ترجمة القرآن الكريم حقيقتها وحكمها.doc






ترجمة القرآن الكريم

حقيقتها وحكمها






أ. د. علي بن سليمان العبيد


المقدمة

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فالقرآن الكريم كتاب الله تعالى: لا يَأْتِيهِ الْبَـاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنـزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (فصلت:42)، تكفّل الله بحفظه: إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون (الحجر:9) منذ نزوله إلى الأرض على قلب محمد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وفي العصر الحاضر لما كثرت أدوات الطباعة، وسهل على الناس طباعته ونشره أصبح كلٌّ ينشره بطريقته الخاصة، ولقد هيأ الله - عز وجل – الأسباب بإنشاء مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة النبوية ليتولى طباعته ونشره وتوزيعه على مختلف أرجاء العالم، فقلَّ أن تجد مسجداً، أو مركزاً إسلامياً ليس لديه نسخ من مطبوعات هذا المجمع المبارك فجعل الله له القبول بين العامة والخاصة، وسدّ به ثغرة كبيرة لدى المسلمين.

ولما كان هناك من المسلمين من لا يعرف العربية ظهرت الحاجة إلى أن تترجم معاني القرآن الكريم إلى لغات تلك الأمم والشعوب، فعملت كل أمة على ترجمة القرآن الكريم أو معانيه إلى لغتها، وظهرت إثرَ ذلك ترجمات كثيرة متباينة فيما بينها، مختلفة فـي معانيها حتى مع اتحاد اللغة المترجم بها، بعضها قام به مستشرقون غير مسلمين، وبعضها قام به مسلمون مجتهدون، ولكنها فـي العموم جهود فردية لم تخل من الملحوظات والأخطاء، تزيد وتنقص حسب علم المترجم وهدفه وغايته، فكان لابد من دراسة أمر الترجمة تفصيلاً، ليتبيّن الصحيح منها، وما يجب أن تكون عليه، فكان هذا البحث الذي جعلته بعنوان:

( ترجمة القرآن الكريم – حقيقتها وحكمها )

وضمنته المباحث التالية:

المبحث الأول: معنى الترجمة فـي اللغة والاصطلاح:

- الترجمة فـي اللغة.

- الترجمة فـي الاصطلاح.

المبحث الثاني: معنى ترجمة القرآن الكريم.

المبحث الثالث: حقيقة القرآن الكريم.

المبحث الرابع: أنواع ترجمة القرآن الكريم:

- الترجمة الحرفية.

- الترجمة اللفظية.

- الترجمة التفسيرية.

المبحث الخامس: الفرق بين أنواع الترجمات.

المبحث السادس: حكم ترجمة القرآن الكريم:

- حكم الترجمة الحرفية.

- حكم الترجمة اللفظية.

- حكم الترجمة التفسيرية.

المبحث السابع: ضوابط الترجمة التفسيرية.

المبحث الثامن: مفهوم نقل معاني القرآن الكريم إلى لغة أخرى.

واللهَ أسأل أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به، وأن يغفر لي ولوالدي ولجميع المسلمين.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.




أ. د. علي بن سليمان العبيد




المبحث الأول: معنى الترجمة فـي اللغة والاصطلاح

الترجمة فـي اللغة:

تطلق الترجمة فـي اللغة على عدة معان:

- فهي بمعنى التبيين والتوضيح، ومن هنا سُمّي ابن عباس – رضي الله عنهما – (ترجمان القرآن)، قال عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه – "نعم ترجمان القرآن ابن عباس" (1)، وذلك لبراعته وقدرته على فهم الكتاب الحكيم، وإدراك ما فيه من حقائق ومعانٍ وأسرار، قال الزمخشري: "كل ما ترجم عن حال شيء فهو تَفْسِرَتُه" (2)، وفي المعجم الوسيط "ترجم الكلام: بيّنه ووضحه"(3).

- وتأتي بمعنى تبليغ الكلام لمن لم يبلغه أو خفي عليه، قال أبوعمرو بن الصلاح – مبيناً قول أبي جمرة – (( كنت أترجم بين يدي ابن عباس وبين الناس )) -: أنه كان يُبلِّغ كلام ابن عباس إلى من خفي عليه من الناس، إما لزحام منع من سماعه فأسمعهم، وإما لاختصار منع من فهمه فأفهمهم )) .

وأيّد ذلك النووي بقوله: "والظاهر أن معناه أنه يفهمهم عنه ويفهمه عنهم" (4)، ويدل على هذا المعنى قول الشاعر:

إن الثمانين وبُلِّغتهـا قد أحوجت سمعي إلى ترجمان(5)

- وتأتي بمعنى تفسير الكلام بلغة غير لغته، قال الجوهري: "ويقال: قد

ترجم كلامه، إذا فسّره بلسان آخر" (1)، وفي لسان العرب: "الترجمان: هو المفسِّر، وقد ترجمه وترجم عنه (2)، وفي القاموس: "الترجمان: …المفسِّر للسان، وقد ترجمه، وعنه" (3).

- وتأتي بمعنى نقل الكلام من لغة إلى أخرى، قال ابن الأثير: "التُّرجمان – بالضم والفتح – هو الذي يترجم الكلام، أي: ينقله من لغة إلى أخرى، والجمع التراجم، والتاء والنون زائدتان" (4). وقال السمين الحلبي: "الترجمان: تفعلان؛ لأنه يرمي بكلام من يترجم عنه إلى غيره" (5). وقال ابن حجر: "الترجمان: المعبر عن لغة بلغة" (6). وفي المعجم الوسيط: "ترجم كلام غيره وعنه: نقله من لغة إلى أخرى" (7).

والذي يجمع بين هذه المعاني هو البيان، ويدخل فيه: الترجمة لفلان، أي: بيّن حياته وذكر سيرته، والترجمة لهذا الباب، أي: عنون له، ليكون تعبيراً عما يذكره بعده.

الترجمة في الاصطلاح:

يمكن أن نعرف الترجمة فـي اصطلاح الناس وعرفهم بأنها:

"التعبير عن معنى كلام فـي لغة بكلام آخر من لغة أخرى مع الوفـاء بجميع معانيه ومقاصده".

وقد ذكر هذا التعريف الزرقاني وذكر محترزاته بقوله: "فكلمة (التعبير) جنس، وما بعده من القيود فصل .

وقولنا: (عن معنى كلام) يخرج به التعبير عن المعنى القائم بالنفس حين يخرج فـي صورة اللفظ أول مرة.

وقولنا: (بكلام آخر) يخرج به التعبير عن المعنى بالكلام الأول نفسه، ولو تكرر ألف مرة.

وقولنا: (من لغة أخرى) يخرج به التفسير بلغة الأصل، ويخرج به أيضاً التعبير بمرادف مكان مرادفه، أو بكلام بدل آخر مساوٍ له، على وجه لا تفسير فيه، واللغة واحدة فـي الجميع.

قولنا: (مع الوفاء بجميع معاني الأصل ومقاصده) يخرج به تفسير الكلام بلغة غير لغته؛ فإن التفسير لا يشترط فيه الوفاء بكل معاني الأصل المفسَّر ومقاصده، بل يكفي فيه البيان ولو من وجه )) (1) .


المبحث الثاني: معنى ترجمة القرآن الكريم


بعد أن بيّنا معنى الترجمة فـي اللغة نود أن نوضح علاقة المعنى اللغوي للترجمة بما يطلق عليه: (( ترجمة القرآن الكريم )) .

فنقول: إن ترجمة القرآن الكريم يمكن أن تطلق على المعاني اللغوية السابقة، فيكون معنى ترجمة القرآن الكريم:

على الوجه الأول: توضيح القرآن وتبيينه وتفسيره بلغته العربية .

وعلى الوجه الثاني: تبليغ ألفاظه .

وهذان الوجهان لا إشكال فـي جوازهما شرعاً بل هما مطلوبان .

وعلى الوجه الثالث: تفسير الكلام بلغة غير لغته .

وعلى الوجه الرابع: نقل الكلام من لغة إلى أخرى .

وهذان هما محل البحث فـي ترجمة معاني القرآن الكريم، ومن خلالهما يمكن أن نعرف ترجمة معاني القرآن الكريم بالتعريف التالي:

هي التعبير عن معاني ألفاظه العربية ومقاصدها بألفاظ غير عربية، مع الوفاء بجميع هذه المعاني والمقاصد(1).



المبحث الثالث: حقيقة القرآن الكريم


القرآن الكريم هو كلام الله تعالى بلفظه ومعناه، نزل على نبينا محمد بلسان عربي مبين(1) .

ولابد من اجتماع اللفظ والمعنى حتى تتحقق له القرآنية، فإذا كان المعنى وحده من عند الله - عز وجل – فإنه لا يُسمى قرآناً كالأحاديث القدسية والأحاديث النبوية فمعناهما من عند الله، وألفاظهما من كلام الرسول .

قال البزدوي: "أما الكتاب: فالقرآن المنزل على رسول الله المكتوب فـي المصاحف، المنقول عن النبي نقلاً متواتراً بلا شبهة، وهو النظم والمعنى جميعاً فـي قول عامة العلماء" (2).

وقال الزيلعي – أحد فقهاء الحنفية -: "والصحيح أن القرآن هو النظم والمعنى جميعاً عنده – أي عند أبي حنيفة -؛ لأنه معجزة النبي ، والإعجاز وقع بهما جميعاً" (3).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والقرآن: اسم لهما جميعاً – أي اللفظ والمعنى -، ولهذا إذا فسره المفسر، وترجمه المترجم لم يُقَل لتفسيره وترجمته: إنه قرآن، بل اتفق المسلمون على جواز مسِّ المحدث لكتب التفسير، واتفقوا على أنه لا تجوز الصلاة بتفسيره، وكذلك ترجمته بغير العربية عند عامة أهل العلم )) (1).

ومن المعلوم أن جبريل – عليه السلام – بلَّغ نبينا محمداً باللفظ الذي

تلقاه عن الله - عز وجل -، ولم يُبَحْ له إيحاؤه بالمعنى، وعلى هذا فإن المعنى المقروء بغير العربية لا يسمى قرآناً، ومايبين للناس – وإن كان بألفاظ عربية مرادفة لألفاظ القرآن – لا يسمى قرآناً مهما كان مطابقاً للقرآن فـي دلالته؛ لأن الألفاظ المستعملة فـي التفسير ألفاظ بشرية، والقرآن كما قلنا كلام الله تعالى بلفظه ومعناه (2).

وهو أيضاً أنزل على قلب سيدنا محمد بلسان عربي مبين، قال تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (الشعراء: 193-194).

وقال: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (يوسف:2).

وقال: قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (الزمر:28) .

وقال: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (فصلت:3) .

وقال: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا (الشورى:7) .

وقال: وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا (الأحقاف: 12) .

ومن لازم عربيته أن ما كان بغير العربية لا يكون قرآناً.

وقد اتفق العلماء على عدم جواز قراءة القرآن بغير العربية فـي الصلاة وخارجها.

قال الزركشي: (( لا تجوز قراءته بالعجمية سواء أحسن العربية أم لا فـي الصلاة وخارجها لقوله تعالى:إِنــَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(يوسف:2)، وقولـه:وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ(فصلت:44)(1)

وما نقل عن الإمام أبي حنيفة من تجويزه لقراءة القرآن بالفارسية من غير عذر، فقد صح رجوعه عن هذا القول، قال صاحب ((فواتح الرحموت )): "وقد صح رجوع أبي حنيفة عن القول بجواز الصلاة بالفارسية بغير عذر، واختاره القاضي والإمام أبوزيد وعامة المحققين، وعليه الفتوى" (2) .

وجاء فـي تيسير التحرير: "ولاعتبار قيد العربي فـي ماهيته رجع أبوحنيفة بعدما تحقق عنده اعتباره فيه عن صحة الصلاة للقادر على العربي إذا عَبَّر عن المضمون القرآني بالفارسية ... ؛ لأن المأمور به فـي قوله تعالى: فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ (المزمل: 20)، قراءة مسمى القرآن" (3) .

ولأن القول بذلك يلزم منه بطلان تعريف القرآن، لأن الفارسية غير مكتوبة فـي المصاحف، ولأنه يلزم منه جواز الصلاة بدون القرآن، لأن القرآن اسم للنظم والمعنى الربانيين العربيين، والفارسية لا تصدق لا على اللفظ ولا على المعنى(1).

وقد علّق ابن العربي على ما نسب إلى أبي حنيفة عند تفسيره لقوله تعالى: وَلـَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ (فصلت:44) بقوله: (( قال علماؤنا: هذا يبطل قول أبي حنيفة فـي قوله: إن ترجمة القرآن بإبدال اللغة العربية فيه بالفارسية جائز؛ لأن الله تعالى قال: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ نفى أن يكون للعجمة إليه طريق، فكيف يصرف إلى ما نهى الله عنه…؟" ثم قال: "إن التبيان والإعجاز إنما يكون بلغة العرب، فلو قلب إلى غير هذا لما كان قرآناً ولا بياناً ولا اقتضى إعجازاً" (2) .

وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى عدم جواز أن يقرأ القرآن بغير العربية سواء أقدر على العربية أم لم يقدر عليها، مستدلاً بأن الترجمة تخرج القرآن عن أن يكون هو القرآن المنزل، وأن تعلّم العربية فرض واجب حيث قال: "وأما الإتيان بلفظ يبين المعنى كبيان لفظ القرآن، فهذا غير ممكن أصلاً، ولهذا كان أئمة الدين على أنه لا يجوز أن يقرأ بغير العربية، لا مع القدرة عليها، ولا مع العجز عنها؛ لأن ذلك يخرجه عن أن يكون هو القرآن المنزل" (3) .

وقال أيضاً: "فأما القرآن فلا يقرؤه بغير العربية سواء قدر عليها أو لم يقدر عند الجمهور، وهو الصواب الذي لا ريب فيه، بل قد قال غير واحد: إنه يمتنع أن يترجم سورة أو ما يقوم به الإعجاز" (1) .

وقال أيضاً: "وأيضاً فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهمان إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" (2) .

وعلى هذا فإن أي ترجمة للقرآن الكريم حرفية أو لفظية أو تفسيرية لا تسمى قرآناً ولا تثبت لها أحكامه:

- فلا تصح الصلاة بها.

- ولا يتعبد بتلاوتها.

- ولا تؤخذ الأحكام منها.

- ولا تكون معجزة.

- ولا تشملها أحكامه المتعلقة به كقداسته وحرمة مسّه وأحكام تلاوته من تجويد وتعلّم وتعليم وآداب ..


المبحث الرابع: أنواع ترجمة القرآن الكريم


تتنوع ترجمة القرآن الكريم إلى أنواع ثلاثة:

الأول: الترجمة الحرفية:

وهي ترجمة كل لفظة فـي القرآن الكريم بما يماثلها فـي اللغة المترجم إليها، حرفاً بحرف ومثلاً بمثل، ويجب أن يراعى فيها محاكاة الأصل فـي نظمه وترتيبه، والمحافظة على جميع معانيه من غير شرح ولا بيان.

وهذه الترجمة – إن قُدِر عليها – فهي مطابقة للأصل فـي ترتيبه ونظمه تمام المطابقة، ولا اختلاف بينهما إلا فـي اللغة فقط، وهي في واقع الأمر غير ممكنة ولا مقدور عليها، فهي تكاد تكون نظرية بحتة وذلك لتعذرها، وليست محل خلاف فـي عدم جوازها لعدم إمكانها أصلاً.

الثاني: الترجمة اللفظية:

وهي التي تكون باستحضار معنى لفظ الأصل وإبداله بما يدل عليه من اللغة الأخرى، مع التغيير فـي الترتيب والنظم حسبما تقتضيه أوضاع اللغة المترجم إليها وقواعدها.

وهذه الترجمة هي محل البحث والخلاف بين العلماء إذا أطلقوا عبارة: حكم ترجمة القرآن الكريم.

الثالث: الترجمة التفسيرية:

ويمكن أن نقسهما إلى قسمين:

1- ترجمة تفسيرية يقوم بها المترجم ابتداء ومباشرة من القرآن الكريم، بحيث يفهم معنى الأصل ثم يترجمه إلى اللغة الأخرى بألفاظ وجمل من تلك اللغة تكون شرحاً لغامض الأصل، وتوضيحاً لما فيه من المعاني، وتفصيلاً لما أُجمل فيه، دون أن يلتزم بالوقوف عند كل لفظة واستبدال ما يوافقها بها فـي اللغة المترجم إليها.

2- ترجمة تفسيرية بحيث يُفَسَّر القرآن الكريم أولاً باللغة العربية، ثم يقوم المترجم بترجمة هذا التفسير .

والفرق بين القسمين أن المترجم فـي القسم الأول لابد أن يكون عالماً بالتفسير، وقادراً على الترجمة معاً. أما فـي القسم الثاني فيكفي أن يكون قادراً على الترجمة بشروطها وضوابطها فهو يترجم ما قام به العالم أو العلماء بالتفسير.

وهذه الترجمة بقسميها ليست ترجمة للأصل، بل لمعناه وشرحه وتفسيره، فهي إذن ترجمة للتفسير لا للقرآن، فتأخذ بذلك حكم ترجمة التفسير.

تنبيه:

لا يعني ذكر هذه الأنواع الثلاثة للترجمات الحصر والقصر عليها، وإلا فمن الملاحظ أن بعض الترجمات المتداولة بين أيدي الناس اليوم خلط فيها المترجمون بين هذه الأنواع، فنجد بعض الترجمات مشتملة على شيء من الترجمة الحرفية والترجمة اللفظية والترجمة التفسيرية دون ضابط ومنهج مطرد فـي الترجمة.

واقع ترجمات القرآن الكريم:

بالنظر فـي واقع ترجمات القرآن الكريم نجد أن الترجمة الحرفية للقرآن الكريم لم تقع وهي ليست ممكنة – كما أسلفنا -.

والترجمة اللفظية: نرى أنها وقعت فعلاً فـي كثير من الترجمات المتداولة اليوم، وبخاصة الترجمات التي عملها المستشرقون ومن نحا نحوهم، وهي وإن أمكنت فـي بعض الألفاظ والتراكيب، فإنها غير ممكنة فـي ألفاظ وتراكيب أخرى، وكما هو معلوم فإن للقرآن الكريم مصطلحاته وألفاظه التي ليست فـي اللغات الأخرى، كما أن ألفاظه قد تكون ذات معنيين أو معانٍ تحتملها الآية، فيضطر المترجم إلى أن يضع بدله من اللغة الأخرى اللفظ الموضوع لما يختاره من المعنيين أو المعاني، حيث لا يجد لفظاً يشاكل اللفظ العربي فـي احتمال تلك المعاني المتعددة .

وأيضاً قد يكون اللفظ الوارد فـي القرآن الكريم استعمل فـي غير معناه الحقيقي، فيأتي المترجم بلفظ يرادف اللفظ العربي فـي معناه الحقيقي(1) .

ونلحظ أن المترجمين حين يتعذر عليهم ترجمة النص على ما صيغ عليه نجد أنهم يتصرفون بالنص تبديلاً للألفاظ، وتصرفاً فـي التراكيب، وتقديماً وتأخيراً مما يغير المعنى المراد من الآية.

والترجمة التفسيرية: أو ما يسميه المترجمون ترجمة معاني القرآن الكريم، فإنها وقعت وبخاصة فـي القسم الأول منها.

ويوجد كثير من الترجمات المتداولة بين يدي المسلمين الآن، تختلف باختلاف المترجم لها علماً ومنهجاً وهدفاً.

ومن تلك الترجمات ترجمة عبدالله يوسف علي(1) إلى اللغة الإنجليزية بعنوان "القرآن الكريم: نص وترجمة وشرح" يقول فـي مقدمته: "إن الذي أودّ أن أقدمه إليك إنما هو تفسير باللغة الإنجليزية جنباً إلى جنب مع النص العربي، ولن يكون ذلك عن طريق إبدال الكلمة العربية بما يقابلها فـي الإنجليزية، وإنما بإعطاء أحسن التفسيرات التي يمكنني أن أقدمها فـي معناها الكامل الذي استطعت أن أفهمه من النص العربي..." ثم يقول: "وفي ترجمة النص لم أعبر عن رأي شخصي لي، وإنما اتبعت فـي ذلك المفسرين المعترف بهم، وعندما أجد خلافاً بينهم أختار من أقوالهم ما يبدو لي رجحانه .. وفي اختيار كلمة إنجليزية مقابل الكلمة العربية من الضروري أن يستخدم المترجم تفكيره وعلمه فـي الترجيح بين البدائل، وبالتالي يكون معبراً عن رأي معين، وقد يكون ذلك من غير قصد وهذا ما لا يمكن تفاديه" (2).




المبحث الخامس: الفرق بين أنواع الترجمات


بعد أن بيّنا معنى الترجمات الحرفية واللفظية والتفسيرية، نوضح هنا أوجه الفروق بينها، فنقول:

إن الفارق بين الترجمة الحرفية واللفظية يكاد ينحصر فـي أن الترجمة الحرفية يجب أن يراعى فيها النظم والترتيب فـي النصين، والمحافظة على جميع المعاني دون شرح ولا بيان.

أما الترجمة اللفظية فلا يُراعى فيها النظم والترتيب بل تخضع لِلُّغة المترجم إليها فـي نظمها وقواعدها.

أما الفرق بين هاتين الترجمتين والترجمة التفسيرية فيمكن إبراز ذلك بالأوجه التالية:

أولاً: أن صيغة الترجمة الحرفية واللفظية يراعى فيها الاستغناء عن الأصل وعدم الإتيان بعبارات تشعر بتفسير الآية.

أما الترجمة التفسيرية فإنها قائمة على الارتباط بالأصل حيث هي شرح للمفرد أو المركب شرحاً متصلاً به، بحيث لا يمكن تجريد التفسير وقطعه عن أصله مطلقاً، ولو جرد لصار لغواً أو أشبه باللغو، فلا يؤدي معنى سليماً فضلاً عن أن يحل فـي جملته وتفصيله محل أصله، ولهذا قد يؤتى ببعض العبارات التي تربط التفسير بالأصل نحو: معنى هذه الآية كذا ..، أو يؤتى بكلمة تفيد التفسير نحو: (( أي )) قبل التفسير ... ونحو ذلك.

ثانياً: أن الترجمة الحرفية واللفظية لا يجوز فيها الاستطراد؛ لأن الأصل فيها أن تكون مطابقة لأصلها حاكية له، بينما الترجمة التفسيرية قد يكون الاستطراد فيها مطلوباً؛ لأن الأصل فيها البيان والتوضيح.

ثالثاً: أن الأصل فـي الترجمة الحرفية واللفظية أن تتضمن الوفاء بجميع معاني الأصل ومقاصده دون زيادة أو نقصان، أما الترجمة التفسيرية فإن الأصل فيها قائم على الإيضاح والبيان إجمالاً أو تفصيلاً وافياً بجميع المعاني والمقاصد، أو مقتصراً على بعضها دون بعض، موجهاً لهذا الاختيار، على أن يكون محققاً للاستطراد الزائد عن مدلول الأصل، وهذا بحد ذاته يشعر القارئ أن للأصل معاني أخرى قد تكون أولى مما ذكره.

رابعاً: أن الأصل فـي الترجمة الحرفية واللفظية اشتمالها على جميع معاني الأصل ومقاصده، وأنها مرادة لصاحب الأصل، وأن المترجم مطمئن إلى ذلك، ولذا نلحظ أن هذه الترجمات تحل محل الأصل ويستغنى بها عنه.

بل إن بعض المترجمين يحذفون لفظ (( ترجمة )) من الاسم ويطلقون عليها اسم الأصل نفسه، كأنما الترجمة أصل، أو كأنه ليس هناك أصل وفرع.

أما الترجمة التفسيرية فليست كذلك، حيث لا يدّعي المفسِّر التفسير النهائي للآية، بل قد يذكر وجوهاً محتملة للآية، أو يختار من بينها، وأحياناً يصرّح بعجزه عن فهم كلمة أو جملة بقوله: الله أعلم بمراده.

وبهذا يعلم أن الترجمة التفسيرية لا يمكن أن تقوم مقام الأصل، ولا أن يُدّعى فيها الاطمئنان إلى وفائها بجميع أغراضه ومعانيه(1) .

هذه أبرز الفروق بين الترجمات، ولعلنا بذلك وضحنا الصورة التي يمكن من خلالها الحكم على هذه الترجمات، وهو ما سنتناوله فـي المبحث التالي.

المبحث السادس: حكم ترجمة القرآن الكريم


يختلف حكم ترجمة القرآن الكريم حسب نوع الترجمة، ولبيان ذلك لابد من توضيح حكم كل نوع بالتفصيل، فنقول وبالله التوفيق:

أولاً: حكم الترجمة الحرفية:

سبق أن بيّنا أن الترجمة الحرفية للقرآن الكريم لا يمكن تطبيقها أصلاً، فهي إذن غير جائزة، وذلك للاعتبارات التالية:

1- أن الترجمة الحرفية معناها أن يترجم نظم القرآن بلغة أخرى تحاكيه حذواً بحذو، بحيث تحل مفردات الترجمة محل مفرداته، وأسلوبها محل أسلوبه، حتى تتحمل الترجمة ما يحمله نظم الأصل من المعاني المقيدة بطرقها البلاغية وأحكامها التشريعية، وهذا غير ممكن بالنسبة لكتاب الله العزيز؛ إذ من المعلوم أن القرآن الكريم فـي قمة العربية فصاحةً وبلاغة، وله من خواص التركيب، وأسرار الأساليب، ولطائف المعاني، وسائر آيات إعجازه، ما لا يستقل بأدائه لسان، وهذه لا يمكن نقلها إلى اللغات الأخرى اتفاقاً، فإن اللغات الراقية، وإن كان لها بلاغة، ولكن لكل لغة خواصها التي لا يمكن أن يشاركها فيها غيرها من اللغات، فلو ترجم القرآن ترجمة حرفية – وهذا محال – لضاعت خواص القرآن البلاغية، فمثلاً: لو أراد إنسان أن يترجم قوله تعالى: وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (الإسراء:29) ترجمة حرفية لأتى بكلام يدل على النهي عن ربط اليد فـي العنق، وعن مدها غاية المد، ومثل هذا التعبير فـي اللغة المترجم إليها لا يؤدي المعنى الذي قصده القرآن من أن المراد النهي عن التبذير والتقتير مصوَّرين بصورة شنيعة ينفر منها الإنسان(1) .

وأيضاً قوله تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ (الأنبياء: 18)، فقد ترجم (( بكتال )) لفظة (( فيدمغه )) بمعناها الأصلي وهو: فيشج رأسه(2)، وهو غير مراد، بل المراد الغلبة والقهر .

وأيضاً قوله تعالى: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ (البقرة:187)، وقولـه تعالى: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (القلم:9) لو ترجمتا ترجمة حرفية لفسد المعنى تماماً، ولأصبح ضرباً من الهذيان بالكلام .

2- إن القرآن الكريم كلام الله تعالى المنزل على رسوله ، المعجز بألفاظه ومعانيه، المتعبّد بتلاوته(3)، ولا يقول أحد من الناس: (( إن الكلمة من القرآن إذا ترجمت يقال فيها: إنها كلام الله، فإن الله لم يتكلم إلا بما نتلوه بالعربية، ولن يتأتى الإعجاز بالترجمة، لأن الإعجاز خاص بما أنزل باللغة العربية، والذي يتعبّد بتلاوته هو ذلك القرآن العربي المبين بألفاظه وحروفه وترتيب كلماته(4) .

3- إن القرآن الكريم هو اللفظ والمعنى، والتحدي كان بهما وجبريل عليه السلام نزل على النبي بلسان عربي مبين، ولقد وصف الله القرآن بأنه عربي فقال: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا .. الآية (يوسف:2)، وقال: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (فصلت:3)، فالقرآن بلفظه ومعناه عربي، ولا يصح أن يقال عن كتابة بعض معانيه بغير العربية إنها قرآن .

4- إن ترجمة القرآن ترجمة حرفية مِثْلٌ للقرآن، وكل مثل للقرآن مستحيل فالقرآن تحدّى العرب أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه، فعجزوا عن المعارضة والمحاكاة – وهم يومئذ أئمة البلاغة والبيان – قال تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (البقرة: 23-24)، فهم عجزوا عن محاكاته ومعارضته بالعربية، فكيف بلغة غير عربية .

5- أنه لابد فـي تحققها من الوفاء بجميع معاني القرآن الأصلية والثانوية(1)، وهذا غير ممكن الإحاطة به دون ترجمة، فضلاً عن محاكاته فـي كلامٍ للبشر .

6- أن الترجمة لابد أن تفي بمقاصد القرآن الكريم الأساسية وهي: هداية الثقلين، وكونه آية معجزة دالة على صدق الرسول ، وأنه متعبّد بتلاوته، وهذه المقاصد لا يمكن أن تتحقق فـي الترجمة الحرفية ؛ لأن ترجمة القرآن غير القرآن .

7- أنه لابد أن يكون فـي اللغة المترجم إليها مفردات مساوية لمفردات القرآن الكريم، ووجود ضمائر وروابط فيها مساوية لضمائر وروابط القرآن الكريم، حتى يمكن أن يحل كل مفرد من الترجمة محل نظيره من الأصل(1) .

وهذا -كما هو معلوم- غير متوافر فـي اللغات، فكل لغة لها أسلوبها وطرائقها المنفردة بها عن غيرها .

ثانياً: حكم الترجمة اللفظية:

وهي ترجمة اللفظ نفسه مع مراعاة قواعد اللغة المترجم إليها وضوابطها فـي الترتيب والنظم، وهي قريبة من الترجمة الحرفية سوى الترتيب والنظم، لذا فإن ما سبق ذكره من الأدلة والاعتبارات فـي عدم جواز الترجمة الحرفية ينطبق على الترجمة اللفظية، وأضيف هنا بعضاً من كلام العلماء فـي حكمها:

فقد قال ابن قتيبة فـي (( تأويل مشكل القرآن )):

"وللعرب المجازات فـي الكلام، ومعناها: طرق القول ومآخذه، ففيها: الاستعارة، والتمثيل، والقلب، والتقديم، والتأخير، والحذف، والتكرار، والإخفاء، والإظهار، والتعريض، والإفصاح، والكناية، والإيضاح، ومخاطبة الواحد مخاطبة الجميع، والجميع خطاب الواحد، والواحد والجميع خطاب الاثنين، والقصد بلفظ الخصوص لمعنى العموم، وبلفظ العموم لمعنى الخصوص". ثم قال: "وبكل هذه المذاهب نزل القرآن، ولذلك لا يقدر أحدٌ من الترجمات – أي المترجمين – على أن ينقله إلى شيء من الألسنة، كما نُقل الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية والرومية، وتُرجمت التوراة والزبور، وسائر كتب الله تعالى بالعربية ؛ لأن العجم لم تتسع فـي المجاز اتساع العرب".

ألا ترى أنك لو أردت أن تنقل قوله تعالى: وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ (الأنفال:58) لم تستطع أن تأتي بهذه الألفاظ مؤدية عن المعنى الذي أُودِعَته حتى تبسط مجموعها، وتصل مقطوعها، وتُظهر مستورها، فتقول: إن كان بينك وبين قوم هدنة وعهد فخِفت منهم خيانةً ونقضاً، فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطتَ لهم، وآذنهم بالحرب لتكون أنت وهم فـي العلم بالنقض على استواء )) (1) .

وقال ابن قدامة فـي (( المغني )) : (( ولا تجزئه القراءة بغير العربية، ولا إبدال لفظها بلفظ غير عربي، سواء أحسن قراءتها بالعربية أو لم يحسن، وبه قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد. وقال أبوحنيفة: يجوز ذلك. وقال بعض أصحابه: إنما يجوز لمن لم يحسن العربية، واحتج بقوله تعالى: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ (الأنعام:19) ولا ينذر كل قوم إلا بلسانهم )) .

ثم بيّن ابن قدامة رأيه فـــي ترجمة القرآن قائلاً: (( ولنا قول الله تعــالى: قُرآنًا عَرَبِيًّا (الزمر:28)، وقوله تعالى: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (الشعراء: 195)؛ ولأن القرآن معجزة: لفظه ومعناه، فإذا غُيِّر خرج عن نظمه، فلم يكن قرآناً ولا مثله، وإنما يكون تفسيراً له، ولو كان تفسيره مثله لما عجزوا عنه كما تحداهم بالإتيان بسورة من مثله، أما الإنذار: فإنه إذا فسّره لهم كان الإنذار بالمفسر دون التفسير )) (1) .

وقد علّق الشيخ محمد رشيد رضا على ما ذكره ابن قدامة عن أبي حنيفة وشدّد على الداعين إلى ترجمة القرآن الكريم ووصفهم بالمرتدين قائلاً: (( نقل الحنفية عن أبي حنيفة أنه رجع عن هذا القول، ولم يعمل به أحد من مقلديه ولا من غيره، فاستمر الإجماع العملي على قراءة جميع المسلمين القرآن فـي الصلاة وغيرها بالعربية كأذكارها وسائر الأذكار والأدعية المأثورة على كثرة الأعاجم، حتى قام بعض المرتدين من أعاجم هذا العصر يدعون إلى ترجمة القرآن وغيره من الأذكار والتعبد بالترجمة، وإنما مرادهم التوسل بذلك إلى تسهيل الردة على قومهم، ونبذ القرآن المنزل من عند الله وراء ظهورهم، وهو إنما نزل باللسان العربي كما هو مصرح به فـي الآيات المتعددة. وإنما كان تبليغه والدعوة إلى الإسلام به والإنذار به كما أنزله الله تعالى. لم يترجمه النبي ولا أذِن بترجمته، ولم يفعل ذلك الصحابة ولا خلفاء المسلمين وملوكهم، ولو كتب النبي كتبه إلى قيصر وكسرى والمقوقس بلغاتهم لصح التعليل الذي علل به ذلك القول الشاذ الذي قيل: إن أبا حنيفة قاله وعلّل به، وأصرح ما يراه من الآيات قوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (الشعراء: 193-195) .

وقد بيّن الإمام الشافعي فـي رسالته الشهيرة في الأصول: أن الله تعالى فرض على جميع الأمم تعلم اللسان العربي بالتبع لمخاطبتهم بالقرآن والتعبد به، ولم ينكر ذلك عليه أحد من علماء الإسلام؛ لأنه أمرٌ مجمع عليه وإن أهمله الأعاجم بعد ضعف الدين والعلم )) (1) .

كما علق أبوطاهر عبدالقادر بدران على ذلك بقوله: "لقد كان للمحافظة على لغة القرآن وتدبر الناس إياه بهذه اللغة العربية أعظم الأثر فـي الوحدة الإسلامية وقوتها، بحيث لم يكن يستطيع عدو أن يتسرب إلى أي ناحية، حتى هجر المسلمون كتاب ربهم ولغته العربية، وشغلوا بكتب الأعاجم التي صرفتهم عن الخير كله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولقد كان حامل راية الدعوة إلى ترجمة القرآن: الشيخ محمد مصطفى المراغي، وكان الأستاذ السيد رشيد هو حامل راية الردّ عليه بأقوى حجج وأدمغ براهين، ولم يمنع ما كان بينهما من الصداقة الوثيقة أن يصدع السيد بالحق لله" (2) .

ثالثاً: حكم الترجمة التفسيرية:

سبق أن بيّنا أن الترجمة التفسيرية ترجمة لتفسير كلام الله تعالى ومعناه وليست لنصه، فهي إما أن يقوم بها فرد واحد يتولى التفسير والترجمة معاً، وإما أن يقوم بها من يتولى الترجمة فقط دون التفسير .

وعلى كلتا الحالتين فإنها ترجمة تفسيرية، وتأخذ بذلك حكم التفسير، ومن المعلوم أن كلمة المسلمين اتفقت على جواز تفسير القرآن الكريم لمن كان أهلاً لذلك، بل إن تفسيره وتدبر معانيه أمران مطلوبان: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(محمد:24)، وعلى هذا فإن ترجمة هذا التفسير داخلة تحت هذا الاتفاق؛ لأن عبارة الترجمة التفسيرية محاذية لعبارة التفسير لا لعبارة الأصل القرآني، فإذا كان التفسير مشتملاً على معنى الأصل وشرحه مما يسهل فهم القرآن وتدبره، كانت الترجمة لهذا التفسير أو المعنى مشتملة أيضاً على هذا كله، لأنها ترجمة للتفسير لا للقرآن .

ولا شك أن كلاًّ من التفسير وترجمته بيان ناحية أو أكثر من نواحي القرآن لا يحيط بها إلا من أنزله بلسان عربي مبين، وليس فـي واحد منهما إبدال لفظ مكان لفظ القرآن، ولا إحلال نظم محل نظمه، بل لفظ القرآن ونظمه باقيان على حالهما صورة ومعنى من غير خلل ولا نقصان(1) .

وإذا كان الأمر كذلك فإن هذه الترجمة لا بأس بها، لكونها ترجمة لتفسير القرآن لا للقرآن نفسه، ولما يترتب عليها من المصالح المهمة مثل:

- تبليغ معاني القرآن، وإيصال هدايته إلى المسلمين وغير المسلمين ممن لا يتكلمون بالعربية، ولا يعرفون لغة العرب، فإن الله تعالى بعث محمداً برسالة الإسلام إلى البشرية كافة على اختلاف أجناسها وألوانها ولغاتها، قال : (( وكان النبيُّ يُبعث إلى قومه خاصة وبُعثتُ إلى الناس كافة )) (2)، وشرط لزوم الرسالة البلاغ، والقرآن الذي نزل بلغة العرب صار إبلاغه للأمة العربية مُلزماً لها، ولكن سائر الأمم التي لا تحسن العربية، أو لا تعرفها، يتوقف إبلاغها الدعوة على ترجمتها بلسانها(3) .

- بيان ما اشتمل عليه القرآن بصورة صحيحة خالية من التضليل والتشكيك، وبخاصة أن القرآن الكريم عمد إليه كثير من المستشرقين، وأصحاب العقائد المنحرفة فتناولوه بالترجمة والتفسير باسم الإسلام والعمل على نشره، وهدفهم تضليل الناس، وتنفيرهم منه، وصدهم عنه .

وقد أشار شيخ الإسـلام ابن تيمــية إلى جواز تعلم اللغات الأخرى، وترجمة القرآن والحديث للمحتاج إلى فهمه حيث قال: "وأما مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه، إذا احتيج إلى ذلك، وكانت المعاني صحيحة، كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم وعرفهم، فإن هذا جائز حسن للحاجة، وإنما كرهه الأئمة إذا لم يحتجْ إليه". ثم قال: "ولذلك يترجم القرآن والحديث لمن يحتاج إلى تفهمه إياه بالترجمة، وكذلك يقرأ المسلم ما يحتاج إليه من كتب الأمم وكلامهم بلغتهم، ويترجمها بالعربية، كما أمر النبي زيد بن ثابت (( أن يتعلم كتاب اليهود ليقرأ له ويكتب له ذلك )) (1) حيث لم يأتمن اليهود على ذلك"(2) .

ومما يدل على جواز الترجمة التفسيرية من كلام العلماء ما أجاب به الزمخشري عن السبب فـي عدم إنزال القرآن بجميع الألسنة حيث قال: (( لا يخلو إما أن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها، فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة ؛ لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفي التطويل، فبقي أن ينزل بلسان واحد فكان أولى الألسنة لسان قوم الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم أقرب إليه، فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر، قامت التراجم ببيانه وتفهيمه، كما ترى الحال وتشاهدها من نيابة التراجم فـي كل أمة من أمم العجم، مع ما فـي ذلك من اتفاق أهل البلاد المتباعدة، والأقطار المتنازحة، والأمم المختلفة، والأجيال المتفاوتة، على كتاب واحد واجتهادهم فـي تعلم لفظه وتعلم معانيه، وما يتشعب من ذلك من جلائل الفوائد..." ثم قال: "ولأنه لو نزل بألسنة الثقلين كلها – مع اختلافها وكثرتها، وكان مستقلاً بصفة الإعجاز فـي كل واحد منها، وكلّم الرسول العربي كل أمة بلسانها كما كلّم أمته التي هو منها يتلوه عليهم معجزاً – لكان ذلك أمراً قريباً من الإلجاء" (1) .

وقد علّق على قوله الزرقاني فـي مناهل العرفان قائلاً:

"وقوله: "قامت التراجم ببيانه وتفهيمه" يشعر بأن مراده تفاسير القرآن بلغات أجنبية، لا ترجمات القرآن نفسه بالمعنى العرفي، وذلك لأن التفسير هو الذي يبيّن القرآن ويفهمه" (2) .

وقال الشاطبي فـي الموافقات: "فأما على الوجه الأول – يعني التي يشترك فيها جميع الألسنة – فهو ممكن، ومن جهته صح تفسير القرآن وبيان معناه للعامة، ومن ليس له فهم يقوى على تحصيل معانيه، وكان جائزاً باتفاق أهل الإسلام فصار هذا الاتفاق حجة فـي صحة الترجمة على المعنى الأصلي"(3) .

وقال ابن بطال - فيما نقله عنه ابن حجر فـي معرض توضيحه لحديث جاء فـي باب نزل القرآن بلسان قريش والعرب، وملخصه أن رجلاً تمنى أن يرى رسول الله حين نزل عليه الوحي، فسأله عن رجل أحرم فـي جبة بعدما تضمخ بطيب ... حيث قال: "مناسبة الحديث للترجمة – أي ترجمة الباب – أن الوحي كله -متلواً كان أو غير متلو- إنما نزل بلسان العرب، ولا يرد على هذا كونه بعث إلى الناس كافة عرباً وعجماً وغيرهم ؛ لأن اللسان الذي نزل عليه به الوحي عربي وهو يبلغه إلى طوائـف العرب، وهم يترجمونه لغير العرب بألسنتهم" (1) .

وقال ابن حجر: "فمن دخل الإسلام أو أراد الدخول فيه فقرئ عليه القرآن فلم يفهمه، فلا بأس أن يعرب له، لتعريف أحكامه، أو لتقوم عليه الحجة فيدخل فيه" (2) .

وفي مطالب أولي النهى: "ويحسن ترجمة القرآن لحاجة تفهيمه بها، وتكون تلك الترجمة عبارة عن معنى القرآن وتفسيراً له بتلك اللغة لا قرآناً ولا معجزاً" (3) .

وإذا قلنا بجواز الترجمة التفسيرية فإن ذلك بضوابط وشروط لابد من توافرها في قسميها، وهو ما سنبينه فـي المبحث التالي .

المبحث السابع: ضوابط الترجمة التفسيرية


من المعلوم أن القارئ للترجمة – فـي الغالب – لا يعرف اللغة المترجم منها، ولا يفهم لغة النص المترجم، وبالتالي فإنه يقرأ الترجمة على أساس أنها مسلَّمة سالمة من الأخطاء والتحريفات ؛ وحتى تكون الترجمة وافية بالمطلوب محققة للغرض المقصود لابد أن تتوافر فيها الضوابط والشروط التالية:

1- أن يكون المترجم عالماً بتفسير القرآن الكريم، متمكناً منه، عارفاً بضوابط التفسير وقواعده، متوافرة فيه شروط المفسر وآدابه(1)، وهذا الضابط يلزم بالأخص المترجم لتفسير القرآن الكريم مباشرة .

2- أن تكون الترجمة متضمنة أصح طرق التفسير المعتمدة، ويختار من الأقوال والوجوه فـي تفسير الآية أسدها وأشملها، ويشار إلى الوجوه الأخرى فـي الحاشية.

3- أن ينبه فـي مقدمة الترجمة على ما يلي:

أ- أن الترجمة التفسيرية المدونة ترجمة لما فهمه المفسر أو المفسرون من معاني القرآن .

ب- أن الترجمة لا تتضمن كل وجوه التأويل المحتملة لمعاني القرآن .

ج- أن ترجمة القرآن الكريم غير ممكنة بسبب طبيعة القرآن نفسه .

د- أن الترجمة التفسيرية لا تغني عن القرآن حيث فيه من الأسرار والحكم والألفاظ والتراكيب ما لا يستطاع إدراكه بالترجمة .

4- يشترط فـي المترجم ما يلي:

  1. أن يكون مجيداً لِلُّغة العربية ؛ ليتمكن من فهم المعنى فهماً صحيحاً .

ب- أن يكون مجيداً لِلُّغة المترجم إليها ليستطيع ترجمة ما فهم بأسلوب واضح لا قصور فيه .

ج- أن يكون عالماً باللغتين – المترجم منها والمترجم إليها – عارفاً بأوضاعهما وأساليبهما وخصائصهما .

د- أن يكون المترجم بعيداً عن الهوى، والميل إلى عقيدة زائفة تخالف ما جاء به القرآن الكريم .

5- أن يطلق على هذه الترجمة ما يدل عليها صراحة مثل:

(( ترجمة تفسير القرآن الكريم إلى اللغة ... )) .

(( تفسير القرآن الكريم باللغة ... )) .

ولا يجوز أن تسمى (( القرآن الكريم )) أو (( ترجمة القرآن الكريم )) فهذا الإطلاق يتبادر منه أنها ترجمة لنص القرآن، وهو غير جائز كما سبق أن بيّنا.

كما أن تسمية الترجمة بـ (( ترجمة معاني القرآن )) فيها إيهام بأنها ترجمة للقرآن الكريم نفسه(1)، فينبغي التحرز من التسمية بها .

6- أن تخضع الترجمة إلى مراجعة دقيقة من لجان متخصصة، فمما لا شك فيه أن الترجمة ليست من السهولة بمكان بحيث ينبري لها كل شخص يرى من نفسه القدرة على الترجمة، فالمترجمون أو اللغويون على مستويات متفاوتة فـي تمكنهم من اللغات، وهذا التفاوت فـي القدرات يجعل كل ترجمة عرضة لأن تخضع لهذه النسبة أيضاً، وكثيراً ما نشب الخلاف بين المسؤولين السياسيين نتيجة عدم دقة الترجمة .

كما نلحظ اختلاف الترجمة باختلاف المترجم، حيث إن المترجم فـي الأصل يقوم بعمل فني يعتمد على الاجتهاد، إذ هو بين معان ودلالات مرنة تختلف باختلاف فهم النص المراد ترجمته، وتختلف صياغة الترجمة بين مترجم وآخر، بل قد يظهر الاختلاف فـي الترجمة نفسها، فلو ترجم شخص نصاً، ثم طلب من آخر عكس الترجمة، أي إعادة نص الترجمة من اللغة التي ترجم إليها إلى اللغة التي ترجم عنها، لا شك أنه لن يكون النص الأول المترجم نفسه.

وبعد: فإننا حين نقرر الأخذ بترجمات تفسير القرآن الكريم، فإننا نؤكد أن المسلم لا ينبغي له الركون إلى هذه الترجمات، بل عليه أن يتعلم اللغة العربية لغة الأمة، لكي يدرك مدلول الخطاب الإلهي الذي نزل بلغة العرب، وإلا فإننا إذا سلمنا بالترجمة وأنها تغني عن الأصل، فقد حرمنا المسلمين من قراءة القرآن الكريم وتدبره ومعرفة أحكامه وأسراره وإعجاز آيه، وقد عبّر ابن فارس عن فضل اللغة العربية وعجز اللغات الأخرى عن مجاراتها بقوله: "ولو أراد مُعبِّر بالأعجمية أن يعبر عن الغنيمة والإخفاق، واليقين والشك، والظاهر والباطن، والحق والباطل، والمبين والمشكل، والاعتزاز والاستسلام، لعيَّ به، والله جلّ ثناؤه أعلم حيث يجعل الفضل" (1).

ونحن حين نقول هذا ندرك أن كثيراً من المسلمين من غير العرب تعلموا اللغة العربية من أجل فهم القرآن وإدراك معانيه وحكمه وأسراره ؛ لأنهم اعتقدوا أنه لا يمكن الوصول إلى فهم القرآن إلا بلغته الأصلية، ومع ذلك فقد فاق كثير منهم أهل العربية فالفضل لله يؤتيه من يشاء وهو العليم الحكيم.

المبحث الثامن: مفهوم نقل معاني القرآن إلى لغة أخرى


إن نقل معاني القرآن الكريم إلى لغة أخرى يعدّ ترجمة لهذه المعاني، فالنقل من لغة إلى لغة يعدُّ ترجمة للمنقول إلى لغة أخرى، قال ابن الأثير:

"التّرْجُمان – بالضم والفتح – هو الذي يترجم الكلام، أي: ينقله من لغة إلى أخرى، والجمع التراجم، والتاء والنون زائدتان" (1) .

والمعاني إما أن يقوم بها المترجم أو الناقل حيث يترجم المعاني مباشرة إلى اللغة الأخرى، وهذا فيه من الإشكالات ما فيه، حيث يندر أن يوجد متخصص فـي التفسير تتوافر فيه الشروط المعتبرة فـي المفسر، ويجيد اللغة أو اللغات الأخرى، ولذا نلحظ أن كثيراً من الترجمات الموجودة اليوم يكثر فيها الغلط والقول على الله بغير علم .

وإما أن يقوم بالمعاني متخصص فـي التفسير أو لجنة من المتخصصين فيه تفسره باللغة العربية وفق الضوابط والشروط المعتبرة عند أهل التفسير، ثم يقوم المترجم بترجمة هذا التفسير أو هذه المعاني للقرآن الكريم، وهذا لا إشكال فيه، وقد سبق توضيحه فـي حكم الترجمة التفسيرية .

وهنا أود أن أؤكد أن هناك فرقاً بين الترجمة والتفسير:

فالترجمة: إبدال لفظة بلفظة تقوم مقامها فـي لغة أخرى .

والتفسير: بيان اللفظة بلفظة أخرى فـي اللغة نفسها.

وقد أشار إلى هذا الفارق القفَّال وغيره فيما نقله عنهم الزركشي فـي البحر المحيط حيث قال:

(( لا يجوز ترجمة القرآن بالفارسية وغيرها، بل يجب قراءته على هيئته التي يتعلق بها الإعجاز لتقصير الترجمة عنه، ولتقصير غيره من الألسن عن البيان الذي خص به دون سائر الألسنة، قال الله تعالى:بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (الشعراء:195)، هذا لو لم يكن متحدًّى بنظمه وأسلوبه، وإذا لم تجز قراءته بالتفسير العربي المتحدى بنظمه فأحرى أن لا تجوز بالترجمة بلسان غيره.

ومن ههنا قال القفال فـي فتاويه: عندي أنه لا يقدر أحد أن يأتي بالقرآن بالفارسية، قيل له: فإذن لا يقدر أحد أن يفسر القرآن، قال: ليس كذلك ؛ لأن هناك يجوز أن يأتي ببعض مراد الله ويعجز عن البعض، أما إذا أراد أن يقرأه بالفارسية فلا يمكن أن يأتي بجميع مراد الله .

وفَرَّقَ غيره بين الترجمة والتفسير، فقال: يجوز تفسير الألسن بعضها ببعض؛ لأن التفسير: عبارة عما قام فـي النفس من المعنى للحاجة والضرورة.

والترجمة: هي بدل اللفظة بلفظة تقوم مقامها فـي مفهوم المعنى للسامع المعتبر لتلك الألفاظ، فكأن الترجمة: إحالة فهم السامع على الاعتبار، والتفسير: تعريف السامع بما فهم المترجم . وهذا فرق حسن )) (1) .


ثبت المصادر


  1. أحكام القرآن، لأبي بكر محمد بن عبدالله بن العربي، تحقيق: علي محمد البجاوي، نشر: دار المعرفة – بيروت .

  2. أساس البلاغة، لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري، نشر: دار الكتب المصرية سنة 1341هـ .

  3. اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: محمد حامد الفقي، الطبعة الثانية 1369هـ .

  4. الأمالي، لأبي علي القالي، نشر: دار الآفاق الجديدة – بيروت .

  5. البحر المحيط فـي أصول الفقه، لبدر الدين الزركشي، تحرير: عبدالقادر العاني، نشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، الطبعة الثانية، 1413هـ .

  6. البرهان في علوم القرآن، للزركشي ط دار المعرفة 1410هـ.

  7. بلاغة القرآن، محمد الخضر حسين، جمعه وحققه: علي الرضا التونسي، طبع سنة 1391هـ .

  8. تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة، تحقيق: السيد أحمد صقر، نشر دار التراث بالقاهرة، الطبعة الثانية، سنة 1393هـ .

  9. تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، لفخر الدين عثمان بن علي الزيلعي، نشر: دار المعرفة - بيروت عن الطبعة الأولى ببولاق، سنة 1313هـ .

  10. تذكرة الحفاظ، للذهبي، نشر: دار إحياء الكتاب العربي .

  11. ترتيب القاموس المحيط للفيروزآبادي، الأستاذ الطاهر أحمد الزاوي، نشر دار الباز بمكة .

  12. تفسير القرآن الكريم، أصوله وضوابطه، د. علي بن سليمان العبيد، نشر: مكتبة التوبة، الطبعة الأولى، سنة 1418هـ .

  13. التفسير والمفسرون، لمحمد حسين الذهبي، نشر: دار الكتب الحديثة بالقاهرة، الطبعة الثانية، 1396هـ .

  14. تيسير التحرير على كتاب التحرير، شرح: محمد أمين المعروف بأمير بادشاه الخراساني، طبع: مصطفى البابي الحلبي سنة 1351هـ .

  15. درء تعارض العقل والنقل، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، نشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1411هـ.

  16. دراسة حول ترجمة القرآن الكريم، د. أحمد إبراهيم مهنا، مطبوعات الشعب .

  17. سنن أبي داود، لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، عناية: كمال يوسف الحوت، نشر: دار الجنان بيروت، الأولى سنة 1409هـ.

  18. سنن الترمذي، لأبي عيسى الترمذي، تحقيق: أحمد محمد شاكر، نشر: مصطفى البابي الحلبي، الطبعة الثانية سنة 1398هـ .

  19. الصاحبي، لابن فارس، تحقيق: السيد أحمد صقر، مطبعة عيسى البابي الحلبي، بالقاهرة .

  20. الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، لإسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبدالغفور عطار، الطبعة الثانية سنة 1402هـ .

  21. صحيح البخاري، لأبي عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري، نشر: المكتبة الإسلامية بإستانبول سنة 1979م .

  22. صحيح مسلم، لأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، نشر: إدارات البحوث العلمية والإفتاء بالرياض، سنة 1400هـ .

  23. صحيح مسلم بشرح النووي، الطبعة الثانية، سنة 1392هـ، نشر: دار الفكر – بيروت .

  24. الطبقات الكبرى، لابن سعــد، نشر: دار بيروت للطباعة، سنة 1376هـ.

  25. عمدة الحفاظ فـي تفسير أشرف الألفاظ، أحمد بن يوسف السمين الحلبي، تحقيق: محمود محمد السيد الدغيم، صورة خطية، الطبعة الأولى، سنة 1407هـ .

  26. فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، الطبعة الثانية، دار المعرفة – بيروت – عن الطبعة الأولى ببولاق سنة 1301هـ.

  27. فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت (هامش المستصفى للغزالي)، دار صادر عن المطبعة الأميرية ببولاق سنة 1324هـ .

  28. فيض الرحمن فـي الأحكام الفقهية الخاصة بالقرآن، د. أحمد سالم ملحم، نشر: دار النفائس بالأردن، الطبعة الأولى سنة 1421هـ .

  29. الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري، نشر: مكتبة العبيكان بالرياض سنة 1418هـ .

  30. كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، لعبدالعزيز بن أحمد البخاري، نشر: دار الكتاب العربي - بيروت .

  31. لسان العرب، لأبي الفضل محمد بن مكرم بن منظور، نشر: دار صادر– بيروت .

  32. مباحث فـي علوم القرآن، مناع خليل القطان، نشر: مكتبة المعارف بالرياض، سنة 1413هـ .

  33. مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب: عبدالرحمن بن قاسم، نشر: الرئاسة العامة لشؤون الحرمين الشريفين .

  34. مسند الإمام أحمد بن حنبل، نشر: المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الرابعة، سنة 1403هـ .

  35. مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى، مصطفى السيوطي الرحيباني، منشورات المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، سنة 1380هـ .

  36. المعجم الوسيط، إبراهيم مصطفى وآخرون، نشر: دار الدعوة بإستانبول.

  37. المغني، لابن قدامة، نشر: مكتبة الرياض الحديثة بالرياض .

  38. مناهل العرفان فـي علوم القرآن، محمد عبدالعظيم الزرقاني، طبع: عيسى البابي الحلبي بالقاهرة .

  39. الموافقات في أصول الشريعة، لأبي إسحاق الشاطبي، شرح: عبدالله دراز، نشر: دار الكتب العلمية – بيروت .

  40. النهاية في غريب الحديث والأثر، لأبي السعادات ابن الأثير، تحقيق: طاهر الزاوي ومحمود الطناحي، نشر: دار الباز بمكة .


فهرس الموضوعات

المقدمة 1

المبحث الأول: معنى الترجمة في اللغة والاصطلاح 4

الترجمة فـي اللغة: 4

الترجمة في الاصطلاح: 5

المبحث الثاني: معنى ترجمة القرآن الكريم 7

المبحث الثالث: حقيقة القرآن الكريم 8

المبحث الرابع: أنواع ترجمة القرآن الكريم 13

الأول: الترجمة الحرفية: 13

الثاني: الترجمة اللفظية: 13

الثالث: الترجمة التفسيرية: 13

واقع ترجمات القرآن الكريم: 15

المبحث الخامس: الفرق بين أنواع الترجمات 17

المبحث السادس: حكم ترجمة القرآن الكريم 20

أولاً: حكم الترجمة الحرفية: 20

ثانياً: حكم الترجمة اللفظية: 23

ثالثاً: حكم الترجمة التفسيرية: 26

المبحث السابع: ضوابط الترجمة التفسيرية 31

المبحث الثامن: مفهوم نقل معاني القرآن إلى لغة أخرى 35

ثبت المصادر 37

فهرس الموضوعات 42


1 (?) الطبقات الكبرى لابن سعد 2 :366، وتذكرة الحفاظ للذهبي 1 : 4 .

2 (?) أساس البلاغة 2 : 20، مادة (( فسر )) .

3 (?) المعجم الوسيط ص83 .

4 (?) صحيح مسلم بشرح النووي 1 : 186 .

5 (?) البيت من قصيدة لعوف بن مُحَلِّم الخزاعي ذكرها أبوعلي القالي فـي الأمالي 1: 50 .

1 (?) الصحاح، مادة (( ترجم )) 5 : 1928.

2 (?) لسان العرب، مادة (( رجم )) 12 : 229 .

3 (?) ترتيب القاموس المحيط، مادة (( ترجم )) 1: 364 .

4 (?) النهاية فـي غريب الحديث والأثر 1: 186 .

5 (?) عمدة الحفاظ فـي تفسير أشرف الألفاظ، مادة (( رجم )) ص198.

6 (?) فتح الباري 1 : 31 .

7 (?) المعجم الوسيط ص83 .

1 (?) مناهل العرفان فـي علوم القرآن 2 : 111 .

1 (?) انظر : مناهل العرفان 2 : 144 .

1 (?) "إن القرآن كلام الله، منه بدا، بلا كيفية قولاً، وأنزله على رسوله وحياً، وصدَّقه المؤمنون على ذلك حقاً وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر" شرح الطحاوية 1/172.

2 (?) كشف الأسرار 1 : 21، 24 .

3 (?) تبيين الحقائق بشرح كنز الدقائق 1 : 111 .

1 (?) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 6 : 542 .

2 (?) انظر : تيسير التحرير 3 : 4، وفيض الرحمن فـي الأحكام الفقهية الخاصة بالقرآن ص35 .

1(?) البرهان: 2/96.

2(?) فواتح الرحموت 2 : 8 (هامش المستصفى للغزالي) .

3(?) تيسير التحرير 3 : 4 .

1 (?) انظر: فيض الرحموت فـي الأحكام الفقهية الخاصة بالقرآن ص33، 34 .

2 (?) أحكام القرآن لابن العربي 4 : 1665 .

3 (?)نقله عن الرسالة الملقبة بالسبعينية محمد الخضر حسين فـي بلاغة القرآن ص15، 16 .

1 (?) اقتضاء الصراط المستقيم ص203 .

2 (?) المصدر السابق ص207 .

1(?) انظر : بلاغة القرآن ص16، 17.

1 (?) هندي من طائفة البهرة، طبعت ترجمته سنة 1352هـ-1934م .

2 (?) انظر قوله فـي دراسة حول ترجمة القرآن ص124 .

1(?) انظر : مناهل العرفان 2 : 114-118 .

1 (?) انظر : التفسير والمفسرون لمحمد حسين الذهبي 1 : 26، 27 .

2 (?) أصل الدمغ شـج الرأس حتى يبلغ الدماغ .

3 (?) لقد تعبّد الله خلقه بتلاوة كتابه ووعدهم بالأجر والمثوبة، قال - عز وجل - : إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (فاطر :29-30)، وقال : (( من قرأ حرفاً من كتاب الله تعالى فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف )) أخرجه الترمذي فـي كتاب فضائل القرآن، حديث رقم (2910)، 5 /175 . وقال عنه : حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه .

4 (?) انظر : مباحث فـي علوم القرآن للقطان ص325 .

1 (?) يقصد بالمعاني الأصلية : المعاني المطلقة التي يستوي فـي فهمها كل من عرف مدلولات الألفاظ المفردة وعرف وجوه تراكيبها معرفة إجمالية .

والمعاني الثانوية : هي الألفاظ والعبارات الخادمة أو التابعة، أو ما يستفاد من الكلام زائداً على معناه الأول . انظر : الموافقات 2 : 51، ومناهل العرفان 2 : 121، 122، ومباحث فـي علوم القرآن للقطان ص325 .

1 (?) انظر : مناهل العرفان 2 : 113، 144، 146 .

1 (?) تأويل مشكل القرآن ص20، 21 .

1 (?) المغني لابن قدامة 1 : 486 .

1 (?) حاشية المغني 1: 486.

2 (?) حاشية المغني 1 : 486-487.

1(?) انظر : التفسير والمفسرون 1 : 28 .

2(?) من حديث أخرجه البخاري فـي كتاب الصلاة، باب قول النبي (( جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً )) 1 : 113، ومسلم فـي صحيحه فـي كتاب المساجد ومواضع الصلاة 1 :370 .

3 (?) انظر : التفسير والمفسرون 1 : 29، ومباحث فـي علوم القرآن للقطان ص327 .

1 (?) الحديث أخرجه الإمام أحمد فـي (( المسند )) 5 : 18، وأبوداود فـي سننه، فـي كتاب العلم، باب رواية حديث أهل الكتاب 2 : 342 .

2 (?) درء تعارض العقل والنقل 1 : 43، 44 .

1(?) الكشاف 3 : 362 .

2(?) مناهل العرفان 2 : 143 .

3(?) الموافقات 2 : 52 .

1 (?) فتح الباري 9 : 8، كتاب فضائل القرآن، باب نزل القرآن بلسان قريش والعرب .

2 (?) فتح الباري 13 : 431، كتاب التوحيد، باب ما يجوز من تفسير التوراة وكتب الله .

3 (?) مطالب أولي النهى فـي شرح غاية المنتهى 1 : 433 .

1 (?) انظر : تفسير القرآن الكريم أصوله وضوابطه ص93، 123، 141 .

1(1) الإضافة هنا للمعاني، وليست لنص القرآن أو لفظه، فلا إيهام (اللجنة العلمية).

1 (?) الصاحبي ص19 .

1 (?) النهاية فـي غريب الحديث والأثر 1 : 186، وانظر : المبحث الأول فـي معنى الترجمة فـي اللغة والاصطلاح .

1 (?) البحر المحيط للزركشي 1 : 447 .

42