مناهج المستشرقين في ترجمات معاني القرآن الكريم.doc





مناهج المستشرقين في ترجمات معاني القرآن الكريم:

دراسة تاريخية نقدية









د.عبد الراضي بن محمد عبد المحسن

مقدمـــة


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم أما بعد:

فالترجمة وسيلة من وسائل الاتصال الحضاري والتأثير الثقافي بين الأمم، وسبيل من سبل نقل المعارف والعلوم والخبرات المختلفة من حضارة إلى أخرى، وقد كانت الترجمة في الحضارة الإسلامية أهم عوامل الحفاظ على التراث العلمي والثقافي للعالم القديم، وتنقيحه، وتطويره.

ولما شرع الغرب في تلمُّس مخرج من ظلام عصوره الوسطى يـمّم وجهه شطر العالم الإسلامي يستلهم حضارته ونظمه عبر واحدة من أوسع حركات الترجمة التي شملت ـ كما يقول لويس يونغ ـ جميع المجالات، ومن خلالها تركت الحضارة الإسلامية بصماتها على جميع المستويات، وأسهمت بقدر غير منكور في تنوير القارة الأوربية المظلمة(1).

وقد كان القرآن الكريم من أوائل الترجمات التي عرفتها لغات الغرب الأوربي، وكذلك كان أكثرها من جهة حرص المستشرقين على نقله إلى جميع اللغات الأوربية، مما يثير العديد من التساؤلات حول سر اهتمام الحركة الاستشراقية البالغ بترجمة القرآن الكريم، مثل:

ماهية الدوافع والعوامل والأسباب التي كانت وراء ترجمة القرآن الكريم: أثقافية معرفية؟ أم كنسية تنصيرية؟ أم سياسية استعمارية؟

وما الأهداف التي سعى المستشرقون إلى تحقيقها من خلال الترجمة؟

وما الطرق التي سلكها المترجمون في إنجاز ترجماتهم: هل هي طرق علمية تلتزم الدقة والموضوعية؟ أو نزعات ذاتية منفلتة منهجياً؟

وما سمات الترجمات الاستشراقية للقرآن الكريم؟

وما الآثار التي ترتبت على ترجمة القرآن إلى أكثر من إحدى وعشرين لغة أوربية؟ أو ما الذي يمكن أن يترتب على ذلك؟

وتقتضي ضرورة الإجابة عن كل هذه التساؤلات دراسة حركة الترجمة الاستشراقية للقرآن الكريم دراسة علمية تجلِّي أبعاد تلك الحركة التي شغلت حيز عشرة قرون من الزمان وأخرجت مئات الترجمات وواكبت حقباً عدةً من تاريخ الاحتكاك الغربي بالعالم الإسلامي: (الحروب الصليبية، الحقبة الاستعمارية، صراع الحضارات الآنيّ)، وتكشف أهدافها، وتبين مخاطرها، وذلك في مباحث ثلاثة وخاتمة.

الأول: استعرض خصائص الترجمات الاستشراقية، والتي تأرجحت بين ترجمة النص وليس المعنى، وبيَّن غياب فكرة النظم القرآني عن المترجمين، وبين ضعف الترجمات بسبب جهل المستشرقين بالإسلام وباللغة العربية، وبين الترجمة الحرة غير الملتزمة منهجياً بضوابط الترجمة العلمية.

الثاني: استخلص الطرق التي سلكها المترجمون في إنجاز أعمالهم؛ من إغفال للأصل العربي للقرآن الكريم والاعتماد على الترجمات الاستشراقية الأخرى، ومن تغيير للترتيب المأثور لسور القرآن الكريم.

الثالث: أبان مخاطر الترجمات الاستشراقية، والتي تمثلت في تعميق المفاهيم المغلوطة حول الإسلام وأهمها: بشرية القرآن وتبعية الإسلام ونبيّه وكتابه للديانة اليهودية والنصرانية، وفي إبعاد الناس عن المعاني العظيمة والقيم الدينية الكبرى في القرآن.

الخاتمة: عرضت خلاصة الدراسة وما قاد إليه البحث من نتائج.

وقد اتبعت الدراسة منهجاً تاريخياً مقارناً التزمت فيه الموضوعية في التناول وفي الحكم، لكيلا أقع فيما تردّى فيه المستشرقون: من تجافٍ عن المنهجية العلمية، واتباع لسطوة الرغبة في إصدار الأحكام السابقة والصكوك الموروثة.

وفيما يخص نصوص الملاحظات وشواهدها على الترجمات الاستشراقية والأخطاء التي وقعت فيها فقد اقتصر البحث ـ في حدود ما أتيح له ـ على رصد أمثلة من ست لغات حية بالإضافة إلى اللغة اللاتينية لغة الترجمات الأولى، وذلك على النحو التالي:

1- الترجمات الألمانية:

رُصدت أخطاؤها والملاحظات عليها ـ مباشرة ـ من خلال ترجمتي: رودي بارت، وماكس هيننج، وقورنت بترجمة مراد هوفمان لبيان الترجمة الصحيحة.

2- الترجمات الإنجليزية:

رُصدت أخطاؤها من خلال جهود كُلٍّ من: عبدالله الندوي (ترجمات معاني القرآن الكريم) د. أحمد مهنا (دراسة حول ترجمة القرآن الكريم) وقورنت بترجمة تقي الدين الهلالي ـ محمد محسن خان الصادرة عن مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة؛ لبيان الترجمة الصائبة.

3- الترجمات الفرنسية:

رُصدت أخطاؤها من خلال جهود كل من: د. زينب عبدالعزيز (ترجمات القرآن إلى أين؟)، موريس بوكاي (الأفكار الخاطئة التي ينشرها المستشرقون من خلال ترجماتهم) وقورنت الملاحظات بترجمة محمد حميد الله الحيدرابادي المنقحة الصادرة عن مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة؛ لبيان الترجمة الصحيحة.

4- بقية الترجمات (اللاتينية، الإسبانية، المجرية، الروسية) أُسندت كل ملاحظة إلى مصدرها.

والله تعالى أسأل أن يكون من وراء القصد، وأن يعلمنا تعالى ما جهلنا وأن ينفعنا بما قد نكون علمنا، فله الحمد والمنة في البدء والختام.

المبحث الأول

مناهج المستشرقين في الترجمة


إذا كانت دقة النتائج في أية دراسة تتوقف على سلامة المنهج المتبع في بحثها، فإن سلامة المنهج في الترجمة لهي الأساس للاطمئنان إلى ترجمة ما، ومن ثمَّ قبولها أو ردّها.

فهل كان منهج المستشرقين في ترجمة القرآن الكريم منهجاً علمياً ملائماً للوصول إلى نص قريب من المعاني المرادة للنص الأصلي؟

أجاب موريس بوكاي عن هذا السؤال بالنفي القاطع؛ قائلاً: "وإذا أمعنت النظر في طرائق المستشرقين لترجمة القرآن، علمت أنه من غير الممكن أن تحصل على واحدة يُطْمَأنُّ إليها بين ترجماتهم"(1).

أما القواعد المنهجية التي اتبعها المستشرقون في ترجماتهم وقادت إلى هذه النتيجة المؤسفة، فتتمثل في:

أولاً: ترجمة النص وليس المعنى

يبدو التزام المستشرقين بهذه القاعدة واضحاً من أسماء الترجمة التي حملتها طبعاتهم، فباستثناء ترجمة آربري التي حملت اسم ((القرآن مفسراً)) تكاد الترجمات الاستشراقية تجتمع على عنونتها بـ((القرآن)) أو ((ترجمة القرآن))(2).


ولا يقتصر الأمر على عناوين الترجمة، بل يذكر بعض المستشرقين في مقدمات ترجماتهم أنهم يترجمون النص القرآني وليس معانيه.

جاء في مقدمة ن. ج. داود لترجمته المنشورة بعنوان:

))The Koran A new Translation((

عام 1956م في لندن في سلسلة: Classics Penguin The

((وفي إعداد هذه الترجمة الجديدة قصدت أن أقدم للقارئ نسخة من القرآن بالإنجليزية المعاصرة .. وأمددت القارئ بحواشٍ تفسيرية تفادياً لقلب النص إلى تفسير بدلاً من ترجمة))(1).

ويقول جاك بيرك في مقدمة ترجمته: "تعمقت من خلال دراساتي المتواصلة والمستمرة بحيث أكون في مستوى ترجمة النص، ولكي لا يحدث أي تقصير في النص الفرنسي الذي يتوخى تقديم القرآن الكريم بكل أبعاده اللغوية والروحية إلى لغة أخرى))(2).

وهذا النهج الذي سلكه المستشرقون يصادم ثوابت عقدية وفكرية وتاريخية ولغوية، فمن الناحية الفكرية لا يري أيُّ مفكر مسلم إمكان محاكاة النص القرآني، كما تقوم العقيدة الإسلامية على الإيمان بالقرآن الكريم كتاباً فريداً معجزاً في جميع جوانبه لجميع البشر عربهم وعجمهم، وتاريخياً ثبت عجز العرب أهل الفصاحة والبلاغة عن إجابة التحدي القرآني لهم بأن يأتوا بسورة ليس من طبيعة النظم القرآني بل من مثيله أو مما يقاربه، أما من الناحية اللغوية فإن عجز العربية بثرائها عن المجيء بمثل سورة من القرآن لَـيَستلزم عجز غيرها من اللغات؛ وذلك لأسباب كثيرة، منها: غنى العربية بالمفردات والمترادفات مما ليس له مثيل في اللغات الأخرى، ومنها اختلاف بناء الجملة في العربية عنه في اللغات الأوربية، وكذلك النظام اللغوي من حيث الضمائر والتذكير والتأنيث والإفراد والجمع ناهيك عن الأساليب البلاغية، والنظام الصرفي والصوتي في العربية الذي يسمح لبعض التراكيب ببعض الخصائص التعبيرية التي تتجاوز المعاني المعجمية.

ثانياً: إغفال النص العربي في الترجمة

يؤلف هذا النهج الاستشراقي أكبر عائق أمام استحقاق أعمال المستشرقين اسم الترجمة؛ لأن بدهيات الترجمة تعني الانطلاق من الأصل المترجم، لكن فكرة التنصير التي كانت وراء ترجمة القرآن الكريم، وكذلك الحرب ضد الإسلام والمسلمين لم تر دراسة أصل المصادر ضرورية واكتفت بالترجمات التي ما لبث أن عبَّر الفرنسيسكاني روجر بيكون عن عدم قناعته بها(1).

وبالتالي فإن الترجمات في المرحلة الأولى كانت ترجمة لترجمة دير كلوني أو للترجمتين الوسيطتين (ترجمة دي ريور الفرنسية، وترجمة أندريا أريفابيني الإيطالية) وفي المرحلة الثانية كانت الترجمات الاستشراقية ترجمة لترجمة القس لودفيجو ماراتشي أو وسيطتها (ترجمة جورج سيل الإنجليزية).

ويعني ذلك أن الأصل القرآني ظل مُغْفلاً بشكل كليٍّ طوال سبعة قرون، ولما حلّ القرن التاسع عشر أصبح مُغْفلاً بشكل جزئي.

وإلى جانب هذه العوامل التنصيرية فإن بعض المستشرقين كانت لهم دوافع خاصة أدت بهم إلى إغفال الأصل القرآني مثل المستشرق آرثر. ن. ولاستون الذي صرّح باطلاعه على مضمون القرآن الكريم عن طريق الترجمات الإنجليزية والفرنسية بسبب جهله باللغة العربية(1).

ثالثاً: إعادة ترتيب سور القرآن

رغم أن قواعد الترجمة تعني التزام المترجم نقل نظام المادة المترجمة وترتيبها كما جاءت في الأصل، وذلك في النص الإنساني ناهيك عن صرامة هذا الالتزام في الكتب المقدسة.

لكن المستشرقين تجاوزوا هذا الالتزام، وراحوا يعيدون الترتيب القرآني للسور، فنزعوا نزعات شتى في ترجماتهم، وسلكوا مسالك عدة، أثمرت أنظمة وهياكل مختلفة لترتيب السور القرآنية، وكأن المترجَم عدة كتب مختلفة وليس كتاباً واحداً.

وقد ظهرت نزعات الترجمات الاستشراقية في إعادة ترتيب السور القرآنية في الأنساق التالية:

أ ـ الترتيب المصحفي المأثور.

التزم به بعض المستشرقين مثل: جورج سيل، وآرثر آربري.

ب ـ ترتيب السور وفق النزول.

ترجمة إدوارد بالمر ـ ترجمة جون رادويل ـ ترجمة ريتشارد بل.

جـ ـ الترتيب التاريخي وفق مراحل الدعوة.

بدأ هذه المحاولة المستشرق الألماني تيودور نولدكه في كتابه الشهير "تاريخ القرآن" عام 1860م، وتبعه مواطنه شيفالي في كتابه "تاريخ القرآن" عام 1909م ومن قبله الإنجليزي وليم موير في الجزء الثاني من كتابه "حياة محمد" عام 1896م.

وقد اعتمد هذا الترتيب التاريخي ريجيس بلاشير في ترجمة عام 1949م، يقول بلاشير في مقدمة ترجمته: ((السور القرآنية تنقسم إلى أربع مجموعات توافق فترات رسالة محمد الأربع المتلاحقة، وقد جعلنا ـ مستندين إلى البراهين ـ ضمن نصوص فترة الدعوة الأولى السور التالية…))(1).

ثم يذهب بلاشير يرتب سور القرآن ترتيباً تاريخياً إلى أربع مراحل(2):

ـ المرحلة المكية الأولى، وتضم سور:

1ـ العلق ( الآيات 1ـ5) 2ـ المدثر (1ـ7) 3ـ قريش 4ـ الضحى 5ـ الانشراح 6ـ العصر 7ـ الشمس 8ـ الماعون 9ـ الطارق 01ـ التين 11ـ الزلزلة 12ـالقارعة 13ـ العاديات 14ـ الليل 15ـ الانفطار 16ـ الأعلى 17ـ عبس 18ـ التكوير 19ـ الانشقاق 20ـ النازعات 21ـ الغاشـــــية 22ـ الطور 23ـ الواقعة 24ـ الحاقة ـ 25ـ المرسلات 26ـ النبأ 27ـ القيامة 28ـ الرحمن 29ـ القدر 30ـ النجم 31ـ التكــــاثر 32ـ (العلق 6ـ19) 33ـ المعارج 34ـ المزمل 35ـ الإنسان 36ـ المطففون 37ـ المدثر (8ـ55) 38 ـ المسد 39ـ الكوثر 40ـ الهمزة 41ـ البلد 42ـ الفيل 43ـ الفجر 44ـ البروج 45ـ الإخلاص 46ـ الكافرون 47ـ الفاتحة 48ـ الفلق 49ـ الناس.

ـ المرحلة المكية الثانية، وتضم سور:

50ـ الذاريات 51ـ القمر 52ـ القلم أو نون 53 ـ الصافات 54ـ نوح 55ـ الدخان 56ـ ق 57ـ طه 58ـ الشعراء 59ـ الحجر 60ـ مريم 61ـ ص 62 ـ يس 63ـ الزخرف 64 ـ الجن 65ـ الملك 66ـ المؤمنون 67ـ الأنبياء 68ـ الفرقان 69ـ النمل 70ـ الكهف.

ـ المرحلة المكية الثالثة، وتضم سور:

71ـ السجدة 72ـ فصلت 73ـ الجاثية 74ـ الإسراء 75ـ النحل 76ـ الروم 77ـ هود 78ـ إبراهيم 79ـ يوسف 80ـ غافر 81ـ القصص 82ـ الزمر 83ـ العنكبوت 84ـ لقمان 85ـ الشورى 86ـ يونس 87ـ سبأ 88ـ فاطر أو الملائكة 89ـ الأعراف 90ـ الأحقاف 91ـ الأنعام 92ـ الرعد.

ـ المرحلة المدنية وتضم سور:

93ـ البقرة 94ـ البينة 95ـ التغابن 96ـ الجمعة 97ـ الأنفال 98ـ محمد 99ـ آل عمران 100ـ الصف 101ـ الحديد 102ـ النساء 103ـ الطلاق 104ـ الحشر 105ـ الأحزاب 106ـ المنافقون 107ـ النور 108ـ المجادلة 109ـ الحج 110ـ الفتح 111ـ التحريم 112ـ الممتحنة 113ـ النصر 114ـ الحجرات 115ـ التوبة 116ـ المائدة.

وقد أصبح القرآن وفق هذا الترتيب 116 سورة بدلاً من 114 إذ قسّم سورتي العلق والمدثر إلى أربع سور، وهو ما لا يعرفه المسلمون. وما لا يعرفه المصحف الشريف منذ حضور زيد بن ثابت العرضة الأخيرة للقرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم على جبريل حتى اليوم.

وهذا الترتيب الاستشراقي صحيحه ليس جديداً، وجديده ليس بصحيح، فقد سبق المستشرقين إليه أبو القاسم الحسن بن حبيب النيسابوري في كتابه ((التنبيه على فضل علوم القرآن )) إذ يقول: ((من أشرف علوم القرآن علم نزوله، وجهاته وترتيب ما نزل بمكة؛ ابتداءً ووسطاً وانتهاء، وترتيب ما نزل بالمدينة كذلك))(1).

د ـ الترتيب الشاعري (بزعمهم) .

وهو أبرز علامات الانفلات المنهجي في الترجمات الاستشراقية، فقد حاول اليهودي داود في ترجمته الإنجليزية (عام 1956م) أن يضع ترتيباً خاصاً لسور القرآن، لم يلتزم فيه ـ بالطبع ـ الترتيب المصحفي المأثور، كما خالف فيه ترتيب النزول والترتيب التاريخي الذي عمل به بعض المستشرقين، واعتمد ترتيباً غريباً مداره على أمرين أحدهما: قصر السور وطولها، والثاني: شاعرية السور (بزعمه)، فبدأ ترجمته بالسورة القصيرة وتتضمن العنصر الأكثر شاعرية، ثم الأطول والأقل شاعرية وهكذا. وسوغ اعتماده هذا الترتيب رغبته في عدم صدمة القارئ بالسور الطويلة كالبقرة والنساء، ورغبته في تهيئة القارئ تدريجياً(2).

وقد ترتب على هذا الأساس المنهجي في الترجمة الاستشراقية نتائج غير علمية وذلك بسبب:

1ـ مخالفتها الواقع التاريخي، مثل ترجمة بلاشير التي جعلت سور القرآن 116سورة بدلاً من 114سورة، وهو عدد السور المصحفي الذي يجمع عليه المسلمون طوال خمسة عشر قرناً من الزمان.

2ـ خروجها عن الموضوعية العلمية التي تُلزم بمراعاة النص المكتوب سواء أكان ترجمة أم بحثاً، ومن جهة أخرى تفتح باباً لا يغلق أمام دَوْر الهوى والذوق الشخصي في التصرف في العمل العلمي.

3ـ افتعال مشكلة أمام النص القرآني لم يعرفها تاريخ علوم القرآن، وهو ما يسمى بالمشكلات الزائفة ؛ ذلك أن ترتيب النزول لم يكن يوماً باعثاً على التناقض بسبب مخالفته للترتيب المصحفي التوقيفي إلا من وجهة النظر الاستشراقية؛ لأن ترتيب المصحف جاء موافقاً لترتيب سور القرآن في اللوح المحفوظ ويستبين ذلك من توجيهات جبريل التي نقلها النبي إلى كتبة الوحي بوضع الآية في مكانها من السورة المعينة ثم رُتِّبت سور القرآن مشافهة في حياته ، وعلم ذلك من نهيه عن التنكيس في القرآن وهو التلاوة عكس الترتيب المصحفي، وفي العام الذي توفي فيه حضر زيد بن ثابت عرض النبي قراءة القرآن كله مرتباً على جبريل مرتين كما هو في المصحف اليوم.

أما ترتيب النزول فكان أشبه بما يكون بإمداد الهداية البشرية لمن يطلبها في الوقت الذي تقتضيها الحاجة؛ لأن المجتمع البشري كان أشبه بما يكون بالجسم المريض فبقدر الداء الذي تمكن منه بقدر ما كان نزول القرآن موافقاً للعلاج(1).

المبحث الثاني

خصائص الترجمات الاستشراقية


لعل البواعث الاستشراقية وراء ترجمة القرآن الكريم، وكذلك المنهـج الذي اتبعه المستشرقون في إنجاز ترجماتهم يحددان إلى مدى بعيد سمات الترجمات الاستشراقية والخصائص العامة لها، إذ تمثل الدوافع الاستشراقية وراء ترجمة القرآن الكريم أحد أهم أسباب فساد الترجمة، بل إنه يمكن القول ـ مع بوكاي ـ بأننا إذا ((بحثنا عن السبب في فساد الترجمة وجدناه راجعاً إلى هذه الدوافع بأكثر مما يرجع إلى الضعف في معرفة اللغة العربية))(1).

وبالإضافة إلى مشكلتي الدوافع الاستشراقية ومنهج الترجمة الاستشراقي فإن هنالك أسباباً أخرى قد أسهمت بقسط وافر في إيضاح مقومات الترجمات الاستشراقية وجعلها ((أعمال هواة مغرضين وليس جهود أمناء مخلصين))، وستتجلى طبيعة تلك العوامل ـ بوضوح ـ بالوقوف على خصائص الترجمات الاستشراقية للقرآن الكريم، والتي تتمثل سمتين أساسيتين تظهران من خلال المطلبين التاليين:

المطلب الأول: ضعف الترجمات

لا يحتاج القول بضعف الترجمات الاستشراقية إلى برهنة أو إثبات فكل ترجمة استشراقية جديدة هي الدليل المتجدد ((على ضعف سابقاتها، بل تستمد من هذا الضعف مسوغ وجودها، ولا يقتصر الأمر على الترجمات الجديدة، بل إن الترجمة الواحدة تتعرض للتنقيح مرات ومرات بسبب ضعفها البادي منذ ولادتها، وتعد ترجمة أندريه دوريه الفرنسية أبرز الأمثلة على ذلك))(1).

لكن الحاجة الماسة هي إلى معرفة أسباب ضعف مستوى ترجمات المستشرقين للقرآن الكريم، والتي يبدو أنها ترجع إلى الأسباب التالية:

(أ) جهل المستشرقين باللغة العربية

أثبتت الدراسات التحليلية التي قام بها علماء مسلمون أو غربيون على السواء أن المستشرقين لا يحسنون في الواقع اللغة العربية وهي أداة العمل العلمي الأساسية في الترجمة.

فبالرغم من كل مشروعات القرن الثالث عشر ومرسوم فيينا سنة 1312م لم يكن هناك نصراني واحد متمكن من اللغة العربية في أوربا بأسرها(2).

كما أن سائر المتهمين بالعربية ومنهم مترجمو القرآن في ألمانيا مع بداية القرن الثامن عشر لم يكونوا يتقنون العربية(3).

ولم تكن المعرفة باللغة العربية في فرنسا التي انتقلت إليها الريادة في حقل الاستشراق بأفضل حالاً من ألمانيا، فدي ساسي أبرز رواد الاستشراق الفرنسي والذي ترجم معاني بعض أجزاء القرآن الكريم مع تفسير البيضاوي بعث برسالة إلى أحد أصدقائه يعتذر فيها عن عدم إتقانه العربية قائلاً: ((وأنا لا أستطيع أن أحفظ بالعربية شيئاً، ولا أفهم ما يقال بها؛ إذ لم تُتَح لي في شبابي أي فرصة لممارسة الكلام أو الاستماع للأحاديث بالعربية، وقد أطريتني كثيراً بما قلته لي عن مؤلفاتي، وعليّ أن أقر لك بأنني آسف لأني لم أرحل في شبابي إلى مصر أو الشام، وبأنني بعيد جداً عن احتلال معرفة تامة بهذه اللغة))(1).

ويذهب جاك بيرك صاحب أحدث ترجمة للقرآن للفرنسية إلى أبعد من ذلك، فيرى أن الترجمات الفرنسية التي سبقت ترجمته قد قام بها مترجمون لا يحسنون الفرنسية نفسها أكثر من العربية والعكس صحيح(2).

أما في الإنجليزية فيقرُّ آرثر ولاستن صاحب المختارات القرآنية المنشورة باسم The Religion of the Koran في نيويورك عام 1927م بأنه يجهل العربية(3).

وقد ظهر أثر ضعف المعرفة باللغة العربية في العديد من الأخطاء النحوية والصرفية والمعجمية والدلالية التي احتشدت بها الترجمات الاستشراقية، مثل:

1ـ الأخطاء المعجمية

(في الفرنسية)

= لدى جاك بيرك

  1. ترجم قوله تعالى في سورة (غافر): غافر الذنب وقابل التوب (غافر: 3)، بـ: Le croyant L’indulgent، ومعناها: المؤمن المتسامح. وترجمة المعنى الصحيحة لدى محمد حميد الله:

Le Pardonneur des Péchés, l`Accueillant au repentitr

  1. يترجم قوله تعالى: قلن حاش لله (يوسف: 51)،بـ:

Révérence à Dieu, dirent - elles

وتعني: انحناءة لله، قلن.

من معاني Révérence الإجلال والتعظيم كذلك.

وترجمة المعنى الصحيحة لدى محمد حميد الله:

Elles dirent: A Allah ne plaise!

  1. يترجم الآية: صبغة الله ومَنْ أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون (البقرة: 138)، بـ:

Une teinture de Dieu! mais qui peut mieux teindre que Dieu, quand nous l`adoron?

ومعناها: صباغة (تلوين) من الله! لكن من ذا الذي يمكنه أن يصبغ (يلوِّن) أفضل من الله، عندما نعبده؟

والترجمة الصحيحة للمعنى لدى محمد حميد الله:

Nous suivons la religon d’Allah! Et qui est meilleur qu` Allah en sa religion? C`est Lui que nous adorons.

  1. يترجم: الذين يتبعون الرسول النبي الأمي(الأعراف: 157) بـ:

en faveur de ceux qui suivent l`Envouyé, le prophète maternel.

ومعناها: لصالح الذين يتبعون الرسول النبي الأمومي (من الأمومة)،


والترجمة الصحيحة للمعنى لدى محمد حميد الله:

ceux qui suivent le Messager, le Prophète illettré

  1. يترجم: إن الصفا والمروة من شعائر الله(البقرة 158)، بـ:

çafa et Marwa font portie des repérages de Dieu

ومعناها: إن الصفا والمروة تمثل جزءاً من العلامات التي يصنعها الله.

والترجمة الصحيحة للمعنى لدى محمد حميد الله:

As Çafa et Al Marwah sont vraiment parmi les lieux sacrés d` Allah

(في الألمانية)

= لدى هيننج

  1. يترجم قوله تعالى: منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات(آل عمران: 7)،بـ:

In ihm sind evidente Verse, sie, die Mutter des Buches, and andre mehrdeutige.

ومعناها: فيه آيات واضحات هن والدة الكتاب وأخر متعددة المعنى.

والترجمة الصحيحة للمعنى هي:

Darin gibt es eindeutige Verse, sie sind die Urschrift und andere, mehrdeutige.

= لدى رودي بارت

  1. يترجم قوله تعالى: سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله(الإسراء: 1)،بـ:

Gepriesen sei der, der mit seinem Diener (d. h. Mohammed) bei Nacht von der heiligen Kultstaette (in Mekka) nach den fernen Kultstaette (in Jerusalem) deren Umgebung Wir gesegnet haben, reiste.

ومعناها: سبحان الذي ارتحل مع عبده (محمد) في الليل من مكان العبادة (في مكة) إلى مكان العبادة البعيد (في القدس) الذي باركنا حوله.

والترجمة الصحيحة للمعنى:

Gepriesen sei der, der seinen diener des Nachts von der Al - Haram Moschee zur Al- Aqsa Moschee fuehrte, deren umgebung Wir gesegnet haben.

(في الإنجليزية)

= لدى آربري

  1. يترجم قوله تعالى: يتلو عليكم آياتنا (البقرة: 151)،بـ:

To recite Our signs

ومعناها: يتلو عليكم علاماتنا.

والترجمة الصحيحة للمعنى:

reciting to you Our verses (the Our`an)

  1. يترجم قوله تعالى: اهبطوا مصراً(البقرة: 61)، بـ:

Get you down to Egypt

ومعناها: انزلوا إلى مصر (البلد المعروف).

والترجمة الصحيحة للمعنى:

Go you dawn to any town

= لدى ن. ج. داود

  1. يترجم الآية: عمّ يتساءلون(النبأ: 1)، بـ:

About what are they asking?

ومعناها: عن أي شيء يسألون.

والترجمة الصائبة للمعنى:

About what they( most of them)question one another?

  1. يترجم الآية: ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهنّ وأنتم عاكفون في المساجد(البقرة: 187)،بـ:

Then resume the fast till nightfall, and do not approach them, but stay at your prayers in the mosques.

ومعناها: ثم استأنفوا الصيام إلى الليل، ولا تباشروهن بل استمروا في دعائكم (أو في صلاتكم) في المساجد.

والترجمة الصحيحة للمعنى:

them complete your Saum (fast) till the nightfall, and do not have Sexual relations with them (your wives) while you are in i‘tikaf) (i. e. confining oneself in a mosque for prayers and invocations leaving the worldly activities) in the mosques.

2ـ الأخطاء النحوية

(في الألمانية)

= لدى رودي بارت

  1. يترجم حرف الجر (الباء) في أول سورة الإسراء سبحان الذي أسرى بعبده (الإسراء: 1)، بحرف الجر (مع) فاستخدم الفعل اللازم
    (
    reisen mit)
    ويعني ارتحل مع = سافر مع، والصواب استخدام الفعل المتعدي Fuehren ويعني: قاده أو حمله.

= لدى جورج سيل

  1. يترجم (إنْ) المخففة من الثقيلة، في قوله تعالى: وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله (البقرة:143)، بـ: (لو)؛ ليصبح المعنى: ولو كان هذا (التغيير) يبدو أثراً مهماً إلا على الذين هداهم الله.

فجاءت ترجمته:

Though (this change) seems a great matter unless unto those whom God hath directed.

والترجمة الصحيحة للمعنى:

Indeed it was great (heavy) except for those whom Allah guided.

  1. يترجم حرف النصب والتوكيد (إنّ) في قوله تعالى: إنَّ الله بالناس لرءوف رحيم (البقرة: 143)، بحرف العطف والتخيير (أو)، فجاءت ترجمته:

Or God is gracious and merciful unto man .

والترجمة الصحيحة للمعنى:

Truly, Allah is full of Kindness, the Most Merciful towards mankind.

= لدى. ج. م. رودل

  1. ترجم قوله تعالى: ما كان لهم الخيرة في الآية: وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون (القصص: 86)، بـ:

The false gods have no power to choose.

فجعل الضمير في لهم يعود على الآلهه الباطلة، بينما الضمير يرجع إلى المتحدث عنهم من الناس(1).

والترجمة الصحيحة للمعنى:

And your Lord creates whatsoever He wills and chooses: no choice have they (in any matter): Glorified is Allah, and exalted above all that they associate (as partners with Him).

  1. ترجم حرف الجر (عن) في قوله تعالى: الذين هم عن صلاتهم ساهون (الماعون: 5) بحرف الجر (في)، وأسقط اسم الموصول (الذي)، وهو الرابط الذي يعود بالكلام على المصلِّين المهددين بالويل في الآية السابقة، وأسقط الضمير ((هم)) الواقع في بداية جملة صلة الموصول، كما جاء بكلمة (But) وهي تفيد الاستثناء؛ ليصبح المستثنى من الويل هم الذين في صلاتهم إهمال.

فجاءت ترجمته:

But in their prayer are careless

والترجمة الصحيحة للمعنى:

Those who delay their Salat (prayer from their stated fixed times).

ومن العسير إيجاد تفسير لهذه البلادة الاستشراقية تجاه اللغة العربية سوى أنها بلادة مستهدفة تساير الأغراض الاستشراقية من ترجمة القرآن الكريم؛ لأن الاهتمام الاستشراقي باللغة العربية قد بات على أشده في القرنين الأخيرين، فكما يقول لويس يونغ:"في أواخر القرن التاسع عشر كانت معظم الدول الأوربية تعد لتدريس العربية والبحوث الإسلامية في معاهدها العالية، وشهد القرن العشرون توسعاً في تدريس العربية حتى إذا كان منتصف القرن كانت العربية موضع دراسة في الجامعات الغربية التالية:

أمستردام، كولون، كولومبيا، كوبنهاغن، بروكسل، دبلن، دورهام، أدينبره، إيرلانجن، فلورنسا، جنيف، غلاسكو، غرناطة، غراز، جوتينجن، هال، هامبورج، هارفارد، هايدلبرج، هلسنكي، كييل، ليدن، ليبزج، ليدز، لينجراد، لوفن، لييج، لندن، ليون، ماكيل، مدريد، ماينز، مانشستر، ميلانو، مونتريال، موسكو، منستر، نابولي، نيونبرج، نيميجن، أوسلو، أوكسفورد، باريس، بافيا، بوتشفستروم، براغ، برنستون، روما، سانت أندروز، سالامنكا، سراغوسا، ستيلنبوش، ستراسبورج، سيدني، تورنتو، توبنجن، أبسالا، بلنسية، فيينا، وورزبورج"(1).

لكن يبدو أن هذا الاهتمام الاستشراقي باللغة العربية كان اهتماماً شكلياً، إذ إن التوسع المكاني في عدد الجامعات والمعاهد والمراكز وكراسي اللغة العربية في البلدان الأوربية لم يقابله توسع نوعيّ في طبيعة الدرس اللغوي ومقرراته، ومناهج تدريسه، وبحوثه، حيث بقيت مقررات تدريس اللغة العربية ومناهجها قاصرة عن تكوين مجرد قارئ جيد لنصوص العربية ناهيك عن مستشرق متخصص في علوم العربية والإسلام ومرجعية علمية للغرب فيهما، وتكفي إطلالة واحدة على مفردات منهج السنة الأولى من دراسة اللغة العربية في مرحلة الليسانس بجامعة كمبرج لبيان ذلك(1):

1ـ اللغة العربية الفصحى (المدرس: لايونز)

كتابه: مبادئ القارئ (مختارات من الشعر والنثر)

الفصل الأول: 10 دروس (ساعة واحدة لكل درس)

الفصل الثاني: 15 درساً (ساعة واحدة لكل درس)

الفصل الثالث: صفر (السبب: غياب المدرس)

2ـ اللغة العربية الحديثة (المدرس: هوبكنز)

كتاب هنرى بيريس: الأدب العربي والإسلام من خلال النصوص

(من القرن التاسع عشر والقرن العشرين) [ بالفرنسية]

الفصل الأول: 15 درساً (ساعة لكل درس)

الفصل الثاني: 16 درساً (ساعة لكل درس)

الفصل الثالث: صفر (السبب: غياب المدرس)

3ـ القواعد العربية والقرآن (المحاضر: أحد الطلبة العرب)

الفصل الأول: (القواعد) 3 دروس في الأسبوع

الفصل الثاني: (القواعد) 1درس واحد في الأسبوع

الفصل الثالث: (القرآن) 2 درسان في الأسبوع (لأربعة أسابيع فقط)

4ـ الإشراف:

الفصل الأول: ترجمة من العربية إلى الإنجليزية وبالعكس 7 ساعات فقط (المحاضر: أحد الطلبة العرب المذكور سابقاً)

الفصل الثاني: ترجمة من الإنجليزية إلى العربية 5ساعات فقط

كتاب مقالة (تقرير) 4 ساعات فقط

(المدرس لايونز)

الفصل الثالث: ترجمة من الإنجليزية إلى العربية 4 ساعات فقط

(المحاضر: طالبة إنجليزية)

عدد الساعات للسنة الجامعية: 76 ساعة فقط

(ب) الجهل بالإسلام

لم يكن العقاد مجانباً للصواب عندما أطلق على المستشرقين مصطلح ((أعداء الإسلام الهواة)) وردّ أسباب سقطاتهم فيما يخص الإسلام إلى أمرين حددهما بدقة في قوله: ((ويندر أن تقرأ في كلام ناقد من الأجانب عن اللغة العربية شيئاً من مآخذ التناقض في الإسلام إلا بدا لك بعد قليل أنه مخطئ، وأن مردَّ هذا الخطأ عنده إلى جهل الإسلام أو جهل اللغة العربية، وبعضهم يجهلها ـ وهو من المستشرقين ـ لأنه يستظهر ألفاظها ولا يتذوقها ولا ينفذ إلى لبابها من وراء نصوص القواعد والتراكيب))(1).

ويبدو أن التلازم بين سبـبي أخطاء المستشرقين حول الإسلام (الجهل باللغة العربية والجهل بالإسلام) مرجعه إلى أن الجهل بالعربية يقود إلى الجهل بالإسلام، فمن لم يحسن لغة القرآن فمن غير المحتمل أن يدرك حقيقته وجوهره، ومن لم يدرك جوهره وحقيقته فمن غير المحتمل أن يحسن التعبير عنه.

لكن من الخطأ تماماً الظن بأن الجهل باللغة العربية هو السبب الوحيد وراء جهل المستشرقين بالإسلام، لقد كانوا على جهل بالإسلام، لا لأنهم كانوا بعيدين عنه كل البعد، بل على العكس من ذلك تماماً فقد كانوا في داخله، فإذا رأوا وفهموا القليل مما كان يدور حولهم، وإذا لم يعرفوا شيئاً عن الإسلام بوصفه ديناً، فما ذاك إلا لأنهم أرادوا أن لا يعرفوا عنه شيئاً(1).

يقول الأب روبيركاسبار: "إن الغرب لم يفهم الإسلام على حقيقته أبداً، بل ولم يحاول ذلك مطلقاً، وحتى خيرة النصارى القلائل الذين كانوا يعيشون على مقربة من الإسلام من أمثال: يوحنا الدمشقي، تيودور أبي قرة، أو بولس الصيدوني، لم يتمكنوا من إدراك جوهر الإسلام وعظمته، والتي تتمثل في السمو إلى الله الواحد الأحد، ولعل ذلك يرجع أساساً إلى أن الغرب المسيحي قد اكتفى لعدة قرون طويلة بتشويه الإسلام ومؤسسه(2)!! بأسخف الأقوال دون أن يكلف نفسه عناء دراسة هذه العقيدة"(3).

فصورة العقيدة الإسلامية التي شاعت في الغرب ظهر فيها المسلمون متحدين في شيء واحد هو عبادة الأصنام، فتراهم في أنشودة رولاند يعبدون ثلاثة آلهة هي: تيرفاغان ومحمد وأبوللو، ثم صار لديهم آلهة كثيرة بعد ذلك بحكم عملية تطور طبيعية، وقد أُحصي لهم في هذا الضرب ما يزيد عن ثلاثين إلهاً(4).

وليس الأمر قاصراً على الماضي فحسب، بل كما يؤكد المستشرق المعاصر جاك بيرك أن الغرب ما يزال يجهل الإسلام(1).

(جـ) اختلاف طبيعة اللغات

يميل كثير من الباحثين في علم اللغة إلى استحالة نقل نص من لغة إلى أخرى نظراً لصعوبة نقل خصائص الأصل، ومن ثم يرون عدم إمكان الترجمة، ويذهبون إلى أن هناك شروطاً للترجمة يندر أن تتوافر في حالات كثيرة؛ لذلك لديهم مباحث متعددة في ((ترجمة ما لا يُترجم))(2).

وفي حالة النصوص المقدسة بصفة عامة والنص القرآني بصفة خاصة فإن إمكان الترجمة تزداد استحالة؛ لأن خصيصة اللغة تكون فريدة لأن التأثير العميق لكلمة الوحي يرتبط بلغة التنزيل، ذلك التأثير الذي يسميه فريتجوف شيون بالسحر فيقول: "ويرتبط ذلك السحر ارتباطاً وثيقاً بلغة التنزيل ذاتها، أي بالعربية، ومن هنا لا شرعية للترجمات من الناحية المذهبية وعدم جدواها من الناحية الطقسية. إن لغة من اللغات تكون مقدسة حين يتكلم بها الله، ولكي يتكلم بها الله ينبغي أن تتحلى ببعض الخصائص التي لا توجد في أية لغة تالية عليها"(3).

ولاشك أن النص القرآني يأتي على رأس ((ما لا يترجم)) بسبب دلالات كلماته الثرة وتعبيراته المشحونة وتراكيبه المخصوصة ومفرداته الواسعة، مما لا نظير له في أية لغة أخرى؛ لذلك يجمع المسلمون على أن كل ما يكتب عن القرآن في اللغات الأخرى فهو ليس قرآناً أبداً، بل هو تفسير للقرآن، أو معان له، أو تعريف به، أو شرح أو دراسة إلى غير ذلك(1).

وقد أشار بعض المترجمين من المستشرقين أنفسهم (جاك بيرك) إلى عدم قدرة اللغات المترجم إليها على نقل طبقات المعاني الكثيرة التي تشتمل عليها كل ومضة قرآنية، كما أن تلك اللغات ليست في ثراء العربية بالمفردات(2).

إلى جانب ذلك فإن خصائص العربية من حيث: العدد، وعلامات الإعراب، والجنس، والصيغ الصرفية، والتقديم والتأخير، والحمل على المعنى، والتوسع، والاشتقاق ...إلخ، تمكن العربية من أداء المعاني على نحو دقيق تفتقر إليه العديد من اللغات الحية.

مما يضطر معه المترجم إلى استخدام أكثر من كلمة لشرح معنى المفردة القرآنية الواحدة مثل:

في الإنجليزية

في الألمانية

بخل To be niggardly

أسرف To be extravagant

منَّ To confer a benefit

أمات To cause death (أمرنا) مترفيها those among them who are given the good things of this life

بخل einer geizig ist

استُهزئ verspottet wurden

نُكِسُوا verkenhrten sie
sich wieder

لا تُخْزون bringt keine schade über mich

استغفروا bittet euerem Herrn um verzeihung

أمرنا مترفيها ergeht unsere letzte Warnung an die Üeppig darin Labenden Er runzelte die Stirn

عبس Er rnzelte die Stirn

لكن هناك بعض المشكلات الناجمة عن اختلاف اللغات لاتجد لها حَلاّ علمياً مرضياً، مثل:(1)

1ـ غياب الترادف

يقف غياب الترادف حائلاً أمام ترجمة دقيقة لقوله تعالى: هو الله الخالق البارئ (الحشر: 24).

فاللغة المجرية ليس فيها إلا كلمة واحدة لهذا المعنى وهي Teremteng واللغة الإنجليزية تعرف فعلاً واحداً: create لكلا المعنيين، وكذلك الأمر في الأسماء المشتقة: القدير والمقتدر ـ العلي والمتعالي ـ الرحمن والرحيم.

2ـ دلالات أسماء الأعلام غير المعروفة في اللغة الأوربية مثل: أحمد، صالح، شعيب، زيد، عاد، ثمود، قريش.

3ـ التأنيث والتذكير

لا تعرف بعض اللغات الأوربية ضمير المؤنث المخاطب، ففي الألمانية يستعمل الضمير (du) للمذكر والمؤنث المخاطب، وكذلك الإنجليزية تستعمل ضميراً واحداً هو (you). وفي المجرية كذلك يستعمل الضمير (te)، ويستعمل الضمير (o) للدلالة على الغائب المؤنث والمذكر.

4ـ الإفراد والتثنية والجمع

لا تعرف كثير من اللغات الأوربية ضمائر المثنى، فتعبر عنها بضمائر الجمع.

المطلب الثاني: الترجمة الحرة

إذا كان الاستشراق هو الوليد الشرعي لحركة الجدل التنصيري ضد الإسلام وكتابه(1)، فإن ميلاده ونشأته في حضن اللاهوت النصراني والإيديولوجية الغربية، قد أخضع مناهج المستشرقين ـ ومنها منهجهم في ترجمة القرآن الكريم ـ لتلك الإيديولوجية مما أدى إلى فساد قواعد البحث العلمي، والتغاضي عن المنهجية العلمية، وقلب أصول البحث العلمي رأساً على عقب، ووضع الافتراضات المسبقة التي توجِّه عملية البحث(2).

وقد كانت الترجمات الاستشراقية للقرآن الكريم مثالاً بارزاً للعشوائية المنهجية المدفوعة بالهدف الاستشراقي في تشويه النص القرآني، مما سوَّغ التغاضي عن أصول عملية الترجمة وأخلاقياتها، فجاءت ترجمة حرة دون قيد أو التزام منهجي يجنبها التناقض والتضارب.

وتجسدت العشوائية المنهجية لترجمات المستشرقين للقرآن الكريم في عدد من الظواهر، منها:

أولاً: الحذف

عمد المترجمون إلى تقديم مضمون إجمالي للآية المترجمة دون التقيد بمراعاة ترجمة بقية مفرداتها بما تضيفه إلى المعنى من تفصيلات. يقول يوهان فوك في تعليقه على ترجمة فريق دير كلوني: "ولم يكن أميناً إذ أغفل ترجمة العديد من المفردات، كما لم يتقيد بأصل السياق، ولم يقم وزناً لخصائص الأسلوب، بل أعمل جهده لاستشفاف مضمون فكرة كل آية من كل سورة ثم ترجمتها، ففي السورة 104 مثلاً (الترقيم الحالي للقرآن وليس طبعة بيبلياندر أي سورة الهمزة)، ويل لكل همزة لمزة * الذي جمع مالاً وعدده* يحسب أن ماله أخلده...) الآية، أورد .. (الذي سيخلده ماله)، فحذف (حسب) وبذلك أعطى عكس المعنى المراد من الآية تماماً"(3).

وليس هذا النوع من العشوائية المنهجية قاصراً على الترجمات القديمة في المرحلة الأولى والثانية، بل يمتد إلى المرحلة الحديثة والمعاصرة كذلك، ففي ترجمة داود اليهودي الإنجليزية:

ـ حذف الوصف (جميل) من قوله تعالى في سورة يوسف: فصبر جميل(يوسف: 18)، فجاءت الترجمة: patient But I will be

ـ حذف الفعل (تولى) من قوله سبحانه: تدعو من أدبر وتولى (المعارج: 17)، فجاءت الترجمة:

Shall claim him who had turned his back on the true faith.

ـ حذف الحال (وحيداً) في قوله تعالى: ذرني ومن خلقت وحيداً * وجعلت له مالا ممدوداً (المدثر: 11، 12)

فجاءت الترجمة:

leave to me the man whom I created and

endowed with vast riches.

ـ إسقاط لفظ التنزيه (سبحانه) من قوله تعالى: ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه (مريم: 35)، فجاءت الترجمة:

Allah forbid that he Himself should beget a son.

ـ لم يترجم حرف (النون) في أول سورة القلم. واكتفى بترجمة (القلم)

ثانياً: الزيادة

= يضيف جاك بيرك الظرف (في لحظة من الليل) في ترجمته قوله تعالى سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى (الإسراء: 1)، فجاءت ترجمته:

O transcendance de celui qui fit aller de nuit, en un instant de la nuit, Son adorateur de l’oratoire consacré à l’oratoire ultime.

= يزيد داود جملة (قل لهم) في ترجمة قوله تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب (البقرة: 186)، فجاءت ترجمته:

When My servants question you about me, tell them, I am near.

ثالثاً: تجاهل خصيصة النظم القرآني

رغم أن الاستشراق قد اهتم ببعض التناولات اللغوية الحديثة لنظرية الرموز والعلامات وما بينها من علاقات(1)، فإنه لم يعر اهتماماً لخصيصة النسق والنظم القرآني.

وهذه الخصيصة القرآنية ليست عرضاً ظاهرياً، أو منحى جانبياً في القرآن، بل هي جوهر الخصوصية القرآنية، ومناط التفرد اللغوي المعجز للنص القرآني.

والنظم القرآني هو أسلوب التأليف المتفرد في صياغة الجمل، وبناء التراكيب، وطرائق الأداء في إطار محكم من الملاءمة بين المعاني، ومراعاة المعاني والألفاظ لمقتضى الأحوال والمواقف.

رابعاً: تعدد نظام ترجمة أسماء السور

لم يلتزم المستشرقون نظاماً معنياً في ترجمة أسماء السور، فبينما يترجم بعضهم معاني أسماء السور إلى اللغات الأوربية، فإن آخرين يترجمون بعض أسماء السور فقط، وينقلون أسماء بعضها بالحروف الأوربية، مثل جاك بيرك الذي نقل بعض أسماء السور بحروف فرنسية، ومنها: سورة الحجر، سورة الأحقاف، وترجم بعضها الآخر ترجمة حرة اعتمد فيها على أوائل الآيات، فترجم أسماء السور على النحو التالي:ـ

ـ ترجم الإخلاص بـ: La Religion Foncière

ـ ترجم الشرح بـ: Épanouissement

ـ ترجم الإسراء بـ: Le Traget Nocturne

وأضاف إليه عنواناً توضيحياً آخر هو:

Le Trajet nocturne ou les Fils d’israel

ـ ترجم الروم بـ: العاصمة الإيطالية Rome

ـ ترجم الطور بـ: (الجبل) Le mont ـ ترجم الملك بـ: (الملكية) La Royauté

ـ ترجم النصر بـ: النجدة المنتصرة victorieux secours Le

أما هيننج فيخلط كذلك في ترجمة أسماء السور في نظام مضطرب، فينقل بالحرف الألماني أسماء بعض السور مثل: هود، الحجر، طه، لقمان، يس، ص، محمد، ق، وهي كلها أسماء أعلام، لكنه قام بترجمة أسماء بعض الأعلام الأخرى مثل: يوسف، إبراهيم، مريم، نوح، قريش.

وقد تصرف في ترجمة بعض أسماء السور على نحو غير مألوف، مثل:

ـ (الطور) ترجمت بـ: الجبل Der Berg

ـ(الصف) ترجمت بـ: نظام المعركة Die Schlachtordnong

ـ (العصر) ترجمت بـ: الوقت Die Zeit

ـ (الكوثر) ترجمت بـ: الوفرة ـ الفيضان Der Ueberfluss

ويمثل تعدد نظام الترجمات الاستشراقية لأسماء السور القرآنية تجسيداً حياً للطموح الاستشراقي إلى تشويه القرآن؛ وذلك لأن جميع أسماء سور القرآن المائة والأربع عشرة هي توقيفية، وإن كان هناك عدد من السور لها تسميات أخرى عُرفت بها بين الصحابة(1).

ومن جهة أخرى فإن أسماء السور القرآنية وحدة متكاملة تعكس الرسالة القرآنية في هيكلها الحضاري بجوانبه الروحية والمادية والعقلية في شمولها الحياة الكونية، والفردية، والاجتماعية، والاقتصادية، والأخلاقية، والعسكرية، والسياسية، والدينية.

المبحث الثالث

مخاطر الترجمات الاستشراقية


حالت الدوافع الاستشراقية، وضعف الإعداد اللغوي، والجهل المعرفي بالإسلام، دون إنجاز المستشرقين ترجمة أمينة وافية لمعاني القرآن الكريم، فالأمر المشترك في جميع الترجمات التي كتبها المستشرقون عدم فهمهم أو عدم محاولتهم تفهم المعاني القرآنية، وعدم اعتمادهم مناهج البحث العلمي للموضوع لتقرير الحقائق؛ لأن مقاصدهم كانت إبعاد بني جلدتهم عن القرآن للحيلولة دون فاعلية تأثيره في النفوس(1).

فقد أدرك الاستشراق تفرد القرآن في خصيصة اجتذاب القلوب والنفوس إليه من خلال سهولة مضمونه وملائمة خطابه للفطرة الإنسانية، بل إن تلك الخصيصة القرآنية تعد في نظر الاستشراق أخطر سمات القرآن. يقول فريتجوف شيون: "الطابع الخارق لهذا الكتاب ليس فقط في محتواه العقدي وحقيقته النفسانية والنسكية وسحره الذي يحوِّل ويبدِّل، وإنما يظهر كذلك في فعاليته الخارجية وفي معجزة انتشاره"(2).

والترجمة: ((سلاح معرفي لمحو الخصم، أو للغلبة عليه، أو لمنعه من الغلبة علينا، أو للحفاظ المجرد على الذات))(3).

ولم يجد المستشرقون أفضل من ترجمة القرآن الكريم وسيلة لتشويه نصه، ولما استشعروا عدم كفاية تشويه النص أكملوا ما يريدون بالملاحظات والحواشي التي لم تسعفهم، فأوسعوا الكلام في المقدمات والمداخل(1).

لهذا فإن للترجمات الاستشراقية ذات النص المشوَّه والحواشي المغرضة والمقدمات الجدلية آثاراً بعيدة المدى، شديدة الخطر، وتتمثل في بُعدين يؤلفان جسراً عملياً لتحقيق الأهداف الاستشراقية من وراء ترجمة القرآن الكريم، وهما:

أولاً: إبعاد الناس عن المعاني العظيمة والقيم السامية في القرآن الكريم

جاء القرآن الكريم بمنهج كامل منظِّم للحياة البشرية في جوانبها الفردية والاجتماعية والإنسانية العامة، متضمِّن لنسق بديع من القيم الدينية والأخلاقية والإنمائية، مما لم يكن مألوفاً في الحضارات والثقافات والديانات السابقة.

ولأن المنهج القرآني يستهدف بناء حضارة إنسانية رشيدة فقد سُمِّي بـ"العقد الحضاري"، وللوفاء بمتطلبات هذا العقد وتفعيله حرص القرآن على إعداد أتباعه الإعداد الملائم لطبيعة عقده المتفرد، وشمل هذا الإعداد الملكات الإنسانية بكاملها: الروح، العقل، القلب، النفس، الحواس، فجاء الإعداد: عقدياً، علمياً، نفسياً، مادياً(2).

وقد حرص المستشرقون على التعمية على معالم هذا العقد الحضاري وعلى وسائل الإعداد العلمي والعقدي والنفسي والمادي له، ومن غير الممكن بالطبع استقصاء جميع مفردات هذا العقد ووسائل الإعداد له، وكشف عمليات التعمية الاستشراقية عليها، فذلك يحتاج جهوداً ضخمة ودراسات عدة، ولكن تكفي الإشارة في هذا المقام إلى مسألتين تبرزان مخاطر الترجمة الاستشراقية في مجال إبعاد الناس عن المعاني العظيمة والقيم السامية في القرآن الكريم، وهما:

(أ) الأخلاق القرآنية

حرصت الترجمات الاستشراقية على نفي المضمون الأخلاقي للقرآن أو على الغض من شأنه بسبب كون المعيار الأخلاقي أحد أهم معايير الحكم على قيمة الأديان.

يقول مرجليوث في تقديمه لترجمة رودول:

((إن التقدير الصحيح لأي نظام يرتكز على التفكير الديني ينبغي أن يعتمد على مقاييس ثلاثة:

1ـ ما يشتمل عليه هذا النظام من حقائق.

2ـ المستوى الخلقي الذي يطالب معتنقيه باتباعه.

3ـ المصدر الذي نشأ عنه.

وبالنسبة للأمر الأول هناك اتجاه واضح متزايد بين الدارسين للتاريخ الديني أن محمداً يمكن أن يعدّ من الناحية الخلقية نبياً لبعض الحقائق.

وتبعاً للمقياس الثاني، فإن القصور الواضح في تعاليم القرآن الخلقية كافٍ في الحكم إذا كان الأساس في المقارنة هو ما عندنا من تعاليم خلقية رفيعة، أما إذا قورن بين القرآن، وبين ما كان عليه العرب أو أي نوع من أنواع الوثنية فإن الحكم يكون في صالح القرآن.

والطريقة التي اتبعها محمد في نشر القرآن تتطلب التمييز في الحكم عليها، فالأجزاء الأولى من الكتاب يبدو فيها الوحي النبوي بوضوح، ولكن محمداً ـ بعد ذلك ـ كثيراً ما كان يهبط إلى تلفيق مقصود وبلاغة ماكرة.

إنه في الواقع كيَّف حاسته الخلقية بالظروف التي أحاطت به وتبعاً للدور الذي كان عليه أن يقوم به"(1).

وقد تابع المترجم رودول في مقدمته رأي مرجليوث قائلاً في وصف النبي : ((إنه كان ذا شخصية عظيمة، وإن كانت غير كاملة من الناحية الخلقية، وكان معلماً عظيماً وإن كان ذا أخطاء، وإن كثيراً من أخطائه ونقائصه كان ثمرة للظروف والمزاج والعادات، وأنه لابد من أن يكون في النظام الذي جاء به ـ والذي هو مؤلفه الأول ـ بعض عناصر الحق))(2).

ولم يقتصر الطعن في قيمة النظام الأخلاقي في القرآن وكماله على مجرد الاتهام بالنقص وعدم التمام أو بعجزه عن المقارنة مع الأخلاق النصرانية واليهودية، لكنه تعداه إلى توجيه ترجمة الآيات المتضمنة للنظام الأخلاقي وجهة تبعدها عن مراميها فإن لم تؤدِّ الترجمة هذا الغرض فإن التعليق في الحاشية يتكفل بذلك.

فهيننج –مثلاً ـ يترجم قوله تعالى: وإنك لعلى خلق عظيم (القلم: 4) على النحو التالي:

Und siehe, du bist wahrlich von edler Natur.

ومعناها: وانتبه أنت حقاً من طبيعة نبيلة.

ثم يعلق في الحاشية بقوله: خلق كبير، وهذا يعني أن النبي ليس كما يتهمه خصومه بأنه فقط ممسوس من الجن.

وهي محاولة مستميتة لصرف الأنظار عن المعاني الأخلاقية الكبرى التي تجليها الآية والمعايير التي تؤسسها، فتجعل من مكارم الأخلاق علامة من علامات نبوة محمد، وسمة مميزة لرسالته وهدفاً أساساً تسعى لتحقيقه؛ ولذلك تحاشي المترجمون استعمال كلمة Moral التي تستخدم للتعبير عن علم الأخلاق، وكذلك بتوجيه معنى الآية في الحاشية إلى مجرد نفي صفة الجنون عن النبي والهدف الاستشراقي من تلك المحاولة هو السعي إلى تأكيد النتيجة الاستشراقية المقررة سلفاً التي عبّرت عنها بوضوح الترجمة الفرنسية لـ: دينس ماسون ” الصادرة عام 1976م، وهي من المراجع المهمة بالمكتبة الفرنسية. فقد نصَّت مقدمتها على أن: ((الوحي القرآني تسيطر عليه تصورات أخروية بحتة، فلا يؤكد على شيء من القيم الأخلاقية في السلوك والعمل الإنساني))(1).

(ب) الإشارات العلمية في القرآن الكريم

تتصل هذه المسألة بما أشارت إليه الآيات القرآنية من ظواهر كونية وحقائق علمية لم يكن يتسنى لبشر معرفتها في القرن السادس الميلادي على وجه العموم، ولأُمِّيٍّ عربي على وجه الخصوص إلا أن يكون الله تعالى أوحاها إليه.

وبالتالي فإن ترجمة معنى هذه الآيات ترجمة صحيحة سوف يلفت النظر إلى القرآن بشدة، ويثير الاهتمام به لدى مَنْ لا يؤمن بالوحي الإسلامي، وبخاصة إذا ارتبط ذلك بحقيقة أميّة النبي .

لأن هذه الآيات تكشف عن ظواهر علمية هي من مكتشفات عصرنا الحاضر، فإذا توافر لامرئ أدنى قدر من المعرفة بالعلوم الطبيعية، ثم قرأ هذه الآيات، فلابد أن يدفعه ذلك إلى التساؤل عما إذا كان بإمكان إنسان معرفة هذه الحقائق وتأكيدها منذ خمسة عشر قرناً مضت؟؟

وللتعمية على هذه الإشارات العلمية وتضليل غير المسلم عنها، فإن الترجمات الاستشراقية قد عبرت ببدائل لغوية لا تشف من قريب أو بعيد عن المعني الإعجازي في الآية، مثل:

1ـ ترجمة هيننج قوله تعالى في سورة يس: سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون (يس: 36)، بـ:

Preis ihm, der erschaffen all Arten von dem, was die Erde spriessen laesset, und von ihnen selber, und von dem, was sie nicht kennen.

فترجم كلمة "الأزواج" إلى "الأنواع"، وقد قام مراد هوفمان في تنقيحه لترجمة هيننج بتصويب ترجمة ((الأنواع)) Arten إلى ((أزواج الأنواع)) Arten Paarweise، وعلى هذا النحو ترجمها الهلالي وخان في الإنجليزية بـ ((كل الأزواج)):

Glory be to Him who has created all the pairs of that which the earth produces, as well as of their own) human (kind )male and female), and of that which they know not.

وتوافق هذه الترجمة معنى الآية الوارد بالتفسير الميسَّر، ونصه: "تنزَّه الله العظيم الذي خلق الأصناف جميعها من أنواع نبات الأرض ومن أنفسهم، ذكوراً وإناثاً، ومما لا يعلمون من مخلوقات الله الأخرى. قد انفرد سبحانه بالخلق، فلا ينبغي أن يشرك به غيره"(1).

وهي تشير إلى خلق عنصري الزوجية (الذكر والأنثى) في النبات والإنسان وغيرهما من الكائنات، وبذلك يكون القرآن قد قرر بوضوح وجود ((التزاوج)) في النبات وهي ظاهرة لم تكن معروفة في عهد النبي ، ولكنها من مكتشفات هذا العصر(2).

2ـ تضيق الآفاق الواسعة التي كشف عنها القرآن بإشارته إلى وجود ((عوالم أخرى)) مما يعرفه الإنسان في عالمه الذي يعيشه، أو لم يعرفه بشكل تام بعد.

فترجم جورج سيل قوله تعالى في سورة الفاتحة: رب العالمين(الفاتحة:2) بـ:

The Lord of all Creatures.

ومعناها: رب كل المخلوقات(3).

وترجمتها الصحيحة:

The Lord of Worlds

وكذلك ترجمها رودي بارت مثل ترجمة جورج سيل:

Lob sei Gott, dem Herrn der Menschen in aller Welt

ومعناها: ممدوح الإله رب الناس في كل العالم

وترجمتها الصحيحة:

Lob sei Allah, dem Weltenherrn.

3ـ ترجمـة "العلـق" في الإنجليزيــة إلى الـدم المتجلــط أو المتخثر: Blood clot أو Congeald blood ، ويخطِّئ موريس بوكاي هذه الترجمة(1).

وفي الألمانية ترجم روي بارت "العلق" إلى: "الجنين" وسمَّى السورة بهذا الاسم. فجاءت ترجمته للآية: خلق الإنسان من علق(العلق: 2) على النحو التالي:

den Menschen aus einem Embryo ersehaffen hat.

وقد تابعه في ذلك حرفياً مصطفى ماهر في الترجمة التي أصدرها الأزهر بالتعاون مع المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر(2).

وهي ترجمة غير دقيقة؛ لأن الجنين في اللغة: هو الولد ما دام في الرحم، ولدى الأطباء: ثمرة الحمل في الرحم حتى نهاية الأسبوع الثامن(3).

وكلا المعنيين يجعل ترجمة الآية لا يتفق مع مراحل خلق الإنسان المشار إليها في سورة المؤمنون: ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين(المؤمنون: 12-14).

وعلى ذلك فالمراحل هي: النطفة ـ العلقة، المضغة ـ تكوين العظام ـ كسوة العظام باللحم ـ التسوية والتعديل إلى الهيئة المعروفة.

فالتعبير القرآني يجعل من النطفة إذن طوراً من أطوار النشأة الإنسانية وهي بداية تلك النشأة. يقول الدكتور حمد العمار: "وبداية الجنين هي النطفة الأمشاج المختلطة حيث يلقح الحيوان المنوي البويضة في الثلث الوحشي من قناة الرحم إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيرا(الإنسان: 2)، فإذا ما لقحت البويضة وصارت بويضة ملقحة ابتدأت انقسامات متعددة، ثم تتحول النطفة الأمشاج إلى ما يشبه التوتة، ثم تنتقل فتصير مثل الكرة المجوفة وتدعى عندئذ الكرة الجرثومية، ويبلغ قطر النطفة الأمشاج بعد أن تصبح كرة جرثومية مالا يزيد عن مليمتر وتستغرق هذه المرحلة أسبوعاً كاملاً حتى تعلق في جدران الرحم منذ اليوم السابع من بداية التلقيح، ثم إن هذه الكرة الجرثومية تنقسم إلى كتلة خلايا خارجية آكلة وظيفتها العلوق بجدار الرحم وامتصاص الغذاء منه"(1).

وبذلك تكون ترجمة العلق إلى الجنين تجاوز الصواب في ثلاثة أمور هي:

أولها: عبّرت عن العلق بلفظ يشمل أطوار الخلق الستة بما في ذلك المرحلة الأولى التي لم تكن النطفة فيها قد أصبحت علقة.

الثانية: أغفل لفظ الجنين الخصيصة المرادة في الآية من لفظ العلق؛ حيث إن هذه المرحلة تمثل بداية الانقسام وتكوين الخلايا الآكلة المتعلقة بجدار الرحم لامتصاص الغذاء منه.

الثالث: ينصرف لفظ الجنين إلى المراحل التالية لمرحلة العلقة وهي مراحل: المضغة، تكوُّن العظام ـ كسوة العظام باللحم، التسوية.

وهي جميعاً مراحل فيها السمة المميزة والغالبة عليها ليس هي كتلة الدم الغليظ التي تنفرد بها مرحلة العلقة وحدها.

ولكل ذلك فإن مراد هوفمان قد ترجم معنى الآية إلى:

Erschuf den Menschen aus einem sich Anklammernden

ومعناها: خلق الإنسان مما يعلق (العالق، المتشبث)،

ثم يعلق في الحاشية بقوله: "مما يعلق!! تجسيد لوصف دقيق لأحد أطوار النمو التي يلقح فيها الحيوان المنوي الذكري بويضة الأنثى. وفي العام 610م لم تكن هناك معرفة طبية مماثلة".

ولاشك أن ترجمته وإن كانت تراعي المعنى العام للعلق إلا أنها تقتصر على الوظيفة والهيئة دون أن تتطرق إلى الطبيعة الدموية للمادة المتعلقة، لهذا أعتقد أن الترجمة المناسبة التي تراعي الطبيعة الدموية للمادة والمعنى العام للعلق والذي يتضمن في الآن نفسه هيئة المادة ووظيفتها. هو التعبير بكلمة:(1)

der sich Anklammernden Blut klumpen

4ـ ترجمة "المضغة" وهي الطور الثالث من أطوار النشأة الإنسانية:

يترجمها هينج إلى Fleisch ومعناها (اللحم) مساوياً بينها وبين ترجمة المرحلة الخامسة (كسوة العظام لحماً).

فجاءت ترجمته على النحو التالي:

Tund wahrlich, wir ershufen den Menschen aus reinstem Ton, alsdann setzten wir ihn als Samentropfen in eine sichere staette, alsdann schufen wir den Tropfen zu geronnenem Blut und schufen den Blutklumpen zu Fleisch and schufen das Fleisch zu Gebein und bekleideten das Gebein mit Fleisch, alsdann brachten wir ihn hervor als eine andre schoepfung.


ومعناها:

وحقاً خلقنا الإنسان من طين خالص، ثم وضعناه كنقطة منوية في مكان أمين، ثم خلقنا النقطة دماً متجلطاً، ثم خلقنا كتلة الدم لحماً، وخلقنا اللحم عظاماً، وكسونا العظام باللحم. ثم أحضرناه خلقاً آخر.

فتكون مراحل الخلق لديه: نقطة منوية ـ دم متجلط ـ لحم ـ عظام ـ كسوة عظام لحماً ـ الخلق الآخر.

أما رودي بارت فيترجم المضغة إلى Foetus ومعناها: الجنين، مساوياً بينها وبين المرحلة الثانية ((العلقة))­ ؛ حيث ترجمها إلى Embryo وتعني "الجنين" أيضاً.

Hierauf schufen wir den Tropfen zu einem Embryo, diesen zu einem foetus und diesen Knochen.

وبذلك تكون مراحل الخلق لديه:

النقطة المنوية ـ الجنين ـ الجنين ـ العظام ـ كسوة العظام لحماً ـ الخلق الجديد.

ثانيا: تعميق المفاهيم المغلوطة حول الإسلام

تبنت الترجمات الاستشراقية الرؤية اليهودية النصرانية التي تشرح الإسلام في ضوء اليهودية والنصرانية، وتفهمه فهماً يهودياً نصرانياً لا إسلامياً، ومن ثمَّ لا تعترف به ديناً مستقلاً، بل تربطه ـ نهائياً ـ باليهودية والنصرانية وتعدُّه تحريفاً لهما.

وتهدف هذه الرؤية إلى تحقيق ثلاثة أغراض(1):

1ـ إبعاد النصارى عن الإسلام بدعوى كونه تحريفاً للنصرانية.

2ـ إبعاد غير النصارى عن الإسلام وجذبهم إلى النصرانية؛ لأنها الأصل الذي انحرف عنه الإسلام.

3ـ جذب بعض المسلمين إلى النصرانية ـ كذلك ـ بدعوى كون إسلامهم مجرد صورة محرفة للنصرانية.

ومن أجل إقحام تلك الرؤية الاستشراقية على النص القرآني المترجم واستنطاقه بها كان لابد من تأكيد بشرية القرآن، فهي الأساس الذي يبني عليه إمكان نشر تلك الرؤية.

وقد تطلّب ذلك مسلكاً ذا مستويين:

المستوى الأول: نظري

وهو بمنزلة التمهيد للمستوى الثاني، إذ يسعى إلى تأكيد بشرية القرآن من خلال وسائل ثلاثة، هي:

1ـ عنونة الترجمات

وذلك بإطلاق تسميات تربط القرآن بشخص النبي وتقطع الصلة بينه وبين الوحي السماوي، وقد سبق ذكر بعض أسماء الترجمات الاستشراقية في المبحث الأول (1).

2ـ المقدمات

لخّص المستشرقون في مقدمات ترجماتهم رؤاهم حول النبي وقد مثلت تلك الرؤى للقراء المرشد الهادي لهم؛ لأنها صادرة ممن هم بمنزلة الخبراء والعارفين بالإسلام وكتابه، وبذلك رسخت المواقف والقناعات حول القرآن من قبل مطالعة آياته المترجمة!

وقد تراوحت لهجة التصريح بمضمون الرؤى الاستشراقية حول القرآن، ما بين الحدة والقسوة، وما بين الغمز الشديد والإيحاء اللطيف، لا فرق في ذلك بين المراحل الأولى في الترجمات وبين المرحلة الحديثة والمعاصرة، فقد بقي جوهر الرؤي لم يتغير منذ العصور الوسطى، وإنما نفض عنه الثياب القديمة لأجل وضع ثياب جديدة تناسب العصر. ولعل أبرز الأمثلة لذلك مقدمة الترجمة الإسبانية لـ خوان.ن. بيرغوا المنشورة بمدريد عام 1975م. الطبعة العاشرة.

إذ يقول بيرغوا "سأتناول الأسلوب نفسه كل ما أراه في هذا الكتاب من خلال مؤلفه محمد؛ لأنني أومن تماماً بأنه ما من طريقة أفضل للحكم على الرجال إلا من خلال مؤلفاتهم"(2).

ويضيف: "فقد اقتصر لتأسيس دينه على مواد سبق أن استعُملت من قبل في بناء أديان أخرى، ومما يثير العجب حقاً كيف أمكن لهذا الهيكل الذي بناه أن يظل قائماً"(1).

3ـ إعادة ترتيب سور القرآن الكريم

لاشك أن محاولات المستشرقين إعادة ترتيب سور القرآن الكريم كما عرضناها عند تقرير مناهج الترجمة الاستشراقية جاءت تعبيراً عن الرؤية الاستشراقية لتاريخ النص القرآني، التي عرضها المستشرق الإنجليزي جون وانسبرة الأستاذ بمدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن، في نقاط ثلاث: (2)

ـ تطور القرآن تدريجياً في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين من أصل روايات شفوية وعن طريق تعديلات جرت عبر قرنين، ثم أعطيت شكلاً رسمياً، وكانت هذه العملية مماثلة لما حدث في تقنين الكتاب المقدس لليهود.

ـ الطابع الجدليّ لكثير مما جاء في القرآن يدل على أن معارضة يهودية كانت وراء عملية تقنين سور القرآن.

ـ روايات القرآن وقصصه وضعت متأخرة لأغراض دينية ودعوية، ثم نُسبت إلى وقت مبكر.

فهذه الرؤية تعمقها محاولة إعادة ترتيب سورة القرآن من خلال عكسها لشبهة بشرية النص القرآني وتأثره بالظروف الشخصية والموضوعية التي واجهت الرسول ، حيث جاء القرآن صدى لآمال الرسول وآلامه وصراعاته مع خصوم دعوته، وكذلك صدى للمشكلات التي واجهته والحلول التي طرقها لحلها، والرؤى السياسية والدينية التي كان يحاول تثبيتها في مواجهة المشركين وأهل الكتاب(1).

المستوى الثاني: عمليّ

في هذا المستوى العملي يتم تعميق المفاهيم المغلوطة حول الإسلام عملياً من خلال تحوير ترجمة النص القرآني بما يلائم الرؤية الاستشراقية التي تم التمهيد النظري لها من خلال العنونة، والمقدمات، ومحاولات إعادة ترتيب سور القرآن.

وقد انصب التحوير أساساً على الآيات ذات المعاني المتعلقة باليهودية والنصرانية، وقد سارت عملية التحوير في اتجاهين:ـ

الاتجاه الأول: تحوير صفات النبي

جاءت صفة أمية النبي على رأس الصفات التي عُوملت بقسوة شديدة في الترجمة، بل يمكن القول إنه لا توجد صفة من صفات النبي أو آية قرآنية اجتمعت الترجمات الاستشراقية على تحويرها مثل اجتماعها على تحريف لفظة الأميّ في قوله تعالى: الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل (الأعراف: 158).

لأن هذه الصفة المحورية تبطل كل الادعاءات والشبهات المثارة حول بشرية القرآن ونبوة محمد ، إذ كيف يمكن أمياً لا يحسن القراءة ولا الكتابة أن يطالع نصوص الكتب المقدسة لدى اليهود والنصارى، فيقتبس منها ما يؤلف مذهباً دينياً متكاملاً، استطاع في قرن ونصف من الزمان الاستعلاء والظهور على سائر الأديان، ثم استطاع اجتياز جميع الاختبارات والمحن التي واجهها من قبل خصومه حتى القرن الحادي والعشرين حيث يقف شامخاً صامداً!؟

ومن ثمّ بات من الضروري للمترجمين نفي هذه الصفة عن النبي ؛ لفتح الباب أمام القول باقتباسه من اليهود والنصارى، وذلك بتحريف معنى ترجمتها، على النحو التالي:

1ـ في الترجمة المجرية(1).

ترجمت الآية: الذين يتبعون الرسول النبي الأمي (الأعراف: 158) إلى:

A KiK Kovetik akuldottet a Pogang Provetat

ومعناها: الذين يتبعون الرسول النبي المشرك.

2ـ لدى بلاشير (نشرة باريس 1966م)

يترجم النبيّ الأمي بـ: Gentils des Prophète

وتعني: (نبي غير اليهود): (نبي الوثنية)

3ـ لدى دينيس ماسون (الطبعة الأولى 1976م)

تترجم "النبي الأمي" بـ: Infideles des Prophète

وتعني: نبي الكفرة

وفي الطبعات التالية عدلتها إلى "نبي الوثنية"

4ـ لدى جاك بيرك

يترجم "النبي الأميّ" بـ: maternel Prophète Le

وتعني النبي الأمومي (من الأمومة)

5ـ لدى هيننج

يترجم النبيّ الأميّ" بـ: der Heiden Propheten dem

ومعناها: نبي الوثنيين، ثم يعلق في الحاشية، قائلاً:

"هذا يعني عدم اختصاصه بالديانات الكتابية، يقصد محمداً".

6ـ لدى رودي بارت

يترجم "النبي الأمي" بـ: Propheten heidnischen dem

وتعني: نبي الوثنيين.

ويلاحظ أن تحوير صفة الأمية بتوجيه معنى لفظة "الأميّ" في سورة الأعراف في جميع الترجمات الاستشراقية إلى معاني: الوثنية، أو الشرك، أو الكفر، أو ديانة غير الكتابيين، إنما يخدم ـ إلى جانب ربط الإسلام والقرآن والنبي باليهودية والنصرانية ـ قضية أخرى محورية وهي نفي عالمية الإسلام وشمول دعوته اليهود والنصارى، إذ كانت الآيات المقرِّرة عالمية الإسلام هدفاً آخر لعمليات التحوير الاستشراقي في الترجمة.

الاتجاه الثاني: ربط العقائد والشعائر والشرائع القرآنية باليهودية والنصرانية

قام المستشرقون في هذا الاتجاه بترجمة آيات المعتقدات والشعائر والأحكام القرآنية إلى معان وألفاظ ذات دلالات يهودية ونصرانية مألوفة لدى القارئ الغربي غير المسلم، حتى إذا ما طالعها في مواضعها من الآيات القرآنية تأكد لديه انبثاقها من نصوص وطقوس اليهودية والنصرانية، ولا سيما إذا ما كان قد وُجِّه إلى ذلك من خلال العنونة والمقدمات المسهبة التي بلغت في ترجمة خوان.ب. بيرغوا الإسبانية ـ مثلاً ـ مائة وتسعاً من الصفحات.

ومن الأمثلة على عمليات التحوير الاستشراقي في ترجمة هذا القسم من الآيات القرآنية التي حاولت الترجمات ربطها بمجالين من مجالات الديانة النصرانية واليهودية، وهما:

1ـ أنسنة الإله

يترجم المستشرقون آيات الصفات الإلهية بما يتفق مع النسق اليهودي النصراني في أنسنة الإله في العهد القديم وتجسُّده في العهد الجديد:

= ترجم جاك بيرك قوله تعالى في سورة البقرة فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم (البقرة: 54)، بـ:

Et pourtant, Il s’est repenti à votre endroit

Il est l`Enclin - au- repentir, le Miséricordieux.

وتعني أن الله هو الذي تاب بدلاً منكم لأنه يميل إلى التوبة.

= ترجم المستشرق الروسي المشهور كراتشكوفسكي سورة الناس إلى ما ترجمته الحرفية(1): ((إله الناس الذي يختبئ من شر الوسواس، الذي يوسوس صدور الناس))

= ترجمة أندريه شوراكي ذات التعبيرات الحسية في مجال العقيدة والتعبيرات الفاضحة في غيرها، وهي بذلك تربط القارئ مباشرة بألفاظ التوراة الحسية والفاضحة، ويظهر ذلك جلياً في ترجمته لبعض الألفاظ مثل: الكفار، الأميين، النبي، الرسول، الجهاد، التي صكها في قوالب ومدلولات عبرية أخرجتها عن معانيها ومدلولاتها العربية(1).

2ـ الطقوس والأسرار النصرانية

تُترجَم الاصطلاحات والمسميات الإسلامية هنا إلى اصطلاحات ومفاهيم نصرانية خالصة، مثل:

= ترجمة هيننج قوله تعالى في سورة البقرة: صبغة الله ومَنْ أحسن من الله صبغة (البقرة: 138)، بـ:

Die Taufe Allah (haben wir), und was ist besser als Allahs Taufe?

ومعناها: "تعميد الله، وما أحسن من تعميد الله؟

ثم يؤكد في الحاشية مقصوده في توجيه الآية إلى سر التعميد في النصرانية قائلا:

"ليس مؤكداً إذا ما كانت كلمة صبغة تعني المسح أو التلوين، على الأرجح أنها إشارة إلى الشعائر النصرانية التي انتقلت مجازياً إلى الإسلام".

= ترجمة جاك بيرك قوله تعالى: الذين يؤمنون بالغيب (البقرة: 3) بـ:

Ils croient au mystère

وتعني الذين يؤمنون بالسّر (الكنسي المتعلق بالمسيح والثالوث).

= ترجمة جاك بيرك لـ المسجد الحرام ترجمتين مختلفتين:

إحداهما كما في سورة الإسراء (1) في ترجمته:

Consacré L’oratoire وكلمة Oratoire تعني: كنيسة صغيرة من أجل استخدام جماعة معينة.

والثانية كما في سورة التوبة ( 28 ) consacré Sanctuaire Le ، وكلمة Sanctuaire تعني جزءاً من الكنيسة حول المذبح تتم فيه المراسم الطقسية.

ويمكن القول ـ من خلال الواقع المشاهد ـ بأن الترجمات الاستشراقية للقرآن الكريم قد نجحت إلى حد كبير في صرف أنظار الغربيين وإبعادهم عن المعاني العظيمة في القرآن الكريم، وكذلك في تعميق المفاهيم المغلوطة حول الإسلام، والتي لا يستطيع الإفلات من براثنها سوى مَن أُتيحت له فرصة الاطلاع الجيد على الترجمات الصحيحة لمعاني القرآن الكريم، وفي ذلك عبء ثقيل على أهل الذكر من المسلمين يرتقي إلى مقام الفريضة الواجبة عليهم في تلبية مطالب جميع اللغات العالمية، وسد حاجاتها إلى ترجمة صحيحة لمعاني القرآن الكريم.

الخاتـمــة


ليس من الخطأ ـ في نهاية المطاف ـ القول بأن حركة الترجمات الاستشراقية للقرآن الكريم كان يمكن لها أن تكون وسيلة حضارية فعالة لإقامة الجسور والروابط وتوثيق العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب، وأن تكون عاملاً فاعلاً في إخماد الحروب الصليبية المتواصلة ضد الإسلام وأهله. لكنها اختارت أن تكون امتداداً للحروب الصليبية، وشكلاً من أبرز أشكال الصراع الديني ضد الإسلام، وحلقة في مسلسل التشكيك والتزييف الذي يقوده الغرب، ويحمّل من خلاله ترجمات القرآن الكريم توجهاته الفكرية ورؤاه العقدية وتصوراته الحضارية التي تستهدف قهر الإسلام، والحيلولة دون نجاحه في الغرب أو الشرق، وتحجيم دور القوة الدافعة التي يبثها القرآن في قلوب المؤمنين به.

فالترجمات الاستشراقية منذ الترجمة الأولى بدير الرهبان في كلوني، مروراً بترجمات المرحلة الوسطى، وانتهاء بترجمات المرحلة الحديثة والمعاصرة، لم يكن لها أي هدف سوى توجيه الإدانات ضد الإسلام وكتابه ونبيه، تلك الإدانات التي امتدت سلستها على مدى قرون عديدة تتناثر عليها بعض أشهر الأسماء.

وخطورة حركة الترجمة الاستشراقية للقرآن الكريم لا تكمن فقط في تحريفها لكَلِم رب العالمين، وإنما كذلك في كونها عائقاً أمام وصول رسالة الإسلام إلى المخاطبين بها في العالم كله على نحو صحيح يضمن تأثيره في غير المسلم، كما يحول دون جعل المسلم فريسة للأوهام والدعاوي الاستشراقية المبثوثة من خلال الترجمات.

وتتعدى مخاطر الترجمة الاستشراقية كل ذلك إلى ما استهدفته من أغراض أخرى، وسلكته من مناهج ملتوية، وأفرزته من شخصيات وأعمال أبعدتها عن فلك الإسهام العلمي البنّاء، وجعلتها محصورة بين قطبي الجهل والتشويه.

إذ لا يكاد يوجد بين ترجمات المستشرقين للقرآن الكريم ترجمة واحدة يُطمأن إليها من حيث الدقة والأمانة، فهي أعمال هواة مغرضين، وليست جهود أمناء مختصين.

مصادر ومراجع البحث

أولاً: القرآن الكريم

ثانياً: ترجمات معاني القرآن الكريم

1-Max Henning, Der Koran

VMA Verlage Wiesbaden

2-Moustafa Maher, Auswahl aus den Interpretationen des Heiligen Koran, Kairo, 1420 n.d. Hidschra. 1999 n.chr.

3-Muhammad Hamidullah, Le Noble Coran, et la Traduction en langue francaise de ses sens, Complexe Roi Fahd Pour l’impression du Noble Coran. 1420. Hidchra.

4-Muhammad Taqi-ud-din Al- Hilali and Muhammad Muhsin Khan.

Translation of the meanings of the noble Quran, King Fahd Complex for the Printing of the Holy Quran. Madinah, K. S. A, 1417 A.H.

5-Murad Hofmann,

Der Koran, Aus dem Arabiscben von Max Henning, ueberarbeitung und Einleitung von M. Hofmann. Çağri Yayinlari. Istanbul 1998.

6-Rudi Paret, Der Koran, Uebersetzung von Rudi Paret, Verlag Kohlhammer, Stuttgart 1979.

ثالثا: علوم القرآن

  1. الزركشي: البرهان في علوم القرآن، بتحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم. القاهرة 1957م.

  2. السيوطي: الإتقان في علوم القرآن، بتحقيق مصطفى ديب، دار ابن كثير، دمشق. الطبعة الأولى.

رابعاً: المعاجم.

المعجم الوسيط، إصدار مجمع اللغة العربية بالقاهرة 1392هـ -1972م.

2- Deutsch - Arabisches Woerterbuch, London- Beirut 1977.

خامساً: مراجع أخرى

  1. أبو العلا، محمد حسين: القرآن وأوهام مستشرق، المكتب العربي للمعارف، القاهرة 1991م.

  2. بلاشير، ريجيس: مقدمة ترجمة القرآن، بترجمة محمد العبيدي، حولية كلية الآداب ـ الجامعة التونسية العدد 21 عام 1982م.

  3. تشابا، أحمد: صعوبات في ترجمة القرآن الكريم وأولوياتها، مجلة الفيصل (300). الرياض 1422ه‍ ـ2001م.

  4. حكيم، أسعد: علم الترجمة النظريّ، دار طلاس، دمشق. الطبعة الأولى 1989م

  5. زهران، البدراوي: دحض مفتريات، سلسلة دعوة الحق (84)، رابطة العالم الإسلامي 1406ه‍ ـ1985م.

  6. زينب عبدالعزيز (الدكتورة): ترجمات القرآن إلى أين؟ وجهان لجاك بيرك، دار الهداية. مصر، د.ت.

  7. السامرائي، قاسم (الدكتور): الاستشراق بين الموضوعية والافتعال، دار الرفاعي. الرياض 1403ه‍ – 1983م.

  8. سذرن، ر.و: نظرة الغرب إلى الإسلام في العصور الوسطى، بترجمة على خشيم وصلاح الدين حسن، مكتبة الفكر طرابلس، الطبعة الأولى 1395ه‍- 1975م.

  9. شوقي ضيف: البلاغة تطور وتاريخ، دار المعارف. القاهرة. الطبعة الخامسة 1965م.

  10. شيون، فريتجوف: كيف نفهم الإسلام، دار الآداب، بيروت. الطبعة الأولى 1978م.

  11. الطيباوي، عبداللطيف: المستشرقون الناطقون بالإنجليزية، عمادة البحث العلمي بجامعة الإمام محمد ابن سعود. الرياض 1141ه‍ – 1991م.

  12. عبدالمحسن، عبدالراضي (الدكتور): الغارة التنصيرية على أصالة القرآن الكريم، ندوة عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن وعلومه، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف. المدينة المنورة (3-6 رجب 1241هـ/30سبتمبر – 3أكتوبر 2000م)

  13. العقاد، عباس محمود: حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، القاهرة 1382هـ ـ1962م.

  14. العمار، حمد بن ناصر بن عبدالرحمن (الدكتور): أساليب الدعوة الإسلامية، مركز الدراسات والإعلام، دار إشبيليا، الرياض. الطبعة الثانية 1418هـ-1997م.

  15. المالك، فهد: نظرات في قضية ترجمة معاني القرآن الكريم، مجلة البيان، العدد 96 (المنتدى الإسلامي بلندن).

  16. محمد خليفة حسن (الدكتور): أزمة الاستشراق الحديث والمعاصر، عمادة البحث العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. الرياض 1421هـ – 2000 م.

  17. محمد عيسى: ترجمة إسبانية للقرآن الكريم، مجلة المعهد المصري للدراسات الإسلامية في مدريد، المجلد التاسع عشر. مدرير1976-1978م.

  18. محمد مهر علي: مزاعم المستشرقين حول القرآن الكريم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة. رجب1421ه‍- أكتوبر2000م.

  19. المرزوقي، أبو يعرب: الترجمة ونظرياتها، بيت الحكمة، تونس 1989م.

  20. المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة: القرآن الكريم، دراسة تصحيحية لأخطاء دائرة المعارف الإسلامية في لايدن. إيسسكو 1417هـ ـ1997م.

  21. مهنا، أحمد إبراهيم (الدكتور): دراسة حول ترجمة القرآن الكريم، مطبوعات الشعب. القاهرة، د.ت.

  22. مونان، جورج: المسائل النظرية في الترجمة، بترجمة لطفي زيتوني، دار المنتخب العربي، بيروت، الطبعة الأولى 1415ه‍ ـ1994م.

  23. نخبة من العلماء: التفسير الميسر، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف. المدينة المنورة 1419هـ.

  24. نيكولاي، فاشكيفيتش: الفرقان في ترجمة معاني القرآن، مجلة شمس الإسلام. العدد الثاني لندن. موسكو، ربيع الأول 1414هـ ـ سبتمبر 1993م.

  25. الهادي الدرقاش: العقد الحضاري في شريعة القرآن، دار قتيبة، تونس. الطبعة الأولى 1408هـ ـ 1989م.

  26. هويدي، أحمد: الاستشراق الألماني، طبع المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية. مصر 1420هـ –2000م.

  27. يونغ، لويس: العرب وأوربا، بترجمة ميشل أزرق، دار الطليعة. بيروت. الطبعة الأولى 1979م.

سادساً: مراجع باللغات الأوربية

1-Hock, K., Der Islam im Spiegel westlicher Theologie. Wien 1986.

2-Rudolph. K., Der Koran im Lichte der Religionsgeschichte, Weinar 1960.

3-Trevor Roper, Hugh, The Rise of Christian Europe, Oslo 1978.

4-Zwemer S., The Translation of the Quran, The Muslim World. 1973.

فهرس الموضوعات

مقدمـــة 1

المبحث الأول 5

مناهج المستشرقين في الترجمة 5

أولاً: ترجمة النص وليس المعنى 5

ثانياً: إغفال النص العربي في الترجمة 7

ثالثاً: إعادة ترتيب سور القرآن 8

المبحث الثاني 14

خصائص الترجمات الاستشراقية 14

المطلب الأول: ضعف الترجمات 14

(أ) جهل المستشرقين باللغة العربية 15

1ـ الأخطاء المعجمية 16

2ـ الأخطاء النحوية 20

(ب) الجهل بالإسلام 24

(جـ) اختلاف طبيعة اللغات 26

المطلب الثاني: الترجمة الحرة 29

أولاً: الحذف 30

ثانياً: الزيادة 32

ثالثاً: تجاهل خصيصة النظم القرآني 32

رابعاً: تعدد نظام ترجمة أسماء السور 33

المبحث الثالث 35

مخاطر الترجمات الاستشراقية 35

أولاً: إبعاد الناس عن المعاني العظيمة والقيم السامية في القرآن الكريم 36

(أ) الأخلاق القرآنية 37

(ب) الإشارات العلمية في القرآن الكريم 39

ثانيا: تعميق المفاهيم المغلوطة حول الإسلام 46

المستوى الأول: نظري 47

1ـ عنونة الترجمات 47

2ـ المقدمات 47

3ـ إعادة ترتيب سور القرآن الكريم 48

المستوى الثاني: عمليّ 49

الاتجاه الأول: تحوير صفات النبي 50

الاتجاه الثاني: ربط العقائد والشعائر والشرائع القرآنية باليهودية والنصرانية 52

1ـ أنسنة الإله 52

2ـ الطقوس والأسرار النصرانية 53

الخاتـمــة 56

مصادر ومراجع البحث 58

فهرس الموضوعات 63


1(?)لم يعد فضل الحضارة الإسلامية على الغرب واستلهامه لها وإفادته الواسعة منها في جميع المجالات العلمية والمعرفية مجرد فرض أو تخمين علمي جدلي، بل أصبح حقائق علمية مسطورة في كتابات مؤرخي الحضارة والفكر من الغربيين أنفسهم، راجع على سبيل المثال:

-زيغريد هونكه، شمس العرب تسطع على الغرب.

-روم لاندو، الإسلام والعرب.

-لويس يونغ، العرب وأوربا.

-جورج سارتون، الثقافة الغربية في رعاية الشرق الأوسط.

1(?) موريس بوكاي، الأفكار الخاطئة التي ينشرها المستشرقون خلال ترجمتهم للقرآن الكريم، ص1396.

2(?) إدراكاً منا لهذه القاعدة المنهجية التي التزمها المستشرقون في ترجماتهم جاءت تسمية البحث بـ"مناهج المستشرقين في ترجمات معاني القرآن الكريم دراسة تاريخية نقدية" وليس "حركة الترجمات الاستشراقية لمعاني القرآن الكريم"، ولهذا وصمت الحركة في خاتمة البحث بـ"الجهل والتشويه".

1(?) أحمد إبراهيم مهنا، دراسة حول ترجمة القرآن الكريم، ص37.

2(?) سعيد اللاوندي، إشكالية ترجمة القرآن الكريم، ص98.

1(?) يوهان فوك، الدراسات العربية في الرسلامية في أوربا، ص22.

1(?) عبدالله الندوي، ترجمات معاني القرآن الكريم، ص73.

1(?) مقدمة ترجمة القرآن لبلاشير، بترجمة محمد العبيدي، ص68 بحولية كلية الآداب ـ الجامعة التونسية.

2(?) راجع المقدمة المذكورة ص68ـ401.

1(?) الزركشي، البرهان في علوم القرآن (1/192) بتحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم· القاهرة 1957م.

2(?) فهد المالك، نظرات في قضية ترجمة معاني القرآن الكريم، ص33، مجلة البيان 2العدد 96 (المنتدى الإسلامي بلندن) ، أحمد مهنا، دراسة حول ترجمة القرآن الكريم، ص137.

1(?) محمد حسين أبو العلا، القرآن وأوهام مستشرق، ص29، المكتب العربي للمعارف، القاهرة 1991م.

1(?) موريس بوكاي، الأفكار الخاطئة التي ينشرها المستشرقون من خلال ترجمتهم للقرآن الكريم، ص1396.

1(?) يوهان فوك، الدراسات العربية الإسلامية في أوربا، ص78.

2(?) ر.و. سذرن، نظرة الغرب إلى الإسلام، ص103.

3(?) يوهان فوك، السابق، ص100.

1(?) محمود المقداد، تاريخ الدراسات العربية في فرنسا، ص236،243 سلسلة عالم المعرفة (167) الكويت 1413هـ – 1992م.

2(?) سعيد اللاوندي، إشكالية ترجمة معاني القرآن الكريم، ص71، 99.

3(?) عبدالله الندوي، ترجمات معاني القرآن الكريم وتطور فهمه عند الغرب، ص73.

1(?) التفسير الميسر، إعداد نخبة من العلماء، ص393.

1(?) لويس يونغ، العرب وأوربا، ص17-18.

1(?) عبداللطيف الطيباوي، المستشرقون الناطقون بالإنجليزية، ص167-173، عمادة البحث العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الرسلامية بالرياض 1411هـ –1991م.

1(?) عباس محمود العقاد، حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، ص 178-179، القاهرة 1382ه‍ –1962م.

1(?) ر.و. سذرن؛ نظرة الغرب إلى الإسلام، ص24.

2(?) حسب زعم القائل.

3(?) نقلا عن د· زينب عبدالعزيز، ترجمات القرآن إلى أين؟ ص6.

4(?) ر·و· سذرن، نظرة الغرب إلى الإسلام، ص49.

1(?) سعيد اللاوندي، إشكالية ترجمة القرآن الكريم، ص57.

2(?) يلخص جورج مونان النظريات الألسنية التي تنفي شرعية الترجمة أو إمكانها في أربعة جوانب: الدلالة، التركيب النحوي، اختلاف رؤى العالم، تعدد الحضارات· راجع: جورج مونان، المسائل النظرية في الترجمة، بترجمة لطفي زيتوني، دار المنتخب العربي، بيروت، الطبعة الأولى 1415هـ – 1994م.

3(?) فريتجوف شيون، كيف نفهم الإسلام، 55، دار الآداب بيروت، الطبعة الأولى 1978م.

1(?) البدراوي زهران، )دحض مفتريات) ص96، 97، سلسلة دعوة الحق، رابطة العالم الإسلامي (48) 1406هـ –1985م.

2(?) سعيد اللاوندي، إشكالية ترجمة القرآن الكريم، ص901.

1(?) أحمد تشابا، صعوبات في ترجمة القرآن الكريم وأولوياتها، ص64-67، مجلة الفيصل (300) 1422ه‍–2001م.

1(?) عبدالراضي عبدالمحسن، الغارة التنصيرية على أصالة القرآن الكريم، ص40، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ضمن ندوة عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن وعلومه، المدينة المنورة (3-6 رجب 1421هـ، 30 سبتمبر – 3 أكتوبر 2000م.

2(?) محمد خليفة حسن، أزمة الاستشراق الحديث والمعاصر، ص138، 196عمادة البحث العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض 1421هـ -2000م.

3(?) يوهان فوك، تاريخ الدراسات العربية والإسلامية في أوربا، ص7.

1(?) يقوم هذا التناول على أن اللغة "ليست فهرساً أو مدوَّنة أو كيساً للكلمات" بل هي نظام معقد من العلاقات بين الرموز والأشياء والكلمات، وأن هذا النظام نظام واسع من البنى والتراكيب ويختلف في كل لغة عن أنظمة سائر اللغات الأخرى·

راجع: جورج مونان، المسائل النظرية في الترجمة، ص67-68، 90، وينتظم هذا النسق المتكامل ثلاثة أنواع من العلاقات:

1ـ العلاقات بين الرمز ومدلوله (العلاقة الدلالية)

2ـ العلاقات بين الرمز والجماعة اللغوية (العلاقة الذرائعية)

3ـ العلاقات بين الرمز داخل النظام اللغوي (العلاقات التركيبية) ·

راجع: أسعد حكيم، علم الترجمة النظري، ص201، دار طلاس، دمشق· الطبعة الأولى 1989م.

1(?) محمد سالم محيسن، تاريخ القرآن الكريم، ص76-80.

1(?) عبدالله الندوي، ترجمات معاني القرآن الكريم وتطور فهمه عند الغرب، ص36.

2(?) فرتيجوف شيون، كيف نفهم الإسلام، ص54.

3(?) أبو يعرب المرزوقي، مدخل عام ضمن كتاب الترجمة ونظرياتها، ص24، طبع بيت الحكمة· تونس 1989م.

1(?) عبدالله الندوي، ترجمات معاني القرآن الكريم وتطور فهمه عند الغرب، ص36.

2(?) الهادي الدرقاش، العقد الحضاري في شريعة القرآن، ص17ـ20، دار قتيبة الطبعة الأولى،
1408ه‍ ـ1989م.

1(?) أحمد إبراهيم مهنا، دراسة حول ترجمة القرآن الكريم، ص85-86.

2(?) المرجع السابق، ص 100-101.

1(?) موريس بوكاي، الأفكار الخاطئة التي ينشرها المستشرقون، ص137 .

1(?) التفسير الميسر، ص244.

2(?) موريس بوكاي، الأفكار الخاطئة التي ينشرها المستشرقون، ص2731.

3(?) لا فرق بين الذي ذكره المترجم والمعنى الذي اقترحه الباحث، فلا وجه للاعتراض عليه.[ اللجنة العلمية]

1(?) موريس بوكاي، الأفكار الخاطئة التي ينشرها المستشرقون، ص1374.

2(?) صدرت هذه الترجمة عام 1420هـ ـ 1999م، وعليها ملاحظات كثيرة مردها إلى كون المترجم أستاذاً في اللغة الألمانية، وليس متخصصاً في الدراسات الدينية بشكل عام أو الدراسات الإسلامية بشكل خاص، مما فوّت على الترجمة فرصة الاصطلاحات العلمية الدارجة بين دارسي الأديان خاصة فيما يتعلق باليهودية والنصرانية، وكذلك كان حال المراجعين للترجمة حيث تولتها ابنته الألمانية إلسا ماهر والأستاذ علي هوبر وهما ـ فيما أعلم ـ ليسا من أهل الاختصاص· ومن جهة ثانية اعتمادها على المفهوم الاعتزالي في تفسير الصفات، راجع على سبيل المثال ترجمة صفة الاستواء على العرش:

(الأعراف. 54) S:222

(يونس: 3) S:294

(الرعد: 2) S:362

(طه: 5) S:469

(الفرقان: 59) S:562

(السجدة: 4) S:637

(الحديد: 4) S:878

3(?) المعجم الوسيط، ص146مادة جني.

1(?) حمد العمار، أساليب الدعوة الإسلامية المعاصرة، ص293، مركز الدراسات والإعلام ـ دار إشبيليا، الرياض· الطبعة الثانية 1418ه‍-1997م.

1(?) راجع جوتس شراجله، قاموس ألماني ـ عربي، ص313، 229 مكتبة لبنان، بيروت.

1(?) محمد خليفة حسن، أزمة الاستشراق الحديث والمعاصر، ص243.

1(?) راجع: ص5-6.

2(?) محمد عيسى، ترجمة إسبانية للقرآن الكريم، ص136، مجلة المعهد المصري للدراسات الإسلامية في مدريد، المجلد التاسع عشر، مدريد 1976- 1978م.

1(?) المرجع السابق ص831.

2(?) محمد مهر علي، مزاعم المستشرقين حول القرآن الكريم، ص8-9، ندوة عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم (3-6 رجب 1421هـ، 30 سبتمبر 3 أكتوبر 2000م.

1(?) ساسي الحاج، الظاهرة الاستشراقية، ص426-428.

1(?) أحمد تشابا، صعوبات في ترجمة القرآن الكريم وأولوياتها، ص63، مجلة الفيصل (300) الرياض· جمادي الآخرة 1422هـ – أغسطس 2001م.

1(?) فاشكيفيتش نيكولاي، الفرقان في ترجمة معاني القرآن، ص57-58، مجلة شمس الإسلام(2) ، لندن· موسكو، 1414هـ –1993م.

1(?) سعيد اللاوندي، إشكالية ترجمة معاني القرآن الكريم، ص131.

-61-