطل إني أوجه النصيحة لإخواني إذا أصيبوا بموت أحد أقاربهم أو أصدقائهم أن يتحملوا ويصبروا ويقولوا ما يقول الصابرون إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها مات أبو سلمة رضي الله عنه عن زوجته أم سلمة وكانت تحبه حبا شديدا ويحبها وقد سمعت من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أن من أصيب بمصيبة فقال اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها أن الله تعالى يأجره في مصيبته ويخلف له خيرا منها) فلما مات أبو سلمة قالت اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها وكانت تقول في نفسها من خير من أبي سلمة يعني تفكر من هذا الذي يأتي فيكون خيرا لأنها مؤمنة بأن قول الرسول حق وأنه لا بد أن يخلف الله عليها خيرا منها من أبي سلمة لكن تقول من هذا فلما انتهت عدتها تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم فكان الرسول صلى الله عليه وسلم خيرا لها من أبي سلمة بلا شك وقبل الله دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم حين دخل على أبي سلمة رضي الله عنه وقد شخص بصره ومات فرأى بصره شاخصا فأغمضه عليه الصلاة والسلام وقال اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين وافسح له في قبره ونور له فيه واخلفه في عقبه خمس دعوات لو وزنت بهن الدنيا لرجحت بالدنيا كلها شيء منها علمناه لأنه شوهد في الدنيا وهو قوله واخلفه في عقبه فإن الذي خلفه في عقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج أم سلمة وكان ابن أبي سلمة عمر وأخته ربائب الرسول صلى الله عليه وسلم أما الدعوات الأخرى الغيبية فإننا نرجو الله تعالى أن الله قبلها كما قبل ما شاهدناه والحاصل أنني أنصح إخواني نصيحة لله عز وجل أن يدعوا هذه العادات التي ليست من هدي السلف الصالح، والسلف الصالح والله خير منا في طلب التقرب إلى الله عز

(195/13)

وجل ونفع الميت، ما فعلوا هذا أبدا وقد صرح علماؤنا الحنابلة وكذلك الشافعية ولعل غيرهم كذلك أن الاجتماع للتعزية من البدع وبعضهم لم يصرح بأنه بدعة لكن قال بأنه مكروه وإن شيءتم فراجعوا كتب العلماء في ذلك حتى يتبين لكم أسأل الله تعالى أن يهدينا صراطه المستقيم وأن يوفقنا لسلوك منهج السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.
***
بارك الله فيكم هذا سؤال من أحد الأخوة المستمعين يقول ما حكم شد الرحال من بلد إلى بلد آخر للعزاء ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الذي أرى أن العزاء لا يحتاج إلى شد الرحل في الوقت الحاضر لأن لدينا ولله الحمد إمكانيات فالهاتف موجود الفاكس موجود ولا حاجة إلى شد الرحل نعم لو فرض أن الذي مات من أقرب الناس إليك كأخيك مات عند أمك وأبيك فذهبت إليهما للعزاء فهذا قد يقال إنه إن شاء الله لا بأس به أما مجرد أنه صاحب أو قريب بعيد فهذا لا ينبغي أن يشد الرحل إليه لما في الاجتماع على العزاء من البدعة التي لم تكن معروفة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعن جرير ابن عبد الله البجلي قال كانوا يعدون الاجتماع إلى أهل الميت وصنع الطعام من النياحة
***
جزاكم الله خيرا ما حكم ذهاب المرأة للتعزية لإحدى قريباتها أو صديقاتها علما بأنها لن تلتقي بها دون الذهاب إليها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا بأس في هذا أن تذهب إلى صديقتها أو قريبتها لتعزيها بشرط أن لا يكون هناك اجتماع بل تعزي وتنصرف أو تعزي وتجلس قليلا وتنصرف أما الاجتماع للتعزية فقد ذكر فقهاؤنا رحمهم الله أنه مكروه لأن هذا يجدد الأحزان ويقويها.
***
بارك الله فيكم فضيلة الشيخ هل صحيح أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه؟

(195/14)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم صحيح أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه لأن ذلك ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن العلماء اختلفوا رحمهم الله في تخريج هذا الحديث فحمله بعضهم على أن المراد به الكافر أنه يعذب ببكاء أهله عليه دون المؤمن ولكن هذا خلاف ظاهر الحديث لأن الحديث عام وحمل هؤلاء الحديث على الكافر فرارا من أن يعذب الإنسان بذنب غيره لا يحصل به المقصود لأن تعذيب الكافر ببكاء أهله عليه هو تعذيب للإنسان بذنب غيره أيضا، وقال بعض العلماء المراد بذلك أن يوصي به يعني أن يكون الميت قد أوصى أهله أن يبكوا عليه فيكون هو الآمر بهذا الشيء فيلحقه من عذابه، وقال آخرون هو في الرجل الذي يعلم من أهله أنهم يبكون على أمواتهم ولم ينههم عن ذلك قبل موته لأن سكوته مع علمه بأنهم يفعلونه دليل على رضاه به والراضي بالمنكر كفاعل المنكر فهذه ثلاثة أوجه في تخريج الحديث ولكن كلها مخالفة لظاهر الحديث لأن الحديث ليس فيه قيد بأن المراد به من أوصى بذلك أو من رضي به والحديث على ظاهره أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ولكنه ليس عذاب عقوبة لأنه لم يفعل ذنبا حتى يعاقب عليه ولكنه عذاب تألم وتضجر من هذا البكاء لأنه يعلم بذلك فيتألم ويتضجر والتألم والتضجر لا يلزمه أن يكون ذلك عقوبة ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم في السفر (إنه قطعة من العذاب) وليس السفر عقوبة ولا عذاب السفر عقوبة، لكنه هم واستعداد وقلق نفسي فكذلك عذاب الميت في قبرة من هذا النوع لأنه يحصل من تألم وقلق وتعب وإن لم يكن ذلك عقوبة ذنب.
***
جزاكم الله خيرا هذه السائلة أم عبد الواحد من اليمن تقول هل الميت يعذب ببكاء أهله عليه؟

(195/15)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) وفي رواية (بمنيح أهله عليه) وقد أشكل هذا الحديث على كثير من العلماء وقالوا كيف يعذب الإنسان بفعل غيره فأجاب بعضهم بأن المراد بذلك الميت الذي أوصى أهله أن ينوحوا عليه ويبكوا عليه وأجاب آخرون بأن المراد بذلك الميت الذي يعلم من أهله أنهم يفعلون ذلك ولم يوصهم بتركه والصحيح أنه لا حاجة لهذا التأويل وأن المراد بالتعذيب تألم الميت في قبره وإن لم يكن عقوبة عليه ويشهد لهذا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في السفر (إنه قطعة من العذاب) ومعلوم أن المسافر لا يعذب عذاب عقوبة ولكنه عذاب ألم وتعب فالمعنى أن الميت يتألم ويتعب من بكاء أهله عليه وهذا في البكاء الذي يتكلفه الإنسان أو يحدث به صوتا ونياحة وأما البكاء الذي تمليه الطبيعة فإنه لابد منه في غالب الأحوال وليس فيه إثم وليس فيه تعذيب للميت لأن هذا أمر غير متقصد ولا يمكن الانفكاك عنه وعلى هذا فنقول إن بكاء أهل الميت عليه له ثلاث حالات الحال الأولى أن يعذب عليه الميت عذاب عقوبة وذلك فيما إذا أوصى أهله بذلك وفعلوه تنفيذا لوصيته الثاني أن يعذب عذاب تألم وتوجع وليس عذاب عقوبة وذلك فيما إذا بكوا بكاء خارجا عن مقتضى الطبيعة من غير أن يوصيهم به والثالث بكاء لا يعذب عليه الميت لا عذاب عقوبة ولا عذاب ألم أي تألم وهو ما إذا كان بكاء بمقتضى الطبيعة غير متكلف فيه ولا متقصد فيه.
***

(195/16)

أحسن الله إليكم هذا المستمع محمد محمود عبد الرحمن من الأردن يقول لأهل قريتي عادة عندما يموت أحدهم تقوم النساء بالبكاء وشق الجيوب واللطم على الخدود والنياحة فيقوم بعض رجال الدين بنصيحتهن ولكن دون فائدة وزيادة على ذلك فإنهن يتبعن الجنازة إلى المقبرة بحالتهن تلك ويقمن بحثو التراب على رؤوسهن في الطريق وكذلك الرجال إذا وصلت الجنازة إلى المقبرة ودفنوها فإنهم يجلسون على القبر يبكون وينوحون وبعد مضي مدة أربعين يوما يعملون عشاء للميت يدعون إليه كل من حولهم بدون استثناء وينتهي العشاء بأن تراق القهوة والشاي على الأرض فما رأيكم في هذه العادة وما هو الحكم فيمن يفعلها؟

(195/17)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه العادة عادة منكرة وبدعة ضالة فالواجب على المسلم عند المصيبة أن يرضى بقضاء الله وقدره وأن يعلم أن هذه المصيبة لا بد أن تقع مهما عمل لأنها قد كتبت وجفت الأقلام وطويت الصحف ومهما كان فلا بد أن يكون ما قدر الله عز وجل، كما كان المسلمون يقولون ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فإذا اطمأن الإنسان إلى هذا وعلم أنها من الله عز وجل رضي وسلم كما قال علقمة في قوله تعالى: (ومن يؤمن بالله يهد قلبه) قال هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم، فوظيفة الإنسان عند المصائب الصبر واحتساب الأجر حتى لا يحرم الثواب فإن المصاب حقيقة من حرم الثواب وإذا وقعت بك مصيبة فقل إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها فإنك إن فعلت ذلك آجرك الله في مصيبتك وأعظم لك خيرا منها وهذا أمر قاله النبي عليه الصلاة والسلام وشهد به الواقع، أم سلمة رضي الله عنها كانت تحت أبي سلمة وكانت تحبه حبا شديدا فلما توفي أبو سلمة رضي الله عنه قالت اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها وكانت تقول في نفسها من خير من أبي سلمة فما انقضت عدتها حتى خطبها النبي صلى الله عليه وسلم فتزوجها فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لها خيرا من أبي سلمة وهذا أيضا تشهد به وقائع كثيرة، فالإنسان إذا صبر واحتسب فإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب والجزع والحزن والنياحة لا ترد المصيبة بل توجب الوقوع في الإثم فإن النياحة على الميت من كبائر الذنوب فقد (لعن النبي صلى الله عليه وسلم النائحة والمستمعة) النائحة التي تنوح والمستمعة التي تستمع إلى نياحها وكذلك يجب على الرجال ولاة أمور هؤلاء النساء أن يمنعوهن ويجب على ولاة الأمور على البلد أي ذوي السلطة يجب عليهم أن يمنعوا مثل هذا في المقابر وفي الأسواق وأن يمنعوا النساء من اتباع الجنائز حتى يكون المجتمع

(195/18)

مجتمعا إسلاميا عارفا بالله راضيا بقضاء الله وقدره.
***
هذه رسالة وصلت من بغداد من أحد الإخوة المستمعين يقول هل يجوز لبس الثوب الأسود على المتوفى وخاصة إذا كان على الزوج؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لبس السواد عند المصائب شعار باطل لا أصل له والإنسان عند المصيبة ينبغي له أن يفعل ما جاء به الشرع فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها فإنه إذا قال ذلك بإيمان واحتساب فإن الله سبحانه وتعالى يأجره على ذلك و يبدله بخير منها وقد جرى هذا لأم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها حين مات أبو سلمة زوجها وابن عمها وكان من أحب الناس إليها فقالت هذا قالت وكنت أقول في نفسي من خير من أبي سلمة فلما انتهت عدتها خطبها النبي صلى الله عليه وسلم فكان النبي صلى الله عليه وسلم خيرا من أبي سلمة وهكذا كل من قال ذلك بإيمان واحتساب فإن الله تعالى يأجره على مصيبته ويخلف له خيرا منها أما التزي بزي معين كالسواد وشبهه فإن هذا لا أصل له وهو أمر باطل ومذموم.
***
السائلة من الكويت تقول اعتادت النساء عندنا على لبس العباءة السوداء أثناء العزاء بمن فيهن أهل البيت فهل هذا يعتبر من لبس السواد يعني يعتبر من النياحة علما بأن هذا عرف دارج عندنا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: كل مظهر يكون به إظهار الحزن والسخط من قضاء الله وقدره فإنه محرم لأن الواجب على الإنسان أن يرضى بقضاء الله وقدره ويصبر على المصائب حتى يكون من الصابرين الذين قال الله فيهم (وبشر الصابرين (155) الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون (156) أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) فإذا كان لباس السواد ينبيء عن السخط وعدم الصبر كان ذلك حراما وإذا كان لا ينبيء عن هذا ولكنه علامة فقط فهو أهون.
***

(195/19)

يقول هل صحيح ما يقال عن الأموات إن الأرواح ترد إلى أهلها الميتين في يومي الاثنين والخميس لترد على الزوار ولذلك يزورون المقابر في هذين اليومين ويدعون للأموات ويقرؤون الفاتحة وبعض سور القرآن الكريم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا لا أصل له وزيارة المقابر مشروعة كل وقت لقول النبي صلى الله عليه وسلم (زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة) وينبغي للزائر أن يفعل ما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعله من السلام عليهم دون القراءة فقد كان يقول عليه الصلاة والسلام مما يقوله (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم) ولا تنبغي القراءة على القبر لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم وما لم يرد عنه فإنه لا ينبغي للمؤمن أن يتخذه أو أن يعمله واعلم أن المقصود بالزيارة أمران أحدهما انتفاع الزائر بتذكر الآخرة والاعتبار والاتعاظ فإن هؤلاء القوم الذين وهم الآن في بطن الأرض كانوا بالأمس على ظهرها وسيجري لهذا لزائر ما جرى لهم فيعتبر ويغتنم الأوقات والفرص ويعمل لهذا اليوم الذي سيكون في هذا المثوى الذي كان عليه هؤلاء أما الأمر الثاني فهو الدعاء لأهل القبور بما كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو به من السلام وسؤال الرحمة وأما أن يسأل هؤلاء الأموات أو أن يتوسل بهم فإن هذا محرم ومن الشرك ولا يجوز ولا فرق في هذا بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر غيره فإنه لا يجوز أن يتوسل أحد بقبر النبي عليه الصلاة والسلام أو بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته فإن هذا من الشرك لأنه لو كان هذا حقا لكان أسبق الناس إليه الصحابة رضي الله عنهم ومع ذلك فإنهم لا يتوسلون به بعد موته استسقى عمر رضي الله عنه ذات يوم فقال (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا

(195/20)

فاسقنا) ثم قام العباس رضي الله عنه فدعا وهذا دليل على أنه لا يتوسل بالميت بعد موته مهما كانت درجته ومنزلته عند الله سبحانه وتعالى وإنما يتوسل بدعاء الحي الذي ترجى إجابة دعوته لصلاحه واستقامته في دين الله عز وجل فإذا كان الرجل ممن عرف بالدين والاستقامة ثم توسل بدعائه فإن هذا لا بأس به كما فعل أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وأما الأموات فلا يتوسل بهم أبدا ودعاؤهم شرك أكبر مخرج عن الملة نسأل الله العافية قال الله تعالى (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) وبهذه المناسبة أود أن أذكر أنه يوجد في بعض البلاد الإسلامية من يذهبون إلى القبور لدعائهم والاستنصار بهم والاستغاثة بهم وهذا شرك أكبر لا يزيدهم إلا خسارا وإلا عذابا ونكالا فعليهم أن يتوبوا إلى الله وأن يسألوا النصر من عند الله سبحانه وتعالى وأن يستغيثوا به وحده فإن هؤلاء الأموات لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا فكيف يملكون لغيرهم هم بحاجة إلى أن يدعى لهم فكيف يدعون.
***
عمي قتل في المعركة وقد بلغ بنا الحزن عليه أن قررنا زيارة قبره كل خميس وجمعة ولبسنا السواد مدة خمسة وثلاثين يوما وقد رفع أهله قبره عن الأرض فما الحكم في هذه الأعمال هل هي صحيحة أم مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله؟

(195/21)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الأعمال غير صحيحة والواجب على المرء إذا أصيب بمصيبة أن يتلقاها بالصبر والاحتساب لأن الحزن لا يرد شيئا من المقدور وقد قال الله تعالى في القرآن (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين (155) الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون (156) أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) وقال النبي صلى الله عليه وسلم لإحدى بناته وقد مات لها طفل قال للرسول الذي أرسلته للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (مرها فلتصبر ولتحتسب فإن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى) فالواجب عليكم أيها المصابون بفقد حبيبكم الصبر والاحتساب والدعاء له بالمغفرة و الرحمة حيث إنه مسلم وعلى هذا فإن زيارتكم لقبره أو تقرير هذه الزيارة لقبره كل خميس وجمعة ليس بمشروع ولا ينبغي وكذلك لبسكم السواد فإنه من البدع وإظهار الحزن وهو شبيه بشق الجيوب ولطم الخدود الذي تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم من فاعله حيث قال (ليس منا من شق الجيوب ولطم الخدود ودعا بدعوى الجاهلية) وأما رفع القبر فإنه أيضا خلاف السنة ويجب أن يسوى بالقبور التي حوله إن كان حوله قبور أو ينزل حتى يكون كالقبور المعتادة لأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال لأبي هياج الأسدي (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته).
***
هذه رسالة وردتنا من المرسل غريف خضر كردوشي من سوريا العربية يقول عندنا في العشائر يوم يموت الميت نذبح له عشاء يكلف أربعة آلاف ليرة سورية ونعمل له سبع جمع تكلف الجمعة له ثلاث مائة ليرة سورية هل يجوز هذا الأمر أم لا؟

(195/22)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الأمر لا يجوز أولا لأنه من البدع وثانيا لأن فيه إتلافا للمال وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال وثالثا أنه لا يخلو غالبا من أمور محرمة كالندب والنياحة وشبه ذلك فالواجب على المسلمين أن لا ينظروا إلى ما هم عليه الآن بل ينظروا إلى ما تقدم عن سلفهم الصالح فإنهم خير قرون كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) وهم قدوة هذه الأمة فيجب على المسلم أن يكف عن مثل هذه الأعمال التي ذكرها الأخ في سؤاله.
***
ما حكم الشرع في نظركم يا شيخ محمد في قراءة الفاتحة للميت في الليل أو في المغرب أو في صلاة الصبح؟
فأجاب رحمه الله تعالى: تخصيص الفاتحة للقراءة للميت في أي وقت من الأوقات من البدع وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (كل بدعة ضلالة) ولا أعلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة ولا في أثر في استحباب قراءة الفاتحة للأموات فعلى هذا لا ينبغي لنا أن نفعل ما لم يفعله أسلافنا الصالحون فإن الخير في هديهم نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أتباعهم وليعلم أن كل عبادة فإنه يشترط لقبولها شرطان أساسيان الشرط الأول الإخلاص لله عز وجل فيها بأن لا يحمل الإنسان على فعلها مراءات الناس أو سماعهم أو شيء من أمور الدنيا والثاني المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تتحقق المتابعة إلا إذا كانت العبادة موافقة للشرع في أمور ستة موافقة للشرع في سببها وفي جنسها وفي قدرها وفي صفتها وفي زمانها وفي مكانها فإن خالفت الشرع في واحدة من هذه الأمور الستة لم تكن موافقة له ولم يتحقق بها اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وحينئذ لا تكون مقبولة ولا صحيحة بل تكون مبتدعة إذا قصد الإنسان التعبد لله بها ولم يثبت أصلها في الشرع.
***

(195/23)

بارك الله فيكم من السودان رسالة بعث بها المستمع بشارة محمد يقول ما حكم الشرع فضيلة الشيخ في نظركم حول نقاش دار بيني وبين شخص آخر بخصوص تلاوة القرآن والإكثار من الدعاء بعد وفاة شخص مسلم وقد قال لي هذا الشخص بأن هذا بدعة أرجو أن تفيدوني يا فضيلة الشيخ حتى أقطع الشك والحيرة من ذهني؟
فأجاب رحمه الله تعالى: تلاوة القرآن عند المصائب إن كانت تلاوة جماعية يجتمع الناس عليها ويقرؤون القرآن أو يأتون بقارئ يستأجرونه لقراءة القرآن فإن هذا بدعة وكل بدعة ضلالة وأما إذا أصيب الإنسان بمصيبة سواء كانت موتا أم غير موت ثم أخذ كتاب الله يقرأه ليسكن أحزانه فإن هذا لا بأس به ولا حرج فيه ويذكر أن أحد العلماء مات له ابن بالغ توجه في طلب العلم فلما خرجوا به ليدفنوه وكان الجمع كثيرا فقام أحد الحاضرين وقال بأعلى صوته (يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين) فضج الناس بالبكاء فقام أبو الميت وهو أحد العلماء من الحنابلة وهو علي بن عقيل رحمه الله قام وقال يا هذا إن القرآن إنما نزل لإزالة الأحزان وليس لتهييج النفوس يعني أن كلام هذا الرجل هيج الناس وأبكاهم وأحزنهم والقرآن إنما نزل لإزالة الأحزان والتسلي به عما سواه والخلاصة أن قراءة القرآن عند المصائب إن كانت جماعية كما يفعل في بعض البلاد الإسلامية عند موت الميت فهي بدعة ينهى عنها ويجب القضاء عليها وإن كانت فردية مثل أن يقوم الرجل المصاب فيتلوا كلام الله عز وجل ليتسلى به عند هذه المصيبة فهذا لا بأس به وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام عند المصيبة بموت أحد أو غيره أن يقول (اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها فإنه إذا قال ذلك آجره الله في مصيبته وأخلفه خيرا منها) فيقول المصاب إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها فإذا فعل ذلك آجره الله في

(195/24)

مصيبته وأخلفه خيرا منها.
***
هذه الرسالة من جدة، العمارية، أحمد محمد الصادق علي أحمد خليفي يقول السادة في هذه الرسالة يحدث في مصر عندما يموت رجل أو امرأة تقوم النساء بالبكاء وتقوم بعضهم بوضع التراب والطين على أنفسهن وتقول الفراق صعب هل هذا صحيح أم غلط، نرجو الإفادة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا غلط، غلط كبير لأن الواجب على المرء أن يرضى بالله ربا ويرضى بقضائه وقدره فلا يسخط ولا يفعل ما يدل على التسخط فوضع التراب أو الطين على أنفسهن بسبب هذه المصيبة وقولهن الفراق صعب كل هذه من الأمور التي تتضمن الاعتراض على القدر، وعدم الرضا بالله سبحانه وتعالى، وقد يكون شبيها بشق الجيوب ولطم الخدود الذي تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم من فاعله، فقال (ليس منا من لطم الخدود أو قال ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية)، والعاقل البصير يعرف أن هذا التسخط لا فائدة منه، مع كونه ضررا في الدين لا فائدة منه في الدنيا، لأنه لن يرد المصيبة بل سيزيد المصيبة، ولهذا قال بعض السلف إما أن تصبر صبر الكرام، وإما أن تسلو سلو البهائم، فالإنسان لابد أن ينسى هذه المصيبة على ممر الزمان، فإذا كان لابد من نسيانها فكونه يصبر صبر الكرام الذي يثاب عليه خير من كونه يتجزع ويتسخط ثم في النهاية يسلو كما تسلو البهيمة.
***
أحسن الله إليكم وبارك فيكم يقول هذا السائل يا فضيلة الشيخ حفظكم الله كيف نفرق بين عشاء الميت والصدقة لأن كثيرا من الناس يقومون بهذا العشاء في اليوم الأول والثاني أو الثالث من وفاة الفقيد وهناك من يقوم بهذه الوليمة كعشاء للميت هل هذه واردة؟

(195/25)

فأجاب رحمه الله تعالى: الصدقة للأموات جائزة لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أقرها فقد استفتاه رجل فقال (يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت لتصدقت أفأتصدق عنها قال نعم) واستفتاه سعد بن عباده رضي الله عنه في مخراف له أي في بستان يخرف يتصدق به عن أمه فأفتاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالجواز لكننا لا نقول إن هذا مستحب يعني لا نقول للناس تصدقوا عن موتاكم بل نقول إن تصدقتم فلكم أجر الإحسان وأجر الصدقة للميت وإن لم تتصدقوا فإننا لا نطالبكم بالصدقة ولا نقول إنها سنة عن الميت لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يسنها لأمته وإنما هي قضايا أعيان استفتي فيها فأفتى فيها بالجواز وفرق بين الجواز الذي لا ينكر على فاعله والمشروع الذي يطالب به العبد وأقول لإخواني الذين يسمعون كلامي هذا أقول لهم إنكم تريدون الخير للميت لا شك ولكن لماذا لا نتأسى بإرشاد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنه صلى الله عليه وسلم قال (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) فجعل وظيفة العمل الدائم للميت هو دعاء الولد الصالح له ولم يقل أو ولد صالح يتصدق له مع أن سياق الحديث في الأعمال لكنه صلى الله عليه وسلم عدل عن ذلك إلى الدعاء ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يمكن أن يعدل عن شيء إلى آخر إلا والخير في الآخر فإنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنصح الخلق للخلق وأعلم الخلق بشريعة الله وأفصح الخلق بالتعبير وأعلمهم بمراده فكيف نعدل عن شيء أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم إلى شيء نجده في نفوسنا فقط فلو استشارني رجل وقال أيهما أفضل أن أتصدق عن أبي بألف أو أن أدعو له بالمغفرة والرحمة قلت ادعو له بالمغفرة والرحمة خير من أن تتصدق له بألف وإذا كنت تريد الصدقة اجعل الصدقة لنفسك فإنك سيمر بك يوم بل أيام تتمنى أن يكون في حسناتك

(195/26)

صدقة بدرهم هذا ما أود أن أنصح به إخواننا أما ترتيب العشاء للميت في أول يوم وثاني يوم وثالث يوم من موته أو على ممر الأسبوع أو ممر السنة أو ما أشبه ذلك فكل هذا بدعة لأن ترتيب الأعمال الصالحة على وجه معين وقتا أو مكانا بدون دليل شرعي يجعل هذه العبادة بدعة، يجعلها بدعة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) فلابد من موافقة العبادة للشريعة في الأمور التالية: السبب والجنس والقدر والصفة والزمان والمكان إذا لم توافق العبادة أو إذا لم يوافق العمل الشريعة في هذه الأمور الستة فإنه يكون بدعة ولا ينفع صاحبها ومن أين لهؤلاء الدليل على أن الميت يسن أن يتصدق عنه في الأيام الثلاثة الأولى من موته أو على ممر الأسبوع أو ممر السنة أو ما أشبه ذلك أما لو تصدق عنه بطعام في أي وقت كان، فهذا لا بأس به لأن الصدقة بالطعام كالصدقة بالدراهم وقد تكون أنفع من الصدقة بالدراهم وقد تكون الصدقة بالدراهم أنفع حسب الحال والوقت.
***
ما الحكم في عمل أربعين للمتوفى يقرأ فيها القرآن ويجتمع الناس للتعزية؟

(195/27)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه من البدع التي يصنعها بعض الناس إذا تم الميت أربعين يوما أقاموا له مأتما يجتمعون فيه إلى بيت الميت ويقرؤون القرآن وينيرون المكان وهو في الحقيقة من باب تجديد الحزن المنهي عنه وكذلك نقول في اجتماع الناس بعد الوفاة في بيت يقرؤون فيه القرآن ويوقدون فيه الشموع واللمبات ويصفون الكراسي كل هذا من البدع والسنة لمن مات له ميت أن يغلق بابه وألا يجلس لأحد لكن من كان من أقاربه الذين يعتبر عدم حضورهم إلى بيته قطيعة رحم فلا حرج عليهم أن يحضروا إلى البيت ويعزون المصاب وينصرفوا أما إقامة الولائم التي هي مآتم الحقيقة وهي مآثم أيضا فإن هذا من البدع والمنكرات التي لا يليق بالمسلم أن يفعلها وقد كان السلف الصالح يعدون صنع الطعام والاجتماع إلى أهل الميت من النياحة وهذه المسألة يعني اجتماع أهل الميت في بيته على الوجه الذي ذكرته توجد في كثير من البلدان الإسلامية ولكني أرجو الله عز وجل بما من الله به من اليقظة في الشباب أن يكون الجيل المقابل قاضيا على هذه العادات التي لم تكن من عادات السلف.
***
المستمعة سمية من السودان تقول في السودان توجد الكثير من المنكرات و البدع في المآتم فمثلا في المآتم نجد النائحات والنساء يتواجدن في كتل حول الميت ما حكم الشرع في هذا بارك الله فيكم؟

(195/28)

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي أعلمه من الشرع (أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن النائحة والمستمعة) والنائحة هي التي تبكي على الميت برنة تشبه نوح الحمام وإنما لعنها النبي عليه الصلاة والسلام لما يترتب على النوح من تعاظم المصيبة وشدة الندم وإلقاء الشيطان في قلوب النساء ما يلقيه من التسخط على قدر الله عز وجل وقضاؤه وهذه الاجتماعات التي تكون بعد موت الميت يكون فيها الندب والنياحة كلها اجتماعات محرمة اجتماعات على كبائر الذنوب فالواجب على المسلمين الرضا بقضاء الله وقدره وإذا أصيب الإنسان بمصيبة فليقل إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها فإن الإنسان إذا قال ذلك بصدق نية وتصديقا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الله سبحانه وتعالى يخلف عليه خيرا من مصيبته ويأجره عليها ولقد جرى ذلك لأم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها حين مات عنها زوجها أبو سلمة فقالت رضي الله عنها مؤمنة مصدقة بكلام النبي عليه الصلاة والسلام قالت هذا القول اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، فماذا كان؟! أخلف الله لها خيرا منها فإنها حين انقضت عدتها تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم فكان النبي صلى الله عليه وسلم خيرا لها من أبي سلمة والأجر عند الله سبحانه وتعالى فوظيفة الإنسان عند المصائب الصبر والتحمل واحتساب الأجر من الله سبحانه وتعالى أما هذه المجتمعات المشتملة على الندب والنياحة فإنها اجتماعات محرمة يجب على المسلمين إنكارها والبعد عنها.
***
بارك الله فيكم يقول عندنا عادة عندما يتوفى أحد فإن أهله من بعده قبل إقامة العزاء يحضرون سجلا لتسجيل أسماء المعزين الذين سيفدون إلى العزاء ويدفعون مالا لأهل الميت مواساة في فقيدهم فهل هذا المال حلال أم حرام؟

(195/29)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه العملية بدعة لم تكن معروفة عند السلف وإنما المعروف الذي جاءت به السنة أنه لما جاء نبأ وفاة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي عليه الصلاة والسلام (اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم) فإذا علمنا أن المصابين بهذا الميت قد انشغلوا عن إصلاح غدائهم أو عشائهم لما أصابهم من الحزن فإنه لا بأس بل من السنة أن نبعث إليهم طعاما لنكفيهم المؤونة والتعب والشغل في هذا اليوم وأما أن يسجل المعزون وأن يرى المعزون أن عليهم ضريبة يدفعونها فهذا من البدع وإذا كان كذلك فإن المال المأخوذ على بدعة لا يحل ولا يجوز والواجب على الإنسان أن يصبر ويحتسب ويأخذ عوض مصيبته من الله عز وجل فإن واجب المؤمن إذا أصيب بمثل هذه المصائب بل بأي مصيبة أن يقول ما أثنى الله على قائليه: (و الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) وكما ثبت في الحديث الصحيح أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال (ما من مسلم يصاب بمصيبة ثم يقول اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا آجره الله وأخلف له خيرا منها).
***
بالنسبة السفر للتعزية ما رأيكم فيه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أرى أن لا يسافر الإنسان لا سيما مع وجود الهواتف الحمد الله الآن يمكن أن يتصل عليه بالهاتف ويصبره ويقول له اصبر احتسب لله ما أخذ وله ما أعطى إلا أن يكون قريبا قريبا جدا كأخ وما أشبه ذلك ويريد أن يسافر إذا رأى أن هذا مما يهون المصيبة على المصاب وليس فيه مشقة ولا ترك وظيفة واجبة فربما يسمح في ذلك على أني أود الاكتفاء في التعزية بالمهاتفة.
***

(195/30)

سؤالي هذا عن بعض العادات في المآتم فإذا مات شخص تجمع الناس إلى عدة أيام تنتهي في اليوم السابع أو ينهوه في يومه التالي مما يسمى بالختمه ويذبحون فيها بعض الحيوانات وهؤلاء المتجمعون يتبرعون كل بما يستطيع وتدفع لصاحب المأتم وهؤلاء الذين دفعوا هذه المبالغ يأتون في اليوم السابع ويأكلون مما ذبح ويرون أنهم شاركوا الميت, والرسول صلى الله عليه وسلم قد نهانا عن ذلك نرجو توضيح ذلك وفقكم الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لاشك أن خير الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأن كل بدعة جاءت بعده في دين الله تعالى فإنها ضلالة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في قولته العامة الشاملة: (كل بدعة ضلالة) وهذه البدع التي أحدثت عند موت الميت من هذه المآتم التي يجتمع الناس لها ويحدثون ما يحدثون من الأطعمة وكذلك القراءات كل بدعة يجب النهي عنها والتحذير منها والذي ينبغي للمصاب أن يقول ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم (اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها) فإنه إذا قال ذلك فإنه يأجره الله تعالى في مصيبته ويخلفه خيرا منها، وكما جرى ذلك في عدة أمور من أظهرها وأبرزها ما جرى لأم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها حين مات زوجها أبو سلمة وكانت تحبه حبا شديدا وقد سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ما من مؤمن يصاب بمصيبة فيقول اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرا منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلفه خيرا منها) فكانت عند مصيبتها في أبي سلمة فقالت ذلك إيمانا بقول النبي صلى الله عليه وسلم ولكنها تقول في نفسها من خير من أبى سلمة فلما اعتدت خطبها النبي صلى الله عليه وسلم فكان النبي صلى الله عليه وسلم خير لها من أبى سلمة فرضي الله عنها هذا الذي يؤمر به الإنسان أما عمل الختمة فإن هذا ينبني على مسألة اختلف فيها أهل العمل وهي إهداء القرب إلى الأموات فإن أهل العلم اتفقوا على جواز إهداء قرب معينة واختلفوا فيما

(195/31)

سواها ومما اختلفوا فيه إهداء قراءة القرآن إلى الأموات هل تصل إليهم أو لا تصل إليهم؟ ولكن ما يفعله هؤلاء من إحضار القراء بالأجرة هذه لا تصل إليهم قطعا وذلك لأن هذا الرجل الذي يقرأ إنما يقرأ لينال أجرا من الدنيا فعمله ليس خالصا لله والعبادة إذا لم تكن خالصة لله فإنها لا تكون مقبولة وإذا لم تكن مقبولة فإنه لا ينتفع بها الميت وعلى هذا إذا استأجروا من يقرأ ختمة لهذا الميت فإن الأجرة باطلة لا تصح وثواب العمل لا يصل إلى الميت إن قلنا فيه ثواب مع أننا لا نقول إن فيه ثوابا وذلك أنه ليس عملا خالصا لله عز وجل وقد قال الله تعالى: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون (15) أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون) وعلى هذا فلا يجوز استئجار رجل ليقرأ الختمة لروح الميت لأن هذه الإجارة باطلة والثواب إن قدر لا يصل إلى الميت لفقدان العقد وإذا لم يقدر فيه ثواب وهو الذي يتنزل على الأدلة الشرعية فإنه يكون حينئذ خسارة مادية على أهل الميت بدون فائدة للميت.
فضيلة الشيخ: ربما يقول شخص آخر لماذا مثلا يحج الإنسان عن إنسان آخر ويدفع له مقابل هذا الحج ولا يقرأ للميت ويدفع له مقابل؟

(195/32)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة واردة في الحقيقة ولهذا المشهور في مذهب الحنابلة أن الاستئجار للحج لا يصح وأن الأجرة تقع باطلة ويكون ثواب الحج للحاج لا للمحجوج عنه ونحن نقول كذلك إذا كان الحاج قصده المال فالذي حج قصده المال فإن الإجارة لا تصح ويكون العقد باطلا أما إذا كان الرجل الذي حج قصده بذلك مصلحة أخيه وقضاء حاجته أو قصده مع ذلك أن يصل إلى المشاعر المقدسة ويعمل فيها خيرا فهذا قصد طيب ولا حرج فيها فنحن نقول إذا استؤجر إنسان ليحج عن شخص فإن كان هذا المستأجر قصده المال فإنه كما قال شخ الإسلام ليس له في الآخرة من خلاق ليس له نصيب من ثواب الآخرة ولا يصح حجه عن هذا الرجل لأنه عقد باطل وأما إذا كان قصده بذلك قضاء حاجة أخيه أو المصلحة للوصول إلى هذه المشاعر وفعل ما يفعل فيها من فعل الخير فلا حرج عليه في ذلك.
***
يقول يوجد لدينا في بيشة عادة وهذه العادة هي إقامة أهل البلد في بيت الميت إذا مات يجتمعون أهل البلد كلهم في بيت الميت إذا مات ينتظرون قدوم الناس الذين يردون سنة العزاء ويذبحون الغنم وتقام العزائم بواسطة الطلاق (يعني علي الطلاق أن تفعل كذا) وغير ذلك علما بأن الناس القادمين قريبون من البلد التي فيها الميت ووسائل النقل متوفرة وليس هناك عذر للإقامة حتى أن البعض يحسب حساب الأكل ويأتي في وقت مبكر زيادة على ذلك الذبيحة بعد الذبيحة في بيت الميت ليلا ونهارا ولكن ليست من حقه بل من حق الجماعة ماذا ترون حيال ذلك جزاكم الله خيرا؟

(195/33)

فأجاب رحمه الله تعالى: نرى حيال هذا أن ذلك من الأمر المنكر لما فيه من إضاعة المال ومن الاجتماع الذي ينافي في الحقيقة حالة الموت وحالة الحزن لأنه بين أمرين إما أن يحصل نياحة وندب وأحزان متوالية فهذا خلاف الشرع وليس هذا من العزاء في شيء لأن العزاء معناه تعزية الإنسان أي تصبيره وإعانته على الصبر على ما أصابه من هذه المصيبة وليس المراد بالتعزية تهييج الأحزان عليه بالنياحة والندب وشبهها وإما أن يكون هذا الاجتماع اجتماع فرح ولهو وضحك ونحو ذلك فهذا أيضا ينافي حال الموت وما ينبغي أن يكون الإنسان عليه في مثل هذه الحال فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه والدين وسط ومما يحصل من مضار هذا الاجتماع إضاعة الأموال الكثيرة فيه فإنه كما ذكر السائل يقول كل ذبيحة وراء ذبيحة وكذلك أيضا ما يحصل من هذه التلزيمات بل الإرغامات على الأكل حتى إنه كما ذكرت يحلف بالطلاق ليأكلوا وهذا أيضا من العمل الذي لا ينبغي فالحلف ينبغي بل يجب أن يكون الحلف بالله عز وجل (من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت) ولا ينبغي للإنسان أن يأتي بصيغة أخرى تدل على الحلف غير اليمين بالله عز وجل إذا دعت الحاجة إليه المهم أن هذا أمر منكر وأن الواجب على أهل الميت الصبر والاحتساب وأن يتعزوا بما أمرهم الله به (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) أقول أن يتعزوا بما أثنى الله على فاعله و قد يقول قائل إن الله ما أمر بهذه الآية بهذا القول نقول إن الثناء على الفاعل أو القائل يدل على أن هذا الفعل أو القول أمر مطلوب وكذلك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام (أن من أصيب بمصيبة ثم قال اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها) فهذه حالة المصاب أو حال المصاب ينبغي أن يستعمل ما دلت الشريعة على استعماله من قول أو فعل أما الاجتماع المذكور فإنه

(195/34)

حرام لما يفضي إليه من هذه المفاسد.
***
هذه الرسالة وردتنا من المستمع سعيد أبو بكر من المدينة المنورة يقول ما حكم الولائم أو الاحتفالات التي يجتمع فيها كثير من المسلمين بعد أسبوع من دفن الميت وبعد أربعين يوما أيضا ليدعوا الله بالسعادة مع دليل من الكتاب والسنة يدل على بطلانه أو جوازه إذا تكرمتم.؟
فأجاب رحمه الله تعالى: حكم هذا الأمر أنه عمل محدث لم يكن من عمل السلف الصالح ولا شك أن الدعاء من العبادة فإحداث دعاء على هيئة معينة وفي وقت معين بدون إذن من الشارع هو من إحداث العبادة التي ليست في دين الله فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كل بدعة ضلالة) وهذا العموم المحاط بكل لا مخصص له أبدا ودعوى من قال إن الحديث على إضمار محذوف كل بدعة سيئة فهي ضلالة هذه الدعوة باطلة يبطلها لفظ الحديث ومعناه لأن اللفظ الأصل فيه أنه متكامل لا يحتاج إلى إضمار ولا حذف وأما المعنى فإنه لو قيل كل بدعة سيئة ضلالة لم يكن لكلمة بدعة فائدة إطلاقا لأن السيئ ضلالة سواء كان مبتدعا أو غير مبتدع حتى لو كان هذا السيئ من الأمور المنصوص عليه كالربا والزنا وما أشبه ذلك قلنا إنه سيئ مع أنه ليس بمبتدع لأنه ذكر حكمه الشرع وبين فالمهم أن الذين أضمروا أو قالوا إن في الحديث إضمارا قولهم مردود بمقتضى اللفظ والمعنى، وعلى هذا فالدعاء الذي ذكره الأخ السائل الذي يجمع في أسبوع أو في الأربعين يوما هو من هذا النوع يكون بدعة وضلالة دليل هذا من القرآن الكريم قوله تعالى (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم) فدل هذا على أنه لا يمكن لأحد أن يأذن أن يشرع من الدين ما لم يأذن به الله وأن من شرع من الدين ما لم يأذن به الله فقد جعل نفسه شريكا مع الله وجعل اتباعه مع الله شريكا في العبادة ومشروعية العمل لعباد الله وأما من السنة

(195/35)

فهو ما أشرنا إليه من قوله صلى الله عليه وسلم (كل بدعة ضلالة) وهذا القول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب به يوم الجمعة ليبين للناس أن هذا الأمر خطير لما فيه من الاعتداء على الله ورسوله وعدم الأدب مع الله ورسوله وانتقاص الشريعة حيث أكملها بما زعم أنه حسنا ولو كان ذلك حسنا لكان مشروعا فهذا يتضمن انتقاص الشريعة كذلك أيضا يتضمن أن الرسول عليه الصلاة والسلام إما قاصر وإما مقصر لأنه إن كان الرسول عليه الصلاة والسلام لا يدري عن حكم هذه المسألة التي شرعها هذا الرجل فهو قاصر وحاشاه من ذلك وإن كان يدري ولم يبلغها لأمته فهو مقصر أيضا وحاشاه من ذلك فالمهم أن جميع البدع في الحقيقة كلها تتضمن القدح في الدين والاعتداء على الله ورسوله والتقدم بين يدي الله ورسوله وهي أيضا إما أن يدعي مبتدعوها أن لهم دليلا أو لا يدعون فإن كانوا لا يدعون دليلا فهي باطلة من أصلها لأنه لا دليل عليها وإن ادعوا دليلا لها من كتاب أو سنة قلنا لهم هذا الدليل الذي ادعيتموه إما أن يكون مستلزم لما قلتم من المشروعية أو غير مستلزم فإن كان غير مستلزم لما قلتم من المشروعية فلا دليل فيه لكم وإن كان مستلزما لزم أن يكون الرسول عليه الصلاة والسلام جاهلا بدلالته أو عالما بها ومقصرا في عدم فعلها وعدم الدعوة إليها وحينئذ يستلزم أن يكون الرسول عليه الصلاة والسلام إما قاصرا في علمه أو مقصرا في دعوته وعمله وعلى كل حال فلا خير في البدعة وبهذا يعرف بلاغة الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله العام الشامل (كل بدعة ضلالة).
***
يوجد بعض العادات عند العزاء فبعد مرور أربعين يوما من الوفاة يقوم أهل الميت بالذبح ودعوة الأقرباء والمعارف والأكل من هذه الذبيحة مع العلم بأن هؤلاء الذين يدعون إلى هذه الوليمة ليسوا في حاجة وأيضا يعتبر هذا نوع من أنواع النياحة المحرمة فهل علي إثم عند حضور مثل هذه المناسبات؟

(195/36)

فأجاب رحمه الله تعالى: أولا لابد أن نعرف ما حكم هذه العادة فنقول هذه العادة بدعة منكرة فيها مضيعة للوقت ومفسدة للمال وإعزاز للبدعة ودخول في النياحة فقد قال جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه (كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنع الطعام من النياحة) والواجب الكف عنها وإماتتها وطيها من الوجود وأما حضورها فلا يجوز حضورها والواجب على من دعي إليها أن ينصح من دعاه ويقول اتق الله في نفسك واتق الله في ميتك لا تكن سببا في تعذيبه بالبكاء عليه أو النياحة ووفر مالك ووفر وقتك وخف ربك والميت مات وقد راح فعليك يا أخي المسلم ألا تداهن في دين الله وألا تحكم العادة في شريعة الله وألا تحابي أحدا في دين الله بل قل الحق ولو كان مرا ما لم يترتب على هذا مفسدة عظيمة أعظم بكثير مثل أن يأمر إنسان بمعروف أو أن ينهى عن منكر يترتب على أمره بالمعروف والنهي عن المنكر منكر أعظم فهنا يكون الحكمة المداراة ومحاولة إزالة المنكر شيئا فشيئا.
***
الرجاء إفادتنا عن بدع المآتم فيما يستعمل للميت لليلة خمسة عشر وليلة أربعين هل هذا صحيح أم لا؟ وهل ينصب للميت يوم أم ثلاثة الرجاء إفادتنا وشكرا؟

(195/37)

فأجاب رحمه الله تعالى: المآتم كلها بدعة سواء كانت ثلاثة أيام أو على أسبوع أو على أربعين يوما لأنها لم ترد عن السلف الصالح رضى الله عنه ولو كان خيرا لسبقونا إليه، ولأنها إضاعة مال وإتلاف وقت، وربما يحصل فيها من المناكر من الندب والنياحة ما يدخل في اللعن لأن النبي صلى الله عليه وسلم (لعن النائحة والمستمعة) التي تنوح والتي تستمع إليها، ثم إنه إن كان من مال الميت من ثلثه أعني، فإنه جناية عليه لأنه صرف له في غير طاعة، وإن كان من أموال الورثة فإن كان فيهم صغار أو سفهاء لا يحسنون التصرف فهو جناية عليهم أيضا، لأن الإنسان مؤتمن في أموالهم فلا يصرفه إلا فيما ينفعهم، وإن كان لعقلاء بالغين راشدين فهو أيضا سفه، لأن بذل الأموال فيما لا يقرب إلى الله أو لا ينتفع المرء به في دنياه من الأمور التي تعتبر سفها ويعتبر بذل المال فيها إضاعة له، وقد (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال).
***
بارك الله فيكم يقول الموعظة في المأتم عندنا في السودان يجتمع الناس في صيوان ويقصدهم من يريد التعزية هل الموعظة في هذه الحالة تجوز؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المآتم التي يصنعها أهل الميت بعد موته من البدع التي لم تكن معروفة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وفيها من المفاسد أن هؤلاء الذين يجتمعون يحصل عندهم ندب ونياحة والنياحة من الأمور المنكرة بل هي من كبائر الذنوب (لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن النائحة والمستنيحة) ولهذا كره أهل العلم أن يجتمع أهل البيت لتلقي المعزين لئلا يحصل مثل هذه المفاسد والذي ينبغي في مثل هذه الحال أن تبقى الأمور على ما هي عليه بدون تغيير ومن لاقى المصاب بالميت عزاه في السوق أو في المسجد أو في أي مكان آخر أما أن يتهيأ الناس ويعدوا أنفسهم لاستقبال المعزين هذا أمر لا ينبغي وقد صرح بعض أهل العلم بكراهته.

(195/38)

فضيلة الشيخ: والذين يأخذون بحديث (اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد جاءهم ما يشغلهم)
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم نقول هذا على العين والرأس قال (اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم) ولكنه لم يقل لآل جعفر اصنعوا طعاما للناس يأتون إليكم ليأكلوه ثم إنه علل بعلة قد لا توجد في كثير من الأحيان قال (أتاهم ما يشغلهم) في وقتنا الآن والحمد لله لا يشغل الناس شيء عن صنع الطعام وإذا لم يتمكنوا من صنعه بالبيت فما أسهل أن يأتوا إلى أدنى مطعم لهم يشترون ما شاؤوا والحكم إذا علل بعلة فإنه يزول بزوال تلك العلة وهل قال الرسول عليه الصلاة والسلام اصنعوا لهم طعاما يجمعون الناس عليه أبدا ولو قال اصنعوا طعاما يجمعوا الناس عليه لكان هذا أشد شغلا لهم من صنعة الطعام.
***
يقول في القرى التي نسكن فيها عندما يموت أحدهم يتجمع أقرباء وأصدقاء ومعارف الميت لتشيعه ودفنه وتعزية أهله وتقديم المعونات المادية لهم بشكل يكفي ليقوم أهل الميت بتأجير طباخ لإعداد الطعام للمشيعين والمعزين والفترة تصل أحيانا من ثلاثة أيام إلى سبعة أيام وفي اعتقادهم أن مثل هذا العمل يقوي الصلة بينهم ويوثق عرى المحبة وفي اعتقادهم أن هذا الطعام صدقة مقبولة إلى روح الميت يأكل منه الغني والفقير والصغير والكبير والمرأة والمحتاج وقد سبق أن الميت أو أخاه أو أباه أعطى هؤلاء الناس الذين يعطون أهله مثل أعطياتهم فهل هذا العمل صحيح وهل يصح للمسلم أن يأكل من مثل هذا الطعام و يحضر مثل هذا المجلس؟

(195/39)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا العمل ليس بصحيح ولكن إنما نقول أن هذا العمل نعني به جمع التبرعات بالصدقات والمآتم المذكورة فإنه ليس بصحيح وأما اجتماع الأصدقاء والأقارب لتشييع الميت والخروج بجنازته فهذا لا بأس به وهو من السنة فإن تشييع الميت لا شك أنه من السنة خصوصا إذا كان له حق من قرابة أو صداقة أو تعليم أو غير ذلك وأما هذه المآتم التي تصل إلى ثلاثة أيام أو سبعة أيام أو أربعين يوما فإنها من البدع التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحذر منها أمتة , فالنبي عليه الصلاة والسلام ما فعلها ولا فعلها أصحابه رضي الله عنهم ولا السلف الصالح وهم أحرص منا على الخير والذي ننصح به إخواننا في هذه البلاد التي تفعل مثل ما ذكره السائل الذي ننصحهم أن يوفروا على أنفسهم التعب والعناء وبذل المال بل إتلاف المال في هذه المسائل التي ليست من الشرع في شيء وإذا أراد أحد من أولياء الميت أن ينفعه فليتصدق عنه بصدقة تكون خفية وليست على هذا الوجه الذي يعلنه هؤلاء والله الموفق.
فضيلة الشيخ: هل يصح للمسلم أن يأكل من مثل هذا الطعام ويحضر مثل هذا المجلس؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا، المسلم لا ينبغي له أن يحضر مثل هذه المآتم بل يكره له ذلك أو يحرم عليه لأن هذا تشجيع للبدع ومن أعان بدعة فهو كفاعلها فيأثم فنحذر إخواننا من حضور هذه المآتم ومن التشجيع عليها ومن إقرارها بل يجب على المسلم إنكارهذه الأشياء.
***
المستمع شوقي محمد أبو سعد يقول إنني أرجو من فضيلة الشيخ توجيه كلمة لأولئك الذي يعتقدون بأن إقامة المأتم شيء ضروري ومهم بالنسبة إلى الميت مع العلم بأن هذا الشيء يأخذ مجال التسابق فيمن يأتي بقاريء أحسن ويأخذ مالا أكثرا نرجو بهذا نصيحة؟

(195/40)

فأجاب رحمه الله تعالى: فإن النصيحة التي أوجهها إلى من ابتلوا بهذه العادات المخالفة لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فنصيحتي إليهم أن يعلموا علم اليقين أن الاجتماع على هذه المآتم من الأمور البدعية التي لم تكن معروفة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) ويعلموا أيضا أن هذه المآتم إذا اشتملت على نذب ونياحة كان الاجتماع عليها من كبائر الذنوب لأن النياحة من الكبائر فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه (لعن النائحة والمستمعة وقال النائحة إذا لم تتب قبل موتها جاءت يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب) والعياذ بالله ومن وافقها على نياحتها واستمع إليها كان له من الإثم مثل ما كان لها قال الله تعالى (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم) يعني إن قعدتم معهم فإنكم مثلهم (إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا) وليعلم هؤلاء أن الميت لا ينتفع من ذلك بشيء وذلك أن القارئ الذي يجلبونه إلى ذلك المكان لا يقرأ إلا بأجرة وإذا كان لا يقرأ إلا بأجرة فإنه لا أجر له من ثواب الآخرة حيث أراد بعمله هذا الدنيا ومن أراد بعمله الدنيا لم يكن له من ثواب إلا ما حصله في دنياه وما حصله في دنياه لا يصل إلى الميت يقول الله تعالى (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون (15) أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون) وقال النبي صلى الله

(195/41)

عليه وسلم (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه) وعلى هذا فإن هذا العمل ليس فيه إلا إضاعة الوقت وإضاعة المال واكتساب الآثام فنصيحتي لإخواني الذين أصيبوا بمصيبة ميتهم أن يفعلوا ما أرشد الله إليه ورسوله في قوله تعالى (وبشر الصابرين (155) الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون ويقول اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها فإنه إذا قال ذلك آجره الله في مصيبته وأخلفه خيرا منها وليصبر وليحتسب على مضض مرارة هذه المصيبة فإن الله تعالى يقول (واصبروا إن الله مع الصابرين) ويقول جل ذكره (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب).
***
ما حكم قراءة الفاتحة مع رفع اليدين عند تعزية أحد أقارب الميت وإذا كان ذلك لا يجوز فماذا يقال عند التعزية؟

(195/42)

فأجاب رحمه الله تعالى: قراءة الفاتحة عند التعزية مع رفع اليدين بدعة ولم يكن النبي عليه الصلاة والسلام يعزي أصحابه بذلك وإنما التعزية معناها التقوية أي تقوية المصاب على تحمل المصيبة فبأي لفظ عزيت به صاحبك حصل المقصود وقد عزى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض بناته حيث قال للرسول الذي أرسلته إليه (مرها فلتصبر ولتحتسب فإن لله ما أخذ وله ما أبقى وكل شيء عنده بأجل مسمى) فمثل هذه الكلمات من أحسن ما يكون عند التعزية أن يؤمر الإنسان المصاب بالصبر واحتساب الأجر على الله عز وجل وأن يبين له أن الكل ملك لله سبحانه وتعالى له ما أخذ وله ما أعطى وأن كل شيء عنده بأجل مسمى معين لا يتقدم ولا يتأخر فالحزن والتسخط ونحو ذلك من الأشياء التي تنافي الشرع هي لا ترد قضاء ولا تزيل مصيبة والأحسن للإنسان أن يصبر ويحتسب وأحسن ما يعزى به الإنسان ما عزى به النبي عليه الصلاة والسلام ابنته من هذه الكلمات.
***
هذا مستمع للبرنامج من إربد العراق يقول في هذا السؤال هل قراءة سورة الفاتحة في التعزية جائزة؟

(195/43)

فأجاب رحمه الله تعالى: قراءة سورة الفاتحة في التعزية بدعة لا أصل لها وليعلم أن التعزية معناها التقوية أي تقوية المصاب على الصبر فإذا أصيب الإنسان بمصيبة بموت قريب أو صديق أو فقد مال أو غير ذلك من المصائب ورأيته متأثرا فإنه ينبغي لك أن تعزيه أي أن تقويه على تحمل الصبر على هذه المصيبة بما يناسب المقام وليس للتعزية ألفاظ مخصوصة ولكن يكون هذا على حسب المقام ومن أحسن ما يعزى به ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أرسل إلى إحدى بناته حيث قال (مرها فلتصبر ولتحتسب فإن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى) وذلك أن أحد بناته كان عندها طفل أو طفلة فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولا تطلب منه أن يحضر فقال النبي عليه الصلاة والسلام للرسول الذي جاء إليه (مرها فلتصبر ولتحتسب فإن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى) وأما التزام صيغة معينة وهي قول عظم الله أجرك وأحسن عزاءك وغفر لميتك فإن هذا لا أصل له.
***
من مصر يقول المرأة التي تقرأ القرآن بالمايكرفون مكبر الصوت في المآتم ما حكم ذلك مأجورين

(195/44)

فأجاب رحمه الله تعالى: أولا المآتم بدعة مخالفة لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأئمة المسلمين وفيها ضياع للوقت وضياع للمال وربما تؤخذ من تركة الميت وله ضعفاء فتؤخذ من ميراثهم وربما يكون فيها نياحة وغير ذلك مما حرمه الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ووظيفة الإنسان عند المصيبة أن يصبر ويحتسب الأجر من الله وأن يقول ما قاله الصابرون إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها فإذا قال ذلك آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها ولهذا أنصح إخواني المسلمين في أقطار الأرض كلها أن يتوبوا إلى الله من هذه المآتم وإقامتها وأن يصبروا ويحتسبوا وقراءة القرآن في هذه المآتم سواء من امرأة أو من رجل بدعة وأخذ الأموال عليه أكل للأموال بالباطل فلا يجوز أخذ المال على هذه القراءة وينهى عن القراءة في هذه المواطن لعدم ورودها عن الصحابة رضي الله عنهم والحاصل أن نقول المآتم كلها بدعة يجب إلغاؤها ثانيا القراءة فيها بأجرة محرمة وباطلة وليس فيها ثواب سواء كان القارئ رجلا أم امرأة ويتضاعف الأمر إذا كان القارئ امرأة.
***
ما حكم صنع الطعام من الجيران مثلا ثم يرسلونه لأهل الميت ولمدة ثلاثة أيام؟

(195/45)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا مشروع مرة واحدة بشرط أن يحصل لأهل الميت ما يشغلهم عن صنع الطعام لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما جاء نبأ جعفر بن أبي طالب (اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم) فقوله فقد أتاهم ما يشغلهم يدل على أن العلة في أنهم انشغلوا بهذه المصيبة وإذا زالت هذه العلة فإن المعلول ينتفي أي إذا لم يكن لأهل الميت ما يشغلهم عن إصلاح الطعام فإنه ينتفي صنع الطعام لهم وإرساله إليهم ثم إن ما يفعله بعض الناس ذاك اليوم من صنع أطعمة كثيرة وإرسال غنم كثير واجتماع أمم كثيرة عند أهل الميت لمدة ثلاثة أيام فإنه من البدع التي يجب بيانها للناس وإرشادهم إلى تركها لأن فيها ضياع وقت وضياع مال مخالفة للسنة وربما يكون فيها اختلاط بين الرجال والنساء وفيها إنشغال للناس عن الذكر المأمور به عند المصيبة وهو الاسترجاع أن يقول الإنسان إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها فيشتغلون بهذه الأمور المحسوسة عن الأمور الشرعية وهي الاسترجاع وأسأل الله أن يأجره على المصيبة وأن يخلف له خيرا منها وإنني في هذه المناسبة أوجه النصيحة لإخواني الذين اعتادوا هذه العادات وأقول اربعوا على أنفسكم اتبعوا ما كان عليه سلف الأمة فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا تتعبوا أنفسكم وغيركم بمثل هذه الأمور التي ما أنزل الله بها من سلطان هذا الأمر التي أنتم إلى الإثم أقرب منكم إلى السلامة فريحوا أنفسكم وريحوا أهليكم وريحوا أقاربكم وريحوا أصحابكم وتحصلون مع ذلك على موافقة هدي السلف الصالح.
***
أقرأ في مجالس الفواتح بما يسمى (الفراكيئيات) أي النياحة على الميت أمام أهله وحسب طلبهم فهل هذا العمل حلال أم حرام مع العلم بأنني أكسب رزقي من هذا العمل؟

(195/46)

فأجاب رحمه الله تعالى: النياحة على الميت من كبائر الذنوب ليست حراما فقط هي حرام وكبيرة من كبائر الذنوب لأن النبي صلى الله علية وسلم (لعن النائحة والمستمعة وقال النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب) فعليك أن تتوب إلى الله وأن تقلع عن هذا العمل واعلم أن ما كسبته من هذا العمل فإنه سحت محرم عليك إن نبت جسدك عليه فإنه كالنابت على الأموال الأخرى المحرمة واعلم أيضا أنك إذا اتقيت الله عز وجل وتركت هذا العمل لله فإن الله تعالى سوف يفتح لك من أبواب الرزق ما لم يكن لك في الحسبان قال تعالى (ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب).
***
بارك الله فيكم هل يجوز أن يحضر للتعزية أحد العلماء ليحمل أهل الميت على الصبر ويذكرهم بفناء الدنيا ويبين لهم فوائد الصبر ويسليهم بحيث يكون في مجلس التعزية روضة من رياض الجنة ؟

(195/47)

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس هذا من السنة أن يحضر واعظ في مجلس التعزية ليعظ أهل الميت ويسمعه الحاضرون بل إن الاجتماع للتعزية مكروه كما صرح بذلك كثير من العلماء بل أطلق بعضهم عليه أنه بدعة لذلك نحث إخواننا المسلمين على أن لا يفعلوا ذلك أي أن لا يجلسوا للتعزية يستقبلون الناس أولا لأن ذلك لم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا من هدي أصحابه وثانيا أن لسان حال هذا الجالس الذي فتح بابه للناس كأنه يقول يا أيها الناس ائتوا إلي فإني مصاب فعزوني وهذا أمر لا يليق بالعاقل بل الإنسان المصاب ينبغي له أن يتصبر ويتحمل دون أن يقول للناس بلسان الحال أو لسان المقال تعالوا عزوني وثالثا أن هذه المجالس قد بالغ فيها بعض الناس حتى أصبحوا يجعلونها كأنها حفل زواج، تمر في بعض المناطق في البيت مضاء بقناديل الكهرباء مفتوح الباب قد بسط بالرمل أو بالفرش وبالكراسي والناس هذا داخل وهذا خارج وكأنهم في محفل عرس وهذا لا شك أنه ليس من السنة بل إنه خلاف السنة قطعا بل إنه يجعل الناس يحسون بهذه الأمور إحساسا ظاهريا بدنيا يريدون أن يسلوا أنفسهم بهذه المظاهر فقط لا برجاء الثواب وتحمل الصبر لأن هذه عبارة عن سرور ظاهري جسدي فقط لكن إذا بقي البيت على ما هو عليه وبقي أهلهم على ما هم عليه وتصابروا فيما بينهم وحث بعضهم بعضا على الصبر كان هذا هو السنة ولهذا لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم (اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم) ولم يقل واذهبوا إليهم واجتمعوا إليهم وكلوا معهم إنما قال (اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم) يعني عن صنع الطعام لأن النفوس مهما بلغت لا بد أن تتكدر ولا سيما إذا كان المصاب جللا عظيما لكن كون الناس يجتمعون وتصنع الولائم وتبعث إليهم أو ربما يصنعونها هم فإن الصحابة يعدون صنع الطعام واجتماع الناس إليه من النياحة ولهذا

(195/48)

نقول لإخواننا خففوا على أنفسكم اربعوا على أنفسكم لا تكلفوها مثل هذه الأعمال التي لا تزيدكم إلا إيغالا في البدعة التي لم تكن معروفة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد أصحابه ونحن نقول هذا الكلام ونقول لمن سمعه إذا كان عندك شيء من سنة الرسول عليه الصلاة والسلام يؤيد هذا فاهده إلينا وأنت مشكور على ذلك ونحن بحول الله سننقاد له أما إذا لم يكن عندك شيء فلماذا تحدث أمرا لم يصنعه الرسول عليه الصلاة والسلام ولا أصحابه ألم تسمع قول الرسول عليه الصلاة والسلام )عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور) إذا فنقول لا تدع عالما يحضر مجلس أهل الميت من أجل أن يلقي فيهم المواعظ بل إذا رأينا أن بعض الناس قد بلغ به الحزن مبلغا عظيما فإننا نأتي إليه واحدا من العائلة أو واحدا من طلبة العلم المعروف عنده يأتي إليه ويتكلم معه كلاما عاديا في المجلس ويقول اتق الله اصبر احتسب فإن لله ما أخذ وله ما أبقى وكل شيء عنده بأجل مسمى هذا أمر مكتوب قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة والمكتوب لا بد أن يقع قال النبي عليه الصلاة والسلام (واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك) وتشددك في الحزن والبكاء لا يرفع من الأمر شيئا بل يزيد الأمر شدة ألم تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) فيأتي إنسان عادي بصفة عادية يتكلم مع هذا الذي بلغت به المصيبة مبلغا عظيما ويخفف عليه وأما الاجتماع وجلب الوعاظ للوعظ وما أشبه ذلك فكل هذا من البدع.
***
هل العزاء محدد بمكان معين؟

(195/49)

فأجاب رحمه الله تعالى: العزاء معناه تقوية المصاب على تحمل المصيبة وهو سنة إذا رأيت أخاك مصابا متأثرا بمصيبة أن تعزيه وتقويه وتذكره بما في الصبر من الأجر وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم لإحدى بناته (مرها فلتصبر ولتحتسب فإن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى) فيصبره ليهون عليه المصيبة وينسيه إياها أما ما يفعله بعض الناس عند العزاء من كونه يفتح بابه ويشعل اللمبات ويصف الكراسي ويأتي بالأطعمة وربما أتى بشخص يقرأ القرآن وما أشبه ذلك فإنه مما أحدثه الناس وهو من البدع التي تتضمن من المفاسد ضياع الوقت وضياع المال وبيع القرآن إذا أتوا بقارئ يقرأ بأجرة وربما تكون سببا للنياحة والندب ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يرون الاجتماع إلى أهل الميت وصنع الطعام من النياحة والنياحة من كبائر الذنوب لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لعن النائحة والمستمعة وقال النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب) والتعزية لا تختص بمكان، يعزى الإنسان في المسجد يعزى في السوق يعزى في المدرسة لأن المقصود من التعزية وحقيقة التعزية أن الإنسان إذا رأى أخاه مصابا متأثرا يقول لأخيه اصبر احتسب فإن لله ما أخذ وله ما أعطى أو ما أبقى وكل شيء عنده بأجل مسمى وما حدث لا يمكن أن يتغير ولا يمكن أن يتقدم أو يتأخر ولا يزيدك الحزن إلا بؤسا وما أشبه ذلك من الكلمات التي تحمله على الصبر واحتساب الأجر وترك التحزن.
***
قراءة القرآن ثلاثة أيام في منزل الميت وذبح الذبائح يوم الوفاة؟

(195/50)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه من البدع من البدع المحرمة وإضاعة أموال وتجديد أحزان ولم يكن من عادة السلف الصالح رضي الله عنهم أن يجتمعوا في بيت الميت ليتلقوا العزاء وإنما هذه أمور محدثة ولا ريب أن هدي السلف الصالح هو الأكمل والأفضل فأدعو إخواني المسلمين في كل مكان إلى أن يلتزموا بهدي السلف الصالح فإن ذلك خير والالتزام بهديه هو الذي عناه الله عز وجل بقوله (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان) فلا بد من أن نتبعهم بإحسان لا نتجاوز طريقتهم ولا ننقص عنها.
***
حفظكم الله يقول هذا السائل في بلدتنا إذا توفي شخص يأتون الأقارب بعد دفنه برجل يقرأ القرآن مقابل بعض المال لمدة ثلاثة أيام أيام العزاء فما رأي فضيلتكم في هذا العمل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: رأينا أنه عمل بدعي وأنه لا ينفع الميت ولا ينفع الحي لأن هذا الرجل القارئ يأتي يقرأ بأجرة وأخذ الأجرة على قراءة القرآن يبطل الثواب وحينئذ تبقى قراءة هذا الرجل بدون ثواب فلا ينتفع بها الميت وإذا كان العوض من التركة وفي الورثة من هو قاصر صار في هذا تحريم آخر وهو إتلاف مال القاصر بغير حق والواجب ترك هذه العادة وترك الاجتماع عند أهل الميت ؛ الميت راح وذهب وموقفنا أن نقول إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها.
***

(195/51)

السائلة حنان من الدوحة قطر تقول لقد تعود الناس عندنا إذا توفي أحد أفراد العائلة يجتمع الناس للعزاء في الثلاثة الأيام الأولى ويقرؤون في هذه الفترة القرآن الكريم ويكملون ما يستطيعون من ختمات للقرآن يتجمعون بعدها ويقرأ أحد الشيوخ أو أحد النسوة دعاء ختم القرآن يأخذونه من كتاب اسمه دعاء ختم القرآن من تأليف أحمد بن محمد البراك ويقول هذا المؤلف إنه كتب هذا الكتاب في الهند وداعا لشهر رمضان لينتفع به المسلمون وفيه دعاء أول السنة وآخرها ودعاء ليلة النصف من شعبان واستوقفتني هذه الجملة لعلمي بضعف الأحاديث الواردة في تخصيص ليلة النصف من شعبان ثم يذكر في الكتاب كجزء من الدعاء سورة الفاتحة وآيات من سورة البقرة وآل عمران وسور أخرى ومن الكلام الذي ورد فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي أسلم قال من يشهد يا محمد أن ما تقول صدق فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم شجرة من شاطئ الوادي الأيمن فجاءت إليه وهي تشق الأرض شقا فاستشهدها رسول الله وقال لها يا شجرة من أنا قالت أنت رسول الله حقا فغادرت إلى مكانها معلنة له بالرسالة نطقا وقول آخر عن رسول الله أنه أجار البعير وضمن الغزالة وكلمه الضب وخاطبه الثعبان وأخضر العود اليابس في كفه ويكرر هذا الدعاء بعدد الختمات التي تمت للقرآن فيسألون الله فيه أن يكون ثوابه صدقة للميت فهل تجوز القراءة للميت وما مدى صحة ما ورد في هذا الكتاب أفيدونا بما تعلمون حول هذا الأمر جزاكم الله خيرا؟

(195/52)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الكتاب الذي أشارت إليه السائلة لم يكن عندي منه شيء ولا أعلم به ولكن ما ذكر من اجتماع أهل الميت للعزاء ثلاثة أيام وقراءة القرآن وإهداء ثوابه إلى الميت فإن هذا من البدع التي لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد كره أهل العلم أن يجتمع الناس للعزاء في بيوتهم أو في مكان خاص والغالب أنه إذا حصل مثل هذا الاجتماع ولا سيما اجتماع النساء الغالب أنه لابد أن يكون مصحوبا بنياحة أو ندب وكلاهما محرم (فإن النبي صلى الله عليه وسلم لعن النائحة والمستمعة) وعلى هذا فالواجب على المسلمين التخلي عن هذه البدع وأن ينظروا إلى طريقة من سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ويتمشوا على طريقتهم ولاشك أن الصحابة رضي الله عنهم قد أصيبوا بالأموات كغيرهم من الناس ولم يكن يحدث منهم ذلك وغاية ما ورد في هذا أنه لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم (اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم) وأما إهداء القرآن إلى الميت أو قراءة القرآن للميت فإن أهل العلم اختلفوا هل يصل ثوابها إليه أم لا والصحيح أنه يصل ثوابها إليه ولكن استئجار من يقرأ القرآن له هذا هو الذي يكون حراما لأن قراءة القرآن قربة والقربة لا يصح أخذ الأجرة عليها فلو استأجروا شخصا يقرأ القرآن للميت فإن عقد الإجارة محرم والقارئ لا يملك الأجرة بذلك وليس له ثواب من قراءته لأنه أراد بها غير وجه الله والميت لا ينتفع بها حينئذ لأنها ليست مقبولة يترتب عليها الأجر والثواب وحينئذ يكون أهل الميت الذين بذلوا هذه الدراهم خاسرين وقد فات الميت ما يرجونه من الثواب وأما ما ذكره من الآيات التي أشار إليها الآيات التي تدل على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فالآيات الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة وأعظمها هذا القرآن العظيم الذي لا يزال معجزة حتى يأتي أمر الله عز وجل وقد ثبت للنبي صلى الله

(195/53)

عليه وسلم من الآيات الكونية الأرضية والأفقية شيء كثير من أراد أن يراجعه فليرجع إلى ما ذكره أهل العلم في ذلك مثل البداية والنهاية لابن كثير مثل ما ختم شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه الجواب الصحيح به فإن فيه مقنعا وكفاية.
***
المستمع مصطفى عمر من ليبيا يقول في سؤاله ما حكم الشرع في نظركم في هؤلاء الناس الذين يقرؤون القرآن على الميت في بيته يأكلون الطعام ويقولون هذه صدقة أرجو إفادة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أقول إن حبس الميت في بيته بعد تجهيزه خلاف السنة والسنة أن يبادر أهل الميت بدفنه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (اسرعوا بالجنازة فإن تكن صالحة فخير تقدمونها إليه وإن تكن سوى ذلك فشر تضعونها عن رقابكم) فلا ينبغي أن يحبس الميت في بيته ثم إن حبسه في بيته إذا انضم إلى ذلك أن يقرأ عليه كان هذا أشد وأشد لأن القراءة على الميت بعد موته من البدع فهاهم الصحابة رضي الله عنهم ما كانوا يقرؤون على موتاهم بعد موتهم فإنما كانوا يجهزونهم ويصلون عليهم ويدفنونهم حتى إن امرأة كانت تقم المسجد التي ماتت في الليل فجهزوها في الليل وصلوا عليها ودفنوها فلما سأل عنها النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه أنها ماتت ليلا وأنهم كرهوا أن يخبروه بذلك فقال عليه الصلاة والسلام (دلوني على قبرها) فدلوه فلما وصل إلى القبر صلى عليها عليه الصلاة والسلام ولم يقرأ عليها ولم يدع لها دعاء جماعيا بل صلى عليها صلاة الجنازة وانصرف هذا هو السنة وإني أدعوا إخواني المسلمين أدعو كل من سمع كلامي هذا أن لا يعملوا بما هم عليه الآن حتى يعرضوه على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وطريقة الصحابة من الخلفاء الراشدين وغيرهم لأن هذا هو الذي أمرنا به قال الله تعالى (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء

(195/54)

الراشدين المهديين من بعدي) فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المتمسكين بسنته القائمين بشريعته وأن يتجاوز عنا ويعفو عنا إنه جواد كريم.
***
السائل حسن محمد من اليمن يقول في قريتنا البعض من النساء إذا مات زوجها تقوم بدفع مبالغ كبيرة لقاريء القرآن كأجرة له على أن يقرأ القرآن على الميت كاملا فما حكم الشرع في نظركم في هذا العمل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا العمل محرم على القارئ وعلى باذل المال أما تحريمه على القارئ لأنه أراد بالعمل الصالح نصيبه من الدنيا وقد قال الله تبارك وتعالي (فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق) أي من نصيب وقال تعالى (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون (15) أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون) وأما الباذل فوجه التحريم في حقه أنه أعان على محرم وأغرى هذا القارئ لقراءة محرمة ثم إن الميت لن ينتفع بهذه القراءة لأنها قراءة لا ثواب فيها ولا أجر فيكون بهذا قد أضاع المال وبذله في غير فائدة وإذا كان المال من التركة وللميت وصية بالثلث صار جناية على الميت بنقص ثلثه وإذا كان من التركة وللميت ورثة صغار كان ذلك جناية على الورثة الصغار ولهذا نقول لهذه المرآة ولغيرها ممن يعمل عملها اتقوا الله في أموالكم اتقوا الله في إخوانكم الذين أغريتموهم أن يقرؤوا القرآن الذي لا فائدة لهم منه ولا فائدة للميت منه ابتغاء ثواب الدنيا (ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين).
***

(195/55)

قراءة القرآن بعد موت الميت في المسجد لمدة ثلاثة أيام من بعد صلاة المغرب إلى وقت الأذان بأن يجتمع الناس مع أهل الميت في المسجد ويقرأ كل شخص لوحده في هذه الثلاثة أيام ما يتيسر؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا من البدع المنكرة التي يجب على أهل العلم أن يبينوها للناس ويحذروهم منها لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حذر منها فقال (إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة) والعلماء ورثة الأنبياء فعليهم أن يبينوا للناس ما بينه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليحققوا بذلك إرث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عبادة ودعوة.
***
السائل من السودان يقول هل تجوز قراءة القرآن على الأموات وذلك في المآتم التي تعمل لهم وقد يستمر هذا المأتم لمدة ثلاثة أيام وكذلك نرجو من فضيلتكم أن تبينوا لنا هل هذه المآتم التي تقام للأموات جائزة؟

(195/56)

فأجاب رحمه الله تعالى: المآتم التي تقام للأموات أدنى ما يقال فيها أنها مكروهة لأنها بدعة لم تكن من عادة السلف الصالح وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (كل بدعة ضلالة) وما ينفق فيها من الأموال إن كان من تركة الميت وفيهم صغار فإن ذلك جناية على الصغار وأكل لأموالهم بالباطل ثم إن ما يقرأ فيها وما يتلى من كتاب الله ليس فيه أجر لأن غالب القراء الذين يقرؤون إنما يقرؤون بأجرة والقارئ إذا قرأ القرآن بأجرة لم يكن له ثواب عند الله وثوابه ما ناله من أمر الدنيا وإذا لم يكن له ثواب عند الله لم ينتفع الميت بقراءته لأنه ليس فيها أجر فصار إعطاؤه الأجرة إتلاف للمال وإضاعة له وقد (نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن إضاعة المال) وإن قدر إن هذا القارئ متبرع فإن حضوره لهذا المأتم خطأ وإقرار للبدعة ثم إن العلماء قد اختلفوا هل ينتفع الميت بقراءة الحي فمنهم من قال إنه ينتفع ومنهم من قال إنه لا ينتفع وإن نصيحتي لإخواني الذين يصنعون هذه المآتم أن يتقوا الله عز وجل وألا يتعدوا منهج السلف الصالح فكله خير وقد قال جرير بن عبد الله (كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنع الطعام من النياحة) والنياحة من كبائر الذنوب لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لعن النائحة والمستمعة) بل عليهم أن يصبروا ويحتسبوا الأجر من الله عز وجل ويغلقوا بيوتهم ولا يستقبلوا أحدا من المعزين إلا الأقارب الخاصين فيمكن أن يدخلوا ويعزوا أقاربهم وأما فتح الباب للناس فإن ذلك ليس من هدي السلف الصالح.
***

(195/57)

جزاكم الله خيرا فضيلة الشيخ من تشاد السائل موسى يحيى يقول في هذا السؤال نحن عندنا إذا مات الشخص نجتمع في بيت الميت أو في بيت أحد أقربائه لمدة ثلاثة أيام فإذا جاء أحد للتعزية جمع كفيه يقرأ سورة الإخلاص سبع مرات أو عشر مرات ثم يقلب كفيه على الأرض ثم يقول اللهم اغفر له وارحمه ثم يمد يده مرة ثانية ويقرأ سورة الفاتحة ويمسح على وجهه ما حكم فعل هذا الأمر جزاكم الله خيرا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الاجتماع للعزاء مكروه بدعة وإذا حصل معه إطعام المجتمعين صار من النياحة قال جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه (كانوا يعدون الاجتماع إلى أهل الميت وصنع الطعام من النياحة) ولم يكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا خلفاؤه الراشدون ولا أصحابه المهتدون فيما نعلم لم يكونوا يجتمعون يتلقوا معزين أبدا غاية ما في الأمر أنه لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم) ولم يجتمع إلى آل جعفر علي بن أبي طالب وهو أخوه ولا النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن عمه ولا أحد من أقاربه فيما نعلم لم يجتمع إلى آل جعفر ليأكلوا من هذا الطعام ولا شك أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأن شر الأمور محدثاتها والتعزية من العبادة والعبادة لابد أن تكون على وفق ما جاءت به الشريعة وقد صرح بعض أهل العلم بأن الاجتماع بدعة وصرح فقهاؤنا الحنابلة رحمهم الله في كتبهم بأن الاجتماع مكروه ومن العلماء من حرمه وإنك لتعجب في بعض البلدان أنه إذا مات لهم ميت وضع السرادقات الطويلة العريضة وعليها أنوار كثيرة الكاشفة وما دون الكاشفة والكراسي وهذا يدخل وهذا يخرج كأنما هم في وليمة عرس أو أشد من قال هذا؟! من فعل هذا؟! أليس لنا أسوة حسنة في محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله والذين معه ولهذا نجا الله بعض البلاد من هذه البدعة المكلفة ماليا المهلكة

(195/58)

للزمن وقتيا المتعبة للأبدان حتى إنهم يأتون من أطراف البلاد إلى هذا الاجتماع سبحان الله لو كان هذا مشروعا على سبيل الوجوب أو الاستحباب لرأيت أنه ثقيل على النفوس لكن لما كان مما لم يأمر الله به ورسوله صار هينا على النفوس فتجد الناس يأتون من بعيد ليجتمعوا لأهل الميت أما ما ذكره السائل من قرآءة الفاتحة وسورة الإخلاص وهذه الأذكار فهي لا تزيد الأمر إلا شدة ولا تزيده إلا بعدا من السنة فهي بدعة فإذا قال قائل إذا أنكرت هذا فكيف نعزي الناس الجواب التعزية ليست واجبة حتى نقول لابد منها وأنها ضرورة التعزية سنة ولا تكون أيضا إلا للمصاب الذي نعلم أنه تأثر لموت هذا الميت فنذهب إليه بدون أن يفتح الباب ويجمع الناس نذهب إليه إذا كان من أقاربنا الذين لابد أن نذهب إليهم وأننا لو لم نذهب لقيل هذا قاطع نذهب إليه ونقول يا أخي اتق الله واصبر واحتسب وأقول نذهب إليه ليس على سبيل الاستحباب لكن خوفا من القطيعة وإلا فهاهو النبي عليه الصلاة والسلام أرسلت إليه إحدى بناته تخبره أن طفلا لها أو طفلة في سياق الموت فجاء رسول ابنته إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يخبره ويطلب منه أن يأتي فقال له الرسول (مرها فلتصبر ولتحتسب فإن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى) ثم عاد الرسول وقال إنها تلح على أن تأتي فذهب إليها الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يحضر لكن لما كان الناس الآن اعتادوا بأنه لابد للأقارب القريبين من أن يأتوا ليعزوا أهل الميت صار ترك هذا قد يعد قطيعة للرحم ويكون الإنسان لوكا للألسن فيذهب ليدرأ عن نفسه مغبة الغيبة فيكون إتيانه هنا لا على سبيل أن هذا تطوع مأمور به ولكن على سبيل أنه درء للمفسدة فقط بدون أن يكون هناك فتح باب هذا يدخل وهذا يخرج لا أنا قريبه وأنا أخوه أنا ابن عمه أنا عمه أنا خاله القريب. القريب اذهب إلى البيت وأستأذن وأدخل وأغلق الباب وتكلم معهم إذا رأيت إنهم تأثروا تأثرا كثيرا

(195/59)

وأحيانا لا يتأثر أهل الميت بالميت لأي سبب من الأسباب وليس هذا موضع التمثيل بشيء لكن أحيانا لا تجدهم متأثرين هؤلاء لا يعزون لأن التعزية معناها تقوية المصاب على تحمل المصيبة هذا معنى التعزية فالحاصل أننا نسأل الله تعالى أن يهدينا وإخواننا المسلمين لما فيه الخير والصلاح.
فضيلة الشيخ: التلفون يكفي في ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يكفي التلفون في ذلك فيمن لا يرى أن من حقه أن تأتي إليه بنفسك كالأقارب القريبين الذين ذكرناهم آنفا.
***
هل تجوز قراءة القرآن بعد دفن الميت ببيت الميت أو في أي مكان والاجتماع على القراءة أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الاجتماع على القراءة بعد دفن الميت سواء في بيت الميت أو في المسجد أو في بيت رجل آخر بدعة فإن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يفعلون ذلك بل اجتماع أهل الميت من تلقي المعزين مكروه عند أهل العلم فإن اقترن به أن يؤتى بالذبائح والولائم ويجتمعون إليها فإنه يكون من باب النياحة التي قال عنها جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه (كانوا يعدون الإجتماع إلى أهل الميت وصنع الطعام من النياحة) لهذا نحذر إخواننا من تعاطي هذه الأشياء وأن ينهجوا في تعزيتهم منهج السلف الصالح حيث أن الواحد يعزى متى وجده الإنسان عزاه ولم يكن أحد من السلف الصالح يفتح بابه للمعزين الذين يأتون من أطراف البلاد وربما يأتون من بلاد أخرى ويتكلفون المشاق حتى إنه لو تخلف أحدهم عن ذلك لعده الناس قاطعا لرحمه أو عدوه من الجفاة الذين لا يهتمون بهذه الأمور.
***

(195/60)

حمل الميت ودفنه - الدفن
يقول في هذا السؤال سمعنا أن كل إنسان بمشيئة الله تعالى يدفن في المكان الذي خلق منه هل هذا صحيح يا فضيلة الشيخ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا أعلم لهذا أصلا من الكتاب والسنة أن الإنسان يدفن في المكان الذي خلق منه لكن على سبيل العموم قال الله تعالى في الأرض (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) والإنسان لا يدري بأي أرض يموت لقوله تعالى (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت).
***
هذه سائلة للبرنامج تقول ما حكم قراءة القرآن على الميت قبل الدفن وبعده وهل يجوز أن أقرأ سورة يس على الميت بسبب أنها تهون عليه من سكرات الموت وتخفف عنه من عذاب القبر؟

(196/1)

فأجاب رحمه الله تعالى: القراءة على الميت بدعة ليس لها أصل من السنة ولا من عمل الخلفاء الراشدين فيما نعلم وإنما يدعى للميت بعد الموت كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل على أبي سلمة رضي الله عنه وقد شق بصره وخرجت روحه فقال عليه الصلاة والسلام (اللهم اغفر لأبي سلمة وافسح له في قبره ونور له فيه وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه) ثم أغمض صلى الله عليه وسلم عينيه أي عيني أبي سلمة فرج الناس من أهله فقال عليه الصلاة والسلام (لا تدعو على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون) وهذا يدل على الترغيب في الدعاء للميت حين موته فأما قراءة القرآن عليه فلا أصل لها أما قراءة يس على المحتضر يعني على الذي في سياق الموت فهي مسألة اختلف فيها بناء على الحديث الوارد فيها فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يروى عنه (اقرؤوا على موتاكم يس) وذكر أهل العلم أن من فوائد قراءتها أنها تخفف النزع على الميت ولا أعلم أن أحدا قال إنها تخفف من عذاب القبر لكن بعض أهل العلم ضعف هذا الحديث وإذا كان الحديث ضعيفا فلا حجة فيه ثم إذا قلنا باستحباب قراءتها على الميت فإنه إن عرف الإنسان أن الميت قوي العزيمة رابط الجأش فليقرأها بصوت مسموع وإن كان يخشى أن المريض المحتضر ينزعج إذا سمع قراءة يس فإنه يقرؤها بصوت خفيف.
***
جزاكم الله خيرا هذا السائل يقول الذي يموت في بلاد بعيدة عن أهله وأقاربه ويدفن في تلك البلاد التي لا يوجد له أقارب فيها هل هذا يضره بشيء أم لا؟

(196/2)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا لا يضره بشيء لأن الإنسان مهما كان دفنه في أي أرض سوف يبعث يوم القيامة من مكانه ولهذا لا ينبغي للميت أن يوصي قبل موته بأن يدفن في البلد الفلاني أو البلد الفلاني لما في ذلك من الأتعاب والإرهاق لأهله ووصيته بهذا لا يلزم تنفيذها لأنها متعبة من وجه ولا نعلم أحدا من السلف فعلها فيما إذا كانت البلاد الأخرى بعيدة أما لو مات في ضواحي البلد وأوصى أن يدفن في البلد نفسها فهذا لا بأس به لكن ما يحتاج إلى سفر فإن هذا ليس من عمل السلف فيما أعلم والإنسان سيجد من نعيم القبر وعذاب القبر ما يستحقه سواء دفن في بلده أو في بلد آخر.
***
بارك الله فيكم بالنسبة للوصية إذا أوصى الميت بنقله إذا مات إلى قرية معينة أو مكان معين
فأجاب رحمه الله تعالى: نقول الأولى ألا يوصي الإنسان بدفنه في مكان معين ولا سيما مع البعد والمشقة لأن ذلك يحرج من وراءه من الأقارب وغيرهم وأرض الله واحدة وسواء في الشرق أو في الغرب وإن كان بعض البقع التي عرف أن الرسول عليه الصلاة والسلام اختار الدفن فيها كالبقيع مثلا تكون أفضل لكن لا نقول إن الإنسان ينقل من بلد بعيد إلى البقيع إنما لو كان حول المدينة و أوصى أن يدفن في البقيع بدون مشقة فهذا لا بأس به.
***
المستمعة من حفر الباطن تقول هل يجوز للمسلم أن يكتب في وصيته مكان دفنه أم لا يا شيخ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز للمسلم أن يوصي بدفنه في مكان معين ولكن لا ينبغي للمسلم أن يفعل ذلك لما فيه من إرهاق من بعده والتعب عليهم وأرض الله سبحانه وتعالى كلها واحدة فالأولى للإنسان أن يدع هذا الأمر إلى ما يتيسر لمن بعده في أن يدفن في المحل الذي يقدر الله عز وجل أن يدفن فيه ويدفن مع المسلمين فالقبر إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار في أي مكان دفن الإنسان.
***

(196/3)

هذه الرسالة وردتنا من الأردن يقول فيها الأخ خليل زيد محمد النعامي هل يجوز بناء القبر، وإذا لم يجز أفيدوني ماذا أفعل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا أدري هل يريد ببناء القبر اتخاذ مكان للإنسان يدفن فيه مبنيا، أو أنه يريد ببناء القبر البناء عليه، فإن كان الأول وهو أن يتخذ مكانا يدفن فيه فإن السنة هو أن يكون القبر ملحدا، أي أن تحفر حفرة ويجعل في مقدمة القبر من ما يلي القبلة حفرة أخرى بمقدار جسم الميت يدفن فيها فإن هذا هو السنة التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا فمن اتخذ قبرا مبنيا ببناء فإنه يكون مخالفا للسنة وأما إذا كان يريد البناء على القبور فإن هذا محرم وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم لما فيه من تعظيم أهل القبور وكونه وسيلة وذريعة إلى أن تعبد هذه القبور وتتخذ آلهة مع الله كما هو الشأن في كثير من الأبنية التي بنيت على القبور فأصبح الناس يشركون أصحاب هذه القبور مع الله سبحانه وتعالى.
***
بارك الله فيكم يقول فضيلة الشيخ التعجيل في دفن الميت هل هو سنة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم التعجيل في دفن الميت وفي تجهيزه أيضا كتغسيله وتكفينه والصلاة عليه من السنة لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (أسرعوا بالجنازة) ولأن الميت إذا كان من أهل الصلاح فإن روحه تقول قدموني قدموني تريد أن تصل إلى باب الكرامة لكن لا بأس أن ينتظر به ساعات لانتظار كثرة الجمع عليه وأما ما يفعله بعض الناس اليوم من كون الميت يموت ثم ينتظر قريبه الذي يقدم من أمريكا أو من غيرها من البلاد البعيدة وربما يبقى يومين أو ثلاثة فهذا جناية على الميت وغير مشروع بل نقول يدفن الميت وإذا جاء قريبه صلى على قبره.
***
ما المشروع عمله يا فضيلة الشيخ في أثناء الدفن؟

(196/4)

فأجاب رحمه الله تعالى: المشروع في الدفن أن يوضع الميت على جنبه الأيمن مستقبلا القبلة وأن يغطى باللبن وأن يدفن عليه التراب ويدخلوه في القبر ممن يعرف كيفية الدفن سواء كان من محارم المرأة أو من غير محارمها.
***
السائل سعد عبدالوهاب من خميس مشيط يقول في هذا السؤال عندما يموت الشخص ويوضع في قبره هل يشعر بذلك وهل يعلم بأنه انتقل إلى الدار الآخرة وهل يذكر أهله وأولاده؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما كونه يشعر أنه انتقل إلى الدار الآخرة فيشعر من حيث أن يأتيه ملك الموت ليقبض روحه ويعلم أن روحه خرجت من جسده بنظره إليها فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الروح إذا قبضت تبعها البصر ولهذا يشخص بصر الميت - دخل النبي صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة رضي الله عنه وقد شق بصره يعني انفتح فأغمضه النبي عليه الصلاة والسلام وقال (إن الروح إذا قبض أتبعه البصر) ثم قال (اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين وافسح له في قبره ونور له فيه واخلفه في عقبه) دعا له بخمس دعوات عظيمة عظيمة (اللهم اغفر له وارفع درجته في المهديين وافسح له في قبره ونور له فيه واخلفه في عقبه) وما كان في الدنيا فقد أدرك فإن الله تعالى خلفه في عقبه بأن تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة بعد انقضاء عدتها ثم صار أولاد أبي سلمة في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فخلفه النبي صلى الله عليه وسلم في عقبه واستجابة لدعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والحاصل أن الميت يدري أنه مات وأنه انتقل إلى الدار الآخرة أما كونه يدري إذا وضع في قبره أو ما أشبه ذلك فهذا لم يرد فيه فيما أعلم سنة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو من أمور الغيب التي لا يجوز الجزم بها إلا بنص من الكتاب والسنة الصحيحة.
***
السائل: ما هو القرين وهل يرافق الميت حتى في قبره؟

(196/5)

فأجاب رحمه الله تعالى: القرين هو شيطان مسلط على الإنسان بإذن الله عز وجل يأمره بالفحشاء وينهاه عن المعروف كما قال الله عز وجل (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء) ولكن إذا من الله على العبد بقلب سليم صادق متجه إلى الله عز وجل مريد للآخرة مؤثر لها على الدنيا فإن الله تعالى يعينه على هذا القرين حتى يعجز عن إغوائه ولذلك ينبغي للإنسان كلما نزغه من الشيطان نزغ فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم كما أمر الله , قال الله تعالى (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم) والمراد بنزغ الشيطان أن يأمرك بترك الطاعة أو يأمرك بفعل المعصية فإذا أحسست من نفسك الميل إلى ترك الطاعة فهذا من الشيطان أو الميل إلى فعل المعصية فهذا من الشيطان فبادر بالاستعاذة منه يعذك عز وجل وأما كونه أي هذا القرين يمتد إلى أن يكون مع الإنسان في قبره فلا فالظاهر والله أعلم أنه بموت الإنسان يفارقه لأن مهمته التي كان مسخرا لها قد انتهت إذ أن الإنسان إذا مات انقطع عمله كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم (إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له).
***
ما حكم تلقين الميت بعد دفنه وذلك على القبر بأن يقال له يا عبد الله اذكر العهد الذي خرجت عليه إذا جاءك الملكان فقل لهما الله ربي ومحمد نبيي والقرآن إمامي والإسلام ديني وغير ذلك؟

(196/6)

فأجاب رحمه الله تعالى: تلقين الميت بعد دفنه مبني على حديث أبي أمامة رضي الله عنه وقد تنازع الناس في صحته والصواب أنه حديث ضعيف لا تقوم به حجة وأن تلقين الميت بعد دفنه بدعة لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا عن أصحابه في حديث يركن إليه وإنما ورد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل) فيقف بعد الدفن على القبر ويقول اللهم اغفر له اللهم اغفر له اللهم اغفر له اللهم ثبته اللهم ثبته اللهم ثبته ثلاث مرات ثم ينصرف وإنما اخترنا أن يقوله ثلاث مرات لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان غالبا إذا دعا يكرر الدعاء ثلاث مرات وأما تلقينه بما ذكر السائل يا فلان ابن فلانة ينسبه إلى أمه اذكر ما خرجت عليه من الدنيا من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ...الخ فهو حديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم.
***
أحسن الله إليكم وبارك فيكم من الأمارات العربية المتحدة العين هذا السؤال يقول ما رأيكم فيمن يلقنون الميت بعد دفنه وهم يحتجون بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد لقن ابنه إبراهيم بعد دفنه؟

(196/7)

فأجاب رحمه الله تعالى: رأينا أن تلقين الميت بعد دفنه ليس بصحيح ولم ترد به سنة صحيحة لا في إبراهيم رضي الله عنه ولا في غيره وأما حديث أبي أمامة المشهور فإنه حديث ضعيف لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإنما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل) ولم يقل لقنوه ثم إن تلقين الميت لا فائدة منه في الواقع لأن الميت لا يسمع مثل هذا ولن يجيب إذا كان ليس على إيمان مهما لقن لا يجيب إذا كان على غير إيمان أي إذا مات على غير إيمان فإنه لا يمكن أن يستجيب بالصواب وإذا مات على الإيمان فإنه يجيب بالصواب سواء لقن أم لم يلقن والخلاصة خلاصة الجواب أنه لا مشروعية لتلقين الميت بعد دفنه وأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا في ابنه ولا غيره.
***
السائل من اليمن يقول هل ورد في السنة أنه بعد الدفن يقوم رجل بتلقين الميت؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لم يصح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما فيه حديث عن أبي إمامة (أنه يلقن ويدعى بأمه ويقال له اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله) إلى آخره ولكن هذا الحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإنما السنة جاءت بأن يقف على القبر ويستغفر للميت ويسأل الله له التثبيت فيقول اللهم اغفر له اللهم اغفر له اللهم اغفر له اللهم ثبته اللهم ثبته اللهم ثبته فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل) ويكون هذا الدعاء أفرادا بمعنى أن كل واحد يدعو به للميت دون أن يكون بصوت واحد.
***
بارك الله فيكم هذا المستمع من الجزائر سرير الحاج عبد القادر من المحمدية يقول فضيلة الشيخ هل يجوز قراءة القرآن أثناء الدفن وهل يجوز رفع الصوت بذكر أو قراءة قرآن؟

(196/8)

فأجاب رحمه الله تعالى: قراءة القرآن على القبر ليست مشروعة ولم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقرأ على القبر حين دفنه أو أن يقرأ على القبر حين دفن الميت ولا أن يرفع صوته بالذكر وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولكنه صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا دفن الميت وقف على القبر قال (استغفروا لأخيكم وأسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل) فيسن عند دفن الميت إذا فرغ منه أن يقول اللهم اغفر له اللهم ثبته اللهم اغفر له اللهم ثبته اللهم اغفر له اللهم ثبته ثم ينصرف هذا هو المشهور و أما الذكر بصوت مرتفع أو بأمر الناس بذلك اذكروا الله أو يقف عند الجنازة أو عند القبر ويقول ما تقولون في فلان من أجل أن يثنوا عليه خيرا فإن هذا كله ليس من السنة بل هو من البدعة.
***
بارك الله فيكم هذه رسالة وصلت من محمد أحمد من السودان المستمع يقول في سؤاله هل تجوز الموعظة بعد الدفن بعد دفن الميت نشاهد بعض الإخوان يقوم بالحديث أو بتقديم موعظة بعد الانتهاء من الدفن وهل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الموعظة قبل الدفن أو بعد الدفن نرجو بهذا إفادة؟

(196/9)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا أعلم في هذا سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام إذا دفن الميت قام يعظ الناس ولكنه صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل) هذا هو الذي ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام وغاية ما خرج عن الموعظة أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم في جنازة رجل من الأنصار فأنزله إلى القبر ولما يلحد يعني لم يتم لحده فجلس الناس وجلس النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حوله وجعل ينكت بعود في يده الأرض ثم حدثهم عليه الصلاة والسلام عن حال الإنسان واحتضاره هذا هو غاية ما سمعت من الموعظة ومن المعلوم أن هذه ليست موعظة مقصودة بذاتها وإنما لما كانوا جالسين ينتظرون لحد القبر وعظهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس معهم موعظة جالس كالمتحدث و ليس قائما يعظ بصوت مرتفع كأنه خطيب وهنا فرق بين هذا وهذا وفرق بين الشيء العارض وبين الشيء الدائم المستمر قد يقول قائل إن الناس في هذه الحال وعند دفن هذا الميت وفي المقبرة أقرب إلى لين القلب وقبول الموعظة فينبغي أن نستغل هذا الموقف فيقال هذا طيب ولكن ما دمنا لم نجد سلف لنا في هذه المسألة من النبي صلى الله عليه وسلم ولا من أصحابه وهم أحرص الناس على بذل النصيحة وعلى تحري المواقف التي تكون فيها النصيحة أنفع وأنجع فإنه لا ينبغي لنا أن نتقدم بمثل هذا فالمهم أننا نعرف الفرق بين الشيء الراتب والدائم الذي يقوم الإنسان كأنه خطيب بين الناس يعظ يتكلم وبين الشيء العارض يتحدث فيه الإنسان تحدث الجالس ولهذا نقول لو أن الناس جلسوا ينتظرون لحد القبر وإصلاحه وما أشبه ذلك وتكلم أحد بما يلين القلب فإن هذا بلا شك لا بأس به فيجب التفريق بين الشيء العارض والدائم والشيء الذي يكون بصفة خطيب واعظ والشيء الذي يكون بصفة متحدث يتحدث إلى من حوله حديث الجالس إلى جلسائه.
***

(196/10)

بالنسبة للوعظ عند القبور ماذا تقولون أو عند الدفن ماذا تقولون فيه بارك الله فيكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نقول فيه إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يفعله أحيانا لكنه ليس يفعله على سبيل الخطابة بحيث يقوم ويعظ الناس بصوت مرتفع والمحفوظ عنه أنه أتى مرة إلى البقيع وهم يدفنون جنازة فجلس وجلس الناس حوله فجعل ينكت بعود ووعظهم عليه الصلاة والسلام وكذلك وعظ عند القبر حيث قال (ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار) لكنه ليس على سبيل الخطابة ولا أعلم إلى ساعتي هذه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو أحدا من الصحابة قام يعظ الناس عند الدفن على وجه الخطابة.
***
بالنسبة للوعظ عند الدفن يا فضيلة الشيخ وهناك أحكام متعلقة بالدفن لعلكم توجهون المستمعين لها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الوعظ عند الدفن إن كان وعظا عاديا بمعنى أن الإنسان جالس ينتظر تلحيد الميت وحدث أصحابه بما يلين قلوبهم فهذا خير فعله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأما أن يقوم خطيبا في الناس فلا لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يقوم خطيبا في الناس بعد الدفن ولا حال الدفن ولو كان ذلك من الأمور المشروعة لكان أول من يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما لم يفعله علم أنه ليس من السنة لكن الإنسان الجالس الذي حوله أناس فيحدثهم لا يقال إنه خطيب فالموعظة عند القبر لا يلزم منها أن يكون الإنسان خطيبا وعليه فلا يصح أن نقول إن البخاري رحمه الله يرى أن يقوم الإنسان خطيبا في الناس عند الدفن حينما ترجم باب الموعظة عند القبر لأنه رحمه الله لم يقل باب الخطبة عند القبر وفرق بين هذا وهذا فالمهم أن حديث الناس الذين حول الإنسان وهو جالس بما يتعلق بالموت والدفن وما أشبه ذلك مما يرقق القلب سنة جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأما القيام خطيبا فليس من السنة.
***

(196/11)

يقول هذا السائل من اليمن فضيلة الشيخ عندنا عادة وهي عند وضع الميت في القبر يصيح منادى بأعلى صوته كما ينادى المؤذن تماما فهل هذا صحيح أفيدونا أفادكم الله.
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا غير صحيح بل هذا من البدع التي أحدثها الناس عند دفن الميت حيث ينزل واحد في القبر أو يكون على حافة القبر ثم يؤذن الأذان كاملا أو يقتصر على التكبيرات الأربعة الأولى وكل هذا من البدع فإن المشروع عند دفن الميت أن يقول من يضعه في لحده بسم الله وعلى ملة رسول الله فقط ولا يزيد على هذا فإذا دفن الميت وتم دفنه وقف عليه وسأل الله له التثبيت واستغفر له لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل).
***
بارك الله فيكم هذا المستمع قاسم عبده يمني مقيم في الخبر يقول فضيلة الشيخ هل يجوز أن يقف المشيعون بعد الانتهاء من الدفن ويدعوا دعاء جماعيا للميت ويتقدم بالدعاء أحدهم وهم يؤمنون على ذلك أم أن كل واحد يسأل للميت التثبيت وحده سرا أفيدونا جزاكم الله خيرا؟

(196/12)

فأجاب رحمه الله تعالى: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا أنه إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل) فيستغفر كل إنسان له ويسأل الله التثبيت له كل إنسان على حده لا يجتمع الجميع على دعاء واحد لأن ذلك من البدع حيث إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يرشد إلى ذلك ولم يفعله بنفسه بل كان يقف ويقول (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت) ولم يكن يدعو وهم يؤمنون ولا أرشد إلى هذا ثم إنه لا يحتاج إلى طول البقاء عند القبر يستغفر له ثلاثا ويسأل الله له التثبيت ثلاثا ثم ينصرف فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا؛ دعا ثلاثا فيقول اللهم اغفر له اللهم اغفر له اللهم اغفر له اللهم ثبته اللهم ثبته اللهم ثبته وينصرف ولا حاجة إلى طول القيام وعلى هذا فنقول إذا اجتمعوا وصاروا يدعون بدعاء واحد أو يدعو بهم واحد ويؤمنون فإن ذلك من البدع ومن رآهم من طلبة العلم فليبين للناس أن هذا ليس من السنة.
***
عند الانتهاء من الدفن يدعو الإمام ويؤمن الحاضرون الذين حوله، فما حكم ذلك؟

(196/13)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا من البدع أن يدعو الإمام أو غير الإمام بمن حوله للميت ويؤمن الحاضرون لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بل ورد خلافه فقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال (استغفروا لأخيكم وأسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل) ولم يكن يدعو بهم استغفارا للميت وسؤالا لتثبيته وإنني بهذه المناسبة أود أن أذكر إخواني المسلمين كل من يسمع كلامي هذا أن يتمشوا في هذه الأمور على ما جاءت به السنة وعمله السلف الصالح وأن لا يحدثوا عندها شيئا لم يشرعه الله ورسوله فيكون من المبتدعين وكل بدعة ضلالة إذا دفن الميت وفرغ من دفنه يقف الإنسان عند القبر ويقول اللهم اغفر له اللهم اغفر له اللهم اغفر له لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا دعا دعا ثلاثا اللهم ثبته اللهم ثبته اللهم ثبته ثم ينصرف هذا ما تدل عليه السنة وأما الوقوف طويلا وقراءة الآيات آية الكرسي أو الفاتحة أو يس أو غيرها من السور فلا أصل له.
***
بعض الناس بعد أن يدفن الميت يبقون عند قبره مدة يستغفرون الله ويذكرون الله ويتكلمون أيضا مع الميت ويتمسكون بقصة عمرو بن العاص الذي طلب من مشيعيه أن يبقوا عند قبره مدة نحر الجزور نريد حكم هذا العمل؟

(196/14)

فأجاب رحمه الله تعالى: أما الوقوف عند القبر والاستغفار له وسؤال التثبيت للميت فهذا كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا فرغ من دفنه وقف عليه وقال (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل) وأما ما ذكر عن عمرو بن العاص رضي الله عنه فإن هذا من الأمور الاجتهادية التي يعتبر هدي غيره مخالف لها لأن ذلك لم يفعله أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي فهو رضي الله عنه قال لعلي - يقول لمن خاطبهم بالبقاء عنده - استأنس بكم حتى أراجع رسل ربي يعني الملائكة الذين يسألون الميت فهذا مجرد اجتهاد منه رضي الله عنه قد يوافق عليه وقد لا يوافق ولكنه ليس على الصورة التي سأل عنها هذا السائل.
***
بارك الله فيكم يقول المستمع من المدينة المنورة ورد في الحديث الصحيح أن الميت عندما يوضع في قبره يسأل عن ثلاث من ربك وما دينك ومن نبيك بينما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم بأن ينتظر عند الميت بعد دفنه مقدار ما تنحر الجزور السؤال الأسئلة المذكورة أعلاه الثلاثة لا تستغرق سوى دقيقتين أو ثلاث دقائق فهل هناك أسئلة أخرى تستغرق مقدار نحر الجزور آمل إفادتي مشكورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس يمكثون عند القبر بمقدار ما تنحر الجزور وإنما جاء ذلك عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أما الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت) فالذي أمر به النبي عليه الصلاة والسلام أن نقف بعد دفن الميت إذا فرغنا من دفنه أن نقف عليه وأن نقول اللهم اغفر له اللهم ثبته اللهم اغفر له اللهم ثبته اللهم اغفر له اللهم ثبته ثلاث مرات ثم ننصرف هذا هو الوارد فليقتصر عليه.
***

(196/15)

هذه رسالة وصلت من المستمع من جمهورية مصر العربية يقول فضيلة الشيخ عندنا في مصر بالنسبة لدفن الميت أنهم يدفنون الميت على ظهره ويده اليمنى فوق اليسرى وجدت هنا في المملكة يدفنون الميت على جنبه الأيمن الرجاء الإفادة عن هذا مأجورين
فأجاب رحمه الله تعالى: الصواب أن الميت يدفن على جنبه الأيمن مستقبل القبلة فإن الكعبة قبلة الناس أحياء وأمواتا وكما أن النائم ينام على جنبه الأيمن كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فكذلك الميت يضجع على جنبه الأيمن فإن النوم والموت يشتركان في كون كل منهما وفاة كما قال الله تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى) فالمشروع في دفن الميت أن يضجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة ولعل ما شاهده السائل في بلاده لعله كان نتيجة عن جهل من يتولى ذلك وإلا فما علمت أن أحدا من أهل العلم يقول إن الميت يضجع على ظهره وتجعل يداه على بطنه.
***
مسجد يحيط به سور وفي داخل هذا السور يوجد قبر ، والقبر ليس داخل المسجد بل داخل السور المحيط بالمسجد والقبر فهل يجوز ذلك وهل يؤثر هذا على صحة الصلاة في المسجد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الذي أرى أنه يجب عليك فورا من حين ما تسمع هذا الجواب أن تتصل بالمحكمة لديكم حتى ينظر القاضي ماذا يأمر به نحو هذا القبر لأنه لا يجوز أن يبقى القبر داخل رحبة المسجد ولينظر إذا كان القبر هو الأول فيفسح القبر ويخرج من المسجد بتدخيل سور المسجد عنه حتى يكون خارجه وإذا كان المسجد هو الأول فإنه ينبش القبر ويدفن في مقابر الناس.
***

(196/16)

بارك الله فيكم يقول توفي عندنا رجل وبعد مضي سبعة أشهر على وفاته رأى أحد أقاربه في المنام رؤيا أنه ينادي أخرجوني من القبر وابنوا لي مقاما وفعلا نفذوا هذه الرؤيا فأخرجوه من القبر وتجولوا به في البلد وبنوا له مقاما ويعتقدون الآن أنه نبي فما الحكم في هذا العمل وهل من نصيحة إلى مثل هؤلاء الناس الذين ضعفت عقائدهم إلى هذه الدرجة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحكم في هذا العمل أنه عمل محرم وأن المرائي التي ترى في المنام إذا كانت مخالفة للشرع فإنها باطلة وهي من ضرب الأمثال التي يضربها الشيطان ومن وحي الشيطان فلا يجوز تنفيذها أبدا لأن الأحكام الشرعية لا تتغير بالمنامات والواجب عليهم الآن أن يهدموا هذا المقام الذي بنوه له وأن يردوه إلى مقابر المسلمين هذا هو الواجب ونصيحتي لهؤلاء وأمثالهم أن يعرضوا كل ما يرونه في المنام على الكتاب والسنة فما خالف الكتاب والسنة فهو مطرح ومردود ولا عبرة به ولا يجوز للإنسان أن يعتمد في أمور دينه على هذه المرائي الكاذبة لأن الشيطان أقسم بعزة الله عز وجل أن يغوي بني آدم إلا عباد الله المخلصين فمن كان مخلصا لله متبعا لدينه مبتغيا لوجهه فإنه يسلم من إغواء الشيطان وشره وأما من كان على خلاف ذلك فإن الشيطان يتلاعب به في عباداته وفي اعتقاداته وفي أفكاره وفي أعماله فليحذره يقول الله عز وجل (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير) .
***

(196/17)

هذه رسالة من المستمع حسن إبراهيم زيلعي مقيم بخميس مشيط يقول رجل بنى مسجدا وأوصى بأنه إذا مات يدفن في مؤخرة المسجد من الداخل وقد توفي الرجل ودفن في المحل الذي أوصى أن يدفن فيه وبعد فترة جاء أناس وأبعدوا علامات القبر وتركوا سطحه متساويا مع أرضية المسجد والآن يوجد أناس يصلون على سطح القبر دون العلم بوجوده فما الحكم في صلاتهم وماذا علينا أن نفعل بهذا المسجد أو بالقبر؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الوصية غير صحيحة لأن المساجد ليست مقابر ولا يجوز الدفن في المسجد وتنفيذ هذه الوصية محرم والواجب نبش هذا القبر وإخراجه إلى مقابر المسلمين فالذي يجب عليهم إذا أن ينبشوا عظامه ثم يدفنوها في قبر في المقبرة.
***
المستمع عبد الرحمن خالد الأحمر سوداني ومقيم بالقصيم يقول في رسالته يوجد في المسجد الذي بجوارنا قبر صاحب هذا المسجد ويقع داخل سور المسجد لكنه بني على اتجاه القبلة أي في الجهة المعاكسة للقبلة فهل تجوز الصلاة فيه أم ينطبق عليه ما ينطبق على الوضع الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا كان لا يجوز أن يصلى في هذا المسجد ماذا علينا بالنسبة لصلاتنا التي مضت علما بأنه أقرب المساجد لنا وإذا أردنا أن نغيره إلى مسجد آخر فإننا سنتخلف عن بعض الصلوات مع الجماعة وذلك لبعد بقية المساجد الأخرى أفيدونا بهذا السؤال بارك الله فيكم؟

(196/18)

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب إذا كان هذا المسجد مبنيا على القبر فإن الصلاة فيه محرمة ويجب هدمه (لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن اليهود والنصارى حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد تحذيرا لما صنعوا) وأما إذا كان المسجد سابقا على القبر فإنه يجب إخراج القبر من المسجد ويدفن في ما يدفن فيه المسلمون ولا حرج علينا في هذه الحال إذا نبشنا هذا القبر لأنه دفن في مكان لا يحل أن يدفن فيه فإن المساجد لا يحل فيها دفن الموتى والصلاة في المسجد إذا كان سابقا على القبر صحيحة بشرط ألا يكون القبر من ناحية القبلة فيصلى الناس إليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة إلى القبور وبالإمكان إذا لم يتمكنوا من نبشه أن يهدموا سور المسجد وأن يخرجوا القبر من وراء السور إذا كان القبر ليس من ناحية القبلة.
***
المستمع عبد الحكيم مهدي أرسل برسالة يقول فيها هل يجوز دفن الميت داخل المسجد علما بأنني أرى الكثير من بعض الناس يقومون بدفن أمواتهم في مؤخرة المساجد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز أن يدفن الميت في المسجد لأن المسجد ليس مقبرة ولأنه يخشى من الفتنة بهذا القبر الذي دفن في متعبد المسلمين حتى ولو أوصى الرجل بأن يدفن في المسجد فإنها وصية باطلة لا يجوز تنفيذها ويدفن مع المسلمين حتى تكون اتجاهات القبور واحدة فإن قدر أن دفن في المسجد فإنه يجب أن ينبش ويخرج من المسجد لئلا يطول بالناس الزمن فيعبدوا هذا القبر.
***

(196/19)

بارك الله فيكم هذه رسالة من السائل جابر بن جابر أبو هادي يمني الجنسية مقيم بالرياض يقول لقد ورثت بيتا من المرحومة والدتي وقد انهدم هذا البيت وجددت عمارته ويوجد بجانبه قبور كثيرة وبينما كنا نحفر أساسه عثرنا على عظام بالية يبدو أنها من القبور المجاورة فأخذت هذه العظام ودفنتها في مكان آخر بعيدا عن البيت وقد أكملت عمارته مع العلم أن بيوتنا تقع كلها بجوار قبور وقد ورثنا هذه البيوت عن أجدادنا ولا نملك بيوتا غيرها ولا أرضا لنبني فيها بعيدا عن هذه المقابر فهل يحق لنا السكن في هذا البيت وهل نقلي لهذه العظام إلى مكان جديد علي فيه إثم أم لا أفيدونا بارك الله فيكم؟

(196/20)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت هذه القبور قبور مسلمين فإن أصحابها أحق بالأرض منكم لأنهم لما دفنوا فيها ملكوها ولا يحل لكم أن تبنوا بيوتكم على قبور المسلمين ويجب عليكم إذا تيقنتم أن هذا المكان فيه قبور يجب عليكم أن ترفعوا البناء وأن تدعوا القبور لا بناء عليها وكونه لا بيوت لكم لا يقتضي أن تحتلوا بيوت غيركم من المسلمين فإن القبور بيوت الأموات ولا يحل لكم أن تسكنوها ما دمتم عالمين بأن فيها أمواتا وبقي علينا تنبيه وهو قولك المرحومة والدتي المرحومة فإن بعض الناس ينكر هذا اللفظ يقولون إننا لا نعلم هل هذا الميت من المرحومين أو ليس من المرحومين وهذا الإنكار في محله إذا كان الإنسان يخبر خبرا أن هذا الميت قد رحم لأنه لا يجوز أن نخبر أن هذا الميت قد رحم أو عذب بدون علم قال الله تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم) لكن الناس لا يريدون بذلك الإخبار قطعا فالإنسان الذي يقول المرحوم الوالد أو المرحومة الوالدة أو المرحومة الأخت أو الأخ أو ما أشبه ذلك لا يريدون بهذا الجزم أو الإخبار أنهم مرحومون وإنما يريدون بذلك الدعاء أن الله تعالى قد رحمهم والرجاء وفرق بين الدعاء والخبر ولهذا نحن نقول فلان رحمه الله فلان غفر الله له ولا فرق من حيث اللغة العربية بين قولنا فلان المرحوم وفلان رحمه الله لأن جملة رحمه الله جملة خبرية والمرحوم بمعنى الذي رحم فهي أيضا خبرية فلا فرق بينهما أي بين مدلولهما باللغة العربية فمن منع المرحوم يجب أن يمنع فلان رحمه الله على كل حال نقول لا إنكار في هذه الجملة أي في قولنا فلان المرحوم وفلان المغفور له وما أشبه ذلك لأننا لسنا نخبر بذلك خبرا ونقول إن الله قد رحمه وأن الله قد غفر له ولكننا نسأل الله ونرجوه فهو من باب الرجاء والدعاء وليس من باب الإخبار وفرق بين هذا وهذا.
***

(196/21)

المستمعان سالم أحمد القيلي ومحمد ناجي يمنيان مقيمان بجدة يقولان نحن نعمل في مجال المقاولات المعمارية وعند بداية عملنا في حفر أساس لإحدى العمائر وعندما حفرنا وجدنا آثار مقابر قديمة جدا وعندما أخبرنا صاحب العمارة في ذلك قال احفروا وارموا بالعظام التي وجدتموها في الشعب وقد نفذنا ما أمرنا به فهل علينا وعليه الإثم في ذلك وماذا يجب علينا وعليه فعله الآن؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت هذه المقابر مقابر مسلمين فإن عملكم هذا محرم ولا يجوز لكم أن تفعلوا ذلك وفي مثل هذه الحال الواجب مراجعة ولاة الأمور يعني إذا حفر أحد في مكان يريد أن يؤسس فيه بيتا أو نحوه ووجد آثار مقابر فإنه يجب عليه أن يكف عن العمل وأن يرجع في ذلك إلى ولاة الأمر من أجل التحقق من هذه المقابر وعصمة أهلها.
***
بارك الله فيكم من سوريا حلب هذا السائل يقول أملك قطعة أرض ويوجد بها من الناحية الشمالية الغربية قبر لا يعرف صاحبه ويظهر أن له سنين طويلة فماذا أفعل مأجورين
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان يمكن إخراج هذا القبر يعني إبرازه من وراء الحائط دون أن يحصل بذلك فتنة فهذا هو الواجب وإذا لم يمكن فلا بد من مراجعة المحاكم الشرعية في هذا وتنظر في الأمر ثم تحكم بما يريها الله عز وجل
***
توجد بقرب قريتنا مقبرة وقد جعلت من فوقها الطرق ويجلس الناس عليها فهل يجوز لهم ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز أن تجعل مقابر المسلمون طرقا يتطرق الناس بها أو يجلسون عليها لأن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن الجلوس على القبر) وقال (لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتمضي إلى جلده خير له من أن يجلس على القبر) والواجب أن ترفعوا هذا للمسؤولين لديكم إما للبلدية أو للمحكمة أو لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو للمسؤولين عن هذا الأمر حتى يزال هذا الطريق وتحترم مقابر المسلمين.
***

(196/22)

رسالة وردت من المستمع حمدان حامد الهلالي من وادي ضعان يقول نحن من البدو ولكننا غير متنقلين بل مقيمان بوادي وبه مقبرة قديمة لا زال يقبر فيها حتى وقتنا الحاضر وهي على الطريق بين ضلعين يقسمها طريق للسيارات بحيث تصبح نصفين وهي مقبرة واحدة ويتخللها أيضا بعض الطرق الصغيرة للمواشي وللسير على الأقدام وقد فتحنا طريقا للسيارات ولم نستطع أن نصرف الناس الذين يسكنون في هذا الوادي من استعمال تلك الطرق المذكورة لعدم استجابتهم لنصائحنا المتكررة كذلك الحيوانات تسير عليها كل وقت كالبقر والغنم وغيرها فكيف التخلص من هذه المشكلة عندما نسير عليها كل وقت هل نأثم بذلك أم لا أفيدونا بارك الله فيكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: قبل الجواب على سؤال الأخ أود أن أبين أن لأصحاب القبور حقوقا بأنهم مسلمون ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يوطأ على القبر وأن يجلس عليه وقال (لأن يجلس أحدكم على جمرة فتخرق ثيابه فتمضي إلى جلده خير له من أن يجلس على القبر) وكما نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن امتهان القبور فإنه نهى أيضا عن تعظيمها بما يفضي إلى الغلو والشرك فنهى أن يجصص القبر وأن يبنى عليه وأن يكتب عليه وهذه القضية التي ذكرها السائل عن هذه المقبرة القديمة التي أصبحت ممرا وطريقا للمشاة والسيارات ومرعا للبقر والمواشي يجب عليهم أن يرفعوا أمرها إلى ولاة الأمور لاتخاذ اللازم في حمايتها وصيانتها وفرش طرق حولها يعبر الناس منها إلى الجهات الأخرى والحكومة وفقها الله لا تقصر في هذا الأمر وعلى الرعية أن يبينوا للحكومة ما يكون فيه المصلحة للإسلام والمسلمين ليكونوا متعاونين على البر والتقوى.
***
يقول جمعة يوجد لدينا مقبرة لها أكثر من ثلاثين سنة ويجلس عليها الناس ويمشون عليها، فما حكم ذلك العمل؟

(196/23)

فأجاب رحمه الله تعالى: لقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجلوس على القبر وقال (لأن يجلس أحدكم على جمرة فتخرق ثيابه فتمضي إلى جلده خير له من أن يجلس على القبر) فالجلوس على القبور محرم، لا يجوز، والواجب على المسلم أن يتجنب جعل المقابر طرقا، وأن تحمى هذه المقابر بالجدران أو بالشبوك المنيعة حتى تحترم ولا تهان.
***
جزاكم الله خيرا يقول إذا مات الرجل وقبر وفي أسنانه ذهب وقد مضى على قبره عدة سنوات هل يجب أن يحفر القبر وتخرج الأسنان أم ماذا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أولا يجب إذا مات الميت وفي أسنانه ذهب يجب أن تقلع أسنان الذهب لأن دفنها مع الميت إضاعة مال وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن إضاعة المال فإن كان لا يمكن خلعها إلا بضرر على اللثة أو على بقية الأسنان فإنها تبقى حتى يبلى الميت ثم ينبش القبر وتستخرج منه وتضم إلى التركة تورث مع التركة وفي هذه الحال إن سمح الورثة وهم راشدون يصح تبرعهم إن سمحوا أن تبقى للميت فهم في ذلك أحرار لهم أن يفعلوا هذا.
***
لدينا مقابر يوضع عليها كثير من القاذورات والقمائم التي لا تتصور وأن هذا لا يرضى به الله ولا رسوله وهذا مما يؤثر في النفس فأرجو من سماحتكم إرشادنا والنصح في مثل من يضع هذه القاذورات على المقابر؟

(196/24)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن مقابر المسلمين يجب احترامها وصيانتها عن الأذى وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يجصص القبر وأن يجلس عليه وقال (لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه وتمضي إلى جلده خير له من أن يجلس على القبر) وذلك لما فيه من إهانة صاحب القبر وهذا الحديث يؤخذ منه أن جميع ما يكون فيه إهانة لأهل القبور فإن ذلك مما أتى الشرع بالتحذير منه والتخويف والواجب في مثل هذه الحال أن من شاهد هذا في مقابر المسلمين يتصل بالمسؤولين عن صيانة المقابر ويخبرهم بهذا حتى يقوموا بصيانتها وحمايتها عن هذه المؤذيات كما أنه أيضا يجب عليه أن ينصح من يشاهده يلقي القمائم فيها ويبين له أن هذه دار إخوانه المؤمنين وأنه لا ينبغي بل ولا يجوز أن يلقي فيها ما يكون فيه إهانة لهم وعدم القيام بحقهم والشارع كما نهى عن إهانة القبور كذلك نهى عن تعظيمها كما في البناء والتجصيص فلا يجوز أيضا تعظيم القبور بالبناء عليها وتجصيصها وإشادتها بالعلامات الكبيرة الظاهرة البارزة فإن علي بن أبي طالب قال لأبي الهياج ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم (ألا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته) وكثير من القبور نرى بعض الناس يضعون عليها العلامات الكبار الحصى الكبار الطويلة المشرفة ومثل هذا أيضا لا ينبغي فإنما تكون العلامات في المقابر ما يحصل فيه الكفاية في الدلالة على صاحب القبر فقط وأما أنها تكبر وتبيض أو تحمر بالبوية أو ما أشبه ذلك فهذا مما لا ينبغي، الدين وسط بين هذا وهذا.
***
الرسالة التي بين يدينا الآن فقد وردتنا من عمر صالح محمد الشهري يقول في رسالته إن البعض من الناس يضعون الكثير والكثير من القاذورات على المقابر فما حكم ذلك وفقكم الله؟

(196/25)

فأجاب رحمه الله تعالى: المقابر مقابر المسلمين مقابر محترمة يجب على المسلم احترامها لأنها مساكن إخوانه المسلمين ولا يدري متى تكون أيضا مسكنا له فإن الإنسان لا يدري بأي أرض يموت ولا يدري أيضا متى يموت ولا يجوز أن تلقى القمامات والأوساخ على قبور المسلمين ولا بينها أيضا وقد ذكر أهل العلم رحمهم الله أنه يحرم على الإنسان أن يبول أو يتغوط على قبور المسلمين أو يفعل ذلك بين القبور وإن لم يكن على القبر وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في ما ثبت عنه من حديث أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه (لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها) فإذا كان هذا النهي ثابتا عن الجلوس عليها فكيف بإلقاء القاذورات والزبل وغيرها مما تنفر منه النفس على قبور المسلمين وبين قبور المسلمين.
***
رسالة بعث بها المستمع محمد هيجان الفاهمي العسيري من الرياض يقول أقدمت على بناء مسكن لي ولعائلتي في أرض في قريتي هي من ملكي وملك أجدادي وقد اكتشفت أن بجوار هذا المسكن قبرا لأحد عباد الله وقد قمت بإزالته تماما من موقعه علما بأن عمر هذا القبر يزيد على مائتي عام فهنا أسأل ماذا يجب علي أن أفعله كفارة لما قمت به إن كنت أخطأت في ذلك هل علي إثم أم أنه لا يلحقني شيء علما بأنني قد وضعت القبر في مكان آخر غير موقعه الأول وليس في المقبرة العامة بل في مكان خال فأرشدوني إلى ما يجب علي فعله الآن؟

(196/26)

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا السؤال أنه إذا كان هذا القبر خارجا عن البناء والمسكن فإن الأولى بك ألا تتعرضه لأن صاحب القبر يملكه حتى يكون ترابا ورميما ولكن ما دام الأمر قد وقع منك فإن عليك أن تتوب إلى الله عز وجل و تستغفره ثم إن وضعك إياه في غير المقبرة هذا أيضا خطأ فإن هذا المكان الذي وضعته فيه قد يكون مملوكا لإنسان وإذا قدر أنه ليس بمملوك فإنه ربما يصل إليه البنيان والعمران فينقل مرة ثانية والذي أرى في هذا الأمر أن تراجع المحكمة التي عندكم أو تنقله من المكان الذي وضعته فيه أخيرا أو تبقيه على ما كان عليه عليك أن تراجع المحكمة حول هذا الموضوع ليقضي القاضي بما يراه صوابا.
***
بارك الله فيكم هذا السائل أحمد حسين يقول في بلدتنا تبنى المقابر بالطوب الأحمر الذي دخل النار أو بالطوب الأسمنتي ويكون ارتفاع القبر أكثر من متر وتبيض هذه المقابر بالأسمنت وإذا دفن الميت في هذه المقابر لا يهال عليه التراب بل تغلق بالطوب أيضا وإذا كان الإنسان ينكر هذا العمل وغير راض عن هذا العمل ولا يستطيع التغيير وبالتالي يدفن في هذه المقابر فما هو رأيكم حفظكم الله وهل على الإنسان إثم بعد ما ذكر؟

(196/27)

فأجاب رحمه الله تعالى: الواقع إذا كان الأمر كما ذكر السائل أن القبور تبنى بالطوب وترفع نحو متر أن هذه ليست قبورا ولكنها حجر مبنية ربما تكون على قدر الميت الواحد وربما تكون على قدر ميتين فأكثر وليس هذا هو المشروع في القبور المشروع في القبر أن يحفر في الأرض حفرة على قدر الميت ويدفن فيها الميت هكذا هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه ولذلك يجب على ولاة الأمور في هذه البلاد أن يعودوا إلى الدفن الصحيح الذي جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإذا مات الإنسان ولم يكن له بد من هذه المقابر التي هي في الحقيقة حجر لا قبور فليس عليه إثم لأن ذلك ليس باختياره نعم لو كان هناك أرض فلاة يمكنه أن يقول ادفنوني فيها وهي ليست مملوكة لأحد فربما يكون هذا جيدا وأحسن مما وصفه هذا السائل.
***
في بلدنا ندفن موتانا في بناء من الطوب الأحمر المحروق أولا في النار وهو عبارة عن مساحة مستطيلة الشكل مبنية بالطوب الأحمر و من جهة ومقضية من أعلى ومنهم من يرفع البناء على الأرض مخالفا الشريعة ومنهم من لا يرفعه من الأماكن من جهة وارتفاع المياه في باطن الأرض لجأ إلى هذه الطريقة السابقة وكنا ممن يفعل ذلك الآن فهل يجوز الدفن في هذه التي تسمى الفساقي بحيث لا نرفعها عن الأرض إلا شبرا حسبما تأمر به الشريعة الإسلامية؟

(196/28)

فأجاب رحمه الله تعالى: السنة في القبور أن يحفر للميت في الأرض ثم يلحد له بأن يحفر حفرة في جانب القبر مما يلي القبلة ثم يوضع فيهه الميت والطوب الذي ذكرت يكون محرقا بالنار وقد ذكر بعض الفقهاء رحمهم الله أنه يكره أن يجعل في القبر شيء مما مسته النار وعلى هذا فأنتم احرصوا على أن تجدوا مقبرة لا يلحقها الماء حتى تقبروا موتاكم على وجه مشروع الذي ينبغي فإن لم تتمكنوا إلا من هذه الأرض فإنه بإمكانكم أن تجعلوا شيئا من الأحجار يحول بين الميت وبين الماء ثم بعد ذلك تضعون عليه أيضا أحجارا وتدفنونه ويكون هذا أقرب شيء إلى المشروع.
***
رسالة من الأخ المستمع أبو العرابي حسين من المملكة المغربية يقول هل يجوز دفن أكثر من شخص في قبر واحد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المشروع أن يدفن كل إنسان في قبر وحده كما جرت به السنة قديما وحديثا سنة المسلمين قديما وحديثا ولكن إذا دعت الحاجة أو الضرورة إلى جمع اثنين فأكثر في قبر واحد فلا بأس به فإن النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة أحد كان يدفن الرجلين والثلاثة في قبر واحد وفي هذه الحال ينبغي أن يقدم إلى القبلة أكثرهم قرآنا لأنه الأفضل.
فضيلة الشيخ: يعني لا يكونون في وضع على بعضهم بل توضع بينهم حواجز؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يكون بعضهم إلى جنب بعض وليس بعضهم فوق بعض.
***
بارك الله فيكم هذا السائل يقول في بلدتنا عندما يموت الميت يتم دفنه بجوار أموات آخرين في قبر واحد يضمهم جميعا فهل إذا دفن شخص صالح بجوار شخص فاجر مات على غير الصلاة فهل يتأذى الرجل الصالح بعذاب هذا الفاجر وإذا كان يتأذى فكيف نوفق بين ذلك وبين قوله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى)؟

(196/29)

فأجاب رحمه الله تعالى: من المعلوم أن السنة أن يدفن الميت في قبر وحده ولا يجمع الأموات في قبر واحد إلا عند الحاجة مثل أن يكثر الأموات ويصعب دفن كل واحد في قبر كما صنع في شهداء أحد رضي الله عنهم وكما يحصل في الحروب التي يهلك فيها طائفة كبيرة في آن واحد وما أشبه ذلك وعلى هذا فالعادة التي ذكرها السائل عندهم يجب أن يبحث فيها بين العلماء الموجودين في البلد حتى يتخذ فيها القرار الموافق للشرع وأما جمعهم في قبر واحد إذا دعت الحاجة إلى ذلك فإنه يقدم الأقرأ للقران و الأتقى يقدم إلى القبلة ويكون الثاني وراءه وإذا قدر أن أحد منهم كان صالحا والأخر كان بالعكس فإن ذلك لا يؤثر على الصالحين لأن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا ولهذا الناس يوم القيامة يعرقون أي يصيبهم العرق من الحر فمنهم من يبلغ إلى كعبيه ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه ومنهم من يبلغ إلى حقويه ومنهم من يلجمه وهم في مكان واحد ومع ذلك يختلفون هذا الاختلاف بل أبلغ من هذا أن يوم القيامة خمسون ألف سنه وهو على المؤمنين يسير سهل حتى جاء أنه يكون بقدر فريضة أداها المؤمن ومنهم من يكون عليه عسير شاق كما قال تعالى (وجوه يومئذ خاشعة (2) عاملة ناصبة) فأحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا وأما قول السائل كيف يجمع بين هذا إذا كان يتأذى به وكيف نجمع بينه و قوله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى) فقد علم من جوابي أنه ليس هناك دليل على أنه يتأذى به لأن أحوال الآخرة تختلف عن أحوال الدنيا لكن هناك إشكال في أمر لم يذكره السائل وهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه يعني إذا مات الميت ودفن فإنه يعذب ببكاء أهله عليه وهذا هو الذي قد يشكل الجمع بينه وبين قوله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى) حيث أن الميت يعذب بفعل غيره وقد اختلف العلماء في الجمع بين الحديث وبين الآية فمنهم من

(196/30)

قال إن هذا في الكافر يعذب وأهله يبكون عليه بفراقه ومنهم من قال أن هذا فيمن أوصى به أي أوصى أهله أن ينوحوا عليه ويبكوا عليه فيعذب لأنه أوصى به ومنهم من قال هذا في حق من رضي به لكون أهله يفعلونه في موتاهم ولم يوص بالنهي عنه ومنهم من قال إن العذاب ليس عذاب عقوبة لكنه عذاب تألم وتأذي واستدل لهذا بقول النبي صلى الله عليه وسلم (إن السفر قطعة من العذاب) والمسافر لا يعذب عذاب عقوبة لكنه يعذب عذاب ألم قلبي ويهتم لهذا الشيء أي للسفر وهذا القول هو أرجح الأقوال أي أن الميت يحس بهذا البكاء ويتألم ألما قلبيا أن يكون أهله وأشفق الناس عليه يتأثرون هذا التأثر ويبكون والمراد بالبكاء الذي يعذب عليه الميت أو يعذب به الميت ما سوى البكاء الذي لا يأتي بمقتضى الطبيعة يعني البكاء المتعمد وأما البكاء الذي يأتي بمقتضى الطبيعة فإن هذا لا يعذب عليه لا الباكي ولا المبكى عليه لأنه بغير اختيار الإنسان وأما الاجتماع للعزاء وصنع الطعام واجتماع الناس من أطراف البلد بل ومن القرى المجاورة فهذا كله لا أصل له وليس من عمل السلف الصالح بل قال جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه (كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنع الطعام من النياحة) ولهذا أوجه نصيحتي إلى إخواننا الذين اعتادوا مثل هذا أن يدعوا هذا الشيء وأن يغلقوا الأبواب ومن أراد أن يعزيهم وجدهم في السوق وجدهم في المسجد و النساء يمكن أن يرخص للنساء القريبات من الميت أن يحضرن إلى أهل الميت ويحصل العزاء لكن بدون اجتماع بدون طعام بدون نياحة بدون ذكر محاسن الميت لأن ذكر محاسن الميت ندب والندب منهي عنه وأحسن ما يفعل للميت بعد موته الدعاء لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له).
***

(196/31)

يقولون حصل أن ماتت طفلة وعمرها ستة أشهر وقبرت مع طفل قد سقط وهو في الشهر السادس في بطن أمه فهل هذا يجوز أم لا وإن كان لا فما حكم الذين قبروهما في قبر واحد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المشروع أن يدفن كل ميت في قبر وحده هذه هي السنة التي عمل المسلمون بها من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا ولكن إذا دعت الحاجة إلى قبر اثنين فأكثر في قبر واحد فلا حرج في هذا فإنه ثبت في الصحيحين وغيرهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع الرجلين والثلاثة من شهداء أحد في قبر واحد) لدعاء الحاجة إلى ذلك وهذه الطفلة وهذا السقط اللذان جمعا في قبر واحد لا يجب الآن نبشهما لأنه قد فات الأوان ومن دفنهما في قبر واحد جاهلا بذلك فإنه لا إثم عليه ولكن الذي ينبغي لكل من عمل عملا من العبادات أو غيرها أن يعرف حدود الله تعالى في ذلك العمل قبل أن يتلبس به حتى لا يقع فيما هو محظور شرعا.
***
أحسن الله إليكم السائل سعد الجهني من المدينة النبوية يقول فضيلة الشيخ توفيت لي ابنة تبلغ من العمر ثلاثة أشهر وعندما أتيت إلى القبور وجدت جنازة امرأة فقال لي الحضور ادفن ابنتك هذه مع المرأة في قبر واحد فدفنتها هل يجوز ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الذي مضى لا يسأل عنه وأرجو الله تعالى أن يحشرهم مع أهل البر والصلاح والسنة أن يكون كل إنسان في قبر على حده إلا عند الضرورة كما لو كثر الموتى وقل من يحفر القبور فلا بأس أن يجمع الاثنان أو أكثر في قبر واحد كما فعل في شهداء أحد رضي الله عنهم ويقدم إلى القبلة أكثرهم قرآنا.
***
هذه الرسالة من محمد عبد الله الشهري من قرية ربوع السرو يقول في رسالته هل القبر إذا زاد عن الأربعين عام أو أكثر هل يجوز أن يدفن معه جنازة ثانية في نفس القبر أم لا بحيث أن عندنا مقابر ضيقة والسلام عليكم ورحمة الله؟

(196/32)

فأجاب رحمه الله تعالى: المدة التي يبلى لها الميت في قبره ليس لها حد لا أربعون سنة ولا مائة سنة ولا أكثر ولا أقل لأن ذلك يختلف باختلاف الأراضي فمن الأراضي ما يكون حارا يأكل اللحم والعظم بسرعة ومنها ما يكون باردا يكثر فيه اللحم والعظم باقيا ثم إن من الناس من يكرم فلا تأكله الأرض وذلك ثابت في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حيث قال صلى الله عليه وسلم (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) أما غير الأنبياء فليس بمؤكد لا بالنسبة للشهداء ولا لغيرهم لكن قد يكرم الإنسان فيبقى جسمه لا تأكله الأرض وعلى كل حال إذا كنتم مضطرين إلى الدفن في المقبرة القديمة لعدم وجود أمكنة فإنه من الممكن اختبار هذا بأن يحفر القبر فإذا وجد فيه جثة دفن ويحفر مكانا آخر حتى يكون الميت التالي وحده ليس معه أحد.
***
المستمع للبرنامج ثابت من اليمن يقول في سؤاله: فضيلة الشيخ يوجد عندنا البعض من الناس عندما يموت الشخص منهم وعند قبره يصب على قبره الأسمنت ويكتب التاريخ والاسم وتاريخ العمر فوق القبر فهل هذا العمل يجوز أم لا أفتونا أثابكم الله؟

(196/33)

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا السؤال يحتاج إلى مقدمة وهي أن المقبرة دور الأموات ليست دورا للأحياء حتى تزين وتشيد ويصب عليها الإسمنت ويكتب عليها الكلمات الرثائية والتأبينية وإنما هي دار أموات يجب أن تبقى على ما هي عليه حتى يتعظ بها من يمر بها، وقد ثبت في الصحيح من حديث بريدة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة) وإذا فتحنا الباب للناس ليقوموا بتزيين القبور وتشيدها والكتابة عليها صارت المقابر محلا للمباهاة ولم تكن موضع اعتبار للأحياء، ولهذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يجصص القبر وأن يبنى عليه وأن يكتب عليه وأن يجلس عليه فنهى صلى الله عليه وسلم عن الأمور التي يكون فيها المغالاة في القبور من البناء والكتابة ونحوها وعن الأمور التي فيها الإهانة للقبور وأصحابها فنهى عن الجلوس على القبر، وليعلم أيضا أن أهل المقابر مرهونون بأعمالهم يتمنى الواحد منهم أن يكون في ميزان حسناته أو في كتاب حسناته حسنة واحدة كما جاء في الحديث (ما من ميت يموت إلا ندم إن كان محسنا ندم ألا يكون ازداد وإن كان مسيئا ندم ألا يكون استعتب) وأهل القبور لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا يملكون لغيرهم كذلك نفعا ولا ضرا من باب أولى حتى ولو كانوا من عباد الله الصالحين وأوليائه المقربين فإنهم لا يملكون لأحد نفعا ولا ضرا بل هم محتاجون إلى غيرهم يدعو لهم ويسأل الله لهم المغفرة والنجاة من النار، وبناء على هذه المقدمة يتبين للسائل حكم ما سأل عنه من صب الأسمنت على القبر وكتابة الاسم عليه وتاريخ الوفاة والولادة، وربما يكتب عليه ما جرى لهذا الميت من أعمال في حياته أوغير ذلك، وهذا كله داخل فيما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم إما باللفظ وإما بالمعنى ولهذا أنا من هذا المنبر أوجه النصيحة لإخواني المسلمين في كل مكان لكل من يسمع أو

(196/34)

ينقل إليه كلامي أن يتقي الله عز وجل في أصحاب القبور وأن تبقى قبور المسلمين على ما كانت عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وأصحابه المرضيين، وأما التباهي بها وصب الأسمنت عليها أو نصب الحصى الطويلة على القبر حتى يكون مشرفا بينا من بين سائر القبور فإن هذا خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأبي الهياج الأسدي ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم (ألا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته) وما من شك في أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها وهو التمسك بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وهدي خلفائه الراشدين.
***
بارك الله فيكم هذا السائل من ليبيا من طرابلس يقول ما حكم بناء القبور والكتابة عليها وقراءة القرآن على الميت وخصوصا سورة يس مأجورين؟

(196/35)

فأجاب رحمه الله تعالى: البناء على القبور محرم لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى أن يبنى على القبور وأشد من ذلك أن يبنى عليها مسجد فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) فلا يجوز أن تبنى القبور على المساجد وإذا بني قبر على مسجد وجب هدمه ولم تصح الصلاة فيه أما لو سبق المسجد القبر ودفن في المسجد قبر بعد بناء المسجد فإن هذا حرام أي حرام أن يدفن في المسجد ميت فيجب نبشه ويدفن مع الناس وأما الكتابة على القبر فإن كانت كتابة شركية مثل أن يكتب عليه هذا ولي الله فادعه أيها المضطر وما أشبه ذلك فهذه لا شك في تحريمها وإن كانت كتابة عادية ننظر فإن كانت كتابة فيها الافتخار والفخار والمفاخرة بهذا الميت فهي حرام (لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن الكتابة على القبر) وإن كانت لمجرد التعريف على صاحب القبر مثل أن يكتب هذا فلان بن فلان فأرجو أن لا يكون بهذا بأس ويكون النهي عن الكتابة محمولا على الكتابة المحرمة.
***
ماحكم وضع علامة بسيطة على القبر ليتسنى للزائر أن يستدل على القبر؟
فأجاب رحمه الله تعالى: وضع علامة على القبر ليتسنى لقاصد زيارته أن يستدل بها عليه لا بأس بها لكن بشرط أن لا تكون هذه العلامة ظاهرة يشتهر بها القبر ويشرف على القبور التي حوله، بل تكون علامة يعرفها الإنسان بدون أن تشهر هذا القبر.
***
يقول السائل بعد دفن الميت يوضع على القبر إذا كان رجلا علامتان من حجر يسمى شاهد وإذا كانت امرأة توضع ثلاثة أحجار متتالية فما صحة وضع هذه الأحجار؟

(196/36)

فأجاب رحمه الله تعالى: وضع الأحجار على القبر يراد به العلامة فقط والواحدة تكفي ولا فرق بين الذكر والأنثى لكن اعتاد الناس أن يجعلوا حجرين أحدهما عند رأس الميت والثاني عند رجليه ليتبين أن القبر من هنا إلى هنا حتى لا يأتي أحد فيحفر على القبر الذي كان موجودا خصوصا مع طول المدة لأنه مع طول المدة يندفن القبر ولا يبقى إلا النصائب فلذلك كان الناس ومن عهد قديم يجعلون نصيبتين إحداهما عند رأس القبر والثانية عند رجل القبر وهذا لا بأس به ولكنه لا يفرق بين الذكر والأنثى بأن يجعل على الأنثى ثلاث نصائب يدعون أن واحدة عند وسطها واثنتان عند رأسها ورجليها هذا لا أصل له وليس معروفا عندنا في بلادنا كما أنه لا ترفع النصائب رفعا يكون به القبر بينا كما يفعل بعض الناس فإني أخشى أن يكون هذا من الإشراف وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأبي الهياج ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أن لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته) مشرفا أي عاليا على غيره بل تجعل النصائب في المقبرة على حد سواء كذلك لا يكتب على النصيبة وهي الحجر الذي يوضع شيء من القرآن أو شيء من السنة أو شيء من الذكر بل تجعل علامة فقط.
***
نرى كثيرا من مقابر المسلمين الآن يوضع عليها أعمدة طويلة مثلا خشب أو أغطية حقائب كبيرة أو علب ملونة لكي يستدلوا بها للزيارة فما الحكم في ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا أيضا قد يدخل في القبر المشرف البين الظاهر وهذا أيضا مما لا ينبغي , الذي ينبغي للإنسان أن يقتصر على أقل ما تحصل به العلامة فقط.
***
هذه رسالة وردتنا من الدمام من محسن بن محسن أحمد يقول في رسالته يوجد عندنا إذا مات الميت وحفر قبره وأدخلوه اللحد يؤذن الشخص في القبر هل يجوز الأذان أمام الميت وما العمل في ذلك أفيدونا جزاكم الله عنا خير الجزاء؟

(196/37)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا أصل للأذان عند إدخال الميت إلى قبره بل إنما يدخل الميت على قبره ويوضع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة ثم يلحد بعد ذلك فإذا سوي التراب عليه وانتهى من الدفن فإنه يوقف عليه ويسأل له التثبيت ويستغفر له كما جاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل).
***
السائل من اليمن يقول فضيلة الشيخ وجدت في إحدى القرى أناس يضعون قطعة جريد بجانب الميت بدعوى أنها تلين من جسد الميت وفوق القبر يوضع قارورة مملوءة بالماء والحبوب فما حكم عملهم هذا مأجورين؟

(196/38)

فأجاب رحمه الله تعالى: الله أعلم أنه يريد أن يجعلونها في القبر هذا الذي يظهر وعلى كل نقول وضع الجريدة مع الميت في القبر أو في الكفن أو على القبر بعد الدفن كل ذلك من البدع التي ينهى عنها وهي لا تنفع الميت ومن زعم من الناس أن وضع الجريدة على القبر بعد الدفن له أصل في السنة وهو ما أخرجه البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مر بقبرين في المدينة فقال إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير - أي في أمر شاق عليهما - أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين فقال يا رسول الله لم صنعت هذا قال لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) قالوا فهذا النبي صلى الله عليه وسلم بين أنه يخفف العذاب عن هذين الرجلين ما لم ييبسا فلنضع جريدة رطبة على الميت يخفف عنه العذاب فنقول هذا بدعة لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يضعها على كل قبر وإنما وضعها على قبرين كشف له أنهما يعذبان ووضع الجريد على الميت أو على القبر يعني أن صاحب القبر يعذب وهذا سوء ظن بالميت ورجم بالغيب فنحن لا نعلم هل يعذب أو لا لذلك ينهى عن هذا من وجهين أولا أنه بدعة والثاني أنه إساءة ظن بالميت بل والثالث أنه رجم بالغيب أما الأمر الثاني العجيب الذي ذكره السائل وهو أنهم يضعون جرة ماء وحولها حبوب فلعلهم يريدون أن يفطر بها الميت كل صباح يمكن يريدون هذا وهذا غلط غلط عظيم هذا عبث ولا فائدة منه إطلاقا ولا علمنا أحدا قاله والواجب على هذا الأخ الذي رأى أهل هذه القضية أن يكون نصحهم وبين لهم أن هذا بدعة وعبث وسفه ولعله فعل ذلك لكن لم يذكره في السؤال فإن كان قد حصل فهذا المطلوب وعليه أن يتابع ويخرج إليهم وينظر هل كفوا عن هذا أم لا وإن لم يكن فعل أي لم ينصحهم فلينصحهم فلعل الله أن يهديهم على يديه فيكون له في ذلك خير.
***

(196/39)

هل وضع الماء على القبور ينفع الميت؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا ينفع الميت ومن فعل ذلك معتقدا هذا فعقيدته هذه غير صحيحة إنما يرش القبر عند الدفن لئلا تتفرق أجزاء التراب بالريح أو غيرها هذا هو المقصود من رش القبر عند الدفن وأما أن الميت ينتفع به فالميت لا ينتفع به والماء أيضا لا يصل إليه وجسمه ليس بحاجة إلى الماء.
***

(196/40)

الزيارة
هل زيارة قبور الصالحين تثلم من التوحيد الإلهي إن لم يجعل الزائر المقبورين أربابا دون الله وهل من فرق بين الألوهية والربوبية.
فأجاب رحمه الله تعالى: زيارة قبور الصالحين وغيرها من قبور المسلمين تنقسم إلى قسمين زيارة شرعية وزيارة بدعية فالزيارة الشرعية هي أن يزورهم الإنسان للاتعاظ وتذكر الآخرة والدعاء لهم يعني يسأل الله لهم أن يغفر لهم ويرحمهم فهذه جائزة وشرعية أيضا مطلوبة من العبد لقول النبي صلى الله عليه وسلم (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة) ولإرشاده صلى الله عليه وسلم من زار القبور أن يقول (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين) إلى آخره والدعاء معروف ومشهور وأما القسم الثاني فهي الزيارة البدعية أو الشركية وهي أن يزور الإنسان قبور الصالحين والمسلمين لأجل أن يدعوهم ويستغيث بهم في قضاء الحوائج وحصول المنافع فهذا حرام ولا يجوز بل يكون من الشرك إما الأكبر أو الأصغر حسب ما تقتضيه الأدلة الشرعية أو يزورهم لأجل أن يدعو الله عند قبورهم اعتقادا منه أن الدعاء عند القبور أفضل من دعاء الله تبارك وتعالى في مكان آخر فهذا أيضا من البدع فإنه لا خصوصية للقبور في إجابة دعاء الله تبارك وتعالى وعلى هذا فإذا زار قبول الصالحين على الوجه الأول المذكور في القسم الأول فهذا لا بأس به ولا حرج وأما سؤاله ما الفرق بين الألوهية والربوبية الفرق بينهما أن الألوهية هي العبادة فتوحيد الألوهية معناه توحيد الله تعالى بعبادتك أي أن تعبد الله مخلصا له الدين كما قال الله عز وجل (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين) وأما توحيد الربوبية فهو إفراد الله تبارك وتعالى بالربوبية وهي الخلق والتدبير الكوني والشرعي كما قال الله عز وجل (ألا له الخلق والأمر) ويتضح ذلك بالمثال فالرجل الذي يؤمن بالله ربا ومدبرا خالقا متصرفا كما

(197/1)

يشاء ولكنه يسجد لصنم هذا مقر بالربوبية لكنه كافر بالألوهية والإنسان الذي لا يعبد غير الله ولكنه يعتقد أن هناك خالقا مع الله أو معينا له فإن هذا مشرك بالربوبية كافرا بها وإن كان في العبودية مقرا لكن هذا أيضا لا ينفعه الإقرار به كما أن من أشرك في الألوهية لا ينفعه الإقرار بالربوبية إذ لابد من التوحيدين جميعا توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وإنما ذكرنا ذلك لمجرد بيان الفرق وإلا فالحكم واحد فمن أشرك بالله في ألوهيته فهو مشرك وإن أقر بالربوبية ومن أشرك بالله في الربوبية فهو مشرك وإن أقر بالألوهية وأخلص.
***
بارك الله فيكم، فضيلة الشيخ يجهل الكثير من العامة الدعاء المأثور عند زيارة الرجال لقبر الرسول صلى الله عليه وسلم أو قبر الصحابة رضوان الله عليهم، حدثونا عن هذا الدعاء فضيلة الشيخ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الدعاء المأثور منه ( السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم ) والمقصود من زيارة القبور العظة والعبرة والدعاء لأصحاب القبور، وليس المراد بذلك التبرك بتربهم أو دعائهم أو اعتقاد أن الدعاء عندهم أقرب إلى الإجابة أو ما أشبه ذلك مما يظنه كثير من الجهال، وإذا كان الإنسان لا يعرف الدعاء المأثور عند زيارة القبور فإنه يمكنه أن يدعو بما شاء، لأن من المقصود بالزيارة الدعاء لأهل القبور.
***
بارك الله فيكم هذا المستمع محمد يقول فضيلة الشيخ إذا مررت بالمقبرة المسورة هل أسلم عليهم أم لا بد من الدخول إلى المقبرة؟

(197/2)

فأجاب رحمه الله تعالى: أنا متوقف في هذا أحيانا أقول يسلم لأن المقبرة تعتبر دارا لهؤلاء الأموات و أحيانا أقول لا يسلم لو مر الإنسان في بيت رجل وهو يعلم أن الرجل في نفس البيت فإنه لا يسلم حتى يلاقيه ويدخل إليه أو يقف عند بابه مستأذنا فأنا أتوقف في هذا ولكن إن سلم فأرجو أن لا يكون فيه بأس.
***
هل يجوز شد الرحال لزيارة قبر أي كان من الصالحين الأموات؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز ذلك أي لا يجوز للإنسان أن يشد الرحل لزيارة قبر من القبور أيا كان صاحب هذا القبر وذلك لأن زيارة القبور من العبادة كما سبق فإذا كانت من العبادة فإنه لا يجوز للإنسان أن يشد الرحل إلى مكان يختص بتلك العبادة سوى المساجد الثلاثة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى) وما سوى هذه الأماكن لا يجوز للإنسان أن يشد الرحل إليه تعبدا لله وتقربا إليه وزيارة القبور كما أسلفنا هي من العبادة فلا يجوز للإنسان أن يشد الرحل إلى القبر لأنها عبادة تختص بهذا المكان وهذا ممنوع في غير المساجد الثلاثة.
***
أحسن الله إليكم يقول السائل والدي متوفى منذ فترة طويلة وهو بعيد عني ولا أستطيع أن أقوم بزيارته إلا بعد السنتين أو الثلاثة فهل باستطاعتي أن أبره بشيء وأنا بعيد عنه أفيدونا مأجورين
فأجاب رحمه الله تعالى: المقصود بزيارة الموتى هو الدعاء لهم والدعاء لهم واصل في أي مكان كان الداعي لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) فأنت ادع الله لوالدك في أي مكان كنت بعيدا كنت أم قريبا ولا حاجة إلى زيارة قبره نعم لو كنت في نفس البلد جئت لحاجة وذهبت تزور أباك فلا بأس به أما أن تشد الرحل إلى قبره لتزوره فهذا منهي عنه.
***

(197/3)

المستمع الشريف من الأردن يقول هل المسلم إذا ألقى السلام على قبر مسلم ميت يعرفه يرد الله عليه روحه ويرد عليه السلام ما صحة هذا بارك الله فيكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب هذا الذي ذكره السائل جاء فيه حديث مرفوع صححه ابن عبد البر وهو أنه (ما من مسلم يمر بقبر رجل مسلم كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه فرد عليه السلام) وقد صححه ابن عبد البر نقل ذلك ابن القيم عنه في كتاب الروح وأقره ومن العلماء المتأخرين من ضعف هذا الحديث وقال إنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم.
***
أحسن الله إليكم وبارك فيكم يقول هذا السائل من السودان كنت أعرف شخصا قبل عشرين عاما وافترقنا بعد هذه المدة وكان لا يصلى منذ معرفتي له وقد توفي لا أدري هل أدعو له بالمغفرة أم لا؟

(197/4)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا تدعو له بالمغفرة ما دام مات وهو لا يصلى لأنه إذا مات وهو لا يصلى مات كافرا والعياذ بالله كما دل على ذلك نصوص الكتاب والسنة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم قال الله تعالى في كتابه الكريم (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين) فاشترط لثبوت الأخوة في الدين ثلاثة شروط الشرط الأول التوبة من الشرك والثاني إقامة الصلاة والثالث إيتاء الزكاة ومن المعلوم أن الشرط لا يتم المشروط إلا به وإذا انتفت الأخوة في الدين انتفى الدين هذا من القرآن أما من السنة فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) وأما أقوال الصحابة فقد نقل إجماعهم غير واحد من أهل العلم أنهم أجمعوا على كفر تارك الصلاة وهم صدر الأمة وأعلم الأمة بشريعة الله عز وجل ولم يرد حديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صريح في أن تارك الصلاة مؤمن وليس بكافر إنما وردت أحاديث عامة تخص بأحاديث كفر تارك الصلاة فمن مات وهو لا يصلى فإنه لا يجوز أن يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن مع المسلمين ولا يدعى له بالمغفرة والرحمة وإنما يخرج به إلى فلاة من الأرض فيحفر له ويرمس فيها رمسا لأنه لا حرمة له ولولا أن يخشى من تأذي الناس برائحته وتأثر أهله به لقلنا يطرح على ظهر الأرض طرحا كسائر الجيف كما قال بذلك أهل العلم في المبتدعة الذين بدعتهم مكفرة وخلاصة الجواب أن هذا الصاحب الذي مات وهو لا يصلى لا يجوز لصاحبه ولا لغيره أن يدعو له بالمغفرة والرحمة.
***

(197/5)

المستمعة من جدة تسأل عن حكم الشرع في نظركم في زيارة النساء لقبر الرسول صلى الله عليه وسلم عند قدومهن للصلاة في المسجد النبوي الشريف، وهل صحيح أن أمهات المؤمنين رضى الله عنهن جميعا قمن بذلك أم لا نرجو الإفادة جزاكم الله خيرا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: زيارة المرأة للقبور على نوعين، النوع الأول أن تكون قاصدة لذلك بحيث تخرج من بيتها إلى المقبرة للزيارة فهذا حرام، ولا يحل لها أن تقوم به لأن النبي صلى الله عليه وسلم (لعن زائرات القبور)، ولأن في زيارتها مفسدة فإن المرأة غالبا ضعيفة قليلة الصبر يخشى عليها إذا ذهبت إلى القبور أن تحدث من البكاء ما يصل إلى حد النياحة، ثم إنها قد تتعرض في ذهابها إلى المقبرة للفساق إما بالمكالمة أو المضايقة أو غير ذلك لأن الغالب أن المقابر تكون في مكان غير مسكون بل بعيد عن البلد وغير مأهول بحيث لا يمشى عليه أو يمشي حوله إلا أناس قليلون فتكون هذه المرأة الزائرة عرضة للفتنة، أما النوع الثاني فأن تزور المقبرة بلا قصد بحيث تمر بها عابرة فتقف وتسلم على أهل المقابر فهذا لا بأس به وعليه يحمل حديث عائشة رضى الله عنها حيث علمها النبي صلى الله عليه وسلم ما تقول لأهل القبور وهذا القول الذي قلناه فيه جمع بين الأدلة والفرق بين القصد وعدمه ظاهر في مسائل كثيرة، وعلى هذا التنويه ينبني حكم زيارة المرأة لقبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه، على أن بعض أهل العلم قال إن زيارة المرأة لقبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه أبي بكر وعمر رضى الله عنهما ليست زيارة حقيقية وذلك لأن قبورهم قد أحيطت بجدر بحيث لا يعد الواقف من ورائها زائرا للقبر، ولكن في النفس من هذا شيء والذي يظهر لي أن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه كزيارة القبور الأخرى لا يحل للمرأة أن تزور هذه القبور على سبيل القصد ثم إنني أقول إذا كانت زيارة المرأة لقبر النبي صلى الله عليه وسلم

(197/6)

وقبري صاحبيه دائرة بين الاستحباب والإباحة والتحريم فالأحوط والأسلم للمرأة أن لا تقوم بها أي بزيارة هذه القبور الثلاثة ويكفيها أنها تسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهي في صلاتها فهي تقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وتسليمها هذا يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ولو كانت في أقصى الشرق أو الغرب.
***
بارك الله فيكم هذا السائل يقول ما حكم زيارة النساء للقبور وما يحملنه معهن من بخور إلى أن يتم دفن الميت هل يجوز ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يحل للنساء أن يتبعن الجنائز ولا يحل لهن أن يزرن القبور قالت أم عطية (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا) (ولعن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم زائرات القبور) فلا يحل لامرأة أن تتبع الجنازة ولا أن تزور المقبرة وأما قول أم عطية رضي الله عنها (ولم يعزم علينا) فقد قال بعض أهل العلم إن هذا تفقه من عندها وإننا مطالبون بما دلت عليه السنة وهو قولها (نهينا عن اتباع الجنائز) فإذا ثبت النهي فالأصل فيه التحريم وقولها (ولم يعزم علينا) هذا تفقه من عندها وعلى كل حال فالنساء منهيات عن اتباع الجنائز وزائرات القبور ملعونات نعوذ بالله من ذلك.
***
جزاكم الله خيرا هذه سائلة للبرنامج من جمهورية مصر العربية تقول في هذا السؤال أفيدوني في زيارة القبور للنساء هل هو حرام أم حلال لأن هناك أحاديث تحرم وأحاديث تحلل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) وقال صلى الله عليه وسلم (المرأة التي تزور المقابر لا تشم رائحة الجنة) وأنا أرغب في زيارة والدة زوجي أفيدوني بارك الله فيكم ونفع بكم؟

(197/7)

فأجاب رحمه الله تعالى: زيارة المرأة للقبور محرمة بل من كبائر الذنوب لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لعن زائرات القبور) أما الحديث الذي ساقته السائلة فلا أعلمه ثابتا بلفظه وعلى هذا فلا يحل للمرأة أن تزور القبور فإن فعلت فهي آثمة مرتكبة كبيرة من كبائر الذنوب وأما قوله النبي صلى الله عليه وسلم (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) فهذا خاص بالرجال ودليل التخصيص أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لعن زائرات القبور) ونقول للمرأة ماذا تريدين من زيارة القبر سيكون الجواب أنها تريد أن تدعو للميت صاحب القبر فنقول لها الدعاء للميت جائز عند قبره وفي أي مكان فأنت ادعي للميت ولو في بيتك ويغني ذلك عن زيارته.
***
يقول هذا السائل ما رأي فضيلتكم في زيارة المرأة لقبر المصطفى صلى الله عليه وسلم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم رحمهم الله في هذه المسألة فمنهم من قال إنه يحرم عليها أن تزور قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لعن زائرات القبور) ومنهم من قال لا بأس بذلك لأنها وإن وقفت عند الحجرة فإنها لم تزر القبر إذ بينها وبين القبر جدران ثلاثة فهي لن تصل إليه وغاية ما هنالك أنها وقفت حول القبر وأرى أن المسألة ما دامت قد اختلف فيها العلماء ولم يؤثم أحد من العلماء المرأة إذا لم تزر قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أرى ألا تزور القبر أولا أن هذا وإن كان بينها وبين القبر هذه الجدران تسمى عند الناس زيارة وثانيا ما دام العلماء مختلفين في هذه المسألة منهم من يقول تأثم ومنهم من يقول لا تأثم أو تؤجر فالسلامة أسلم وهي إذا سلمت على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أي مكان من الأرض فإن سلامها يبلغ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
***
هل يجوز للمرأة أن تزور قبر الرسول صلى الله عليه وسلم؟

(197/8)

فأجاب رحمه الله تعالى: المرأة ليست من أهل الزيارة للقبور لأنها ضعيفة سريعة التأثر قوية العاطفة فيحصل في زيارتها من المنكرات ما جعلها غير مأمورة بزيارة المقبرة بل هي منهية عنها بل (لعن النبي صلى الله عليه وسلم زائرات القبور) وهذا إذا خرجت المرأة من بيتها لزيارة المقبرة قاصدة لها أما إذا زارت المقبرة عرضا مثل أن تمشي إلى حاجة لها فتمر بالمقبرة فتقف وتسلم على أهل القبور فإن ذلك لا بأس به فقد علم النبي صلى الله عليه وسلم عائشة ما تدعو به إذا زارت القبور وهكذا نقول في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إن المرأة لا تقصد زيارته قصدا أوليا ولكن لو مرت من هناك مارة بمقدم المسجد فوقفت عند القبر وسلمت عليه فإن هذا لا بأس به ولكن ذلك مشروط بألا يخشى منه الفتنة وأن لا يكون فيه مزاحمة للرجال فإن كان فيه مزاحمة الرجال أو خوف فتنة فإنها تنهى عن ذلك والله أعلم.
***
هذه السائلة من الرياض تقول أنا أعلم بأن زيارة القبور للنساء محرمة ولا تجوز ولكن إحدى الأخوات تقول بأنني أريد أن أزور قبر أمي برفقة أبي هل يجوز لها ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز لها ذلك لأن المرأة ممنوعة من زيارة القبور سواء بنفسها أو مع محرمها لأن النبي صلى الله عليه وسلم (لعن زائرات القبور) وإذا كانت تريد أن تنفع أمها فلتدعو الله لها ومتى دعت الله في أي مكان واستجاب الله دعاءها فإن الأم سوف تنتفع بهذا الدعاء نعم لو أن المرأة خرجت من بيتها لغير زيارة القبور ثم مرت بالمقبرة فلا بأس أن تقف وتسلم على أهل القبور بالسلام المعروف (السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم) وينصرف.
***

(197/9)

سؤال أحمد محمود علي خليل يقول النساء يخرجن معنا عند القبور وفي يوم العيد نذهب ونعيد على الميت فما حكم ذلك أرجوكم تفيدوني لأنني محتار من هذا الفعل في مجتمعنا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا أيضا من البدع، تخصيص أيام العيد لزيارة المقبرة أمر بدعي لم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، فزيارة القبور مشروعة كل وقت ليلا ونهارا في أيام الأعياد وغيرها، أما بالنسبة لزيارة النساء للقبور فهذا لا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم (لعن زائرات القبور)، ولا يرخص للمرأة أن تزور المقبرة إلا إذا مرت بها بدون قصد فوقفت وسلمت على أهل القبور فلا حرج، وأما أن تخرج من بيتها بقصد الزيارة فهذا لا يجوز.
***
الأخت السائلة أم نعمان مقيمة بالرياض الصالحية تقول توجد في الطريق إلى بيت أهلي مقبرة وقد دفنت جدتي فيها فحينما أريد الذهاب إلى بيت أهلي أمر منها مرورا دون الوقوف بها فأقرأ الفاتحة وسور الإخلاص والمعوذتين وأسلم على الأموات عموما وأدعو لهم بالرحمة والمغفرة فهل علي إثم في ذلك رغم أنني أفعل ذلك أثناء مروري دونما قصد للزيارة ودونما توقف؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ليس عليك إثم في هذا إذا سلمتي عليهم على أهل القبور ودعوتي لهم بالرحمة والمغفرة كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم) وأما قراءة الفاتحة والإخلاص وغيرها من القرآن فإن هذا من البدع فلا ينبغي أن تفعلي ذلك واجتنبيه ويكفي السلام والدعاء الوارد في السنة.
***

(197/10)

أم مقبل من العراق لها رسالة طويلة تقول في رسالتها هل أستطيع أن أزور قبر ابني حيث إنه مات وقد سمعت من بعض الناس أنهم يقولون إن الوالدة إذا ذهبت إلى القبر قبل طلوع الشمس ولم تبك وقرأت سورة الفاتحة يمكن لولدها أن يراها بحيث تكون المسافة بينهما مثل ثقوب المنخل وإذا بكت عليه حجبت عنه ما صحة هذا بارك الله فيكم وما حكم زيارة النساء للقبور أفيدونا جزاكم الله خيرا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الذي ذكرت من أن المرأة إذا زارت قبر ابنها يوم الجمعة قبل طلوع الشمس وقرأت الفاتحة ولم تبك فإنه يكشف لها عنه حتى تراه كأنما تراه من خلال المنخل نقول إن هذا القول ليس بصحيح وهو قول باطل لا يعول عليه وأما حكم زيارة النساء للقبور فقد اختلف العلماء فيها فمنهم من كرهها ومنهم من أباحها إذا لم تشتمل على محظور ومنهم من حرمها والصحيح والراجح عندي من أقوال أهل العلم أن زيارة النساء للقبور حرام لأن النبي صلى الله عليه وسلم (لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج) واللعن لا يكون على فعل مباح و لا يكون أيضا على فعل مكروه بل لا يكون إلا على فعل محرم بل إن القاعدة المعروفة عند أهل العلم تقتضي أن تكون زيارة النساء للقبور من كبائر الذنوب لأنه رتب عليها اللعنة والذنب إذا رتبت عليه اللعنة صار من كبائر الذنوب كما هو الأصل عند كثير من أهل العلم أو أكثرهم وعلى هذا فإن نصيحتي لهذه المرأة التي توفي ولدها أن تكثر من الاستغفار والدعاء له وهي في بيتها وإذا قبل الله ذلك منها فإنه ينتفع به الولد وإن لم تكن عند قبره.
***
بارك الله فيكم من أسئلة المستمع سراج هذا السؤال يقول هناك البعض من النساء يقمن بزيارة القبور معللات ذلك بكبر سنهن ماذا تنصحونهن بارك الله فيكم؟

(197/11)

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي ننصح هؤلاء النساء اللاتي يزرن القبور أن يتجنبن ذلك وأن يتبن إلى الله عز وجل من ذلك العمل لأن زيارة المرأة للقبور كبيرة من كبائر الذنوب فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم (لعن زائرات القبور والمتخذين عليها مساجد والسرج) فعليهن أن يتبن إلى الله وأن يبتعدن عن هذه الزيارة ولا فرق بين المرأة الكبيرة والمرأة الشابة لأن العلة واحدة وهي أنها امرأة ولا يشكل على هذا ما ورد في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم ما تقول في الدعاء للأموات فأعلمها بالدعاء الذي يقال عند زيارة القبور بأن هذا محمول على ما إذا مرت المرأة بالمقبرة من غير قصد الزيارة ففي هذه الحال لا بأس أن تقف وأن تدعو بما جاءت به السنة من الدعاء لأصحاب القبور وأما أن تخرج من بيتها تريد الزيارة فهذا محرم بل هو من كبائر الذنوب.
***
بارك الله فيكم امرأة تقول سمعت في إحدى حلقات برنامج نور على الدرب بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور من النساء فهل تحرم هذه الزيارة إن كانت للدعاء للأموات من الأقارب وغيرهم دون نياحة أوشق أو لطم علما بأن لي أخت في اليمن توفيت قريبا وأنا الآن أريد أن أقوم بزيارة إلى اليمن إن شاء الله فهل يحرم علي زيارة قبر أختي يرحمها الله للدعاء لها والسلام عليها أفيدونا أيضا بهذا مأجورين؟

(197/12)

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي نرى أن زيارة النساء للقبور من كبائر الذنوب لأن النبي صلى الله عليه وسلم (لعن زائرات القبور) واللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله وهذا وعيد وقال أهل العلم رحمهم الله في حد الكبيرة ما فيه عقوبة في الدنيا أو وعيد في الآخرة أو لعنة أو غضب أو نفي إيمان أو ما أشبه ذلك من العقوبات التي ترتب على المعصية فإن ذلك يدل على أنها من كبائر الذنوب فلا يحل للمرأة أن تزور المقبرة ولا أن تزور قبر أحد من الناس ولكن لو خرجت لحاجة لها ومرت بالمقبرة ووقفت وسلمت على أهل القبور ودعت لهم فإن هذا لا بأس به كما يدل عليه ظاهر حديث عائشة الذي أخرجه مسلم وأما أن تخرج من بيتها لقصد الزيارة أي زيارة القبور فإن ذلك من كبائر الذنوب وحرام عليها.
***
هل يجوز للمرأة زيارة القبور للدعاء للميت وقراءة القرآن والفاتحة عليه؟

(197/13)

فأجاب رحمه الله تعالى: الصحيح أنه لا يجوز للمرأة أن تزور المقابر لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جاء عنه (أنه لعن زائرات القبور) ولأن المرأة لو فتح لها هذا الباب لكان في ذلك فتنة لها وفتنة بها فإن المرأة لا تكاد تصبر إذا وقفت على قبر أمها أو أبيها أو أحد ممن تحبه لا تصبر وربما يتجدد لها حزنها دائما كلما زارت المقبرة وربما يتعرض لها أحد بسوء لأن المقابر في الغالب تكون خارج البلد أو في مكان نائي منه فلهذا كان من الحكمة أن تمنع من زيارة القبور وأما الدعاء للميت فيمكن أن تدعو له وهي في بيتها لأن الدعاء لا يشترط له مكان معين وأما قراءة القرآن عليه فقراءة القرآن على الميت بدعة سواء من الرجال أو من النساء لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بل كان عليه الصلاة والسلام إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال (استغفروا لأخيكم فإنه الآن يسأل) ولم يرد عنه أنه كان يقرأ على القبور أو على المقبرة عموما بل كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسلم على أهل المقابر ويدعو لهم بالرحمة والمغفرة.
***
بارك الله فيكم إذا زارت المرأة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم فمرت بشهداء أحد وأهل البقيع علما بأنها لم تدخل إلى القبور بل من خلف الشبك الموجود وتردد الدعاء الوارد عند زيارة القبور فهل عليها إثم في ذلك أرجو الإفادة

(197/14)

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس على المرأة إثم إذا مرت بالمقبرة أن تقف وتدعو لأهل القبور لأنها لم تأت إلى هذه المقبرة لزيارتها وإنما خرجت من بيتها لحاجتها ومرت بهذه بالمقبرة مرورا غير مقصود للزيارة فلا حرج عليها أن تقف وأن تدعو بالدعاء المأثور سواء كان ذلك في شهداء أحد أو غيرهم لكن الغالب أن المرأة بالنسبة لشهداء أحد لا تصل ذلك المكان إلا وهي تقصد أن تزور قبور الشهداء هناك, نعم ربما تخرج إلى هناك لتنظر مواقع غزوة أحد وفي حال تجولها في هذا المكان تمر بهذه القبور فنقول كما قلنا بالأول إنها إذا وقفت وسلمت فإنه لا حرج في هذا.
***
بارك الله فيكم عرفنا فضيلة الشيخ أن زيارة القبور خاصة فقط للرجال وهي محرمة على النساء ونظرا لكثرة الرسائل التي تصل إلى هذا البرنامج من البلدان العربية والإسلامية تقول ما الحكمة في منع النساء من زيارة القبور؟

(197/15)

فأجاب رحمه الله تعالى: أقول إن فهمك جيد حيث فهمت من قولي إن زيارة القبور سنة للرجال، أما الزيارة للنساء غير مشروعة وهو كذلك فإن المرأة لا يسن لها زيارة القبور بل القول الراجح من أقوال أهل العلم أن زيارتها للقبور محرمة بل من كبائر الذنوب لأن النبي صلى الله عليه وسلم (لعن زائرات القبور) واللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله ولا يكون اللعن إلا على إثم كبير ولهذا جعل أهل العلم من علامة الكبيرة أن يرتب عليها اللعن لأنه عقوبة عظيمة والعقوبة العظيمة لا تكون إلا على ذنب عظيم، ولكن إذا مرت المرأة بالمقبرة فلا حرج عليها أن تقف وتدعو لأصحاب القبور وأما أن تخرج من بيتها قاصدة الزيارة فهذا هو المحرم، والحكمة من ذلك أن في زيارة النساء للقبور مفاسد منها أن المرأة ضعيفة قوية العاطفة فربما لا تتحمل إذا وقفت على قبر قريبها كأمها وأبيها وما أشبه ذلك أن تصبر وإذا لم تصبر حدث لها من البكاء والعويل والنياحة ما يكون ضررا عليها في دينها وبدنها، ومنها أنها إذا مكنت من الزيارة فخرجت إلى المقبرة، والمقبرة غالبا تكون خالية من الناس الأحياء فإنها قد يتعرض لها الفساق وأهل الفجور في هذا المكان الخالي فيحصل عليها الشر والفساد، ومنها أن المرأة إذا خرجت من بيتها إلى المقبرة وهي كما أشرت أنفا قوية العاطفة ضعيفة العزيمة ربما تتخذ ذلك ديدنا لها فتضيع بذلك مصالح دينها ودنياها وتبقى نفسها معلقة بهذه الزيارة، ولو لم يكن من الحكمة إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم (لعن زائرات القبور) لكان ذلك كافيا في الحذر من زيارة القبور وفي البعد عنها لأن الله سبحانه وتعالى إذا قضى أمرا في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فإن ذلك هو الحكمة لقوله تعالى (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) وقد سئلت عائشة رضى الله عنها ما

(197/16)

بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة فقالت كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة وهذا يدل على أن الحكمة كل الحكمة في امتثال أمر الله ورسوله واجتناب نهي الله ورسوله.
***
المستمع فلاح مهدي من العراق يقول عندما يدفن الميت يتركه أهله أربعون يوما لا يزورنه وبعد ذلك يذهبون إلى زيارته بحجة أنه لا يجوز زيارة الميت قبل أربعين يوما فما الحكم في هذا من الناحية الشرعية مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: قبل الإجابة على هذا السؤال ينبغي أن نبين أن زيارة القبور سنة في حق الرجال أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن نهى عنها فقال صلى الله عليه وسلم (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها فإنها تذكركم الآخرة) والزائر الذي يزور القبور يزروها امتثالا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتبار بحال هؤلاء الأموات الذين كانوا بالأمس معه على ظهر الأرض يأكلون كما يأكل ويشربون كما يشرب ويلبسون كما يلبس ويتنعمون في الدنيا كما يتنعم فأصبحوا الآن مرتهنين في قبورهم بأعمالهم ليس عندهم صديق ولا حميم وإنما جليسهم عملهم كما قال النبي عليه الصلاة والسلام (إذا مات الإنسان تبعه ثلاثة ماله وأهله وعمله فيرجع اثنان ويبقى واحد يرجع المال والأهل ويبقى العمل) فيعتبر الزائر بحال هؤلاء، والفائدة الثالثة أنه يتذكر الآخرة وأن المقر والمرجع هو الآخرة وأن الدنيا دار ممر وليس دار مستقر ومع ذلك فليست القبور هي المثوى الأخير بل بعدها ما بعدها من اليوم الآخر الذي هو كما وصفه الله يوم آخر لا يوم بعده، وأما البقاء في القبور فهو زيارة كما قال تعالى (ألهاكم التكاثر (1) حتى زرتم المقابر) وقد ذكر أن أعرابيا سمع قارئا يقرأ هذه الآية (حتى زرتم المقابر) فقال والله ما الزائر بمقيم وإن وراء هذه الزيارة لأمر إقامة، وبهذه المناسبة أود أن أنبه إلى كلمة يقولها بعض الناس من غير روية ولا

(197/17)

تدبر لمعناها وهو أنهم إذا تحدثوا عن الميت قالوا ثم آووه إلى مثواه الأخير أو كلمة نحوها المهم أنهم يقولون إلى مثواه الأخير وهذه الكلمة لو أردنا أن ندقق في معناها لكانت تتضمن إنكار البعث لأنه إذا كان القبر هو المثوى الأخير فمعناه أنه لا بعث بعده وهذا أمر خطير لأن الإيمان بالله واليوم الآخر شرط في الإيمان والإسلام، لكن الذي يظهر لي أن العامة يقولونها من غير تدبر لمعناها ومن غير روية ولكن يجب التنبه لذلك وإنه يحرم على الإنسان أن يطلق هذه العبارة فإن كان يعتقد ما تدل عليه فهو كفر لأن من اعتقد أن القبر هو المثوى الأخير وأنه ليس بعده شيء فقد أنكر اليوم الآخر، الفائدة الرابعة من زيارة القبور أن الزائر يسلم على أهل القبور ويدعو لهم فيقول السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية هذه أربع فوائد في زيارة القبور، وأما من يزور القبور للدعاء عندها فإن ذلك من البدع فالمقبرة ليست مكان يقصد للدعاء حتى يذهب ليدعو الله عند قبر رجل صالح أو ما أشبه ذلك وأشد من ذلك من يذهب إلى المقبرة ليدعو أصحاب القبور ويستغيث بهم ويستعين بهم فإن هذا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، قال الله عز وجل (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) وقال الله عز وجل (فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين) والآيات في هذا المعنى كثيرة فمن دعا غير الله لقضاء حاجته من هؤلاء الأموات فقد أشرك بالله شركا أكبرا وليعلم أن زيارة القبور لا تختص بيوم معين ولا بليلة معينة بل يزورها الإنسان ليتذكر الآخرة ولقد زار النبي صلى الله عليه وسلم البقيع ذات مرة في الليل وهو دليل على أن الزيارة لا يشترط لها يوم معين، أما

(197/18)

فيما يتعلق بسؤال السائل وهو أن أهله لا يزورونه إلا إذا تم له أربعون يوما فهذا لا أصل له بل للإنسان أن يزور قبر قريبه من ثاني يوم دفن ولكن لا ينبغي للإنسان إذا مات له الميت أن يعلق قلبه به وأن يكثر التردد إلى قبره لأن هذا يجدد له الأحزان وينسيه ذكر الله عز وجل ويجعل أكبر همه أن يكون عند هذا القبر وربما يبتلى بالوساوس والخرافات والأفكار السيئة بسبب هذا.
***
عندما يمضي سبعة أيام على الميت يقوم أهل الفقيد من النساء بالذهاب إليه في المقبرة، ويقومون بالبكاء مرة أخرى، وعندما يكمل خمسة عشرة يوما يكررون نفس الطريقة، ومرة أخرى عندما يكمل الأربعين ويقومون بالحزن عليه لمدة عام أو أكثر ويحرمون الصغار من اللعب والمرح، هل يجوز أم لا نرجوا من فضيلتكم الإفادة أفادكم الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز هذا العمل لأن زيارة المرأة للمقابر إذا خرجت من بيتها لهذا القصد، فإنها ملعونة والعياذ بالله لأن النبي صلى الله عليه وسلم (لعن زائرات القبور)، وهؤلاء خرجن لزيارة القبور وللنياحة أيضا عند القبر، لأن الظاهر من حال هؤلاء أن لا يقتصرن على البكاء المجرد بل إنهن لابد أن يكون ثم نياحة وقد (لعن النبي صلى الله عليه وسلم النائحة والمستمعة)، وكذلك الإحداد لمدة عام كله من المنكر الذي لا يجوز فإنه (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحتد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا)، وما عدا ذلك من الإحداد فكله محرم ولا يجوز، وليعلم المؤمن أنه إذا صبر على المصيبة أعانه الله عز وجل وسدد خطاه وأنساه مصيبته وأثابه عليها مع الاحتساب، وإذا تسخط وحزن استمرت المصيبة في قلبه وازداد بذلك حسرة على حسرته، فليتق الله عز وجل وليرض به ربا فإن لله حكمة فيما أخذ وفيما أبقى، وكل شيء عنده بأجل مسمى.
***
بارك الله فيكم فضيلة الشيخ ما حكم زيارة الميت يوم الجمعة وتخصيص ذلك اليوم نرجو بذلك إفادة؟

(197/19)

فأجاب رحمه الله تعالى: الصحيح أن الميت لا تخص زيارته بيوم الجمعة بل تزار القبور في أي وقت كان وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه زارها ذات ليلة من الليالي والمقصود بزيارة الموتى والقبور تذكر الموت لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الموت أو قال تذكركم الموت وفي لفظ تذكر الآخرة) وذلك أن الرجل إذا مر بالمقابر وجد هذه الدور الكثيرة التي سكنها أناس كانوا معه يسكنون القصور كانوا يمشون على الأرض والآن هم مرتهنون في بطن الأرض كانوا يتمكنون من الأعمال الصالحة والآن لا يتمكنون من الأعمال الصالحة كان يمكنهم أن يتوبوا إلى الله من سيء الأعمال والآن لا يمكنهم أن يتوبوا إلى الله يتذكر مثل هذه الأمور ثم يقول لنفسه ألست أنا سأكون مثلهم قد يكون عن قريب أو بعيد هو قريب في الواقع فيتذكر ويستعتب ويتوب ويقبل إلى الله عز وجل بهذه الزيارة وأما زيارة المقابر من أجل الاستنجاد بالمقبورين ودعائهم أو دعاء الله عند قبورهم كل هذه بدعة عظيمة ومنها ما يوصل إلى الشرك الأكبر كدعاء المقبورين والاستنجاد بهم فالواجب على المؤمن أن يفرق بين الزيارة الشرعية والزيارة البدعية والزيارة الشركية فيقوم بالشرعية ويدع البدعية والشركية.
***
أحسن الله إليكم يسأل السائل أيضا من جمهورية مصر العربية ويقول البعض من الناس يذهب إلى القبور وخصوصا يوم وقفة عرفة ويوم العيد حيث تمتلئ المقابر بالرجال والنساء ما توجيه فضيلتكم لهؤلاء؟

(197/20)

فأجاب رحمه الله تعالى: أوجه إلى هؤلاء النصيحة لا سيما النساء فإن النساء لا يحل لهن أن يزرن القبور لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعن زائرات القبور فالمرأة لا يحل لها أن تزور قبر أي إنسان لأنها إذا فعلت ذلك عرضت نفسها للعنة والعياذ بالله واللعنة هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله سبحانه وتعالى أما بالنسبة للرجال فإن الرجال يسن لهم أن يزوروا القبور لأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك فقد قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة وفي لفظ تذكر الموت) لكن اتخاذ يوم عرفة أو يوم العيد وقت للزيارة على وجه معتاد بدعة بلا شك لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يخصص يوما من الأيام لا أيام السنة ولا أيام الأسبوع لزيارة القبور ولكن نقول كلما مضى حين وحين فزر المقبرة لا سيما إن رأيت من قلبك قسوة ونسيانا للموت أما أن تجعل يوم عرفة ويوم العيد وقتا للزيارة فهذا لا يجوز إلا بدليل ولا دليل على هذا.
***
أحسن الله إليكم إبراهيم أبو حامد يقول هناك أناس يذهبون إلى المقابر فور انتهاء صلاة العيد بقصد السلام على موتاهم وذلك في كل عيد بصفة مستمرة فما حكم ذلك العمل مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: حكمه أنه لا أصل له من عمل السلف الصالح واعتقاد أن ذلك سنة يجعله بدعة لكن هذا شيء اعتاده الناس وينبغي لطلبة العلم أن ينبهوهم على أن ذلك غير مشروع فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يكن يخرج يوم العيد لزيارة القبور ولم يأمر أمته أن يخرجوا لزيارة القبور وشيء لم يعتاده الرسول عليه الصلاة والسلام من العبادات أي مما يتعبد به الإنسان يكون بدعة إذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
***

(197/21)

المستمع بسيوني إبراهيم متولي يقول في رسالته عندنا في القرية وفي ليلة عيد الفطر أو ليلة عيد الأضحى المبارك عندما يعرف الناس بأن غدا عيد يخرجون إلى القبور في الليل ويضيئون الشموع على قبور موتاهم ويدعون الشيوخ ليقرؤوا القرآن على القبور ما صحة هذا الفعل جزاكم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الفعل فعل باطل محرم وهو سبب للعنة الله عز وجل (فإن النبي صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج) والخروج إلى المقابر في ليلة العيد ولو لزيارتها بدعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد عنه أنه كان يخصص ليلة العيد ولا يوم العيد بزيارة المقبرة وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) فعلى المرء أن يتحرى في عباداته وكل ما يفعله مما يتقرب به إلى الله عز وجل أن يتحرى في ذلك شريعة الله سبحانه وتعالى لأن الأصل في العبادات المنع والحظر إلا ما قام الدليل على مشروعيته وما ذكره السائل من إسراج القبور ليالي العيد قد دل الدليل على منعه وعلى أنه من كبائر الذنوب كما أشرت إليه قبل قليل من أن النبي صلى الله عليه وسلم (لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج).
***
بارك الله فيكم المستمع حامد يقول لدينا ظاهرة منتشرة وهي توجه كثير من الناس إلى المقابر بعد الفراغ من صلاة العيد فما حكم الشرع في نظركم في هذا العمل؟

(197/22)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا العمل بدعة لم يكن في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام أن يعتاد زيارة القبور في يوم العيد وإنما أمر النبي عليه الصلاة والسلام بزيارة القبور أمرا مطلقا عاما فقال عليه الصلاة والسلام (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة) فينبغي للإنسان أن يزور القبور كل وقت سواء في الليل أو في النهار وليس ذلك مقيدا بوقت من الأوقات لا في يوم الجمعة ولا في يوم العيد بل قد نقول إنه كلما قسى قلبه ونسي الآخرة فينبغي له أن يخرج إلى المقابر ويزورها لأجل أن تذكره بالآخرة كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله (فإنها تذكركم الآخرة).
***
عندما كنت في السودان موجودا للعزاء في والدي رحمه الله وجميع موتى المسلمين ذهب إخوتي وأخواتي صبيحة عيد الأضحى إلى المقابر لزيارة قبر والدي بعد مضي أسبوع من وفاته وطلبت منهم عدم الذهاب بالرغم من حزني على فراقه لنا خاصة وإنني بعيد منه كما ذكرت فإنني طلبت منهم عدم الذهاب إلى المقابر في أول يوم للعيد لأنه يوم فرح المسلمين ولا يجوز الحزن فيه بل إبداء السرور والإيمان بقضاء الله وقدره وطلبت من إخوتي ومن رافقهم من نسوة بعدم الذهاب لأن زيارة النساء عموما للمقابر ليس فيها من الخير شيء خاصة في زماننا هذا إلا أنهم ذهبوا مع إخواني امتثالا لما هو شائع من تقاليد وعادات أرجو من فضيلتكم التكرم إذا كنت محقا في ما ذكرت لهم بعدم الذهاب إلى المقابر في ذلك اليوم وخاصة النساء جزاكم الله خيرا؟

(197/23)

فأجاب رحمه الله تعالى: الحق معك إن شاء الله في هذه المسألة وأنت أديت الواجب عليك من نصحهم وما ذكرت من أنه لا يجوز للنساء زيارة القبور هو الحق فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى النساء عن زيارة القبور بل (لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج) وأما زيارة القبور في يوم العيد خاصة فإن ذلك من البدع فإنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يخص يوم العيد بزيارة المقبرة بل كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يزور المقبرة متى سنحت له فرصة وأمر بزيارة القبور عموما في أي وقت فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الموت (وفي) رواية تذكر الآخرة).
***
هذه الرسالة وردتنا من بلاد بني مالك بجيلة المركز الفرعي لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعث بها المرسل يقول ابنكم البار هلال سراج المالكي يقول في رسالته سؤالي هو أن هناك أهل قرية من إحدى قرى بني مالك الحجاز بمنطقة بجيلة وأهل تلك القرية عندهم عادة دون غيرهم من أهل القرى والقبائل وهي أنهم عقب انتهائهم من صلاة المشهد في كل يوم عيد سواء كان عيد الأضحى أو عيد الفطر يذهبون إلى زيارة قبور أهليهم ومن في تلك المقبرة من أموات المسلمين وذلك من أجل السلام عليهم وفي أثناء الطريق يتضرعون إلى الله ويدعون ومن جملة تضرعهم ودعائهم قولهم الله الله أنا يا الله عبدا ضعيفا يطلب الغفران إلى أن يقولون أربع تكابير أربع تكابير وهم واقفون ولكنهم لم يشدوا رحال وعند مشاهدتهم المقبرة وعلى بعد حوالي ثمانين متر تقريبا يرفعون أصواتهم تحت تذلل وخشوع بقول لا إله إلا الله ثم يتقدم أحد القراء وهم واقفون ثم يسلم على الميتين بما ورد عنه صلى الله عليه وسلم السلام عليكم إلى آخر الدعاء يقول نريد أن تذكروا لنا حكم هذه الزيارة وحكم ما يقال فيها وما يفعل؟

(197/24)

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول زيارة القبور مستحبة للرجال كل وقت ليلا ونهارا في أيام الأعياد وفي غيرها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها وفيها فائدتان عظيمتان إحداهما تذكر الآخرة والثانية الدعاء لهؤلاء الأموات من المؤمنين والمسلمين وإذا كانت من العبادات فإنه يجب على المؤمن أن يكون فيها متبعا لا مبتدعا متبعا في هيئتها وفي زمنها وهذا الزمن الذي خصصه هؤلاء وهو ما بعد صلاة العيدين يخرجون إلى المقبرة هذا الزمن ليس واردا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد أنه صلى الله عليه وسلم يخص المقبرة بزيارة بعد صلاة العيد وعلى هذا فتخصيصها بهذا اليوم أو الذهاب إلى المقبرة في هذا اليوم يعتبر من البدع التي لا يجوز للمرء أن يتقيد بها وإن كان الأصل أن الزيارة مشروعة ولكن تخصيصها في هذا اليوم أو فيما بعد الصلاة هو من البدع هذا واحد فهي بدعة زمنية كذلك أيضا الصيغة التي يؤدون بها هذه الزيارة لكونهم يذهبون مجتمعين ويقولون هذا الدعاء إذا أقبلوا على المقبرة وهذا الذكر ثم يتقدم القارئ فيقرأ هذا أيضا من البدعة في صيغة الدعاء وفي كيفية الزيارة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد عنه أنه يذهب هو وأصحابه مجتمعين ولا أنهم يعملون كما يعمل هؤلاء من الدعاء بهذه الدعوات في مكانها المعين وحين إقبالهم إلى المقبرة فالواجب على هؤلاء الإخوان أن ينتهوا عن هذا وأن يتوبوا إلى الله وأن يزوروا المقبرة كلما سنحت لهم الفرصة واشتدت بهم الغفلة عن الآخرة حتى يتذكروا بها ما يصيرون إليه كما صار إليه هؤلاء الأموات الذين كانوا من قبل أحياء على ظهر الأرض وأن يكونوا متبعين للرسول صلى الله عليه وسلم في جميع عباداته لأننا لو قلنا إن كل من استحسن شيئا تقرب به إلى الله أصبح الدين غير منضبط وأصبح لكل قوم دين لأن هؤلاء يستحسنون كذا فيدينون لله به وهؤلاء يستحسنون كذا فيدينون لله به وحينئذ تتفرق الأمة شيعا كل حزب بما

(197/25)

لديهم فرحون والواجب الرجوع إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويسعنا ما يسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
فضيلة الشيخ: بالنسبة للبدعة الزمنية التي ذكرتم وهي زيارة المقابر في يوم العيد قد يقول قائل أن هذا اليوم الذي هو يوم العيد يتفرغ الناس من أعمالهم ويتذكرون أقاربهم ويزورون الأحياء لذلك يشركون الأموات في الزيارة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نقول ردا على هذا ليس الأوقات كلها مشغولة إلا يوم العيد ففي يوم الجمعة وقت فراغ وفي يوم الخميس وقت فراغ خصوصا للموظفين ثم إن يوم العيد ليس الحامل للناس على هذا هو الفراغ وإنما الحامل أنهم يعتقدون أن الخروج إلى المقبرة في هذا اليوم بمنزلة التزاور بين الأحياء والمعايدة ولهذا يقول بعضهم لبعض ما ذهبت تعايد أمواتك هذا هو المعروف عندهم فهم يعتقدون أن للزيارة يوم العيد بذاته خاصية ليسوا يقولون لأننا نتفرغ ثم إن الفراغ في الحقيقة ليس مقرونا بوقت معين فالفراغ قد يتفرغ الإنسان في غير يوم العيد وقد ينشغل في يوم العيد.
***
السائل محمد أحمد بدر مصري يعمل بالعراق أيضا يقول عندنا عادة في يوم العيد بعد أداء صلاة العيد نقوم بزيارة المقابر فنجد هناك النساء يقمن بالبكاء والنواح فوق المقابر فما حكم هذا العمل منا ومن النساء؟

(197/26)

فأجاب رحمه الله تعالى: أما حكم العمل منكم فإنه من البدع فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن يخصص المقابر بالزيارة في يوم العيد ولا يمكن للمرء أن يخصص وقتا من الأوقات وعبادة من العبادات إلا بدليل من الشرع لأن العبادة تتوقف على الشرع في سببها وفي جنسها وفي قدرها وفي هيئتها وفي زمانها وفي مكانها لابد أن يكون الشرع قد جاء في كل هذه الأشياء فإذا خصصنا عبادة من العبادات في زمن معين بدون دليل كان ذلك من البدع فتخصيص يوم العيد بزيارة المقبرة بدعة ليست واردة عن الرسول عليه الصلاة والسلام ولا عن أصحابه وأما بالنسبة لزيارة النساء فإن زيارة النساء محرمة لا يجوز للنساء أن يزرن القبور لأن النبي صلى الله عليه وسلم (لعن زائرات القبور) فكيف إذا حصل من زيارتهن ما ذكره السائل من البكاء والنياحة فإنه يكون ظلما فوق ظلم وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم (لعن النائحة والمستمعة) وأخبر (أن النائحة إذا لم تتب قبل موتها فإنها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب) والعياذ بالله فعلى النساء أن يتقين الله عز وجل وأن يبتعدن عن محارمه ولا يزرن المقابر وإذا كن يردن أن يدعون للأموات فليدعون وهن في بيوتهن والله سبحانه وتعالى عليم بكل شيء.
***
هذه الرسالة وردتنا من الهفوف، من بخيت سعيد الدوسري يقول فيها نذهب أيام العيد للسلام على موتانا والترحم عليهم ويصر بعض أقاربنا من النساء على الذهاب معنا، ويقلن نحن ندخل على الله أن لا تحرمونا أحبابنا علما أنهن لا ينحن ولا يجزعن في ذلك، هل نذهب بهن معنا أم لا؟ وفقكم الله

(197/27)