ترجمات معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية.doc





ترجمات معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية

ومراعاة خروج الكلام عن مقتضى الظاهر:

دراسة تطبيقية على بعض آيات من الذكر الحكيم






د. أحمد بن عبدالله بن محمد البنيان







المقدمة


بسم الله والحمد لله القائل ]إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [ (الحجر:9)، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

يعرّف الأصوليون والفقهاء وعلماء العربية القرآن بـ"الكلام المعجز، المنـزل على محمد عليه السلام المكتوب في المصاحف العربية، المنزل عليه(0) بالتواتر والمتعبد بتلاوته"(0). فالقرآن معجزة الرسول الكريم محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وهي معجزة عقلية فريدة.    "والعرب وغير العرب عجزوا ويعجزون عن الإتيان بمثل هذا القرآن.    ذلك بأن ما جاء به هو فوق تفكير الرسول الأمي وفوق تفكير المجتمع"(0). وفي ذلك يقول تعالى: ]قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله[ (الإسراء:88).

ويضيف البنداق أن من "جوانب إعجاز القرآن البياني، على سبيل المثال: فصاحة كلماته، وبراعة نظمه، وجزالة أسلوبه، وبلاغته في الدلالة على معانيه، ثم اشتماله على أخبار الغابرين، وعلى أمور الغيب، وعلى التشريعات الروحية والأدبية والاجتماعية والسياسية والمالية وعلى كثير من العلوم والمعارف التي كشف العلم وما يزال يكشف عنها" (0).

إن الترجمة من العربية إلى الإنجليزية تتطلب فهم أسرار اللغة العربية من حيث معرفة عدة علوم تتصل باللغة اتصالاً وثيقاً مثل علوم البلاغة والمعاني والبيان والبديع والنحو والصرف، ومعرفة المحسنات اللفظية والسجع وأغراض التقديم والتأخير اللغوي وأسلوب الحذف والإيجاز والإطناب والمعرفة والنكرة والتأكيد والحال وأنواع المفاعيل وغير ذلك.

نتساءل: ما المقصود بالترجمة في هذا السياق؟    هل هي تفسير الكلام بلغة غير لغته؟    أو نقل الكلام من لغة إلى أخرى بكل معانيه ومقاصده حسب معنى الترجمة العرفي العام؟    هناك شبه اتفاق بأن المعنى المقصود بالترجمة عندما تقترن بالقرآن الكريم هو تفسير الكلام بلغة غير لغته لأنه ليس بمقدور أحد نقل كل كبيرة وصغيرة من المعاني التي يتضمنها النص القرآني(0).

لقد شغلت ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية حيزاً من تفكير الهيئات الدينية الإسلامية والباحثين من حيث جواز ترجمة القرآن من عدمها. إن من أصحاب المذاهب والعلم من لم يجز ترجمة القرآن لعدم إمكان ذلك بمعانيه الأصلية ومعانيه البيانية التي اشتمل عليها القرآن. وقد أوضح بعض الباحثين(0) أن المنع من الترجمة مخصوص بالتلاوة فقط؛ أما ترجمته للعمل به فإن ذلك جائز للضرورة. (مثال على ذلك ما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم من الكتابة إلى قيصر بآية واحدة محكمة لمعنى واحد: وهو توحيد الله والتبرُّؤ من الشرك). فممّا لا شك فيه أن هذه الآية ستترجم لقيصر. وبالمقابل نجد أن هناك دراسات تحرم ترجمة القرآن الكريم، مثل دراسة للشيخ محمد رشيد رضا بعنوان "ترجمة القرآن وما فيها من المفاسد ومنافاة الإسلام". وقد اعتمد الأزهر قراراً نهائياً يقضي باستحالة ترجمة القرآن الكريم، وإمكان ترجمة معانيه(0). ومع ذلك هناك من يقول باستحالة ترجمة القرآن لفظاً ومعنىً(0).

هناك شبه إجماع على أن أول ترجمة للقرآن الكريم باللغات الأوروبية كانت باللاتينية، وكان ذلك سنة 1143 للميلاد.    وقد تمت هذه الترجمة على يد راهبين (الأول إنجليزي والآخر ألماني) يدعيان روبرت الرتيني (Robert de Retina) و هرمان (Hermann).    وأشرف على هذه الترجمة رئيس دير كلوني بجنوب فرنسا الراهب بطرس المبجل (Pierre le venerable).    ولم يتم طبع هذه الترجمة إلا في عام 1543م، وأصبحت أساساً للترجمات إلى عدد من اللغات الأوروبية(0). وهناك من يقول إن هذه لم تكن أول ترجمة للقرآن حيث لا يعرف على وجه التحديد من أول من ترجم القرآن الكريم؟ ولا متى كان ذلك؟ و لا أين؟(0).

أما بالنسبة لأول ترجمة قام بها مسلم فهي للدكتور عبدالحكيم خان فقد تم طبعها في مدينة بتيالا بالهند عام 1323هـ-1905م.(0)

وأما ما يختص بهذا البحث فإن أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم باللغة الإنجليزية قام بها أليكزندر روس (Alexander Ross) وعنوانها "قرآن محمد" وهي مليئة بالأباطيل، ومنها أن محمداً عليه الصلاة والسلام كان نبي الأتراك ومؤلف القرآن(0). ويضيف أبو فراخ(0)أن هذه الترجمة المطبوعة في عام 1649م اعتمدت على ترجمة فرنسية.    وهذا يؤكد أن هناك من ترجم القرآن من غير الرجوع إلى أصله العربي.    وقد جاء في نص الإعلان عن الترجمة الإنجليزية الأولى ما مفاده أن هذه الترجمة تمت لإشباع رغبات الذين يحاولون استقصاء أسباب الافتراءات التركية (يقصد القرآن).

ويذكر البنداق(0)أن هناك 86 ترجمة للقرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية(0)وهذا العدد يرجع إلى ما قبل طباعة كتاب المؤلف، حيث مما لا شك فيه قد زادت ترجمات معاني القرآن الكريم فوق هذا العدد بكثير، ولم يتوافر لدى الباحث حصر بعددها جميعاً.

ومع تزايد ترجمات معاني القرآن الكريم، نجد أنفسنا بحاجة ماسة إلى دراسات جادة لنقد وتمحيص تلك الترجمات التي لا زالت تتمتع بالتأثير والتأثر.

أهمية الدراسة وأهدافها

إن أهمية هذه الدراسة تنبع من أهمية ما تتحدث عنه ألا وهو القرآن الكريم وترجمته إلى اللغة الإنجليزية، فشرف العلم يتعلق بشرف المعلوم.    فهناك حاجة ماسة لدراسات جادة تتصدى لنقد ترجمات معاني القرآن الكريم من نواحٍ لغوية عديدة، ولاسيما من حيث إشكال نقل المعنى.    وأحسب أن هذا البحث يعد أحد تلك الدراسات، وأولها من حيث الموضوع الذي تبحث فيه (على حد علم الباحث).

يهدف هذا البحث إلى تحقيق الآتي:

(1) تبيان ما إذا كان هناك اختلافات بين النص القرآني والنص الإنجليزي من الناحية البلاغية(0).

(2) توضيح أي اختلافات أو تشابه بين ترجمات معاني القرآن الكريم في هذا الصدد.

              (3) تقديم بعض التوصيات التي تعين على الرفع من كفاءة ترجمات القرآن.

أسئلة الدراسة

على ضوء ما سبق، تتحدد أسئلة هذا البحث فيما يلي:

  1. هل تراعي ترجمات معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية أحد أساليب القرآن البلاغية وهو "خروج الكلام عن مقتضى الظاهر"؟

  2. هل هناك اختلاف بين ترجمات معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية في هذا الخصوص؟

  3. ما أهم التوصيات التي يمكن أن تسهم في الرفع من كفاءة ترجمات القرآن؟

الدراسات السابقة

يواجه المترجم مسألة نقل المعنى من خلال فهمه للبناء اللفظي للنص. فكيف يتم التوفيق بين نقل المعنى واستبدال اللفظ؟    يوضح عناني(0)أن بمقدور المترجم أن ينقل معنى الآية الكريمة كاملاً دون محاكاة البناء اللفظي.    ويضيف أن "القرآن كتاب لا زمني، أي أنه فوق الزمن؛    ومن ثم فمعانيه تقدَّم في كل عصر في الثوب اللفظي لذلك العصر دون أن يؤثر ذلك فيها".    وهذه المقولة غير دقيقة؛ إذ إن اللفظ القرآني ذو خصيصة بحيث يعطي إضافات معنوية عميقة ليس من السهل على اللغات الأخرى محاكاتها.    فإذا قلنا إن باستطاعة المترجم أن يترجم المعاني السطحية، فإنه ليس من السهل عليه نقل المعاني العميقة التي يتضمنها النظم القرآني إلى لغة أخرى.

في هذا الصدد يقسم كثير من الباحثين(0) المعاني القرآنية إلى معان أصلية ومعان ثانوية تابعة للمعاني الأصلية.    فمن الممكن نقل المعاني الأصلية إلى اللغات الأخرى حيث يستوي في نقلها الكلام البليغ وغير البليغ. أما بالنسبة للمعاني الثانوية فيصعب-إن لم يكن من المستحيل-ترجمتها إلى لغة أخرى.

عن هذا الأمر يقول الندوي(0) إنه بما أن "القرآن الأصل الأول للشريعة الإسلامية، ونظام حياة للفرد والمجتمع، وهداية للناس إلى ما فيه صلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، فيرجع إلى المعاني الأصلية التي يشترك في تفهمها وأدائها جميع الناس، وتقوى عليه جميع اللغات، وهذا النوع من المعاني يمكن ترجمته حتى يستفيد منه من لا يعرف العربية من المسلمين".

بالنسبة للمعاني الثانوية التابعة للمعاني الأصلية، فلا يتأتى نقلها إلى أية لغة من اللغات؛ لأن النظم القرآني بليغ الأسلوب، يصل إلى حد الإعجاز، فيفيد بالإشارة ما تعجز عنه العبارة، وبالفحوى ما لا مطمع بعده لزيادة حسن وكمال بيان(0).

بالإضافة إلى ذلك، يؤكد ذاكر أن النص الإلهي يحتمل عدة تفاسير وبالتالي عدة معان؛ وعليه فإن المترجم لن يقدم إلا أحد معاني القرآن.    ويروي عن محمد الحجوي الثعالبي قوله .. إننا علينا أن نعتبر "كل ترجمة للقرآن تفسيراً فقط لبعض معانيه، وشرحاً من جملة الشروح وليست عينه"(0).

ويؤكد عبدالرحيم أن ما سبق يعد أحد الأمور التي تدعو إلى استحالة ترجمة القرآن الكريم سواء أكانت تلك الترجمة حرفية أم معنوية؛ وأن هناك أموراً أخرى تدل على استحالة ترجمة القرآن:

  1. في القرآن الكريم ما لا يوجد في لغات أخرى من جوامع الكلم (كالبر والتقوى والإحسان)، والكلمات المترادفة (كالأسماء الموضوعة ليوم القيامة مثل الواقعة والقارعة والطامة والصاخة والحاقة والغاشية) التي تفيد كل منها معنى زائداً على المعنى الأصلي، الأمر الذي يتعذر فيه نقل المعاني المقصودة في الآيات الكريمات إلى لغات أخرى.

  2. وجود المتشابه في القرآن حيث الاختلاف في معرفة المراد منه حاصل بين العلماء، فكيف يستطيع أحد من البشر أن ينقله إلى غير لغته التي نزل بها، وهو لا يعلم حقيقة معانيه كلها أو بعضها؟

  3. عدم قيام الرسول r أو أحد من أصحابه بترجمة القرآن؛    ولو كان ذلك ممكناً لفعلوه من قبل.

بالنسبة للأمر الأخير فبعض الروايات(0) تشير إلى أن سلمان الفارسي قام بترجمة سورة الفاتحة أو الآية الأولى منها    ]بسم الله الرحمن الرحيم[ إلى اللغة الفارسية. وهناك من يقول إن مصادر هذا الخبر مجهولة، فلذا لا يعتد به(0).

يقسم الندوي(0) ترجمة القرآن إلى ترجمة بالمثل وترجمة بغير المثل:

1. الترجمة بالمثل هي " أن يترجم نظم القرآن في لغة أخرى، في المفردات والتراكيب والنسق والأسلوب لتقوم الترجمة مقام الأصل العربي، ولتحمل الترجمة ما يحمله النص القرآني من المعاني بمحكمها ومتشابهها، وتأثير بلاغتها المعجز في القلوب ".    ويضيف أن "هذا النوع من الترجمة مستحيل عقلاً وشرعاً؛ إنه مستحيل عقلاً، لأن نقل الكلام من لغة إلى أخرى بكل ما في الأصل من المعاني والملامح وظلال اللفظ وإشارات التراكيب وجمال الأسلوب وروعة البيان مستحيل حتى في كلام البشر، فكيف به في كلام الله المعجز؟". وأما شرعاً فإنه مستحيل؛ لأن ذلك يعني "الإتيان بقرآن مماثل بلغة أخرى، وهذا أمر لن يقدر عليه إنس ولا جان".    وقد ذكر المؤلف أن بعض علماء المسلمين لم يجوزوا هذا النوع من الترجمة(0).

2. الترجمة بغير المثل: تعني أن يترجم الأصل بقدر طاقة المترجم وما تسعه لغته.    فهذا ممكن في كلام البشر.    فترجمة معاني القرآن الكريم "عبارة عن تفسير موجز للقرآن في لغة أجنبية، ويقال لها الترجمة التفسيرية، ومعناها نقل مدلول الآيات القرآنية إلى لغة أخرى بقدر طاقة المترجم، وما تسعه لغته، وبدون الالتزام بالمحافظة على الأسلوب الأصلي وبدون المحافظة على جميع المعاني المرادة منه"(0).

وفي دراسة مقارنة عن ترجمات الآيات الست الأخيرة من سورة البقرة، تؤكد الشرفاء (1995م) أهمية معرفة ثقافة لغة المصدر؛ وذلك لفهم النص المنقول منه فهماً صحيحاً، ولكي يصبح السياق واضحاً وجلياً للمترجم.    وأكدت الباحثة استخدام تعليقات مع الترجمة لتوضيح المعنى وتقريبه للقارئ.

إن أسلوب القرآن ذو خصوصية، لذا لابد أن يعتري ترجمة معانيه عدد من المشكلات.    وفي ذلك يقول الندوي إن أهم مشكلة تواجه المترجم هي مشكلة نقل المدلول الكامل لألفاظ القرآن إلى اللغة الإنجليزية وهذا يرجع لأسباب من أهمها ما يلي:

  1. اختلاف نظام التراكيب بين اللغتين العربية والإنجليزية. فنجد أن هناك مشكلة في التقديم والتأخير: مثال ذلك ترجمة:        ]إياك نعبد وإياك نستعين[ (الفاتحة:5). فمن يترجم هذه الآية مقدما ومؤخرا في ترتيب الكلمات فالمعنى الدقيق يختلف كما في ترجمة مارجليوث التالية:                  I worship Thee and seek assistance of Thine..بينما نجد أن الترجمة التي هي أقرب إلى الصواب: Thee alone do we worship and from Thee alone we seek help.    وهنا يضيف عناني(0) "أن اللغة الإنجليزية لغة غير معربة، وتعتمد على ترتيب الكلمات في الجملة لإخراج المعنى، بينما تتمتع العربية مثل اللاتينية بحرية أكبر في البناء، ومن ثم فقد يتعذر التقابل بين التراكيب البلاغية في اللغتين".

  2. عدم وجود ألفاظ في اللغة الإنجليزية موازية لمعاني الكلمات العربية، فيضطر المترجم أن يستخدم تركيباً معيناً للدلالة على لفظ مفرد، فمثال ذلك (يميت): causes death.

  3. اختلاف المدلول الزمني بين اللغتين العربية والإنجليزية بالنسبة للفعل المضارع الذي يدل على الحال والاستقبال في العربية، بينما يدل على الحال أو الاستقبال في اللغة الإنجليزية.

  4. تنوع أسماء الفاعل وكثرتها في اللغة العربية مقارنة باللغة الإنجليزية، مثل: مشرقون، قانتون، مفلحون، وغير ذلك من الأمثلة.

  5. تمتاز اللغة العربية بتتابع حروف التأكيد بخلاف الإنجليزية، مثل: ] إنا نحن نزلنا الذكر [ (الحجر:9).

  6. نجد في لغة القرآن كلمات متقاربة المعنى وبينها فوارق دقيقة… مثل العلم والمعرفة… حيث إن لكل لفظة خصيصة تتميز بها عن الأخرى في بعض معانيها وإن اشتركتا في بعضها، "فتقول: عرفت الشيء وعلمته إذا أردت الإثبات الذي يرتفع معه الجهل، إلا أن قولك: (عرفت) يقتضي مفعولاً واحداً، كقولك: عرفت زيداً، و(علمت) يقتضي مفعولين كقولك: علمت زيداً عاقلاً، ولذلك صارت المعرفة تستعمل خصوصاً في توحيد الله تعالى وإثبات ذاته، فتقول: عرفت الله. ولا تقول: علمت الله، إلا أن تضيف إليه صفة من الصفات، فتقول: علمت الله قادرا وعلمته عدلا"(0).

  7. اختلاف المترجمين في إيجاد لفظ موحد لكلمة عربية ما، مثال ذلك: ترجمة كلمة (التقوى) إلى الإنجليزية، فنجد أن لها ترجمات عدة بتعدد المترجمين:God-fearing, God-conscious, righteousness, dutiful to God, restraint from evil, self-restraint, fearful.      

يتفق البنداق مع الندوي فيما ذهب إليه، فيذكر مثالاً لعيوب ترجمات معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية، ويقول: إن البعض ترجم ما تحته خط في قوله تعالى: ] اقرأ باسم ربك [ (العلق:1) بالإنجليزية مرة Recite ومرة Read ، وظاهر الفرق بين الكلمتين واضح للعيان حيث إن Recite تعني سمّع ما تعرف، بينما Read تعني اقرأ شيئاً جديداً تتعلمه. فمن الممكن أن يفهم من هذا أن القرآن معروف من النبي وإنما يعيد تسميعه، قاتلهم الله أنى يؤفكون(0)؟

من الأمثلة الأخرى لعيوب ترجمات القرآن الكريم ما لاحظه مهنا(0) على ترجمة محمد مارمادوك بكثال للقرآن. فهنا يبين مهنا أن ترجمة بكثال عليها ملاحظات عديدة منها التالي:

  1. تغيير ترتيب كلمات الآية.

  2. ترجمة ما يفيد التقرير والتأكيد بما يفيد الاستفهام.

  3. ترجمة ما يفيد السببية بما يفقده معناها.

  4. ترجمة الجمع بالمفرد.

  5. ترجمة الماضي بالحاضر.

  6. إغفال بعض أجزاء النص فلا يترجمه ولا يشير إليه.

  7. ترجمة بعض الكلمات ترجمة حرفية لفهم خاطئ في معنى الكلمة.

  8. إبدال بعض صفات الله في ترجمة الآية بصفة أخرى.

وعليه يتفق جميع الباحثين(0) على أن ترجمات معاني القرآن إلى اللغة الإنجليزية تختلف بعضها عن بعض.    ولكن ما أسباب هذا الاختلاف؟    يجيب خان(0)عن هذا السؤال بقوله: إن هناك العديد من الأسباب التي تؤدي إلى اختلافات بين الترجمات منها على سبيل المثال لا الحصر:

  1. اختلاف المترجمين في معاني القرآن الكريم.

  2. اختلاف أهداف المترجمين وطرقهم ومدى نجاحهم في تحقيق تلك الأهداف والطرق.

وأضيف إلى ذلك سبباً مهماً وهو اختلاف مستوى المترجمين ومهارتهم في اللغتين المنقول منها والمنقول إليها.    أما شيخ الشباب فيفترض أن لغة الترجمة لغة وسيطة تختلف عن لغة المصدر واللغة المستقبلة؛ وعلى ضوء ذلك فلا بد من وجود اختلافات في الترجمات عن النص المصدر، واختلافات بين الترجمات المختلفة إلى لغة واحدة.

وأخيرا وليس بآخر، لم يجد الباحث أي دراسة لها صلة وثيقة بهذا البحث، وكل الدراسات التي اطلع عليها بعيدة عنه، رغم البحث المتواضع عن ذلك.

منهجية الدراسة وحدودها

يستخدم هذا البحث المنهج الاستقرائي والمقارن بحيث يقوم بتتبع جزئيات معينة في آيات محددة لاختبار مدى نقل البلاغة القرآنية إلى اللغة الإنجليزية من خلال ترجمتين من ترجمات معاني القرآن الكريم:

  1. ترجمة الدكتور محمد محسن خان والدكتور تقي الدين الهلالي (1978م).

  2. ترجمة الدكتور محمد محمود غالي (1417هـ).

سوف يقتصر هذا البحث على بعض الحالات البلاغية التي لها علاقة بـ"خروج الكلام عن مقتضى الظاهر"، وتعرف أيضاً بعدول الكلام عن مقتضى الظاهر(0). فمن بلاغة القرآن أن يعدل عن الظاهر، ولهذا العدول أسباب بلاغية وأغراض جمالية تكسب الكلام رونقاً وروعة.    وأنواع هذا الخروج عديدة سوف نتطرق لبعض منها وهي:

  1. وضع المضمر موضع المظهر.

  2. وضع المظهر موضع المضمر.

  3. التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي.

  4. التعبير عن الماضي بلفظ المستقبل.

  5. الالتفات.

  6. أسلوب الحكيم.

إن الإيجاز في هذا البحث سيكون أكثر من الإطناب، والإجمال أكثر من التفصيل، بسبب ما وضعته في تقديري من أن القارئ الكريم متخصص ذو خلفية عن القرآن الكريم في أساليبه ومعانيه وأهدافه، وعن أسرار اللغتين العربية والإنجليزية.


نتائج الدراسة ومناقشتها


  1. وضع المضمر موضع المظهر

إن من الصور البلاغية في القرآن الكريم أن يجيء المسند إليه ضميراً للشأن أو القصة، كما في قوله تعالى: ] قل هو الله أحد [      (الإخلاص:1). فالضمير (هو) "ضمير غيبة لا مرجع له في الكلام السابق، تسمعه النفس فتنتبه لسماع ما بعده … فإذا وردت الجملة بعده استقرت في النفس، وثبتت في الفؤاد، ونحن لا نجد تلك الروعة والفخامة لو جاء الكلام على ظاهره، فقلنا ]قل الله أحد ["(0).

هل تم نقل هذه الصورة البلاغية إلى ترجمات القرآن؟    للإجابة عن هذا السؤال تنظر في الترجمتين للآية السابقة:

1. ترجمة خان والهلالي: Say (O Muhammad): He is Allah (the) One.

2. ترجمة محمد محمود غالي: Say He is Allah, One.

قام المترجمان بترجمة الآية حرفيا بالرغم من إمكان ترجمتها كما يلي: Say Allah is One..    وبمقارنة النص العربي بالنص الإنجليزي، نجد أن بلاغة النص العربي لا يمكن عكسها على النص الإنجليزي بالرغم من الترجمة التقابلية التي قام بها المترجمان.

عندما نقارن الترجمتين، نجد أن الترجمة الأولى أفضل من الثانية من ناحية تقريب المعنى للقارئ عن طريق إضافة مفردات تدل عليها الآية، ووضعها بين أقواس.   

ولننظر في مثال آخر لبلاغة القرآن في هذا الصدد. يقول عزّ من قائل عليما: ] أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها، أو آذان يسمعون بها، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور[ (الحج:46).    فضمير الشأن في (فإنها) أداة تنبيه تدعو إلى سماع ما بعده، ولو جاء الكلام على ظاهره فقيل: "إن الأبصار لا تعمى" لضاع ذلك الجمال والرونق من الأسلوب.


فإذا نظرنا في ترجمات الآية السابقة، نجد أنها لا ترقى بأي حال من الأحوال إلى بلاغة النص القرآني؛    بل نجد أن هناك تحريفاً في اللفظ.    دعونا ننظر في مثالين لتلك الترجمات:

  1. خان والهلالي: Have they not travelled through the land and have they hearts (minds) wherewith to understand and ears wherewith to hear?    Verily it is not

the eyes that grow blind but it is the hearts which are in the breasts that grow blind.


  1. محمد محمود غالي: Then have they not travelled in the earth, so that they have hearts to consider with or ears to hear with? Surely then it is not the beholdings that (grow) blind, but (it is) the hearts within the breasts (grow) blind.   

عندما ننظر في (it) التي تحتها خط، فإنها لا تقابل ضمير الشأن في الآية الكريمة، حيث إنها ليست ضميراً في هذا السياق، وإنما تعد شاغلة لحقل للضرورة اللغوية ( filler slot a) حيث إنه لا بد من فاعل في الجملة الإنجليزية فأتت (it ) لتشغل حقل الفاعل في الجملة.    ومن هنا نجد أنه ليس هناك أي تقابل بين النصين العربي والإنجليزي.

وإذا ترجمنا آخر جملة في النص الإنجليزي إلى العربية، نجد أن هناك تحريفاً في اللفظ بالصورة التالية: (ليست العيون التي تعمى، وإنما القلوب التي بالصدور التي تعمى).    كما يتضح من الترجمة أن النص الإنجليزي لم يعكس بلاغة القرآن في هذا الموضع.    والمقصود من الآية الكريمة هنا أنه ليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة(0).


2.    وضع المظهر موضع المضمر

يوضع في بعض المواضع في القرآن الكريم اسم الإشارة مكان الضمير، وكأن الأمر صار محسوسا يدرك بالبصر، كقوله تعالى: ] مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار، أكلها دائم وظلها، تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار [ (الرعد:35).    "فاسم الإشارة (تلك) كان مقتضى الظاهر أن يؤتى به ضميراً لتقدم مرجعه، فيقال: "هي عقبى الذين اتقوا" لأن الجنة ليست مرئية حتى يشار إليها، لكن التعبير القرآني عدل إلى اسم الإشارة مبالغة في أمر الجنة وكأنها أمر محسوس ظاهر للعيان ويدرك بالبصر"(0).

عندما ننظر في ترجمة الآية السابقة نجد الآتي:

  1. خان والهلالي: The description of the paradise which the pious has been promised! – Underneath it rivers flow, its provision is eternal and so is its shade. This is the end of the pious, and the end of disbelievers is the Fire.

  2. محمد محمود غالي: The likeness of the Garden, that is promised to the pious: from beneath it rivers run, its crop is permanent and it shade. That is the Ultimate Outcome of the ones who have been pious and the Ultimate Outcome of the disbelievers is the Fire.

مما سبق يتضح أن (تلك) ترجمت (This) في الترجمة الأولى، و (That) في الثانية. بالرغم من أن الترجمة الثانية أقرب إلى الصواب من الترجمة الأولى من ناحية ترجمة كلمة بكلمة، إلا أن كلتا الترجمتين لا تنطبق على معنى النص القرآني. فـ(تلك) تعود على الجنة الموصوفة بالصفات المتقدمة(0)، ولكن النص المترجم لا يوحي بهذا المعنى صراحة ولا يعكس بأي حالٍ من الأحوال بلاغة القرآن العظيم في وضع المظهر موضع المضمر. فالترجمة الأولى تقول (هذه نهاية المتقين)، بينما الترجمة الثانية تقول (تلك النتيجة النهائية للذين كانوا متقين).    فليس في النص الإنجليزي ما يوحي بأن (this) أو (that) تعود على الجنة صراحة.


  1. التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي

من بلاغة القرآن الكريم أن يعبر عن المستقبل بلفظ الماضي ليؤكد للسامع أن هذا الفعل سيتحقق لا محالة، مثال ذلك قوله تعالى: ] ويوم ينفخ في الصور، ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله      [                  (النمل: 87).    فالكلمة التي تحتها خط تعبر عن أحداث المستقبل بلفظ الماضي، إشعارا بأن ذلك واقع لا محالة(0).

كيف تمت ترجمة هذه الآية إلى اللغة الإنجليزية؟    لننظر في الترجمتين المختلفتين لهذه الآية:

  1. خان والهلالي: And (remember) the Day that the Trumpet will be sounded and all who are in the heavens and all who are on the earth will be terrified except him whom Allah will.

  2. محمد محمود غالي: And on the Day the trumpet will be blown; then alarmed is whosoever is in the heavens, and whosoever is in the earth, excepting whomsoever Allah decides (to exempt).

في الترجمة الأولى لكلمة (ففزع) –وهي فعل ماض- نجد أن المترجم قد عبر بالمستقبل (will be terrified) وهي جملة فعلية، بينما الترجمة الثانية نجد أن المترجم استخدم (alarmed) وهي صفة استخدمت في سياق الزمن الحاضر. وهنا استخدم المترجمان طريقة في الترجمة تدعى الإبدال، ويقصد بذلك تغيير قسم من أقسام الكلام بقسم آخر(0).

كما نرى أن كلتا الترجمتين لم تُظْهر قوة بلاغة القرآن الكريم وروعتها التي صورت مشهداً من مشاهد يوم القيامة في الزمن الماضي ليثبت أن يوم القيامة واقع لا محالة.    بينما النص الإنجليزي سجَّل ما سيحدث في المستقبل بدون القوة المؤكدة لوقوع هذا الحدث كما في النص القرآني الرفيع.

عندما نقارن الترجمتين نجد أن الترجمة الثانية أقدر من الترجمة الأولى على إيصال القليل من البلاغة القرآنية بسبب التقديم والتأخير الذي قام به المترجم إذ قدم الصفة على الموصوف، وهذا فيه نوع من الجمال.


4.    التعبير عن الماضي بلفظ المستقبل

من بلاغة القرآن الكريم استحضار الحدث في الذهن لكي يدعو القارئ إلى العظة والاعتبار، ومن أمثلة ذلك قوله عز وجل لليهود:] أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم، ففريقا كذبتم، وفريقا تقتلون[ (البقرة:87 ).                       

تتحدث هذه الآية عن اليهود وما قاموا به ضد أنبيائهم، "فكان مقتضى الظاهر أن يقال    (فريقا قتلتم)- كما قال (ففريقاً كذبتم)- لكن هذا الظاهر ترك لغرض بلاغي وهو: استحضار تلك الصورة الأليمة في النفوس تقبيحاً لها، وتنفيراً منها، وتوبيخاً لليهود الموجودين في زمن النبي e وحضهم على التخلي عما يتمسكون به من عقائد"(0). ويذكر ابن كثير في تفسيره عن هذه الآية أن الله "لم يقل وفريقا قتلتم، لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل أيضا؛ لأنهم حاولوا قتل النبي    e بالسم والسحر…"(0).

هل باستطاعة أي ترجمة بيان هذه البلاغة العالية؟    لننظر في الترجمتين التاليتين:

  1. خان والهلالي: Is it that whenever there came to you an apostle with what you yourselves desired not, you grew arrogant? Some you disbelieved and some you killed.

  2. محمد محمود غالي: yet, whenever there came to you a Messenger with what (you) yourselves did not yearn to, you waxed proud; so you cried lies to a group of them and (another) group you killed?

كلتا الترجمتين استخدمت صيغة الزمن الماضي البسيط (كما هو موضح فيما تحته خط) بخلاف ما جاء به النص القرآني. ونلاحظ كذلك أن الترجمتين اتبعتا الترتيب القرآني من حيث تقديم المفعول به على الفاعل فيما تحته خط مما أعطى النص الإنجليزي قوة أكثر مما لو تم استخدام الترتيب الإنجليزي الاعتيادي.                 

ولكن إذا نظرنا في أمثلة أخرى تتعلق بهذا الأسلوب البلاغي الذي نتحدث عنه، نجد أن هناك استخداماً للزمن الماضي المستمر في بعض ترجمات القرآن؛ في الوقت الذي نجد فيه استخداماً للزمن المستقبل في القرآن. فمثلا في ترجمة الآية التالية التي يخاطب الله تعالى فيها اليهود المعاصرين للنبي e، نجد أن بعض المترجمين استخدموا صيغة الزمن الماضي المستمر. يقول الله تعالى: ]وإذ نجيناكم من آل فرعون، يسومونكم سوء العذاب، يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم [ (البقرة:49).

فمن هؤلاء المترجمين الآتي:

  1. خان والهلالي: And (remember) when We delivered you from Pharaoh’s people, who were afflicting you with horrible torment, killing your sons and sparing your women, and therein was a mighty trial from your Lord.

  2. محمد محمود غالي: And as We safely delivered you from the household of Firawn who were marking you out for odious torment, constantly slaying your sons, and sparing alive your women; and in that was a tremendous trial from your Lord.

إن في التعبير عن الماضي بلفظ المستقبل قدرة على تحريك القلوب، واستثارة العواطف، وبعث الخشية والخضوع لله رب العالمين؛    وهذا ما لم تعكسه الترجمة الإنجليزية.   

عندما نقارن الترجمتين، نلاحظ أن الترجمة الأولى أقرب إلى الصواب من ناحية عكس ما تقصده الآية الكريمة من معان.    فمثلا نجد أن الترجمة الأولى استخدمت (Pharaoh’s people) (قوم فرعون) عند ترجمة (آل فرعون)، بينما ترجمت العبارة بـ (the household of Firawn) (أهل بيت فرعون) في النص الثاني.

وبمقارنة صيغة الماضي البسيط بصيغة الماضي المستمر، نلاحظ أن الصيغة الأخيرة أفضل في إظهار جزء مهم من الصورة البلاغية في القرآن وهو تصوير الاستمرار في حدوث الشيء.


5. الالتفات

من دقة التعبير وجماله في القرآن الكريم أن يلجأ إلى أسلوب الالتفات-فن من فنون البلاغة- وهو الانتقال بالأسلوب من صيغة المتكلم، أو المخاطب، أو الغيبة، إلى صيغة أخرى من هذه الصيغ.    ذكر لاشين عن ابن الأثير قوله إن هذا الأسلوب تختص به اللغة العربية عن سائر اللغات(0).

من أمثلة هذا النوع البلاغي، الالتفات من الغيبة إلى المتكلم كقوله عز وجل: ] والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا، فسقناه إلى بلد ميت، فأحيينا به الأرض بعد موتها [ (فاطر:9 ). كان مقتضى الظاهر أن يقال (فساقه، فأحيا) على طريق الغيبة، لكنه عدل عن ذلك إلى ضمير المتكلم.

وبالنظر في الترجمتين التاليتين نجد أن هذا الأسلوب (الالتفات) قد نقل إلى اللغة الإنجليزية تجاوزاً، إذ إن القارئ غير العربي سيجد صعوبة في ربط الضمير (We) إلى الله سبحانه وتعالى (انظر إلى ما تحته خط):

  1. خان والهلالي: It is Allah Who sends forth the winds, so that they raise up the clouds and We drive them to a dead land and revive therewith the earth after its death.

  2. محمد محمود غالي: And Allah is (The One) Who has sent the winds; so they stir up clouds, then We drive them to a dead land; then therewith We give life to the earth, after its death.

وفي الآية التالية نجد نوعاً آخر من أنواع أسلوب الالتفات وهو الالتفات من ضمير الغيبة إلى الخطاب: يقول الله تعالى: ] وسقاهم ربهم شرابا طهورا * إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا [
(الإنسان: 21،22 ).    فنلاحظ قوله تعالى: (ربهم) حيث تم استخدام ضمير الغيبة، ثم تم الالتفات إلى ضمير المخاطب، فقال: (لكم)، وكان مقتضى السياق أن يقال: (لهم).


ويذكر ابن كثير(0) في تفسير هذه الآية أن الله يطهر بواطن أهل الجنة من الحسد والحقد والغل والأذى وسائر الأخلاق الرديئة، ثم يقال لهم: ]إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا [، أي يكون ذلك تكريماً لهم وإحساناً إليهم. ويضيف الشوكاني(0) إلى ما سبق أن ذلك الشراب طاهر ليس بنجس كخمر الدنيا.

في ترجمة الآية السابقة، نجد أن كلاً من المترجمين استخدم طريقة لسد هذا الالتفات، إما بإضافة جملة إيضاحية بين قوسين (الترجمة الأولى)، أو بإضافة علامات تنصيص لتبيان أن هناك انتقالاً إلى طريق الخطاب (الترجمة الثانية):

  1. خان والهلالي: and their Lord will give them a drink of pure wine (21) (And it will be said to them), Verily this is a reward for you and your endeavour is accepted and recognised.

  2. محمد محمود غالي: and their Lord shall give them to drink a drink most pure (21) Surely “This is duly yours as a recompense, and your endeavor is (also) to be thanked”.

بالرغم من استخدام تلك الطريقتين، إلا أنهما لم تعكسا بأي حال من الأحوال بلاغة القرآن العظيم.    (ويلاحظ أيضا أن في النص الكريم نوعاً آخر من أنواع خروج الكلام عن مقتضى الظاهر وهو (التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي، وقد سبق الحديث عنه)، بينما نجد أن كلتا الترجمتين عبّرت عن المستقبل بلفظ المستقبل.)

6. أسلوب الحكيم

من أسلوب النظم القرآني أن ينـزل السؤال منـزلة غيره تنبيها للسائل على أن ذلك الغير هو الأولى بحاله وهو المهم له، كما في قوله تعالى: ]يسألونك ماذا ينفقون، قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل [ (البقرة:215 ).    يقول الشوكاني(0) في تفسير هذه الآية: إن السائلين هم المؤمنون حيث سألوا عن ماهية الشيء الذي ينفقونه؟ ما جنسه، أو ما مقداره؟    فكان الرد ببيان المصرف الذي يصرفون فيه تنبيهاً على أنه الأولى بالقصد؛    مع أن مقتضى الظاهر كان يتطلب بيان الجنس أو المقدار، أو كليهما.

ففي ترجمة الآية السابقة ما يدل على أن النص الإنجليزي لا يوحي بما حواه النص العربي في هذا الخصوص.    بل سيولد تساؤلاً لدى القارئ عن السبب في إعطاء إجابة مغايرة لما طلبه السؤال:

  1. خان والهلالي: They ask you (O Muhammad e) what they should spend (in charity). Say, whatever you spend of good must be for parents and kindred and orphans and the needy and for wayfarers and whatever you do of good deeds, truly Allah knows it well.                                         

  2. محمد محمود غالي: They ask you what they should expend; say, “Whatever charity you expend is for parents and nearest kin, and orphans, and the indigent and the wayfarer; and whatsoever charity you perform, then surely Allah is Ever-Knowing of it”.

إن الأعجمي سيجد صعوبة في ربط ترجمة هذه الآية بعضها ببعض. فهنا تظهر الحاجة إلى تعليق يستطيع من خلاله القارئ فهم عدم مراعاة مقتضى الظاهر.


الخاتمة والتوصيات

أوضحت نتائج هذا البحث أن ترجمات معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية غير بلاغية، ولا تعكس النظم القرآني الرفيع (على الأقل ينطبق هذا الحكم على الترجمتين اللتين درستا، وعلى الأسلوب البلاغي الذي درس وهو "خروج الكلام عن مقتضى الظاهر").    فترجمات القرآن توضح المعنى العام فقط دون أن تترك الأثر القوي والفعال لدى القارئ.   

إن الترجمتين لمعاني القرآن الكريم اللتين عرضتا في هذا البحث وإن كانتا تمتازان بمعيار من معايير الترجمة يعرف بالتطابق (مع النص القرآني) فإنهما لا شك تفتقدان أهمّ معيار ألا وهو التكافؤ(0) .

هذا مما اتفقت الترجمتان فيه؛ أما بالنسبة لأهم ما اختلفتا فيه فممكن حصره في الآتي:

  1. استخدام كلمات وعبارات مختلفة.

  2. تضمّن الترجمة الأولى (خان والهلالي) لمعلومات إضافية توضيحية ووضعها بين أقواس بينما لا نجد ذلك في الترجمة الثانية (غالي).   

  3. اختلاف ترتيب الكلمات في الجمل أحياناً.   

  4. اختلاف في استخدام صيغ للفعل في بعض الجمل كأن يستخدم أحدهم صيغة الأمر بينما يستخدم الآخر صيغة الإخبار.

فممّا يوصي به الباحث من أجل رفع مستوى ترجمات معاني القرآن الكريم الأمور التالية:

  1. إن الترجمات تحتاج إلى تعليقات في نهاية كل صفحة تبين للقارئ الأمور التي حواها النص العربي، ولم يستطع النص الإنجليزي أن يجاريها.    إن القرآن معجزة في البلاغة، فلذلك على مترجم معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأخرى أن يترجم الآيات مع تحليل لفظي لها؛ لكي تكون الترجمة مترابطة ومنسجمة بعضها ببعض. فالمترجم بحاجة لأن يشرح المعنى المقصود من الآيات التي فيها الخروج عن مقتضى الظاهر أو الإيجاز أو غير ذلك من الأساليب البلاغية حتى يرتبط الكلام وتنسجم العبارة.

  2. يتفق الباحث مع ما أوصى به البنداق(0)من حيث تقديم القرآن إلى العالم بوسائلنا الخاصة؛    ونقوم بتأليف هيئات رسمية فنية تضم الكفاءات العالية لتطلع على هذه الترجمات فتتحقق من صحتها.

  3. يقترح الباحث أن تقوم وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ممثلة بمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالتعاون مع المؤسسات التعليمية المختلفة داخل المملكة وخارجها بالإشراف على لجان علمية تقوم بترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغات المختلفة    بحيث لا تتم ترجمة القرآن من قبل شخص أو شخصين؛ فترجمة القرآن الكريم تحتاج إلى فريق عمل يترجم ويراجع وينقح وغير ذلك.    ولا بد من دعم هذه اللجان بكل الوسائل المتاحة من أجل إتمام عملها على أكمل وجه.

  4. البدء من حيث ما انتهت إليه الترجمات الجيدة، لا من حيث ما بدأت.    فلنأخذ الترجمات الجيدة في الحسبان عند ترجمتنا لمعاني القرآن الكريم.




المراجع

المراجع العربية

  1. ابن كثير. تفسير القرآن العظيم. مكتبة الرشد، الرياض. (1420هـ).

  2. أبو فراخ، محمد أحمد إبراهيم. "تراجم القرآن الأجنبية في الميزان". مجلة كلية أصول الدين، العدد الرابع، ص 37-129. (1403هـ).

  3. الأصفهاني، الراغب. المفردات في غريب القرآن. دار المعرفة، بيروت. (1418هـ).

  4. بدران، أبو العينين بدران. دراسات حول القرآن. مؤسسة شباب الجامعة للطباعة والنشر والتوزيع، الإسكندرية. (1401هـ).

  5. البنداق، محمد صالح. المستشرقون وترجمة القرآن الكريم. دار الآفاق الجديدة، بيروت. (1403هـ).

  6. الجرجاني، عبدالقاهر. دلائل الإعجاز.دار المعرفة، بيروت. (1398هـ).

  7. الجيلاني، إبراهيم بدوي. علم الترجمة وفضل العربية على اللغات. المكتب العربي للمعارف، القاهرة. (1990).

  8. ذاكر، عبدالنبي. "إشكالية نقل المعنى في ترجمات القرآن الكريم". مجلة المنهل، العدد 491، المجلد 53، ص 85-95. (1413هـ).

  9. الشايع، محمد بن عبدالرحمن. الفروق اللغوية وأثرها في تفسير القرآن الكريم. مكتبة العبيكان، الرياض. (1414هـ).

  10. شيخ الشباب، عمر. "الإبداع والاتباع في ترجمات القرآن الكريم إلى اللغات الأوروبية". بحث قدم في ندوة تعميم التعريب وتطوير الترجمة المعقودة في جامعة الملك سعود بالرياض في الفترة من 2-3 جمادى الآخرة، ص 623-641. (1419هـ).

  11. شرباتي، محمد سليم. "دعوا ترجمة القرآن فإنها مستحيلة". مجلة المنهل، الجزء 1، السنة 37، المجلد 32، ص 247-255. (1391هـ).

  12. الشوكاني، محمد بن علي بن محمد. فتح القدير. المكتبة العصرية، بيروت. (1418هـ).

  13. عبدالله، عدنان سليم. "مشكلات الدلالة في ترجمة القرآن الكريم". مجلة القافلة، العدد 4، المجلد 41 (ربيع الآخر)، ص 14-16. (1413هـ).

  14. عبدالرحيم، عبدالجليل. لغة القرآن الكريم. مكتبة الرسالة الحديثة، الأردن. (1401هـ).

  15. عناني، محمد. فن الترجمة. الشركة المصرية العالمية للنشر-لونجمان، مصر. (1996م).

  16. عناني، محمد. الترجمة الأدبية بين النظرية والتطبيق. الشركة المصرية العالمية للنشر-لونجمان، مصر. (1997م).

  17. القطان، مناع. مباحث في علوم القرآن. مؤسسة الرسالة، بيروت. (1400هـ).

  18. لاشين، عبدالفتاح. معاني التراكيب: دراسة تحليلية في بحوث علم المعاني. دار الكتاب الجامعي. مصر. (1419هـ).

  19. محمد، فوزي عطية. علم الترجمة: مدخل لغوي. دار الثقافة الجديدة، مصر. (1406هـ).

  20. مهنا، أحمد إبراهيم. دراسة حول ترجمة القرآن الكريم. دار الشعب، القاهرة. (1970م).

  21. الندوي، عبدالله عباس. ترجمات معاني القرآن الكريم وتطور فهمه عند الغرب. دعوة الحق، العدد 174، مطابع رابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة. (1417هـ).


المراجع الأجنبية


  1. Ali, Salah Salim. (1996). “Euphemism in Translation: A Comparative Study of Euphemistic Expressions in Two Translations of the Holy Qur’an.” Turjuman, Vol. 5 (1), Pp. 23-37.

  2. Ghali, Muhammad Mahmud. (1417). Towards Understanding The Ever-Glorious Qur’an. Publishing House For Universities, Egypt.

  3. Khan, Jaliluddin Ahmad. (1407). “Translation of the Holy Qur’an: Some Problems And their Solutions.” Journal of Arabic Faculty, vol. 1, Pp. 5-41.

  4. Khan, Muhammad Muhsin and Muhammad Taqui-ud-Din Al-Hilali. (1978). Explanatory English Translation of the meaning of the Holy Qur’an. Hilal Publishing House, Ankara:Turkey.

  5. Al-Shurafa, Nuha Suleiman. (1995). “The Role of Syntax and Semantics in the Translation of the Qur’an: Six English Versions of the Last Verse of Surat Al-Baqara.” Turjuman, Vol. 4 (2), Pp. 43-55.






فهرس الموضوعات


المقدمة 1

أهمية الدراسة وأهدافها 5

أسئلة الدراسة 5

الدراسات السابقة 6

منهجية الدراسة وحدودها 14

نتائج الدراسة ومناقشتها 15

الخاتمة والتوصيات 26

المراجع 29

فهرس الموضوعات 32


0)كذا والمناسب أن يقال: المنقول.

0)الفروق اللغوية وأثرها في تفسير القرآن الكريم، 1414هـ. وترى اللجنة العلمية للندوة أن الراجح في تعريف القرآن هو ما ذكره الإمام الطحاوي بقوله: "القرآن كلام الله منه بدا بلا كيفية قولاً وأنزله على رسوله وحياً وصدقه المؤمنون على ذلك حقا وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر" شرح الطحاوية (1/172).

0) المستشرقون وترجمة القرآن 43.

0)ص 43-44.

0)دراسات حول القرآن 1401هـ.

0)مثل عبدالله عباس الندوي: ترجمات معاني القرآن الكريم (1417هـ).

0)دراسات حول القرآن (1401هـ).

0)مثل محمد سليم شرباتي: دعوا ترجمة القرآن.

0)المستشرقون وترجمة القرآن 95.

0)تراجم القرآن الأجنبية في الميزان (1403).

0)الندوي المرجع السابق، 1417هـ.

0)الندوي المرجع السابق، 1417:43هـ.

0)تراجم القرآن ص 37-129، 1403هـ.

0)المستشرقون وترجمة القرآن الكريم، 1403هـ.

0)انظر: ص 161-167.


0)انظر: منهجية وحدود الدراسة ص16.


0)فن الترجمة 87.

0) مباحث في علوم القرآن (1400هـ)، دراسات حول القرآن (1401هـ)، لغة القرآن الكريم (1401هـ) 546.

0) ترجمات معاني القرآن الكريم 14.

0) مباحث في علوم القرآن 1400هـ، لغة القرآن الكريم 1401هـ، خان 1407هـ.

0)إشكالية نقل المعنى 88.


0)أبو فراخ المرجع السابق، 1403هـ.

0) القطان المرجع السابق،1400هـ.

0) ترجمات معاني القرآن الكريم 11.

0) ص12.

0) ص 13.

0) الترجمة الأدبية 154.




0)ص 22.

0)المصدر السابق ص 123.

0) المصدر السابق 122-123.

0) أبو فراخ، المرجع السابق؛ شيخ الشباب، المصدر السابق.

0)1407:384هـ.



0) الصعيدي، 1417هـ.

0) معاني التراكيب 182.


0) تفسير القرآن العظيم لابن كثير.

0) معاني التراكيب 184.

0) فتح القدير، 1418هـ.

0)لاشين، 1419هـ.

0)محمد، علم الترجمة: مدخل لغوي.

0) معاني التراكيب 191.

0) تفسير ابن كثير، 113.


0)معاني التراكيب 197.



0) تفسيره 171.

0) فتح القدير 439.



0) فتح القدير 273.



0) علم الترجمة: مدخل لغوي.

0) المستشرقون وترجمة القرآن الكريم 132.



4