ج 11.doc

تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : فتاوى نور على الدرب النصية
المؤلف : فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله.
الناشر (مصدر الكتاب): مؤسسة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين الخيرية
الطبعة :.الإصدار الأول[1427-2006]
عدد الأجزاء : قرص واحد
تنسيق :فاعل خير.
[
الكتاب ]

فأجاب رحمه الله تعالى: النزول في منى في اليوم الثامن إلى صباح اليوم التاسع سنة وليس بواجب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعروة بن مضرس وقد صادفه في مزدلفة قال له (من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه) ولم يذكر المبيت بمنى ليلة التاسع فأنت إذا لم تجد مكانا في منى ذلك اليوم ونزلت في مزدلفة أو في عرفة أو في الأبطح فلا حرج عليك ولكن احرص على أن تجد مكانا لأنك إذا لم تجد مكانا في ذلك اليوم في اليوم الثامن فمن باب أولى أن لا تجد مكانا في يوم العيد وما بعده ولهذا ينبغي للإنسان أن يحتاط لنفسه في هذا الأمر.
***
يسأل يقول وبعد العودة من عرفة تركت المبيت بمنى بحجة أنني لم أجد مكانا هل يجوز لي ذلك أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز لك بعد العودة من عرفة إلا أن تكون في منى (لأن النبي صلى الله عليه وسلم نزل فيها ولم يرخص لأحد بترك ذلك إلا للرعاة أو السقاة) الواجب على الحاج بعد الرجوع من عرفة ومزدلفة أن يبقى في منى ويبيت بها ولا يجوز له أن يتخلف عن ذلك لكن إذا لم يجد مكانا في منى وطلب طلبا حقيقا دقيقا فلم يجد فلا حرج عليه أن ينزل عند آخر الخيام مهما وصلوا إليه حتى لو وصلوا إلى مزدلفة وما وراء مزدلفة ونزل في آخرهم بحيث كان مع الحجيج فإنه لا حرج فقد كان بعض الناس يقول إذا لم تجد مكانا في منى فلا حرج عليك أن تبيت في مكة أو في أي مكان شئت لأن هذا المكان سقط وجوب المبيت فيه بالتعذر فسقط الفرض كالإنسان إذا قطعت يده من فوق الفرض فإنه يسقط عنه غسلها ولكننا نقول الذي نرى في هذه المسألة أنه يجب عليه أن يكون في أخريات القوم ليكون نهر الحجيج واحدا وهو نظير من أتى إلى المسجد ووجد الناس قد ملئوا المسجد فإنه يصلى في الشارع الذي حول المسجد ليتصل الناس مع بعضهم بعض والشارع له نظر كبير في اجتماع الناس على العبادة وعدم تفرقهم.
***

(224/41)

من عبد السلام سفر من جدة وردتنا هذه الرسالة يقول فيها معلوم أن الحاج يلزمه المبيت في منى أيام التشريق لكن إذا كان الإنسان لا يريد أن ينام في الليل فهل له أن يخرج خارج منى ويبقى طوال الليل في الحرم مثلا لأداء المزيد من العبادة وفقكم الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المراد بقول أهل العلم إن المبيت بمنى ليالي أيام التشريق واجب المراد به أن يبقى في منى سواء كان نائما أم يقظانا وليس المراد أن يكون نائما فحسب وعلى هذا فنقول للأخ لا يجوز لك أن تبقى في مكة ليالي أيام التشريق بل يجب عليك أن تكون في منى إلا أن أهل العلم يقولون إذا قضى معظم الليل في منى كفاه ذلك.
فضيلة الشيخ: هذا إذا كان يستطيع البقاء لأنه قد يتعذر بعض الناس مثلا يقول لا أستطيع البقاء في منى لأني ليس لي مكان أو ليس لي خيمة ولم أجد مكانا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا لم يجد مكانا في منى فإنه يجب أن ينزل عند منتهى آخر خيمة وليس له أن يذهب إلى مكة أيضا بل نقول إنك إذا لم تستطع أن تكون في منى فانظر آخر خيمة من خيام الحجاج وكن معهم لأن الواجب أن يتصل الحجيج وأن يكون بعضهم إلى جنب بعض كما نقول مثلا لو أن المسجد امتلئ بالجماعة فإن الناس يصفون بعضهم إلى جنب بعض.
***
بعد أن رمينا جمرة العقبة وطفنا بالبيت عدنا إلى منى وذبحنا هدينا وطوفنا في مني نبحث عن مكان ننزل فيه فلم نجد مكانا حتى خرجنا إلى مزدلفة ونزلنا وأقمنا خيمتنا خارج منى وجلسنا وبتنا ليالينا هناك وقد سمعنا أن الحاج لا يجوز له أن يبيت خارج منى وإذا كان لابد فإن على الحاج أن يأتي إلى منى ويقف فيه ثم يعود إلى متاعه وخيمته ويجزؤه ذلك نرجو إفادتنا وبعضنا قد ذبح فداه في مكاننا خارج منى فما حكم هذا الذبح؟

(224/42)

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب إذا لم يجد الإنسان مكانا في منى للنزول فيه بعد البحث التام والتنقيب في مني كلها فإنه حينئذ يسقط عنه المبيت فيها ولكن يجب عليه أن يبيت في أطرف الناس بمعني أن تكون خيمته متصلة بخيام الحجاج حتى ولو كان ذلك في خارج مني في مزدلفة أو فيما وراء مزدلفة المهم أن تكون خيامه متصلة وليس معنى سقوط المبيت في منى أنه يبيت في مكة وفي إي مكان شاء لا بل نقول إنه لابد من أن يتصل الحجيج بعضهم ببعض فإذا امتلأت مني فإنهم يقيمون وينزلون فيما وراء منى ولكن لابد أن يتصل الحجيج بعضهم ببعض كما نقول فيما لو امتلأ المسجد بالمصلين فإنهم يصلون في صفوف متصلة ولوفي الشوارع ولا حرج عليهم في ذلك وأما بالنسبة للذبح في مزدلفة فإن الذبح فيها وفي مكة وفي مني كله جائز كل ما كان داخل الحرم فإن ذبح الهدى فيه جائز ولا حرج لقول النبي صلى الله عليه وسلم (كل فجاج مكة طريق ومنحر).
***
يقول ما الذي يلزم من أخذه النوم خارج منى ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان ذلك بغير تفريط منه فإنه لا شيء عليه وإن كان هذا بتفريط منه فإنه يجب عليه عند جمهور أهل العلم يجب عليه الفدية يذبحها هناك في مكة ويفرقها على الفقراء لأنه ترك هذا الواجب غير معذور فوجب عليه الفدية لتجبر ما حصل من نقص وخلل.
***
جزاكم الله خيرا هذا سؤال من السائل عادل الحربي من مكة المكرمة يقول هل يجوز الخروج من منى بعد منتصف الليل في ليلة الحادي عشر والثاني عشر؟

(224/43)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا مضى معظم الليل وهو في منى فله أن يخرج منها جعلا للأكثر بمنزلة الكل ولكن الذي أشير به على أخواني الحجاج أن يجعلوا حجهم حجا موافقا للسنة التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقد كان عليه الصلاة والسلام يبقى في منى ليلا ونهارا ومع أنه في ذلك الوقت لا مكيفات ولا خيام على ما كانت عليه اليوم وهو صابر محتسب وقد جعل الحج نوعا من الجهاد في سبيل الله حين (سألته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها هل على النساء جهاد قال عليهن جهاد لا قتال فيه الحج و العمرة) والحج ليس نزهة ولا طربا، الحج عبادة فليصبر الإنسان نفسه على هذه العبادة ويتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم فيها تأسيا كاملا فيبقى في منى ليلا ونهارا وما هي إلا يوم العيد ويومان بعده لمن تعجل أو ثلاثة أيام لمن تأخر لكن الإنسان يأسف أن يسمع وقائع في الحج تدل على استهانة الفاعلين بالحج وأنه ليس عندهم إلا اسم لا حقيقة له حتى بلغنا أن من الناس من يبقى في بيته ليلة العاشر من الشهر من شهر ذي الحجة ثم في أثناء الليل يحرم ويخرج إلى عرفة ومعه الكبسات والأشياء التي يرفه نفسه بها ثم إذا بقي إلا قليلا من الليل ذهب إلى مزدلفة ولقط الحصى كما يقول ثم مشى إلى منى ورمى الجمرات قبل الفجر ونزل إلى مكة و طاف وسعى ثم عاد في ليلته إلى بيته مع أهله ثم منهم من يخرج في النهار إلى منى ليرمي الجمرات ومنهم من يوكل أيضا هل هذا حج هذا تلاعب وإن كان على قاعدة الفقهاء قد يكون مجزئ لكن الكلام أين العبادة؟ رجل يذهب يتنزه بعض ليله ثم يرجع إلى أهله ويقول أنه حج وهذا والله مما يحز في النفس ويدمي القلب أن يصل الحد إلى هذا في إقامة هذه الشعيرة العظيمة نسأل الله لنا ولهم الهداية.
***

(224/44)

جزاكم الله خيرا أبو خالد الشمري من الجبيل الصناعية يقول في سؤاله قمت بأداء فريضة الحج العام الماضي بتوفيق الله تعالى وقد وقع مني خطأ وهو بعد ما وقفنا بعرفه وبعد رمي الجمرات أردت أن أطوف طواف الإفاضة وذهبت في ساعة متأخرة من الليل ولم أتمكن من الانتهاء من الطواف أي طواف الإفاضة إلا بعد أداء صلاة الفجر فهل علي كفارة وجزاكم الله عنا كل خير؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الذي يظهر من السؤال أنه لا كفارة عليه لأن الرجل طاف طواف الإفاضة في وقته أي بعد الوقوف بعرفه والمبيت بمزدلفة ولا أعلم عليه شيئا إذا كان الأمر كما وصف في سؤاله.
***
هذه السائلة تعمل بالمملكة العربية السعودية مدرسة تقول فضيلة الشيخ يوم العيد عيد النحر ذهبنا إلى مكة لطواف الإفاضة والسعي عند العصر وتأخرنا بها بعد الطواف حتى الساعة الثانية والنصف مساء ليلا بلا إرادة منا حيث فقدت أبي من شدة الزحام وظللت أبحث عنه حتى التقينا وركبنا السيارة لندرك المبيت في منى ليلة الحادي عشر ووصلنا قبل الفجر بنصف ساعة فقط فهل بذلك نكون أدركنا المبيت؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم لا حرج عليكم في هذا وليس عليكم إثم ولا فدية لأن هذا التأخر بغير إرادة منكم وإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام أسقط المبيت في منى عن الرعاة وعن السقاة لحاجة الناس إلى ذلك فإن هذا الذي وقع منكم ضرورة والضرورة أولى بالعذر من الحاجة وعلى هذا فحجكم إن شاء الله تام صحيح وليس عليكم إثم ولا فدية.
***
هذه السائلة تقول فضيلة الشيخ هل الشخص إذا جلس في منى ثلاثة أيام لا يجب عليه الخروج إلى السوق فإن خرج هل تكون حجته باطلة أم لا مأجورين؟

(224/45)

فأجاب رحمه الله تعالى: الحاج يخرج إلى منى في اليوم الثامن ويغادرها في صباح اليوم التاسع ثم يعود إليها في صباح يوم العيد فأما وجوده فيها في اليوم الثامن فهو سنة وليس بواجب وأما وجوده فيها يوم العيد وما بعده فإن الواجب عليه أن يبيت ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر في منى وأما ليلة الثالث عشر فإن شاء بات وإن شاء تعجل لقول الله تعالى (واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى) والأيام المعدودات هي أيام التشريق وهي ثلاثة أيام بعد العيد فالحاج يبقى في منى من يوم العيد إلى اليوم الثاني عشر إن تعجل أو إلى اليوم الثالث عشر إن تأخر لكن الفقهاء رحمهم الله يقولون إن الواجب هو البقاء في الليل وأما في النهار فليس بواجب لكن لا شك أنه من السنة أن يبقى الإنسان في منى يوم العيد وأيام التشريق كلها أو يومين منها إن تعجل ليلا ونهارا يعني أن يبقى في منى ليلا ونهارا وإن كان عليه شيء من المشقة لأن الحج نوع من الجهاد لا بد فيه من مشقة وبناء على ذلك لو أن أحدا نزل من منى إلى مكة لشراء شيء في هذه الأيام فإنه لا حرج عليه ولا بأس لأنه سوف يشتري ويرجع.
***
نحن مجموعة من الحجاج رمينا الجمرات الثلاث في أيام التشريق في الصباح قبل الزوال فما الذي يلزمنا؟

(224/46)

فأجاب رحمه الله تعالى: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج بالناس في السنة العاشرة وأمرهم أن يأخذوا عنه مناسكهم لأنه عليه الصلاة والسلام هو الإمام المعلم المرشد وهو الذي يجب أن يهتدى به (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) والنبي عليه الصلاة والسلام لم يرم الجمرات الثلاثة في أيام التشريق إلا بعد زوال الشمس وهكذا كان الصحابة رضي الله عنهم يتحينون هذا الوقت ولا يرمون إلا بعد زوال الشمس ولم أعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم رخص لأحد أن يرمي قبل زوال الشمس في مثل هذه الأيام لهذا يكون رميهم واقعا في غير وقته أي قبل الوقت والعبادة إذا فعلت قبل وقتها فإنها لا تجزئ لا سيما وأن السؤال عليهم متيسر فالعلماء هناك كثيرون ولو سألوا أدنى طالب للعلم لأخبرهم بما يجب فعلهم في مثل هذا الأمر فيكون فعلهم هذا في حكم الترك كأنهم لم يرموا هذه الأيام الثلاثة وعليه فيجب عليهم على حسب ما قاله أهل العلم فيمن ترك واجبا من واجبات الحج فدية أي ذبح شاة في مكة يوزعونها على الفقراء ولا يأخذون منها شيئا لأنها بمنزلة الكفارة وبهذا يتم حجهم إن شاء الله.
***

(224/47)

من ليبيا الذي رمز لاسمه أخوكم في الإسلام م. ع. م. ر. يقول في رسالته شخص رجم في اليوم الأول من أيام التشريق الساعة الثانية عشرة وخمس دقائق اعتقادا منه أن وقت بعد الزوال يبدأ بعد منتصف النهار أي الثانية عشرة وكان في نيته حين خروجه من منى للرجم أنه تحرى الوقت الصحيح للرجم وسأل أحد المسلمين بالقرب من الجمرات فأجابه بأن وقت الزوال هو الثانية عشرة وحينما عاد لمسكنه بمكة أعلمه أحد الأصدقاء بأن وقت الرجم يحين بعد الثانية عشرة والنصف وحينها تبين له جهله وفي اليوم الثاني رجم بعد أذان الظهر أي الساعة الثانية عشرة وعشرين دقيقة والآن بعد أن عاد إلى بلاده يسأل فصيلتكم هل يلزمه هدي بهذه الحالة أفيدونا جزاكم الله خيرا؟

(224/48)

فأجاب رحمه الله تعالى: قبل الإجابة على سؤاله أحب أن يكون تعبيره عن الرمي أي عن رمي الجمرات بلفظ الرمي لا بلفظ الرجم وذلك لأن هذا هو التعبير الذي عبر به النبي صلى الله عليه وسلم في قوله (إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله) وكلما كان الإنسان في لفظه متبعا لما في الكتاب والسنة كان أولى وأحسن أما بالنسبة لما فعله فإن رمي الجمرات في أيام التشريق قبل الزوال رمي في غير وقته وفي غير الحد الذي حدده النبي عليه الصلاة والسلام فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرم الجمرات في أيام التشريق إلا بعد الزوال وقال (لتاخذوا عني مناسككم) ونحن نعلم أن رمي الجمرات قبل زوال الشمس أرفق بالناس وأيسر لهم لأن الشمس لم ترتفع بعد ولم يكن الحر شديدا وكون النبي صلى الله عليه وسلم يؤخر الرمي حتى تزول الشمس وعند اشتداد الحر دليل على أنه لا يجوز الرمي قبل ذلك إذ لو كان جائزا قبل ذلك ما اختار لأمته الأشق على الأيسر وقد قال الله تعالى في القرآن حين ذكر مشروعية الصوم قال (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ورمي الجمرات قبل زوال الشمس من اليسر ولو كان من شرع الله عز وجل لكان من مراد الله الشرعي ولكان مشروعا وإذا تبين أن رمي الجمرات قبل الزوال قبل الوقت المحدد شرعا فإنه يكون باطلا لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) أي مردود على صاحبه وقد ذكر أهل العلم أن الإنسان إذا ترك واجبا من واجبات الحج فإن عليه أن يذبح فدية في مكة يوزعها على الفقراء إذا كان قادرا عليها فإن كان ذلك في مقدورك فافعل إبراء لذمتك واحتياطا لدينك وإن لم يكن في مقدورك فليس عليك شيء ولكن عليك أن تتوب إلى الله عز وجل وتستغفره وأن تتحرى لدينك في كل شرائع الدين وشعائره حتى تعبد الله على بصيرة.
***

(224/49)

أيضا يقول أرشدوني وفقكم الله هل نبدأ باليوم الثاني من العيد فما بعده بجمرة العقبة أو بالجمرة التي تلي مكة المكرمة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: جمرة العقبة هي الجمرة التي تلي مكة ولكننا نقول إنك تبدأ بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف ثم بالوسطى ثم بجمرة العقبة فتكون جمرة العقبة في اليومين التالين للعيد تكون هي الأخيرة وبهذه المناسبة عن رمي الجمرات أود أن أذكر إخواننا المسلمين أن رمي هذه الجمرات عبادة يتعبد بها الإنسان لله سبحانه وتعالى بالقول وبالفعل وهي اتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله) وأنت عندما ترمي الجمرات تتعبد لله تعالى بالقول فتقول الله أكبر وتتعبد له بالفعل فترمي هذه الجمرات في هذه المواضع لمجرد التعبد لله سبحانه إذ إن الإنسان لا يعقل علة لها وكون بعض الناس يقولون إننا نرمي الشياطين هذا لا أصل له فالإنسان ليس يرمي الشيطان وإنما يرمي هذه الأماكن امتثالا لأمر الله تبارك تعالى حيث أمرنا باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم (وما آتاكم الرسول فخذوه) وقال النبي عليه الصلاة والسلام (خذوا عني مناسككم) ثم إنه أيضا ينبغي أن يكون الرمي بهدوء وخشوع لا بعنف وشدة وقسوة كما يفعل العامة الجهال وينبغي إذا رميت الجمرة الأولى في اليوم الحادي عشر والثاني عشر أن تبتعد قليلا عن الزحام ثم تقف مستقبلا القبلة رافعا يديك تدعو الله سبحانه وتعالى بدعاء طويل وكذلك إذا رميت الوسطى تقف بعدها وتدعو الله تعالى بدعاء طويل ثم تذهب وترمي جمرة العقبة ولا تقف بعدها.
***

(224/50)

هذه الرسالة وردتنا من القويعية من مقدمها عبد الله الحصان يقول في رسالته إنني أديت فريضة الحج قبل سنوات والحمد لله أديت جميع واجبات الحج وأركانه إلا أنه في اليوم الثاني من أيام العيد لم أستطع أن أرمي الجمرات في هذا اليوم وذلك بسبب الزحام ويقول إنني ذهبت للمسجد الحرام لأؤدي طواف الحج ولكنني لم أستطع الرجوع إلى منى في ذلك اليوم إلا في وقت متأخر من الليل وذلك بسبب الزحام الشديد الذي بسببه لم أستطع أن أرمي جمار ذلك اليوم إلا في اليوم الثالث فما حكم ذلك وفقكم الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: حكم ذلك أنه لا بأس به لا بأس فيما صنعت إذا لم تستطع أن ترمي في اليوم الأول ورميت في اليوم الثاني فإن هذا لا حرج عليك ولو أنك حينما وصلت إلى منى في الليل رميت لكان أفضل وأحسن من تأخيرها إلى اليوم الثاني لأن الليل يتبع النهار في الرمي لا سيما إذا كان هناك عذر كزحام ومشقة وتأخر في مكة وما أشبه ذلك فلو أنك حين قدمت من مكة ذهبت إلى الجمرات ورميتها ليلا لكان أولى من تأخيرها إلى اليوم الثاني ولكن على كل حال ما صنعت فإنه مجزئ إن شاء الله.
***
بارك الله فيكم في آخر سؤال للسائل مصري ومقيم بمكة المكرمة يقول يقوم بعض الحجاج الذين قدموا من مصر لأداء فريضة الحج بالمبيت في مكة أيام التشريق وتوكيل أحد الأقارب للرجم مكانهم فهل هذا جائز أفيدونا جزاكم الله خيرا؟

(224/51)

فأجاب رحمه الله تعالى: رمي الجمرات من أعمال الحج وهو من واجبات الحج فلا يجوز لأحد أن يوكل من يرمي عنه كما لا يجوز له أن يوكل من يطوف عنه أو يسعى عنه أو يقف بعرفة عنه أو يبيت في مزدلفة عنه لأن الله تعالى قال (وأتموا الحج والعمرة لله) وإتمام الحج والعمرة أن يأتي بجميع أفعالهما وأقوالهما وجوبا في الواجب وندبا في المستحب نعم لو فرض أن الإنسان لا يستطيع الوصول إلى الجمرات لمرض أو غيره فله أن ينيب من يرمي عنه لأنه ورد عن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يرمون عن الصغار ولولا أنه ورد عن الصحابة أنهم يرمون عن الصغار لقلنا إن من عجز عن الرمي فليس عليه شيء لأن الواجبات تسقط بالعجز لكن لما كان الصحابة يرمون عن الصغار قلنا إن من عجز عن الرمي فإنه يوكل من يرمي عنه لكن لو قال أنا قادر إلا أني أخشى من الزحام قلنا له أجل الرمي إلى وقت لا يكون فيه الزحام فإذا قدرنا أن الزحام يشتد في رمي الجمرات الثلاث بعد الزوال وبعد العصر فليؤجله إلى الليل لأن الرمي بالليل جائز ولا سيما عند الحاجة.
***
بارك الله فيكم، هذه رسالة وصلت من عزت جودة مصري الجنسية مقيم بالمملكة يقول فضيلة الشيخ رجل أعطاني جمرات في اليوم الثاني عشر لكي أرمي بدلا عنه بحجة أنه مسافر والمسافة بعيدة ولعلمكم بأنه ليس مريض فما حكم الشرع في نظركم في هذا العمل؟

(224/52)

فأجاب رحمه الله تعالى: نظرنا أن هذا العمل لا يجزئه لأنه ترك واجبا من واجبات الحج وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله) ومن وكل غيره بذلك فإنه لم يقم بذكر الله في هذه الجمرات وعلى هذا فإن رمي هذا الوكيل لا يجزيء عن موكله، والواجب على موكله الآن أن يستغفر الله ويتوب إليه مما صنع وأن يذبح فدية توزع على الفقراء في مكة، يذبح فدية في مكة توزع على الفقراء هناك لأنه ترك واجبا من واجبات الحج وقد قال أهل العلم إن الإنسان إذا ترك واجبا من واجبات الحج وجبت عليه فدية تذبح في مكة وتوزع جميعها على الفقراء هناك، وليعلم أن الحج عبادة يتقرب بها الإنسان إلى ربه وأن الإنسان نفسه مكلف بها وبإتمامها كما قال الله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) فالواجب على من شرع في حج أو عمرة أن يتمها بنفسه ولا يجوز أن يوكل فيها لا في الطواف ولا في السعي ولا في المبيت ولا في الرمي ولا في الوقوف بعرفة لابد أن تباشر أنت بنفسك هذه الأعمال، ولو لا أن الصحابة كانوا يرمون عن الصبيان لقلنا إن من عجز عن رمي الجمرات فإنه لا يستنيب أحدا لأنها عبادة متعلقة ببدن الفاعل فإن قدر فذاك وإن لم يقدر سقطت عنه فإن كان لها بدل أتى ببدلها وإن لم يكن لها بدل سقطت بالكلية، وأما تهاون بعض الناس اليوم في التوكيل في رمي الجمرات فإنه يدل على أحد أمرين إما على نقص في العلم أو على ضعف في الدين وأما من كان عنده علم بشريعة الله فإنه يتبين له أن رمي الجمرات كغيرها من واجبات الحج لابد أن يقوم الإنسان به بنفسه ولا يجوز أن يوكل غيره فإن الله تعالى قال (وأتموا الحج والعمرة لله) والإتمام يشمل إتمام جميع أعمالهما، فإن قال قائل إذا كان معي نساء فإن النساء ضعيفات لا يستطعن مقاومة هذا الزحام الشديد الذي قد يحصل به الموت أحيانا

(224/53)

وذلك لجهل الناس وعدم معرفتهم بما ينبغي أن يكونوا عليه في هذه المناسك من الرفق والرحمة بإخوانهم فإذا ذهبنا بالنساء للرمي صار عليهن المشقة وربما يحصل عليهن ضرر فالجواب عن هذا أن نقول إن هذا الزحام ليس دائما بل هذا الزحام يكون عند ابتداء وقت الرمي في الغالب ثم يخف الناس شيئا فشيئا فانتظر وقت خفة الناس ولو أن ترمي في الليل فإن الرمي في الليل جائز ولاسيما عند هذا الزحام الشديد، ولا يجوز أن توكل النساء من يرمي عنهن من أجل الزحام ولهذا أذن النبي صلى الله عليه وسلم للضعفة من أهله أن يدفعوا من مزدلفة في آخر الليل ليرموا الجمرات قبل زحمة الناس فأمرهم أن يقتطعوا جزءا من المبيت في مزدلفة مع أن المبيت بمزدلفة من شعائر الله ومن المشاعر العظيمة قال الله تعالى (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام) ومع هذا أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يقتطعوا جزءا من هذه العبادة من أجل أن يسلموا من الزحام ولم يقل صلى الله عليه وسلم اجلسوا لا تدفعوا إلا معنا ووكلوا من يرمي عنكم، ولو كان هناك مجال للتوكيل لكان التوكيل أهون من أن يقتطعوا جزءا من المبيت في مزدلفة ورخص لهم أن يتقدموا وأن يرموا قبل الوقت الذي رمى فيه، والصحيح أنه يجوز أن يرموا ولو قبل الفجر متى أبيح لهم الدفع من مزدلفة أبيح لهم الرمي متى وصلوا إلى منى لأن رمي الجمرات تحية منى، وكذلك الرعاة (أذن لهم الرسول عليه الصلاة والسلام أن يرموا يوما ويدعوا يوما) ولم يأذن لهم أن يوكلوا من يرمى عنهم في اليوم الذي هم فيه غائبون عن منى فلهذا يجب على المسلم أن يتقي الله في نفسه وأن يؤدي أفعال النسك بنفسه إلا ما عجز عنه وورد فيه التوكيل.
***
المستمعة لها سؤال تقول يا فضيلة الشيخ والدتي في حجتها الأولى لم ترجم الجمرات الثلاث بل وكلت أخي وذلك لشدة الزحام فهل عليها شيء في ذلك؟

(224/54)

فأجاب رحمه الله تعالى: أرجو ألا يكون عليها شيء في ذلك مادامت في ذلك الوقت لا تستطيع أن ترمي وظنت أن التوكيل يجزئ عنها فوكلت ولكن عندي ملاحظة على قولها ترجم لأن الأولى أن لا يكون التعبير بترجم وإنما يكون التعبير بالرمي فيقال رمى الجمار ولا يقال رجم الجمار.
***
أحسن الله إليكم يقول السائل هل يجوز تأخير الرمي في اليوم الأول من أيام التشريق إلى أن يزول الزحام لكي لا أضايق الآخرين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يجب أن نقول لإخواننا المسلمين ما نعلمه من السنة رمي جمرة العقبة يوم العيد من آخر الليل ليلة العيد إلى طلوع الفجر ليلة الحادي عشر لكن الأفضل للقادرين أن لا يرموا حتى طلوع الشمس رمي جمرات أيام التشريق من الزوال أي من دخول وقت صلاة الظهر إلى طلوع الفجر من اليوم الثاني فيوم أحد عشر من زوال الشمس إلى طلوع الفجر يوم اثنا عشر وكذلك رمي يوم اثني عشر من الزوال إلى طلوع الفجر أي فجر يوم ثلاثة عشر يوم ثلاثة عشر من الزوال إلى غروب الشمس ولا رمي بعد غروب الشمس يوم ثلاثة عشر لأنه تنتهي أيام التشريق لكن في اليوم الثاني عشر من أراد التعجل فليحرص على أن يرمي قبل غروب الشمس لكن لو فرض أنه تأخر الرمي عن غروب الشمس للعجز عنه لكون المسير غير سريع أو لبقاء الزحام الشديد إلى غروب الشمس فلا بأس أن يرمي بعد غروب الشمس ويستمر ولا يلزمه في هذه الحال أن يبيت في منى لأن الرجل تأهب ونوى التعجل وفارق خيمته لكنه حبس إما من مسير السيارات وإما من كون الزحام شديدا حتى غابت الشمس ولا يجوز الرمي قبل الزوال في أيام التشريق
أولا: لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رمى بعد الزوال وقال (خذوا عني مناسككم) ومن رمى قبل الزوال لم يأخذ عنه مناسكه بل تعجل.

(224/55)

ثانيا: ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يترقب بفارغ الصبر كما يقولون أن تزول الشمس بدليل أنه من حين أن تزول الشمس يرمي قبل أن يصلى الظهر ويلزم من هذا أن يؤخر صلاة الظهر ولو كان الرمي قبل الزوال جائزا لرمى قبل الزوال لأجل أن يصلى الظهر في أول وقتها.
ثالثا: أنه ما كان للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو أرحم الخلق بأمته ما كان ليؤخر الرمي حتى تزول الشمس فيشتد الحر مع جواز الرمي قبل ذلك لأن من المعلوم أن هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما) هذه ثلاثة أوجه:
الرابع: أنه لم يأذن للضعفة أن يرموا قبل الزوال كما أذن لهم ليلة العيد أن يتقدموا ويرموا الجمرة قبل طلوع الفجر وأما قول بعض الناس إن هذا مشقة نقول الحمد لله ما في مشقة ، أكثر ما تكون المشقة عند الزوال يوم اثني عشر وعليه فليؤخر إلى العصرثم إذا بقي الزحام أخر إلى المغرب وإذا بقي الزحام أخر إلى العشاء لك إلى الفجر فأين المشقة قول بعض الناس ما يمكن أن يرمي مليونان من الناس في هذا المكان من الزوال إلى الغروب هذا أيضا مغالطة.
أولا: لأنه من يقول إن الحجاج يبلغون مليونين؟ هذه واحدة.
ثانيا: إذا بلغوا مليونين هل كلهم يرمي بنفسه كثير منهم يوكلون .
ثالثا: إننا نقول ليس هناك دليل على أن وقت الرمي ينتهي بغروب الشمس لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حدد أوله ولم يحدد آخره فالواجب على المسلمين أن يتبعوا ما دلت عليه السنة ويجب أن نعلم أنه ليس كلما حلت مشقة جاز تغيير أصول العبادة وإلا لقلنا إن الإنسان إذا شق عليه صلاة الظهر في وقت الظهيرة جاز أن يصلىها في أول النهار لأنه أيسر مع أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر عند اشتداد الحر في صلاة الظهر أن يبردوا بالصلاة ولم يقل قدموها في أول النهار.
***

(224/56)

بارك الله فيكم يا فضيلة الشيخ يقول إنه ذهب إلى الحج في العام الماضي يقول وكانت نيتي أن أكمل مناسك الحج على أكمل وجه غير أنني رميت الجمرات في اليوم الثاني بعد صلاة الفجر فوجدت الناس يرمون فرميت مثلهم ولكن سمعت من بعض الأخوة يقولون رمي الجمرات بعد الزوال ونظرا لأنني لم أستطع الرمي مرة أخرى في هذا اليوم من الإرهاق والزحام فأفيدوني في حكم حجي مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ما أفتاك به الأخوة من أنه لا يجوز الرمي قبل الزوال في الحادي عشر وكذلك في الثاني عشر وكذلك في الثالث عشر صحيح لأن الرمي في هذه الأيام الثلاثة لا يدخل وقته إلا بعد الزوال وعلى هذا فرميك بعد صلاة الفجر في غير وقته فيكون مردودا غير مقبول لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) وكان ينبغي لك أنهم لما أخبروك أن رميك بعد صلاة الفجر غير صحيح ذهبت في آخر النهار أو في الليل فرميت ولكن لما لم يحصل ذلك فإن عليك الآن أن تذبح فدية في مكة وتوزعها على الفقراء ويكون ذلك بدلا عن الواجب الذي تركته وإنني بهذه المناسبة أنصح أخي هذا السائل وسائر إخواننا المستمعين أن لا يفعلوا العبادة إلا وقد عرفوا ما يجب فيها وما يحرم فيها حتى لا يتركوا واجبا ولا يقعوا في محرم وما أكثر الذين يحصل لهم خطأ في الحج ثم يأتون إلى العلماء يسألونهم بعد ذلك وربما قد يكون فات الأوان ولا يمكن تداركه وكل ذلك بسبب أن كثيرا من الناس لا يهتمون في عباداتهم بل يخرجون مع هذا العالم ويفعلون كما يفعل الناس وإن كانوا على جهل وحينئذ يندمون فأنت إذا أردت أن تعبد الله عز وجل على بصيرة فتعلم أحكام العبادة التي تريد أن تفعلها قبل أن تقوم بفعلها حتى يكون فعلك مبني على أساس صحيح.
***

(224/57)

بارك الله فيكم تقول يا فضيلة الشيخ ذهبت إلى الحج وعند الجمرات لم أستطع الرمي بسبب الزحام الشديد فوكلت عني أخي في جميع رمي الجمرات الثلاث فما رأيكم في ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: رأينا أنه إذا كانت لا تستطيع أن ترمي بنفسها إما لمرضها أو لكونها حاملا أو لكونها عرجاء لا تستطيع المشي إلى الجمرات ولا أن تستأجر من يحملها إلى ذلك فإنه يحل لها أن توكل أما إذا لم يكن هناك عذر فإنه لا يحل لها أن توكل لأن الجمرات من شعائر الحج وجزء من أجزائه وقد قال الله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) ومن إتمام الحج إتمام الرمي ومسألة الزحام يمكن التخلص منها بتأخير الرمي من النهار إلى الليل.
***
ما حكم من خرج من منى في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد أن رمى الجمار الثلاث بعد الزوال وبات في مزدلفة وعاد صباح اليوم الثالث من أيام التشريق إلى منى وجلس به قليلا ثم انصرف إلى البيت ووادع وخرج من مكة إلى أهله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة هو أنهم خرجوا من منى في اليوم الثاني عشر على أساس أنهم أتموا حجهم فرجوعهم بعد ذلك إلى منى في اليوم التالي لا يلزمهم المقام بها لأنهم قطعوا العبادة فإن عادوا فهم أحرار لهم أن يجلسوا فيها قليلا أو كثيرا ثم ينصرفون ثم يطوفون للوداع ويخرجون إلى أهليهم.
***
أحسن الله إليكم هذا السائل محمد س. م. من الرياض يقول في العام الماضي أديت فريضة الحج والحمد لله وقررت بعد رمي الجمرات الثلاث في اليوم الثاني عشر أن أتعجل وقد ركبت السيارة في وقت ضيق جدا ولم تكن هناك إمكانية لرؤية الشمس ولكن ريثما تجاوزت قليلا اللوحة المكتوب عليها حدود منى أو بداية منى سمعت الآذان لصلاة المغرب وبدأ يراودني الشك من حين لآخر ولم أكن متيقن من أني خرجت من ذلك قبل الغروب أو بعده فماذا ينبغي علي أن أفعل وهل حجي صحيح؟

(224/58)

فأجاب رحمه الله تعالى: الحج صحيح وليس عليه شيء والإنسان إذا نوى التعجل وركب سيارته ومشى فليمض في سيره ولو غابت الشمس وهو في منى لأن الرجل تعجل ومشى لكن أحيانا تحجزه السيارات أو تتعطل سيارته بدون أن يختار البقاء فنقول امض في سيرك ولا حرج عليك.
***
أيضا يقول إذا تعجل الحاج من منى في اليوم الثاني من أيام التشريق ونزل منى لمتابعة عمله يعني ذهب إلى مكة وعاد إلى منى ونزل إلى منى لمتابعة عمل وغربت عليه الشمس هناك فهل يلزمه المبيت أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ما دام قد تعجل وخرج من منى بعد أن رمى الجمرات بعد الزوال بنية أنه أنهى نسكه فقد انتهى نسكه فإذا عاد إلى منى بعد العصر مثلا لمتابعة عمل فهو حر متى شاء خرج لأنه قطع نية العبادة وخرج فعلا من منى قبل غروب الشمس فإذا عاد فهو حر إن شاء بقي وإن شاء لم يبق ولكننا ننصح هذا الأخ الذي سيبقى في منى في عمل أن لا يتعجل بل أن يبقى في منى على نية النسك ليكتب له أجر في ذلك فإنه إذا بقي على نية النسك فله أجر تلك الليلة وله أجر رمي الجمرات في اليوم الثالث عشر.
***
السائل: جزاكم الله خيرا من حائل السائل ج ج كتب هذا السؤال يستفسر عن الأتى يقول أديت فريضة الحج منذ ثلاث سنوات وكان حجي قرآنا وأتممت مناسك العمرة وذهبت لأداء مناسك الحج وعند طواف الإفاضة أخرته مع طواف الوداع وبعد إتمام المناسك دخلت الحرم ولم أؤد الطواف وذهبت إلى جدة لشراء بعض الأغراض ثم عدت في نفس اليوم وطفت من يومها وخرجت من مكة حتى يكون أخر عهدي بالبيت وعلمت الآن بأنه كان يلزمني السعي قبل طواف الإفاضة و الوداع وجهوني في ضوء هذا السوال؟

(224/59)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الرجل من أهل حائل والمفهوم من سؤاله أنه حينما نزل من منى مستكملا المناسك لم يطف طواف الإفاضة لأنه أخره للوداع ولم يسع بين الصفا والمروة ثم خرج إلى جدة لحاجة ورجع وطاف ومشى فبناء على سؤاله حيث قال إنه كان قارنا بين الحج والعمرة وقد طاف وسعى أول ما قدم نقول له لا سعي عليك لأن القارن إذا سعى بعد طواف القدوم كفاه عن السعي بعد طواف الإفاضة ولا حرج عليه أيضا حين خرج إلى جدة قبل أن يطوف للوداع لأن جدة ليست بلده فهو في الحقيقة لم يغادر مكة إلى بلده أو محل إقامته ولكنه رجع من جدة ثم طاف طوافا للوداع وسار إلى حائل مقر عمله وهذا العمل لا بأس به بقي أن يقال إنه قال في كلامه أنه قدم إلى مكة وأدى مناسك العمرة مع إنه يقول إنه كان قارنا بين الحج والعمرة والظاهر أن مراده بقوله أديت مناسك العمرة أنه طاف وسعى فظن أن ذلك عمرة مستقلة وإلا فهو على قرانه. ………
***
سائل يقول نسمع من أغلب الناس يقولون من طاف طواف الوداع لم يبت في حدود مكة نهائيا وإن نام تلك الليلة في مكة لزمه طواف مرة أخرى بالبيت فهل هذا صحيح أم لا لأننا أحيانا نخرج في ذلك حيث نأتي متعبين ولم نستطع الخروج قبل أن نأخذ الراحة في مكة وأن الطواف مرة أخرى يصعب علينا لوجود الزحام المتواجد من الحجاج وشكرا لكم؟

(224/60)

فأجاب رحمه الله تعالى: طواف الوداع يجب أن يكون آخر أمور الإنسان لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول (لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت) ولأبي داود (حتى يكون أخر عهده الطواف بالبيت) وعلى هذا فأعد نفسك بأنك لا تخرج أو لا تطوف للوداع حتى تنتهي من جميع أمورك ثم تخرج مباشرة لكن يسمح للإنسان بعد طواف الوداع أن يصلى الصلاة إذا كانت قد دخل وقتها وأن يشتري حاجة في طريقه وهو ماشي وأما كونه يبقى بمكة فإنه إن بقي يجب عليه إعادة طواف الوداع وعلى هذا فلا حرج عليكم أن تخرجوا من حدود مكة المكرمة ثم تبيتون في الطريق وتستريحون ثم تستأنفون السير.
***
بارك الله فيكم يقول سائل إننا لم نتمكن من مغادرة مكة بعد طواف الوداع لأن الطواف كان ليلا ومعنا أطفال وغادرنا مكة في اليوم التالي؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب على من أراد السفر من مكة بعد حجه أو عمرته أن يجعل الطواف آخر عهده لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف) ولكن لو فرض أن الرجل طاف للوداع بناء على أنه مغادر ولكنه اشتغل بشيء يتعلق بالسيارة بإصلاحها مثلا او انتظار رفقة أو ما أشبه ذلك فلا تجب عليه إعادة الطواف وكذلك قال العلماء لو اشترى حاجة في طريقه لا لقصد التجارة فإنه لا تجب عليه إعادة الطواف ولكن إذا قرر الإنسان بعد أن طاف طواف الوداع البقاء في مكة من الليل إلى النهار أو من النهار إلى الليل فإن عليه أن يعيد طواف الوداع من أجل أن يكون آخر عهده بالبيت.
***

(224/61)

المستمع محمود أحمد عيسى من السودان يقول في رسالته قمت بأداء فريضة الحج هذا العام وكنا مجموعة من الإخوان وجميعنا مقيمون بمدينة جدة لقد قمنا بجميع المناسك ما عدا طواف الوداع إذ أننا عدنا رأسا من منى يرى البعض أنه يمكن القيام به قبل نهاية شهر ذي الحجة الحالي والبعض الآخر يرى فيما بعد بدون تحديد للزمن على شرط قبل مغادرة المملكة أفيدونا بوجه النظر الصحيح لديكم جزاكم الله خير الجزاء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نقول إن طواف الوداع واجب على كل من حج أو اعتمر أن لا يخرج من مكة حتى يطوف للوداع طوافا بدون سعي لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال كان الناس ينفرون في كل وجه فقال النبي صلى الله عليه وسلم (لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت) فهؤلاء الجماعة المقيمون في جدة من السودان حينما لم يطوفوا طواف الوداع نقول لهم إنهم أساءوا وإن الواجب عليهم أن لا يغادرو مكة حتى يطوفوا للوداع لأنهم غادروا مكة إلى محل إقامتهم فيكونون داخلين في الحديث الذي أشرنا إليه آنفا وعلى هذا فنقول لهم إن كان عملهم هذا مستندا إلى فتوى أفتاهم بها أحد من أهل العلم الذين يثقون به فإنهم لا شيء عليهم لأن تلك وظيفتهم (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وإذا أخطأ المفتي لم يلزم المستفتي شيء بقيامه بما أوجب الله عليه وأما إذا كان عملهم هذا غير مستند إلى فتوى لمن يثقون به فإنه يلزم كل واحد منهم أن يذبح فدية في مكة ويفرقها على الفقراء لتركهم واجب من الواجبات وترك الواجب عند جمهور العلماء يجب فيه دم يفرق على فقراء الحرم.
***

(224/62)

جزاكم الله خيرا هذه رسالة وصلت من السائل يوسف ح س من جدة ويقول في سؤاله قمنا بالحج متمتعين قبل عامين من الآن وقمنا بأعمال الحج كاملة إن شاء الله من طواف الإفاضة والسعي والمبيت والوقوف بعرفات والهدي ولكن ظنا منا بأنه ليس لنا طواف وداع أنا وجميع أفراد عائلتي فإننا لم نقم بطواف الوداع لأننا نقوم بزيارة مكة كل فترة وطواف الوداع للقادمين من خارج المملكة فقط هذا اعتقادنا فهل ما قمت به صحيح وإذا لم يكن صحيح فما العمل وما هي الكفارة مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ما قام به السائل من أعمال الحج فكله صحيح لكن الوداع تركه غير صحيح قال ابن عباس رضي الله عنهما كان الناس ينصرفون من كل وجه فقال صلى الله عليه وسلم (لا ينصرف أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت) فأهل جدة ومن دون جدة أيضا إذا خرجوا من مكة بعد حج أو عمرة وجب عليهم طواف الوداع إلا إذا أخروا طواف الإفاضة وطافوه عند الوداع فإنه يجزئ عن طواف الوداع وكذلك في العمرة إذا طافوا وسعوا وقصروا ثم رجعوا إلى أهليهم فليس عليهم وداع لأن الوداع الأول كاف والقاعدة عند أهل العلم في مثل هؤلاء أنه يلزم كل واحد منهم دم أي فدية تذبح في مكة وتوزع على الفقراء لتركهم هذا الواجب.
***
سائل يقول هل للوداع أشوط معدودة أو يطوف الإنسان ما شاء واحدا أو خمسة أو عشرة المهم أن يطوف حول الكعبة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا أطلق الطواف المراد به الطواف المشروع وهو لا يقل عن سبعة أشواط ولا يزيد عليها كما أننا إذا قلنا صلاة فهي الصلاة المشروعة التي لها صفة معينة من ركوع وسجود وقيام وقعود فالطواف إذا أطلق فإنما المراد به الطواف بالبيت وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال (لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت) وفي رواية لأبي داود (حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت) والطواف إذا أطلق فهو سبعة أشواط.
***

(224/63)

سؤاله يقول أثناء تأديتي لفريضة الحج وبعد الرجوع من منى أديت طواف الإفاضة والوداع سويا كنت نويت ذلك هل هذا صحيح؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إن كان أخر طواف الإفاضة إلى وقت السفر فإن طواف الإفاضة يجزئ عن طواف الوداع أما إذا كان قدم طوف الوداع بمعنى أنه طاف للإفاضة يوم العيد أو اليوم الثاني أو الثالث قبل أن ينهي الحج فإن هذا الطواف للوداع لا يجزؤه لكن يطوف للوداع إذا أراد أن يخرج.
***
من سعيد يحيى محمد غيثي وردتنا هذه الرسالة يقول من مدرسة تحفيظ القرآن الكريم ببلاد الرين يقول رجل حج إلى بيت الله الحرام وأكمل جميع المناسك وطاف طواف الوداع ثم سعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط اعتقادا منه أن الحج هكذا وهي عن طريقة الجهل فهل حجه جائز. وهل يلحقه إثم؟ وماذا يجب عليه أن يفعل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: متى تاريخ خط الكلام هذا؟
فضيلة الشيخ: هذا تاريخه في شهر 4 من عام 1401هـ ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الواقع أنه يؤسفني أن يكون هذا الكتاب يسأل فيه مقدمه عن أمر وقع قبل أربعة شهور فالواجب على المسلم أولا إذا أراد أن يفعل عبادة أن يسأل عن أحكامها من يثق به من أهل العلم لأجل أن يعبد الله على بصيرة، والإنسان إذا أراد أن يسافر إلى بلد وهو لا يعرف طريقها تجده يسأل عن هذا الطريق وكيف يصل وأي الطرق أقرب وأيسر فكيف بطريق الجنة وهو الأعمال الصالحة فالواجب على المرء إذا أراد أن يفعل عبادة أن يتعلم أحكامها قبل فعلها هذه واحدة، ثانيا إذا قدر أنه فعلها وحصل له إشكال فيها فليبادر به، لا يأتي بعد أربعة أشهر يسأل، لأنه إذا بادر حصل بذلك مصلحة وهي العلم ومصلحة أخرى وهو المبادرة بالإصلاح إذا كان قد أخطأ في شيء، أما بالنسبة للجواب على هذا السؤال فنقول إن سعيه بعد طواف الوداع ظنا منه أن عليه سعيا لا يؤثر على حجه شيئا ولا على طواف الوداع شيئا فهو أتي بفعل غير مشروع له لكنه جاهل فلا يجب عليه شيء.
***

(224/64)

يقول المستمع صالح محمد صالح الحاج إذا خرج في يوم التروية يريد أن يخرج إلى الحل من الحرم يريد أن يخرج إلى عرفة فهل يلزمه طواف وداع أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يلزمه طواف وداع لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من مكة إلى منى ثم إلى عرفة ولم يطف طواف الوداع فإذا قال قائل النبي عليه الصلاة والسلام ما زال في نسكه قلنا لكن كثيرا من الصحابة رضي الله عنهم حلوا من إحرام العمرة لأنهم لم يسوقوا الهدي وابتدؤا الحج من جديد في اليوم الثامن ومع ذلك ما أمروا أن يذهبوا إلى البيت فيطوفوا طواف الوداع فليس طواف الوداع في هذه الحال مشروعا.
***
سائلة تقول حججت بيت الله الحرام ثلاث مرات وفي كل مرة لم أتمكن من طواف الوداع لأعذار شرعية فأسافر دون الطواف ولم أقدم فدية في حينها فهل حجي صحيح ومقبول أم لا وهل يفرض علي الشرع شيئا الآن بعد فوات الوقت وما هو؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحج لمن لم يطف طواف الوداع حجه صحيح لأن طواف الوداع منفصل من الحج ولهذا لا يجب على أهل مكة ولو كان من واجبات الحج الداخلة فيه لكان واجبا على أهل مكة لكنه واجب مستقل لكل من أراد الخروج من مكة من حاج أو معتمر وإذا كان لهذه السائلة أعذار شرعية وهي الحيض فإن الحائض يسقط عنها طواف الوداع لقول بن عباس رضي الله عنهما (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض) وعلى هذا فإن حجك صحيح وليس عليك شيء ما دام العذر عذرا شرعيا وهو الحيض لأن الأمر مخفف عنك والحمد لله.
***
هذا السائل رمز لاسمه بـ ع. ر. ش. شرورة يقول فضيلة الشيخ أديت فريضة الحج أنا وزوجة والدي وعند طواف الوداع في اليوم الأول أتتها العادة الشهرية فلذلك أدينا طواف الوداع أنا وأخي وهي لم تطف طواف الوداع فما حكم ذلك مأجورين؟

(224/65)

فأجاب رحمه الله تعالى: الحائض والنفساء لا يجب عليهما طواف الوداع لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض) وفي الصحيحين من حديث صفية بنت حيي رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أرادها فقيل إنها حائض فقال (أحابستنا هي) قالوا إنها قد أفاضت قال (فلتنفر إذا) فالحائض ليس عليها وداع لا في حج ولا عمرة أما إذا حاضت قبل أن تطوف طواف الإفاضة فإنه لا بد أن تطوف طواف الإفاضة فإما أن تنتظر حتى تطهر ثم تطوف وإما أن تذهب وتبقى على ما بقي من إحرامها حتى تطهر ثم ترجع فتطوف.
***
المستمعة أم مريم من الكويت تذكر بأنهم أدوا فريضة الحج في العام الماضي مع ابنتها وزوجها وبعد الرجوع إلى البلد أخبرتهم البنت بأن الدورة نزلت عليها وهي تطوف طواف الوداع ولم تخبرهم إلا بعد الرجوع إلى البيت فماذا يعملون؟

(224/66)

فأجاب رحمه الله تعالى: المرأة الحائض لا تطوف بالبيت لقول النبي صلى الله عليه واله وسلم لعائشة رضي الله عنها حين حاضت قبل أن يصلوا إلى مكة قال (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت) و لما ذكر له أن صفية رضي الله عنها حاضت بعد فراغ الحج قال (أحابستنا هي) قالوا: إنها قد أفاضت قال (انفروا) وهذا يدل على أن الحائض لا يمكن أن تطوف بالبيت لأن الحائض ممنوعة من المكث في المسجد لا من المرور فيه وإذا كانت ممنوعة من المكث في المسجد فالطواف مكث في المسجد الحرام وإن كان مكثا فيه حركة وعلى هذا فإن هذه المرأة التي حاضت في أثناء طواف الوداع ولم تخبر أهلها إن احتاطت وذبحت فدية في مكة توزع للفقراء فهو خير وذلك لأن طوافها بطل بحصول الحيض في أثنائه وإن لم تفعل فأرجو ألا يكون عليها شيء لأن هذه المرأة لو حاضت قبل أن تسعى بطواف الوداع سقط عنها طواف الوداع فإذا شرعت فيه وهي طاهر ثم حاضت في أثنائه فقد فعلت ما أوجب الله عليها وسقط عنها بقية الطواف بوجود الحيض فلا يتبين وجوب الفدية عليها ولكن إن فدت فهو خير وإن لم تفد فلا شي عليها
***
أحمد م. ع. يمني من مدينة الحديدة يقول في رسالته إذا أديت العمرة هل على أن أطوف طواف الوداع فإني أؤدي العمرة بدون طواف الوداع فإذا كانت واجبة ماذا علي أن أفعل أفيدوني بارك الله فيكم؟

(224/67)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا أتى الإنسان بعمرة طواف وسعي وحلق أو تقصير فلا يخلو من حالين إما أن يكون من نيته أن يخرج من مكة من حين انتهاء العمرة فهذا لا وداع عليه وإما أن يكون عازما على البقاء بعد العمرة فإذا بقي بعد العمرة ولو ساعة واحدة فإن عليه أن يطوف للوداع لأنه ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت) وفي لفظ (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض) وهذا شامل للحج والعمرة فإن العمرة قد دخلت في الحج ولهذا تسمى حجا أصغر وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث يعلى بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك) وهذا عام شامل لكل ما يصنع في الحج أن يصنع في العمرة إلا ما خصه الدليل بالنص أو الإجماع كالوقوف بعرفة والمبيت بالمزدلفة ورمي الجمار فإن ذلك ليس مشروعا في العمرة هذا هو القول الراجح عندي وقال بعض أهل العلم إن العمرة ليس فيها طواف وداع لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال (لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت) قاله في حجة الوداع ولم يقله في العمرة ولكن الجواب على هذا الحديث يقال إن قول النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في الحج لا ينفي أن يكون واجبا في العمرة لأنه أي قوله إياه في الحج هو ابتداء تشريعه فلم يكن طواف الوداع مشروعا إلا من باب هذا القول ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم أدى العمرة بالفعل مرتين قبل حجته مرة في عمرة القضاء ومرة في عمرة الجعرانة ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه طاف بالوداع ولا أمر به ذلك لأن ابتداء وجوبه إنما كان في حجة الوداع والله أعلم.
***
هذه الرسالة وردتنا من بلاد زهران جرداء بني علي يقول مرسلها أخوكم م.ز.س الزهراني يقول في رسالته هذه هل على المعتمر طواف وداع إذا ما بات في مكة أم هو فقط على الحجاج؟

(224/68)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم فمنهم من يقول إن المعتمر ليس عليه طواف وداع لأن النبي صلى الله عليه وسلم خاطب الناس عام حجة الوداع فقال (لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت) فقد خاطبهم وهم في الحج ولم يخاطبهم بذلك في العمرة حينما اعتمروا عمرة القضية فدل هذا على أنه لا يجب إلا في الحج فقط وقال آخرون من أهل العلم إن طواف الوداع يجب على الحاج والمعتمر لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت) وكون رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يذكرها في عمرة القضية لا يمنع الوجوب لأن هذا مما تجدد وجوبه فلم يجب إلا في حجة الوداع وأيضا فإن العمرة حج أصغر يسمى حجا على سبيل التغليب وعلى سبيل المجاز لأن فيها الطواف والسعي وأيضا الوجوب أن هذا الرجل دخل بعمرة فبدأ بطواف هو تحية القدوم فينبغي أن يختم بطواف وهو طواف الوداع وأيضا فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم العمرة بمنزلة الحج لوجوب الإحرام من الميقات لمن قصدها فكذلك يجب أن تكون مثله أي مثل الحج عند الخروج وأيضا فقد روى الترمذي حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم في سنده الحجاج بن أرطاة أنه (أمر من حج أو اعتمر ألا يخرج حتى يطوف بالبيت) وأيضا فإن طواف الوداع للعمرة أحوط وأبرا للذمة لذلك نرى أنه يجب على المعتمر أن يطوف طواف الوداع إذا خرج إلا إذا كان قد خرج فور انتهائه من العمرة فإنه لا وداع عليه حينئذ يعني أنه قدم مكة معتمرا فطاف وسعى وحلق أو قصر ثم خرج فورا فهذا لا يجب عليه الوداع حينئذ لأن الطواف بالبيت قد حصل وقد ترجم على ذلك البخاري رحمه الله في صحيحه.
***
جزاكم الله خيرا السائل الذي رمز لأسمه بـ أ أ يقول هل الوداع في العمرة واجب؟

(224/69)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا اعتمر الإنسان وخرج من مكة من حين انتهى من العمرة فلا وداع عليه اعتقادا بالطواف الأول وأما إن بقى في مكة فإنه لا يخرج حتى يكون آخر عهده بالبيت الطواف ولكن هل الطواف في العمرة واجب أو مستحب الذي نرى أنه واجب وأنه يجب على المرء أن لا يخرج من مكة بعد العمرة إلا بطواف الوداع إذا انتهى من جميع أموره لأن العمرة تسمى حجا أصغر كما في حديث عمرو بن حزم المشهور الطويل ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال ليعلى بن أمية (اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك) فيكون الأصل تساوي النسكين الحج والعمرة في الأحكام إلا ما دل الدليل على اختصاص الحج به كالوقوف والمبيت والرمي ولأن الطواف أحوط وأبرأ للذمة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) والقائلون بعدم الوجوب لا ينكرون أنه مشروع وأن الإنسان يثاب عليه ويؤجر عليه.
***
أحسن الله إليكم يقول أنا الآن أعمل في مكة المكرمة منذ عامين فهل عندما أسافر في فترة إجازتي السنوية يجب أن أطوف طواف وداع مع العلم أنني أقوم بالحج سواء لي أو لأهلي المتوفين وهل يمكن عمل طواف الوداع ليلا ثم السفر صباحا هل يمكن النوم بعد الطواف وتناول الطعام أو شراؤه ثم السفر أو أم لا؟

(224/70)

فأجاب رحمه الله تعالى: طواف الوداع واجب على كل إنسان غادر مكة وهو حاج أو معتمر فإذا قدمت للحج أو العمرة وأتيت بذلك فإنك لا تخرج حتى تطوف للوداع أما إذا قدمت إلى مكة لغير حج ولا عمرة بل لعمل أو لزيارة قريب أو ما أشبه ذلك فإن طواف الوداع لا يلزمك حينئذ لأنك لم تأت بنسك حتى يلزمك طواف الوداع ويجب أن يكون طواف الوداع آخر شيء لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا ينفر أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت) ولكن العلماء رخصوا لمن طاف طواف الوداع رخصوا له بالأشياء التي يفعلها وهو عابر وماشي مثل أن يشتري حاجة في طريقه أو أن ينتظر رفقة متى جاؤوا ركب ومشى وأما من طاف للوداع ثم أقام ونوى إقامة لغير هذه الأشياء وأمثالها فإنه يجب عليه أن يعيد طواف الوداع.
***
جزاكم الله خيرا السائلة أم عبد الله لها هذا السؤال تقول نود أن نسأل هذا السؤال راجين من الله أن يجزيكم كل خير لقد قمنا والحمد لله في السنة الماضية بأداء فريضة الحج ولقد أدينا مناسك الحج بكل يسر وسهولة ونحمد الله على ذلك ولكن قبل أداء طواف الوداع أردنا شراء بعض الحاجات من مكة ولكن هناك من قام بقراءة فتوى فيها أنه لا بأس من شراء أي حاجات أو لوازم من مكة بعد الطواف فما كان منا إلا أن بادرنا بطواف الوداع ثم ذهبنا لشراء تلك اللوازم علما بان ذلك لم يستغرق منا سوى ثلث ساعة فهل علينا شيء في ذلك نرجو التوضيح جزاكم الله خيرا؟

(224/71)

فأجاب رحمه الله تعالى: الأفضل أن يكون طواف الوداع آخر شيء لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا ينصرف أحد منكم أو قال أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت) ولكن العلماء رحمهم الله رخصوا أن يشتري الإنسان حاجة تتعلق بسفره أو تتعلق بحاجته عند قدومه بلده كالهدايا التي يشتريها الحجاج لأسرهم ولو كان ذلك بعد طواف الوداع أما لو اشترى تجارة فإنه لا بد أن يعيد الطواف هكذا قال أهل العلم ولكن نقول عليه أن يشتري هذه الأشياء قبل طوافه ليكون آخر عهده بالبيت الطواف.
***
بعد طواف الوداع قمنا بشراء الهدايا للأهل وطعام العشاء بغير نسيان هل علينا فدية في ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يقول أهل العلم أنه لا بأس إذا طاف الإنسان للوداع أن يشتري حاجة في طريقه مثل الهدايا ومؤونة الطريق قالوا وليس له أن يشتري شيئا للتجارة فإن اشترى شيئا للتجارة فلابد أن يعيد طواف الوداع.
***
مشهور سعيد من جيزان يقول هل تجوز العمرة بعد مناسك الحج وقبل طواف الوداع حيث إني لم أنو إلا حجا فقط وبعدها نويت للعمرة وأحرمت للعمرة من جدة أفيدونا وفقكم الله؟

(224/72)

فأجاب رحمه الله تعالى: العمرة بعد الحج إذا حصل مثل ما حصل لعائشة رضي الله عنها حينما (أحرمت بالعمرة فحاضت قبل أن تصل إلى مكة فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تحرم بالحج ففعلت وبعد انتهاء الحج طلبت من النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتمر فأمر أخوها عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج بها إلى التنعيم فأحرمت منه) فإذا جرى لامرأة مثل ما جرى لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ولم تطب نفسها إلا بفعل العمرة بعد الحج فهذا لا بأس به لورود السنة به وأما من سواها فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يقم أحد منهم بعمل عمرة بعد أداء الحج بل هذا عبدالرحمن بن أبي بكر كان مصاحبا لأخته وخارجا إلى التنعيم ومع ذلك ما أتى بعمرة ولو كانت العمرة بعد الحج من الأمور المشروعة لكان عبد الرحمن بن أبي بكر يفعلها لأنها متيسرة عليه حيث إنه قد ذهب مع أخته إلى التنعيم فهذا دليل على أنه لا يشرع للحاج أن يأتي بالعمرة بعد الحج إلا إذا رجع إلى بلده ثم أتى بها من بلده مثل لو كان من أهل جدة فلما انتهى الحج خرج إلى جدة ثم رجع محرما بالحج فلا حرج عليه هنا لأنه أتى بالعمرة من بلده.
***
هذه رسالة وردت من المرسل عجي أحمد شامي الهيلي من القنفذة يقول لقد حج جماعة وأدوا جميع مناسك الحج وعندما أرادوا أخذ العمرة بعد إتمام المناسك قال لهم أحد الحجاج الذين معهم لا داعي لأخذ العمرة فحجكم تام فلم يعتمروا علما بأنهم مفردين ولأول مرة يؤدوا الفريضة فهل حجهم تام أم لا وإذا لم يكن تاما فماذا عليهم في ذلك وفقكم الله لخدمة الإسلام والمسلمين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: حجهم تام ما داموا أتوا به على الوجه المشروع وليس من شرط تمام الحج أداء العمرة لكن ماداموا لم يعتمروا من قبل فالعمرة واجبة عليهم إن استطاعوا إليها سبيلا فمتى تهيأ لهم السفر إلى مكة ليؤدوا العمرة في أي زمن وجب عليهم أداؤها.
***

(224/73)

سؤاله يقول أدى حاج مناسك الحج ولم يتمكن من الذهاب لزيارة المسجد النبوي وسافر مباشرة فهل من شروط قبول الحج أن يقوم الحاج بالزيارة أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ليس من ضرورة الحج أن يزور الإنسان المسجد النبوي ولا علاقة له بالحج وإنما زيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تكون في كل وقت ولكن أهل العلم ذكروها في المناسك لأنه فيما سبق كان يشق على الناس أن يأتوا لزيارة المسجد النبوي فكانوا يجعلونها مع فعل الحج ليكون السفر إليها واحدا وإلا فلا علاقة لها بالنسك بل من اعتقد أنها لها علاقة بالنسك فإن اعتقاده ليس بصحيح لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه.
***
سائل يقول لماذا تؤكدون على الحجاج في كل سني الحج أن ينوي زيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا زيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قضاء مناسك الحج؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال له شقان أحدهما قوله لم تؤكدون على الحاج أن يزور المسجد النبوي؟ نقول نحن لا نؤكد عليه ذلك ونقول إن زيارة المسجد النبوي لا تعلق لها بالحج وأنها عبادة مستقلة ليست من متممات الحج ولا ينقص الحج بفقدها ومن حج فلم يزر فحجه تام صحيح وليس فيه أي نقص ولكن أهل العلم ذكروا الزيارة بعد الحج لأن الأسفار في ذلك الوقت صعبة فيكون سفر المسلمين إلى الحج وإلى الزيارة واحدا أسهل عليهم لذلك صاروا يذكرون الزيارة بعد الحج وإلا فلا علاقة لها بالحج إطلاقا وتكون الزيارة في أي وقت من السنة وأما الشق الثاني فهو قال إنكم تؤكدون أن ينوي زيارة المسجد فنحن نعم نقول ذلك إنه ينوي زيارة المسجد وهذا السؤال له تعلق بسؤال سابق ذكرناه قريبا وذلك لأن شد الرحل لزيارة القبور منهي عنها لأنها لا تشد الرحال إلا للمساجد الثلاثة فقط على سبيل العبادة.
***

(224/74)

المستمع مصري مقيم بالأردن مجدي صلاح محمد يسأل ويقول أريد أن أؤدي العمرة ما هي شروط العمرة وهل من الممكن أن أهبها لروح والدي المتوفى؟
فأجاب رحمه الله تعالى: العمرة من شعائر الله عز وجل ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ولها واجبات وأركان وصفتها أن الإنسان إذا وصل إلى الميقات اغتسل كما يغتسل للجنابة ولبس إزارا ورداء والأفضل أن يكونا أبيضين نظيفين وتطيب في رأسه ولحيته دون إزاره وردائه وقال لبيك اللهم عمرة لبيك اللهم لك لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ولا يزال يلبي حتى يشرع في الطواف فإذا وصل إلى المسجد الحرام دخله مقدما رجله اليمنى قائلا بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك ثم يتقدم إلى الحجر الأسود فيستلمه بيده اليمني أي يمسحه ويقبله وهذا إن تيسر فإن لم تيسر فإنه يشير إليه ثم يجعل الكعبة عن يساره ويطوف سبعة أشواط يرمل في الأشواط الثلاثة الأولى منها والرمل أن يسرع في المشي مع مقاربة الخطى بدون أن يهز الكتفين ويضطبع في جميع الطواف في كل الأشواط وصفة الاضطباع أن يخرج كتفه الأيمن ويجعل طرفي الرداء على الكتف الأيسر وهذا الاضطباع لا يشرع إلا في الطواف فقط وليس مشروعا من حين الإحرام كما يظنه العامة بل إذا شرعت في الطواف فاضطبع إلى أن تنتهي منه فقط وفي طوافك تدعو بما شيءت وتذكر الله عز وجل إلا أنك إذا مررت بالحجر الأسود تكبر كلما مررت به وتقول بينه وبين الركن اليماني (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) وقد شاع عند كثير من الناس كتيبات فيها أدعية مخصوصة لكل شوط وهذه الأدعية المخصوصة لكل شوط ليست من السنة بل هي بدعة فلا ننصحك بها بل ادع الله سبحانه وتعالى بحاجتك التي في قلبك والتي تريدها أنت وتعرف معناها وتتضرع إلى الله عز وجل في تحقيقها أما

(224/75)

هذه الأدعية المكتوبة فإن كثيرا من الناس يتلوها وكأنها حروف هجائية لا يعرف معناها أبدا فإذا فرغت من الطواف فصل ركعتين خلف مقام إبراهيم قريبا منه إن تيسر وإلا فلو بعيدا تقرأ في الركعة الأولى (قل يا أيها الكافرون) بعد الفاتحة وفي الثانية (قل هو الله أحد) بعد الفاتحة وتخفف هاتين الركعتين ولا تجلس بعدها بل تنصرف إلى المسعى واعلم أنه ليس هناك دعاء عند مقام إبراهيم لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم فإذا فرغت من الركعتين فاتجه إلى المسعى فإذا قربت من الصفا فاقرا قول الله تعالى (إن الصفا والمروة من شعائر الله) أبدأ بما بدأ الله به ثم اصعد إلى الصفا واستقبل القبلة وارفع يديك كبر واحمد الله وقل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم ادع الله بما شيءت وأنت لا تزال واقفا عل الصفا ثم أعد الذكر مرة أخرى ثم أعد الذكر مرة ثالثة ثم انصرف إلى المروة تمشي مشيا معتادا إلى أن تصل إلى العلم الأخضر العمود الأخضر فإذا وصلت إلى هذا العمود الأخضر فاسع يعني اركض ركضا شديدا بشرط أن لا تؤذي أحدا حتى تصل إلى العلم الأخضر الثاني ثم تمشي مشيا معتادا إلى المروة فإذا وصلت المروة فإنك تقول مثل ما قلت على الصفا فهذا شوط فإذا رجعت من المروة إلى الصفا فهو شوط آخر فإذا أتممت سبعة أشواط فقد تم السعي وحينئذ تحلق رأسك أو تقصره ويكون التقصير شاملا لكل الرأس وليس لجزء منه أو لشعيرات منه وبهذا تمت العمرة وحللت منها ثم البس ثيابك فإن رجعت إلى بلدك من فورك فلا وداع عليك وإن تأخرت في مكة فلا تخرج من مكة حتى تطوف للوداع بدون سعي و عليك ثيابك لا تحتاج إلى ثياب الإحرام في هذه الحال وتخرج وتجعل طواف الوداع آخر أمورك هذه صفة العمرة قال أهل العلم وأركانها الإحرام والطواف

(224/76)

والسعي واجباتها أن يكون الإحرام من الميقات والحلق أو التقصير وقول السائل هل يجوز أن أهدي العمرة إلى روح أبي نقول في جوابه إن كنت قد أديت العمرة عن نفسك فلا حرج عليك أن تجعل العمرة لأبيك وإن كنت لم تؤدها عن نفسك فأبدأ بنفسك أولا على أننا نقول إذا لم تكن العمرة واجبة على أبيك فالأفضل أن تدعو لأبيك وأن تجعل العمرة لك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد أمته إلى الدعاء دون هبة الثواب فقال صلى الله عليه وسلم (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) ولم يقل صلى الله عليه وسلم أو ولد صالح يعتمر له أو يحج له أو يصوم له أو يصلى له أو يصوم له ولو كان هذا أفضل لأرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه عليه الصلاة والسلام لا يدع خيرا يعلمه إلا دل أمته عليه لكمال نصحه صلوات الله وسلامه عليه وشفقته على أمته وأنت سوف تحتاج إلى العمل بل محتاج إلى العمل حتى في الدنيا لأن في العمل صلاح القلب واستنارته وزيادة الخير قال الله تعالى (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم) وقال الله عز وجل (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا) فاجعل الأعمال الصالحة لنفسك ولمن تحب اجعل له الدعاء فهذا هو الأحسن والأفضل.
***
من جمهورية مصر العربية وردتنا هذه الرسالة من عبد الغفور محمود الصعيدي يقول ما حكم تكرار العمرة عدة مرات إذا حج الإنسان إلى مكة المكرمة؟

(224/77)

فأجاب رحمه الله تعالى: تكرار العمرة عدة مرات إذا حج الإنسان إلى مكة من الأمور غير المشروعة قال شيخ الإسلام رحمه الله إن ذلك غير مشروع باتفاق المسلمين وعلى هذا فلا ينبغي للإنسان أن يكرر العمرة أثناء وجوده في مكة في أيام الحج بل إن السنة ألا يكرر حتى الطواف بالبيت وإنما يطوف طواف النسك فقط وهو طواف القدوم وطواف الإفاضة وطواف الوداع كما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ريب أن خير ما يتمسك به المرء في عبادته ووصوله إلى رضوان الله سبحانه تعالى وهو ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.
***
بارك الله فيكم السائل أحمد حسين يقول هل يصح للحاج أن يعتمر أكثر من عمرة في أيام الحج؟

(224/78)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يشرع للحاج أن يعتمر إلا عمرة التمتع إذا كان متمتعا أو عمرة القرآن التي تندمج في الحج إذا كان قارنا أما إذا كان مفردا فإنه لا يشرع له بعد انتهاء الحج أن يأتي بعمرة لأن ذلك لم يكن معروفا في عهد الصحابة رضي الله عنهم وغاية ما هنالك أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها حاضت قبل أن تصل إلى مكة وهي قادمة من المدينة فدخل عليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهي تبكي ثم أخبرته بما حصل لها فأمرها أن تحرم بالحج فأحرمت بالحج وبقيت على إحرامها حتى انتهى الحج فأصبحت بذلك قارنة فقال لها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إن طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لحجك وعمرتك) ولما انقضى الحج طلبت من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تأتي بعمرة مستقلة كما أتى الناس المتمتعون بعمرة مستقلة فأذن لها وأخرج معها أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فأحرمت عائشة ولم يحرم عبد الرحمن لأن ذلك لم يكن معروفا عندهم فأي امرأة حصل لها مثل ما حصل لعائشة فلا حرج أن تأتي بعمرة بعد الحج وأما ما عدا هذه الصورة فإن ذلك ليس من السنة ولا ينبغي للإنسان أن يفعل شيئا لم يفعله الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا الصحابة رضي الله عنهم.
***
بارك الله فيكم السائلة أم عبد العزيز من الرياض تقول كم الوقت الذي يجب أن يفصل بين العمرة والعمرة الأخرى؟

(224/79)

فأجاب رحمه الله تعالى: يرى بعض العلماء أن العمرة لا تتكرر في السنة وإنما تكون عمرة في كل سنة مرة ويرى آخرون أنه لا بأس من تكرارها لكن قدروا ذلك بنبات الشعر لو حلق وقد روي ذلك عن الإمام أحمد رحمه الله أنه إذا حمم رأسه أي إذا نبت واسود فحينها يعتمر لأن من واجبات العمرة الحلق أو التقصير ولا يكون ذلك بدون شعر وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في إحدى فتاويه أنه يكره الإكثار من العمرة والموالاة بينها باتفاق السلف فإذا كان بين العمرة والعمرة شهر أو نحوه فهذا لا بأس به ولا يخرج عن المشروعية إن شاء الله وأما ما يفعله بعض الناس في رمضان من كونه يكرر العمرة كل يوم فبدعة منكرة ليس لها أصل من عمل السلف ومن المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فتح مكة وبقي فيها تسعة عشر يوما ولم يخرج يوما من الأيام إلى الحل ليأتي بعمرة وكذلك في عمرة القضاء أقام ثلاثة أيام في مكة ولم يأت بعمرة كل يوم ولم يعرف عن السلف الصالح رضي الله عنهم أنهم كانوا يفعلون ذلك وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأنكر من ذلك أن بعضهم إذا اعتمر العمرة الأولى حلق جزء من رأسه لها ثم تحلل فإذا اعتمر الثانية حلق جزء آخر ثم تحلل ثم يوزع رأسه على قدر العمر التي كان يأخذها وقد شاهدت رجلا يسعى بين الصفا والمروة وقد حلق شطر رأسه بالنصف وبقي الشطر الآخر وعليه شعر كثيف فسألته لماذا فقال إني حلقت هذا الجانب لعمرة أمس والباقي لعمرة اليوم وهذا يدل لا شك على الجهل لأن حلق بعض الرأس وترك بعضه من القزع المنهي عنه ثم ليس هو نسكا أعني حلق بعض الرأس وترك بعضه ليس نسكا يتعبد به لله بل هو مكروه لكن الجهل قد طبق على كثير من الناس نسأل الله العافية وله سببان:

(224/80)

السبب الأول: قلة تنبيه أهل العلم للعامة في مثل هذه الأمور وأهل العلم مسئولون عن هذا ومن المعلوم أن العامي لا يقبل قبولا تاما من غير علماء بلده فالواجب على علماء بلاد المسلمين أن يبينوا للعامة في أيام المناسبات في قدومهم لمكة ماذا يجب عليهم؟ وماذا يشرع لهم؟ وماذا ينهون عنه؟ حتى يعبدوا الله على بصيرة.
أما السبب الثاني: فهو قلة الوعي في العامة وعدم اهتمامهم بالعلم فلا يسألون العلماء ولا يتساءلون فيما بينهم وإنما يأتي الواحد منهم يفعل كما يفعله العامة الجهال وكأنه يقول رأيت الناس يفعلون شيئا ففعلت وهذا خطأ عظيم فالواجب على الإنسان إذا أراد أن يحج أو يعتمر أن يتفقه بأحكام الحج والعمرة على يد عالم يثق به حتى يعبد الله على بصيرة وإنك لتعجب أيما عجب أن الإنسان إذا أراد أن يسافر إلى مكة مثلا فإنه لن يسافر إليها حتى يبحث عن الطريق أين الطريق الموصل إلى مكة أين الطريق الأمثل من الطرق حتى يسلكه لكن إذا أراد أن يأتي إلى مكة لحج وعمرة لا يسأل كيف يحج وكيف يعتمر مع أن سؤاله كيف يحج وكيف يعتمر؟ أهم لأنه سؤال عن دين وعن عباده فالذين يريدون الحج نقول لهم ابحثوا عن أحكام الحج قبل أن تحجوا كونوا في صحبة طالب علم يبين لكم ما يرشدكم استصحبوا كتبا تبحث في الحج والعمرة من العلماء الذين تثقون في علمهم وأمانتهم وديانتهم أما أن تذهبوا إلى مكة والواحد منكم فراغ من أحكام الحج فهذا تهاون وتساهل نسأل الله أن يرزقنا علما نافعا وعملا صالحا.
***
بارك الله فيكم يقول في السؤال هل بين أداء العمرة وقت محدد وهل يجوز بعد أداء العمرة الأولى أن آتي بعمرة ثانية لأحد أقاربي؟

(224/81)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا نرى أن هذا من السنة بل هو من البدعة أن الإنسان إذا أنهى العمرة التي أتى بها حين قدومه أن يذهب إلى التنعيم فيأتي بعمرة أخرى فإن هذا ليس من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه فقد مكث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه في مكة عام الفتح تسعة عشر يوما لم يخرج أحد منهم إلى التنعيم ليأتي بعمرة وكذلك في عمرة القضاء أتي بالعمرة التي أتى بها حين قدم ولم يعد العمرة مرة ثانية من التنعيم وعلى هذا فلا يسن للإنسان إذا أنهى عمرته التي قدم بها أن يخرج إلى التنعيم ليأتي بعمرة لا لنفسه ولا لغيره وإذا كان يحب أن ينفع غيره فليدع له لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال:(إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) لم يقل ولد صالح يأتي له بعمرة أو يصوم أو يصلى أو يقرأ فدل ذلك على أن الدعاء أفضل من الأعمال الصالحة التي يهديها الإنسان إلى الميت فإن كان لابد أن يفعل ويهدي إلى ميته شيء من الأعمال الصالحة فليطف بالبيت وطوافه بالبيت لهذا القريب أفضل من خروجه إلى التنعيم ليأتي له بعمرة لأن الطواف بالبيت مشروع كل وقت وأما الإتيان بالعمرة فإنما هو للقادم إلى مكة وليس للذي في مكة يخرج ثم يأتي بالعمرة من التنعيم فإن قال قائل ما الجواب عن قصة عائشة رضي الله عنها حيث أذن لها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تذهب وتأتي بعمرة بعد انقضاء الحج قلنا الجواب عن ذلك أن عائشة رضي الله عنها حين قدمت مكة كانت قد أحرمت للعمرة ولكنه أتاها الحيض في أثناء الطريق ولم تتمكن من إنهاء عمرتها فأمرها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تحرم بالحج لتكون قارنة ففعلت فلما أنهت الحج طلبت من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تأتي بعمرة مستقلة كما أتى بها زوجاته رضي الله عنهن قبل الحج فأذن لها ومع ذلك كان معها أخوها عبد الرحمن

(224/82)

بن أبي بكر رضي الله عنهما ولم يأت هو بعمرة مع أن الأمر متيسر ولم يرشده النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى ذلك فإذا وجد حال كحال عائشة رضي الله عنها قلنا لا حرج أن تخرج المرأة من مكة إلى التنعيم لتأتي بعمرة وفيما عدا ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يخرج من مكة ليأتي بعمرة من التنعيم لا هو ولا أصحابه فيما نعلم.
***
السائلة ماجدة من مكة المكرمة تقول فضيلة الشيخ أسأل عن حكم تكرار العمرة في رمضان؟

(224/83)

فأجاب رحمه الله تعالى: تكرار العمرة في سفر واحد ليس من هدي النبي عليه الصلاة والسلام ولا من هدي أصحابه فيما نعلم فها هو النبي عليه الصلاة والسلام فتح مكة في رمضان في العشرين من رمضان أو قريبا من ذلك وبقي عليه الصلاة والسلام تسعة عشر يوما في مكة ولم يحفظ عنه أنه خرج إلى التنعيم ليأتي بالعمرة مع تيسر ذلك عليه وسهولته وكذلك أيضا في عمرة القضاء التي صالح عليها المشركين قبل فتح مكة دخل مكة وبقي فيها ثلاثة أيام ولم يأت بغير العمرة الأولى مع أننا نعلم علم اليقين أنه ليس أحد من الناس أشد حبا لطاعة الله من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ونعلم علم اليقين أنه لو كان من شريعته صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يكرر الإنسان العمرة في سفرة واحدة في هذه المدة الوجيزة لبينه لأمته إما بقوله أو فعله أو إقراره، نعلم هذا فلما لم يكن ذلك لا من قوله ولا من فعله ولا من إقراره علم أنه ليس من شريعته وأنه ليس من السنة أن يكرر الإنسان العمرة في سفرة واحدة بل تكفي العمرة الأولى التي قدم بها من بلاده ويدل لهذا أيضا أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما أرسل عبدالرحمن بن أبي بكر مع أخته عائشة إلى التنعيم أحرمت عائشة بالعمرة ولم يحرم عبد الرحمن ولو كان معروفا عندهم أن الإنسان يكرر العمرة لكان يحرم لئلا يحرم نفسه الأجر والأمر متيسر ومع ذلك لم يحرم والعجب أن الذين يفعلون ذلك أي يكررون العمرة في سفر واحد يحتجون بحديث عائشة والحقيقة أن حديث عائشة حجة عليهم وليس لهم لأن عائشة رضي الله عنها إنما فعلت ذلك حيث فاتتها العمرة الأولى فهي رضي الله عنها أحرمت من ذي الحليفة أول ما قدم النبي عليه الصلاة والسلام مكة أحرمت من ذي الحليفة بعمرة وفي أثناء الطريق حاضت بسرف فدخل عليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهي تبكي وأخبرته بأنه أصابها ما يصيب النساء من الحيض فأمرها صلى الله عليه وعلى آله

(224/84)

وسلم أن تدخل الحج على العمرة فأحرمت بالحج ولم تطف ولم تسع حين قدومهم على مكة وإنما طافت وسعت بعد ذلك فصار نساء الرسول عليه الصلاة والسلام أتين بعمرة مستقلة وحج مستقل فلما فرغت من الحج طلبت من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تأتي بعمرة وقالت يذهب الناس بعمرة وحج وأذهب بحج فأذن لها النبي عليه الصلاة والسلام أن تأتي بعمرة فذهبت وأحرمت بعمرة ومعها أخوها عبدالرحمن ولم يحرم معها ولو كان هذا من السنة المطلقة لعامة الناس لأرشد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عبدالرحمن أن يحرم مع أخته أو لأحرم عبد الرحمن مع أخته حتى يكون في ذلك إقرار الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم على هذه العمرة التي فعلها عبد الرحمن وكل ذلك لم يكن ونحن نقول إذا حصل لامرأة مثل ما حصل لعائشة يعني أحرمت بالعمرة متمتعة بها إلى الحج ولكن جاءها الحيض قبل أن تصل إلى مكة وأدخلت الحج على العمرة ولم يكن لها عمرة مستقلة ولم تطب نفسها أن ترجع إلى أهلها إلا بعمرة مستقلة فإن لها أن تفعل ذلك كما فعلت عائشة فتكون القضية قضية معينة وليست عامة لكل أحد وحينئذ نقول لهذا للسائل لا تكرر العمرة في سفر واحد ائت بالعمرة الأولى التي قدمت بها إلى مكة وكفى وخير الهدي هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذا هو الحق في هذه المسألة وإنه بهذه المناسبة أرى كثيرا من الناس يحرصون على العمرة في ليلة سبع وعشرين من رمضان ويقدمون من بلادهم لهذا وهذا أيضا من البدع لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يحث يوما من الأيام على فعل العمرة في ليلة سبع وعشرين في رمضان ولا كان الصحابة يتقصدون ذلك فيما نعلم وليلة القدر إنما تختص بالقيام الذي حث النبي صلى الله عليه وسلم عليه حيث قال (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) والقيام في ليلة السابع والعشرين من رمضان أفضل من العمرة خلافا لمن يخرج من مكة إلى العمرة في

(224/85)

هذه الليلة أو يقدم بها من بلده قاصدا هذه الليلة أما لو كان ذلك من وجه المصادفة بأن يكون الإنسان سافر من بلده في وقت صادف أن وصل إلى مكة ليلة سبع وعشرين فهذا لا نقول له شيئا لا نقول له لا تؤدي العمرة وفرق بين أن نقول يستحب أن يأتي بالعمرة في ليلة سبع وعشرين وبين أن نقول لا تأت بالعمرة في ليلة سبع وعشرين نحن لا نقول لا تأت بالعمرة ليلة سبع وعشرين ائت بها لكن لا تتقصد أن تكون ليلة سبع وعشرين لأنك إذا قصدت أن تكون ليلة سبع وعشرين فقد شرعت في هذه الليلة ما لم يشرعه الله ورسوله والمشروع في ليلة سبع وعشرين إنما هو القيام كما أسلفنا لذلك أرجو من إخواني طلبة العلم أن ينبهوا العامة على هذه المسألة حتى نكون داعين إلى الله على بصيرة داعين إلى الخير آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر وحتى يتبصر العامة لأن العامة يحمل بعضهم بعضا ويقتدي بعضهم ببعض فإذا وفق طلبة العلم في البلاد وكل إنسان في بلده على أن ينبهوا الناس على مثل هذه المسائل التي اتخذها العامة سنة وليست بسنة حصل في هذا خير كثير والعلماء هم قادة الأمة هم سرج الأمة كما كان نبيهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم سراجا منيرا فإنه يجب أن يرثوه صلى الله عليه وسلم في هذا الوصف الجليل وأن يكونوا سرجا منيرة لمن حولهم ونسأل الله تعالى أن يبصرنا جميعا في ديننا.
***
بارك الله فيكم تقول هل أتم الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديبية أم لم يتمها وكم عمرة اعتمر الرسول صلى الله عليه وسلم وما هي؟

(224/86)

فأجاب رحمه الله تعالى: عمرة الحديبية لم يكملها النبي صلى الله عليه وسلم بحسب الأمر الواقع لأن قريشا صدوه عن المسجد الحرام لكنه أتمها حكما لأنه ترك العمل عجزا ومن شرع بالعمل وتركه عجزا عنه كتب له أجره قال الله تعالى (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله) وأما عمر النبي صلى الله عليه وسلم فإنها كانت أربعا إحداها عمرة الحديبية والثانية عمرة القضاء التي قاضى عليها قريشا فإن من جملة الشروط التي وقعت بينهم في الصلح أن النبي صلى الله عليه وسلم يعتمر من العام القادم وقد فعل عليه الصلاة والسلام والثالثة عمرة الجعرانة فعلها النبي صلى الله عليه وسلم حين رجع من غزوة حنين، والرابعة العمرة التي في حجته في حجة الوداع فإنه صلى الله عليه وسلم كان قارنا جامعا بين الحج والعمرة في إحرام واحد فهذه أربع عمر اعتمرها النبي صلى الله عليه وسلم وكلها كانت في أشهر الحج فعمرة الحديبية وعمرة القضاء وعمرة الجعرانة كانت في ذي القعدة وعمرته مع حجته كان الإحرام بها في أخر ذي القعدة وإتمامها في ذي الحجة لأن عمرة القارن تندرج في الحج وتؤول أفعاله أفعال الحج ولهذا كان القول الراجح أنه لا يلزم القارن طوافان وسعيان وإنما يكفيه طواف واحد وسعي واحد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطف إلا طوافا واحدا ولم يسع إلا سعيا واحدا، وأما طوافه حين قدم فهو طواف قدوم، وطوافه عند خروجه طواف وداع.
***
نشاهد البعض من الناس في رمضان يكرر العمرة أكثر من مرة هل في ذلك بأس يا فضيلة الشيخ؟

(224/87)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم في ذلك بأس وذلك أنه مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فتح مكة في رمضان في عشرين من رمضان وبقي في مكة آمنا مطمئنا ولم يخرج هو وأصحابه ولا أحد منهم إلى التنعيم من أجل أن يأتوا بعمرة مع أن الزمن هو رمضان وذلك في عام الفتح ولم يعهد أن أحدا من الصحابة أتى بعمرة من التنعيم أبدا إلا عائشة رضي الله عنها لسبب من الأسباب وذلك (أن عائشة رضي الله عنها قدمت من المدينة في حجة الوداع مع النبي صلى الله عليه وعلى أله وسلم وكانت محرمة بالعمرة فحاضت قبل أن تصل إلى مكة فأمرها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تحرم بالحج لتكون قارنة ففعلت ومن المعلوم أن القارن لا يأتي بأفعال العمرة تامة بل تندرج أفعال العمرة بأفعال الحج فلما انتهى الناس من الحج طلبت عائشة من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تعتمر فأمرها أن تخرج مع أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فتحرم بالعمرة) ففعلت ولما كان هذا السبب ليس موجودا في أخيها عبد الرحمن لم يحرم بعمرة بل جاء محلا وهذا أكثر ما يعتمد عليه الذين يقولون بجواز العمرة من التنعيم لمن كان في مكة وكما سمعت ليس فيه دليل بذلك لأنه خاص بحال معينة أذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة أما تكرارها فإن شيخ الإسلام رحمه الله نقل أنه مكروه باتفاق السلف ولقد صدق رحمه الله في كونه مكروها لأن عملا لم يعمله الرسول عليه الصلاة والسلام ولا أصحابه وهو من العبادة كيف يكون مطلوبا ولم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه لو كان خيرا لسبقونا إليه ولو كان مشروعا لبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه مشروع إما بقوله وإما بفعله وإما بإقراره وكل هذا لم يكن فلو أن هؤلاء بقوا في مكة وطافوا حول البيت لكان ذلك أفضل لهم من أن يخرجوا ويأتوا بعمرة ولا فرق بين أن يأتوا بالعمرة لأنفسهم أو لغيرهم كآبائهم

(224/88)

وأمهاتهم فإن أصل الاعتمار للأب والأم نقول فيه إن الأفضل هو الدعاء لهم إذا كان ميتين لقول الرسول صلى الله وعليه وسلم (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) فأرشد صلى الله عليه وسلم إلى الدعاء عن الأب والأم ولم يرشد إلى أن نعمل لهما عمرة أو حجا أو طاعة أخرى الخلاصة أن تكرار العمرة في رمضان أو غير رمضان ليس من عمل السلف وإنما هو من أعمال الناس الذين لم يطلعوا على ما تقتضيه سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
***
حفظكم الله يا فضيلة الشيخ يقول هذا السائل من جمهورية مصر العربية ما هي أركان الحج وما هي أركان العمرة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ذكر العلماء رحمهم الله أن أركان الحج أربعة الإحرام وهو نية الدخول في النسك والوقوف بعرفة وطواف الإفاضة والسعي وأن أركان العمرة ثلاثة الإحرام وهو نية العمرة والطواف والسعي.
***
وردتنا رسالة من جمهورية مصر العربية بعث بها المستمع عبدالغفار محي الدين يقول ما حكم من أخل بشيء من أركان الحج وما هي أركانه وفقكم الله؟

(224/89)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا أخل بشيء من أركان الحج فإما أن يكون ذلك لحصر أو لغير حصر ومعنى الحصر أن يمنع الإنسان مانع لا يتمكن به من إتمام حجه فإن كان بحصر فإنه يتحلل من هذا ويذبح هديه إن تيسر ويحلق وينتهي نسكه ثم عليه إعادة الحج من جديد في العام القادم إذا كان لم يؤد الفريضة فإن كان قد أدى الفريضة فالصحيح أنه لا تجب عليه الإعادة لأن هذا من وجوب الإتمام ولم يتمكن منه بهذا الحصر الذي حصل له والواجب يسقط مع العجز عنه وأما إذا كان لم يؤد الفريضة فإن الفريضة لا تزال في ذمته ويجب عليه أن يؤديها هذا إذا كان بحصر لقوله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي) وأما إذا كان بغير حصر يعني بمعنى أنه تركه لغير عذر مانع منه فإن كان ذلك هو الوقوف بعرفة فإن حجه لا يصح ولا يتم لقول النبي صلى الله عليه وسلم (الحج عرفة) وإن كان طوافا أو سعيا فالطواف والسعي من أركان الحج وجب عليه فعلهما ولو كان في بلده فإنه يجب أن يرجع ويطوف طوافا أو سعيا فالطواف والسعي من أركان الحج ويجب عليه فعلهما ولو كان في بلده فإنه يجب أن يرجع ويطوف ويسعى لإتمام أركان نسكه هذا هو ما يتعلق بالسؤال.
***
المستمعة حصة أ من الرياض تقول هل وردت أحاديث تدل على أن العمرة في رمضان تعدل حجة أو أن فضلها كسائر الشهور؟

(224/90)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (عمرة في رمضان تعدل حجة) فالعمرة في رمضان تعدل حجة كما جاء به الحديث ولكن ليس معنى ذلك أنها تجزئ عن الحج بحيث لو اعتمر الإنسان في رمضان وهو لم يؤد فرض الحج سقطت عنه الفريضة لأنه لا يلزم من معادلة الشيء بالشيء أن يكون مجزئا عنه فهذه سورة (قل هو الله أحد)تعدل ثلث القرآن ولكنها لا تجزئ عنه فلو أن أحدا في صلاته كرر سورة الإخلاص ثلاث مرات لم يكفه ذلك عن قراءة الفاتحة وهذا قول الإنسان لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات يكون كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل ومع ذلك لو قالها الإنسان وعليه عتق رقبة لم تجزئه عنها وبه نعرف أنه لا يلزم من معادلة الشيء بالشيء أن يكون مجزئا عنه.
***
هل العمرة في رمضان الفضل فيها هو محدد بأول رمضان ووسطه أو آخره كما يقول العامة؟

(224/91)

فأجاب رحمه الله تعالى: العمرة في رمضان ليست محددة بأوله ولا بوسطه ولا بآخره بل هي عامة في أول الشهر ووسطه وأخره لقول النبي صلى الله عليه وسلم (عمرة في رمضان تعدل حجة) ولم يقيدها صلوات الله وسلامه عليه فإذا سافر الإنسان في رمضان وأدى فيه عمرة كان كمن أدى حجة وهنا أقف لأنبه بعض الأخوة الذين يذهبون إلى مكة لأداء العمرة فإن منهم من يتقدم قبل رمضان بيوم أو يومين فيأتي بالعمرة قبل دخول الشهر فلا ينال الأجر الذي يحصل فيمن أتى بالعمرة في رمضان فلو أخر سفره حتى يكون يوم إحرامه بالعمرة في رمضان لكان أحسن وأولى كذلك يوجد بعض الناس الذين يأتون في أول الشهر لعمرة إذا كان في وسط الشهر خرجوا إلى التنعيم فأتوا بعمرة أخرى وفي أخر الشهر يخرجون أيضا إلى التنعيم فيأتون بعمرة ثالثة وهذا العمل لا أصل له في الشرع بل أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام في مكة عام الفتح تسعة عشر يوما ولم يخرج إلى التنعيم ليأتي بعمرة مع أنه صلى الله عليه وسلم فتح مكة في رمضان ولم يخرج بعد انتهاء القتال إلى التنعيم ليأتي بعمرة بل أتى بالعمرة حين رجع من غزوة الطائف نزل الجعرانه وقسم الغنائم هناك، وأتى بعمرة من الجعرانه ثم خرج من ليلته عليه الصلاة والسلام وفي هذا دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يخرج من مكة من أجل أن يأتي بعمرة من التنعيم أو غيره من الحل لأن هذا لو كان من الخير لكان أولى الناس به رسول الله صلى الله عليه وسلم لأننا نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرص الناس على الخير ولأن النبي صلى الله عليه وسلم مشرع ومبلغ عن الله سبحانه وتعالى ولو كان هذا من الأمور المشروعة لبينه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته إما بقوله وإما بفعله وإما بإقراره وكل ذلك لم يكن والاتباع وإن قل خير من الابتداع.
***

(224/92)

من محمد عبد الغني محمد مسئول بمصنع الاسمنت بالرياض يطلب بيان حكم وشرح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عمرة في رمضان توازي حجة فيما سواه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معنى ذلك أن الإنسان إذا اعتمر في شهر رمضان فإن هذه العمرة تعدل حجة في الأجر لا في الإجزاء وقولنا لا في الإجزاء يعني أنها لا تجزئ عن الحج فلا تسقط بها الفريضة وإنما تعتبر هذه العمرة من أجل وقوعها في هذا الشهر تعدل في الأجر حجة فقط لا في الإجزاء ونظير ذلك (أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل) وهذا بلا شك في الأجر وليس في الإجزاء ولهذا لو كان عليه أربع رقاب فقال هذا الذكر لم يجزئه ولا عن رقبة واحدة فيجب أن نعرف الفرق بين الإجزاء وبين المعادلة في الأجر فالمعادلة في الأجر لا يلزم منها إجزاء وكذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام (قل هو الله أحد) تعدل ثلث القرآن ولو أن الإنسان قرأها ثلاث مرات في ركعة ولم يقرأ الفاتحة ما أجزأته مع أنها عدلت القرآن كله حينما قرأها ثلاثة مرات.
***
بارك الله فيكم في نهاية رسالة المستمع أحمد سعيد عبد الغفار يقول أولا أشكر الله سبحانه وتعالى على أن من علي بالحج وبإذن الله سوف أقوم بتأدية العمرة فبماذا تنصحونني في جميع أداء مناسك العمرة و واجباتها علما بأنني سوف أؤديها بمشيئة الله سبحانه وتعالى العمرة الثانية لوالدي المتوفى يقول وهل يجوز الدعاء لنفسي أثناء تأدية عمرة والدي لي؟

(224/93)

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على سؤاله وهو أنه يريد أن يأخذ عمرة لأبيه المتوفى ويسأل هل يجوز أن يدعوا لنفسه في هذه العمرة الجواب أن نقول نعم يجوز أن يدعو لنفسه في هذه العمرة ولأبيه ولمن شاء من المسلمين لأن المقصود أن يأتي بأفعال العمرة لمن أرادها له أما مسألة الدعاء فإنه ليس بركن ولا بشرط في العمرة فيجوز أن يدعو لنفسه ولمن كانت له هذه العمرة ولجميع المسلمين.
***
أحسن الله إليكم تقول فضيلة الشيخ أريد أن أذهب إلى مكة لأداء عمرة لي هل يجوز لي بعد أن أتحلل من العمرة أن أحرم بعمرة أخرى لوالدي المتوفى أهبها له ثم هل يجوز أن أتحلل من عمرة والدي وأحرم بعمرة أخرى لوالدتي أفتونا مأجورين يعني ثلاث عمرات في وقت واحد عمرة لي وعمرة لوالدي وعمرة لوالدتي؟

(224/94)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا من البدع أن يأتي الإنسان بأكثر من عمرة في سفر واحد لأن العبادات مبناها على التوقيف ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا عن أصحابه أنهم كانوا يترددون إلى التنعيم ليحرموا مرة ثانية وثالثة ورابعة وها هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين دخل مكة في عمرة القضية مكث ثلاثة أيام ولم يعد العمرة مرة أخرى وفي فتح مكة بقي تسعة عشر يوما ولم يأت بعمرة وأما حديث عائشة رضي الله عنها فقضية خاصة لأن عائشة رضي الله عنها أحرمت مع نساء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حجة الوداع أحرمت بعمرة وفي أثناء الطريق حاضت فدخل عليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهي تبكي فقال لها (ما يبكيك) فأخبرته يعني أنها حاضت فقال لها (إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم) قال ذلك يسليها وأن هذا ليس خاصا بها فكل النساء تحيض ثم أمرها أن تحرم بالحج ففعلت ولم تأت بأفعال العمرة لأنها لم تطهر إلا في يوم عرفة وانتهت فقالت يا رسول الله يرجع الناس بعمرة وحج وأرجع بحج قال لها (طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لحجك وعمرتك) فصار طوافها وسعيها أجزءا عن نسكين ولكن رآها مصرة على أن تأتي بعمرة فأذن لها صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تأتي بعمرة وأمر أخاها عبد الرحمن أن يخرج بها إلى التنعيم لتأتي بعمرة ولم يأمر أخاها أن يعتمر ولا اعتمر أخوها أيضا لأن ذلك ليس بمشروع فدخل أخوها محلا ودخلت هي محرمة بعمرة وطافت وسعت وقصرت ومشت إلى المدينة فهذه قضية معينة في أوصاف معينة كيف يفتح الباب ويقال من شاء تردد إلى التنعيم وأتى بعمرة فنقول لا عمرتان في سفر واحد هكذا.
***

(224/95)

كتاب الأضاحي
حكمها - التشريك فيها
العيوب المانعة - الأضحية عن الأموات
تقسيمها - الامتناع عن مس الشعر ونحوه
يقول السائل ما الفرق بين الهدي والأضحية والفدية؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما الأضحية فهي ما يذبح في أيام عيد الأضحى تقربا إلى الله عز وجل في عامة البلدان في مكة وغيرها وأما الهدي فهو ما يهدى إلى الحرم من الإبل والبقر والغنم بمعنى أن يبعث الإنسان بشيء من الإبل أو البقر أو الغنم يذبح في مكة ويتصدق بها على فقراء الحرم أو يبعث بدراهم ويوكل من يشتري بها هديا من إبل أو بقر أو غنم ويذبح في مكة ويتصدق بها على الفقراء ومن الهدي أيضا ما يقوم به المحرم المتمتع الذي أتى بالعمرة ثم بالحج فيلزمه هدي يكون تقربا إلى الله عز وجل وشكرا لنعمه حيث يسر له العمرة والحج أما الفدية فهي ما كانت عن ترك واجب أو فعل محظور مثال عن ترك الواجب أن يترك الإنسان رمي الجمرات فيجب عليه فدية يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء ومثال فعل المحظور أن يحلق المحرم رأسه فعليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك هذا هو الفرق.
***
من محافظة ليلى سائل يقول هل على كل مسلم أن يضحي وهل يجوز اشتراك خمسة أفراد في أضحية واحدة نرجو بهذا إفادة مأجورين؟

(225/1)

فأجاب رحمه الله تعالى: الأضحية هي الذبيحة التي يتقرب بها الإنسان إلى الله في عيد الأضحى والأيام الثلاثة بعده وهي من أفضل العبادات لأن الله سبحانه وتعالى قرنها في كتابه بالصلاة فقال جل وعلا (إنا أعطيناك الكوثر (1) فصل لربك وانحر) وقال تعالى (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين (162) لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) و(ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بأضحيتين إحداهما عنه وعن أهل بيته والثانية عن من آمن به من أمته ) وحث الناس عليها صلوات الله وسلامه عليه ورغب فيها وقد اختلف العلماء رحمهم الله هل الأضحية واجبة أو ليست بواجبة على قولين فمنهم من قال إنها واجبة على كل قادر للأمر بها في كتاب الله عز وجل في قوله (فصل لربك وانحر) ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم (فيمن ذبح قبل الصلاة أن يذبح بعد الصلاة) وفيما روي عنه (من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا) فلا ينبغي للإنسان أن يدع الأضحية ما دام قادرا عليها فليضح عنه وعن أهل بيته ولا يجزئ أن يشترك اثنان فأكثر اشتراك ملك في الأضحية الواحدة من الغنم ضأنها أو معزها أما الاشتراك في البقرة أو البعير فيجوز أن يشترك سبعة في الواحدة هذا باعتبار الاشتراك في الملك وأما التشريك بالثواب فلا حرج أن يضحي الإنسان بالشاة عنه وعن أهل بيته وإن كانوا كثيرين بل له أن يضحي عن نفسه وعن علماء الأمة الإسلامية وما أشبه ذلك من العدد الكثير الذي لا يحصيه إلا الله وهنا أنبه بأمر يفعله بعض العامة معتقدين أن الأضحية إنما تكون عن الميت حتى إنهم كانوا فيما سبق يسأل أحدهم هل ضحيت عن نفسك؟ يقول أضحي وأنا حي؟ يستنكر هذا الأمر ولكن ينبغي أن يعلم أن الأضحية إنما شرعت للحي فهي من السنن المختصة بالأحياء ولهذا لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه ضحى

(225/2)

عن أحد من الذين ماتوا من أقاربه أو من زوجاته على وجه الإنفراد فلم يضح عن خديجة وهي زوجته وأول زوجاته رضي الله عنها ولا عن زوجته زينب بنت خزيمة التي ماتت بعد تزوجه إياها لمدة غير طويلة ولم يضح عن عمه حمزة بن عبد المطلب الذي استشهد في أحد إنما كان يضحي عنه وعن أهل بيته وهذا يشمل الحي والميت وهناك فرق بين الاستقلال والتبع فيضحى عن الميت تبعا بأن يضحي الإنسان عنه وعن آل بيته وينوي بذلك الأحياء والأموات وأما أن يضحي عن ميت بخصوصه بعينه فهذا لا أصل له من السنة فيما أعلم نعم إذا كان الميت قد أوصى بأضحية فإنه يضحى عنه تبعا لوصيته وأرجو أن يكون هذا الأمر الآن معلوما وهو أن الأضحية إنما تشرع في الأصل في حق الحي لا في حق الميت فالأضحية عن الميت تكون بالتبع وتكون بوصية أما تبرعا من أحد فإنها وإن جازت لكن الأفضل خلاف ذلك.
فضيلة الشيخ: ماحكم اشتراك مجموعة ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ذكرنا هذا أن الاشتراك في البعير والبقرة لا بأس أن يشترك فيها سبعة في بعير أو بقرة وأما في الغنم من ضأن أو ماعز فهذا لا يجوز.
***
أحسن الله إليكم السائل من الجزائر يقول وضحوا لنا حكم الأضحية وما شروطها وهل هي للأموات فقط؟

(225/3)

فأجاب رحمه الله تعالى: الأضحية سنة مؤكدة وقال بعض العلماء إنها واجبة ولكل قوم دليل استدلوا به والاحتياط ألا يدعها الغني الذي أغناه الله تبارك وتعالى وأن يجعلها من نعمة الله عليه حيث شارك الحجاج في شيء من النسك فإن الحجاج في أيام العيد يذبحون هداياهم وأهل الأمصار يذبحون ضحاياهم فمن رحمة الله تبارك وتعالى أن شرع لأهل الأمصار أن يضحوا في أيام الأضحية ليشاركوا الحجاج في شيء من النسك ولهذا نقول القادر عليها لا ينبغي أن يدعها ثم الأضحية ليست للأموات الأضحية للأحياء وليست بسنة للأموات ودليل ذلك أن الشرع إنما يأتي من عند الله ورسوله و الذي جاءت به السنة هي الأضحية عن الأحياء فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مات له أقارب ولم يضح عنهم وكل أولاده توفوا قبله إلا فاطمة رضي الله عنها ومنهم من بلغ الحلم ومنهم من لم يبلغ الحلم فأبناؤه ماتوا قبل أن يبلغوا الحلم وبناته متن بعد أن بلغن الحلم إلا فاطمة فقد بقيت بعده رضي الله عنها وأيضا مات له زوجتان خديجة وزينب بنت خزيمة ولم يضح عنهما واستشهد عمه حمزة بن عبد المطلب ولم يضح عنه فهو لم يشرع الأضحية عن الميت بنفسه ولم يدع أمته إلى ذلك وعلى هذا فنقول ليس من السنة أن يضحي عن الميت لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا علمته واردا عن الصحابة أيضا نعم إذا أوصى الميت أن يضحي عنه فهنا تتبع وصيته ويضحي عنه اتباعا لوصيته وكذلك إذا دخل الميت مع الأحياء ضمنا كأن يضحي الإنسان عنه وعن أهل بيته وينوي بذلك الأحياء والأموات وأما أن يفرد الميت بأضحية من عنده فهذا ليس من السنة.

(225/4)

أما الأضحية نفسها فلها شروط منها ما يتعلق بالوقت ومنها ما يتعلق بنفس الأضحية أما الوقت فإن الأضحية لها وقت محدد لا تنفع قبله ولا بعده ووقتها من فراغ صلاة العيد إلى مغيب الشمس ليلة الثالث عشر فتكون الأيام أربعة هي يوم العيد وثلاثة أيام بعده فمن ضحى في هذه المدة ليلا أو نهارا فأضحيته صحيحة من حيث الوقت وأما شروطها بنفسها فيشترط فيها: أن تكون من بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم ضأنها ومعزها فمن ضحى بشيء غير بهيمة الأنعام لم تقبل منه مثل أن يضحي الإنسان بفرس أو بغزال أو بنعامة فإن ذلك لا يقبل منه لأن الأضحية إنما وردت في بهيمة الأنعام والأضحية عبادة وشرع ، لا يشرع منها ولا يتعبد لله بشيء منها إلا بما جاء به الشرع لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) أي مردود.
الشرط الثاني في الأضحية أن تبلغ السن المعتبرة شرعا وهو في الضأن ستة أشهر وفي الماعز سنة وفي البقر سنتان وفي الإبل خمس سنوات فمن ضحى بما دون ذلك فلا أضحية له لو ضحى بشيء من الضأن له خمسة أشهر لم تصح الأضحية به أو بشيء من الماعز له عشرة أشهر لم تصح التضحية به أو بشيء من البقر له سنة وعشرة أشهر لم تصح الأضحية به أو بشيء من الإبل له أربع سنين وستة أشهر لم تصح الأضحية به لابد أن يبلغ السن المعتبر دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا تذبحوا إلا مسنة يعني ثنية إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن). الشرط الثالث: أن تكون سليمة من العيوب المانعة من الأجزاء وهي أربعة أجاب بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين سئل ماذا يتقى من الضحايا؟ فقال (أربع العوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعرجاء البين عرجها والعجفاء التي لا تنقي) أي ليس فيها مخ لهزالها وضعفها وما كان مثل هذه العيوب أو أشد فهو بمعناها له حكمها فهذه ثلاثة شروط عائدة إلى ذات الأضحية.

(225/5)

أما كيف توزع فقد قال الله تعالى (فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) وقال سبحانه:(فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر) فيأكل الإنسان منها ويتصدق منها على الفقراء ويهدي منها للأغنياء تألفا وتحببا حتى يجتمع في الأضحية ثلاثة أمور مقصودة شرعية:
الأمر الأول: التمتع بنعمة الله وذلك في الأكل منها.
الأمر الثاني: رجاء ثواب الله وذلك بالصدقة منها.
الأمر الثالث: التودد إلى عباد الله وذلك بالهدية منها وهذه معان جليلة مقصودة للشرع ولهذا استحب بعض العلماء أن تكون أثلاثا فثلث يأكله وثلث يتصدق به وثلث يهديه.
***
هذا السائل سوداني أبو حذيفة يذكر بأنه خارج السودان في العمل منذ ثلاثة سنوات يقول ولم أقم بواجب الأضحية ولم أقم أيضا بتوكيل أحد في ذبحها هل علي كفارة أفيدوني في ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الصحيح أن الأضحية ليست واجبة وأنها سنة لكنه يكره للقادر أن يدعها وهذا الأخ الغريب الذي ترك الأضحية لمدة ثلاثة سنوات لا إثم عليه لأنه لم يترك واجبا وإنما ترك أمرا مطلوبا إن تيسر له فعله وإن لم يتيسر فلا حرج عليه لكن مثل هؤلاء الغرباء ينبغي لهم أن يوكلوا أهليهم بأن يقوموا بالأضحية في بلادهم حتى يحصل لهم الفرح والسرور بأضحيته في بلاده.
***
بارك الله فيكم يقول هذا السائل أيهما أفضل في الأضحية الكبش أو البقر؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ذكر الفقهاء رحمهم الله أنه إذا ضحى بالبهيمة كاملة فالأفضل الإبل ثم البقر ثم الغنم والضأن أفضل من المعز أما إذا ضحى بسبع من البدنة أو البقرة فإن الغنم أفضل والضأن أفضل من المعز.
***
أحسن الله إليكم من مكة المكرمة السائل الذي بعث بهذه الأسئلة ح. م. ع. يقول هل تقتصر الأضحية على رب الأسرة وهل تجزئ عنهم ذبيحة واحدة مع الدليل وكذلك الهدي والفدية؟

(225/6)

فأجاب رحمه الله تعالى: أما الأضحية فالشاة الواحدة تكفي عن الرجل وأهل بيته ( لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يضحي بالشاة عنه وعن آل بيته ) وأما الهدي فالهدي كل واحد ينفرد بهديه والفدية كل واحد ينفرد بفديته لكن يجوز أن يشترك في الهدي سبعة في بقرة أو بدنة.
***
يقول المستمع مشهور سعيد من جيزان هل تجوز أضحية واحدة لأخوين شقيقين في بيت واحد مع أولادهم أكلهم وشربهم واحد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز ذلك يجوز أن يقتصر أهل البيت الواحد ولو كانوا عائلتين على أضحية واحدة ويتأتى بذلك فضيلة الأضحية.
***
بارك الله فيكم هذه رسالة وصلت من المستمع للبرنامج من خميس مشيط رمز لاسمه ـ أ. أ. ع. المملكة العربية السعودية يقول ثلاثة أخوة يسكنون في بيت واحد ويعملون في مكان واحد مأكلهم ومشربهم واحد وفي عيد الأضحى يضحوا بأضحية واحدة ومعنى ذلك أن الثلاثة يذبحون أضحية كما ذكرت ويقولون بأنه يجزئ عنهم الثلاثة لأن أموالنا واحدة ونحن نشترك في كل شيء، ما الحكم في هذا بارك الله فيكم؟

(225/7)

فأجاب رحمه الله تعالى: الظاهر لي أن الحكم في هذا أن أضحيتهم هذه مجزئة لأن مالهم بمنزلة المال الواحد فتجزئ عنهم الأضحية الواحدة لأنهم بيت واحد وكان الصحابة رضى الله عنهم يضحون بالشاة عنهم وعن أهل بيتهم بخلاف ما لو كان كل واحد منهم مختصا بماله فإن الأضحية الواحدة لا تجزئ عنهم ولهذا لو اشترك ثلاثة جيران في أضحية واحدة فإن ذلك لا يجزئ ولا تكون الشاة هذه شاة أضحية بل هي شاة لحم لأن من شروط الأضحية أن تكون على وفق الشرع ولم ترد الشريعة باشتراك اثنين فأكثر في شاة واحدة، وإنما كان الاشتراك في البقر والإبل يشترك السبعة في بقرة والسبعة في بعير ومن المعلوم أن من شرط العمل الصالح أن يكون على وفق الشريعة فمن عمل عملا ليس عليه أمر الله ورسوله فهو مردود عليه كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال(من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) أما هؤلاء الجماعة فهم في بيت واحد ومالهم واحد فهم بمنزلة رجل واحد فتجزئ الشاة عنهم جميعا.
***
بارك الله فيكم هذا السائل من القصيم بريدة الاسم ف. م. خ. الحربي يقول فضيلة الشيخ هل الأضحية تجزئ عن الحي والميت إذا اشتركوا فيها أفتونا بسؤالي مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان المضحي واحدا بمعنى أن رجلا اشترى أضحية وجعلها لنفسه ولأبيه الميت أو أمه الميتة أو أقاربه الميتين فلا حرج وأما إذا اشترك إنسان حي مع وصية لميت مثل أن يشتري أضحية بأربعمائة ريال منها مائتان من الوصية ومائتان من عنده فإن هذا لا يجوز لأن الاشتراك في الأضحية الواحدة ممنوع إلا في الإبل والبقر فإنه يشترك سبعة في الإبل وفي البقرة سبعة وأما الغنم ضأنها ومعزها لا يشترك فيها اثنان أما التشريك في الثواب فلا بأس لو جعل الإنسان هذه الأضحية لعدة أناس فلا حرج ولكن التشريك في الملك والاشتراك على الشيوع هذا لا يجوز.
***

(225/8)

يقول أيضا ما هي العيوب التي تكون في بعض البهائم ولا تجعلها صالحة للأضحية وما هو أول وقت للذبح وآخره وهل يجزئ أن يذبح عن الإنسان غيره ولو لم يذكر أنها عن فلان؟
فأجاب رحمه الله تعالى: العيوب التي تمنع من الإجزاء بينها النبي عليه الصلاة والسلام في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام (أربعة لا تجوز في الأضاحي المريضة البين مرضها والعوراء البين عورها والعرجاء البين ضلعها والكبيرة أو الهزيلة أو العجفاء التي لا مخ فيها ) فيها هذه هي العيوب الأربعة التي لا تمنع من الإجزاء ولا تجزئ الأضحية إذا كانت البهيمة متصفة بهذه العيوب الأربعة وما كان بمعناها أو مثلها فهو مثلها في الحكم فالعوراء البين عورها هي التي يتبين لمن رآها أنها عوراء بحيث تكون العين ناتئة أو غائرة أو عليها بياض بين يتبين لمن رآها بأنها عوراء وأما إذا كانت العين قائمة وهي لا تبصر بها فإنها لا تمنع من الإجزاء أما المريضة البين مرضها فهي التي يظهر عليها آثار المرض وأعراض المرض بأن تكون غير نشيطة ولا تأكل وحارة وما أشبه ذلك مما يستدل بها على مرضها والعرجاء البين ضلعها يقول أهل العلم إنها هي التي لا تستطيع المشي مع الصحيحة وأما التي تستطيع المشي مع الصحيحة وتباريها وإن كانت تعرج فإنها لا بأس بها وأما الهزيلة التي لا مخ فيها فهي التي لا يكون في أعضائها مخ لأنها تكون غالبا غير طيبة اللحم فلهذا نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام ومثل العوراء العمياء لا تجزئ في الأضحية ومثل العرجاء البين ضلعها ما قطع إحدى أعضائها وكذلك لو كانت زمنى لا تمشي أبدا فإنها لا تجزئ ومثل المريضة البين مرضها الحامل إذا أخذها الطلق فإنها لا تجزئ حتى تصح وتمشي ومثل ذلك أيضا التي بشمت من تمر أو غيره فإنها لا تجزئ حتى تفرغ لأنها معرضة للخطر.
فضيلة الشيخ: بشمت يعني أكلت؟

(225/9)

فأجاب رحمه الله تعالى: يعني أكلت تمرا وانبشمت بحيث انسد دبرها فلا تتنفس وينتفخ بطنها فهذه وأمثالها لا تجزئ أما ما كانت فيها عيب في أذنها أو في قرنها أو في سنها أو في ذيلها فإنها تجزئ ولكن غيرها أحسن منها وأفضل.
فضيلة الشيخ: ماهو أول وقت للذبح وما هوآخره؟
فأجاب رحمه الله تعالى: وأما أول وقت للذبح بعد صلاة العيد والأفضل أن يكون بعد الصلاة والخطبة وأما آخره فهو آخر أيام التشريق فيكون وقت الذبح أربعة أيام ويجزئ الذبح في هذه الأيام ليلا ونهارا.
فضيلة الشيخ: يقول هل يجزئ أن يذبح عن الإنسان غيره دون أن يذكر أنها عنه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يجوز أن يوكل من يذبح إذا كان هذا الموكل يعرف أن يذبح والأفضل في هذه الحال أن يحضره أي يحضر الذبح من هي له والأفضل أن يباشر ذبحها هو بيده إذا كان يحسن وأن يضطجعها على الجنب الأيسر إن كان يذبح بيمينه فإن كان يذبح بيساره فإنه يضطجعها على الجنب الأيمن والمقصود بذلك راحة البهيمة والإنسان الذي يذبح باليسرى ما ترتاح البهيمة إلا إذا كانت على الجنب الأيمن ثم إن الأفضل أن يضع رجله على عنقها حين الذبح وبعد ذلك وأما أيديها وأرجلها فإن الأفضل أن تبقى مطلقة غير ممسوكة فإن ذلك أريح لها ولأن ذلك أبلغ في إخراج الدم منها لأن الدم مع الحركة يخرج فهذا أفضل.
فضيلة الشيخ: هل يشترط أن يذكر أنها عن فلان؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إن ذكر أنها عن فلان فهو أفضل لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال (هذا منك ولك عن محمد وآل محمد) وإن لم يذكره كفت النية ولكن الذكرأفضل ثم إن تسمية المضحى عنه تكون عند الذبح يقول بسم الله الله أكبر اللهم هذا منك ولك عن محمد أو عن فلان وفلان ويسميه وأما ما يفعله بعض العامة إذا كان ليلة العيد ذهب إلى المواشي ليسمي منها له وجعل يمسحها من مقدم الرأس إلى الذيل ويكرر التسمية فهذا بدعة لا أصل له عن النبي عليه الصلاة والسلام.

(225/10)

فضيلة الشيخ: هل يجوز توكيل غير المسلم في الذبح؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما في غير القربى فيجوز في غير قربى يعني في غير الأضحية.
***
أحسن الله إليكم وبارك فيكم فضيلة الشيخ هذا السائل الفاضل إبراهيم يقول الأغنام الموسومة في أذنيها ولم ينقص من أذنيها شيء وإنما هو شق طولي في الأذن وهذا الوسم يستخدمه الرعاة في الأغنام للتعرف عليها عندما تذهب عند الآخرين من الرعاة هل هذا الوسم أو الشق يجعلها غير صالحة للأضحية؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الصحيح أن ذلك لا يضر وأن مقطوعة الأذن ومقطوعة القرن ومقطوعة الذيل كلها تجزئ لكن لا ينبغي أن يضحى بها لنقصها ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (أربع لا تجوز في الأضاحي العوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعرجاء البين ضلعها والعجفاء التي لا تنقي) وفي رواية أنه سئل ماذا يتقى من الضحايا فقال أربع وأشار بأصابعه وعدها وهذا يدل على أن ما سواها يجزئ لكن ما فيه العيب لا شك أنه مكروه وأنه ينبغي أن تكون الأضحية على أكمل ما تكون وعلى هذا فإذا شقت الأذن للوسم وضحي بها فلا بأس.
***
يقول هل يجوز ذبح الطلي المخصي أضحية أو لا يجوز؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز أن يذبح الخصي في الأضحية حتى أن بعض أهل العلم رجحه على الفحل قال لأن لحمه يكون أطيب والصحيح أن الفحل من ناحية أفضل بكمال أعضائه وأجزائه وهذا أفضل بطيب لحمه وعلى كل حال فإنه يجوز أن يضحي الإنسان بالخصي وقد جاء في الحديث (أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحي بكبشين موجوءين) إي مخصيين.
***
إذا اشترى إنسان ذبيحتين يقصد إحداهما للأضحية والأخرى لحما فهل يشترط أن يعين التي سيضحي بها بعينها ولا يجوز له تبديلها بالأخرى؟

(225/11)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا ليس بشرط والذي ينبغي للإنسان أن لا يعين الأضحية إلا عند ذبحها لأجل أن يكون حرا في تبديلها وتغييرها فإذا أراد أن يذبحها يقول هذه أضحية فلان أضحية عني وعن أهل بيتي أو عن فلان الذي أوصى بها أو ما أشبه ذلك.
يافضيلة الشيخ: ولو حصل وعينها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لو حصل وعينها تعينت وإذا تعينت فإنه يتعلق بها حكم الأضحية ويجب عليه تنفيذها وقد ذكر بعض أهل العلم أنه إذا أبدلها بخير منها فلا حرج.
***
يقول هل تستحب الأضحية عن الأموات كما هي بالنسبة للأحياء حتى ولو لم يوصوا بها أم هي عبادة خاصة بالأحياء فقط إلا من أوصى من الأموات؟

(225/12)

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي نرى أن الأضحية مشروعة في حق الأحياء فقط لأن هذا هو الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم فهي عن الأحياء فقط إلا إذا أوصى بها الميت فإنها تفعل عنه وذلك لأن الميت إذا أوصى بها فقد أوصى بها من ماله وماله له أن يصرفه بما شاء في غير معصية الله فتنفذ كما أوصى وأما الحي فإنه يضحي عن نفسه ولكن لا مانع من أن يضحي ويقول هذا عن أهل بيتي وينوي به الأحياء والأموات فإن ظاهر فعل النبي عليه الصلاة والسلام حيث كان يقول هذا عن محمد وعن آل محمد وعن أمة محمد ظاهره أنه يشمل الحي والميت أما أن يضحي عن الميت خاصة فهذا لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام وقد ماتت بنات النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة من بناته في عهده ولم يضح عنهم وماتت زوجته خديجة وهي من أحب نسائه إليه ولم يضح عنها واستشهد عمه حمزة رضي الله عنه ولم يضح عنه ولو كان هذا من الأمور المشروعة لكان الرسول عليه الصلاة والسلام يشرعه لأمته إما بقوله وإما بفعله وإما بإقراره ولما لم يكن شيء من ذلك علم أنه ليس بمشروع ولكن مع هذا لا نقول أنه محرم أو أنه بدعة أو أنه لا يجوز لأنه أشبه ما يكون بالصدقة كما قاس بعض أهل العلم الأضحية عن الميت بالصدقة عنه والصدقة عن الميت قد ثبتت بها السنة.
***
بارك الله فيكم سائل يقول لي والدة متوفاة وأريد أن أضحي عنها من مالي فهل أشركها في أضحيتي وأهل بيتي أم أضحي عنها بأضحية خاصة؟

(225/13)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يشرع للميت أضحية خاصة تخص به وإن كان هذا جائزا لكنه ليس بمشروع إذ لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه فيما أعلم أنه ضحى عن أحد من الأموات أضحية مستقلة فالنبي عليه الصلاة والسلام قد ماتت زوجته خديجة وماتت زوجته زينب بنت خزيمة ومتن بناته إلا فاطمة ومات أبناؤه ومات عمه حمزة ولم يخص أحدا منهم بأضحية وإنما كان يقول عليه الصلاة والسلام عند تضحيته (اللهم هذه عن محمد وآل محمد) فيشمل آل بيته الأحياء والأموات وإذا كان كذلك فإن الأفضل في حق السائل ألا يخص أمه بأضحية خاصة وإنما يضحي بأضحية عنه وعن أهل بيته وتشمل الأحياء والأموات هذه هي السنة وإن بعض الناس يضحي بأضحية عن الميت أول سنة من موته يسمونها أضحية الحفرة أو أضحية الدفنة وهذا من البدع لأن تخصيص الميت بأضحية بهذا الاسم في أول سنة يموت لم يرد عن الرسول عليه الصلاة والسلام ولا عن أصحابه فيكون من البدع التي ابتدعها الناس وكل بدعة ضلالة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
***
هذه سائلة تسأل عن الأضحية التي تعمل للمتوفى ما حكمها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الأضحية هي التقرب إلى الله عز وجل في أيام عيد الأضحى في يوم العيد وفي ثلاثة أيام بعده التقرب إلى الله تعالى بذبح بهيمة الأنعام من إبل أو بقر أو غنم وهي سنة في حق الحي يضحي عنه وعن أهل بيته كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك وإذا ضحى الإنسان عنه وعن أهل بيته ونوى أن يكون أجرها له ولأهل بيته الحي والميت فإن ذلك لا بأس به وأما الأضحية الخاصة للميت فلها حالان:

(225/14)

الحال الأولى: أن يكون الميت قد أوصى بها فإذا كان قد أوصى بها فإنها تفعل تنفيذا للوصية لقوله تعالى حين ذكر الوصية (فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم (181) فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) فإن هاتين الآيتين تدلان على أن وصية الميت تنفذ ما لم تكن إثما أو جنفا.
أما الحال الثانية: كالأضحية عن الميت فإنه يضحي الإنسان بها عنه ابتداء فهذه قد اختلف فيها أهل العلم هل هي مشروعة أو غير مشروعة؟ فمنهم من قال إنها مشروعة كالأضحية عن الحي وكالصدقة عن الميت ومنهم من قال إنها غير مشروعة لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد مات للنبي صلى الله عليه وسلم من أقاربه من مات ومن زوجاته كذلك ولم يرد أنه ضحى عن كل واحد منهم بخصوصه مات له بناته الثلاث وأبناؤه الثلاثة ولم يضح عن واحد منهم واستشهد عمه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه في أحد ولم يضح عنه وماتت زوجتاه خديجة وزينب بنت خزيمة ولم يضح عنهما ولو كان هذا من الأمور المشروعة لفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولكن أقول إذا أردت أن تضحي عن ميت فضحي عنك وعن أهل بيتك وانو أنها لك وعن أقاربك الأحياء والأموات وفضل الله واسع.
***
يقول هل يجوز لي أن أضحي لميت قريب لي من مالي؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم التضحية للميت جائزة كالصدقة عنه لكن الأفضل أن يتصدق فالصدقة عن الميت أفضل من الأضحية لأن الصدقة عن الميت واردة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما الأضحية فلم ترد عن النبي عليه الصلاة والسلام لم يرد أنه ضحى عن أحد من أقاربه ولهذا من أجاز الأضحية عن الميت إنما أجازها قياسا على الصدقة.
***

(225/15)

بارك الله فيكم فضيلة الشيخ المستمع محمد عبد الله من الرياض يقول بأن له أخا تعرض لحادث توفي بعدها هل يجوز لنا أن نضحي له أو نحج عنه إلى بيت الله الحرام نرجو الافادة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: القول الراجح من أقوال أهل العلم أنه يجوز للإنسان أن يتعبد لله عز وجل بطاعة بنية أنها لميت من أموات المسلمين سواء كان هذا الميت من أقاربه أم ممن ليس من أقاربه هذا هو القول الراجح سواء في الصدقة أو في الحج أو في الصوم أو في الصلاة أو في غير ذلك فيجوز للإنسان أن يتبرع بالعمل الصالح لشخص ميت من المسلمين ولكن هذا ليس من الأمور المطلوبة الفاضلة بل الأفضل أن يدعو له بدلا من أن يتصدق عنه أو أن يضحي عنه أو أن يحج عنه لأن الدعاء له هو الذي أرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه ثبت عنه أنه قال (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) فذكر الولد الصالح الذي يدعو له ولم يقل أو ولد صالح يتصدق له أو يحج له أو ما أشبه ذلك من الأعمال الصالحة مع أن الحديث في سياق العمل فلما عدل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذكر العمل للميت بذلك الدعاء علم أن الدعاء هو المختار وهو الأفضل ولهذا فإني أنصح إخواني المسلمين أن يحرصوا على الدعاء لأمواتهم بدلا عن إهداء القرب لهم وأن يجعلوا القرب لأنفسهم لأن الحي محتاج إلى العمل الصالح فإنه ما من ميت يموت إلا ندم إن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد وإن كان مسيئا ندم ألا يكون استعتب قال الله تعالى (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت) وقال الله عز وجل (وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين) (ولن يؤخر الله

(225/16)

نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون) فأنت أيها الحي محتاج إلى العمل الصالح فاجعل العمل لنفسك وادع لأمواتك من الأباء والأمهات والإخوان والأخوات وغيرهم من المسلمين هذا هو الذي تدل عليه سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن مع هذا لو أن الإنسان تصدق عن ميت أو صام عنه أو صلى وقصد بأن يكون الثواب للميت فلا بأس بذلك إذا تبرع به.
***
جزاكم الله خيرا من أسئلة هذا السائل يقول هل تجوز الأضحية عن الميت؟

(225/17)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم تجوز الأضحية عن الميت بمعنى أن يضحي الإنسان في أيام النحر أي في عيد الأضحى وثلاثة أيام بعده أضحية ينويها عن الميت يقول مثلا عند ذبحها اللهم هذا منك ولك اللهم هذه عن فلان ولكن ليس هذا بأمر مشروع ليس هذا بأمر مشروع لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه ضحى عن أحد من أمواته فقد ماتت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وهي من أحب النساء إليه ولم يضح لها واستشهد عمه حمزة بن عبد المطلب في أحد ولم يضح عنه ومات له ثلاث بنات في حياته ولم يضح عنهن ولو كان هذا أمرا مشروعا لبينه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إما بقوله وإما بفعله وإما بإقراره ولم يعلم أن أحدا من الصحابة ضحى عن أحد من أمواته في حياة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكن لو ضحى عن ميت لم يمنع وإن كان بعض أهل العلم قال إنه لا ينفع الميت وقالوا إن الصدقة بثمن الأضحية عن الميت أفضل من الأضحية ولكن هاهنا مسألة إذا ضحى الإنسان عنه وعن أهل بيته ونوى أنه عن الحي والميت فأرجو أن يكون ذلك نافعا إن شاء الله تعالى ومشروعا لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضحي بالأضحية عنه وعن أهل بيته فهذا محتمل أن يكون عن أهل بيته الأحياء والأموات ويحتمل أن يكون عن أهل بيته الأحياء فقط والشيء الذي ينبغي أن ينكر ما يفعله بعض الناس تجده يشتري الأضحية من ماله ويضحي بها عن أمواته ولا ينويها عنه وعن أهل بيته وهذا أمر خلاف السنة بلا شك فالأضحية في الأصل عن الأحياء فقط التنبيه الآخر أنه إذا أوصى الميت بأضحية فهنا لا بد أن يضحى عنه إتباعا لوصيته ويكون هذا من عمله لأنه أوصى به.
***
هذا السائل يقول يا فضيلة الشيخ بالنسبة للأضحية عن الميت في تقاليدنا القديمة يقول بأن الميت له سبع أضاحي هل هذا صحيح؟

(225/18)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا ليس بصحيح أولا أن الأضحية عن الميت قد اختلف العلماء فيها إذا لم تكن وصية منه فمنهم من قال إنها مشروعة ومنهم من قال إنها ليست مشروعة ولا أعلم دليلا من السنة يدل على الأضحية عن الميت بخصوصه إذا لم تكن وصية وإنما قاسها بعض العلماء على الصدقة عن الميت والصدقة عن الميت قد جاءت بها السنة وأما كونه لا يضح عنه إلا بسبع فهذا ليس له أصل بل إذا أراد أحد أن يضحي عنه ضحى عنه بواحدة وكذلك بعض الناس يقول إن الأضحية عن الميت أول سنة يموت واجبة وتسمى عند بعضهم أضحية الحفرة وهذا أيضا لا أصل له والذي أرى في الأضحية عن الميت ألا يضحى عنه بخصوصه إلا بوصية منه وأن الإنسان يضحي بأضحية واحدة عنه وعن أهل بيته وينوي بذلك الحي والميت من آل بيته وفي هذا كفاية إن شاء الله.
***
لديه سؤال يقول فيه، يوجد عندنا عادة إذا دخل شهر ذي الحجة في العشر الأولى يذبح كل بيت ذبيحة ويقول اللهم اجعله لأرواح موتانا، وهذا شيء كل عام ويسمونه عندنا حج الأموات، هل هذا صحيح؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا ليس بصحيح، بل هو بدعة ولا يتقرب بالذبح لله إلا فما وردت به السنة وهي ثلاثة أمور، الأضاحي، والهدايا للبيت مكة، والثالث العقيقة، هذه هي الذبائح المشروعة، وأما ما عداها فليس بمشروع، ثم إن زعمهم أن هذا حج الأموات ليس بصحيح، فالأموات انقطعت أعمالهم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به من بعده أو ولد صالح يدعو له) وهذا ليس من الصدقة الجارية، لأن معنى الصدقة الجارية أن الإنسان يوقف شيئا ينتفع الناس به بعد موته، والعلم الذي ينتفع به من بعده إذا علم أحدا علما نافعا فعملوا به بعد موته أو علموه انتفع به، والولد الصالح الذي يدعو له الذكر أو الأنثى من أولاده إذا دعا له انتفع به.
***

(225/19)

السائل من الجزائر يقول يا فضيلة الشيخ ما هي الكيفية الصحيحة لذبح الأضحية؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الكيفية الصحيحة إذا كانت الأضحية من الغنم الضأن والماعز أن يضجعها على الجانب الأيسر ويضع رجله على رقبتها ويمسك بيده اليسرى رأسها حتى يتبين الحلقوم ثم يمر السكين على الحلقوم والودجين والمرئ بقوة فينهر الدم ويقول عند الذبح بسم الله والله أكبر اللهم هذا منك ولك اللهم هذه عني وعن أهل بيتي أما غير الأضحية فيفعل فيها هكذا لكنه يقول عند الذبح قبل أن يذبح يقول بسم الله والله أكبر فقط.
***
الأضحية يا فضيلة الشيخ هل يصح أن يذبحها الجنب والمرأة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: وكذلك الأضحية يجوز أن يذبحها وهو جنب ويجوز للمرأة أن تذبح الذبيحة أيضا ولو كانت حائضا.
***
جزاكم الله خيرا هذا سائل للبرنامج أرسل يقول فضيلة الشيخ كما نعلم بأن الأضحية توزع إلى ثلاثة أقسام ثلث يتصدق به وثلث يهدى وثلث لأهل الميت ولكن لي تسعة من أبناء العم يقوم كل منهم بعمل أضحيته في المطبخ وتقديمها لجميع الإخوان دون أن نتصدق بثلث أو أن نهدي ثلث فهل يجوز ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الصدقة بالثلث من الأضحية ليست بالواجب لك أن تأكل كل الأضحية إلا شيئا قليلا تتصدق به والباقي لك أن تأكله لكن الأفضل أن تتصدق وتهدي وتأكل ثم إن الإهداء والصدقة إنما يكون باللحم النيئ دون المطبوخ وهذا سهل والحمد لله إذا كان يوم العيد وضحيت فأرسل إلى الفقراء ما تيسر وأهدي إلى جيرانك وأصدقائك ما تيسر وكل الباقي سواء أكلته في يوم العيد أو أيام التشريق أو ادخرته إلى أكثر من ذلك.
***
سائل يقول جرى في التوزيع عادة في الأضحية أنها تكون بين الأقارب والجيران البحث عن الفقراء قد يصعب على بعض الناس؟

(225/20)

فأجاب رحمه الله تعالى: الحقيقة أنه لا يصعب لكن يصعب على الهمم دون الأجسام كثير من الناس الآن يريد أن يريح نفسه حتى أنه مع الأسف برزت ظاهرة وهي أنهم يدعون الناس إلى إعطائهم الدراهم ليضحوا بها في بلاد أخرى وهذا غلط محض والدعوة إلى ذلك تؤدي إلى إبطال الفائدة من الأضحية لأن المقصود من الأضحية ومن أعظم المقاصد أن يتعبد الإنسان لله تعالى بذبحها بنفسه أو بحضوره إذا لم يكن يحسن الذبح وبأن يذكر اسم الله عليها وهذا لا يحصل إذا أعطى الدراهم تذبح في مكان آخر أيضا إظهار الشعيرة بين الأهل والأولاد وهذه الأضحية يتناقلها الصغار عن الكبار حتى إنه ليفرح الصبيان إذا كانت الضحايا في البيت في ليلة العيد أو قبل ذبحها فيما بعد ثم إن هذا حرمان لأهل البلد أهل البلد يحتاجون إلى لحم فقرائهم وأغنيائهم فيحرمون منها ثم إن هذا مخالف لأمر الله عز وجل حيث قال تبارك وتعالى (فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير) ولا يمكن أن يأكل منها وهي بعيدة عنه ومن أجل تحقيق الأكل منها (أمر النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع حين نحرت إبله فإن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع أهدى مائة ناقة) عليه الصلاة والسلام لكرمه مائة ناقة عن سبعمائة خروف أهدى مائة ناقة ونحر منها بيده الكريمة ثلاث وستين ناقه وأعطى علي بن أبي طالب رضي الله عنه الباقي فنحره ثم أمر عليه الصلاة والسلام أن يؤخذ من كل بعير قطعة فجعلت في قدر فطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها تحقيقا لأمر الله عز وجل (فكلوا منها) وكيف يأكل الإنسان من أضحية تبعد عنه أميالا ومسافات بعيدة ثم إن هذه الدراهم التي تعطيها من تعطيها من الذين يجمعون هل تدري أتقع في يد أمين عالم عارف بأحكام الأضحية أم تقع في يد من ليس كذلك؟ لا ندري قد يذبحها بدون تسمية؟ قد يذبحها ولا ينهر الدم؟ قد يعطيها الأغنياء دون الفقراء؟ قد يذبح ما لم تبلغ السن؟ قد يذبح ما فيه عيب؟

(225/21)

متى نطمئن إلى أن الذي تولى الذبح كان أمينا عالما بأحكام الأضحية وعالما بما يضحي به وما لا يضحي به ثم هل نأمن أن يتهاون هذا فيؤخر الذبح عن وقته؟ لا سيما إذا كثرت الذبائح عنده افرض أن هذه الجهة أتاها ألف شاة وليس عندهم من يباشر الذبح إلا نفر قليل لا يتمكنون من ذبحها في أيام الذبح فيضطرون إلى تأخير الذبح إلى فوات الوقت إذا نقول يا أخي المسلم إذا كنت تريد أن تبر إخوانك الفقراء في بلاد أخرى فأرسل لهم دراهم أرسل لهم قوتا أرسل لهم ثيابا أرسل لهم فرشا أما أضحية جعلها الله تعالى شعارا وخصك بها في بلادك حتى تشارك أهل الحج في شيء من النسك فلا تفرط في هذه الخصيصة والشعيرة العظيمة وترسل دراهم مضمونه في أجواف الجيوب وحفاظات الدراهم فنصيحتي لإخواني الذين يجبون هذه الأضاحي أن يكفوا عن ذلك وألا يدعوا الناس لهذا نعم يدعونهم إلى التبرع بالمال والأعيان لا بأس لكن يدعونهم إلى إبطال شعيرة في بلادهم لتنقل إلى بلاد بعيدة مع الاحتمالات التي ذكرناها أخشى عليهم ولذلك أنصحهم أعني إخواني الذين يجمعون التبرعات لهذا أن يكفوا عن ذلك ثم أنصح الإخوان المواطنين عن إعطاء هؤلاء للأضحية وأقول ضحوا في بلادكم ضحوا في مكانكم ثم إني أيضا أنصح إخواني الذين يضحون في بلادهم أن يضحوا في بيوتهم عند أولادهم حتى تظهر الشعيرة دون أن يذبحوها في المسلخ ويأتوا بها لحما ولا يخلو البيت الآن والحمد لله من مكان للذبح بل لو ذبحت في وسط الحمام فلا بأس لأن الدم نجس ولو اختلط بالنجاسة لا يضر الدم دم المذبوح نجس فيذبحها حتى يفرغ الدم النجس ثم يخرجها ويسلخها في مكان آخر إذا لم يكن له مكان للذبح والسلخ على أن كثيرا من المدن الكبيرة فيها استراحات للناس بإمكانهم أن يخرجوا بالأضاحي إلى الاستراحات ويخرجوا بالصبيان معهم إذا شاءوا أن يتفرج الصبيان على الأضحية ويذبحون هناك ويدخلون بها إلى البيت لحما المهم التوجيه إلى الذين يجمعون

(225/22)

التبرعات لهذا الغرض أن يكفوا عن هذا والتوجيه للآخرين ألا يعطوهم شيئا لهذا الغرض وأن يضحوا في بيوتهم وأن يشعروا أن المراد بالأضاحي والهدايا هو التقرب إلى الله تعالى بذبحها وذكر اسمه عليها جل وعلا دونما يحصل منها من مادة وهي الأكل واستمع إلى قول الله تعالى (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين) هذه نصيحة أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلها خالصة لوجهه وأن ينفع بها عباده إنه على كل شيء قدير.
***
يقول هل يجوز أن يهدى الكافر من لحم الأضحية؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الكافر إذا كان ممن يجوز أن يعطى إليه فإنه يهدى من طعام لحم الأضحية وإن كان ممن لا يجوز أن يهدى إليه فإنه لا يجوز أن يعطى من لحم الأضحية ولا من غيرها وميزان ذلك قوله تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم) يعني لا ينهاكم عن برهم بل تقسطوا إليهم (إن الله يحب المقسطين ) (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) فإذا كان الكافر من أمة لا يعتدون على المسلمين ولا يقاتلونهم ولا يخرجونهم من ديارهم فلا بأس أن يهدى إليه من لحم الأضحية أو غيرها وإن كان بالعكس فإن الله تعالى يقول (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم) أي عاونوا على إخراجكم (أن تولوهم) بأي ولاية كانت.
***

(225/23)

بارك الله فيكم هذه رسالة من المستمع عبد الرحمن عبد الهادي العتيبي من البجادية يقول ما مدى صحة الحديث الذي معناه أن من أراد أن يضحي أو يضحى عنه فلا يأخذ من شعره أو ظفره شيئا حتى يضحي وذلك من أول أيام عشر ذي الحجة وكيف ذلك وما هي الأشياء التي يمتنع من سيضحي عن فعلها وهل هذا النهي يصل إلى درجة التحريم أم أنه للاستحباب وهل يلتزم به المقيم والحاج على السواء أم هو خاص بالمقيم دون الحاج؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث صحيح رواه مسلم وحكمه التحريم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذن من شعره ولا من ظفره شيئا) وفي رواية (ولا من بشره) والبشر الجلد يعني أنه لا ينتف شيئا من جلده كما يفعله بعض الناس ينتف من عقبه من قدمه فهذه الثلاثة هي محل النهي الشعر والظفر والبشرة والأصل في نهي النبي صلى الله عليه وسلم التحريم حتى يرد دليل يسقطه إلى الكراهة أو غيرها وعلى هذا فيحرم على من أراد أن يضحي أن يأخذ في العشر من بشرته أو شعره أو ظفره شيئا حتى يضحي وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى على عباده لأنه لما فات أهل المدن والقرى والأمصار لما فاتهم الحج والتعبد لله سبحانه وتعالى بترك الترفه شرع لمن في الأمصار هذا الأمر شرعه لهم ليشاركوا الحجاج في بعض ما يتعبدون لله تعالى بتركه وإنما قلت ذلك لأنه لا يجوز لإنسان أن يتعبد بترك شيء أو بفعل شيء إلا بنص من الشرع فلو أراد أحد أن يتعبد لله تعالى في خلال عشر أيام بترك تقليم الأظفار أو الأخذ من شعره أو بشرته لو أراد أن يتعبد بدون دليل شرعي لكان مبتدعا آثما فإذا كان بمقتضى دليل شرعي كان مثابا مأجورا لأنه تعبد لله تعالى بهذا الترك وعلى هذا فاجتناب الإنسان الذي يريد أن يضحي الأخذ من شعره وبشرته وظفره يعتبر طاعة لله ورسوله مثابا عليها وهذه من نعمة الله بلا شك وهذا الحكم إنما يختص بمن أراد أن يضحي فقط أما من

(225/24)

يضحى عنه فلا حرج عليه أن يأخذ وذلك لأن الحديث إنما ورد لو أراد أحدكم أن يضحي فقط فيقتصر على ما جاء به النص ثم إنه قد علم أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يضحي عن أهل بيته ولم ينقل أنه كان ينهاهم عن أخذ شيء من شعورهم وأظفارهم وأبشارهم فدل هذا على أن هذا الحكم خاص بمن يريد أن يضحي فقط ثم إن المراد من أراد أن يضحي عن نفسه لا من أراد أن يضحي وصية لآبائه أو أجداده أو أحد من أقاربه فإن هذا ليس مضحيا في الحقيقة ولكنه وكيل لغيره فلا يتعلق به حكم الأضحية ولهذا لا يثاب على هذه الأضحية ثواب المضحي إنما يثاب عليها ثواب المحسن الذي أحسن إلى أمواته وقام بتنفيذ وصاياهم ثم إنه نسمع من كثير من الناس من العامة أن من أراد أن يضحي وأحب أن يأخذ من شعره أو من ظفره أو من بشرته شيئا يوكل غيره في التضحية وتسمية الأضحية ويظن أن هذا يرفع عنه النهي وهذا خطأ فإن الإنسان الذي يريد أن يضحي ولو وكل غيره لا يحل له أن يأخذ شيئا من شعره أو بشرته أو ظفره ثم إن بعض النساء في هذه الحال يسألن عمن طهرت في أثناء هذه المدة وهي تريد أن تضحي فماذا تصنع في رأسها نقول لها تصنع في رأسها أنها تنقضه وتغسله وترويه ولا حاجة إلى تسريحه وكده فإنه لا ضرورة إلى ذلك وإن كدته تكده برفق من أجل إصلاح الشعر وكذلك بالنسبة للرجل لا ينبغي أن يسرح شعره أو يكده في هذه الأيام وهو يريد أن يضحي وأما قول السائل هل هذا خاص بأهل الأمصار أو بالذين يحجون أيضا فنقول إن الحاج إذا اعتمر فلا بد له من التقصير فيقصر ولو كان يريد أن يضحي في بلده لأنه يجوز للإنسان إذا كان له عائلة لم تحج أن يشتري لهم أضحية أو يوكل من يشتري لهم أو يوكل أحدا من إخوانه أو أولاده بأن يشتري له أضحية ويضحي عنه وعن أهل بيته وفي هذه الحال إذا كان معتمرا فلا حرج عليه أن يقصر من شعر رأسه لأن التقصير في العمرة نسك.
***

(225/25)

يقول هل يجوز قص الأظافر وحلق الشعر في العشر من ذي الحجة أفيدونا جزاكم الله عنا خيرا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يجوز ذلك لمن لا يريد الأضحية أما من كان يريد أن يضحي فإنه إذا دخل العشر لا يأخذ من شعره ولا من بشرته ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي لحديث أم سلمة في ذلك.
***
بارك الله فيكم أبو خالد من أبو ظبي يقول في سؤاله هل ترك قص الشعر والأظافر في عشر من ذي الحجة حتى يذبح المسلم أضحيته سنة واردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهل ذلك يشمل الأسرة أي أسرة المضحي؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال (إذا دخلت العشر يعني عشر ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذن من شعره ولا من ظفره شيئا) وفي رواية (ولا من بشرته شيئا) وهذا نهي والأصل في النهي التحريم حتى يقوم دليل على أنه لغير التحريم وعلى هذا فلا يجوز للإنسان الذي يريد أن يضحي إذا دخل شهر ذي الحجة أن يأخذ شيئا من شعره أو بشرته أو ظفره حتى يضحي والمخاطب بذلك المضحي دون المضحى عنه وعلى هذا فالعائلة لا يحرم عليهم ذلك لأن العائلة مضحى عنهم وليسوا بمضحين فإن قال قائل ما الحكمة من ترك الأخذ في العشر؟ قلنا الجواب على ذلك من وجهين:

(225/26)

الوجه الأول: أن الحكمة هو نهي الرسول عليه الصلاة والسلام ولا شك أن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الشيء حكمة وأن أمره بالشيء حكمة وهذا كاف لكل مؤمن ولقوله تعالى (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا) وفي الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن امرأة سألتها ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة فقالت (كان يصيبنا ذلك يعني في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) وهذا الوجه هو الوجه الأسد وهو الوجه الحاسم الذي لا يمكن الاعتراض عليه وهو أن يقال في الأحكام الشرعية الحكمة فيها أن الله ورسوله أمر بها.
أما الوجه الثاني في النهي عن أخذ الشعر والظفر والبشرة في هذه الأيام العشر فلعله والله أعلم من أجل أن يكون للناس في الأمصار نوع من المشاركة مع المحرمين بالحج والعمرة في هذه الأيام لأن المحرم بحج أو عمرة يشرع له تجنب الأخذ من الشعر والظفر والله أعلم.
***
بارك الله فيكم هذه السائلة عائشة تقول ما حكم مشط الشعر في شهر ذي الحجة قبل ذبح الأضحية لغير الحاج؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا دخلت عشر ذي الحجة وكان الإنسان يريد أن يضحي فإنه ينهى أن يأخذ من شعره أو ظفره أو بشرته شيئا لكن إذا احتاجت المرأة إلى المشط في هذه الأيام وهي تريد أن تضحي فلا حرج عليها أن تمشط رأسها ولكن تكده برفق فإن سقط شيء من الشعر بغير قصد فلا إثم عليها لأنها لم تكد الشعر من أجل أن يتساقط ولكن من أجل إصلاحه والتساقط حصل بغير قصد.
***
أحسن الله إليكم تقول السائلة في آخر أسئلتها هل يجوز للمرأة أن تقصر من شعرها وأظافرها وغيرها خلال أيام العشر بحيث إن الحكم يمشي على الزوج بصفته المضحي عن أهله؟

(225/27)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم خلاصة هذا السؤال أنه إذا دخلت العشر عشر ذي الحجة وأراد الإنسان أن يضحي فإنه لا يأخذ من شعره ولا من بشرته ولا من ظفره شيئا فهل هذا الحكم يتناول أهل البيت؟ بمعني أن الزوجة لا تأخذ من شعرها وبشرتها وظفرها شيئا وكذلك بقية العائلة؟ والجواب :لا، فالمضحى عنه من الزوجات والأولاد بنين وبنات والأمهات وكل من في البيت ممن يضحي عنهم قيم البيت لهم أن يأخذوا من شعورهم وأظفارهم وأبشارهم لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (وأراد أحدكم أن يضحي) ولم يقل أن يضحى عنه ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته ولم يرد أنه يقول لهم امتنعوا من أخذ ذلك ولو كان امتناعهم واجبا لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم.
***
بارك الله فيكم فضيلة الشيخ يقول هذا السائل ما حكم من حلق يوم عيد الأضحى قبل الذهاب إلى الصلاة علما بأنه نصح عن ذلك ولكنه أصر على الحلاقة فنرجو بهذا التوضيح؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا حلق يوم النحر قبل أن يذهب إلى الصلاة فلا حرج عليه إذا كان لا يضحي أما إذا كان يضحي فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (نهى من أراد الأضحية إذا دخل شهر ذي الحجة أن يأخذ شيئا من شعره أو ظفره أو بشرته شيئا) حتى يضحي فلا يحل للإنسان الذي يريد الأضحية أن يأخذ من شعره أو ظفره أو بشرته شيئا إذا دخلت العشر أعني عشر ذي الحجة حتى يضحي إلا أنه يستثنى من ذلك من أراد العمرة أو الحج فإنه يقصر إذا أتم عمرته أي طاف وسعى من أجل أن يحل وإنما استثني ذلك لأنه الآن صار نسكا وكذلك من حج فإنه إذا رمى جمرة العقبة يوم العيد حلق رأسه أو قصره ولو كان لا يدري هل ذبح أهله أضحيته أو لم يذبحوها وذلك لأن هذا الحلق أو التقصير نسك.
***

(225/28)

كتاب الجهاد
فضله - حكمه
أحكام البغاة -أحكام أهل الذمة
أحسن الله إليكم وبارك فيكم أيمن عبد المنعم من جمهورية مصر العربية يقول ما هو جزاء الشهيد ومكانته عند الله وهل يغفر الله عز وجل الكبائر التي اقترفها ذلك الشهيد قبل أن يتوب منها وهل يعتبر الشهيد من الستة الذين يظلهم الله في ظله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: جزاء الشهيد ومكانته عند الله ما ذكره الله تعالى في قوله (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) فقال بل أحياء عند ربهم يرزقون وأرواح الشهداء في أجواف طير خضر معلقة تحت العرش وهم أعني الشهداء يغفر لهم كل ذنب اقترفوه إلا الدين فإن الدين لصاحبه يطالب به يوم القيامة وأما قول السائل هل هم من الستة الذين يظلهم الله في ظله فقد غلط في قوله الستة لأن الذين ورد فيهم الحديث سبعة قال النبي صلى الله عليه وسلم (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في طاعة الله ورجل قلبه معلق بالمساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه).
***
يقول الطالب في جامعة الملك عبدالعزيز والدي يحتاجني في عمله وحاجة أهلي وأخي الأكبر في مدينة أخرى يطلب العلم، وأنا أريد أن أذهب إلى الجهاد ولم يرض أحد من الوالدين فهل يحق لي الذهاب مع العلم أن أخي يقدر أن يقوم مقامي بترك دراسته؟

(226/1)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يحل لك أن تذهب إلى الجهاد وأهلك محتاجون إليك ومانعوك من السفر إلى الجهاد بل حتى وإن لم يحتاجوا إليك فإذا لم يأذنوا لك فإنه لا يحل لك أن تذهب إلى الجهاد لأن بر الوالدين أفضل من الجهاد في سبيل الله كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث عبدالله بن مسعود قال (سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله؟ قال الصلاة على وقتها قلت ثم أي؟ قال بر الوالدين قلت ثم أي؟ قال الجهاد في سبيل الله) فقدم النبي صلى الله عليه وسلم بر الوالدين على الجهاد في سبيل الله وأما أخوك فإن تفرغه لطلب العلم فيه خير كثير وأمر عظيم وطلب العلم كالجهاد في سبيل الله لأن الله تعالى جعله عديلا له في قوله (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) فجعل الله التفقه في الدين معادلا للجهاد في سبيل الله وغزو المسلمين ليس بالسلاح فقط وإنما هو بالسلاح والفكر والخلق والغزو بالفكر لا يقاوم إلا بالعلم والأخلاق أيضا لا تقاوم إلا بالعلم والاستقامة وربما يكون غزو الأعداء من سنين غزوا فكريا أعظم فتكا من السلاح المادي لأن النوع الأول من الغزو غزو يدخل بدون استئذان ويحتل بدون قتال فهو أنكى وأعظم من الجهاد المسلح بالسلاح المادي والمسلمين يجب عليهم هذا وهذا ولهذا قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجاهد المنافقين بالسلاح المادي ولم يؤمر به، وإنما يجاهد المنافقين بالسلاح العلمي والبيان والإرشاد فسفر أخيك لطلب العلم وتغربه لطلب العلم لا شك أنه خير كثير أما أنت فالخير لك أن تبقى عند أهلك وأن تقوم ببر

(226/2)

والديك وإذا كان لديك مال فجاهد بمالك لأن الجهاد بالمال كالجهاد بالنفس بل هو قرينه في كتاب الله عز وجل.
***
رسالة م. ع. ظ. من معهد النماص العلمي يقول سمعنا من محدث أن أهل الأعراف هم أناس أو رجال خرجوا للجهاد في سبيل الله ولم يستأذنوا أهلهم في الخروج للجهاد ولكنهم خرجوا وقتلوا في سبيل الله وماتوا شهداء ولم يدخلوا الجنة ولا النار فهم على الأعراف بينهما حتى يقضي الله فيهم يوم القيامة فهل هذا صحيح أم لا؟ ثم لو كان صحيحا وأراد الإنسان الجهاد والهجرة في وقتنا الحاضر فهل مع أهل الأعراف إذا لم يستأذن والديه للخروج لأنهما قد لا يأذنا له فإذا كان الأمر كذلك فإنا قد قرأنا في القرآن الحث من الله عز وجل والترغيب في الجهاد بقوله تعالى (فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما) وقوله تعالى (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله) وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في حثه على الجهاد (من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق) أو كما قال صلى الله عليه وسلم فما قولكم في هذا؟

(226/3)

فأجاب رحمه الله تعالى: قولنا في هذا إن ما سمعت من أن أهل الأعراف هم قوم خرجوا إلى الجهاد في سبيل الله بدون استئذان أهليهم هذا ليس بصحيح فإن أهل الأعراف على ما قاله أهل العلم هم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فلا هم الذين غلبت عليهم السيئات حتى أدخلوا في النار ليطهروا من سيئاتهم ولا هم قوم غلبت حسناتهم حتى يدخلوا الجنة ولكنها تساوت حسناتهم وسيئاتهم فكان من حكمة الله عز وجل وعدله أن يوقفوا في الأعراف وآخر أمرهم أن يدخلوا الجنة بفضل الله تعالى ورحمته هؤلاء هم أهل الأعراف أما ما ذكرت من الجهاد في سبيل الله بدون استئذان الأبوين فإننا نقول في ذلك إذا كان الجهاد تطوعا فإنك لا تخرج إلا باستئذان الأبوين فإذا كان الجهاد واجبا فإنه لا يحتاج إلى إذن الأبوين بل لك أن تخرج وإن لم تستأذنهما وإن لم يرضيا بذلك لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق اللهم إلا أن يكونا في ضرورة إلى بقائك فحينئذ تقدم دفع ضرورتهما على الجهاد وعلى هذا يحمل قول النبي صلى الله وسلم (ففيهما فجاهد) حيث كانا يضطران إلى وجود ابنهما عندهما وأما خروج الجهاد في سبيل الله والهجرة فإن هذا أمر معلوم بدلالة الكتاب والسنة والجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام ومن أهم الأعمال الصالحة وأحبها إلى الله عز وجل(والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم) (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون (169) فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (170) يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين) ولكن ليعلم أن الجهاد في سبيل الله ليس هو مجرد قتال الكفار بل إن الجهاد في سبيل الله

(226/4)

تعالى هو الذي يقاتل فيه الإنسان لتكون كلمة الله هي العليا فقط لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يقاتل حمية ويقاتل شجاعة ويقاتل ليرى مكانه أي ذلك في سبيل الله فقال عليه الصلاة والسلام (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) وهذا هو الميزان الحقيقي الصحيح الذي يعرف به كون الجهاد في سبيل الله أو ليس في سبيل الله فمن قاتل دفاعا عن الوطن لمجرد أنه وطن فليس في سبيل الله ومن جاهد عن وطنه لأنه وطن إسلامي ولإعلاء كلمة الله فإنه في سبيل الله فالميزان الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام ميزان بين واضح فمن قاتل دون ماله أو دون أهله أو دون نفسه وقتل فهو شهيد كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم
***
بارك الله فيكم ذكرتم في إجابتكم أن الجهاد ا إذا كان تطوعا فإنه يستلزم أن يستأذن والديه وإذا كان واجبا لم يلزمه ذلك هل لنا أن نعرف الحالات التي يكون فيها الجهاد تطوعا ويكون واجبا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: قال أهل العلم إنه يجب الجهاد إذا استنفره الإمام بأن قال له اخرج ثانيا إذا حاصره العدو أو حاصر بلده أو كان محتاجا إليه في الجهاد بحيث يكون المجاهدون مفتقرون إلى وجود هذا الشخص لكونه يعرف أن يتصرف في الآلات المعينة التي يقاتل بها دون غيره فهو يجب إذا حصره أو حصر بلده عدو أو استنفره الإمام أو كان المجاهدون بحاجة إليه بعينه وكذلك أمر خامس إذا حضر الصف فإنه لا يجوز الفرار فإنه من كبائر الذنوب لقوله تعالى (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير) وفيما عدا ذلك يكون تطوعا.
***

(226/5)

هذه رسالة وردتنا من المرسل أحمد موسى القرني يقول في رسالته مما لا شك فيه أنه منذ أن قتل عثمان رضي الله عنه الخليفة الثالث بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وقعت حروب كثيرة في الدول الإسلامية ثم اتسعت هذه الحروب وتعددت ألوانها وأشكالها بتعدد الممالك العربية والإسلامية ولا شك أنه إذا قامت الحرب بين دولتين عربيتين ومسلمتين فإن الذين يقاتلون في هذه المعارك هم جنود مسلمون فنريد أن نعرف إذا تقاتل المسلمان في هذه الحالة هل يقع الإثم عليهما أو على الدول أو على رؤساء هذه الدول الذي يشعلون نار هذه الحرب نرجو الإفادة وفقكم الله؟

(226/6)

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول في هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال (لأنه كان حريصا على قتل صاحبه) وقال صلى الله عليه وسلم (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) فلا يجوز للمسلمين أن يقتل بعضهم بعضا أو يقاتل بعضهم بعضا ولكن من قوتل فله أن يدافع عن نفسه بأخف الضررين فإن لم يكن الدفاع إلا بالمقاتلة فله أن يقاتل وحينئذ يكون المقتول من البغاة في النار وأما المقتول من المدافعين عن أنفسهم الذين لم يجدوا دفاعا دون القتل يكون في الجنة وإن قتل من البغاة فليس عليه شيء والواجب على المسلمين إذا اقتتلت طائفتان أن يسعوا في الصلح بينهما لقوله تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون) فتبين الآن أن لنا نظرين النظر الأول في حكم الاقتتال بين المسلمين وهو حرام لا يجوز لكن من بغي عليه واعتدى عليه فله أن يدافع عن نفسه بأقل ما يمكن فإن لم يكن الدفاع إلا بقتال فله ذلك ، النظر الثاني بالنسبة لبقية المؤمنين فإذا كانت الطائفتان المقتتلتان من المؤمنين فإنه يجب على بقية المؤمنين أن يصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى ولم توافق على الصلح فإنه يجب على المؤمنين أن يقاتلوها حتى تفيء إلى أمر الله فإذا فاءت وجب الصلح بما حصل بينهم من إتلافات وغيرها.

(226/7)

يافضيلة الشيخ: ما ذنب الجندي في الطائفة أو في الدولة التي تبغي إذا كان خروجه أو امتناعه عن الحرب يعتبر خروجا أيضا عن سلطانه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ليس خروجا عن السلطان لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إنما الطاعة في المعروف) وهذا ليس من المعروف أن يقاتل الرجل أخاه المسلم أو يقتله بل يجب عليه أن يرفض هذا الأمر ولا يخرج وفي هذا الحال قد يكون رفضه من أكبر الأسباب الداعية إلى عدم البغي لأنه إذا رفض هذا وهذا وهذا لم يكن بيد الباغي قوة يبغي بها على غيره.
***
رسالة من إسحاق محمد نور حامد الحاج يسأل يقول هل يجوز للمسلمين أن يسمحوا للمسيحيين أن يبنوا كنائس داخل بلادهم ويقيموا شعائرهم فيها؟

(226/8)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال سؤال هام جدا وذلك أن كثيرا من الناس يظنون أن الفرق بين دين الإسلام والأديان الأخرى سواء كان ذلك من دين النصارى الذين ينتسبون إلى المسيح عيسى بن مريم أو من دين اليهود الذين ينتسبون إلى موسى بن عمران عليهما وعلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الصلاة والسلام يظنون أن الفرق بين هذه الأديان الثلاثة وغيرها أيضا مما يدين به العالم كالفرق بين مذهب ومذهب في ملة واحدة وهذا ظن خطأ وذلك أن العباد كلهم عباد الله تعالي هو خالقهم ورازقهم وهو الذي أعدهم وأمدهم وهو الذي يكون إليه المرجع ويكون لديه الحساب يوم القيامة وهو سبحانه وتعالى يتعبد عباده بما شاء من شريعة ويمحو الله تعالى ما يشاء ويثبت ولكنه سبحانه وتعالى بين في كتابه العزيز الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم أن (من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) والإسلام هو الشريعة التي شرعها الله تعالى لعباده في كل زمان وفي كل مكان وفي حال قيام دعوة موسى عليه الصلاة والسلام كان الإسلام دين اليهود وفي حال قيام دعوة عيسى عليه الصلاة والسلام كان الإسلام دين النصارى وبعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام محمد كان الإسلام دينه فقط قال الله تعالى (وأرسلناك للناس رسولا) وقال تعالى (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا) فالناس والعالمون عام يشمل كل بني آدم بل إن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الجن والإنس وقال تعالى (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) إذن فدين الإسلام هو

(226/9)

الدين الذي يجب أن يكون الخلق عليه من بني آدم ومن الجن أيضا هذا هو الواجب وهو الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم على هذا اعتناق الإنسان دينا غير دين الإسلام محرم عليه ولا يجوز له وعلى هذا فإذا أراد أحد من غير المسلمين أن يبني في بلاد المسلمين معابدا من كنائس وغيرها فإن ذلك لا يجوز لأن معناه إظهار غير دين الإسلام في بلاد الإسلام وهذا لا يجوز ولا يجتمع دينان في بلد واحد بل الدين واحد وهو الذي تعبد الله به عباده وعليه فيحرم على ولاة المسلمين أن يمكنوا أحدا من غير المسلمين من النصارى أو اليهود أو غيرهم أن يبنوا معابد في بلاد الإسلام سواء كانت كنائس أو صوامع أو بيعا أو غيرها وإنما تبنى المساجد التي هي من خصائص المسلمين.
***
المستمعة تغريد تقول في رسالتها أنا معلمة في منطقة بعيدة عن سكن الأهل تستوجب وظيفتي أن أسكن في سكن المعلمات الذي خصصته الحكومة لنا وكان من ضمن المعلمات اللواتي معي في نفس الغرفة معلمة غير مسلمة وهي تشاركني في الأكل والشرب وكذلك في ماء الغسيل لأننا نجلب الماء من الشاطئ ونخزنه فأنا أضطر في صلاة المغرب أن أتوضأ من هذا الماء لأنني أخاف الخروج ليلا إلى النهر وخاصة أن المنطقة ريفية وموحشة ليلا وبقيت على هذا الحال أربع سنوات فهل صلاتي صحيحة وأيضا هل معاشرتي لها صحيحة أفيدوني في ذلك بارك الله فيكم؟

(226/10)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال تضمن سؤالين السؤال الأول عن حكم استعمال الماء المخزن بينكما أي بين المرأة السائلة وبين من كانت معها وهي غير مسلمة فهذا الماء المخزن طاهر مطهر وذلك لأن بدن الكافر ليس بنجس نجاسة حسية بل نجاسة الكافر نجاسة معنوية لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة (إن المسلم لا ينجس) وعلى هذا فيجوز للإنسان أن يتوضأ بالماء الذي خزنه غير المسلم وكذلك يجوز أن يلبس الثياب التي غسلها غير المسلم و أن يأكل الطعام الذي طبخه غير المسلم وأما ما ذبحه غير المسلمين فإن كان الذابح من اليهود والنصارى فذبيحته حلال لقول الله تعالى (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم) قال ابن عباس رضي الله عنهما (طعامهم ذبائحهم) ولأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه أكل من الشاة التي أهدتها له اليهودية) (وأجاب يهوديا على إهالة سنخة وخبز شعير) وأقر عبد الله بن مغفل على (أخذ الجراب من الشحم الذي رمي به في فتح خيبر) فثبت بالسنة الفعلية والسنة الإقرارية أن ذبائح أهل الكتاب حلال ولا ينبغي أن نسأل كيف ذبحوا ولا هل ذكروا اسم عليه أم لا؟ فقد ثبت في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها (أن قوما قالوا: يا رسول الله إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سموا أنتم وكلوا، قالت: وكانوا حديثي عهد بكفر) يعني أنهم جديدوا الإسلام، ومثل هؤلاء قد تخفى عليهم الأحكام الفرعية الدقيقة التي لا يعلمها إلا من عاش بين المسلمين ومع هذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء السائلين إلى أن يعتنوا بفعلهم هم بأنفسهم (فقال: سموا أنتم وكلوا)

(226/11)

أي سموا على الأكل وكلوا وأما ما فعله غيركم ممن تصرفه صحيح فإنه يحمل على الصحة ولا ينبغي السؤال عنه لأن ذلك من التعمق والتنطع ولو ذهبنا نلزم أنفسنا بالسؤال عن مثل ذلك لأتعبنا أنفسنا إتعابا كثيرا لاحتمال أن يكون كل طعام قدم إلينا غير مباح فإن من دعاك إلى طعام وقدمه إليك فإنه من الجائز أن يكون هذا الطعام مغصوبا أو مسروقا ومن الجائز أن يكون ثمنه حراما ومن الجائز أن يكون اللحم الذي ذبح فيه لم يسم الله عليه وما أشبه ذلك فمن رحمة الله تعالى بعباده أن الفعل إذا كان قد صدر من أهله فإن الظاهر أنه فعل على وجه تبرأ به الذمة ولا يلحق الإنسان فيه حرج وأما ما تضمنه السؤال وهو معاشرة هذه المرأة الكافرة فإن مخالطة الكافرين إن كان يرجى منها إسلامهم بعرض الإسلام عليهم وبيان مزاياه و فضائله فلا حرج على الإنسان أن يخالط هؤلاء ليدعوهم إلى الإسلام ببيان مزاياه وفضائله وبيان مضار الشرك وآثامه وعقوباته وإن كان الإنسان لا يرجوا من هؤلاء الكفار أن يسلموا فإنه لا يعاشرهم لما تقتضيه معاشرتهم من الوقوع في الإثم فإن المعاشرة تذهب الغيرة والإحساس وربما تجلب المودة والمحبة لأولئك الكافرين وقد قال الله عز وجل (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه) ومودة أعداء الله ومحبتهم وموالاتهم مخالفة لما يجب على المسلم فإن الله سبحانه وتعالى قد نهى عن ذلك فقال (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) وقال الله تعالى

(226/12)

(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق) ولا ريب أن كل كافر فهو عدو لله وعدو للمؤمنين قال الله تعالى (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين) فكل كافر فهو عدو لله ولايليق بمؤمن أن يعاشر أعداء الله عز وجل وأن يوادهم ويحبهم لما في ذلك من الخطر العظيم على دينه وعلى منهجه نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق والعصمة مما يغضبه.
***
من جمهورية مصر العربية وردتنا هذه الرسالة من كمال محمد العطار مدينة قنا يقول فيها هل يجوز للحاكم المسلم أن يسوي بين المسلم والكتابي يهوديا كان أو نصرانيا دون أن يأخذ منهم الجزية وكيف تكون معاملتنا معهم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب على الحاكم المسلم أن يعدل بين المسلم والذمي والعدل إعطاء كل منهما ما يستحق فالمسلم له حقوق والكافر له حقوق والكافر أيضا حقوقه تختلف فالذمي له حقوق والمعاهد له حقوق والمستأمن له حقوق والحربي ليس له حقوق والحاصل أنه يجب على الحاكم المسلم أن يعدل بين المسلمين وغير المسلمين فيما يجب من حقوقهم وأما بالنسبة للحاكم إن أراد به الحاكم القاضي فإنه يجب عليه أن يعدل أيضا بينهم بحيث لا يفضل المسلم على الكافر في دخوله عليه مثلا أو في جلوسه معه أو في تلقينه الحجة أو ما أشبه ذلك بل يجب عليه العدل في ذلك كله وقد أمر الله تبارك وتعالى بالعدل وأخبر أنه من خصال المؤمنين (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين).
***

(226/13)

أيضا يقول في رسالته هل يجوز أكل أموال غير المسلمين أم هي محرمة كحرمة أموال المسلمين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أموال غير المسلمين إذا كانوا معصومين فإنه لا يجوز للمسلم أن يخونهم في أموالهم وأعراضهم والمعصوم من الكفار ثلاثة أصناف الذميون والمعاهدون والمستأمنون هؤلاء الثلاثة معصومون لا يجوز الاعتداء عليهم في أموالهم ودمائهم وأعراضهم وأما الكفار الذين ليس بيننا وبينهم عهد ولا أمان ولا ذمة وإنما هم حربيون فهؤلاء ليسوا معصومين فأموالهم ودماؤهم أيضا وذرياتهم ونساؤهم حلال للمسلمين ولهذا هم يعلنون الحرب علينا ونحن نعلن الحرب عليهم ثم إن المعاهدات تنقسم إلى قسمين معاهدات ثنائية ومعاهدات جماعية عامة ويجب مراعاة شروط هذه وهذه حسبما يتفق عليه الطرفان.
***

(226/14)

كتاب الحج والعمرة
وجوبهما - فضلهما
شروطهما - التوكيل
يقول كنا عند أحد الكبار في بلدتنا ودخل علينا شخص جليل وسلم على هذا الكبير وقال له بالحرف الواحد لقد حجيت إليك حجة الأشواق لا ما يوجب الإسلام فجاء في نفسي من هذا القول فاعترضت عليه أثناء المجلس وقلت له ما يجوز إنما الحج للبيت العتيق في مكة المكرمة فرد علينا بمحاضرة طويلة قال فيها إن الحج هو القصد وأنا قد قصدت أبا فلان والحجاج إنما يحجون إلى البيت لأنهم يشتاقون إليه وقد فعلت وأنا اليوم اشتقت إلى هذا الشخص فحجيت إليه وقد أفهمني هذا الرجل بمقدرته البارعة وقرب بديهته وقوة لهجته فأنا اليوم أضع هذه القضية بين أيديكم إن كنت مخطئا استغفرت الله وإن كنت مصيبا شكرته ولعل هذا الشخص يسمع ما تقولون؟

(227/1)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن للحج معنيين معنى لغويا ومعنى شرعيا أما المعنى اللغوي فهو ما أشار إليه هذا الرجل الذي رد اعتراض السائل عليه وهو أنه يراد به القصد فكل من قصد شيئا ومشى إليه وسعى إليه فقد حج إليه أما المعنى الشرعي فهو قصد البيت الحرام أو قصد مكة لأداء المناسك هذا هو الحج شرعا وحيث أن المعنى اللغوي انتقل إلى المعنى الشرعي فإنه لا ينبغي استعماله إلا في معناه الأصلى فإن أهل العلم قالوا إن الحقائق ثلاثة، شرعية ولغوية وعرفية وأن الشرعية مقدمة على اللغوية والعرفية وعلى هذا فالمسلمون الآن يعتبروا الحج في لغتهم هو قصد مكة لأداء المناسك فإنكار هذا السائل على القائل لهذا الشيخ أنا حججت إليك وما أشبه ذلك هو في محله ودفاع ذلك عن نفسه بأن الحج في اللغة القصد هو عبارة عن شبهة لا حجة وذلك لأن الحج نقل معناه شرعا إلى حج بيت الله الحرام ولهذا عندما يطلق المسلمون كلمة الحج الآن لا تنصرف إلا إلى حج البيت لأداء المناسك فقط ثم إن قوله لهذا الشيخ حججت إليك لا شك أن فيه غلوا إما لفظيا وإما معنويا ويخشى أن يفتح باب الغلو في المشايخ ومن يسمى بالأولياء كما فسر أهل التخييل والمنغمسون في الصوفية فسروا الحج الموجود في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه قصد مشايخهم وأوليائهم فعلى كل حال إنكار هذا السائل على القائل للشيخ حججت إليك إنكار في محله ونحن نرى أنه لا ينبغي للمسلم أن يطلق القصد إلى شخص ليطلق عليه الحج لأن الحج معروف شرعا بأنه قصد البيت لأداء المناسك.
يافضيلة الشيخ: وأيضا نهاية كلامه أو عبارته في قوله حجيت إليك حجة الأشواق لا ما يوجب الإسلام كلمة لا ما يوجب الإسلام يمكن يتخيل منها السامع أن حجته لصاحبه أفخم أو أعظم من حجة الإسلام؟

(227/2)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم ربما يفيد ذلك وربما أنه يريد أن ما أردت الحج هنا ليس الحج الشرعي وأنه الحج بالمعنى اللغوي العام علي كل حال ما ينبغي هذا الكلام.
***
حسب اعتقادي أن فريضة الحج ولدت بولادة الدين الإسلامي ولكن تبين لي أن الناس كانوا يحجون قبل الدين الإسلامي وكان الرسول عليه السلام يجتمع مع هؤلاء الحجاج كي يدعوهم للإسلام فكيف كان ذلك أرجو إفادتي وفقكم الله وجزاكم خيرا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحج في الجاهلية من العبادات المألوفة المعروفة وليس فيه تغيير إلا شيئا يسيرا مثل كون أهل الحرم لا يقفون وقوف عرفة إلا بمزدلفة كما يدل عليه حديث جابر وكذلك جاء الإسلام بتعديل ما خالفوا فيه حيث كانوا ينصرفون من عرفة قبل غروب الشمس ولا يدفعون من مزدلفة إلا بعد شروق الشمس فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فوقف في عرفة ولم يدفع منها إلا بعد غروب الشمس ودفع من مزدلفة حين أسفر جدا قبل أن تطلع الشمس ولا أعرف شيئا أكثر من هذا بالنسبة للحج في الجاهلية وأما في الإسلام فالأمر فيه واضح ولله الحمد فإن الله تعالى فرضه على القول الراجح في السنة التاسعة من الهجرة أو العاشرة وحج النبي صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة حجة الوداع وبين للناس مناسكهم وفقه الناس في المناسك فقها تاما وكان يقول عليه الصلاة والسلام (لتأخذوا عني مناسككم) فتعلم الناس الحج ونقله السلف إلى الخلف وتلقاه الخلف عن السلف حتى أصبح بينا واضحا ولله الحمد وإن كان يوجد فيه بعض الخلافات التي مصدرها الاجتهاد من أهل العلم فهذه للمجتهد المصيب أجران وللمجتهد المخطئ أجر واحد.
***
جزاكم الله خيرا السائلة مصرية ومقيمة بالرياض لها هذا السؤال تقول سمعت بأن للمرأة حجة واحدة وعمرة واحدة فهل هذا صحيح وإذا رغبت في تكرار العمرة فهل لها ذلك مأجورين؟

(227/3)

فأجاب رحمه الله تعالى: المرأة كالرجل في الحج والعمرة ولهذا سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم هل على النساء جهاد قال (نعم عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة) لكن لا ينبغي للمرأة أن ترهق زوجها أو وليها في تكرار العمرة أو الحج لأن هناك أبوابا كثيرة للخير قد تكون أكثر من العمرة أو الحج فإطعام الجائع وكسوة العاري وإزالة الأذى عن المسلمين أفضل من الحج والعمرة وأعني بذلك الحج والعمرة إذا كان تطوعا أما الفريضة فلا بد منها.
***
يقول هل مفروض على الجن الحج وإن كان كذلك فأين يحجون؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الظاهر أنهم مكلفون بما يكلف به الإنس من العبادات ولاسيما أصولها كالأركان الخمسة وحجهم يكون كحج الإنس زمنا ومكانا وإن كانوا قد يختلفون عن الإنس في جنس العبادات التي لا تناسب حالهم فتكون مختلفة عن التكليف الذي يكلف به الأنس.
***
بارك الله فيكم هذا السائل عبد الله علي سوداني محافظة دارفور يقول ما الفرق بين الحج والعمرة وما هو الركن الذي لا يصح الحج إلا به وما هي مبطلات الحج مأجورين؟

(227/4)

فأجاب رحمه الله تعالى: الظاهر أن جواب هذا السؤال يحتاج إلى مجلد فالحج والعمرة يختلفان فالحج حج أكبر والعمرة حج أصغر فالعمرة مكونة من إحرام وطواف وسعي وحلق أو تقصير يعني أربعة أشياء إحرام وطواف وسعي وحلق أو تقصير أما الحج فمركب من أكثر من ذلك فهو إحرام وطواف وسعي وحلق أو تقصير ووقوف بعرفة ومبيت بمزدلفة ومبيت بمنى ورمي جمار فهو أكبر وأوسع من العمرة ثم الحج يختص بوقت معين هي أيام الحج وأما العمرة ففي كل وقت ثم الحج من أركان الإسلام باتفاق العلماء أما العمرة ففيها خلاف فمن العلماء من قال إنها واجبة ومنهم من قال إنها ليست بواجبة ومنهم من قال إنها واجبة على غير المكي غير واجبة على المكي أي الساكن في مكة وأما المحظورات محظورات الإحرام فتشترك فيها العمرة والحج لأنها تتعلق بالإحرام والإحرام لا يختلف فيه الحج والعمرة وأما الواجبات والأركان فتختلف العمرة عن الحج يتفق العمرة والحج بأن من أركانهما الطواف والسعي والإحرام وهذه الثلاثة أركان في العمرة وليس فيها ركن رابع وأما الحج ففيه ركن رابع وهو الوقوف بعرفة لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (الحج عرفة) وهذا يختص به الحج أما الواجبات فالواجبات في العمرة شيئان فقط أن يكون الإحرام من الميقات المعتبر شرعا وأن يحلق أو يقصر بعد الفراغ من الطواف والسعي وأما الحج فواجباته أكثر يشترك مع العمرة في الواجبات بأن يكون الإحرام من الميقات المعتبر شرعا والحلق أو التقصير ويزيد الحج بوجوب البقاء في عرفة إلى غروب الشمس ووجوب المبيت في مزدلفة ووجوب المبيت في منى الليلة الحادية عشرة والثانية عشرة من شهر ذي الحجة والثالثة عشرة إن تأخر ووجوب الرمي يعني رمي الجمار وأما طواف الوداع فليس من واجبات الحج الثابتة وليس من واجبات العمرة الثابتة وإنما يجب على من أدى العمرة أو أدى الحج إذا أراد الخروج إلى بلده ولهذا فلا يجب الطواف على أهل مكة لأنهم

(227/5)

مقيمون فيها.
***
المستمع حسين عبد السلام يقول في رسالته ما حكم من أدى العمرة فقط ولم يؤد فريضة الحج؟
فأجاب رحمه الله تعالى: حكمه أن أداءه للعمرة واقع موقعه وقد برئت ذمته من العمرة وأدى الواجب عليه فيها ولكن بقيت عليه فريضة الحج التي هي فرض بالنص والإجماع فعليه إذا أدرك وقت الحج أن يحج البيت إذا كان مستطيعا لقول الله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) وأما ظن بعض الناس أن من أتى بالعمرة قبل الحج فإنه لا عمرة له فهذا لا أصل له بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر بعد هجرته قبل أن يحج.
***
من العراق بابل محمد فيصل يقول آمل أن تجيبوني على أسئلتي بارك الله فيكم إنني أرى كثيرا من الناس يؤدون فريضة الحج ويصومون شهر رمضان مع أنهم لا يصلون هل هذا ينفعهم؟ أفيدونا بارك الله فيكم

(227/6)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة مسألة عظمية وخطيرة يقع فيها بعض الناس بأن يكونوا يصومون ويحجون ويعتمرون ويتصدقون ولكنهم لا يصلون هل أعمالهم الصالحة هذه مقبولة عند الله عز وجل أم مردودة هذا ينبني على الخلاف في تكفير تارك الصلاة فمن قال إنه لا يكفر قال إن هذه الأعمال مقبولة ومن قال إنه يكفر قال إن هذه الأعمال غير مقبولة ومرجع خلاف العلماء ونزاعهم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) وقوله (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) ونحن إذا رددنا نزاع العلماء في هذه المسألة إلى كتاب الله وسنة رسوله وجدنا أن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يدلان على أن تارك الصلاة كافر وأن كفره كفر أكبر مخرج عن الملة فمن ذلك قوله تعالى في المشركين (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين) فإن هذه الجملة الشرطية تدل بمنطوقها على أنه لا تتم الإخوة لهؤلاء إلا بهذه الأمور الثلاثة التوبة من الشرك وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأيضا تدل بمفهومها أنه إذا تخلف واحد منها لم تثبت الأخوة الدينية بيننا وبينهم ولا تنتفي الأخوة الدينية بين المؤمن وغيره إلا بانتفاء الدين كله ولا يمكن أن تنتفي بالمعاصي وإن عظمت فمن أعظم المعاصي قتل المؤمن وقد قال الله فيه (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) ومع ذلك فقد قال الله تعالى في آية القصاص (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد

(227/7)

بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان) فجعل الله تعالى القتيل أخا للقاتل مع أن القاتل قتله وقتل المؤمن من أعظم كبائر الذنوب بعد الشرك وهذا دليل على أن المعاصي وإن عظمت لا تنتفي بها الأخوة الدينية أما الكفر فتنتفي به الأخوة الدينية فإن قلت هل تقول بكفر من منع الزكاة بخلا قلت لو لا الدليل لقلت به بناء على هذه الآية ولكن هناك دليل رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة في مانع الزكاة حيث ذكر عقابه ثم قال بعد ذلك (ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) وكونه يرى سبيله إلى الجنة دليل على أنه لم يخرج من الإيمان وإلا ما كان له طريق إلى الجنة وأما الدليل من السنة على كفر تارك الصلاة فقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه جابر (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) أخرجه مسلم في صحيحه وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه بريدة وأخرجه أهل السنن (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) وهذا هو الكفر المخرج عن الملة لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل بين إسلام هذا الرجل وكفره فاصلا وهو ترك الصلاة والحد الفاصل يمنع من دخول المحدودين بعضهما ببعض فهو إذا خرج من هذا دخل في هذا ولم يكن له حظ من الذي خرج منه وهو دليل واضح على أن المراد بالكفر هنا الكفر المخرج عن الملة وليس هذا مثل قوله صلى الله عليه وسلم (اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب و النياحة على الميت) لأنه قال هما فقط بهم كفر أي أن هذين العملين من أعمال الكفر وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) فجعل الكفر منكرا عائدا على القتال أي أن القتال كفر بالإخوة الإيمانية ومن أعمال الكافرين لأنهم هم الذين يقتلون المؤمنين وقد جاء في الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم بكفر تارك الصلاة فقال عبد الله بن

(227/8)

شقيق وهو من التابعين الثقات (كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة) ونقل إجماع الصحابة على ذلك أي على أن تارك الصلاة كافر كفرا مخرجا عن الملة نقله إسحاق بن راهوية الإمام المشهور والمعنى يقتضي ذلك فإن كل إنسان في قلبه إيمان يعلم ما للصلاة من أهمية وما فيها من ثواب وما في تركها من عقاب يعلم ذلك لا يمكن أن يدعها خصوصا إذا كان قد بلغه أن تركها كفر بمقتضى دلالة الكتاب والسنة فإنه لا يمكن أن يدعها ليكون من الكافرين وبهذا علمنا أن دلالة الكتاب والسنة وآثار الصحابة و الاعتبار الصحيح كلها تدل على أن من ترك الصلاة فهو كافر كفرا مخرجا عن الملة وقد تأملت ذلك كثيرا ورجعت ما أمكنني مراجعته من كتب أهل العلم في هذه المسألة وبحثت مع من شاء الله ممن تكلمت معه في هذا الأمر ولم يتبين لي إلا أن القول الراجح هو أن تارك الصلاة كافر كفرا مخرجا عن الملة و تأملت الأدلة التي استدل بها من يرون أنه ليس بكافر فرأيتها لا تخلو من أربع حالات إما أن لا يكون فيها دليل أصلا وإما أن تكون مقيدة بوصف يمتنع معه ترك الصلاة وأما أن تكون مقيدة بحال يعذر فيها من ترك الصلاة لكون معالم الدين قد اندرست وإما لأنها عامة مخصصة بأحاديث أو بنصوص كفر تارك الصلاة ومن المعلوم عند أهل العلم أن النصوص العامة تخصص بالنصوص الخاصة ولا يخفى ذلك على طالب علم وبناء على ذلك فإنني أوجه التحذير لإخواني المسلمين من التهاون بالصلاة وعدم القيام بما يجب فيها وبناء على هذا القول الصحيح الراجح وهو أن تارك الصلاة كافر كفرا مخرجا عن الملة فإن ما يعمله تارك الصلاة من صدقة وصيام وحج لا يكون مقبولا منه لأن من شرط قبول الأعمال الصالحة أن يكون العامل مسلما وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله)

(227/9)

فدل ذلك على أن الكفر مانع من قبول الصدقة مع أن الصدقة عمل نافع متعد نفعه للغير فالعمل القاصر من باب أولى أن لا يكون مقبولا وحينئذ فالطريق إلى قبول أعمالهم الصالحة أن يتوبوا إلى الله عز وجل مما حصل منهم من ترك الصلاة وإذا تابوا فإنهم لا يطالبون بقضاء ما تركوه في هذه المدة بل يكثرون من الأعمال الصالحة ومن تاب تاب الله عليه كما قال الله تعالى (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا*إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما * ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا) أسأل الله أن يهدينا جميعا صراطه المستقيم وأن يمن علينا بالتوبة النصوح التي يمحو بها ما سلف من ذنبونا إنه جواد كريم.
***
المستمعة مواطنة من العراق محافظة أربيل تقول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أرجو الإجابة على سؤالي يا فضيلة الشيخ لظروف قاسية وبدون رغبة مني سافرت إلى خارج العراق إلى بلد أجنبي في منتصف شهر رمضان هذا وقد كنت صائمة في النصف الأول من شهر رمضان في العراق وعندما سافرت تركت الصيام والصلاة معا لمدة خمسة عشر يوما وهي فترة بقائي في ذلك البلد وكنت أقول إن هؤلاء قوم بهم نجاسة ولا يجوز استعمال حاجياتهم وكذلك لم أكن أعرف اتجاه القبلة ولم آكل أو أشرب من شرابهم شيخ محمد أسأل هل تركي للصلاة والصوم هذه الفترة يؤثر على فريضة الحج التي كنت قد أديتها منذ بضع سنوات وهل هناك حكم أؤديه ليغفر الله لي ذنوبي أفتوني بارك الله فيكم؟

(227/10)

فأجاب رحمه الله تعالى: تركك الصلاة هذه المدة والصيام لا يؤثر على فريضة الحج التي أديتها من قبل لأن الذي يبطل العمل الصالح السابق هو الردة إذا مات الإنسان عليها لقول الله تعالى (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) أما المعاصي فإنها لا تبطل الأعمال الصالحة السابقة ولكن ربما تحيط بها من جهة أخرى إذا كانت هذه المعاصي كثيرة ووزن بينها وبين الحسنات ورجحت كفة السيئات فإن الإنسان يعذب عليها وبناء على ذلك فإن الواجب عليك الآن أن تتوبي إلى الله عز وجل من ترك الصلاة وأن تكثري من العمل الصالح ولا يجب عليك قضاؤها على القول الراجح وأما الصوم فتركك إياه جائز لأنك مسافرة والمسافر لا يلزمه أداء الصوم لقول الله تعالى (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) وقولك في تعليل تركك الصلاة إنك لا تعرفين القبلة ولا تأكلين من طعامهم وشرابهم قولك هذا ليس بصواب أي أن امتناعك من أداء الصلاة لهذا السبب ليس بصواب فإن الواجب عليك أن تصلى بقدر المستطاع وأن تأتي بما يجب عليك في صلاتك بما استطعت منه لقول الله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وقوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) وقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) فالإنسان إذا كان في مكان لا يعرف القبلة ولم يكن عنده من يخبره بها خبرا يوثق به فإنه يصلى بعد أن يتحرى إلى الجهة التي غلب على ظنه أنها القبلة ولا يلزمه الإعادة بعد ذلك.
***
تساهل كثير من الناس في هذه المناسك وعدم سؤالهم أهل العلم مع أنهم كثيرون ولله الحمد ما توجيهكم في ذلك؟

(227/11)

فأجاب رحمه الله تعالى: توجيهي في ذلك هو أن الواجب على الإنسان ألا يقوم بعبادة ولا سيما الحج الذي لا يكون إلا نادرا في حياة الإنسان حتى يعرف ما يجب في هذه العبادة وما يمتنع فيها وينبغي أن يعرف أيضا ما يسن فيها وما يكره وأما كونه يمشي بدون هدى فهذا على خطر عظيم وإذا كان الإنسان لو أراد السفر إلى بلد من البلدان لم يسافر إلا وقد عرف الطريق فكيف بالسفر إلى الآخرة كيف يخاطر ويمشي في طريق لا يدري ما هو ثم إن من الناس من يبقى مدة بعد فعل العبادة ثم يسأل بعد ذلك وهذا قد يكون معذورا من جهة أنه لم يخطر بباله أنه أساء فيها ثم مع كلام الناس والمناقشات يتبين له أنه أخطأ فيسأل ونضرب لهذا مثلا ،كثير من الناس يخفى عليه أن الإنسان إذا جامع زوجته وجب عليه الغسل وإن لم ينزل فتجده قد عاشر أهله مدة طويلة على هذا الوجه ولا يغتسل ثم بعد سنتين أو ثلاثة يسأل وهذا خطر عظيم لأن هذه صلاة آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين ولهذا نقول وإن لم ترد في السؤال إن الإنسان إذا أنزل المني لشهوة وجب عليه الغسل بجماع أو غير جماع حتى بالتفكير وإذا جامع وجب عليه الغسل سواء أنزل أم لم ينزل فلذلك ننصح إخواننا إذا أرادوا العبادة أن يتعلموها قبل أن يفعلوها وإذا قدر أنهم فعلوها بدون سؤال ثم أساءوا فيها فليبادروا بالسؤال حتى تبرأ ذممهم وحتى يلقوا الله عز وجل وهم لا يطالبون بشيء مما أوجب الله عليهم.
***
أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ هل من توجيه أو من كلمة لأولئك الذين يؤدون فريضة الحج أو العمرة ثم يقعون في بعض الأخطاء هل من توجيه لهم للتزود بالعلم الشرعي أيضا؟

(227/12)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم لنا توجيه لهؤلاء وغيرهم ممن يعبدون الله تعالى على غير علم فإن كثيرا من الناس يصلون ويخلون بالصلاة وهم لا يعلمون وإن كان هذا قليلا لأن الصلاة والحمد لله تتكرر في اليوم خمس مرات ولا تخفى أحكامها الكلية العامة على أحد لكن الحج هو الذي يقع فيه الخطأ كثيرا من العامة ومن بعض طلبة العلم الذين يفتون بغير علم لذلك أنصح أخواني المسلمين وأقول إذا أردتم الحج فاقرأوا أحكام الحج على أهل العلم الموثوق بعلمهم وأمانتهم أو ادرسوا من مؤلفات هؤلاء العلماء ما تهتدون به إلى كيفية أداء الحج وأما أن تذهبوا إلى الحج مع الناس ما فعل الناس فعلتموه وربما أخللتم بشيء كثير من الواجب فهذا خطأ وإني أضرب لهؤلاء الذين يعبدون الله تعالى على غير علم أضرب لهم مثلا برجل أراد أن يسافر إلى المدينة مثلا وهو لا يعرف الطريق فهل يسافر بدون أن يعرف الطريق؟ أبدا لا يمكن أن يسافر إلا إذا عرف الطريق إما برجل يكون دليلا له يصاحبه وإما بوصف دقيق يصف له المسير وإما بخطوط مضروبة على الأرض ليسير الناس عليها وأما أن يذهب هكذا يعوم في البر فإنه لا يمكن أن يذهب وإذا كان هذا في الطريق الحسي فلماذا لا نستعمله في الطريق المعنوي الطريق الموصل إلى الله فلا نسلك شيئا مما يقرب إلى الله إلا ونحن نعرف أن الله تعالى قد شرعه لعباده هذا هو الواجب على كل مسلم أن يتعلم قبل أن يعمل ولهذا أورد البخاري رحمه الله ذلك في كتابه الصحيح فقال باب العلم قبل القول والعمل ثم استدل لذلك بقوله تعالى (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات).
***
رجل مسلم يريد الحج ما هي الأمور التي ينبغي أن يعملها المسلم ليكون حجه مقبولا إن شاء الله؟

(227/13)

فأجاب رحمه الله تعالى: الأمور التي ينبغي أن يعملها ليكون حجة مقبولا أن ينوي بالحج وجه الله عز وجل وهذا هو الإخلاص وأن يكون متبعا في حجه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا هو المتابعة وكل عمل صالح فإنه لا يقبل إلا بهذين الشرطين الأساسيين الإخلاص والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم لقول الله تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل أمري ما نوى) ولقوله صلى الله عليه وسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) فهذا أهم ما يجب على الحاج أن يعتمد عليه الإخلاص والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول في حجته (لتأخذوا عني مناسككم) ومنها أن يكون الحج بمال حلال فإن الحج بمال حرام محرم لا يجوز بل قد قال بعض أهل العلم إن الحج لا يصح في هذه الحال ويقول بعضهم:
إذا حججت بمال أصله سحت *** فما حججت ولكن حجت العير

(227/14)

يعني حجت الإبل ومنها أن يتجنب ما نهى الله عنه لقوله تعالى (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) فيتجنب ما حرم الله عليه تحريما عاما في الحج وغيره من الفسوق والعصيان والأقوال المحرمة والأفعال المحرمة والاستماع إلى آلات اللهو ونحو ذلك ويجتنب ما حرم الله عليه تحريما خاصا في الحج كالرفث وهو إتيان النساء وحلق الرأس واجتناب ما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لبسه في الإحرام وبعبارة أعم يجتنب جميع محظورات الإحرام وينبغي أيضا للحاج أن يكون لينا سهلا كريما في ماله وجاهه وعمله وأن يحسن إلى إخوانه بقدر ما يستطيع ويجب عليه أن يجتنب إيذاء المسلمين سواء كان ذلك في المشاعر أو في الأسواق فيتجنب الإيذاء عند الازدحام في المطاف وعند الازدحام في المسعى وعند الازدحام في الجمرات وغير ذلك فهذه الأمور التي ينبغي على الحاج أو يجب للحاج أن يقوم بها ومن أقوى ما يحقق ذلك أن يصطحب الإنسان في حجه رجلا من أهل العلم حتى يذكره في دينه وإذا لم يتيسر ذلك فليقرأ من كتب أهل العلم ما كان موثوقا قبل أن يذهب إلى الحج حتى يعبد الله على بصيرة.
***
سائل يقول أنا إن شاء الله قد اشتريت خيمتي وحزمت أمتعتي وأريد السفر للحج هذا العام لأكمل ما فعلته في الأعوام الماضية من المسيرة مع الصالحين لعل الله أن يرحمنا جميعا لكنني أريد أن أتزود بزاد في حجي هذا فما هو الزاد وفقكم الله؟

(227/15)

فأجاب رحمه الله تعالى: يقول الله عز وجل (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) فخير الزاد أن تتقي الله سبحانه وتعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه فتحرص على أداء الصلاة في أوقاتها مع الجماعة وتحرص على الصدق في أقوالك وأفعالك وتحرص على النصيحة لإخوانك وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى التواصي بالحق والتواصي بالصبر وعلى إعانة من يحتاج إلى عون بالمال أو البدن أو الجاه وكذلك تتجنب ما نهى الله عنه من تأخير الصلاة عن أوقاتها أو ترك صلاة الجماعة أو الإخلال بشيء من واجباتها أو الكذب أو الغيبة أو النميمة أو الإساءة للخلق بالقول أو الفعل وتتجنب جميع ما حرم الله عليك فالتقوى اسم جامع لفعل جميع ما أمر الله به وترك جميع ما نهى عنه لأنها مشتقة من الوقاية وهي أن يتخذ الإنسان وقاية له من عذاب الله ولا وقاية من عذاب الله إلا بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
***
بعث لنا سعد برسالة من المملكة العربية السعودية يقول في رسالته أنا كل سنة أسافر بصالون كبير ويمتلئ هذا الصالون من أفراد العائلة ومن الأقارب فيذهب أو تذهب علينا الأيام في مشاعر الحج ونحن نقضيها بالمزاح واللعب والضحك وأحيانا قد تأتي كلمات نابية وفي هذه السنة أود أن أسافر إلى الحج بالأجر أي أن أركب مع وسائل النقل الأخرى لكي لا أسافر مع من أسافر معهم كل سنة حتى أحج حجا تطمئن إليه نفسي وأرتاح فيه وأقبل على الله سبحانه وتعالى فأيهما الأحسن لي والأفضل وفقكم الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان يمكنك أن تسافر مع أهلك وتوجههم إلى ما فيه الخير وإلى ترك اللغو من الكلام والرفث فهذا خير وأفضل لما فيه من صلة الرحم والتقارب بين الأقارب وإصلاح الأحوال وإذا كان لا يمكنك إصلاح أحوالهم فإن الأفضل أن تختار لك جماعة من أهل العلم والدين وتسافر معهم إلى الحج ليكون حجكم أقرب إلى الصواب من غيره.
***
هل الكبائر يكفرها الحج؟

(227/16)

فأجاب رحمه الله تعالى: ظاهر قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) أن الحج المبرور يكفر الكبائر ويؤيد هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) فإن تكفير العمرة إلى العمرة لما بينهما مشروط باجتناب الكبائر ولكن يبقى النظر هل يتيقن الإنسان أن حجه كان مبرورا هذا أمر صعب لأن الحج المبرور ما كان مبرورا في القصد والعمل أما في القصد فأن يكون قصده بحجه التقرب إلى الله تعالى والتعبد له بأداء المناسك نية خالصة لا يشوبها رياء ولا سمعة ولا حاجة من حوائج الدنيا إلا ما رخص فيه في قوله تعالى (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) وكذلك المبرور في العمل أن يكون العمل متبعا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أداء المناسك مجتنبا فيه ما يحرم على المحرم بخصوصه وما يحرم على عامة الناس وهذا أمر صعب لا سيما في عصرنا هذا فإنه لا يكاد يسلم الحج من تقصير وتفريط أو إفراط ومجاوزة أو عمل سيئ أو نقص في الإخلاص وعلى هذا فلا ينبغي للإنسان أن يعتمد على الحج ثم يذهب يفعل الكبائر ويقول الكبائر يكفرها الحج بل عليه أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى من فعل الكبائر وأن يقلع عنها ولا يعود ويكون الحج نافلة أي زيادة خير في أعماله الصالحة ومن الكبائر ما يكون لبعض الناس اليوم بل لكثير من الناس من الغيبة وهي أن يذكر أخاه المسلم غائبا بما يكره فإن الغيبة من كبائر الذنوب كما نص على ذلك الإمام أحمد رحمه الله وقد صورها الله عز وجل بأبشع صوره فقال تعالى (ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه) ومن المعلوم أن الإنسان لا يحب أن يأكل لحم أخيه

(227/17)

لا حيا ولا ميتا وكراهته لأكل لحمه ميتا أشد فكيف يرضى أن يأكل لحم أخيه بغيبة في حال غيبته؟ والغيبة من كبائر الذنوب مطلقا وتتضاعف إثما وعقوبة كلما ترتب عليها سوء أكثر فغيبة القريب ليست كغيبة البعيد لأن غيبة القريب غيبة وقطع رحم وغيبة الجار ليست كغيبة بعيد الدار لأن غيبة الجار منافية لقوله صلى الله عليه وسلم (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره) ووقوع في قوله صلى الله عليه وسلم (والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه) فإن غيبة الجار من البوائق وغيبة العلماء ليست كغيبة عامة الناس لأن العلماء لهم من الفضل والتقدير والاحترام ما يليق بحالهم ولأن غيبة العلماء تؤدي إلى احتقارهم وسقوطهم من أعين الناس وبالتالي إلى احتقار ما يقولون من شريعة الله وعدم اعتبارها وحينئذ تضيع الشريعة بسبب غيبة العلماء ويلجأ الناس إلى جهال يفتون بغير علم وكذلك غيبة الأمراء وولاة الأمور الذين جعل الله لهم الولاية على الخلق فإن غيبتهم تتضاعف لأن غيبتهم توجب احتقارهم عند الناس وسقوط هيبتهم وإذا سقطت هيبة السلطان فسدت البلدان وحلت الفوضى والفتن والشر والفساد ولو كان هذا الذي يغتاب ولاة الأمور بقصد الإصلاح فإن ما يفسد أكثر مما يصلح وما يترتب على غيبته لولاة الأمور أعظم من ذنب ارتكبوه لأنه كلما هان شأن السلطان في قلوب الناس تمردوا عليه ولم يعبئوا بمخالفته ولا بمنابذته وهذا بلا شك ليس إصلاحا بل هو إفساد وزعزعة للأمن ونشر للفوضى والواجب مناصحة ولاة الأمور من العلماء والأمراء على وجه تزول به المفسدة وتحل فيه المصلحة بأن يكون سرا وبأدب واحترام لأن هذا أدعى للقبول وأقرب إلى الرجوع عن التمادي في الباطل وربما يكون الحق فيما انتقده عليه المنتقد لأنه بالمناقشة يتبين الأمر وكم من عالم اغتيب وذكر بما يكره فإذا نوقش هذا العالم تبين أنه لم يقل ما نسب إليه وأن ما نسب إليه كذب باطل يقصد

(227/18)

به التشويه والتشويش والحسد وربما يكون حقا ولكن له وجهة نظر تخفى على كثير من الناس فإذا نوقش وبين وجهة نظره ارتفع المحظور أما كون الإنسان بمجرد ما يذكر له عن ولي الأمر من أمير أو عالم يذهب فيشيع السوء ويخفي الصالح فهذا ليس من العدل وليس من العقل وهو ظلم واضح قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا) يعني لا يحملكم بغضهم على ترك العدل (اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون) فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجنبنا جميعا أسباب الشر والفساد وأن يؤلف بين قلوبنا وأن يجعلنا من المتحابين فيه المتعاونين على البر والتقوى إنه على كل شيء قدير.
***
بارك الله فيكم من الأردن عائشة ع. عمان الأردن تقول فضيلة الشيخ سؤالي عن الحج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الحج المبرور لا جزاء له إلا الجنة) بعض المراجع من كتب الفقه تقول بأنه لا يغفر بالحج إلا الصغائر وتأخير الفروض عن أوقاتها أما الكبائر فلا تغفر بالحج والبعض الآخر يقول يغفر بالحج كل شيء حتى الكبائر والتبعات لكن بشرط التوبة من الكبائر وسداد التبعات فما حكم الشرع في نظركم في ذلك وجزاكم الله خيرا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نقول الحج المبرور هو الذي جمع عدة أوصاف:
الوصف الأول: أن يكون خالصا لله عز وجل بحيث لا يريد الإنسان بحجه ثناء من الناس أو استحقاق وصف معين يوصف به الحاج أو شيئا من الدنيا دون عمل الآخرة أو ما أشبه ذلك.

(227/19)

ثانيا: أن يكون متبعا فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بحيث يأتي بالحج كما حج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو أذن فيه ودليل هذا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول (خذوا عني مناسككم) ومن ثم يتبين ضرورة الإنسان إذا أراد الحج إلى أن يقرأ مناسك الحج حتى يحج على بصيرة وبرهان وإذا كان لا يستطيع القراءة فليشتر ما يستمع إليه من أشرطة العلماء موثوق بهم وإن لم يتيسر له ذلك فليسأل علماء بلده كيف يحج ولا أظن العلماء يقصرون في بيان ذلك عند سؤالهم عنه.
ثالثا: أن يكون من نفقات طيبة أي من كسب طيب لأن الكسب الخبيث خبيث فليتحر الإنسان أن تكون نفقاته في الحج من كسب طيب لأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا.

(227/20)

رابعا أن يتجنب فيه المآثم سواء كانت هذه المآثم من خصائص الإحرام كمحظورات الإحرام أو من المآثم العامة كالغيبة والنميمة والكذب وما أشبه ذلك لقول الله تعالى (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) ومن هذا أن يجتنب أذية الناس في المزاحمة عند الطواف أو السعي أو الجمرات أو غير ذلك لأن أذية الناس من الأمور المحرمة قال الله تعالى (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا) فلا يجوز أن يأتي لرمي الجمرات بانفعال وغضب وشد عضلات وكأن بني آدم الذين أمامه خراف لا يهتم بهم فإن هذا مما ينافي أن يكون الحج مبرورا ومن ذلك أي مما يشترط للحج أن يكون مبرورا أن يتجنب شرب الدخان لأن شرب الدخان محرم كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة العامة وإذا كان محرما كان الإصرار عليه كبيرة من كبائر الذنوب ولو أن المسلمين الحجاج تجنبوا شرب الدخان في مواسم الحج لاعتادت أبدانهم على تركه ثم من الله عليهم بالإقلاع عنه إقلاعا تاما فالحج المبرور قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم (ليس له جزاء إلا الجنة) وهذا لا يقتضي أن يغفر للإنسان التبعات التي لبني آدم فالتبعات التي لبني آدم، لا بد من إيصالها إليهم فمن أخذ مالا للناس وحج وإن حج بغير هذا المال الذي أخذه وإن أتقن حجه تماما في الإخلاص والمتابعة فإنه لا يغفر له الذنب حتى يرد الحق إلى أهله وإذا كانت الشهادة في سبيل الله وهي أفضل الأعمال (والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم) (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) إذا كانت الشهادة في سبيل الله لا تكفر الدين فالحج من باب أولى ولهذا نقول إذا كان على الإنسان دين فلا يحج حتى يقضي هذا

(227/21)

الدين إلا إذا كان دينا مؤجلا وهو واثق من قضائه إذا حل الأجل فهنا لا بأس أن يحج أما إذا كان الدين حالا غير مؤجل أو كان مؤجلا لكنه لا يثق من نفسه أن يوفيه عند أجله فلا يحج وليجعل المال الذي يريد الحج به وفاء للدين وبهذا نعلم أن الحج المبرور لا يسقط حقوق الآدميين بل لا بد من إيصالها إليهم إما بوفاء أو إبراء.
***
يقول وما معنى (من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج كيوم ولدته أمه)؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معناه أن الإنسان إذا حج واجتنب ما حرم الله عليه من الرفث وإتيان النساء والفسوق وهو مخالفة الطاعة بأن يترك ما أوجب الله عليه أو يفعل ما حرم الله عليه هذا هو الفسوق فإذا حج الإنسان ولم يرفث ولم يفسق فإنه يخرج من ذلك نقيا من الذنوب كما أن الإنسان إذا خرج من بطنه أمه فإنه لا ذنب عليه فكذلك هذا الرجل إذا حج بهذا الشرط فإنه يكون نقيا من ذنوبه.
***
أحسن الله إليكم كيف يكون الحج المبرور؟ والفقرة الأخرى يقول السائل وكيف تكون العمرة صحيحة وهل لها طواف وداع؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحج المبرور هو ما جمع الإخلاص والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يكون من كسب طيب و أن يتجنب فيه الرفث والفسوق والجدال وأن يحرص غاية الحرص على العلم بصفة حج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليطبقها وأما العمرة فإنها حج أصغر فيها طواف وسعي وتقصير ولها طواف وداع كالحج إلا إذا سافر من حين انتهائها مثل أن يطوف ويسعى ويقصر ثم يمشي راجعا إلى بلده فهنا لا يحتاج إلى طواف وداع اكتفاء بالطواف الأول لأنه لم يفصل بينه وبين السفر إلا السعي والتقصير وهما تابعان للطواف.
***
سؤال من أحد الأخوة المستمعين يقول فضيلة الشيخ أرجو الإجابة على هذا السؤال ما هي المنافع التي يشهدها الناس في الحج؟

(227/22)

فأجاب رحمه الله تعالى: المنافع التي يشهدها المسلمون في الحج منافع كثيرة منافع دينية ومنافع اجتماعية ومنافع دنيوية أما المنافع الدينية فهي ما يقوم به الحجاج من أداء المناسك وما يحصل من التعليم والتوجيه من العلماء من هنا ومن هناك وما يحصل كذلك من الإنفاق في الحج فإنه من الإنفاق في سبيل الله عز وجل وأما المنافع الاجتماعية فهي ما يحصل من تعارف الناس بينهم وائتلاف قلوبهم واكتساب بعضهم من أخلاق بعض وحسن المعاملة والتربية كما هو مشاهد لكل لبيب تأمل ذلك وأما الفوائد الدنيوية فما يحصل من المكاسب لأصحاب السيارات وغيرها مما يستأجر لأداء الحج وكذلك ما يحصل للحجاج من التجارة التي يوردونها معهم ويستوردونها من مكة وغير ذلك من المنافع العظيمة ولهذا قال الله تعالى (ليشهدوا منافع لهم) فأتى فيها بصيغة الجمع بل بالجمع الذي هو صيغة منتهى الجموع ولكن مع الأسف الشديد أن الحج في هذه الأزمنة عند كثير من الناس لا يستفاد منه هذه الفوائد العظيمة بل كأن الحج أفعال وأقوال فارغة واهية ليس فيها إلا مجرد الصور فقط ولهذا لا تكسب القلب خشوعا ولا تكسب ألفة بين المؤمنين ولا تعلما لأمور دينهم بل ربما يكره بعضهم أن يسمع كلمة وعظ من ناصح لهم بل ربما يكون مع بعضهم سوء نية في دعوة الناس إلى الباطل إما بالمقال وإما بالفعال بتوزيع النشرات المضلة الفاسدة وهذا لا شك أنه مما يحزن ومما يجعل هذا الحج خارجا عن نطاق الشرع الذي شرع من أجله وأنصح إخواني الحجاج بما يلي:
أولا: إخلاص النية لله وتعالى في الحج بأن لا يقصدوا من حجهم إلا الوصول إلى ثواب الله تعالى ودار كرامته.
ثانيا: الحرص التام على اتباع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حجه فإنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقول (لتأخذوا عني مناسككم).

(227/23)

ثالثا: الحرص التام على التآلف والتقارب بين المسلمين وتعريف بعضهم بعضا بما ينبغي أن يعرفوه من مشاكل دينية واجتماعية وغيرها.
رابعا: الرفق بالحجاج عند المشاعر وعند الطواف وعند السعي وعند رمي الجمرات وعند الدفع لمزدلفة ومن عرفة وغير ذلك.
خامسا: الحرص على أداء المناسك بهدوء وطمأنينة وأن لا يكون الواحد أتى ليقابل جيشا أو جندا محاربا ويظهر ذلك عند رمي الجمرات فإن الناس تجدهم مقبلين إلى الجمرات والواحد منهم ممتلئ غضبا وحنقا وربما يتكلم بكلمات نابية لا تليق في غير هذا الموضع فكيف بهذا الموضع.
وسادسا: أن يبتعد كل البعد عن الإيذاء الحسي والمعنوي بمعنى أنه يجتنب إلقاء القاذورات في الطرقات وإلقاء القمامة في الطرقات وغير ذلك الإيذاء المعنوي أن يتجنب شرب الدخان مثلا بين أناس يكرهون ذلك مع أن شرب الدخان محرم في حال الإحرام وغير حال الإحرام وإذا وقع في الإحرام أنقص الإحرام وأنقص أجر الحج والعمرة لأن الله تعالى يقول (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) والدخان محرم والإصرار عليه يؤدى إلى أن يكون كبيرة من الكبائر فالمهم أن الإنسان ينبغي في هذا الحج أن يكون على أكمل ما يكون من دين وخلق حتى يجد طعم ولذاذة هذا الحج.
***
هذا السائل يقول فضيلة الشيخ لقد أكرمني الله عز وجل وحجيت عدة مرات فهل الأفضل أن أقوم بالحج كلما استطعت أو أن أقوم بالتصدق بمصاريف ذلك الحج على الفقراء والمساكين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا حسب ما تدعو الحاجة إليه فإذا كان الناس في حاجة إلى الصدقة فالصدقة أفضل وإذا لم يكونوا في حاجة فالحج أفضل.
***
يقول ما حكم الشرع في نظركم فيمن يبيع ويشتري ويتكسب وهو يؤدي الحج والعمرة أفيدونا بارك الله فيكم؟

(227/24)

فأجاب رحمه الله تعالى: جواب هذا السؤال بينه الله عز وجل في قوله (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) فإذا كان الإنسان قد أتى بنية الحج ولكنه حمل معه سلعة يبيعها في الموسم أو اشترى سلعة من الموسم لأهله أو ليبيعها في بلده فإن هذا لا بأس به ما دام القصد الأول هو الحج أو العمرة وهو من توسيع الله عز وجل على عباده حيث لم يعنتهم جل وعلا بمنعهم من الاتجار والتكسب ومثل ذلك إذا كان الإنسان صاحب سيارة وأراد أن يحج ثم حمل عليها أناسا بالأجرة فإن ذلك لا بأس به ولا حرج فيه لدخوله في عموم قوله (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم).
***
هذه أيضا رسالة عن الحج وردتنا من قاسم محمد قاسم يقول الشيخ المجيب على السادة المستمعين أرجو حل مشكلتي والتزاماتي مع أقاربي وأصدقائي فأنا أنوي الحج هذه السنة ولما أخطرتهم حملوني أمانات عديدة وطلبوا مني مطالب كانت بسيطة لكنها كثرت ولا أستطيع تحقيقها كلها وأنا تحملت لهم هذه الأمانات التي منها مجموعة وصوني أطوف لكل واحد منه سبعا وهو طبعا بعدد المطالب لكن سنأتي بكل مطلب؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا لا يلزمه أن يفعل ولو أوصوه بذلك ولو تعهد به لهم لأن هذا اختلف أهل العلم في كونه نافعا لمن جعله له هل يصل إليه الثواب أو لا يصل ثم إن في أيام المواسم مخالفة للسنة لأن السنة ألا يزيد الإنسان في موسم الحج على أطوفة النسك وهي الطواف أول ما يقدم وطواف الإفاضة وطواف الوداع وهذه الأطوفة التي تعهد بها يلزم منها مخالفة السنة وعلى هذا فنقول لا حرج عليك إذا لم تف لهم بهذه الوصايا التي أوصوك بها.
***

(227/25)

جزاكم الله خيرا هذا السائل صالح جابر سوداني مقيم بالكويت يقول لقد أديت فريضة الحج في عام مضى مع كفيلي ولقد كان اسمي الصحيح صالح جابر وقد اشتريت عقدا للعمل بدولة الكويت باسم عبدالله الشيخ نافع وقد استخرجت جواز سفر بهذا الاسم ومن ثم أديت به فريضة الحج من ذلك العام فهل يصح حجي أم ماذا أفيدوني جزاكم الله خيرا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إن حجك صحيح لأن تغير اسمك لا يؤثر في صحة الحج لكن عليك الإثم بتزوير اسمك وعليك الآن أن تتوب إلى الله عز وجل وأن تعدل اسمك إلى الاسم الصحيح الذي كنت مسمى به من قبل حتى لا يحصل التلاعب لدى المسئولين ولئلا تسقط الحقوق التي وجبت عليك باسمك الأول لاختلاف اسمك الثاني عن الاسم الأول فتكون بذلك آكلا للمال بالباطل مع الكذب الذي اشتريته بتغير اسمك وبهذه المناسبة أود أن أنصح كل من سمع كلامي هذا لأن الأمر ليس بالهين بالنسبة لأولئك الذين يزورون الأسماء ويستعيرون أسماء لغيرهم من أجل أن يستفيدوا من إعانات الحكومة أو من أمور أخرى أو من أجل أن يصلوا إلى أغراض لهم بأسماء غيرهم من هذه الأسماء المزورة فإن ذلك تلاعب في المعاملات وكذب وغش وخداع للمسؤولين والحكام وليعلموا أن من اتقى الله عز وجل جعل له مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب وأن من اتقى الله جعل له من أمره يسرا وأن من اتقى الله وقال قولا سديدا أصلح الله له عمله وغفر له ذنبه كما قال تعالى (ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب) وقال تعالى (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا) وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (70) يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).
***

(227/26)

في منى بعد الرمي حصل خلاف أسري عبارة عن خصام بيني وبين أم زوج بنتي وبقينا على ذلك الزعل لعدة أشهر أفيدونا جزاكم الله خيرا ذلك الزعل والخصام يبطل الحج؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يبطل الحج لكن ينبغي للإنسان المحرم بحج أو عمرة أن لا يجادل لقوله تعالى (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج).
***
المستمع عبد الحفيظ إبراهيم من السودان يقول في رسالته إنني متزوج ولي أربعة أطفال وقد غبت عنهم منذ ستة عشر شهرا وأريد أن أؤدي فريضة الحج هل يجوز لي أن أؤدي فريضة الحج قبل أن أزور أهلي في بلدي أفيدوني بارك الله فيكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز لك أن تؤدي فريضة الحج قبل أن تزور أهلك في بلدهم ولكن إن تيسر أن تزورهم وتعرف شؤونهم وما هم عليه فإنه أولى ثم تحج وإذا صعب عليك هذا أو تعسر فأد الحج أولا ثم اذهب إليهم بعد ذلك.
***
جزاكم الله خيرا هذا سؤال من المستمع م. أ. خ. من مكة المكرمة يقول أنا أعمل بقوة في الحج والمواسم في مكة المكرمة ولا يسمح لنا بإجازة لأداء فريضة الحج فهل يحق لي أن أغيب بدون إذن أو أن أؤدي فريضة الحج مع العلم بأني لم أحج حجة الفريضة وقد سألت بعض العلماء فقالوا لي إنه لا يجوز الحج بدون إذن من مرجعي فهل هذا صحيح أم لا أفيدونا ولكم جزيل الشكر؟

(227/27)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هذا صحيح فمن كان موظفا ملتزما بأداء وظيفته حسب ما يوجه إليه وقد قال الله تعالى (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا) وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) فالعقد الذي جرى بينك وبين الدولة عهد يجب عليك أن توفي به على حسب ما يوجهونك به ولكني أرجو أن يكون للمسئولين في هذه الأمور نظر بحيث يوزعون هؤلاء الجنود جنود المرور وجنود الأمن وجنود المطافئ وغيرهم ينظموهم بحيث يكون إذا أمكن لبعضهم فرصة أن يؤدوا الحج في هذا العام وللبعض الآخر فرصة أن يؤدوه في العام الآخر وهكذا حتى يتم للجميع أداء الفريضة وأما أن تختفي وتؤدي الفريضة وأنت مطالب بالعمل ليس عندك إجازة فإن هذا محرم عليك.
***
بارك الله فيكم فضيلة الشيخ شاب خرج للجهاد ولم يحج فهل الأولى أن يقدم الجهاد أم الحج؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب تقديم الحج لأن الحج ركن من أركان الإسلام بالنص والإجماع قال الله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام) وأجمع المسلمون على أن الحج فريضة وركن من أركان الإسلام فلا يجوز للقادر عليه أن ينصرف إلى الجهاد ويدع الحج.
***
جزاكم الله خيرا شيخ محمد السائل أبو عبد الله يقول توفي أحد الأشخاص وهو أحد أقارب والدتي وليس له ولد ولا بنت وكان في حياته غير عاقل أي مختل العقل ولا يعامل معاملة العاقل علما بأنه كان يصوم ويصلى وسؤالنا هو نحن لا ندري هل هو قد أدى فريضة الحج أم لا فماذا نفعل تجاهه؟

(227/28)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الرجل لا فريضة عليه لأنه مجنون إلا أن يكون جنونه حدث بعد أن وجب عليه الحج أما إذا كان قد جن والعياذ بالله قبل وجوب الحج عليه فإنه لا حج عليه وحينئذ لا يلزمكم أن تحجوا عنه أو أن تأخذوا من تركته ليحج عنه
***
شكر الله لكم فضيلة الشيخ، المستمع عاطف محمد مصري يعمل باليمن في سؤاله يقول رجل يريد أن يحج ولم يتزوج فأيهما يقدم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يقدم النكاح إذا كان يخشى المشقة في تأخيره مثل أن يكون شابا شديد الشهوة ويخشى على نفسه المشقة فيما لو تأخر زواجه فهنا يقدم النكاح على الحج، أما إذا كان عاديا ولا يشق عليه الصبر فإنه يقدم الحج هذا إذا كان حج فريضة، أما إذا كان الحج تطوعا فإنه يقدم النكاح بكل حال، ما دام عنده شهوة وإن كان لا يشق عليه تأجيله وذلك لأن النكاح مع الشهوة أفضل من نوافل العبادة كما صرح بذلك أهل العلم.
***
أثابكم الله هذه رسالة وردتنا من المستمع من الجمهورية العراقية من البصرة يقول فيها التائب ولم يذكر اسمه يقول أرجو إذا تكرمتم أن تفتوني هل يجوز للفتى الشاب أن يحج إلى بيت الله الحرام قبل الزواج أم لا بد من زواجه ثم بعد ذلك الحج وما هي الشروط الواجبة عليه أفيدونا وفقكم الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يجوز للشاب أن يحج قبل أن يتزوج ولا حرج عليه في ذلك لكن إذا كان محتاجا إلى الزواج ويخاف العنت والمشقة في تركه فإنه يقدمه على الحج لأن الله تبارك وتعالى اشترط في وجوب الحج أن يكون الإنسان مستطيعا وكفاية الإنسان نفسه بالزواج من الأمور الضرورية فإذا كان الرجل أو الشاب لا يهمه إذا حج وأخر الزواج فإنه يحج ويتزوج بعد وأما إذا كان يشق عليه تأخير الزواج فإنه يقدم الزواج على الحج.
***

(227/29)

رجل يملك مبلغا من المال ولم يؤد فريضة الحج وعنده ابن شاب ليس لديه مال ليتزوج به لأنه ما زال يدرس وقد خاف الأب على ابنه الفتنة والانحراف ما هو الأفضل للأب أن يحج بهذا المال أم يزوج هذا الابن الشاب؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب على الأب أن يحج بهذا المال لأن الحج فريضة عليه وحاجة الابن ليست تتعلق بذات الأب أما لو كان الأب نفسه يحتاج إلى نكاح ويخشى على نفسه إن لم يتزوج وليس في يده إلا هذه الدراهم فهو إما أن يحج بها وأما أن يتزوج فحينئذ نقول قدم الزواج لأن الزواج هنا يتعلق بنفس الرجل ولا تعجب إذا قلت إن الأب محتاج إلى الزواج وليس عنده إلا هذه الدراهم لأن هذا يقع كثيرا قد يكون الرجل كثير الشهوة لم تغنه المرأة الأولى أو تكون المرأة الأولى قد ماتت أو طلقت فيحتاج إلى زوجة أخرى.
***
يقول إني شاب ولي من العمر اثنان وعشرون سنة هل يجوز أن أحج بيت الله قبل الزواج وما عندي رغبة في الزواج ومن الناس من يقول أن هذا لا يجوز ولا يكون حجا مقبولا ردوا علي الجواب وفقكم الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ليس من شرط صحة الحج أن يتزوج المرء بل يصح الحج وإن لم يتزوج ولكن إذا كان الإنسان محتاجا إلى الزواج ويلحقه بتركه المشقة وعنده دراهم إن حج بها لم يتمكن من الزواج وإن تزوج لم يتمكن من الحج فإنه في هذه الحال يقدم الزواج لأن الزواج في حقه حينئذ صار من ضروريات حياته والحج إنما يجب على من استطاع إليه سبيلا وما سمعه من العامة من أن الإنسان لا يحج حتى يتزوج فليس بصحيح.
***
أحسن الله إليكم يقول هذا السائل بأنه عازم على الحج هذا العام إن شاء الله ولكن عليه دين لشخص آخر وقد بحث عنه ولم يجده يقول ماذا أفعل وهل لا بد من موافقة صاحب الدين؟

(227/30)

فأجاب رحمه الله تعالى: أولا نقول من كان عليه دين فلا حج عليه أصلا حتى وإن لم يؤد الفريضة لأنه لم يفرض عليه الحج حتى يوفي الدين فليشتغل بوفاء دينه وإن أخر الحج سنة بعد أخرى حتى يقضي الدين وإني لأعجب من حرص الناس على أداء الحج مع الديون التي عليهم وهم يعلمون أو لا يعلمون أن حق الله عز وجل مبني على المسامحة وأن من عليه دين فلا حج عليه ومع ذلك يماطلون أصحاب الديون أو لا يماطلون ولكن يحجون هذا غلط منهم بلا شك نقول اقض دينك ثم حج وإذا كنت لا تعرف صاحب الدين فابحث عنه بقدر المستطاع فإذا لم تجده وكان عندك مال واسع تعلم أنك تحج ويبقى لديك فضل كبير زائد على الدين فحينئذ لا بأس أن تحج.
***
بارك الله فيكم هذا المستمع عبد الله سعيد من اليمن يقول حججت وعلي دين فقمت بسداده بعد الحج فهل هذا الحج صحيح؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم الحج صحيح ومقبول إن شاء الله وتبرأ به الذمة لكن من نعمة الله وتيسيره أن الإنسان إذا كان عليه دين فإنه يوفي الدين قبل أن يحج لأن الدين سابق ولأن الحج إنما يجب على المستطيع ومن عليه دين وليس عنده مال إلا بقدر الدين الذي عليه فإنه لا يستطيع الحج لكن لو خالف وحج حجه صحيح.
***
أيضا يقول من حج وعليه دين فهل حجه مقبول ومن حج لزوجته بعد موتها فهل حجه مقبول لها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم من حج وعليه دين فحجه مقبول لأنه ليس من شروط صحة الحج خلو الذمة من الدين ولكننا نقول من عليه دين حال فليوفه قبل أن يحج لسبق وجوب قضاء الدين على وجوب الحج وإن كان مؤجلا وله وفاء واستأذن من صاحبه فله أن يحج أيضا ولا حرج عليه لأنه قادر على وفائه في المستقبل أما حجه عن زوجته فهو أيضا مقبول إذا حج عنها ويقول عند إحرامه لبيك عن زوجتي فلانة وإذا لم يعينها باسمها كفته النية.
***
هذا المستمع يقول من حج وعليه دين فما حكم حجه؟

(227/31)

فأجاب رحمه الله تعالى: حج من عليه الدين صحيح ولكن لا يجب الحج على من عليه دين حتى يؤدي دينه لأنه الله تعالى يقول (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) والمدين الذي ليس عنده مال لا يستطيع الوصول إلى البيت فيبدأ أولا بقضاء الدين ثم يحج و العجب أن بعض الناس نسأل الله لنا ولهم الهداية يذهبون إلى العمرة أو إلى الحج تطوعا من غير فريضة وهم مدينون في ذمتهم ديون وإذا سألتهم لماذا تأتون بالعمرة أو الحج وأنتم مدينون؟ قالوا لأن الدين كثير وهذا جواب غير سديد لأن القليل مع القليل يكون كثيرا وإذا قدر أنك تعتمر بخمسمائة ريال فهذه الخمسمائة أبقيها عندك لتوفي بها شيئا من دينك ومعلوم أن من أوفى من المليون ريالا واحدا فإنه يسقط عنه ويكون عليه مليونا إلا ريالا وهذه فائدة يستفيد بها فنصيحتي لإخواني الذين عليهم ديون أن لا يأتوا لتطوع من حج أو عمرة لأن قضاء الواجب أهم من فعل مستحب بل حتى من لم يؤد الفريضة من حج وعمرة لا يجب أن يؤدي الفريضة وعليه دين لأن الدين سابق ولا يجب الحج أو العمرة إلا بعد قضاء الديون.
***
أحسن الله إليكم هذا السائل من السودان يقول سوداني مقيم بالرياض ينوي أن يحج إن شاء الله في السنة القادمة حج الفريضة و لكن عليه ديون كثيرة ولكن يقول يغلب علي الظن بأنه إذا استأذن من أصحابها سوف يأذنون له هو الآن يستطيع أن يوفر تكاليف الحج من مصاريف سفر ومأكل و مشرب وغير ذلك السؤال هل يأثم إذا لم يستأذن من أصحاب الديون؟

(227/32)

فأجاب رحمه الله تعالى: المسألة ليست مسألة استئذان أو عدم استئذان المسألة أن الإنسان إذا كان عليه ديون فإنه لا يجب عليه الحج أصلا ولا حرج عليه أن يدعه ولا ينبغي أن يحج ويبقي الديون عليه حتى لو أذن أهل الديون وقالوا حج وأنت منا في حل فإننا نقول لا تحج حتى تقضي الدين احمد ربك أن الله عز وجل لم يوجب عليك الحج إلا بالاستطاعة التامة والمدين ليس عنده استطاعة في الواقع لأن ذمته مشغولة فلا يحج حتى يوفي الدين سواء أذنوا له أم لا وهو إذا لاقى ربه وهو لم يحج لأن عليه ديونا فإنه لا يأثم بذلك كما أن الفقير لا تجب عليه الزكاة ولا يأثم إذا لاقى ربه وهو لم يزك كذلك من لم يستطع الحج إذا لاقى ربه وهو لم يستطع فإنه يلقى ربه غير معتوبا عليه ولا ملوم.
***
هل يصح حج من عليه دين وخصوصا إذا كان الدين بمبلغ كبير أي لا يستطيع القضاء إلا بعد فترة زمنية طويلة ولا يستطيع تحديدها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: حج من عليه دين صحيح ولكنه آثم إذا حج وعليه دين لأن الدين يجب قضاؤه والحج ليس واجبا عليه فيما إذا كان عليه دين لأن الله تعالى اشترط في الحج الاستطاعة فقال (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) ومن عليه دين فإنه لا يستطيع أن يحج إذاكان حجه يحتاج إلى مال أما إذا كان حجه لا يحتاج إلى مال كرجل في مكة يستطيع أن يحج على قدميه بدون أن يخسر شيئا من المال ففي هذا الحال يجب عليه الحج وليس آثما فيه لأن ذلك لا يضر غرمائه شيئا فيفرق بين رجل يحج بلا نفقة لكونه من أهل مكة ويستطيع الحج على قدميه وشخص آخر لا يستطيع أن يحج إلا بمال فالأول له أن يحج ولو كان عليه دين بل يجب عليه الحج إذا لم يكن أدى الفريضة وأما الثاني فلا يلزمه الحج ولا يحل له أن يحج وعليه دين لأن الدين قضاء واجب والحج في حال ثبوت الدين على الإنسان ليس بواجب.
***

(227/33)

السؤال: هل يجوز لمن عليه دين أن يؤدي فريضة الحج إن لم يكن قد أداها من قبل أو أداها ولكنه يريد أن يتطوع؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان على الإنسان دين يستغرق ما عنده من المال فإنه لا يجب عليه الحج لأن الله تعالى إنما أوجب الحج على المستطيع قال الله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) ومن عليه دين يستغرق ما عنده لم يكن مستطيعا للحج وعلى هذا فيوفي الدين ثم إذا تيسر له بعد ذلك فليحج وأما إذا كان الدين أقل مما عنده بحيث يتوفر لديه ما يحج به بعد أداء الدين فإنه يقضي دينه ثم يحج حينئذ سواء كان فرضا أم تطوعا لكن الفريضة يجب عليه أن يبادر بها وغير الفريضة هو بالخيار إن شاء تطوع وإن شاء فلا أثم عليه.
***
سائل يقول لزوجتي عندي مبلغ من المال وأريد أن أودي الحج منه فهل يجوز لي ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا أذنت لك زوجتك بأن تحج من مالها الذي عندك لها فلا حرج عليك في هذا ولكن إن خفت أن يكون عليك في ذلك غضاضة وأن تمن عليك به في المستقبل وأن ترى لنفسها مرتبة فوقك من أجل هذا فلا تفعل فإنه لا ينبغي للإنسان أن يذل نفسه لأحد إلا لله عز وجل.
***
جزاكم الله خيرا السائلة التي رمزت لاسمها بـ هـ ج لها مجموعة من الأسئلة تقول في السؤال الأول هل مال الصدقة أو الزكاة يجوز الحج منه علما بأنه أتى تلك المرأة في ذلك الوقت شدة وحاجة إلى المال والحمد لله فرجها الله فهل تحج منه أم لا جزاكم الله خيرا؟

(227/34)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز الحج بمال الزكاة وبمال الصدقة ويجوز لآخذ الزكاة أن يهديها إلى من لا تحل له الزكاة بشرط أن يكون حين أخذه للزكاة من أهل الزكاة أي مستحقا لها وما جاء في السؤال فهو كذلك أي أن المرأة أخذت هذه الأموال من الزكاة والصدقات وهي أهل لذلك ثم إن الله تعالى أغناها وأرادت أن تحج بما عندها من أموال الزكاة والصدقات فنقول لا بأس بهذا لأن الفقير إذا أخذ الصدقة وهو من أهلها أو الزكاة وهو من أهلها فإنه يملكها ملكا تاما يتصرف فيها بما يشاء.
***
بارك الله فيكم السائلة تقول زوجي يعمل في شركة في المملكة وصاحب هذه الشركة يقيم مخيمات للحج كل عام وأنا وزوجي نحج على نفقة صاحب العمل رغم أن حالتنا المادية ميسرة هل يجوز هذا الحج أم لابد أن يكون الحج على نفقتنا أرجو الإفادة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا أذن صاحب الشركة بذلك فإنه جائز.
***
شكر الله لكم فضيلة الشيخ هذا المستمع ممدوح الشؤملي مسلم مقيم بالدمام يقول بأنه نوى الحج ولكن بعض زملاء العمل قالوا لا يصح حجك لأنك حججت بنية العمل مع العلم بأنني أنوي الحج من زمان أرجو بهذا إفادة؟

(227/35)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا بأس للعامل الذي يصطحبه صاحب العمل إلى مكة أن ينوي بذلك الحج أو العمرة وذلك لأن الله تعالى قال في الحج (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) ومن المعلوم أنه لا يلزم من اتباع صاحبه أن يعتمر أو يحج فهو بإرادته فإذا أرد الحج مع القيام بالعمل الواجب لصاحبه فإن له أجرا في ذلك بلا شك والحج يجزئ عنه ويسقط به الواجب وكذلك العمرة وأما قول أصحابه أنه ليس لك حج هذا قول صادر عن جهل وبهذه المناسبة أقول إنه ينبغي للإنسان أن لا يعتمد على قول العامة وأن يسأل أهل العلم عن العلم لأن هذا هو الذي أمر الله به فقال تعالى (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) كما أني أنصح من ليس عنده علم أن لا يتكلم بما لا يعلم وأقول إن القول بما لا يعلم محرم قال الله تعالى (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والأثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) وقوله تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا)
***
يقول هذا السائل إن والدتي كبيرة في السن ولا تستطيع المشي إلا بصعوبة بالغة بسبب مرض في مفاصلها فهل عليها الحج أم نحج عنها مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: حجوا عنها ما دامت لا تستطيع وهذا مرض لا يرجى زواله فيحج عنها لحديث ابن عباس رضي الله عنهما (أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وعلى آله سلم فقالت يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال (نعم حجي عنه).
***
تقول السائلة فاطمة من السودان هل يجوز لي أن أحج بمال أخي علما بأنني لا أملك مالا؟

(227/36)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز للإنسان أن يحج بما يتبرع به له أبوه أو أخوه أو ابنه أو أحد من إخوانه الذين لا يلحقه منهم منة فإن كان يخشى أن يلحقه منهم منة فإن الأولى أن لا يحج بشيء من ماله لأن المنان يقطع عنق صاحبه بمنته عليه كلما حصلت مناسبة قال أنا الذي حججت بك أنا الذي فعلت أنا الذي فعلت فإذا أمن الإنسان من المنة عليه في المستقبل فلا حرج عليه أن يقبل من أحد من أقارب أو أصحابه أن يتبرع له بمال يحج به.
***
سائلة تقول هل يجوز لامرأة أن تسافر للحج من مال أخيها وزوجها موافق على سفرها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب نعم يجوز لها أن تحج بمال أخيها إذا وافق زوجها على السفر إلى الحج.
ولا بد من وجود محرم معها.
***
بارك الله فيكم هذا السائل صالح م. يقول في هذا السؤال عندما حججت أعطاني أخي نفقة الحج وكانت ثلاثمائة ريال عماني فهل حجي صحيح علما بأن ذلك برضاهم أرجو منكم الإفادة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا حرج على الإنسان أن يقبل هدية من أخيه يستعين بها على أداء الحج إذا علم أن ذلك عن طيب نفس منه فإن الهدية توجب المودة والمحبة وتبعد السخينة وفيها شرح صدر للمهدي وقضاء حاجة ومعونة للمهدى إليه وهذا لا ينقص أجرك شيئا لأن هذا كسب طيب والكسب الطيب لا يؤثر في العبادات.
***
جزاكم الله خيرا هذا السائل يقول يا فضيلة الشيخ رجل سأل رجلا غنيا ميسور الحال أن يعطيه مالا ليتبلغ به إلى الحج إلى بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج فأعطاه مالا فهل حج الرجل صحيح؟

(227/37)

فأجاب رحمه الله تعالى: حجه صحيح لكن سؤاله الناس من أجل الحج غلط ولا يحل له أن يسأل الناس مالا يحج به ولو كانت الفريضة لأن هذا سؤال بلا حاجة إذ أن العاجز ليس عليه فريضة وسؤال الناس بلا حاجة أخشى أن يقع السائل للناس بلا حاجة في هذا الوعيد الشديد (أن الرجل لا يزال يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم) والعياذ بالله لأنه قشر وجهه بسؤال الناس فكانت العقوبة أن قشر وجهه من أجل هذا السؤال وليتق الله المؤمن في نفسه فلا يسأل إلا عند الضرورة التي لو لم يسأل لهلك أو تضرر.
***
بارك الله فيكم هذه رسالة وصلت من أحد الاخوة المستمعين من جمهورية مصر العربية خالد الخطيب يقول فضيلة الشيخ أنا موجود في المملكة وإخواني خارج المملكة لا يستطيعون أن يعتمروا أو يحجوا وذلك للغلاء هل يصح أن نعتمر عنهم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان فريضة فإنه لا يصح أن تعتمر عنهم لأنهم حينئذ يستطيعون بأنفسهم أن يأتوا إلى العمرة أو الحج لكن نقصهم بذلك المال فلم تجب عليهم العمرة ولا الحج لقوله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) أما إذا كانوا قد حجوا من قبل واعتمروا وتريد أن تأتي لهم بعمرة نافلة فإن هذا لا بأس به عند كثير من أهل العلم ويرى آخرون أن ذلك لا يصح ويعللون هذا بأن الاستنابة في الحج إنما جاءت في الفريضة ولم تأت في النافلة وجاءت في الفريضة للضرورة لأنها واجبة ولم يتمكن من فرضت عليه من أدائها فجازت الاستنابة فيها للضرورة وأما التطوع فليس هناك ضرورة تدعو إلى أن يستنيب الإنسان غيره فيه وعلى هذا فالذي أرى أن لا تعتمر عنهم أيضا حتى وإن كان نافلة فإن تيسر لهم الوصول إلى البيت فهذا من فضل الله عز وجل وإن لم يتيسر فالله سبحانه وتعالى حكيم بما يفعل.
***

(227/38)

سائل يقول ما حكم الشرع في نظركم في رجل أقعده المرض عن أداء فريضة الحج وليس له أولاد وأيضا حالته المادية صعبة جدا ما حكم هذا بارك الله فيكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحج لا يجب إلا على من استطاع إليه سبيلا كما قال الله سبحانه وتعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) فإذا كنت لا تستطيع السبيل إلى الحج لقلة المال فإنه لا حج عليك ولو مت في هذه الحال فإنه لا إثم عليك لأن الواجب يسقط بالعجز.
***
بارك الله فيكم هذا المستمع رضا عمر مصري مقيم بالمملكة يقول حج العام الماضي ولله الحمد ويريد هذا العام أن يحج عن والدته مع العلم أنها على قيد الحياة ولكن لا تستطيع أن تحج هي لكبر سنها ولأسباب أخرى مرضية هل يجوز أن أحج عنها أفيدونا أفادكم الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز أن يحج عنها إذا كان قد حج عن نفسه وذلك لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال (نعم حجي عنه) وسمع صلى الله عليه وسلم رجلا يقول لبيك عن شبرمة فقال ما شبرمة فقال أخ لي أو قريب لي فقال النبي صلى الله عليه وسلم (أحججت عن نفسك قال لا قال حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) فهذا يدل على جواز الحج عن الغير إذا كان لا يستطيع الوصول إلى مكة ولكن بشرط أن يكون الحاج قد أدى الفريضة عن نفسه.
***

(227/39)

بارك الله فيكم هذا مستمع سوداني اسمه إبراهيم مقيم في السعودية يقول والدي في السودان كبير السن لكنه يستطيع الحركة قريبا مثل يذهب إلى المسجد ويذهب إلى البيوت القريبة لكنه لا يستطيع العمل لكبر سنه وبه مرض يلازمه سنين طويلة إذا استطاع المجيء إلى الحج يمكن أن يؤدي الطواف والسعي ولكن يا فضيلة الشيخ ليس له مال وأنا من هنا لا أستطيع أن أرسل له المبلغ الذي يأتي به وهو يكلف ما يقارب من ثمانية عشر ألف جنية سوداني فهل يجوز لي أن أحج عنه أفتوني بذلك مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إن والدك إذا كان على الحال التي وصفت يعني ليس عنده مال فإنه لا يلزمه الحج ولو مات، مات غير عاص لله ولو مات، مات وليس في دينه نقص يلام عليه لأن الله تعالى اشترط لوجوب الحج الاستطاعة فقال تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) ومن ليس عنده مال فإنه لا يستطيع الحج وإذا لم يستطع الحج فلا حج عليه فاطمئن على والدك ولا تخف عليه ولا تقلق لأن الحج ليس واجبا في حقه.
***
بارك الله فيكم من الجزائر المستمع للبرنامج يقول فضيلة الشيخ توفي والدي ووالدتي وأنا صغير ولا أعرف هل أديا فريضة الحج أم لا مع أنهما كانا فقيرين فماذا أعمل بارك الله فيكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أفيدك بأن والديك ليس عليهما حج في هذه الحال ليس في دينهما نقص يلامان عليه وذلك أن الحج لا يجب إلا على المستطيع لقول الله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) فلا تقلق ولا تهتم ولا تغتم من أجل عدم حجهما ما داما فقيرين لكن إن أردت أن تحج وتعتمر عنهما فتبدأ أولا بالأم ثم ثانيا بالأب بعد أن تكون أديت الفريضة عن نفسك فهذا حسن.
***
من جيزان السائلة أم أسامة تقول ما حكم النيابة في الحج حيث اشترط علي هذا النائب مبلغا كبيرا من المال هل أعطيه؟

(227/40)

فأجاب رحمه الله تعالى: النيابة في الحج إنما تكون لشخص لم يؤد الفريضة وهو عاجز ببدنه أن يصل إلى مكة عجزا لا يرجى زواله أما من كان صحيحا فلا يستنيب غيره لا في فريضة ولا في نافلة وكذلك من كان مريضا يرجو أن يشفيه الله من مرضه فإنه لا ينيب غيره بل ينتظر حتى يشفيه الله من مرضه فيؤدي الفريضة هو بنفسه.
***
نعم هذه رسالة من المستمعة لانا عبد الله من حائل سؤالها تقول هل يجوز للبنت أن تحج عن أبيها المتوفى بعد أن حجت لنفسها وماذا يشترط لذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز للبنت أن تحج عن أبيها المتوفى وكذلك الابن يحج عن أبيه وكذلك الأخ يحج عن أخيه ولا حرج في ذلك إذا كان هذا الحاج قد أدى فريضة الحج عن نفسه وفي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما (أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أمها نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تحج عن أمها).
يافضيلة الشيخ: هل يجوز لها أن تحج حتى لو كان لها أخوة ذكور بالغون؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم ولو كان لها اخوة ذكور بالغون.
يافضيلة الشيخ: أليست هذه الوظيفة للرجال؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا تلزم، يقوم بها الرجال والنساء ولهذا (سألت امرأة من خثعم النبي صلى الله عليه وسلم قالت إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه قال نعم فأذن لها أن تحج عن رجل وهي امرأة .
يافضيلة الشيخ: ولكن هل يشترط لها المحرم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أي نعم لابد من المحرم في كل سفر سواء سفر الحج أو غيره وسواء سافرت المرأة لحجها عن نفسها أو لحجها عن غيرها.
***

(227/41)

عبد الرحمن مقيم في الخبر يقول لقد أنعم الله علي وأديت فريضة الحج واعتمرت وأريد أن أودي عمرة عن والدتي مع العلم بأنها على قيد الحياة ولكنها كبيرة في السن ولا تستطيع القيام بذلك ولي أخ يحتاج إلى هذا المبلغ الذي سوف أنفقه في العمرة فهل أؤدي العمرة أو أعطي أخي هذا المبلغ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الأفضل أن تعطي أخاك هذا المبلغ لأن ذلك من صلة الرحم الواجبة وأما العمرة عن أمك فإن كانت عاجزة لا تستطيع فتؤدي العمرة عنها في وقت آخر إن شاء الله.
***
هذا السائل الذي رمز لأسمه م. ص. الرياض يقول فضيلة الشيخ أفيدكم حفظكم الله بأن والدتي أمد الله في عمرها بالخير والطاعة قد تجاوزت سن الخامسة والستين وقد نحل جسمها وضعف إلا أنها والحمد لله تتمتع ببصر جيد وقدرة على المشي أيضا وأرغب في أداء فريضة الحج نيابة عنها إن شاء الله خاصة بأنها لا تقوى على الزحام والمشي لمسافات طويلة وشفقة مني عليها وحبا في عمل الخيرات والتقرب للمولى عز وجل بطاعة الوالدين أرغب في تأدية هذه الفريضة نيابة عنها وأفيدكم إنني وفقت ولله الحمد في أداء الحجة المفروضة علي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال فهل يجوز أن أدي فريضة الحج عنها والحال ما ذكر بارك الله فيكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت أمك بهذه المثابة لا تستطيع الوصول إلى مكة والقيام بمناسك الحج إلا بكلفة شديدة فلا بأس أن تؤدي عنها الفريضة لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم سألته امرأة فقالت إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه: قال: نعم وذلك في حجة الوداع) فلا حرج أن تقضي فريضة الحج عن أمك.
***
بارك الله فيكم هل يجوز للرجل أن يحج أو يعتمر عن أخيه بعد وفاته ولم يوصه بذلك؟

(227/42)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا حرج للإنسان أن يحج ويعتمر عن أخيه بعد وفاته وإن لم يوصه بذلك لأن ابن عباس رضي الله عنهما ذكر (أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سمع رجلا يقول لبيك عن شبرمة فقال النبي صلى الله عليه وسلم من شبرمة؟ قال أخ لي أو قريب لي فقال: أحججت عن نفسك؟ قال لا، قال:حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) ولم يقل له هل أوصاك بذلك أو أذن لك بهذا ولو كان هذا شرطا لبينه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
***
أحسن الله إليكم هذا السائل محمد عبد العزيز شكري مصري ومقيم بالرياض يقول في العام الماضي 1417 وفقني الله عز وجل إلى حج بيته الحرام وأديت الفريضة متمتعا عن نفسي هل إذا رغبت في الحج عن والدي المتوفى حج مفرد وليس تمتعا فهل يجوز ذلك أفيدوني مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا حرج على الإنسان إذا أدى واجب النسك من حج وعمرة أن يحج عن غيره أو يعتمر عن غيره دليل ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (سمع رجلا يقول لبيك عن شبرمة فقال النبي صلى الله عليه وسلم من شبرمة قال أخ لي أو قريب لي قال حججت عن نفسك قال لا قال حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) واختلف هذا الحديث في ألفاظه هذا أحدها وهذا يدل على أن الإنسان إذا حج عن نفسه جاز أن يحج عن غيره وإذا اعتمر عن نفسه جاز أن يعتمر عن غيره.
***
سائل يقول من المكلف في الحج عن الأب والأم إذا كانوا موجدين ولكن لا يستطيعون الحج؟

(227/43)

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب ليس أحد من الناس مكلفا عن أحد لأن العبادات إنما تجب على المكلف ولا تجب على غيره ولو وجبت عبادة شخص على غيره لزم من ذلك أن يكون آثما إذا لم يؤديها عنه وقد قال الله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى) والوالدان إذا كانا لا يستطيعان ببدنيهما مع وجود المال لديهما فإنه يحج عنهما ولدهما أو غيره وإذا كانا يستطيعان الحج بأبدانهما فإنه لا يجوز لأحد أن يحج عنهما فريضة الإسلام أما غير الفريضة فلا حرج في ذلك.
***
بارك الله فيكم يا فضيلة الشيخ السائلة أم عبد العزيز من الرياض تقول اعتمرت لوالدي المتوفى وفي نهاية العمرة نسيت أن أقصر من شعري ثم قمت مباشرة بالطواف لأختي أي أخذت لها سبع وأختي مقيمة في الرياض ويمنعها زوجها من العمرة ولا أعلم هل يستمر في منعها أم لا بحجة أنه لا يحب السفر وبعد الانتهاء من الطواف لأختي قمت بالتقصير من شعري مرة واحدة فقط عن العمرة لوالدي وأسأل يا فضيلة الشيخ حكم الطواف لأختي في هذه الحالة والفقرة الأخرى هل أقصر من شعري بعد السبع؟

(227/44)

فأجاب رحمه الله تعالى: الطواف لأختك صحيح وكونك قصرتي بعد هذا الطواف عن العمرة صحيح أيضا وأما كون زوج أختك يمنعها من العمرة فهذا أمر يعود إليه هو أعلم بشأن زوجته قد يرى أنه من المصلحة أن يمنعها فيمنعها فله الحق في ذلك لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه) هذا الحديث أو معناه فمنع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه لأنها إذا صامت تمنعه من كمال ما يريد منها وإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الصوم الذي يكون به منع الزوج مما يريد فما بالك في السفر فإن منعه زوجته من السفر حق له ولا لوم عليه في ذلك لكن ينبغي للزوج أن يراعي الأحوال فإذا قدر أن هذه المرأة لم تعتمر من قبل وصار أهلها يريدون العمرة وهو لا يشق عليه فراقها فليأذن لها في العمرة لتؤدي واجبا لله ويا حبذا لو اصطحبها أيضا فإن هذا يكون فيه إلفة بين الأصهار بعضهم مع بعض ويكون فيه الخير الكثير إن شاء الله.
***
صالح سليمان الحيصي من النعيرية مركز الشرطة بعث لنا بهذه البرقية يقول إنني قد أجرت إنسان لكي يحج عن والدتي التي قد توفيت منذ أمد بعيد لكن اختصار برقيته يقول إنني قد أجرت لها وإنني قد سمعت أن الإنسان لا يجوز له أن يؤجر أو لا يجوز أن يأخذ الإنسان من أجل الحج عن الآخر فما حكم الحج عن والدتي وهذه الحالة؟

(227/45)

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول ينبغي لك إذا أردت الحج عن والدتك أن تحج بنفسك أو تتفق مع شخص بدون عقد الإجارة على أن يحج لك وهذا الحاج عنك أو عن أمك إذا كان نيته بحجه هي قضاء حاجتك وحل مشكلتك وكان يريد مع ذلك أيضا أن يتزود من الأعمال الصالحة في مشاعر الحج فإن هذه نية طيبة ولا حرج عليه فيها أما إذا كان حج عنك أو عن والدتك من أجل الدراهم فقط فإن هذا حرام عليه ولا يجوز لأنه لا يجوز للإنسان أن يريد بعمل الآخرة شيئا من أمور الدنيا فهنا الكلام في مقامين:
أولا: بالنسبة لك بالنسبة لمن أعطى غيره أن يحج عنه أو عن ميت من أمواته.
والثاني بالنسبة لهذا الحاج عن غيره فأما الأول فنقول إذا أعطيت غيرك شيئا يحج به عن ميتك فإنه لا حرج عليك في هذا وأما إذا أعطيته يحج عنك فهذا إن كان فريضة فلا يجوز لك أن تقيم من يحج عنك إلا إذا كنت عاجزا عنها عجزا لا يرجى زواله وإن كانت نافلة فقد اختلف العلماء في جوازها والذي يظهر لي أنه لا يجوز للإنسان أن ينيب غيره يحج عنه نافلة لأن الأصل في العبادات أن يوقعها الإنسان بنفسه حتى يحصل له التعبد والتذلل لله سبحانه وتعالى وإنما أجزنا ذلك في الفريضة لورود الحديث به وإلا لكان الأصل المنع أيضا وأما الثاني أي بالنسبة للحاج عن غيره فإن أراد بذلك الدنيا وما يأخذ عليه من أجر فهو حرام عليه وإن أراد بذلك قضاء حاجة أخيه وما يحصل له من الانتفاع بالدعاء في تلك المشاعر فإنه لا حرج عليه في ذلك.
***
المستمع يقول في رسالته امرأة أرادت أن توكل إنسانا ليحج لها لعلمه ولثقتها فيه بأن يؤدي المناسك كاملة ولقلة معرفتها بمناسك الحج ثم أنها تخاف على نفسها من ظروف العادة وغيرها ولكي تقوم بتربية أولادها ومراعاتهم في البيت هل يجوز ذلك شرعا في نظركم يا فضيلة الشيخ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: توكيل الإنسان من يحج عنه لا يخلو من حالين:
الحال الأولى: أن يكون ذلك في فريضة.

(227/46)

والحال الثانية: أن يكون ذلك في نافلة فإن كان ذلك في فريضة فإنه لا يجوز أن يؤكل غيره ليحج عنه إلا إذا كان في حال لا يتمكن بنفسه من الوصول إلى البيت لمرض مستمر لا يرجى زواله أو لكبر ونحو ذلك فإن كان يرجى زوال هذا المرض فإنه ينتظر حتى يعافيه الله ويؤدي الحج بنفسه وإن لم يكن لديه ما نع من الحج بل كان قادرا على أن يحج بنفسه فإنه لا يحل له أن يوكل غيره في أداء النسك عنه لأنه هو المطالب به شخصيا قال الله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) فالعبادات لابد أن يفعلها الإنسان بنفسه ليتم له التعبد والتذلل لله سبحانه وتعالى ومن المعلوم أن من وكل غيره فإنه لا يحصل على هذا المعنى العظيم الذي من أجله شرعت العبادات وأما إذا كان الموكل قد أدى الفريضة وأراد أن يؤكل عنه من يحج أو يعتمر فإن في ذلك خلافا بين أهل العلم فمنهم من أجازه ومنهم من منعه والأقرب عندي المنع وأنه لا يجوز لأحد أن يوكل أحدا يحج عنه أو يعتمر في نافلة الحج لأن الأصل في العبادات أن يقوم بها الإنسان بنفسه وكما أنه لا يوكل الإنسان أحدا يصوم عنه مع أنه لو مات وعليه صيام فرض صام عنه وليه فكذلك في الحج، والحج عبادة يقوم فيها الإنسان ببدنه وليست عبادة مالية يقصد بها نفع الغير وإذا كان عبادة بدنية يقوم بها الإنسان ببدنه فإنها لا تصح من غيره عنه إلا فيما وردت به السنة ولم ترد السنة في حج الإنسان عن غيره حتى نجوزه وهذه إحدى الروايتين عن أحمد أعني أن الإنسان لا يصح أن يوكل غيره في نفل حج أو عمرة سواء كان قادرا أم غير قادر ونحن إذا قلنا بهذا القول صار في ذلك حث للأغنياء القادرين على الحج بأنفسهم لأن بعض الناس تمضي عليه السنوات الكثيرة ما ذهب إلى مكة اعتمادا على أنه يوكل من يحج عنه كل عام فيفوته المعنى الذي من أجله شرع الحج على وذلك لأنه يوكل من يحج عنه.
***

(227/47)

هذه رسالة وردتنا من الحاج عمر محمد يقول خرجت حاجا من بلدي وأرسل معي أخ قيمة حجتين عن شخصين وأعطيت المبلغ لشخصين من أهل المدينة وأنا لا أعرف الأشخاص معرفة جيدة وقلت لصاحب المال ما أعرف أحدا فقال أعطي أي شخص على ذمتي وذمتك بريئة أرجو التوضيح وفقكم الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إن تصرف الوكيل بحسب ما أذن له موكله فيه إذا لم يكن مما يخالف الشرع نافذ ولا حرج عليه ولا ضمان عليه ولا تبعة إذا لم يتعد ما وكل له فيه فأنت بالنسبة لهاتين الحجتين ليس عليك تبعة ولكن قد تكون التبعة على هذا الذي قال لك مثل هذا الكلام المطلق إذا كانت الحجتان وصية لميت أو لحي ولهذا ينبغي للإنسان إذا كان يريد أن يعطي من يحج عنه أن يتحرى في أمانة الآخذ ودينه فإن بعض الناس قد لا يكون عنده تقوى لله عز وجل ولا رحمة لخلقه فيأخذ هذه الدراهم ليحج بها ولكنه لا يحج بها ويصرفها فيما يريد من متاع الدنيا فيكون بذلك خائنا لأمانته وواقعا في الإثم.
***
بارك الله فيكم مستمع من الخبر م. ح. م. المملكة العربية يقول كلفت من يحج عن والدتي المتوفاة وسمعت أن الشخص الذي أعطيته مبلغا من المال قد أخذ مبالغ أخرى ليحج عن أناس آخرين ما حكم ذلك فضيلة الشيخ وهل تعد هذه حجة كاملة أم علي أن أحج بدلا عنها أفتونا مأجورين؟

(227/48)

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي ينبغي للإنسان أن يكون حازما في تصرفه وأن لا يكل الأمر إلا إلى شخص يطمئن إليه في دينه بأن يكون أمينا عالما بما يحتاج إليه في مثل ذلك العمل الذي أوكل إليه فإذا أردت أن تعطي شخصا ليحج عن أبيك المتوفى أو عن أمك فعليك أن تختار من الناس من تثق به في علمه ودينه وذلك لأن كثيرا من الناس عنده جهل عظيم في أحكام الحج فلا يؤدون الحج على ما ينبغي وإن كانوا هم في أنفسهم أمناء ولكن يظنون أن هذا هو الواجب عليهم وهم مخطئون كثيرا ومثل هؤلاء لا ينبغي أن يعطوا إنابة في الحج لقصور علمهم ومن الناس من يكون عنده علم لكن ليس عنده أمانة فتجده لا يهتم بما يقوله ويفعله في مناسك الحج لضعف أمانته ودينه ومثل هذا أيضا لا ينبغي أن يعطى أو أن يوكل إليه أداء الحج فعلى من أراد أن ينيب شخصا في الحج عنه أن يختار من أفضل من يجده علما وأمانة حتى يؤدي ما طلب منه على الوجه الأكمل وهذا الرجل الذي ذكره السائل أن الذي أعطاه ليحج عن والدته وسمع فيما بعد أنه أخذ حجات أخرى لغيره ينظر فلعل هذا الرجل أخذ هذه الحجات من غيره وأقام أناسا يؤدونها وقام هو بأداء الحج عن الذي استنابه ولكن هل يجوز للإنسان أن يفعل هذا الفعل أي هل يجوز للإنسان أن يتوكل عن أشخاص متعددين في الحج أو في العمرة ثم لا يباشر هو بنفسه ذلك بل يكله إلى أناس آخرين نقول إن ذلك لا يجوز ولا يحل وهو من أكل المال بالباطل فإن كثيرا من الناس يتاجرون بهذا الأمر تجدهم يأخذون عدة من الحجج والعمر على أنهم هم الذين سيقومون بها ولكنه يكلها إلى فلان وفلان من الناس بأقل مما أخذ هو فيكسب أموالا بالباطل ويعطي أشخاصا قد لا يرضونهم من أعطوه هذه الحجج أو العمر فعلى المرء أن يتقي الله عز وجل في إخوانه وفي نفسه لأنه إذا أخذ مثل هذا المال فقد أخذه بغير حق ولأنه إذا أؤتمن من قبل إخوانه على أنه هو الذي يؤدي الحج فإنه لا يجوز له أن يكل

(227/49)

ذلك إلى غيره لأن هذا الغير قد لا يرضاه من أعطاه هذه الحجج أو هذه العمر.
***
بارك الله فيكم هذا السائل من القصيم رمز لاسمه بالأحرف م. ج. هـ. يقول إذا أخذ شخص مالا ليحج عن آخر وقدره سبعة آلاف ريال ثم استهلك في حجه ثلاثة آلاف ريال فقط وبقي الباقي معه فهل يجب عليه أن يرده على صاحبه أم ينتفع به وحلال عليه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا أخذ دارهم ليحج بها وزادت هذه الدراهم على نفقته فإنه لا يلزمه أن يدفعها إلى من أعطاه هذه الدراهم إلا إذا كان الذي أعطاه قال له حج منها ولم يقل حج بها فإذا قال حج منها فإنه إذا زاد شيء عن النفقة يلزمه أن يرده إلى صاحبه فإن شاء عفا عنه وإن شاء أخذه وأما إذا قال حج بها فإنه لا يلزمه أن يرد شيئا إذا بقي اللهم إلا أن يكون الذي أعطاه رجل لا يدري عن الأمور ويظن أن الحج يتكلف مصاريف كثيرة فأعطاه بناءا على غرته وعدم معرفته فحينئذ يجب عليه أن يبين له وأن يقول له إني حججت بكذا وكذا وأن الذي أعطيتني أكثر مما أستحق وحينئذ إذا رخص له فيه وسمح له فلا حرج.
يافضيلة الشيخ: لكن إذا لم يحدد أو لم يخصص في القول لم يقل يحج منها ولم يقل حج بها وترك الأمر مبهما فهل يلزم هذا بإرجاع الزائد إلي صاحبه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا أعطاه الدراهم ماذا يقول له؟
يافضيلة الشيخ: يقول هذا مبلغ ربما مقابل الحج أو تكلفة الحج؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا قال تكلفة الحج فمعناه أنه أن ما زاد عن التكلفة يرد عليه.
يافضيلة الشيخ: وما نقص يطالب به؟
فأجاب رحمه الله تعالى: وما نقص يطالب به.
***
بارك الله فيكم من أسئلة المستمعة نورة من القصيم تقول ما حكم من حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه ولمن يكون حجه؟

(227/50)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا حج الإنسان عن غيره قبل أن يحج عن نفسه فإن كان قد وجبت عليه الفريضة بإن كان مستطيعا ولكنه لم يحج ثم حج عن غيره فإن ذلك غير صحيح قال أهل العلم وتكون الحجة لنفسه لا لمن نواها له وإذا كان قد أخذ شيئا ممن نوى الحج عنه فإنه يرده إليه أما إذا كان لم يحج عن نفسه لعدم استطاعته وحج عن غيره فإن هذا لا بأس به وذلك لأنه إذا لم يكن مستطيعا فالحج في حقه غير فريضة فيكون قد أدى عن غيره حجا في محله فيجزئ عنه.
***
أحسن الله إليكم هذه السائلة أم عبد العزيز من الرياض تقول من باب المحبة للرسول صلى الله عليه وسلم أو أحد الصحابة هل يجوز للإنسان أن يحج عنهم؟

(227/51)

فأجاب رحمه الله تعالى: أما الصحابة فلا بأس أن يحج عنهم الإنسان كما يحج عن أي مسلم لكن مع ذلك نرى أن الدعاء للأموات أفضل بكثير من الأعمال الصالحة حتى الأب والأم إذا دعوت الله لهما فهو أفضل من أن تحج عنهما إذا لم يكن فرضا وذلك لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما تحدث عن عمل الإنسان بعد موته قال (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) يدعو له ،لم يقل ولد صالح يحج عنه ويتصدق عنه ويصوم عنه ويزكي قال ولد صالح يدعو له وهل تظن أيها المؤمن أحدا أنصح للأحياء والأموات من الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا والله لا نظن بل نظن أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنصح الخلق للأحياء والأموات ومع ذلك قال (أو ولد صالح يدعو له) هذه واحدة ثانيا بالنسبة للصحابة قلنا إنهم كسائر الناس ولكن الدعاء أفضل لهم ولغيرهم أما النبي صلى الله عليه وسلم فإهداء القرب له من السفه من حيث العقل ومن البدعة من حيث الدين أما كونه بدعة في الدين فلأن الصحابة رضي الله عنهم الذين شاهدوا الرسول ولازموه وأحبوه أكثر منا ما كانوا يفعلون هذا هل أبو بكر حج عن الرسول وكذا عمر، وعثمان، وعلي، والعباس عمه كلهم لم يفعلوا هذا ثم نأتي نحن في آخر الزمان ونبر الرسول بالحج عنه أو بالصدقة عنه هذا غلط ، غلط من الناحية الشرعية ومن الناحية العقلية هو سفه لأن كل عمل صالح يقوم به العبد فللنبي صلى الله عليه وسلم مثله لأن من دل على خير فله مثل فاعله وإذا أهديت ثواب العمل الصالح للرسول هذا يعني أنك حرمت نفسك فقط لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم منتفع بعملك له مثل أجرك سواء أهديته أم لم تهده وأظن أن هذه البدعة لم تحدث إلا في القرن الرابع ومع ذلك أنكرها العلماء وقالوا لا وجه لها وإذا كنت صادقا في محبة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأرجو أن تكون صادقا فعليك باتباعه اتباع

(227/52)

سنته وهديه كن وأنت تتوضأ كأنما تشعر بأن الرسول صلى الله عليه وسلم يتوضأ أمامك وكذلك في الصلاة وغيرها حتى تحقق المتابعة ولست أقول أمامك أن الرسول عندك في البيت هذا لا يقوله أحد لكن المعنى من شدة اتباعك له كأنه أمامك يتوضأ ولهذا أنبه الآن على نقطة مهمة عندما نتوضأ للصلاة أكثر الأحيان وأكثر الناس لا يشعرون ألا أنهم يؤدون شرطا من شروط الصلاة لكن ينبغي أن نشعر أولا بأننا نمتثل أمر الله عز وجل حيث قال (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) ...الآية، هذه واحدة.
ثانيا: أن نشعر باتباع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأننا توضأنا نحو وضوئه.
ثالثا: أن نحتسب الأجر لأن هذا الوضوء يكفر الله سبحانه وتعالى كل خطيئة حصلت من هذه الأعضاء الوجه إذا غسله آخر قطره يكفر بها عن الإنسان وكذلك بقية الأعضاء هذه ثلاثة أمور غالبا لا نشعر بها إنما نتوضأكأننا أدينا شرطا من شروط الصلاة فأسأل الله أن يعينني وإخواني المسلمين على استحضارها حتى تكون العبادة طاعة لله وإتباعا لرسول الله واحتسابا لثواب الله.
***
أحسن الله إليكم يا شيخ ما حكم سفر المرأة مع غير محرم لها وهل يجوز أن تسافر امرأة مع ابن خالتها ومعه أخته مسافة ثلاثمائة كيلو متر؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز أن تسافر المرأة إلا مع محرم لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن ذلك فقال (لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم) فسأله رجل وقال يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (انطلق فحج مع امرأتك).
***

(227/53)

هذه سائلة رمزت لاسمها أ. أ تقول فضيلة الشيخ إذا كانت المرأة لا يوجد لها محرم ولم تؤد فريضة الحج ويوجد نساء يردن الحج فهل تحج معهن وهن ملتزمات وموثوقات جدا جدا أم يسقط عنها الحج في هذه الحالة ارجوا من فضيلة الشيخ إجابة مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحج لا يجب على هذه المرأة التي لم تجد محرما لقول الله تبارك وتعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) وهذه المرأة وإن كانت مستطيعة استطاعة حسية فإنها غير مستطيعة استطاعة شرعية وذلك أنه لا يحل للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم لقول ابن عباس رضي الله عنهما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يقول (لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم) فقام رجل قال يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتب في غزوة كذا وكذا فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (انطلق فحج مع امرأتك) فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يدع الغزو وأن ينطلق فيحج مع امرأته ولم يستفصل النبي صلى الله عليه والله وسلم في هذه الحال هل المرأة معها نساء ملتزمات وهل هي آمنة أو غير آمنة وهل هي شابة أو عجوز فلما لم يستفصل بل أمر هذا الرجل أن يدع الغزو ويذهب ليحج مع امرأته دل ذلك على العموم وأنه لا يحل لامرأة أن تسافر للحج ولا لغيره أيضا إلا مع ذي محرم حتى وإن كانت آمنة على نفسها وإن كانت مع نساء وفي هذه الحال غير مستطيعة شرعا فلو توفيت ولاقت الله عز وجل فإنها لا تكون مسئولة عن هذا الحج لأنها معذورة لكن من العلماء من قال إن المحرم شرط لوجوب الحج وعلى هذا فلا يلزمها أن تستنيب من يحج عنها إذا كانت قادرة بمالها لأن شرط الوجوب إذا انتفى يسقط ويسقط بانتفائه الوجوب ومن العلماء من قال إن المحرم شرط للزوم الأداء أي للزوم حجها بنفسها وبناء على هذا يلزمها إذا كان عندها مال أن تقيم من يحج عنها و إذا توفيت فإنه يجب إخراج الحج عنها من تركتها على كل حال

(227/54)

نقول لهذه السائلة اطمئني فأنت الآن لست آثمة إذا لم تحجي بل إذا حججت فأنت آثمة وإذا مت فليس في ذمتك شيء لأنك غير مستطيعة شرعا وكثير من الناس يكون مشتاقا إلى الحج ومحبا للحج فيرتكب بعض المحرمات من أجل تحقيق رغبته وإرادته ومحبته وهذا غير صحيح بل الصحيح والحق أن تتبع ما جاء من الشرع في هذه الأمور وغيرها فإذا كان الله تعالى لم يلزمك بالحج فلا ينبغي أن تلزمي نفسك بما لا يلزمك الله به ومثال ذلك أن بعض الناس يكون في ذمته دين لأحد كثمن مبيع أو قيمة مثله أو إيجاره أو غير ذلك فتجده يذهب للحج وذمته مشغولة بهذا الدين مع أن الحج في هذه الحال لا يجب عليه بل هو بمنزلة الفقير لا تجب عليه الزكاة فكذلك هذا الذي عليه الدين لا يجب عليه الحج ولا يكون آثما بتركه ولا مستحقا للعقاب إذا لاقى الله عز وجل لأنه معذور فوفاء الدين واجب والحج مع الدين ليس بواجب والعاقل لا يقوم بما ليس بواجب ويدع ما هو واجب لذلك نصيحتي لأخواني الذين عليهم ديون أن يدعوا الحج حتى يغنيهم الله عز وجل ويقضوا ديونهم ثم يحجوا نعم لو كان الدين مؤجلا وكان عند الإنسان مال وافر بحيث يضمن لنفسه أنه كلما حل قسط من هذا الدين فإنه يقضيه فهذا إذا كان بيده مال عند حلول وقت الحج فإنه يحج به ولا بأس بذلك.
***
بارك الله فيكم فضيلة الشيخ محمد نحن عندما نتحدث عن سفر المرأة يتعلل الكثير من الناس بقصر المدة فمثلا من الرياض إلى الطائف ساعة وأيضا هذه الطائرة موجود فيها كثير من النساء وكثير من الرجال فيقول أنها مأمونة الفتنة ما تعليقكم على ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التعليق على ذلك ليس المقصود الأمن وعدم الأمن بدليل أن النبي صلى الله عليه واله وسلم لم يستفصل في الحديث (لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم) ولو كان المدار على الأمن لاستفصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا ثم إن الأمن ليس في سفر الطائرة.

(227/55)

أولا: لأن الطائرة ربما تقلع في الموعد المقرر وربما تتأخر لأسباب فنية أو جوية فتبقى المرأة في المطار هائمة تائهة لأن محرمها قد رجع إلى بيته بناء على أنها دخلت الصالة أو أذن لهم بركوب الطائرة ثم تأخرت الطائرة وإذا قدر أن هذا المحظور زال وأن الطائرة أقلعت متجهة إلى محل هبوطها فلا يؤمن أن تهبط في غير المكان الذي تقرر فيه الهبوط لأنه يجوز أنه قد يتغير الجو فلا يمكنها الهبوط في المكان المقرر ثم تذهب الطائرة إلى مكان أخر لتهبط فيه وحينئذ تبقى هذه المرأة هائمة تائهة أو تتعلق بمن لا يؤمن فتنته وإذا قدرنا إنها وصلت إلى المطار التي قرر هبوطها فيه فإن محرمها الذي سيستقبلها قد يعوقه عائق عن وصوله للمطار إما زحام في السيارات وإما عطل في سيارته وإما نوم وإما غير ذلك فلا يأتي في موعد هبوط الطائرة وتبقى هذه المرأة هائمة تائهة وإذا كان الحج ليس واجبا لمن ليس عندها محرم فالأمر والحمد لله واسع وليس فيه إثم ولا ينبغي للمرأة أن تتعب نفسيا من أجل هذا لأنها في هذه الحال غير مكلفة به فإذا كان الفقير العادم للمال ليس عليه زكاة وقلبه مطمئن بكونه لا يزكي فكذلك هذه المرأة التي ليس عندها محرم ينبغي أن يكون قلبها مطمئنا لعدم حجها.
***
بارك الله فيكم هذه مستمعة أختكم في الله من المغرب مقيمة في المملكة العربية السعودية تقول أطلب منكم أن تجيبوا على سؤالي تقول أنا أخت ملتزمة بدين الله ومتحجبة وأريد الحج إلى بيت الله الحرام وأعرف أنه لا يجوز لي الحج بدون محرم وأنا لا يوجد معي محرم فهل أذهب إلى الحج وحدي فأنا متشوقة إلى مكة المكرمة ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم؟

(227/56)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز للمرأة أن تسافر بلا محرم لا للحج ولا لغير الحج وهي إذا تخلفت عن الحج لعدم وجود محرم لها فليس عليها إثم ويدل لهذا أي لكون المرأة لا تسافر بدون محرم لا للحج ولا غيره ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يقول (لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم) فقام رجل فقال يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم انطلق فحج مع امرأتك) مع أن هذه المرأة خرجت للحج ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم زوجها أن يحج معها وأنت لا تتعبي نفسك وضميرك أقول ذلك للسائلة فإنك إذا بقيت من أجل عدم المحرم فقد تركت الحج بأمر الله عز وجل لأن السفر بدون محرم قد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فالإقامة من أجل عدم المحرم تكون استجابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
***
أختكم في الله من المغرب تقول في رسالتها والدتي في المغرب وأنا أعمل في السعودية وأنا أريد أن أرسل لها حتى تحضر لي لتقوم بأداء فريضة الحج وليس معها محرم لأن والدي متوفى وإخواني وأخوالي ليس عندهم القدرة على الذهاب إلى فريضة الحج هل يجوز أن تحضر لوحدها وتحج لوحدها أفيدونا بهذا مأجورين؟

(227/57)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز لها أن تأتي إلى الحج وحدها لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم) قاله النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس فقام رجل فقال يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم (انطلق فحج مع امرأتك) والمرأة إذا لم يكن لها محرم فإن الحج لا يجب عليها ثم إن الفريضة سقطت عنها لعدم القدرة على الوصول إلى البيت وعدم القدرة هنا عجز شرعي أي أنه لا يجب عليها أداء بمعنى أنها لو ماتت حج عنها من تركتها على كل حال إني أقول لهذا السائل لا تضيق المرأة ذرعا بعدم قدرتها على الحج لعدم وجود المحرم فإن ذلك لا يضرها ولا يلحقها إثم إذا ماتت وهي لم تحج لأنها معذورة شرعا غير مستطيعة شرعا وقد قال الله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا).
***
بارك الله فيكم سائل من مصر يقول أنا أعمل هنا بالمملكة وأريد أن أحضر الوالدة لكي تحج معي وهي تبلغ من العمر الخامسة والخمسين ولا يوجد محرم لها يحضرها من مصر وأريد بهذا العمل أن أبرها فما حكم الشرع في نظركم في هذا العمل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: حكم الشرع في هذا أن أمه ليس عليها فريضة مادامت لا تجد محرما ولا يضيق صدره ولا صدرها فإن الله تعالى قد يسر للعباد ولهذا نص الله تبارك وتعالى على شرط الاستطاعة في الحج فقال (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) والمرأة إذا لم يكن لها محرم فإنها لا تستطيع الحج إذ أنه لا يجوز لها أن تسافر إلا مع ذي محرم فإن تيسر له أن يذهب إلى مصر يأتي بها أو أن تأتي أمه مع محرم لها من هناك فهذا خير وإن لم يتيسر فلا حرج على الجميع.
***

(227/58)

السؤال يقول امرأة حجت وكان محرمها ولدها البالغ من العمر ثمان سنوات فهل حجها صحيح وماذا يشترط للمحرم أي ما هي الشروط التي يجب توفرها فيه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما حجها فصحيح لكن فعلها وسفرها بدون محرم هذا محرم ومعصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه عليه الصلاة والسلام قال (لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم) والصغير الذي لم يبلغ ليس بذي محرم لأنه هو نفسه يحتاج إلى ولاية وإلى نظر ومن كان كذلك لا يمكن أن يكون ناظرا أو وليا لغيره والذي يشترط في المحرم أن يكون مسلما ذكرا بالغا عاقلا فإذا لم يكن كذلك فإنه ليس بمحرم وها هنا أمر نأسف له كثيرا وهو تهاون بعض النساء في السفر بالطائرة بدون محرم فإنهن يتهاون بذلك تجد المرأة تسافر في الطائرة وحدها وتعليلهم لهذا الأمر يقولون إن محرمها يشيعها في المطار التي أقلعت منه الطائرة والمحرم الآخر يستقبلها في المطار الذي تهبط فيه الطائرة وهذه العلة عليلة في الواقع فإن محرمها الذي شيعها ليس يدخلها في الطائرة بل إنه يدخلها في صالة الانتظار وربما تتأخر الطائرة عن الإقلاع فتبقى هذه المرأة ضائعة وربما تطير الطائرة ولا تتمكن من الهبوط في المطار الذي تريد لسبب من الأسباب وتهبط في مكان آخر فتضيع هذه المرأة وربما تهبط في المطار الذي قصدته ولكن لا يأتي محرمها لسبب من الأسباب إما نوم أو مرض أو زحام سيارات أو حادث بسيارته منعه من الوصول أو غير ذلك وإذا انتفت كل هذه الموانع ووصلت الطائرة في وقت وصولها ووجد المحرم الذي يستقبلها فإنه من الذي يكون إلى جانبها في الطائرة قد يكون بجانبها رجل لا يخشى الله تعالى ولا يرحم عباد الله فيغريها وتغتر به فيحصل بذلك الفتنة والمحظور كما هو معلوم فالواجب على المرأة أن تتقي الله عز وجل وأن لا تسافر إلا مع ذي محرم والواجب أيضا على أوليائها من الرجال الذين جعلهم الله قوامين على النساء أن يتقوا الله عز وجل وأن

(227/59)

لا يفرطوا في محارمهم وأن لا تذهب غيرتهم ودينهم فإن الإنسان مسئول عن أهله لأن الله تعالى جعلهم أمانة عنده فقال (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون).
***
بارك الله فيكم تقول السائلة ما هى المسافة التى إذا سافرتها المرأة تحتاج فيها إلى محرم وهل يعتبر مسافة نصف ساعة بالسيارة سفر؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تسافر إمرأة إلا مع ذي محرم) فما عده الناس سفرا فهو سفر سواء طالت المسافة أم قصرت وما لم يعده الناس سفرا فليس بسفر وعلى هذا فلو قدر أن المرأة تعمل فى بلد قريب من بلدها وتذهب فى الصباح وترجع بعد الظهر فإن هذا ليس بسفر لأن الناس لا يعدونه سفرا اللهم إلا أن تكون المسافة بعيدة كما لو سافرت من مكة إلى المدينة أو من مكة إلى الرياض أو ما أشبه ذلك ولو رجعت فى يومها وذلك لبعد المسافة عرفا وقال بعض أهل العلم إن المرأة لا يحل لها أن تسافر بلا محرم سواء كان السفر قصيرا أم طويلا والاحتياط أن لا تسافر إلا مع محرم سواء كان السفر طويلا أو قصيرا أما اللزوم فإنه لا يلزم أعني المحرم إلا إذا عد خروجها من بلدها سفرا.
***
جزاكم الله خيرا السائل يقول امرأة عزمت على أداء فريضة الحج ودفعت تذكرة الطائرة ثم مات زوجها فهل يجوز لها أن تذهب إلى الحج في أثناء عدتها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يحل لها أن تذهب إلى الحج في أثناء عدتها بل يجب عليها أن تبقى في البيت الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه ثم تحج من العام القادم أما لو مات في أثناء الطريق فلا حرج عليها أن تكمل المشوار وأن تكمل حجها ثم تعود إلى بلدها فور انتهاء الحج لتؤدي العدة في بيتها.
***

(227/60)

جزاكم الله خيرا هل يجوز للزوج أن يمنع زوجته من أداء فريضة الحج؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يحل للزوج أن يمنع زوجته من أداء فريضة الحج لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فإذا كانت الزوجة عندها مال ولها محرم مستعد لأن يحج بها وهي لم تؤد الفريضة فطلبت من زوجها أن تحج فأبى فإنه لا طاعة له في ذلك ولها أن تحج من غير رضاه لكن إن خافت أن يطلقها فلها أن تتأخر لأن طلاقها ضرر عليها وقد قال الله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا).
***
أحسن الله إليكم وبارك فيكم السائل أبو عبد الله من الكويت يقول من مات ولم يحج وهو في الأربعين وكان مقتدرا على الحج مع أنه محافظ على الصلوات الخمس وكان يسوف في كل سنة يقول سوف أحج هذه السنة ومات وله ورث هل يحج عنه وهل عليه شيء؟

(227/61)

فأجاب رحمه الله تعالى: اختلف العلماء في هذا فمنهم من قال إنه يحج عنه وأن ذلك ينفعه ويكون كمن حج بنفسه ومنهم من قال لا يحج عنه وأنه لو حج عنه ألف مرة لم تقبل يعني لم تبرأ بها ذمته وهذا القول هو الحق لأن هذا الرجل ترك عبادة واجبة عليه مفروضة على الفور بدون عذر فكيف يرغب عنها ثم نلزمها إياه بعد الموت ثم التركة الآن تعلق بها حق الورثة كيف نحرمهم من ثمن هذه الحجة وهي لا تجزئ صاحبها وهذا هو ما ذكره بن القيم رحمه الله في تهذيب السنن وبه أقول إن من ترك الحج تهاونا مع قدرته عليه لا يجزئ عنه الحج أبدا لو حج عنه أولياؤه ألف مرة أما الزكاة فمن العلماء من قال إذا مات وأديت الزكاة عنه أبرأت الذمة ولكن القاعدة التي ذكرتها تقتضي ألا تبرأ ذمته من الزكاة وأنه سيكوى بها جنبه وجبينه وظهره يوم القيامة لكني أرى أن تخرج الزكاة من التركة لأنه تعلق بها حق الفقراء والمستحقين للزكاة بخلاف الحج، الحج لا يؤخذ من التركة لأنه لا يتعلق به حق آدمي والزكاة يتعلق بها حق لآدمي فتخرج الزكاة لمستحقيها ولكنها لا تجزئ عن صاحبها سوف يعذب بها عذاب من لم يزك نسأل الله العافية كذلك الصوم إذا علمنا أن هذا الرجل ترك الصيام وتهاون في قضائه فإنه لا يقضى عنه لأنه تهاون وترك هذه العبادة التي هي ركن من أركان الإسلام بدون عذر فلو قضي عنه لم ينفعه وأما قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) فهذا فيمن لم يفرط وأما من ترك القضاء جهارا بدون عذر شرعي فما الفائدة أن نقضي عنه.
***
أحسن الله إليكم السائل رضا عمر يقول في هذا السؤال امرأة توفيت قبل أن تؤدي فريضة الحج ولقد رزقت والحمد لله بأولاد ورزق هؤلاء الأولاد بمال ويريدون الحج لوالدتهم المتوفية ولكنهم لم يؤدوا فريضة الحج فهل يجوز أن يوكلوا من يحج عن والدتهم مع إعطائه جميع مصاريف الحج أم يجوز لهم الحج عن والدتهم قبل أن يؤدوا الفريضة هم؟

(227/62)

فأجاب رحمه الله تعالى: أولا العبارة الصواب أن يقال المتوفاة لأن الله يتوفى الأنفس وليست الأنفس متوفيه وإن كان لها وجه في اللغة العربية لكن الأفصح المتوفاة فيقال فلان متوفى وفلانة متوفاة أما بالنسبة للجواب على السؤال فإن أمهم إن كانت لم تستطع الحج في حياتها فليس عليها حج لأن الله اشترط لوجوب الحج الاستطاعة فقال (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) والغالب على الناس فيما مضى هو الفقر وعدم الاستطاعة وحينئذ يكون حجهم عن أمهم نفلا لا فريضة وأما إذا كانت قد وجب عليها الحج ولكنها أخرت وفرطت فهنا يؤدون عنها الحج على أنه فريضة ولكن لا يحجون بأنفسهم عنها حتى يحجوا عن أنفسهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يلبي يقول لبيك عن شبرمة فقال (من شبرمة) قال أخ لي أو قريب لي قال (حججت عن نفسك) قال لا قال (هذه عنك ثم حج عن شبرمة) أما إذا أرادوا أن يعطوا غيرهم يحج عنها وهم لم يؤدوا الحج عن أنفسهم فإن كانت الدراهم التي يعطونها غيرهم ليحج عن أمهم تكفيهم لو حجوا هم عن أنفسهم وليس عندهم غيرها وجب عليهم أن يحجوا عن أنفسهم ولا يجوز أن يعطوا أحدا يحج عن أمهم فإن كان عندهم مال واسع لكنهم لم يحصل لهم أن يحجوا هذا العام وأعطوا أحدا يحج عن أمهم فلا حرج في ذلك.
***
بارك الله فيكم السائل أخوكم أبو مصعب من اليمن عدن يقول فضيلة الشيخ لي أخ متوفى عمره حوالي واحد وعشرين سنة لم يحج ولكنه اعتمر فهل تجب عليه حجة الإسلام فهل يلزم على الوالد أو أحد الأقارب أن يحج عنه أم ليس بالضرورة أفيدونا وجزاكم الله خيرا؟

(227/63)

فأجاب رحمه الله تعالى: حجة الإسلام لا تجب إلا على من استطاع إليه سبيلا أي إلى البيت فمن لم يكن عنده مال فإنه لا يستطيع إليه سبيلا فهذا الأخ الذي مات وله إحدى وعشرون سنة إذا لم يكن له مال فليس عليه حج لأنه لا يمكن أن يصل إلى البيت ماشيا وإذا لم يكن عنده مال فلا حج عليه وعلى هذا فاطمئنوا ولا تقلقوا من كونه لم يحج لأنه لا حج عليه ونظير ذلك الرجل الفقير هل عليه زكاة والجواب ليس عليه زكاة فإذا مات وهو لم يزك فإننا لا نقلق من أجل ذلك فمن ليس عنده مال فلا زكاة عليه ويلقى ربه وهو غير آثم ومن لم يستطيع أن يصل البيت لعجز مالي فلا حج عليه فيلقى ربه وهو غير آثم لكن إذا أراد أحد منكم أن يتطوع ويحج عن هذا الميت فلا حرج لأن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقالت يا رسول الله (إن أمي نذرت أن تحج ولم تحج حتى ماتت أفأحج عنها قال نعم).
***
هذا المستمع عادل عبد الله عمر يقول بأن والدتي توفيت قبل ثلاث سنوات ولم تؤد فريضة الحج وأريد أن أؤدي فريضة الحج عنها وأنا لم أتزوج ولم أحج عن نفسي فهل يصح أن أحج لها والأمر كذلك أفتونا بذلك جزاكم الله خيرا؟

(227/64)

فأجاب رحمه الله تعالى: أولا لا بد أن نسأل عن هذه الوالدة هل الحج فريضة عليها أم لا؟ لأنه ليس كل من لم يحج يكون الحج فريضة عليه إذ أن من شرط الحج أن يتوفر عند الإنسان مال يستطيع به أن يحج بعد قضاء الواجبات والنفقات الأصلىة فنسأل هل أمك كان عندها مال يمكنها أن تحج به؟ إذا لم يكن عندها مال يمكنها أن تحج به فليس عليها حج فالذي ليس عنده مال يحج به ليس عليه حج كالفقير الذي ليس عنده مال ليس عليه زكاة وقد ظن بعض الناس أن الحج فريضة على كل حال ورأوا أن الإنسان إذا مات ولم يحج فإن الحج باق في ذمته فريضة وهذا ظن خطأ، الفقير لا حج عليه ولو مات لم نقل إنه مات وترك فريضة كما أن الفقير لو مات لا نقول إنه مات ولم يزك بل نقول من ليس عنده مال فلا زكاة عليه فنحن نسأل أولا هل أمك كانت قادرة على الحج ولم تحج حتى ماتت أو أنها عاجزة ليس عندها مال فالحج ليس فريضة عليها وحينئذ لا تكون في قلق ولا تكن منزعجا من ذلك لأنها ماتت وكأنها حجت ما دامت لا تستطيع الحج وعلى الاحتمال الأول أن عندها مالا تستطيع أن تحج به ولكنها لم تحج يحج عنها من تركتها لأن ذلك دين عليها وإذا لم يمكن كما هو ظاهر السؤال فإنه لا يحل لك أن تحج عنها حتى تحج عن نفسك لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا كان يقول لبيك عن شبرمة فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من شبرمة) قال أخ لي أو قريب لي قال له (أحججت عن نفسك قال لا قال حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) ولأن النبي صلى الله عليه وعلى وسلم قال (ابدأ بنفسك) فلا يحل لك أن تحج عن أمك حتى تؤدي الفريضة عن نفسك ثم إذا أديت الفريضة عن نفسك فإن كنت في حاجة شديدة إلى النكاح فقدم النكاح لأن النكاح من الضروريات أحيانا ثم إن تيسر لك أن تحج عن أمك بعد ذلك فحج.
***

(227/65)

بارك الله فيكم يا شيخ محمد هذه رسالة وصلت من المستمع أ. أ. ع. من العراق بعث برسالة يقول فيها توفي والدي منذ ما يقارب من عشرين عاما ولم يؤد فريضة الحج وخلف تركة بسيطة تضاءلت كثيرا عندما قسمت بين الورثة وأخي يريد أن يحج عنه مع أن الإمكانيات المادية له ضعيفة جدا ولديه بيت وزوجة وأولاد وقلت له لا يجب عليك أن تحج عنه لأنك غير قادر فهل كلامي هذا صحيح أم أن علي إثما في ذلك علما بأنني أنوي أن أحج عنه عندما تتحسن ظروفي المادية؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم إذا كان أبوك في حياته لا يستطيع الحج لكون المال الذي في يده لا يكفيه أو لا يزيد على مؤنته وقضاء ديونه فإن الحج لا يجب عليه وذمته بريئة منه قال الله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) وأما إذا كان أبوك يمكنه أن يحج في حال حياته لأن عنده دراهم زائدة عن حاجاته وقضاء ديونه فإن الواجب عليكم أن تحجوا عنه من تركته لأن الحج يكون دينا في ذمته مقدما على الوصية والإرث لقول الله تعالى في آية المواريث (من بعد وصية يوصى بها أو دين)وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه قضى بالدين قبل الوصية) وأما إذا أراد أحد منكم أن يحج عنه تطوعا فلا حرج في ذلك لكن لا يكون هذا على حساب نفقته ونفقة أولاده فإذا كان المال الذي بيده قليلا لا يزيد عن حاجاته فإنه لا ينبغي له أن يحج عن والده لأنه لو كان هو نفسه لم يجب عليه حج فكيف يحج عن غيره ويمكنكم إذا أردتم نفع أبيكم أن تستغفروا له وأن تدعوا له بالرحمة والرضوان فإن ذلك ينفعه إذا تقبل الله منكم.
***

(227/66)

الشيخ محمد هذه رسالة وردتنا من محمد شلبي موسى الشهري من الدمام يقول لي والدة توفيت وكان عندها مال وليس لها أولاد غيري وليس لها ورثة غيري أنا ابنها وقصدي لها حجة هل تجوز الحجة من مالها الخاص أو أحج عنها من مالي أفيدوني جزاكم الله خير الجزاء إن أحيانا الله إلي الحج؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا المال الذي ورثته من أمك وليس لها وراث سواك هو مالك ورثك الله إياه ولك أن تفعل فيه ما تفعل في مالك ولكن إن كانت أمك قد وجبت عليها حجة الإسلام في حياتها ولم تحج وجب عليك أن تحج عنها وأما إن كانت قد أدت الفريضة أو لم تجب عليها في حياتها لكون هذا المال الذي ورثته منها ثمنا لحوائجها الأصلىة التي بعتها بعد موتها فإن الحج هنا لا يجب عليك ولكن إن حججت عنها فنرجو أن يكون في ذلك خير وسواء حججت عنها من مالك الخاص أو من هذا المال الذي ورثته منها لأن المال الذي ورثته منها بمجرد موتها صار داخلا في ملكك فلا فرق بينه وبين الذي كان عندك سابقا.
***

(227/67)

كتاب
العقيقة - حكمها - وقتها - سننها
قضاؤها - التسمية
الاسماء الممنوعة
أحسن الله إليكم هذا السائل من سوريا فيصل أحمد ومقيم بالمملكة يقول في هذا السؤال أرجو من فضيلة الشيخ أن يوضح لنا العقيقة معنا واصطلاحا وهل هي سنة مؤكدة أم مستحبة؟ ومن لم يفعلها هل هو آثم؟ أرجو في ذلك تفصيلا كاملا مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: العقيقة هي الذبيحة عن المولود وهي مأخوذة من العق وهو القطع لأن الذابح يقطع أوداجها وما يجب أن يقطع في حال الذبح وهي سنة للمولود الذكر اثنتان وتجزئ واحدة وللأنثى واحدة والسنة أن يكون ذبحها في اليوم السابع من ولادته قال العلماء فإن فات ففي أربعة عشر فإن فات ففي واحد وعشرين فإن فات ففي أي يوم ويأكل منها ويهدي ويتصدق وإن شاء جمع عليها أصحابه وأقاربه وجيرانه وقد ذهب بعض أهل العلم إلى وجوبها على القادر والصحيح أنها ليست بواجبة على القادر وإنما يكره للقادر تركها.
***
يقول السائل قد كتبت إليكم رسالة وقد ضمنتها هذا السؤال في بلادنا أود ان أبين لكم كيف نعق لأولادنا فمثلا إذا ولد لنا مولود يوم الأحد نعق له يوم الأحد المقبل نذبح خروف أو بقرة وأحيانا خروف فقط ونوزع اللحم إلى ثلاثة أقسام قسمين للأصهار وقسم واحد للزوج وإذا لم نرسل شيء للأصهار سيقع بيننا و بينهم نزاع وتهاجر وتقاطع وأحيانا يؤدي إلى الطلاق وذلك أن الأصهار يأتون ويأخذون المرأة ويتركون الجنين مع أبيه ونريد إفتاء في ذلك مأجورين؟

(228/1)

فأجاب رحمه الله تعالى: نشكر الله عز وجل أن جعل هذا المنبر المبارك منبرا يصل صوته إلى مشارق الأرض و مغاربها وينتفع به المسلمون في كل مكان ونسأل الله تعالى أن يزيد الجميع من فضله وأن يرزقنا علما نافعا وعملا صالحا ورزقا طيبا واسعا أما ما ذكره عن صنيعهم في العقيقية فإن العقيقية سنة مؤكدة لا ينبغي للقادر عليها أن يدعها سنة تذبح في اليوم السابع من الولادة لا في اليوم الثامن كما قاله هذا السائل فإذا ولد في اليوم الأربعاء مثلا كانت العقيقية في يوم الثلاثاء وإذا ولد في يوم الثلاثاء كانت العقيقية يوم الاثنين وإذا ولد في يوم الاثنين كانت العقيقية في يوم الأحد وإذا ولد في الأحد كانت العقيقية في يوم السبت وهكذا ثم إن العقيقية لا تسن من غير الغنم لا تسن من البقر ولا من الإبل وإنما السنة أن تكون من الغنم عن الذكر شاتان وعن الأنثى شاة واحدة ومع قلة ذات اليد تكفي شاة واحدة عن الذكر ثم إنه لا ينبغي أن يكون بين الزوج وأصهاره شيء من الشقاق والنزاع من أجل توزيع هذه العقيقية بل توزع إما أثلاثا أو أنصافا يجعل للفقراء منها نصيب وللأهل والجيران منها نصيب وللأصدقاء منها نصيب وإن شاء صاحبها إن أدى ما للفقراء منها أن يطبخها ويجمع عليها فلا بأس والأمر في هذا واسع قال العلماء وإذا فات ذبحها في اليوم السابع فإنها تذبح في اليوم الرابع عشر وإذا فات في الرابع عشر فإنها تذبح في اليوم الحادي والعشرين وما بعد ذلك لا تعتبر الأسابيع ولكن ليحرص على أن يكون ذبحها في اليوم السابع.
***
لو مضى أكثر من سنة أو سنة ولم يعق يافضيلة الشيخ؟

(228/2)

فأجاب رحمه الله تعالى: لو مضي أكثر من سنة فلا حرج وموضوع التسمية ينبغي للإنسان أن يسمي ولده الذكر والأنثى حين ولادته لأن النبي صلى الله عليه واله وسلم بشر أهله بابنه إبراهيم فقال (ولد لي الليلة ولد وسميته إبراهيم) هذا إذا كان قد هيأ الاسم وأعده قبل ولادة الطفل أما إذا كان لم يهيئه فإنه يجعله في اليوم السابع تبعا للعقيقة وينبغي للإنسان أن يحسن أسماء أولاده الذكور والإناث وأفضل الأسماء وأحبها إلى الله عز وجل عبد الله وعبد الرحمن كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فعبد الله وعبد الرحمن أفضل ما يسمي به فإن لم يتيسر فأي اسم من الأسماء يضاف إلى الله فعبد الرحيم وعبد الكريم وعبد الوهاب وعبد الرزاق وما أشبهها ثم الأسماء التي يتعارفها الناس هي خير من الأسماء التي لا تعرف وقد اشتهر عند العامة ما يقولونه حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (خير الأسماء ما حمد وعبد) ولكن هذا لا أصل له ولا تصلح نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم.
***
سائل يسأل عن العقيقه ومتي تذبح وهل تجوز أن توزع علي الأهل وما السنة في توزيعها؟

(228/3)

فأجاب رحمه الله تعالى: نشكر الله سبحانه وتعالي علي تيسير هذا المنبر الرائد النافع لعباد الله في هذه المملكة وخارجها ألا وهو نور على الدرب فإنه ولله الحمد نافع جدا ونشكر الحكومة وفقها الله على تيسير مثل هذا المنبر الذي ينتفع به المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ممن يبلغهم صوته ونحث إخواننا المسلمين على الاستماع إليه لما فيه من الفائدة الكبيرة فإن الله تعالى قد يفتح فيه أبوبا كثيرة من العلم لسامعه وربما يحصل عنده أسئلة لولا سماع هذا البرنامج لم تكن منه على بال أما الجواب على سؤال الأخ عن العقيقه فالعقيقه سنة، سنة مؤكدة ينبغي للقادر عليها أن يقوم بها وهي مشروعة في حق الأب خاصة تذبح في اليوم السابع من ولادة الطفل فإذا ولد في يوم الخميس مثلا فإنها تذبح في يوم الأربعاء وإذا ولد في يوم الأربعاء تذبح في يوم الثلاثاء المهم أنها تذبح قبل يوم من اليوم الذي ولد فيه من الأسبوع الثاني و إنما ذكرت ذلك لئلا يتعب الإنسان في العدد متي يكون السابع فنقول السابع هو ما قبل يوم ولادته من الأسبوع الثاني فإذا ولد كما مثلت في الخميس كان يوم الأربعاء وإذا ولد يوم الأربعاء يذبح يوم الثلاثاء وهلم جرا منه ويكون عن الذكر شاتان متكافئتان أي متقاربتان في الكبر والسمن والوصف وعن الجارية الأنثى شاة واحدة وإن اقتصر على شاة واحدة في الذكر حصلت بها السنة لكن الأكمل شاتان تذبح في اليوم السابع كما قلت ولا بد أن تكون على وجه مجزئ بأن تبلغ السن المعتبر شرعا وهو ستة أشهر بالنسبة للضأن وسنة للمعز لقول النبي صلى الله عليه واله وسلم (لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن) وهذا عام في كل ما يذبح تقربا إلى الله عز وجل كالعقيقة والهدي والأضحية ولا بد أن تكون سليمة من العيوب المانعة من الانتفاع وهي أربعة بينها النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين سئل ماذا يتقى من الضحايا فقال (أربع و أشار بيده العوراء

(228/4)

البين عورها والمريضة البين مرضها والعرجاء البين عرجها و العجفاء يعني الهزيلة التي لا تنقي) أي ليس فيها مخ وما كان مثل هذه العيوب فإنه بمنزلتها أما كيف تؤكل وتوزع فإنه يؤكل منها ويهدى ويتصدق وليس هنالك قدر لازم اتباعه في ذلك فيأكل ما تيسر ويهدي ما تيسر ويتصدق بما تيسر وإن شاء جمع عليها أقاربه وأصحابه إما في البلد وإما خارج البلد ولكن في هذه الحال لابد أن يعطي الفقير منها شيئا ولا حرج أن يطبخها ويوزعها بعد الطبخ أو يوزعها وهي نية والأمر في هذا واسع قلنا إنها تذبح في اليوم السابع لكن إذا لم يتيسر فإن العلماء يقولون تذبح في اليوم الرابع عشر فإذا ما تيسر فإنها تذبح في اليوم الحادي والعشرين ثم بعد ذلك لا تعتبر الأسابيع هكذا قال أهل العلم والأمر في هذا واسع لو أنه مثلا ذبح في الثامن أو العاشر أو ما أشبه ذلك أجزأ لكن الأفضل أن يحافظ على اليوم السابع.
***
جزاكم الله خيرا هذا السائل يقول عدم تقطيع عظام العقيقة هل هو مشروع؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ذكر بعض العلماء أنه ينبغي في توزيع العقيقة أن تكون مفاصل بمعنى أنه لا يكسر عظمها لتكون العطية التي يعطيها جزلة لأن ما بين المفصلىن من العظام فيه لحم إلا ما كان أسفل الأرجل فإنه عادة لا يكون فيه لحم لكنه من العادة أيضا أن لا يتصدق به وحده فمن الحكمة في عدم تكسير عظامها أن العطاء يكون أجزل إذ أنه يكون عضوا كاملا وذكر بعض العلماء حكمة أخرى في نفسي منها شيء وهي أن ذلك تفاؤلا بأن لا تنكسر عظام المولود لكن في نفسي من هذا شيء والمعنى الأول وهو أنه من أجل جزالة العطية أظهر وأقرب ولكن مع ذلك لو كسر العظام فلا بأس.
***
أحسن الله إليكم يقول السائل هل من السنة أن الرجل إذا أراد أن يسمي المولود أن يأخذه إلى رجل ذي صلاح وتقى ليحنكه ويسميه؟

(228/5)

فأجاب رحمه الله تعالى: التحنيك يكون حين الولادة حتى يكون أول ما يطعم هذا الذي حنك إياه ولكن هل هذا مشروع لغير النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيه خلاف فمن العلماء من قال التحنيك خاص بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم للتبرك بريقه عليه الصلاة والسلام ليكون أول ما يصل لمعدة هذا الطفل ريق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الممتزج بالتمر ولا يشرع هذا لغيره ومنهم من قال بل يشرع لغيره لأن المقصود أن يطعم التمر أول ما يطعم فمن فعل هذا فإنه لا ينكر عليه أي من حنك مولودا حين ولادته فلا حرج عليه ومن لم يحنك فقد سلم.
***
سائل يقول هل ثبت في السنة الصحيحة أن المولود يحلق رأسه في اليوم السابع من ميلاده ويتصدق بوزنه ذهبا إذا كان صحيحا فهل هذا يفعل مع الولد فقط أم الولد والبنت يستويان في ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم ورد في هذا حديث في السنن اعتمده أهل العلم أنه يحلق في اليوم السابع ويتصدق بوزنه ورقا ولكنه خاص بالولد فقط يتصدق بوزن الشعر ورقا يعني فضة وأما الأنثى فلا يحلق رأسها.
***
أحسن الله إليكم السائل أ. الرشدان ومرضي العنزي لهما هذا السؤال هل يجوز ذبح الماعز في العقيقة أم لا يجوز وهل يجوز ذلك أيضا ذبحها في العرس أي في الزواج؟

(228/6)

فأجاب رحمه الله تعالى: أما سؤالهم عن ذبح الماعز في العقيقة فوجيه لأنه قد يظن الظان أنه لا يجزئ إلا الشاة من الضأن وليس كذلك فإنه يجزئ الواحدة من الضأن والماعز والأفضل من الضأن وأن تكون سمينة كثيرة اللحم وهي عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة تذبح في اليوم السابع قال أهل العلم فإن فات ففي اليوم الرابع عشر فإن فات ففي اليوم الحادي والعشرين ثم لا تعتبر الأسابيع بعد ذلك يعني بعد الحادي والعشرين يذبحها في أي يوم والماعز تقوم مقام الشاة والبعير والبقرة تقوم مقام الشاة لكن لا شرك فيها بمعنى لا يمكن أن يجمع سبع عقائق في بعير أو بقرة يعني لابد أن تكون نفسا مستقلة وأما السؤال الثاني عن ذبح الماعز في العرس فلا وجه له لأن المقصود في العرس إقامة الوليمة سواء بالدجاج أو بالماعز أو بالضأن أو بالبقر أو بالغنم.
***
بارك الله فيكم السائلة سعاد من الأردن تقول في هذا السؤال عند ولادة مولود جديد ما هي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعاء له وعن كيفية التعامل معه؟

(228/7)

فأجاب رحمه الله تعالى: من سنة المولود حين يولد أن يؤذن في أذنه الأذان المعروف قال أهل العلم ليكون أول ما يسمعه هو الدعاء إلى الصلاة والدعاء إلى الفلاح مع تكبير الله وتوحيده وإذا كان اليوم السابع حلق رأس الذكر وتصدق بوزنه فضة وتذبح العقيقة في اليوم السابع وهي شاتان عن الذكر وشاة واحدة عن الأنثى تذبح في اليوم السابع ويؤكل منها ويوزع منها هدية وصدقة وأما التسمية فإن كان الاسم قد أعد من قبل الولادة فلتكن التسمية عند الولادة لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دخل على أهله ذات يوم وقال (ولد لي الليلة ولد وسميته إبراهيم) وإن كانت التسمية لم تعد فلتكن في اليوم السابع عند ذبح العقيقة وينبغي للإنسان أن يحسن اسم ابنه واسم ابنته وأحب الأسماء إلى الله أعني أسماء الذكور عبد الله وعبد الرحمن وكذلك ما عبد لله عز وجل مثل عبد الكريم وعبد العزيز وعبد الرحيم وعبد الوهاب و عبد المنان وما أشبهه ثم أسماء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مثل محمد وإبراهيم وموسى وعيسى ويوسف وما أشبهها ثم الأسماء الأخرى التي يعتادها الناس ما لم تكن إثما فإن كانت إثما بحيث لا تليق بالبشر أو كانت أسماء لأصنام أو أسماء لرؤساء كفرة وما أشبه ذلك فإنه لا يسمى بها وكذلك الأسماء التي تدل على تزكية فإنه لا يسمى بها ولهذا (غير النبي صلى الله عليه وسلم اسم بره إلى اسم زينب) لأن بره فيها تزكية.
***
هذا السائل يقول السقط هل له عقيقة وأيضا أسأل وأقول إذا مات بعد الولادة بيومين أو مضى عليه شهر أو أكثر فهل يعق عنه؟

(228/8)

فأجاب رحمه الله تعالى: السقط إذا مات قبل أربعة أشهر فليس بآدمي بل هو قطعة لحم يدفن في أي مكان كان ولا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يبعث يوم القيامة وإذا كان بعد أربعة أشهر فقد نفخت فيه الروح وصار إنسانا فإذا سقط فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه ويسمى ويعق عنه لكن العقيقة عنه ليست كالعقيقة عمن ولد حيا وبقي يوما أو يومين والعقيقة عمن بقي يوما أو يومين ليست كالعقيقة عمن أتم سبعة أيام ولهذا بين النبي عليه الصلاة والسلام (أن العقيقة تذبح في اليوم السابع) فمن العلماء من قال إذا مات الطفل قبل اليوم السابع أو خرج ميتا فإنه لا يعق عنه لأنه لم يأت الوقت الذي تسن فيه العقيقة وهو اليوم السابع ولهذا قلنا إن المسألة على الترتيب من سقط من بطن أمه قبل أن يتم له أربعة أشهر فهذا لا يعق ولا يسمى عنه وليس له حكم الآدمي فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ويدفن في أي مكان من الأرض ومن سقط بعد أربعة أشهر ميتا فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه ويسمى ويعق عنه ومن سقط حيا وبقي يوما أو يومين ومات قبل السابع فهو كذلك أيضا يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في المقابر مع الناس ويعق عنه لكن هذا والذي قبله فيه خلاف ومن بقي إلى اليوم السابع ثم مات بعده فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن مع المسلمين ويسمى ويعق عنه.
***
جزاكم الله خيرا السائل الذي رمز لاسمه بـ أ أ يقول ما صحة الأذان في أذن المولود والإقامة في الأخرى جزاكم الله خيرا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الأذان عند ولادة المولود سنة وأما الإقامة فحديثها ضعيف فليست بسنة ولكن هذا الأذان يكون أول ما يسمع المولود وأما إذا فات وقت الولادة فهي سنة فات محلها فلا تقضى.
***
السائل ع. ج. ج. سوداني مقيم بليبيا يقول هل هناك زمن محدد لذبح العقيقة ثم متى يحلق شعر المولود مأجورين؟

(228/9)

فأجاب رحمه الله تعالى: شعر المولود يحلق في اليوم السابع إذا كان ذكرا وأما الأنثى فلا يحلق رأسها وإذا حلق شعر الرأس فإنه يتصدق بوزنه فضة كما جاء في الحديث وأما العقيقة فالأفضل أن تكون في اليوم السابع قال العلماء فإن فات اليوم السابع ففي اليوم الرابع عشر فإن فات ففي اليوم الحادي والعشرين فإن فات ففي أي وقت على أنه لا حرج أن يذبح العقيقة في اليوم السادس أو الخامس أو العاشر أو الثاني عشر لكن هذه أوقات مفضلة فقط وهي ثلاثة السابع والرابع عشر والحادي والعشرين.
***
بارك الله فيكم في سؤاله يذكر يا فضيلة الشيخ بأن له أولاد يقول ولم أقم بذبح التمائم كما نسميها وذلك لأنني لم أتمكن من الحصول على المبلغ لكي أقوم بذلك وكما تعلمون أنه لا يصح الذبح بالدين أو السلف فماذا أفعل أفيدوني مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ليس عليك شيء ما دمت لا تستطيع أن تقوم بهذا العمل لأن الله تعالى يقول في كتابه (فاتقوا الله ما استطعتم) ويقول (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) فإذا كان الإنسان فقيرا عند ولادة أولاده فليس عليه تميمة لأنه عاجز والعبادات تسقط بالعجز عنها.
***
يقول السائل إن أحد الأشخاص قال له لا يجوز تسمية المولود إلا بعد أسبوع هل هذا وارد أيضا؟

(228/10)

فأجاب رحمه الله تعالى: المولود إذا كان اسمه قد هيئ من قبل فالأفضل أن يسمى من حين الولادة وإن كان لم يهيأ فالأفضل أن يكون يوم السابع دليل ذلك (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين ولد ولده إبراهيم رضي الله عنه قال لأهله ولد لي الليلة ولد فسميته إبراهيم) فسماه حين ولادته عليه الصلاة والسلام أما في السابع فقال (كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم السابع ويحلق ويسمى) والجمع بين الحديثين أن ما ذكرنا إن كان اسمه قد هيئ فيسمى من حين الولادة وإن لم يهيأ قبل الولادة ينتظر حتى يكون اليوم السابع.
***
أحسن الله إليكم السائل مختار من منطقة عشيرة الطائف يقول في هذا السؤال يذكر و يقول الحمد لله بأنه رزق بأربعة أطفال وهؤلاء الأطفال كان مولدهم في يوم الجمعة البعض من الناس يقولون له في هذا عبرة من الله عز وجل يقول أنا أريد أن أعرف هذا الحاصل منكم وفقكم الله وأرجو الإفادة في هذا الأمر؟
فأجاب رحمه الله تعالى: على كل حال لا أعلم فضلا في كون المولود يولد يوم الجمعة أو يوم الاثنين أو غيره من الأيام لكن الفضل كل الفضل أن يقوم الإنسان بتربية أولاده وتوجيههم التوجيه الحسن وأن يمتثل فيهم أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع).
***
هذا سائل من السودان ومقيم بحائل كتب هذا السؤال بأسلوبه الخاص يقول فضيلة الشيخ عندي طفل مولود صغير عمره ستة أيام قبل العقيقة بيوم توفي ولم أكن أنا موجود وقت الدفن فدفن بدون الصلاة عليه ولم اسمه هل علي شيء في ذلك وإذا كان علي شيء ماذا أفعل الآن وقد مضى عليه ثلاث سنوات أفيدونا مأجورين؟

(228/11)

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب في حق هذا الطفل أن يغسل ويكفن ويصلى عليه سواء كان أبوه حاضرا أم غائبا والقضية المسئول عنها أن هذا الطفل لم يصل عليه ولا أدري إن غسل وكفن أم لا لكن على كل حال الصلاة فإذا كان أبوه يعلم مكان قبره فليذهب إلى قبره وليصل عليه ولو بعد ثلاث سنوات فإن لم يعلم قبره صلى عليه صلاة الغائب يصلى عليه صلاة الغائب لتعذر حضوره بين يديه فإن قال قائل لماذا لا تقولون يذهب إلى المقبرة ويجعل القبور كلها بين يديه ويصلى قلنا لا نقول هذا لأنه حتى لو فعل هذا الفعل قد يكون محاذيا لوسط القبور وابنه في الطرف اليمين أو الشمال فلا يتمكن من محاذاته ولا سبيل إلى ذلك إلا أن يصلى عليه صلاة الغائب أما بالنسبة للتسمية فليسمه الآن ولا حرج وأما بالنسبة للعقيقة فليعق الآن لأن كون العقيقة في اليوم السابع سنة فقط ولو ذبحت في غير اليوم السابع أجزأت والعقيقة الأفضل أن تكون عن الذكر شاتين وعن الأنثى شاة واحدة وإن اقتصر في الذكر على شاة واحدة أجزأت لكن الاثنتان أفضل.
***
جزاكم الله خيرا هذه سائلة من المنطقة الشرقية الأحساء ل.ن تقول هل الطفل الذي يولد ميتا وكذلك الطفل الذي لا يعيش إلا يومين هل يعق عنه وهل يسمى؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان قد نفخت فيه الروح وهو الذي بلغ أربعة أشهر فإنه يسمى ويعق عنه ويغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن مع المسلمين ويبعث يوم القيامة وإن كان قبل نفخ الروح فيه أي قبل أربعة أشهر فليس عنه عقيقه ولا يسمى ولا يغسل ولا يكفن ولا يدفن في المقابر وإنما يحفر له حفرة في مكان ما ويدفن.
***
سائل يقول رجل لم يعق عن بناته حيث توفين وهن صغار فماذا يلزمه؟

(228/12)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان وقت مشروعية العقيقة فقيرا فإنها تسقط عنه ولا شيء عليه وإن كان غنيا لكنه يقول اليوم أعق غدا أعق ومرت الأيام إلى يومنا هذا فإنه يعق الآن ولا شيء عليه وإن كان قد تعمد الترك فإنه لا ينفعه أن يعق الآن فالأحوال ثلاث إذا كان فقيرا حين مشروعية العقيقة فلا شيء عليه وإن كان غنيا ولكنه يقول اليوم غدا بعد غد فيعق الآن وإن كان غنيا ولكن تعمد أن يتركها فإنه لا يعق.
***
بارك الله فيكم تقول السائلة من حائل ح ب ح يوجد عندنا امرأة في الأربعين وقد كبرت هذه المرأة وعندما كبرت علمت بأن أباها لم يعق لها فذبحت لنفسها عقيقة فهل هذا جائز يا فضيلة الشيخ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يرى بعض أهل العلم أن الإنسان يجوز له أن يعق عن نفسه إذا كان أبوه لم يعق عنه ويرى آخرون أن العقيقة مختصة بالأب فهو المسئول عنها أولا وأخرا فإن عق فله الأجر وإن لم يعق فقد فاته الأجر.
***
هل تسقط العقيقة عن رجل لديه مجموعة من الأولاد لم يعق عنهم حيث توفي هذا الرجل ولم يعق عن أبنائه الخمسة فهل يجوز للأولاد أن يعقوا عن أنفسهم؟

(228/13)

فأجاب رحمه الله تعالى: العقيقة سنة مؤكدة على القادر وهي شاتان عن الذكر وشاة عن الأنثى والأفضل ذبحها يوم السابع من الولادة فإذا ولد في يوم الثلاثاء مثلا فيوم عقيقته يوم الاثنين من الأسبوع الثاني وإذا ولد يوم الجمعة فيوم عقيقته يوم الخميس من الأسبوع الثاني وهكذا فإن فات السابع ففي اليوم الرابع عشر وإن فات الرابع عشر ففي اليوم الحادي والعشرين فإن فات ففي أي يوم هكذا قال الفقهاء رحمهم الله ، وإذا كان الوالد في ذلك الوقت غير موسر فإنها تسقط عنه العقيقة سواء كان المولود ذكرا أو أنثى لأنها إنما تشرع لمن كان موسرا أما الفقير فإنه لا يكلف بها وهو عاجز عنها لقول الله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) وقوله (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) فهذا الرجل الذي قد مات وعنده أبناء لم يعق عنهم ننظر إذا كان معسرا لم يتمكن من العق عنهم فإنها لا تقضى عنه لأنها ليست مشروعة في حقه وإن كان موسرا ولكن ترك ذلك تهاونا فإن كان في الورثة قوم قصر أي دون البلوغ أو عندهم تخلف في العقل فإنه لا يؤخذ من نصيبهم شيء لهذه العقيقة وإن كانوا أي الورثة مرشدين وأحبوا أن يعقوا من مال والدهم باتفاق الجميع فلا بأس وإن لم يكن ذلك وأراد كل واحد منهم أن يعق عن نفسه نيابة عن أبيه أو قضاء عن أبيه فلا بأس.
***
بارك الله فيكم هذا مستمع محمد مصري الجنسية يقول رزقت بأولاد إناث وذكور وفيهم من هو على قيد الحياة وفيهم من توفى ولكن لم أذبح أي عقيقة لا للإناث ولا للذكور وهذا منذ زمن بعيد فماذا أفعل الآن أفيدوني جزاكم الله خيرا؟

(228/14)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان هؤلاء الذين ماتوا أو كبروا ولدوا في حال فقر أبيهم وعدم قدرته على العقيقة فإنه لاشيء عليه لأنه حين وجود السبب كان غير قادر على تنفيذه أي تنفذ ما أمر به فلا شيء عليه أما إذا كان حين ولادة هؤلاء وحلول عقيقتهم غنيا يستطيع ولكن طالت به الأيام فإنا نرى أنه ينبغي له أن يعق الآن عن الأحياء وعن الأموات.
***
سائلة تقول أيضا قد توفي بعض أطفالها قبل أن يعق عنهم فهل تلزمها العقيقة بعد وفاتهم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: العقيقة وهي الذبيحة التي تذبح للمولد في يوم سابعه وتكون اثنتين للذكر وواحدة للأنثى هي من شؤون الأب ومن مسئوليات الأب والأم ليس عليها عقيقة لأولادها وإنما من يخاطب بذلك الأب وحده فإن كان موسرا فإن الأفضل في حقه أن يذبح للغلام شاتين وعن الجارية شاة و إن كان معسرا فلا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها وليس عليه شيء.
***
رسالة وصلت من العراق من مستمعة للبرنامج تقول في رسالتها والدتي توفيت وأريد أن أعمل لها عقيقة وعند الاستفسار من أحد الأئمة في أحد المساجد في بغداد قال إن العقيقة تعمل للحي وليس للميت ما حكم الشرع في نظركم في هذا ونرجو لهذا إفادة؟

(228/15)

فأجاب رحمه الله تعالى: العقيقة لا تشرع للميت وإنما تشرع عند الولادة في اليوم السابع من ولادة الإنسان يشرع لأبيه بتأكد أن يعق عن هذا الولد سواء كان ذكرا أم أنثى لكن الذكر له عقيقتان والأنثى لها عقيقه واحدة تذبح في اليوم السابع ويؤكل منها ويتصدق ويهدى ولا حرج على الإنسان إذا ذبحها في اليوم السابع أن يدعو إليها أقاربه وجيرانه وأن يتصدق منها بشيء فيجمع بين هذا وهذا وإذا كان الإنسان غير واسع ذات اليد وعق عن الذكر بواحدة أجزأه كذلك قال العلماء وإذا لم يمكن في اليوم السابع ففي اليوم الرابع عشر فإن لم يمكن ففي اليوم الحادي والعشرين فإن لم يمكن ففي أي يوم شاء هذه هي العقيقه وأما الميت فإنه لا يعق عنه ولكن يدعى له بالرحمة والمغفرة والدعاء له خير من غيره ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو هريرة عنه (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) فقال عليه الصلاة والسلام (أو ولد صالح يدعو له) ولم يقل أو ولد صالح يصوم له أو يصلى له أو يتصدق عنه أو ما أشبه هذا فدل هذا على أن الدعاء أفضل من العمل الذي يهدى إلى الميت وإن أهدى الإنسان إلى الميت عملا صالحا كأن يتصدق بشيء ينويه للميت أو يصلى ركعتين ينويها للميت أو يقرأ قرآن ينوينه للميت فلا حرج في ذلك ولكن الدعاء أفضل من هذا كله لأنه هو الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم.
***
يقول هذا السائل ما هي خير الأسماء التي للمسلم أن يأخذ بها أو أن يسمي بها أبناءه؟

(228/16)

فأجاب رحمه الله تعالى: خير الأسماء بل أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وكأن السائل حينما قال ما هي خير الأسماء كأنه يشير إلى ما اشتهر عند العامة حديثا وهو (خير الأسماء ما حمد وعبد) وهذا حديث ليس بصحيح بل هو موضوع مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والذي صح عنه أنه قال (أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام).
***
يقول اختيار الأسماء للأطفال مثل أفنان وآلاء من القرآن هل في ذلك حرج؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الكلام على نفس الاسم هل فيه محظور فإنه لا يسمى به سواء كان مما جاء في القرآن أم لا أما إذا لم يكن فيه محظور فلا بأس به سواء كان مما جاء في القرآن أم مما لم يأت به.
***
السائلة تقول عندي من الأولاد طفل أطلق عليه والده مناف وأنا أدري أنه كان اسم إله في الجاهلية وترجيت زوجي بتغيير هذا الاسم ولكنه يرفض الرجاء أن تحدثوه في ذلك ليسمع منكم وجزاكم الله خيرا؟

(228/17)

فأجاب رحمه الله تعالى: إنني قبل الإجابة على هذا السؤال أود أن أوجه إخواني المستمعين إلى اختيار الأسماء التي يسمون بها أبناءهم وبناتهم بحيث تكون أحب إلى الله ورسوله من غيرها فلذلك في أسماء الرجال عبد الله وعبد الرحمن وقال النبي صلى الله عليه وسلم (أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن) وقريب من ذلك كل اسم أضيف إلى الله مثل عبد الوهاب عبد العزيز عبد الرحيم عبد الجبار عبد القهار وما أشبه ذلك فكل اسم مضاف إلى الله فهو خير مما لم يضف إلى الله عز وجل وأشرف لذلك وأفضله ما أضيف إلى الله أو إلى الرحمن للحديث الذي ذكرته آنفا ثم ما كان من الأسماء أقرب إلى الصدق والواقع قال صلى الله عليه وسلم (أصدق الأسماء الحارث وهمام) لأنه ما من إنسان إلا وهو حارث وهمام فإذا سمى بحارث أو همام صار مطابقا تماما للواقع وكذلك يختار أسماء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مثل محمد صلى الله عليه وسلم إبراهيم عليه الصلاة والسلام، موسى، عيسى، نوح وما أشبهها وكذلك في أسماء النساء ينبغي أن يختار من الأسماء أحسنها وأطيبها وألذها على السمع كاسم فاطمة فإن ذلك اسم بنت محمد صلى الله علية وسلم وعائشة وزينب وأسماء وما أشبهها من الأسماء الكثيرة ويا حبذا لو أن أحدا تتبع الإصابة في أسماء الصحابة وانتقى من أسماء الصحابة أسماء مناسبة لهذا العصر فإن في هذا خيرا كثيرا وسدا لما يتخبط فيه الناس اليوم من اختيار الأسماء العجيبة فلو حصل أن أحدا يتتبع ويختار ما كان مناسبا للعصر من أسماء الصحابة والصحابيات ونشره بين الناس ليختاروا من هذه الأسماء التي تذكرنا بسلفنا الصالح لكان في هذا خير كثير وسد لهذا الباب الذي انفتح على الناس فصاروا يتخبطون فيه خبط عشواء أما بالنسبة لمناف الذي وقع السؤال عنه فأنا لا أعلم أنه اسم إله من آلهة الجاهلية لأن أحد أجداد الرسول عليه الصلاة والسلام اسمه عبد مناف أو أنه جاء مثل عبد المطلب فعلى كل حال

(228/18)

إن ثبت أنه اسم لصنم فإنه ينبغي تجنبه وإن لم يكن اسم لصنم فهو كغيره من الأسماء لا حرج فيه.
***
جزاكم الله خير هذه رسالة وصلت من مستمعة للبرنامج رمزت لاسمها بـ س ح ي تقول في هذا السؤال تذكر بأنها فتاة تبلغ من العمر العشرين عاما وقد كان لها أخت أكبر منها اسمها مطابق لاسمها وتوفيت قبل شهر ويقول بعض الناس بأنه لا يجوز أن يكون اسمك مطابق لاسم أختك المتوفاة لأنك قد تأخذين من أجرها أو هي قد تأخذ من أجرك فهل هذا صحيح؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا ليس بصحيح ولا حرج أن يكون للرجل ابنتان اشتركتا في الاسم أو ابنان اشتركا في الاسم لكن الأولى ألا يكون هنالك اشتراك لئلا يشتبه أحدهم بالأخر ولا أثر لاتفاق الاسمين لا أثر له في الثواب والله سبحانه تعالى بكل شي عليم يعلم من ثوابها كذا ومن ثوابها كذا.
***
هل يجوز أن يسمى الإنسان بالعزيز والحكيم والعادل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز أن يسمى الإنسان بهذه الأسماء بشرط أن لا يلاحظ فيها المعنى الذي اشتقت منه بأن تكون مجرد علم فقط ومن أسماء الصحابة الحكم وحكيم بن حزام وكذلك اشتهرت بين الناس اسم عادل وليس بمنكر أما إذا لوحظ فيه المعنى الذي اشتقت منه هذه الأسماء فإن الظاهر أنه لا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم غير اسم أبي الحكم الذي تكنى به لكون قومه يتحاكمون إليه وقال صلى الله عليه وسلم (إن الله هو الحكم وإليه الحكم ثم كناه بأكبر أولاده شريح وقال له أنت أبو شريح) وذلك أن هذه الكنية التي تكنى بها هذا الرجل لوحظ فيها معنى الاسم فكان هذا مماثلا لأسماء الله سبحانه وتعالى لأن أسماء الله عز وجل ليست مجرد أعلام بل هي أعلام من حيث دلالاتها على ذات الله سبحانه وتعالى وأوصاف من حيث دلالاتها على المعنى الذي تتضمنه وأما أسماء غيره فإنها مجرد أعلام إلا أسماء النبي صلى الله عليه وسلم فإنها أعلام وأوصاف وكذلك أسماء كتب الله عز وجل فهي أعلام وأوصاف أيضا.
***

(228/19)

جزاكم الله خيرا سائلة تقول إن أكرمني الله عز وجل بطفل أريد أن أسميه بـ كريم فهل هذا الاسم حرام أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أنا أقول لها وأشير عليها إذا من الله عليها بولد أن تسميه عبد الله أو عبد الرحمن بعد الاتفاق مع أبيه لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن) وكل مؤمن يحب ما يحبه الله عز وجل فإذا كان هذا أحب الأسماء إلى الله فليكن عبدالله أو عبدالرحمن اسم مولودها إن شاء الله تعالى ولكن لابد من مراجعة الزوج لأن الزوج هو الأصل في تسمية الولد ولكن مع ذلك ينبغي أن يشاور أمه أي أم الولد حتى يتفق الرأي على التسمية المطلوبة إن شاء الله.
***
وضاح من سوريا يقول نحن نعلم بأن خير الأسماء ما حمد وعبد كما قال عليه الصلاة والسلام ولكن هناك من يكون اسمه عبد النبي وعبد الرسول فما الحكم في هذه الأسماء كما نعلم أن العبد يكون عبدا لله وليس سواه؟

(228/20)

فأجاب رحمه الله تعالى: قول السائل وفقه الله نحن نعلم أن خير الأسماء ما حمد وعبد ثم استدل بما نسبه إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن خير الأسماء ما حمد وعبد فأقول هذه المعلومة خطأ ليس خير الأسماء ما حمد وعبد ثانيا نسبة ذلك إلى الرسول أنه قال خير الأسماء ما حمد وعبد خطأ أيضا وخطأ عظيم لأن هذا الحديث موضوع لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا تجوز نسبته إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإنما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام) وعلى هذا فنقول ما أضيف إلى الله أو إلى الرحمن فهو أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن ثم ما أضيف إلى أي اسم من أسماء الله كعبد الرحيم وعبد الوهاب وعبد العزيز و عبد اللطيف وعبد الخبير وعبد البصير وما أشبهه وأما عبد النبي وعبد الرسول وعبد جبريل وعبد فلان أو فلان فهذا محرم قال ابن حزم رحمه الله اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله حاشا عبد المطلب وإنما استثني ذلك لأن بعض أهل العلم قال لا بأس بعبد المطلب لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) ولكن من العلماء من حرم عبد المطلب وقال إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال ذلك خبرا وليس إنشاء فهو عبد المطلب لأن جده سمي بذلك ولا يمكن تغييره فهو خبر لا إنشاء وعلى هذا فلا يجوز أن يسمى أحد بعبد المطلب وهذا وجه قوي لا إشكال في قوته وعلى هذا فأقول إذا أردت يا أخي أن تسمي ابنك فسمه بأحسن الأسماء وأحب الأسماء إلى الله ما وجدت إلى ذلك سبيلا عبد الله، عبد الرحمن، عبد الرحيم، عبد العزيز ،عبد الوهاب، عبد السميع، عبد اللطيف، عبد البصير، عبد الحكيم وهكذا.
***
جزاكم الله خيرا فضيلة الشيخ هذا سائل يقول يا فضيلة الشيخ ما حكم التسمي بهذه الأسماء شمس الدين محي الدين قمر الدين وغير ذلك من الأسماء؟

(228/21)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الأسماء كلها حادثة لم تكن معروفة في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا في عهد أصحابه والذي وجد سيف الله أو أسد الله أما الأوصاف التي تنم عن ديانة فهذه إنما حدثت أخيرا وقد تصدق على من تسمى بها وقد لا تصدق فالذي أرى العدول عن هذه الألقاب كما أن فيها مفسدة أخرى وهي أن الملقب بها قد يزهو بنفسه ويعجب بها ويترفع بهذا اللقب على غيره.
***
يقول المستمع عندي عامل اسمه عبد الرسول فقمت بتعديل اسمه في بطاقة الرواتب وفي ملفه إلى عبد رب الرسول فهل عملي صحيح؟
فأجاب رحمه الله تعالى: العمل لا شك أنه صحيح من حيث الجملة لأنه لا يجوز أن يعبد أحد لغير الله كما نقل الإجماع على ذلك ابن حزم رحمه الله حيث قال (اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله حاشا عبد المطلب) ولكن تغيير الاسم الذي اشتهر به الشخص لا يمكن من حيث الوضع النظامي إلا بمراجعة الأحوال المدنية حتى يتبين الأمر ولا يحصل إلتباس وعندي أنه لو حصل ما يوجب التغيير فإن الأفضل أن يغيره أصلا أي أن يغير الاسم أصلا فلا نقول عبد رب الرسول بل نقول عبد الله، عبد الرحمن، عبد الوهاب، عبد الحميد، عبد المجيد، وما أشبه ذلك أما عبد رب الرسول ففيه طول كما هو ظاهر ثم إن كل من سمع هذا التعبيد عرف أنه متكلف فيه شيء من التكلف ثم إن من سمع هذا التعبير سينقدح في ذهنه أن أصل هذا الاسم عبد الرسول وربما يكون عنده عناد ولا سيما إذا كان من أولئك الذين يعظمون الرسول عليه الصلاة والسلام كما يعظمون الله أو أكثر ربما يكون عنده عناد فيبقى الاسم على أوله على عبد الرسول فإذا غير أصلا واجتث هذا الاسم أعني عبد الرسول إلى تعبيد لله عز وجل كعبد الله وعبدالرحمن وعبد العزيز وعبد الوهاب وما أشبهه كان أحسن وأفضل.
***

(228/22)

رسالة وصلت من المستمع للبرنامج من الأردن أربد خلف أحمد يقول رزقت بمولود ذكر سميته إسلام فهل هذا الاسم فيه كراهية أو حرمة من جهة الشرع في نظركم فضيلة الشيخ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا السؤال أن الذي ينبغي أن لا يسمي الإنسان ابنه أو ابنته باسم فيه تزكية (لأن النبي صلى الله عليه وسلم غير اسم بره إلى زينب) لما في اسم بره من التزكية ومثل ذلك اسم أبرار للأنثى فإنه لا ينبغي لما فيه من التزكية التي من أجلها غير النبي صلى الله عليه وسلم اسم بره، والذي يظهر أن إسلام من هذا النوع وأنه ينبغي للإنسان أن لا يسمى به ولدينا أسماء أفضل من ذلك وأحسن وهي ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام في قوله (أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن) فإذا اختار الإنسان لأبنائه اسما من هذه الأسماء كان أحسن وأولى لما فيها من التعبيد لله عز وجل ولاسيما التعبيد لله أو للرحمن، ومثل ذلك عبد الرحيم وعبد الوهاب وعبد السميع وعبد العزيز وعبد الحكيم وأمثال ذلك، لكن أحسنها ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام (أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن).
***

(228/23)

بيع السلم وبيع الأصول والثمار
فضيلة الشيخ يقوم بعض التجار بشراء الثمار قبل النضوج لمدة عام أو عامين فهل هذا جائز؟
فأجاب رحمه الله تعالى: شراء الثمار قبل نضوجها بعام أو عامين ينقسم إلى قسمين الأول أن يشتري موصوفا في ذمة البائع بأن يشتري منه مائة صاع من البر تحل بعد سنة أو سنتين بثمن مقبوض في مجلس العقد فهذا جائز وهذا هو السلم الذي كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلونه في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كان الناس يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) والثاني أن يشتري ثمر هذا النخل بعينه لمدة سنة أو سنتين فهذا حرام ولا يجوز لأنه بيع معدوم ومجهول وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه (نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها نهى البائع والمبتاع) فهذا هو حكم هذه المسألة.
***
عدنان من سوريا من دير الزور يقول البعض من الناس يشترون كيلو القمح قبل البدار بمبلغ ثمان ليرات لكن عند استلام المشتري للقمح في موسم الحصاد يكون سعر كيلو القمح الواحد إحدى عشرة ليرة ويأخذ مصاري بهذا فهل هذا حرام أم حلال وما شروط السلف أفيدونا مأجورين؟

(229/1)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان المشتري قد حدد الوقت الذي يستلم فيه البضاعة فهذا لا بأس به مثل أن يقول أعطيتك مائة ليرة بعشرة أصواع بر تحل في محرم وهو الآن في رجب فلا بأس بهذا لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قدم المدينة وجد الناس يسلفون في الثمار السنة والسنتين بمعنى أن الفلاح يأخذ الدراهم من التاجر بتمر بعد سنة أو سنتين فأقر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك لكن بشروط قال (من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) وبناء على هذا نقول إذا اشترى الكيلو بثمان ليرات مؤجلا إلى سنة أو نصف سنة أو ما أشبه ذلك ثم كان عند التسليم قد ارتفع سعره إلى أحدى عشرة فلا بأس.
***
السائل محمد أبو حمدي مصري مقيم بالسعودية يقول إذا اشترى تاجر من مزارع ثمرة قبل حصادها بمبلغ ثمانين ريالا للوحدة التي تباع بها سواء كانت الكيلو أو المد أو نحو ذلك علما أن قيمتها بعد الحصاد أكثر فهل هذا البيع جائز؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا اشتد الحب وكمل فإنه يجوز بيعه لأن الخطر فيه حينئذ قليل وقد (نهى النبي صلى الله عليه و سلم عن بيع الحب حتى يشتد) وإذا باعه فلا بأس أن يبيعه بالتقدير بمعنى أن كل صاع مثلا بكذا أو أن يبيعه جملة جزافا بأن يبيعه هذه القطعة من الأرض المزروعة أو من هذا الزرع على هذه القطعة من الأرض بكذا وكذا فإذا باعه بثمن ولو كان يباع بأكثر منه لو نقى ثم بيع في السوق فلا حرج في ذلك.
***
محمد قاسم أبو إدريس سوداني يعمل باليمن يقول ما الحكم الشرعي في بيع المحصول قبل أن يظهر الزرع على وجه الأرض أو قبل ظهور الثمرة وبعد خروج الزرع على وجه الأرض هل جائز هذا أم محرم؟

(229/2)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا محرم، لا يجوز بيع المحصول حتى يبلغ نموه وحتى يشتد إذا كان حبا وحتى ينضج إذا كان عنبا أو نحوه المهم حتى يطيب أكله ويكون صالحا للأكل فأما بيع المحصول قبل ذلك فإنه حرام أما بيع ما يجز في الحال فإنه إذا انتهى إلى جزه جاز بيعه كما لو كان هناك أعلاف تباع على أنها علف أو مزارع تباع على أنها علف فإنها تباع إذا آن جزها وقطعها ولا حرج في ذلك وإنما كان الأمر هكذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن بيع الحب حتى يشتد وعن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه) وذلك لأنه أقطع للنزاع وأبعد عن الخصومات حيث إن المشتري حينما يشتريه ينتفع به بخلاف ما لو بيع الثمر من أجل الثمر قبل أن يبدو صلاحه فإنه قد تعتريه آفات يحصل بها النزاع والخصومات والمشاكل وهذه من حكمة الشرع أن نهى عن كل بيع يوجب الخصومات والعداوة والنزاع لأن كل شيء يوجب ذلك فإنه يحدث به من تصدع المؤمنين والتباغض والتباعد بينهم ما ينافي كمال الإيمان.
***

(229/3)

آداب البيع وما ينهى عنه منه
المستمع ح. ع. ع. جدة العمارية فضيلة الشيخ ما حكم من أنفق بضاعته باليمين الكاذبة وجهونا جزاكم الله خير الجزاء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: من أنفق سلعته بالحلف الكاذب أي طلب نفاقها ورغبة الناس فيها أو زيادة ثمنها بالحلف الكاذب فإنه متوعد بالوعيد الشديد أن الله لا ينظر إليه يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب فعليه أن يتوب إلى الله مما صنع وألا يعود لذلك وأن يعلم أن رزق الله لا يستجلب بالمعاصي فإنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها فليتق الله وليجمل في الطلب وليعلم أن الوسيلة المحرمة لجلب الرزق تنزع بركة الرزق وتوقع صاحبها في الإثم ويكون ما يأكله من أرباحها سحتا وما نبت من السحت حري أن تكون النار أولى به وليعلم أن الرزق القليل الحلال الطيب خير من الكثير الخبيث الحرام وباب التوبة مفتوح إذا تاب الإنسان وأقلع عن هذا العمل وتصدق بما يسر الله له من الصدقة فلعل الله أن يتوب عليه ويهديه صراطا مستقيما.
***
البائع الذي يحلف للزبون بكلمة صدقني هذا آخر شيء مثلا. هل هذا صحيح، حتى لا يجعل الله عرضة لكثرة الأيمان للتجارة؟

(230/1)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا قال صدقني فهذا ليس يمينا لكنه طلب من المشتري أو من السائم أن يصدقه أما لو قال والله لقد اشتريتها بكذا أو والله لقد سيمت كذا وهو كاذب فهذا هو الذي اشترى بعهد الله ويمينه ثمنا قليلا والمنفق سلعته بالحلف الكاذب من الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم كما رواه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قال أبو ذر من هم يا رسول الله خابوا وخسروا قال المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) ومع هذا إذا قلنا إن قوله صدقني ليست يمينا فلا يحل له أن يخبر المشتري بخبر كذب سواء أخبره بصفة في السلعة وهو كاذب أو أخبره بأنه اشتراها بكذا وهو كاذب أو أخبره بأنها سيمت كذا وهو كاذب وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال (البيعان بالخيار فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما).
***
المستمع آدم على إبراهيم من السودان يقول ما حكم الشرع فضيلة الشيخ في التاجر الذي يجمع ماله بطريقة غير مشروعة نرجو بهذا إفادة؟

(230/2)

فأجاب رحمه الله تعالى: إن الإنسان إذا اكتسب ماله بطريق غير مشروع فالواجب عليه أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى من هذا العمل الذي يكتسب به المال عن طريق غير مشروع وأعظم الطرق تحريما في المكاسب طريق اكتساب المال بالربا فإن الله سبحانه وتعالى حرم الربا في كتابه في قوله (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (278) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) قال (فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) ومن الذي يستطيع أن يعلن الحرب على الله ورسوله وقال عز وجل (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه (لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه وقال هم سواء) والربا يكون في أجناس معينة من المال لا في كل المال بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والتمر بالتمر والشعير بالشعير والملح بالملح مثلا بمثل وسواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الإصناف فبيعوا كيف شيءتم) فالذهب والفضة وما كان بمعناهما هو الذي فيه الربا وكذلك الأصناف الأربعة الباقية المطعومة المكيلة هي التي فيها الربا هي وما شابهها في الجنس وأما ما سوى ذلك فليس فيه ربا ولهذا يجوز للإنسان أن يبدل سيارة بسيارتين أو سيارة بسيارة ودراهم أو بعيرا ببعيرين أو شاة بشاتين أو ما أشبه ذلك مما ليس فيه ربا ومن المكاسب المحرمة أن يكتسب الإنسان المال بممارسة بيع وشراء ما لا يجوز مثل أن يتجر بالدخان فإن الدخان محرم لما فيه من الضرر البدني

(230/3)

والمالي فإذا اتجر به الإنسان فإن الاتجار به محرم وكسبه حرام أيضا ومن ذلك أن يبيع ما لا يجوز بيعه مثل أن يبيع كلبا أو خنزيرا أو نحو ذلك ومن هذا أيضا أن يتجر بالخمور والمخدرات وغير هذا من الأشياء التي حرمها الله فكل من اكتسب شيئا محرما فإن عليه أن يتوب إلى الله من ذلك ويخرج من ماله مقدار الكسب الحرام إن علمه فإن لم يعلمه تحرى فأخرج ما تبرأ به ذمته.
***
ماحكم الشرع في نظركم في التدخين وما حكم المتاجرة به؟

(230/4)

فأجاب رحمه الله تعالى: التدخين الذي هو شرب الدخان اختلف أهل العلم فيه ما بين مبيح ومحرم كما هو الشأن في كل أمر جديد يقع على الساحة فإن العلماء تختلف اجتهاداتهم فيه ولكن في الأونة الأخيرة تبين للإنسان أنه لا يمكن القول بإباحته لما يشتمل عليه من الأضرار المستعصية التي تؤدي بصاحبها إلى الهلاك وقد قال تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) وقال تعالى (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) ولما ثبت أنه ضرر فإننا نضيف إلى ضرر البدن الضرر المادي فإن به إفناء كثير من المال ولو أن الإنسان أحصى ما يتلفه في هذا السبيل لرأى أنه يتلف شيئا كثيرا فيكون صرف المال فيه من باب إضاعة المال وقد قال الله تعالى (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما) فنهى عن إيتاء السفهاء وهم الذي لا يحسنون التصرف بأموالهم أن يؤتوا المال، وبين أن المال قيام أي تقوم به مصالح الدين والدنيا وإنما نهى عن إتيان السفهاء أموالهم، قال الله عنها (أموالكم) لأجل أن يكون الإنسان حريصا على مال اليتيم كما يحرص على ماله وإلا فمن المعلوم أن المال لليتيم ومع ذلك نهى عن إتيان السفهاء ذلك لأن السفهاء لا يحسنون التصرف فيه، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن إضاعة المال، ولأن شارب الدخان تثقل عليه العبادات ولا سيما الصوم لأنها تحجزه عن شربه وإنه بهذه المناسبة مناسبة استقبال شهر رمضان عام عشرة وأربعمائة وألف أحب أن أوجه نصيحة قصيرة إلى الذين ابتلوا بشربه وأقول إن هذا الشهر المبارك شهر رمضان ميدان فسيح للتسابق إلى تركه أولا لأنه شهر ينبغي أن تكثر فيه الأعمال الصالحة وثانيا أن الصائم لن يتناول هذا الدخان في النهار فإذا صبر عن شربه طول النهار فليتصبر أيضا في الليل حتى يطلع الفجر فإذا دام على ذلك لمدة شهر كامل فإن ما في دمه من

(230/5)

النيكوتين سوف يتحلل ويزول ويسهل عليه جدا أن يتركه فنصيحتي للإخوان الذين ابتلوا به أن يستعينوا الله عز وجل في هذا الشهر شهر رمضان على تركه ومن استعان الله بصدق وإخلاص أعانه الله عز وجل وخلاصة القول أن شرب الدخان محرم لأنه ضرر على البدن وضرر على المال وضرر على النفس وإذا كان الشيء محرما كان الاتجار به محرما وقول النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه) فلا يحل الاتجار به وعلى من ابتلي بذلك أن يقلع عن هذا لأن الاتجار به حرام والكسب الحاصل به حرام.
***
توجد بقالة لبيع المواد الغذائية و الحلويات وأنا أعلم علم اليقين بأن هذه البقالة من مصدر حرام فهل يجوز أن نشتري من هذه البقالة وهل يصح أن أنصح عامة الناس بعدم الشراء من ذلك الدكان وما الحكم إذا كان لابد من الشراء من تلك البقالة جزاكم الله خيرا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا حرج عليك أن تشتري من هذه البقالة وإن كان صاحبها قد أنشأها من مصدر حرام وذلك لأن المعاملة التي تجري بينك وبينه معاملة مباحة وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اشترى من يهودي طعاما لأهله ورهنه درعه ومات صلى الله عليه وعلى آله وسلم ودرعه مرهونة عند هذا اليهودي كما أنه صلى الله عليه وسلم قبل هدية اليهود وقبل دعوتهم حين دعاه يهودي إلى خبز من شعير وإهالة سنخة لكن إن وجد بقالة أخرى ليس في مصدرها شبهة فهي أولى.
***
يقول السائل إذا اشترى شخص سلعة بالتقسيط وتبين له أن الطريقة التي اشتريت بها السلعة طريقة غير جائزة أو محرمة فكيف يتصرف؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا أمكن أن يرد البيعة ردها وإذا لم يمكن فعليه أن يستغفر الله عز وجل ولا يعود ثم إن كان هو الذي أخذ الزيادة فليرد الزيادة على صاحبها مع الجهل وإن كان مع العلم فليتصدق بالزيادة تخلصا منها.
***
السائل من الدمام يقول فضيلة الشيخ ما حكم الشرع في نظركم في الغش في البيع و الشراء؟

(230/6)

فأجاب رحمه الله تعالى: الغش في البيع والشراء وجميع المعاملات محرم بل من كبائر الذنوب لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من غش فليس منا) والغش ينافي كمال الإيمان لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) فإذا كان الإنسان لا يحب أن يقوم بغشه أحد فكيف يرضى لنفسه أن يغش الناس وعلى هذا فالواجب على من ابتلي بهذه المصيبة أن يتقي الله عز وجل وان يكون صريحا واضحا في معاملاته وفي أخلاقه حتى يعرفه الناس ويعاملوه على بصيرة.
***
مستمع للبرنامج من الامارات يقول والدي عنده مكائن وقرر هو وشركاؤه بيعها وإحدى هذه المكائن فيها عيب فهل علي إثم أن أبيعها دون إخبار المشتري بالعيب خوفا من غضب والدي أرجو بهذا إفادة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يحل لأحد أن يبيع سلعة معيبة إلا مبينا عيبها (لأن النبي صلى الله عليه وسلم مر على صاحب طعام فأدخل يده في الطعام فإذا في أسفله بلل فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما هذا قال أصابته السماء يا رسول الله فقال هلا جعلته فوق ليراه الناس) أو كلمة نحوها ثم قال (من غش فليس منا) وكاتم العيب كالمدلس بل أشد وعلى هذا فلا يحل لك أن تبيع هذه الماكينة التي فيها العيب إلا مبينا عيبها حتى لو أمرك أبوك أن تبيعها بدون بيان فإنه لا يحل لك أن تطيعه لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وعليك أن تنصحه وتبين له أن هذا حرام وأن الكسب من ورائه حرام وتقول له سأبين عيبها والرزق الذي يريده الله لك سوف يأتيك فإن أصر على بيان العيب فقل له لا أستطيع أن أبيعها لأن ذلك حرام علي وحرام عليك أيضا وأنا مأمور ببرك ومن برك أن أمنعك من هذا الظلم لقول النبي صلى الله عليه وسلم (انصر أخاك ظالما أو مظلوما قالوا يا رسول الله هذا المظلوم فكيف نصر الظالم قال تمنعه من الظلم فذلك نصره)
***

(230/7)

المستمع طه من مكة المكرمة فضيلة الشيخ يأتيني بعض البضائع فأخلط القديم مع الجديد علما بأن هذا القديم ليس فيه شيء فاسد ولا خربان هل هناك شيء في هذا وهل لا بد أن أبين للمشتري فأقول هذا جديد وهذا قديم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هناك أشياء تتغير بالقدم وإن كانت لا تفسد فسادا بينا فهذه لا يجوز أن يخلط بها الجديد وتباع على أنها جديدة بل يجب أن يميز كل شيء على حدة لأن هذا من تمام البيان والنصح وهناك أشياء لا تتغير بتقدم الزمن فلا حرج أن تخلط هذه مع هذه ، مثل لو كان عند الإنسان مواد حديدية لا تتغير بتغير الزمن ولم تتغير الصنعة فيها فخلط بعضها ببعض فلا حرج لأن الحكم لا يتغير والثمن لا يتغير والرغبات فيها لا تتغير فخلط بعضها ببعض ليس بغش ولا خديعة وليعلم أن المتبايعين إذا صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما فليجعل من له معاملة مع الناس هذا الحديث أمام عينيه دائما وليجعل أمام عينيه أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) وليجعل أمام عينيه قول النبي صلى الله عليه وسلم (من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه) وليجعل أمام عينيه قول النبي صلى الله عليه وسلم (من غش فليس منا) وإذا بنى الإنسان معاملته على هذه الأسس العظيمة القيمة النيرة فليبشر بالخير وليعلم أنه ولو كسب قليلا فإن الله سيجعل في هذا الكسب بركة وأنه لو حاد عنها وكسب كثيرا فلا خير في هذا الكثير تنزع منه البركة فلا يستفيد منه صاحبه شيئا ويكون وإن كثر ماله كالمعدم وربما تسلط على ماله آفات تستنفذه وربما يصاب هو أو عائلته بأمراض تستنفذ ما كسب فليحذر الإنسان أن يعامل الناس بما لا يحب أن يعاملوه به والله ولي التوفيق.
***
المستمع حامد شاكر من حريملاء يقول ما حكم بيع عسل النحل المغذى بالسكر؟

(230/8)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا بأس ببيع عسل النحل المغذى بالسكر لكن إن كان يختلف في الجودة عن عسل النحل الذي لا يتغذى بالسكر فإنه يجب عليه أن يبين للمشتري بأن هذا العسل من نحل يتغذى بالسكر لئلا يقع في الغش الذي تبرأ النبي عليه الصلاة والسلام من فاعله حيث قال (من غش فليس منا) ولئلا تفوته البركة في بيعه فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما) فعلى المرء أن يتعامل مع الناس بالصدق والبيان وأن يتعامل مع الناس بما يحب أن يعاملوه به فإن هذا هو حقيقة الإيمان لقول النبي عليه الصلاة والسلام (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ولقوله صلى الله عليه وسلم (من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه).
***

(230/9)

الإجارة
يقول السائل ماحكم نقض الاتفاق بين الأجير وصاحب العمل استغلالا لحاجته بمعرفته بأنه سيرضخ لطلباته فقد حصل وأن اتفقنا مع هذا الكفيل على أن يعطينا راتبا شهريا ويتحمل هو مصاريف الأكل والشرب وبعد مضي مدة رجع في كلامه وقال تحملوا أنتم مصاريف أكلكم وشربكم فإن رضيتم وإلا فعودوا إلى بلدكم وتحت وطأة الحاجة والضرورة عندنا رضينا بذلك فهل يجوز له ذلك بعد أن وافق على شرطنا ونحن في بلدنا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لولا أني أخشى أن تكون هذه المعاملة السيئة موجودة مع غير كفيلكم ما أجبت عليها ولكني أقول إن هذا العمل عمل محرم وهو غير لائق بالمؤمنين وإن الله تعالى يقول (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) ويقول سبحانه و تعالى (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا) وإذا كان الاتفاق بينكم وبين هذا الرجل على أن يقوم بما أديتموه ثم بعد ذلك يستغل الفرصة فيمتنع من إقامتهم فيقول إما أن تبقوا ويكون المصروف عليكم أو ترجعوا إلى بلادكم فلا شك أن هذا والعياذ بالله عمل محرم وخداع لا يليق بالمؤمن فنصيحتي له أن يخاف الله تعالى ويتقيه وأن يعلم أن الظلم ظلمات يوم القيامة وأنكم سوف تتعلقون به يوم القيامة مطالبين بحقكم (يوم يفر المرء من أخيه (34) وأمه وأبيه (35) وصاحبته وبنيه) وأن يعلم أن ما خلفه من هذا المال الذي وفره بهذه الطريق المحرمة فإنه يكون عليه نارا والعياذ بالله يعاقب عليه يوم القيامة ويكون ثماره لمن يأتي بعده من الورثة إنني أؤكد عليه مادام في زمن المهلة وزمن الحياة أن يتقى الله عز وجل وأن يرد إليكم ما اتفقتم معه عليه وأن يتحللكم مما صنع بكم من هذا المماطلة وهذه المخادعة ونسأل الله لنا وله حسن الختام والعاقبة الحميدة.
***

(231/1)

م ع أ السعودية جدة مواطن عربي بالمملكة يقول إنني مواطن عربي أعمل بالمملكة العربية السعودية وإنني أعمل مع الكفيل السعودي على خير وجه ومنذ فترة جاءتني فرصة عمل خارجية أي بعيدا عن المؤسسة ونتج عن عملي هذا أنني حصلت على أجر وهذا بغير علم الكفيل ويعلم الله أنني كنت محتاجا إلى هذا المبلغ فإنني أتسأل هل هذا المبلغ الذي حصلت عليه حرام مع العلم أن هناك شرط من شروط التعاقد يقول بعدم العمل لدى الغير بأجر أو بدون أجر أفيدوني وفقكم الله إلى هداية المسلمين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نقول ما دام بينك وبين كفيلك شرط وهو أن لا تعمل عند غيره بأجر ولا بغيره فإنه لا يجوز لك أن تعمل عند غيره بأجر فإن فعلت فهو محرم عليك ويجب عليك في مثل هذه الحال أن تبلغ كفيلك بما فعلت لأن فعلك هذا مناف لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) والأمر بالوفاء بالعقود أمر بالوفاء بأصلها ووصفها وهو الشرط الذي اشترط فيها إذا لم يكن مخالفا لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فالواجب عليك إذن مراجعة كفيلك في هذا الأمر.
***
عبد المطلب سوداني مقيم بشقراء يقول ما توجيه فضيلة الشيخ إلى رجل استأجر عاملا براتب اتفقا عليه فيما بينهم ولكن عند نهاية الشهر نقص من أجره بحجة أن عمله قليل أثابكم الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم إذا استأجر الإنسان أجيرا واستوفى حقه من الأجير كاملا ونقص من أجره يعني لم يعطه الأجرة كاملة فإن الله تعالى خصمه يوم القيامة قال الله تعالى ثلاثة في الحديث القدسي (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره) أما إذا كان الأجير قد نقص شيئا من العمل المتفق عليه فهذا ينظر فيه قد يكون لعذر وقد يكون السبب المستأجر وقد يكون لغير عذر ولكنه متلاعب ولكل حال حكمه.
***

(231/2)

لدي محلات دكاكين وأريد أن أقوم بتأجيرها على بعض صوالين الحلاقة فهل في ذلك حرج
فأجاب رحمه الله تعالى: في ذلك حرج إذا أجرت الدكاكين للحلاقين فإنه من المعلوم حسب العادة أن الحلاقين يحلقون كل شيء يحلقون الرأس ويحلقون اللحية بل ربما كان حلق اللحى لديهم أكثر من حلق الرؤوس هذا هو العادة والغالب وعلى هذا فلا يجوز تأجير الدكاكين للحلاقين إلا إذا اشترط عليهم أن لا يحلقوا فيها اللحى فحينئذ لا بأس وإذا ثبت أنه حلق لحية في هذه الدكاكين كان لمؤجر الدكان أن يفسخ الإيجارة لأن المستأجر أخل بشرط صحيح لم يوف به هذا هو الجواب عن تأجير الدكاكين للحلاقة بمعنى أنه لا يجوز أن يؤجرها للحلاقين إلا إذا اشترط عليهم أن لا يحلقوا فيها حلقا محرما كحلق اللحى ويدل لذلك أن تأجيرها إعانة لهم على فعل هذا المحرم وقد قال الله تعالى (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) ويدل على تحريم أجرتها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه) والأجرة ثمن للمنفعة التي حصل عليها المستأجر.
***
ما حكم الإسلام في خلو الرجل مثلا هنالك شخص مؤجر دكان من آخر ومرت السنين وجاء صاحب الدكان إلى المؤجر لكي يخلي له الدكان ولم يطع المستأجر إلا بعد أن يدفع له صاحب الدكان مبلغا من المال؟

(231/3)

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول إذا كان هذا المستأجر له مدة معينة وجاءه صاحب الدكان يطلب منه الخروج قبل انتهاء هذه المدة فلا حرج عليه أن يطلب عوضا عن إسقاط حقه فيما بقي من المدة مثال ذلك أن يكون قد استأجر هذا الدكان عشر سنين ثم يأتيه صاحب الدكان بعد مضي خمس سنين ويطلب منه أن يفرغ الدكان له فلا حرج على المستأجر حينئذ أن يقول أنا لا أخرج وأدع بقية مدتي إلا بكذا وكذا لأن هذا معاوضة على حق له ثابت بمقتضى العقد الذي أمر الله بالوفاء به في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) أما إذا كانت المدة قد انقضت وكان بقاء المستأجر في هذا الدكان بمقتضى قانون من الدولة فإنه لا يجوز له أن يمتنع من الخروج إلا بعوض بمعنى أنه لا يجوز له أن يطلب عوضا عن الخروج من هذا الدكان الذي قد تمت مدته بل يجب عليه أن يسلم الدكان إلى صاحبه بعد فراغ المدة ولا يأخذ منه عوضا على ذلك لأن بقاءه في دكان بدون إذن مالكه مع انتهاء مدة الإجارة ظلم له والظلم محرم كما قال الله تعالى في الحديث القدسي (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا).
***
لي مجموعة من العقار الشقق وأريد أن أؤجرها وعلمت من صاحب المكتب أن بعض هؤلاء الذين سيستأجرون هذه الشقق لا يصلى فما نصيحتكم لي مأجورين؟

(231/4)

فأجاب رحمه الله تعالى: ينبغي للإنسان إذا كان لديه عقار يؤجره سواء كان عمارة مشتملة على شقق كثيرة أو بيتا خاصا ألا يؤجره إلا لمن يرضى في دينه وخلقه مساعدة لهذا المستأجر على مهماته وقضاء لحاجاته أما إذا كان المستأجر ممن عرف بالشر والفساد وترك الواجبات ولا سيما الصلوات فإنه لا ينبغي أن يؤجره لكني لا أجزم بالتحريم أي بتحريم تأجيره لأن هذا المستأجر لم يستأجر المكان ليختبئ فيه عن الصلاة لو كان الأمر كذلك لجزمت بالتحريم لكنه استأجره ليسكنه سكنا مباحا فإذا عصى الله فيه فإن ذلك لا يقتضي تحريم تأجيره.
***
والدي أجر عمارة على رجل لا يصلى ومكث ثلاث سنوات لا يؤدي الصلاة مع الجماعة هو وأولاده وبما أن المسجد قريب من العمارة لا يزيد عن خمسين مترا انتهى العقد بيننا وبينه وهو مستأجر يرغب في تجديد العقد وقلت لوالدي لا تجدد عقد هذا الرجل لأنه لا يصلى فهل على والدي حرج؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ليس على الإنسان حرج إذا أجرعلى من يترك واجبا من الواجبات التي لا تخرجه من الإسلام وترك صلاة الجماعة لا يخرج من الإسلام لكن التارك آثم إلا أننا نشير على الأب إذا أراد تجديد العقد أن يشترط على المستأجر المحافظة على الصلاة مع جماعة لما في ذلك من المعونة على البر والتقوى ولما في ذلك من كف ألسن الناس عن القيل والقال فإن التزم بهذا الشرط فهذا المطلوب وإن لم يلتزم فالأفضل أن يؤجرها شخصا تقيا لله عز وجل فإن معاملة المتقين أفضل من معاملة غير المتقين.
***
فضيلة الشيخ رجل عنده أرض كبيرة واقترح عليه أحد الناس أن يبني عليها قصر أفراح ولكنه خشي أن يستخدم هذا القصر في بعض المحرمات كالغناء المحرم وغيره فهل ترون أن يقيم هذا القصر أم لا فضيلة الشيخ.

(231/5)

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي أراء إذا كان هذا الرجل بإمكانه أن يقيم قصرا يمنع فيه من الغناء والعزف وغير ذلك مما يصنعه بعض الناس في ليالي العرس أن يبني هذه الأرض قصرا لما في ذلك من الخير ودفع الشر أما إذا كان ليس في قدرته ذلك وأنه سيؤجر القصر مفلتا يفعل فيه الناس ما شاؤوا فلا يبن هذا القصر وإني أقول له إذا بناه على النية الأولى أنه سيمنع المنكرات فيه فليبشر بالخير وليعلم أن الله سيهيئ له من يسرع إليه ليقيم حفل زواجه به لأن أهل الخير ولله الحمد كثير وإذا بناه لهذا الغرض وعرف الناس ذلك فأنهم سوف يقبلون إليه سراعا.
***
بارك الله فيكم المستمع من جمهورية مصر العربية يقول نشاهد البعض في بلاد المسلمين يستأجرون قارئا للقرآن الكريم هل يجوز للقاريء أن يأخذ أجرا على قراءته وهل يأثم من يدفع له الأجر على ذلك وهل قراءة القرآن على الميت حرام إذا كانت للأجر نرجو بهذا إفادة مأجورين؟

(231/6)

فأجاب رحمه الله تعالى: استئجار القارئ ليقرأ القرآن محرم ولا يجوز وذلك لأن قراءة القرآن من العبادات التي يتقرب بها الإنسان إلى ربه وما كان من باب القربات فإنه لا يجوز أخذ العوض الدنيوي عليه ولا يجوز لأحد أن يعطي القارئ أجرا فيعينه على إثمه لا سيما ما يفعله بعض الناس عند موت الميت يستأجرون قراء ثم يعطونهم من تركة الميت وقد يكون في تركة الميت وصية وقد يكون له أيتام صغار وقد يكون عليه دين فتجدهم يأخذون من هذه التركة أموالا طائلة من أجل أن يقرأ القارئ لميتهم وإني أقول لهؤلاء إن قراءة هذا القارئ ليس فيها أجر لأنه ما أريد بها وجه الله والشيء الذي لا يراد به وجه الله ليس فيه أجر وحينئذ لا يكون فيها إلا العناء وبذل المال في غير فائدة فالواجب على المسلم الحذر من هذا الشيء وعدم القيام به فالقارئ آثم والذي يعطيه الأجرة على قراءته آثم أيضا لأنه من باب التعاون على الإثم والعدوان وأما أخذ الأجرة على إقراء القرآن أي على تعليم القرآن فهذا مختلف فيه والراجح أنه جائز لأن الإنسان يأخذه على تعبه وعمله لا على قراءته القرآن وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال (إن أفضل ما أخذتم عليه أجرا أو قال أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله)وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال للرجل الذي لم يجد مهرا قال (زوجتكها بما معك من القرآن)أي يعلمها ما معه من القرآن فتبين بهذا أن الاستئجار لقراءة القرآن محرم وفيه إثم وليس فيه أجر ولا ينتفع به الميت وأما الأجرة على تعليم القرآن فالصحيح أنها جائزة ولا بأس بها بقي أن يقال لو أن أحدا من الناس قرأ للميت بدون أجرة فهل ينتفع الميت لذلك فنقول إن في هذا خلافا بين العلماء فمنهم من يقول إن الميت لا ينتفع بأي عمل من الأعمال إلا ما جاءت به السنة فقط كالصدقة مثلا والصوم عنه أو إذا مات وعليه حج نذر أو فريضة الإسلام وما لم ترد به السنة فإنه لا ينتفع به الميت لقوله

(231/7)

تعالى (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) وهذا العموم يخصص بما جاءت به السنة وما عداه فيبقى حكم العموم شاملا له ولأن العبادات من الأمور التوقيفية فيوقف فيها ما جاءت به الشريعة ومن أهل العلم من قال إن الميت ينتفع بذلك لأن الأحاديث التي وردت عن النبي عليه الصلاة والسلام قضايا أعيان فهي تدل على أن جنس هذا العمل أي العبادة نافع لمن عمل له وهذا هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل وهو المشهور من مذهبه وهو أرحج وقد ذكر الجمل في حاشيته على تفسير الجلالين على قوله تعالى (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) ذكر عن شيخ الإسلام ابن تيمية أكثر من عشرين وجها كلها تدل على انتفاع الميت بعمل الغير له لكن مع هذا نقول إنه ليس من الأفضل أن تقرأ القرآن أو تصلى أو تتصدق وتهدي إلى الميت بل هو من باب الجائز لا من باب الأفضل المطلوب فالدعاء أفضل منه الدعاء للميت أفضل من إهداء القرب له لأن الدعاء هو الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة إلا من عمل صالح أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) فهنا قال (أو ولد صالح يدعو له) ولم يقل يعمل له مع أن الحديث في سياق العمل ولو كان العمل من الأمور المطلوبة لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
***
المستمع فضل من السودان يقول هل يجوز أخذ أجر على قراءة القرآن وعلى الأذان وعلى الصلاة أم لا يجوز ذلك

(231/8)

فأجاب رحمه الله تعالى: الإمام يشغل منصبا دينيا عظيما وإذا كان منصبه منصبا دينيا فإنه لا يحل له أخذ الأجرة عليه لأن أمور الدين لا تجوز المؤاجرة عليها وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله عن رجل قال لقوم لا أصلى بكم القيام في رمضان إلا بكذا وكذا فقال رحمه الله نعوذ بالله ومن يصلى خلف هذا وأما أخذ الرزق من بيت المال على الإمامة فإن هذا لا بأس به لأن بيت المال يصرف في مصالح المسلمين ومن مصالح المسلمين إمامتهم في مساجدهم فإذا أعطي الإمام شيئا من بيت المال فلا حرج عليه في قبوله وليس هذا بأجرة وكذلك لو قدر أن المسجد بناه أحد المحسنين وتكفل بجعل شيء من ماله لهذا الإمام فإنه لا بأس بأخذه لأن هذا ليس من باب المؤاجرة ولكنه من باب المكافأة ولهذا لم يكن بين الإمام وصاحب هذا المسجد اتفاق وعقد على شيء معلوم من المال وإنما هذا الرجل يتبرع كل شهر بكذا لهذا الإمام وهذا ليس من باب المؤاجرة في شيء
***
المستمع للبرنامج رمز لاسمه بـ م. س. ل. مصري الجنسية يعمل بالرياض يقول عندي ولد يحفظ القرآن والحمد لله ومتفقه في الدين جيدا ويعمل إمام جامع يخطب ويصلى لكنه يأخذ على ذلك أجرا من صاحب المسجد هل هذا الأجر هو كل ما له عند الله من الأجر عن الإمامة لأنه أخذه من الدنيا أم يكون له أجر نرجو منكم إفادة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: العوض الذي يعطاه من قام بطاعة من الطاعات المتعدي نفعها للغير تنقسم إلى ثلاثة أقسام

(231/9)

أحدها أن يكون ذلك بعقد الإجارة مثل أن يتفق هذا العامل القائم بهذه الطاعة مع غيره على عقد إجارة ملزمة يكون فيها كل من العوضين مقصودا فالصحيح أن ذلك لا يصح كما لو قام أحد بالإمامة أو بالأذان بأجرة ذلك لأن عمل الآخرة لا يصح أن يكون وسيلة لعمل الدنيا فإن عمل الآخرة أشرف وأعلى من أن يكون وسيلة لعمل الدنيا الذي هو أدنى قال الله تعالى (بل تؤثرون الحياة الدنيا (16) والآخرة خير وأبقى (17) إن هذا لفي الصحف الأولى (18) صحف إبراهيم وموسى).
القسم الثاني أن يأخذ عوضا على هذا العمل على سبيل الجعالة مثل أن يقول قائل من قام بالأذان في هذا المسجد فله كذا وكذا أو من قام بالإمامة في هذا المسجد فله كذا وكذا فالصحيح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة أن ذلك جائز لأن هذا العمل ليس أجرة وليس ملزما.
القسم الثالث وهو أن يكون العوض مبذولا من بيت المال تبذله الدولة لمن قام بهذا العمل فهذا جائز ولا شك فيه لأنه من المصارف التي يصرف إليها بيت المال وأنت مستحق له بمقتضى هذا العمل فإذا أخذته فلا حرج عليك ولكن ينبغي أن يعلم أن هذه الأعواض التي تباح لمن قام بمثل هذه الوظائف لا ينبغي أن تكون هي مقصود العبد فإنه إذا كانت مقصوده حرم من أجر الآخرة أما إذا أخذها ليستعين بها على طاعة الله وعلى القيام بهذا العمل فإنها لا تضره وليعلم أن أخذ الأجرة على القراءة على المريض لا بأس بها لأنها ليست من هذا الباب وقد ورد في السنة على ما يدل على جوازها.
***

(231/10)

عثمان نوح صالح أبو جليلة يقول أنا أعمل في مصلحة حكومية ولكن راتبي الشهري الذي أتقاضاه لا يكفيني لأنني أعول أسرة كبيرة وأنا أعلم أولاد المسلمين كتاب الله والأحاديث النبوية الشريفة والتوحيد ولم أطلب من آبائهم أجرا على ذلك لكنهم جعلوا لي خمسة عشر ريالا عن كل تلميذ في الشهر الواحد نظرا منهم لظروفي المعاشية فما حكم هذا المبلغ الذي أتقاضاه أفيدوني أفادكم الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: حكم هذا المبلغ الذي تتقاضاه لا حرج عليك فيه لأنه جاء بدون شرط على أن القول الراجح أنه يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن بخلاف أخذ الأجرة على تلاوة القرآن فإنها محرمة وذلك لأن التعليم نفعه متعد فإنه ينفع المتعلم فإذا أخذت أجرة على تعليم كتاب الله فلا حرج في ذلك وأما أخذ الأجرة على تلاوته فإن ذلك محرم لأن تلاوة القرآن لا تقع إلا قربة وعبادة وكل عمل لا يقع إلا قربة وعبادة فإنه لا يصح أخذ الأجر عليه لأنه يكون الإنسان مقدما للدنيا على الآخرة في مثل هذه الحال أما إن كنت تسأل عن هل الأولى أن تأخذ أو ألا تأخذ فإننا نقول لك الأولى أن لا تأخذ وأن تحتسب الأجر من الله سبحانه وتعالى على تعليم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتوحيد ولكن مع الحاجة كما وصفت عن نفسك لا بأس به لأنك تأخذ لدفع حاجتك واستعفافك عن الناس واستغنائك عنهم.
***
أنا أقرأ القرآن وهناك بعض الناس عندنا في القرية يأتون إلي بمبلغ من المال ويقولون خذ هذا المبلغ وأقرأ به من ما تيسر من القرآن الكريم على نية أحد الأقرباء من مات أو به مرض لعل الله أن يشفيه وأنا بدوري اقرأ من القرآن ما تيسر وأدعي لذلك المريض بالشفاء أو للميت بالرحمة قائلا اللهم إني أسألك أن تشفي فلانا أو ترحم فلانا أفيدونا هل ما أخذته من مال في هذه الحالة حلال أم حرام مع العلم أنني لم آخذ هذا المال إلا لأنني بحاجة إليه وبماذا تنصحوني أن أفعل

(231/11)

فأجاب رحمه الله تعالى: أخذك هذا المال محرم لأن الإنسان لا يجوز أن يأخذ مالا على قراءة القرآن فإن قراءة القرآن من العبادات والعبادات يجب أن تكون خالصة لله تعالى لا يجوز للإنسان أن يريد بها عرضا من الدنيا وعلى هذا فالمال الذي أخذته لا يحل لك ويجب عليك أن ترده إلى أهله إلا إن عفوا عنك وعليك أن تتوب إلى الله تعالى مما جرى منك وأما كونك محتاجا فإنه لا يبرر لك أخذ هذا المال لأنه بغير حق وأما إذا ذهبت إلي المريض نفسه وقرأت عليه ما يرجى أن يكون فيه شفاء كفاتحة الكتاب فإن هذا لا بأس أن تأخذ شيئا مما يعطونك إياه بل لا بأس أن تقول لا أقرأ على هذا المريض إلا بهذا الشيء المعين وذلك لأن هذه القراءة يستفيد منها المقروء عليه والعوض الذي تأخذه عوض على عمل لا على نفس القراءة.
***
سؤاله الثاني يقول. يقول الله تعالى في سورة البقرة (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون) ما معنى هذه الآية وهل يدخل فيها من يكتبون الحجب من القرآن مقابل أجر نقدي يتقاضونه؟

(231/12)

فأجاب رحمه الله تعالى: معنى هذه الآيات الكريمة أن الله سبحانه وتعالى توعد أولئك الذين يفترون عليه كذبا فيكتبون بأيديهم كلاما ثم يقولون للناس هذا من عند الله من أجل أن ينالوا به حظا من الدنيا إما جاها أو رئاسة أو مالا أو غير ذلك ثم بين الله تعالى أن هذا الوعيد على الفعلين جميعا على كتابتهم الباطلة وعلى كسبهم المحرم الناشيء عن هذه الكتابة الباطلة أما الذين يكتبون الحجب وهو ما يعلق على المريض لشفائه من المرض أو على الصحيح لوقايته من المرض فإنه ينظر هل تعليق هذه الحجب جائز أم لا إذا كانت هذه الحجب لا يعلم ما كتب فيها أو كتب فيها أشياء محرمة كأسماء الشياطين والجن وما أشبه ذلك فإن تعليقها لا يحل بكل حال وأما إذا كانت هذه الحجب مكتوبة من القرآن والأحاديث النبوية ففي حلها قولان لأهل العلم والراجح أنه لا يحل تعليقها وذلك لأن التعبد لله سبحانه وتعالى بما لم يشرعه الله بدعة ولأن اعتقاد شيء من الأشياء سببا لم يجعل الله سببا نوع من الشرك وعلى هذا فالقول الراجح أنه لا يجوز أن يعلق على المريض شيء لا من القرآن ولا من غيره ولا أن يعلق على الصحيح شيء لا من القرآن ولا من غيره وكذلك لو كتبت هذه الحجب ووضعت تحت وسادة مريض ونحو ذلك فإنه لا يجوز.
***
توجد أرض لشخص يقال إنه أخذها من واحد قال له إذا أنت ترغب في أخذ هذه الأرض ملكا فيجب أن تقرأ كل يوم جزءا من القرآن بعد صلاة الفجر وأخذ هذا الرجل الأرض بذلك الشرط والآن هذا الشخص يريد أن يسلم هذه الأرض لأنه عاجز عن الاستمرار في القراءة لكبر سنه وأولاده لا يقرؤون القرآن وهو يخاف أن يموت أو يحدث له أي مكروه بسبب ترك الأرض عند أولاده فيقول كيف يعمل في هذه الأرض لأن جميع الناس عندهم رفضوا أخذها بسبب شرط القراءة فكيف يتصرف فيها وما حكم أخذها وتملكها بذلك الثمن الذي هو القراءة؟

(231/13)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الصيغة على وجهين إن كان صاحب الأرض أراد أن يجعلها أجرة لمن يقرأ له هذا القدر كل يوم فإن هذه الأجرة لا تصح لأن القراءة من أعمال القرب وأعمال القرب لا يجوز أخذ الأجرة عليها وإن كان صاحب الأرض قد أوقفها على من يقرأ كل يوم جزءا فيكون هذا قد أوقفها على القراء فمن لم يكن قارئا فإنه لا يستحق منها شيئا وعلى هذا أو على التقديرين كليهما لابد أن تسلمها إلى المحكمة الشرعية وهي التي تتولى أمرها والله الموفق.
***
الأخت ك. م. ع. من العراق محافظة البصرة تقول توفي رجل كان يتصف بالكرم وحسن الخلق ولكنه لم يكن يصلى ولا يصوم وبعد وفاته دفع أهله مبلغ ثلاثة آلاف دينار لشخص آخر لكي يصلى عنه قضاء ما فاته من صلوات ويصوم عنه فهل يصح ذلك شرعا وما حكم أخذ المال عن ذلك؟

(231/14)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الرجل الذي توفي وهو لا يصلى ولا يصوم توفي والعياذ بالله على الكفر لأن القول الراجح من أقوال أهل العلم والذي تؤيده نصوص الكتاب والسنة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم أن تارك الصلاة كافر أما جاحد الصلاة فإنه كافر ولو كان يصلى والنصوص الواردة إنما وردت في الترك لا في الجحود فلا يمكن أن نلغي هذا الوصف الذي اعتبره الشرع بأن نحمله على الجحود كما فعل بعض أهل العلم يحمل النصوص الواردة في تكفير تاركها على من تركها جحودا فإن هذا الحمل يستلزم إلغاء الوصف الذي علق الشارع الحكم عليه واعتبار وصف آخر لم يكن مذكورا كما أن هذا الحمل متناقض وذلك لأن الجاحد كافر ولو صلى حتى لو كان يصلى مع الجماعة ويتقدم إلى المسجد وهو يعتقد أن الصلوات الخمسة غير مفروضة عليه وأن ما يفعله على سبيل التطوع فإنه كافر تبين بهذا أن حمل النصوص الدالة على كفر تارك الصلاة على من تركها جحودا حمل غير صحيح وليس في محله وعلى هذا فيكون هذا الرجل الذي مات وهو لا يصلى يكون كافرا يحشر يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف والعياذ بالله أما ما بذلوه لهذا الرجل ليصوم عنه ويصلى عنه فإن هذا ليس بصحيح لأنه لا يصح عقد الإجارة على أي عمل من أعمال القربة فلا يصح أن يقول شخص لآخر أؤجرك على أن تصلى عني أو تصوم عني وإنما اختلف العلماء في الحج على خلاف ليس هذا موضع ذكره وهذا المال الذي أخذه أخذه بغير حق فالواجب عليه أن يرده إلى أهله لأنه أخذه بغير حق والصلوات التي صلاها لا تنفع هذا الميت لأنه غير مسلم وغير المسلم لا ينفعه أي عمل من الأعمال حتى عمله هو بنفسه لا ينفعه لقوله تعالى (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون) ولقوله تعالى (وقدمنا إلى

(231/15)

ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا).
فضيلة الشيخ: هذا لأنه غير مسلم فقط أم لأنه أيضا لا يجوز الإجارة عن القرب؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ذكرنا الوجهين حتى لو كان مسلما لا يجوز أن يؤاجر من يصلى عنه أو يصوم عنه.
***
المستمع فرج الحربي من جدة يقول والدي توفي وترك ميراثا مع وصية بثلث مما يملك صدقة عنه لله وبعد وفاة الوالد وقبل تقسيم الميراث توفيت الوالدة تاركة وصية بثلث من ميراثها صدقة لله تعالى وبقي من الورثة أربع بنات وابنان ولم يتفقوا على كيفية قسمة الميراث مع الوفاء بوصيتي الأب والأم فكيف العمل في ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما تركة والدكم فإنها يؤخذ منها الثلث أولا من أجل صرفه إلى الوصية ثم يقسم الباقي فتأخذ والدتكم وهي زوجته إن كانت باقية في ذمته حتى مات تأخذ الثمن والباقي يكون بينكم للذكر مثل حظ الأنثيين يكون لكل ذكر سهمان ولكل أنثى سهم واحد وأما بالنسبة لتركة والدتكم فإنها ينزع منها الثلث أولا من أجل صرفه فيما أوصت فيه ثم يقسم الباقي وهو الثلثان بينكم أيها الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين.
***
أنا مدرس أدرس القرآن وآخذ على ذلك أجرا فهل علي فهل في ذلك شيء يا فضيلة الشيخ

(231/16)

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس في أخذ الأجر على تعليم القرآن شيء بل قال النبي عليه الصلاة والسلام (إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله) وكما أن الإنسان يشتري المصحف ليقرأ فيه بالدراهم كذلك لا حرج عليه أن يؤجر شخصا يعلمه القرآن لكننا نقول الأولى بالشخص إذا أغناه الله عز وجل أن لا يأخذ على تعليم القرآن أجرا لأنه يكتسب من الأجر إذا علم القرآن بدون أجر دنيوي يكتسب أجرا عظيما لأن قاريء القرآن له في كل حرف عشر حسنات والمعلم الذي لم يدرك المتعلم القرآن إلا به لا شك أنه يؤجر بمثل أجر القارئ لأنه دل على خير والدال على الخير كفاعله ولهذا ننصح إخواننا الذي يعلمون الناس كتاب الله عز وجل سواء في حلق المساجد أو كان في بيوتهم إذا كان الله قد أغناهم ننصحهم أن لا يأخذوا على تعليمهم أجرا من الدنيا ليتوفر لهم أجر الآخرة (والآخرة خير وأبقى) (ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون) فعلى هذا ننصح إخواننا بما ذكرنا ولكن لو أخذوا على هذا أجرا فلا بأس.
***
هل يجوز لشخص أن يقرأ الفاتحة وبعد إكمال التعزية يقبض مالا من صاحب التعزية فهل المال يعتبر حلالا أم حراما؟

(231/17)

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول إنه لا يجوز للمرء أن يأخذ شيئا على تلاوة القرآن وإنما يجوز الأخذ على تعليم القرآن لأن التعليم عمل يتعدى نفعه إلي الغير بخلاف القراءة المجردة هذا من حيث أخذ المال وعليه فيجب على أخينا السائل أن يرد ما أخذه على صاحبه وأما قوله عن قراءة الفاتحة عند التعزية فنقول له إن هذا من البدع فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه الراشدون ولا أصحابه يقرؤون الفاتحة عند التعزية وإنما كانوا يعزون المصاب بالميت بما يليق بحاله أي بما يكون سببا لتقويته على تحمل هذه المصيبة لأن التعزية معناها التقوية وقد عزى رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى بناته بقوله لرسول أرسلته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (مرها فلتصبر ولتحتسب فإن لله ما أخذ وله ما أبقى وكل شيء عنده بأجل مسمى) فمثل هذه الكلمات العظيمة لاشك أنها تؤثر على المصاب تأثيرا بالغا يتحمل به المصيبة ويصبر عليها حيث يؤمن بأنه إذا احتسب على الله تبارك وتعالى أجر الصبر على هذه المصيبة وفاه أجره بغير حساب وكذلك بأن لله تعالى ما أخذ وله ما أبقى فالملك ملكه يتصرف فيه كما يشاء وكل شيء عنده بأجل مسمى لا يتعداه ولا يتقدم عليه فلا فائدة من الجزع وإن كان الإنسان بلا شك سوف يحزن كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موت ابنه إبراهيم (القلب يحزن والعين تدمع ولا نقول إلا ما يرضي الرب وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون) ولكن على المرء أن يصبر ولا يحدث قولا ولا فعلا ينم عن التضجر وعدم الصبر.
***
كيف يتصرف من أخذ بيتنا صبرة ولماذا سميت صبرة؟

(231/18)

فأجاب رحمه الله تعالى: الصبرة مأخوذة من الصبر وهو الحبس وذلك لأن الأرض المصبرة والبيت المصبر محبوس عند المتصبر والمتصبر في عرف الناس كالمالك في تصرفه في رقبة الملك المتصبر فتجده يحرث ويزرع ويدق المطاب للماء حفر الآبار للماء وإذا كان في أرض سكنية يبني عليها ويؤجرها ويتصرف تصرف الملاك مادامت الصبرة باقية بخلاف المستأجر فلا يملك أن يتصرف فيما استأجره من بيت أو أرض إلا على وفق الشروط التي تم عقد الإجارة عليها.
***
السائل س ع أ من جدة هل يجوز الأخذ من العمال الذين تحت كفالتي فائدة خمسة وعشرين في المائة أو آخذ شهريا خمسمائة ريال لأنهم بالراتب الشهري لا يعملون بإخلاص أفيدونا جزاكم الله كل خير؟
فأجاب رحمه الله تعالى: استجلاب العمال من الخارج إذا كان بين هذا المستجلب وبين الحكومة وفقها الله شروطا معينة فالواجب عليه أولا مراعاة هذه الشروط لأن الله تبارك وتعالى يقول (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) ويقول تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) ويقول تعالى (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا) فالواجب على من استجلب هؤلاء العمال أن يراعي
أولا الشروط الواقعة بينه وبين الحكومة ولا يخرج عنها فإذا كانت الحكومة ترضى أن يتعامل الجالب مع هؤلاء العمال كما يريد فإنه لا بأس أن يتفق معهم على نسبة معينة بشرط أن يكون له أثر في هذا العمل الذي اتفق معهم على نسبة معينة فيه بأن يكون هو الذي يتقبل الأعمال من الناس ويكون له تأثير ويكون هو المطالب وهم المنفذون فإذا اتفق معهم في مثل هذه الحال على شرط معين أي على سهم معين فلا حرج فيه ولكن كما أسلفنا لابد أن يكون ذلك لا يخالف ما اتفق مع الحكومة عليه.

(231/19)

فضيلة الشيخ: لكن لو أراد أن يعطيهم نسبة على العمل الذي يقومون به في مكانه أو في عمله أعطاهم نسبة حافزا لهم على العمل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لو أراد أن يعطيهم نسبة زائدة عن الأجور التي اتفق عليها فلا حرج في ذلك لأن هذه تعتبر مكافأة أو مجازاة على نشاطهم.
***
يقول السائل إذا استقدم الشخص عمالا للعمل لديه وقد استغنى عن بعضهم في العمل وتركهم يعملون في السوق بموجب نسبة يأخذها منهم في الشهر أو مبلغ معين يأخذه منهم في السنة هل ذلك إثم وهل المبلغ الذي يأخذه منهم حلال أم حرام أفتونا مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا أتى الإنسان بعمال فزادوا عن حاجته فإنه بإمكانه أن يردهم إلى ديارهم إذا كانت المدة التي بينه وبينهم قد انتهت أو يتنازل لهم إلى كفيل آخر حسبما يقتضيه النظام فإن لم يتمكن من ذلك فإنه لا يحل له أن يأخذ عليهم نسبة من أعمالهم التي ليس له فيها أثر وكثير من الناس نسأل الله لنا ولهم الهداية ليس لهم هم إلا الطمع والجشع فتجدهم يستقدمون عمالا كثيرين لا يحتاجون إلا إلى قليل منهم وربما لا يحتاجون منهم أحدا أبدا ويتركهم في الأسواق ويضرب عليهم ضريبة كل شهر سواء عملوا أم لم يعملوا ولا شك أن هذا غلط مخالف للأنظمة من وجه وظلم لهؤلاء العمال من وجه آخر لأنه ربما يحصل العامل هذه الضريبة التي ضربها عليه كفيله وربما لا يحصلها فيكون في هذا ظلم له والواجب على المسلمين أن يتقوا الله عز وجل وأن يجملوا في الطلب وأن يطلبوا الرزق من أبوابه الحلال حتى يحصل لهم ما وعدهم الله به في قوله (ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب).
***

(231/20)

سعاد محفوظ من الشرقية تقول في رسالتها أنا مدرسة في المدارس المسائية وفي أحد الأيام تغيبت عن المدرسة بسبب المرض والنظام لا يسمح بغياب المدرسة مع العلم بأن مديرة المدرسة اقتنعت بالغياب ولم تعتبر هذا الغياب وتقاضيت أجر هذا اليوم أفيدوني عن ذلك الأجر هل هو حلال أم حرام وما العمل بذلك الأجر؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا تخلف الإنسان عن العمل لعذر فإن أقام عنه من يقوم مقامه فإنه يستحق الأجر كاملا وإن لم يقم غيره مقامه فإن ذلك يرجع إلى ما تقضيه الأنظمة أنظمة الحكومة التي يعمل فيها فإذا كانت الأنظمة تقتضي إنه إذا تخلف يوما بعذر فإنه يستحق الأجر الكامل فلا حرج عليك بأن تأخذي الراتب كاملا وإذا كانت الأنظمة تقتضي أن من تخلف ولو لعذر فلا حق له في ذلك اليوم فإنه يجب عليك أن تردي هذا إلى المدرسة.
***
رجل يعمل عند شخص آخر ولكن صاحب العمل أنكر عمل هذا العامل بقصد حرمانه من أجرته فتقدم العامل بشكوى إلى الجهة المسؤولة فطلبوا منه إحضار شهود على عمله ولكن الأشخاص الذين يعرفون عمله هم إما جيران له أو عمال عنده والجميع يجاملون صاحب العمل فرفضوا الإدلاء بشهاداتهم فما الحكم في صاحب العمل الذي يريد حرمان هذا العامل من أجرة تعبه وما الحكم في هؤلاء الأشخاص الذين كتموا شهادة الحق؟

(231/21)

فأجاب رحمه الله تعالى: أما الذين كتموا شهادة الحق سواء في هذا السؤال الذي سأل عنه مقدمه أو في غيره كل من كتم شهادة يعلم بها فإن الله يقول في حقه (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) وإثم القلب والعياذ بالله مؤد إلى انحراف البدن لقول النبي صلى الله عليه وسلم (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) وأما بالنسبة لصاحب العمل الذي أنكر الأجير حقه فإنه قد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يقول (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره) فهذا الذي جحده سيكون الله تعالى خصمه يوم القيامة فمن كان الله خصمه فإنه مخصوم مغلوب فأنا أنصح صاحب العمل إن كان ما يقوله العامل صدقا أنصحه بأن يتقي الله تعالى في هذا العامل وأن يؤديه حقه قبل أن يأخذه يوم القيامة من حسناته.
***
السائل يقول ن. ب. س. بأنني أعمل عند شخص بمرتب شهري ومع أنني أقوم بواجبي بشكل كامل يقوم هذا الشخص بتأخير المرتب المستحق أكثر مما هو متعارف عليه ثلاثة شهور أو أربعة شهور ويتذرع بأن ليس لديه ما يدفع مع العلم بأني سمعت من بعض العمالة عنده بأنه لا يعطي من هو مستحق في ذمته بشكل كامل فهل يجوز أن آخذ أجري من دون علمه من باب الحيطة.

(231/22)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يحل لإنسان إذا ظلمه أحد ولم يوفه حقه أن يأخذ من ماله بغير علمه لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) وأخذه بلا علمه خيانة إلا في النفقة فقط فإن للذي له النفقة إذا لم يقم بها من تجب عليه أن يأخذ من ماله بغير علمه وذلك لأن هندا بنت عتبة سألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقالت إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي أفآخذ من ماله بغير علمه فقال النبي صلى الله عليه وسلم خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف.
***
هذا مستمع من بلجرشي رمز لاسمه بـ غ. ح. يقول فضيلة الشيخ هل تعاملي مع عامل استقدمته بمبلغ سبعمائة ريال مثلا، وعند وصوله السعودية تعاملت معه بالنسبة علما بأنها أصلح من راتبه وأكثر، هل هذا جائز أم لا رغم أنني لا أتعب معه في شيء إلا بالكفالة وفي السكن نرجو من فضيلتكم إفادة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الإفادة على هذا السؤال لا تتعلق بهذا البرنامج وإنما ترجع إلى النظم المرعية لدى الدولة فيرجع هذا السائل إلى الجهات المختصة فيما يتعلق بالعمال ويسأل فإذا أذنوا له في أن يعاملهم بالنسبة فلا حرج أن يعاملهم بالنسبة بشرط أن يكون هو المتقبل للعمل القائم بما يتطلبه العمل ويكون عليه هو شيء وعلى العمال العمل وتكون نسبة الربح بينه وبينهم على ما يشترطون، إنما لابد أن تكون الدولة قد علمت بهذا ووافقت عليه.
***
السائل جعفر من القصيم بريدة يقول إذا كان الرجل يشتغل في شركة وعمله هذا يتطلب التجول في المزارع وإصلاح الماكينات والآلات الزراعية وبعد الانتهاء من هذا العمل يعطيه صاحب العمل مبلغا من المال غير محدد ولم يطلب العامل ذلك بل بالعكس يحاول عدم تناوله ولكنه يصر على إعطائه إضافة إلى راتبه من الشركة هل هذا يعد حلالا أم لا يجوز له تناوله؟

(231/23)

فأجاب رحمه الله تعالى: الورع أن لا يقبل هذا الشيء وأن يدعه لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عاملا على الصدقة يقال له عبد الله بن اللتبية فلما رجع بالصدقة قال هذا لكم وهذا أهدي إلي فخطب النبي عليه الصلاة والسلام وأنكر ذلك وقال (هلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى ينظر أيهدى له أم لا) فدل ذلك وهو قوله (هلا جلس في بيت أبيه وأمه) على السبب الذي من أجله حذر أصحاب الأعمال العامة من قبول ما يهدى إليهم فهذا العامل لو أنه جلس في بيته ما أهدى إليه صاحب البستان شيئا فلولا أنه عمل ما أهدي إليه وعمله هذا له أجر مستحق على الشركة فلهذا ينبغي له أن لا يقبل منه شيئا فإن هذا أسلم وأورع.
***
لو أعطي عامل في ورشة زيادة على أجرته وذلك لحسن عمله وخلقه فهل هذه الزيادة تكون للعامل أم لصاحب الورشة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: تكون للعامل لأنك إنما أعطيته إياها من أجل حسن معاملته أما صاحب الورشة فله الأجرة المعتادة.
***
بعض الزبائن يأتون إلى المكتب العقاري ويسألون عن سكن وإذا شاهدوا المحل دفعوا عربونا لكي يكون على حظهم تقريبا خمسمائة ريال سعودي ويذهبون إلى مكاتب أخرى ويبحثون في محل مثل الدور أو شقق أو الدكان وإذا وجدوا عقارا أفضل لم يأتوا إلينا هل العربون الذي أخذناه حلال لنا أم لصاحب العقار المنزل وأحيانا لا يأتون إطلاقا نرجو بهذا إفادة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: العربون هو الذي يقدم عند عقد البيع أو الإجارة على أن المقدم لهذا العربون إن أتم العقد فهو من الثمن أو من الأجرة وإن لم يتم العقد فهو لصاحب العقار أو البائع فعلى هذا فإذا أعطاكم المستأجر خمسمائة ريال على أنها عربون ولم يحضر وأيستم من حضوره فهي لكم ولكنها تكون لصاحب العقار ولصاحب المكتب منها مقدار أجرته فإذا كان له على المائة خمسة ريالات فإنه يأخذ على هذا على هذا العربون نصف العشر.
***

(231/24)

السائل س. س. هـ. مصري مقيم بالمدينة المنورة بعث بهذه الرسالة يقول في سؤاله الأول هل يعتبر المتوفى في عملية جراحية بسبب المخدر أو خطأ من الطبيب هل يعتبر شهيدا وماذا على الطيب الذي وقعت الوفاة تحت يده أو بسببه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يعتبر هذا شهيدا لأن هذا الموت حدث باختيار منه وبفعل منه وإن كان هو لم يقصده لكنه ليس كالحريق ولا الغريق ولا من مات بهدم ونحوه لأن أولئك الذين ماتوا بهذه الأسباب لم يكن ذلك ناشيءا عن فعلهم وأما بالنسبة للطبيب الذي عالجه فإن كان الطبيب ماهرا وكانت هذه الوفاة بسبب العملية نفسها دون خطأ من الطبيب فإنه لا شيء عليه وأما إذا كانت بخطأ منه أو كان غير ماهر فإنه يضمن لأنه إن كان غير ماهر فقد تعدى حيث لا يجوز لأحد أن يتطبب بشخص وهو لا يعلم الطب وإن كانت بخطأ منه فإن إتلاف الأموال والأنفس لا يعتبر فيه القصد بالنسبة للضمان ولهذا قال الله تعالى (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا) وهذا بخلاف إذا مات من العملية نفسها فإن العملية نفسها إذا كانت من ماهر عارف بالجراحة ليس فيها خطأ وليس فيها تعد فلا يكون الطبيب في هذه الحال ضامنا.
***

(231/25)

الحجر
وردتنا هذه الرسالة من القصيم ومن بريدة من المرسلة ط. م. ب. تقول عندنا ولد وبنت وهما في سن العاشرة والبنت عمرها إحدى عشرة سنة تقول ويأتيهما بعض النقود من الزوار الذين يأتون إلينا أو من أقاربنا ويشترون بهذه النقود التي تبلغ العشرة والعشرين إلى أن تصل إلى المائة هل يجوز لنا أن نحتال عليهم ونكذب لنأخذ هذه النقود منهم أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هؤلاء صغار والصغار يجب على أوليائهم أن لا يمكنوهم من التلاعب بأموالهم لقول الله تعالى (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما) وقوله (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) وحفظ الأموال أمر واجب فهؤلاء هذا الولد وهذه البنت تؤخذ الأموال التي تعطى إليهم إذا كانت كثيرة ويعطون منها ما تطيب به نفوسهم يشترون به ما يتلهون به مما يكون مباحا لأمثالهم والباقي يحفظ لهم هذا هو الواجب على أوليائهم وأما أن يمكنوهم من التلاعب بالأموال فهذا حرام على أوليائهم أن يمكنوهم منه.
***
هل لسن البلوغ عمر معين فإن كان ففي أي سنة يبلغ الرجل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المشهور عند أهل العلم أن البلوغ له سن معينة وهو تمام الخمس عشرة سنة واستدل أهل العلم على ذلك بحديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال (عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني ولم يرني بلغت فعدت إليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني يعني ورآني قد بلغت) فإذا تم الإنسان خمس عشرة سنة فقد بلغ وقد يبلغ الإنسان قبل أن يتم له خمس عشرة سنة وذلك بنبات العانة وهي الشعر الخشن الذي ينبت حول القبل وقد يبلغ قبل ذلك وذلك بنزول المني بشهوة فإنه متى نزل منه المني بشهوة يقظة أو مناما صار بالغا وإن لم يكن له إلا اثنتا عشرة سنة.
***

(232/1)

المستمع م. س. ع. يقول لي أخت توفيت وكان لديها مجموعة من الحلي الذهبية وقد أنجبت ابنتين وابنا واحدا فقامت والدتي وأخذت رأي زوجها ووالدها في بيع الذهب وجعل قيمته لعدة حجج تعطيها لشخص يقوم بالحج لأختي المتوفاة فوافق زوجها ووالدها على ذلك فقامت والدتي ببيعه وبقي منه ما قيمته عشرون ألف ريال فهل يجب أخذ رأي الأولاد علما أنهم قصر فلا يتجاوز عمر الكبرى من البنات خمس سنوات وجميعهم تحت كفالة والدتي التي هي جدتهم منذ توفيت أمهم وهل لهم الحق في المطالبة بما تركته أمهم من مال بعد بلوغهم سن الرشد وهل يلحق والدتي إثم على تصرفها ببيع الذهب وإنفاق شيء منه في الحج لأمهم وماذا عليها أن تفعل الآن؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أقول إن هذا التصرف لا يحل بالنسبة لميراث القصر لأن القصر لا يجوز لأحد أن يتبرع بشيء من مالهم حتى ولا للميت الذي خلف هذا المال فإن الله تعالى يقول (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) وعليه فإنه يجب أن تضمن هذه الأم المتصرفة لأولاد المرأة القصر ما نقص عن ميراثهم لأنها هي التي أتلفته عليهم على وجه لم يأذن به الشرع ويجب على إخواننا المسلمين أن لا يتصرفوا في شيء حتى يسألوا أهل العلم ليكونوا على بصيرة من أمرهم فيتصرفوا تصرفا يرضاه الله ورسوله وأما كون الإنسان يستحسن الشيء فيتصرف فيه مع تعلق حق غيره به فإن هذا لا يجوز ولا يحل.
***
المستمع خلوي غازي محمد المطيري من السر يقول توفيت زوجتي وكانت أوصت بثلث مالها لولدها حين يبلغ سن الرشد وقد حفظت ذلك الثلث إلى أن بلغ ولدها سن الرشد فدفعته ولكنه سيئ التصرف فيه ولا يعمل لتنميته وزيادته بل يصرف منه حتى يتناقص ودون عمل على زيادته وأنا أسأل أولا هل مثل هذه الوصية صحيحة أم لا وهل أترك ولدها يتصرف كيف يشاء في هذا الثلث أم أسترده منه حتى أعلم منه حسن التصرف أفيدوني جزاكم الله خيرا؟

(232/2)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه وصية صحيحة ولكنها قالت في وصيتها أنه يكون في يدك حتى يبلغ ابنها سن الرشد ومعنى بلوغ ابنها سن الرشد أن يكون رشيدا فلا يحل لك أن تسلمه إليه حتى تعلمه أنه قد صار رشيدا في تصرفه ومادام الأمر قد وقع فإنه لابد أنه أن تبلغ الأمر إلى المحكمة التي في بلدكم حتى تقوم بما يجب نحو هذا الموضوع.
***
لي والد كبير في السن وهو قد وصل إلى مرحلة التخريف وله أرض كبيرة ونرغب في تخطيطها وبيعها على شكل قطع سكنية ولكن يقول البعض من الأخوة ما دام الوالد على قيد الحياة فلا حق لكم في التصرف هل يجوز لي أن آخذ صك ولاية من المحكمة لأجل مصلحته؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان تصرفه غير سديد فلا بد أن تبلغ بذلك المحكمة حتى تتخذ الإجراء اللازم.
***

(232/3)

الحوالة
ما حكم تحويل ريالات سعودية من المملكة مثلا إلى دولارات إلى خارج المملكة عن طريق الحوالات؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة لها صورتان جائزتان:
الصورة الأولى أن يصرف الدراهم السعودية في المملكة بدولارات ويأخذ الدولارات ثم يحول هذه الدولارات إلى بلده وهذا لا إشكال في جوازه لأنه صرف دراهم سعودية بدولارات مقبوضة.
والصورة الثانية أن يحول الدراهم السعودية إلى البلد الثاني على أنها دراهم سعودية ثم هناك يتعاقد وكيله مع الجهة التي حولت إليها الدراهم السعودية على أن تبدل الدراهم السعودية بدولار بسعره في ذلك المكان فيصرف الدراهم السعودية إلى دولارات بسعرها في ذلك المكان وهذا أيضا لا إشكال في جوازه.
الصورة الثالثة فيها إشكال وهي أن يعطيه دراهم سعودية هنا ويقدر قيمتها من الدولار ويتم العقد بينهما ثم يحول الدولارات إلى البلد الثاني فهذه محل نظر لأنها مصارفة بدون قبض العوض لكني أقول إن شاء الله تعالى وأسأل الله أن يعفو عني إن أخطأت أقول إذا دعت الضرورة إلى هذا ولم يكن سبيل إلى إيصال الدراهم لبلد الصارف إلا بهذه الطريقة فأرجو أن لا يكون في ذلك بأس لما في ذلك من التيسر على المسلمين وعدم وجود دليل قطعي يمنع ذلك.
***
المرسل م. م. ي من الرياض يسأل عن التحويل بواسطة النقود يقول ما حكم تحويل الدراهم عن طريق البنك بمعنى أن أدفع ريالا سعوديا هنا في السعودية، ويعطي لي درهما مغربيا هناك بموجب الشيك يسلم إلي وأبعثه إلى المغرب عن طريق البريد وبعد ذلك يستلم به المبلغ المبعوث هناك والمتفق عليه؟

(233/1)

فأجاب رحمه الله تعالى: فهمنا من هذا السؤال أنه يريد صرف نقد بنقد بدون قبض بمعنى أنه يصرف دراهم سعودية إلى دراهم مغربية بدون أن يقبض العوض هذا وجه، وجه آخر أنه يقبض الشيك الذي حول إلى دراهم مغربية وقد سلم دراهم سعودية، أما الأول فإنه ربا لأننا نرى أن التعامل في هذه الأوراق النقدية يجري فيه ريا النسيئة بمعنى أنه لا يصرف بعضها إلى بعض إلا يدا بيد لأنها نقود اختلف نوعها فتكون بمنزلة الذهب والفضة، والذهب والفضة إذا بيع أحدهما بالآخر فلابد أن يكون يدا بيد، وأما تحويله إلى شيك فهو أيضا مثل الأول لأن الشيك يعتبر ورقة تحويل وليس قبضا للعوض وبهذا لو فرض أنه لم يجد رصيدا للجهة التي حول إليها بهذا الشيك يرجع به على الأول ولا يعتبر مستلما لما حول به، ما دام أن الشيك بيده حتى يقبض عوضه، فلا فرق بين أن يسلم شيكا به أو يكتب معه كتاب ويبلغ به الجهة الأخرى هذا هو رأينا في هذه المسألة، هذه الأوراق النقدية اختلف فيها الناس اختلافا كثيرا على نحو ستة أقوال لأهل العلم لكن الذي يترجح لي هو ما أشرت إليه أنه يجري فيه ربا النسيئة دون ربا الفضل فنقول الآن الطريق السليم إلى هذا أن تشتري من هنا دراهم مغربية وتعطيها للبنك يحولها لك إلى المغرب مثلا أو تشتري دولارا أمريكيا من هنا وتعطيه البنك يحوله لك في أمريكا وهكذا، وأما أن تعطيهم عملة سعودية ثم تقبض عوضها عملة أخرى في البلد الذي حولت عليه فلا يجوز هذا.
فضيلة الشيخ: لو اشتريت مثلا نقودا مغربيا ووضعتها في البنك لن تستلمها نفس العملة هناك وإنما تبقى أيضا ورقة لتسلم هناك عملة؟

(233/2)

فأجاب رحمه الله تعالى: بارك الله فيك هذا لما اشتريت عملة مغربية صرفتها بعملة سعودية هذا هو الصرف صار يدا بيد، ثم أعطى البنك هذه دراهم مغربية ليحولها إلى المغرب مثل ما إني أعطي البنك في الرياض دراهم سعودية ليحولها إلى القصيم دراهم سعودية ولكن هذا من باب البيع، هذا يسميه العلماء سفتجة بمعنى إنه يأخذ منك دراهم في هذا المكان ثم يحولها لك في المكان الآخر تقبض منه.
***
نحن نشتغل في المملكة وبعد فترة من الزمن نرسل مصاريف للأهل بالسودان مع بعض الاخوة السودانين ونقوم ببيع الريالات لهم مقابل الجنية السوداني ويقوم هؤلاء الناس بتسليم المبلغ بالجنيهات السودانية إلى الأهل فهل في ذلك ربا أرجو التوضيح مأجورين؟

(233/3)

فأجاب رحمه الله تعالى: قبل الكلام في الجواب عن هذا السؤال أود أن أبين أن الله سبحانه وتعالى حرم في كتابه الربا وقال الله تعالى (وأحل الله البيع وحرم الربا) وجاء فيه من الوعيد الشديد ما لم يأت في ذنب سواه إلا الشرك فقال الله تعالى وتبارك (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون (130) واتقوا النار التي أعدت للكافرين (131) وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون) وقال الله سبحانه وتعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (278) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) وقال الله سبحانه وتعالى (ف من جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (275) يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم) وثبت عن النبي صلى الله علية وآله وسلم أنه (لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه وقال هم سواء) فالربا أمره عظيم وشأنه خطير ومن نبت جسمه على الربا فقد نبت جسمه على السحت والعياذ بالله والمرابون من هذه الأمة يشابهون اليهود الذين قال الله فيهم (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا (160) وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما) ولا أظن

(233/4)

مسلما يرضى لنفسه أن يكون مشابها لليهود بل لو قلت لأي واحد من المسلمين أنت يهودي لنفر من ذلك أشد النفور ولخاصمك على هذه الكلمة التي وصمته بها وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم الربا أين يكون وكيف يكون فقال عليه الصلاة والسلام (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والتمر بالتمر والشعير بالشعير والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربا) فهذه الأصناف الستة هي التي يكون فيها الربا إذا باع الإنسان جنسا منها بمثله فإنه يجري فيهما ربا الفضل وربا النسيئة ولابد لتوقي هذين النوعين من الربا من التساوي بينهما وزنا فيما يوزن وكيلا فيما يكال والتقابض قبل التفرق لقوله عليه الصلاة والسلام (مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد) وإذا بيع جنس بآخر موافقا له في علة الربا فلا بد من شرط واحد وهو التقابض قبل التفرق لقوله عليه الصلاة والسلام (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شيءتم إذا كان يدا بيد) أما إذا كان لا يوافقه في علة الربا كبيع البر بالذهب أو الفضة فإنه لا يجري الربا بينهما فلا يشترط فيهما تقابض ولا يشترط فيهما تماثل وعلى هذا يجوز أن تبيع صاعا من البر بدرهم أو درهمين أو دينار أو دينارين وإن لم تقبض العوض لأنه لا ربا بين مكيل وموزون وعلى هذا يتنزل التبادل في العملات كالجنية السوداني والريال السعودي فانه لا باس أن يحصل التفاضل بينهما ولكن لا بد من التقابض في مجلس العقد قبل التفرق فإذا كان عند الإنسان السوداني في السعودية دراهم سعودية وأراد أن يحولها إلى جنيهات سودانية فإنه يذهب إلى أهل الصرف ويعطيهم الدراهم السعودية ويأخذ بدلها في الحال جنيهات سودانية ثم يرسلها إلى أهله أو يرسل دراهم سعودية إلى أهله وهم هناك يصرفونها إلى جنيهات سودانية ويأخذون العوض فورا هذه هي الطريقة السليمة إما هذا وإما هذا وإما أن يعطي دراهم سعودية هنا ويأخذ عنها عوضا جنيهات سودانية في

(233/5)

السودان فإن هذا لا يجوز لأنه ربا نسيئة وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام (إذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شيءتم إذا كان يدا بيد).
***
مسألة كثيرة التداول الآن بين الناس , يأتي شخص ليسافر خارج المملكة ليسافر مثلا إلى لندن أو إلى أمريكا أو إي جهة أخرى فيذهب إلى البنك مثلا يأخذ منه شيكا مقابل نقود يدفعها للبنك ويحوله البنك في هذا الشيك إلى إي بنك في الدولة الخارجية وربما أن البنك تصرف في النقود قبل أن يصل المسافر وهذا لا يعد قبضا فهل هذا جائز أو غير جائز؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نرى أن مثل هذه الحالة إذا كان صرفا بمعنى أنه سيسلمه عملة حسب عملة البلد التي فيها البنك ثم البنك سوف يحولها إلى عملة البلد الذي سوف يسافر إليه فهذا في الحقيقة صرف ولا يجوز هذا العمل لأنه سيتأخر القبض , أما إذا أعطاه هذا الرجل من عملة البلد الذي سيسافر إليه وقال خذ هذه مثلا مائة دولار وهو يريد أن يسافر إلى أمريكا حولها لي إلى مائة دولار بالبنك الأمريكي مثلا هناك فهذا لا بأس به لأن هذا ليس ببيع , أنا ما بعت مثلا نقدا سعوديا مثلا بنقد أمريكي إنما أعطيته نقدا أمريكيا ليحوله إلى نقد أمريكي نفسه.
***
السائل طاهر حسن يقول أنا مقيم بالمملكة ولدي أولاد في بلدي مما يدعوني أن أرسل إليهم مصاريف إما عن طريق البنك أو عن طريق شخص يتعامل في التحويل أو تبديل العملات ويتم ذلك عبر الاتصال التلفوني ولم يكن هناك تقابض مع الطرف المحول فهل علي شيء في ذلك علما بأنني قرأت حديثا في منهاج المسلم يخص الصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بيعوا الذهب بالفضة كيف شيءتم يدا بيد) ومن شروط صحة جواز الصرف التقابض في المجلس وأنا يتعذر علي ذلك فهل علي شيء؟

(233/6)

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب أنه يمكن أن تحول الدراهم بالعملة التي في البلد الذي أنت فيه فإذا بلغت المحال عليه صرفها إذا شاء بسعر يومها في ذلك البلد مثال ذلك تحول عن طريق البنك الدراهم على أنها سعودية فإذا وصلت البنك في بلدك وأتى المحال له ليقبضها ويريد أن يحولها إلى عملة بلدك فليسأل كم السعر ثم يصارف البنك الذي حولت إليه في سعرها في وقتها ويقبض هذه طريقة لا بأس بها ولا فيها كلافة فليلزمها فإنها جائزة أما التحويل وصرفها إلى نقود البلد المحال عليه بدون قبض فهذا لا يجوز.
***

(233/7)

الديون والأمانات
لدينا صندوق خيري ونحن أبناء منطقة واحدة ونجمع كل شهر مبلغا معينا من المال ويوضع عند أمين الصندوق هل يحق لأمين الصندوق أن يأخذ من هذا المبلغ شيئا إذا احتاج إليه ليسدده فيما بعد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يحل لأمين الصندوق أن يأخذ منه شيئا ليسدده فيما بعد وهكذا كل أمين على شيء كولي اليتيم والوكيل وغيرهما لا يحل لهم أن يأخذوا شيئا لأنفسهم ولو كان بنية الإرجاع فيما بعد لأن الأمين مؤتمن فلا يحل له أن يتجاوز ما ائتمن عليه.
***
كان عندي أمانة مبلغ من المال لأحد الأشخاص ونظرا لحاجتي الشديدة له تصرفت فيه وضيعته في استعمالي الشخصي وقلت لصاحبه بأنه ضاع ولكن الآن أريد أن أرد هذا المبلغ بعد فترة طويلة ودون أن يعلم هذا الشخص فماذا أفعل مأجورين هل أتصدق به أم ماذا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم أولا تصرفك فيه بدون إذن صاحبه حرام عليك وأنت آثم بذلك غير مؤد للأمانة وقد قال الله تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) فعليك أن تتوب إلى الله ولن تقبل توبتك حتى ترد المال إلى صاحبه فعليك أن ترده إليه وأن تعتذر منه وتسترضيه ولا فكاك لك من ذلك إلا بهذا حتى لو تصدقت به أو أعطيته إياه بدون علمه فإن ذلك لا يكفي لا بد أن تعلمه وتقول له يا فلان إني احتجت ذات يوم وبناء على ما بيني وبينك من الثقة استقرضت المال وأدتني الحاجة إلى أن أكذب عليك وأقول إنه ضاع فالآن أرجو منك السماح وهذا مالك وإني أرجو من صاحبك أن يعذرك وأن يقبل عذرك لأن في هذا أجرا وثوابا عند الله تعالى.
***
إنني رجل غير مديون أي لا يطلبني أحد البتة لكن لي بعض النقود عند الآخرين فهل يلزمني كتابتها علما أني لو توفيت فأنا مسامحهم ولو توفى أحد منهم فأيضا أنا مسامحه في ذلك.

(234/1)

فأجاب رحمه الله تعالى: أقول جزاك الله خيرا على هذه الهمة العالية وما وجب لك من الحقوق على الناس فإن كتابته أولى وأحسن لأن في ذلك ردا لمالك ولنفسك ولمن يأتي من بعدك ثم إن فيه ضبطا لصاحبك الذي أنت تطلبه لأنه قد يأتيك يوما من الدهر وقد نسي ما عليه فيقول لك ما هو الذي علي لك حتى أوفيك إياه فإذا لم يكن مكتوبا قد تنساه أنت وينساه هو وحينئذ يقع في النفوس حرج من هذا الأمر وإن كان باب الصلح واسعا ولله الحمد لكن الذي ينبغي للمرء أن يقيد ماله كما أنه يجب عليه أن يقيد ما عليه لا سيما إذا لم يكن فيه بينة قال النبي صلى الله عليه وسلم كما صح في حديث ابن عمر (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا وصيته مكتوبة عنده).
***
طه عبد المقصود من مكة المكرمة يقول فضيلة الشيخ أعمل في محل حلوى أي بائع حلوى فيحدث أن يكون هناك بعض من الأخطاء في الحساب مع الزبائن بالنقص أحيانا وبالزيادة أحيانا أخرى فماذا أفعل علما بأنني لا أرى الأشخاص مرة أخرى فانصحوني ووجهوني مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما ما يحصل من الخطأ من الحساب وهو غير متعمد فلا إثم عليك فيه لكنني أشير عليك بأن ما حصل من نقص عليك أن تعفو عمن حصل منه هذا النقص لقول الله تعالى (فمن عفا وأصلح فأجره على الله) وأما ما حصل من زيادة تدخل عليك فإن كنت تعلم صاحبها فالواجب عليك ردها إليه وإن كنت لا تعلم صاحبها أو تعلمه ثم نسيته أو بحثت عنه فلم تجده فهنا تصدق بالزيادة التي دخلت عليك عن صاحبها التي هي له والله سبحانه وتعالى يعلم ذلك وبهذا تبرأ ذمتك وهذا الحكم أعني التصدق بما لا يعلم من هو له أو علم ثم نسي أو بحث عنه فلم يوجد هذا الحكم عام في كل ما كان على هذا الوجه أن يتصدق به الإنسان عن صاحبه والله سبحانه وتعالى عالم بصاحبه ويوصل إليه ثواب هذه الصدقة.
***

(234/2)

عندي نقود لرجل ولكنني بحثت عنه ولم أجده فماذا يجب علي أن أفعل مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا أيست منه ولم تعلم له وارثا فتصدق بهذه الفلوس عنه ثم إن جاء يوما من الدهر فخيره وقل له إني أيست منك وتصدقت بالدراهم فإن أجزتها فالأجر لك وإن لم تجزها فهذه دراهمك والأجر لي.
***
يقول عملت موظفا في إحدى الشركات بوظيفة محاسب لعدة سنوات وكان المؤسس لهذه الشركة قد أصيب بمرض أقعده عن العمل وأصبح مختل العقل ولم يكن لديه قدرة على التفكير والتمييز فوكل أحد الورثة بجميع أعماله وكان هذا الوكيل يأمر بصرف الرواتب والمكافآت والأعطيات والصدقات وغيرها يقول وأيضا فقد حصل تقصير مني في أداء العمل جهلا ونسيانا وكنت أظن بأن الوكيل يقوم مقام المالك في الأمر والنهي وبعد وفاة صاحب المؤسسة تحللت من الوكيل الشرعي وقد أباحني عن كل خطأ وتقصير إلا أنه لازال في نفسي شيء من الحزن والألم في التقصير الكثير الذي حصل مني فهل يلزمني أن أتحلل من جميع الورثة وماذا أفعل لتبرأ ذمتي؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان قد جرى منك تقصير عمدا فإن عليك أن تتحلل ورثة من وكلك لأنك غير معذور بذلك وأما إذا كان الذي حصل منك خطأ وأنت حين التصرف تظن أنك مصيب وأنك على حق فإنه لا ضمان عليك ولا يلزمك أن تتحلل الورثة فانظر في أمرك إن كان الأمر كما قلت أولا أي أنه حصل منك تقصير تعرف أنه تقصير ولكنك تهاونت فعليك أن تتحللهم وإن كان الأمر على غير ذلك وأنك عملت العمل ترى أنه عمل موافق مفيد فلا شيء عليك.
***

(234/3)

أعمل في أحد المؤسسات الخاصة الصغيرة وأعمل بائعا في محل للجرد وأتحمل مسؤولية ذلك حيث إن صاحب المحل يتأخر كثيرا في دفع رواتبي مثلا يتأخر في دفع الراتب أكثر من ثلاثة شهور وهو يعلم جيدا بأنني أتحمل مسؤولية أسرة في بلدي ومع ذلك لا يبالي مما اضطرني أن آخذ مبالغ من المال الموجود في عهدتي لكي ألتزم بالإنفاق على أسرتي في بلدي علما بأنني آخذ أقل من حقي لديه حتى يغطي جزء من المتأخر لدي من الرواتب و السؤال هل يجوز لي هذا؟

(234/4)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز للإنسان أن يأخذ من مال غيره ولو كان مدينا له إلا بإذنه وذلك أن الأصل في مال الغير أنه حرام محترم لقول الله تعالى (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) ولكننا نوجه النصيحة الخالصة لكفيلك الذي أنت تعمل عنده نحذره من المماطلة بحق الأجراء لأن المماطلة بحقهم ظلم لا يزداد به الإنسان إلا إثما و لا يزداد بها ماله إلا فشلا ونقصانا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (مطل الغني ظلم والظلم ظلمات يوم القيامة) والعجب لهؤلاء الكفلاء الذين يماطلون بحق العمال عندهم أنهم يعلمون علم اليقين أنهم لن يوفوا هؤلاء العمال أجرهم مرتين فلماذا يماطلون بهم هل المماطلة تقتضي أن ينقص من أجور العمال شيئا فليتقوا الله تعالى في هؤلاء الذين فارقوا بلادهم وأهليهم من أجل لقمة العيش ثم يماطل به هؤلاء الكفلاء لأن ذلك ضرر من وجهين الوجه الأول المماطلة والوجه الثاني أن هؤلاء العمال لهم عوائل في بلادهم يحتاجون إلى الإنفاق فيبقى هؤلاء الأهل متضررين لعدم دفع نفقاتهم من قبل عائلهم الذي موطل بحقه ويا سبحان الله كيف يرضى هؤلاء الكفلاء أن يماطلوا هؤلاء العمال الفقراء ويؤخروا أجورهم إلى شهرين أو ثلاثة أو أكثر وهم لو نقص العامل من عمله شيئا يسيرا لعاقبوه على ذلك إن قوما هذا شأنهم لداخلون في قول الله تعالى (ويل للمطففين (1) الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون (2) وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون (3) ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون (4) ليوم عظيم (5) يوم يقوم الناس لرب العالمين) نسأل الله الهداية والتوفيق للخير لجميع المسلمين.
***

(234/5)

يقول أقرضت شخصا مبلغا من المال ولم أستلم منه وثيقة تثبت هذا الدين في ذمته وقد مكث مدة طويلة عنده وعندما طالبته به أنكر ورفض إعطائي فهل يجوز لي أن أختلس من ماله بقدر مالي عنده بدون علمه وهل هذا يشتمل عليه معنى قوله تعالى (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) وإن لم يكن كذلك فما معنى الآية؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز لك أن تختلس شيئا من ماله بهذه الدعوى وإنما الواجب عليك إذا كنت تريد إثبات حقك أن تشهد على صاحبك حتى إذا أنكر فإذا البينة عندك وإذا لم يكن عندك بينة وأنكر فإن الحكم في الشرع أن يوجه إليه اليمين فيحلف أنه ليس في ذمته لك شيء وحينئذ يبرأ براءة في الظاهر حسب الظاهر للقاضي والباطن يحاسبه الله عليه يوم القيامة إذا كان كاذبا فإنه والعياذ بالله يلقى الله وهو عليه غضبان كما ثبت بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (فيمن حلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال امرئ مسلم يلقى الله وهو عليه غضبان) ولكنه ظاهرا قد برئ ولا يحل لك أن تختلس شيئا من ماله لأنك تعتبر خائنا حينئذ أو معتديا وأما قوله تعالى (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه) فهذا في الحقوق التي لا يبرأ منها من أنكرها أما هذا الرجل فإنه برئ منها بإنكارها وتوجيه اليمين عليه وحينئذ إذا حلف فليس لك عليه حق في الدنيا أما في الآخرة فلك الحق ثم الآية الكريمة (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه) ظاهرة في العدوان البين أما هذا فليس هناك عدوان بين لأن الأمر بينك وبينه فلا يمكن أن يسلطك على ماله مع أن الشرع قد حكم ببراءته ظاهرا.
***
حارس يعمل عند صاحب عمارة ويقول إن صاحب العمارة لم يعطه راتبه ووجد لصاحب العمارة ثلاثمائة ريال فأخذها فهل يجوز له أخذها أم لا؟

(234/6)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة يعبر عنها أهل العلم بعنوان مسألة الظفر وهي على القول الراجح لا تجوز بمعنى أن الإنسان إذا كان له حق على شخص وهذا الإنسان لم يؤده حقه فهل يجوز أن يأخذ شيئا من ماله إن قدر عليه بمقدار حقه نقول الصحيح أنه لا يجوز إلا إذا كان سبب الحق ظاهرا مثل لو كان الحق نفقة مثل الزوجة تأخذ من مال زوجها إذا لم يقم بواجب النفقة وكالقريب يأخذ من مال قريبه إذا لم يقم بواجب النفقة فهذا لا بأس به وكذلك الضيف يأخذ من مال من استضافه إذا لم يقم بواجب الضيافة فهذا لا بأس به لكن بشرط أن لا يكون في ذلك فتنة وألا يكون في ذلك سبب للعداوة والبغضاء والشجار وأما مسألة هذا السائل أنه يطلبه حقا خاصا ليس سببه ظاهرا فإنه لا يجوز له أن يأخذ هذه الدراهم التي قدر عليها من ماله بل إنما الواجب أن يكف يده عما وجد ثم يخاصم صاحبه وأبواب المحاكم مفتوحة و لله الحمد.
***
هنالك شخص يطلب آخر مبلغا من المال ويخجل أن يطلبه منه لأنه قليل فهل يجوز له أن يأخذه على وجه الخفية؟

(234/7)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يحل للإنسان إذا كان له على شخص دين أن يأخذه منه بطريقة الخفية لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) ولم يرد أن يأخذ صاحب الحق حقه خفية إلا في باب النفقات فإن هند بنت عتبة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقالت إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني وبني فهل علي من جناح إن أخذت من ماله بغير علمه فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (خذي من ماله ما يكفيك ويكفي بنيك بالمعروف) فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تأخذ من ماله بغير علمه ما يكفيها ويكفي بنيها وهذا يدل على أن من له نفقة على شخص وهذا الشخص يبخل عليه بالنفقة فله أن يأخذ من ماله بغير علمه ما يكفيه بالمعروف وألحق العلماء رحمهم الله في ذلك ما كان سببه ظاهرا كالضيف إذا نزل بشخص وامتنع من ضيافته فإن للضيف أن يأخذ من ماله ما يكفيه لضيافته بالمعروف من غير علمه لأن الحق في هذا ظاهر فإن الضيف إذا نزل بالشخص يجب عليه أن يضيفه يوما وليلة حقا واجبا لا يحل له أن يتخلف عنه أما الديون فإنه لا يحل للإنسان أن يأخذ من مال المدين بغير علم.
***
إذا باع الرجل سلعة إلى أجل فما هي الطريقة الشرعية لتوثيق الدين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الطرق ثلاثة
الأول الرهن بأن يقول للمشتري أعطني رهنا فيعطيه رهنا إما نفس السلعة التي باعها عليه وإما عقارا وإما سيارة المهم أن يأخذ به رهنا فهذه توثقة إذا حل الدين ولم يوف فللدائن أن يبيع الرهن ويستوفي حقه منه.
الطريق الثاني الضمان ضمان المدين بأن يأتي برجل ثقة غني وفي ويقول هذا الرجل يضمنني بدين فإذا حل الأجل أجل الدين فإن لصاحب الحق وهو الدائن أن يطالب الضامن بما ضمنه له

(234/8)

الطريق الثالث الكفالة وهي أن يكفل شخص المدين بإحضاره إلى الدائن حين حلول أجل الدين والفرق بين الضمان والكفالة أن الضمان ضمان الدين وأما الكفالة فهي ضمان إحضار المكفول فإذا أحضر الكافل المكفول بريء منه.
***
م خ ع مقيم بالكويت يقول بأنه شاب كان يعمل مع شخص وقتا إضافيا وكان في كل فترة يعطيه هذا الشخص الحساب كاملا بعد أن يسأله عن عدد الأيام التي اشتغل معه فيها وبعد ذلك يقول اكتشفت بخطأ في المبالغ التي أخذتها بزيادة مع العلم بأن هذا المال أنفق في بناء منزل.
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم إذا تبين الخطأ فالواجب الرجوع إلى الحق والواجب على هذا الذي أخذ أكثر مما لا يستحق أن يرد ما زاد على صاحبه فإن قدر أنه مات رده على ورثته لأنه ما زال باقيا في ذمته ولا يبرأ إلا بتسليمه لمن هو له .
***
البائع الذي يخطئ في الحساب قد يعطي للزبون بالزيادة وبالأقل وبدون قصد هل يدفع الخسارة ويأخذ الزيادة نرجو بهذا إفادة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجب على البائع إذا علم أن المشتري أعطاه أكثر مما له يجب عليه أن يرده إليه إن علمه فإن كان قد مات رده إلى ورثته فإن لم يعلمه وأيس من رجوعه فإنه يتصدق به عنه وأما إذا تبين أن المشتري أعطاه أنقص مما له فله أن يبحث عن هذا المشتري ويطالبه بالناقص لكن هل يقبل أو لا يقبل هذا أمر يرجع على المحكمة.
***
كنت أعمل عند صاحب مزرعة وعندما جاء ليدفع لي أجري أخطأ في الحساب وزاد لي وأنا الآن محرج جدا أن أردها عليه علما بأنه قد خصم علي أياما دون وجه حق فماذا أفعل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب عليك أن تسلمها له وإذا سلمتها له فلن يقول لك شيئا بل ربما يحمدك أن يزيد الشيء عندك وترده عليه وليس في هذا محذور إطلاقا فالواجب أن تردها عليه وتقول إننا أخطأنا في الحساب وهذا زائد فخذه
***

(234/9)

علي دين لرجل متوفى وهو مبلغ بسيط الآن لا يساوي شيئا لكن في وقته كان يساوي ما يعادل الآن شراء ثوب هل يجوز لي أن أدفع هذا المبلغ لأحد أبنائه أم أتصدق به عنه
فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب أن تسلمه لورثته من الأبناء والبنات والأم والأب والزوجة أو الزوجات لأنه لما توفي انتقل ملك ماله إلى ورثته فإما أن تسلمهم القيمة وإما أن تخبرهم وإذا سمحوا عنك برئت ذمتك.
***
حمد علي من السودان يقول تسلفت من شخص مبلغا من المال ووافته المنية قبل أن أرد له هذا المال وله أبناء صغار وكبار ماذا أفعل في هذا مأجورين؟

(234/10)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا توفي الإنسان وله أطلاب على الناس فإن هذه الأطلاب تنتقل إلى الورثة قلت أو كثرت فهذا الرجل الذي أقرضك ثم توفي يكون المال الذي عندك لورثته فعليك أن تخبرهم به ثم تسلمه للجميع إلا أن يكون لهم وكيل خاص قد ثبتت وكالته شرعا فلك أن تعطيه إياه وحده وهو يقسمه بين أهل الميراث وهذا السؤال يجرنا إلى شيء آخر وهو أن بعض الناس نسأل الله لنا ولهم الهداية يتهاون بالدين ويتهاون بقضاء الدين أما التهاون بالدين فإن بعض الناس يستدين لأمور كمالية لا حاجة له بها بل قد يستدين لأمور محرمة تلحقه بالمسرفين والله تعالى لا يحب المسرفين وهذا غلط سفه في العقل وضلال في الدين فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يرشد الرجل الذي طلب منه أن يزوجه ولم يكن عند هذا الرجل مهر فقال (التمس ولو خاتما من حديد) فقال لا أجد ولم يقل له استقرض من الناس وإنما قال له (هل معك شيء من القرآن) قال نعم قال (زوجتك بما معك من القرآن) هذا مع أن الزواج أمر ضروري وأمر مشروع فهو ضروري من حيث الفطرة مشروع من حيث السنة ومع ذلك لم يرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يستقرض وبعض الناس يستهين بالدين من حيث القضاء فتجده قادرا على الوفاء لكنه يماطل ويقول لصاحب الحق ائتني غدا وإذا جاء قال ائتني غدا وإذا جاء قال ائتني غدا حتى يمل صاحب الحق وربما يدع صاحب الحق حقه لكثرة الترداد على من عليه الحق وربما لا يتيسر له أن يرفع الأمر إلى المحاكم إما لكون الشيء زهيدا أو لقرابة بينه وبين المدين يخشى أن تنقطع الصلة بينهما إذا رفعه إلى الحاكم أو لكون الحاكم لا يحكم إلا بالهوى فيضيع حقه ثم إن المتهاون بقضاء الدين إذا مات بقيت نفسه معلقة بالدين حتى يقضى عنه والمبادرة بقضاء الدين عن الميت في وقتنا هذا قليلة جدا أكثر الورثة والعياذ بالله إذا مات صاحبهم الذي ورثهم المال والمال كان ماله فإذا مات وعليه الدين تباطأ الورثة في

(234/11)

قضاء الدين وتواكلوا كل يكل الأمر إلى الآخر فتنعموا بالمال وصاحبه شقي في قبره وهذا حرام عليهم ولهذا قال العلماء رحمهم الله يجب على الورثة الإسراع في قضاء الدين حتى قال بعضهم ينبغي أن يقضى دينه قبل أن يصلى عليه (لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قبل أن يفتح الله عليه بالمال إذا قدمت إليه الجنازة وعلى الميت دين ليس له وفاء تأخر عن الصلاة عليه فقدم إليه رجل ذات يوم فلما خطى خطوات قال (هل عليه دين) قالوا نعم يا رسول الله: ديناران فتأخر وقال (صلوا على صاحبكم) فقال أبو قتادة: يا رسول الله الديناران علي قال (حق الغريم وبرئ منه المدين ، قال نعم يا رسول الله فتقدم وصلى عليه) وهذا يدل على أهمية الدين فنصيحتي لإخواني أولا ألا يتهاونوا بالدين ابتداء وأن يسددوا ويقاربوا وألا يحاولوا أن يكونوا كالأغنياء في مآكلهم ومشاربهم وملابسهم ومواطنهم ومراكبهم ليلغون الفرق بين الغني والفقير، وأن يقتصروا على ما تدعوا الضرورة إليه فيما يستدينونه من الناس وأقول على ما تدعو إليه الضرورة دونما تدعوا إليه الحاجة لأن الإنسان إما أن يستدين لحاجة أو لضرورة أو لإسراف فليجتنب الاستدانة للإسراف وللحاجة ولا يستدين إلا للضرورة ومرادنا بالاستدانة هنا ليس الدين المعروف عند الناس والذي هو تلاعب بأحكام الله عز وجل فيما يعرف عندهم بالدين ولكن المراد بذلك الدين الحلال والذي دلت السنة على جوازه فلا يستدن إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك وإلا فليستعفف وليقتصر على أدنى ما يسد ضرورته وإذا أغناه الله عز وجل فليفعل ما يليق بحاله فإنه أيضا من التطرف أن يكون الغني كالفقير في مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه ومركبه ومن التطرف أيضا أن يكون الفقير كالغني يحاول أن يلحق بالغني فكلاهما محظور فإن الله تعالى يحب إذا أنعم على عبده نعمة أن يرى أثر نعمته عليه وفق الله الجميع لما فيه الخير.
***

(234/12)

استدنت مبلغا من المال من بعض الأشخاص وقد أنفقت ذلك المبلغ ولا أملك المبلغ حتى أرده إلى هؤلاء الأشخاص لأنني رجل فقير وإني في حيرة من أمري لخوفي أن يدركني الموت قبل أن أتمكن من سداد الدين فما الحكم في ذلك إذا لم يسامحني هؤلاء الأشخاص؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ((من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله)) فإذا كان هذا الفقير الذي استدان من الناس بنيته أنه سيوفي فإن الله تعالى سيوفي عنه إما أن ييسر له ذلك في الدينا قبل أن يموت وإما أن ييسر الله له من يوفي عنه وإما أن يوفي الله عنه يوم القيامة ولكن أنا أحب أن أقدم نصيحة لبعض الناس الذين يتهاونون بالدين ويستدينون لأشياء ليس لهم بها حاجة فضلا عن أن يكون لهم به ضرورة فيثقلون كواهلهم بالديون من أجل الأمور الكمالية ولا يحتاجون إليها ولكن من أجل المباهاة وهذا خطأ منهم وتقصير فإذا كان الإنسان ليس عنده شيء فليقتصر على ما أعطاه الله فقط ولا يستدين من أجل أمور ليس له بها ضرورة فإن الدين شأنه عظيم فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) وثبت عنه إذا أتى بجنازة عليها دين ولم يترك الميت وفاء لهذا الدين أنه لا يصلى عليه كما في حديث أبي قتادة رضي الله عنه (أن رجلا من الأنصار توفي وعليه ديناران ثم جاؤوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليصلى عليه فخطا خطوات ثم قال هل عليه من الدين قالوا نعم يا رسول الله ديناران فتأخر وقال صلوا على صاحبكم فقال أبو قتادة رضي الله عنه الديناران علي يا رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام حق الغريم وبريء منه الميت قال نعم فتقدم وصلى) ثم لما فتح الله عليه بالفتوح صار عليه الصلاة والسلام يقول أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم وصار يقضي الديون عن الأموات ويصلى عليهم وإذا كان هذا شأن الدين فلا ينبغي للعاقل

(234/13)

فضلا عن المؤمن أن يتهاون به.
يقول السائل لي أخ متوفى وعليه دين ونحن مع ظروف الحياة لا نستطيع أن نسدد هذا الدين ونحن نعلم أيضا أن الميت لا يدخل الجنة إلا عند سداد دينه وللعلم صاحب المبلغ يطالب به فنرجو من فضيلتكم أن تفتونا في هذا مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما قول السائل إننا نحن نعلم أن من عليه دين لا يدخل الجنة حتى يقضى دينه فهذا غير صحيح ولا أصل له لكن هناك حديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام (أن نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضي عنه) ولكن في هذا الحديث مقالا فإن من العلماء من ضعفه وقال ها هو (النبي صلى الله عليه وسلم توفي ودرعه مرهونة بدين كان عليه صلى الله عليه وسلم) ولكن يجب علي الورثة اذا مات مورثهم وعليه دين وله تركة يمكن قضاء الدين منها أن يبادروا بقضاء دينة من تركته لأنهم لا حق لهم في التركة إلا بعد الدين والوصية كما جاء ذلك في آيات المواريث (من بعد وصية يوصى بها أو دين) (من بعد وصية توصون بها أو دين) (من بعد وصية يوصين بها أو دين) (من بعد وصية يوصي بها أو دين) فلا حق للورثة في المال الموروث إلا بعد قضاء الدين وأما إذا لم يخلف تركة فان قاموا بالوفاء عنه فهم علي خير وهم مأجورون علي ذلك وان لم يوفوا عنه فإنه لا إثم عليهم أما الميت الذي لم نجد له تركة نوفي منها فإن كان أخذ أموال المال يريد أداءها فإن الله يؤدي عنه يوم القيامة ويرضي الغرماء وإن كان قد أخذها يريد إتلافها فان الله يتلفه كما جاء ذلك في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله علية وسلم أنه قال (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) وإنني بهذه المناسبة أحذر إخواني المسلمين من التهاون بالدين أخذا وقضاء فإن من الناس من لا يهمه أن يستدين لأمور ليس في حاجة إليها وإنما هي أمور كمالية لا تدعو الحاجة

(234/14)

إليها ومن الناس من يستدين لأمور ضرورية ويكون عنده الوفاء ولكنه لا يوفي بل يماطل يقول لصاحب الحق غدا بعد غد كلما جاء قال غدا بعد غد فيأثم بذلك لقول النبي صلى الله علية وسلم (مطل الغني ظلم).
***
ليلى تقول لي جد متوفى منذ عشر سنوات وله دين يصل إلى مبلغ كبير وله عدة زوجات ومنهن أبناء وبنات ولكن لم يسدد دينه حتى الآن مع العلم أن أبناءه ليس فيهم الاستطاعة لقضاء الدين ليس لصغرهم ولكن لعجزهم المادي فما مصير هذا الجد من ناحية الشرع هل عليه ذنب وهل على الأبناء ذنب وهل صحيح بأنه لا يحاسب على أعماله حتى يسدد ما عليه من دين وما العمل جزاكم الله خيرا؟
فأجاب رحمه الله تعالى:: إذا كان هذا الميت له مال يمكن الاستيفاء منه فإن الواجب على الورثة المبادرة بقضاء دينه وإذا لم يكن له مال فليس على الورثة شيء لقول الله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى) وأما الميت فإن كان أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه وإن كان أخذها يريد إتلافها أتلفه الله فهو على نيته إن كان الرجل أخذ أموال الناس بنية الأداء ولكن اخلفت الأمور فلم يتمكن فالله عز وجل يقضي عنه دينه ويرضي غرماءه ولا يلحقه في ذلك ذنب ولا إثم وإن كان سيء النية أخذ أموال الناس يتلاعب بها ولا يريد أداءها فإن الله تعالى يتلفه ويعاقبه على ذلك.
***
عبد الله من السودان يقول في سؤاله بأنه يعمل في دكان ويأتي إليه بعض الأقارب والأصدقاء ببعض المال على شكل أمانة ويدخل هذه الأمانة في أعماله ويستفيد منها وإذا طلبوها يدفع لهم نفس المبلغ الذي أودعوه له فقط فهل عليه شيء في هذا؟

(234/15)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم عليه شيء في هذا فإن الإنسان إذا أعطي دراهم على أنها أمانة عنده يعني وديعة فإنه لا يحل له أن يتصرف فيها بشيء فلا يحل له أن يدخلها في صندوق المعرض ولا يحل له أيضا أن يتصرف فيها بنفسه فإن فعل ذلك فهو خائن واقع في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون) مخالف لقوله تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) ولكن إذا كان يشق عليه أن يحرزها وحدها في مكان معين فإنه يقول لمن أعطاه إياها إئذن لي أن أجعلها في الصندوق مع عموم الدراهم التي عندي أو إئذن لي أن أتصرف فيها وحينئذ تكون قرضا يجب عليه رد مثلها إذا طلب ذلك صاحبها .
***
مستمع للبرنامج من أبو ظبي أمير عثمان أحمد يقول ماذا يفعل من أخذ من إنسان شيئا على أن يرده إليه ولكن قبل أن يرده إليه توفي ذلك الدائن فهل يتصدق بهذا المال أم ماذا يفعل مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا استدان الإنسان من شخص شيئا أو أخذه منه على سبيل العارية أو على سبيل الوديعة أو على سبيل الرهن أو غير ذلك ثم مات صاحب الحق فإن الواجب على الآخذ أن يسلم ذلك إلى الورثة لأن الورثة هم المستحقون لمال مورثهم من بعده فإن كان لا يعلم الورثة أو كان هذا المستحق ليس له وارث فإنه يسلمه إلى بيت المال لأن بيت المال وارث من لا وارث له لكن فيما إذا كان له ورثة إلا أنه يجهلهم ينبغي أن يتصدق به عنهم لأن كل مال مجهول صاحبه أي كل مال جهلت صاحبه فإنك تتصدق به عنه ثم إن علمته بعد فخيره وقل له إنني تصدقت به عنك فإن شيءت أمضيت وإن شيءت منعت فإن أمضى فالأمر واضح يكون الأجر للمتصدق عنه وإن لم يمض فإن المتصدق يضمنه له ويكون الأجر للمتصدق .
***
توفي رجل وله علي بعض النقود فماذا أفعل؟

(234/16)

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب أن تبحث عن ورثته حتى تسلم نقود الميت إليهم لأن الإنسان إذا مات انتقل ماله إلى ورثته فإن عجزت عن معرفتهم فتصدق بها عن صاحبها أي انوها لمن هي له والله جل وعلا بعلمه وقدرته وسلطانه يوصلها إلى من هي له.
***
أخذت أشياء من أصحابها دون أن يعلموا وأنا أعلم أنهم يستحقون ذلك لأنهم لا يخافون الله والآن أنا لا أعلم أين أصبحوا حتى أخبرهم بذلك أو أقدر قيمة ما أخذته منهم وأنا لا أعرف لهم مكان فماذا أفعل أفيدوني بارك الله فيكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان عند الإنسان مال لأحد وجهل صاحب هذا المال ولم يتمكن من العثور عليه ولا على ورثته إذا كان قد مات فإن طريق الخلاص منه أن يتصدق به لمن هو له والله عز وجل يعلم من هو له وبذلك يبرأ منه فإن كان عينا فإنه يقدر قيمتها ويتصدق بها وإن كانت دراهم أو دنانير فإنه يتصدق بنفس الدارهم والدنانير.
***
سيف بن بدر أبو ظبي - يقول ما حكم الذي عليه دين لأحد من الناس ويريد أن يوفي الدين لأصحابه ولكن بعد البحث عنهم لم يجد أحدا منهم فمنهم من سافر ومنهم من انتقل من مكانه القديم أي دكانه إلى جهة غير معروفة ماذا ينبغي عليه أن يعمل في هذه الفلوس التي عنده وهي حق هؤلاء الناس أفيدوني بارك الله فيكم.

(234/17)

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب على هذا الذي في ذمته ديون للناس أن يبحث عنهم حتى لو انتقلوا إلى مكان آخر فالواجب أن يبحث عنهم في المكان الذي انتقلوا إليه وليبحث عن ورثته إن كانوا قد ماتوا لأن هذا حق آدمي معين فيجب عليه إيصاله إليه مهما كانت الكلفة والمشقة فإن أيس من العلم بهم ولم يرج العثور عليهم فإن في هذه الحال يتصدق به عنهم أو يجعله في مسجد من المساجد في عمارة المسجد أو شراء برادة له أو ما أشبه ذلك وينوي به أنه عن من يستحق هذا المال والرب عز وجل يعلم ذلك فيوصله إلى صاحبه وتبرأ منه ذمة المطلوب فخلاصة الجواب أنه إذا كان يمكنه ولو مع مشقة أن يوصله إلى أهله وجب عليه وإن لم يمكن وتعذر ولا يرجو أن يجده في المستقبل فإنه يتصدق به عنه.
***
مصطفى شعيب محمد سوداني يعمل بالمملكة يقول أنا أعمل بمهنة تصلىح الساعات ولكني أعاني من مشكلة تضايقني كثيرا جعلتني أفكر في ترك هذه المهنة وهي أن كثيرا من الناس يحضرون ساعاتهم إلي لإصلاحها ثم أعطيهم موعدا لأخذها بعد إصلاحها ولكن كثيرا منهم لا يعود ويمضى وقت طويل على هذه الساعات وهي عندي فما الحكم في هذا وهل يجوز لي التصرف فيها ببيع ونحوه أم لا.
فأجاب رحمه الله تعالى: حكم هذه المسألة إذا كنت لا تعرف الرجل الذي أعطاك هذه الساعة وأيست من رجوعه أن تبيع هذه الساعة ثم تتصدق بها وتقيد ثمنها عندك فإذا جاء صاحبها فخيره وقل له إني أيست منك وإني بعت الساعة وتصدقت بثمنها فإن شيءت فأمض هذا والأجر لك وإن شيءت ضمنت لك قيمة ساعتك والأجر لي فتخيره ولهذا ينبغي لك أيها الأخ إذا أتاك أحدهم بساعته لإصلاحها ينبغي لك أن تكتب اسمه وعنوانه ورقم هاتفه إذا كان له هاتف حتى إذا تغيب عنك يوما من الدهر اتصلت به على عنوانه أو رقم هاتفه وبذلك تسلم من هذه المشكلة ويمكنك أن تؤدي الحق إلى صاحبه.
***

(234/18)

إذا مات شخص وعليه دين ولم يخلف مالا بحيث يقضى هذا الدين منه فهل يجب على ورثته أن يؤدوا عنه ذلك الدين أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجب على ورثته أن يؤدوا هذا الدين عنه سواء كانوا من الأباعد أو من الأقارب لكن إن كان هذا الميت والدا فينبغي لأولاده أن يوفوا عنه لأن ذلك من بره وأما الوجوب فلا يجب لأننا لو أوجبنا هذا لكنا نؤثمهم بترك الوفاء وهذا يخالف قوله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى) ولأننا لو قلنا بوجوب وفاء الدين عن الميت الذي لم يخلف تركة لكان في هذا فتح باب لهؤلاء الذين لا يبالوا بارتكاب الديون فيقول الواحد أنا سوف أتدين وإذا مت فإن أهلي أو ورثتي يقضون عنه الدين فلا يبالي بعد ذلك بما استدانه وألحقه ذمته ثم إني أقول إن الميت إذا مات وعليه دين فإن كان قد أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه فإن الله تعالى يؤدي عنه من فضله وكرمه فيرضي أهل الحق.
***
أحمد حمدان سوداني يعمل بالمملكة يقول أخذت من بعض الوافدين إلى بلادنا مبلغا من المال وحضرت إلى هنا في المملكة العربية السعودية وعندما رجعت إلى بلادي وجدت ذلك الرجل قد توفي وسألت عن أقرب الناس إليه ولم أجد وأريد التخلص من دينه ذلك الذي علي فماذا أفعل به كي أبرئ ذمتي؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ما دمت قد جهلت ورثة هذا الرجل ولم تعلم له وارث وارثا فإن هذا يكون لبيت المال لأن الرجل إذا مات وليس له وارث فإن ماله يدفع إلى بيت المال لكن بشرط أن يكون بيت المال منتظما ويتصرف فيه على حسب الشرع أما إذا كان ضائعا فإن الأولى أن يتصدق به فإن قدر أن يأتي أحد من ورثته بعد ذلك فإنك تخيرهم فتقول أنا تصدقت بهذا المال فإن شيءتم فهو لكم وأجره لكم وإن شيءتم أعطيتكم المال ويكون الأجر لي.
***

(234/19)

مرغني محمد أحمد معار بالجمهورية العربية اليمنية لواء قاعدة يقول عملت معلما بمدرستين في السودان فأسندت لي في كل مرة الشؤون المالية للمدرسة وكان ذلك بتفويض من لجنة المدرسة المكونة من الأباء والمعلمين ورغم مراعاتي للأمانة وحرصي إلا أنني أحسست أنني أتلفت جزء من هذه الأموال دون قصد فصار في ذمتي إلا أنني لا أعرف له قيمة محدودة كما أن لجان المدرسة تبدلت عدة مرات وتلاميذ تلك الفترة انتقلوا إلى مراحل أخرى فهل يجوز تقدير ذلك المبلغ وإعادته إلى المدرسة في شكل مكتبة مثلا تحاشيا للحرج وضمانا لعودته لأصحابه بطريق غير مباشر أم ماذا ترون أرشدوني أثابكم الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: سؤال الأخ الذي ذكر أنه كان أمينا ماليا على مدرسة وأنه تصرف تصرفا بغير قصد وهو الآن يسأل عن طريق الخلاص منه الحقيقة أن هذا السؤال مجمل ولا ندري كيف هذا التصرف الذي تصرف فنقول لا يخلو هذا التصرف من حالين
إحداهما أن يكون تصرفه لمصلحة نفسه فيكون فهذا قد أخطأ خطأ عظيما وعليه أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى وأن يعيد ما أتلفه على المدرسة في مصلحتها الآن حسب ما تبرع به المتبرعون سابقا بمعنى إذا كانوا تبرعوا بمعاش الطلاب فليصرف لمعاش الطلاب وإذا كانوا تبرعوا للمصلحة العامة للمدرسة فليصرف للمصلحة العامة للمدرسة وهكذا وعليه مع ذلك أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى
أما الحال الثانية إذا كان هذا التصرف لمصلحة المدرسة ولكنه اجتهد ثم تبين له أنه أخطأ في اجتهاده فإنه في هذه الحال لا ضمان عليه لأنه غير متعد ولا مفرط وإنما هو اجتهد وظن أن المصلحة في هذا العمل ثم تبين له بعد ذلك أن المصلحة في عدمه فهذا ليس عليه إثم وليس عليه ضمان لأن الأمين إذا لم يتعد ولم يفرط فإنه لا إثم عليه ولا ضمان عليه فنرجو من الأخ السائل أن يحقق في الموضوع هل هذا التصرف الذي ذكر خاص بنفسه أو عام لمصلحة المدرسة.

(234/20)

فضيلة الشيخ : لو فرضنا أنه كما تفضلتم خاص بالحالة الأولى بمعنى أنه يخص الأعيان من الطلبة وغيرهم وكما يذكر بأنهم قد تفرقوا عن هذا البلد وربما بعضهم بعيد عنه فهل يحق له أن يصرف هذا المال في مشروع يعود على المدرسة بالنفع؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يصرفه لما يعود لمصلحة الطلاب ما دام أنه صرف في الأول لمصلحة الطلاب كأرزاقهم ومعاشهم فليصرف لمصلحة الطلاب الحاضرين الموجودين لأن المقصود هو جنس الطلاب وليس أعيانهم حتى الذين تبرعوا فيما سبق ليسوا يقصدون أنهم فلان ابن فلان إنما يقصدون مصلحة الطلاب في هذه المدرسة فالمقصود الجنس.
***
إذا كان علي دين لناس فهل الأول يسدد الدين أم يوفي النذر؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان الدين سابقا على النذر قدمه وإذا كان النذر سابقا عن الدين قدمه لأن هذا يتعلق بالذمة وما كان متعلقا بالذمة فإن انشغال الذمة بالأول فإنه يوجب أن تكون غير قابلة بالانشغال بالثاني حتى يفرغ منه هذا إذا لم ينذر شيئا معينا بأن يقول هذه مثلا لله علي نذر أن أتصدق بهذه الدراهم أو بهذا الطعام المعين فإنه في هذه الحال يقدم النذر لأنه عينه وصار هذا الشيء المعين مشغولا بالنذر.
***
رجل عليه ديون كثيرة وعليه نذر أيهما الذي يقدم الأول؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا توفي الإنسان وعليه ديون لله عز وجل من نذر أو كفارة أو زكاة وديون للآدميين فإن القول الراجح في هذه المسألة هو المحاصة بين الديون التي لله عز وجل والتي للآدميين وكيفية المحاصة أن نحصي ما عليه من الدين ثم ننسب ما خلفه من المال إليه فإذا قدر أن نسبة ما خلفه من المال إلى الديون النصف أعطينا كل ذي دين نصف دينه وإذا كانت النسبة الربع أعطينا كل ذي دين ربع دينه وإذا كانت النسبة الثلثين أعطينا كل ذي دين ثلثي دينه وهكذا
***

(234/21)

الربا والصرف - تعريف الربا وأنواعه وحكمه
المستمع ع. ش. ع. من الصومال يسأل عن الربا فضيلة الشيخ ما هو وما مراتبه إن كان له مراتب وما هي عقوبته عند الله سبحانه وتعالى أفيدونا مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الربا في اللغة الزيادة ومنه قوله تعالى (فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت) أي زادت وأما في الشرع فهو زيادة في أشياء مخصوصة منع الشارع من الزيادة فيها حين التبادل أو تأخير القبض حين يجب في القبض قبل التفرق ولهذا يقول أهل العلم إن الربا نوعان ربا فضل وربا نسيئة فربا الفضل يعني ربا الزيادة وربا النسيئة يعني ربا التأخير ولكن يجب أن نعلم أولا أنه ليس كل ربا يكون من الربا المحرم بل إن الربا المحرم في أشياء مخصوصة بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شيءتم إذا كان يدا بيد) وقال (من زاد أو استزاد فقد أربى) فإذا بعت ذهبا بذهب فلا بد من شرطين الشرط الأول التساوي في الوزن لا في القيمة لأن القيمة لا تهم بل لا بد أن يكون التساوي في الوزن والثاني القبض قبل التفرق مثال ذلك شخص أبدل حليا من الذهب بحلي آخر من الذهب وزنهما سواء لكن قيمتهما تختلف فهذا يشترط فيه القبض قبل التفرق وأما اختلاف القيمة فلا يضر لقول النبي عليه الصلاة والسلام (مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد) فأما إذا اختلفت الأصناف مثل أن يبيع ذهبا بفضة فإن ربا الفضل هنا لا يثبت وتجوز الزيادة فيجوز مثلا أن يبدل مثقالا من الذهب بخمسين مثقالا من الفضة ولكن يشترط التقابض قبل التفرق لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شيءتم) إذا اتفق الجنس فلا بد من شرطين التساوي في الوزن والثاني القبض قبل التفرق وإذا اختلف الجنس كذهب بفضة فلا بد من شرط

(235/1)

واحد التقابض قبل التفرق هذا بالنسبة للذهب بالفضة بالنسبة للطعام البر والشعير والتمر والملح إذا باع شيئا بجنسه فلا بد فيه من التساوي بالكيل لا بالوصف ولا بد من التقابض قبل التفرق فإذا باع صاع بر من نوع معين بصاع بر من نوع معين فلا بد من التقابض قبل التفرق فإن تفرقا قبل أن يتقابضا فقد وقعا في الربا ربا النسيئة وصار العقد باطلا وكذلك لو باع صاعا بصاعين فإنه ربا ولو حصل القبض لأنه من جنس واحد ولهذا لما جاء بلال بتمر جيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله (من أين هذا) قال يا رسول الله كنت أشتري الصاع من هذا بصاعين والصاعين بالثلاثة ليطعم النبي صلى الله عليه وسلم أي ليأكل طعاما جيدا والطعام تمر والتمر من الطعام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أوه) وهذه كلمة توجع (لا تفعل رده) ثم أرشده إلى أن يبيع التمر الردئ بالدراهم ويستلم الدراهم ويشتري بها تمرا جيدا وهذا يدل على أن الجنس إذا بيع بجنسه لا يجوز فيه التفاضل ولو كان من أجل اختلاف الوصف بالجودة والرداءة بل لا بد من التساوي كذلك أيضا الشعير والتمر وغير ذلك مما يجري فيه الربا إذا بيع الشيء بجنسه فلا بد من أمرين هما التساوي في المكيال إن كان مكيلا وفي الوزن إن كان موزونا وإن بيع بغير جنسه فإنه لا بد من شرط واحد وهو القبض قبل التفرق ولا يشترط التساوي لأن اشتراط التساوي متعذر إلا أن السنة قد دلت على أنه إذا كان اختلاف الجنس لكون أحد الجنسين نقدا وثمنا فلا بأس في تأخير القبض وذلك فيما ثبت في الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين أي يقدمون الثمن للثمار التي سيأخذونها بعد سنة أو سنتين فقال رسول صلى الله عليه وسلم (من أسلف في شيء فليسلف في شيء معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) وعلى هذا فإذا كان أحد العوضين نقدا فإنه يجوز التفرق قبل

(235/2)

القبض وإن كان العوضان نقدا ولكن الجنس مختلف فلا بد من التقابض قبل التفرق أما ما طلبه السائل من ذكر النصوص التي فيها الوعيد على الربا فإنه وردت في الربا آيات كثيرة وأحاديث كثيرة تدل على عظمه وفظاعته ومن ذلك قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (278) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) وقال الله عز وجل (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) وقال عز وجل (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون (130) واتقوا النار التي أعدت للكافرين (131) وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون) وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه (لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه وقال هم سواء) نصيحتي لإخواني المسلمين أن يبتعدوا عن الربا كله ربا الفضل وربا النسيئة وأن يعلموا أن رزق الله عز وجل لا يستجلب بمعاصيه وأن ما يملكونه بالربا فلا خير فيه ولا بركة قال تعالى (وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون) وفي قوله تعالى (فلا يربوا عند الله) دليل على أن الأموال التي تكون من الربا لو تصدق بها الإنسان لم تقبل لأنها لو قبلت لربت عند الله عز وجل فإن الله سبحانه وتعالى يقبل أو يأخذ الصدقة من كسب طيب فيربيها لصاحبها كما يربي الإنسان فلوه

(235/3)

حتى يكون ما يعادل التمرة مثل الجبل.
***
أرجو إيضاح معنى ربا الفضل وربا النسيئة
فأجاب رحمه الله تعالى: ربا الفضل يعني ربا الزيادة مثل أن يبيع الإنسان درهما بدرهمين أو دينارا بدينارين أو صاعا من التمر بصاعين من التمر هذا ربا الفضل وربا النسيئة تأخير القبض فيما يجب فيه القبض فمثلا الواجب فيما إذا باع الإنسان تمرا بتمر أن يكون التمران متساويين وأن يكون القبض قبل التفرق وإذا باع تمرا بشعير فالواجب أن يكون التقابض قبل التفرق فإن تأخر القبض صار الأول أي بيع التمر بتمر مثله فيه ربا النسيئة وكذلك إذا باع تمر بشعير وتأخر القبض فيكون فيه ربا نسيئة وقد يجتمع ربا النسيئة والفضل إذا باع تمرا بأكثر منه مع تأخر القبض فهذا فيه ربا الفضل من أجل الزيادة وفيه ربا النسيئة من أجل تأخير القبض و ربا النسيئة هو تأخير القبض فيما يجب فيه التقابض قبل التفرق من الربويات والفضل هو الزيادة فيما يشترط فيه التساوي.
***
قبول هدية المرابي
يا شيخ هل يجوز قبول الهدية من شخص نعلم أنه يتعامل بالربا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز للإنسان أن يقبل هدية من يتعامل بالربا ويجوز أن يبايعه ويشتري منه ويجوز أن يجيب دعوته لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهدية من اليهود واشترى من يهودي طعاما لأهله إلا إذا علمنا أننا إذا كففنا عنه ولم نبايعه ولم نشتر منه ولم نقبل هديته ارتدع عن الربا فحينئذ نفعل ذلك لأن هذا من باب التعاون على البر والتقوى.
***
ما يجري فيه الربا

(235/4)

أبو سعيد من حضرموت يقول فضيلة الشيخ ما معنى هذا الحديث قال صلى الله عليه وسلم (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والملح بالملح يدا بيد سواء بسواء فمن زاد أو استزاد فقد أربى) أو كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث السؤال هو هل إذا اشتريت برا أو تمرا يشترط أن أدفع القيمة في الحال لأنه في حديث آخر يقول (إذا اختلفت هذه الأنواع فبيعوا كيف شيءتم إذا كان يدا بيد) أرجو توضيح هذه المسألة بأدلة واضحة حتى نفهم الجواب ولكم الشكر؟

(235/5)

فأجاب رحمه الله تعالى: الأمر كما قال الأخ السائل وهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح) هذه ستة أشياء (مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شيءتم إذا كان يدا بيد) وتفصيل ذلك أنك إذا بعت برا ببر وجب عليك أمران الأمر الأول التساوي في المكيال بأن يكون كلاهما سواء والأمر الثاني التقابض قبل التفرق لقوله (مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد) وإذا بعت برا بشعير وجب عليك أمر واحد وهو التقابض قبل التفرق ولا يجب التماثل لاختلاف الجنس وهذا معنى قوله (فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شيءتم) يعني بزائد أو ناقص (إذا كان يدا بيد) وإذا بعت ذهبا بذهب وجب عليك أمران التساوي في الوزن والتقابض قبل التفرق وإذا بعت ذهبا بفضة وجب عليك أمر واحد وهو التقابض قبل التفرق وأما التساوي فلا يجب عليك بقي ما لو اشتريت برا بذهب فإن ظاهر الحديث أنه لا بد من التقابض قبل التفرق لقوله صلى الله عليه وسلم (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شيءتم إذا كان يدا بيد) وشراء البر بالذهب فيه اختلاف صنفين وعلى هذا فيجب التقابض قبل التفرق هذا ظاهر عموم الحديث ولكن هذا الظاهر غير مراد فإنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جواز السلم في الثمار وهو أن يشترى من الفلاح تمر بدراهم منقودة مع تأخر قبض التمر قال ابن عباس رضي الله عنهما قدم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهم يسلمون في الثمار السنة والسنتين فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من أسلم في شيء فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) ففي هذا الحديث نص صريح على جواز شراء التمر المؤجل بنقد معجل وعلى هذا فيكون هذا النص مقدما على ظاهر العموم في الحديث الذي ذكرناه وهو قوله صلى الله عليه وسلم (إذا اختلفت هذه الأصناف

(235/6)

فبيعوا كيف شيءتم).
***
ع. م. يقول نرجو إيضاح معنى (الذهب بالذهب والفضة بالفضة مثلا بمثل يدا بيد) مع التمثيل مأجورين
فأجاب رحمه الله تعالى: معنى قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (الذهب بالذهب والفضة بالفضة مثلا بمثل يدا بيد) أن الإنسان إذا باع ذهبا بذهب فلا بد فيه من أمرين الأمر الأول أن يكون مثلا بمثل أو وزنا بوزن والثاني أن يكون يدا بيد أي يكون التقابض قبل التفرق مثال ذلك رجل باع مثقالا من الذهب بمثقال من الذهب وتقابضا قبل التفرق من المجلس فهذا البيع صحيح لانطباق حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عليه فهو (مثل بمثل ويدا بيد) ومثال ما لا يصح أن يبيع مثقالا ونصفا من الذهب بمثقال وثلث من الذهب فهذا البيع لا يصح لأنه ليس مثلا بمثل بل أحدهما مثقال ونصف والثاني مثقال وثلث فلم يحصل التماثل فلا يصح البيع ويسمى هذا ربا الفضل ولو باع عليه مثقالا من الذهب بمثقال من الذهب لكن تأخر القبض مثل أن يعطيه المثقال من الذهب ولكن لا يقبض منه عوضه من الذهب إلا بعد مدة ولو ساعة فإن البيع لا يصح لأنه ليس يدا بيد وكذلك نقول في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الفضة بالفضة أي إنه إذا باع فضة بفضة فلا بد من هذين الشرطين الأول أن يتماثلا في الوزن والثاني أن يحصل القبض قبل التفرق مثاله أن يبيع مثقالا من الفضة بمثقال من الفضة مع التقابض في المجلس فالبيع هنا صحيح لانطباق الحديث عليه فهو مثل بمثل ويد بيد ومثال ما لا يصح أن يبيع مثقالا وثلثا من الفضة بمثقال ونصف من الفضة يدا بيد فهنا لا يصح البيع لعدم التماثل بينهما أو يبيع مثقالا من الفضة بمثقال من الفضة مع تأخر القبض في أحدهما عن مجلس العقد فهنا لا يصح البيع لعدم كونه يدا بيد والخلاصة أنه إذا بيع الذهب بالذهب فلا بد فيه من أمرين التماثل وزنا والتقابض في مجلس العقد وإذا بيعت فضة بفضة فلا بد من أمرين التماثل في الوزن والتقابض

(235/7)

في مجلس العقد هذا هو معنى الحديث منطوقا ومفهوما
***
المستمع من القصيم أو التاجر من القصيم ن. س. ف. يقول أنا أحد التجار الذين يتعاملون بالذهب بيعا وشراء وفي بعض الأحيان نبيع الذهب إلى تاجر آخر وليس لديه السيولة الكاملة لدفع المبلغ المطلوب مما يضطرنا إلى إمهاله ليوم أو يومين لحين توفر المبلغ لديه أرجو من فضيلتكم إفادتنا عن هذا العمل عموما هل هو جائز أم لا مع العلم أن هذا العمل الآنف الذكر لا يتم إلا بيننا معشر التجار حيث توجد الثقة المتبادلة والضرورة التجارية للقيام بهذا العمل أرجو إفادتي ولكم خالص شكري وتقديري؟

(235/8)

فأجاب رحمه الله تعالى: ثبت في الصحيح من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شيءتم إذا كان يدا بيد) فبيع الذهب بالذهب يشترط فيه شرطان الشرط الأول التساوي في الوزن بحيث لا يزيد أحدهما على الآخر والشرط الثاني التقابض في مجلس العقد من الطرفين بحيث يسلم لك وتسلم له بدون تأخير فإن اختلف أحد الشرطين فالعقد باطل وربا وقد علم ما جاء في الربا من الوعيد الشديد في القرآن وفي السنة وقال الله تعالى في المرابين (ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (275) يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم) و(لعن النبي صلى الله عليه وسلم في الربا خمسة آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء) فأما إذا بيع الذهب بالفضة أو بما كان بديلا لها كالأوراق النقدية فإنه يشترط فيه شرط واحد وهو التقابض في مجلس العقد بمعنى أن يقبض كل من البائع والمشتري بدون تأخير لقوله صلى الله عليه وسلم (فبيعوا كيف شيءتم إذا كان يدا بيد) وعلى هذا فتبايع التجار للذهب بدون أن يقبض البائع الثمن من المشتري محرم حتى ولو كان يثق به بل الواجب أن يكون يدا بيد ومن المؤسف أن كثيرا من تجار الذهب الذين يبيعون الحلي يتهاونون في هذا الأمر ومن الغرائب ومن العجائب والعجائب جمة أن هؤلاء الذين يبيعون ويؤخرون استلام الثمن أنهم يضرون أنفسهم من الناحيتين الدينية والدنيوية أما الناحية الدينية فإنهم يخالفون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال (يدا بيد) أما الدنيوية فإنه لا شك أن البيع بالنقد أعظم للبائع وأسلم لأنه ربما تمهله واثقا به ولا تأتيه الأمور على ما ينبغي فقد يمرض أويموت

(235/9)

أويضيع منه الشيء فيماطلك إلى غير ذلك من الأسباب التي توجب تأخير التسليم إلى أمد لا ترضاه أنت أيها البائع أو تفضي لعدم التسليم بالكلية لحق البائع لهذا نرى أنه من الخطأ بل ومن السفه أيضا أن يتبايع الناس بالذهب بدون قبض وأنت لا حرج عليك إذا قلت للمشتري إما أن تسلمني الثمن وإلا فلا بيع وكثير من السلع الآن تباع نقدا وإذا لم يكن مع الإنسان نقد فإنهم لا يبيعون عليه وحينئذ يضطر أن يأخذ الثمن معه قبل أن يقف على صاحب الحاجة ويشتريها.
***
ما حكم بيع القمح أو الشعير بضعف ثمنها إلى مدة سنة مع العلم بأن سعرها الآن مثلا عشرة وبعد سنة عشرين هل يعتبر ذلك ربا أم لا جزاكم الله خيرا؟

(235/10)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا ريب أن الربا من كبائر الذنوب وأن الله توعد على فعله وعيدا لم يكن مثله في شيء من المعاصي التي هي كفر كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقد قال الله تعالى في المرابين (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) وقال تعالى (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم) وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون واتقوا النار التي أعدت للكافرين وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون) وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه (لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه وقال هم سواء) ولكن يجب أن نعلم في أي شيء يكون الربا، يكون الربا في ستة أصناف بينها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والتمر بالتمر والشعير بالشعير والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى) فهذه الأصناف الستة إذا بعت شيئا بجنسه فلابد فيه من أمرين التساوي

(235/11)

والتقابض قبل التفرق مثال ذلك أن تبيع ذهبا بذهب فلابد من أن يتساويا في الوزن والقبض قبل التفرق بعت فضة بفضة كذلك لابد أن يتساويا في الوزن وأن يكون التقابض قبل التفرق، بعت برا ببر فكذلك يجب التقابض قبل التفرق ويجب التساوي في المكيال وكذلك الشعير وكذلك التمر وكذلك الملح أما إذا بعت جنسا بآخر كما لو بعت برا بشعير فلا بأس من التفاضل أي لا بأس أن يزيد أحدهما على الآخر ولكن لابد من التقابض فإذا بعت صاعا من البر بصاعين من الشعير فهو جائز لكن لابد من التقابض قبل التفرق لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شيءتم إذا كان يدا بيد) وإذا بعت ذهبا بفضة متفاضلا فلا بأس وكذلك إذا بعت ألف غرام من الذهب بعشرة آلاف غرام من الفضة فلا بأس بشرط التقابض قبل التفرق وماعدا هذه الأصناف الستة فإنه لا ربا فيه أصلا إلا ما كان مثلها كالذرة التي تشابه الشعير أو البر والعنب الذي يشابه التمر وما أشبه ذلك والمراد بالعنب إذا كان زبيبا لأنه قبل ذلك يلحق بالفاكهة وأعلم أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه أقر الصحابة حينما قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال (من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) والإسلاف أن يقدم الثمن ويؤخر المبيع مثل أن تعطي الفلاح ألف ريال بألفي كيلو من التمر بعد سنة وبناء على ذلك يتبين الجواب على هذا السؤال وأنه لا حرج على الإنسان أن يبيع برا مؤجلا إلى سنة بدراهم نقدا كما كان الصحابة يفعلون ذلك في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأقرهم عليه.
***
مسائل في بيع الذهب
المستمع أبوعلي يقول إذا اشتريت مصاغا ذهبيا وأعطيت صاحب المحل شيكا فهل يعتبر بذلك استلاما؟

(235/12)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا اشترى الإنسان ذهبا وأعطى البائع شيكا بالثمن فإن ذلك لا يعتبر قبضا بل هو حوالة وعلى هذا يكون هذا العقد باطلا لأنه لم يحصل فيه القبض والقبض إنما يكون بأخذ العوض فإذا اشترى إنسان ذهبا بعشرة آلاف وأعطى البائع شيكا على مصرف من المصارف فإن هذا لا يعتبر قبضا والبيع باطل والذهب للبائع وليس في ذمة المشترى شيئ من ثمنه لبطلان البيع والطريق السليم أن يذهب المشتري إلى المصرف ويأخذ عشرة آلاف بيده ثم يأتي بها إلى مكان البائع ويتم العقد على هذا فيحضر البائع الذهب وتكون هذه الدراهم مع المشترى ويكون كل واحد منهم يقبض من الآخر في مجلس العقد.
***
من أسئلة السائل أبو عبد الله يقول إذا اشتريت ذهبا من محل وأعطيته شيكا مصدقا أو أعطيته بطاقة الصرف الآلي وسحب من حسابي إلى حسابه مباشرة هل يعتبر هذا قبضا علما بأن المبلغ يدخل في حسابه مباشرة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يعتبر قبضا ما دام نقل إلى حساب البائع مباشرة في مجلس العقد فلا بأس وكيفية ذلك أن يكون المشتري في دكان البائع ولكل من البائع والمشتري حساب في بنك معين فيتصلان على صاحب البنك يقول المشتري انقل كذا وكذا من حسابي إلى حساب فلان فيقول فعلت هذا قبض أما الشيك المصدق فإنه ليس بقبض ولكنه حوالة والتصديق يعني إقرار البنك بأن عنده هذا الرصيد فقط والدليل على أنه ليس بقبض أن هذا الشيك المصدق لو ضاع لرجع البائع على المشتري وقال إن الشيك ضاع قبل أن أستلم ما فيه فإن قال قائل إذا لم تمكن هذه الحال قلنا الأمر سهل لا تأخذ البيع اذهب وأئت بالدراهم من البنك الذي عنده حسابك ثم سلمها للبائع واعقد العقد من جديد ولا تعتمد على العقد الأول لأنه باطل ولأنه قد يزيد الذهب أو ينقص فيما بين إحضار الدراهم وبين الاتفاقية.
***
يقول ما حكم بيع الذهب دينا؟

(235/13)

فأجاب رحمه الله تعالى: بيع الذهب دينا إن كان لشيء لا يحل النسأ فيه بينهما فهو حرام مثل أن يبيعه بدراهم فإن ذلك حرام عليه ولا يجوز وأما إذا كان بما يجوز أن يباع به نسيئة فلا حرج في ذلك مثل أن يبيع الحلي بشيء من الثياب أو من المعدات أو من السيارات ونحو هذا فإنه لا بأس به.
***
ما حكم بيع الذهب المستعمل استعمالا بسيطا بسعر جديد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: بيع الذهب استعمالا يسيرا بسعر جديد إن كان غشا من البائع فهو حرام لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من غش فليس منا) وإن كان بغير غش مثل أن يعلم البائع المشتري بأنه مستعمل فيكون المشتري قد دخل على بصيرة ويخبره أيضا بأن الثمن الذي حده به هو ثمنه جديدا فإن هذا لا بأس به إذا رضي المشتري بذلك وكان ممن يجوز منه التبرع.
***
رجل اشترى قطعة ذهبية بملغ مائتي دينار واحتفظ بها مدة من الزمن إلى أن زادت قيمة الذهب أضعافا فباعها بثلاثة آلاف دينار فما حكم هذه الزيادة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الزيادة لا بأس بها ولا حرج ومازال المسلمون هكذا في بيعهم وشرائهم يشترون السلع وينتظرون بها زيادة القيمة ربما يشترونها لأنفسهم للاستعمال ثم إذا ارتفعت القيمة جدا ورأوا الغبطة في بيعها باعوها ومع أنهم لم يكن عندهم النية في بيعها من قبل المهم أن الزيادة متى كانت تبعا للسوق فإنه لا حرج فيها ولو زادت أضعافا مضاعفة.
فضيلة الشيخ: لكن لو كانت الزيادة في ذهب بأن بادل بها بذهب آخر وأخذ زيادة في الذهب الآخر؟

(235/14)

فأجاب رحمه الله تعالى: بيع الذهب بالذهب لا يجوز إلا وزنا بوزن كما ثبت بذلك الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام ويدا بيد أيضا فإذا بعت ذهبا بذهب ولو اختلف في القيمة يعني أحدهما أطيب من الآخر فإنه لا يجوز إلا مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فلو أخذت من الذهب عيار ثمانية عشر مثقالين بمثقال ونصف من الذهب عيار أربعة وعشرين فإن هذا حرام لا يجوز لأنه لابد من التساوي ولو أخذت مثقالين بمثقالين من الذهب ولكن تأخر القبض في أحدهما فإنه لا يجوز أيضا لأنه لابد من القبض في مجلس العقد ومثل ذلك أيضا بيع الذهب بالأوراق النقدية المعروفة فإنه إذا اشترى الإنسان ذهبا من التاجر أو من الصائغ لا يجوز له أن يفارقه حتى يسلمه القيمة كاملة إذ أن هذه الأوراق النقدية بمنزلة الفضة وبيع الذهب بالفضة يجب فيه التقابض في مجلس العقد قبل التفرق.
فضيلة الشيخ : هل تجوز الزيادة أو النقص إذا اختلف الجنس؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا اختلف الجنس فإنه لا بأس بالزيادة والنقص لقول الرسول عليه الصلاة والسلام (إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شيءتم إذا كان يد بيد).
***
السائلة أم ياسر تسأل عن حكم شراء الذهب بالتقسيط؟

(235/15)

فأجاب رحمه الله تعالى: شراء الذهب بالتقسيط على نوعين النوع الأول أن يشترى بالدراهم فلا بد من التقابض في مجلس العقد فإذا اشترت امرأة حلي ذهب بخمسة آلاف ريال فلا بد أن تسلم خمسة آلاف ريال في مجلس العقد ولا يجوز أن تشتريه بالتقسيط لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في بيع الذهب بالفضة (إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شيءتم إذا كان يدا بيد) والثاني أن يشتري الذهب بغير الدراهم مثل أن تشتريه بقمح فتقول المرأة اشتريت منك هذا الحلي بمائة صاع قمح كل شهر عشرة أصواع فلا بأس لأن البيع هنا وقع بين شيئين لا يحرم بينهما النسأ أي التأخير وعلى هذا نقول إذا بيع حلي الذهب بذهب فلا بد من أمرين التساوي في الوزن والقبض قبل التفرق فإذا بيع بفضة أو دراهم نقدية فلا بد من أمر واحد وهو التقابض قبل التفرق وإذا بيع بغير ذلك فلا بأس من بيعه بالأقساط وتأجيل الثمن.
***
ما حكم شراء الذهب بالتقسيط؟
فأجاب رحمه الله تعالى: شراء الذهب بالتقسيط إن اشتري بغير العملة الورقية وبغير الذهب وبغير الفضة فلا بأس به مثل أن يشترى بطعام من تمر أو بر أو يشترى بسيارات وما أشبه ذلك فإنه لا حرج فيه لأنه لا ربا بين الذهب والفضة وبين المطعومات ولا ربا بين الذهب والفضة وبين المصنوعات أما إذا اشتراه الذي اشترى الذهب بالتقسيط بعملة ورقية أو بذهب أو بفضة فإن ذلك حرام لأن بيع الذهب بالذهب يشترط فيه شرطان الشرط الأول التساوي وزنا والشرط الثاني التقابض في مدة العقد وإذا بيع الذهب بفضة أو بأوراق عملة اشترط فيه شرط واحد وهو التقابض في مدة العقد قبل التفرق لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الذهب بالذهب مثلا بمثل سواء بسواء يد بيد) ولقوله عليه الصلاة والسلام (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والتمر بالتمر والشعير بالشعير والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شيءتم إذا كان يدا بيد).
***

(235/16)

السائل عبد الله الحسن يقول تذهب بعض النساء لشراء ذهب ويقول لهم صاحب المحل خذوا هذا السلعة وسددوا لي ما يتيسر لكم إلى أن يستوفي المبلغ الذي في ذمتهم هل هذا يجوز.
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا لا يجوز لأن بيع الذهب بالدراهم لابد أن يكون يدا بيد فإن الدراهم نقد عوض عن فضة وبيع الذهب بالفضة يشترط فيه أن يكون يدا بيد كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إذا اختلفت هذه الأصناف) يعني الأصناف التي ذكرها عليه الصلاة والسلام في قوله (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والتمر بالتمر والشعير بالشعير والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد) قال (إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شيءتم إذا كان يدا بيد) أما لو بيع الذهب بغير هذه الأصناف مثل أن يباع الذهب بتمر أو بسيارة أو ما أشبه ذلك مما لا يتوافق معه في علة الربا فإنه لا بأس بالتفرق قبل القبض.
***
امرأة تعمل في بيع وشراء الذهب تقول عندي حلق صغير للبنات وغوايش وخواتم ويقوم بعض النسوة بأخذ ما يردن من الذهب ويدفعن لي الثمن بعد شهر أو شهرين لأنني أثق بهن وهن من جاراتي في الحارة هل يصح هذا فضيلة الشيخ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الذهب بالذهب وإن شيءت فقل مبادلة الذهب بالذهب لا تجوز إلا بشرطين:
الشرط الأول التماثل والتساوي في الوزن فلا يجوز البيع من الذهب بالذهب مع زيادة مع أحدهما سواء كانت هذه الزيادة من جنس الذهب أو من فضة أو من أوراق عملة كل هذا لا يجوز.

(235/17)

الشرط الثاني التقابض في مجلس العقد ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه واله وسلم (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والتمر بالتمر والشعير بالشعير والملح بالملح مثل بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شيءتم إذا كان يدا بيد) قال هذا إذا بيع الذهب بفضة أو بأوراق عملة فانه لا يجوز التفرق من مجلس العقد إلا إيقافه من الطرفين وبناء عليه نقول في جواب هذه المرأة السائلة إنه لا يجوز أن تعطي الذهب من يشتريه ولا يسلم الثمن إلا بعد مدة لأن ذلك ربا ولكن تقول للمشترية التي تطلب هذا الذهب تقول ائت بالثمن ويتم العقد والمشترية ربما تجد من يقرضها وتشتري به هذه الحلي فإذا قدر أنها أيست وأنها تحتاج إلى هذا الحلي فلها أن تتفق مع البائعة فتقول اجعلي هذا الذهب عندك حتى آتي بالثمن ثم نعقد البيع بعد أن أحضر الثمن فإن هذا لا بأس به لأن المرأة قد يعجبها نوع من الحلي عند البائعة وتخشى أن يشترى ويفوتها فلتتفق مع البائعة بأن تبقيه عندها حتى تتحصل الثمن ثم تأتي وتشتري فيه بالسعر الذي يكون عند الشراء.
***
فضيلة الشيخ حسن بريك من الليث السائل يقول اشترى شخص ذهبا بثمانية آلاف ريال ودفع نقدا ثلاثة آلاف ريال رهن بالمبلغ الباقي خمسة آلاف ذهب يوزن في ذلك اليوم على أن يسدد المبلغ في مدة متفق عليها وإذا لم يسدد المبلغ في مدة متفق عليها وإذا لم يسدد في الموعد المحدد فإن الذهب يصبح من حق صاحب المحل؟

(235/18)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يحل لإنسان يشتري ذهبا بدراهم إلا أن يسلم الثمن قبل التفرق ويستلم الذهب قبل التفرق وهذه المعاملة التي ذكرت في السؤال نقول أما ما سلم ثمنه فالبيع فيه صحيح وأما ما لم يسلم ثمنه فالبيع فيه فاسد الذهب لصاحب الدكان والدراهم عند صاحبها فليبلغ الآن صاحب الدكان أن الصفقة تبعضت صحت فيما قبض ثمنه وبطلت فيما لم يقبض ثمنه والذهب لصاحبه إن زاد فهو زائد أي أن زادت قيمته في الأسواق فهي زائدة وهي لصاحب الدكان وإن نقصت فهي على صاحب الدكان والدراهم عند صاحبها لم يسلمها حتى الآن.
***
مقيم في دولة الكويت حسين محمد أبو عبد الرحمن يقول اشترينا ذهبا من أحد المحلات ثم بعد أيام قليلة أردنا أن نستبدل هذا الذهب بذهب آخر وهذا حسب الاتفاق على الترجيع أم لا فاستبدلناها بذهب قيمته أقل من قيمة الذهب الأول فأخذنا الجديد مع الفارق من المال فهل هذا البيع والشراء جائز؟ نرجو التفصيل في هذا يا سماحة الشيخ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا لا بأس به إذا آخذتم الذهب ودفعتم القيمة على أنه إن صلح لكم وإلا رددتموه وأخذتم بدله لأن هذا عبارة عن فسخ البيع الأول وتجديد بيع آخر أما لو لم يكن بينكم اتفاق في الأول واشتريتم الذهب جازمين عليه ثم بعد ذلك رددتموه على البائع وقلتم أبدل لنا هذا الذهب بذهب آخر مع الفارق فإن ذلك لا يجوز لأن هذا بيع لا فسخ وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (الذهب بالذهب مثل بمثل سواء بسواء يد بيد).
***
يقول ما حكم أخذ الفرق عليه بالبيع يعني على الذهب إذا باع ذهبا وأخذ الفرق أو باع ذهبا بذهب وأخذ الفرق بينهما؟

(235/19)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا باع ذهبا بذهب وأخذ الفرق بينهما فإن كان هذا الفرق في مقابلة زيادة الذهب الثاني فهذا مختلف فيه من العلماء من أجازه كشيخ الإسلام ابن تيمية وقال إنه يجوز أن تبيع حليا زنته عشرون مثقالا بحلي زنته خمسة وعشرون مثقالا وتجعل مع الناقص دراهم تقابل خمسة المثاقيل الزائدة على عشرين ويقول إن هذا لا ينافي قول النبي صلى الله عليه وسلم (الذهب بالذهب مثلا بمثل) لأننا هنا نجعل الزائد أو نجعل الدراهم في مقابلة الزائد الذي هو خمسة مثاقيل ونجعل عشرين مثقالا من الخمس وعشرين يقابل عشرين مثقالا التي معها الدراهم ويتحقق بذلك ما أوجبه النبي صلى الله عليه وسلم من كون الذهب بالذهب مثلا بمثل والمشهور من مذهب الحنابلة أن ذلك لا يجوز وقالوا إن عموم الحديث (مثلا بمثل) يشمل هذه الصورة وهذه الصورة لا شك أن فيها زيادة في أحد الجانبين من غير الجنس وزيادة من الجنس في الجانب الآخر وقالوا إن ذلك لا يجوز والاحتياط ألا يفعل. هذا هو الأحوط وأن يبيع صاحب الذهب القليل ذهبه خارجا يعني على إنسان آخر ثم يأخذ ثمنه ويضيف إليه الدراهم التي سيضيفها إليه من قبل ويشتري الذهب الجديد هذا أسلم وأحوط وأبرأ للذمة.
فضيلة الشيخ: أو مثلا يبيع على صاحب المحل ويقبض نقوده وإن شاء اشترى منه أو من غيره ويشتري إن أراد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا هذا لا ينبغي إذا كان من نفس صاحب الذهب لا سيما إذا كان هناك مواطأة من قبل أو اتفاق على أنه يبيع عليه ويشتري منه فإن هذا يكون حيلة إنما لو أنه باعه على صاحب الدكان وأخذ الدراهم وذهب يطلب من محل آخر فلم يستقم ولم يشتر شيئا ثم رجع إلى الأول فهذا لا بأس به كما قال ذلك الإمام أحمد رحمه الله.
***
هل يجوز البدل في الذهب مثلا آخذ خاتم صديقتي وأعطيها خاتما بدلا منه وكل منا يعرف قيمة الخاتمين؟

(235/20)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان وزن هذين الخاتمين سواء وليس فيهما خلط سوى الذهب فإنه لا بأس في ذلك إذا كان يدا بيد لقول النبي صلى الله عليه وسلم (الذهب بالذهب الفضة بالفضة) إلى أن قال (مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد) أما إذا كان أحدهما أكثر من الآخر وزنا فإن ذلك لا يجوز حتى وإن دفع الناقص الفرق بين الناقص والزائد لقول النبي عليه الصلاة والسلام (مثلا بمثل سواء بسواء) فإذا قال قائل إذا كيف نصنع نقول تبيع إحداهما خاتمها على شخص وإما تشتري هذا الخاتم الأخرى.
***
تبادل العملات والاتجار بها
السائل محمد عبد الله يقول ما حكم التجارة في العملات النقدية
فأجاب رحمه الله تعالى: التجارة في العملات النقدية لا بأس بها لكن يجب إذا تعامل بالنقود أن يكون التقابض في المجلس من الطرفين فإذا أردت أن تصرف دراهم سعودية بدولار أمريكي فلا باس لكن بشرط أن يكون التقابض من الجانبين في المجلس قبل التفرق.
***
السائل عبد الحكم العراق يقول ما حكم بيع عملة بعملة أخرى بالأجل أفيدوني مأجورين؟

(235/21)

فأجاب رحمه الله تعالى: بيع عملة بعملة أخرى مع التأجيل لا يجوز على القول الذي أختاره ومن المعلوم أن هذه العملات الورقية لم تخرج قديما وإنما خرجت حديثا ولهذا اختلف العلماء في حكمها حتى أوصلها بعض العلماء إلى ستة أقوال وأختار منها أنا أنه لا يجوز فيها النسيئة ويجوز فيها الفضل بمعنى أنه لا يجوز أن أبدل دينارا بدولار مع التأجيل سواء كان ذلك مؤجلا أو تأخر القبض وهو غير مؤجل فإذا أردت أن أبيع دولارات بدنانير فوجب أن آخذ الدولارات وأسلم الدنانير في المجلس بدون تأخير وهكذا أيضا لو أردت أن أبيع الدولارات بالريالات السعودية فإنه لا بد من أن آخذ العوض في المجلس يدا بيد أما الزيادة والنقصان فليست بحرام وذلك لاختلاف الجنس وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل ويدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شيءتم إذا كان يدا بيد) واختلاف الجنس يكون باختلاف الدولة المصدرة لهذا النقد وباختلاف المادة التي صنع منها هذا النقد وبناء على هذا فإذا صرف الإنسان عشرة ريالات سعودية من الورق بتسعة ريالات سعودية من المعدن فإن ذلك لا بأس به لكن لا بد أن يكون يدا بيد وخلاصة الجواب أن هذه الأوراق النقدية يجري فيها ربا النسيئة بمعنى أنه يحرم تأخير القبض من الجانبين أو من أحدهما عن مجلس العقد وأما ربا الفضل فليس بحرام لاختلاف الجنس فتجوز الزيادة والنقصان ولا حرج في هذا وعليه فإذا أبدلت عملة بعملة أخرى على وجه التأجيل فإن ذلك حرام لا يجوز أو صرفت عملة بعملة أخرى على وجه حال لكن لم يقبض العوضان في المجلس فإن ذلك أيضا لا يجوز.
***
حامد شاكر من حريملاء عندما يريد أحد الأشخاص تحويل أمواله من عملة إلى عملة أخرى فماذا يلزمه؟

(235/22)

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي يلزمه إذا أراد أن يبدل عملة بعملة أخرى أن يقبض كل من الطرفين البائع والمشتري العوض الذي انتقل إليه بمعنى أن تكون المبايعة يدا بيد لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الاصناف فبيعوا كيف شيءتم إذا كان يدا بيد) فلا بد في المصارفة بين العملات من التقابض في مجلس العقد ولا يجوز تأخير القبض.
***
استدنت من أحد الأصحاب مبلغا بعملة أجنبية ووعدته أن أردها له بعملة بلاده ولكنها ستزيد في هذه الحالة وهو يعلم وهو لم يطالبني بزيادة حيث أنه صديقي وليس في نيته التعامل بالربا ثم إني لجأت للتقدير فوجدت التقدير مقارب للمبلغ الذي ذكرته له فدفعت له هذا المبلغ بعد أن استفتيت قلبي لكن لازلت خائفا أفيدوني رحمكم الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نقول إن استبدال العملات بعضها ببعض من باب الصرف وليس من باب القرض وإذا كان من باب الصرف فإنه يشترط فيه أن يكون يدا بيد فلا يجوز أن تأخذ منه عملة ثم ترد إليه بعد حين عملة أخرى من غيرها لأن هذا معناه الوقوع في الربا وهو ربا النسيئة فالعملات النقدية حكمها في التبادل بينها حكم بيع الذهب بالفضة لابد فيها من التقابض قبل التفرق وعلى هذا فالواجب عليك لو استفتيت أهل العلم قبل أن تستفتي قلبك والواجب عليك ألا ترد عليه إلا مثل العملة التي أخذت منه ولا يجوز أن تبدلها بغيرها وهذا ينبغي أن يكون طريقك في المستقبل وإذا أمكن أن ترد العملة التي أعطيتها إياه ثم ترد عليه مثل ما أخذت فهو الواجب عليك.
***

(235/23)

السائل طاهر حسن يقول أنا مقيم بالمملكة ولدي أولاد في بلدي مما يدعوني لإرسالي إليهم مصاريف إما عن طريق البنك أو عن طريق شخص يتعامل في التحويل أو تبديل العملات ويتم ذلك عبر الاتصال التلفوني ولم يكن هناك تقابض مع الطرف المحول فهل علي شيء في ذلك علما بأنني قرأت حديثا في منهاج المسلم يخص الصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بيعوا الذهب بالفضة كيف شيءتم يدا بيد) ومن شروط صحة جواز الصرف التقابض في المجلس وأنا يتعذر علي ذلك فهل علي شيء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب أنه يمكن أن تحول الدراهم بالعملة التي في البلد الذي أنت فيه فإذا بلغت المحال عليه صرفها إذا شاء بسعر يومها في ذلك البلد مثال ذلك تحول عن طريق البنك الدراهم على أنها سعودية فإذا وصلت البنك في بلدك وأتى المحال له ليقبضها ويريد أن يحولها إلى عملة بلدك فليسأل كم السعر ثم يصارف البنك الذي حولت إليه في سعرها في وقتها ويقبض هذه طريقة لا بأس بها ولا فيها كلافة فليلزمها فإنها جائزة أما التحويل وصرفها إلى نقود البلد المحال عليه بدون قبض فهذا لا يجوز.
***
المستمع م. ك. س. من الدمام يقول بعض العملات ترتفع أحيان وأحيانا تنخفض فمع انخفاضها نقوم بشرائها حتى ترتفع قيمتها ونبيعها بعد ذلك بثمن أكثر هل يجوز لنا ذلك مع إيضاح الدليل؟

(235/24)

فأجاب رحمه الله تعالى: يجوز للإنسان أن يشتري العملات عند رخصها فإذا زادت قيمتها باعها كما يجوز أيضا أن يشتري بقية السلع حال رخصها فإذا زادت باعها دليل ذلك عموم قول الله تعالى (وأحل الله البيع وحرم الربا) فكل بيع فالأصل فيه الحل حتى نتيقن إنه ربا ولهذا نقول في العملات إنه لا بد أن يستلم كل من الطرفين العوض الذي آل إليه فإذا صارفت شخصا بعملة فلا بد أن يسلمني ولا بد أن أسلمه في مجلس العقد فإن لم يحصل التسليم صار هذا من باب الربا الذي حرمه الله إذن يجب علينا أن ننتبه إلى هذه المسألة وهو أن تبادل العملات لا بد فيه من التقابض من الطرفين في مجلس العقد وأنه لا يجوز تأخير القبض.
***
نحن نشتغل في المملكة وبعد فترة من الزمن نرسل مصاريف للأهل بالسودان مع بعض الاخوة السودانين ونقوم ببيع الريالات لهم مقابل الجنيه السوداني ويقوم هؤلاء الناس بتسليم المبلغ بالجنيهات السودانية إلى الأهل فهل في ذلك ربا أرجو التوضيح مأجورين؟

(235/25)

فأجاب رحمه الله تعالى: قبل الكلام في الجواب عن هذا السؤال أود أن أبين أن الله سبحانه وتعالى حرم في كتابه الربا وقال الله تعالى (وأحل الله البيع وحرم الربا) وجاء فيه من الوعيد الشديد ما لم يأت في ذنب سواه إلا الشرك فقال الله تعالى وتبارك (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون (130) واتقوا النار التي أعدت للكافرين (131) وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون) وقال الله سبحانه وتعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (278) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) وقال الله سبحانه وتعالى (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (275) يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم) وثبت عن النبي صلى الله علية وآله وسلم أنه (لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه وقال هم سواء) فالربا أمره عظيم وشأنه خطير ومن نبت جسمه على الربا فقد نبت جسمه على السحت والعياذ بالله والمرابون من هذه الأمة يشابهون اليهود الذين قال الله فيهم (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا (160) وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما) ولا أظن

(235/26)

مسلما يرضى لنفسه أن يكون مشابها لليهود بل لو قلت لأي واحد من المسلمين أنت يهودي لنفر من ذلك أشد النفور ولخاصمك على هذه الكلمة التي وصمته بها وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم الربا أين يكون وكيف يكون فقال عليه الصلاة والسلام (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والتمر بالتمر والشعير بالشعير والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربا) فهذه الأصناف الستة هي التي يكون فيها الربا إذا باع الإنسان جنسا منها بمثله فإنه يجري فيهما ربا الفضل وربا النسيئة ولابد لتوقي هذين النوعين من الربا من التساوي بينهما وزنا فيما يوزن وكيلا فيما يكال والتقابض قبل التفرق لقوله عليه الصلاة والسلام (مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد) وإذا بيع جنس بآخر موافقا له في علة الربا فلا بد من شرط واحد وهو التقابض قبل التفرق لقوله عليه الصلاة والسلام (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شيءتم إذا كان يدا بيد) أما إذا كان لا يوافقه في علة الربا كبيع البر بالذهب أو الفضة فإنه لا يجري الربا بينهما فلا يشترط فيهما تقابض ولا يشترط فيهما تماثل وعلى هذا يجوز أن تبيع صاعا من البر بدرهم أو درهمين أو دينار أو دينارين وإن لم تقبض العوض لأنه لا ربا بين مكيل وموزون وعلى هذا يتنزل التبادل في العملات كالجنية السوداني والريال السعودي فانه لا باس أن يحصل التفاضل بينهما ولكن لا بد من التقابض في مجلس العقد قبل التفرق فإذا كان عند الإنسان السوداني في السعودية دراهم سعودية وأراد أن يحولها إلى جنيهات سودانية فإنه يذهب إلى أهل الصرف ويعطيهم الدراهم السعودية ويأخذ بدلها في الحال جنيهات سودانية ثم يرسلها إلى أهله أو يرسل دراهم سعودية إلى أهله وهم هناك يصرفونها إلى جنيهات سودانية ويأخذون العوض فورا هذه هي الطريقة السليمة إما هذا وإما هذا وأما أن يعطي دراهم سعودية هنا ويأخذ عنها عوضا جنيهات سودانية

(235/27)

في السودان فإن هذا لا يجوز لأنه ربا نسيئة وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام (إذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شيءتم إذا كان يدا بيد).
***
ما هو حكم الدين في استبدال أوراق نقدية في بلد ما بأوراق نقدية في بلد آخر بالزيادة أعطيكم مثالا ألف دينار جزائري تساوي في البنك حوالي ألفا ومائة فرنك فرنسي يقول إن كثير من المواطنين يستبدلون ألف دينار بثلاثة آلاف فرنك فرنسي هل هذا يعد ربا أم لا أرجو شرحا وافيا ودمتم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحمد لله من المعلوم أن هذه الأوراق النقدية حدث التعامل بها في الآونة الأخيرة نظرا لخفتها وتيسر نقلها وسهولة العدد وغير ذلك مما هو معروف لهذه الأوراق النقدية وقد اختلف أهل العلم فيما يلحقونها به هل يلحقونها بالذهب أو بالفضة أو بالعروض والذي يترجح عندي أنها تلحق بالنقود لكنها تلحق بالنقود المختلفة نوعا بمعني أننا نجعلها إذا اختلفت اختلاف كاختلاف الذهب والفضة فمثلا ما ذكره السائل نقول إن الأوراق النقدية الفرنسية غير الأوراق النقدية المغربية أو الجزائرية أو التونسية أو ما أشبه ذلك ونجعل هذا الخلاف كالخلاف بين الذهب والفضة ونقول إذا بيع نقد من هذا بنقد من هذا فانه لابد فيه من التقابض في مجلس العقد أي قبل أن يتفرق المتصارفان ويكون يدا بيد , لكن التفاضل لا بأس به فإذا قدر أن قيمة هذا النقد ألفا ألف ومائة وباعه يعني في البنك وباعه و تبايعه الناس فيما بينهم بألف ومائتين أو بألف وثلاثمائة أو بألف وخمسمائة أو بثلاثة آلاف كما ذكر السائل فانه لا باس به لأننا نرى أن الممنوع منه هو ربا النسيئة فقط بين هذه الأوراق النقدية أما ربا الفضل فليس ممنوعا وذلك لأنها هي بنفسها ليست هي المعدن المعين الذي يجب فيه التساوي وإنما هي خاضعة وقابلة لزيادة النقد حسب العرض والطلب فالزيادة فيها والنقص فيها لا بأس به لأنه خاضع للعرض والطلب ولكن الممنوع هو التفرق قبل القبض.
***

(235/28)

كنت في أحد البلدان وعند سحبي مبلغا من المال بعملة ذلك البلد من آلة السحب يحسبون صرف العملة وكذلك يحسبون مبلغا آخر يقولون مقابل استخدام الآلة فهل يعتبر هذا من الربا
فأجاب رحمه الله تعالى: أما إذا كان حقا أن الآلة يعني تستهلك شيئا وجعل هذا السحب في مقابل استعمال الآلة فلا بأس به لأنه كالأجرة وأما مسألة الصرف بأن يضع دراهم سعودية مثلا ويأخذ جنيها استرلينيا فهذا لا يجوز لأنه في المعاملات النقدية لا بد أن يكون التعامل يدا بيد نعم لو فرض أن هذا الصندوق فيه دراهم سعودية وجنيه استرليني وأدخل البطاقة فهنا نقول إنه جائز لأنه سيكون يدا بيد.
***
بيع العملة الورقية بالمعدنية
المستمع ح. ب. ب. ويقول ما حكم فضيلة الشيخ بيع الهلل التسع بعشرة ريالات ورقية من أجل التكليم في التلفون والهاتف؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الذي أرى أنه لا بأس بذلك وأن ربا الفضل بين العملات لا يجري وإنما يجري ربا الفضل فيما كان من جنس واحد لقوله صلى الله عليه وسلم (إذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شيءتم إذا كان يدا بيد) فإذا اشترى الإنسان ريالات من الحديد تسعة بعشرة من الورق وكان ذلك يدا بيد أي أن كلا منهما يقبض العوض في محل العقد فإن هذا لا بأس به أما لو تأخر القبض في أحدهما فإن البيع ليس بصحيح يعني بمعنى لو أعطاه عشرة في الضحى وقال ائتني في العصر أعطيك تسعة ريالات فإن هذا لا يجوز.
***
المستع من الدمام أ. س. ع. سمعت فتوى من أحد أهل العلم بأنه يجوز استبدال العملة الورقية بأخرى معدنية مع التفاضل والزيادة في أحدهما كأن يستبدل خمسين ريالا ورقية بثمانية وأربعين معدنية فما حكم الشرع في نظركم فضيلة الشيخ في هذا وإن كان هذا يجوز فأرجو توضيح العلة في ذلك أثابكم الله؟

(235/29)

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي أرى أن هذا جائز ولكن بشرط التقابض في مجلس العقد فيجوز أن أعطيك عشرة ريالات ورقية بتسع ريالات معدنية أو خمسين ريالا ورقيا بثمانية وأربعين معدنية أو بالعكس بأن أعطيك عشرة ريالات ورقية بإحدى عشرة ريالا معدنية لأنه أحيانا تكون الرغبة في هذا وأحيانا تكون الرغبة في هذا وذلك لاختلاف الجنس وإن كانت القيمة في نظر الحكومة واحد لكن الجنس مختلف والتقويم هذا تقويم نظامي ليس تقويما حقيقيا بدليل أن الحكومة لو شاءت لجعلت بدل الريال الورقي ريالين من هذا الريال المعدني أو أكثر أو أقل فإذا كان هذا ثمنا بحسب نظام الحكومة لا بحسب الواقع فإن التفاضل لا بأس به وهكذا نقول في جميع الأوراق النقدية إذا اختلف جنسها فإنه يجوز فيها التفاضل لكن بشرط التقابض في مجلس العقد وهذا الذي قلته قول وسط بين من يقول إنه لا بد من التساوي والتقابض وبين قول من يقول إنه لا يشترط التقابض ولا التساوي فهذا القول وسط أن ما عدا الذهب والفضة إذا اختلف جنسه فإنه يجوز فيه التفاضل ولكن بشرط القبض في مجلس العقد أما الذهب والفضة فإنه إذا بيع الذهب بالذهب فلا بد من أمرين التساوي وزنا والتقابض في مجلس العقد وإذا بيعت الفضة بالفضة فلا بد من هذين الأمرين أيضا التساوي وزنا والتقابض في مجلس العقد وإذا بيع ذهب بفضة وإن كان كل منهما نقدا كالدراهم والدنانير فلا بد من التقابض في مجلس العقد وأما التساوي فليس بشرط.
***
يوجد جوار الحرم المكي أشخاص عند كبينة الهواتف الموجودة في جوار الحرم وإذا طلب أحد الإخوة أن يصرف ريالات حديد للاتصال يقولون الريال الحديد بريالين من الورق أو ثلاثة ريالات حديد بخمسة ريالات من الورق أرجو من فضيلة الشيخ إرشادي في هذا هل هذا حرام أم حلال مأجورين؟

(235/30)

فأجاب رحمه الله تعالى: في هذا خلاف بين العلماء فمن العلماء من يقول إنه لا يحل أن يصرف تسعة ريالات معدنية بعشرة ريالات ورقية لأن قيمة هذا هي قيمة هذا وأنت لو ذهبت إلى السوق لتشتري شيئا قيمته ريال ورق لاشتريته بريال من المعدن والعكس بالعكس وإذا كان كذلك فإن الزيادة تكون من الربا ويرى آخرون من العلماء أن هذا لا بأس به وأنه يجوز أن يصرف عشرة ريالات بتسعة من المعدن لكن بشرط أن يكون ذلك يدا بيد وهذا أصح لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شيءتم إذا كان يدا بيد) وعلى هذا فيجوز أن تعطيه عشرة ريالات ورقية ويعطيك تسعة ريالات معدنية.
***
فوائد البنوك الربوية
أمين سلمي مصري الجنسية يقول بإنه اقترض مبلغا من البنك لعمل مشروع لمزرعة دواجن وهذا المبلغ بفائدة سنوية بضمان أرض ملك وعملت المشروع حيث إنه لم يكن الربح مجزئا لسداد هذا الدين حتى اضطررت إلى للحضور للمملكة للعمل لكي أقوم بالسداد سؤالي هل هذا المبلغ يعتبر ربا وما هي الزكاة التي تدفع عن هذا المشروع أفيدونا لكي أريح ضميري وقلبي جزاكم الله خيرا؟

(235/31)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال تضمن مسألتين المسألة الأولى اقتراض الرجل من البنك بفائدة وهذا ربا بلا شك وذلك لأن بيع النقد بالنقد نسيئة لا يجوز فإن ضاف إلى ذلك ربح يجعل على كل سنة صار جامعا بين نوعي الربا وهما ربا الفضل وربا النسيئة والربا ليس بالأمر الهين بل هو من كبائر الذنوب العظيمة التي قال الله فيها (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (278) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) وأخبر عز وجل إنه حرم الربا وقال (وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) و(لعن النبي صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه وقال هم سواء) أي في اللعنة والعياذ بالله وقال عليه الصلاة والسلام (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد) وأخبر أن (من زاد أو استزاد فقد أربا) وقال (وإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شيءتم إذا كان يدا بيد) فإذا استقرضت من شخص مالا بفائدة فليس هذا بقرض في الحقيقة ولكنه بيع لأن القرض يقصد به الإرفاق والإحسان وهذا الذي جرى بينكما لا يقصد به الإرفاق والإحسان وإنما يقصد به المعاوضة والربح والتكسب فهو ربا وعليك أن تتوب إلى الله عز وجل من ذلك وألا تعود لمثله وأما وجوب الزكاة في هذا المشروع فكل ما كان مهيئا للبيع من هذا المشروع فإن فيه الزكاة أما الآلات والأدوات الباقية التي تستعمل للإنتاج فإنه ليس فيها زكاة لأنها ليست عروض تجارة لأنها معدة

(235/32)

للاستعمال وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام (ليس على المؤمن في عبده ولا فرسه صدقة).
***
أخبركم بأنني محتاج جدا لشراء سيارة ولا أجد ما أشتري به فذهبت إلى أحد المصارف فقالوا نشتري لك هذه السيارة ولكن بعد أن توقع على التزامك بالشراء وبسداد المبلغ وعليه فوائد بأقساط شهرية وبعد ذلك نشتري لك السيارة فما الحكم في مثل هذه البيوع؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحكم في مثل هذه البيوع أنها حرام لأنها حيلة واضحة على الربا فإن البنك بدل أن يعطيك خمسين ألف ريال نقدا تشتري بها السيارة ويقسطها عليك بستين ألفا بدلا من هذا يقول اختر السيارة التي تريد ثم نشتريها لك ثم نبيعها عليك وهل هذا إلا حيلة على رب العالمين الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور والمسائل المحرمة إذا تحيل الإنسان عليها بما ظاهره الإباحة صارت أعظم إثما من انتهاك المحرم صريحا لأن منتهك المحرم صريحا يشعر بأنه مذنب ويكون لديه خجل من الله عز وجل ويحاول أن يتوب أما المتحيل فيرى أنه على صواب ويبقى في تحيله وكأنه لم يفعل شيئا محرما وليعلم أن المتحيلين على محارم الله يشبهون اليهود كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل) واليهود لما حرم عليهم الصيد يوم السبت أعني صيد السمك صار السمك يأتيهم يوم السبت بكثرة ولا يأتيهم في غير يوم السبت فطال عليهم الأمد فجعلوا شباكا يوم الجمعة فيأتي الحيتان يوم السبت ويسقط في هذا الشباك ثم يأتون يوم الأحد ويأخذونه فماذا كانت العقوبة قال الله تعالى (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين) فجعلهم معتدين مع أن ظاهر حالهم أنهم لم يصيدوا يوم السبت لكن جعلهم الله معتدين ثم قلبهم إلى قردة لأن القرد أشبه ما يكون بالإنسان وكذلك الذين حرمت عليهم الشحوم فأذابوها ثم باعوها وأكلوا ثمنها قال النبي

(235/33)

صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيهم (قاتل الله اليهود إنه لما حرمت عليهم شحومها أذابوها ثم باعوها وأكلوا ثمنها) هذه الحيلة التي ذكرها السائل في المبايعة أقرب إلى الربا الصريح من حيل اليهود فعلى المؤمن أن يتقي الله عز وجل وأن يعلم أن الأمور معتبرة بمعانيها لا بأشكالها وصورها.
***
المستمع أحمد يقول استدان عمي من البنك مبلغا كبيرا ثم أعاده بعد مدة بفائدة تعود على البنك فهل على عمي إثم وعلى من يقع الإثم في مثل هذه الحالة

(235/34)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم على من تعامل بالربا أثم كبير وعظيم وقد وعد من وقد ورد من الوعيد في الربا ما لم يرد على ذنب أخر سوى الشرك فقال الله تبارك وتعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (278) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) ومن الذي يرتضى أن يؤذن الحرب بين الله ورسوله قال تعالى (وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) وقال الله سبحانه وتعالى (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) وقال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون (130) واتقوا النار التي أعدت للكافرين (131) وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون) وثبت في صحيح مسلم من حديث جابر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه (لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه وقال هم سواء) فأكل الربا داخل في لعنة الله وموكل الربا وهو الذي يدفعه بأخذه داخل في لعنة الله وشاهدا الربا داخلان في لعنة الله وكاتب الربا داخل في لعنة الله فعلى المرء المسلم أن يتوب إلى الله عز وجل وأن يتجنب الربا وأن يعلم أن رزق الله تعالى لا ينال بمعصيته وأن المال من كسب طيب ولو قل خير من المال من كسب خبيث ولو كثر و ليعلم أن الكسب الخبيث إن

(235/35)

تصدق به المرء لم يقبل منه وإن أنفقه لم يبارك له فيه وإن خلفه كان زاد له إلى النار فمادام الإنسان في مهلة وما دام في حياة فليتب إلى الله ليستغفر الله مما حصل منه من الربا وما سلف فنرجوا الله سبحانه وتعالى أن يعفو عن عمك وأن يوفقنا وأياه لسداد العيش وطيب المعشر إنه جواد كريم.
***
السائل محمد أ. أ. القصيم يقول إذا سافرت خارج المملكة وطلبت مبلغا عن طريق بطاقة الصرف الآلي فإنها تعطيني مبلغا بعملة ذلك البلد ولكنه لا يخصم من رصيدي إلا بعد عدة أيام هل في هذا تقابض؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ليس في هذا تقابض لأنه تأخر القبض ومثل هذا إذا كان يحتاج إلى عملة البلد التي سافر إليه نقول اشتر عملة البلد الذي سافرت إليه في بلدك ثم سلمها للبنك وقل لهم حولوها على البلد الفلاني وبهذا تكون العملية سليمة أما أن تتفق معه على أنه يبدل العملة السعودية بعملة البلد الذي سيسافر إليه ويتأخر القبض فهذا ربا نسيئة لا يجوز.
***
بيع الدين بالدين
السائل ع. م. ص فضيلة الشيخ ما تقولون فيمن يقول لرجل أبيعك هذه السيارة إلى العام القادم بستين ألف ريال وإذا لم تسدد المبلغ سيكون المبلغ سبعين ألف ريال في العام الذي يليه وهذا الكلام في بداية العقد فأرجو الإفادة في هذا مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا العقد حرام لأنه ربا وإذا كان البائع شاكا في وفاء المشتري فليجعلها بالثمن الأعلى من البداية وإلى الأمد المتأخر من البداية فإن الإنسان إذا باع من يساوي ألفا في الحاضر بألفين إلى مدة سنتين لاحرج عليه لدخوله قول الله تعالى (وأحل الله البيع) أو باعه بألف وخمسمائة إلى سنة فلا شيء عليه أما أن يقول بعتك ما يساوي ألفا بألف وخمسمائة إلى سنة فإن لم تسدد فبألفين فإن هذا حرام لا يحل لأنه ربا.
***

(235/36)

الرهن
أبو طارق يقول أرجو أن تفتوني مأجورين عن الاشتراك في الجمعيات التي يدفع كل واحد فيها مبلغا من المال في كل شهر كل واحد يدفع عشرة جنيهات ثم يأخذها واحد منهم بترتيب يتفقون عليه.
فأجاب رحمه الله تعالى: لا باس بهذا لأن هذا من باب التعاون وإقراض المحتاجين فمثلا إذا كانوا عشرة واتفقوا على أن يبذل كل واحد منهم ألف ريال ويعطى واحدا حصل لهذا الواحد إضافة تسعة آلاف على مرتبه وهذا قد ينفعه أحيانا وهو من باب التعاون وسد حاجات الآخرين ولا حرج فيه إطلاقا وأما ما توهمه بعض الناس من أنه قرض جر نفعا فيقال أين النفع الرجل أقرض ألفا وعاد عليه ألف فقط وحين إذن لم يكن القرض قد جر نفعا إلى المقرض لأنه أقرض ألفا واستوفى ألفا والمسألة والحمد لله ليس فيها إشكال وإن اشتبهت على بعض الناس.
***
هل تجوز الزيادة في الرهن مثلا إذا اقترض مبلغا من المال وطلب صاحب الدين رهنا أكثر من القرض فما الحكم في ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا حرج في هذا أي لا حرج على المقرض أن يطلب من المستقرض رهنا أكثر من القرض فمثلا إذا أقرضه عشرة آلاف وطلب رهنا يساوي عشرين ألفا أو أكثر فلا حرج كما أنه لا حرج أيضا في أن يطلب رهنا أقل من الدين مثل أن يقرضه عشرة فيطلب رهنا يساوي خمسة.
***
محمد العبد الله السبيعي وصنهات بن ردن الشلوي وعبد الرحمن الهذلي وزملاؤه يقولون نحن مجموعة من المواطنين أتيحت لنا فرصة الاقتراض من البنك العقاري ونريد أن نبيع أملاكنا التي قد رهنها البنك العقاري بشرط أن يلتزم المشتري بتسديد ما في ذممنا للبنك فهل يجوز لنا التصرف في البيع وإذا لم يجز فما هو المخرج أو الحل من ذلك؟

(236/1)

فأجاب رحمه الله تعالى: يجوز لكم أن تتصرفوا فيها بالبيع بشرط أن يأذن لكم المسؤولون في صندوق التنمية فإذا أذنوا لكم فلا حرج أو بطريقة أخرى وهي أن توفوا الصندوق حتى يتحرر العقار من الرهن فإذا تحرر العقار من الرهن فلا بأس ببيعه حينئذ لأنه لا حق لأحد فيه أما إذا لم يأذن الصندوق بالتصرف فيه بالبيع ولم تفكوا رهنه بإيفاء فإنه لا يحل لكم أن تبيعوه أولا لأنه مرهون والمرهون مشغول بحق الراهن ولا يجوز بيعه لأن ذلك يكون سببا لمشاكل كثيرة ربما يضيع حق الصندوق بمثل هذا التصرف وثانيا لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالوفاء بالعقود فقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) وأمر بالوفاء بالعهد فقال (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا) وأنت قد عقدت مع الصندوق عقدا مقتضاه أن لا تتصرف في هذا الرهن بدون إذنه ثم إنه زيادة على ذلك قد اشترط في وثيقة العقد مع الصندوق في إحدى المواد أن المستفيد لا يتصرف فيه ببيع ولا غيره وهذا الشرط قد قبله الراهن صاحب العقار ووقع عليه والتزم به فيجب عليه أن يوفي بما التزم به فالوفاء للصندوق بما التزمت به شرطا وبما يلزمك شرعا أمر واجب عليك لأنك سوف تسأل عنه وأما من تساهل في ذلك وباعه بحجة أن جمهور العلماء يرون أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض وأن هذا العقار ليس مقبوضا من قبل الصندوق لأنه بيد صاحبه فهذا التساهل فيه نظر من وجهين

(236/2)

الوجه الأول: أن هذا الراهن قد التزم شرطا على نفسه وهو أنه لا يتصرف فيه ببيع ولا غيره فهو قد التزم بذلك ولو فرضنا أن هذا ليس مقتضى الرهن المطلق إذا لم يقبض فإن هذا التزام شرط لا ينافي الكتاب ولا السنة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) ومفهومه كل شرط لا يخالف كتاب الله فهو حق وثابت وفي الحديث الذي في السنن المشهور (المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا)

(236/3)

الوجه الثاني: أن القول الصحيح في هذه المسألة أن الرهن يلزم ولو بدون القبض إذ لا دليل على وجوب قبضه إلا قوله تعالى (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة) وفي الحقيقة أن هذه الآية يرشد الله فيها الإنسان إلى التوثق من حقه في مثل هذه الحال إذا كان على سفر ولم يجد كاتبا ولا طريقة إلى التوثق بحقه في مثل هذه الحال إلا برهن مقبوض لأنه لو ارتهن شيئا ولم يقبضه لكان يمكن أن ينكر الراهن ذلك الرهن كما أنه يمكن أن ينكر أصل الدين ومن أجل أنه يمكن أن ينكر أصل الدين أرشد الله تعالى إلى الرهن المقبوض فإذن لا طريق للتوثق بحقه في مثل هذه الحال إلا إذا كان الرهن مقبوضا ثم إن آخر الآية يدل على أنه إذا لم يقبض وجب على من اؤتمن عليه أن يؤدي أمانته فيه لأنه قال (فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته) فإذا كان كذلك فإن المرتهن قد أمن الراهن بإبقائه عنده فإذا كان قد ائتمنه فإن واجب الراهن أن يؤدي أمانته وأن يتقي الله ربه ثم إن عمل الناس عندنا على هذا فإن صاحب البستان يستدين لتقويم بستانه وبستانه بيده وصاحب السيارة يرهن سيارته وهي في يده يكدها وينتفع بها وكذلك صاحب البيت يرهنه لغيره وهو ساكنه والناس يعدون هذا رهنا لازما ويرون أنه لا يمكن للراهن أن يتصرف فيه بالبيع فالقول الصواب في هذه المسألة أن الرهن يلزم وإن لم يقبض متى كان معينا وهذا العقار الذي استدين من صندوق التنمية له هو رهن معين قائم فالرهن فيه لازم وإن كان تحت يد الراهن إذن فلا يجوز لمن استسلف من صندوق التنمية أن يبيع عقاره الذي استسلف له إلا في إحدى الحالين السابقين أن يستأذن من المسؤولين في البنك ويأذنوا له أو أن يوفي البنك ويحرر العقار من الرهن والله الموفق.
***

(236/4)

سوداني مقيم بالمملكة منطقة الباحة يقول عندنا في السودان مشكلة رهن الأرض الزراعية وذلك بأن يقوم صاحب الأرض الذي يرغب في رهن أرضه الزراعية باستلام مبلغ من المال من المرتهن ثم يباشر المرتهن زراعة هذه الأرض ولا يعطي لصاحب الأرض شيئا من هذه الغلة ومتى أراد صاحب الأرض فك الرهن فإنه يعيد المبلغ إلى المرتهن وترد إليه أرضه وليست هناك مدة معينة باستعادة الأرض فقد يستمر الرهن عشرات السنين ونوعا آخر من الرهن يوجد عندنا أيضا وهذا تحدد مدته بسنة واحدة فيدفع المرتهن مبلغا لصاحب الأرض ثم يقوم باستثمارها لمدة عام واحد وهذا النوع يشبه النوع الأول من حيث أن صاحب الأرض لا يعطى شيئا من الغلة ويختلف عن النوع الأول من حيث أن النوع الأول لا تحدد فيه المدة التي ستعاد فيها الأرض لصاحبها ولكنه متى أراد استعادتها تعاد إليه فما حكم هذين النوعين من التعامل بالرهن؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إعطاء الأرض لمن يستغلها له ثلاثة وجوه
الوجه الأول أن يكون بجزء مما يخرج منها وهذه هي المزارعة مثل أن يقول خذ هذه الأرض وأزرعها ولي ثلث الناتج أو ربعه أو عشره أو جزء مشاع منه على ما يتفقان عليه وهذه جائزة وقد (عامل النبي عليه الصلاة والسلام أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع)
الوجه الثاني أن يعطيه الأرض يزرعها بأجرة معلومة منقطعة عن الخارج منها مثل أن يقول خذ هذه الأرض لمدة عشر سنوات كل سنة تعطيني ألف درهم فهذا أيضا جائز ولا حرج فيه وقد قال رافع بن خديج رضي الله عنه حين ذكر المزارعة الممنوعة فقال (فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به)
والوجه الثالث الصورة الشيء الثالث أن يعطيه الأرض منحة ينتفع بها الزارع بدون مقابل هذا أيضا جائز ولا بأس به وهو من الإحسان المندوب إليه فإذا كان هذا الذي أعطى الأرض منحة يأخذ من الزارع شيئا يؤمن به نفسه فإن هذا لا بأس به ولعل هذه المسألة الأخيرة هي التي يقصدها السائل وحينئذ تكون جائزة.
***

(236/5)

إننا نرهن كثيرا من هذه النخيل ومنذ أكثر من خمسة عشر سنة ونحن نسقيها ونلقحها وعند الحصاد يأتي المرتهن ليأخذ الحصاد ويستمر الوضع وكذا حتى يستطيع الراهن أن يرجع النقود إلى المرتهن فهل هذا هو الرهن الشرعي وهل يأثم الراهن في ذلك إذا كان محتاجا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الرهن الشرعي يقتضي هذا يعني يقتضي أن يكون المال تبعا للرهن فيكون للمرتهن السلطة في بيعه والاستيفاء منه إلا إذا كان الراهن موثوقا بحيث يأذن له المرتهن ببيعه وتصفيته ثم تسليم ثمنه إلى المرتهن.
***
هل يجوز للمرتهن أن يستفيد من الرهن كأن تكون مزرعة يقوم بإصلاحها المرتهن فهل يجوز له أن يأخذ ما يخرج منها دون أن يعطي الراهن شيئا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز ذلك والذي أذن فيه هو المركوب والمحلوب فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا والظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا) يعني اللبن إذا أخذ المرتهن البقرة أو الشاة وأنفق عليها فإنه له أن يشرب اللبن لكن بقدر النفقة فلو قدر أن اللبن قيمته أكثر من النفقة فالقيمة محفوظة للراهن مثال ذلك أنفق عليها كل يوم عشرة لكنه يبيع من لبنها كل يوم بعشرين فالعشرة الزائدة تحفظ للراهن وتكون رهنا تبعا لأصلها كذلك الظهر الذي يركب البعير والحمار يركب بنفقته إذا كان مرهونا أي بقدرها وأما ما سوى ذلك فإن النماء يكون تبعا للراهن أي يكون ملكا للراهن لكنه يتبع الرهن في كونه مرتهنا عند المرتهن.
***
المستمع علي القباطي يقول رجل اقترض مالا من رجل ولكن المقرض اشترط أن يعطى قطعة أرض زراعية من المقترض رهنا بالمبلغ يقوم بزارعتها وأخذ غلتها كاملة أو نصفها والنصف الآخر لصاحب الأرض حتى يرجع المدين المال كاملا كما أخذه فيرجع له الدائن الأرض التي كانت تحت يده ما حكم الشرع في نظركم يا شيخ محمد في مثل هذا القرض المشروط

(236/6)

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا السؤال إن القرض من عقود الإرفاق التي يقصد بها الرفق بالمقترض والإحسان إليه وهو من الأمور المطلوبة المحبوبة إلى الله عز وجل لأنه إحسان إلى عباد الله وقد قال الله تعالى (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) فهو بالنسبة للمقرض مشروع مستحب وبالنسبة للمقترض جائز مباح وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استسلف من رجل بكرا ورد خيرا منه) وإذا كان هذا العقد أعني القرض من عقود الإرفاق والإحسان فإنه لا يجوز أن يحول إلى عقد معاوضة وربح أعني الربح المادي الدنيوي لأنه بذلك يخرج عن موضوعه إلى موضع البيع والمعاوضات ولهذا تجد الفرق بين أن يقول رجل لآخر بعتك هذا الدينار بدينار آخر إلى سنة أو بعتك هذا الدينار بدينار آخر ثم يتفرقا قبل القبض فإنه في الصورتين يكون البيع حراما وربا لكن لو أقرضه دينارا قرضا و أوفاه بعد شهر أو سنة كان ذلك جائزا مع أن المقرض لم يأخذ العوض إلا بعد سنة أو أقل أو أكثر نظرا لوجود جانب الإرفاق وبناء على ذلك فإن المقرض إذا اشترط على المقترض نفعا ماديا فقد خرج بالقرض عن موضوعه الأصلى وهو الإرفاق فيكون حراما والقاعدة المعروفة عند أهل العلم أن كل قرض جر منفعة فهو ربا وعلى هذا فلا يجوز للمقرض أن يشترط على المقترض أن يمنحه أرضه ليزرعها حتى ولو أعطى المقترض سهما من الزرع لأن ذلك جر منفعة من المقرض يخرج القرض عن موضوعه الأصلى وهو الإرفاق والإحسان.
***
يسأل هذا السائل عن حكم التأمين في الإسلام وعن صوره؟

(236/7)

فأجاب رحمه الله تعالى: التأمين من عقود الغرر وكل عقد يتضمن غررا فإنه باطل لحديث أبي هريرة رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر) ولأن الغرر من الميسر وقد حرمه الله تعالى في كتابه فقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) ووجه كونه من الميسر أن المؤمن يدفع عوض التأمين ولنقل أنه خمس آلاف في السنة ثم قد يحصل عليه حادث يستوعب أكثر مما دفع مرتين أو ثلاثة وربما لا يحصل عليه حادث إطلاقا وربما يحصل عليه حادث يستغرق دون ما دفع فهو في الحقيقة عقد غرر ومخاطرة وليس بجائز فعلى المؤمن أن يتقي الله عز وجل وأن يبتعد عن هذه العقود الغررية التي أحدثها الرأسماليون من أجل ابتزاز أموال الناس.
***
هذا المستمع آدم شريف من بورسودان يقول نحن مجموعة من الإخوان في الله اتفقنا على إنشاء صندوق مالي بأن يدفع كل واحد منا كل شهر مبلغا محددا من المال ويجمع في هذا الصندوق بغرض مساعدة أي من الأفراد المشتركين فيه في أي حالة شدة يتعرض لها ومن ذلك فلو توفي أحد أسرته فإنه يدفع له منه مساعدة وهكذا فهل في هذا مانع شرعي أم لا؟

(236/8)

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس في هذا مانع شرعي بل إن هذا من التعاون على البر والتقوى وتحديد ذلك بمبلغ معين لا يضر لأن المقصود به أن يكون هذا الصندوق منتظما إذ لو لم يقيد بمبلغ معين ما انضبط ولا حصل على المال الكافي ولكن ينبغي أن يكون هذا المال المعين أن يكون بالنسبة لا بالقدر المعين فيقال مثلا يؤخذ من راتب العشر، نصف العشر، ربع العشر دون أن يقال على كل فرد مائة درهم مثلا لأن الدخل يختلف فالأفضل أن يكون ذلك بالنسبة إلى ما يحصله المرء ثم إنه ينبغي أن يجعل هذا عونا لمن حصل عليه حادث يعني حصل عليه ما لا يمكنه دفعه من كسر أو مرض أو ما أشبه ذلك وأما أن يجعل معونة لمن حصل منه الحادث فهذا لا ينبغي لأننا إذا وضعنا هذا الصندوق وجعلناه لكل من حصل عليه حادث أو منه حادث أوجب أن يتهور السفهاء ولا يبالوا بالحوادث التي تقع منهم لأنه حيث علم أن هناك صندوقا يؤمن ما يلزمه من ضمان بسبب هذا الحادث فإنه لا يبالي سواء حدث منه الحادث أو لم يحصل لهذا أقول إن هذه الصناديق موجودة حتى في هذه البلاد السعودية ولكن ينبغي أن تكون هذه الصناديق التعاونية معونة فيمن حصل عليه الحادث الذي يحاج إلى مساعدة مالية لا من حصل منه الحادث للوجه الذي ذكرته وهو أن هذا يؤدي إلى التساهل والتهور وعدم المبالاة بالحوادث التي تقع من الإنسان وأما قول السائل إنه إذا مات أحد من عائلته أعانوه فهذا في النفس منه شيء ولا ينبغي أن يقيد ذلك بالموت لأنه قد يموت أحد من الأسرة ويخلف مالا كثيرا يستغني به الإنسان عن المعونة فالأولى أن يكون أمر المعونة مقيد بالحاجة لأي سبب كان حتى لا يحصل نزاع فيما بينهم أو حتى لا تصرف الأموال في غير مستحقيها.
فضيلة الشيخ: هل نقيس على حالة الصندوق هذه ما تفعله بعض شركات التأمين الحالية من استحصال مبلغ معين من كل شخص يريد أن يؤمن على مثلا بضاعته أو سيارته أو نحو ذلك؟

(236/9)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا نقيسه على هذا فإن شركات التأمين هذه لا شك أنها محرمة وأنها من الميسر الذي قرنه الله تعالى بالخمر وعبادة الأصنام والاستقسام بالأزلام كما قال الله عز وجل (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) وذلك لأن هذا العقد غرر دائر بين الغنم والغرم وكل عقد هذه حاله فإنه من الميسر إذ أن الإنسان يكون فيه حاله دائرة بين أن يكون غانما أو غارما وأضرب لك مثلا بأنه إذا كان عندي سيارة وأعطيت شركات التأمين مبلغا من المال كل شهر مثلا لنفرض أنه مائة ريال فمعنى ذلك أنها ستطلب في السنة ألفا ومائتي ريال قد يحدث حادث على سيارتي يستهلك خمسة آلاف ريال لإصلاحها وحينئذ تكون الشركة غارمة لأنه أخذ منها أكثر مما بذل لها وقد يكون الأمر بالعكس قد تمضي السنة والسنتان والثلاث ولم يحصل على سيارتي حادث وحينئذ أكون أنا غارما لأنه أخذ مني مبلغا من المال بغير حق وهذا بعينه هو الميسر لأنه يشبه الرهان الذي قد يكون الإنسان فيه غانما وقد يكون فيه غارما ولأنه نفس ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام حيث (نهى عن بيع الغرر) فإن هذا يشبهه إن لم يكن هو إياه ثم إن في هذا التأمينات في الحقيقة إضرارا بالمجتمع وإخلالا بالأمن لأن هذا الذي قد أمن على حادث سيارته قد يؤديه هذا التأمين إلى التهور وعدم المبالاة بالصدم والحادث لأنه يرى أنه مؤمن له ولهذا ينبغي حفظا لأمن المجتمع أن تمنع هذه التأمينات أو هذه الشركات فالذي أرى فيه هذا أنه يجب على كل مؤمن أن يجعل اعتماده على ربه سبحانه وتعالى وأن يبتعد عن المعاملات المحرمة لأن هذا المال الذي بأيدينا هو عارية إما أن يؤخذ منا ويتلف في حياتنا وإما أن نؤخذ منه ونتلف ويبقى لغيرنا فالواجب على المؤمن ألا يجعل المال غاية بل يجعله وسيلة وليتذكر

(236/10)

دائما قول الله عز وجل (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) وليتذكر دائما قول الله عز وجل (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون (99) لعلي أعمل صالحا فيما تركت) أي لعلي أنفق مالي من جملة ما يدخل في هذه الآية لعلي أنفق مالي الذي تركته فيما يقربني إلى الله من الأعمال الصالحة فقال الله عز وجل (كلا) أي حقا (إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون) فنصيحتي للمسلم ألا يتشبه بالكفار الذين يجعلون المال غاية لا وسيلة ويجعلون الدنيا مقرا لأن مقر المؤمن هي دار الآخرة التي هي خير وأفضل وأعظم من هذه الدنيا بكثير كما قال الله تعالى (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) وليعلم أنه إذا اتقى الله عز وجل في عباداته ومعاملاته وأخلاقه وولايته التي ولي عليها من أهله من زوجات وغيرهم فإن الله تعالى قد ضمن له وهو لا يخلف الميعاد أن يرزقه من حيث لا يحتسب (ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا) (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا) فأنت يا أخي المؤمن اصبر والرزق سيأتيك إذا سعيت له بالأسباب المشروعة غير المحظورة وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام (إنه ألقي في روعي إنه لن تموت نفس حتى أن تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطالب) ونسأل الله تعالى أن يحمي المسلمين من الربا والميسر وأن يسهل لهم معاملاتهم الطيبة التي يأكلونها رغدا

(236/11)

هنيئا لا تبعة عليهم في الدنيا ولا في الآخرة لكن قد يقول قائل إذا ابتليت بهذا الأمر فقدمت إلى بلد أو كنت في بلد يرغموني على هذا التأمين فماذا أصنع هل أعطل سيارتي واستأجر أم ماذا أصنع أقول في هذا إنه إذا أرغمت على هذا التأمين فلا حرج عليك أن تدفع ما أرغمت عليه ولكن إذا حصل عليك حادث فلا تأخذ منهم إلا مقدار ما دفعت لا تأخذ منهم ما يكون بهذا الحادث إذا كان أكثر مما أعطيتهم وبهذا تكون خرجت من التبعة لأنك ظلمت في هذا العقد المحرم الذي أجبرت عليه وبدفع هذه الفلوس التي أجبرت على دفعها فإذا ظلمت فإنك تأخذ قدر مظلمتك باختيارهم هم لأنهم هم الذين سيدفعون إليك هذا بمقتضى العقد الذي أجبروك عليه فلا أرى بأسا أن تأخذ منهم مقدار ما دفعت فقط على هذا الحادث الذي حصل لك وإذا كان الحادث أقل مما دفعت فهم لم يعطوك إلا بقدر الحادث وهذا لا شك أنك ستأخذه.
***
الأخت أ م ع العنوان الأردن شمال مدينة اربد تقول في رسالتها ما هو التأمين على الحياة وهل هو حرام أو حلال؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التأمين على الحياة ما أعرف معناه تماما ولكن ما أظن أحدا يؤمن على الحياة لأن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ولا ينفع فيه التأمين وإذا كان التأمين يراد به أن الإنسان يدفع دراهم في مقابل أنه إذا مات يضمن لورثته شيء معين من المال فهذا حرام لأنه من الميسر إذ أن الدافع مغامر فلا يدري أيكسب أكثر مما دفع أو أقل وكل معاملة تكون دائرة بين الغنم والغرم فإنها من الميسر المحرم الذي لا يجوز إلا ما استثناه الشرع في مسألة الرهان على الخف والنصل والحافر.
***

(236/12)

الزيادة في الثمن مقابل الأجل
علي أحمد الزهراني الباحة بلاد زهران يقول اشتريت سيارة بعشرين ألفا نقدا ودينتها بثلاثين ألفا لسنة أيعتبر ذلك حراما أم حلالا نرجو بهذا إفادة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا السؤال من وجهين الوجه الأول صيغة العقد هل هذا الذي اشترى السيارة بعشرين ألفا ثم باعها بثلاثين هل كانت السيارة عنده قبل أن يطلبها المستدين قد اشتراها وأبقاها عندها في حيازته ثم جاء هذا الرجل ليشتريها إلى مدة سنة ثم باعها عليه بثلاثين أو أنه إنما اشتراها بعشرين بعد طلب المستدين أن يشتري له فإن كانت الصورة الأولى أي أن هذه السيارة كانت عنده من قبل ثم جاء هذا يشتريها منه بهذا الربح فإننا ننظر في هذه المسألة من الوجه الثاني وهو هل هذا الربح الزائد الكثير جائز أو ليس بجائز الذي يظهر لي من عموم الأدلة مثل قوله تعالى (وأحل الله البيع وحرم الربا) ومثل قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم) ولم يحدد الله كسبا الذي يظهر لي أن ذلك جائز ما دام المشتري بالغا عاقلا رشيدا لأنه غير مجبر على هذا الثمن ولأن المالك حر يبيع بما أراد لكن ينبغي للإنسان أن يرحم عباد الله سبحانه وتعالى فإن الراحمين يرحمهم الرحمن وإذا علم أن هذا المشتري إنما اشترى من أجل الضرورة والحاجة فليرفق به ولا يأخذ عليه إلا ربحا يسيرا حتى يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم (من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) أما إذا كانت الصورة الثانية وهو أن المستدين جاء إلى هذا التاجر وقال أريد أن تشتري لي السيارة وأربحك فيها كذا وكذا فذهب فاشتراها له من المعرض ثم باعها عليه وهي في المعرض فإن هذا لا يجوز لأن حقيقته أن هذا التاجر دين هذا الفقير حيث أقرضه ثمن هذه السيارة بربح وزيادة ومن المعلوم أن القرض إذا جر نفعا كان ربا وعلى هذا فلا تجوز هذه

(237/1)

الصورة وهنا نأخذ قاعدة وهي أنه إذا كان شراء التاجر أو السلعة من أجل طلب المستدين ليبيعها عليه بأكثر فإن هذا ربا ولا يجوز أما إذا كانت السلعة موجودة عند التاجر فجاء الرجل واشتراها بأكثر من ثمنها نقدا لأنه اشتراها بثمن مقسط فإن هذا لا بأس به لدخوله في عموم قوله تعالى (وأحل الله البيع).
***
هذا المستمع أحمد القاسم من سورية يقول فضيلة الشيخ هناك معاملة وهي مثلا سيارة أو دار ثمنها أربعمائة ألف يبيعها التجار للمشترى بمبلغ خمسمائة ألف على أن يكون الدفع بعد سنة أو أكثر فهل هذا يعد من الربا أجيبونا بارك الله فيكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا باع الإنسان سلعة سيارة أو غيرها قيمتها أربعمائة ولكنه باعها إلى أجل بخمسمائة فإنه ذلك لا بأس به ولا حرج فيه وليس من الربا في شي لأنه باع عينا بدراهم وبيع العين بالدراهم لا يجرى فيه الربا إنما يجرى الربا بين النقود بعضها مع بعض وأما هذا فلا يضر.
***
صالح من خميس مشيط يقول هل بيع الأغنام حوالة بزيادة قيمتها خمسين في المائة صحيح وحلال؟

(237/2)

فأجاب رحمه الله تعالى: حوالة إذا كان يقصد تأجيلا يعني بيعها مؤجلة بزيادة خمسين في المائة فلا حرج في ذلك مادام المشتري رشيدا يحسن التصرف وبالغا عاقلا فإنه لا بأس أن يبيعها عليه مؤجلة بزيادة خمسين في المائة أو أكثر أو أقل لكن لابد أن يكون الأجل معلوما بأن يقول اشتريت منك هذه الشاة إلى مدة سنة أو سنتين أو ما أشبه ذلك فإذا كان المشتري فقيرا ويعرف البائع أنه فقير فقال اشتريتها منك إلى ميسرة يعني إلى أن ييسر الله علي فهذا لا بأس به لأن هذا هو مقتضى العقد فإن المشتري إذا كان فقيرا لم يجز للبائع أن يطالبه بالثمن حتى ييسر الله عليه فكأن هذا الشرط تأكيد لما هو واجب على البائع وهذا القول هو الصحيح وقد دل عليه حديث في السنن عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا قدم له بز من الشام فقالت للنبي صلى الله عليه وسلم لو أرسلت أو بعثت إلى فلان فاشتريت منه ثوبين إلى ميسرة الحاصل أن التأجيل المجهول لا يجوز وأما التأجيل المجهول بما هو مقتضى العقد كأن يقول إلى أن ييسر الله علي فهذا لا بأس به والله أعلم.
***
من جمهورية مصر العربية حامد عبد الحميد مقيم في الدمام بالمملكة العربية السعودية يقول في هذا السؤال رجل صاحب محل تجارة يقوم بالبيع عن طريق النقد وعن طريق الدين فيعطي الذي يأخذ بالنقد بسعر أقل من الذي يأخذ بالدين ما حكم الشرع في نظركم في هذا التعامل وهل هو حلال أم حرام؟

(237/3)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هذا التعامل حلال ولا بأس به يعني إذا كان عند الإنسان سلعة وكان يبيعها بالنقد بمائة وبالمؤجل بمائة وعشرين فإن هذا لا بأس به ومثل هذا جائز بالإجماع لدخوله في عموم قوله تعالى (وأحل الله البيع) وفي قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى) ولأن هذا نظيره السلم الذي كان حلالا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال ابن عباس رضي الله عنهما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلمون في الثمار السنة والسنتين فقال (من أسلم في شيء فليسلم في كيل معلوم وزن معلوم إلى أجل معلوم) ومعلوم أن السلم وهو تقديم الثمن وتأخير السلعة لا بد أن يكون فيه تفاوت بين سعر السلم وسعر الحاضر والمسألة التي ذكرها السائل هي عكس السلم صورة ولكنها بمعناه حقيقة.
***
السائل ع. م. ص فضيلة الشيخ ما تقولون فيمن يقول لرجل أبيعك هذه السيارة إلى العام القادم بستين ألف ريال وإذا لم تسدد المبلغ سيكون المبلغ سبعين ألف ريال في العام الذي يليه وهذا الكلام في بداية العقد فأرجو الإفادة في هذا مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا العقد حرام لأنه ربا وإذا كان البائع شاكا في وفاء المشتري فليجعلها بالثمن الأعلى من الأول وإلى الأمد المتأخر من الأول فإن الإنسان إذا باع ما يساوي ألفا في الحاضر بألفين إلى مدة سنتين لاحرج عليه لدخوله قول الله تعالى (وأحل الله البيع) أو باعه بألف وخمسمائة إلى سنة فلا شيء عليه أما أن يقول بعتك ما يساوي ألفا بألف وخمسمائة إلى سنة فإن لم تسدد فبألفين فإن هذا حرام لا يحل لأنه ربا.
***

(237/4)

السبق والمسابقات
فضيلة الشيخ ما حكم المسابقة على عوض؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المسابقة على عوض محرمة إلا فيما استثني شرعا وهذا مبين بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر) أي لا عوض على المسابقة إلا في هذه الثلاثة النصل والخف والحافر أما النصل فهو السهام يعني المراماة بالبندق ونحوها، والخف الإبل، والحافر الخيل، وإنما استثنيت هذه الثلاثة لأن التمرن عليها والمسابقة عليها مما يعين على الجهاد في سبيل الله وعلى هذا فنقول المسابقة على ما يختص بالحرب من مركوب أو غيره بعوض جائزة قياسا على الإبل والخيل والسهام وعدى ذلك بعض العلماء إلى المسابقة في العلوم الشرعية قالوا لأن طلب العلم جهاد في سبيل الله وعلى هذا فالمسابقة على الأمور الشرعية جائزة بعوض وممن اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وبناء على ذلك فالمسابقة بعوض على الأقدام لا تحل والمسابقة بعوض على المصارعة لا تحل والمسابقة بعوض على جودة الخط أو الإملاء لا تحل لعدم دخول ذلك في النص لفظا أو معنى وهناك مسابقة ثالثة وهي المسابقة على المحرم كالنرد والشطرنج ونحوها فإنها حرام بعوض أو بغير عوض وعلى هذا فتكون المسابقة ثلاثة أقسام القسم الأول حرام والثاني حلال بغير عوض حرام بعوض والثالثة حلال بعوض وبغير عوض فالثلاثة التي ذكرناها النصل والخف والحافر المسابقة فيها حلال بعوض وبغير عوض والمسابقة على الأقدام ونحوها مما هو حلال المسابقة عليها بعوض حرام وبغير عوض حلال والمسابقة على الشيء المحرم حرام بكل حال.
***

(238/1)

المستمع عبد الواحد بن خليفة حمد التونسي من مكة المكرمة يقول من الناس من يجيب على أسئلة مسابقة القرآن التي تذاع من الإذاعة أو بعض المسابقات الأخرى من إذاعات مختلفة تكون إذاعتها خلال شهر رمضان المبارك ثم بعد إجابته لها يكررها أو يكرر كتابتها عدة مرات ويكتب عليها أسماء أقاربه وربما أصدقائه فإذا فازوا أعطاهم شيئا مقابل استخدام أسمائهم وهذا باتفاقه معهم على ذلك هذا صنف من الناس وهناك صنف آخر من يبحث عن الإجابة وهي جهود غيرهم ثم ينقلها ويرسلها فإذا فاز يأخذ هو الجائزة التي هي مقررة لمن استفاد بمعلومات تلك الأسئلة وصرف جهده ووقته فيها وهناك صنف ثالث قد يكون أكثر خطرا وهو ما يحدث في بعض الدول الإسلامية بأن يجيب المرء عن الأسئلة ثم يصورها مرارا ويبيع تلك الصور في الشوارع والأسواق كأوراق اليانصيب فيرسلها المشتري بعد نسخها بيده والفوز والجائزة له وقد يكون من بينهم غير المسلمين فما الحكم الشرعي فيما يحصل من مكافآت بهذه الطريقة أهي حلال أم حرام؟

(238/2)

فأجاب رحمه الله تعالى: قبل الجواب على هذه الأسئلة الثلاثة أو على بيان أحكام هذه الأصناف الثلاثة أقول إنه يشكر البرنامج الذي يجعل هذه الجوائز للمتفوقين لما في العلم والفهم لا سيما إذا كان فيما يتعلق بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأحكام الشرع ولكن أخشى على الذين يدخلون هذه المسابقات أن يكون غرضهم من ذلك نفس المادة أو نفس المكافأة المادية فيضيع بذلك أجرهم فيما إذا كان من الأمور الشرعية بل يأثمون بذلك فإن طلبهم العلم الشرعي بهذا الغرض طلب غير صحيح وقد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام )أن من طلب علما وهو مما يبتغى به وجه الله لا يريده إلا لينال به عرضا من الدنيا لم يرح رائحة الجنة( وهذا خطر عظيم فلا يجوز للمرء أن يدخل في مسابقة شرعية من أجل الحصول على هذه المكافأة المادية لأنه جعل الأفضل والأكمل وسيلة لما هو أدنى فإن علم أحكام الله عز وجل وعلم معاني كلامه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم أسمى وأعلى من أن يجعل وسيلة لينال الإنسان بها عرضا من الدنيا وبعد هذا فإن ما ذكره الأخ من الأصناف الثلاثة كله محرم.
أما الصنف الأول وهو أن يجيب بعدة أجوبة ويكتب على كل جواب اسم أحد من أقاربه أو أصدقائه فلأنه كذب وتزوير وخيانة للبرنامج ويكون سببا لأكل المال بغير حق بل بالباطل وجمع ثلاثة أوصاف كل واحد منها يثبت به التحريم الكذب والخيانة وأكل المال بالباطل وعلى هذا فيكون هذا الفعل محرما.

(238/3)

وأما الصنف الثاني وهو أن يأخذ أجوبة من الناس يكتبونها له ثم يقدمها فهو أيضا محرم لأن هذا الرجل نقل الجواب من غيره فهو جواب غيره وليس جوابه وليس من هذا أن يبحث الرجل عن جواب هذه الأسئلة إما في الكتب أومن أفواه أهل العلم بذلك لأن المقصود من هذا البرنامج هو أن يصل الإنسان إلى العلم وليس كل أحد يكون عالما للشيء بنفسه بل لابد من المراجعة إما عن طريق الكتب وهو الأفضل والأولى وإما أن يستعين بأحد من الناس فهذا جائز لا بأس به ويدل لذلك أن الذين يقدمون هذه البرامج لا يحرمون أو لا يمنعون من أن يستعين أحد بأحد ولو كانوا يريدون ذلك لبينوه فكونك تأخذ الجواب مكتوبا من غيرك وتقدمه هذا حرام وكونك تستعين بأحد من الناس بالبحث أو بالكتب فهذا لا بأس به ولا حرج فيه
أما الصنف الثالث وهو أن يكتب الجواب ثم يبيعه في الأسواق فهو أيضا حرام على المشتري لأن المشتري قدم جوابا لغيره فيكون كذبا وزورا على هذه البرامج ثم إن فيه شيئا من الغرر لأنك قد تشتري هذه الورقة المتضمنة للجواب ثم لا تربح فيكون فيه شي من الغرر والميسر وهذا حرام.
فضيلة الشيخ : وآكل الثمن؟
فأجاب رحمه الله تعالى: وآكل الثمن أيضا آثم لأنه أعان على محرم وقد قال الله تعالى (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)
فضيلة الشيخ : مادام الاستعانة بين مجموعة هذا جائز لو حصل أن اجتمع مثلا ثلاثة أو أربعة أشخاص وبحثوا جميعا في حل هذه الأسئلة وبعث كل واحد منهم برسالة بعد أن توصلوا إلى الحل مثل هذا هل فيه شيء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا ليس في شي لأنه كما قلت المقصود من هذه الأسئلة أن يتحرك الناس ويبحثوا فيما بينهم أو في الكتب حتى يصلوا إلى العلم.
***

(238/4)

محمد التويجري من بريدة شارع دخيرة يقول ما حكم الرهان أو بعبارة أخرى الحق وهو عندما يحصل خلاف عند اثنين عند رواية قصة أو اختلاف بأشياء أخرى مثل أن يقول واحد للآخر إن صح ما أقول لك فعليك أن تدفع مبلغا من المال قدره كذا ذبيحة أو غير ذلك وإن لم يصح فأنا مستعد بدفع ما ذكر نرجو توضيح ذلك هذا ونسأل الله العزيز القدير أن يوفقنا وإياكم للحق والصواب؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا رهان وقمار وميسر وليس بحق وتسميته حقا عند بعض العوام لا يجعله حقا كما أن تسمية الخمر بالشراب الروحي عند من يسميه بذلك لا يجعله حلالا طيبا فهذه المراهنة أو المغالبة بهذا العوض هي باطل وتسميتها حقا لا يجوز أيضا لأن معنى ذلك إلباس الباطل لباس الحق وهذا قلب للحقائق وتسمية للشيء بغير اسمه وهذه الطريق أو هذه المغالبة محرمة لا تجوز لأنها من الميسر والميسر محرم لقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) وفي الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر) والسبق هو العوض المأخوذ على المغالبة وعلى هذا فلا يجوز هذا العمل الشائع بين كثير من الناس إلا أن بعض أهل العلم قال إن المغالبة على مسائل العلم الشرعي بعوض لا بأس به لأن ذلك من الجهاد فإن الدين قام بالعلم وقام بالقتال فإذا كان قام بالعلم وبالقتال لتكون كلمة الله هي العليا فإنه يدل على أن المغالبة على مسائل العلم الشرعية بالعوض جائزة لا بأس بها ولكنه بشرط أن يكون مقصود كل المتغالبين مقصوده الوصول إلى الحق لا أن يكون مقصوده التغلب فقط لأن طلب العلم لأجل المغالبة من الأمور المنهي عنها.
***

(238/5)

الشركة
هل يجوز للمسلم أن يكون شريكا لغير المسلم في التجارة أو الزراعة أو غير ذلك من وجوه الشركات؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا ينبغي أن يشارك غير المسلم لأنه لا يثق به وإن وثق به من حيث الأمانة فإنه لا يثق به من حيث العمل قد يتعاطى معاملات محرمة في الإسلام وهو لا يدري أو يدري ولكنه يقول إنه غير ملتزم بها ثم إن مشاركة غير المسلم توجب بمقتضى العادة الميل إليه ومحبته وإلفه وكل ذلك أمر ينقص من دين المرء فلا ينبغي للإنسان أن يشارك غير المسلم في تجارته أما التحريم فلا يحرم لأنه لا يتعلق بمسألة الدين بشرط ألا يكون له ميل إليه ومحبة له ومودة له.
***
يوجد شخصان اشتركا في تجارة منهم واحد يشرب الدخان فيقوم بأخذ ثمن السجائر من المال المشترك المشتركين فيه وهو رأس المال فما حكم أخذه لذلك مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ليس لأحد الشركاء أن ينفرد بالإنفاق على نفسه دون شركائه لأن المال مشترك وتصرف الإنسان بنفسه خاصة بالمال المشترك خيانة وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي (أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خان خرجت من بينهما) ولكن الإشكال فيما لو استأذن من صاحبه أن يشتري من المال المشترك دخانا يدخن به فهل يجوز لشريكه أن يأذن له لأنه إن أذن له شاركه في الإثم وإن امتنع فهذا هو المطلوب أن يقول له أنا لا آذن لك أن تشتري من المال المشترك بيننا لنفسك دخانا لأن شرب الدخان حرام لما يترتب عليه من المضار الدينية والدنيوية المالية والبدنية.
***

(239/1)

هذه السائلة أ. ب. ت. من الدمام بعثت بسؤال تقول فيه كان والدي وعمي شريكين في مكتب تجاري توسعت أعماله ومساهماته حتى نالت المصانع والشركات وجزء من رأس المال التأسيسي لمؤسسة تتعامل بالربا وقد توفي عمي رحمه الله ولكن والدي تولى الشركة والتي يقوم بإدارتها أبناء الشريكين وقد تقدمت لوالدي بالنصيحة في إلغاء أسهم تلك المؤسسة الربوية التأسيسية وقد انتقل والدي إلى رحمة الله من عهد قريب ومنذ وفاته لم نتحدث مع إخوتي وأبناء عمي عن الميراث أبدا وقد حضر إلينا كاتب العدل وقرأ علينا نموذج الصكوك المطبوعة والتي فيها البيع والشراء والمساهمات ومن ضمنها مساهمة تلك المؤسسات وبعد ذلك طلب منا الموافقة والتوقيع وأنا في نفسي تلك اللحظة أعرف تمام المعرفة أن المساهمة في مثلها والقرض والاقتراض منها أمر محرم ولكنني لم أستطع أن أقول أي شيء أمام كاتب العدل لأنني أحرص أشد الحرص على مشاعر إخوتي ولو أنني كنت أود أنهم قرؤوا علي هذا النموذج قبل حضور كاتب العدل لأناقشهم فيه فهل علي شيء وما هو الذي يجب علي فعله الآن إزاء هذا الموقف أرجو إفادتي وجزاكم الله عنا كل خير؟

(239/2)

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول في هذا السؤال إنه تضمن أمرين أحدهما المساهمة مع شركة تتعامل بالربا وهذا محرم ولا يجوز فإن أي أحد يتعامل بالربا لا يجوز المشاركة معه لأنه سيؤدي إلى إدخال الربا على مال هذه الشركة فيختلط الحلال بالحرام فلا يجوز ذلك وأما بالنسبة لما سألتي من عدم بيان الأمر أمام كاتب العدل فإن ذلك محرم والواجب عليك أن تجعلي تقوى الله تعالى مقدمة على كل شيء حتى على مشاعر إخوانك وغيرهم وأن تقولي الحق فإن الله يقول (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين) ولكن وبعد أن وقع هذا الأمر يمكن أن تتخلصي منه بطلب القسمة وأن تأخذي نصيبك من هذا المال وأن تتصرفي فيه بانفراد أو تطالبيهم بإخراج هذه الشركة التي تتعامل فالربا عن الشركة في بقية المال فإذا لم يمكن هذا فلا بد أن تأخذي نصيبك من هذا المال المشترك وأن تتجري فيه على وجه لا يكون فيه ربا وبهذا تتخلصين من هذا العمل.
***
المستمع ي س غ من جدة يقول لقد انتشرت في زماننا هذا الشركات التجارية بأنواعها المختلفة وكثر المساهمون فيها بأموالهم بحثا عن الربح ولكن الذي يحدث أن بعض المساهمين يحصل على ربح ليس من عمل تلك الشركة ولكنه من المتاجرة بسندات الأسهم التي ساهم بها فيبيع السند الذي قيمته مثلا مائة ريال يبيعه بمائتين أو أكثر حسب قيمة هذه السندات في وقته ذاك فهل هذا التعامل بهذه الطريقة صحيح أم لا؟

(239/3)

فأجاب رحمه الله تعالى: التعامل صحيح إذا كانت الشركة التي ساهم فيها خالية من الربا فإن بيع الإنسان نصيبه من الشركة بربح جائز ولا حرج فيه لكن بشرط أن يكون معلوما بين البائع والمشتري فيعرف أن له مثلا عشرة أسهم، خمسة عشر سهما من كذا وكذا حتى لا يبقى الأمر مشكلا فإذا كان معلوما فإنه لا بأس به سواء كان ذلك في شركات أو في مساهمات عقارية أو غير هذا.
***
الطيب علي الصادق سوداني مقيم بالدوادمي يقول عندي مبلغ من المال أعطيته أحد الأخوان ليشتغل به في التجارة واتفقنا على أن الفائدة تكون بيننا فما الحكم في ذلك هل حلال أم حرام وأمرت أيضا هذا الأخ الذي أعطيته المبلغ بأن يخرج لي زكاة هذا المبلغ كل ما يحول عليه الحول فالتزم لي بذلك ولكن مضت عليه سنتان لم أعرف عنه شيئا هل أخرجها أم لا فما الحكم بالنسبة لي أنا إذا كان لم يخرجها هل يجب علي إخراجها أم لا؟

(239/4)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال تضمن مسألتين المسألة الأولى هل هذه المعاملة صحيحة وهي أن تعطي شخصا مالا يتجر به وما حصل من الربح فهو بينكما والجواب على ذلك أن هذه معاملة صحيحة وهي جائزة بالإجماع وتسمى المضاربة وذلك لما فيها من المصلحة للطرفين فالعامل حصل له مصلحة بنصيبه من الربح وصاحب المال حصل له مصلحة بنصيبه من الربح وصاحب المال منه المال وذاك منه العمل فصاحب المال حصل له بماله هذا الربح مع راحته وعدم تعبه وذاك العامل حصل له نصيبه من الربح مع تعبه لكن بدون مال يشغله بهذه المعاملة والمهم أن هذه المعاملة جائزة ولا حرج فيها وأما المسألة الثانية التي تضمنها هذا السؤال فهي أنك وكلته بإخراج زكاتك كل عام وهذه الوكالة أيضا صحيحة فإن التوكيل في إخراج الزكاة جائز وكذلك التوكيل في ذبح الهدي جائز في ذبح الأضحية كذلك جائز وإذا كنت قد شككت هل أدى الزكاة في السنتين الأخيرتين فاسأله إن كان قد أخرج الزكاة فقد أخرجها بوكالتك إياه ويكون إخراجه مجزئا وإن كان لم يخرجها فأخرجها أنت.
فضيلة الشيخ: إن أخرجها واتضح له بعد ذلك أن صاحبه هذا الموكل قد دفعها فما الحكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا أخرجها وتبين أن صاحبه قد أخرجها فإن ما أخرجه أخيرا يكون تطوعا لأن ذمته برئت بإخراج وكيله ويكون هذا المال صدقة حتى ينبغي أن نعرف قاعدة ذكرها أهل العلم وهي أن كل فرض أداه الإنسان يحسب أنه عليه فتبين أنه لم يكن فإنه ينقلب نفلا ومن هذا لو أن الإنسان صلى قبل دخول الوقت ظانا أن الوقت قد دخل فإنه إذا دخل الوقت يجب عليه أن يصلى في الوقت وتكون صلاته الأولى نفلا وكذلك لو صلى ظانا أنه أخل في صلاته بشيء يوجب عليه الإعادة ثم تبين له إنه لم يخل فإن صلاته الثانية تكون نفلا.
***

(239/5)

لدي مبلغ من المال وأريد أن أستثمره أو أقوم بتشغيله لدى تاجر أدوية وهذا التاجر رفض أن أكون شريكه له في العمل بالمبلغ الذي ساهمت به وهذا المبلغ كبير ولكن سوف يضم مالي مع ماله ويشتغل به على أن يعطني نسبة من الأرباح شهريا أو كل ثلاثة أشهر حسب الاتفاق بيننا فضيلة الشيخ هل تعد هذه النسبة من المال والربح الحلال والكسب المشروع من تجارة أو تعد مثل الفوائد البنكية؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المعاملة معاملة صحيحة وهي من المضاربة والمضاربة أن يعطي الشخص مالا لشخص آخر ويقول له اتجر به ولك من الربح كذا وكذا بالنسبة يعني لك من الربح نصفه أو ربعه أو ثلثه أو أقل أو أكثر وهي جائزة ولكن لو قال أعطني من الربح كل شهر مائة أو ما أشبه ذلك هذا لا يحل لأنه لابد أن يكون نصيبه من الربح نصيبا مشاعا ليشتركا في المغنم والمغرم ولا فرق بين أن يشتغل العامل الذي أعطي المال يتجر به لا فرق بين أن يشتغل بالمال منفردا أو يضمه إلى مال له ويتجر بهما جميعا.
***
عمر اليوسف ويقول هل يجوز إعطاء شخص مبلغا من المال ليعمل به ويتم اقتسام المربح الخاص مناصفة أي نسبة كانت أرجو بهذا إفادة؟

(239/6)

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول إن هذه المعاملة التي سأل عنها السائل وهي أن يقوم شخص بدفع دراهم معلومة لآخر ويقول اتجر بهذه الدراهم فما حصل من الربح فهو بيننا أنصافا أو لي ربعه ولك ثلاثة أرباع أو لي ثلاثة أرباع ولك ربعه حسب ما يتفقان عليه نقول إن هذه المعاملة لا بأس بها وهي جائزة وقد نقل بعض العلماء إجماع المسلمين على جوازها وهذه تسمى المضاربة مأخوذة من قوله تعالى (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله) وفيها مصلحة الطرفين فصاحب المال ينتفع بالربح الحاصل من تشغيل ماله والعامل ينتفع بما حصل من الفائدة من هذه الدراهم التي كان لا يجدها لو لا أن الله يسر له هذا الرجل ولكن يجب أن نعلم أن هذا العقد لابد أن يكون خاليا من شبه القمار والميسر بمعنى أن يكون الغرم والغنم بين صاحب المال والعامل على السواء وذلك بأن يكون الجزء المشروط للعامل جزءا مشاعا معلوما كالنصف والربع والثلث والثمن والعشر وما أشبهها وبناء على ذلك لو قال خذ هذه الدراهم اتجر بها لك ربحها في الشهر الأول ولي ربحها في الشهر الثاني فإن هذا لا يجوز لأنها قد تربح كثيرا في الشهر الأول ولا تربح في الثاني وقد يكون العكس وكذلك لو قال خذ هذه الداراهم اتجر بها وربحها في مكة لك وربحها في المدينة لي فإن هذا أيضا لا يجوز لأنها قد تربح كثيرا في مكة ولا تربح في المدينة أو بالعكس وكذلك لو قال خذ هذه الدراهم واتجر بها وربحها من السيارت لك وربحها من الأقمشة لي فإن هذا أيضا لا يجوز لأنها قد تربح كثيرا من السيارات دون الأقمشة أو بالعكس وكذلك لو قال خذ هذه الدراهم اتجر بها لك ربحها ألف ريال والباقي لي أو لي من ربحها ألف ريال والباقي لك فإن هذا لا يجوز وذلك لأنها قد تربح ألف ريال فقط فيكون من له الألف رابحا والثاني غير رابح وقد لا تربح ألف ريال وقد تربح عشرات الآلاف فهذا أيضا لا يجوز وكذلك لا يجوز إذا

(239/7)

قال خذ هذه الدراهم اتجر بها فما حصل من الربح فلك نصفه ولي نصفه وما حصل من خسارة فعليك نصفها وعلي نصفها فإن هذا لا يجوز أي أنه لا يجوز أن يشترط شيئا من الخسارة على العامل بل الخسارة كلها على صاحب المال فلا بد من مراعاة هذه الأمور التي تفسد هذه المعاملة فإذا لم يكن فيها مانع يمنع من صحتها فإنها صحيحة ولا حرج فيها.
***
المستمع عبد الله أ أ من الرياض يقول بأنه تشارك مع زميل له في عمل مشروع طيب تجاري، الزميل الأول دفع المال يقول وأنا بجهدي وعرقي وجدي وعلاقاتي هذا ما اتفقنا عليه ورضي كل منا بالعمل والفكرة والمشروع وحيث إنه لم يعمل معي فأنا الذي أقوم بإدارة المشروع والتعقيب والشراء والبيع أما هو فكما ذكرت فلا يعمل شيئا إلا إذا صفينا الربح آخر كل ستة شهور يعود إلينا ويأخذ ما كسبناه يقول ولكن بعد نجاحنا ومكسبنا الحلال خلال سنتين تغيرت النية حيث أفاد بأن يأخذ أكثر من نصف المربح نظرا لأنه مساهم بالمال واحترت أنا لأنني لم أكتب معه ورقة نظرا لالتزامه ودينه فبماذا ترشدونني؟

(239/8)

فأجاب رحمه الله تعالى: العقد الذي ذكره أخونا هو عقد مضاربة وعقد المضاربة عقد شرعي فإذا انطبقت الشروط صحة المضاربة عليه صار عقدا صحيحا والمضاربة أن يكون من أحد الشريكين المال ومن الآخر العمل كما في هذا السؤال ويكون بينهما الربح على ما اشترطاه قد يشترطان أن الربح بينهما نصفين وقد يشترطان أن الربح بينهما أثلاثا للعامل الثلث ولصاحب المال الباقي أو بالعكس المهم أن توزيع الربح يكون على حسب ما شرطاه فإذا اشترطا أن الربح بينهما نصفان فهو بينهما نصفان وإذا اشترطا خلاف ذلك فعلى ما شرطاه لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) والأمر بإيفاء العقود يشمل أصل العقد ووصفه الذي هو الشروط ولقوله تعالى (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا) والعقد بين الطرفين عهد والتزام من كل واحد منهما للآخر بما يقتضيه العقد إلا أن عقد المضاربة من العقود الجائزة أي التي يملك كل واحد من المتعاقدين أن يفسخ العقد إذا لم يكن في ذلك ضرر على الآخر فإذا كان في الستة أشهر الماضية على أن الربح بينكما نصفين ثم طالب صاحب المال أن يكون حظه من المال أكثر فهو حر وأنت أيضا حر إن شيءت فوافق على ما طلب وإن شيءت فافسخ الشركة وإذا تفرقتما عن حسن نية فأرجوا الله سبحانه وتعالى أن يغني كلا من سعته وإن بقيتما على حسن نية فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الله قال (أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خان خرجت من بينهما) وخلاصة الجواب أن العقد بينكما إن شيءتما استمررتما عليه على الشرط الأول وإن شيءتما عدلتما في الشروط حسب تراضيكما وإن شيءتما فسختم العقد لأن العقد عقد المضاربة من العقود الجائزة.
***

(239/9)

هناك شخص يعرض علي أن أعطيه رأس مال لمشروع تجاري أو شركة وحيث أنني ليس لدي أي خبرة في التجارة وأخشى على مالي من الضياع ولكنه هو يريد التجارة فهو يقترح علي أن يجنبني الخسارة بمعنى أن يضمن لي نسبة ربح ثابتة شهريا وليس لي دخل لا بالحساب الكلي لهذه التجارة ولا بالخسارة لو حدثت علما بأنه كأي مشروع تجاري خال من أي معاملات محرمة أو تجارة فيما لا يرضي الله فهل ما يقترحه علي بأن يجعل لي نسبة ربح ثابتة شهريا حلال أم حرام وهل يدخل هذا تحت الربا أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا حرام ولا يجوز للإنسان أن يعطي ماله شخصا يفرض عليه كل شهر قدرا معينا سواء ربح المال أم خسر لأن هذا من الميسر إذ أن المال قد يربح شيئا كثيرا يكون ما أعطاك بالنسبة إليه شيئا قليلا وقد يربح شيئا قليلا يكون ما أعطاك بالنسبة إليه كثيرا وقد لا يربح شيئا فيخسر هذا العامل من ماله ومثل هذا ما جاء به النهي في باب المزارعة من حديث رافع بن خديج قال (كان الناس يؤاجرون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم على الماذينات وأقبال الجداول وأشياء من الزرع فيهلك هذا ويسلم هذا ويسلم هذا ويهلك هذا ولم يكن للناس كراء إلا هذا فلذلك نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام) يعني كانوا يجعلون لصاحب الأرض شيئا معينا معلوما إما أصوعا معلومة من الزرع وإما جهة معينة من الأرض وهذا محرم فهذا الذي ذكرت مثله ولكن الطريق السليم إلى ذلك أن تعطيه مالك يتجر فيه ويكون له من الربح نسبة معينة كنصف الربح أو ربعه أو ثلثه أو ما أشبه ذلك مما تتفقان عليه فيكون هو منه العلم وأنت منك المال والربح بينكما حسب ما تتفقان عليه وهذه هي المضاربة التي أجازها أهل العلم.
***

(239/10)

السائلة ن ف تقول عندي مبلغ من المال ما يقارب من ألفي ريال أعطيت هذا المبلغ لرجل يبيع ويشتري فيه وفي آخر العام أعطاني عشرين ألفا وأنا لا أدري كيف أشتغل بها هل هذا حرام أم حلال فأرجو إفادتي في ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا حلال لا إشكال في جواز أخذه لأن الرجل الذي أعطى هذا المال لم يعطه إياه إلا على وجه الأمانة فلولا أن صاحب المال قد ائتمنه ورأى أنه أهل للائتمان لم يعطه المال وإذا كان كذلك فالأصل في تصرفات المسلمين أنها على الوجه الشرعي ولا ينبغي أن نسأل كيف تصرفت فيها لأن الأصل السلامة اللهم إلا أن يرد شبهة فحينئذ لا بأس أن نسأل وما دام لم ترد الشبهة فالأصل السلامة وهذا الربح الذي حصل للسائلة ربح حلال لا غبار عليه وبهذه المناسبة أود أن نبين أن هذا النوع من التصرف وهو إعطاء المال لشخص يتاجر به وكونه له نصيب من الربح يسمى عند العلماء المضاربة وفيه خير وبركة لا سيما حسن النية فإن الله تعالى قال في الحديث القدسي (أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خان خرجت من بينهما) وهذا النوع من العقود فيه بركة كما قلت من بركته أنه ينمي المال لصاحب المال بلا تعب منه وأنه يفتح باب العمل والرزق للطرف الآخر الذي ليس عنده مال فيكون هذا مكتسبا بعمله وصاحب المال مكتسب بماله فلو أن الناس سلكوا هذا وأعطوا من يثقون به دراهم يتجر بها ويكون الربح بينه وبين صاحب المال على حسب ما يتفقان عليه لحصل خير كثير لهؤلاء العاطلين الذين لا يريدون أن يعملوا بأبدانهم عند الناس كصناعيين أو بنائين أو ما شابه ذلك وليس عندهم مال يتجرون به فإذا أحسن إليهم أحد من الناس وقال خذ هذا المال تصرف به بالبيع والشراء وما أحل الله والربح بيننا كان في هذا خير كثير ومع النية الصالحة يبارك الله للشريكين في هذا المال.
***

(239/11)

يقوم بعض مدراء المدارس بجمع مبالغ نقدية من الطلبة للمساهمة في فتح ما يسمى بالمقصف لتقديم بعض المأكولات الخفيفة والمشروبات وبعض اللوازم المدرسية للطلاب على أن يوزع الأرباح في آخر العام بين الطلبة ولكن ما يثير شكي في هذا الموضوع أن بعضهم يحدد للطلاب ربحا معينا فيقول مثلا الذي يدفع عشرة ريالات يأخذ آخر العام خمسة عشر أو عشرين فما الحكم في هذا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحكم في هذا أنه لا يجوز أن يحدد الربح لأن هذا المال يجب أن يكون ربحه قليلا كان أو كثيرا للذين بذلوه وساهموا في ذلك ولا حرج أن يجعل شيئا من الربح للقائمين على ذلك ولكنه يكون شيئا مشاعا فيقال مثلا للقائمين على هذا المقصف العاملين فيه لهم نصف الربح أو لهم الثلثان أو لهم الثلث أو الربع حسب ما يراه مدير المدرسة ملائما للعدل أو يجعل الربح كله للمساهمين ويجعل للقائمين على هذا المقصف أجرة شهرية معينة وأما أن يجعل ربح معلوم بالتعين لا بالإشاعة للمساهمين فإن هذا لا يجوز وذلك لأن المقصف قد يربح بقدر هذا الجزء المعين وقد يربح أكثر وقد يربح أقل وهذه معاملة مبنية على الخطر وكل معاملة مبنية على الخطر فإنها تكون من الميسر الذي قال الله تعالى فيه (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون).
***

(239/12)

الشروط في البيع
إذا اشترى الشخص حطبا واشترط على البائع أن ينقله بسيارته إلى المنزل ولكن تعطلت السيارة فهل يجوز للمشتري خصم شيء من قيمة الحطب مقابل عدم نقل الحطب بالسيارة.
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا اشترى الرجل من شخص حمولة حطب واشترط على البائع أن يحملها إلى بيته ولكن تعطلت السيارة فلم يستطع فإن للمشتري أن يخصم على البائع مقدار ما فاته من حمل الحطب لأن البائع قد التزم به ومعلوم أنه بالتزامه به سوف تزيد قيمة الحطب فإذا لم يف البائع بما شرط عليه فإن للمشتري أن يخصم مقدار ما فاته من هذا الشرط لكني أرى من باب المشورة والنصيحة أنه إذا كان عدم إيصال الحطب إلى بيت المشتري بغير اختيار البائع ألا يسقط من الثمن شيئا لأن هذا معذور والإنسان ينبغي أن يكون له كرم وإحسان إلى إخوانه لكن قل لي لو أن البائع لما تعطلت السيارة وقال المشتري لابد أن نخصم من الثمن مقدار ما فات قال أنا أستأجر سيارة وأوصل ففي هذه الحال لا يكون للمشتري أن يخصم شيئا.
***
ما حكم الشرع في التاجر الذي يبيع لك شيئا ويشترط عليك شيئا آخر لتأخذه معه نظرا لعدم إقبال الناس على هذا النوع من البضاعة وما حكم البيع هل هو صحيح أم لا وهل يلحقني إثم في شراء ذلك؟

(240/1)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هذا لا بأس به أي لا بأس في أن يقول لك البائع أنا لا أبيع عليك هذه السلعة إلا أن تشتري السلعة الأخرى فإن رضيت بذلك فلا حرج لعموم قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم (المسلمون على شروطهم) ولقوله (إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج) فالأصل في الشروط كالأصل في العقود وهو الإباحة والحل حتى يقوم دليل على المنع فإذا اشترط عليك البائع أن تشتري السلعة الأخرى مع ما تريده من السلع فلا حرج عليك في أن تشتري منه إلا إذا كان اشترط عليك سلعة يجري فيها الربا مع الثمن الذي اشتريت به مثل أن تشتري طعاما بطعام كبر ببر مثلا فيشترط عليك أن تشتري منه برا آخر فإن ذلك لا يجوز لأنه يؤدي إلى التفاضل في بيع الجنسين بعضهما ببعض والجنس إذا بيع بعضه ببعض لا يجوز التفاضل فيه لقوله عليه الصلاة والسلام (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والتمر بالتمر والشعير بالشعير والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد) ذكرنا أنه لا بأس إن اشترط البائع على المشتري أن يشتري سلعة أخرى مع ما يريده إلا إذا تضمن ذلك محظورا شرعيا كذلك مثال آخر لو طلبت أن تشتري منه ساعة مثلا فقال لا أبيع عليك هذه الساعة إلا أن تشتري مني سلعة أخرى سلعة لهو آلة موسيقية مثلا فإن هذا لا يجوز لا يجوز لأن هذا الشرط يتضمن محظورا شرعيا فيكون باطلا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط)
***

(240/2)

الصلح
المستمع أبو عبد الله يقول صدم رجل سيارة أحد الأخوان واتفقوا على أن تقدر الورشة قيمة الإصلاح للسيارة وبالفعل تم ذلك وأعطاه الرجل المبلغ المطلوب ولكن السيارة أصلحت بأقل فهل يلزمه رد الباقي للرجل علما بأن الحادث قد أثر على السيارة وقيمتها تنزل عند البيع فأرجو الإفادة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت المصالحة مصالحة مقطوعة منتهية ووجد من يصلح السيارة بأقل مما اصطلحا عليه فإن الزائد له لاسيما وأن الزائد ربما لا يفي بنقصان السيارة عن قيمتها لو لم تصدم لأنه ليست المسألة مسألة قطع الغيار بل قطع غيار وما حصل على السيارة من النقص بسبب الصدمة وهذا أمر ربما لا يتفطن له كثير من الناس وكل أحد يعرف الفرق بين قيمة السيارة المصدومة ولو كانت قد صلحت وبين قيمتها غير مصدومة والمهم أنه إذا كان الاصطلاح اصطلاح قطع نزاع وانتهاء فإن ما زاد مما اصطلحا عليه يكون لصاحب السيارة وأما إذا كان الصلح بينهما على إصلاح السيارة فإنه في هذا الحال يجب على صاحب السيارة إذا زاد المبلغ الذي أعطيه على إصلاحها أن يرده إلى صاحبه أو يستحله منه والفرق بين هذه والتي قبلها أن التي قبلها مصالحة على قطع نزاع ولكن هذا القطع أعني قطع النزاع مربوط بما يظن من قيمة الإصلاح وأما هذه فهي مصالحة على الإصلاح نفسه فيكون ما زاد من الدراهم التي أخذها صاحب السيارة لصاحب الدراهم يرد إليه.
***
بيننا وبين المسجد مزرعة ونذهب إلى المسجد مع وسطها ولم نستأذن أهلها لأنهم كثيرون ومتفرقون وقد استأذنا بعضا منهم فهل يلحقنا إثم إذا مشينا معها إلى المسجد علما أن الطريق إلى المسجد بعيد جدا وبعضنا كبير السن لا يستطيع الذهاب مع الطريق لبعده وازدحام السيارات فيه جزاكم الله خيرا؟

(241/1)

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس عليكم بأس في العبور من هذه المزرعة بشرطين أن لا يحصل ضرر على ما تمرون به من الأشجار والزروع وأن لا يحصل أذى على أهل المرزعة فإن كان يحصل عليهم أذى يتأذون بمروركم عندهم أو كان في ذلك ضرر على الأشجار والزروع فإنه لا يحل لكم.
***

(241/2)

العربون
يقول السائل هل العربون الذي يدفعه المشتري للبائع ثم يبطل البيع بسبب رفض المشتري السلعة هل هو من حق البائع؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم العربون هو أن البائع إذا خاف من المشتري أن يفسخ البيع طلب منه العربون فمثلا إذا باع عليه أرضا بعشرة آلاف ريال وقال أنا أريد منك عربونا قدره ألف ريال فأعطاه إياه فإن تم البيع فالعربون من الثمن ويسلم تسعة آلاف فإن لم يتم فالعربون للبائع لأنه هكذا جرى بينهما وهذا الشرط لا يحرم حلالا ولا يحل حراما وهو من مصلحة الطرفين أما المشتري فمصلحته أنه تخلص من السلعة التي قدم لها العربون ومعلوم أنه لن يؤثر غرامة العربون إلا لتلافي خسارة أكبر منها وأما البائع فإن من مصلحته في العربون أنه يأخذ هذا العربون عوضا عن نظرة الناس إلى المبيع الذي فسخه المشتري فالمهم أن بيع العربون صحيح فإن تم البيع فالعربون أول الثمن وإن لم يتم البيع فالعربون للبائع.
***
فضيلة الشيخ نعمل بمجال تقسيط العقارات في بعض الأحيان ونظرا لكثرة العملاء نضطر إلى إعطائهم مواعيد متأخرة بعض الشيء على أن نقوم بدفع جزء أو عربون من قيمة العقار إلى مالكه ونوقع معه عقدا يذكر به بأنه من حق مالك العقار أن يلزمنا بالشراء في الوقت المحدد بالعقد الموقع من كلينا ولا يجوز لنا التأخر عن هذا الموعد على الإطلاق فهل يعتبر العقار المقصود ملكا للشركة يجوز لها بيعه على الغير بالتقسيط وقبض الدفعة المقدمة وتوقيع عقد البيع أم يلزم إتمام الاقتراض ودفع باقي القيمة مع ملاحظة أن البائع له الحق في إلزامنا بالشراء بالوقت المحدد وكما ذكرنا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا البيع لم يتم لأن إعطاء العربون وهو ما قدم من الثمن يعني أنه إن تم البيع فهذا العربون من الثمن وإن لم يتم فهو للبائع وهذا البيع لم يتم حتى الآن فلا يجوز بيعه فالواجب الانتظار حتى يتم البيع فإذا تم البيع فلهم بيع ما تم بيعه.
***

(242/1)

بعض الزبائن يأتون إلى المكتب العقاري ويسألون عن سكن وإذا شاهدوا المحل دفعوا عربونا لكي يكون على حظهم العربون خمسمائة ريال سعودي تقريبا ويذهبون إلى مكاتب أخرى ويبحثون في محل مثل الدور أو شقق أو الدكان وإذا وجدوا عقارا أفضل لم يأتوا إلينا هل العربون الذي أخذناه حلال لنا أم لصاحب العقار المنزل وأحيانا لا يأتون إطلاقا نرجو بهذا إفادة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: العربون هو الذي يقدم عند عقد البيع أو الإجارة على أن المقدم لهذا العربون إن أتم العقد فهو من الثمن أو من الأجرة وإن لم يتم العقد فهو لصاحب العقار أو البائع فعلى هذا فإذا أعطاكم المستأجر خمسمائة ريال على أنها عربون ولم يحضر وأيستم من حضوره فهي لكم ولكنها تكون لصاحب العقار ولصاحب المكتب منها مقدار أجرته فإذا كان له على المائة خمسة ريالات فإنه يأخذ على هذا على هذا العربون نصف العشر.
***
معنى بيعتين في بيعة
بارك الله فيكم يقول ما معنى النهي عن بيعتين في بيعة؟

(242/2)

فأجاب رحمه الله تعالى: معناه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (نهى عن بيعتين في بيعة) أي في مبيع واحد وهذا النهي يحمل على ما بينته السنة في موضع آخر أي يحمل على بيع يتضمن الربا الصريح أو الذي تحيل عليه وصورة هذه المسألة أن يبيع الإنسان شيئا بثمن مؤجل ثم يشتريه من المشتري بأقل منه نقدا مثاله أن يبيع سيارة بستين ألفا إلى مدة سنة مقسطة إلى سنة ثم يشتريها ممن باعها عليه بأقل نقدا كأن يشتريها بأربعين ألفا فهذه هي البيعتان في بيعة لأن هذا المبيع وهو السيارة بيع مرتين المرة الأولى بالثمن المؤجل الكثير الثانية بالثمن المنقود اليسير وهذا لا شك أنه يفتح باب التحيل على الربا فيكون المعنى بدلا من أن يعطيك أربعين ألفا إلى سنة ثم توفيه ستين ألفا بدلا من ذلك يأتي بهذه السيارة ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في مسألة العينة دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة يعني هذه حقيقتها ولهذا حذر النبي صلى الله عليه على آله وسلم منها حين قال (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر يعني إلى الحرث ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا في قلوبكم لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم).
***

(242/3)

بيع العينة والتقسيط والتورق
ما هو بيع العينة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: بيع العينة أن يبيع الإنسان شيئا بثمن مؤجل ثم يشتريه بأقل منه نقدا مثال ذلك أن يبيع سيارة بخمسين ألفا لمدة سنة ثم يشتريها ممن باعها عليه بأربعين ألفا نقدا هذه هي مسألة العينة وهي حرام لأنها حيلة على الربا إذ أن هذا الذي باع السيارة بخمسين ألفا ثم اشتراها بأربعين نقدا كأنه أعطى هذا الرجل أربعين ألفا نقدا بخمسين ألفا إلى سنة وهذه السيارة حرف جاء لمعنى ولهذا يذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال فيها إنها دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة يعني ثوبا وقد ورد ذم التبايع بالعينة في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر ورضيتم بالحرث وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزع من قلوبكم حتى ترجعوا إلى دينكم) وهذه المسألة أعني مسألة العينة يمكن أن نقول بضابط فيها وهي كل عقد يتوصل به إلى الربا فإنه من العينة في الواقع.
***
الذين يدينون الناس من طرقهم ما يلي يسأل المدين ما السلعة التي تريدها فيقول سيارة موديل كذا وكذا والسعر قريب من كذا وكذا فيذهب الدائن ويشتري هذه الموصوفة ثم يقوم ببيعها على المدين بالتقسيط ما الحكم في مثل ذلك.

(243/1)

فأجاب رحمه الله تعالى: الحكم التحريم يعني أن هذا العمل حرام لأنه حيلة واضحة فبدل من أن يقول الدائن للمدين خذ هذه خمسون ألفا اشتر بها السيارة التي تريد وهي عليك بعد سنة بستين ألفا بدل أن يقول هكذا يقول اذهب واختر السيارة التي تريد وأنا اشتريها لك نقدا فيما بيني وبين البائع وأبيعها عليك بالتقسيط بزيادة على الثمن هذه حيلة واضحة غريبة جدا وهي أخبث من أن يعطيه خمسين ألفا ويقول هي بالستين ألفا إلى سنة لأن هذه الصورة ربا صريح والإنسان يفعله وهو خائف وخجل من الله عز وجل وربما يمن الله عليه بتوبة أما الصورة التي فيها اذهب واختر السيارة وأنا أشتريها وأبيعها عليك مؤجلا بثمن أكثر فهو يعتقد أنها حلال ولا يكاد يقلع عنها وهي جامعة بين مفسدة الربا ومفسدة الخداع وإذا كان بنو إسرائيل عوقبوا بحيلة أدنى من ذلك بلا شك فما بالك بهذه الحيلة بنو إسرائيل حرم الله عليهم الشحوم فماذا صنعوا قالوا نذيب الشحوم ثم نبيعها ونأخذ الثمن وحينئذ لم نأكل الشحوم فالحيلة هذه درجتان الإذابة والبيع وأخذ الثمن بدل عن الأكل وفي الحيلة التي ذكرت في السؤال حيلة واحدة ولقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأمة من التشبه باليهود فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل) فنصيحتي لإخواني المسلمين الذين يريدون أن يكون مطعمهم حلالا ومشربهم حلالا وغذاؤهم حلالا أن يتوبوا إلى الله عز وجل من هذه الحيل (ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب) (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا).
فضيلة الشيخ: إذن ما هي الطريقة الصحيحة في البيع.

(243/2)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم الطريقة الصحيحة في البيع وهذا جزاك الله خيرا تنبيه حسن أن الإنسان إذا ذكر للناس ما هو ممنوع يذكر لهم ما هو مباح الطريقة الصحيحة للبيع أن يكون عند الإنسان سيارات معدها للبيع بالنقد وبالتقسيط فمن جاء وأخذها نقدا فقد أخذها نقدا ومن جاء وطلب التقسيط أخذها بالتقسيط.
***
السائل: هذه رسالة وردت من الخماسين من وادي الدواسر من السائل محمد إبراهيم سلطان يقول عندي كمية من أكياس الأرز وهي بمستودع لنا بوادي الدواسر ويأتي إلي أناس يشترونه مني بقيمته في السوق ويدينونه على أناس آخرين وإذا صار على حظ المدين أخذته منه بنازل ريال واحد من مشتراه مني ثم يأتي مثلهم أناس بعد ما يصير على حظي ويشترونه وهكذا وهو في مكان واحد إلا أنهم يستلمونه عدا في محله فهل في هذه الطريقة إثم أم لا أفيدونا ولكم جزيل الشكر.

(243/3)

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هذه الطريقة حيلة على الربا المغلظ الجامع بين التأخير والفضل أي بين ربا النسيئة وربا الفضل وذلك لأن الدائن يتوصل بها إلى حصول اثني عشر مثلا بعشرة وأحيانا يتفق الدائن والمدين على هذا قبل أن يأتيا إلى صاحب الدكان وهو أنه سيدينه كذا وكذا من الدراهم العشرة اثنتي عشر أو أكثر أو أقل ثم يأتيان إلى صاحب الدكان ليجريا معه هذه الحيلة وقد سمى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذه الطريقة الحيلة الثلاثية وهي بلا شك حيلة على الربا ربا النسيئة وربا الفضل فهي حرام ومن كبائر الذنوب وذلك لأن المحرم لا ينقلب مباحا بالتحيل عليه بل التحيل عليه يزيده خبثا ويزيده إثما ولهذا ذكر عن أيوب السختياني رجمه الله أنه قال في هؤلاء المتحيلين قال إنهم يخادعون الله كما يخادعون الصبيان لو أنهم أتوا الأمر على وجهه لكان أهون وصدق رحمه الله فإن المتحيل مخادع في منزلة المنافق مع الكافر الصريح يظهر أنه مؤمن وهو كافر هذا المتحيل على الربا يظهر أن بيعه وعقده بيع صحيح وحلال وهو في الحقيقة حرام وقد جعل الله سبحانه وتعالى كفر المنافقين أعظم من كفر الذين يصرحون به حيث قال (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا) كذلك هذا المتحيل على الربا أشد إثما ممن يأتي الربا الصريح ثم إنه أسوأ حالا لأن هذا المتحيل يشعر بأنه على طريق سليم ويستمر ولا يخجل من الله ولا ينزع عن غيه بخلاف الذي يأتي شيئا صريحا فإنه يشعر بالخجل من الله ويشعر بأنه ارتكب المعصية ويحاول أن يتخلص منها بالتوبة لذلك هذا أسوأ حالا ومآلا من الذي يأتي الربا الصريح أما موضوع العد وهو في مكانه وجعلوا ذلك من باب القبض فإنه أفتى به بعض الناس نفسه أو غيره استنادا إلى قول الفقهاء رحمهم الله ويحصل قبض معدود بعده وعندي أنه لا بد من حيث الوجهة الشرعية لابد من القبض وهو الاستيلاء

(243/4)

التام الذي يكون الشيء في قبضتك وتحت حوزتك لكن إذا بيع بالعد لابد مع ذلك بالإضافة إلى كونه في قبضتك وفي حوزتك لابد من عده فإذا كان هذا مراد الفقهاء فهو مرادهم وإن لم يكن مرادهم فهذا هو ما تقتضيه الأدلة الشرعية أن القبض أن يكون الشيء في قبضتك لكن إذا كان قد بيع بعد أو كيل أو وزن أو ذرع لابد من وجود هذه الأشياء ليتم القبض ويؤيد ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (نهى أن تباع السلع حيث تبتاع يعني حيث تشترى في المكان الذي اشتريت به حتى يحوزها التجار إلى رحالهم) وهذا مسلك من مسالك تحريم هذه المعاملة التي أشار إليها الأخ فالمسلك الأول أنها حيلة وخداع على الربا ربا الفضل والنسيئة والمسلك الثاني أنها معصية للنبي صلى الله عليه وسلم حيث نهي أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم ومن المؤسف جدا وحقا أن كثير من الناس يتعاملون بها كما أشار إليها الأخ ظنا منهم أن ذلك من باب التورق الذي أجازه بعض أهل العلم ولكن ذلك ليس من التورق ولهذا تجد أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذا أتى على ذكر التورق ذكر خلاف أهل العلم فيه ولما ذكر هذه الحيلة الثلاثية قال إن هذه من الربا بلا ريب فدل ذلك على أنها ليست من مسألة التورق في شيء وهو واضح أيضا فإن التورق كما قال أهل العلم أن يحتاج الإنسان إلى دراهم فيشتري ما يساوي مائة بمائة وعشرة مثلا إلى أجل فهنا تجد في مسألة التورق أن الشراء وقع على عين السلعة وأنها مقصودة وأنه لا اتفاق بين الدائن والمدين على الربح قبل الملك لأن الدائن والمدين في الصورة التي أشار إليها السائل اتفقا على الربح قبل الملك وقد (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن) يعني ما لم يكن في ضمانك وتحت ملكك وقهرك فالربح فيه منهي عنه وهذا يربح فيما لم يضمن وما لم يكن في ضمانه أعني الدائن ثم إن هذه المعاملة تختلف عن التورق لأن التورق كما أشرنا إليه أن

(243/5)

يشتري السلعة بعينها يريدها يعينها ليبيعها فتجده يقلبها وينظر فيها وينظر نوعها وجنسها لكن هذه الحيلة أو هذه الصورة التي أشار إليها السائل الدائن لا يهمه ما في هذه الأكياس ربما تكون هذه الأكياس قد أكلتها السوس أو أكلتها الأرضة وربما تعفنت لأنها لا تحمل ولا تنظر ولا يفكر فيها بل في ظني لو أن صاحب المستودع أتي بأكياس مملوءة رملا وقال هذه الأكياس سكر ثم باعها على الدائن وباعها على المدين وذلك اشتراها بنقص في ظني أن المعاملة ستمشي لأنه حسب ما نسمع أنهم لا يفكرون لا يقلبون ولا ينظرون فبالله عليكم أيها الناس قارنوا بين هذه الحيلة وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم (قاتل الله اليهود إنه لما حرم الله عليهم شحومها جملوه يعني أذابوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه) فانظروا أيهما أقرب إلى صورة الحرام فعل اليهود الذين دعا النبي صلى الله عليه وسلم بقتال الله لهم أي بلعنه إياهم على قول أو بإهلاكه إياهم على ما نراه أي معناه قاتل الله كذا أي أهلكهم لأن من قاتل الله فهو مغلوب مقتول فالمسلم يجب أن ينظر أيهما أقرب إلى صورة المحرم ما فعله اليهود الذي دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بما دعا عليهم به أو هذه الصورة التي يفعلها هؤلاء المتحيلون الذين نرجو الله سبحانه تعالى أن يفتح لهم وأن يهيئ لهم طريقا مباحا. الطريق المباح مثلا ولو أطلت في الجواب لأن الحاجة أو الضرورة دعت لها أن يستعملوا طريقة السلم الذي كان معروفا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بأن يبذل الدائن دراهم يشتري بها سلعة تسلم إليه من المدين عند حلول الأجل مثل أن يقول هذه عشرة آلاف ريال نقدا خذها على أن تأتي إلي بعد سنة بسيارة موديلها كذا وكذا السيارة تساوي نقدا اثنا عشر ألف ريال لكنها من أجل التقديم صارت بعشرة يكون الدائن ربح ألفين وذلك استفاد من الدراهم وانتفع بها هذه الطريقة طريقة سليمة جاء بها الشرع لكن الناس لا يستعملونها لماذا

(243/6)

لأن الدائن يقول إذا فعلت هذا الشيء ربما يأتي وقت الحلول والسيارات رخيصة فلم يكن عندي ربح فلذلك يتهربون منها وهناك أيضا طريقة أخرى وهي أنه إذا احتاج الرجل إلى سلعة معينة بدل من أن يفعل هذه الطريقة المحرمة يذهب إلى صاحب السلعة ويشتريها هي بعينها وهي تساوي عشرة مثلا يقول بعنيها باثني عشر ألفا أو خمسة عشر ألفا أو ما أشبه ذلك فيكون المراد بهذا العقد نفس السلعة المعينة وهذه الطريقة سليمة لا بأس بها
على كل حال من خلصت نيته وراقب الله عز وجل واتقى الله فإن الله سيجعل له من أمره يسرا وسوف يرزقه من حيث لا يحتسب.
***
عندنا بعض التجار الذين يدينون لمدة سنة يكون مثلا عنده مائة أو مائتا قطمة هيل في دكانه ويجيء الذي يريد أن يتدين منه هذه القطم ويقول له التاجر استلم منه مثلا عشرة ، عشرين حسب الذي استدان منه ويتسلمها الضعيف ثم يجيء آخر يستدين ثم يدينها إياه مرة ثانية وهي بمكانها ما حركت ويدينها عدة أشخاص فهل هذا يجوز على أنه يدينها عدة أشخاص وهي بمكانها هل هذا فيه شيء من الربا؟

(243/7)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة التي ذكرها السائل ابتلي بها كثير من المسلمين مع الأسف الشديد وهي في الواقع مرة ومحزنة لكنها مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم (لتركبن سنن من كان قبلكم قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن) هذه المسألة هي من الحيل التي كان اليهود يرتكبون مثلها أو أقل أو أكثر وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن نفعل مثل فعلهم من هذه الحيل من المعلوم أن الرجل لو أعطى شخصا عشرة آلاف ريال نقدا سلمها له ورقا وقال هذه العشرة باثني عشرة ألفا إلى سنة من المعلوم للجميع أن هذا ربا وأنه محرم وأن المرابي عليه من الوعيد والعقوبة ما هو معلوم لكل مسلم فالله تعالى يقول في الذين يرابون (فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) والنبي صلى الله عليه وسلم (لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه) وقال (هم سواء) والحديث في مسلم وفيه أحاديث كثيرة تدل على غلظ هذا العمل عمل الربا وأنه من كبائر الذنوب العظيمة فإذا كان معلوما أن ما صورناه من قبل من الربا وهو صريح فإن التحيل على هذا بأي نوع من أنواع الحيل يعتبر وقوع فيه إذا الحيلة على المحرم لا تقلبه مباحا بل تزيده قبحا إلى قبحه لأن الحيلة على المحرم يجتمع فيها أمران محظوران أحدهما الوقوع في المحرم والثاني المخادعة لله ورسوله ونحن نضرب مثلا بما هو أكبر من ذلك وهو الكفر فالكافر الصريح الذي يعلن في كفره هو واقع في الكفر وقد فعل هذا الذنب العظيم لكن المنافق الذي يظهر الإسلام ويظهر بمظهر الرجل الصالح وهو يبطن الكفر هذا أشد ذنبا وأعظم ولهذا جعل الله المنافقين في الدرك الأسفل من النار تحت الكفار الذين يصرحون بالكفر فالمتحيل على الربا أشد من المعطي بالربا صراحة أو أشد من الآخذ للربا صراحة لأنه جمع بين المحظورين محظور الربا ومحظور التحيل والخداع لمن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وقد ثبت

(243/8)

عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إنما الأعمال بالنيات وإنما لك امرئ ما نوى) وهذا الحديث يسد على المتحيلين جميع أنواع الحيل يقال لهم أنتم قصدتم هذا ولكم ما قصدتم إنما لكل امرئ ما نوى والعملية التي أشار إليها السائل هي موجودة بكثرة مع الأسف ومنتشرة وهي من ظهور الربا الذي ينذر بالهلاك والخطر على هذه الأمة ومن العجب أنه لو وجد حانات خمر وزنا لكان كل الناس ينكرونها لكن توجد هذه الحانات الربوية و الناس ساكتون لا أحد ينكر ولا أحد يشمئز منها وذلك لأنها كثرت وكما قيل إذا كثر المساس قل الإحساس هذه الأكياس من الهيل كما قال الأخ تبقى في دكان التاجر مدة سنين أو شهورا أو أسابيع أو ما شاء الله يأتي التاجر ويشتريها منه حسب ما اتفق مع الفقير على الربح لأنه يتفق أولا مع الفقير على أني أدينك العشرة بإحدى عشرة أو خمسة عشر أو أكثر أو أقل ثم يذهب هذا التاجر وهذا المستدين إلى صاحب الدكان ويشتري التاجر منه السلعة بثمن يتفقان عليه ثم مع ذلك في الحال في نفس المجلس يبيعها على المستدين حسب ما اتفقا عليه من الربح أو من المرابحة ثم بعد ذلك يبيعها المستدين على صاحب الدكان بأنزل مما باعها صاحب الدكان به على التاجر ثم يأخذ الدراهم ويخرج بها في جيبه هذه هي القضية الألعوبة والمكر والخديعة وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله هذه المسألة و سماها الصفقة الربوية الثلاثية هذا معنى ما سماها به لأنه غاب عني لفظه الآن ومع ذلك قال هذه حرام بلا ريب وربا وكان يرحمه الله يحكي في مسألة التورق قولين لأهل العلم ثم يختار هو التحريم فدل ذلك على أن هذه المسألة ليست هي مسألة التورق التي يقول بعض الناس إن المشهور من مذهب الحنابلة جواز مسألة التورق ونحن نقول هكذا إن المشهور من مذهب الحنابلة جواز مسألة التورق لكن ليس مسألة التورق بهذه الحيلة الظاهرة البينة مسألة التورق كما قالها الفقهاء رحمهم الله إذا احتاج الإنسان إلى نقد

(243/9)

واشترى ما يساوي مائة بمائة وعشرين إلى أجل وطبعا اشتراه على الوجه السليم الصحيح وليس فيه العشرة بإحدى عشرة والعشرة بخمسة عشر ولا شيء أنا احتجت مثلا إلى دراهم فأتيت إلى صاحب الدكان قلت بع علي هذا الشيء إلى زمن هو الآن يساوى مائة قلت له بمائة وعشرين وأخذته وذهبت بعته هذه هي مسألة التورق أما هذه المسألة فليست من التورق في شيء ولا تنطبق على التورق إطلاقا ذلك لأنهما أولا يتفقون على المرابحة فيكون التاجر باع على المستدين ما لا يملك بربح وهذا وإن لم يكن معينا لكنه في ذمته ثانيا أنها يحصل فيها بيع الشيء قبل حوزته وقبضه ثالثا يحصل فيها بيع الشيء قبل نقله عن محله وقد (نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم) وكون بعض الناس يقول أنا قبضتها لأنني عددتها فمجرد العدد ليس قبضا بلا شك ولا أحد يقول إنه قبض لأن القبض معناه أن يكون الشيء في قبضتك وفي حوزتك وأي شيء يكون على العدد أن تقبضه أي شيء يكون من القبض ولكن العلماء يقولون ما يحتاج إلى عدد فلا بد من عدده لقبضه بمعنى إنه لا يتم قبضه إلا بعده وهذا أمر صحيح وأما مثلا نقول مجرد إنسان يمسحه بيده أو يعده بإشارته يكون هذا قبضا فهذا غير مسلم إطلاقا ثم إن هذه الصفقة في الحقيقة غير مرادة لأن التاجر لا يقلب هذا الهيل ولا يسأل عن نوعه ولا يسأل عن عيبه وسلامته وربما يكون هذا قد فسد من طول الزمن وربما تكون الأرضة قد أكلته وهم لا يعلمون بل إني أعتقد أن صاحب الدكان لو أتى بأكياس من الرمل وصفها وقال للناس هذه سكر لهؤلاء الذين يتاجرون بهذه الطريقة لأخذوها على أنها سكر بناء على عادتهم أنهم لا يقلبون ولا ينظرون ولا يفعلون شيئا ولقد حكى لي بعض الناس وهو ثقة أنه جاء ليستدين من شخص فذهبوا إلى صاحب دكان عنده بضاعة ولكن هذه البضاعة لا تساوي القدر الذي يريده المستدين فقال نبيع ثم ندبر لها شأنا فباعها صاحب

(243/10)

الدكان على التاجر أولا ثم باعها التاجر على الفقير ثانيا ثم باعها الفقير على صاحب الدكان ثالثا ثم باعها صاحب الدكان مرة ثانية على التاجر ثم التاجر على المستدين حتى أكملت ما يريده هذا المستدين.
فضيلة الشيخ: يعني تبايعوها أكثر من مرة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: تبايعوها أكثر من مرة فقيمتها لا تساوي هذا القدر لكن لعبوا هذه اللعبة المستديرة حتى وصلوا إلى الدراهم التي يريدها المستدين وحدثني شخص آخر أيضا أنهم جاؤوا إلى صاحب الدكان وعنده سكر وكان السكر يساوي مائة بسعره حاضر فقال أنا أريد كذا وكذا من الدراهم فقال هذا سكر لا يساوي نصف ما تريد قال إذا نرفع سعره نرفع قيمته يعني حتى يصل إلى الحد الذي تريده فرفعوا السعر من مائة رفعوه حتى يكون قيمة هذا السكر القليل بالغة ما يريد هذا المستدين ومثل هذه الحيل جميعا انفتحت على الناس من الأم من الباب الأول الذي سأل عنه هذا السائل فلا شك عندنا في أن هذه المعاملة من فعلها واقع في الربا بل هو زائد على الذين يرابون صراحة بأنه يخادع الله ورسوله والذين آمنوا وما يخدع إلا نفسه وما يشعر وسوف يندم عندما يحضره أجله ولقد ذكر ابن القيم في كتابه الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي أن رجلا حضره الموت فجعلوا يلقنونه لا إله إلا الله فجعل يقول العشرة إحدى عشرة العشرة إحدى عشرة يعني أنها ملكت قلبه والعياذ بالله ابتلي بها عند موته حتى نسي بها شهادة الحق فنحن ننصح إخواننا المسلمين الابتعاد عن هذه المعاملات المحرمة التي فيها خداع لله ورسوله والمؤمنين ونقول لهم إن ما صنعتم بهذه الطريقة أشد مما يصنعه الذين يرابون صراحة في البنوك وغيرها فإنهم أهون منكم في ذلك لأنهم يفعلون الربا وهم يعتقدون أنه ربا ويجدون في نفوسهم خجلا من الله عز وجل وانكسارا ويؤملون التوبة المهم إنهم يعرفون أنهم على خطأ وأنهم مستحقون للعقوبة فتجدهم يتوبون إلى الله ويرجعون إليه لكن

(243/11)

مثل هؤلاء المتحيلين يرون أنهم على طريقة سليمة حلال فيبقون على ما هم عليه ولا يكادون يرجعون أبدا عن هذا الغي وهذا الضلال نسأل الله لنا ولهم السلامة ثم إنه حسب ما نعلم أن ما يؤخذ من الربح في البنوك أقل مما يأخذه هؤلاء من هؤلاء الفقراء والفقراء لا يدرون يظنون أن هذه الطريقة صحيحة وسليمة يقولون كوننا نعمل عملا لا إثم فيه ولو زاد علينا الربح أهون من كوننا نعمل عملا محرما ولكني أقول لهم إن هذه الطريقة أشد إثما من طريقة البنوك لأنها كما أسلفنا ربا وخداع ولكن يبقى النظر أنه من سياسة التعليم الصحيح الذي كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام أنه إذا سد الباب من طريق محرم أحب أن يفتح للناس باب من طريق مباح حتى لا يقفوا حيارى نقول في هذه الحالة الطريق السليم إلى ذلك أن الرجل إذا احتاج سلعة معينة بنفسها مثل أن يحتاج إلى سيارة أو إلى مواد بناء أو إلى غيرها فليذهب إلى أهل المعارض أو الذين يبيعون هذه الأدوات وهذه الأعيان ويشتري منهم العينة التي يريدها بنفسها بثمن أكثر مؤجلة وبهذا يسلم من الإثم فمثلا إذا كان يحتاج إلى أسمنت مثلا ذهب إلى أهل الأسمنت واشترى منهم ما يساوي عشرة آلاف باثنتي عشر ألفا وأمر به وكذلك المواد الأخرى من حديد ومواد صحية وما أشبه ذلك وبهذا يسلم يقول أنا لا أريد مواد أو أعيان أنا أريد دراهم لأجل التزوج أو ما أشبه ذلك نقول لا حاجة بك إلى هذه المعاملة المحرمة فإما أن تشتري الأغراض التي للزواج بمثل ما أشرنا إليه في مواد البناء وإما أن تصبر حتى يغنيك الله لأن الله يقول (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله) ولا ينبغي للإنسان أن يستدين ليتزوج فهذا الرجل الذي طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يزوجه المرأة التي وهبت نفسها للنبي ولم يكن له بها حاجة قال (التمس ولو خاتما من حديد ولم يجد فزوجه بما معه من القرآن) ولم يرشده إلى أن يستدين أو

(243/12)

يستقرض من أحد بل إنما زوجه بما معه من القرآن فالمهم أن مثل هذا أقصد الحاجة إلى الزواج لا ينبغي للإنسان أن يستبيح لنفسه هذه الطريقة المحرمة من أجله.
***
يقول السائل إن بعض التجار الذين يدينون إذا حل الدين على هذا الفقير قال الفقير أنا أريدك تصبر علي شهرين أو ثلاثة أشهر أقل أو أكثر قال له الدائن صاحب الحق لا أنا سوف أقلبها عليك تأتي إلي وأشتري لك مثلا كيسا من الهيل وأبيعها عليك ثم تستلمها وتبيعها وتسلمني حقي فهل هذا جائز أم يدخل في الربا أفتونا وجزاكم الله خيرا؟

(243/13)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا العمل ليس بجائز بل هو ربا إلا أنه ربا مغلف بالخيانة والخداع لمن؟! لله رب العالمين الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وهذا هو الربا الذي كان يفعلونه في الجاهلية إذا حل الدين قال صاحب الحق للمدين إما أن توفي وإما أن تربي فإذا أربا وحل مرة ثانية أربا عليه مرة ثانية وثالثة وهكذا وهذا هو المشار إليه في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون واتقوا النار التي أعدت للكافرين وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون) فهذا عمل خبيث لأنه جامع بين الربا والخداع فهو بمنزلة فعل المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر هذا أظهر أن معاملته معاملة سليمة أنها بيع وشراء في قطم هذا الهيل وهي في الحقيقة عين الربا إلا أنه متحيل عليه والمتحيل على محارم الله أعظم جرما ممن يفعلها على وجه صريح لأنه يجمع بين مفسدة هذا المحرم وبين مفسدة الخداع لله سبحانه وتعالى وهذا من الاستهزاء بالله والتحدي له ولهذا قال أيوب السختياني رحمه الله قال في هؤلاء المتحيلين يخادعون الله كما يخادعون الصبيان لو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون وهؤلاء المخادعون على الربا في مثل هذه الصورة التي ذكرها الأخ أو في غيرها من الصور لا يمكن أن ينزعوا عما هم عليه لأنهم يعتقدون أن ما هم عليه سليم والمعتقد بأن ما هو عليه سليم لا يمكن أن ينزع عنه فهم يقولون كما يقول المنافقون إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون فلا يكادون ينزعون عن فعلهم أما الذي يأتي الربا صريحا فإنه يعرف أنه ارتكب محرما وتجده دائما هذا الفعل بين عينيه تجده خجلا من الله عز وجل يتذكر ذنبه كل ساعة ويمكن أن يحدث توبة أما المتحيل فهو على العكس وهذه مفسدة عظيمة تحصل لمن يرتكبون محارم الله بالحيل وهذه المسألة يظن بعض طلبة العلم أنها مسألة التورق التي اختلف فيها أهل العلم وأباحها

(243/14)

الفقهاء في المشهور من مذهب الإمام أحمد وإن كان شيخ الإسلام ابن تيمية يحرمها ويجزم بتحريمها ويراجع في ذلك ولكنه يأبى إلا أنها حرام أعنى مسألة التورق لكن هذه المسالة ليست كمسألة التورق ولا يمكن أن تقاس عليها لأنها ربا صريح ومسألة التورق هي كما قال الفقهاء في تصويرها أن يحتاج رجل إلى دارهم فيشتري سلعة من شخص تساوي مائة بمائة وعشرين مثلا إلى أجل ثم يأخذها ويتصرف فيها ويقضي حاجته بقيمتها أما هؤلاء فإنهم قد اتفقوا صراحة على المراباة قبل أن يحدث هذا العقد الصوري الذي ليس بمقصود وبينهما فرق ولهذا لما ذكر شيخ الإسلام مسألة التورق ذكر فيها قولين عن أهل العلم ولكنه لما ذكر هذه الصورة أن يتفق شخص مع آخر على أن يعطيه دراهم العشرة بثلاثة عشر أو أحد عشر أو ما أشبه ذلك قال إن هذه من الربا بلا ريب ولم يحك فيها خلافا فدل هذا على الفرق بين المسألتين وما ذكره الأخ هو أعظم مما قلت أيضا لأنه صريح أنه يرغم هذا المعسر على الربا مع أن الله يقول (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) فأوجب الله تعالى إنذار المعسر أما هذا فإنه عصى الله فلم ينظره ولم يرحم هذا الفقير بل زاد عليه الدين وعلى كل حال فنصيحتي لإخواني التجار أن يقلعوا عن هذه المعاملة إلى ما أباح الله لهم من أنواع التجارات من المضاربات والمشاركات وغيرها حتى يخرجوا من الدنيا بسلام لا يحملوا أنفسهم نار هذه الدراهم وغرمها ويكون لغيرهم ثمارها وغنمها.
***

(243/15)

السائل محمد بتال يقول في هذا السؤال طلب مني أحد الأخوة أن أشتري له سيارة ليقوم بشرائها مني بالتقسيط وحدد لي النوع والموديل وقمت أنا وهو بالبحث عن السيارة وتحصلنا عليها وقام هو بشرائها ودفعت أنا قيمة هذه السيارة وهو مبلغ وقدره ثمانية وعشرون ألف ريال وبعتها له في الحال بمبلغ وقدره سبعة وثلاثون ألف ريال وأربعمائة ريال على أن يسدد هذا المبلغ لي بالتقسيط بواقع ألف وخمسمائة ريال شهريا فهل ما قمت به وتم بيني وبين المشتري صحيح شرعا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ليس بصحيح بل هو خداع ومكر وحيلة لأن حقيقة هذه المعاملة أنك أقرضته ثمانية وعشرين ألفا بسبعة وثلاثين ألفا وأربعمائة وشراؤك هذه السلعة صوري غير مقصود ولولا أنه أتى إليك وطلب منك شراء هذه السيارة ما اشتريتها فهذه حيلة ولا تغتر أيها المسلم بكثرة استعمالها بين الناس فإنه يقال إذا كثر الإمساس قل الإحساس وكم من عادات اعتادها الناس وهي محرمة بل أحيانا من الشرك ولا يدرون عنها أما هذه فهي حيلة مكشوفة ظاهرة وأما التاجر لم يشتر السلعة إلا لك ولم يشترها ويبعها عليك من أجل عينيك ولكن من أجل الربا الذي يأخذه أي فرق في المال بين أن تقول خذ ثمانية وعشرين ألفا نقدا وهي عليك مقسطة بسبع وثلاثين ألفا إلى سنة أو أن تقول اشتر السيارة التي تريد أو أشتريها أنا ثم أبيعها عليك مقسطة لا فرق والعبرة بمعاني الأمور لا بصورها.
***
يقول السائل في بيع التقسيط ما هو البيع الصحيح ونرجو أمثلة على ذلك لأنه كثر في زماننا هذا؟

(243/16)

فأجاب رحمه الله تعالى: بيع التقسيط له أمثلة كما قال السائل والمثال الجائز هو أن يشتري السلعة الموجودة عند البائع - من قبل تساوي ألفا - بألف وخمسمائة إلى سنة وهو يريد السلعة نفسها وهذا جائز بالإجماع أو يريد أن يتجر بهذه السلعة بأن يشتريها في هذا البلد ويذهب بها إلى بلد آخر ليزيد ثمنها هذا أيضا جائز بالإجماع مثال ذلك أتى رجل إلى شخص عنده فيلا تساوي أربعمائة ألف نقدا فقال أريد أن أشتريها منك بخمسمائة ألف مؤجلة إلى سنة فاتفقا على ذلك فلا بأس في هذا بالإجماع لأن الرجل اشتراها ليسكنها لكن زاد في ثمنها من أجل أنه ثمن مؤخر ومعلوم أن الثمن المؤخر يختلف عن الثمن المقدم أو إنسان اشترى سلعة بثمن مؤجل يريد بها الربح فهذا أيضا جائز كإنسان اشترى من شخص فيلا تساوي أربعمائة نقدا بخمسمائة إلى أجل يريد أن يربح فيها فلعلها تكون بستمائة إلى أجل أو بخمسمائة نقدا فيربح هذا لا بأس به بالإجماع الصورة الثالثة أن يأتي شخص إلى آخر إلى تاجر فيقول أنا محتاج إلى سيارة صفتها كذا وكذا فيقول التاجر اذهب إلى المعرض وتخير السيارة التي تريد ثم ائتني حتى اشتريها من المعرض ثم أبيعها عليك بثمن مؤجل أكثر مما اشتراها به فهذا حرام وذلك لأن البائع لم يشتر السلعة إلا من أجل الطالب الذي طلبها ولولا طلبه إياها لما اشتراها فيكون كالذي أقرض المحتاج إلى السيارة أقرضه دراهم إلى أجل بزيادة وما شراء التاجر لهذه السيارة ليبيعها على هذا المحتاج إلا حيلة فقط وإلا فليس له غرض في السيارة هذا حرام وإن كان بعض الناس قد يفتي بجوازه فإن قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إنما الأعمال بالنيات) يدل على منعه لأن هذا التاجر ما نوى إلا الزيادة ما له غرض بالسيارة وقول بعضهم إن التاجر يقول إذا اشتريتها فأنت أيها المحتاج بالخيار هذا وإن قاله فهو تدليس يعني من المعلوم أن الذي احتاج السلعة لن يردها يريدها على كل حال هذه ثلاثة

(243/17)

صور الصورة الأخيرة غير جائزة صورة رابعة تسمى مسألة التورق وهي أن يحتاج الإنسان إلى دراهم فيأتي إلى صاحب المعرض ويشتري منه السيارة التي تساوي خمسين ألفا بستين ألفا إلى سنة وقصد المشتري الدراهم فقد اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة فمنهم من قال إنها جائزة لأن البائع يقول أنا ما لي وللمشتري وغرضه أنا بعت سيارة والمشتري يفعل ما شاء واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن ذلك حرام وأنه من العينة التي حذر منها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والورع أن يتركها الإنسان وألا يتعامل بها فهذه أربعة صور في مسألة البيع بالتقسيط.
***
فضيلة الشيخ هذا السائل عبد الله أ. أ. من الرياض يقول ما حكم شراء الأثاث والسيارات بالتقسيط
فأجاب رحمه الله تعالى: شراء الأثاثات والسيارات إذا كانت عند البائع وكان المشتري يقصدها بعينها لا بأس به لدخوله في عموم قوله تعالى (وأحل الله البيع) وقوله (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) وأما إذا لم تكن عند البائع ولكنه يعينها المشتري أي الطالب ثم يذهب البائع ويشتريها ثم يبيعها عليه فهذا لا يجوز لأن هذه حيلة على الربا إذ أن هذه المعاملة تعني أنه أقرضه الثمن بالربا بزيادة ربوية لأن التاجر اشتراها مثلا بمائة وباعها على هذا بمائة وعشرين وإن كانت عند البائع وفي ملكه واشتراها المشتري لا يريدها بعينها وإنما يريد أن يبيعها وينتفع بثمنها فهذه مسألة التورق وفيها خلاف بين العلماء فمنهم من أجازها ومنهم من منعها وممن منعها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله والاحتياط ألا يتعامل الإنسان بها لا سيما إذا كان تعامله من أجل التجارة لأن الإنسان قد يربح وقد لا يربح مع أنه قد خسر بزيادة الثمن عليه من أجل التأجيل.
***

(243/18)

هذا السائل علي من الأردن يقول هل البيع بالتقسيط جائز لأن التاجر يقول بأن سعر هذه المادة مائة دينار على أن يدفع المبلغ نقدا و150دينارا تقسيطا على كذا من الأشهر فما حكم ذلك مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ذلك جائز ولا بأس به لدخوله في عموم قوله تعالى (وأحل الله البيع) وقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) وهذا المشتري عرضت عليه السلعة بثمنين ثمن النقد والثمن المؤجل ولنفرض أن ثمن النقد مائة وأن المؤجل مائة وخمسون فأخذ بالمؤجل في نفس المجلس وذهب بالسلعة فثبت في ذمته مائة وخمسون على وجه التحديد والتعيين فهذا بيع لا بأس به لان المشتري خير بين هذا أو هذا وليس هذا من الربا في شيء لأن الربا أن تبيع دراهم بدراهم لا أن تبيع سلعة ثمنها حاضر كذا وثمنها مؤجل بكذا وليس هذا من البيعتين في بيعة لأن هذا بيعة واحدة لكنه خير الإنسان بين بيعتين فاختار واحدة منهما والبيعتان في بيعة أصح ما قيل في معناهما أن يبيع الإنسان شيئا بثمن مؤجل ثم يشتريه ممن اشتراه منه بثمن نقد أقل مثال ذلك أن يبيع عليه بيتا بمائة ألف لمدة سنة ثم يرجع البائع ويشتري البيت ممن اشتراه منه بثمانين نقدا وهذه هي المحرمة وهي بيعتان في بيعة لأن حقيقة الأمر أن المبيع واحد ورد عليه صفقتان ويراد به التحيل إما من قريب أو من بعيد على أن يسلم ثمانين ويستلم بدلها مائة وهذا حيلة على الربا بلا شك ولكن في مسألة التقسيط يجب أن يلاحظ أمر هام وهو أنه لا بد أن تكون السلعة عند البائع مالكا لها قبل أن تتفق معه فإن لم تكن عنده أي ليس مالكا لها فإن النبي صلى الله علية وسلم قال (لا تبع ما ليس عندك).
***

(243/19)

يقول لقد اقترضت مالا للزواج وهو يسير ولكن بعد الزواج بفترة تعطلت سيارتي وكثر عطلها واضطررت أن أشتري سيارة أخرى ولكنني لم أجد المال الذي يساعد فاضطررت إلى شراء سيارة بالتقسيط ولكن التقسيط يأخذ مالا كثيرا وأرباحا كثيرة مثلا السيارة قيمتها تسعة وثلاثون ألفا وثمانمائة يأخذ صاحب التقسيط زيادة خمسة آلاف ومائة فهل عملي هذا جائز أرجو بهذا إفادة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كنت مضطرا إلى السيارة وليس عندك دراهم تستطيع أن تشتري بها فلا حرج أن تأخذ سيارة بالتقسيط ولكن لاحظ أن بعض الناس نسأل الله لنا ولهم الهداية يمكنهم أن يأخذوا سيارة عادية بالتقسيط قيمتها أقل ولكنهم يذهبون فيشترون سيارة فخمة أكثر مما يحتاجون إليه وربما تكون هذه السيارة لا تكون إلا للأغنياء أو الكبراء فيشتريها مباهاة وهذا خطأ ولا نرى أن إنسانا عاقلا يجعل على ذمته من الديون ما يجعل من أجل المباهاة فقط بل نقول إذا اضطررت فخذ بقدر الضرورة ولا تزد.
***
المستمع ع. الشدوخي من القصيم يقول قام أحد الإخوة بشراء سيارة بالتقسيط وقال له البائع خذ السيارة واخرج بها من المحل وهذا هو الاستلام الشرعي ونحن نقوم ببيعها لك إذا جاء من يطلبها فأرجو الإفادة في هذا السؤال مأجورين؟

(243/20)

فأجاب رحمه الله تعالى: إن بيع التقسيط يكون على نوعين النوع الأول أن تكون السلعة عند البائع مالكا لها قبل عقد بيع التقسيط فيبيعها بثمن مؤجل بأكثر من ثمنها حالا مثال ذلك أن يكون عند شخص سيارة فيأتي شخص آخر ليشتريها منه بثمن مؤجل وتكون قيمة هذه السيارة بالثمن الحال ثلاثين ألفا وبالثمن المؤجل خمسة وثلاثين ألفا فيشتريها المشتري بالثمن المؤجل بخمسة وثلاثين ألفا فهذا البيع جائز لدخوله في عموم قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) ولأن هذا نظير السلم الذي كان يفعل في عهد الرسول الله صلى الله عليه وسلم لكن السلم يعجل فيه الثمن ويؤخر فيه المثمن وهذا بالعكس عجل فيه المثمن وأخر فيه الثمن لكن المعنى واحد وهو تعجيل أحد العوضين وتأجيل أحدهم ولكن اختلف العلماء فيما إذا كان مقصود المشتري الدراهم لكنه توصل إلى الحصول عليها بهذا العقد فمن العلماء من منع ذلك كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقال إن هذا حيلة على الربا ومنهم من أجاز ذلك وقال إن المشتري له الحق أن يتصرف في السلعة بما شاء من بيعها أو إبقائها وهذه المسألة تسمى مسألة التورق والورع بلا شك ترك التعامل بها ولكن إن دعت الضرورة إليها ولم يجد المشتري من يقرضه ولا وجد وصولا إلى السلم المعروف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان مضطرا إلى ذلك فإنه بهذه الثلاثة الشروط أرجو ألا يكون بها بأس أما النوع الثاني من بيع التقسيط فهو ألا تكون السلعة عند البائع ولكن المشتري يعينها ثم يأتي إلى تاجر من التجار ويقول أنا أريد السلعة الفلانية فاشترها لي وبعها علي بثمن مؤجل أكثر مما اشتريتها به مثل أن يكون المشتري يحتاج إلى سيارة يستعملها فيجدها في المعرض ولكن ليس عنده ثمنها فيذهب إلى تاجر من التجار ويقول أنا أريد السيارة الفلانية في المعرض الفلاني وليس عندي ثمن فيذهب التاجر

(243/21)

ويشتري هذه السيارة بثمن حال ثم يبيعها على هذا الطالب لها بثمن مؤجل أكثر مما اشتراها به وهذا النوع حيلة على الربا ووقوع في المحذور الذي يكون في الربا وذلك لأن حقيقته أن التاجر أقرض هذا الطالب قيمة السلعة التي يريدها بزيادة والقاعدة المعروفة عند أهل العلم أن كل قرض جر نفعا للمقرض فإنه ربا ولأن هذا العقد الذي صدر من التاجر عقد غير مقصود لأنه لم يشتر هذه السلعة إلا بعد أن جاء هذا الطالب فقد اشتراها من أجله من أجل الزيادة الربوية التي يحصل عليها ودليل ذلك أن التاجر لم يكن يفكر أن يشتري هذه السيارة لولا أن هذا الطالب جاء وعرض عليه هذه الصفقة وتعليل بعضهم بأن التاجر لا يلزم الطالب بها إذا اشتراها له تعليل عليل وذلك لأنه من المعلوم أن الطالب لم يأت أو لم يعرض على التاجر شراء هذه السلعة له إلا وإنه عازم على أن يتملكها ولو كان عند التاجر شك حقيقي في أن هذا الطالب لا يقبل السلعة بعد شرائها ما اشتراها له هذا من المؤكد المعلوم حسب العادة وحسب الوضع الذي عليه حال هذا الطالب لذلك فإني أنصح إخواني المسلمين من تعاطي مثل هذه العقود التي ظاهرها الإباحة ولكن مقصودها ما يوقع في التحريم وليعلم أن الحيل على محارم الله لا تجعلها حلالا بل تزيدها خبثا إلى خبثها وتحريما إلى تحريمها لأن الحيل على محارم الله يقع فيها محذوران المحذور الأول الوقوع في المعنى الذي حرمه الله ورسوله والثاني الخداع لله عز وجل والله سبحانه وتعالى لا تلتبس عليه الأمور يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وهو سبحانه وتعالى يوم القيامة يحاسب الناس على ما في صدروهم كما قال الله تعالى (إنه على رجعه لقادر (8) يوم تبلى السرائر) أي تختبر السرائر وقال عز وجل (أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور (9) وحصل ما في الصدور) وبنو آدم لن يغنوا عن الإنسان شيئا فهو وإن تظاهر عندهم بالعمل

(243/22)

المباح إذا كان المقصود به الشيء المحرم لن يغنيهم عن الله شيئا وليعلم اللبيب العاقل المؤمن أن رزق الله سبحانه وتعالى لا ينال بمعاصيه وأن الله سبحانه وتعالى قد كتب على الإنسان وللإنسان ما اقتضته حكمته في الأزل فالغني غني والفقير فقير فليتق الله وليجمل في الطلب فإن رزق الله لاينال بمعاصيه يقول الله تعالى (ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب) ويقول الله تعالى (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا) أسأل الله تعالى أن يعصمنا جميعا من معاصيه وأن يوفقنا إلى مراده.
***
يقول إذا أراد شخص شراء سيارة من تاجر مثلا يقول له هذه السيارة تساوي أربعة آلاف دينار مثلا نقدا وإذا أردت الدفع بالتقسيط ممكن ولكن ستدفع كل شهر مائتي دينار لمدة خمسة وعشرين شهرا فينتج عن ذلك فارق في المبلغ من أربعة آلاف إلى خمسة آلاف فيقولون إن هذه العملية تجارية فما الحكم الشرعي في نظركم في التعامل بمبدأ التقسيط والزيادة كما سبق شرحه نرجو بهذا إفادة

(243/23)

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا السؤال أن يعلم أن الأصل في جميع البيوع الحل إلا ما دل الشرع على منعه وتحريمه لعموم قوله تعالى (وأحل الله البيع) فإذا تبايع رجلان فإننا نقول إن هذا البيع صحيح إلا بدليل يدل على منعه فالواجب اتباع الدليل فإذا لم يقم الدليل على منعه فلا يحل لأحد أن يمنع عباد الله من معاملاتهم بدون إذن الله وبناء على هذه القاعدة العامة ننظر في الصورة التي سأل عنها هذا السائل حيث يقول إنه يريد أن يشتري سيارة تساوي أربعة آلاف دينار بخمسة آلاف دينار مؤجلة إلى خمسة وعشرين شهرا فنقول إن هذه المعاملة لا تتضمن محظورا شرعيا فليس فيها ربا ولا جهالة ولا غرر بل هي واضحة، الثمن معلوم والمبيع معلوم والأجر معلوم وليس هناك ربا فهذه المعاملة صحيحة لأن هذه الزيادة ليست زيادة دراهم على دراهم لكنها زيادة في ثمن السلعة المعينة فأنا حين اشتريت هذه السيارة بخمسة آلاف دينار مؤجلة لم اشتر دنانير بدنانير وإنما اشتريت سيارة قيمتها خمسة آلاف دينار وإذا كان يجوز للإنسان أن يبيع سيارة تساوي أربعة بخمسة آلاف دينار نقدا فإن بيعها مؤجلا بخمسة آلاف دينار من باب أولى لأن فيه إرفاقا بالمشتري ولا يشك عاقل أن الناس يفرقون بين الثمن الحاضر والثمن المؤجل فإنه ليس الثمن المنقود الحاضر كالثمن الغائب المؤجل وقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن الناس كانوا يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال النبي صلى الله عليه وسلم (من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) والسلف في هذا الحديث هو تقديم الثمن وتأخير السلعة المشتراة فيأتي إلى الفلاح ويقول أو يأتي الفلاح إليه ويقول أعطني مائة درهم بمائتي صاع من البر إلى سنة فيأخذ الفلاح الثمن وينتفع به وإذا حل الأجل أخذ المشتري البر وتصرف فيه وهنا نعلم حسب العادة والفطرة أنه لم يكن ثمن هذا البر المؤجل تسليمه

(243/24)

كثمن البر المقدم الذي يكون عند تسليم الثمن بل سيكون البر في هذه الصورة أعني البر المؤجل أكثر من البر الذي يعطى عند استلام الثمن فإذا كان الصاع من البر يساوي درهمين نقدا فإنه يكون بدرهمين إلا قليلا إذا كان البر مؤجلا وهذا أمر تقتضيه العادة والفطرة ولا فرق بين هذا وبين الصورة التي قالها السائل فإن هذا تأجيل للمثمن والصورة التي قالها السائل تأجيل للثمن وقد ظن بعض الناس إن هذا من باب الربا ولكن هذا ليس بصواب فإنه يكون من باب الربا لو اشترى السيارة بأربعة آلاف دينار ثم رجع إلى البائع وقال ليس عندي أربعة آلاف دينار وأريد أن تنظرني إلى سنة بخمسة آلاف دينار فهذا لا شك أنه ربا ولا يحل أما إذا كان عقد على السيارة من أول الأمر بخمسة آلاف مؤجلة فهذا لا بأس به ولكن يبقى النظر ماذا أراد المشتري بهذه السيارة بهذا الشراء إن كان أراد السيارة بعينها فلا شك في جوازه حتى إن بعض العلماء حكى الإجماع على ذلك أما إذا كان يريد ثمن السيارة أي أنه يريد أن يأخذ السيارة الآن ثم يبيعها لينتفع بثمنها فهذه مسألة التورق وفيها خلاف بين أهل العلم فمن أهل العلم من أجازها نظرا لصورة العقد ومنهم من منعها نظرا للقصد ولكننا نقول هذا الرجل الذي اشترى السيارة من أجل ثمنها إن باعها على بائعها فهذا بلا شك حرام إذا باعها بأقل مما اشتراها به لأن هذه هي مسألة العينة وهي حيلة ظاهرة على الربا يعني لو اشتريت هذه السيارة من الرجل بخمسة آلاف دينار ثم عدت وبعتها عليه بأربعة آلاف وخمسمائة نقدا كان ذلك حراما لأنه في الواقع دراهم بدراهم دخلت بينهما سيارة غير مقصودة لكن إذا بعتها على شخص آخر غير الذي اشتريتها منه فهذه هي مسألة التورق وفيها خلاف والتورع عنها أولى لكن إن دعت الضرورة إليها فلم تجد من يقرضك ولا من يسلمك وأنت في ضرورة إليها فإن هذا لا بأس به ولكن بشرط أن تكون السلعة التي اشتريتها ملكا للبائع وعنده في محله ثم

(243/25)

تأخذها أنت وتبيعها في مكان آخر وبهذا نعرف أن ما يفعله كثير من الناس الآن يأتي الدائن والمدين إلى شخص آخر عنده سلعة فيشتريها الدائن ثم يبيعها على المدين وهي في مكانها لم تنقل ثم يبيعها المدين على صاحب المحل أو على غيره قبل أن ينقلها نعلم أن هذه المعاملة محرمة وليست بجائزة بلا شك لأنها من بيع السلع في مكانها وقد (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع السلعة حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم) ولأن الحيلة فيها ظاهرة جدا.
***
السائلة أم ياسر تسأل عن حكم شراء الذهب بالتقسيط؟
فأجاب رحمه الله تعالى: شراء الذهب بالتقسيط على نوعين النوع الأول أن يشترى بالدراهم فلا بد من التقابض في مجلس العقد فإذا اشترت امرأة حلي ذهب بخمسة آلاف ريال فلا بد أن تسلم خمسة آلاف ريال في مجلس العقد ولا يجوز أن تشتريه بالتقسيط لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في بيع الذهب بالفضة (إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شيءتم إذا كان يدا بيد) والثاني أن يشتري الذهب بغير الدراهم مثل أن يشتريه بقمح فتقول المرأة اشتريت منك هذا الحلي بمائة صاع قمح كل شهر عشرة أصواع فلا بأس لأن البيع هنا وقع بين شيئين لا يحرم بينهما النسأ أي التأخير وعلى هذا نقول إذا بيع حلي الذهب بذهب فلا بد من أمرين التساوي في الوزن والقبض قبل التفرق فإذا بيع بفضة أو دراهم نقدية فلا بد من أمر واحد وهو التقابض قبل التفرق وإذا بيع بغير ذلك فلا بأس من بيعه بالأقساط وتأجيل الثمن.
***
ما حكم شراء الذهب بالتقسيط؟

(243/26)

فأجاب رحمه الله تعالى: شراء الذهب بالتقسيط إن اشتري بغير العملة الورقية وبغير الذهب وبغير الفضة فلا بأس به مثل أن يشترى بطعام من تمر أو بر أو يشترى بسيارات وما أشبه ذلك فإنه لا حرج فيه لأنه لا ربا بين الذهب والفضة وبين المطعومات ولا ربا بين الذهب والفضة وبين المصنوعات أما إذا اشترى الذهب بالتقسيط بعملة ورقية أو بذهب أو بفضة فإن ذلك حرام لأن بيع الذهب بالذهب يشترط فيه شرطان الشرط الأول التساوي وزنا والشرط الثاني التقابض في مدة العقد وإذا بيع الذهب بفضة أو بأوراق عملة اشترط فيه شرط واحد وهو التقابض في مدة العقد قبل التفرق لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الذهب بالذهب مثلا بمثل سواء بسواء يد بيد) ولقوله عليه الصلاة والسلام (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والتمر بالتمر والشعير بالشعير والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شيءتم إذا كان يدا بيد).
***
ما رأي الدين في البيع والشراء بالتقسيط علما بأن سعر البيع في حالة التقسيط يكون أزيد من البيع واستلام المبلغ الفوري؟

(243/27)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا لا بأس به بإجماع أهل العلم أن الإنسان إذا اشترى السلعة لحاجته إليها بثمن مؤجل سواء كان يحل دفعة واحدة أو يحل على دفعات فإنه لا بأس بذلك وقد حكى غير واحد من أهل العلم إجماع العلماء على حله ومن المعلوم أنه إذا كان بالتقسيط فسيزيد ثمنه لأن البائع لا يبيع شيئا يؤجل ثمنه مساويا لشيء ثمنه منقود وهذا من الأمور التي من محاسن الشريعة حله لأن البائع ينتفع بزيادة الثمن والمشتري ينتفع بتأجيل الثمن عليه وأما إذا تم البيع على أنه نقد ثم جاء المشتري إلى البائع وقال أجله علي بزيادة فإن هذا لا يجوز لأنه من الربا مثل أن يبيع عليه هذه السيارة بعشرة آلاف مثلا ثم لا يجد المشتري هذه العشرة فيرجع إلى البائع ويقول لم أجد العشرة ولكن أجلها علي باثنى عشر ألفا فإن هذا لا يجوز لأن المشتري ثبت في ذمته دراهم حالة فتأجيلها بزيادة عين الربا فيكون محرما.
***
ما صحة البيع بالأقساط حيث أن المبلغ بالأقساط يزيد عن المبلغ النقدي وذلك بداعي أنه عقد جديد بين البائع والمشتري؟

(243/28)

فأجاب رحمه الله تعالى: البيع إلى أجل جائز لقول الله تبارك وتعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) ومن المعلوم أن البيع إلى أجل ستكون القيمة فيه أكثر فإذا كنا نبيع هذه السيارة بأربعين ألفا نقدا فلن نبيعها مؤجلا إلا بخمسين ألف وكلاهما جائز فيجوز أن تبيع الشيء بنقد بثمن أقل مما لو بعته بمؤجل ويجوز أن تبيعه بمؤجل بثمن لو بعته بنقد كان أقل ولك أن تخير المشتري عند العقد فتقول تريدها بأربعين ألفا نقدا أو بخمسين ألفا نسيئة ثم إذا اختار أحد الثمنين تبيعها عليه وليس هذا من باب بيعتين في بيعة كما توهمه بعض أهل العلم لأن هذه بيعة واحدة والتخيير في مقدار الثمن فقط والعقد وقع على أحدهما والبيعتان في بيعة هي مسألة العينة مثل أن يبيع الإنسان الشيء بثمن مؤجل ثم يشتريه نقدا بأقل مثل أن يبيع السيارة بخمسين ألفا إلى سنة ثم يشتريها بأربعين ألفا نقدا هذه مسألة العينة المحرمة وأما التخيير بين الثمنين ثم لا ينصرف الطرفان إلا وقد أخذا بأحدهما فهذا لا بأس به.
***
فضيلة الشيخ من مسائل البيوع بيع التورق نرجو أن تحدثنا عن هذا البيع؟

(243/29)

فأجاب رحمه الله تعالى: التورق مأخوذ من الورق وهي الفضة وأصله أن الرجل يحتاج إلى دراهم ولا يجد من يقرضه ولا يجد من يعطيه دراهم في سلعة مؤجلة إلى سنة وهو ما يعرف في الشرع بالسلم يأخذ المحتاج دراهم من شخص بسلعة موصوفة مضبوطة بصفات يسلمها له بعد سنة مثلا وهذا جائز كما قال ابن عباس رضي الله عنهما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلمون في الثمار السنة والسنتين وأظنه قال والثلاث فقال النبي صلى الله عليه وسلم (من أسلم في شيء فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) أقول إذا احتاج الإنسان إلى الدراهم ولم يجد من يقرضه ولا من يسلم إليه الدراهم على الوجه الذي ذكرنا واشترى سلعة تساوي مائة بمائة وعشرين إلى سنة ثم باعها وانتفع بثمنها فهذه مسألة التورق وسميت تورقا لأن المشتري فيها محتاج إلى الورق أي الفضة وهي النقد وللعلماء فيها خلاف معروف فمنهم من أجازها ومنهم من منعها وممن منعها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حتى إنه روجع في ذلك مرارا ولكنه أبى رحمه الله أن يحلها لأنها تفتح باب الحيل والخداع ولهذا كانت نتيجتها الآن سيئة ولا أظن أحدا من أهل العلم يقول بجوازها وذلك لأنهم صاروا يأتون إلى التاجر ليستدينوا منه فيبيع عليهم ما يبيع ثم يذهب التاجر والمستدين لصاحب دكان عنده هذه السلعة فيشتريها التاجر شراء صوريا ليس مقصودا ولهذا لا يقلبها ولا ينظر فيها ولا يكاسر ويماكس فيما يعينه البائع من الثمن يأخذها بأي ثمن اتفق وعلى أي صفة كانت وفي ظني أنه لو كانت أكياس السكر رملا ما ذهب التاجر يفتشها لاشتراها على أنها سكر لأنها تشترى وتباع على المدين والمدين يبيعها على صاحب الدكان وهذا لا شك أنه محرم وأنه لا ينطبق على مسألة التورق ولهذا كان شيخ الإسلام رحمه الله إذا ذكر هذه المسألة لم يذكر فيها خلافا في التحريم وإذا ذكر مسألة التورق ذكر فيها قولين لأهل العلم ثم توسعت

(243/30)

الأمور حتى وقع الناس في أكل الربا أضعافا مضاعفة فإذا حل الدين قال استدن مني وأوفني فيستدين منه على هذه الصورة التي هي لعب بأحكام الله عز وجل فيشتري منه ويوفيه ويزيد عليه الدين ومنهم من يأتي بأمور أخرى منكرة ليس هذا موضع بسطها نسأل الله لإخواننا الرزق الطيب الحلال وإنني بهذه المناسبة أنصح الإخوان الذين ابتلوا بهذا الأمر أن يتوبوا إلى الله عز وجل وأن يقلعوا عن هذا وأن يتقوا يوما يرجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون وأن يعلموا أن كل شيء يكسبونه عن طريق محرم فإنه لا خير لهم فيه بل هو خسارة في الدنيا والآخرة تنزع البركة منه وإن تصدقوا منه لم يقبل منهم وإن أنفقوه لن يبارك لهم فيه وإن خلفوه بعدهم كان غرما عليهم وغنيمة للورثة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما يعملون خبير.
***
إذا طلب شخص من آخر أن يدينه مبلغا من المال غائبة فذهب واشترى سيارة بمائة ألف ريال فباعها على هذا المدين بمبلغ مائة وعشرين ألف ريال لمدة سنة مثلا فما حكم ذلك مع العلم بأنه لم يشتر السيارة إلا بعد أن أخبره المدين بحاجته إلى المبلغ المذكور.

(243/31)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم رحمهم الله وتسمى مسألة التورق ويسميها الناس في العرف الوعدة فمن العلماء من أجازها بشرط أن تكون مملوكة عند البائع من قبل وأن يكون المشتري محتاجا إليها أي إلى الفلوس ومن العلماء من منع ذلك منعا باتا ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقد منع التورق وقال إنه حرام وقال تليمذه ابن القيم وكان يراجع في ذلك كثيرا ولكنه يأبى أن يفتي بالحل يقول شيخ الإسلام رحمه الله إن هذا من باب الحيل على بيع الدراهم بالدراهم إلى أجل مع التفاضل والحيل على المحرمات ممنوع شرعا قال النبي صلى الله علية وآله وسلم (قاتل الله اليهود لما حرم الله عليهم شحومها جملوه أي أذابوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه) وقال عليه الصلاة والسلام (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا ما حرم الله بأدنى الحيل) وهذا صحيح أن الحيل على المحرمات لا تبيحها بل لا تزيدها إلا قبحا وتحريما ولكن الشيء الذي لا إشكال في تحريمه وهو يأتي شخص إلى آخر ويقول أريد أن تشتري لي هذه السيارة من المعرض الفلاني وتبيعها لي بربح فيذهب ويشتريها ثم يبيعها عليه بربح ونحن نعلم أن البائع لو لم يشتر منه هذه السيارة ما اشتراها من المعرض فيكون هذا البائع أولا باع ما ليس يملكه وثانيا أن معنى هذه الصفقة أو مضمون هذه الصفقة أنه أقرضه قيمة السيارة بزيادة فيكون قرضا جر نفعا والقرض الذي يجر نفعا من الربا كما ذكر ذلك أهل العلم رحمهم الله وأيضا فإن هذا البائع الذي اشترى السيارة للمحتاج يبيعها في مكان شرائها وهذا منهي عنه فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم) والحقيقة أن هذه الطريقة ستضر بالناس في حين أن فاعلها يظن أنها تنفعهم لأن الناس يتجرؤون على الديون إذا رأوا هذه الطريقة السهلة سيشترون أشياء كثيرة ليس لهم بها حاجة لكن من أجل يباهوا غيرهم في بناء

(243/32)

المنازل وفي السيارات الفخمة وفي غير ذلك من المسائل التي هم في غنى عنها فهذه الطريقة ترهق الناس بالديون وربما يعجز أهل المدين عن التسديد فيؤدي ذلك الى إفلاس البائع ففيها مضار عظيمة على المجتمع من الناحية الاقتصادية وتسهيل الديون عليهم في ذممهم حتى ترهقهم.
***
يقول السائل هل يجوز شراء سيارة بالتقسيط وفي نيتي البيع مباشرة لهذه السيارة مع شخص آخر لأنني محتاج أرجو بهذا إفادة مأجورين.
فأجاب رحمه الله تعالى: يرى بعض العلماء أن هذا ليس بجائز ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول بأن هذا حيلة على أخذ دراهم بدراهم مع التفاضل ولكن تدخل بينهم هذه السيارة ليكون ظاهر العقد عقدا صحيحا ومن العلماء من أجاز ذلك وقال إن البائع إذا باع على المشتري فإنما يبيع عليه هذه السيارة والمشتري حر في أن يبيعها و ينتفع بثمنها أو يبقيها وينتفع بأجرتها أو يبقيها ليستعملها أو يبقيها إن احتاج باعها وإلا فهي باقية وعلى كل حال فالإنسان الناصح لنفسه يتجنب هذه المعاملة إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك مثل ألا يجد من يقرضه ولا من يعطيه سلما بأن يدفع إليه الدراهم ويقول هذه الدراهم تعطيني بها سيارة بعد تمام السنة ويتركها له هذا السلم جائز لأن الصحابة كانوا يفعلونه في الثمار حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار سنة وسنتين فقال (من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) وعلى هذا فإذا تعذر أن يجد من يقرضه أو من يدفع إليه دراهم سلما فأرجو ألا يكون بذلك بأس إذا كان محتاجا إلى هذا ولكن لا يبيعها على من اشتراها منه لأنه إذا باعها على من اشتراها منه صارت مسألة العينة مثل أن يشتري منه السلعة بألف إلى سنة ثم يشتريها بثمان مائة نقدا فإن هذا لا يجوز لأنه حيلة على بيع الربا وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا) وهذه بيعتان في بيعة فله

(243/33)

أوكسهما يعني له أقلهما أو الربا يقع في الربا ذلك.
***
لدي رغبة في شراء سيارة بالتقسيط لأكمل بها فلتي ولكن سمعت من أحد أهل العلم يقول بأن هذا حرام وأن عملية التورق هي أخية الربا فماذا تنصحونني؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أنصحك ألا تتعامل هذه المعاملة لأن فيها شبهة وقد صرح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بأنها حرام وكان يراجع في ذلك كثيرا ويأبى إلا أن تكون حراما لكن لو أنك عرفت المواد التي تحتاجها وذهبت إلى من عنده هذه المواد وقلت له أنا أشتريها منك بكذا وكذا أي بأكثر من شرائها نقدا فباعها عليك فإن هذا لا بأس به لأن هذا شراء بثمن مؤجل والثمن المؤجل لا بد أن يكون زائدا على الثمن المنقود.
***
السائل أحمد من الرياض يقول ما هي مسألة التورق وما حكمها جزاكم الله خيرا

(243/34)

فأجاب رحمه الله تعالى: مسألة التورق تسمى في بعض المناطق الدين فإذا قالوا فلان تدين من فلان يعني تعامل معه بتورق وتسمى في بعض المناطق بالوعدة أو الوعدة يعني العدة وهي أن يكون الإنسان محتاجا إلى دراهم وليس عنده شيء ولا يجد من يقرضه فيذهب إلى شخص ما ويشتري منه سلعة تساوي عشرة آلاف باثني عشر ألفا لمدة سنة أو بأربعة عشر ألفا لمدة سنتين وكل ما زاد الأجل زاد الربح فإذا اشترى السلعة باعها وانتفع بدراهمها هذه هي مسألة التورق وسميت تورقا لأن الإنسان لا يقصد بهذه المعاملة إلا الورق يعني الدراهم ولهذا سميت تورقا من تفعل إذا طلب الشيء وقد اختلف العلماء في حكمها فمنهم من قال إنها مكروهة ومنهم من قال إنها جائزة ومنهم من قال إنها محرمة وممن قال بهذا القول الأخير شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقال إنه مروي عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله وإنها مثل الربا لكنه ربا بحيلة قال ابن القيم رحمه الله وقد كرر الطلب من شيخه رحمه الله ابن تيمية في هذه المسألة وأبى إلا أن تكون حراما وقد توسع الناس فيها اليوم توسعا عظيما فصار الرجل يأتي إلى الشخص يشتري منه أكياس الهيل أو السكر أو الرز أو ما أشبهها بثمن مؤجل زائد عن الثمن الحاضر ثم يأتي المستدين فيبيعها أحيانا يبيعها على الذي باعها إليه أولا وهذه مسألة العينة ولا شك في تحريمها وأحيانا يبيعها على شخص آخر بأنقص مما تساوي نقدا اليوم فيكون هذا المستدين مغلوبا من وجهين الوجه الأول الزيادة الحاصلة من البائع والوجه الثاني النقص الذي حصل من مشتري السلعة ويبيعون هذه السلعة قبل قبضها وقبل نقلها من مكانها وقد (نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن بيع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم) ومن أجل التوسع فيها صار الناس يستهينون بالدين فتجد الرجل يتدين ليشتري أمورا كمالية لا يقوم بها مثله فتتراكم عليه الديون فإذا حلت ولم يوف ذهب

(243/35)

يستدين مرة أخرى أو ذهب يتورق في مسألة أخرى مرة أخرى فإذا حل الدين مرة ثانية تورق مرة ثالثة وهلم جرا حتى يتراكم على الإنسان ديون كثيرة وهو لا يشعر لهذا ننصح إخواننا المسلمين عن التعامل بهذه المعاملة ولاسيما الذين يأخذون الدين لأنه يغلبون ويفلسون من أجل هذه الديون التي سهلت لهم وأصبحوا رهينة بذلك.
***
يقول هذا السائل ما حكم بيع العينة وبيع التورق؟
فأجاب رحمه الله تعالى: بيع العينة أن يبيع الإنسان شيئا بثمن مؤجل ثم يشتريه بثمن أقل نقدا مثل أن يبيع هذه السيارة بستين ألفا مؤجلة بأقساط ثم يعود ويشتريها من صاحبها بأربعين ألفا نقدا هذه مسألة العينة وهي حرام لأنها حيلة على الربا بصورة بيع غير مقصود وأما إذا باعها المشتري على شخص آخر بأقل مما اشتراها به يريد دراهمها فهذه مسألة التورق وقد اختلف فيها العلماء فمنهم من ألحقها بمسألة العينة ومنهم من قال إنه لا بأس بها والاحتياط ألا يتعامل بها.
***

(243/36)

القرض
هل في القرض أجر وهل يجب كتابة ورقة عند القرض؟
فأجاب رحمه الله تعالى: القرض وهو الذي يعرف عند عامة الناس بالتسليف سنة وفيه أجر وهو داخل في عموم قول الله تعالى (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) ولا ضرر على المستقرض بطلب القرض فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستقرض أحيانا فهو مباح بالنسبة للمستقرض وسنة بالنسبة للمقرض ولكن يجب على المقرض أن لا يحمل منة على المستقرض فيمن عليه فيما بعد أو يؤذيه بذكر هذا القرض فيقول مثلا أنا أحسنت إليك فأقرضتك وهذا ما تفعله بي وما أشبه ذلك لقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) وأما كتابة القرض فإن كان القرض من مال المقرض فالأفضل الكتابة لعموم قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل) وله أن يدع الكتابة لا سيما في الأمور اليسيرة التي لا يلتفت إليها الناس عادة ولا يكتبونها عادة وأما إذا كان القرض لغيره كما لو كان بيده مال يتيم وهو ولي عليه واقتضت المصلحة إقراضه فإنه يجب عليه أن يكتبه لأن هذا من حفظ مال اليتيم وقد قال الله تعالى (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده).
***
إذا اقترضت مبلغا من أحد الأشخاص الذين يحصلون على المال بطرق غير مشروعة فما الحكم هل هذا القرض محرم إذا رددته فيما بعد بدون زيادة؟

(244/1)

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس محرما يعني يجوز للإنسان أن يتعامل مع شخص يتعامل بالربا لكن معاملته إياه بطريق سليم فمثلا يجوز أن يشتري من هذا الرجل المرابي أن اشتري منه سلعة بثمن ويجوز أن يستقرض منه ولا حرج فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يعامل اليهود مع أنهم أكالون للسحت فقد قبل هديتهم وقد قبل دعوتهم وقد باع واشترى منهم صلى الله عليه وسلم قبل هديتهم في قصة المرأة اليهودية التي أهدت إليه شاة يوم فتح خيبر وأجاب دعوتهم حين أجاب دعوة غلام يهودي في المدينة واشترى منهم فقد اشترى صلى الله عليه وسلم طعاما لأهله من يهودي ورهنه درعه أي أعطاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم درعه رهنا ومات ودرعه مرهونة والخلاصة أن من كان يكتسب الحرام وتعاملت معه معاملة مباحة لا حرج عليك فيها.
***
م ت ع يقول فضيلة الشيخ أقوم الآن ببناء منزل لي ولكن النفقة قليلة وأرغب في اقتراض مبلغ لا يزيد عن مائة ألف ريال وعندي ولله الحمد مقدرة على السداد على أقساط شهرية ولكنني متردد لما ورد من النصوص في شأن الدين فما نصيحتكم لي ولإخواني المسلمين مأجورين
فأجاب رحمه الله تعالى: نصيحتي لك ولإخواني المسلمين البعد كل البعد عن الاستدانة باستقراض أو غيره لأن الدين أمره عظيم حتى إن الشهادة في سبيل الله تكفر كل شي إلا الدين وحتى إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يصلى على من مات مدينا لا وفاء له حتى فتح الله وصار عليه الصلاة والسلام يلتزم بقضاء الديون عن الأموات ولكن إذا كنت محتاجا حاجة ملحة في كمال بيتك وعندك ما يمكنك الوفاء منه ولكنه ليس حاضرا في الوقت الحاضر واستقرضت من أحد قرض مؤجلا أو غير مؤجل فأرجوا أن لا يكون في ذلك بأس ولكن احرص كل الحرص على أن لا تستقرض ولا تستدين من أحد وسيجعل الله لك فرجا ومخرجا
***

(244/2)

يقول السائل أقرضت رجلا مبلغا من المال بعملة الدولار وقد اتفقت معه على أن يرد المبلغ بالدولار أيضا إلا أن ثمن دولار اختلف عن ذلك اليوم الذي أقرضته فيه وذلك بالزيادة وأصبح هناك فرق في السعر كبير هل هذا الفرق يعتبر ربا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا أقرض الإنسان شخصا دولارات فإنه يثبت في ذمة المقترض دولارات فقط سواء اشترط ذلك أم لم يشترط وكذلك لو أقرضه دراهم سعودية فإنه يثبت له في ذمته دراهم سعودية سواء اشترط ذلك أم لم يشترط ولا يلزمه أي لا يلزم المقترض أن يوفي سواها سواء زادت قيمتها أم نقصت أم بقيت على ما هي عليها فإذا أقرضه الدولار وهو يساوي خمس ريالات مثلا ثم زاد سعره حتى صار يبلغ عشرة ريالات فإنه يلزمه أن يوفيه دولارات ولو زادت عليه القيمة بالنسبة للريال السعودي ولو أقرضه دولارات وهي تساوي وقت القرض الدولار خمسة ريالات ثم نقص الدولار حتى صار لا يساوي إلا ثلاثة فإنه لا يلزمه إلا الدولارات المهم أن من اقترض شيئا لم يثبت في ذمته إلا ما اقترضه فقط ولكن لو أراد المقترض أن يوفي المقرض من عملة أخرى واتفقا على ذلك فلا بأس ولكن بشرط أن تكون بسعر يومها وألا يتفرقا وبينهما شيء لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال (كنا نبيع الإبل بالبقيع بالدنانير فنأخذ عنها الدراهم وبالدراهم فنأخذ عنها الدنانير فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء) والخلاصة أنه لا يلزم المقترض الذي اقترض الدولارات إلا الدولارات سواء زادت قيمتها أم نقصت.
وقوله هل هذا ربا يعني لو زادت القيمة أقول ليس هذا بربا وذلك لأن الواجب عليك هو أداء ما اقترضت سواء زاد أو نقص.
***
السائل من اليمن يقول إذا اقترض شخص من الناس مبلغا ثم تغير صرف العملة فهل يرجع المال بسعره القديم أم الجديد خاصة بأن هناك عملات تغيرت أسعارها بشكل كبير جدا وضحوا لنا ذلك؟

(244/3)

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا اقترض شخص من آخر نقدا فإنه يرده إليه بجنسه يعني اقترض ريالات يمنية فإنه يردها ريالات يمنية سواء ارتفعت قيمتها أم انخفضت كما أنه لو اقترض صاعا من البر فإنه يرد صاعا من البر سواء زادت القيمة أم نقصت ولو اقترض صاعا من الرز فإنه يرد صاعا من الرز سواء زادت القيمة أم نقصت وهكذا أيضا النقد إذا اقترض نقدا فإنه يرد مثله سواء زاد أم نقص نعم لو ألغي النقد بالمرة فإنه يرجع إلى بدله يعني لو ألغي النقد الذي استلفه ووضع بدله نقد آخر فإنه يرد بدله من هذا النقد الجديد
***
سافرت في إحدى المرات إلى إحدى البلاد واقترضت مبلغا من المال من أحد الأشخاص ولكن فقدت ذلك المال وقد أخبرته بذلك فلم يصدق ولم يقتنع وأصر على أن أعطيه نقوده في وقت ضيق حدده هو فما العمل وهل يلزمني دفع ماله حتى لو كان سرق مني؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا استقرضت مالا من شخص فإن هذا المال يكون دينا في ذمتك ويكون المال الذي استقرضته ملكا لك وعلى هذا فإذا سرق أو احترق أو سقط وضاع فإنه على نصيبك وليس على نصيب المقرض بل المقرض ثبت حقه في ذمتك دينا عليك فعيك أن توفيه إياه وعلى هذا فالذي يطالبك بما أقرضته يجب عليك أن تؤديه إليه لأنه كما قلت إذا كان قد أقرضك فأنت تملك المال المقرض ويبقى سداده دينا في ذمتك توفيه لصاحبه وكونه عينه لمدة معينة هو على ما اتفقتم عليه إذا كان قد أقرضك إلى شهر أو إلى سنة أو إلى أكثر أو أقل فإنه يكون على ما اتفقتما عليه ويتعجل بحسب التأجيل أو بحسب الأجل الذي اتفقتما عليه هذا هو الصحيح في هذه المسألة أن القرض يجوز تأجيله ولا يجوز للمقرض إذا أجله أن يطالب به قبل تمام الأجل وإن كان بعض أهل العلم رحمهم الله يقولون أن القرض لا يتأجل بتأجيله وأما المقرض لو أجله فله أن يطالب به قبل الأجل وأن الأجل عندهم لاغ والصواب أن الأجل إذا اتفق عليه ثابت لا تجوز المطالبة بالقرض قبل أن يتم.

(244/4)

فضيلة الشيخ: وهذا المال الذي سرق منه يضمنه لصاحبه حتى لو كان سرق من حرز؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا المال مال المقترض ما دام قرضا فهو في ملك المقترض وثبت في ذمته نعم لو كان المال وديعة يعني قال له خذ هذا المال عندك وديعة أو خذ هذا المال أده إلى أهلي في البلد الفلاني فحينئذ إذا ضاع هذا المال بدون تفريط من هذا الذي أخذه وبدون تعد فإنه لا ضمان عليه أما إن فرط ووضعه في مكان ليس محرزا أو تعدى فأنفقه لحاجته فإنه بذلك يكون ضامنا فأما إذا لم يكن تعد ولا تفريط وكان المال لصاحبه وديعة عند هذا الرجل أو أعطاه إياه ليدفعه إلى شخص أو إلى أهله في بلد آخر وضاع بلا تعد ولا تفريط أو سرق فإنه لا شيء عليه.
***
عبد اللطيف رسلان من المدينة المنورة يقول سمعت في أحد البرامج الدينية التي تتحدث عن الربا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال (كل قرض جر نفعا فهو ربا) وكرر هذا القول على أنه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وحسب ما أعرفه من اطلاعي على بعض الكتب وبخاصة كتاب التاج الجامع لكتب السنة الصحيحة لم أر هذا النص مسندا للنبي عليه السلام وكل ما أعرفه أنه قاعدة فقهية فأرجو التكرم بإفادتي عن المرجع وراوي هذا الحديث؟

(244/5)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث ضعيف في عزوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولكن معناه صحيح وذلك لأن القرض إنما يقصد به الإرفاق ودفع حاجة المقترض فإذا تعدى إلى أن يشتمل على منفعة للمقرض مشروطة أو متواطأ عليها فإنه يخرج عن موضوعه الذي من أجله شرع وإلا ففي الحقيقة لولا أنه من أجل الإرفاق لكان يحرم أن تعطي شخصا درهما ثم يعطيك بعد مدة عوضه درهما آخر لأن هذا في الحقيقة ربا نسيئة إذ هو مبادلة نقد بنقد مع تأخير القبض لكن لما تضمن الإرفاق والإحسان ودفع الحاجة أبيح بهذا الغرض فإذا جر منفعة إلى المقرض خرج عن موضوعه الذي من أجله أبيح وعلى هذا فكل منفعة يكتسبها المقرض من هذا القرض فإنه إذا كان ذلك باشتراط أو مواطأة يكون محرما عليه هذا الأمر وكذلك أيضا لو أن المقرض صار يأخذ بدون اشتراط ويقبل الهدية من هذا الرجل المقترض فإن أهل العلم يقولون إن كان من عادته أن يهدي إليه فليقبل وإن لم يكن من عادته أن يهدي إليه وإنما أهدى إليه من أجل القرض فإنه لا يجوز له قبول هذه الهدية إلا أن ينوي مكافأته عليها أو احتساب ذلك من دينه.
***
المستمع محمد نبيل الزرقاء مصري مقيم بحائل يقول احتجت في يوم ما إلى مبلغ من المال فأعطاني صديق ذهبا لكي أبيعه لسد حاجتي وطلب مني أن أرد له قدر وزن الذهب ذهبا آخر جديدا وأن أضيف للوزن عددا من الجرامات يعطيني قيمتها نقدا فمثلا أعطاني ذهبا مستعملا وزنه خمسين جراما على سبيل الدين وطلب مني أن أرد له هذا الوزن ذهبا جديدا وأن أضيف للوزن ثلاثين جراما وزنا جديدا وأعطيه قيمتها نقدا وقد اتفقت بدل أن أعطيه قيمتها نقدا أن ينقص قدرها من الذهب القديم فهل في مثل هذا التعامل إثم أم يجوز؟

(244/6)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن القرض من الإحسان فإذا أقرض الإنسان شخصا محتاجا فإن في ذلك إحسانا إليه والله يحب المحسنين ولهذا كان مندوبا إليه ولكن يجب في هذا القرض أن يتمشى مع أحكام الشرع فإذا أقرضك شيئا فإنك ترد مثله إذا أقرضك حليا ذهبا ترد مثله وإذا أقرضك ثوبا ترد مثله من غير زيادة في العدد ولا في الكيفية فإذا شرط عليك المقرض أن ترد أجود منه أو أكثر منه كان ذلك محرما وربا وذلك لأن القرض إرفاق وليس معاوضة وطمعا فإذا عدل به عن جهة الإرفاق إلى جهة المعاوضة والطمع صار بيعا ومعلوم أن بيع الذهب بالذهب لا يجوز إلا يدا بيد مثلا بمثل وعلى هذا فإن ما صنعته مع صاحبك في استقراض الحلي بهذا الشرط محرم ولا يجب عليك الآن إلا أن ترد له مثلما أخذته منه والذي اشترط عليك من الزيادة يعتبر شرطا لاغيا لا يجوز لك الوفاء به فضلا عن كونه يجب عليك الوفاء به فعليكما جميعا أن تلتزما بما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم يقول (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط قضاء الله أحق وشرط الله أوثق) فإذا كان هكذا فإن الواجب على المؤمن بالله ورسوله أن يتبع ما جاء به الشرع في عباداته ومعاملاته والخلاصة أنه إذا أعطاه هذا الذهب قرضا والمقترض هو الذي يبيعه لنفسه فإذن المقترض ثبت الآن في ذمته حلي ما ثبتت دراهم أما إذا كان هذا المقرض أعطاه هذا الذهب وقال خذ هذا بعه على ملكه هو فإذا بعته فقد أقرضتك ثمنه فمعنى هذا أنه اقترض الآن دراهم وليس ذهبا وحينئذ فيرد عليه مثل الدراهم التي باع بها هذا الحلي أما إذا كان أقرضه نفس الحلي فإنه يرد عليه مثل حليه بوزنها وكيفيتها إذا أمكن أو بأقل إذا رجا المقرض لأنه إذا أعطاه دون حقه دراهم هذا لا بأس به وهو خير أيضا.
***

(244/7)

السائل محمد أ. أ. من القصيم يقول شرعت في بناء فيلا وأثناء البناء قال أحد الإخوان أريد أن أشتريها منك فوعدته بأني سأبيعه هذه الفيلا وطلبت منه الإشراف عليها مقابل أجرة له وبدأ يعمل وانتهت المبالغ التي عندي فبدأ يخرج من ماله الخاص وبعد نهاية العمارة بعتها وخصمت الدين الذي له هل هذا قرض جر نفعا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ليس قرضا جر نفعا لأن المنتفع هو المشتري أيضا ولكن ليحذر الإنسان أن يبيع الفيلا أو الدار أو الشقة قبل تمام بنائها لأن مثل هذه الأمور لا يمكن إدراكها بالوصف فإذا بيعت بالوصف فقد لا يأتي الوصف على ما أراده المشتري ولهذا قال أهل العلم يشترط أن يكون المبيع معلوما برؤية أو صفة في غير الدار ونحوها مما لا يمكن أن يحيط به الوصف.
***
سائل من جمهورية مصر العربية أ. أ. يقول اقترضت من زوجتي مبلغ ألف جنيه منذ عام ألف وتسعمائة وخمسة وثمانين وهي الآن تريد أن أرجع ذلك المبلغ ألفي جنيه فما الحكم في ذلك مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: اقترضت من زوجتك ألف جنيه فثبت في ذمتك ألف جنيه فقط هي الآن تطالبك بألفي جنيه وليس لها الحق في هذا وليس لها إلا ما أقرضتك فقط وهو ألف جنيه وما زاد على ذلك فإنه لا يلزمك حتى لو اتفقت معها من قبل على أن تعطيك ألف جنيه بألفي جنيه فالاتفاقية لاغية باطلة لأنه ربا والربا في كتاب الله محرم وفي سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ملعون فاعله وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط.
***
ما رأيكم فيمن يقرض أخاه قرضا لأجل غير مسمى على شرط أن المقترض يدفع للمقرض كل يوم مائة ريال أو أكثر أو أقل من البضاعة التي يتاجر فيها فما حكم ذلك فتح الله علينا وعليكم؟

(244/8)

فأجاب رحمه الله تعالى: حكمه أن هذا شرط فاسد ولا يحل للمقرض أن يكتسب شيئا من وراء هذا القرض لا مالا ولا عينا ولا منفعة ولا إجارة ولا شيئا أبدا لأن القرض إحسان محض فإذا دخلته المعاوضة والمزايدة صار بيعا وصار ربا مثلا إذا أعطيتك عشرة ريالات قرضا ثبت في ذمتك عشرة ريالات تعطيني إياها متى تيسر لك ولو كان هذا بيعا لم يصح لو قال بعتك عشرة ريالات بعشرة ريالات ولم يحصل التقابض صار بيعا فاسدا لكن لما كان الإقراض إحسانا والإحسان مطلوب وفائدة الإحسان هذه عكس ما يريده المرابون أحله الشرع، أن تقرض بعشرة ويعطيك عشرة فإذا اشرطت عليه أن يعطيك اثنتي عشرة عن عشرة صار هذا معاوضة ودخل في باب البيوع فصار ربا ولهذا ذكر العلماء رحمهم الله في هذا قاعدة مفيدة وقالوا (كل قرض جر منفعة فهو ربا).
***
هذا المستمع إبراهيم ناصر يقول فضيلة الشيخ ما الحكم إذا أعطيت شخصا مبلغا من المال مثلا خمسة آلاف ريال ثم قلت له بعد سنة ترجعها سبعة آلاف ريال هل هذا يجوز أم لا أفيدونا بهذا مأجورين؟

(244/9)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السائل يقول ما حكم ما إذا أعطيت شخصا خمسة آلاف ريال ويردها لي بعد سنة سبعة آلاف ريال هل هذا جائز أو لا؟ والجواب على ذلك أن هذا ليس بجائز بل هذا ربا جامع بين ربا الفضل وربا النسيئة ربا الفضل بما حصل من الزيادة وربا النسيئة بما حصل من تأخير القبض فهو حرام والربا خطره كبير وعقوبته وخيمة قال شيخ الإسلام رحمه الله أعني به ابن تيمية قال إنه لم يرد في النصوص وعيد مثل ما ورد من الوعيد على الربا في ذنب دون الشرك أي أنه أعظم ما ورد في الوعيد مما دون الشرك فمن ذلك قوله تبارك وتعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون (130) واتقوا النار التي أعدت للكافرين) فإن هذه الآية تدل على أن من تعاطى الربا أضعافا مضاعفة فإن وعيده النار وثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أنه لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء) أي في اللعن لأنهم متعاونون على ذلك والنصوص في هذا كثيرة متعددة ولا يغرنك أيها الأخ المؤمن تهاون الناس في هذا الأمر وتكاثرهم عليه فإن الله تعالى يقول في كتابه (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) وعليك باتباع الوحيين الكتاب والسنة واتباع سلف الأمة فإن هذا هو الحق وليعلم أن ما حصل من زيادة من الربا فإنه في الحقيقة نقص ، نقص في دين العبد ونقص في بركة مال العبد وإثم وعقوبة على العبد أما كونه نقصا في دينه فلأن المعاصي تنقص الإيمان وتخرقه وربما تمزقه أشلاء والعياذ بالله فإن المعاصي ولاسيما الكبائر كأكل الربا بريد الكفر كما قال ذلك أهل العلم لأن المعصية تؤثر في القلب فإذا جاءت الأخرى زاد التأثير وهكذا حتى يطبع على القلب فلا يصل إليه الخير ولاسيما كبائر الذنوب كالربا وأما كونه نقصا في مال العبد فلأن الكسب

(244/10)

الحرام وإن زاد المال كمية به فإنه ينقص كيفية تنزع منه البركة و يلقى في قلب صاحبه الشح حتى لا ينتفع بماله والعياذ بالله فيخلفه إلى من بعده ويكون عليه غرمه ولغيره غنمه وهذا مشاهد ولهذا تجد أكثر الناس شحا وإمساكا هم الذين يتلقون ما يسمونه بالأرباح على وجه المحرم واستمع إلى قول الله تعالى (وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون) وأما كونه عقوبة وآثاما فلما سمعت أيها المؤمن من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية فالواجب عليك أن تتوب إلى الله وتقلع عن الربا ولا تغتر بما يتكلم فيه الناس من أن هذا يفيد البلد اقتصاديا وأن فيه مصلحة للآخذ والدافع فإنه والله وإن زاد البلد اقتصاديا من حيث الكمية فإنه يزيده شرا وفسادا من حيث الآثار والعقوبات وإن شيئا قليلا من المال الحلال خير من أضعاف أضعافه من المال الحرام وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن من كسب مالا من محرم فإنه إن أنفقه لم يبارك له فيه وإن تصدق منه لم يقبل منه وإن خلفه كان زاده إلى النار) وليحذر آكل الربا أو غيره مما حرمه الله ليحذر مما قاله النبي عليه الصلاة والسلام فيه حيث ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم) وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك) فاستبعد النبي صلى الله عليه وسلم الاستجابة لآكل الحرام فهل ترضي أن

(244/11)

تمد يديك إلى ربك يا رب يا رب ثم لا يقبل منك من أجل لقمة أكلتها حرمها الله عليك من أجل أنك تغذيت بالحرام فهو طعامك وشرابك ومسكنك فاتق الله يا أخي المسلم وتعامل بالمعاملات الجائزة المباحة ينزل الله لك البركة في كسبك وفي رزقك واتق الله وأجمل في الطلب فإنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها نسأل الله أن يحمينا وإخواننا مما يغضبه علينا وأن يرزقنا الاستقامة في ديننا والصلاح في ديننا ودنيانا.
***
المستمع علي القباطي يقول رجل اقترض مالا من رجل ولكن المقرض اشترط أن يعطى قطعة أرض زراعية من المقترض رهنا بالمبلغ يقوم بزارعتها وأخذ غلتها كاملة أو نصفها والنصف الآخر لصاحب الأرض حتى يرجع المدين المال كاملا كما أخذه فيرجع له الدائن الأرض التي كانت تحت يده ما حكم الشرع في نظركم يا شيخ محمد في مثل هذا القرض المشروط

(244/12)

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا السؤال إن القرض من عقود الإرفاق التي يقصد بها الرفق بالمقترض والإحسان إليه وهو من الأمور المطلوبة المحبوبة إلى الله عز وجل لأنه إحسان إلى عباد الله وقد قال الله تعالى (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) فهو بالنسبة للمقرض مشروع مستحب وبالنسبة للمقترض جائز مباح وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استسلف من رجل بكرا ورد خيرا منه) وإذا كان هذا العقد أعني القرض من عقود الإرفاق والإحسان فإنه لا يجوز أن يحول إلى عقد معاوضة وربح أعني الربح المادي الدنيوي لأنه بذلك يخرج عن موضوعه إلى موضع البيع والمعاوضات ولهذا تجد الفرق بين أن يقول رجل لآخر بعتك هذا الدينار بدينار آخر إلى سنة أو بعتك هذا الدينار بدينار آخر ثم يتفرقا قبل القبض فإنه في الصورتين يكون البيع حراما وربا لكن لو أقرضه دينارا قرضا و أوفاه بعد شهر أو سنة كان ذلك جائزا مع أن المقرض لم يأخذ العوض إلا بعد سنة أو أقل أو أكثر نظرا لوجود جانب الإرفاق وبناء على ذلك فإن المقرض إذا اشترط على المقترض نفعا ماديا فقد خرج بالقرض عن موضوعه الأصلى وهو الإرفاق فيكون حراما والقاعدة المعروفة عند أهل العلم أن كل قرض جر منفعة فهو ربا وعلى هذا فلا يجوز للمقرض أن يشترط على المقترض أن يمنحه أرضه ليزرعها حتى ولو أعطى المقترض سهما من الزرع لأن ذلك جر منفعة من المقرض يخرج القرض عن موضوعه الأصلى وهو الإرفاق والإحسان.
***
لدي قطعة أرض زراعية ولا أريد زراعتها وأنا محتاج لمبلغ من المال فهل يجوز أن آخذ المبلغ من أحد الأشخاص على أن أرهن له الأرض ليزرعها لمدة ثلاث سنوات ثم بعد ذلك أدفع له ماله وآخذ أرضي فهل هذا جائز أم لا؟

(244/13)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا غير جائز لأنه من الربا فإنك إذا استقرضت منه مالا ومنحته أرضك صار هذا قرضا يراد به المعاوضة وهو قرض جر منفعة وقد قال أهل العلم كل قرض جر منفعة فهو ربا فهذا الرجل لولا أنك أعطيته الأرض ليزرعها وينتفع بها ما أقرضك وحينئذ يكون القرض مقصودا به المعاوضة لا الإرفاق وأصل جواز القرض أنه إرفاق وإلا لكان حراما ووجه ذلك أنك لو أردت أن تشتري من إنسان درهما بدرهم بدون قبض في المجلس فإنه يكون ربا لكن إذا استسلفت منه درهما على وجه القرض وستعطيه له بعد مدة صار ذلك جائزا لماذا لأنه لا يقصد بهذا القرض المعاوضة والاتجار والتكسب وإنما يراد به الإرفاق بالمحتاج فإذا خرج عن مقصوده الأصلى وهو الإرفاق إلى المعاوضة والمرابحة صار داخلا في الربا لأن ذلك هو الأصل في إبدال الدراهم بالدراهم ومن ثم نقول كل قرض جر منفعة للمقرض فإنه ربا فهو حرام ولا يجوز.
فضيلة الشيخ: ما هو الفرق بين هذه الحالة وبين الرهن؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الرهن يكون للراهن لا للمرتهن فالمرتهن غاية ما فيه أنه يتمكن من التوثق في حقه فقط وإذا حل الأجل ولم يوف بيع هذا الرهن ولم يأت المرتهن إلا مقدار حقه فقط يعني لا يأخذ أزيد فإذا رهنت هذا البيت أو هذا العقار بمائة ألف وحل الأجل ولم توف فإنه يباع ويستلم المرتهن مقدار ماله فقط والباقي يرده عليك فإذا لم يحصل له إلا مجرد التوثقة في حقه.
***
إذا كان شخص عنده دين لشخص ما وأعطاه حاجة ثمنها يساوي هذا الدين الذي عنده هل هذا العمل جائز؟

(244/14)

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز للدائن إذا أهدى إليه المدين شيئا أن يقبل منه إلا إذا نوى احتسابه من دينه أو نوى مكافأته بمثله أو أحسن منه مثال ذلك لو كان لشخص على آخر مائة ريال ثم أهدى إليه المطلوب ما يساوي خمسين ريالا فإنه لا يجوز له قبوله إلا إذا أراد أن يخصمه من دينه ويبقى على المدين خمسين ريالا فقط أو إذا نوى مكافأته عليه بإعطائه ما يساوي خمسين أو أكثر أما أن يأخذ هذه الهدية التي تساوي نصف دينه ثم يطالب بدينه كاملا فإن ذلك لا يجوز.
***
يقول السائل ماحكم من أخذ مبلغا من المال وقدره ما يقارب عشرين ألف ريال ثم أنكر هذا المبلغ وجحده حيث لا توجد ورقة ولا يوجد شهود وقال سوف أتحمل الضرب والسجن ولكن لن أدفع ريالا واحدا مع العلم بأن هذه سلفة وهل يعتبر السلف دينا أم ماذا أفتونا في هذا السؤال وجزاكم الله خيرا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يحل للإنسان أن يجحد ما يجب عليه لأخيه لا من قرض ولا من ثمن مبيع ولا من أجرة بيت أو سيارة أو غير ذلك فمن فعل واقتطع هذا المال بيمين كاذبة لقي الله وهو عليه غضبان والعياذ بالله والسلف إحسان من المسلف إلى المستسلف أي من المقرض إلى المقترض وعجبا من هذا الرجل الذي قابل هذا الإحسان بالإساءة والعياذ بالله فأنكر فهذا إثمه أعظم من إثم من لا منة عليه بالدين الذي عليه وسؤال السائل هل السلف من الدين أم لا نقول نعم هو من الدين لأن الدين شرعا كل ما ثبت في الذمة فهو دين سواء كان ثمن مبيع أو أجرة أو قرضا أو غير ذلك.
***
إذا مات المدين وهو لم يستطع سداد ما عليه من دين لأنه معسر هل يأثم؟

(244/15)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا يبني على استدانته إن كان أخذ أموال الناس يريد أدائها فإنه لا يأثم ويؤدي الله عنه وإن كان أخذها يريد إتلافها فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) ولذلك يجب على الإنسان إذا استدان شيئا أن ينوي الوفاء والأداء حتى ييسر الله له الأمر حتى لو اشترى سلعة بثمن لم ينقده للبائع فإنه ينوي الأداء حتى ييسر الله له ذلك.
***
أبو طارق يقول أرجو أن تفتوني مأجورين عن الاشتراك في الجمعيات التي يدفع كل واحد فيها مبلغا من المال في كل شهر كل واحد يدفع عشرة جنيهات ثم يأخذها واحد منهم بترتيب يتفقون عليه.
فأجاب رحمه الله تعالى: لا باس بهذا لأن هذا من باب التعاون وإقراض المحتاجين فمثلا إذا كانوا عشرة واتفقوا على أن يبذل كل واحد منهم ألف ريال ويعطى واحدا حصل لهذا الواحد إضافة تسعة آلاف على مرتبه وهذا قد ينفعه أحيانا وهو من باب التعاون وسد حاجات الآخرين ولا حرج فيه إطلاقا وأما ما توهمه بعض الناس من أنه قرض جر نفعا فيقال أين النفع الرجل أقرض ألفا وعاد عليه ألف فقط وحين إذن لم يكن القرض قد جر نفعا إلى المقرض لأنه أقرض ألفا واستوفى ألفا والمسألة والحمد لله ليس فيها إشكال وإن اشتبهت على بعض الناس.
***
مجموعة من الأشخاص يشتركون في جمعية في آخر كل شهر يستلم كل شخص مبلغا من المال يسمونها الجمعية فما رأيكم هل هذا يعتبر ربا أم حلال أرجو من فضيلتكم توضيح ذلك؟

(244/16)

فأجاب رحمه الله تعالى: صورة المسألة فيما نعلم عن هذه الجمعية أن يكون هناك جماعة موظفون يعطون كل واحد منهم ألف ريال من الراتب مثلا فيعطون لرقم واحد كل واحد منهم يعطيه ألف ريال فإذا قدرنا أنهم عشرة صار هذا الواحد يأخذ في أول شهر عشرة آلاف ريال وراتبه ثم في الشهر الثاني يكون هذا للثاني إلى أن يتم العشرة وهذا جائز ولا إشكال في جوازه وهو من التعاون على البر والتقوى ومن سد حاجات الإخوان وليس هذا من باب كل قرض جر منفعة فهو ربا لأنه لم يجر للمقرض شيئا إذ أنه لم يأته أكثر مما أقرض فهو أقرض تسعة آلاف كل شهر ألف وسيأخذ تسعة آلاف فقط وأما كونه انتفع باجتماع العشرة آلاف في أول شهر عنده فهو حق كل إنسان يقرض شخصا ثم يستوفي منه سوف يحصل له الشيء مجموعا في آن واحد ولا يضر على كل حال هذه المعاملة جائزة ولا إشكال فيها.
فضيلة الشيخ: وقد يتفقون يا شيخ محمد فيقول هذا الأول وهذا الثاني وهذا الثالث وقد يضعون قرعة في هذا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا اتفقوا على أن فلانا هو الأول وفلان هو الثاني فالأمر واضح وإن اقترعوا في الشهر الثاني لا يدخلون الأول معهم في القرعة لأنه قد أخذ حقه.
***
سائل من الأحساء يقول بأنه مشترك في جمعية أي يضع المشتركون سهما من أموالهم ويكون السهم مثلا بألف ريال ليجمعوا مبلغا يستلمه الشخص لقضاء حاجاته في نهاية كل شهر فلو كان مقدار الشهور اثنا عشر شهرا واستلم هذا الشخص حصته في الشهر الثاني عشر هل يكون في ذلك زكاة بعد أن أكتمل نصاب المال أفيدونا بذلك؟

(244/17)